آخر 10 مشاركات
رواية مباريات الجوع - سوزان كولنز ( الجزء الأول من ثلاثية مباريات الجوع ) (الكاتـب : ابن رشد - آخر مشاركة : haruno- sakura - مشاركات : 634 - المشاهدات : 16856 - الوقت: 03:24 AM - التاريخ: 02-09-14)           »          فضيحة فتاة المجتمع الراقي(83) لـ:مورين شايلد (الجزء1 من سلسلة فضائح بارك أفينو)كاملة (الكاتـب : * فوفو * - آخر مشاركة : نو-نا - مشاركات : 4421 - المشاهدات : 233578 - الوقت: 03:23 AM - التاريخ: 02-09-14)           »          دموع تبتسم (38) للكاتبة: شارلوت ... كاملة ... (الكاتـب : najima - آخر مشاركة : غدير1 - مشاركات : 6154 - المشاهدات : 283385 - الوقت: 03:23 AM - التاريخ: 02-09-14)           »          335 - رهان على قلب - جيسيكا هارت (الكاتـب : سيرينا - آخر مشاركة : رشا عمرو - مشاركات : 1470 - المشاهدات : 71856 - الوقت: 03:23 AM - التاريخ: 02-09-14)           »          صعود من الهاوية - بيتي جوردن - ع.ج ( إعادة تصوير ) (الكاتـب : امراة بلا مخالب - آخر مشاركة : غريب على الخليج - مشاركات : 1109 - المشاهدات : 33638 - الوقت: 03:22 AM - التاريخ: 02-09-14)           »          46 - شمس الليل - راشيل ليندساى (الكاتـب : لولا - آخر مشاركة : اسر حمزة - مشاركات : 661 - المشاهدات : 28123 - الوقت: 03:22 AM - التاريخ: 02-09-14)           »          قيود الندم - مارغريت بارغيتر - ع.ج ( عدد ممتاز ) (الكاتـب : بريق ـآلمآس - آخر مشاركة : غريب على الخليج - مشاركات : 1464 - المشاهدات : 65597 - الوقت: 03:21 AM - التاريخ: 02-09-14)           »          وما زلت اذكرها (1) ... سلسلة طيور مهاجرة !! (الكاتـب : سلام12 - مشاركات : 1020 - المشاهدات : 27356 - الوقت: 03:21 AM - التاريخ: 02-09-14)           »          1108 - دورة الأيام - شارلوت لامب - عبير د.نحاس (الكاتـب : Just Faith - آخر مشاركة : طفلــــة الــــورد - مشاركات : 248 - المشاهدات : 4397 - الوقت: 03:21 AM - التاريخ: 02-09-14)           »          يا من أسرتِ الفؤاد ترفقي (الكاتـب : سما نور 1 - آخر مشاركة : hadeer mansour - مشاركات : 1528 - المشاهدات : 29852 - الوقت: 03:20 AM - التاريخ: 02-09-14)



العودة   شبكة روايتي الثقافية > قسم الروايات > منتدى الروايات والقصص المنقولة > روايات اللغة العربية الفصحى المنقولة

إضافة رد
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قصة الجندي الابيض

تحياتي للجميع
هذه قصة من نوع قصص الخيال وهي للامانة منقولة



- ماذا ؟
صرخت في الهاتف مندهشة وأنا أسمع صديقتي إيميلي تخبرني عن رسوبها في اختبار نهاية العام بالجامعة . دهشت لأنها كانت مجتهدة في دراستها ولكنني أنهيت المكالمة بسرعة وذهبت لأرتدي ثيابي حتى أذهب إليها.. خصوصا وأنها منهارة ولم تتوقع تلك النتيجة..
نظرت إلى غرفتي الكبيرة للحظة قبل أن أخرج ثم قلت لخادمتي ميرلا أنني سوف أخرج .. قامت بإيماءة برأسها وهي تحمل بعض الأغراض وصاحت
- لا تتأخري يا آنسة فالوقت متأخر..
انصرفت أنا ..
دقائق من السير وكنت أمام منزل صديقتي إيميلي.. وعندما دلفت إلى المنزل كان هناك الكثير من الناس والحلويات والكعك والبالونات.. الجميع يبتسم ويضحك وبحثت بغيظ عن إيميلي المخادعة فيبدو أنها لم ترسب وهذا هو مقلب من أحد مقالبها السمجة.. لوهلة رأيت والدتها ولكنها اختفت وسط الحشد فأسرعت خلفها..
- سيدتي، مرحباً
- آووه مرحبا لندا.. مبارك نجاحك ..
- أنا ؟ نعم شكرا.. لكن .. أين إيميلي؟
- إنها بالأعلى ..
- لمن هذه الحفلة إذاً؟؟
- أنها لآرثر وجيمس لقد تخرجا بتفوق ..
قالتها بسعادة بالغة وفي خلال لحظات تركت السيدة وورثنجتون واندفعت إلى الأعلى وانا أتفادى جموع الحاضرين المبتهجة.. وطرقت باب غرفة إيميلي..
- أيميلي.. هذه أنا لندا
فتحت صديقتنا ميرندا الباب على الفور ورأيت إيميلي تجلس عند شرفتها وترتدي ملابس النوم وهي تدفن رأسها بين ذراعيها..
اندهشت للمنظر ونظرت إلى ميرندا وقلت :
- ميرندا.. انت هنا منذ وقت . أليس كذلك؟
- أجل!
- هل رسبت حقا..؟
نظرت إليّ ميرندا بحزن وقالت :
- لن تكون معنا العام القادم في القسم!
توجهت إلى إيميلى وربت على ظهرها بلطف ثم قلت
- إيميلي.. هذا يحصل دائما في الجامعة لا تقلقي..
سمعت صوت بكائها وقالت دون أن ترفع رأسها:
- لم نفترق منذ المرحلة الابتدائية لما يحصل ذلك لي أنا؟ لما أنا الفاشلة الوحيدة!
حاولت أن أجعلها سعيدة وكذلك صديقتنا ميرندا ولكنها لم تكن بخير.. وكان صوت الضحك والسعادة يشع حول غرفتها فكان ذلك جرحا كبيرا لمشاعرها
خرجت إلى خارج غرفتها كنت مغتاظة جدا مما يفعله أهلها وهي تبكي في الغرفة..
وفي الحال شاهدت شقيقها الأكبر آرثر.. توجهت نحوه وقلت بهدوء:
- مبارك التخرج..
ابتسم آرثر وقال:
- لا أصدق أنك هنا لتهنئتي.. أليس كذلك لندا، أنا أعرفك جيدا.. كما أنك لم ترتدي فستان سهرة ..
نظرت بغيظ وقلت :
- جئت من أجل إيميلي كما تعلم..
نظر آرثر حوله وقال بغباء:
- أوه .. صحيح أين هي أنا لم أرها لقد اشتريت لها فستانا جميلا بالأمس..
تضايقت منه وقلت بغضب :
- في الحقيقة انك غريب.. أنت تعلم أنها رسبت وهي حزينة ثم تقومون بعمل حفلة رائعة وتتجاهلون حزنها.. كان عليكم إعطائها المزيد منن الوقت حتى تخف الصدمة..
نظر إلي آرثر وعلى وجهه ابتسامة غريبة ثم قال ببرود
- أليس هذا ما تفعله الأخت العاقلة الارستقراطية دائماً؟؟
- لكن هذا ليس عدلا.. لم يحاول أحدكم حتى أن يذهب إلى غرفتها .. ثم...لقد مضى عهد الارستقراطية أيها السيد..
قلت ذلك بتعصب إيميلي..
نظر آرثر إلى الجماهير وهو يحتسي شرابا ثم عاد بنظره إلى وقال:
- حسنا سوف أذهب إليها الآن معك .. لكن ماذا أقول لها؟؟
ثم ضحك بشده وقال:
- أعزيها مثلا!

تركته وانصرفت فقد كان مستفزا، وعدت إلى غرفة إيميلى وأنا أشعر بالإحباط ، ولم انتبه انه كان يتبعني .. دخلت للحجرة فدخل خلفي وأغلق الباب..
نظرت إليه باستغراب ولكنه سلم على ميرندا وتوجه معها نحو إيميلي ، كانت ميرندا دائما معجبة بآرثر ولقد حاول الاثنان بتعاون شديد مساعدة إيميلي على الضحك وكانت أكثر تقبلا لآرثر فابتسمت أخيرا بعد وقت طويل وقررت ارتداء فستانها لتكمل مابقي من السهرة بجانب أخيها اللطيف جدا والمستفز إلى أبعد الحدود..
كانت وظيفتي في هذه اللحظة قد انتهت وقالت ميرندا أنها ستبقى بصحبة آرثر وإيميلي أما أننا فقد قررت العودة إلى منزلي ..
قال لي آرثر ببرود:
- هل أنت سعيدة الآن..
- أجل!
قلت ذلك باقتضاب وسلمت على إيميلي وميرندا ثم توجهت إلى الطابق السفلي ، حيتني السيدة وورثنجتون ورأيت جيمس شقيق آرثر، لوهلة ابتسم لي من بعيد ورددت الابتسامة ثم انصرفت عائدة إلى منزلي كانت الساعة في العاشرة ليلاً.. وكان الطريق هادئا وموحشا..
شعرت بالخوف ولكنني قلت في نفسي " دقائق وأصل للمنزل".. نظرت إلى الأشجار حول الطريق، ازداد خوفي وشعرت بأن الدقائق أصبحت بطيئة وأسرعت الخطى..
وكأنني سمعت صوت سيارة تقترب من بعيد ، خفت كثيرا ولمحت منزلي الكبير يظهر و أنا أمشي على الطريق المرتفع أسرعت السيارة وتوقفت بجانبي ، نظرت للسائق فشاهدت جيمس المبتسم دائما ...وقال:
- كيف تسيرين بمفردك؟ هل تريدين أن يقوم أحد ما باختطافك وطلب فدية..؟؟
ابتسمت وقلت:
- لا ..
- هيا اركبي إذن..
- ولكن.. هذا هو المنزل .. لقد وصلت تقريبا..
- أنت تحرجينني بالفعل!
كان المنزل قريبا جداً ولكنني لم أرد إحراجه، خاصة وأنه قد ترك الحفل وتبعني.. " شخص لطيف جدا" هكذا قلت في نفسي ،، ركبت إلى جواره وبدأ في التحرك وقبل أن ألحظ ما يحدث كان جيمس قد تخطى منزلي بعدة أمتار ولم يبد أنه سوف يتوقف..
حاولت ضبط أعصاب وقلت وأنا أنظر إلى منزلي وهو يبتعد:
- توقف يا جيمس ماذا تفعل؟ لقد تخطيت منزلي..
- أعرف!
نظرت إليه كان صوته متغيرا وهو يضع قناعا لا أدري متى وضعه..لم تكن عينا جيمس،، أرتعش جسدي وصرخت حاولت أن أفتح الباب ولكنه كان قد أغلق أوتوماتيكيا.. الزجاج كان سميكاً..

شعرت بيأس غريب، خاصة وأنني رأيت شخصا آخر كان يختبئ في الخلف، كان يرتدي قناعاً غبياً ، وأشهر سلاحا ضخماً أزرق اللون في وجهي لم أر مثيلا له ..
حاولت أن أهدأ ونظرت من خلال زجاج النافذة باندهاش وأنا أرى المناظر تمر بسرعة خيالية وكأن السيارة تمتلك محركاً نفاثاً.. هناك شيء ما غريب جدا يحصل لي فقد بدأت أشعر بالغثيان وكانت السيارة تسير بسرعة حتى سمعت صفير أذني، لم أعد أرى شيئا وأغمضت عينيّ.. كان الإحساس مريعاً جداً..
و...أظن بعدها أنني فقدت وعيي تماماً فلم أتذكر أي شيء..


فتحت عيني وأنا أحاول أن أتذكر أين أنا، كنت لم أنسى ما حصل ونظرت حولي بتشويش فقد كانت الإضاءة عالية..
في البداية لم أستطع تمييز أي شيء، لكن سرعان ما انتبهت على أنني في غرفة مضاءة بها سرير واحد تشبه المشفى ورأيت بعض الأجهزة المتصلة بيدي، ومن ثم رأيت ذلك الرجل..
كان يقف عند الباب ويرتدي زياً غريباً أبيض اللون، أنه يحمل سلاحاً أزرق اللون أيضاً ولا يبدو ممرضاً فهو يرتدي قناعاً مثل المقاتلين القدامى.. باختصار.. كان منظره مفزعا ورهيبا، وعندما حاولت التحرك نظر إلي بسرعة فخفت وبقيت مكاني ثم قلت بقليل من السخرية:
- من فضلك أيها الشهم، أين أنا؟
لم يبدوا عليه أنه سمع أصلاً.. فعدت أقول بجدية أكثر:
- في الحقيقية سأكون ممتنة جداً لو علمت ماذا يحصل هنا!
كان يبدوا أنه أصم.. فهو لم يتحرك حتى!
شعرت بالغيظ لأنه لا يعيرني أي اهتمام، فقررت أن أقوم بالخطوة التالية..
بدون أن يلاحظ فككت الأشياء العالقة على ذراعي ببطء شديد.. ثم قمت بسرعة وركضت نحو الباب ... كنت أعلم أنني لا أستطيع الهرب هكذا ولكنني كنت أريد أن أحرك ذلك الغبي..
لم تكن للباب أية قبضة أمسك بها ولكنني حاولت فتحه بأي طريقة... نظرت إليه كان ينظر إلي بهدوء ولم يتحرك من مكانه.. لا أدري لم شعرت أنه يضحك عليّ بسبب الغباء الذي لا جدوى منه.. وكان يبدوا أنه شاهدني بوضوح وأنا أخلع تلك الأشياء الملتصقة على جسدي..
لم يحرك ساكناً بل ابتعد قليلا ليراقبني.. اكتشفت انه يتسلى بمشاهدتي فتوقفت عن تلك التصرفات ونظرت إليه وقلت بعصبية:
- ماذا؟ هل أنت أصم؟
لم يجبني وظل واقفاً كالجدار، ونظرت إليه بغيظ شديد، تحرك نظري إلى قناعه أنه لا يظهر أي شيء من وجهه اللعين.. حتى عينيه كان عليهما غطاء أسود داكن.. مثل النظارة الشمسية العاكسة..
عدت إلى السرير وبقيت فوقه.. كان مايزال واقفا في مكانه ينظر إلى الباب .. خمنت أنه رجل آلي..
تسائلت:
- هل أنت آله حمقاء؟
لم يلتفت إليّ، ولكنه وقف بمحاذاة الباب لكي يمكنه مراقبتي عن بعد..
عرفت السر.. إنهم يريدون أن يصيبني بالجنون أياً كان من يفعل ذلك بي ،، الذي يفعل ذلك شخص يعرفني جيدا، ويعرف جيمس ..هذا إذا لم يكن جيمس أصلا الذي يفعل ذلك...
ولكني لم أظن أن الذي فعل ذلك هو جيمس.. هناك شيء خارق للعادة يحصل، وإذا كان كذلك فأنا أشعر ببعض الإثارة والدهشة واترقب ما سيحصل..
سألت الريبوت الأحمق:
- هل أنتم كائنات فضائية؟؟
لا أدري لم أعجبني السؤال فضحكت على نفسي ..
تحركت الآله واقتربت نحوي ، كانت حركاته سلسة فعرفت أنه مخلوق حي وليس آله كما ظننت..
اقترب أكثر ثم جلس على السرير بمواجهتي ..
كنت مستغربة ولم أقل أي شيء،، فتح الغطاء الداكن فرأيت عينية البنيتين الواسعتين وقال بهدوء:
- لندا؟
كانت عينيه واسعتين جداً ولفتت نظري وسألته ..
- من أنت؟ وماذا تريد مني؟
قال:
- وماذا ستعطينني إذا طلبت منك؟
قلت باستغراب:
- ماذا تريد مني ؟ المال؟
- المال؟
قال ذلك بعد أن ضحك ضحكة مجلجلة ثم قال:
- نقودك لا تهمني..
- ماذا تريد إذاً؟
نظر إلي وقال:
- أنا مجرد وسيط بينك وبين من يطالبونك..
- وسيط؟
- أجل..
- ماذا تريدون مني؟
عاد بظهره قليلا ثم قال:
- لن تفهمي!
ابتسمت بسخرية وقلت:
- حسناً، بما أنني لن أفهم فهذا يعني أن دوري انتهى.. هيا أعدني إلى منزلي..
- سأعيدك إن رفضت العرض..
لم أفهم ماذا يريد ذلك الشاب وقلت بضيق:
- أنت لم تقل كلمة مفيدة حتى الآن..
- ما رأيك إذا أن نصبح أصدقاء أولاً؟
شعرت برغبة قوية في طعنه بسكين وقلت بغيظ:
- ماذا تعني بأصدقاء؟ أسمع يا هذا.. أولاً: أنا لا أتصادق مع أشخاص مثلك .. أعني : يحملون الأسلحة.. ثانياً: أنا لم أر سوى عينيك ولاأعرف حقاً إذا كنت سلحفاة أم رجلاً حقيقيا!
- أنت تسخرين مني!
- لا
- هل أشبه السلحفاة؟
- أنت لا تشبه أي شيء!
- هل أنا هلامي؟
- ماذا تقصد؟
- ألا أشبه الإنسان؟
- هل تقصد أنك لست إنسان؟
- نعم!
صمت فجأة ونظرت إليه وقلت بعد المناقشة السريعة وكررت بخوف:
- أنت لست إنساناً؟
ضحك مرة أخرى وقال:
- أنا جندي .. إنسان بالتأكيد ، ولكنني لست أرضيا..
- ما ذا تقصد بكلمة أرضيا؟؟
سألته بخوف ووقفت..
صمت بضع ثوان ثم قال:
- آه.. أعني أنني لست من الأرض.. هذا جيد كبداية للتعارف!
لم أفهم وقلت بعصبية:
- أنت تهزأ بي! وتظن أنني أصدقك لأنك ترتدي جلدا أبيضاً لماعاً؟؟
وقف واتجه نحو الباب ثم فتحه بجهاز صغير في يده وقال:
- أنت لم توافقي على أن نصبح أصدقاء حتى أحميك.. أنت حرة في قرارك الأخير..
فكرت بسرعة في أشياء غبية قالها وأظن أنه مجنون ولا أريد أن أعطيه فرصة لإيذائي وصحت:
- انتظر.. لقد فكرت..
- بهذه السرعة..؟
- أجل ،، سوف نصبح صديقين ما رأيك لكن أخرجني من هنا وأخبرني بما تفعله أيها الصديق الطيب،.. هيا..
نظر إليّ ثانية وأغلق غطاء عينيه ثم قال ببرود:
- أنت تمثلين؟؟ هل تظنين أنك تلعبين مع ولد صغير؟؟ إبقى هنا إذا وفكري بالأمر..
خرج بسرعة وأغلق الباب خلفه ..
نظرت إلى الغرفة الفارغة وأنا أكاد أنفجر من الغيظ .. وصحت من خلف الباب ..
" أيها المخلوق الفضائي .. لقد قررت صداقتك حقاً.. هيا أخبرني ماذا يحدث وسوف نصبح صديقان حقيقيان ..كن عاقلا، لا يمكنني أن أثق بك إلا إذا كنت صديقاً حقيقيا وجديرا بالثقة!"
صحت وأنا أطرق على الباب بلهفة :
" هيا دعني أثق بك"
علمت أن هذه الطريقة تنجح دائماً مع المعاقين عقلياً..
وبالفعل عاد صديقي الجندي الذي ليس أرضياً وفتح البوابة الالكترونية.. ثم قال:
- اتبعيني ..
مشيت خلفه فورا،ً كنت حافية القدمين ..ولم أعلم حقيقة أين ذهب حذائي .. كان المكان بالخارج أكثر برودة، وكان مدهشاً إلى حد لم أستطع معه إخفاء دهشتي..
ما زلت لا أستطيع وصفه حتى الآن!!
لقد تخيلت أنني سوف أخرج إلى مكان هو أشبه تقريبا بالمشفى، أو ..
لا أعرف..
أي مكان رأيته كان يختلف عن هذا الإحساس الذي شعرت به للوهلة الأولى..
كان سقف المكان عبارة عن قبة رائعة مليئة بالنقوش والرسومات وبينها فراغات تسمح بدخول ضوء الشمس..
كان ضوء الشمس قوياً جدا وكان يضيء المكان بأكمله دون أن يؤذي عينيك.. الكثير من الزهور التي لم أر مثيلا لها في حياتي تخرج من شقوق جميلة على الجدران وكانت هناك شموع داخل قوارير من الماء.. كنوع من الديكور المدهش!! ..
الأرضيات لا أعرف ماهيتها لكنها ناعمة ومسطحة وباردة أيضاً..
النوافذ طويلة جدا من الأرض للسقف وتشبه الأبواب إلى حد كبير.. كانت مزخرفة وتلتف حولها أعشاب ملونة وورود تمد المكان برائحة جميلة جداً..
و البوابة واسعة و تؤدي للخارج لأن الضوء كان قوياً، وتوقفت أتأمل المكان.. نظر إليّ الجندي وقال بشاعرية تتلائم مع الجو المحيط بي:
- هل أعجبك المكان؟ إنه يعجبني أيضا.. فقد ولدت هنا!
تسائلت وأنا أحدق بروعة القصر:
- هل هو منزلك؟
سمعت ضحكة قصيرة ثم صوته يقول:
- نعم ..
نظرت إليه أخيرا.. لم يكن ينظر إلي وقلت:
- هل تعيش هنا بمفردك في ذلك القصر المهول؟
- حاليا.. نعم..
- ألهذا السبب أنا هنا؟ هل تريدني أن أصبح صديقتك من أجل ذلك؟
تردد كثيرا قبل أن يقول:
- في الحقيقية...
- ماذا..
- حاليا.. سوف أقول أجل!
- ما حكاية "حاليا" هذه؟ ألا تفكر أبعد من اللحظة التي تعيشها؟
نظر إلي وجلس على أحد الأرائك الموجودة وقال :
- أنا لا أعيش من أجل نفسي .. أنا مجرد وسيط بينك وبين الذين يريدونك..
شعرت بالخوف وقلت مستغربة:
- ماذا تقصد؟ هل تقـصد أنني مخطوفة؟
- لا.. أنت صديقتي ... مؤقتاً..
بدأ ذلك الشخص يثير أعصابي فصحت بغضب وحيرة :
- لقد اقتنعت فعلا أنك مجنون .. هل سمعت ؟؟ ما ذا تريد مني؟ ماذا تريد؟؟
كنت سأبكي ولكنني تمالكت نفسي، ونظرت إليه .. وقف و اقترب مني كثيرا ثم قال بلطف:
- لم أنت خائفة .. لقد اقتنعت فعلاً أنك شجاعة في جميع قراراتك التي كنت تتخذينها .. لكنك متهورة ببعض الشيء!
نظرت إليه ولا أعرف فيم يفكر ذلك المجنون ولم أرد عليه لكن عيني امتلأت بالدموع.. ولم أكن أريد أن أرمش حتى لا تنزل دمعتي وعاد هو يقول بهدوء:
- لقد راقبتك على مدار شهرين.. وقد أعطى رئيسي أوامره لي بتوضيح الأمر لك .. وأنا لم أقصد إزعاجك أبداً.. ربما تصرفت بالطريقة الخطأ تجاهك وأنا أعتذر عما بدر مني..
لا أدري لماذا شعرت أن الأمر حقيقيا أكثر من اللازم .. وسألته وصوتي متأثرا بتلك الدمعة التي أحبسها:
- حسناً .. سنتحدث كاثنين عاقلين ، ماهو الأمر الذي جعل رئيسك أيا كان يأمرك بمراقبتي؟؟ ومن أنت؟ أريد أن أرى وجهك..
قال لي :
- إرتدي حذائك أولا لندا ..
ثم أمسك بيدي واتجه نحو الباب الواسع و قادني إلى الخارج..


كان في الخارج حديقة كبيرة ورائعة.. ومن خلالها يمتد طريق صغير وقال الجندي وهو يفتح غطاء عينيه ..
- أنا الجندي الأبيض ..وأدعى جاميان..
نظرت إلى عينيه هي نفسها لكنها كانت أرجوانية اللون .. سرى بعض الخوف في جسدي وقلت بدهشة :
- أنت غريب الأطوار فعلاً..
- لماذا؟
- إن لون عينيك غــ ...
- أعرف، قلت لك .. أنت الآن لست في الأرض.. أنت في مكان آخر جميل ويشبه الكوكب الأرضي ..
قلت ساخرة:
- حقاً؟ حسنا .. لماذا لا نطير؟
- قلت إنه يشبه الأرض!
- ولماذا أنتم لاتشبهون سكان أهل الأرض؟؟
- .......................................
- آه أظنك تضع عدسات لكي تخيفني!
- ........................................... (ظل يسير بصمت)..
توقفت عن السير ونظرت إليه وقلت :
- حسنا .. لما لا تريني وجهك؟؟
- لا أستطيع..
- لماذا؟؟ هل مخك بارز؟ هل أنت بشع وممل؟ هل أنت تشبهنا أم أن كوكبك الجميل فقط؟
توقف لينظر إلي وصمت للحظات ثم قال:
ملك "بانشيبرا" العريقة إنه شاب لطيف جداً وقد ورث الحكم قريبا جدا لكنه لم يتوج بعد.. مازال مستاءا من موت والده الملك الراحل .. لم يستطع أي شخص إزالة ذلك الحزن .. ويخشى رئيسي أن تعم الفوضى في بانشيبرا بسبب انعزال الملك الحالي..
عاد للصمت فقلت ساخرة :
- أكمل تبدوا قصة جيدة..
قال الجندي الأبيض بجدية :
- عرفت أخيرا شقيقته الأميرة لوليانا حل ذلك الملك ..
- وما هو؟
- فتاة من الأرض..
زفرت بضيق ولم أفهم ..تأكدت من أنه مصاب بمرض نفسي عقلي ومتأزم جدا وحالته خطيرة ويجب نقله لمصحة الأمراض العقليه قريبا ،، ويحب تألف القصص الغريبة أيضا.. ولكنني قلت بضيق :
- ما علاقتي بالملك وبانشيبرا تلك..
- سأخبرك .. عندما كان الملك صغيرا ، سُمح له بالذهاب إلى الأرض.. وأحب ذلك الكوكب العجيب .. يجب أن نجعله يخرج من عزلته بإعادة الذكريات الجيدة إليه .. أرجوك ساعدينا..

صحت بغضب :
- ولماذا أنا..؟؟
قال بهدوء:
- لأنك أعجبتني.. أنت الأفضل..
- وما أدراك هل شاهدت كل بنات العالم؟
- لماذا لا تساعدينا؟؟
- من حقي أن أرفض..
صمت قليلا ونظر خلفي .. أنا أيضا شعرت بشيء يقترب من وراء ظهري فالتفت ..

كان هناك رجل يقترب، نظرت له بدقة..
شعر بني وأنف طويل .. كان شكله مخيفا بعض الشيء وتلك.. آه كانت عينيه واسعتين وحمراوين.. يا للهول!! لم أرى لون عينين أحمر من قبل بها الصفاء المرعب..
نظر إلى الجندي ثم قال بصرامة :
- جاميان .. لقد انتهت مهمتك .. هيا عد إلى عملك السابق في الحراسة أنت ستأخذ مكان تالتن ..
ظهر أشخاص آخرون يتبعون الرجل، كانوا لا يرتدون الأقنعة ويحملون الأسلحة ولم يبد أنهم عاديون فقد كانوا طوال القامة ويمتلكون ملامح غريبة ومتجهمة لم أرها من قبل..
نظر إلي جاميان وغطى عينيه ثانية ثم قال وهو يمد يده لمصافحتي :
- تشرفت بمعرفتك!
صافحته فوضع ورقة مطوية صغيرة في يدي وضغط عليها ، ثم رحل .. وبدون أن يلحظ أحدهم أخفيت الورقة في جيب بنطالي وسرت مع الآخرين وأنا أراقب الجندي الأبيض وهو يبتعد.. لا أدري لماذا شعرت بالخوف وودت لو يعود فيصحبني! أظن أنني كنت قد بدأت أرتاح إلى حديثه الهاديء .. مع أنه كان مجنونا ! لكن يمكن السيطرة عليه ..


كنت أفضل لو ارتدى هؤلاء الأقنعة مثل الجندي الأبيض.. فمناظرهم كانت فظيعة..
سرت خلف الرجل الصارم وسار إلى جواري اثنان ومن خلفي الاثنان الباقـيان.. وقطعنا مسافة طويلة بعض الشيء
مررنا بمزارع تحفها الأشجار وشاهدت بعض الأعمدة البعيدة جدا لم أعرف ماهيتها،، وظللنا نسير حتى بدأ قصر جميل في الظهور من بعيد..
كان رائعاً وكانت الأشجار التي تحفه عملاقة وقديمة فهي تضاهيه في الطول والجمال..
دخلت معهم تحت تهديد السلاح وقابلنا ثلاث فتيات فاتنات.. لكنهن صبغن شعورهن بأصباغ غريبة .. أبيض وسماوي والأرجواني أيضا.. كن يبدين مثل شخصيات أفلام الكرتون..
رحبوا بي واصطحبوني إلى مكان آخر.. بعيدا عن هؤلاء الأغبياء.. جلست على أريكة مريحة ..
و قالت صاحبة الشعر الأبيض والعينان الزرقاوان:
- أنت لندا الأميرة الجديدة أليس كذلك؟
لم أفهم شيئا ورددت الفتاة صاحبة الشعر الأرجواني:
- يالها من جميلة تعجبني عيناها إنها خضراء اللون .. إنه اللون الكوني .. وشعرها أنظرن.. أشقر كخيوط الشمس!
قالت الثالثة وكان شعرها أزرق فاتح وكذلك عيناها غريبتان تخاطبني:
- أتعلمين .. لا يوجد أحد في عالمنا كله يمتلك لون الطبيعة مثلك.. الشمس والشجر..
نظرت إلى بلاغتهن في وصفي وكأنني دمية باربي ..ولكنني بدأت الآن اقتنع أن الأمر حقيقيا وليس من تأليف شخص واحد..مجنون
وبدون سابق إنذار بدأت الفتيات بتمشيط شعري .. وإحداهن ذهبت لتحضر شيئا ..فقلت بسرعة :
- ماذا تفعلن؟
- نحن نجهزك حتى تقابلي صاحب الجلالة..
قمت واقفة بسرعة وقلت:
- ماذا؟ أنا لم أوافق على ذلك هيا دعوني أعود إلى منزلي ..
قالت إحدى الفتيات باندهاش غريب :
- سوف تكونين أميرة رائعة.. أنت لا يمكنك رفض الملك الشاب التي تتمنى فتيات "بانشيبرا" أن ينظر إليهم نظرة واحدة..
جلست في مكاني وقلت بغضب :
- حسنا أنا لم أوافق على خوض المغامرة!
- أتقولين عن هذا مغامرة؟؟ إنه لأمر رائع وعظيم جدا..
- لا
خرجت إحدى الفتيات وعادت ومعها ذلك الرجل أحمر العينين وقال:
- ألم يأخذ جاميان موافقتك؟
نظرت إليه وقلت:
- لم أفهم..
- ذلك الجندي الذي أرسلناه إليك ألم يأخذ موافقتك؟
- لا .. أنا لم أوافق..
- لماذا أخرجك إذا، ليست هذه هي الأوامر..
قالها بعصبية ثم فتح جهازا في يده وصاح بغضب :
- تالتن ، ذلك الغبي الذي أعطيناه مدة شهران ليحضر لنا فتاة لا تعلم شيئا عن الأمر.. هيا إذهب واقطع رأسه لقد فشل في المهمة..
شهقت الفتيات وصحت :
- لا إنتظر.. أنا أعلم كل شيء .. لقد وافقت .. أ .. إنه .. لقد أخذ موافقتي لكنني ..
صمت ذلك الغبي ثم صرخ ثانية في الجهاز :
- أحضره إلى هنا إريد أن أتفاهم معه..
لم أكن أريد أذيته.. لا أعرف لماذا قلت هذا مع أن رأسه المجنون لايهمني ..
وقفت حائرة أفكر في الموقف وذهبت مع الفتيات إلى غرفة واسعة وقالت الفتاة ذات الشعر السماوي :
- هيا بدلي ملابسك لأننا سوف نجهزك الآن..
ثم أعطتني قميصا داخليا قصيرا، دخلت إلى الحمام وبدلت ملابسي.. لم أنس بالتأكيد ورقة جاميان ففتحتها بسرعة ونظرت بداخلها.. مكتوب :
" لندا.. لا تخذليني ..
إن احتجت إلي في أي وقت فيمكنك الاتصال بي ، أشعر بالسوء حيالك ولكن هذه هي المهمة التي أسندت إلي .. إنهم يجعلون الآخرين يكرهونني دائما لقد كتبت هذه الورقة مسبقا وسوف أعيدك إلى وطنك هذا وعد..
رقمي هو ......."
كتب أرقاما غريبة لا تشبه أي أرقام رأيتها في حياتي فقد كانت تبدو لي مثل الكتابة الصينية أو الهيروغليفية .. قطعت الرقم بسرعة ورميت الورقة بعد أن قطعتها من النافذة ، ثم خرجت إلى الفتيات ، وجدت معهم امرأة جميلة عينيها بنيتان وشعرها بني أيضا.. ترتدي فستانا رائعا كحلي اللون مطرز بنقوش ذهبية غريبة ومدهشة تذكرني بصور فتيات النبلاء في العصور الوسطى.. وقالت إحدى الفتيات للأميرة:
- إنها لندا، جلالتك ..
ثم نظرت الفتاة إلي وقالت :
- سمو الأميرة لوليانا شقيقة ملك با نشيبرا العظيم..
نظرت إلي الأميرة وخاطبتني قائلة برقة:
- أشكرك أيتها الأميرة الجميلة على ما ستقدمينه من مساعدة من أجل شعبنا في بانشيبرا ..
ثم اقتربت وقبلتني على جبيني ..
شعرت أنا بالخجل وابتسمت ثم قلت بارتباك :
- إنه لشرف لي يا سيدتي.. أ.. أن أقوم بذلك العمل من أجلكم..
في تلك اللحظة دفع الباب شخص ما بقوة إلى الصالة الكبيرة،، شاب وسيم جدا نظر إلينا بإحراج وقد اندهش من منظرنا، وقفت بسرعة خلف الفتيات أختبيء لكنني شاهدته ..
قال الشاب بارتباك شديد :
- آآآ .. آسف.. آسف ..
ثم انصرف بعد أن كاد يصطدم بالبوابة.. كان شعره أسودا وناعما وطويلا بعض الشيء .. وسألت لأني لم أسمع ماذا قال من شده الخجل :
- ماذا قال؟
أجابت الأميرة :
- لقد اعتذر عن دخوله المفاجيء فهو لا يعرف القصر جيدا..
ثم أردفت تسألني:
- ألم تعرفينه؟
قلت باستغراب:
- وكيف لي أن أعرفه فأنا لم أقابل أي شخص حتى الآن...!

قالت الأميرة بتلقائية :
- إنه أفضل جنودنا في القصر الجديد، ويدعى جاميان .. هل عرفتيه؟ أظنه الشخص الذي كان مكلفا بمراقبتك وإحضارك..
صمت قليلا وقلت مستغربة :
- أتقصدين الجندي الأبيض ؟؟
ضحكت الأميرة وقالت :
- إن روسو رئيس جنودنا يفرض عليه ارتداء القناع لأن الفتيات عادة يغرمن به.. إنه ملفت للنظر ويجيد الحديث وهو شرس و قوي! لكن الرجال الآخرون يغارون منه ...
عادت الأميرة للضحك وضحكت الفتيات أيضا بحرارة ..
تسائلت:
- هل هو الذي اختارني؟ أم إن شخصا فعل ذلك وكلفه بمراقبتي؟
قالت الأميرة باسمة:
- هو من اختارك.. لقد أعطيناه مواصفات جميلة وأظن أن ذوقه كان رفيعا جدا..
ثم نظرت للفتيات وقالت بمرح
- أليس كذلك يا فتيات؟؟..
تكلمت الفتيات مع بعضهن بمرح ..
أما أنا فاستغربت قليلا وودت لو نظرت إليه لفترة أطول لا أدري لماذا راودني ذلك الشعور ولأول مرة في حياتي ... أنني مهتمة بشخص ما وأود مقابلته ثانية.. لقد اتهمته بالجنون لفتره طويلة ..
أنتهت الفتيات من تزييني ولبست ثوبا رائعا منسدلاًً .. قالت إحداهن أنني في غاية الجمال وكنت سعيدة بذلك ..
في الحقيقة لم أكن أتخيل تجربة رائعة كتلك .. لقد كانت حياتي مملة وغريبة وروتينية ليس عندي سوى صديقتاي ميرندا و إيميلي .. والجامعة ..
هكذا أصبحت تسير حياتي منذ موت والداي في تحطم طائرتهما الخاصة منذ خمس سنوات أجتهد في دراستي من أجل الدرجات العالية وأعيش في منزل واسع مخيف مع خادمتين وسائق وطباخة يصاحبني الملل والحزن .. وأحمل ثروة ضخمة ورثتها عن والدي يتحكم بها أعمامي بحكم أنهم يعرفون مصلحتي ولأني مازلت صغيرة وهم في الحقيقة ينهبون مال أبي الذي هو ملكي ..
بدأت بالفعل أستعد لمقابلة ملك بانشيبرا المنعزل..
كانت مهمتي سهلة جدا وهو أن أجعله يبتسم.. ولم أر مشكلة في ذلك .. قالت الأميرة لوليانا :
- لقد قمنا بدعوة الأمراء والسادة لحفلة الليلة .. أرجو أن تستطيعي إقناعة بالحضور، فسيكون ذلك إنجازا كبيرا لك ..
صحبتني الأميرة في دهاليز القصر الكبير ..
ثم طرقت على باب ضخم وفتح أحد الحرس وفورا سمح لها بالدخول .. ثم شاهدنا صورة كبيرة لرجل عجوز له لحية بيضاء طويلة وقالت الأميرة بحزن :
- إنه والدي الملك الراحل العظيم..
تطلعت إلى الصورة مرة ثانية ثم سرت خلفها حتى وصلنا إلى باب كبير منقوش بالذهب..
دخلت الأميرة ودخلت خلفها ورأيت شابا يعطينا ظهره ويتطلع من الشرفة الواسعة وحوله زهور جميلة..
نظرت إلي الأميرة نظرة ذات مغزى فعلمت أنه الملك الشاب ثم تنحنحت وقالت ..:
- كيف حالك الآن يا شقيقي سمو الملك ؟
رد عليها الملك ولم يلتفت إليها..
- بخير..
قالت شيئا آخر كانت تبدو مترددة وهادئة في نفس الوقت..
- سموك! لقد حضرت لك مفاجأة بسيطة .. فتاة من كوكب الأرض ،، في الحقيقة لقد وصلت منذ ساعات فقط..
عندها التفت الملك الشاب بهدوء ونظر إلي بشك فقالت الأميرة:
- إنها لندا يا سيدي وقد جائت من أجلك خصيصا، وتكبدت مخاطر الرحلة إلى هنا..
نظرت إليه .. كان شابا وسيما أيضا.. لكنه يبدو حزينا ومرهقا.. كان شعره بنيا وعيناه كانت عسلية فاتحة جدا.. ويشبه اخته إلى حد كبير
وقف واقترب مني ثم قال باندهاش وهو ينظر إلى عيني الخضراوين :
- حقا؟
قلت بتوتر:
- بالتأكيد يا سيدي..
عاد ينظر إلى أخته ثم قال بهدوء:
- لم لا نجلس؟
فرحت الأميرة لوليانا وقالت والفرحة تبدو على صوتها :
- نعم .. هيا لنجلس..
أمسك الملك بيدي وأجلسني على أريكة وثيرة وجلس إلى جانبي وجلست شقيقته على الأريكة المقابلة لنا ثم بدأ الحديث قائلا:
- عرفت أنك من الأرض.. لكنني لم أعرف لماذا جئت من أجلي؟
نظرتُ إلى الأميرة بارتباك فلم أعرف ماذا أقول ولكنني ابتسمت وأجبت:
- تريدني أن أرحل؟
اندهش الملك وقال بسرعة :
- لا.. أنا لم أقصد بذلك السؤال..
صمت قليلا فقلت :
- لقد جئت من أجل زيارتك، فأنا أحببت بانشيبرا مؤخرا رغم أني لم أبق فيها إلا بعض الوقت..
كنت أحاول أن أكون سياسية قدر الامكان....وشعرت أني منافقة ..
ابتسم الملك قائلا:
- هذا لطف منك ..
اعتبرت تلك الابتسامة نجاحا لصالحي وقالت شقيقته:
- لقد أقمنا حفلة على شرف الآنسة لندا الليلة..
صمتت، فقلت أنا مبتسمة :
- سوف تحضر.. أليس كذلك؟
- بالتأكيد..
قالها الملك الشاب بعد القليل من التفكير وبقينا معه لبعض الوقت حدثني فيها الملك عن مناظر بانشيبرا وتراثها.. عرفت عن تلك الأعمدة التي شاهدتها أنها من آثار بانشيبرا وأن طول العمود الواحد يبلغ مئات الأمتار ولكنه يبعد عنا مئات الأميال فنراه صغيرا ..
أمضينا وقتا رائعا ثم خرجنا .. قالت الأميرة لوليانا بسعادة غامرة :
- أشكرك يا آنسة لندا.. لقد فعلت الكثير.. أتمنى أن تواصلي هكذا حتى يوم تتويج الملك .. متأكدة من قدراتك في أنك ستجعليه يفعل ذلك..
قلت وأنا أسير إلى جوارها :
- يبدو أن الأمر سيطول..
- ليس كثيرا.. وسوف نعطيك ما تريدين..
- أنا لا أريد شيئا..
توقفت لوليانا عن السير وقالت بدهشة:
- لماذا تفعلين ذلك وأنت لن تحصلي على مقابل؟
قلت بلامبالاة:
- أفعل ذلك من أجل الشخص الذي طلب مني فعله، فقد كان طيبا معي..
- أهذا كل شيء.. فقط من أجل شخص واحد؟
- نعم..
- هل هو روسو؟
- لا
- من؟
- الشخص الذي طلب مني فعل الأمر..
- أهو أحد الجنود..
نظرت إليها وقلت مبتسمة :
- الجندي الأبيض...
- جاميان ؟ ذلك الــ ؟؟
سألت ذلك باندهاش كأنما تخاطب نفسها .. ثم تابعنا السير..

رأيت غرفتي الجديدة المؤقته وقالت لي وصيفتي الجديدة "راجوي" أنني يجب أن أرتاح حتى حفلة الليلة..
لم أستطع النوم،، كنت أفكر تلقائيا في كل ماحدث وفكرت طويلا فيه.. جاميان.. لا أعرف لماذا أفكر فيه؟ لقد أعجبت به ولا أعرف لماذا .. لم يكن الملك نفسه على قدر من الجمال والذكاء مثل ذلك الجندي العادي ..
قمت واقفة وفتحت الباب فحضرت وصيفتي راجوي وسألتها:
- هل أطلب منك خدمة؟
- تفضلي يا سيدتي..
- هل تعرفين الجندي الأبيض .. جاميان ؟
- نعم ياسيدتي..
- أنا أريد أن أحدثه.. استدعيه بسرعة..
هزت راجوي رأسها وذهبت ..
لم تتأخر كثيرا ولكنها عادت بمفردها وقالت:
- لم أجده ياسيدتي عند الجند وقالوا لي أنه ربما ذهب إلى الخارج مع السيد روسو..
بالقليل من الإحباط عدت إلى غرفتي وجلست في الشرفة .. كان الجو جميلا والمنظر رائعا.. كان ذلك المكان كأنه جنة خيالية كان الوقت غروبا،، الشمس تنزل رويدا و السماء يشع منها لونا أرجوانيا كلون عيني جاميان.. سألت نفسي لماذا عدت إلى التفكير فيه .. تذكرت رقم هاتفه العجيب الذي وضعته في قفازي الرقيقين ولكني لم أعثر عليه..
يبدوا أنه سقط مني، أرجو أن لا يجده أحدهم وتحدث له مشاكل..
سمعت فجأة طرقا على باب غرفتي وفتحت راجوي الباب ثم اقتربت من الشرفة وقالت :
- عفوا يا سيدتي الشخص الذي طلبته قد حضر..
شعرت بسعادة غريبة وقلت :
- دعيه يدخل..
بالفعل دخل جاميان وكان يضع القناع على وجهه فضحكت عليه..
قال من تحت القناع :
- لماذا تضحكين؟
قلت وأنا مازلت أضحك :
- تبدوا مضحكاً .. هيا اخلع ذلك الشيء من على وجهك ..
قال جاميان:
- لا أستطيع ..
- لماذا؟
- شكلي مرعب !! أممم مخي بارز..
ضحكت ثانية لأنه تذكر حوارنا الأخير وقلت:
- لا فائدة من أكاذيبك .. هيا لقد رأيتك..
قال باندهاش :
- حقا؟ أين؟؟
تركته وعدت إلى الشرفة وجلست ثم نظرت إليه .. خلعه ببطء ونزلت خصلات شعره الأسود واقترب من الشرفة ثم وقف ..
نظرت إليه لبعض الوقت.. كان رائعا .. وقال مبتسما:
- خطة جيدة منك لكي أخلعه..
- لقد رأيتك بالفعل ..
قام بعمل حركة بوجهه مستغربا ورفع حاجبييه ثم قال :
- لماذا استدعيتني؟
- كنت أود أن أشكرك .. وأشاهدك
قلتها ثم ضحكت..
نظر إلى نفسه بطريقة كوميدية ثم قال ضاحكا:
- الناس يستدعوني دائما لمشاهدتي .. سوف أصبح لاعب سيرك يوما ما..
قلت وانا أضحك على كلامه :
- حقا؟ ولماذا فرض عليك روسو أن ترتدي القناع؟
ابتسم اتسامة رائعة وقال:
- قال روسو أنه لن يسمح لي برؤية والدتي إلا بعد أن أرتدي القناع لمدة عامين وأن لا أحضر أي حفلة بدونه أو به..
قلت مندهشة:
- تعني أنك لم تر والدتك منذ عامين..
- لا.. أنا لم أكمل سوى عام واحد لقد اشتقت إليها فعلا..
قلت مازحة:
- سأطلب إليه أن يمد فترة عقوبتك..
نظر إلي باندهاش فقلت :
- أنا أمزح معك..
ابتسم جاميان وقال:
- إذن سيكون أمر أنك رأيتني سرا بيننا ..
قلت :
- موافقة .. ولكنك تعني أنك لن تحضر الحفل المقام الليلة على شرفي؟
- أنا آسف،، كنت أود ذلك..
- لم أسألك لماذا جعلك روسو ترتدي القناع؟
تردد قليلا ثم قال:
- لا أستطيع ان أخبرك .. أرجوك .. سامحيني إنه أمر حساس بالنسبة لي..
ابتسمت ووقفت ثم اقتربت منه قليلا وقلت:
- كيف راقبتني ولم أشاهدك أبدا أو أشعر بك؟
- لم آخذ لقب الجندي الأول بسهوله..
قالها ضاحكا ثم دق جرس صغير في جهاز معلق على جيبه فقال وهو يرتدي قناعه بسرعة وارتباك :
- إنه روسو يستدعيني .. أرجوك ما حصل كان سرا بيننا .. أنت لم تريني أبدا
قلت وأنا أراه ينصرف :
- ألن أراك ثانية..
نظر لي من تحت قناعه وقال بهدوء:
- في الأغلب .. لا
ثم فتح الباب وخرج بسرعة ..
واشتعلت غضبا .. ماذا يقصد ذلك الجاميان .. ألم قل لي أنه سيعيدني إلى الأرض؟
هدأت قليلا وقلت في نفسي أنه يقصد : لن يخلع قناعه .. هكذا تسير الأمور حتى يشاهد والدته..
ثوان ودخلت وصيفتي راجوي ثم قالت بلطف:
- سيدتي لقد جئن بنات التجميل في القصر ليعدوك لحفل الليلة..
وبالفعل كان موعد الحفل قد اقترب.....

انتهت الفتيات من تزييني ولبست فستانا جديدا .. لم أكن سعيدة بالأمر ولكنني لم أعرف ماذا افعل......
ولكن المفاجأة الحقيقية كانت عندما حضرت الأميرة لوليانا إلى غرفتي ..
في الحقيقة فرحت لاهتمامها بي ولحضورها شخصيا وأخبرتني أن الملك المعظم ( الرائد إمرجيز) ينتظرني ... كان اسمه غريبا بعض الشيء لكنه أعطى لسمعي بعض الصدى ..
صحبتني في الممر الكبير .. الكثير من اللوحات الجميلة لفتت انتباهي ولكن كانت هناك لوحة مكررة رأيتها كثيرا بالكثير من التصاميم المختلفة الصورة تعبر عن جندي قديم يرتدي خوذه ويحمل شيئا ضخما أشبه بالسيف .. فالحقيقة كانت صوره مرعبة قليلا..
بعد دقائق قصيرة من السير رأيت الملك يقترب وحوله بعض الحرس الذين يرتدون زيا عسكريا موحدا...
ابتسم الملك لي وقال:
- إنها حفلتي الأولى منذ شهور..
قلت أصطنع السعادة الغامرة:
- شكرا لك سمو الملك على حضور الحفلة المقامة على شرفي ..
هز الملك رأسه بامتنان موافقا ..
سار الملك إلى جانبي وكانت لوليانا تمشي خلفنا وهي في غاية الفرح.. واقتربنا من بوابة المكان الذي تقام فيه الحفلة ...
وكان........
لا أروع منه أبدا......
ولم أره حتى في أحلامي .. ولا يوجد مثل ذلك المكان على الأرض مهما حاولت إجاده.. السقف مرتفع جدا يتدلى منه أشياء تشبه الثريات المتلألأة.. وكأنها عناقيد من الماس المضيء..
الأرضيات فرشت بالسجاد الفخم .. والأرائك المريحة منتشرة في كل مكان.. هناك موائد ضخمة عليها صنوف من الطعام والحلويات الغريبة ،،و كان هناك الكثير من المدعوين ولكنهم عندما شاهدو الملك عم الصمت والتفوا حولنا ، لا أدري لم شعرت بالخجل الشديد والجميع يحدق بي ..
وعندما جلس الملك جلست في الكرسي الملكي الذي عن يساره وجلست لوليانا عن يمينه..
لحظات وعاد الحفل مرة أخرى إلى طبيعته وقال الملك لي بالهمس :
- لقد أصريت أن يكون حفلك يا لندا في نفس القاعة التي يتوج فيها ملوك بانشيبرا على مر الأزمان .. والتي سأتوج فيها بعد الغد..
قلت بامتنان:
- إن هذا لشرف عظيم لي سيدي..
كان الوقت الجميل يمر بسرعة وأنا بصحبة الأميرة لوليانا والملك أيضا .. كانا لطيفين جدا معي ويتحدثان عن حفل التتويج .. وكنت أحدثهم عن حفلات تتويج الملوك في الأرض ومن قرآتي لكتب التاريخ القديمه حيث عصور الملوك والنبلاء..

اقترب موعد انتهاء الحفل ولكن حدث شيء غريب ..
الحاضرون تململوا وسمعنا بعض شهقات الحاضرات والأميرات ،، كما أن أصوات الحديث ارتفعت وبدا الموقف متوترا بعض الشيء..
وقف الملك بتوتر ونظر حوله ليحاول فهم الأمر..
وقبل أن يحدث أي شيء .. إنشقت جموع الحاضرين واقترب أحد الجنود يرتدي زيا عسكريا أسود اللون والذعر باد على وجهه ..

قال الملك محاولا عدم إظهار خوفه :
- مالأمر أيها الجندي؟
نظر الجندي حوله يتأمل النظرات المتوجسة وقال وصوته يهتز:
- سيدي سمو الملك الرائد إمرجيز المعظم .. أنا الجندي الأسود تالتن حارس (أيموكيا).. لقد تم عزلي ولكنني اكتشفت أن (أيموكيا) ليست موجودة في مكانها القديم .. أظن أنها سرقت..ولقد بحثت عن قائد الجند ولم أجده ...
علت الشهقات والصيحات وبدأ الجمع بالتحدث بصوت مرتفع بعض الشيء والدهشة والخوف تعلوا وجوه الجميع..
لم أفهم بالطبع ماهي ( أيموكيا) تلك.. ولماذا هي مهمة جدا بالنسبة لهم بهذه الدرجة..
قال الملك بصرامة:
- أين حارس أيموكيا الجديد ؟ أين جاميان؟؟
نظر الجميع فجأة إلى البوابة ودخل منها رجلين كان الأول هو روسو قائد الجند صاحب العينين الدمويتين ويتبعه جاميان بزيه الأبيض ولم يكن يرتدي قناعه وكان الهدوء باديا على وجهه الوسيم ... حدق الجميع بوجه جاميان طوال الوقت..
نظر روسو إلى الملك ثم قال باحترام والصرامة بادية على وجهه :
- سمو الملك الرائد إمرجيز المعظم، لا داعي للقلق.. الأمر تحت تصرفي ..تحكم الجندي الأبيض جاميان في مكان أيموكيا لسبب لم أعلمه بعد..
تظرت إلى جاميان كان التوتر قد بدأ يظهر على ملامحه وقال وهو يتقدم روسو:
- سيدي سمو الملك الرائد إمرجيز.. أرجوا أن تعطيني حسن إصغائك لبعض الوقت..
سار الملك بعصبية تجاه البوابه وقال بغضب يشعله الشرار
- اتبعني أيها الجندي الأبيض ..
نظر إليّ جاميان نظرة خاطفة سريعة لكنها مليئة بالتعبيرات ثم ألتف و سار بسرعة خلف الملك تبعه حرس الملك وروسو والجندي الأسود..
كان التوتر يسري في عروق الحاضرين ولكن الأميرة لوليانا قالت بصوت مرتفع تحدث الحاضرين:
- ضيوفنا الكرام: أرجو منكم عدم القلق فتلك الأمور تحصل كثيرا.. إعذروني على انصراف الملك بتلك الطريقة ولكنكم تعلمون أن الأمر حساس وأتفهم مشاعركم ... أسعدتمونا بحضوركم..
نظرت إلي لوليانا وقالت باسمة:
- يجب أن تقولي للضيوف شيئا في نهاية حفلتك..
نظرت للضيوف وقلت بارتباك أنا نفسي لاحظته:
- شكرا لحضوركم .. وأتمنى لكم جميعا الهناء والسعادة..
بقينا بعد أن انصرف الضيوف جميعا وودعناهم كلهم .. كما عرفتني الأميرة لبعض الحضور من الأمراء وكنت محط اهتمام الجميع..
.. كنت أفكر طوال الوقت في جاميان .. أنا لا أفهم بالضبط ما الذي جرى هناك!
وسألت الأميرة لوليانا أخيرا:
- سيدتي الأميرة، أنا لم أفهم ماهي هذه الــ أماكويانا؟ أمكويكانا؟؟ آسفة ... لا اتذكر اسمها جيدا..
- تقصدين (أيموكيا؟)
- نعم بالتأكيد..
- إنها قلادة ملكية سحرية ورثتها عائلتنا الملكية جيلا بعد جيل .. إنها تعني الكثير لأسرتنا .. ولذلك نحفظها بدمائنا.. وكل غال علينا .. وسرقتها تعني أن من سرقها سيمتلك قوى خارقة تؤهله ليأخذ حكم بانشيبرا.. أظن أنك الآن تفهمين الوضع ..
صمتت لبعض الوقت وأنا أفكر.. ثم قلت:
- هل تعقدين أنها سرقت بالفعل؟
- لا.. لا يجب أن نستهين بحارس أيموكيا .. إنه من أقوى جنودنا .. لقد اقترب من الحصول على لقب الجندي الذهبي الأسطورة! لكن روسو مغتاظ منه ولا يريد جاميان الحصول عليه خاصة وأن روسو لم يحصل عليه بعد.. لكنني أظن جاميان مؤهل للحصول عليه ..
قلت باندهاش:
- غريب .. لم يبد عليه أبدا ذلك! يبدو وديعا جدا؟
ابتسمت الأميرة لوليانا ثم قالت كلمة غريبة:
- لا تغرك المناظر يا عزيزتي، إنه قاس القلب وأنت لا تعلمين عنه شيئا ..
كنت أفكر في كلامها وسألت:
- وماذا يعني لقب الجندي الذهبي ؟ أهو شيء مهم جدا؟؟ هل هو وسام ما؟
- الجندي الأسطورة كان موجودا منذ مئة عام وكان يدعى (( باركس)) .. لكنه لم يتكرر مرة ثانية والذي أعطاه اللقب هو جدي الأول الملك أليفندو .. إن صور مجد الجندي الذهبي تنتشر في أرجاء عالمنا الصغير .. وهناك منافسة كبيرة للحصول على اللقب للمرة الثانية بين وجاميان وتالتن.. إنهم من أفضل الجنود على الإطلاق..ولذلك أخذا لقب الجندي الأبيض والأسود.. من أجل التحدي .. أحدهما سيطرد الآخر من الملعب ..
لم أعلق .. وبقيت أفكر بصمت .. إنها كرقعة الشطرنج تماما .. ياله من شطرنج غريب لا يوجد به سوى الجنود .. لاملوك لاقلاع ولا حتى خيول ..
وودعت الأميرة ثم عدت بصحبة وصيفتي راجوي إلى غرفتي وسرت في الممر وأنا أعيد النظر إلى لوحات الجندي الذهبي ودخلت غرفتي ثم سألت راجوي بعد أن بدلت ملابسي :
- راجوي .. لماذا تقول الأميرة لوليانا عن جاميان أنه قاس القلب ،، هل تعرفين عنه شيئا؟؟
نظرت راجوي إلي ثم قالت بانفعال:
- جاميان .. إنه إنسان قاس فعلا .. هو حقا جندي قوي لا يقهر، ويقولون عنه أن لديه بديهة وذاكرة لا يمتلكها أحد بسهولة ،، كما أنه يعرف أماكن الأشياء المسروقة و الأشخاص المخطوفين بإحساس مرهف لديه... لكن..
قلت متلهفة لسماع المزيد عنه:
- لكن ماذا؟
جلست راجوي بقربي وقالت بالهمس:
- عندما اشتعلت الحرب بين المملكتين (بانشيبرا) و(تيمالاسيا) منذ عدة أعوام قتل والد جاميان في الحرب ،،ولكن جاميان انتقاما لما حصل لوالده، ذبح الكثير من جنود تيمالاسيا وصنع برؤوسهم جسرا معلقا بعد أن أدخل الحبال في تجاويف عيوونهم لعبور جيش بانشيبرا إلى ضفة تيمالاسيا .. وعندها بدأ الجميع في الانتباه لقدرات جاميان الغريبة ..
شعرت بالاشمئزاز وسرت قشعريرة في جسدي ثم قلت :
- أكملي أرجوك .. ماذا فعل؟
- بعد انتهاء الحرب ماتت والدته .. فــ
هتفت بدهشة مقاطعة راجوي :
- ماذا؟ هل توفيت؟
نظرت راجوي إلي وقالت :
- نعم .. ولكنه قام بتحنيطها وخلع أحشائها ثم وضعها في محلول صنعه بنفسه في صندوق زجاجي عمودي .. قام بفتح عينيها وأبقاها أمامه طوال الوقت وأصبح يكلمها كل يوم ويحكي لها عن انجازاته..
قلت باندهاش وأنا أشعر بالغثيان:
- هل هو معقد نفسيا؟؟ كيف يفعل ذلك بوالدته ..
أمسكت برأسي بعدما أصابه الصداع وقلت غير مصدقة :
- لا مستحيل .. لا يبدو عليه أنه من ذلك النوع من المعقدين السفاحين .. يا للأسف لقد كنت قد بدأت أحبه بالفعل!!
قالت راجوي :
- هذا فقط بداية لتاريخه الأسود ،، فأنت لم تعرفي بعد لماذا فرض عليه روسو ارتداء القناع .. لقد حصل حادث مريع بسبب وجهه الجميل اللعين..
تعجبت من التضاد .. جميل – لعين و قلت متشوقة :
- ماذا .. قصي علي قصته بسرعة ..





يتبع
بقية قصة الجندي الابيض

طلبت من راجوي أن تقص علي قصة جاميان عندما فرض عليه روسو ارتداء القناع ..
قالت راجوي بقلق :
- لكنه موعد نومك يا سيدتي ..
قلت وأنا أريد أن أضربها :
- ماذا .. تشوقينني ثم تقولين .. نومك .. لاااااااااااااااا لن أستطيع النوم ..
أمسكت راجوي بكتفي وقالت بسرعة :
- حسنا حسنا .. لكن أخشى أن تعاقبني الأميرة إن علمت أنني قصصت عليكي تلك القصص ..
قلت بعجلة :
- لن أخبر أحدا بالأمر .. هيا تكلمي وحسب ..
- حسنا .. سأكمل .. جاميان عُين بعد الحرب رئيسا للحرس في قصر الأمير (نيروتا)،، وكانت شقيقته الأميرة قد أعجبت بوسامة جاميان وقوته .. إلى حد الحب ..
صمتت راجوي فقلت بلهفة :
- هيا أكملي ..
تابعت راجوي :
- تطور الأمر معها فأصبحت تطارده وتحدثه عن حبها له،، وعندها طلب جاميان من الأمير (نيروتا) أن ينقله من القصر ولم يذكر السبب .. بالفعل تم ذلك فقامت الأميرة الشابة بشنق نفسها في غرفتها . أكتشف الجميع الأمر وحضر جاميان العزاء بصدر رحب... ومن ذلك اليوم جاء جاميان لقصر الملك هنا في العاصمة ... ثم رشح لحراسة أيموكيا .. وفرض عليه روسو ارتداء القناع حتى لا تتعرض فتاة أخرى لشنق نفسها بسبب منظره المعسول ... القاتل..

لم أسألها المزيد من الأسئلة لأنها شعرت بالقلق لتأخري في النوم وتركتني لوحدي مع الكوابيس ... كوابيس جاميان بالطبع ..
تذكرته عندما قال أنه يشتاق لرؤية والدته ..
لا أصدق أنه كان يتكلم عن جثة محنطة خلع أحشائها بيديه ... شعرت بالخوف ودخلت تحت البطانية وأنا أتذكر القصص التي حكتها لي راجوي ..
لمت نفسي كثيرا على حسن ظني به ،، لا أدري لماذا لم أستطع أن أكرهه مع كل هذا . . وحاولت ان لا اتذكر وجهه حتى لا أختلق له الأعذار.. . ولم أستطع النوم طوال الليل ..
تذكرت الشخص الذي مثل جيمس .. لقد استطاع تغيير شكله بسهوله ،، هل هو جاميان يا ترى ؟؟
نظرت حولي بخوف ، لما أنا في هذا المكان الغريب على كوكب غريب ، مع أشخاص مجانين وغرباء لوحدي ..
نزلت دمعة من عيني وتذكرت منزلي وخادمتي اللطيفة ميرلا .. تذكرت صديقتاي ميرندا وإيميلي .. يبدو أنني سوف أدفع ثمن تلك المغامرة غاليا جدا .. وأظن أنني لن أرى موطني مجددا ....... ولا في الأحلام حتى !!
أخذني النوم .......
في الصباح أيقظتني راجوي وتناولت فطوري معها .. كان الفطور غريبا كالعاده وتوجد الكثير من الأشياء التي لا أعرفها ولكنني تذوقت بعضها ،، لم أتكلم كثيرا وكنت أنظر إليها ، كانت راجوي شابة جميلة .. تمتلك عينين واسعتين وشعر وردي ناعم .. كان لونه غريبا لكنني بدأت أعتاد على تلك الألوان ..
وبادرت قائلة :
- ألم تعرفي ما حصل بالأمس ؟؟ لقد نقل جاميان قلادة إيموكيا إلى مكان آخر وقال للملك أنه فعل ذلك لأنه أحس بأن أشخاصا منظمون للشر سيحاولون سرقتها ! والعجيب أن الملك صدقه وتركه يذهب .. ياللعار!
شربت بعض الماء ثم تسائلت :
- ألم يخبر جاميان الملك عن مكانها الجديد؟؟ أخشى أن يفكر في السيطرة على العالم كما يفكر الأشرار دائما..
نظرت إلي راجوي ثم قالت بقلق :
- لا أعلم أكثر مما قلته لك .. فقد سمعته من بعض وصيفات الملك منذ قليل.. لكن ملكنا ذكي .. أظن انه بالتأكيد عرف مكانها ..
تسائلت :
- راجوي .. هل الأرض بعيدة عنكم؟؟
تعجبت راجوي من السؤال وقالت :
- أووووووه بعيدة جدا ،، وليست هناك سوى مركبة واحدة تدعى "هينوا" فقط هيا التي يمكنها الوصول للأرض في غضون تسعة أو عشرة أيام ربما..
شهقت من الصدمة وصحت :
- هل تقصدين أنني غفوت عشرة أيام حتى وصلت إلى هنا؟؟؟
- هذا إذا كنت لا تتذكرين شيئا عن الرحلة .. أظن أن جاميان حقنك بمادة مخدرة حتى لا تسببي المشاكل له ..
لم أصدق ما يحصل وتأكدت في ضعف املي للعودة إلى الأرض .. يبدو أن قلبي قد لم يعد يخاف .. و نويت أن أبدأ تحد جديد ......... وعلى هذ الكوكب الجديد أيضا !

مضى يومان عاديان،، أمضي بعض الوقت مع راجوي وبعض الوقت أتجول في القصر بصحبه الأميرة فتعرفني على بعض الأماكن الجديدة .. وأشخاص جدد.. ومرة التقيت بالملك الذي صحبني وشقيقته الأميرة في جوله إلى متحف غريب جدده الملك حديثا وذهب لافتتاحه ولا أخبركم عن حشود الناس والحرس التي كانت هناك....
واليوم .... كان هذا هو يوم تتويج الملك .. الاحتفالات تملأ الشوارع والساحات منذ يومين الكثيرمن رسائل التهنئة والهدايا التي توجهت إلى القصر صحبتني الأميرة لوليانا ونحن متوجهتان إلى القاعة التي يوجد بها الملك .. لكي نصحب الملك في جولة بانشيبرا لتحيه القسم ثم يتوجه إلى قاعة الملوك ليتوج و يحلف قسم الملك..
دخلنا الى القاعة الكبيرة .. الجميع ملتف حول الملك وزراء ومستشارين و مئات الحرس الخاص والجنود ..
قالت الأميرة وأنا أبحاث بعيني عن إناث غيرنا :
- سنبقى هنا بعض الوقت...
لم أجد أي أناث غيري أنا والأميرة إلا بعض وصيفات الملك اللاتي جلسن بالقرب منه يتحدثن، ولكن الملك كان يتحدث مع مستشاره ...
قلت بضيق :
- لم لا نخرج من هذا المكان؟؟ هل هو مكان الجنود ؟؟ هناك الكثير منهم هنا ...
أجابت لوليانا بلطف :
- لا تقلقي ياعزيزتي سوف نخرج عندما تشائين ذلك ..
فجأة سمعنا صوتا يقول من خلفنا يقول :
- آه مرحبا بالضيفات الجميلات..
عرفت الصوت فلم ألتفت ووقفت في مكاني متجمدة وسمعت الأميرة:
- مرحبا جاميان، كيف تسير الأمور معك؟؟
- إنها أفضل بكثير..
التفت ببطء ونظرت .. كان يضع قناعه الغبي كالعادة ونظر إلي وقال :
- أهلا آنسة بيرتون ...
- كيف عرفت اسمي ..
- لا عجب فقد راقبتك طوال شهرين وثلاثة أيام و تسع ساعات ... هههههههه
لم أجد الأمر مضحكا ولكن لوليانا ضحكت فقلت بسخرية :
- أممممم .. كيف حال والدتك هل حدثتها بالهاتف؟؟
انصرفت الأميرة بعد عن استأذنت في دقيقة ....
صمت جاميان لبعض الوقت ثم نظر إلي بعينيه الارجوانيتان التي ظهرت من تحت قناعه وقال بهدوء :
- لا .. لا أستطيع الحديث إليها بالهاتف ..
- لماذا؟
- إنها لا تستطيع الكلام..
نظرت له باشمئزاز شديد حاولت أن أخفيه فقال بصوت منخفض :
- من أخبرك؟
ذهلت لجزء من الثانية ولكنني تمالكت نفسي وقلت :
- أخبرني ماذا؟
- عن أمي ... أحدهم قص عليكي قصة سيئة عني ..
لم أرد عليه ولكني اكتفيت بهز رأسي نفيا .. فنظر إلي مرة ثانية ثم قال :
- مضطر للذهاب آنسة لندا ولكنني سأجد من أخبرك ذلك وأشقه لنصفين ...
قلت بسرعة:
- جامي .. جاميان ..
التفت إلي وقال بمرح :
- يعجبني اسم الدلع الذي نطقتيه في البدايه ..
كنت أود أصفعه وحاولت أن أقول بهدوء :
- لم يكن مقصودا ... ولكن ألن تعيدني إلى الأرض.؟؟ لقد وعدتني ..
لا أدري لم كأنه تفاجأ من السؤال ولم يرد ..
سمعنا الموسيقا في الخارج تعلن عن بدأ تجهيز الملك للذهاب .. وبدأ الجميع في التحرك .. أقترب جاميان مني وانخفض قليلا لمستوى أذني قال بصوت منخفض يحمل رومنسية غريبة :
- لندا .. لا تخافي لن أتركك أبدا لهذا الذئب ..
انطلق بسرعة واختفى وسط الحشود .. من يقصد بالذئب؟؟ زاد من خوفي وحيرتي .. هل كان يقصد الملك أمرجيز؟؟
بدأت أقلق من كل التضادات التي تحوم حولي ..
وقفت بضع دقائق أفكر في ما يحصل .... كان الجميع يتحرك ويحاول أن لا يصطدم بي .. أقبلت لوليانا وقالت والسعادة تملأ صوتها :
- هيا ... الجميع بانتظارنا ..
قلت بهدوء :
- المفروض ألا أذهب معكم..
كانت الضوضاء حولنا كبيرة والرجال في حالة حركة دائمة .. ومن بعيد صوت الموسيقى العسكرية ..
ونظرت لي لوليانا باستغراب لا حظته وقالت وقد تلاشت تلك السعادة من صوتها :
- لندا .. ما الأمر، هناك شيء ما يضايقك بالتأكيد .. أليس كذلك ؟؟
- لا.. ولكنني لن أذهب معك أنت والملك سأذهب مع احدهم وأحضر التتويج كواحدة من الجمهور .. أنا لست ملكة ولست أخته ..
قلتها كما قلتها لا أعرف كيف خرجت .. ولا حظت الاندهاش والاستياء على وجه لوليانا التي قالت بصوت منخفض :
- هل أخبرك جاميان بشيء سيء عن الملك؟؟
نظرت لها وانا أحاول أن أستشف من كلامها أي شيء ولم أتحدث فقالت :
- هيا مهما قال جاميان فإنك لن تصدقيه أليس كذلك .. إنه معقد نفسيا..
قلت بغضب :
- جاميان لم يقل لي شيئا .. وأنا لن أذهب إلى حفل التتويج برفقتكم ..
لا أدري لماذا كنت أشعر بالحيرة والاشمئزاز من كل شيء وقالت الأميرة بلطف أحرجني :
- كما تشائين .. ولكن يجب أن يصحبك أحد جنودنا المتمرسين ... أنت بالطبع لا تريدين جاميان ؟ أليس كذلك؟ أم أنه الوحيد الذي تعرفينه؟؟
أطرقت .. ولم أجب .. فتركتني وذهبت ...
بعد قليل سمعت صوتا يقول من خلفي :
- ما رأيك آنسة لندا في نزهة قبل حفل التتوييج؟؟
نظرت خلفي ورأيت جاميان ...
مستحيل .. هل سيصحبني حقا!؟؟!
قال بمرح غبي :
- ما رأيك .. الا تحبين أن تخرجي بصحبة جندي مجهول .. هههههههه
نظرت له بخوف وقلت :
- أنا لن أذهب معك في أي مكان.. هل سمعت..
اقترب مني وقال بصوت منخفض :
- ماذا قالت لك راجوي؟ هل تريدينني أن أشقها إلى نصفين؟؟
شهقت من دون وعي مني وقلت بخوف :
- مستحيل .. لا راجوي لم تقل شيئــ .....
- أعرف أنها أخبرتك.. لا تدافعين عنها ...
كنت خائفة جدا وبدأ الجنود حولنا بالانتظام والانصراف خلف موكب الملك واقتربت لوليانا وقالت :
- أنت بخيرأليس كذلك لقد دعوت جنديا تعرفينه حتى تكوني مطمئنة...
ثم نظرت إلى الجندي الأبيض وقالت :
- اهتم بها يا جاميان..
هز جاميان رأسه وانصرفت الأميرة بسرعة لتلحق بموكب شقيقها ..
نظرت إلى جاميان الذي سحبني بسرعة من يدي وهتف بمرح :
- أنت لا تملكين خيارا آخر، أنا قضاء عليك اليوم .. دعينا نخرج من الباب الخلفي .. ستصلين إلى مكان التتويج أسرع من الملك نفسه..
- اتركني يا جاميا ااااااااااان ن ن ...
صرخت وهو يسحبني عكس الناس ولكنه لم يتوقف وظل يمشي بسرعة و فستاني يضايقني ولا أستطيع الركض به .. خطوتين بساقي جاميان الطويلتان بعشر خطوات مني .. لم يكن هناك تكافؤ قدرات ..
ركضت وركضت وخرجنا من الباب الخلفي حيث الأشجار والغابات ولم يكن يوجد أي مخلوق حي سوى العصافير ..
قلت بخوف :
- ماهذا يا جاميان.. لا يوجد أحد هنا..؟؟
ضحك جاميان ثم خلع قناعه وقال باسما :
- لم لا تستمتعين بوقتك وتدعيني أخبرك بعض الأشياء عن الحوادث التي أخبرتك بها راجوي ..
قلت بعصبية وأنا أحاول أن لا أنظر لوجهه:
- لن أبقى معك وحدنا .. أنت لست مضمونا.. هل سمعت..
قال ببرود وهو يرفع حاجبيه كنوع من التحدي :
- لقد بقيتي نائمة أمامي بمفردك طوال أسبوع وأربعة أيام ... لو كنت أود أذيتك لفعلت .. لكنني تأملتك طوال الوقت ..
احتشدت دموعي وقلت بخوف:
- لكنني الآن لا أريد البقاء معك .. ألا تفهم يا إنسان؟؟!!
نظر إلي بصمت طويل ..
أنا أيضا لم أقل شيئا ..
ظللنا هكذا لمدة خمس دقائق.. ربما أكثر أو أقل لا أعلم لكنه قال بهدوء وهو يسير ببطء :
- ماذا قالت لك راجوي وجعلتك تكرهينني إلى هذا الحد .. هل أخبرتك عن الحرب؟؟ هؤلاء الجنود الذين قتلتهم خدعوني وهاجموني وكنت وحيدا .. كان علي قتلهم وتعليقهم حتى يكونون عبرة لمن اعتبر.. أنت لا دخل لك بأعمال الرجال .. إنها الحرب يا عزيزتي .. الحرب ..
نظرت له ولم أقل شيئا.. كنت أفكر في قوة رجل يقتل مئات الرجال المسلحين بمفرده ..
وتابع :
- أنا لا أخمن حقيقة ماذا قالت لك راجوي أيضا.. ماذا أخبرتك؟؟ هل أخبرتك بحادثة الرجل الذي قذفته من على الجسر؟؟ كيـ ...
- لا أريد سماع المزيد عنك .. أريد أن أذهب الآن..
ابتسم وقال :
- حسنا .. اذهبي ..
قلت بغضب :
- هيا خذني .. أنا لا أعرف الطريق ..
- حسنا.. إما أن تسيري معي أو تذهبي وحدك ..
لم يكن لدي خيار .. سار امامي وأنا خلفه وبدأ يتحدث قائلا :
- ذلك الملك أمرجيز الخبيث .. أحذري منه ..
ولوح لي بقناعه إلى مكان ما فنظرت لأجد مركبة صغيرة بيضاء اللون وعليها رسومات سوداء تقف وسط الأشجار فقلت :
- لماذا تقول ذلك ؟؟
- تفضلي في سيارتي ( كما يقول أهل الأرض) وسوف أخبرك ..
ركبت بالداخل كانت تشبه السيارت إلى حد كبير ولكنه مختلفة قليلا .. فهي أكبر حجما ولا أدري هناك مقود غريب ولوحة مفاتيح كما في أجهزة الحاسوب ..
هناك أشياء كثيرة مختلفة كشكل النوافذ.. والشكل العام ..
ماذا كان يريد أن يخبرني جاميان؟؟

ركب إلى جواري وقال وهو يحرك المركبة ويضع قناعه جانبه :
- سيطلب منك ( أمرجيز) طلبا .. وعليك أن ترفضي ..
- وماهو ذلك الطلب؟؟
- لا .. أنت ستعرفين قريبا ..
صمتت لثانية ثم قلت بسخرية :
- هل أنت عرّاف؟؟ أنت تتكههن بأمور حصلت أو لم تحصل ويكون رأيك صحيحا؟؟
- المهم أن ترفضي طلبه..
- إذا طلب مني شيء أقدر عليه فسوف ألبيه..
نظر إلي للحظة ثم تابع القيادة وهو يسير داخل الغابة ثم قال بهدوء:
- انا أعرفك جيدا جدا .. لن توافقي ..
- ماذا .. ماذا تريد مني .. لا تتدخل بحياتي .. هل سمعت..
ظل يقود بهدوء ونظرت إليه لبعض الوقت .. كان وجهه وديعا وهادئا وجميلا ملامحة وكأنها مرسومة بقلم ..كان ينظر إلى الطريق ويفكر بشيء ما فقد كان حاجبيه الجميلان متقاربان وكأنه يفكر ..
شعره ناعم أسود حالك يصل إلى كتفه .. وبشرته بيضاء ناصعة.. سحبت نظري بعيدا عنه .. يالـخداع ذلك الشيطان الجميل.. لماذا أحبه؟؟ لا أعلم أحبه وأكرهه ... تناقض في مشاعري نحوه كتضاد شخصيته الغريبة ..
كنت أفكر وانا أنظر إلى الأشجار وشعرت أنه نظر إلي بضع مرات .. ثم توقفت السيارة فجأة ..
نظرت له بخوف فابتسم وقال وهو يلتقط قناعه:
- لا تخبري أحدا بتلك النزهه ..
ثم وضع قناعه على رأسه وشد رقبة رداءه لتغطي أطراف شعره الأسود ..
لحظات وانطلق يشق الطريق المليء بالأشجار .. وبدأت أسمع أصوات الأغاني الملكية ثم رأيت الجمهور يلوح من بعيد لموكب الملك المار وسط الحرس والحشود ..
ضرب بآلة التنبية وعندما رأى الناس العربة قاموا بفتح طريق لمرورها وهم يهتفون " جاميان .. جاميان ،الذهبي"
قلت بسخرية :
- يببدو أن لك شعبية كبيرة هنا! إنهم يشجعونك لتحصل على اللقب ..
شعرت أنه استغرب لانني اعرف الأمر ثم ضحك وقال ببساطة :
- إنهم شرذمة من المنافقين ..
تعجبت من رده .. بعض دقائق من السير وسط الزحام اقتربنا من موكب الملك و رآنا الحرس ففتحوا لعربة جاميان طريقا ودخلنا أخيرا إلى موكب الملك وابتعدنا قليلا عن الزحام ..
أصوات الهتاف والأغاني والضجة تملأ المكان..
صور للملك يحملها الناس و شرائط ملونة وبخاخات في الهواء والكثير من الفقاعات الكبيرة الملونة التي تطير في الهواء لفتت نظري وشعرت أنني أبتسم رغما عني .. كانت حشود الناس رائعة .. لم أشعر بذلك الشعور من قبل ..
نسيت أمر جاميان الذي يجلس إلى جواري واندمجت مع المنظر الجميل .. لم أكن أعلم أنني اجتماعية فالجميع كان يصفني بالانطوائية والهدوء الزائد وعدم فرحتي بالحفلات .. حتى والداي كانا يقولان ذلك قبل أن يرحلا عن عالمي .. ويتركونني وحيدة..

توقفت السيارة فجأة وركب أحدهم في الخلف .. لم أعلم من هو لأنني كنت مندمجة مع الحفلة الكبيرة .. ولكنني نظرت إلى الخلف والعربة تبدأ في التحرك من جديد فرأيت الجندي الذي يرتدي الزي الأسود ولا يرتدي قناعا .. وقال بحماس يخاطب جاميان:
- كيف حالك روكش العنيد ..
ضحك جاميان وقال مازحا :
- بخير يا ليليان الأحمر ..
نظر تالتن إلي وهو يبتسم وقال يخاطبني :
- لا بأس إنها أسماء حركية .. مرحبا أيتها الآنسة اللطيفة .. تسعدني مقابلتك ورؤية اللون الأخضر الذي ينام داخل عينيك ..
ابتسمت وقال جاميان بأسلوب تهديد يمزح :
- لا تغازل وإلا فقعت عينيك ..
قال تالتن:
- حسنا يا صديقي لا أفكر بأخذ حبيبتك ..
قلت أنا بغضب :
- من قال أنني حبيبته .. أنا أكرهه عدد نجوم الفضاء ..
ضحك تالتن وقال وهو يدق بأصبعه على كتف جاميان بسخرية يمزح :
- هاهاها .. فرصتي كبيرة أيها الوسيم ..
قال جاميان ضاحكا وهو يراقب الطريق خلف موكب الملك بحذر :
- لا تحاول ....
ضحك الإثنان وشعرت بالخجل ..
كان تالتن شابا لطيفا يعتاد عليه الشخص أول ما يراه، له شعر أحمر داكن وعينان سوداوان .. وكان يرتدي زيا أسودا ودرعا رماديا مثل الذي يضعه جاميان أيضا..مكتوب عليه بلغة غريبة .. هيراطيقية ؟؟ يابانية؟؟ لا أعلم ...
بعد دقائق توقف موكب الملك ونزل الملك وبجواره شقيقته لوليانا وهناك امرأة أخرى تسير خلفهما .. كثير من الحرس حولهم ودخلوا إلى القاعة ..
توقفت عربة جاميان أيضا ونزل تالتن بسرعة ليفتح الباب لي وخلع جاميان قناعه وهو يقول بسعادة:
- سمح لي روسو اليوم بخلع ذلك الشيء الغبي ... فقط في أثناء التتويج.
ثم رافقاني الإثنان إلى الداخل .. وأنا في غاية الحرج ..
لم أفعل شيئا ولكن تالتن جلس على الكراسي المخصصة للحضور المهمين وجلست إلى يساره ثم جلس جاميان عن يساري .. يالسخرية القدر أنا بين الجندي الأسود والجندي الأبيض .... يالها من ألقاب غريبة لو كنا على الأرض لضحك علينا الناس..

جلس الكثير من الأمراء والوزراء وكانت هناك آلات التصوير غريبة الشكل، لكنها كانت صغيرة وفعالة جدا ..
وقف الملك وأدى قسم الملوك الذي تؤديه ملوك بانشيبرا منذ قديم الأزل ..
علا التصفيق وكان الناس الذين يشاهدون ذلك في الخارج يهتفون والحماس زائدا جدا ..
نظرت إلي لوليانا من بعيد وابتسمت لي بسعادة.. فابتسمت لها ثم حولت نظرها إلى جاميان ونظرت له لثوان .. لاحظت ذلك ..
كانت الأصوات مرتفعة جدا واقترب كاهن بانشيبرا ليلبس الملك التاج الملكي ..
ومضى وقت سعيد بعد أن عين (أمرجيز) الشاب ملكا عظيما لبانشيبرا التي لم يحكمها شاب في مثل سنه منذ مئات السنين فقد كان يتوارث حكمها الرجال المسنون تقريبا ..
بدأ الحفل ينتهي وعاد الناس إلى عرباتهم وبدأت أمسية الملك في القصر كان الجميع يقف حول الملك ليتبعوا موكب الملك إلى القصر ..
وقال جاميان مازحا وهو يميل علينا أنا وتالتن:
- يبدوا أن عهده سيكون طويلا إلى حد الملل .. وأراهن أن بانشيبرا سوف تسقط في عهده ..
ضحك تالتن وضرب كف جاميان مؤيدا كلامه ونظرت خلفي فرأيت الأمراء والمستشارين خلفنا ينظرون إلى جاميان بغيظ ..
خمنت أنهم بالتأكيد أنهم سمعوا ماذا قال ..
ووقف نائب الملك وقال فجأة :
- أيها الجندي الأبيض .. أريدك بعض الوقت ..
نظر جاميان إلى نائب الملك نظرة لا مبالاه ثم وقف وقال :
- هناك إذا ..
لم أعرف ماذا يريد الرجل من جاميان وسألت تالتن :
- هل سيكون بخير؟؟


بقينا في أماكننا نراقب جاميان من بعيد وهو يتحدث مع نائب الملك ورأيت جاميان والنائب يضحكان فجأة.. فقال تالتن يحدث نفسه بصوت منخفض ولكنني سمعته :
- يالك من ذكي .. تجعل أي شخص يحبك لأنك الأجمل والأقوى ..
نظرت إلى وجهه .. كان ينظر بإعجاب إلى صديقه الجندي الأبيض وعلى شفتيه ترتسم ابتسامة غير مقصودة .. يبدو انهما صديقان حقيقيان ..لماذا وضعوهما في موقف منافسة بتلك الطريقة .. اتعجب من هذه الحياة الغريبة ..
تحولت نظرة تالتن فجأة نحوي فابتسمت بارتباك وحولت نظري بعيدا ... شعرت بالخجل لأنه رآني وانا أحدق بوجهه ....
ولمحت جاميان يقترب وهو يبتسم لي ...
لم أستطع ألا أرد الابتسامة ، فابتسمت له فأسرع الخطى وقال لكلينا أنا وتالتن :
- هيا سأوصلكم إلى حفل السهرة ...
- لا ... أنا من سيأخذ الآنسة ..
كان ذلك صوت الأميرة لوليانا والتفت جاميان إليها وقال باعتراض:
- أرجو من سموك أن تدعيني أوصلها .. أنا وتالتن قمنا بذلك من قبل ..
وقف تالتن وقال :
- أوه .. نعم دعينا نوصلها ..
ابتسمت لي الأميرة وقالت :
- يبدو اننا سنتشاجر عليها .. مارأيك أن تختاري يا آنسة ؟؟
نظرت إلى الأميرة لوليانا بخجل وصاح تالتن وهو يضرب جبهته بكفه :
- لاااا ... سوف تختارك أيتها الأميرة بالتأكيد ..
نظر جاميان إلي في عيني وجعلني أشعر بالإحراج فقلت له :
- أنا آسفة .. سأذهب بصحبة الأميرة ، هذا سيشعرني بتحسن ..
تبادل جاميان نظرة مع تالتن ومدت الأميرة يدها إليّ فذهبت معها وألقيت نظرة خاطفة خلفي فلوح لي تالتن بيده مودعا بينما وقف جاميان مبتسما وهو يقول شيئا لتالتن لم أسمعه ..

لم أشعر بالحزن لمفارقتهما فقد كنت محرجة جدا جدا ...
وسرت بصحبة الأميرة التي ركبت جوار الملك ومن ثم ركبت جوارها في العربة الملكية ..
نظرت للملك وقلت بهدوء:
- مبارك التتويج يا صاحب الجلالة..
ابتسم الملك وقال مازحا :
- أنا غاضب منك لأنك رفضت الحضور بالعربة الملكية وذهبت مع ذلك السفاح ..
قلت :
- لم أقصد ذلك،، وأنا لم أخطط للذهاب مع أي شخص في الحقيقة .. لقد تولت ذلك الأميرة لوليانا ..
مضت الليلة الطويلة ورأيت تالتن وجاميان عدة مرات في الحفل ولكنني كنت مع الملك والأميرة طوال الوقت ..
عدت إلى غرفتي وانا منهكة من التعب ولكنني لم أجد وصيفتي راجوي .. لذلك قمت بتغيير ملابسي وارتميت على السير افكرفي كل ماحصل اليوم ..
وشعرت ببعض القلق على راجوي وانا اتذكر جاميان وهو يحدثني عن ما اخبرتني به ..سحبت البطانية فوقي وانا انظر حولي بخوف ، ذلك الشاب مازال يراقبني .. وإلا .. فكيف سيعرف؟؟
إنه شبح .. نعم شبح!!
نظرت حولي ثانية وقلبي يدق بسرعة .. تخيلت انني سأراه في أي لحظة يقف أمامي .. لماذا أنا خائفة منه؟
هكذا قلت لنفسي وانا لا استطيع ان أغمض عيني ..
وقف بسرعة وفتحت باب غرفتي ثم نظرت إلى الخارج .. كان المكان هادئا جدا إلى درجة الجنون .. صممممممت !! صمت .. صمت.... ثم..
سمعت صرخة مغتاله ... آآآآآهممممممممممم
ماهذا ؟؟
هناك شخص ما يصرخ .. قلت لنفسي " ربما لا .. أنت تتخيلين بسبب خوفك؟؟" آه نعم .. أين هي الصرخة ؟
لقد كنت أتخيل بالتأكيد،، ولذلك عدت إلى غرفتي لكن الشك ظل يراودني ،
فارتديت معطفي وخرجت إلى الممر .. سرت قليلا حتى نهاية جناحي ..
ولم أجد شيئاا ، فعدت أدراجي بسرعة ثم حاولت النوم مرة أخرى ..
وهكذا غلبني النوم في النهاية ...

* في الصباح
فتحت عيني ثم جلست في سريري وأنا أسمع في الخارج صوت صراخ وكلام كثير .. كانت الساعة قد تجاوزت الثانية عشرة بعد الظهيرة ..استغربت لأن راجوي لم توقظني لتناول الفطور معها كالعادة ،، وبسرعة ... وقفت مفزوعة وارتديت معطفي ثم خرجت لأعلم مالذي حدث بالخارج ..
ركضت بسرعة في الممر وكلما اقتربت من نهاية جناحي اسمع أصوات الصراخ والهتاف بصوت أوضح . فتحت الباب بسرعة فوجدت وصيفات القصر ..
وعندما رأتني إحداهن صرخت :
- سيدة لندا ... راجوي ....
قلت بخوف:
- مالذي حصل ؟؟ هل حصل لها مكروه...؟؟
نظرت إلي الوصيفة وأنا أشعر بخوف لا مثيل له وتذكرت الصرخة التي سمعتها وقالت الوصيفة وهي تبكي ..
- سيدتي ... لقد قتلت راجوي!!

كنت واقفة مثل الذي سكب عليه دلو من المياه الباردة في الشتاء ..
وعادت تصرخ الوصيفة وتبكي وهي تقول :
- لقد وجدناها صباح اليوم أمام جناحك .. وقد ذبحت و .. و ....
لم تستطع الوصيفة الكلام ...
رأسي يدور يدور .. أصبحت فجأة لا أى أمامي ولم أشعر بأي صوت سوى صوت جاميان أتذكره وهو يتردد في أذني
- " ماذا قالت لك راجوي؟ هل تريدينني أن أشقها إلى نصفين؟؟ ... "
بعدها لم أشعر بشيء ......
مضى بعد الوقت ربما في نظري دقيقتان أو ثلاثة ولكن المدة الحقيقية كانت ساعات كما عرفت فيما بعد ...وسمعت صوتا يناديني :
- آنسة لندا . آنسة لندا .. هل أنت بخير ؟؟
حاولت فتح عيني .. وتذكرت راجوي فبكيت .. وعندها ضمتني الأميرة لوليانا وهي تقول :
- لا بأس ستكونين بخير لا تقلقي .. سوف نكتشف من فعل ذلك..
نظرت فرأيت الملك أمرجيز ينظر إلي باسما وقال:
- لقد عينت أفضل جنودنا ليقوم بالتحقيق ... في مقتلها ..
قلت بخوف وصوتي يتحشرج رغما عني :
- من؟؟ من هو الذي سيحقق في قضيتها؟؟
قال الملك :
- لا تخافي انت بأمان هنا..
لم يرد على سؤال فقلت أخمن :
- هل سيتولى جاميان التحقيق؟؟
- نعم .. انت ذكية.. " قال ذلك ليحاول تهدئتي يظن انني أرتاح له"
لم استطع تحمل الصدمة وقلت بغضب ودموعي تحتشد ثانية:
- لماذا؟؟ لا تجعلون جاميان يحقق في القضية ، أنا أعرف أنه القاتل ... هو الذي قتل راجوي .. ذلك الشرير ..
انفعلت وبكيت وحاولت الأميرة لوليانا تهدئتي وهي تقول :
- جاميان لا يعرف راجوي يا عزيزتي ..وليس له مصلحة في قتلها .. كما أنه شاب عاقل،، المجرم الذي فعل ذلك لم يترك أي أثر خلفه .... إنه مجرم محترف..
قلت بانفعال ودموعي لا تكف عن السقوط :
- أريد مواجهة ذلك اللعين السفاح الــ ... أريده أين هو ذلك القاتل، المعقد ..
كنت أحاول القيام من سريري ولكن الأميرة منعتني وضمتني ثانية تحاول تهدئتي ..
وسمعت طرقا على الباب ، قام أحد الخدم الموجودين معنا بالغرفة بفتح الباب ..
دخل تالتن إلى الغرفة يتبعه ال************* جاميان ..
الإثنان قاما بتحية الملك ثم الأميرة ..
لم يكن جاميان يرتدي قناعه كان يمسكة بيده وكان تالتن مبتسما وقال:
- مرحبا يا آنسة .. هل أنت بخير الآن؟
نظرت إلى جاميان بغيظ ولم أجب عن سؤال تالتن فقال الملك مازحا يحدث جاميان :
- ان الآنسة لندا تتهمك بقتل راجوي .. ماذا فعلت حتى سحبت ثقتها منك؟؟
ألقى جاميان نظرة علي ثم قال :
- لا أعلم ...
قلت بغضب :
- أنت أيها ال****************** الكاذب .. لا تعلم ؟؟ ياللبرآءة .. هيا اخبرهم ماذا قلت لي بالأمس ..
كان الجميع مستغربا ومذهولا حتى جاميان نفسه فقد انفرجت شفتاه وحدق بي لبعض الوقت بذهول قبل أن يقول :
- قلت لك أنني سأشق راجوي إلى نصفين؟؟ أهذا هو الشيء الذي قلته ؟؟
قلت برضا :
- نعم ....
نظر جاميان باسما إلى تالتن وعندها قال تالتن :
- في الحقيقة .. جامي صديقي يقول هذا دائما لأي شخص .. وهذا ليس معناه أنه قتل راجوي .. فكري .. لماذا سيقتلها ؟؟
اختنق صوتي بالبكاء وتذكرت منزلنا والحياة التي كنت أعيشها بعيدا عن ذلك الخوف .. تذكرت إيميلي و ميرندا ... شعرت برغبة في الانتحار .. كنت أود أن يكون هذا مجرد حلم طويل وكابوس لا يعود مرة أخرى..
ظلت دموعي تنزل وأنا أفكر فاستأذن الملك وخرج بصحبة الحرس وبقيت معي الأميرة وتالتن وجاميان ..
فقلت وصوتي متأثر بالبكاء:
- أريد العودة إلى الأرض ولا أريد البقاء هنا، لقد جئت لمهمة وقد أنجزتها .. هيا دعوني أرحل ..
ثم نظرت إلى جاميان الذي ظل واقفا مكانه وصحت بغضب :
- وأنت أيها الشبح .. أخرج من حياتي .. أنا أكرهك .. أكرهك ..أكرهك..
صرخت وصرخت حتى كأن عرقا انفجر في رأسي .. وفقدت الإحساس بكل من حولي ...
لا أدري كم بقيت هكذا من الوقت .. يبدوا أنني نمت طووويلا ..
وعندما فتحت عيني أحسست أنني ارتحت قليلا .. قبل أن اكتشف اين أنا تدفق هواء بارد ومنعش لتتحرك خصلات شعري .. ونظرت حولي وانا مازلت مستلقية ..كنت في حديقة جميلة وكان الوقت عند الشروق .. هناك ظل شجرة جميل يظلل فوقي ..
كان هناك شخص ما يمسح على شعري بلطف .. أشعر أنني كالمخدرة..
ذلك الشخص يضمني برفق وأنا أنام على صدره .. كان الشعور جميلا ..
من هذا الشخص الحنوووون .. يداه ..
إنها دافئتان .. كل شيء هنا دافيء عدا النسيم البارد ..
أمسكت بقميصه ... ظلت عيناي نصف مفتوحة ...
إنه يرتدي قميصا أبيض .. امممم
بدأت أفيق من التخدير ورفعت رأسي قليلا لأعرف من هو ..
. .صحت بفزع وفتحت عيني جيدا .. جاميان؟؟
.. كان يبتسم لي .. وتحول الحلم الجميل إلى كابوس ...
فزعت وابعدت يده من فوق شعري ووقفت ابتعد عنه وأنا أصرخ ..
لا لاااااااااااااااااااااااااااا .. ركضت بعيدا .. كان يطاردني ..
.وينادي : لندا ..
الجندي الابيض

قمت فزعة ووجدت أنني مازلت في فراشي ..
قالت فتاة لا أعرفها كانت تجلس إلى جوار سريري :
- هل انت بخير يا سيدتي .. هل أحضر الطبيب ؟؟
كان صدري يعلوا ويهبط وضربات قلبي تتسارع وأنا أتذكر ذلك الكابوس ..
لقد أصبح يطاردني حتى في الكوابيس ..
حمدت الله أنه كان مجرد حلم لا أكثر ..
خرجت الفتاة المسكينة مسرعة تنادي الطبيب ... يبدوا أنها خافت عندما لم أرد عليها ....
دخل الطبيب مسرعا .. لم يبد أنه طبيب كان رجلا عاديا ..
قام بسؤالي عن صحتي فقلت أنني أصبحت بخير وأن ذلك مجرد كابوس .. وضع جهازا على يدي وطلب مني أن ارتاح بعض الوقت ووقفت الفتاة إلى جانب سريري ..
قالت الفتاة بتردد:
- آنستي .. أرجوا أن لا تغضبي مني، فأنا لا أقصد أخذ مكان راجوي .. لكنني عينت من قبل الحاكم وصيفة لك .. أرجوكي نادني بـ " أوليسي" إن احتجتي إلى أي شيء ..
نظرت لها وحاولت أن ابتسم وقلت :
- شكرا لك أوليسي .. أنا لست غاضبة منك فأنت لا ذنب لكِ في شيء..
انصرفت الفتاة وجلست بالقرب من الشرفة .. كنت أراها ..الوقت كان ظلاما فلون السماء الأسود يوحي بذلك ..
بعد قليل خرجت الفتاة ثم عادت ومعها طاولة الطعام .. سحبت الجهاز المزعج من فوق ذراعي وقالت بلطف:
- سيدتي .. يجب أن تتناولي شيئا .. أنت لم تأكلي منذ الصباح ..
لم أشعر برغبة في تناول أي شيء ..
ثم بقيت فترة مستيقظة أفكر في الحلم حتى غفوت من تلقاء نفسي أخيرا ..
في الصباح قامت أوليسي بإيقاظي وجائت لوليانا لتطمئن علي ... وقالت:
- تبدين بحال أفضل ؟؟
- نعم .. شكرا لك ..
- كان أخي سمو الملك يود زيارتك ..ليطمئن عليك ..
- لا داعي لذلك، أنا بخير ..
- حسنا مارأيك أن نذهب إليه إنه يجلس وحيدا في حديقة القصر ...
قمت بارتداء ثيابي تلبية لطلب لوليانا وخرجت بصحبتها إلى حديقة القصر .. بينما نسير سألتني الأميرة باستغراب :
- لماذا تكرهين جاميان إلى هذا الحد .. في حياتي لم أر احدا كرهه على الرغم من كل مافعله ؟؟
نظرت للزهور في الحديقة وتذكرت الحلم ثم قلت :
- لا أعلم .. روحي لا توافق روحه ..
ضحكت الأميرة وقد أعجبتها جملتي الأخيرة ..وفي خلال لحظات رأيت الملك يجلس على أريكة نريحة لوحدة تحت ظلة جميلة صنعت خصيصا له..
وعندما اقتربنا شعر باقترابنا فالتفت ينظر ..
في الحال ابتسم عندما رآنا قادمتان ..وعندما جلسنا أمامه قال سعيدا والهواء يحرك شعره البني :
- كيف حالك الآن يا أجمل البنات؟؟
كان يخاطبني فابتسمت لوليانا وشعرت بالخجل ولم أستطع الرد ... ابتسمت فعاد الملك يقول :
- ما كل هذا الخجل .. ؟؟ هل تخجلين مني ... لا لقد أصبحنا أكثر من مجرد صديقين أليس كذلك ..
قلت وأنا أرخي نظري إلى الأرض :
- هذا أكبر شرف لي سيدي ..
ضحك الملك وهو يتبادل النظرات مع لوليانا التي كانت تضحك أيضا .. ومن بعيد اقترب أحد الحرس الخاص وقال شيئا بالهمس وهو يقترب من الملك ..
قال الملك :
- لا بأس لكن بسرعة ..
انصرف الحارس وقام الملك واقفا ثم قال :
- سأستذنكم لدقيقة فقد وعدت الجند بأن أرى مخططهم الجديد هنا ولكني لن أستطع ادخالهم لأن جاميان معهم أنت تعرفين القضية ..
ثم ضحك وقال مازحا :
- أخشى أنك ستمرضين بسببه في النهاية ..
قلت بهدوء :
- هذا الشخص لا يؤثر في أبدا سيدي ..
قال الملك .. وهو يجلس :
- هذا رائع إذا .. أتمنى ذلك لأنه مجرد جندي ..
ورأيت روسو الغاضب دائما يقترب وخلفه جنديان يرتديان الزي العسكري الكحلي مثل روسو ويتبعهما تالتن وجاميان ..
كان تالتن قد رآني ولكن جاميان كان ينظر حوله إلى الأشجار ..
نظرت إلي الأميرة لوليانا فقلت :
- لم لا نتمشى في الحديقة حتى ينتهون من خططهم ..
هزت لوليانا رأسها موافقة ووقفنا ومررت بجانب تالتن ، لم أنظر خلفي لكن الأميرة لوليانا ضحكت بعد فترة قصيرة وقالت ونحن نسير:
- مسكين جاميان .. لقد حطمتي قلبه .. لم ترينه كيف كان ينظر إليك بألم وانت تمرين متجاهلته ..
قلت بغيظ :
- ماذا يظن نفسه .. إنه لا شيء!!
ضحكت الأميرة لوليانا وقالت :
- يجب أن تغيري فكرتك عنه فهو الوحيد القادر على إعادتك إلى الأرض، توقعي أن تبقي أمامه أكثر من عشرة أيام ..
قلت باستغراب :
- هل هو من يقود المركبة ؟؟
- لا.. معه طيار واحد يدعى " سبيرسو" وهو أمهر الطيارين .. لكن جاميان هو الذي يقوم بباقي الأشياء .. ويقود مركبة هينوا عندما يغيب الطيار أو ينام لبعض الوقت ، إنه متمرس جدا ..
قلت :
- لن أعطيه اهتمام ولن أصدق أنه بريء من تهمة قتل راجوي ..
قالت الأميرة لوليانا بباندهاش :
- انت مصرة .. لا يمكن لجاميان أن يهز مركزه بجريمة قتل مجرد وصيفة لايعرفها حق المعرفة ...لا تنسي انه يسعى للقب الجندي الذهبي ..
- لقد أفشت اسراره ..
قلت ذلك بسرعة وانفعال ..
فقالت الأميرة :
- أي أسرار تقصدين ؟؟
حكيت للأميرة ماقالته لي راجوي قبل موتها ..
ردت الأميرة بكل بساطة:
- عزيزتي .. راجوي لم تقل لك أي شيء سيء عن جاميان حتى الآن.. انت لاتعرفين ماذا فعل جاميان في السنوات الماضية..
ذهلت ... ووقفت انظر حولي ثم قلت:
- أرجوك... أحكي لي عنه..

قالت الأميرة ونحن نجلس على كرسي كبير في مكان بعيد :
- جاميان ظل لغزا لا يستطيع أي شخص حله .. ولازال،، منذ ان بدأ جاميان عمله في سلك الجيش، كان والده ضابطا كبيرا .. وعندما رأوه رؤساء العمل ظنو انه مدللا ولا ينفع للعمل كجندي ،، بدأت أسطورة جاميان عندما قام في الحرب بقتل مئات الرجال من مملكة (تيمالاسيا) كان جاميان أصغر ولكنه كان الأقوى .. وكان فعله ذلك من الأمور التي أدت إلى انتصار بانشيبرا العظيم ...

صمتت الأميرة لوهلة ثم تابعت :
- بعدما قتل والده في لحرب .. ماتت أمه لسبب مجهول وانت بالطبع تعرفين ماذا فعل وكان يبرر فعلته بقوله " لن أخسر ابي وامي في وقت واحد "..
بعد ذلك .. لفت نظر والدي الملك الراحل فعينه في الحرس الخاص .. اكتشفنا بعد ذلك أن هناك لعنة ما تلاحق الجندي الجديد .. فقد كان كلما يغضب من شخص ما ...
يموت ذلك الشخص بطريقة مفزعة ولا يترك قاتله أي اثر خلفه .. اتهم الناس جاميان بالقتل ولكنه أخذ براءات متتابعة من المحكمة فلم يكن هناك أي دليل على أنه من قتل هؤلاء الأشخاص ..

سكتت الأميرة فقلت بعجلة :
- ماذا حصل ؟؟
قالت الأميرة :
- أصبح الجميع يتحاشى غضبه المفزع .. كان جاميان يحل الجرائم والألغاز بطريقة تنم عن ذكاء خرافي .. يشعر بوجود الأشياء المسروقة .. وبالفعل يتم ايجادها.. كان الأمراء يستدعونه ليحل الجرائم المعقدة وكان ينجح في ذلك .. انه ماهر جدا في التنكر .. حتى انني متأكده انه ليس طبيعيا ..
ظهر في ذلك الوقت الجندي تالتن .. كان منافسا قويا.. تالتن ذكي أيضا وقوي لكنه لا يضاهي جاميان في ذلك الآن أصبحا صديقين ولم يعودا يتنافسان مثل الماضي ولكن أخي ينوي القيام بمسابقة بينهما ..
سألت الأميرة بفضول :
- هل جاميان غضب من راجوي فماتت؟؟ هل تعتقدين ذلك؟؟
نظرت لي الأميرة بخوف وقالت:
- لقد قلت لوالدي كثيرا بأن يتخلص منه.. قلت له بصراحة .. اقتله .. كان والدي معجب بقوة جاميان واعطاه لقب الجندي الأبيض تأهلا له ليحصل في المستقبل على اللقب الذهبي .... أخي معجب به أيضا .. لكنه أحيانا يغتاظ منه .. هناك مشجعون لتالتن وآخرون يؤيدون جاميان ...
صمتت الأميرة وعادت برأسها للوراء وهي تضع يديها على جبينها وكأنها تشعر بالصداع ..
ترددت في قول ما أفكر به ..في الحقيقة كانت الأميرة محل ثقتي فقلت :
- لقد أخبرني جاميان بشيء غريب ..
رفعت الأميرة رأسها وسألت بفضول:
- وماهو؟
- ققال إن الملك سيطلب مني شيئا ؟؟
فتحت الأميرة عينيها مندهشة وقالت :
- ماذا ؟
- أنا أسألك .. لم يرد اخباري بذلك الشيء..
فكرت الأميرة باستغراب ثم قالت بغضب:
- إنه يريد أن يشعرك بالخوف فحسب .. ذلك الجاميان الخبيث !!
لا أدري لم شعرت بإحساس لم ينتتابني من قبل ...
إحساس أن الكل يتلاعب بي .. لا أدري ما أفعل .. كانت لوليانا محل ثقتي ولم تهتز تلك الثقة حتى الآن .. جاميان أكرهه .. الملك لا أحبه .. تالتن لا أعرفه .. روسو يخيفني منظره .. وصيفتي الجديدة خائفة وخجولة ..
يا اللهي ماذا أفعل ..
سكتنا لفترة قصيرة ثم قالت لوليانا :
- مارأيك يا انسة لندا ان نعود للملك؟ سنراقب ماذا يفعلون من بعيد ..
ابتسمت وقمنا نركض بمرح وقطفنا زهرتين ..
وصلنا إلى المكان ولم نجد أحدا سوى جاميان وتالتن ..
كان جاميان يضع السيف على رقبه تالتن الذي كان يمسك أيضا بسيفه .. وشهقت الأميرة بصوت خافت وقالت :
- ماذا هل ينوي جاميان قتل تالتن؟؟؟؟

نظر جاميان نحو الشجر الذي نختبيء خلفه ورفع السيف عن رقبة تالتن وهو يصيح :
- من هناك ..
ركضت الأميرة بخوف واختبأت خلفي <<< لم أكن اعرف انها جبانة لهذه الدرجة ..
اقترب جاميان وسار خلفه تالتن بعد ان أدخل سيفه ...
قلت بهدوء:
- يبدو انها كانت مجرد مبارزة عادية .. يبدوان متصالحان ..
كانت الأميرة ماتزال تمسك بثوبي وقالت بصوت خافت وهستيريا واضحة :
- الآن سيغضب مني وسأموت ..
اقترب جاميان من الأشجار فرآني ..
نظرت له نظرة حقد واحتقار .. كان ينظر إلى بهدوووء .. وقال تالتن بمرح :
- لقد قطعتم مبارزتنا ..لكن لا بأس، هل كنتما تشاهدانني وانا أخسر ؟
ابتسم جاميان وهو ينظر لتالتن، ورفعت الأميرة رأسها ونظرت إلى جاميان فقال جاميان للأميرة بسرعة :
- ماذا قلتي لها؟؟
شهقتت الأميرة بخوف وعادت خلفي مرة ثانية .. فلت بغضب متحفزة ضده :
- أنت ايها القاتل .. هذا يكفي .. لقد مللت منك ومن ألاعيبك السخيفة .. ماذا تظن نفسك ؟؟ هاه؟؟ هل تظن نفسك أنك الشخص الذي يحاسب الناس ..
رفع تالتن حاجبيه مذهولا وأدخل جاميان سيفه وظل خافضا بصره لثانية، ثم رفع رأسه وقال بصرامة بعد ان اختفت الابتسامة من وجه :
- لندا .. أرجوك أنا لا أكرهك .. , ولم أؤذيك .. فلماذا تقولين ذلك؟؟
قلت بغضب :
- انت بشع جدا .. وتخدع .. أنا لم اتخيلك هكذا عندما رأيتك ..
نظر لي جاميان ثم انصرف بسرعة يركض بعيدا ..
ابتسم تالتن بارتباك وهو يراقب جاميان وهو يختفي بين الأشجار وقال :
- لا بأس .. لقد كان جاميان يمزح مع الأميرة إنه لم يقصد شيئا .. آه .. أنا مضطر للذهاب ..
انصرف تالتن يركض بعيدا يود اللحاق بجاميان .. وقالت الأميرة وهي تقف إلى جواري أخيرا:
- لندا .. أنا مرتعبة من ذلك المدعو جاميان ..
قلت بحماس:
- لاتهتمي له .. إنه أقل من أن يؤذيكي ..

عدنا إلى القصر وكان الملك هناك .. ظل يعتذر لي لفترة بأنه تركنا كان السبب هو روسو، ولكنني قبلت اعتذاره وطلب مني الملك ان يصطحبني في نزهة بالحديقة وقال :
- أريد أن احدثك في موضوع مهم ..
- وماهو..
- ستأتين معي أولا..
- موافقة سيدي ..
كنت ولأول مرة أخرج مع الملك بمفردي .. وذهبنا وحيدين إلى الحديقة وسرننا قليلا بدون أي كلام .. كان الملك يسترق النظر إليّ ولكنني لم أنظر إليه فبدأ الحديث قائلا :
- لندا .. هل أنت متضايقة من البقاء هنا .. وأرجوك، لا أريد مجاملات..
نظرت إليه وتوقفت عن السير فتوقف أيضا وقلت وأنا متفاجأة من السؤال:
- أنا..؟ في الحقيقة .. لست متضايقة ولكنني أفضل العودة إلى الأرض .. هذا المكان لا يناسبني ..
ابتسم الملك وقال :
- هذا كله بسبب جاميان ؟؟ هو الذي جعلك تكرهين البقاء هنا ..لكن أليس هناك شخص آخر يجعلك تشتاقين إليه ..
كان الملك يحدق بوجهي وكنت أشعر بالخجل ولم أعرف ماذا أقول ، بقيت صامتة وأنا أنظر إلى الأرض وأظن وقتها أن وجهي كان أحمر من الخجل ..
اقترب مني ورفع وجهي برفق لأنظر إليه ... << كانت دموعي ستنزل من الإحراج وابتعدت عنه قليلا .. ونظرت بعيدا .. فقال :
- لندا .. أنا أحبك .. أنا أريدك لي ، أريدك أن تبقي معي مدى الحياة .. لماذا لا تشعرين بي .. لا أريدك أن تعاملينني كملك ..أريدك أن تعاملينني كحبيب .. أرجوكي....
تفاجأت من الكلام ونظرت للملك بذهول ..
تذكرت رغما عني كلام جاميان ... كان يرن كالصدى ..
" سيطلب منك ( أمرجيز) طلبا .. وعليك أن ترفضي ..
وماهو ذلك الطلب؟؟
لا .. أنت ستعرفين قريبا ..
هل أنت عرّاف؟؟ أنت تتكهن بأمور حصلت أو لم تحصل ويكون رأيك صحيحا؟؟
المهم أن ترفضي طلبه.."

شعرت فجأة بالغضب لأنني تذكرت ذلك المعقد .. فقال الملك بلطف :
- هل أزعجتك ؟
نظرت له وأحسست أن على وجهي كل علامات الكره فحاولت أن أغير تلك الصورة وابتسمت قائلة :
- لا .. لست منزعجة بالعكس .. أنا مصدومة بعض الشيء .. أريد أن أذهب .. هل تسمح لي ؟
قال الملك وهو يمسك بيدي :
- هل أوصلك ..
قلت بهدوء :
- لا لاتزعج نفسك .. ليس من المفترض أن يوصلني الملك بنفسه ..
انطلقت بسرعة أسرع في مشيي .. لم أنظر خلفي ..لم أتوقف عن المشي بسرعة حتى وصلت للقصر، دخلت بسرعة إلى غرفتي ولحقت بي " أوليسي" وهي تقول بخوف :
- سيدتي .. ما الأمر هل من خطب ما ؟؟
قلت بضيق وأنا ارتمي على الكرسي :
- لا شيء يا اوليسي لا شيء أبدا ..
نظرت لي بنوع من الشفقة ثم تركتني وخرجت ..
وبقيت أفكر ..

مضى الليل وقمت في الصباح وتناولت فطوري مع اوليسي .. تذكرت راجوي وشعرت ببعض الضيق .. ولذلك فقد خرجت اتنزه وحدي في الحديقة ربما استلهم بعض الهدوء .. وكأنني سمعت أقدام شخص ما تسير خلفي ..
شعرت بالاكتئاب الشديد وانا اتخيل ان ذلك الشخص أحد اثنين .. إما انه جاميان أو انه الملك ..
لم ألتفت خلفي وبقيت صامتة ورحل فزعا كل الهدوء الذي بدأ يتسلل إلى قلبي ...
سرت بسرعة ودخلت في الطريق المؤدي للحديقة الخلفية .. ثوان واختفى صوت الخطوات الذي كان يلاحقني ولذلك عندما نظرت خلفي لم أر أي شخص ..
شعرت بالهدوء ولكنني تجمدت فجأة ..
كانت هناك صدمة قوية بانتظاري، وانا اسير بالحديقة الخلفية .. اشاهد نهرا صغيرا من الدم يتدفق من خلف شجرة ضخمة توجد وسط الحديقة الخلفية ..
اقتربت بخوف وانا انظر ... وبسرعة ركضت محاولة اكتساب بعض الشجاعة لرؤية الشخص المصاب ..
وكان الفزع سيطر على قلبي وصرخت وانا لا أصدق ماتراه عيني ..


صرخت وصرخت وأمسكت بالأميرة لوليانا وهي تنزف .. أمسكت بيديها التي تقطعت شرايينها أحاول وقف النزف ولكن لا فائدة .. لقد كانت مطعونة في قلبها وفارقت الحياة منذ فترة ..
صحت بفزع وهستيريا وأنا أرى الدماء في كل مكان " لا .. لاااااااااااا ... لوي .. لويانا .. لا .. "
اقترب أهم بعد أن سمع صوت صراخي .. هناك المزيد من الجنود قدموا لم أرهم جيدا فقد ملأت الدموع عيني ..
أحدهم حملني ليبعدني عن المكان وكنت ابكي .. كانت ملابسي مغطاة بدماء لوليانا وحاولت أن افلت فقال :
- لا تخافي يا آنسة أنا تالتن ..
أعطاني منديلا وأجلسني على كرسي بعيد في الحديقة فمسحت دموعي وقلت وصوتي يرتعش من البكاء :
- ماذا .. مالذي حصل لها ؟؟ جاميان قتلها ..
جلس تالتن القرفصاء أمامي وقال :
- مستحيل .. جاميان كان معي منذ عدة ساعات .. يجب أن تتوقفي عن الشك فيه إنه شاب لطيف ولن يقتل الأميرة بالتأكيد ..
نظرت حولي ..
كان الرجال يركضون ويبدوا ان الخبر انتشر .. ورأيت جاميان يقترب من بعيد .. توقف على بعد خطوات مني وسأل قائلا:
- تالتن .. هل الآنسة هي من اكتشفت الجثة ؟؟؟
نظر لي تالتن وهز راسه موافقا .. فقلت وأنا أبكي بانفعال :
- ألا تلاحظ أنك تقتل ثم يكلفوك بالتحقيق لكي ترمي التهم على الآخرين ... لماذا أنت ذكي وتتكهن بالأمور وتعرف كل شيء ومع ذلك .. ياللمسكين .. لم تكتشف من قتل راجوي .. أتعرف لماذا؟؟ لأنه انت .. أنت من فعل ذلك ..
نظر لي جاميان بهدوء ثم نزل إلى مستوى رأسي وقال بصوت خافت :
- انا اعرف القاتل ..
وقف جاميان وهم بالذهاب فصحت :
- توقف .. ومن هو؟؟
كان تالتن يراقب الموقف بصمت والتفت جاميان وقال ببرود أعصاب :
- أحزري ..
قمت وواقفة و صرخت وأعصابي تفلت مني :
- أنت كاذب وقاتل ومغرور و .. و ..
أحسست بأن صوتي لا يكاد يخرج الدنيا بدأت تظلم في عيني ورأسي يدور .. سمعت صوت جاميان :
- هل أنت بخير ؟؟
رأسي يدور .. ولم أعد أسمع شيئا ....


لم أفقد وعيي لكنني جلست على الكرسي وحاولت ان أهدأ ..مر دقائق طويلة أشعر أنني غائبة عن العالم .. وبعد قليل بدأت أسمع صوت تالتن يقول :
- أنت السبب .. لقد جعلتها تفقد أعصابها .. لقد كرهتك حتى الموت .. لم تعد تسمع كلامنا الآن .. مالذي حدث لها ..
رد عليه جاميان :
- أنا .. لم أقصد ..
- أنت تزيد الطين بلة .. سوف تموت بين يديك وبعدها افرح جيدا ..
فتحت عيني ولكنني لم أر شيئا .. كان اللون الأسود حليفي فأغمضتها ثانية وسمعت الكلام بين جاميان وتالتن :
قال تالتن :
- هيا نحملها إلى القصر ..
- لكن لا .. أقصد .. حسنا ..
- ماذا ستفعل الآن أيها الذكي .. انها متأكدة منك ، تكفي تلك القصص التي تسمعها عنك!
- إن سمعتي سيئة جدا يا تالتن ..
أحسست أنهما يقتربا مني فقلت :
- لا ..
فتحت عيني مرة ثانية .. كانت الرؤية مشوشة جدا ولكن تالتن قال :
- آنسة لندا هل يمكنك رؤيتي ؟ هل تسمعينني ..
حاولت الوقوف واستندت على الشجرة، بدأت الرؤية تتضح فقلت :
- سأعود بمفردي .. لا أريد أن أمشي مع قتلة ..
ضحك جاميان فاستغربت .. حتى تالتن نظر إلى جاميان باندهاش .. جاميان يضحك من قلبه وقال أخيرا:
- قتله ؟؟ هل أدخلتي تالتن في شكوكك؟
قلت بغضب وأنا انظر للطريق :
- أنت لا تتدخل .. تالتن أفضل منك ألف مرة ..
وتركتهما وأسرعت الخطى وأنا اتنفس بصعوبة .. كنت اترنح في سيري وكان فستاني طويلا جدا ويعيق حركتي ..كنت سأسقط ولكنني تماسكت ..
نظرت أمامي ورأيت الملك يسرع الخطى وخلفه الجنود أمسك بي وكنت في الحقيقة على وشك السقوط .. وقال فزعا :
- لندا هل انت بخير .. لقد كنت ابحث عنك ..
قلت .. بتعب :
- نعم .. لكن .. يجب ان تمسك بقاتل لوليانا ..
كانت عيناه مليئتان بالدموع وقال بحزن :
- لن يحدث ذلك مجددا في قصر الملك .. أعدك .. قبل أن أعد نفسي .. والقاتل ستنزل به أشد عقوبة ..
ركبنا عربة صغيرة لتعيدنا إلى القصر وأسندت راسي بتعب على النافذه ...
كانت أعصابي مشدودة وعندما تذكرت لوليانا بكيت مرة ثانية فقال الملك :
- أرجوكي لا تجعليني ابكي .. سيكون هذا ضعفا كبيرا ..
نظرت له .. كانت وجنتاه قد صبغت بلون أحمر من كبت البكاء فقلت :
- لا تحزن يا سيدي .. ليتني أموت وارتاح مثلها ...
تفاجأ الملك وقال بسرعة :
- سوف أحميك .. لا تخافي .. لم أكن أظن أن قاتلا يتجول بحرية ويقتل هكذا..
قلت :
- جاميان هو القاتل..
فكر الملك لدقيقة ثم قال :
- مستحيل .. لكن لماذا تشكين فيه دائما ... أول مرة في حياتي أرى شخصا يكره جاميان ..
قلت بغيظ :
- انا أكرهه .. ومتأكدة انه هو الذي قتل راجوي ولوليانا ..
قال الملك :
- لا يمكن .. لقد كان معي هو وروسو وتالتن في اجتماع منذ ساعات وحتى وصلنا الخبر وافترقنا ..
سكتت افكر .. هل يمكن ان اكون كل هذا الوقت اتهم جاميان واسبه وهو بريء؟؟؟
شعرت بالخجل من نفسي إن كان ماأظنه عن جاميان ليس حقيقيا .. ماذا ؟ سألت نفسي .. لماذا افكر فيه الآن ..
طردت الأفكار الغبية من رأسي ..
هدأت قليلا عندما عدت إلى غرفتي ، وصممت أوليسي أن اتناول الغداء ..ولكنني كلما تذكرت منظر لوليانا شعرت بالغيظ والغضب ... جلست مع اوليس نتناول الغداء وفي الحقيقة لم أشعر بأي شهيه ولكنني ظللت أنظر إلى الغداء وانا اشعر بالقيء والحزن .
قالت أوليسي بتردد وهي تتناول معي الغداء :
- آنستي ... هل يمكنني أن أخبرك شيئا ..
قلت باستغراب فقد نطق أبو الهول :
- وماهو؟؟
- الوصيفات في القصر يتحدثن عنك بسوء .. ولا استطيع ان ادافع عنك ..
- وماذا يقلن؟
- إنهم يقلن أنك مذ دخلت القصر واي شخص يبقى معك وتحبينه يجب أن يموت ,, إنهن يقصدن راجوي والأميرة ..
ضحكت أخيراوقلت :
- هذا غريب جدا .. وليس صحيحا أبدا ..أنا لست متعجبه فأنا من كوكب آخر وبالتأكيد ستلقون اللوم علي .. لكن لا ..
نظرت أوليسي إلى الشرفة ثم قالت أخيرا :
- أحدهم قال لي انني سأقتل إذا بقيت جوارك فتره أطول واحببتك ..
تعجبت كثيرا من حديثها وقلت باندهاش :
- ماذا؟؟ ومن الذي اخبرك ذلك ، أهن الوصيفات أيضا؟؟
ترددت أوليسي .. تحركت عينيها بخوف ولكنها نظرت لي في النهاية وقالت :
- أخبرني بذلك الــ ... انــ .. أنه .. الـجندي الــ .... أبيض ..

صحت باستغراب:
- ماذا ؟؟ جاميان قال لك ذلك ..
وقفت اوليسي بفزع وقالت متوسلة :
- أرجوك يا سيدتي أخفضي صوتك .. سوف يسمعك .. إنه في كل مكان ..
وقفت أيضا ونظرت بحولي ثم قلت بفزع :
- ماهذا الذي هو .... في كل مكان؟؟
شعرت بارتباك اوليسي وقالت أوليسي بسرعة :
- هل انادي الخدم ليحملوا الطعام ؟؟
تهربت أوليسي من الموضوع فقد كانت خائفة .. لم أرد أن أضغط عليها أكثر وقلت:
- نعم ...
لكن الحقيقة تقال .. لقد ارعبني كلامها ..
*****
في صباح اليوم التالي لم أخرج إلى الحديقة ... لم استطع فعل ذلك مجددا فقد كانت حالتي النفسية صعبة جدا..
فضلت البقاء في غرفتي واغلقت الشرفة وجلست وحدي في الظلام ..
قليلا من الوقت مضى وانا على سريري أحاول ان اتذكر بعض اشياء عن الأرض .. الازدحام في شارعنا ..
عندما كنت استيقظ في الصباح واتمشى إلى منزل صديقتي إيميلي فهو قريب ثم نذهب معا إلى الجامعة ..نستنشق نسيم الصباح العليل ثم نلتقي بميرندا فنصبح الثلاثي المرح، تذكرت "فريد" صديقنا المجنون والذي يحب رياضة القفز من فوق الجبال المجنونة مثله .. كنا مشاكسات جدا ...
تخيلت انني كنت اذاكر للاختبارات وكانت ميرندا وايميلي تستذكران بعض دروسهما معي ونعيد المحاضرات ثم نرتبها ..
لم أتخيل ان جاميان كان يراقبني لمدة شهرين ... يعني قبل الاختبارات .. كيف لم الحظه ؟؟؟ كيف؟؟؟ هل كان ينتظر يوم ظهور النتيجة ثم يفعل فعلته؟

فجأة ..
سمعت طرقا على باب غرفتي .. قطعت سلسلة ذكرياتي
لم أرد .. كنت اريدهم ان يظنوني نائمة..
سمعت صوت اوليسي :
- آنستي إذا كنت مستيقظة يريد جلالة الملك مقابلتك ...
زفرت بضيق ولكنني لم استطع تجاهل الأمر ..
ارتديت ثوبا جميلا اختارته لي اوليسي ونزلت إلى الحديقة ، رأيت الملك يجلس على طاولة جميلة وأمامه كرسي واحد فارغ، من الواضح انه ينتظرني ...
عندما رآني الملك وانا اقترب وقف مشى بسرعة نحوي ثم ابتسم قائلا:
- أحببت أن اتناول الفطور معك .. أشعر انني لا أرغب بأي شيء قلت ربما نروح عن انفسنا ونزيل الحزن ان بقينا معا بعض الوقت ..
ابتسمت فأمسك بيدي وأجلسني على الكرسي ثم جلس أمامي .. نظر إلي ولكنني شعرت بالخجل ونظرت إلى يدي ..
قال الملك برومانسية:
- كانت لوليانا تحبك، ولطالما تمنت ان نصبح زوجين .. أنا ايضا أحبك .. واريدك أن تكوني ملكة بانشيبرا العظيمة.. أريدك ان تفكري، ستكونين اجمل ملكة في الكون..
تنفست بصعوبة وأحمر وجهي ولكنني ظللت أنظر إلى يدي ولم ارفع وجهي إلى الملك .. كنت اتمنى ان تنشق الأرض وتبتلعني .. فعاد الملك يقول وهو يضحك :
- ياه ! انت خجولة جدا ... من يرى جرأتك وأنت تصيحين وتهددين أعتى مقاتلينا لا يعلم انك بهذه الرقة ..
لم أستطع قول شيء ونظرت نظرة خاطفة للملك فرايته ينظر لي مبتسما ... فقلت:
- سـ ... سأفكر، مع ان الأمر لا يحتاج إلى تفكير ..فلن أحظى بملك مثلك في حياتي .. لكن امنحني فرصة ...
يبدو ان الملك كان سعيدا جدا، وبعد الفطور الذي لم استطع تناول شيء منه من شدة الارتباك عدت إلى غرفتي وفكرت ......
زوجة ملك شاب ولطيف ... ملكة ... حياتك ستكون بانشيبرا .. سيظل جاميان مدى الحياة كالشوكة في الحلق...
الملك ... يحبني جدا ...
أنا ... لا أعرف ... هل أوافق؟؟؟ ليس لدي خيار ..
لكن لن أعود للأرض إلا وانا عجوز هرمة ... هههههه ضحكت ...

لم أعرف ماذا أقول وخرجت لوحدي أمشي في ممر جناحي، كان ذلك الممر يعجبني فقد كانت نوافذه كبيرة وتطل على الحديقة كان وقتا طويلاا قد مضى وكانت الشمس قد بدأت بالمغيب ،، مشيت بهدوء وأنا أسترسل في افكاري ثم اصطدمت باحدهم ..
نظرت أمامي بخوف ...
كان جاميان ينظر إلي وهو يضع يده على غمد سيفه ..
بفزع ظللت أنظر إليه وتسائلت .. كيف لم أشعر به عندما دخل إلى هنا ؟؟؟

شعرت بالخوف .. ونظرت وانا في حالة فزع ودهشة وتحجر وهدوء ... فابتسم ..
لحظات وانا مازلت على وضعي تحولت ابتسامته إلى ضحكة ... ثم قهقهة مجلجلة ..
شعرت بالغضب والخوف فقلت :
- من الذي سمح لك بالدخول إلى جناحي الخاص ؟؟
هدأت الضحكة وظل مبتسما وقال بخفوت :
- أنا دخلت .. هل هناك مانع ؟؟؟
كنت اريد أن أصفعه ولكنني قلت :
- ماذا تريد .. الذي يتسلل مثلك إلى غرف الآخرين لا يفعل ذلك إلا ليقتل ..
تلاشت ابتسامة جاميان وقال :
- لا توافقي على الزواج .... أرجوكي ...
نظرت إلى الحديقة وخفت أن يرانا أحدهم من النوافذ الكبيرة فقلت وأنا أسير إلى غرفتي :
- تعال وإلا ستفضحني في القصر ...
دخلت وجلست على طاولة الفطور .. تبعني جاميان وسحب كرسيا آخر وجلس إلى جواري، نظرت له بعصبية ولكنه ابتسم ابتسامة كوميدية وقال :
- لا أصدق انكي ستتزوجين بـ أمرجيز .. لماذا؟؟؟
قلت باشمئزاز :
- وما شأنك أنت ... هل أنت والدي مثلا ؟؟ أخي ؟؟ قريبي ؟؟؟ أنت لاشيء
رفع جاميان حاجبيه وقال مكررا كلامي :
- لا شيئ؟؟
قلت بإصرار :
- نعم .. وكلامنا انتهى ...
صمت جاميان ... فنظرت إليه كان يفكر وقد تقارب حاجيه .. كان يبدو منزعجا جدا ، ورفع عينيه وقال :
- انت لا تعرفينه .. لكن لا ترفضي .. أقبلي لأنك إذا رفضتي سوف ينقلب عليك ومن الممكن أن يؤذيك .. أمممم
صمت ثانية وقال يحدث نفسه ..
" امرجيز .. أه ... سوف تقولين موا ... لا .. يمكن أن ..."
عاد ينظر إلي وأنا لم أفهم شيئا وقال وهو يقف :
- أنا ذاهب ... آسف لأنني ضايقتك لكن سأسلك سؤالا أخيرا..
قلت وانا متعجبة من تصرفاته الغريبة:
- وماهو ؟؟
تنهد بقوة ثم قال بألم وهو يقترب مني :
- هل تظنين فعلا أنني قاتل؟ وانني من قتل راجوي ولوليانا ..
لا أدري لم عجزت عن الرد .. كان وجهه الملائكي ينظر إلي ويتوسل لي ألا أخذله.. عيناه تشعرني بسحر ما ..
سحر يجعلني أصدق أنه بريء ... وحساس ...و ...
لم أعرف ماذا أقول ولكنني جاوبت بغير وعي مني كنت عاجزة عن أي شيء :
- لا ...أنا أشعر بأنك بريء ...
سألني وانا تحت تأثير سحره :
- هل تكرهينني ؟؟؟ لندا ... أجيبي أرجوك ..
أغمضت عيني محاولة عدم النظر إلى وجهه وقلت :
- أنا لا ... أكرهك ...
بقيت فترة قصيرة وكأنني أشعر ان جاميان لم يعد موجودا ... فتحت عيني بهدوء فلم أجده أمامي .. كان الباب مفتوحا ويبدو ان جاميان خرج بسرعة ... الغريب انني لم أشعر به أبدا وكأنني أغلقت عيني لمدة سنة ...
هذا الشاب يحيرني و يجعلني أحبه ... أحبه بشدة و أفكر فيه ... واخاف منه ..
ذلك الشاب يجعلني ... اصاب بالجنون..
لم استطع ان أهدأ..
بقيت افكر..
اوجعني رأسي من كثرة التفكير في لا شيء ..
كنت مغتاظة من نفسي ... لماذا قلت له انني اعتقد انه بريء وانني لا أكرهه..
هل هذه الحقيقة في داخلي ؟؟؟ هل قام بتنويمي مغناطيسيا؟؟
اشعر بالغيظ ...
واشعر بـ ...؟؟ لا أعلم انا أحاول أن اعارض مشاعري الحقيقية... صرخت داخل نفسي ... " اعترفي أنت تحبين جاميان ... هيا ... انت تحبينه أليس كذلك .."
لم أرد التفكير بالأمر ولكنني ذهبت بعد العشاء إلى فراشي ونمت...
حلمت حلما غريبا بأمي وأبي وكانا يوصلانني إلى المدرسة وأنا سعيدة بذلك .. استيقظت فجأة ولم أستطع النوم .. شعرت بقلق غريب جدا ..
وكأن أحدا ما اوقظني ، كان الوقت قد تعدى منتصف الليل بقليل .. واحسست بقلق شديد جدا على اوليسي .. لا أدري لما انتابني هذا الشعور مجددا ... ذلك الشعور المرعب الذي شعرت به قبل موت راجوي ولوليانا ...
ارتديت ثوبا لطيفا أبيض اللون لأستطيع التحرك به .. وليس مليئا بالتطريزات والأقمشة المتراكمة .. كان طوله يصل إلى نصف ساقي .. وبسرعة خرجت من جناحي وتوجهت إلى جناح الوصيفات ..
كان الجو صامتا وعندما اقتربت سمعت أصوات الوصيفات يتكلمن في داخل جناحهن ... طرقت الباب ..
فتحت أحدى الوصيفات واصيبت بالذهول عندما رأتني فقلت مبتسمة:
- أنا آسفة و .. ولكن أين أوليسي ؟ أريدها لثوان فقط ..
نظرت الوصيفة خلفي ثم قالت باستغراب :
- لقد ظننتك هي ... لأن الملك استدعاها منذ عشرون دقيقة أو أكثر بقليل ..
تركت الوصيفة وعدت .. كنت افكر متعجبة كيف يستدعي الملك أوليسي بعد منتصف الليل؟؟ لماذا؟؟ الساعة كانت تشير إلى الواحدة والنصف ،
قبل أن أصل إلى جناحي التفت عائدة إلى الجناح الملكي الخاص بالطابق الأعلى .. شعور غريب يجعلني فضولية جدا واريد ان ارى اوليسي ..
وقفت أمام صورة الملك الراحل والد لوليانا وتذكرتها عندما أخذتني إلى هنا للمرة الأولى ..
عندما اقتربت من غرفة الملك رأيت الحرس يقفون على البوابة ولكنني اقتربت بقدر المستطاع بحيث أرى الغرفة ولا يشعر بي الحرس، كان باب الغرفة موصدا ولكن الأضاءة كانت عالية بالداخل ،،
ثوان وفتح الباب فجأة .. رأيت أحد الحرس وهو يخرج من الغرفة ويحمل جوالا قماشيا كبيرا خرجت الدماء على سطحه ...
وسمعت الملك يقول :
- علق رأسها أمام غرفة الوصيفات حتى يتعظن ...

ارتعش جسدي وأحدهم يخرج بسيف الملك وهو مليء بالدماء لينظفه ... نزلت دموعي ساخنة وأنا أرتعد، لقد كانت هذه أوليسي، نعم ... الملك هو الذي كان يفعل ذلك .. ولكن لماذا ؟؟
لماذا يقتل الملك شقيقته ؟ وراجوي ؟؟ هل يحاول إخافتي ؟ هل هو من فعل كل ذلك فعلا أ أن أوليسي فعلت شيئا استثنائيا ؟؟
هل هو معقد أم أنه يثأر لشخص ما؟؟ لقد كانت لوليانا تتمنى دائما اسعاده ..
بكيت وجلست إلى جوار الحائط وانا في غاية الرعب والحزن والصدمة ...
لا يجب أن ابقى هنا ... أنا لم أعد أثق بأي شخص،، جميع من أحببتهن مؤخرا قتلن والملك ... كان هو قاتلهم بكل برود وشر ...
كان الحرس يتجولون وخشيت أن يراني أحدهم أو يسمع صوت بكائي المكتوم ..
حاولت مسح دموعي ولكنها ظلت تذرف رغما عني ..كان قلبي محطما ...
مشيت بحذر أحاول الخروج من الجناح الملكي قبل أن يراني أحدهم ونزلت بسرعة على الدرج إلى الجناح السفلي ..
ولكنني فوجئت بعشرات الجنود وكان احدهم يمسك برأس أوليسي الآخر يحمل الجوال الذي يرقد فيه جسدها ... نظروا إلي بشراسة وكنت ابكي .. وشعرت أنني في مأزق، لقد علم كل هؤلاء الجنود أنني تجسست على الملك ! وبدأو يتحفزون ضدي ..
لم يكن أمامي حل آخر .. حل غير متوقع .. نعم..

انطلقت بكل سرعتي وألقيت بنفسي من شرفة الطابق الثاني ... وقعت بقوة على الأعشاب وتدحرجت لم أشعر وقتها بأي شيء رغم الآم والجروح التي أصابتني .. وقفت بصعوبة وبدأت أجري وتوقفت انفاسي عن الدخول والخروج وأنا أراهم يقفزون خلفي وهم يحملون أسلحتهم الزرقاء التي تصيبني بالرعب ...
ركضت بكل قوتي وكان حذائي خفيفا جدا فآلمتي الصخور بعض الشيء .. كنت متقدمة عليهم بمسافة جيدة ... دخلت إلى الحديقة المشجرة وحاولت تضليلهم بين الأشجار، كان صدري يعلو ويهبط بسرعة .. لم يتخيل أحدهم أنني سأتوقف خلف أحدى الأشجار أراقبهم وهم يركضون كالمجانين إلى الأمام ..
بعد ما ركض معظمهم بعيدا عدت أركض نحو بوابة القصر الخلفية ... وعندما وصلت إلى هناك وجدت حراس البوابة الأربعة مقتولين .. تعجبت وفرحت وانطلقت اركض خارج القصر بكل قوتي .. كان شعري المنسدل يضايق وجهي ويلتصق بدموعي ..
كان الخوف يعتصر قلبي وركضت بسرعة صاروخية بين الأشجار حتى لا يجدوني .. لم أعرف إلى أين اتجه وماذا سيكون مصيري !!
ركضت وركضت وفوجئت بذلك البناء .. ذلك البناء الجميل الذي كان أول محطاتي إلى هنا .. والذي أخبرني جاميان أنه ولد فيه .. لم أقف طويلا أمامه واسرعت بالركض وانا اتركه خلفي ودموعي تذرف بغزارة .....
تعثرت ووقعت على الأرض الموحلة .. واتسخ ثوبي .. جلست التقط انفاسي وشعرت بالوحدة الشديدة والخوف والألم ، كانت يدي تؤلمني من أثر السقطة وكان هناك جرحا كبيرا في يدي ينزف .. لم استطع ايقاف النزف فشققت طرفا من ثوبي القطني الأبيض الذي اتسخ وأصبح بني اللون ..
ربطت يدي بقوة مع انها آلمتني جدا ولكن وقت الخوف لا يعي الانسان ماذا يفعل .. وتظهر الشجاعة والتحمل ..
كان منزل جاميان خلفي وسمعت أصواتا تتحدث معا ...
ميزت صوت تالتن كان يقول :
- الملك يستدعينا .. ألن تذهب ؟؟؟
- سأبحث عنها مع الجنود هنا أشعر انها بقرب القصر إذهب انت ..
قال ذلك أحدهم لم أعرف أهو صوت جاميان أم لا فقد كان منخفضا ودب الرعب في قلبي من جديد وقمت أركض بعيدا ... وركضت ركضت حتى تعبت ولكن ليس لي أي خيار ..
اما ان أموت أو ان اهرب..
شعرت بيأس عجيب جدا ..
لست على كوكب الأرض ، ليس هناك مركز شرطة التجيء إليه... ملك لديه سلطة يريد قتلي ..
ليس لي أي شخص أثق به .. او يهتم لأمري ..
ليست هناك سوى مركبة واحدة تدعى "هينوا" ولا يستطيع قيادتها سوى طيار واحد ومعه جاميان ...
إذن .. ليس هناك أي أمل .. ولكنني لن أسلم نفسي سأصعد إلى قمة ذلك الجبل وألقي بنفسي من فوقه ، لن يستغلني الملك ولن يقتلني ولن يهددني ...
نعم ... قلت لنفسي :
" لندا ... الموت أشرف لك من هذه المهزلة التي تعيشينها ... أمي، أبي سأزوركما قريبا .. لقد اشتقت اليكما فعلا "
كان هذا قراري الأخير .. للأسف لم يكن معي دفتر مذكراتي حتى أكتب نهاية تلك القصة التي بدأتها والتي لن يصدقها أي شخص كان على الأرض... ولكن ربما يتسلى بها أي شخص في بانشيبرا ..
كنت بالفعل أتسلق الجبل بروح رياضية وتوقفت عن البكاء وتحليت ببعض الشجاعة .. كان ثوبي وشعري متسخان ووجهي أيضا رجلي كانتا مجروحتان ويدي تؤلمني جدا ... ولكنني لم أستسلم واصلت الصعود رغم شعوري بالعطش .. ولماذا أشرب وأنا سأموت بعد قليل ..؟؟
عندما وصلت إلى نصف الجبل .. كانت الشمس قد بدأت تشرق .. لقد مر الوقت بسرعة .. كانت بانشيبرا قد بدأت تظهر أمامي ورايت القصر .. كان بعيدا .. ولكن المنظر رائعا ودمعت عيناي لأنه آخر منظر سأراه في حياتي ...
جلست استرح قليلا .. وشعرت ان الحياة لا تساوي شيئا أمام دوافع الإنسان .. ولكنها غالية جدا في نفس الوقت ...
كيف أقتل نفسي ؟؟ نعم لن أتردد سأقتل نفسي قبل أن يقتلوني .. لا أريد ذلك الملك أن يمس شرفي أو كرامتي .. سأموت عزيزة مستقلة بذاتي ..
نعم ... بكيت رغما عني .. وعندما ارتفعت الشمس قليلا أكملت صعودي فوق الجبل بإصرار وانا اشعربالانهاك والعطش .. ولكنني عندما وصلت للقمة.. كان بانتظاري شخص ما ...


كنت أصعد وأصعد واقتربت قمة الجبل أخيرا ... ولكنني قبل أن أصل رأيت تالتن يقف على القمة وينظر إلي باسما ..
هل هذه بسمة الانتصار؟؟ كان يفصل بيني وبينه متر واحد فقط .. فكرت أن اترك يدي وأسقط وبالفعل تركت يدي ولكنه أمسكني بسرعة ..
صرخت :
- دعني يا تالتن .. دعني ..
هتف تالتن بصعوبة وهو يسحبني:
- لا مستحيل... أنا لن أخذل جاميان ..
بدأت أبكي وأنازع حتى يتركني ولكنه كان قويا جدا وسحبني رغما عني مع ان الهواء كان شديدا بالأعلى وصاح تالتن وهو يهزني :
- انت أيتها الغبية هل تريدين قتل نفسك ؟
صرخت وأنا أحاول أن أتملص منه:
- الموت أفضل لي من البقاء معكم ...
عاد يصرخ تالتن وهو يحكم قبضته علي :
- لا ... سيعيدك جاميان إلى الأرض لقد وعدك .. لا أحد يعرف إنني وجدتك ، جاميان قتل الجنود على البوابة حتى يعطيك فرصة للهروب .. اسمعي ...
التقط تالتن أنفاسه ثم عاد يقول :
- عودي معي سوف نجعلك تهربين أنا وجاميان اتفقنا إننا لن نعيدك إلى الملك مرة ثانية، لا تخافي ..
توقفت عن الحراك فتركني تالتن ..ونظرت إليه بشك .. هل يقول الحقيقة؟؟ أم انه...؟
ابتعد قليلا ثم أخرج جهازا من جيبه وهو يراقبني بحذر ثم ضغط أزرارا وقال:
- جامي .. لقد وجدتها تعال بسرعة نحن على قمة افريدوتيا ...
سمعت صوت جاميان من خلال الجهاز :
- ماذا ؟؟ وماذا تفعلان بالأعلى؟؟ كيف صعدتما ؟؟
- جاميان ... تعال خذنا وكف عن الكلام .. لقد أقنعتها بصعوبة ألا ترمي نفسها هيا بسرعة وإلا سأنتحر معها ..
شهق جاميان مفزوعا وأغلق الخط ..
ونظر لي تالتن مبتسما وقال :
- كنت أصعد إلى خلفك طوال الوقت .. ولكنك عندما توقفت للراحة سبقتك إلى
هنا ..
نظرت بخوف وقلت :
- كيف لم أشعر بك؟؟
- كنت بعيدا عنك .. وحاولت إلا تريني لكنك كنت تبكين طوال الوقت.. لم استطع ان احدثك لأن جاميان لم يكن مستعدا لاصطحابك بعد ..
هدأت قليلا وجلست على أحدى الصخور المسطحة، ظل تالتن واقفا ينظر إلى كل مكان يبحث بعينيه عن جاميان ..
مرت عشر دقائق ورأيت مركبة طائرة تقترب فقال تالتن :
- هيا تمسكي بي .. إنه جاميان لقد جاء أخيرا ..
اقتربت وأمسكت بسترة تالتن .. كان الهواء شديدا بسبب المروحة الموجودة بالطائرة، كانت تشبه المروحية (الهيلوكوبتر) ..
أدخلني تالتن أولا وجلست في الخلف .. ثم جلس إلى جوار جاميان .. أغلقت الأبواب مرة ثانية اتوماتيكيا .. وألقى جاميان نظرة خاطفة علي ثم قال بسعادة:
- هل كنت تودين الانتحار حقا؟؟ هل نسيتي الوعد الذي قطعته لك؟؟
شعرت بالراحة وقلت :
- لا ولكنني وصلت إلى مرحلة لم أعد أثق فيها بأي شخص ..
التفت تالتن لينظر إليّ وعلى وجهه نظرة شريرة ثم قال :
- في الحقيقة ... لقد استدرجناك حتى نعيدك إلى الملك، هل تظنين أننا نضحي بألقابنا ومراكزنا من أجلك !

انخلع قلبي ونظرت بخوف .. يأسا عجيبا احتل كياني وتمتمت بألم:
- خونة!!
نظر جاميان إلي ثم عاد ينظر أمامه وقال :
- هل صدقتي حقا أننا سنسلمك للملك .. لقد كان تالتن يمزح معك ، ولو كان يتكلم حقا لشققته إلى نصفين ونتبرع بكبده للمحتاجين .. وقلبه لي !!
ضحك جاميان وتالتن بشدة وشعرت بالغيظ فقلت وانا انزل دمعة مكبوتة :
- أقسم أني سأضربك يا تالتن...
قال جاميان :
- هل أغضبك؟؟ حسنا سأريه ..
فتح جاميان باب تالتن ثم رفسه رفسة أطاحت به في الهواء، فعل ذلك في لحظة غير متوقعه وصرخت بخوف واندهاش وأنا أرى تالتن يطوح بعيدا في الهواء حتى اختفى عن المركبة السريعة ..
وقفت وصحت بذهول وأنا انظر إلى وجه جاميان:
- ماذا فعلت أيها المجنون !! لقد قتلته .. لماذا فعلت ذلك ...
كان جاميان مبتسما وقال :
- لا تخافي عليه إنه قوى كسور في بعض عظامه وينتهي الأمر..
ارتميت على مقعدي وأنا لا أصدق ما فعله جاميان .. لقد فقد عقله ..
ظللت صامته لفترة طويلة وهو أيضا .. شعرت بنعاس شديد ولكنني تمالكت نفسي حتى بدأت المركبة بالهبوط .. شعرت أننا سافرنا إلى مدينة أخرى فقد جلست قرابة الساعة داخل الطائرة الصغيرة..
توقفنا في النهاية أمام منزل صغير وجميل وقال جاميان لي أن أنزل .. كان المكان يذكرني بالريف ..
نزلت وكان الهواء عليلا ولكنه بارد بعض الشيء .. رن جرس جهازه الذي يشبه الهاتف وضغط عيه ثم قال:
- هل وصلت؟
سمعت صوت تالتن يقول بمرح كعادته:
- أجل لقد نزلت في المكان المناسب تماما ،، لم تكن مظلتي تريد أن تعمل ولكنها فتحت في اللحظة الحاسمة ... جاميان لقد ذهبتما في الوقت المناسب جنود الملك قلبوا كل شبر في العاصمة ولم يجدو لندا .. هيا تعال بسرعة لقد استدعاك الملك أكثر من مرة..
نظر جاميان إلي مبتسما ثم قال :
- حسنا أنا قادم ..
اقترب مني جاميان وأخذ نفسا عميقا ثم قال :
- خطة هروب جيدة من العاصمة ولكنها مؤقتة .. هيا تعالي معي ..
أمسك جاميان بيدي وسحبني إلى المنزل الصغير .. ثم قال:
- مار أيك سوف تبقين هنا مع أمي لبعض الوقت حتى تهدأ الأمور .. لن يتوقع أحد وجودك ..
توقفت وسحبت يدي بقوة .. شعرت بخوف لا مثيل له وقلت:
- لا .. لا أريد أن أبقى هنا..
تخيلت الجثة المحنطة داخل صندوق زجاجي و4هي تحدق بي ..
ابتسم جاميان وقال وهو يسبقني إلى المنزل :
- ليس لديك خيار آخر .. أم أنك لا تريدين العودة إلى صديقاتك وموطنك؟؟
طرق جاميان الباب وأنا لم أتزحزح شبرا من مكاني .. تسائلت ... لماذا يطرق الباب؟؟ هل هناك شخص ما بالمنزل ؟؟
ففتحت امرأة جميلة لديها شعر أحمر داكن وعينان زرقاوان ولكنها كبيرة بالسن بعض الشيء وعندما رأت جاميان صاحت بفرحة وضمت جاميان بقوة وهي تقول :
- جامي يا حبيبي .. أين كنت لماذا لم تتصل بي؟؟ هل انتهت فترة عقوبتك ...
ابتسم جاميان وقال وهو يمسك بيدها :
- أنا آسف .....
- ولماذا لم يأتي أخوك معك؟؟
انتبهت المرأة إلى وجودي فنظرت لجاميان باستغراب ... بالطبع كان منظري مزريا .. شعري متسخ ومتشاجر مع بعضه .. ملابسي مقطعة وثوبي أسودا بمعنى الكلمة ماعدا بعض اللون البني عند الأطراف ، كنت أنظر بذهول وأنا أتساءل هل هي والدة جاميان حقا؟؟
اقترب جاميان مني ثم دار خلفي ودفعني برفق من كتفي ناحية المنزل وهو يقول :
- أمي.. هذه الفتاة الجميلة أهتم لأمرها.. أريدك أن تضعينها داخل عينيك حتى أعود، إنها غالية جدا على قلبي .. لا أريد ان يعلم أحد بوجودها هنا حتى جارتك تلك العجوز الشمطاء التي تحكين لها كل اسرارك ..
نظرت المرأة إلي مبتسمة وقالت :
- يالها من فتاة جميلة .. تعالي يا حبيبتي ما هو اسمك؟؟
قلت بتردد:
- أ .. أدعى لندا..
- ياللاسم الجميل كصاحبته ..
تركني جاميان واقتربت مسافة كافية من المرأة اللطيفة فعانقتني ..
تركنا جاميان عائدا إلى المركبة فقالت المرأة:
- جاميان .. ألن تبقى بعض الوقت تبدو منهكا..
التفت جاميان وقال باسما بصوت مجهد :
- لا يا أمي .. ليس لدي وقت لا يجب أن اترك أخي لوحده..
وقبل أن يركب جاميان قالت والدته :
- دع أخيك يتصل بي بين الحين والآخر ليطمئنني على أحوالك ..
- حاضر يا أمي ..
كنت أراقب الوضع باستغراب .. جاميان لديه أم وهي على قيد الحياة وليست محنطة ولديه شقيق أيضا ؟؟؟
ما قصة هذه العائلة الغريبة ؟؟؟

دخلت مع والدة جاميان بعد ان راقبنا المركبة وهي تبتعد ..
أعطتني ثوبا وردي اللون يناسب مقاسي وبعد أن أخذت حماما دافئا ضمدت لي جرح ذاعي الذي تلوث بما فيه الكفاية ..
كانت والدة جاميان رائعة وتبتسم طوال الوقت وأصرت على تمشيط شعري بنفسها ثم ربطـته بربطة بيضاء اللون ..
كنت قد بدأت أرتاح ثم تناولت معها طعاما لذيذا وقلت لها:
- إنه لذيذ جدا وأفضل من طعام القصر في نظري ...
نظرت لي والدة جاميان وقالت :
- هل انت الفتاة التي ذهب جامي للأرض ليحضرها؟؟
- نعم ..
صمتنا للحظة ثم سألتها:
- من هو شقيق جاميان .. لم يخبرني أن لديه أخا..
ضحكت أم جاميان وقالت بمرح
- أخشى أن أخبرك فيقول لي جامي " انت تفشي أسرارنا كالعادة "..
كانت تمثل اسلوب جاميان وهي تقول الكلمة الأخيرة وضحكنا كثيرا ... فعادت تقول:
- لا أعرف اذا كنت تعرفينه ام لا انه يدعى تالتن ماكنزي ... واسمه الحقيقي هو جيرودا .. ويكبر جاميان بعام واحد فقط ..
وقف الطعام في حلقي من هول المفاجأة وشربت بعض المياه ..
قالت والدة جاميان بسرعة:
- هل انت بخير؟
- نعم .. لكنني لم أصدق بعد أن تالتن أخوه .. كانا يبدوان كصديقين، حتى أنهما لا يشبهان بعضهما أبدا ..
قالت أم جاميان وهي تهز راسها :
- انت لا تعرفين ماذا حدث .. ولكنني سأقص لك قصة عائلتنا عندما تستيقظين ، أما الآن فأنت تحتاجين إلى الراحة ...
شعرت بالغيظ فقد أصبحت فضولية جدا بشأن جاميان في الآونة الأخيرة ولكنني استسلمت قائلة :
- حسنا..
أوصلتني أم جاميان إلى فراشي وقالت باسمة:
- أنا الآن أمك ..أرجوك أريدك أن تعتبرينني كذلك وإذا احتجتي إلى أي شيء فقط نادني ..
ابتسمت وقلت :
- شكرا لك .. سأفعل بالتأكيد ..
كانت الغرفة جميلة جدا وتنم عن ذوق رفيع، تلك الغرفة مزينة بالزهور حتى لوحاتها، وهذا يدل على انها غرفة فتاة ..
ماذا؟؟
إنها لم تكن على علم بقدومي ؟!
أم ان تالتن أخبرها بذلك؟؟ لا أعلم ..
وتلك الثياب التي أحضرتها لي .. أممم يبدو انها كانت تعلم بقدومي ..
ظللت أفكر هكذا حتى غفوت ..

نمت نوما عميقا لا مثيل له فقد كنت أشعر بتعب شديد خاصة وان كل شبر في جسدي يؤلمني بسبب ذلك الركض الذي ركضته..
وعندما دقت الساعة جرس الرابعة عصرا بدأت أفيق من النوم ..
فزعت عندما رأيت الساعة فيبدو أنني نمت طويلا ..

******
جلست أتناول الغداء مع والدة جاميان ... تلك السيدة الجميلة كانت تبث في نفسي اطمئنانا لا مثيل له .. بعد ان انتهينا قلت لها :
- لقد وعدتني أنك ستقصين علي قصة عائلتكم، أعني تالتن وجاميان..
صمتت أم جاميان للحظة وكأنها تسترجع الماضي ثم قالت مبتسمة:
- كان الماضي جميلا ... رائعا ... كنا عائلة صغيرة مكونة من خمسة أفراد أنا و ديوفري والد جيرودا وجاميان وابنتنا تانوها ... ذهب ديوفري في رحلة إلى مملكة تيمالاسيا ووقتها كنا شابين ممتلئين بحب الحياة، لم تكن هناك خلافات بين المملكتين بانشيبرا وتيمالاسيا والتقيت به إن جاميان يشبهه كثيرا عدا لون العين ... أحببته وأعجبت به وهو كذلك وعندما تقدم لخطبتي كان يومها جنديا في جيش بانشيبرا وقد اعترض والدي على زواجنا وفضل أن اتزوج شخصا من تيمالاسيا مثلي ..
ومع مرور الوقت، تمسكنا ببعضنا أجبر أهلي وأهله على الموافقة على ارتباطنا وبذلك تزوجنا، عشنا في سعادة ورزقنا بفتاة جميلة واسميناها " تانوها " عندما بلغت العام الثالث كان معنا جيرودا وكنا نعيش في بانشيبرا العاصمة ونذهب إلى تيمالاسيا بعض الوقت ..

كنت استمع لوالدة جاميان بهدوء وانصات وعندما توقفت قلت بسرعة:
- أكملي أرجوك ...
- كان ديوفري مثاليا جدا ولطيفا، لم نكن نتشاجر مثل بقية الأزواج فقد كنا متفاهمين وكنت حاملا في أصغر ابنائي جاميان، لكن في ذلك الوقت ساءت الأحوال السياسية بين مملكتي بانشيبرا وتيمالاسيا مما دفع الجميع للتأهب لحرب غبية ..
وكان ذلك بسبب مقاطعة تتشاجر عليها المملكتين منذ قديم الأزل ، وبالطبع لقلادة إيموكيا التي دفعت ملك تيمالاسيا الجديد بالقول إنها كانت ملكا لجده الأول ...
كنت خائفة جدا على أهلي في تيمالاسيا وبدأ الناس في بانشيبرا يبلغون عن أي شخص ينتسب إلى تيمالاسيا فيسجن أو يوضع أسيرا ولذلك خاف علي ديوفري لأنني كنت على وشك الوضع، وكانت قريباته يكرهنني بسبب زواجي به لتمنيهن غير ذلك،، وفي ذلك الوقت ... بدأت الأزمة وشعرت بتعب الوضع وكانت المستشفيات البانشيرية تمنع معالجة أي
شخص تيمالي ..
تساءلت متشوقة :
- وماذا فعلتم ؟؟
الجندي الابيض

كانت آيريس والدة جاميان في ذلك الوقت على وشك الولادة وعندما شعرت بآلام الولادة، أخذها ديوفري إلى المشفى محطما كل القوانين وكان مركزه في الجيش معرضا للانهيار ولكنه أخذ أخيرا التصريح بمعالجة آيريس لأنها زوجة رجل من خيرة جنود بانشيبرا ...

بعد أن ولد (جاميان) عادوا به إلى المنزل ليكتشفوا أن الحرب الحقيقية قد بدأت فعلاً وأن والد جاميان الشاب استدعي لكي يقود كتائبه في جيوش بانشيبرا وضد جيوش تيمالاسيا بالفعل .. كان الحل الوحيد هو أن يأخذ زوجته وأطفاله ابنة في الرابعة وابن لم يتم العامين وطفل حديث الولادة، إلى أهلهم في تيمالاسيا حيث سيلقون الرعاية الكاملة أثناء غيابه ...

في تلك الأثناء لم يستطع ديوفري أن يوصلهم بنفسه بأمان حتى أبواب تيمالاسيا بسبب عمله المتواصل في سلك الجيش، ولذلك كلف أمهر جنود كتيبته بالمهمة المستحيلة .. ذلك الجندي الشاب كان هو نفسه روسو، الرجل الصارم صاحب العينين الحمراوين .. وكان معه أيضا خمسة من جنوده التابعين بزي مدني ...
وكانت هي رحلة العذاب الأخيره ..

عربة مصفحة تقتحم الطريق المؤدي إلى " برودجيا " وهي منطقة حدودية بين بانشيبرا وتيمالاسيا لكنها تابعة لتيمالاسيا ..

لم تكن المشكلة في بانشيبرا ولكن المشكلة كانت تكمن في تيمالاسيا، وحصل مالم يكن متوقعا فقد أمسك جنود تيمالاسيا بروسو قبل المنطقة الحدودية وانهالوا عليه ضربا بالأسلحة الثقيلة، وكان على آيريس أن تحمي أطفالها الثلاثة ولكن أحد الجنود أمسكها بعنف وأخذ الجنود بقية الأطفال ..

كانت آيريس تصرخ، (أنا من تيمالاسيا) ولكن أحدا لم يعرها اهتماما، في تلك اللحظة قام روسو بشجارهم بقوة مرة أخرى رغم إصاباته هو وجنوده واستطاع استعادة جاميان و تانوها وهرب بهما بعيدا تاركا الأم والطفل جيرودا بعد ان عجز عن إعادتهما .. وفقد كل جنوده الخمسة في تلك الحرب الصغيرة الطاحنة ..

لم يستطع روسو مواجهة قائدة بالأمر ولكنه كان مضطرا إلى ذلك...
دخل روسو بصحبة الطفلين ووقف بصمت أمام رئيسه ..
في تلك اللحظة انهار الأب ظنا منه أن زوجته وحبيبته آيريس قد قتلت وكذلك ابنه جيرودا ..

لم يستطع روسو تأكيد أي شيء أو نفيه ولم يحاول أن يقول أي شيء، واعتبر نفسه قد فشل في أول مهمة صعبة في تلك الحرب...
ضم ديوفري طفليه ليبللهما بدموعه الحارة ولم يكن يعلم أين سيبقيا بالفعل لكنه أراد أن يحافظ عليهما بروحه فهما كل الذكريات التي بقيت من حبيبته الراحلة ..

لم يستطع ديوفري لوم روسو أبدا فقد حاول كل ما باستطاعته حتى إنه حمل جاميان الرضيع وشقيقته ذات الأعوام الأربع وهرب بهما مسافة طويلة وكانت ذراعه مكسورة والدماء تغطي جسده، لقد كان روسو مخلصا واستحق الشكر الجزيل ..

شعر ديوفري انه ارتكب اكبر خطأ في حياته وابقى جاميان وشقيقته عند زوجة روسو الشابة والتي قبلتهما بفرح فلم يكن ديوفري يمتلك أي عائلة بعد رحيل والديه العجوزان .. وزوجته آيريس ..

ودع روسو و ديوفري عائلتهما الصغيرة وذهبا إلى الحرب لا يعلمان مصيرهما وبقيت زوجة روسو الشابة إليزيا مع أهلها تعتني بالطفلين تانوها وجاميان..

الحرب كانت مدمرة ولم يكن أحد راض عنها أبدا، بانشيبرا تضرب في صميم تيمالاسيا وتيمالاسيا تدمر كل شيء في بانشيبرا ...

مدينة سكولز، تلك المدينة البعيدة التي توجهت إليها عائلة إليزيا هربا من الموت، ولكن الحرب لا حقتهم إلى هناك وتعرض المنزل للقصف مخلفا ورآءه ضحيتان ..
تانوها .... وإليزيا نفسها ..

وهربت عائلة إليزيا الصغيرة ولم ينسوا أن يأخذوا معهم ذلك الطفل البريء... جاميان ديوفري .. الأسطورة ..

شهور مرت وآيريس الحزينة لا تعلم شيئا عن مصير طفلتها ورضيعها، إنها الآن في منزل والدها بصحبة صغيرها جيرودا بعد أن تأكد الجيش المحلي أنهما من أهل تيمالاسيا ..
كل ليلة تذرف آيريس الدموع وهي في شوق لعائلتها الصغيرة كانت تنادي بحرقة... ديوفري أين أنت؟ وأين طفلاي؟؟ هل قتلا بالفعل؟؟
جيرودا هو كل مابقي لها من عائلتها ... أخبرها والدها أن جيرودا لن يستطيع العيش في تيمالاسيا باسم والده الجندي الأبرز في جيش بانشيبرا ...
مضطرة لذلك وافقت الأم على تغيير اسم طفلها حفاظا على حياته وأصبح اسمه جيرودا بنكوبر منسوبا لعائلة والدته آيريس بنكوبر..

في تلك الأثناء مضت شهور أخرى وعاد روسو من الحرب ليبحث عن عائلته ، كان ديوفري في عداد المفقودين وأقسم روسو على رعاية طفليه... ولكنه أصيب بالصدمة الأشد عنفا عندما سمع خبر وفاة إليزيا وتانوها ...
مرت الحرب في ذلك الوقت بفترة هدنة قصيرة امتدت لعامين ...
في خلالها استطاع روسو أن يتغلب على حزنه الشديد بسبب وفاة زوجته وأن يعتني بجاميان الذي اقترب من إكمال عامه الثالث..
كان ديوفري أسيرا في سجون تيمالاسيا، وفي نهاية الهدنة حصل تبادل بين الأسرى فكان ديوفري من بينهم ...
بعد خروج ديوفري من السجن استقبله روسو الذي كان يصطحب جاميان الصغير معه، ظل ديوفري حزينا جدا وساءت حالته النفسية بعد علمه بوفاة تانوها الذي كان يحلم أنه سيخرج من السجن ليدخلها إلى المدرسة .. ويجلب لها الأدوات والحقائب مثل كل الآباء ..
كان جاميان هو كل ما تبقى له في هذه الحياة وكان عليه شكر روسو الذي كبر جميله عند ديوفري ،

وهكذا عادت الحرب مرة أخرى ، كانت الحرب شعواء وتربى جاميان وسط هذه الأحداث بصحبة والده المحارب القوي ..

مرت عشر سنوات كانت نار الحرب تخبو وتشتد من حين لآخر .. بحث ديوفري عن أي أمل لإيجاد آيريس وجيرودا، ولكن ذلك كان مستحيلا في مملكتين تحتلان كوكبا كاملا ..

تعلم جاميان فنون القتال وتفوق على الرجال رغم أنه لم يتم الثالثة عشرة من عمره، إنه لا يتذكر والدته آيريس، ولا أخته تانوها ولا يعرف جيرودا ...
ولكن والده لم يكن يكف عن سرد الذكريات الجميلة له ..

وكانت هناك صورة قديمة يحتفظ ديوفري بنسخة منها وهي لـ آيريس وديوفري وتانوها ويبدو جيرودا رضيعا في الصورة ..
مرت خمس سنوات وأصبح جاميان جنديا مبتدئا في الجيش بعد أن أتم الثامنة عشرة
كان روسو هو الرئيس الأعلى له ولكنه ساعده كثيرا في التأقلم على العمل الجديد ..
واقتربت اللحظة الحاسمة ...

فقد أرسل جاميان مع خمسة جنود آخرين وقائدهم روسو إلى مملكة تيمالاسيا لإعطاء مشروع الهدنة الجديدة بين قوات بانشيبرا وقوات تيمالاسيا ...
دخل جاميان بصحبة مجموعته إلى المدينة الحدودية حيث تقابلا مع جنود تيمالاسيا المشهورين بالزي البني عندما رأي جنود تيمالاسيا جاميان وهو يتقدم صفوف أصدقائة ليسلم مشروع الهدنة ضحكوا كثيرا ..

قال قائدهم :
- لا أصدق أيها "البين" روسو أنكم تجندون أطفالا في جيوشكم ..
كانت البين تعني رتبة عسكرية ...
رد جاميان وقد ثارت ثائرته :
- أنا لست طفلا أيها القائد ... أنا جندي مخلص أقوم بأداء واجبي فلا داعي للسخرية من فضلك !
كان رد جاميان قويا وأحرج القائد التيمالي وعندها قال روسو:
- إنه جاميان ديوفري، من أفضل جنودنا الصغار على الإطلاق..
كان هناك جنود تيماليون يستلمون الهدنة خلف قائدهم .. وأحدهم ظل يحدق في وجهه جاميان بشك وشوق ... وهو يقول لنفسه:
" جاميان ديوفري؟؟ هل يكون هو فعلا؟؟ شقيقي الذي أبحث عنه؟؟ أم انه مجرد تشابه في الأسماء؟؟

كان جيرودا يعرف حقيقة أنه "جيرودا ديوفري" وليس "جيرودا بنكوبر" جيدا... لم تتركه آيريس يعيش هكذا بل ظلت تحدثه عن والده القوي، وشقيقته وبالتاكيد جاميان..

ظل جيرودا ينظر إلى شقيقه الذي يرتدي زي جيش العدو الكحلي ... لم يكن أي شخص يعلم هذه الحقيقة سوى جيرودا ...
وعندما ذهب جنود بانشيبرا إلى المعسكر طلب الجندي جيرودا الإذن بالسماح له بالتحدث مع أحد جنود بانشيبرا ، كان الأمر صعبا وخاصة أن جيرودا لم يجد سببا يقنع رئيسه بأهمية الحوار مع العدو ..
وعاد جيرودا خائب الأمل إلى معسكره ..
فكر جيرودا بأن يخرق القانون ويقفز إلى معسكر البنشيريون ولكنه خاف أن تصاب والدته بخيبة أمل كبيرة إذا علمت ان ابنها الوحيد الذي فعلت المستحيل ليصبح قويا هكذا قد طرد من الجيش لخرق القوانين ...

في الصباح عاد القائدان ليناقشا مشروع الهدنة بين المملكتين على أساس موافقة كلا الطرفين على شروط الآخر..
كانت تلك مناوبة جيرودا في الحراسة ومن بعيد لمح جاميان يسير متوجها إلى معسكر بانشيبرا .. كان الألم يعتصره وهو يرى شقيقه يبتعد ولا يستطيع التأكد منه أبدا ، وكتب جيرودا ورقة صغيرة :
" أنا جيرودا ... شقيق جاميان ديوفري ، إنني أعمل برتبه جندي أول في جيش تيمالاسيا .. أمي آيريس على قيد الحياة وهي بخير وتعيش في مدينة لوكايا .. أريد ان أرى والدي وشقيقاي أنا من بانشيبرا مثل والدي ولكن الظروف الصعبة قادتني إلى هنا "

طوى الورقة الصغيرة حتى أصبحت بالكاد لا ترى بالعين المجردة ..
وظل يكمل مناوبته ..
عندما خرج روسو وقف جيرودا أمامه ليقوم بالتحية العسكرية وقبل أن يبتعد من جانبه أعطاه الورقة المطوية ثم انصرف ..
عاد روسو إلى المعسكر وهو مندهش من تصرف ذلك الجندي البارز في جيش تيمالاسيا ، وفتح الورقة وكانت الصدمة الأعنف والأجمل بانتظاره ..

لم يستطع روسو تمالك أعصابه من الفرحة فذرف دمعة وحيدة زلزلت كيانه وفي الحال استدعى جاميان ..
جلس امام جاميان المندهش برؤية روسو سعيدا هكذا لأول مرة في حياته، وقال:
- جاميان يا صغيري، لقد عثرت على شقيقك، إنه على قيد الحياة .. ولكنني لا أعرف ما علي فعله ..
قال جاميان باندهاش وهو يجلس إلى جوار روسو:
- حقا .. شقيقي مازال حيا؟؟ سيفرح والدي كثيرا وأمي ؟؟ هل هي على قيد الحياة ؟؟
- انتظر يابني ، أمك بخير أيضا، لكن تلزمنا خطة لكي نعيدهما سالمين إلى بانشيبرا .. أخوك الجندي الأول في الكتيبة السابعة وهذا يصعب من مهمتنا كثيرا ..
- أنا لم أره؟؟ هل هو صاحب الشعر البني؟؟ لقد حفظت وجوههم جميعا..
- لديه شعر أحمر داكن وقصير ..
- آآآآه ... عرفته لقد كان يحدق بي طوال الوقت ..
وقف روسو وسار متجولا في المكان يفكر بعصبية ..
وفي اليوم التالي تم الاتفاق على الشروط المتاحة وبذلك اتيحت هدنة لمدة غير محددة بين المملكتين العالميتين ..
عندما عاد جاميان وروسو وأخبرا ديوفري بالأمر لم يصدق ... كان سيموت من الفرحة حتى انه أصيب بتوتر شديد وأرق ليلي لمدة يومين حتى استطاع إيجاد حل وسط ...
واقترح ديوفري هذا الأمر على روسو
سيقوم جاميان بالذهاب في زيارة ودية إلى تيمالاسيا ... وهناك سوف يحضر والدته ويعيدها إلى بانشيبرا باسم مستعار ..
تساءل روسو عن مصير جيرودا ولكنه لم يستطع ايجاد أي حل حتى انتهاء الحرب التي استمرت لمدة طويلة جدا ...
قال جاميان:
- ماذا عن جيرودا؟؟ ألا يمكن أن يغير اسمه باسم جندي قتل حديثا و يعود جنديا إلى صفوف بانشيبرا؟ وأيضا .. لا تنسو ان مسجل هنا باسم جيرودا ديوفري ..
كانت فكرة جاميان جيدة ولكنها كان صعبة التنفيذ جدا .. فأنت ستستبدل الهوية أو انك ستخترع هوية جديدة لم تسجل بسجلات مملكة بانشيبرا..
وقرر ديوفري تأجيل موضوع ابنه جيرودا حتى تأخذ الهدنة المسار الأكثر استقرار...
وعندها ارسل جاميان مع بعثة من السفراء إلى تيمالاسيا ... لكنه ترك الركب وانسل إلى داخل تيمالاسيا بالفعل ...
كانت مدينة لوكايا هي هدفه الأول ..

كان جاميان يرتدي زي رجل عادي، قميص سماوي وبنطالا أسود .. وعندما وصل إلى لوكايا كانت بالفعل مدينة رائعة وتستحق أن تكون العاصمة ...
سار جاميان بهدوء وهو يتأمل سكان المدينة واقترب من أحد الأكشاك التي تبيع الكتب وقال:
- المعذرة .. هل تعرف أين أجد منزل عائلة بنكوبر؟؟
حدق الرجل بجاميان وقال بحدة:
- أنت لست من هنا أليس كذلك؟؟
لم يرتبك جاميان ورد بقوة :
- نعم أنا جندي من برودجيا .. وقد جئت لزيارة صديق لي يدعى جيرودا
قال الرجل بهدوء وهو يبتسم ابتساة لها مغزى:
- آه .. فهمت لقد جئت بعد أن اعطو الجنود إجازة اثناء الهدنة ..
- أممممم ... هذا صحيح، هل لك أن تدلني على المنزل؟
- نعم انه منزل كبير يقع على بداية طريق آيد .. يمكنك أن تسلك الطريق الموازي لذلك الشارع كبداية لك ..
- شكرا ..
توجه جاميان بمركبته الصغيرة إلى طريق آيد متتبعا إشارات توضيح الطرق ..
وعندما وصل بالفعل شاهد ذلك المنزل الكبير المكتوب على بوابته " عائلة بنكوبر" كانت الحرب قد تركت طابعا سيئا على جمال المدينة ويبدو ان الجزء الخلفي من المنزل الضخم قد تعرض للقصف .. فقد كان متهدما ومخيفا ..

بهدوء خارجي ،، وتوتر وفيضانات داخلية طرق جاميان على البوابة الكبيرة..
بجهاز على الباب سمع الرد .. عائلة بنكوبر من أنت؟
نظر بدقة فلاحظ جهاز كاميرا صغير لمراقبة الباب فقال جاميان :
- أنا جندي، صديق جيرودا هل يمكنني مقابلة السيدة آيريس؟
في الحال فتحت البوابة اتوماتيكيا ودخل جاميان إلى الحديقة ومنه سار حتى البهو الكبير وهناك ظهرت والدته تمشي بسرعة وعلى وجهها آثار الخوف الشديد .. وقالت :
- أهلا بكك أيها الجندي .. هل تتفضل لبعض الوقت؟
- شكرا لك..
سارت آيريس بجوار جاميان وعندما دخلا إلى غرفة الجلوس قالت آيريس بقلق :
- هل حدث شيء لابني؟؟ لقد أخذ كل الجنود إجازة عدا هو.. ولم يتصل منذ اسبوع .. أرجوك هل حصل له أي مكروه؟؟
كان جاميان يراقب أمه الجميلة بإعجاب كبير ثم قال برقة :
- في الحقيقة انا أظن انه بخير .. ولكنني لم آتي من أجل جيرودا في الواقع ..
ذهلت آيريس وقالت بارتياب:
- أنا لم أفهم قصدك بعد ...
صمت جاميان كأنه لا يعرف كيف يبدأ الموضوع ثم قال بتردد يشوبه بعض القلق:
- كنت أظن أنك تبحثين عن ... زوجك؟؟ البين - كاج \ ديوفري؟؟
وقفت آيريس في دهشة وقالت بصوت مبحوح وهي غير مصدقة:
- هل تعرفه؟؟ هل هو بخير؟؟ أين هو ؟؟
ابتسم جاميان ابتسامته الرائعة وقال وهو يضع يده على صدره :
- يسعدني أن أراك أخيرا .. أدعى جاميان ديوفري ..
راقب جاميان وقع الكلمة الأخيرة على مسمع والدته .. لم تصدق أمه ماتسمعه أذنها وتمتمت باندهاش:
- جاميان ؟؟ جاميـ ... ديوفـ ؟؟
قبل أن يستوعب جاميان مايحص كانت أمه تسقط مغشيا عليها بين ذراعيه ...
................. " أمي ؟؟ هل أنت بخير؟؟ "
سمعت آيريس تلك الكلمة وهي تفيق وأثناء غياب والدته عن الوعي تعرف جاميان إلى جدته وخالته اللتان غمرتهما الفرحة، قالت خالته بيريزا :
- انت تشبه والدك كثيرا ولذلك صدقناك من فورنا ...
ابتسم جامي وعاد ينظر إلى والدته التي فتحت عينيها ببطء فقالت الجدة العجوز وهي تمسح على شعر ابنتها في حب :
- آيريس يا عزيزتي أخيرا سوف يلتم شملك بعد كل هذه السنوات ..
لم تصدق عينيها وانتفضت من فراشها لتعانق صغيرها الذي أصبح رجلا قويا .. أخذت تمسح على وجهه وتنظر في عينيه غير مصدقة أنه ذلك الرضيع الذي تعتقد انه مات منذ تسعة عشر عاما ..
- جامي يا قلب أمك .. هل انت بخير؟؟ ووالدك هل أصبح عجوزا مثلي ؟؟ واختك تانوها ؟؟ هل أصبحت في العشرينات؟؟ هل تزوجت؟
كانت تسأل بفرحة ولكن جاميان صمت قليلا ثم قال :
- لقد فقدنا تانوها منذ أعوام كثيرة .. حتى انا لم أعرفها يوما ..
أصيبت الأم بخيبة الأمل .. ولكنها لم تكف عن الابتسام في وجهه وسألت :
- ووالدك؟ لقد اشتقت إليه كثيرا ..
- إن أبي كاد يصاب بنوبة قلبية عندما أرسل جيرودا الرسالة التي تخبرنا فيها بانك بخير ..
- جيرودا ؟؟ هل قابلته ؟؟ كيف التقيتما ؟؟
قص جاميان عليهم كل ماحصل وانه بالفعل لم يقابل جيرودا فعليا، وقال جاميان :
- إن اخي ذكي جدا لأنه عرفني وتصرف بتلك الطريقة .. أنا سعيد جدا لأنه شقيقي الأكبر ..

كان على جاميان الرحيل في ذلك اليوم ليلحق بموكب السفراء العائد إلى بانشيبرا وكان قد أخذ كل أوراق الهوية المزيفة لوالدته ولكن ردها احبط جاميان :
- جاميان الوقت ليس مناسبا لكي أعود على بانشيبرا .. أخوك كيف سيعود ولن يجدني ؟
رد جاميان بعصبية :
- لا يا أمي ستأتين معي وجيرودا سيلحق بنا فيما بعد!
نظر جاميان إلى خالته وجدته متستغيثا، فقالت جدته تكلم آيريس :
- آيريس ماهذا السلوك .. هل ترفضين الذهاب إلى عائلتك ، وديوفري الذي لم نكن ننام الليل بسبب بكاؤك عليه .. ألا تودين رؤيته ..
أجابت آيريس وهي تنظر إليهن بحزن :
- ولكن هل سأترككن في الحرب هكذا ؟
- أنت ستعودين إلى منزلك يا آيريس ونحن لا تخافي علينا تعلمين أن أخوك إلى جانبنا دائما ...
صمتت آيريس في استسلام وقفز جاميان يعانق جدته وخالته ويصيح :
- شكرا لكن، صدقاني سأعود مجددا لزيارتكن وسأصطحب معي عائلتنا الجديدة..
فرحت الجدة ومسحت على شعره ثم تساءلت :
- لكن يابني، رغم أن أخوك يكبرك بعام وحد إلا أنني أراه أكبر منك بكثير وانت تبدو لطيفا ووديعا كقط صغير ! أنا خائفة فعلا عليك!
ضحك جاميان وقالت آيريس :
- يا أمي الشكل ليس مهما أبدا .. وأظن ان جامي قوي مثل أخيه ..

وبعد أن ودعت آيريس والدتها وشقيقتها وذرفت الدموع انطلقت مع ابنها الصغير عائدة إلى بانشيبرا مع موكب السفراء ..
وبالفعل كانت الخطة محكمة جدا ودخلوا مع الموكب إلى حدود بانشيبرا بسلام وعندها قال جاميان :
- الآن سوف نرى والدي أكيد أنه سيستقبلنا..
وضعت آيريس يدها على قلبها وقالت بسعادة:
- أنا خائفة أن أموت قبل هذا اللقاء ..
قال جاميان مازحا:
- سأرى مراهقين يلتقيان بعد غياب .. هههههههههه
- ولد !
ضحك جاميان وهو يمضي بصحبة أمه وقتا ممتعا وعندما وصلوا إلى العاصمة بانشيبرا ورأت آيريس ديوفري ينظر بشوق إلى مركبة جاميان ..
فتح ديوفري باب آيريس وظل يحدق بعض الوقت بآيريس بنظرات لا مثيل لها تحمل الحب والشوق واللهفة والانتظار .. حتى إن آيريس أغلقت عينيها الدامعتين ..
نظر جاميان بفرح إلى والديه ثم فتح باب مركبته وانطلق بعيدا ...
قالت آيريس تحرك الجو المشحون :
- لقد أصبحت رائعا يا ديوفري، تعجبني تلك الخصلات الفضية التي ظهرت في شعرك ..
التف ديوفري حول المركبة وجلس مكان جاميان ثم قال باسما :
- وانت ، رائعة كما كنت لم تتغيري أبدا ..
شعرت آيريس بالفرح .. وكأنها عروس صغيرة في ليلة زفافها ...
ومن بعيد ألقى جاميان نظرة خاطفة على مركبته .. وابتسم لأن تلك المهمة كانت الأفضل والأخطر على الإطلاق ..


مضى بعض الوقت ..
كان جاميان لا يعلم أي شيء عن أخيه جيرودا ، ولكن بعض الجنود من بانشيبرا تشاجروا مع جنود تيمالاسيا مما أدى إلى مقتل بعض الجنود فعادت الحرب مجددا، سئم الكل من وضع الحرب ... حتى جاميان نفسه ..
صار الأمر معضلة حقيقية وقال جاميان لوالده ان على الجنود الا يتحاربوا ويقتلوا انفسهم من اجل الملوك ..
كان حلم توقف الحرب قد استمر قرابة العشرين عاما ... وظل الحلم يتلاشى حتى قرر ملك تيمالاسيا العجوز احتلال بانشيبرا ...
المظاهرات تملأ الشوارع سكان بانشيبرا ينددون بالحرب التي طالت والقرارات الغير مسؤولة ، سكان تيمالاسيا لا يستطيعون الاحتجاج خوفا من حرب أهلية داخل المملكة الكبيرة بين مؤيدين ومعارضين ..
صار الموقف بين الجيشين سيء جدا ... مات الكثير من الشباب هدرا..
وكان ذلك اليوم الذي ذهب فيه ديوفري لقيادة الجيش الرئيس المتوجه إلى حدود برودجيا ..
عين جاميان جنديا مساعدا في الجيش الثاني ، كان تواقا لأن يذهب إلى الحرب مع والده لكن الحظ لم يحالفه ..
بعد أن ودع ديوفري عائلته الصغيرة، إنطلق ...
وشعرت آيريس أنها بشعور سيء جدا ..
بعد القليل من الوقت كان جاميان يتجهز للذهاب مع الجيش الثاني، قال قائد الجيش بصرامة لجاميان:
- ايها الجندي .. هناك أوامر ببقاءك مع المهندسين في غرفة الاتصال، لقد عينت مساعدا غيرك ..
بكل الغيظ والحقد والانفعال والغضب كان على جاميان أن يطيع الأوامر، هكذا هو الجيش ، وعاد جاميان إلى غرفة الاتصالات ضيفا عليها وجلس وهو على وشك البكاء فقد كان يعتبر تنحيته من القتال تشبيها له بالأطفال ..
قال رئيس الإتصالات يحدث جاميان الذي احتقن وجهه من الغيظ :
- لا تقسو على نفسك ايها الشاب ، لقد خاف عليك والدك من المعركة الأخيرة.
نظر جاميان بذهول إلى مهندس الاتصالات الذي عاد إلى عمله ..
وفي الحال كان شعور جاميان خوف يعتصر قلبه على والده، هل هذا بسبب كلمة المعركة الأخيرة؟؟
وفي خلال دقائق كان جاميان قد هرب خارج الثكنة العسكرية المغلقة ، لم يجد جاميان أي مركبة تقله إلى أرض المعركة ولذلك فضل الركض السريع حتى يصل إلى موقف مركبات الجيش ..
لم يهتم بأنه خالف القوانين فقد كانت روح والده بين عينيه ..
وعندما وصل إلى أرض المعركة .. كان الأوان قد فات بالفعل ..
أشلاء جيش بانشيبرا تنتشر في كل مكان، كان هناك الكثير من قتلى تيمالاسيا لكن البانشيريون ماتوا بالجملة ..
صرخ جاميان :
- لاااااااا ... لاااااااااااااااا
لم يكد يصدق عينيه وهو يرى الجند قد طحنوا بعضهم بتلك الطريقة .. وظل يبحث بين الجثث ..
- أبي ... أين أنت ؟؟ أعلم أنك لست هنا اليس كذلك ؟؟؟
كان صدى المدافع يضرب بعيدا .. نعم الجيش الثاني .. أين هو؟؟ ربما انضم لفلول الجيش الأول ..
أبي هناك .. أسرع يا جاميان ..
هكذا قال جاميان في نفسه ..
ولكنه تعثر في الجثث وسقط وكانت المفاجأة الأعنف في حياته بانتظاره..
كلم نفسه بهستريا مسموعة وهو يرى أحدى الجثث :
- هذا ليس أبي .. لا إنه لايشبهه ..
اتحشدت الدموع في عينيه على الرغم منه وصرخ بأعلى صوته وهو يضم والده بقوة .. أبــــــــي .. لااااااااا
أمسك جاميان بوجه والده ودموعه تغسل وجهه ..
- لماذا يا أبي ؟؟ لماذا لم تجعلني أموت معك ..
سقطت دمعات حارة على وجه ديوفري الذي ودع الحياة فأسالت بعض الدماء الجافة ورأى جاميان والده يمسك بالصورة القديمة التي طالما نظر إليها ،، لقد امتلأت بالدماء واختلفت معالمها ... صرخ جاميان بحرقة ...
و بقي وهو يضم والده ويبكي وقتا طويلا .. بكى مثل الأطفال وكانت الريح جافة شديدة كصفعات متتالية على وجهه ..
وبكل الحقد والحزن الذي حمله جاميان توجه إلى أرض المعركة وقبل ان يصل هناك حدث أمر رهيب جدا ... لم يكن في الحسبان ..
جنود تيمالاسيا يقفون على الحدود محاولين حراسة أراضيهم وهذا الولد النحيل جاميان يقترب من بعيد ..
ودارت رحى المعركة الأعنف في تاريخ جاميان وحوله تجمع عشرات الرجال الذين لم يستطيعوا النيل منه .. لم يتخيل أحدهم أن القوة الداخلية تفوق أي شيء ..
بعد ساعات من القتال لم يتعب جاميان وتوقف في الوسط حيث تنتشر الأشلاء حوله لم يشفى غيظه بعد وفعل مافعل .. كان مصابا ولكنه لم يعد يرى أمامه فقد أعمى الغضب بصيرته ليكتشف قوته الحقيقية ..
في تلك الأثناء كان الجيش الثاني قد نال من التيماليين ..
وكان جيرودا يقف على حدود برودجيا عندما تلقى رسالة نجدة لا سلكية من أحدهم .. وعندما توجه إلى هناك حيث صنع جاميان جسرا مفزعا من رؤوس التيماليين ..
شهق جيرودا غير مصدق لما يراه من الأجساد التي لا تحمل رؤوسها وعندها رأى جاميان يقف بتعب على ضفة جسر الرؤوس الأخرى ..
لم يستطع جيرودا تجميع أي فكرة عما يحصل لكن برأيه أن الأمر كان مروعا وكأن جيشا بانشيريا كان هنا ..
صرخ جيرودا بكل قوته :
- هل أنت جاميان ديوفري؟؟
حدق جاميان بتعب ومر من فوق جسر الرؤوس الذي صنعه .. وعنما رأي جيرودا لم يعرفه وأخذ سيفه وهو يقول بغيظ :
- أقسمت أنني لن أترك أي تيمالي ..
كان جيرودا يحاول قول أي شيء ولكن جاميان انقض عليه كالنمر المفترس ...

عندها لم يتمكن جيرودا إلا أن يدافع عن نفسه.. لأن جاميان لم يعطه أي فرصة للكلام ..
كان جيرودا قويا جدا ولم يسمح لجاميان بأن ينال منه .. وعندها تعثر جاميان في حجر وسقط وبسرعة فأخذ جيرودا سيفه ورماه بعيدا ..
وصاح قائلا :
- إنه أنا أخوك ، أنا جيرودا ..
نظر جاميان حوله وكأنه أفاق فجأة من حلم غريب وعندما نظر إلى شقيقه احتشدت الدموع في عينيه وقال وصوته يرتعش :
- لقد قتلوه ... قتلوا والدنا يا جيرودا ..
اعتلت الصدمة جيرودا الذي آمل أن يرى والده ويعيش معه كان يتمنى أن يشعر أن له أب أخيرا يضمه ويفتخر به بعد ان تربى يتيما ..
انعقد لسان جيرودا وفقط نزل إلى أخيه المنهار وضمه بقوة محاولا منع دموعه من النزول ...
*******

قالت آيريس تخاطبني بعد أن قصت لي تلك القصة المحزنة :
- بموت ملك تيمالاسيا بعد الحرب الأخيرة انتهت الحرب تماما وعادت الحياة
كما كانت ، ليس تماما ولكنها صبحت أفضل بكثير بعد حلول السلام .. انضم جيرودا باسم " تالتن ماكنزي " إلى صفوف جيش بانشيبرا ليبقى إلى جواري وإلى جوار جاميان .. وهكذا ظلا يتنافسان ويحثان بعضهما بدون أن يكتشف أي شخص أنهما شقيقان وقد ساعد على ذلك اختلافهما فجيرودا يشبهني وجاميان يشبه والده .. بذلا أقصا قوتهما خلال العام الأخير وحصلا على أفضل جنديين على الإطلاق في مملكة بانشيبرا ، وهذا بالطبع بفضل روسو والدهما البديل ..

كانت دموعي على وشك النزول فالقصة كانت مؤثرة جدا وقلت باستغراب :
- لكن لماذا قالوا لي ان جاميان حنط والدته ؟؟
ضحكت والدة جاميان كثيرا .. ضحكت من قلبها ثم قالت:
- بالطبع أنت تعلمين أن بعد حادثة جسر الجماجم تلك ظهرت الكثير من القصص حول جاميان وإشاعات تقول أنه قتل والدته وحنطها .. وأن هناك ساحرة وضعت له لعنة وما إلى ذلك .. انتشرت لأن جاميان لم ينفيها ..
قلت بحماس :
- نعم هذا غير صحيح .. لقد قلت من البداية أن جاميان ليس من هذا النوع ..
ابتسمت والده جاميان وقالت:
- إن جاميان شاب رقيق المشاعر ولكنه يحاول أن يبدو صلبا دائما .. إنني الآن السيدة ماكنزي والدة الجندي تالتن لذلك فجاميان لا يتصل بي ابدا ولكن جيرودا يفعل ذلك ويطمئنني على آخر أخباره ..
قلت باهتمام :
- هذا سر كبير جدا ..
- لا أحد يعرف أن جاميان وجيرودا شقيقان، سوى جارتي العجوز الطيبة " لويبا " ..
ابتسمت آيريس والدة جاميان وهي تقول ذلك ..
تذكرت جاميان عندما قال جارتك العجوز الشمطاء فابتسمت ..
ثم نظرت إلي وقالت :
- وأنت ؟؟ أنت لم تحكي لي أي شيء عنك .. مثلا كيف هو كوكب الأرض .. قيل لي أن في الليل يظهر قمر أبيض في السماء هل هذا صحيح ؟؟
- نعم صحيح .. كوكبكم لا يتبعه أقمار أليس كذلك ..
- نعم إنه مظلم جدا في الليل لولا بعض النجوم القريبة ..
هكذا مضى الليل ونحن نتحدث وحكيت لها عن أمي وأبي وعندما ماتا بحادث الطائرة الخاصة، وكيف أنني لم أذهب معهم في اللحظة الأخيرة ..
قصصت لها ما يفعله أعمامي بي وبورث والدي، وحكيت لها عن صديقتاي إيميلي وميرندا ..
كان الحديث معها ممتعا جدا وشعرت بأنني كنت اتحدث مع أمي كما في الماضي ..
وبينما نحكي بعض الحكايات طرق الباب بقوة شخص ما ..
وضعت يدي على صدري بفزع ووقفت آيريس لتفتح الباب ..
وعندها وقفت بسرعة ونظرت من النافذه ..
وفي الخارج رأيت سبعة أو ثمانية من الجنود البانشيريون ..
وسقط قلبي في يدي وكأن جسدي يرتجف من الخوف ، كيف عرفوا مكاني؟؟


المفاجأة الأكبر هي عندما سمحت لهم آيريس بالدخول ونظرت من خلف الباب بدون أن يروني ورأيت أنهم منهكون ومصابون وقال أحدهم :
- سيدة ماكنزي ، ألم تشاهدي فتاة غريبة بالقرب من هنا ؟
وتابع آخر وآيريس تناوله كوبا من الماء:
- هناك شخص مجهول يرتدي زيا غريبا ويحاربنا ، إنه يدافع عن الفتاة ونحن لا نعرف من هو.. لقد قتل أربعة من حراس بوابة القصر حتى تهرب ..
صمتت آيريس كأنها لن تجيب ولكنا قالت بعد وقت قصير :
- أممم ربما هو شخص من كوكبها ..
- مستحيل!ّ
- يا سيدتي ذلك مستحيل كما قال فريز .. لأن الجندي الأبيض قد أحضر الفتاة وحدها ..
قبل أن يتكلم أي شخص آخر طرق الباب ثانية ودخل تالتن – جيرودا – ثم قال بحزم :
- هيا ايها الجنود لم أتوقع أنكم هنا ..
قال أحد الجنود :
- سيدي ماكنزي فكرنا أن نسلم على والدتك فهي كما تعلم أمنا جميعا ..
ابتسم جيرودا ونظر حوله بارتياح ثم قال :
- إذن هيا بنا علينا ان نعثر على الفتاة ...
خرج الجنود بصحبة الجندي الأسود وقالت والدة جاميان وهي تنظر إلي بعد أن وجدتني :
- لا تخافي يا عزيزتي لقد اعتاد الجنود على المرور هنا حيث السيدة ماكنزي .. والدة كل الجنود ..
أنا أقدم لهم المساعدة في كثير من الأحيان ، وهم الآن هنا ليسألوا عنك لا أعرف هل هم مجانين ليعتقدوا انك قد وصلت إلى هنا بالفعل ؟؟ أم انهم يشكون في ذلك الشخص الذي يدافع عنك؟؟
قلت باستغراب :
- هل تعتقدين أنه جاميان؟؟
- بكل تأكيد .. إنه الآن يقوم بدورين البحث عنك ومساعدتك في نفس الوقت.
قلت باندهاش :
- ياله من شاب! كيف يستطيع فعل ذلك ..
- كان يعرف أنك ستأتين إلى هنا منذ فترة، وقبل حفل تتويج الملك أخبرني أن علي تجهيز غرفة لفتاة في الثامنة عشرة أو التاسعة عشرة من عمرها ..
تأملت في غرفتي للحظة ثم قلت :
- يبدو أنني سأبقى هنا لبعض الوقت ..
- هذا الأمر يسعدني جدا ..
قالت ذلك آيريس والدة جاميان وهي تمسح على شعري بلطف .. وتبتسم ..
وعدنا معا إلى غرفة الجلوس، كان الأثاث على ذلك الكوكب يتسم بطابع الابتكار والرفاهة .. فهذه أريكة مثلثة رائعة لم أر مثلها على الأرض وهي معلقة بثلاث حبال وتهتز كلما هبت نسمة هواء ، إنها تعجبني جدا ..
وعندها قلت وانا أجلس جوار آيريس :
- هل تسمون كوكبكم الأرض ؟؟ أيضا ؟
- لا .. إنه الكوكب الأخضر..
- ولماذا الأخضر ...
- لأن مساحات الغابات تمثل ستين بالمائة من مساحة الكوكب ككل .. ليس لدينا بحار شاسعة ورائعة مثل التي في كوكبكم ...
كنت متعجبة ووقفت والدة جاميان وتوجهت إلى غرفة أخرى وهي تقول :
- انتظريني لحظة واحدة ..
بعد دقائق عادت والدة جاميان " آيريس" وبيدها كتاب كبير وكان مكتوبا بلغة لا أعرفها وقالت :
- هذا الكتاب النادر كان بحوزة جدي ، ولكنني أخذته من والدي واسمه ( الكواكب الثلاثة ، النظام المثلثي الكوني )
نظرت إلى الكتاب باندهاش وعندما فتحته رأيت فيه خرائط ومناظر كثيرة ومدهشة .. وأمسكت آيريس الكتاب وفتحت لي صفحات في منتصف الكتاب فرأيت فيها خريطة العالم .. عالمي آسيا ، أمريكا ، أفريقيا ..
شعرت بانشراح كبير وقلت بسعادة :
- أرجوك ما قصة هذا الكتاب ؟
- أنظري إلى خريطة الأرض الخضراء ..
كانت خريطة كوكب جاميان غريبة فهي عبارة عن قارتين كبيرتين يفصل بينهما بحر واحد يشبه البحر الأحمر ولكنه طويل جدا ولم تكن توجد بحار أخرى فقلت باندهاش :
- ماهذا هل هاتان بانشيبرا وتيمالاسيا ؟ ألا توجد دول أخرى غيركم ؟؟
- نعم هذا صحيح والحرب هنا كانت طاحنة ..
- حتى على كوكبي، هناك الكثير من الحروب الغريبة ..
- انتم لديكم الكثير من الدول واللغات والديانات والاختلافات أما نحن فلا كوكبنا يزيد عن كوكبكم في المساحة وليس لدينا بحار ومع ذلك ننقسم إلى شعبين وحسب تيماليون وبانشيريون ونقتل أنفسنا من أجل قلادة سحرية تدعى ايموكيا ..

تذكرت فجأة الأميرة لوليانا عندما حكت لي تلك الحكاية وتسائلت :
- وماهو الكوكب الثالث ؟؟
- إنه كوكب متطور جدا وهو رأس المثلث الفضائي ولم نستطع الوصول إليه فلا أملك عنه أي معلومات عنه سوى من الكتاب .. لأن الكثير من المجازفات قد حدثت ..
- لم أفهم .. أي مجازفات ..
- لقد صنعت مركبتان على أساس هذا الكتاب .. ومن خلال الثقب الأسود الفضائي المحدد، استطعنا الوصول إلى الأرض الزرقاء أرضكم ، بينما المركبة التي ذهبت إلى كوكب (بلامنيت الفضي ) لم ترجع حتى الآن ..
ظللت صامتة باندهاش وتمتمت ..
- ياله من عالم كبير ! ولكن .. ماذا عن بقية الكواكب ؟؟ النظام الشمسي؟؟
- هذا الكتاب يصور الكواكب الحية فقط .. ربما هناك المزيد من الكواكب ..
نظرت إلى الأريكة المثلثة وقلت :
- ربما هذه الأريكة نظام مصغر ..
ضحكت والدة جاميان وضحكت أنا أيضا ..
و في تلك اللحظة سمعنا طرقا آخر على الباب وركضت بسرعة متوجة إلى الغرفة .. ونظرت بسرعة من النافذة وأنا مختفية ..
فتحت آيريس ورأيت حرس الملك الخاص وقال أحدهم بصرامة:
- لا داعي لإخفائها يا سيدة ماكنزي ... سلمي الفتاة فورا .. لقد راقبنا المنزل ونعلم أنها هنا !!!
الجندي الابيض

شعرت بالهلع وأنا أسمع تلك الكلمات ..
وبسرعة حاولت الهرب فتحت النافذة الخلفية وقفزت على الأرض وركضت بأقوى سرعتي في الحديقة الخلفية لم يرني أي حارس من حراس الملك .. ولكن ..
فجأة خرج أحدهم من وسط الأشجار وأمسك بي بقوة وسحبني ..
صرخت ولكنه وضع يده على فمي وسمعت صوته :
- أهدأي يا لندا .. إنه انا تالتن ..
هدأت قليلا وكففت عن الرفص والعض والضرب ونظرت إليه .. وقلت بوجل:
- ماذا ستفعل الآن ..
نظر لي جيرودا وهز رأسه قائلا بتوتر ملحوظ :
- لا فائدة، لقد كشف أمري والآن علي أن أساعد أمي وإلا أخذوها رهينة حتى أعيدك .. ابقي هنا وإياك أن تصدري أي صوت ...
أغلقت فمي وبقيت مكاني بلا حراك وأنا أفكر في الذي حصل ؟؟
أنا متعجبة مما حصل !!
لقد كان الجنود عند آيريس من فترة قصيرة ولم يشكوا بأي شيء ، كيف انقلبت الموازين بتلك السرعة ..
تذكرت جيرودا وجاميان .. لقد دمرت مستقبلهما على أرضهما ...
كان علي أن أكون الآن ميته من فوق قمة الجبل ولكن جيرودا أوقفني .. الآن ماذا سأفعل ؟؟
بقيت مكاني مثل ما امرني جيرودا ..
وبعد وقت قصير عاد جيرودا وجلس إلى جانبي وهو يتنفس بسرعة.. كان حائرا وسألته :
- جيرودا .. مالذي حصل لوالدتك ؟؟ ألم تستطع انقاذها؟؟
نظر لي جيرودا باستغراب وقال:
- انت تعرفين اسمي الحقيقي؟؟
- لقد حكت لي أمي قصتك أنت وجاميان ..
ابتسم جيرودا وقال :
- يجب أن أجد جاميان الآن .. ذلك الغبي لا أعرف أين هو ... لقد أخذوا أمي وسوف يهددونني بها لكي أسلمك لكن لا بأس جاميان خارج الصورة ..
نظرت بصمت وحزن إلى جيرودا ثم قلت :
- اتركني يا جيرودا وانقذ والدتك .. سلمني وقل أنه لا علاقة لك فيما حصل ، أرجوك لا تضيع مستقبلك أنت وجاميان .. أرجوك
عاد جيرودا ينظر إلي وقال بعصبية :
- ماذا تقولين ، أسلمك ؟؟ هل أنت مجنونة .. لك الحق فالمجانين يعرفون بعضهم، ذلك الجاميان مجنون أيضا ..
بعد تلك الكلمات أخرج جيرودا رأسه ونظر بخفة في الخارج ثم عاد وقال :
- لقد أخذوا مركبتي وهم يبحثون عنا ..
ثم وقف منخفضا وأمسك بيدي وهو يقول :
- علينا أن نصل إلى مخبأ جاميان بسرعة ..
وقفت أنا أيضا منحنية وركضنا بسرعة وسط الأشجار الكثيفة، كان الجو باردا
ولم نتكلم ..
ركضنا كثيرا وشعرت بالتعب ولم يعطيني جيرودا أي فرصة للراحة .. وهو يركض لم يتعب ، ولذلك تركت يده وبطأت حركتي ثم قلت بتعب :
- لقد ركضنا كثيرا .. أرجوك دعنا نرتاح ولو لثوان ٍ ..
قال جيرودا باستسلام :
- حسننا دقائق فقط .. لا يمكننا البقاء أكثر ..
ظل جيرودا واقفا يراقب المكان بحذر وتطلعت إلى زيه الأسود ودرعه الرمادي بحزن!! وعندما ارتحت قليلا بدأنا في الركض ثانية ..
وفي النهاية وصلنا إلى منزل صغير ومرعب .. قبل أن نصل إلي الباب فتح جيرودا بوابة في الأرض كانت الرمال والأشجار تغطيها وقال بحزم :
- هيا انزلي ..
نظرت للظلام الحالك بالداخل وشعرت بخوف شديد ..

قلت :
- ألن تأتي معي ؟؟
- لا .. سوف يأتي جاميان بعد قليل ..
- متى؟؟
- لا أعلم ..
سلمت بالأمر الواقع ووضعت رجلي داخل الحجرة المظلمة ثم نزلت على سلم معلق مخيف وعندما وصلت للأرض لم تكن عيناي قد اعتادت على النور بعد ..
وسمعت صوت جيرودا يقول :
- ابقي هنا ولا تصدري أي صوت سيعود جاميان لأخذك حالما يتدبر الأمر ..
أغلق جيرودا البوابة علي ..
وسمعته يضع بعض الحشائش والأتربة فوقها..
ثم صوت خطواته تبتعد من المكان ..
بقيت في المكان بعض الوقت حتى اعتادت عيناي على الرؤية في الظلام، كان المكان عبارة عن سرداب تحت البيت .. هناك الكثير من الأتربة ويبدو المكان مهجورا والكثير من الصناديق والحقائب الملقاة بإهمال ..
كان هناك ضوء أزرق خافت يأتي من أعلى سلم معلق .. توجهت نحوه ونظرت للأعلى ..
كانت هناك فتحة ربما تقود للخارج ولكنني لم أقم بأية مغامرات وعدت إلى المكان ثانية وبدأت بتنظيف موقع للجلوس فيه .. فكرت في تسليم نفسي للملك حتى أضع جاميان وجيرودا في الأمر الواقع لكنني خفت من غضب جاميان ..
لقد فعلا كل ذلك وانا في النهاية لم أقدر ذلك ورميت بنفسي في النار من جديد . . عدت إلى العمل وأزحت بعض الصناديق ثم رتبتها ..

عندما انتهيت من ترتيب مكان صغير جلست فيه وأنا أحاول التأقلم مع المكان الجديد، بعد قليل وضعت يدي تحت رأسي وذهبت في نوم قلق مليء بالكوابيس ..
********
استيقظت فجأة على صوت أقدام كثيرة تسير بسرعة فوق المخبأ، وسمعت أصوات الجند .. كانوا يبحثون عني ..
تسمرت في مكاني وانا أشعر بخوف شديد ، وركضت بهدوء واختبأت خلف صندوق كبير، ومن خلف الصندوق نظرت إلى الفتحة الأخرى وكانت المفاجأه عندما كسر الجنود الفتحة ونزل أحدهم وصاح قائلا :
- أنظروا .. لقد وجدت سردابا ..
نزل جنود آخرون وسمعت آخر يقول بصوت خشن:
- لا أظن أن أي شخص دخل ذلك المنزل إنه مليء بالغبار..
- دعنا نبحث هناك ..
- صحيح انه يصلح أن يكون مخبأ جيداً ...
اقترب الجندي كثيرا من الصندوق وقال آخر :
- دعونا نبحث داخل الصناديق ... وخلفها ..
ارتج قلبي بين ضلوعي وعرفت أنه سيكشف أمري ..
مضت دقائق وهم يحومون حولي وأنا أغمض عيني وادعي الله أن يخرجني من هذا المأزق ..
وبدون وعي مني صرخت وأنا أشعر بيدين تمسك بي بقوة .. فتحت عيني ونظرت في وجهه ، كان جنديا بانشيريا قويا وابتسم بانتصار قائلا :
- وجدتها .. لقد وجدتها .....
كان مذهولا لأنه وجدني وكنت مرتعبة وآلمتني معدتي من هول المفاجأة ..
نظر قائد الجند إلى .. كان هو روسو بعينيه الحمراوين وقال بصرامة:
- هيا نأخذها إلى الملك بسرعة .. أنا متعجب كيف وصلت بسرعة إلى هنا!!
أمسك الجنود بي بقسوة وسحبوني خلف روسو ..
تعجبت من قوتي الشديدة فقد كنت صامدة ولم أبكي أو أصرخ وسرت مع الجنود إلى مصيري الجديد ...
ترى كيف ستكون الأيام القادمة؟؟

ركبت في عربة الجنود وقاموا بوضع سلاسل في قدماي حتى لا أستطيع الهرب .. وجلس روسو أمامي وقال :
- من أحضرك إلى هنا .. أجيبي ؟؟ هل هو تالتن ؟؟
نظرت له ولم أرد ..
اقترب روسو مني ثم جلس إلى جواري وقال بصوت الهمس :
- لندا .. ارجوكي ... لا تخافي، كوني شجاعة كما قال عنك جامي .. لكن والدة جاميان وجيرودا ستقتل إن لم أسلمك إلى الملك.. هل سمعتي ؟؟
امتلأت عيناي بالدموع وقلت بدهشة وانا اخفض صوتي :
- لماذا يقتلها .. إنها امرأة طيبة القلب ولم تفعل شيئا ..
- لقد عرف انها تولت حمايتك وعرف أن تالتن هو الذي هربك .. أمر جاميان لم يكشف بعد .. لكنه حصل على اللقب الذهبي بسبب غياب تالتن عن المنافسة نهائيا ..
قلت باندهاش :
- وأين تالتن أقصد جيرودا .. أين هو الآن ؟؟
- لا أحد يعلم ..
ظللت صامتة طوال الطريق وأنا أنظر إلى ضوء النهار حتى اقتربنا من طائرة كبيرة ، علمت اننا سنعود للعاصمة ..
وبعد أن جلست بداخل الطائرة لم يتسن للجنود الدخول وخرجوا مرة ثانية وحصلت ضوضاء شديدة ثم سمعت صوت البنادق والمسدسات ..
لم اكن اعلم مالذي يجري لكنه لم يبق في الطائرة سواي انا والطيار الذي نظر إلى وقال مبتسما :
- مرحبا يا آنسة لندا .. تشرفت برؤيتك أدعى " سبيرسو" وأنا طيار مملكة بانشيبرا الأول ..
حاولت ان ابتسم وقلت أحاول التذكر:
- أشعر كأني سمعت اسمك من قبل ؟؟
ابتسم الطيار وتركني ثم توجه إلى قمرة القيادة وأغلق أبواب الطائرة وانتظر دقيقة أخرى ثم أقلع بالطاائرة وهي خالية ...
تعجبت كثيرا ولكنني ظللت صامته ولم أرى سوى كتف الطيار طوال الوقت حتى قال :
- أنا رجل مخلص لجاميان .. ولذلك فلن أسمح لهم بأن يأخذوك ..
قلت بانفعال:
- ولكن .. ماذا عن والدة تالتن ؟؟ ماذا سيحل بها ..؟؟
قال الطيار سبيرسو بعد فترة صمت :
- لم يعد هناك فائدة .. لقد قتلت .. قتلها الملك ..
فتحت فمي مندهشة وقلت غير مصدقة :
- لا يمكن ... لقد كنت معها بالامس .. ارجوك لا تكذب علي ..
- أنا لا أكذب يا آنسة ..
نزل الخبر علي كالصاعقة ولم أشعر إلا ودموعي تحرق جفوني ،، شعرت أنني فقدت أمي مرتين ..
فكرت في جاميان وجيرودا ... ماذا سيفعلان الآن .. لقد فقدا كل شيء!!
رغبة شديدة دفعتني لبكاء مرير .. ذكرني بذلك اليوم الذي نزل خبر موت والداي علي كالصاعقة ، هكذا بكيت .. بكاء مرا لم أذق مثيلا لمرارته وكأنه كأس من العلقم ..
خفق قلبي لأنني خذلت جيرودا وجاميان، أشعر بأنني قاتلة والدتهما ، حاولا إنقاذي فدفعا ثمن ذلك غاليا ... وغاليا جدا ...
ذرفت دموعي ولم أشعر بما حولي حتى ناولني أحدهم منديلا، رفعت رأسي رأيت الطيار سبيرسو .. الذي قال بابتسامة مغتالة :
- لا بأس ، لقد وصلنا ... سيكون جاميان بانتظارنا هنا..
- لا..
صرخت هكذا وأنا أمسح دموعي وقلت :
- لا يمكنني مقابلته .. أرجوك .. أنا حزينة ومستاءة ولا أحتمل النظر إلى أي شخص ..
مد سبيرسو يده إلي وقال بلطف:
- هيا يا آنسة لقد فعل ذلك من أجلك .. أنت لن تخذليه، صحيح؟؟ ولن تخذلي صديقه تالتن ؟؟ أليس كذلك ؟
حرك كلامه مشاعري وعلمت أن سبيرسو لا يعلم أن جاميان وتالتن \ جيرودا شقيقان فقمت مع سبيرسو ونزلت من الطائرة .. في تلك اللحظة رأيت مبناً ضخماً فضي اللون يرسخ بين الأشجار الكثيفة وقال سبيرسو:
- هذه أول منطقة دخلت فيها إلى بانشيبرا عندما حملك جاميان من الأرض وكنت في غيبوبة صناعية .. هنا تقطن المركبة البارعة " هينوا" ..

نظرت إلى المكان بفضول .. كانت عيناي مشوشتان بسبب الدموع التي لا تريد التوقف .. ونظرت إلى سببيرسو ..
كان شابا طويل القامة له شعر أخضر داكن قصير وعينان بنيتان ضيقتان .. وكان يرتدي زيا مميزا يذكرني بزي ضباط الجيش على الأرض ، كما أن وجهه غير مألوف ولكن صوته كان هادئا ومميزا ..

كان لطيفا جدا معي، وسرت بصحبته وسط الحشائش والأشجار حتى وصلنا إلى البوابة .. رقم سري وضعه سبيرسو وقمنا بالدخول ..

سرت خلف سبيرسو بهدوء وصعدنا درجا حديديا بسيطا ، شعرت كأنني أسير في محطة فضائية أو أي شيء من هذا القبيل!
وعندما وصلنا للدور العلوي، شاهدت جاميان.. كان يعطينا ظهره ويصلح شيئا ما .. واخذت نفسا عميقا قبل أن أواجهه ..

قال سبيرسو بعد أن تتنحنح لافتا نظر جاميان إلينا :
- هييه يا صديقي ، لقد وصلنا ..
التفت جاميان ينظر إلينا وعلى وجهه ابتسامة كبيرة واقترب قائلا ..:
- هذا رائع ، لقد كنت انتظر تالتن لم يكلمني منذ يومين .. لكنكم سبقتموه..
تأكدت من أن جاميان لم يعرف خبر موت والدته،، لأنه يبدو على طبيعته .. وقال سبيرسو :
- لا تعرف ماذا حصل للمسكين تالتن ، لقد قتل الملك والدته!!
شهقت ونظرت إلى سبيرسو بغضب لأنه أخبر جاميان.. وتحول وجه جاميان للون للأصفر وهو يقول باندهاش:
- ماذا تقول ؟؟ قتل من؟؟
قال سبيرسو بحزن :
- لقد قتل الملك والدة تالتن .. ورغم ذلك هاجم الجنود عندما ركبنا الطائرة .. إنه شاب قوي ..
وقف جاميان مبهوتا وتجمعت الدموع في عينيه .. لكنه كان صلبا جدا ولم تنزل من تلك الدموع ولا حتى قطره ونظر إلي بحزن،، دموعي عادت إلى الجريان من تلقاء نفسها ولم أستطع منع نفسي من البكاء فقال جاميان بخفوت :
- وأين هو ؟؟ أين تالتن الآن؟
- لا أعلم ..
رد سبيرسو بهدوء فاندفع جاميان ونزل إلى الأسفل وعندما نظرت إلى المركبة انعكست صورتي على المنيوم عاكس فرأيت أنفي وقد صار أحمرا ..
وتساءل سبيرسو :
- إلى أين ستذهب ؟؟ .. انتظرني
ثم ذهب خلفه، وبقيت في المكان بمفردي ... أتأمل المركبة ولكنني أفكر بعيدا .. بعيدا جدا .. ذلك الملك أمرجيز الخائن المتوحش، من يرى شفافية عيونه ورقة كلامه لا يصدق أبدا أنه بتلك الوحشية!!
كنت أتسائل دائما عن خبث الناس ومكرهم ،، ولكن ذلك العالم الجديد غريب جدا، فهو مليء بالألغاز ..
سمعت صوت أقدام خلفي فرأيت أن جاميان قد عاد مرة أخرى وكان صامتا، تبادلنا نظرة أخرى فقال جاميان :
- سننطلق حالما يصل تالتن، إنه في الطريق إلينا ..
اقتربت من جاميان، شعرت بأنفاسه المتسارعة .. دقات قلبه الحزين كأنها تنبض داخل قلبي أنا .. حاولت أن أقول شيئا ولكنني لم أستطع ووضعت يدي على كتفه فقط ونظرت إليه ..
ظل ينظر لي طويلا وفي عينيه ألف دمعه محبوسه .. فقلت أخيرا :
- جامي .. أنا آسفة من أجلك، كل هذا حصل بسببي .. فقدت والدتك لأنك حاولت مساعدتي أنت وشقيقك .. أرجوك سامحني .. أرجوك..
نزلت دمعات متتالية من عيني شعرت بحرارتها فقال جاميان برقة وهو يمسح دمعاتي بأصابعه :
- لقد علمت بقصتنا إذا ، حسنا لا بأس .. لا أريدك أن تزعجي نفسك أبدا، وذلك القاتل أمرجيز .. أعدك أنني لن أتركه حيا ..
بكيت بمرارة فضمني جاميان برقة ..

شعرت بأمان شديد و أغمضت عيني .. لكم أنت رائع يا جاميان .. ولكم شككت بك في الماضي وقلت أنك متوحش ،، لكن شعوري الحقيقي كان مختلفا عنك ..
قال قلبي لك .. صدقني يا جاميان .. انا لم أكرهك وكل الذي حام حولك كان بسبب ذكاؤك وروعتك .. وتلك الروح الشفافة التي خلقت بداخلك ..
قلت وأنا أذرف المزيد من الدموع جعلت صوتي مرتعشا :
- جاميان ... أنت قوي جدا، أنا لست مثلك .. عندما مات والداي بقيت فترة طويلة جدا أبكي حتى استوعبت الأمر .. بقيت سنينا لا أصدق ..
- لا لندا ... أنت قوية ، لقد كبرتي الآن عن السابق ولم تعودي طفله .. أم ماذا؟؟
أفلتني جاميان لينظر إلى وجهي فشعرت بارتباكه الشديد وحزنه وتساءلت بخوف :
- جيرودا ... أين هو .. أخشى أن يصيبه مكروه ..
لم تمض دقائق سمعنا صوت سبيرسو يصيح برعب:
- لقد وصل تالتن ... آآآ يا إلهي
أسرعت أنا وجاميان ونزلنا بسرعه لنفاجيء ..
أخطر صدمة على الأطلاق ..
لم أصدق ما راته عيناي وشهق جاميان بفزع ..

كان جيرودا يمشي مترنحا .. الدماء تغطي وجهه وشعره وملابسه ..
كان هناك خطان نظيفان غسلتهما الدموع على وجهه ..
لم يقل شيئا وظل يسير ببطء وهو يجر قدميه حتى وقف أمامي وأعطاني كتابا كبيرا غطته الدماء وقال بصوت مرتجف قتله التعب :
- خذيه .. لقد كانت أمي حريصة على وصوله إلى يديك قبل رحيلها ، إنها ... إنها وصيتها .. الـ ... الأخيرااا ه ..
أمسكت الكتاب بسرعة منه فسقط على الأرض وركض جاميان وسبيرسو نحوه بسرعه ..
نظرت إلى الكتاب .. كان ذلك هو بعينه الكتاب الذي تكلمنا عنه قبل أن نفترق، "الكواكب الثلاثة : النظام المثلثي الكوني" وأمسكت بالكتاب المغطى بالدماء جيدا وبكيت وانا أنظر إلى جيرودا ، صرخ جاميان بفزع وهو يضم أخيه :
- جيرودا .. أجبني يا أخي .. أرجوك لا ترحل ..
وقف سبيرسو مندهشا أمام هول المفاجآت التي يسمعها فهو لا يعرف ان تالتن وجاميان شقيقين ، واقتربت من جيرودا وجسست نبضه وقلت بسرعة وأنا خائفة:
- مازال قلبه ينبض، أسرع يا جاميان علينا أن نقدم له مساعدة طبية ..
نظر إليّ جاميان فرأيت دموعه اللؤلؤيه أخيرا وصاح بخوف :
- ماذا أفعل ؟؟؟
- هيا .. يجب أن نوقف النزيف .. شاش ضمادات .. أي شيء..
ركض سبيرسو بسرعة وأسرع جاميان باتجاه مختلف .. وفتح جيرودا عينيه لينظر إلى وقال بخفوت :
- لندا .. لا فائدة .. يجب ان ألحق بأمي ، نحن لم نفترق أبدا .. والقلادة التي أضعها هنا ..
نظر باتجاه صدره بصعوبه وقال بألم :
- فـ .. في جيبي ..
فتحت جيب سترته وأخرجت قلادة ذهبيه كبيره فقال :
- نعم .. أعطيها لجاميان ..أنـ ... آآآآه
تألم جيرودا فقلت بخوف :
- جيرودا .. أصمد أرجوك أنت بطل ..
ابتسم جيرودا بمراره وقال بتعب وصوته يتقطع:
- ليس هناك أبطال في الموت .. لندا ..آه .. جاميان لا تتخلي عنـ .. عنه .. إنه لم يحب في حياته سواك ..
صدمت وأنا أسمعه يقول ذلك وقلت بصرامة وأنا أدفع عبره في عيني :
- كف عن الكلام سوف تجهد نفسك ..
رأيت جاميان يجري بسرعه مقتربا وصحت بوجهه :
- لقد تأخرت ...
نظر جاميان بخوف كان العرق يبلل جبينه من الإجهاد والفزع وقد التصقت خصلات شعره بوجهه وبدأ يوقف معي نزيف جيرودا بسرعه .. قال جيرودا شيئا ولكننا لم نسمعه فاقترب جاميان بسرعه منه وقال بخوف :
- ماذا كنت تقول يا أخي ؟؟ جيرودا ...
حرك جاميان شقيقه بقوة وقد اتسعت عيناه بفزع وصرخ:
- جيروداااااا ..
كان يبدو جيرودا ساكنا جدا ... وتحسست نبضه ثم نظرت إلى جاميان بألم ..


قلت بخوف :
- نبضه ضعيف جدا .. إنه يحتاج إلى رعاية طبيه وإلا سنفقده ..
اقترب سبيرسو وهو يحمل أدوات طبية وقال بسرعة :
- لم لا نأخذه للمشفى ..
قال جاميان بعصبيه :
- هل نسيت أنه مطارد!!
لم يقل سبيرسو شيئا وقلت بسرعة :
- ألا تعرفان طبيبا .. سوف يموت ..
تركنا جاميان وخرج مسرعا من البوابة الكبيرة ، ونظرت إلى سبيرسو وقلت :
- هيا احمله معي يجب أن نضعه في مكان مريح ..
حملناه بصعوبة فقد كانت الجروح تملأ جسده وسقطت مني القلادة محدثة رنينا على الأرضية فنظر سبيرسو وقال ونحن نصعد الدرج :
- لا أصدق عيني أهذه ايموكيا الحقيقية أم انها قلادة تشبهها ..
قلت باستغراب وانا اتنفس بسرعة :
- ماذا .. تقصد بايموكيا .. أليست ملكا للدولة ؟؟
وضعنا جيرودا على أريكة مريحة ونزل سبيرسو بسرعة ليحضر الأدوات الطبية وطبعا القلادة والكتاب..
ونظرت إلى جيرودا بعد أن احضرت القليل من المياه والقطن وبدأت أمسح الدماء عن وجهه بعناية، طوال عمري وأنا أحب التمريض ..
عندما عاد سبيرسو قال مندهشا وهو يتفحص القلادة بعناية :
- لا أصدق أن تالتن قد حصل على إيموكيا.. الملك نفسه لا يحق له لمسها .. انه ليستطيع ان يهدد بها الكوكب بكامله ..
ضحكت ضحكة قصيرة وقلت بإعجاب :
- إنه قوي جدا ..
كانت القلادة ذهبيه ودائريه متوسطة الحجم في وسطها لؤلؤه شفافه رائعه بحجم حبة الزيتون ومفحور تحتها حروف غريبه، كانت القلادة قمة في الروعه والجمال رغم بساطتها .
ومضت فترة قصيرة من الصمت وسبيرسو يتأمل القلادة بعيني خبير ..
فقلت باستغراب وأنا أضمد جراح جيرودا :
- لكن من العجيب ألا يوجد حرس هنا حول مركبة مهمة كـ "هينوا" ؟؟
ابتسم سبيرسو قائلا :
- لن تصدقي ما فعله جاميان مع عشرين جنديا كانوا هنا .. لقد اختفوا من على وجه الكوكب بكل عتادهم .. لكم أنا معجب به .!!
صمت سبيرسو ويبدو أنه يتذكر شيئا جيدا فلم أرد أن أقطع سكونه واستمريت بتضميد جراح جيرودا ..
توقف النزيف أخيرا بعد أن ضمدت جروحه كلها بعناية وساعدني سبيرسو .. تساءلت بقلق :
- أين جاميان؟؟ لقد تأخر ..
لم يجبني سبيرسو ولكنه وقف ونزل إلى الأسفل مجددا ..
كانت حالة جيرودا حرجة جدا وخشيت أن يكون مكروها قد حصل لجاميان .. شعرت بالقلق وكنت اتحسس نبض جيرودا في كل دقيقة ،، كانت حرارته مرتفعة جدا وقمت بوضع ضمادات قطنية مبلله بالماء على راسه..
تساءلت أين ذهب سبيرسو هو الآخر ؟؟

خرجت آهه قصيرة من حلق جيرودا فالتفت اليه بقلق وقلت وانا ابلل الضماد بالماء من جديد :
- جيرودا اصمد ارجوك .. لا تترك جاميان لوحده .. إنه يحبك وسوف تتدمر حياته اذا ابتعدت عنه ..
كنت اعرف ان جيرودا يسمعني رغم آلامه وتابعت أحاول بث الأمل في نفسه:
- أنت كل شيء بالنسبة لنا .. هيا جيرودا انا احترمك واحبك ، انت مثالا يحتذى به وقدوة للجميع .. أرجوك جيرودا لا تستسلم ..
فتح جيرودا عينيه بصعوبه .. فتحهما قليلا كان بالكاد يراني وحاول أن يتحدث ولكنه لم يستطع ..
شددت على يده وقلت :
- هيا كف عن اجهاد نفسك ، سيأتي جاميان قريبا ..
ظل ينظر جيرودا نحوي بتعب واستطاع ان ينطق أخيرا :
- أين .. جاميان.. اريد ان أراه قبل أن .. أ .. أموت ..
قلت بغضب جارف :
- لا .. لا تقل ذلك أرجوك ..
صمت جيرودا وعاد للنوم ، كنت أتحسس نبضه كل دقيقة بفزع ..
وضعت رأسي قليلا على الأريكة وكأنني غفوت ...
ولكنني فزعت في اللحظة عندما سمعت صوت أقدام خطوات خلفي .. فنظرت بسرعة ولكنني لم أر جاميان ..
ولم أر سبيرسو ...
لقد كان آخر شخص توقعت رؤيته في حياتي !!!!

نظرت باندهاش وأنا أرى الملك يقف أمامي وخلفه بعض الجنود ومعهم روسو..
لم أقل أي كلمة .. ولكنني تمسكت بإيموكيا جيدا والقيت نظرة على جيرودا النائم.. وظل الملك ينظر إلي وعلى وجهه ابتسامة غريبة ..
ثم قال فجأة:
- لندا .. انا لا أريد أذيتك .. هيا سلميني القلادة فورا ..
دخل المزيد من الجنود وامتلأ المكان بهم فقلت وانا أمسك القلاد جيدا :
- مستحيل!
ذهل الملك من ردة فعلي واقترب روسو مني فصحت:
- لا .. لاتقترب أكثر ..
رد روسو وهو يتابع الاقتراب ببطء:
- لا يمكنك استخدامها ضدنا .. أنت لا تعلمين كيف تعمل ..
- بلى أعرف .. لا تجعلني أتهور ..
أجبت بقوة وقلبي يرتجف من الخوف وتوقف روسو عن الاقتراب وهو مصاب بحالة من الذهول ..
ضحك الملك ضحكة شريرة وقال :
- أنت لا تفهمين أي شيء فأنت تعرضين حياته للخطر!
تساءلت بخوف:
- حياة من ؟؟ أنت قاتل .. لقد قتلت والدة تالتن..
نظر الملك باسما وقال:
- انا لم أقتلها .. إنها إشاعة، ولم أقتل راجوي ..
نظرت بذهول فتابع الملك مبتسما وهو يقول ببطء :
- ولم أقتل .. لوليانا ... ولم .... أقتل اوليسى ..
لم أصدق حديثه وقلت :
- أنت ملك ******************** . .. و !
وفي الحال رأيت راجوي تصعد الدرج وخلفها لوليانا ..
شهقت بدهشه وسقطت ايموكيا من يدي محدثة رنينا على الأرض..
ثم ظهرت أوليسي خلفهما بعد لحظات .. لم أصدق ماتراه عيناي ثم صعدت والدة جاميان وجيرودا أيضا ..
كان الملك يراقب ردة فعلي وأشار خلفي فالتفت بسرعة لأرى جيرودا يقوم واقفا وهو ينظر الى بابتسامة ثم قال بقوة غريبه وهو يفتح عينيه جيدا:
- أنا .. لم أكن مصابا حقا .. أنا آسف،، لقد كانت مؤثرات جيدة ..
أحتبست الدماء في عروقي ونظرت إليهم بعدم فهم .. وألم ..
ماذا يحصل من حولي ..
لم أستطع ان أقول شيئا وعادت الدموع تشق طريقها فقال الملك وهو يقترب :
- لقد كنا نحاول اسعادك فحسب .. كانت مجرد دعابة كبيرة .. في الحقيقة أنا لست ملكا ...
هززت رأسي رافضة لما يحصل وقلت بصوت مرتعش :
- كل الخوف الذي عشت فيه ... كان دعابة .. سمجة و***************ة ..
رأيت جاميان يصعد الدرج ونظر إلي ثم قال:
- أنا آسف لأنني اشتركت في هذا .. آسف لندا .. لقد كانت قصة جيدة،،
ثم أشار إلى جيرودا وتابع :
- إنه ليس أخي حقا .. يدعى كريس ...
قلت وأنا اشعر بالإهانه وتحول حزني إلى غضب شديد :
- كيف .. كيف تجرؤون على خداعي بتلك الطريقة ... أنا لن أسامحكم أبدا ..
اقترب جيرودا من خلفي وقال :
- لقد كنا نحاول مداعبتك فحسب .. لما لا تمتلكين روحا مرحه!
نظرت إلى الضمادات التي وضعتها لاوقف جروحه المزيفه ولم أستطع تمالك نفسي فصفعته ..
ثم استدرت ونظرت إلى لوليانا وراجوي .. وأوليسي ..
نظرت إلى جاميان والألم يعتصر قلبي وصرخت بوجهه:
- ممثل *********************** .. أريد العودة إلى وطني ..
ابتسم جاميان ببرود وقال أمرجيز :
- في الحقيقة لقد ابتعدت بضعة كيلوات عن منزلك لا أكثر وإنما كانت هذه دعابة قويه من جيمس .. فقد كان ذلك استوديو مجهزا ..
شعرت بخطوات فنظرت خلفي ورأيت جيمس يقترب وعلى وجهه ابتسامه كبيره ..
وتمتمت :
- مجرد ************* يمتلك المال ويخدع الآخرين ... أقسم أنني سأريك ..
الجندي الابيض

- لندا ... هل أنت بخير .. لندا .. استيقظي أرجوكِ ..
فتحت عيني بتعب ورأيت وجه جاميان ينظر إلي بقلق فأفقت بسرعه وانا أنظر إليه بعدوانيه .. كنت مستلقيه على أريكه ..
ولكنني في اللحظة التاليه اكتشفت أنه كان مجرد كابوس مرعب .. وقلت وانا التقط أنفاسي :
- لقد كنت أحلم حلما سيئا جدا ..
قال جاميان برقه :
- كان يبدو ذلك واضحا ،، لذلك أيقظتك ..
ثم نظرت إلى الأريكة الأخرى، كانت بعيدة وكان هناك رجلان يقفان على راس جيرودا وقد خلعا عن نصفه العلوي الملابس السوداء والدرع الفضي وظهر جسده المليء بالجراح فقال جاميان :
- لقد أحضرت أطباء من أجل جيرودا .. يقولون أن حالته خطيرة جدا ..
تساءلت :
- كم مر من الوقت .. وأين سبيرسو ؟؟
- عندما عدت وجدتك نائمة على الأرض بجانب أريكة جيرودا وبيدك ضماده مبللة فحملتك إلى هنا وتولى الأطباء علاج جيرودا .. لم تكملي العشر دقائق منذ عودتي ،، وسبيرسو داخل هينوا .. إنه يعدها للرحلة ..
كنت مازلت مستاءة من الكابوس فتسائل جاميان :
- هل كنت موجودا في الحلم السيء؟؟
نظرت إلى جاميان وحاولت أن ابتسم وقلت :
- لماذا تسأل..؟؟
- تنظرين إلي بشك وغضب .. وعندما فتحتي عينيك شعرت أنك تريدين قتلي..
- (ضحكت) .. لا تشغل بالك إنه مجرد حلم غبي لا يمكن أن يكون حقيقيا!
- هذا جيد ، المهم أنك لا تبغضينني بسببه!
ابتسم جاميان بلطف وبادلت ابتسامته بأخرى ، ثم وقف واتجه ناحيه الأطباء ولكنه توقف في منتصف الطريق وقال بامتنان :
- اشكرك على العناية بأخي ...
قلت بجديه :
- إنه أخي أيضا يا جامي .. أرجو أن لا تنس ذلك أبدا ..
ابتسم جاميان وهو يهز رأسه موافقا لكلامي ثم أكمل طريقه،، كانوا يجرون الخياطة للجروح ولم أحب المنظر كثيرا ففضلت الابتعاد ووقفت عند السور الحديدي المطل على المركبة هينوا، كانت مركبة كبيرة ورائعة وقد كتب عليها هـ يـ نـ و ا بحروف كبيرة وبعيدة عن بعضها مما أثارإعجابي ..
كنت لا أريد لجاميان أن يحزن ثانية، يكفي أنه فقد والدته بسببي ..
ودعوت الله في قلبي أن يحمي جيرودا .. كنت خائفة جدا من أن نفقده ..
سيسبب ذلك أزمة كبيرة لجاميان .. ولي أيضا فأنا أقدر ذلك الشاب كثيرا، لكنني غضبت لأنني صفعته في الحلم !
ذلك الحلم اللعين يجعلني مضطربة جدا ولكنه سيزول تأثيره قريبا مثل كل الكوابيس، ونظرت إلى الأريكة فوجدت الكتاب الكبير والقلادة موضوعة إلى جانبه بعناية ..
تذكرت والدة جاميان الرائعة .. لقد هربت أنا مثل الحمقاء الجبانه وتركتها تواجه الموت بسببي .. أعتقد أنها لم تسامحني قبل موتها ..
اقترب جاميان من خلفي وقال بالهمس:
- لقد أوصت بالكتاب لكي .. وهذا معناه أنها تحبك كثيرا ، ذلك الكتاب كان غال على قلبها ...
التفت مندهشة وقلت باستغراب :
- أنت تعرف ؟؟ كيف ..
نظر لي جاميان وقال :
- وجهك معبر.. أنا لا أقرأ الأفكار ولكنني أشعر بما تفكرين فيه أحيانا ..
تذكرت ما سمعته عنه وعن رهافة الحس وقلت :
- أنا حقا معجبة بذلك ..
اقترب ووقف إلى جواري ثم قال:
- معجبة بماذا .. بي؟؟
- هيا .. كف عن هذا.. لا تحاول سحب الكلام مني أيها المتحاذق ...
- هل أنت معجبة بقرآتي لأفكارك ..
- أنا التي سمحت لك بقرآتها .. لا تكن مغرورا ..
ضحكت و ضحك جاميان أخيرا وصمت للحظة وهو ينظر باتجاه جيرودا الذي كان نائما وتسائلت :
- أين ذهب الأطباء ؟؟
- لقد عادوا من حيث أتوا .. إنهم أصدقائي .. وهم لن يخبروا أحدا بذلك ..
- هذا جيد .. أتمنى أن تتحسن صحة جيرودا..
تنحنح سبيرسو لينبهنا إلى قدومه ثم تسائل :
- كيف هي حالة تالتن الآن ؟؟ هيا جاميان عليك أن تخبرني كيف أصبح تالتن أخوك فجأة .. وكيف تحول اسمه إلى جيرودا؟؟
ابتسم جاميان بلؤم وقال :
- كنت أقصد أنه أخي في الدم والوطن ..
نظر سبيرسو بشك وقال مازحا وهو يلوح بسبابته مشيرا إلى جاميان :
- أعرفك عندما تكذب .. يمكنك أن تخدع الكل عداي ..
ابتسمت وشاهدت الموقف بصمت .. اعترف جاميان أن جيرودا هو شقيقه قال لسبيرسو قصة فراقهما بإيجاز ، ظلا يتحدثان لبعض الوقت، بينما توجهت أنا إلى الاريكة التي تحمل جيرودا ونظرت إلى وجهه المتعب ، شعرت أنه فقد بعض الوزن لكن عضلاته كانت مفتوله وأدهشتني لأنها كانت غير واضحة عندما كان يرتدي الزي العسكري ..
فجأه شعرت أنه لا يتنفس ..
تحسست نبضه ..

التقطت انفاسي براحة ..
كان يبدو لي نبضه منتظما واسعدني ذلك جدا .. لقد توهمت أنه لا يتنفس فعلا ..

وبعد قليل جلست على الأريكة أتصفح وأشاهد خريطة الأرض .. عندما أحسست بجاميان يجلس بقربي نظرلي للحظة ثم نظر في الكتاب وقال :
- إنها الأرض .. هذه هي بلدك إنها هنا ..
أشار جاميان إلى الموقع الصحيح تماما فابتسمت ثم نظرت إليه وقلت :
- أنت تعرف الخريطة جيدا ..
نظر لي بلطف وقال :
- كان علي ان أحضر أجمل وأروع وأذكى فتاه .. ولكن ..
قلت باستغراب :
- ماذا ؟ ..
ضحك جاميان وهو يقول برومانسية :
- لقد أحضرتها بالفعل .. وذلك جعل حياتي مرهونة بها ..
نظرت حولي وقلت لكي أغير الموضوع :
- صحيح أين سبيرسو؟؟
- أنت مهتمة به وكأنه ولدك التائه .. ولكن لا بأس .. لقد ذهب ليحضر بعض الطعام فنحن لم نأكل شيئا ..
أغلقت الكتاب ورجعت للخلف مريحةً ظهري على الأريكة ، بينما وقف جاميان وتوجه أمام بعض الأجهزة يفعل شيئا ما لا أدري كنهه ..
وعاد سبيرسو بعد وقت قصير محملا بأكياس الطعام وهو يقول بسرعة فزعا:
- يبدو أنهم سيأتون إلى هنا .. أظن أن علينا الرحيل بأسرع وقت ممكن ..
قال جاميان باهتمام :
- أين سمعت ذلك؟؟
- سمعت بعضهم يتحدث في المتجر عن سرقة ايموكيا ،، الجميع يتهمك بذلك ويتحدثون عن هروب لندا وأن الملك سيرسل جيش بانشيبرا للتفتيش عنكم في منطقة سلاو- هينوا ..
قال جاميان باكتئاب :
- الجيش ؟؟ لقد أصبح موقفنا صعبا ياصديقي .. هيا سبيرسو عد إلى منزلك، لقد ساعدتنا بما فيه الكفاية إنهم لا يعلمون بأمرك ويمكنني قيادة هينوا ..
ثم نظر تجاهي وقال باسما :
- سوف تعتني لندا بي وبجيرودا ، أنا أعرف ذلك ..
نظر سبيرسو بقلق وقال معترضا :
- لا .. لن أذهب إلى أي مكان .. سأذهب معك ..
اقترب جاميان ووضع يده على كتف سبيرسو وقال بصرامه :
- لا مجال للنقاش ، هل تريد والدتك أن تموت إذا فقدتك .. هيا وخطيبتك أيضا، إنها فتاة طيبة وبحاجة إليك ..
فترة صمت وتبادل نظرات ثم قال جاميان بحزم :
- سبيرسو .. أنا آمرك بالعودة ..
نظر سبيرسو بحزن إلى جاميان ثم قال بعينين دامعتين :
- سأشتاق إليك .. يا صديقي ..
ثم عانق سبيرسو جاميان بقوة وجاميان يقول :
- لن أنساك أبدا ، ولا تنس أن توصل سلامي إلى بيكا ووالدتك ..
هز رأسه موافقا ثم توجه ناحية جيرودا ونظر إليه نظرة أخيره حزينه وانصرف بسرعه نازلا السلم الحديدي ..
صاح جاميان :
- شكرا على الطعام ..
ووقف جاميان متأثرا للحظة ولكنه انتبه في اللحظه الأخيره وقال:
- هيا علينا أن نسرع بقدر الإمكان ..
ثم اتجه فورا ناحية جيرودا وحمله بعد بعض المعاناه لأن الجروح كانت تملأ جسده، واتجه به ناحية المركبة .. وقال بصوت محبوس :
- أحضري أكياس الطعام واصعدي خلفي ..
بسرعة تحركت وحملت الأكياس ثم أخذت الكتاب والقلاده و صعدت خلف جاميان الذي وضع جيرودا على أقرب سرير وصل إليه .. قام جاميان بربط جيرودا جيدا ببعض الشرائط و الأحزمة الموضوعة في السرير ..
وضعت الأكياس على الأرض واقترب جاميان مني ثم قال :
- الآن ستتحررين يا مالكة قلبي!
نظرت بعيدا لكي أخبيء خجلي .. وقلت وقد احتبست أنفاسي :
- شكرا .. لك ..
ثم أمسكت بكف جاميان ووضعت فيه قلادة ايموكيا وقلت :
- لقد كاد جيرودا أن يضحي بنفسه من أجل ايصالها إليك ..
ابتسم جاميان ثم أخذها وعلقها حول رقبتي وقال :
- انا سأخبئها هنا ... فهو مكان جميل وآمن ..
ابتسمت فأمسك جاميان بيدي وسحبني نحو قمرة القيادة ..

ثم أجلسني إلى جانبه وقال :
- ستكونين مساعدتي عند الانطلاق ..
- نعم .. هذا يشرفني أيها الجندي الأبيض ..
قام جاميان بتشغيل المركبة الكبيرة ولكن سرعان ماسمعنا صفاره داخل المركبه، ثم تحولت الإضاءه للون الأحمر ونظر جاميان بقلق إلى عداد موضوع داخل المقود ..
اتسعت حدقتا جاميان في رعب وصاح :
- لقد وضع أحدهم مفجرا ...
كان أمامنا بالفعل عشر دقائق فقط ...
وقفت وأنا بغاية الذهول وعاد جاميان وصاح برعب :
- أسرعي ليس لدينا متسع من الوقت ! علينا أن نركض ... سوف تنفجر هينوا ...


ركضت أنا وجاميان بسرعه نحو سرير جيرودا وبدأنا بفك الأربطة بتوتر وخوف جعلتنا نتأخر ثوان إضافيه وصاح جاميان وهو يحمل جيرودا بصعوبة :
- لا أصدق أن سبيرسو يفعل شيئا كهذا .. لماذا؟؟ لقد خدعني ببساطه بعد ان اعتمدت عليه !! هو الوحيد الذي دخل إلى هينوا .. لقد كان عميلا ...
وصلنا في خلال دقيقة إلى بوابة المركبه وحاولت فتحها لكنها كانت مغلقه اوتوماتيكيا ..
أجلس جاميان جيرودا وأسند ظهره على الجدار وحاول فتح الباب أو كسره فلم يستطع ضرب الباب بكل قوته ،، كان جاميان حائرا جدا .. وتذكرت أنني لم احضر الكتاب فاندفعت إلى الداخل وصاح جاميان :
- إلى أين ؟؟
- الكتاب ...
قلت ذلك بسرعه وأنا أركض في الممر الصغير فتعثرت في أكياس الطعام وسقطت رأيت الكتاب أمامي فحملته بسرعه وعدت إلى البوابه فلم أجد جاميان ، كان جيرودا فاقدا لوعيه وركضت بحثا عن جاميان ولكنه عاد ورأيته واقفا ينظر إلى بهدوء ..
لم أقل شيئا ونظرت للبوابه الكبيره فقال بخفوت وقد استحال وجهه إلى لون أحمر:
- لن يمكنني فتحها أبدا، تفقدت مخرج الطوارئ الوحيد .... لقد قتلونا، وقعنا في فخهم !!
ظللت أنظر له بإشفاق كبير وقلت:
- لا بأس يا جاميان .. هل أنت خائف من الموت؟
جلس جاميان إلى جوار شقيقه النائم على الأرض وقال بيأس :
- لا .. فلقد تمنيت ذلك عند سماع خبر موت أمي ... لكن ..
أخفى جاميان وجهه بين ذراعيه واقتربت منه وجلست بقربه فعاد يقول بصوت مبحوح :
- لقد خذلتك ... لم أكن قويا كفايه لأحمي الأشخاص الذين أحببتهم فعلا .. لم أحم أبي ولا أمي ... ولم أحم جيرودا ... والآن ، أنت ...
ثم رفع رأسه وانحدرت دمعة لؤلؤيه من عينيه وتابع وهو يمسك بكتفي :
- أرجوك سامحيني .. لندا .. أنا أحبك كثيرا .. لم أكن أتمنى أن يحصل ذلك ..
وضعت يدي على فمه ليسكت وقلت :
- لا .. يا جاميان .. أنت بطلي الوحيد وانت لم تخذلني أبدا، يكفي أنك ضحيت بحياتك من أجلي ، لقد فقدت أمك من أجلي وأنا لا أستحق كل هذا ..
شعرت بدموعي تذرف رغما عني فمسحها جاميان بيديه وهو يفعل ذلك للمره الثانيه وقال بهمس :
- أرجوك لا تبكي ... أريد أن أراك آخر مره وانت تبتسمين ..
شعرت بخوف حقيقي لأن االموت كان يقترب مع كل دقيقة تذهب ..
ونظر جاميان إلى عنقي وتحولت نظرته اليائسه إلى اندهاش وقال :
- ايموكيا ..
نظرت إلى القلادة الدائرية في رقبتي وكانت اللؤلؤه الشفافة قد شعت بنور أرزق قوي وجميل ، وسمعنا صوت جيرودا يقول بتعب :
- إن ايموكيا تعمل ... مستحيل!!
التفت جاميان نحو جيرودا بفرحة وقال :
- جيرودا أنت بخير .. إنك تتكلم !!
حاول جيرودا الجلوس وساعده جاميان وفجأة توقفت صفارة الإنذار وعاد الضوء الأبيض الطبيعي إلى المركبه ..
قلت باندهاش كبير:
- لقد توقفت القنبله ..
نظر جاميان حوله بسعادة ولكن جيرودا قال بإرهاق وهو يمسكني ويمسك جاميان ويغمض عينيه :
- القنبلة لم تتوقف ...
بسرعة نظرنا نحو جيرودا مندهشين من كلامه لكننا لم نجد الفرصة للكلام مرة أخرى وسمعت فجأه صوت انفجار رهيب جزء من الثانيه تحطمت الجدران حولي واشتعلت النيران وطار جسدي من قوة الانفجار بعيدا .. لم أر أي شيء ولكنني تأكدت أنها نهايه حياتي ...
نيران اندلعت في كل مكان وضاع الكتاب من يدي ثم ارتطمت بالدرج الحديدي الذي كان في المدخل خارج المركبه ,, سقطت بقوة وشاهدت النيران حولي .. حدث ذلك بسرعة الرمش بالعين ...
و ......
ظلام تام ..
فقد أغمي علي ولم أعد أشعر بأي شيء ..

فتحت عيني بصعوبه وأنا متأكده أنني ميته الآن وسوف أحاسب على أعمالي ..
وعندها فزعت وانا أرى شخصا يحدق بي .. كانت عيونه غريبه جدا وواسعة وتشبه القطط ..
جلست بسرعه وقال ذلك القط شيئا بسرعة وباندهاش بلغة لم أفهمها ثم خرج خارج المكان ..
تعجبت كثيرا كان لون شعره أصفر فاتحا جدا،، تشوبه خصلات بنيه ، وكان يشبه الإنسان العادي عدا عينيه ..
الغرفة التي كنت فيها كانت غايه في الإبهار .. ألواح من الزجاج في كل مكان، وانا أرى نور الصباح يشق طريقه في كل مكان، كنت ارتدي ثيابا بيضاء حريريه وكان شعري مرتبا ومربوطا خلف رأسي بشريطة بيضاء أيضا ..
وقفت وخرجت إلى الخارج وشاهدت شاطئا رائعا تركوازيا .. المدينه بيوتها بيضاء نظيفه وجميله وكان الهواء عليلا جدا ....
تساءلت :
- أين أنا ؟؟ هذا غريب جدا .. ويرعبني ..
ولكنني رأيت أناسا يقتربون من بعيد مع صاحب الشعر الأصفر الفاتح ..
كانت هناك فتاه لها شعر وردي وعينان تشبهان القطط يضا .. لقد كان البؤبؤ طويلا وليس دائريا وتكلمت معي ..
لم أفهم ولا كلمه ...
قلت وانا ألوح بيدي :
- أنا لم أفهم شيئا ..
تقارب حاجبيها واستدارت تكلم الجماعة القطط الذين جاؤوا معها ونظر لي صاحب الشعر الأصفر الفاتح بتأمل غريب ..
عادت الفتاة وأشارت إلى صدرها وقالت :
- بيدوريدا ...
ثم أشارت نحوي ففهمت أنها تطلب معرفة أسمي فقلت :
- لندا ..
ابتسمت الفتاة بسعادة بالغة ثم أشارت ناحية الشاب صاحب الشعر الأصفر وقالت :
- لوريس ..
ابتسمت له وبادلني الابتسامة ملوحا بيده ..
كنت مستغربة جدا وانا لا أعرف كيف جئت إلى هنا؟؟ أسئلة كثيرة تدور برأسي
.. أين جاميان وجيرودا ؟؟؟ اين قلادتي ؟؟ هل مت؟؟ هل هذا هو العالم الآخر ؟؟
شتتت الفتاه انتباهي وهي تقدم لي شابا آخر له شعر كحلي وتقول :
- راي ..
ابتسمت فقال صاحب الشعر الكحلي :
- أعروف لغتك.... انتا اسمكا لندا؟؟
ضحكت بقوة وقلت :
- نعم .. اسمي لندا لكن لهجتك غريبة ولكن لا بأس يمكنني فهمها ..
رد صاحب راي بابتسامه:
- هدا جيد ... هل يمكنوكا أن تأتي معنا؟؟
قلت :
- لحظة يا راي .. يجب أن تجيب على أسألتي أولا ..
- موافق ..
- أين أنا ؟؟
- ستعرفون ذلك لا هقا ..
نظرت وقلت بغضب :
- لا ليس لاحقا .. الآن ..
سالته الفتاه عن شيء فرد عليها وتكلم مع صاحب الشعر الأصفر المدعو لوريس ثم التفت إلي وقال :
- كونتو اترجم لهم .. أنت في عصر أيموكيا ..
لم أفهم شيئا وقلت :
- كيف جئت إلى هنا؟؟ أرجوك أنا متحيره ..
حك راي رأسه وقال مستغربا :
- ما المعنى ؟؟ أنا لم يفهم الكلمه الأخيرة ..
زفرت بضيق ولم أقل شيئا وتكلمت الفتاه معه مرة ثانيه فقال :
- المديرين سيخبرك عن كل شيء ، هو سيتكلم معكا جيدا جدا ..


لم يكن لدي خيار آخر .. وتوجهت معهم إلى مكان المديرين الذي قال عنه ذلك الشاب الذي لا يتقن لغتي جيدا .. ركبنا شيئا طائرا يشبه عربات الملاهي الملونه وعندما وصلنا شاهدته ...
كان قصرا مهولا ويرتفع عن الأرض ..
قلت في نفسي " لا ليس ملكا آخر ,, رجاء!! "
تأملت المكان المركبات كانت زجاجية وملونة وتطير في السماء ... تلك المدينه غريبة جدا وتشعرني بأنني في حلم فضائي ..
تسائلت في نفسي ... أين جاميان وجيرودا ؟؟ هل أصابهما مكروه ؟
وعندما وصلنا إلى مستوى البوابة امتد جسر زجاجي والتصق ببوابة المركبة نزل راي أولا وتبعته وسار البقية خلفنا وتوقف عند باب القصر ثم قال :
- هنا بيت المديرين ... مديرين كل ايموكيا وهو لطيف و غدور جدا ...

لم يعطني فرصة لأسأل عن معنى كلمة غدور هذه ؟؟؟ لقد أمسكت نفسي عن الضحك بصعوبة كبيرة ..
وسرت خلفه حتى دخلنا في ممر كبير مليء باالأعمده الرخاميه ومفروش أرضيته بفرو أبيض ناعم جدا ورائع ، سرنا على الفرو الأبيض حتى وصلنا إلى بوابه زجاجية كبيرة وعندما فتحها الحراس الذين يشبهون القطط دلفنا إلى الداخل ..

وعندها شاهدت القط الكبير ...أقصد شاب يجلس على أريكة فخمه وحوله فتيات وحرس وخدم ... له شعر أحمر وعينان خضراوان طبعا .. تشبه القطط ..
توقفت أمامه و تراجع الجميع إلى الخلف فتكلم معه راي لبعض الوقت ثم نظر نحوي الشاب وقال بلغة جيده :
- أجلسي هنا ..
ثم وضع يده إلى جانبه فتوجهت وجلست إلى جواره فشهقت الفتاه صاحبة الشعر الوردي " بيدوريدا " وخرجت بسرعة ..
نظرت لها باستغراب فقال الشاب :
- لا بأس .. فأنا لم أدع أحد يجلس إلى جانبي أبدا عدا خطيبتي .. أنا رئيس ايموكيا..
قلت باندهاش :
- من فضلك يا سيدي الرئيس .. أنا لا أعرف كيف جئت إلى هنا ..
نظر لي وهو يسند ظهره على الأريكة براحة وقال :
- أنت لغز أيتها الفتاة فأنت غريبة ... هل أنت ملاك النصر ؟؟
ماذا يقول هذا الغبي ..
ملاك ماذا ...؟؟؟
بالطبع لم أجد ما أقوله فتابع حديثه :
- لقد سقطت فجأة ووجدك الناس على الشاطيء، وكنت تعلقين حول رقبتك قلادة ايموكيا الأثرية التي سرقها الحارس المناور وكانت معه شياطين الكواكب .. منذ مايقرب ألفي عام مضت ..
زادت حيرتي ووشعرت بالدوار وأكمل الرئيس :
- وكان معك كتاب مكتوب بلغة سكان ايموكيا ... ويوضح المثلث الجغرافي للكواكب الحية في الكون...
قلت :
- حقا.. هل كان الكتاب معي ...
قال الرئيس شيئا لراي فانطلق الشاب وتابع الرئيس وهو يقف :
- تعالي معي سأريك شيئا ..
سرت خلفه بصمت ونزلنا سلما زجاجيا حتى وصلنا إلى مكان رخامي وبه أسرة بيضاء مغطاة بالزجاج وبكل الفرحة والدهشة صرخت :
- لا ... إنه جاميان ... وو , و .. هذا جيرودا ..
نظر الرئيس إلي بشك وقال :
- أنت تعرفينهما إذا .....
لم أكن مع الرئيس بتاتا وكنت سعيدة جدا برؤية جاميان وجيرودا .. وقلت :
- هل هما بخير ؟؟؟
- نعم .. لكن اعترفي، أنت ملاك النصر أليس كذلك ... ؟
نظرت له باندهاش وقلت :
- أنا مجرد فتاة من كوكب الأرض ...
ابتسم الرئيس وقال :
- وهما ....
ارتبكت قليلا ولكنني قلت :
- إنهما من كوكب آخر .. الأخضر ...
- وكيف التقيتم إذا ؟؟؟
قل باستسلام :
- إنها قصة طويلة إذا أردت أن أحكيها لك ...
- موافق ..
صعدنا مرة ثانية وحكيت لرئيس ايموكيا قصتي ولكن ليس بالتفصيل، وعرفت أن ايموكيا هو كوكب صغير غير معروف يقع وسط مثلث الكواكب الحية ..
ثم حكى لي رئيس ايموكيا عن اسطورة غريبة وقال :
- في كتبنا القديمة يقول أجدادنا إنه عندما يجتمع ثلاثة رجال أقوياء من كواكب مختلفة على حب فتاة استطاعت تشغيل القلاده فإنها ستصبح عندها ملاك النصر لكوكب ايموكيا وتستطيع أن تدمير عدو ايموكيا الفازع .. لأنهم سيعطونها التذكارات .. وبعدها سيظهر الفنار..
قلت باندهاش وانا لم أفهم نصف الكلام :
- هل تقصد أنني تلك الفتاه التي استطاعت تشغيل القلاده ؟؟؟
- بالتأكيد .
ابتسمت وأنا أقول بلا مبالاة :
- ولكنني .. لم أحقق الشروط .. فلم يجتمع أي شخص على حبي .. حتى وإن حدث ... فالكواكب...
قال الرئيس بهدوء :
- بلى ... لقد اجتمعت الشروط!!

لم يرد الرئيس أن يقول المزيد عن تلك الأسطورة وبالطبع لم أقل شيئا فأنا لم أصدقها من الأساس وعدت إلى جاميان وجيرودا اللذان ارتديا زيا ابيض ورافقني الشاب صاحب الشعر الأصفر الفاتح والمدعو لوريس ..

كان يرافقني كظلي ، حتى عندما تناولت طعاما جيدا يشبه طعام الأرض كان يقف خلفي ..
حاولت فتح الزجاج الذي يغطي جاميان ولكنني لم استطع ونظرت إلى لوريس ففهم ما أريده وقام بفتح الغطاء بطريقة ما ..
لم تمر خمس دقائق حتى بدأ جاميان بفتح عينيه وقال لوريس بلغتي :
- لتخدير هو كان بالزجاج ..
فهمت أن الزجاج وضع لتخدير جاميان وجيرودا واستفاق جاميان ثم نظر إلي وقال :
- ما هذا ... لندا ؟؟ هل متنا؟؟
قلت بسعاده :
- لا يا عزيزي ، نحن هنا .. لقد ذهبنا إلى أرض أخرى ، نحن بأمان ...
قال جاميان بفزع وهو يحاول الجلوس :
- كيف ..؟ مـ ... وجيرودا .. هل حصل له مكروه ؟؟
التفت ونظرت إلى لوريس وقلت :
- من فضلك افتح غطاء الشاب الآخر ..
ثم أشرت إلى صندوق جيرودا الذي رآه جاميان فقام مسرعا ونظر إليه ..
فتح لوريس صندوق جيرودا وقال جاميان وهو ينظر إلي بلطف :
- لقد شفيت جروح جيرودا ... منذ متى ونحن في غيبوبة اصطناعية ؟؟
قلت باستغراب :
- لا أعلم فقد أفقت بالأمس فقط ..
نظرت إلى لوريس وقلت :
- منذ متى ونحن هنا؟
نظر لي لوريس وقال :
- لست يفهم جملا جديدة ... أنا غير يتكلم للغة ..
فهمت قصده وقال جاميان شيئا ما بلغة لا أفهمها فأشرق وجه لوريس وأجاب ..
بدأ بينهم حوار طويل وانا أشعر بالغيظ لأنني الوحيدة البلهاء هنا ، ولكنني لا حظت أن جيرودا بدأ يستفيق فقلت بفرح :
- جيرودا ..
توقف جاميان عن الكلام ونظر إلى جيرودا الذي فتح عينيه باستغراب وقال :
- لا أصدق لقد متنا معا ..
ضحكت أنا وجاميان وقال جاميان :
- مازلت حيا يا ليليان الأحمر لا تخف ...
ابتسمت عندما تذكرت أسماءهم يوم التتويج في بانشيبرا ... إنه مكان مختلف تماما عن هنا ..
أخبر جاميان جيرودا سبب وجودنا هنا ثم قال :
- لقد بقينا هنا مدة شهر كامل ..
شهقت باندهاش ونظرت إلى لوريس صاحب الشعر الأشقر وقلت :
- غير معقول ..
نظر جاميان نحوي ثم عاد يقول :
- لقد رعاك الشاب و شقيقته لمدة شهر كامل هكذا أخبرني منذ لحظات ...
حدق لوريس بنا بصمت شديد ..
كان ذلك الشاب غامضاا جدا ، حتى أثناء حديثه مع جاميان كان متحفظا وبطيئا في ردوده ..
تساءلت باستغراب:
- لكن جاميان ... كيف استطعتما التفاهم؟؟
قبل أن يرد جاميان دخل احدهم إلى المكان بسرعه .. ففزعت ونزل جيرودا ووقف إلى جوار جاميان ..
كان الشاب غريبا جدا له شعر أبيض طويل وعينان قويتان وليست من عائلة القطط وكان طويلا ويلبس ملابس غريبة مليئة بالأحزمه ويمسك رمحا ضخما بيده .. قال بصوت عال :
- لوريس أخرج ..
نظر لوريس بحدة إلى الشاب وقال شيئا بلغة لا أفهمها فتمتم جاميان :
- يا إلهى!
لم تمض لحظة من الحوار الغير مفهوم حتى صوب رمحة نحو لوريس واقترب فاستل لوريس سيفه ..
قال جاميان شيئا ما .. فالتف الإثنان نحوه والشرر يملأ عينيهما ...
قلت لجيرودا :
- ماذا قال ؟؟؟ لماذا ينظرون إليه هكذا؟؟

أمسك جيرودا بيدي وقال وهو يسحبني للخارج :
- هيا نحن لا علاقة لنا بهذا الأمر ..
صحت وأنا أقاوم جيرودا :
- وما علاقة جاميان هو الآخر ؟؟ لقد أفاق منذ لحظات انه لا يعرفهم ..
لم يجب جيرودا وظل يسحبني حتى خرجنا وهناك شاهدت رئيس ايموكيا ينظر إلي بسعادة غريبه وقال :
- أهلا بملاك النصر !
نظر جيرودا نحوي بذهول واحتبست الكلمات وهو يقول :
- هذا مستحيل ... إنها هي بالفعل !!
شعرت أن هناك شيئا يعرفه الجميع وأجهله ..
ونظرت خلفي فرأيت جاميان يخرج غاضبا وخلفه لوريس والشاب صاحب الشعر الأبيض ..
ونظروا لرئيس ايموكيا فتوقفوا .. وقلت :
- في الحقيقة أنا لم أفهم شيئا مما حدث ..
اقترب الرئيس وأمسك بذراعي ثم سحبني وهو يقول :
- لا بأس ، دعي هؤلاء الفتيه المجانين وتعالي معي فقد حان وقت الغداء ..
شعرت بالغيظ ولكنني سرت وراء الرئيس ..
في غرفتي بدلت ثيابي وارتديت فستانا كحليا له حزام أبيض عريض .. ثم خرجت مع الفتاه القطه بيدوريدا متوجهة إلى ميعاد الرئيس الذي قال فيه أنه سيشرح كل شيء ..
وعندما وصلنا إلى هناك كان الرئيس يجلس على أريكته كالعاده فخرجت الفتاه بيدوريدا قبل أن تراني وأنا أجلس إلى جوار الرئيس ..

ضحك الرئيس عليها وقال :
- إنها فتاة غريبة الأطوار ...
اكتفيت بابتسامة وقلت :
- إنها رقيقة وخجوله ..
كنت انتظر أن يخبرني الرئيس عن أي شيء لكنه ظل صامتا لفتره حتى دخلت فتاة أخرى ...
كانت فتاة جميلة جدا لديها شعر أسود ناعم وطويل تركته منسدلا وعينان جميلتان وهي ليست من عائلة القطط واقتربت الفتاة ثم حيت الرئيس بأدب فقال الرئيس بعد أن سمح لها بالجلوس على الأريكة المقابلة :
- إنها مخطوبتي الأميرة راما ...
وقفت بسرعة وابتعدت من جوار الرئيس وقلت :
- علينا إذا أن نبدل أماكن الجلوس ...
وقفت الأميرة أيضا وضحك الرئيس ثم قال :
- لا تتقلقي بشأن ذلك ، الأميرة راما سوف ترافقك في جوله .. مارأيك ؟؟
قلت بفرحة :
- موافقه ..
اقتربت الأميره راما وكانت ترتدي فستانا ورديا وابتسمت برقة ثم قالت :
- يسعدني مرافقتك يا ملاك النصر ...
لم يشرح لي الملك شيئا وانطلقنا بمركبة جميلة لها سائق ودارت بنا في أرجاء المدينة الزجاجية الرقيقة ..
كان هناك الكثير من القطط ... أقصد الناس يسيرون في الشوراع النظيفة المرصوفه .. ورأيت الأطفال لأول مره من شهور فأنا لم أر أي واحد منهم في بانشيبرا وتساءلت عن السر؟؟
وابتعدنا خارج المدينه لأرى جبالا بيضاء جميلة جدا وتوقف بنا السائق ونزلنا نركض انا والأميرة في تلك المنطقة الجميلة ...
نزل السائق من العربة وخلع قبعته ونظر بعيدا ،، عرفته ..
لقد كان نفسه الفتى صاحب الشعر الأبيض والذي كان يحمل رمحا طويلا ..
وسار بضع خطوات فقالت الأميرة :
- ما رأيك أن أقوم بمداعبة شقيقي أقوى محارب .. سأرى ما يمكنني فعله ..
ابتسمت وتركتني الأميرة ثم توجهت نحو الشاب ودفعته بقوة ، ويبدو ان الشاب تفاجأ من الحركة الغريبه فوقف عند أطراف الجبل وكاد يسقط ولكنه نظر إلى شقيقته الأميرة بسرعة موبخا لها ...

ضحكت الفتاة بسعادة وابتسمت رغما عني فقد كان الموقف مضحكا ، ولكن حصل أمر غريب فقد بدأت الصخور تحت قدمه تتفتت وبلمح البصر سقط الشاب وصرخت الأميرة بفزع :
- رايو ... رايووو
ركضت بسرعه ونظرت إلى الأسفل كان رايو القوي متعلقا بالأحجار ولكن القفاز الذي يرتديه لم يساعده على التشبث جيدا فقلت وأنا أمد يدي :
- هيا تمسك بيدي ..
كنت متوترة جدا وكنت خائفة أن لا أستطيع حمله وركضت الأميرة نحو المركبة وأجرت اتصالا للنجدة ..
نظر نحوي بصعوبة وصرخ :
- لا أستطيع ترك يدي ...
حاولت الوصول إلى يده ولكنه كان بعيدا بعض الشيء .. ماذا علي أن أفعل يا الهي ،، لو سقط من هنا فإنه لن يخرج أبدا ...
مددت أصابعي باستماته ...
ولكنني انزلقت فجأة وسقطت فوق رايو فأسقطته معي ...
سقطت بقوة وطرت وسط الغيوم وشعرت برايو يمسك بي وكأننا نقوم بهبوط مظلات وصاح رايو :
- لا تخافي ..

فجأة تعلقنا ...
كان رايو يمسك بشيء ما سلم متحرك ربما ..
نظرت إلى الأعلى فرأيت مركبة تنزل نحونا وأمسك الرجال بالداخل بي أولا وانا ارتجف من هول الصدمة .. ثم صعد وركب رايو بعدي ، وكان قلبي يدق بسرعه مما حصل لي ..
وظللت صامته ، كنت بحاجة ماسة لرؤية جاميان فقد أصبحت أعيش في عالم عجيب لا أعلم مايجري فيه ...
تساءلت مالذي حدث بعد ما انفجرت هينوا ؟؟ كان لايموكيا علاقة بما حصل وبوجودنا هنا .. قطع صوت رايو سلسلة أفكاري :
- شكرا لك لأنك حاولت مساعدتي ...
نظرت إلى رايو وقلت :
- إنه أقل واجب أقوم به .. ليس عليك شكري ..
ثم ضحكت وقلت :
- لقد كدت أودي بحياتك ... حاولت مساعدتك فأسقطتك !!
اقترب رايو قليلا ثم قال :
- لقد كنت تودي بحياتك من أجل انقاذي .. أنا أقدر ذلك فعلا ..
ارتبكت قليلا فلم أجبه عن أي شيء ... واكتفيت بابتسامه ..
وعندما وصلنا قام رايو بحملي إلى الداخل مع أنني رفضت بشده .. ثم وضعني على الأريكة فوبخته ،، الغريب أنه كان يضحك رغم توبيخي له وصياحي ..
ثم ذهب ..
كنت بغاية التوتر من تصرف رايو وبعد قليل من الوقت رأيت لوريس صاحب الشعر الـ ... أظنكم مللتم من أعادة وصفي للون شعره كل دقيقة ...
كان لوريس يحدق بي وعندما اقترب من الأريكة قال بتلكؤ :
- الفتى من كوكب بلامنيت يحبوه الجميع ... وأنت تحبينه أيضا ..
نظرت بغضب نحو لوريس ولكنني تمالكت أعصابي وتساءلت :
- دعك من هذا الهراء وأخبرني أين جاميان .. ألم تشاهده ؟؟؟
قال لوريس بتلكؤ :
- ديوفري؟؟ كان مع اخوه و المديرين ..
ضحكت على كلمة المديرين وقلت :
- اسمه الرئيس وليس مديرين من علمك هذا ؟؟ راي؟؟ لقد سمعت تلك الكلمة منه من قبل ..
ابتسم لوريس ثم قال:
- راي يعرف الكلام كثيرا أكثر مني ..
- نعم ولكن ليس أكثر مني ،، لا بأس فأنت تتعلم بسرعة لكن لا داعي للكلام الذي قلته منذ قليل ..
أطرق لوريس للحظة ولم يتكلم ثانية .. ووقفت أنا وعدت إلى غرفتي الجديدة في القصر وبقيت في سريري فترة أفكر ...

لماذا يحصل لي كل هذا ....
ولماذا تطاردني الكوابيس إلى كل مكان .. دمعت عيناي وانا اتذكر صديقتي ميرندا وهي تقول :
" لندا ... أنت لن تذهبين مع عمك أليس كذلك ... لن تتركينا "
وها أنا اتركهم ولكن ليس مع عمي مايكل إلى دولة مجاورة وإنما عالم خيالي أسبح فيه ولا أعلم ما مصيري أوماهو دوري فيه !!
غفوت قليلا ...
ولكنني استيقظت لأرى أنني نمت فترة طويلة وهاهو ضوء النهار ..
بدلت ثيابي وعدت إلى التفكير مجددا .. لقد مللت الوضع الذي أصبحت أعيش فيه فعلا ... وأشعر ان هناك اشياء كثيرة بالفعل لا اعرفها ..
سمعت طرقا على باب غرفتي فجلست وقلت " ادخل" ..

وفي الحال رأيت جاميان يفتح الباب وعلى وجهه ابتسامة مذهلة .. ورائعة، لقد قص شعره فأصبح قصيرا ولكنه كان رائعا ويضفي جمالا وسحرا جديدا على وجهه ....
ابتسمت أيضا ووقفت متجهة نحوه وقلت :
- هيه جاميان أين كنت طوال الوقت ؟؟
همس جاميان برقة :
- هل يمكنني اصطحاب أميرتي في جولة قصيرة ؟؟
قلت بابتسامة :
- امممم نعم لكن عليك أن تأخذ جزائك أولا ...
نظر إلي وقال :
- حسنا ... سآخذ جزائي ولكن ماهو ... قبلة ؟؟
قلت ضاحكة :
- لا تحلم كثيرا حسابك هو شد الأذنين لأنك لم تسأل عني لفتره طويله ..
وضع جاميان يديه على أذنيه بحركة كوميدية وقال :
- لا لن آخذ حسابي سأصطحب أميرتي مجانا ...
قلت ضاحكة :
- ولم لا ؟؟؟ هيا بنا .. ولكن لحظة ..
توقف ورفع حاجبيه بتساؤل فقلت مبتسمة :
- تعجبني قصة شعرك الجديدة، لقد أصبحت تشبه جيرودا ...

خرجنا خارج القصر إلى مكان رائع وتمشينا على الشاطيء لأول مره معا .. خلعت حذائي وركضت على الرمال بسعادة بينما وقف جاميان يضحك على تصرفاتي الطفوليه ...
وصحت بسعادة :
- جامي .. هيا .. اركض معي أنت لم تعد ترتدي الزي العسكري انس جديتك قليلا ...
كان جاميان يرتدي تي شيرت أبيض وبنطالا كحليا وخلع حذاؤه الرياضي ثم قال بمرح :
- أتحداك أن تمسكي بي ...
لم أستوعب التحدي حتى رأيته يركض بسرعة فاندفعت خلفه مثل الرصاصة وصحت :
- إذا أمسكت بك فسوف ترمي نفسك في المياه ... هل انت موافق ؟
صاح وهو يركض بسرعة :
- موافق ...
ولكنني اقتربت منه بعد مسافة من الركض وقفزت وأمسكت حزام بنطاله فتوقف عن الجري وجلست على الرمال ألتقط أنفاسي وكنا نضحك ... لأول مرة أشعر بسعادة كهذه منذ فترة طويلة ...
ارتمى جاميان على الرمال وهو يضحك ولكنني قلت مثل الأطفال :
- سوف ترمي نفسك في الماء لا تحاول ...
سحبته من ذراعه وهو يصيح ضاحكا:
- انتظري أنا لم أسبح في بحر طوال حياتي ، أنا لست برمائيا مثلك ...
لم يتم جملته حتى دفعت به في الماء مرغما ... لكنه كان يضحك ...
وأمضينا وقتا جميلا جدا ذلك اليوم بعد أن تبللت ملابس جاميان كلها وشعره أمسك بي ودفعني في المياه فتبللت أنا أيضا والتصق شعري بوجهي ثم تبادلنا التراشق بالمياه حتى تعبنا وامتلأت عيوننا بالملح فعدنا إلى القصر منهكين ومبتلين ... لكن سعداء جدا ...
كان الهواء قد جفف ثيابنا وسخر جاميان من شعري الذي جف وتجعد بسبب الملح فسخرت من شعره أيضا الذي أصبح مشعثا ... وعندما وصلنا إلى باب القصرالرائع رأينا لوريس بانتظارنا وعلى وجهه نظرة غريبة جدا ...


وعندما انتبه إلينا ترك المكان بسرعه ودخل إلى القصر فتساءلت :
- لماذا هو غاضب هكذا ؟؟؟
رد جاميان بسخرية وهو يمثل بوجهه حركة غريبة :
- ياااااااه ... لقد أخذت ملاك نصرهم بدون أن أستأذن ...
ضحكت بشدة فلأول مرة أرى جاميان يسخر من شيء بتلك الطريقة ...
ودخلنا على القصر فأقبلت الأميرة راما ونظرت نحوي انا وجاميان بدهشه ولكنها ابتسمت ثم قالت :
- ماهذا لقد كنتما في نزهة ...
نظر جاميان بعيدا فقلت :
- نعم لقد كانت نزهة جميلة جدا ...
- لقد بحثت عنك كثيرا ولم أجدك لقد استدعاك الرئيس ..
قلت بارتباك :
- حسنا .. سأبدل ملابسي وألحق بك ..
ثم توجهت إلى غرفتي وتبعني جاميان فقلت :
- ماذا ؟؟ لماذا تسير خلفي ..
بضحكة قال جاميان :
- ماذا ... هل مللت من صحبتي ؟؟
نظرت له بعتاب فقال باسما :
- لا بأس كنت أمزح معك انت سريعة الثورة .. سأذهب الآن .. كنت أود قول شيء ولكنني نسيته ،، سأخبرك به عندما اتذكر ..
التفت جاميان وعندما ابتعد قليلا فقلت :
- شكرا جامي .. لقد كان يوما رائعا بالفعل ، أراك بعد قليل .. بعد أن تنظف ذلك الشعر المشعث ..
ضحك جاميان ثم لوح بيده نحو شعري وقال :
- لاتنسي أنت أيضا تنظيف تلك الـ ... حسنا إذا رأوك هكذا فسيرسلونك بمكوك إلى جحيم كونيراس ...
ضحكت من قلبي مع انني لا اعرف اين يقع جحيم كونيراس هذا الذي تحدث عنه .. وأعجبتني طريقة مزاحه التي اكتشفتها فيه حديثا ..
تابع سيره حتى نهاية الممر .. ودخلت إلى غرفتي ..
بسرعة شديدة اخذت حماما وجففت شعري ثم لبست ثيابي ،، كان كثيرا من الوقت قد ضاع وسمعت طرقا على باب غرفتي ثم صوت راما :
- آنسة لندا ... الرئيس ينتظرك أرجو أن تسرعي انه اجتماع مهم ..
فتحت الباب قبل أن تكمل الكلمة الأخيرة وقلت :
- ستصحبينني معك إذا ...
- حسنا ... تبدين رائعة !
- شكرا ..
توجهت مع راما نحو قاعة الرئيس التي دخلتها من قبل ،، كان الجميع هناك .. حتى جاميان ..
وابتسم رئيس ايموكيا وقال :
- لقد تأخر أهم شيء في الاجتماع ..
ابتسمت بحرج وقلت :
- المعذرة سيدي الرئيس ..
وقف الرئيس فوقف الجميع أيضا وقال وهو يشير إلى بوابة كبيرة أخرى :
- الآن سنذهب ..
لم أفهم الأمر ونظر لي جاميان بقلق ...
وعندما دخلنا كانت قاعة مذهلة حقا .. كانت دائرية وبها أرائك معلقة وفي الوسط توجد غرفة زجاجية تشع منها أنوار خفيفة ورائعة ..
شعرت بالنعاس فقد كانت مظلمة تعتمد فقط على ذلك الضوء الخفيف الذي يشع من الغرفة الماسية ..
وقال الرئيس بهدوء وهو يضع قلادة ايموكيا حول عنقي :
- الآن اللحظة التي انتظرتها ايموكيا آلاف السنين .. ليس عليكي إلا أن تخبريني الآن ...
شعرت بنعاس وقلت :
- أخبرك ماذا ؟؟
- كيف عملت ايموكيا في المرة الأولى ..
- لا أدري لقد عملت من تلقاء نفسها .. لا يمكنني تفسير هذا الأمر ...
- حسنا .. من كان معك عندما عملت ايموكيا؟؟
نظرت حولي فرأيت في البداية جيرودا الذي كان ينظر لي بإشفاق غريب ،، الجميع يعلمون شيئا لا أعرفه لكن لا داعي للخوف فلو كان ما سأفعله ضار بي لحذرني جاميان ..
وقلت بعد فترة قصيرة :
- جيرودا وجاميان ...
- من أيضا ؟؟
- لا أحد ... فقط نحن الثلاثة ...
اقترب رجل عجوز من خلفي يرتدي رداءاً أحمر قاني مثل الدم ووضع يده على رأسي ثم قال :
- يا ملاك النصر ... سوف تقومين بحل سر ايموكيا .. ولكن عليكي أن تتحلي بالشجاعة ويقف معك هناك الــ ....
صمت الرجل العجوز وأبعد يده عن رأسي ثم نظر حوله ..
اقترب لوريس في البداية وقال بلهجة متقنة إلى حد ما :
- سأعطيك التذكار " لوريس" لكي تضعينه في موقد المدفأه ...
ثم ربط شريطة حمراء حول ساعدي الأيسر ..
لم أفهم شيئا مما يحدث وتقدم خلفه جاميان ونظر إلي للحظة وعيناه مترقرقتان بالدموع ثم قال بتردد وارتباك :
- سأعطيك التذكار " جـ .. جاميان" لـ ... لكي تضعينه في الفنار ..
ثم وضع حول رقبتي بلطف شريطة بيضاء عريضة وتشبه التي وضعها لوريس في ساعدي الأيسر ..
نظرت بعدم فهم ولكنني لم أستطع قول أي شيء فقد كان الموقف متوترا والصمت يخيم على المكان ..
ابتعد جاميان بصعوبة شعرت بها واقترب رايو ثم قال بلطف :
- سأعطيك التذكار " رايو" لكي تضعينه في الكهف ...
ثم ربط حول ساعدي الأيمن شريطة سوداء ..
وابتعد هو الآخر ..
وقف جيرودا بمحاذاتي وقال :
- لندا ... سوف تدخلين الآن على تلك الغرفة وعليكي أن تقومي بحل لغز ايموكيا ،، لأنك انت الوحيدة التي تستطيعين ذلك ... هناك مساعدات قدمت إليك من اناس يحبونك جدا ويخافون عليك ولذلك عليك ان تنجحي ..
قلت بخوف وانا أنظر للغرفه الزجاجية :
- ماذا إذا لم أستطع حلها ...
ابتسم جيرودا وقال بطمأنينه :
- لا تخافي ... لن يحدث أي شيء فقط سوف نفقد القلادة .. إلى الأبد ..
شجعني الجميع بنظراتهم الخائفة وقال الرئيس :
- نعتمد عليكي لندا .. فنحن لا نعرف ما سيواجهك ..
قلت :
- ماذا عن تلك الأماكن .. الكهف و الفنار و المدفأة ؟؟
أجاب الملك بهدوء :
- مذكور في الكتاب أن على كل شاب من كوكب مختلف إعطاء الوسيطة تذكارا يمنحه من شعور قلبه الحقيقي حتى يمكنه المساعدة ،، وهذه هي الأماكن المكتوبة في الكتاب ..
بالطبع لم أفهم شيئا وهززت رأسي موافقة وتوجهت نحو الغرفة الزجاجية ..
عندما اقتربت من الغرفة شعت ماسة ايموكيا الشفافة الضوء الأزرق للمرة الثانية ، ففتح باب الغرفة الزجاجية تلقائيا .. تمتم الجميع باندهاش ..
ووضعت رجلي لكي أدخل ...
وبالداخل .....
الجندي الابيض

عندما دخلت إلى داخل الغرفه الزجاجية كان هناك سلم مضيء يتجه إلى الأسفل، نسمة من الهواء هبت من الأسفل مما أثار دهشتي واغلق الباب الزجاجي خلفي .. ولكنني حاولت أن أتشجع ونزلت إلى الأسفل ،،
شعرت ان خطواتي مرتعشة ..
ولكنني عندما وصلت إلى نهاية الدرج الرائع ..
رأيت مشهدا أروع من الخيال ، طريق ممهد على جانبيه أشجار ضخمة جذوعها خضراء داكنة وأوراقها بيضاء وزهورها وردية اللون عجيبة ... رائعة ... لا توصف بمجرد كلمات عادية ......
سرت في الطريق واقتربت من رجل كان يقف بعيدا ،، كان مسناً يرتدي زيا أبيض وله لحية بيضاء ويمسك بيده عصا بيضاء بها أشياء تلمع ... وعندما اقتربت كفاية وقفت أمام الرجل منذهلة فقال بصوت عميق :
- إذا كانت سيدة ايموكيا تريد المرور فعليها الإجابة على السؤال السهل أولا ..
أصغيت لكي استمع إلى السؤال :
- ما معنى كلمة ايموكيا ؟؟؟
شعرت بفشل ذريع فلم أفكر أبدا أن أسأل عن معناها مع انني سمعتها كثيرا ولكنني قلت باسمة :
- أرجوك غير السؤال ...
قال الرجل المسن بهدوء :
- الإجابة عندك ولكنك لم تعرفيها ....
نظرت حولي لم تكن هناك سوى الأشجار فقلت :
- تعني ... الشجره ؟؟
- سأعطيك فرصة أخرى يا سيدة الايموكيا وأرجو أن لا تكون اجابتك خاطئة لأنك سوف تعطينني القلادة وستعودين ...
حدقت بالقلادة لدقائق ورأيت الضوء الأزرق قبل أن أقول بتردد ويأس :
- الجوهرة الزرقاء؟؟
اقترب الرجل المسن وأعطاني مفتاحا ثم اختفى في الحال مما أصابني بالدهشة والخوف معاً .. ولكنني علمت أن الله ألهمني الإجابة الصحيحة ...

وسرت في الطريق الطويل فرأيت في نهايته مزرعة خضراء رائعة وكوخا كبيرا واصطبل خيول فارغ .. وفنار صغير ( منارة) فوق تلة صخرية مرتفعه...
وصلت عند المزرعة كان حولها سياج خشبي عالٍ وكانت بوابتها مغلقة ففتحتها بالمفتاح الذي اعطانيه الرجل المسن ...
عندما دخلت إلى المزرعة لم يكن هناك أي شخص ... ووصلت إلى المنزل ووقفت امام البوابة ...
كان الجو غريبا وكأنني أحلم .. نعم ، يبدو كحلم عجيب جدا ...
قبل أن أطرق الباب فتح ولد صغير له شعر أشقر ناعم وكان الطفل جميلا جدا وقال بلطف ولصوته صدى غريب :
- أعطيني عيدان الثقاب ،، فأنا أريد ان أشعل المدفأة لأن الجو بارد ..
كان ذلك بمثابة لغز آخر .. فأنا لم احضر أي أدوات معي ...
ودخل الولد الصغير مسرعا وتبعته ووقف أمام المدفأة ثم قال :
- هل تصبحين أمي ؟؟
ابتسمت ولم أعرف ماذا أقول ولكنني مسحت على شعره فشاهدت شريطة لوريس التذكارية الحمراء ..
وتذكرت كلماته " سأعطيك التذكار " لوريس" لكي تضعينه في موقد المدفأه ..."
وبسرعه خلعت الشريطة الحمراء من يدي ووضعتها داخل المدفأة ..
ولكن شيء لم يحصل ..
فقال الطفل الصغير بصوته الغريب :
- أنت لا تحبين ذلك الشخص المحبة الكافية لإشعال الموقد ...
واختفى الطفل ... أمام عيناي المذهولتين ..
نظرت أبحث عنه فلم أجده ، ولم اجد تذكار لوريس أيضا، وشعرت ببعض الخوف ..
هل أكون قد أخفقت ؟؟؟

ما هذا العالم الغريب ؟؟
تساءلت وانا أخرج خارج المنزل ..
ما الذي علي فعله الآن ؟؟
نظرت نحو الفنار ،، إنه تذكار جاميان ،، لكن ... أنا لم أشعل المدفأه ..
نظرت حولي بيأس ..
ولكنني تذكرت الذين علقوا آمالا علي وتوجهت نحو التل الصخري .. كان مدخله عباره عن نفق ... وربما هو كهف ...
عندما دخلت رأيت رجلا قويا يجلس حول كومة مشتعلة من الأخشاب ، كان يرتدي ثياب رجل رحالة وقبعة ويحمل حقيبة ظهرية ومعه بندقية ويضع قشة في فمه يتسلى بها ...
ونظرت إلى النار وقلت :
- سيدي هل يمكنك ان تعطيني شعلة من تلك النار ...
نظر لي الرجل بطرف عينيه ثم قال :
- يجب أن تعطيني شيئا بالمقابل ..
كان رجل صاحب مصلحته ولكنني تلمست شريطة رايو وخلعتها ثم قلت :
- يمكنني أن أعطيك تذكار الكهف ... إنه تذكار من محارب قوي!
ابتسم الرجل وقال :
- موافق ... مادام من محارب قوي ..
فرحت كثيرا وربطت له الشريطة على ساعده ثم أخذت الشعلة وعدت إلى منزل الصبي الصغير ، دفعت الباب بسرعة ثم وضعت الشعلة على أخشاب المدفأه فاشتعلت وخيم ضوء احمر شاعري على غرفة المعيشة ورأيت الصبي يبتسم لي ..
ثم اقترب الصبي الصغير مني ومد يده لي بجرة صغيرة ..
أمسكت بها و نظرت بداخلها كانت هناك ذرات لماعه صغيرة زرقاء اللون وكانت تشع نورا خافتا بينما تكلم الطفل قائلا :
- استعيدي قلادتك ... بهذا ...
نظرت إلى رقبتي فرأيت القلادة مازالت معلقة وحولها شريطة جاميان .. فقلت :
- ماذا تقصد ؟؟
عندما نظرت ثانية لم أجد الصبي ...
وخرجت عائدة إلى الكهف مرة ثانية ،، بعد أن علقت الجرة في رقبتي مع القلاده،

وكان علي الآن الوصول إلى الفنار ، ولم أجد الرحالة في مدخل الجبل وقد خبت نيرانه التي أشعلها ولكنني تابعت السير .. حتى وجدت طريقا صاعدا داخل الكهف المظلم ..
آخر ذلك الطريق الصاعد شاهدت نورا فتوجهت نحو مصدر الضوء مباشرة ولكنني فوجئت بثعبان ضخم يلتف على الصخور.. عرفت أنها أصلة عاصرة فهي ضخمة لدرجة مهولة....
أصابني الذعر ووقفت أتأمل المنظر من بعيد ولم أجرؤ على اقتحام المكان بالطبع .. ولم أعرف ماذا أفعل وعدت أدراجي لعلي ألقى أي مساعدة ..
سرت نحو المنزل مرة أخرى ووقفت في المزرعة ، في الحقيقة كنت أبحث عن الرجل الرحالة عله يساعدني للوصول إلى الفنار لأنني كنت متأكده من أنه لم يعبر للجهه الأخرى ..
مادامت تلك الأصلة الضخمة تعسكر هناك ..
من بعيد شاهدت الرجل الرحالة يحمل بندقيته ويسير في الطريق المليء بالأشجار ذات الجذوع الخضراء ...رفعت ثوبي الأنيق وركضت بسرعة محاولة اللحاق به ولكنه كان

يبتعد بطريقة غير عادية فقررت استخدام حنجرتي وصحت :
- هييييه !! ايه السيد الرحالة ... انتظر ... أرجوك ... أرجوك ...
لم يبد انه سمعني ... وتعبت من الصراخ والجري في وقت واحد فتوقفت رغما عني وأنا ألهث ...
التقطت أنفاسي بسرعة وعدت للركض حتى آلمتني معدتي وصحت :
- ارجوك توقف ... ايها الرحالة انتظرني ...
أخيرا سمعني فتوقف الرجل ونظر خلفه باستغراب ركضت حتى وصلت إليه ووقفت أمامه وانا التقط أنفاسي المتقطعه، لم استطع الكلام من شدة التعب وجلست على الأرض بانهاك فقال الرحالة بغرور واضح :
- ماذا تريدين من رحالة التاريخ الأول زاك ؟
ماذا لم اسمع باسمه من قبل ؟؟ هل يظن نفسه جيمس كوك ؟! ربما هو ماجلان ولكني لم أنتبه !! زاك؟؟
قلت بصوت متقطع :
- الكهف ...
- مابه؟
- هناك أصلة كبيرة تقف عند مدخله الآخر ...
نظر لي باستغراب وقال ببرود :
- وماذا علي أن أصنع لك؟
قلت :
- أرجوك ساعدني ... أريد الوصول إلى الفنار...
سار الرحالة زاك مكملا طريقه وهو يقول :
- لن يمكن لأي شخص التغلب على الأصلة .... إنها هنا من آلاف السنين ..
أرعبني كلامه وقلت بتوتر :
- ماذا تعني ؟ هل تقصد أنني لن أمر إلى الفنار؟
- يمكنك صعود الجبل ... سيستغرق ذلك ثلاث ساعات فقط ...
الجبل؟ لقد كانت لدي تجربة سابقة في التسلق... ولكن .. كان ذلك الجبل الذي يقع خلف المنزل شاهق الارتفاع ..
سألت :
- وأنت .. إلى أين ستذهب ..


توقف الرحالة ونظر إلى من تحت قبعته نظرة ملل وبغض وقال :
- أظن أن هذا ليس من شأنك ... كما انني لست متفرغا لمساعدتك يا آنسة .. أنا رجل مشغول ولدي مهمة أقوم بها ..
قلت بتوتر:
- ربما انا جزء من مهمتك ... فلماذا لا تساعدني ؟؟

هز رأسه نفيا وقال :
- أنا أعرف مهمتي جيدا ... وأعرف ما أود القيام به ... إلى اللقاء ..
بالفعل كان رجلا صعبا و سيئا .. حتى أن طريقة كلامه كانت غير لبقة أبدا وأخلاقه ليست من أخلاق الرحالة الحقيقيين وتركني وسار بعيدا .. ربما هوعضو فريق كشافة وحسب ...
لا بأس .. أنا أيضا معتدة بنفسي ..
سأتسلق الجبل ... على الرغم من أن هذا مستحيل بالفستان الذي أرتديه .. ليتهم أعطوني فرصة لارتداء شيء أكثر عمليه ..
لقد كنت أظنه اجتماعا عاديا ...
قمت بتمزيق الطبقة المزركشة العليا من فستاني ومزقت الذيل الذي يجر على الأرض فقصر فستاني بعض الشيء ،، ثم مزقت طرف كمي الحريري الذي يغطي كفي ... لم أجد شيئا آخر لكي أمزقه .. ما كل هذا القماش هل أظن نفسي سيدة الإيموكيا المريرة !!
في هذا المكان يجب ان أكون أكثر عملية لأن المظاهر لن تنفعني .. لكنني أصبحت مريعة .. ورفعت شعري بقماشة ممزقة ثم ركضت عائدة إلى الجبل ..

لم أعد بالطبع إلى الكهف .. لأنني مرتعبة من الأصلة الكبيرة ..
وتوجهت رأساً إلى الجبل ثم بدأت أتسلقه ...
بعد أن صعدت بصعوبة مسافة كبيرة كانت ماتزال نقطة الالتفاف للجهة الأخرى بعيدة جدا وشعرت بالعطش الشديد ولكنني لم أبالي به وواصلت الصعود ..
أخيرا وصلت إلى نقطة المرور وبدأت بالنزول بعد أن تأملت الفنار بغيظ لبعض الوقت وتساءلت .. لم جاميان صعب هكذا؟؟ حتى شريطته لن استعملها إلا بعد أن تتقطع أنفاسي أولا ...
مر الكثير من الوقت وشعرت بانهاك لا مثيل له ..
وأخيرا وصلت للأرض ثم صعدت التلة الصخرية بتعب أكبر .. ومع انها كانت مجرد مرتفع إلا أنها كانت القشة التي قسمت ظهر البعير ...
وارتميت على الأرض وأنا التقط أنفاسي ... وأتخيل أي زجاجة مياه قريبة ...
بعد وقت قصير وقفت لأتابع مهمتي ..
ولكنني فوجئت بالرجل المسن يقف أمامي مرة ثانية وقال بصوته العميق :
- لكي تمري يا سيدة الإيموكيا عليك أن تجيبي على السؤال الصعب ..

زفرت بضيق فقال الرجل المسن :
- من هو الذي سرق قلادة الايموكيا .. من شعب ايموكيا؟؟

قلت بيأس وانا أحاول تذكر الاسم الذي أخبرني به الرئيس أثناء حديثه :
- حدث ذلك قبل آلاف السنوات ... أنا لا أعلم ..
نظر الرجل المسن نحوي باستغراب وقال :
- لا أصدق أن سيدة ايموكيا لا تعرف ... أنا متأسف جدا ولكنك يجب أن تسلميني القلادة..
يالهذا العجوز الخرف! لماذا لم يقابلني قبل أن يتعكر مزاجي وأصعد الجبل !!
شعرت بالضيق وقلت :
- يجب ان يكون الفاعل سارقا و**********************ا ولا يستحق أن نعرفه ...

ولكن الرجل المسن اقترب ومد يده لكي أعطيه القلاده ...

عندما جئت لأخلعها رأيت الجرة الصغيرة فخلعتها وأعطيتها للرجل المسن فقال :
- حسنا ... سوف تمرين .. ولكن لا امتياز بدون إجابه ..
اختفى الرجل المسن ولم أشعر بنفسي إلا وأنا أصرخ من شدة الفرحة وتابعت طريقي بتفاؤل كبير ... ولكنني لم أفهم ما حكاية الامتياز تلك ..
وصعدت إلى الجهة العليا حيث رأيت الفنار فوق ربوة ، وأمامها شاطيء أزرق رائع ..

قلت في نفسي :
" لم يتبق سوى تذكار جاميان... علي إذا أن اتوجه إلى الفنار"
وهكذا بسرعة كبيرة ركضت نحو الفنار بتفاؤل كبير ولكنني عندما وصلت إلى بوابتها وجدتها مغلقة ...
لم أعرف ماذا أفعل وحاولت فتحها أكثر من مرة فلم أستطع ..
جربت كل شيء .. وطرقت الباب أيضا ..
مشيت قليلا ثم وقفت عند الشاطيء .. ليست هناك أي سفن وكان الفنار لا يعمل ، تساءلت .. ماذا عن هذا العالم ؟؟؟ هل سيأتي الليل قريبا أم أنه هكذا دائما ..؟

عدت ركضا مره أخرى حتى وصلت إلى الكهف .. نظرت بحذر فقد كنت الآن في جهة الأصلة مباشرة ..
نظرت جيدا لكنني لم أشاهد الأصلة ... دخلت عند بداية الكهف ولم أجد الأصلة ، كنت خائفة ولكنني اردت اكتشاف هذا فأنا لا استطيع فتح بوابة الفنار ....
شعرت أنني في لعبة الكترونية وهناك شيء مفقود في الحلقة !!
علمت أنني لم أجب عن سؤال الرجل العجوز والمفترض أنه كان سيعطيني مفتاح الفنار كما فعل في مفتاح المزرعة ...
ظللت أحوم حول المكان بلا فائدة .. والأصلة اختفت حتى أنني عدت إلى المزرعة والمنزل من جديد ..
لم يتغير لون السماء مع أنه قد مضى الكثير من الوقت وعدت إلى الكهف ثم إلى الفنار مرة أخرى ...
شعرت بغيظ شديد لأنني تكبدت كل هذا العناء لتسلق الجبل في النهاية تختفي سيادة الأصلة بدون مقدمات ...
وقفت أمام الفنار بيأس وفكرت في تسلقه لكن ذلك كان مستحيلاً ..
نظرت إلى ايموكيا ، كانت ماتزال تشع ذلك الضوء ولم استشف أي حل.. ولذلك ركضت حول الفنار مرتين أو ثلاثة ..
وعندما تعبت جلست على الأرض خلف الفنار وتذكرت جاميان ، تذكرتهم جميعا عندما اعتمدوا علي ّ ،، لأن أكثر موقف أكرهه هو الهزيمة ...
لعبت في الحشائش بملل فاصطدم بيدي مفتاحا كبيرا ذهبي اللون ، بكل الترقب والسعادة أخذته ونظرت حوله بعناية ربما يوجد شيئا آخر ..
لم أجد شيئا وركضت بسرعة نحو بوابة الفنار ..
لكن المصيبة أن المفتاح لم يفتح بوابة الفنار ،، لكنه مفتاح شيء ما بالتأكيد .. درت حول الفنار ولكني لم أجد أي مهنة لذلك المفتاح ، ولهذا عدت إلى المنزل مرة أخرى مارة بكهف الأصلة ... التي ذهبت للتنزه بعيدا ..
وقفت أمام المنزل ثم دخلت .. المنزل كان بسيطا جدا وكل الأدراج الموجودة فارغة ومفتوحة ولا تحتاج إلى مفتاح ..
الطابق الثاني كان عبارة عن سقيفة بها صناديق فارغة وبعض العلب التي يغطيها الغبار ..
خرجت خارج المنزل ودخلت إلى أصطبل الخيول الفارغ ..
كان يملأه الغبار ولا أحدثكم عن خيوط العنكبوت التي تنتشر في كل ركن وبين كل عمودين خشبيين ،، ولذلك بدا أن المكان عادي جداً وليس هناك شيء يستحق مفتاحا ذهبيا ً ..
سمعت صوت شيء ما يدخل خلفي ففزعت وتخيلت الأصلة تزحف خلفي ولكني نظرت فرأيت الرجل الرحالة وهو يدلف إلى المكان ثم قال :
- ألم تشاهدي هنا كرة زرقاء ومسحوقا أزرق ...
لم أفهم شيئا وقلت :
- المكان فارغ ...
ابتسم الرجل الرحالة وخلع قبعته ثم حدق في سقف المكان وقال :
- أنا أبحث عن المسحوق الأزرق ...
نظرت له باحتقار وقلت :
- حسنا ... ابحث لوحدك ..
سرت متوجهة إلى بوابة الأصطبل فقال :
- وأبحث عن مفتاح ذهبي سقط مني ..
نظرت إلى المفتاح الذهبي في يدي واستدرت بمواجهته ثم قلت :

- حسنا ... المفتاح معي ولكنني يجب أن أدخل إلى الفنار .. فهل معك مفتاح الفنار؟
ابتسم الرجل وعاد ينظر إلى السقف وهو يقول :
- ليس للفنار مفتاح ..
قلت بغيظ :
- أذن تريد مفتاحك الذهبي لترحل وتتركني هنا بلا مساعدة ..

نظر الرحالة إلى قلادتي ثم قال :
- لديك مساعدة ....
نظرت إلى القلادة وقلت :
- أنا أحاول مساعدتها ... وهي لا تساعدني فيي شيء ...
مد الرجل الرحالة يده وقال :
- أعطني المفتاح وسأخلصك من الأصلة التي تسد باب الكهف ..
ياله من نذل !!
ضحكت بسخرية وقلت :
- لا شكرا يمكنني تدبر أمرها .. انا أريد مفتاح الفنار ...
- أخبرتك أنه لا يوجد للفنار مفتاح ،، الكرة الزرقاء لحارس الفنار فيسمح لك بالدخول لسكب المسحوق الأزرق في الشق ..
كنت أود قتل نفسي وقلت بعصبية :
- لا مزيد من الألغاز فأنا لا أفهم شيئا ..
تركني الرجل الرحالة وخرج خارج الأصطبل ثم ارتدى قبعته وقال :
- الرحالة الأول الرائع زاك يساعدك في العثور على الكرة الزرقاء ولكنك لا تفهمين ..
قلت بعصبية :
- الرحالة زاك يساعد نفسه في العثور على الكرة الزرقاء ...
عاد الرحالة زاك ينظر إلي بفضول ثم قال :
- أعطني المفتاح الذهبي وسأعطيك الكرة الزرقاء ...
قلت وأنا أضغط على أسناني من الغيظ :
- وكيف ستعطيني الكرة الزرقاء وأنت لم تجدها بعد ؟
فتح الرحالة زاك حقيبته وأخرج منها كرة زرقاء عجيبة وكأنها كرة من ماء البحر وقال بغرور :
- الرحالة زاك القوي يحتفظ بالكرة الزرقاء ولكن ليس بالمسحوق الأزرق ..
أمسكت بالمفتاح جيدا وقلت :
- وماذا أفعل بها؟
- ستعطينها لحارس الفنار .. ومن ثم سيسمح لك بالدخول ..
- هل تخدعني ؟
- بالتأكيد لا ..
- وماحكاية المسحوق الأزرق هذا؟
- مسحوق عجيب ومهم لكنني سأعثر عليه .. لأنه أقوى من الكرة الزرقاء ..

لم أفهم شيئا وتبادلت الكرة بالمفتاح .. في كل الأحوال أنا لن أفعل شيئا بالمفتاح وتأملت الكرة للحظة وسألت :
- أين أجد حارس الفنار إذا؟
لم أسمع أي شيء ونظرت حولي فلم أر أي أثر للرحالة غريب الأطوار ...
تعجبت بأنه اختفى فجأة هكذا ..

وحملت الكرة بحرص كانت مثل الهلام ...
مررت من الكهف بصعوبة وأنا خائفة أن تسقط الكرة وتنفجر .. كانت متوهجة ولم ألحظ ذلك إلا عندما دخلت الكهف المظلم ...
عندما خرجت وقفت أمام الفنار ولم يكن هناك شيء وهبت ريح قوية .. ماذا أفعل الآن!! لا يوجد أي حل آخر ونظرت إلى الشاطيء بحيرة .. ليست هناك أي منازل أخرى ...
والجبل صعدته من قبل ولم تكن به أي كهوف .. ربما توجد كهوف في الجهة الأخرى ولكن .. هذا المكان عجيب جدا ...
لا يوجد هنك حارس للفنار ... الفنار مهجور ..
عدت إلى الكهف ولكنني قبل أن أصل كانت الأصلة المتوحشة تعشش على مدخل الكهف مجددا ..
زفرت بيأس وخوف .. متى جائت تلك الأخرى!!
نظرت على سطح الكرة ... كان مرسوم عليها أصلة ضخمة وتمتمت :
" مستحيل أن تكون الأصلة هي حارسة الفنار "

مستحيل أن تكون الأصلة هي حارسة الفنار "
نعم مستحيل ... لقد اختفت لفترة وتركتني أعبر .. كنت أقف على مسافة بعيدة جدا عن الأصلة خلف الصخور وأنا أفكر ..
وفوق رأسي شعرت بصوت غريب ..
نظر بسرعة ثم صرخت بفزع وأنا أرى الأصلة تقترب من الأعلى وركضت بسرعة ابتعد ولكنني سقطت فوقعت الكرة من يدي وانفجرت وخرج السائل الأزرق بداخلها ..

عندما انفجرت الكرة ظهرت رائحة عجيبة ومنفرة تشبه رائحة الكبريت أو ربما مادة كيميائية عجيبة وابتعدت قبل أن ألمس السائل الأزرق وشاهدت الأصلة تبتعد مسرعة عن المكان برمته هربا من الرائحة .. لقد كان الرحالة النذل زاك يعرف أن الأصلة تهرب من رائحة المادة الموجودة داخل الكرة ...
انتبهت للسائل الأزرق .. كان هناك مفتاح داخل الكرة وظهر عندما انفجر السائل الموجود بداخلها ..
شققت قطعة قماش من فستاني المسكين وحاولت أن أمسك به المفتاح وحملته بعيدا ثم غسلته بماء البحر تحسبا لتلك المادة ..
عدت إلى الفنار مجددا ووقفت أمام بوابته ..
جربت المفتاح الأزرق ..

لم أصدق نفسي وأنا أرى المفتاح يدور داخل البوابة ، وفتحت البوابة ولكن ضوء قويا شع أمام وجهي وشعرت بشيء يخطف القلادة ويقطعها من فوق رقبتي ..

حاولت أن أدافع عن القلادة ولكنني لم أكن أرى شيئا أبدا ..
وعندما اختفى الضوء شعرت بهزة قوية تحت قدماي ، وكأنه زلزال .. واغلق باب الفنار خلفي ثم توقف الزلزال .. تحسست القلادة في رقبتي فلم أجدها ..

شعرت بغضب وألم حقيقيين وصعدت درج الفنار الضيق بسرعة حتى وصلت إلى الأعلى في الحجرة المستديرة ..
وعندها تذكرت فجأة أن الملك قال لي أن سارق ايموكيا كان يدعى الحارس المناور وكان معه الشياطين ، يالغبائي !! كيف لم اتذكر!
قلت بصوت عال لنفسي :
- نعم .. الحارس المناور يالي من غبية كبيرة!!!

جلست على الأرض بحزن شديد وانا اعرف أنني فرطت في القلادة ،، وعندها ظهر الرجل المسن أمامي فنظرت إليه بحزن ثم قلت :
- كنت أعرف إجابة سؤالك لكنني لم أتذكرها سوى الآن ..
ابتسم الرجل المسن وقال بلطف :
- كنت أعلم أنك تعلمين ... ولذلك ستستعيدين قلادتك لأنك فتاة متحمسة .. فقط لم يتبقى سوى أن يعمل الفنار مجددا .. لأن ضوءه سوف يغمر كل المناطق المظلمه ...
ثم وضع الجرة الصغيرة في يدي مرة ثانية ورأيت الطفل الصغير يقف إلى جواره ويبتسم ..
وقفت وقلت بفرح :
- سيدي .. شكرا لك ..
هز الرجل المسن رأسه موافقا ثم تركني ونزل درج الفنار وخلفه الطفل الصغير .. وتابعتهم بنظراتي حتى اختفيا وتساءلت :
" والآن ماذا ؟؟ كيف سأستعيدها ..؟؟ "

صعدت إلى كشاف الفنار كان ضخما ولكن كان بمنتصفه شرخ كبير وهذا مايجعله غير قادر على العمل ، ربما .. واقتربت منه بهدوء ثم تفحصته،، لامجال لإصلاحه الآن بالتأكيد .. وعندما نظرت من النافذة الكبيرة شاهدت الشاطيء الجميل يمتد أمامي إلى مالا نهاية .. ويبث في نفسي أملا عجيبا ، وعندما نظرت إلى الطاولة الصغيرة رأيت الكتاب الذي أهدته لي والدة جاميان ..

للحظات فقط ثم تلاشى من أمام ناظري ،، تذكرتها فدمعت عيناي ..
وقلت في نفسي .. هل كان يجب علي أن أحضر الكتاب معي ؟؟ لقد احترت كثيرا وأصابني الصداع ولكنني أوشكت على النهاية بالفعل ...
نظرت إلى الجرة المعلقة ورأيت المسحوق اللماع ... كان أزرق اللون وتساءلت إذا كان هذا هو المسحوق الذي كان يتكلم عنه الرحالة ..
واقتربت من المكان الذي رأيت فيه الكتاب ووجدت شقا في الطاولة ... لم أفهم ما السبب .. وراودتني فكرة غريبة ..
تذكرت فجأة كلام الرحالة عندما قال :
" أخبرتك أنه لا يوجد للفنار مفتاح ،، الكرة الزرقاء لحارس الفنار فيسمح لك بالدخول لسكب المسحوق الأزرق في الشق .. "

نظرت داخل الشق بحذر ثم سكبت قليلا من المسحوق اللماع الموجود داخل الجرة وفي الحال رأيت الشق يلتأم وعادت الطاولة كما كانت ..
اعجبني الأمر ولكن ؟؟
ماذا بعد ...؟ ماذا افعل الآن ؟؟


درت بعيني في غرفة الفنار الضيقة،، وتذكرت الكشاف الكبير ...
هل يجب علي إصلاحه ؟؟؟
نعم ... قال الرجل المسن أن علي ان أجعل الفنار يعمل مجددا ..
لم انتظر مزيدا من الوقت وصعدت نحو الكشاف الكبير وأخذت الطاولة وقفت عليها حتى اتمكن من الوصول لمكان الشرخ المرتفع .. كان الكشاف كبيرا جدا ...
في بداية الشق سكبت ما تبقى من المسحوق اللماع فجرى المسحوق في الشق الكبير وبدأ الزجاج يلتأم مره ثانية ..
كان شكله رائعا بعد أن أصلحته ..
ولكن ؟؟؟

ماذا ؟؟ لم يحصل أي شيء ؟؟
هل كان استنتاجي خاطئا ؟؟ في كل الأحوال لقد انتهى المسحوق اللماع ولم يتبق المزيد منه ..
نزلت من فوق الطاولة وأعدتها إلى مكانها ..
وتأملت الكشاف بغيظ ثم تذكرت فجأة ،، إنه عالم خيالي ولكن ..
النار .. لم استطع اشعالها إلا عندما امتلكت نارا حقيقية ولم تشتعل بالتذكار..
والرجل الرحالة .. لم يقبل الشريطة كتذكار إلا عندما علم أنها لمحارب قوي ،، هناك أشياء مرتبة منطقياً .. على الرغم من أن هذا المكان أبعد مكان عن المنطقية ..
فكرت ... كذلك ضوء الكشاف الكهربائي الضخم .. يجب أن يكون موصولا بمصدر كهربائي .. بحثت عن وصلات كهربائية حتى وجدتها كانت وصلات ضخمة جدا ..
ولكنني لم أعرف أين أضعها ،، بحثت بقلق وبسرعة ،، لكن لا فائدة ..

إحباط في كل دقيقة تواجهني ولكن لا بأس ،، سأجد حلا .. نظرت أسفل الطاولة فوجدت وصلة كهربائية متصلة بالجدار ،،
أبعدت الطاولة ونظرت إليها ولكنها لم تكن متطابقة مع الوصلة التي كانت معي .. حاولت إدخال وصلة الكشاف في المصدر ولكن ذلك كان مستحيلا .. هناك فتحتان في المصدر والوصلة التي معي لها ثلاثة رؤوس ..
كيف أخلع واحدة من هذه ؟؟
ساعدني يا إلهي ..
حاولت كسرها بيدي ولكنني لم أفلح وآلمتني أصابعي بلا فائدة ..
وبدأت بالبحث مجددا عن أي شيء ..
ولكن بلا جدوى فجلست منهكة على الأرض من كثرة التفكير والبحث ومسحت عيني بعنف فقد كانت تؤلمني ..
بعد قليل نزلت درج الفنار مرة ثانية ...
إن ذلك المكان يشبه كوكب الأرض إلى حد كبير ..
نظرت من نافذة السلم ورأيت سلكا كهربائيا غير معزول يمر من فوق الفنار ويأتي من الجبل ..
لم أنتبه له من قبل .. حسنا .. هذا السلك الكهربائي هو حل مشاكلي ..

نظرت لبوابة الفنار كانت ما تزال مغلقة وصعدت للأعلى مرة ثانية وشددت الأسلاك وبدأت أسحبها وأحرر التشابك بينها ..
سحبتها وكانت طويلة كفاية لتصل إلى الأعلى .. وخلعت القابس ثم سحبت العازل من فوق السلكين فأصبح جزء منهما مكشوفا فلويت الجزء المكشوف وشكلته على شكل رأس سنارة الصيد حتى يمكنه التعلق بالسلك الرئيس ، ثم وقفت عند النافذه ومددت السلكين نحو السلك الرئيسي بعد أن ابعدتهما عن بعضهما ..
في البداية لم يصلا لأن السلك الرئيس كان بعيدا ،، فصعدت فوق النافذه وكدت أنزلق بسبب ثوبي ..
كان ذلك العمل خطيرا جدا ولكن كان علي القيام به ..
وبالفعل وصل السلكين إلى السلك الرئيس وتلامست الأسلاك المكشوفه فانبعثت شرارة صغيرة ...

أضاء المصباح القوي، و كان يضرب نوره داخل الغرفة العليا المستديرة وذكرني ذلك الضوء بالضوء القوي الذي أعمى عيني في البداية عندما دخلت إلى داخل الفنار وأخذت مني القلادة ايموكيا ،، وببطء توجهت نحوه وبدأت توجيهه بحذر للخارج وأنا أتحاشى لمس الأسلاك .. كان صعبا وكبيرا وبذلت مجهودا كبيرا جدا وآلمني ظهري ولكنني صممت على ذلك ..
وبالفعل ...
وجهته نحو الشاطيء وشعرت بزلزلة قوية جدا ..
سقطت أرضا ووقعت على السلالم إلى الغرفة السفلية وآذيت أنفي ونزلت منها الدماء ثم سقطت الطاولة أيضا فحاولت الجلوس بصعوبة ووضعت يدي على رأسي أتحاشي الأحجار المتساقطة ..
الجندي الابيض

سقطت أرضا ووقعت على السلالم إلى الغرفة السفلية وآذيت أنفي ونزلت منها الدماء ثم سقطت الطاولة أيضا فحاولت الجلوس بصعوبة ووضعت يدي على رأسي أتحاشي الأحجار المتساقطة ..
الفنار ..
إنه يتهدم فوق رأسي بعنف وقسوة .. ماذا يعني ذلك ؟؟ ولماذا ؟؟
تساءلت بقلق داخلي ماذا كان علي أن أفعل ؟؟
فجأة توقفت الاهتزازات وفتحت عيني بحذر كانت القلادة قد سقطت على رأسي ..
أمسكت بها بسرعة .. ولكن الوقت قد أصبح ليلا ولم أر سوى ضوء الكشاف وقد بدأ الكشاف الكبير يتحرك يمينا ويسارا ببطء ..
وقفت بصعوبة ونظرت من النافذة الأخرى فشاهدت شاطئا مختلفا ومنازل جميلة .. لقد تغير المكان تماما ..
مسحت الدماء عن أنفي بقطعة متسخة من ثوبي .. ونزلت من الفنار بسرعة وأنا أمسك القلادة بيدي ولم أصدق فقد كانت البوابة مفتوحة .. خرجت بسرعة إلى المدينة الجميلة وشاهدت أشخاصا كثيرون قد تجمعوا في المكان وينظرون إلي باندهاش وذهول ..
كانت عيونهم تشبه القطط ..
هل عدت؟؟ نظرت إلى القلادة في يدي .. هذا يعني أنني لم أفشل بتاتا ..
كانت ماسة القلادة قد انطفأ ضوءها الأزرق و أصبحت زرقاء بالفعل ولم تعد شفافة كما في السابق ، ورأيت الصفوف تنشق ليظهر في البداية جاميان الذي ركض نحوي بفرحة .. وهو يصيح :
- لندا ... لقد نجحتي ...
ولكن جاميان حدق بي للحظة ولثوبي باستياء وقال :
- هل أنت بخير؟
ابتسمت ورأيت جيرودا والباقين يركضون نحوي ..
التفوا حولي جميعا وأخبروني أنهم فخورين بي جميعا،، ثم رأيت مركبة رئيس ايموكيا تقترب وهو ينظر إلي بامتنان وهتف جاميان بفرحة غير طبيعية بعد أن شاهد شريطته البيضاء ماتزال حول عنقي :
- لم ستخدم تذكاري ... لم تستخدمه ..

لم أفهم سر سعادته وابتسم لوريس ثم قال :
- لكنه اتسخ وأصبح قبيحا ..
أمسك جاميان برأس لوريس الذي تكلم جيدا وقال بمزاح :
- أنت لا تنطق إلا الأشياء الشريرة ..

ضحكنا جميعا عليهما وخلف مركبة الرئيس عدنا إلى القصر ، كان الاحتفاء بي مذهلا هناك وسار حولي كم كبير من الأشخاص ..
وجلس الرئيس ثم قال بسعادة :
- شكرا لك على مساعدة شعب ايموكيا ..
قلت باندهاش :
- لكن ... هذا الفنار لم يكن موجودا من قبل ... أليس كذلك ..
- هذا صحيح ، إنه شعاع الأمل لشعب إيموكيا ... هناك أشياء كثيرة لا يمكنني شرحها ... يوجد من هذا الفنار ثلاثة آخرون يمكنهم تحقيق الأمنيات ..
ثم نظر إلى الشريطة المعلقة على رقبتي وقال باسما :
- جاميان فقط هو الذي بقي معك ... أليس كذلك ؟؟
تطلعت إلى الشريطة ثم القيت نظرة على وجه جاميان الذي كان يتكلم مع رايو ولوريس وجيرودا بعيدا عنا .. وقلت :
- أنا متعجبة أنني لم أستخدم تذكاره مع أن ..

صمتت بخجل فقال الرئيس باسما :
- مذكور في كتاب الايموكيا أن الشريطة التي تبقى مع الفتاة في النهاية هي دليل على الشخص الذي تحبه في الحقيقة ..
احمر وجهي من خجل فقال الرئيس :
- إنه شاب ذكي ولطيف .. أليس كذلك؟
قلت بخجل :
- هذا صحيح ...
وسألني الرئيس :
- الآن أتمنى منك أن تطلبي مني أي شيء تريدينه ..

تساءلت :
- هل أستطيع العودة إلى الأرض؟؟ هل يمكنني ذلك ..
ابتسم الرئيس وقال:
- بالتأكيد على الرغم من أننا سنفتقدك كثيرا هنا ..
قلت وأنا انظر نحو جاميان :
- وأريده أن ياتي معي .. وكذلك جيرودا ..
ثم اعطيت القلادة ايموكيا للرئيس وكانت قد أصبحت جوهرة زرقاء وليست شفافة .. وقال الرئيس :
- ستبقين بعض الوقت .. يجب أن نودعك وداعا لائقا بك ، يا .. ملاك نصرنا ..
ابتسمت وإيماءة موافقة ...
وبعد أن عدت الى غرفتي نمت طويلا وحلمت حلما جميلا لأول مرة منذ وقت طويل، واستيقظت في الصباح .. بدلت ثيابي وتناولت الفطور بصحبة الأميرة راما ، وعندما خرجنا خارج الجناح الذي أقيم فيه لم أصدق ما تراه عيني ..
هناك احتفاء كبير بي يصيبني بالخجل والدهشة ، الزينة منتشرة في كل مكان والجميع بانتظاري ،
وفي الخارج كان سكان ايموكيا يحملون شعارات مشجعة جدا وقد كتبوا اسمي عليها وكأنني زعيمة مدينة ..
ضحكت بسعادة ... وقابلت جاميان وجيرودا اللذان ارتديا زيا رسميا انيقا،، وضحكت لأول مرة أراهما بذلك الإشراق والبهاء .. بلا دروع ولا أسلحة..
تقدم رئيس ايموكيا وأعطاني كتاب والدة جاميان ..
دمعت عيناي مرة ثانية ، وضممت الكتاب وكأنه جزء مني ثم اقتربت راما وقالت :
- اسمحي لسكان ايموكيا بتقديم هذا التذكار لك ..
ثم وضعت قلادة إيموكيا حول عنقي ..


نظرت باستغراب ولكن الرئيس قال :
- لقد حصل سكان ايموكيا على السر الذي كان مخبأ داخلها وهي الآن ستبقى معك ..
سمعت تصفيقا حارا من كل الحضور وتأكدت أن وجهي الآن أصبح أحمرا جدا فانا أعرف نفسي عندما أخجل .. وتمتمت :
- هذا شرف كبير لي ...
وخرجنا جميعا إلى الشارع وركبنا مركبات رائعة وسط حماس سكان ايموكيا الشديد وجلس جاميان إلى يساري وجيرودا عن يميني وحلقت المركبات بعيدا جدا ، وقال جاميان يخاطب جيرودا :
- لوريس ورايو في المركبة التي خلفنا مباشرة ..
نظر جيرودا ولوح بيديه ..
فقلت باسمة :
- لقد كونتما صداقات بسرعة ..
ضحك جيرودا وهمس في أذني :
- لقد كانوا سيقتلون بعضهم بالأمس ..
قلت باندهاش :
- لماذا ؟؟
اقترب جاميان وقال لجيرودا ضاحكا :
- لقد سمعتك .. ولا اريدك أن تخبرها بالمزيد ..
- حتى لا تشقني إلى نصفين أعرف !!
قالها جيرودا مقاطعا كلام جاميان وضحكت بشدة بينما نظر جاميان بغيظ نحو جيرودا الذي كان يضحك هو الآخر ..
واتجهنا نحو مبنى كبير كان معلقا على قواعد معدنية ضخمة ،، كان منظره مدهشا حقا بلا مبالغة ، انفتحت بوابة كبيرة ودخلت مركبة الرئيس السوداء تبعتها المركبات الأخرى ونحن بالتأكيد ..
بعد لحظات داخل نفق كبير توقفت المركبات وهبطت على الأرضية .. وترجلنا جميعا وتوقفت أنظر إلى الأضواء البيضاء الخافتة داخل النفق المعدني وقال جاميان وهو يتطلع نحو جيرودا :
- انه يشبه نفق العمليات إكس ..
- صحيح !
لم أفهم شيئا بالطبع وشاهدت لوريس وخلفه راي ورايو يقتربون من جاميان وجيرودا وقال رايو :
- هيا .. هل ستتأملون طويلا .. الحقوا بنا ..
سرنا بصمت خلفهم وهمس جيرودا لي :
- الآن سوف تعودين إلى الأرض ..

وقفت فجأة ونظرت إلى جيرودا فتوقف جيرودا وأدى إلى توقفهم جميعا وقال :
- مالأمر ؟؟
- هل سأذهب بمفردي ؟؟
نظر جاميان نحو جيرودا وقال بعصبية :
- هل أخبرتها ؟؟
لم أفهم شيئا ونظر جيرودا نحو جاميان بحدة ثم قال وهو يتابع السير:
- أنا لم أخبرها بأي شيء مما يجول في رأسك ..
سار الجميع خلف جيرودا الغاضب فقال جاميان وهو يأخذني معه :
- لا تخافي سأخبرك بكل شيء ..
سرت بصمت خلف جاميان والآخرين حتى وصلنا إلى القاعة .. قاعة كبيرة بها مقاعد وأجهزة وعاملين كثر ورأيت الرئيس يلوح لي فذهبت إليه ..
عندما وقفت أمام الرئيس مباشرة قالت الأميرة راما :
- آنسة لندا ، أرجو أن تنظري إلى تلك المركبة الصغيرة ..
نظرت إلى ما أشارت فشاهدت مركبة مثلثة الشكل تقف وسط القاعة ولها لون فضي وبعض الخطوط الزرقاء ..
عندها قال الرئيس :
- ستأخذك هذه المركبة إلى هناك .. وطنك ، الأرض لكنك ستذهبين بمفردك أولا

قلت بتوتر :
- لماذا ... ألا تتسع لنا جميعا ؟؟
- لا .. أنها تتسع لشخص واحد فقط ..
- هل تقصد سيادتك أنني سأقودها ؟؟
- أنت لن تفعلي ذلك حقيقة ولكن ..
صمت الرئيس لبضعة ثوان وأقبل رجل يرتدي معطفا أخضرا داكنا وقال بصوت ولهجة غريبتين جدا :
- اسمحي لي يا أنستي أن أعرفك على النظام الجديد ..
سرت خلف الرجل صاحب المعطف وصعدنا إلى المركبة فقال وهو يفتح البوابة:
- انظري بالداخل ..
ألقيت نظرة صغيرة وشاهدت مقعدا بالداخل ثم أخرجت رأسي وقلت :
- هناك متسع لشخص واحد فقط ..
نظرت بإحباط واقترب جاميان وقال :
- أذهبي لندا ،، وثقي أننا سنلحق بك ..
ضحك رايو وقال :
- سنلحق بك جميعا ، ولكنني سأجدك قبل جاميان !!
نظر جاميان مبتسما وقال :
- أتحداك أن تجدها قبلي .. فأنا أعرف عنوان منزلهم !!

من بعيد ابتسم لي جيرودا وشعرت ببعض التشجيع وأقبل الرئيس قائلا:
- كل ماعليك فعله هو أن تأخذي المنوم وتنامي وبعد ساعات ستكونين في الأرض ،، لا أريدك ان تقلقي أبدا ..
قلت بقلق :
- ولماذا المنوم ؟؟
- سوف تمرين من خلال ثقب أسود ،، ولهذا فربما تشعرين بالغثيان والارهاق

ركبت داخل المركبة وأمسكت جيدا بالحقيبة القماشية التي تحوي الكتاب،، وودعني الجميع بنظراتهم وكلماتهم الجميلة ،، واقترب رجل يرتدي معطفا وبيده ابرة ،، وتطلع جاميان إلي وقال :
- لا تخافي إنها حقنة منومة لكي لا تشعري بشيء ..
بقليل من الذعر أغمضت عيني وأخذت المنوم ،، ثم بدأت بالفعل أشعر بدوار غريب، دوار يجعلني لا أدرك ما يحصل حولي ..
وأظن بعدها انني غفوت ...

سمعت أصواتا كثيرة حولي ....
الكثير من الكلام والحديث الذي لا اعرفه ..
حاولت فتح عيني ولكنني كنت أشعر بدوار مؤسف فعلا .. ولكنني ابديت جدية حقيقية في فتح عيني ،، نظرت بتعب فوجدت أنني على سرير في مشفى صغير وهناك مرضى آخرون ، كان هناك طبيب أسمر البشرة له شعر أسود ناعم ابتسم وقال يحدث الممرضة بلغة لم أفهمها ..
كان الجو المحيط بي يشعرني أنني بالفعل على الأرض لكن الناس هنا ،، يذكرونني بـ .. نعم ..
تلك الملابس ،، الشعور السوداء والبشرات السمراء ،، تلك النقطة الحمراء التي تضعنها النساء على جبينهن ،، ربما أنا في الهند ..
قلت وصوتي لا يكاد يخرج :
- أين أنا ؟؟
ابتسم الطبيب وقال :
- ماهو اسمك يا آنسة فنحن لم نجد معك أي هوية ؟؟
قلت بتعب :
- لندا بروس بيرتون ...
- وكيف جئت إلى الهند ..؟؟
شعرت بارتباك شديد ولكنني قلت أخيرا :
- لا .. أعلم ،، أظن أنني خطفت .. و ..
هز الطبيب رأسه ثم خرج ،، وبعد وقت قصير عاد الطبيب مرة أخرى ،،

تطلع الطبيب نحو الباب ثم قال :
- بعض رجال الأمن يريدون طرح عليك بعض الأسئلة ،، وأرجو أن لا يكون في ذلك إزعاجا لك ...
لم أرد وشاهدت رجال الشرطة الثلاثة وهم يدلفون إلى الحجرة ..
بدأ رئيس الجلسة بسؤالي عن صحتي فقلت أنني بخيرثم قال :
- في البداية أريد أن أعلم كيف وصلت إلى أدغال الهند ..
قلت وأنا اتذكر الكتاب الذي اهدته لي والدة جاميان :
- كيف كنت؟ أعني ... كيف وجدتموني ؟؟
- وجدك أهالي أحدى القرى مغشيا عليكي في أحد أحراش الغابات القريبة ..


تساءلت في نفسي مالذي حصل بالفعل ؟؟ ولكنني تعجبت وقلت :
- لا أعلم ما حصل معي .. لكن ،، لقد ..
- ماذا؟؟
- تعرضت للخطف لكنني لا أعرف كيف جئت إلى الهند لأنني فقدت وعيي تماما!
نظر لي الضابط باستغراب ثم قال :
- سنكتفي بهذا اليوم ... وعندما تتحسن صحتك سنصطحبك إلى سفارة بلدك حتى يمكنها تولي الأمر ..
- شكرا لك ..
بقيت في سريري على الرغم من أنني لم أكن مريضة جدا ، فقط قليل من الدوار،، وفي المستشفى تعرفت على ممرضة تدعى " بريا " كانت فتاة سمراء البشرة ، رائعة الجمال ..
وأخبرتني الكثير عن الهند وآثارها ،، بومباي وكلكتا ونيودلهي التي أنا فيها الآن ،، حكت لي عن مدن كثيرة بالهند مثل بيلاري ومدراس وبوبلا ..
أنا لم أحكي لها شيئا عما حصل لي ،، ولكنني حكيت لها عن صديقتاي وجامعتي وكل شيء يتعلق ببلدي ..
كان كل ماحصل لي كأنه ذكرى أو حلم تبخر بلا رجعه ..
كنا نقضي وقتا رائعا حتى تنتهي ورديتها فهي تعمل من الثانية عشرة ظهرا وحتى الثانية عشرة بعد منتصف الليل ..
وأخيرا جاء اليوم الذي سوف اذهب لمقابلة سفير بلادي شخصيا ،، لقد تحسنت صحتي وشفيت الرضوض والجروح التي اصابتني ..
خلعت رداء المستشفى أخيرا وودعت صديقتي الهندية بريا .. قالت بريا :
- عديني أنني سأراك قبل أن تعودي إلى إنجلترا ..
- أعدك ..
بهذه الكلمات افترقت عن بريا اللطيفة،، وركبت في سيارة الأجرة بصحبة مندوب من السفارة حتى وصلت هناك ،،
سرنا في الممرات حتى وصلنا إلى مكتب السفير .. سمحت لي السكرتيرة بالدخول وجلست أمام مكتب السفير الذي بدأ الحديث قائلا :
- مرحبا آنسة بيرتون ... أنا ممثل بلادك هنا،، وأرجو ان تتكلمي بوضوح وصراحة حتى يمكنني مساعدتك ..
- حسنا ..
- أريدك أن لاتخافي من أي شيء ، لا أحد يمكنه ملاحقتك هنا .. اتفقنا ..
- أجل .. سأخبرك بكل تريد معرفته ...
- أخبريني مالذي حدث من البداية ؟؟
بدأت أقص له حكايتي من البداية ،، عندما رسبت صديقتي وقررت زيارتها متأخرا وأنني اختطفت ولم أدر بأي شيء سوى أنني في مستشفى بالهند ..
تعجب السفير كثيرا وقال :
- لم تكوني تحملين معك أي هوية !! كيف اخرجك الخاطفون من انجلترا وأحضروك هنا .. الهند ؟؟
لم أجب على السؤال ولذلك قرر السفير استخراج جواز سفر لي وهوية جديدة من انجلترا وسوف يتصلون بعمي جوردن .. سألني الكثير من الأسئلة عن أشكال الخاطفين أو كلامهم هل هم انجليز أم ماذا ؟؟


كانت سفارة بلدي متعاونة جدا حتى كأنني الوحيدة التي يمكنهم خدمتها ،، و بقيت في الفندق حتى
وصل لي هاتف من السفارة وصوت غريب يقول :
- آنسة بيرتون ،، معك عمك جوردن بيرتون على الخط ... من فضلك لحظة واحدة ..
دهشت لذلك وأصابني مغص شديد فقد علمت أن عمي سيوبخني ،، لانهم جميعا يتمنون موتي ...
- آلو ...
- مرحبا .. لندا ؟؟
- نعم ، كيف حالك يا عمي ..
- بخير يا عزيزتي ،، لقد أقلقتنا عليك كثيرا ..
كان صوت عمي في الهاتف متأثرا جدا فتعجبت وقلت :
- أنا آسفة لم يكن الأمر بيدي ..
- أعلم يا غاليتي .. سوف تعودين إلى انجلترا قريبا ،، وعمك مايكل في الطريق إلى الهند بأوراقك الخاصة ليعيدك ..
- شكرا يا عمي ..
- لا تشكريني يا ابنتي فأنا لم أكن أنام الليل بسبب اختفاؤك ..

كان عمي متغيرا جدا فهو لم يعد الرجل الارستقراطي الغامض القاسي والذي أخاف منه واتحاشاه بكل السبل ،، كان إنسانا مختلفا هذه المرة .. وكان قلقا علي فعلا .. لقد تخيلت أنني عندما أعود سوف أجدهم قد قاموا بجنازة غياب على روحي ،، وانتهى الأمر كليا بالنسبة لي في شهادة وفاة ..
والآن ..
عمي الصغير مايكل بيرتون والذي لم يكمل السادسة والعشرين من عمره ،، وأحب الناس على قلبي في عائلتي سوف يأتي لاصطحابي ..
دائما شعرت أنه الشخص الوحيد الذي يمكنني الوثوق به ،، فهو يكبرني بسبعة أعوام فقط ..
وكان الوحيد الذي كنت أحكي له عن كل مايحصل لي .. ربما لم انتحر كل تلك المدة لأنه كان إلى جانبي!! وأظن أن عمي الكبير جوردن قد أرسله لي لأنه يعلم اننا متفقان تقريبا ومتفاهمان ..
وفي الفندق جاء شخص ما لزيارتي لم اتوقع رؤيته حاليا ..

اندهشت كثيرا عندما رأيت صديقتي الهندية الجميلة " بريا " وهي تدلف إلى مطعم الفندق .. وتلوح لي من بعيد ،، لا أعلم كيف وجدتني ولكن ربما سألت عني ؟
أخيرا رأيتها بملابس عصرية جميلة بعيدة عن ثياب المشفى البيضاء ،، كان شعرها الأسود الناعم مسدلا وهو يصل أسفل ظهرها ..
أعجبني منظرها كثيرا فقد كانت رائعة الجمال ،، وعندما اقتربت مني ابتسمت بسرور وقالت :
- كيف حالك ؟؟ لقد اشتقت إليك ..
صافحتها ثم جلسنا في المطعم ،، أخبرتها بكل ما حصل معي وان عمي مايكل قادم لكي يصطحبني إلى انجلترا ..
شعرت بريا بالحزن لأنني سوف أرحل بسرعة وقالت :
- هل سأراك ثانية ؟؟
- أتمنى ذلك ،، ربما آتي لزيارة الهند مجددا ..
وقمت مع بريا بنزهة في شوراع نيودلهي الجميلة وشاهدنا الأسواق والمباني السكنية، كنت اتطلع في وجوه الناس علي أرى جاميان أو جيرودا ..
أنني لا أفهم حتى الآن كيف لم يجد أحدهم المكوك ،، هل قذفني من داخله وعاد ،، قلت لنفسي انني لا يجب ان أنسى أنني كنت مخدرة تماما .. يعني لا أعلم ماحصل ..

سرت مع بريا وتساءلت :
- ألم يعثر رجال الشرطة على الخاطفين ؟؟
نظرت إلي بريا باستغراب ولكنها قالت :
- لا أظن .. إن قصتك غريبة جدا وكأنه حصل أمر ما غير طبيعي فيبدو أن تلك العصابة التي اختطفتك قد زورت لك أوراقا حتى يمكنها تهريبك ؟؟ لكن لا أعلم لماذا تركوك في النهاية ؟؟ ألم يطلبوا فدية من عائلتك؟

تطلعت إلى بريا بإشفاق فهي تبذل مجهودا كبيرا لكي تحل اللغز ..
ثم فكرت للحظات وقالت :
- ربما ..
قطعت حبال أفكارها وأنا أقول :
- هيا بريا .. كفي عن هذا سوف تتعبين نفسك ،، علينا التوجه للمطار حتى نستقبل عمي مايكل .. أم انك لن تذهبي معي ؟؟
ابتسمت وقالت :
- بالتأكيد سوف أذهب .. ولكن ..
- ماذا ؟؟
- ذكريني بشيء أريد اعطاؤه لك قبل رحيلك ..
نظرت لها باستغراب ونحن في طريقنا إلى المطار فتابعت :
- أهالي بلدتي وجدوا حقيبة تخصك فلم يسلموها للشرطة ، لقد سلموها لجدي لأنه رئيس البلدة أخذها جدي ووجد بها كتابا غريبا يقول أنه لا يفهم منه شيئا.. ولذلك فهو معي وسوف أعيده لك ..
شعرت بسعادة غامرة وقلت :
- حقا ؟؟ هل هو معك ؟؟ لقد ظننت أنه ضاع مني ،، شكرا لك يا بريا ..
قالت بريا بذكاء تحتال علي :
- من أعطاك ذلك الكتاب ؟؟ ولماذا لم يأخذه منك الخاطفون ؟؟
ارتبكت فلم أتوقع سؤالها ذلك ولكنني قلت :
- لقد كان معي قبل أن يقوم الخاطفون باختطافي .. لذلك .. لا أعلم كيف بقي معي ،، ربما لم يروا له أهمية ..
- وربما اختطفوك من اجل أن يحصلوا عليه .. ولكن هناك سر ما متعلق بالخاطفين .. ألا تعتقدين ذلك ؟؟
لم أقل شيئا ولكنني شعرت بالامتنان لاهتمام بريا الشديد بي ...
وتوجهنا إلى المطار وبقينا هناك ننتظر من الراكبين الهبوط من الطائرة ..
من بعيد شاهدت عمي مايكل يقترب با سما وكان أنيقا جدا ووسيما أيضا ،، دهشت بريا وهمست عندما أشرت لها نحوه :
- ظننت أنني سأرى رجلا عجوزا !!

ضحكت واقترب عمي ثم ترك حقيبته على الأرض وعانقني بفرحة وهو يقول :
- اشتقت لغاليتي الصغيرة كثيرا ..
- وأنا أيضا ..
كنت سعيدة جدا في الحقيقة ..
وعرفته على صديقتي الهندية الجميلة بريا .. ثم توجهنا نحن الثلاثة خارج المطار عائدين إلى الفندق وأوصلتنا بريا ثم تركتنا وعادت إلى منزلها ..
جلست في غرفة الفندق مع عمي الذي قال بمرح كالماضي :
- تعرفت بسرعة على فتاة هندية ورائعة الجمال .. يبدو أنني سأبقى في الهند مدى الحياة ..
ضحكت وقلت وأنا أسخر منه :
- لن تقبل شخصا مثلك حتى ولو فعلت المستحيل أنها تريد شابا هنديا وسيما .. وليس انجليزيا أشقرا و بارد الأعصاب ..
ضحك عمي مايكل وأمسك برقبتي وهو يقول :
- يالك من شقية ،، أنا بارد الأعصاب؟؟ سوف أريك البرود الحقيقي قريبا !!
تابعت مزاحي الثقيل معه كالعاده :
- لن تتزوج انجليزيا احتل بلدها لقرون طويلة ..
ضغط عمي مايكل على رقبتي برفق وقال ضاحكا :
- ولماذا تصادق فتاة انجليزية ؟؟ ايتها المحتالة ..
ضحكنا معا وترك رقبتي أخيرا ..

تناقشنا كثيرا في كل ما حصل أثناء غيابي ،، وأخبرني بأغرب شيء سمعته في حياتي وهو ان عمي جوردن عاودته النوبة القلبية وكاد يموت عندما علم أنني مختطفة وأنه لا أمل في عودتي بعد مرور أيام طويلة على اختفائي ..
تعجبت في أنه يحبني رغم أن ذلك لم يظهر عليه ولا مرة مذ ولدت!!
قال عمي مايكل فجأة :
- لندا أرجوك .. أشعر في عينيك أنك تخفي أمرا ما عني .. أنا أعرفك جيدا ،، هيا أخبريني مالذي حصل لك .. أنت تعلمين أليس كذلك.. انا أعد الأيام الطويلة التي اختفيت فيها وأعلم جيدا أنه من المستحيل أن يصيبك الإغماء كل تلك الفترة .. أليس كذلك ؟؟
لم أرد .. وشعرت أنني أرغب بالبكاء ..
وتابع عمي قائلا :
- هيا ؟؟ هل آذاك أحدهم؟؟ هل أحببت أحدهم وهربتي معه ؟؟ لا تخافي سوف أحفظ سرك ..
نظرت له بغضب وقلت :
- ماذا تقصد بانني هربت مع أحدهم ؟؟؟ هل أمثل مسرحية ********************************ة !!
انفعلت كثيرا من كلمات عمي الذي قال وهو يمسح على شعري :
- لا لا،، أرجوك أنا لم أقصد جرح مشاعرك ... لكنك تخفين عني شيئا .. وأنا اريد أن اعرفه وأعدك بأن يكون الأمر سرا بيننا ..
ترددت كثيرا ..
هل أخبره ؟؟؟ تساءلت في نفسي عن ذلك ..
لقد كان عمي مايكل محط ثقتي منذ كنا أطفالا ،، وعندما كنت في المدرسة الثانوية كنت أخبره عن كل شيء يحصل معي ..
هل أخبره ...
ولكن ، هل سيصدقني أم سيقول عني أنني جننت ..

ترددت كثيرا ثم قلت :
- ما حصل معي أمر غريب ،، وأنت لن تصدقني فلا داعي لإخبارك ..
لمعت عينا عمي مايكل لأنه وصل إلى ما أراده تماما وقال مدعما الثقة في نفسي :
- سأصدقك أيا كان ذلك الأمر ومهما كان ، حتى لو قلتي أنك رجعت إلى العصر الفرعوني .. هيا قولي ..
ترددت مرة أخرى فنظر لي عمي مشجعاً ..
بدأت بهدوء أقص له ما حصل معي ،، في أول مرة رأيت فيها جاميان ...
وحكيت الحوار الذي دار بيننا لأول مرة رأيته في حياتي ،، كنت اتذكره جيدا مع أني أتخيله بعيدا .. جدا ..
" هل تعيش هنا بمفردك في ذلك القصر المهول؟
- حاليا.. نعم ..
- ألهذا السبب أنا هنا؟ هل تريدني أن أصبح صديقتك من أجل ذلك؟
- حاليا.. سوف أقول أجل!
- ما حكاية "حاليا" هذه ؟ ألا تفكر أبعد من اللحظة التي تعيشها؟
- أنا لا أعيش من أجل نفسي .. أنا مجرد وسيط بينك وبين الذين يريدونك..
- ماذا تقصد؟ هل تقـصد أنني مخطوفة؟
- لا.. أنت صديقتي ... حاليا ً ..
- ماذا؟؟؟ حاليا مرة أخرى ....؟؟ "

تذكرت ذلك فدمعت عيناي ،، حكيت لعمي كل ماعانيته هناك .. أمرجيز الملك ،، لوليانا وراجوي وأوليسي ..
جيرودا تالتن ووالدته ،، حكيت له كل شيء .. وكأنني أحكي ذلك لنفسي ،، سبيرسو ، هينوا .. القلادة ايموكيا ..
تذكرت القلادة ايموكيا فجأة ..
أين هي ؟؟ يبدو أن أحدا ما طمع فيها فأخذها وشعرت بحزن شديد فقد ضاعت مني .. جلست أحكي له حتى ظهرت الشمس ،، العجيب في الأمر ان عمي مايكل صدقني ، كان متشوقا لسماع كل ماجرى وكان يسأل عن تفصيلات الأمور ..
حكيت له عن كوكب ايموكيا وعن الكتاب واللغز الذي صادفني .. كنت ابكي احيانا وكنا نضحك ايضا ..

لكم احبك يا عمي !
كانت عينا عمي مايكل تمدني بالثقة والصدق في كل لحظة كنت اتكلم فيها ، وحكيت له حتى رؤيته في المطار ..
صمتت ..
وابتسم عمي ثم قال أخيرا :
- إنها مغامرة رائعة ،، لعلني الآن سوف أساعدك لكي تبحثي عن الجندي الأبيض ما اسمه ؟ جاميان؟
ضحكت ولم أقل شيئا،، تساءلت ما إذا كان يصدقني فعلا !!
بعد ذلك ذهبنا في نوم عميق ولم نستيقظ إلا عند الخامسة مساء ،، كانت حرارة الشمس قد ذهبت تقريبا وبقي ساعة فقط لكي تؤول للغروب ...
قال عمي بعد أن جلسنا نتناول العشاء :
- أتعرفين ،، لقد حلمت ببعض الأشياء التي حصلت معك !!
ضحكت وأنا أضع الخبز على الطاولة وقلت بعد أن جلست :
- علي أن أتصل بـ بريا حتى آخذ منها الكتاب ،، يجب أن تراه !!
- لا أصدق حتى الآن أنك فرطت في القلادة الكايبا ؟؟ الموكيبيا؟؟ ما اسمها ؟؟
- لم أفعل ذلك قصدا فقد كنت مخدرة .. والقلادة كانت حول رقبتي ،، لا أعرف من أخذها .. ولا يمكنني ابلاغ الشرطة عنها فهي غريبة وسيسألون عنها حتما!!
- سنقول أنها ملك لعائلتنا من آلاف السنوات !
- لا اعتقد أنني سأكون مخطوفة وسيترك الخاطفون القلادة حول رقبتي .. يجب أن نكون واقعيين !
- أظن أن معك حق .. لقد نسيت تلك القصة الأخرى !!
ابتسمنا وتابعنا تناول العشاء ،، وبعد ذلك خرجنا ...
اتصلت على بريا من هاتف الفندق ثم قابلناها في الشارع الرئيسي بعد نصف الساعة تقريبا ..
كانت بريا تحمل حقيبة قماشية وقالت بريا بابتسامتها الرائعة :
- لقد أحضرت لك الكتاب وطبعا ... قلادتك ! أم انك نسيتيها ؟؟
قلت باندهاش :
- ماذا؟؟ القلادة ؟؟ ألم تأخذها العصابة ؟؟
عادت بريا تقول :
- ألم أقل لك أن أمرك عجيب جدا ..
عانقت بريا بفرح وهتفت بسعادة :
- انت صديقة حقيقية،، شكرا لك..
نظر عمي نحونا ثم قال مازحا :
- بريا .. ألا تفكرين بزيارة انجلترا؟؟

ابتسمت بريا ثم قالت:
- سأفعل ذلك لكي أحضر حفل زفاف لندا عندما تقرر الزواج !!
ضحكنا نحن الثلاثة فقال عمي :
- ماذا إذا تزوجت انت ؟؟
- ستأتي لندا إلى الهند ..
قالتها بريا ضاحكة فعاد عمي يقول مازحا:
- هذا أمر بديهي ،، ولكن ماذا إذا تزوجت في انجلترا ..

ابتسمت بريا وقالت :
- لا اعتقد ان هذا سيحدث ..
نظرت إلى عمي شذرا لكي يكف عن المعاكسات وهمست في اذنه :
- ماذا ..؟؟ هل تظن نفسك وسيما ؟؟
قال عمي مازحا يحدث بريا بدون أن يعيرني اهتماما :
- يمكنني أن أحصل لك على جنسية بريطانية ..
ابتسمت بريا وقالت :
- أوه .. شكرا لكنني لا اريد تغيير جنسيتي فعلا ..
ظل الاثنان يضحكان ويمزحان مع بعضهما طوال الوقت حتى وصلنا إلى حديقة كبيرة وجلسنا نشرب العصير ،، أما أنا فتطلعت إلى وجوه المارة بعناية علني أرى أحد ما ..
تساءلت .. أين جاميان الآن؟؟ وجيرودا ؟؟ هل مازالا في إيموكيا ؟؟ أم ..
فتحت الحقيبة ونظرت بالداخل ..
شاهدت الكتاب القديم صاحب الألف صفحة .. ورأيت القلادة ولؤلؤتها الزرقاء ثم نظرت نحو بريا ،، يالها من مخلصة ،، لم تعرفني وكان بإمكانها أخذ القلادة ولكنها كانت فتاة أمينة جدا ..
يبدو عمي معجبا بها كثيرا .. وهذا يسعدني،، لكن بريا لا تبدو أنها ستقبل الارتباط بشاب انجليزي لأنني أظن أن عائلتها متمسكة بمبادئ معينة سترفض بالتأكيد شابا انجليزيا يكون شريكا لحياة ابنتهم مدى الحياة .. وربما قد أكون مخطئة ..

عدت و مررت بعيني على المارة مرة أخرى ،، ومن بعيد شاهدت شابا يسير معطينا ظهره له شعر أحمر قصير وبشرة بيضاء ..
هل يكون جيرودا ؟

تخيلت لوهلة أنه جيرودا وتركت الحقيبة مع عمي ثم قلت مسرعة :
- سأشتري بعض الحلوى .. انتظراني ..
تركتهما بسرعة وركضت خلف الشاب،، كان علي أن أتأكد ..
حاولت اللحاق به بدون أن يشعر ولكنه توقف فجأة ثم نظر خلفه بغضب ..
وضعت يدي على صدري من الفزع ونظرت إلى وجهه ،، كان شابا أجنبيا حتما لكنه لم يكن جيرودا أبدا وقلت بتردد :
- أنا .. آسفة جدا .. حقا آسـ .. ـفة .. لقد ظننتك شخصا آخر ..
تغيرت نظرة الغضب عندما رآني وابتسم الشاب ثم قال بلهجة أمريكية :
- لا بأس .. أنا أيضا آسف ..

تركته وعدت إلى عمي مايكل وبريا ،، كان قلبي مازال يرتجف من الإحراج وجلست إلى جوار بريا فقال عمي ساخرا:
- أين الحلوى ؟؟ هل تناولتيها بتلك السرعة؟؟
كنت شاردة الذهن ولكنني قلت بعد ثانية من الصمت :
- أي حلوى ؟
ضحك عمي وضحكت بريا فتذكرت وقلت :
- آه .. لقد .. لقد ، لم أجد .. لم استطع اللحاق بالبائع!
عادا للضحك عليّ مجددا ..
بعدها سرنا قليلا حول الحديقة وفضحت عمي مايكل أمام بريا وحكيت لها عما كان يفعله عندما كنا صغارا ،، هو أيضا فضحني ،، لكن مصائبه كانت أكبر دائما من مصائبي وضحكت بريا كثيرا ..
ثم افترقنا وعدنا إلى الفندق مرة أخرى ..
عندما عدنا ظل عمي يتأمل القلادة باندهاش ويمسك الكتاب بحرص ويقلب صفحاته متعجبا مما يرى ،، بينما فتحت له خريطة بانشيبرا و ذهبت لآخذ حماما ...
في الصباح توجه عمي إلى السفارة وقابل السفير هناك ،، ثم حجز لنا على طائرة العودة بعد أن أنهى كل أوراقي ..

شعرت بالحزن لأنني سأفترق عن صديقتي بريا وتكلمت معها بالهاتف فقالت أنها ستقابلني في المطار ولذلك ذهبت مع عمي قبل موعد الطائرة بساعة حتى يتسنى لنا البقاء معا لبعض الوقت ..
في المطار جلست مع بريا وعمي وتحدثنا ،، وعد عمي بأنه سيأخذني للهند ذات يوم لزيارة بريا ..
وعندها نادت رحلتنا ..
ودعت صديقتي بريا وتوجهت إلى الطائرة بصحبة عمي مايكل ..
وفي الطائرة فكرت كثيرا ...
تذكرت إيميلي وميرندا ،، أظن انهما علمتا أنني قادمة .. ربما لا تعرفان بعد .. كنت متشوقة جدا للقائهما ..

نام عمي في الطائرة وأسند رأسه على كتفي ،، وعندما وصلنا ظل عمي نائما فقالت المضيفة قبل الهبوط :
- أرجو منك يا آنسة أن توقظي صديقك ، فنحن على وشك الوصول ..
ابتسمت وضحكت من كل قلبي ،، تقول عن عمي انه صديقي ؟؟ ربما لأنه لا يكبرني كثيرا وقلت بسخرية وانا اوقظه :
- هيا يا مايكي ،، هيا يا صديقي لقد اقتربنا على الوصول .. استيقظ ..
فتح عمي عينيه بصعوبة وقال :
- ماذا ؟؟ هل وصلنا بتلك السرعة ؟؟
قلت بسخرية :
- لقد نمت خمس ساعات على الأقل .. هيا يا مايكل..

نظر لي باستغراب لأني قلت له "مايكل" ثم قال :
- يعجبني ذلك ... لا أحب كلمة عمي فهي تشعرني بأنني عجوز ..
ثم تثاءب وتابع :
- وخصوصا من شابة كبيرة مثلك ..
لم تمر سوى فترة قصيرة حتى كنا ندلف إلى مطار لندن ، وهناك رأيت عمي جوردن بانتظارنا ومعه زوجته السيدة ديانا ..
ركضت نحو عمي الذي احمر وجهه من الفرحة وعانقني بقوة ،، كان عمي جوردن رجلا قويا يغطي الشعر الأبيض معظم رأسه ولديه شارب بني كث وهو طويل القامة ويحب ارتداء الزي الرسمي في المناسبات .. ونظارته الصغيرة بالطبع ..

السيدة ديانا سيدة لطيفة جدا ولطالما كانت سر الصلح الذي يجري بيني وبين عمي جوردن عندما يكون غاضبا مني ومن تصرفاتي الغير مسؤولة في نظره ..

ركبت في السيارة مع عمي جوردن وعمي مايكل والسيدة ديانا وقام السائق بإعادتنا إلى المنزل .. كانت الساعة تقترب من السادسة مساء وكان الضباب يملأ الجو ..
مررت بذلك الشارع الذي شاهدته لآخر مرة منذ وقت طويل ..
عندما التقيت بجاميان أول مره ...
وقفت امام منزلنا وكأنني لم أره منذ سنوات .. وعندما دخلت كانت هناك مفاجأة رائعة ،،
البالونات والشرائط الملونة تزين المكان ، وعندما دخلت رشت علي إيميلي الزهور وقامت ميرندا بإطلاق شرائط لماعة فوق راسي ..
فرحت جدا بوجودهما وعانقتهما معا .. بدموع مليئة بالفرحة هتفت إيميلي :
- سامحيني يا لندا ،، فأنا كنت السبب في ماحصل لك ..
عدت فعانقت ايميلي وميرندا وقلت:
- لا تقولي هذا .. انتما أفضل صديقتين ..
التفت إلى اعمامي الثلاثة الذين رأيتهم يبتسمون لي ،، عمي ليوناردو ،عمي جيم وعمتي ماري أيضا ..
كانوا سعداء جدا بوجودي ورأيت أبناء أعمامي وبناتهم ،، كان الجميع بانتظاري وكانت الحفلة التي اعدوها لي حفلة رائعة أعادتني إلى الجو الأسري الذي فقدته منذ أعوام ..
ولكنني لم أنساهم أبدا ...
جاميان ،، وجيرودا ...


بعض مضي أيام على عودتي بدأت حياتي تعود إلى مجراها الطبيعي ،، كان ميعاد الدوام الجامعي قد اقترب خاصة وان معظم الأجازة قد قضيتها في كوكب آخر .. من سيصدق هذا ..
لا احد يعرف ذلك سوى عمي الحبيب مايكي ،، وهو لم يتكلم معي في الأمر بعد ذلك لأنه سافر إلى أميركا مع أصحابه ..
عدت إلى الوحدة من جديد فأنا لا أرى ايميلي وميرندا إلا عندما نذهب للتسوق .. وفي ذلك اليوم خرجنا إلى السوق بعدما حصلت على موافقة عمي جوردن الذي صار يلبي لي كل طلباتي بابتسامة وحب على غير العادة ، لكنه أصر على أن يذهب معي ابنه الأكبر البغيض جوش ،، كنت اكره جوش وخاصة انه مغرور ويملي علي ما افعل وهو يحب ان يبقي شعره طويلا حتى يهتز مع الهواء يمنة ويسرة كل دقيقة..
ياله من مغرور !!
حاولت أن أجعل عمي يوافق أن اذهب مع ميرندا وايميلي بمفردنا ولكن عمي الارستقراطي أصر "كالعادة" أن يرافقنا جوش المغرور ..
سرت مع ميرندا وايميلي وتبعنا جوش في السوق .. وقالت ميرندا بخفوت :
- ماهذا ،، نحن لانستطيع الكلام ولا التسوق براحة أبدا ..
ضحكت وضحكت ايميلي وصاح جوش من خلفنا :
- سمعتك ..
رفعت ميرندا حاجبيها في دهشة .. ولم تلتفت إلى الخلف من الاحراج وضحكنا عليها فقال جوش :
- حسنا , سأعطيكما فرصة للتسوق بمفردكن .. سأذهب إلى صديقي ثم أعود إليكم في وقت لاحق ..
ثم نظر إلى وتابع :
- سأتصل بك لندا ،، اياك أن لاتسمعي هاتفك الخليوي أمسكيه بيدك ..
- حسنا ..
قلت ذلك بهدوء ..
وبعد ان ابتعد جوش عن انظارنا صحنا معا من الفرحة وانطلقنا نركض ونشتري ملابس للسنة الجديدة في الجامعة ..
في كل مكان كنت أدور بعيني باحثة عن جاميان أو جيرودا .. أين هما ياترى ؟؟
ربما لم يأتيان بعد .. ولكن لماذا ؟ لقد مضى وقت طويل جدا ..
وجاميان ، لقد بقي على سطح هذا الكوكب مدة شهرين .. إنه يعرف العنوان جيدا ، اين هو .. لقد اشتقت إليه كثيرا ..
- لندا .. مارأيك بذلك الحذاء ،، أظن انه رائع ..
- آه إنه يناسبك لندا ..
انتبهت فجأة على كلام صديقتاي وقلت بارتباك وانا انظر للحذاء :
- آه نعم ، إنه جميل ..
بعد ان خرجنا من مركز التسوق ذهبنا إلى المطعم وتناولنا طعام العشاء فقالت ايميلي باستغراب :
- لندا ، لقد أصبحتي مختلفه كثيرا بعد ان عدت ..

قالت ميرندا وهي تهز شعرها البني القصير :
- هذا صحيح ،، أنت تدورين في المكان بعينيك طوال الوقت وكأنك خائفة من شخص ما ..

لم أقل شيئا فعادت ايميلي تقول :
- لا تخافي يالندا ، لن يستطيع احد اختطافك مجددا مادمنا معا .. أليس ذلك صحيح ميرندا ؟
- بلى ،، كما انت اصبحت هادئة على غير العادة وتفكرين كثيرا قبل الاقدم على شيء ... حتى شراء الاحذية ..
أكملت مابقي من كوب العصير وقلت :
- أنتن تتخيلن .. أنا لم أتغير أبدا .. ولست خائفة أبدا .. هذا هراء ..
وقفت ثم نظرت في ساعة يدي وقلت :
- ماهذا .. لقد تأخر جوش .. كيف سنعود إلى المنزل ،، يبدو انه نسينا ..
كانت ميرندا مشغولة بشرب العصير ولكن ايميلي قالت :
- دعيه ! الوقت مازال مبكرا ،، دعينا نذهب إلى مدينة الألعاب أو نعود للتسوق..
عدت للجلوس حتى انتهت صديقتاي ثم وقفنا معا وخرجنا إلى الخارج ..
كان الشارع مزدحما بالمارة وفضلنا أن نأخذ الطريق الآخر المؤدي إلى السوق .. وبينما نسير في الشارع الآخر انحرفت سيارة مسرعة عن الطريق فجأة ..
صرخت بفزع وهي تتجه نحونا منزلقة على الطريق .. وبسرعة وبدون أي مقدمات اصطدمت السيارة بالجدار بعد أن كانت ستأخذنا معها ..
وقفت انظر الي العربة التي كانت على وشك اقتلاعنا من على الأرض،، كان الموقف قريبا جدا حتى أن ايميلي اغمي عليها ..
اعتنت ميرندا المفزوعة بايميلي بينما ركضت بسرعة نحو السيارة وصرخت :
- النجدة .. اسعاف ..
حاولت النظر بالداخل وخفت أن السائق قد فقد حياته بعد تلك الصدمة العنيفة ،، المارة شاهدوا الموقف واتصل احدهم بالأسعاف ،،
في داخل السيارة لم يكن هناك سوى السائق وكان رجلا مغطى بالدماء ،، فتحت الباب المحطم بصعوبة فانكسر ولكنني فتحته و أمسكت بالرجل ،حاولت تحريكه بلا فائدة ولذلك وقفت إلى جوار السيارة المحطمة انتظر قدوم الاسعاف حتى لا اتسبب في مضاعفة حالته ..

هذا إذا كان على قيد الحياة ..

بسرعة كبيرة وصلت سيارة الاسعاف والشرطة ، فابتعدت عن السيارة بينما تمت عملية الانقاذ ،، اسعاف اخرى أخذت ايميلي التي كانت مصابة بانهيار عصبي ..
وانتقلنا معها إلى المشفى نفسه،، وبقينا هناك إلى جوارها بعض الوقت ولم تفق فاستأذنت من ميرندا وتوجهت إلى غرفة العمليات حيث كان هناك الرجل المصاب .. تعجبت من المكان فقد كان فارغا .. لم يأت أحد لزيارته ؟؟
اليست لديه عائلة ؟
خرج الطبيب بعد قليل من الوقت فسألت :
- من فضلك أيها الطبيب .. كيف هو حال المريض ..

نظر لي الطبيب وقال بألم:
- إن حالته صعبة ،، ولذلك سينقل للعناية المركزه ،، وهو يحتاج إلى نقل دم عاجل .. هل أنت قريبته ؟؟
هززت رأسي نفيا وقلت :
- أنا حتى لا اعرف اسمه ..
قبل أن يقول الطبيب شيئا ارتفع رنين هاتفي الخليوي فقلت :
- سأتكفل بنفقة المشفى حتى يظهر أقرباؤه .. المعذرة من فضلك سأجيب على الهاتف ..

ابتسم الطبيب وتمتم متعجبا :
- هذا عجيب ..
فتحت هاتفي الخليوي وأجبت .. كان المتحدث هو جوش وقال :
- أين انتن .. سأنتظركم عند سنتر بارك ..
قلت بغيظ :
- نحن في المشفى القريب من السوق ،، تعال بسرعة ايميلي متعبة جدا ..
- ماذا ؟ مالذي حصل ؟
- هيا تعال وستعرف ..
كان الطبيب قد رحل ورأيت ميرندا تقترب من بعيد وقالت بضيق بعد أن جلست إلى جواري :
- لمذا تهتمين بذلك الغريب ؟؟ أليس لديه تأمين صحي ؟؟
- لا اعلم .. لكنه يحتاج إلى نقل دم ..
زفرت ميرندا بغيظ وقالت :
- لم يتبقى إلى أن تتبرعي له بدمك ،، لقد كان سيأخذ حياتنا ، وأظن أنه كان يقود وهو ثمل فأغلب الحوادث تكون هكذا ..

لم أعرف ماذا أقول ومن بعيد شاهدت فتاة تقترب مذعورة وكانت ترتدي زيا غريبا وكأنها تعمل في منجم ،، ونظرت إلى غرفة العمليات ثم نظرت إلي باستغراب لا اعلم لماذا و سألتنا بخوف :
- هل هو بخير ..
تنهدت ميرندا بارتياح وقلت :
- ان حالته صعبة ، ويحتاج إلى نقل دم ..
كانت الفتاة رقيقة جدا ويبدو ذلك من كلامها ومظهرها وشهقت غير مصدقة عندما أخبرتها بذلك ثم بدأت بالبكاء .. تساءلت في نفسي .. هل تعمل في محطة القطارات أم ماذا .؟؟
سألتها :
- هل هو قريبك ؟
كانت تبكي بحرقة وقالت وهي تمسح أنفها بمنديل :
- إنه شقيقي ..
- هل كان ثملا عندما كان يقود السيارة ..
نظرت لي الفتاة باندهاش وتمتمت ميرندا :
- هذا امر لا يعنيك .. هيا بنا الآن ولاتقومي بدور المتحرية كالعادة ..
نظرت إلى الفتاة فقالت بحزن :
- لقد كان غاضبا جدا وحزينا ،، حصل ذلك بسببي ..
عادت الفتاة إلى البكاء وشاهدنا بعض الممرضات يتجهن إلى الغرفة فلحقت بهن الفتاة الرقيقة وعدت أنا وميرندا إلى غرفة ايميلي ولكن قبل أن نصل فوجئنا بـ جوش يركض نحونا بخوف وصاح :
- ماذا .. لما ملابسك مليئة بالدماء ..
نظرت إلى ملابسي ،، فوجئت أنا ايضا فلم ألحظ ذلك مع الانشغال وقلت :
- ربما اتسخت عندما حاولت أن اخرج الرجل المصاب ..
- أي رجل .. مالذي جرى ؟؟
قالت ميرندا بهدوء:
- كان سيحصل لنا حادث ،، ولكن ايميلي اصيبت بانهيار عصبي ..


نظر جوش بخوف وقال :
- يا الهي سوف أقع في مشكلات كبيرة ،، ليتني لم أترككن .. هذا هو جزاء من لاينفذ الأوامر!!
ضحكت على المغرور وتوجهنا معا إلى غرفة إيميلي التي كانت ماتزال غائبة عن الوعي وقالت ميرندا :
- علينا أن نخبر والديها .. وفورا ..

نظرت نحو ايميلي وقلت بضيق :
- سوف يضخم والداها الأمور فهي ابنة عائلة وورثنجتون الرقيقة والتي لم تشك بإبرة منذ ولدت ..
- سيعرفان بأي حال ..
بالفعل خرجت ميرندا لتتحدث إلى والدي ايميلي ..
بقينا لبعض الوقت حتى وصل جيمس شقيق ايميلي في البداية ،، كان مفزوعا وتكلم معه جوش لبعض الوقت حتى وصل والدا ايميلي بكل الخوف والفزع والشفقة وظلا ينظران اليها وكانت امها تبكي ..

سلم جيمس علي أنا وميرندا وسألني عن سر الدماء التي تبقع ثوبي ثم ابتسم قائلا :
- لا تخافا على ايميلي، إنها هكذا دائما عندما تخاف بشدة .. سوف تكون بخير .. لكن والداي يضخمان مرضها دوما ..
قالت ميرندا بقلق :
- علينا أن نعود إلى المنزل ،، فقد تأخر الوقت وستقلق علي والدتي ..
قال جيمس بابتسامه :
- سأوصلكما إذن ..
قلت بسرعة:
- لا لا .. شكرا جزيلا ،، سيفعل ذلك جوش ..
نظرت بعيني أبحث عن جوش ثم رأيته يتكلم مع الطبيب ،، فتوجهت إليه وعندما رآني الطبيب قال :
- هل تسمحين يا آنسة بدقيقة ..
- بالتأكيد ..


سرت مع الطبيب حتى ابتعدنا عن المكان قليلا فقال :
- الشاب الذي حصل معه الحادث،، يبدوأن شقيقته لن تستطيع دفع كل متطلبات العلاج ، فهل ستساعدينهم ..
قلت بدون تفكير :
- بالطبع .. غدا سأعود ومعي المال ،، لكن من فضلك .. لا تخبرهم أنني من فعل ذلك ، أحب أن يكون الأمر سرا بيننا ..
قالت الطبيب مندهشا :
- كما تشاءين يا آنسة ...
كنت أعلم أن عمي جوردن سيوافق على اعطائي المال فهو يحب تقديم المساعدات دائما ..
وعدت إلى المنزل بصحبة جوش بعد أن أوصلنا ميرندا ، وبدون أي كلام آخر عدت إلى غرفتي استرجع أحداث ذلك اليوم ...
في اليوم التالي تكلمت مع عمي جوردن الذي وعدني بارسال المال إلى المشفى ، وذلك هدأت نفسي لكنني لم أعرف عن الشاب وشقيقته أي شيء بعد ذلك ..

بعد يومين خرجت ايميلي من المشفى وذهبت لزيارتها مع ميرندا وهناك قابلنا آرثر وجيمس اللذان ظلا يمزحان مع ايميلي ويسخران من جبنها طوال الوقت ..
عدت على منزلي ..
في الحقيقة ، لم أيأس أبدا ولو ليوم واحد أن أرى جاميان .. أو جيرودا..
أين هما طوال ذلك الوقت ..
ربما قررا العودة لوطنهم مجددا ومواجهة المصاعب هناك ؟
لا اعلم لماذا أشعر انهم هنا ؟؟
فتحت خزانتي واخذت الكتاب الذي اهدته لي والده جاميان .. أمسكت بالكتاب وجلست في شرفتي ..
عدت أسير بأصبعي فوق خريطة بانشيبرا وتيمالاسيا اللتان يفصل بينهما بحر واحد.. يالها من أيام!
عدت استرجعها وانا ابتسم ،، كان يعجبني اسلوب جاميان وجيرودا في تعاملهما معا فهما لطيفين ومتفاهمين جدا .. اكتشفت انني احبهما جدا .. واحترمهما ..وافتقدهما بشدة .. لقد ضحيا بالكثير من الأشياء الغالية من أجلي ..
أمسكت بالقلادة ايموكيا وعلقتها حول رقبتي ، كانت جميلة ..
ظللت في تأملاتي حتى طرقت خادمتنا ميرلا الباب وعندما دخلت قالت :
- سوف يأتي عمك مايكل غدا من اميركا ..
- حقا ؟؟
أخيرا سيعود .. كنت سعيدة جدا بالخبر ولذلك فقد نمت مبكرا ذلك اليوم وفي اليوم التالي استقبلت عمي مايكي باللكمات والضربات كالعادة ..
كما أحضر لي هدية رائعة من اميركا بمناسبة العودة إلى الجامعات ..
مضى شهر كامل منذ عودتي إلى لندن تحدثت فيهما مرتين إلى صديقتي الهندية الرائعة ، بريا ،، وها انا الآن اعود إلى الجامعة مع صديقتاي ميرندا وايميلي ..
كانت ميرندا معي اما ايميلي فانتم تعرفون القصة ..
بدأ العام الدراسي مجددا وعدت إلى الروتين السابق ، الجامعة ،البيت، الدراسة ، الغداء ، العشاء ، النوم ..
لكنني رغم مرور الكثير من الوقت ، لم أنس أن ابحث عنهما ،، مللت من انتظار جاميان فقد أصابني غيابه بحالة نفسية ..
إنه يعرف العنوان بالتأكيد .. اين هو ؟؟
مرت شهور وانا على حالي حتى دعاني عمي جوردن إلى مكتبه في ذلك اليوم ..
توجهت إلى مكتب عمي وانا اتساءل عما يريده عمي جوردن ، فهو لم يدعني يوما إلى مكتبه إلا لأمر ضروري جدا ، وعندما دخلت إلى المكتب وسمح لي عمي بالجلوس قال :
- هناك امر مهم أريد أن احدثك به ..
- تفضل يا عمي ..
نظر لي عمي نظرة تفصيلية غريبة من أسفل نظاراته الصغيرة ثم قال :
- هناك شاب جاء لخطبتك ....
- حقا ؟؟

قلت ذلك محاولة عدم اظهار أي تعبير .. فأكمل عمي :
- كنت اود تأجيل موضوع خطبتك حتى تنتهي دراستك ولكن الشاب مصر على أن اعرض عليك الأمر ... الشاب تعرفينه جيدا ..
- من هو ؟؟
- ذلك الشاب مهذب ومن عائلة عريقة ولا يمكنني رفضه ، لكن القرار في النهاية راجع لك ..
- من هو يا عمي ارجوك ..
- جيمس وورثنجتون ..
- ماذا ؟؟
قلت ذلك بذهول وانا اكرر .. جيمس ؟؟ يخطبني أنا ..
قلت وانا اهز رأسي بعصبية :
- لا ..
نظر عمي باندهاش وقال بهدوء كالعادة :
- ظننت أنك تستلطفينه ، كنت أظنك ستفرحين بالأمر...
فكرت لدقيقة وقلت :
- لا ياعمي ،، أنا لا أفكر بالزواج الآن ، ,ولا أفكر بـ ..
قاطع عمي حديثي قائلا :
- لكنه جيمس ... أنه افضل الشبان الذين ستقابلينهم في حياتك ... أرجو منك أن تفكري بينك وبين نفسك بتأنٍ .. واريد ردك النهائي غدا ...
انصرفت من مكتب عمي وانا اشعر بالاستغراب ،، لم أكن محتاجة للتفكير فأنا بالتأكيد لا أحب جيمس ولن اتزوجه .. مع أني متعجبة جدا من خطبته لي لأني أظن أن السيدة وورثنجتون لا تستلطفني فهي تظن أن تصرفاتي لا تكفي تماما لكي أكون أميرة انجليزية !! .. لا لن أوافق أبدا ..
أنا أحب جاميان .... وجاميان فقط ،، وسانتظره للأبد ..

وبينما اسير في الممر بعصبية كانت خادمتي ميرلا تنتظرني وقالت :
- آنستي ، عمك السيد مايكل ينتظرك في غرفة الضيوف ويدعوك إلى هناك باسرع وقت ..
تساءلت باندهاش :
- هل معه أي شخص ...
- هناك ضيفان يا آنستي ولكنني لم أعرفهما ...
الجندي الابيض

عدت إدراجي إلى غرفة الضيوف وطرقت الباب فدعاني عمي مايكي إلى الجلوس ، شاب ظريف يجلس مبتسما وإلى جواره فتاه .. أظن أنني رايت الفتاة من قبل في مكان ما فوجهها يبدو مألوفا بالنسبة لي ..
وقف عمي وقال يعرفني :
- السيد ونبيرج ، وليام ونبيرج ...
- تشرفت بمعرفتك ...
- وأنا أيضا ...

تابع عمي :
- الآنسة ليلي وينبرج ..
- مرحبا ..
- أهلا بك ..
جلست إلى جوار عمي فقال بعد أن جلسوا أيضا :
- لقد جاء السيد ونبيرج إلى هنا لكي يراك ..
قلت باندهاش :
- حقا ؟ ولكنني لم أقابله من قبل ..
تساءلت في نفسي إن كان خاطبا آخر ...
ابتسموا وتبادلوا النظرات فقالت الآنسة :
- ألا تتذكرينني ،، أنا شقيقة الشاب الذي كاد يصدمكم منذ شهور .. الحادث ، هل تتذكرين ..
آه .. أنها الفتاة الرقيقة التي كانت تبكي في المشفى ..
ثم قال السيد وينبرج :
- كنت اود شكر صنيعك معي ومع اختي،، فقد كنت طيبة جدا ..
رمقني عمي باعجاب وقلت بخجل :
- لا داعي للشكر ،، لكنني طلبت من الطبيب أن لا يخبركما بالأمر ..
كنت خجلة جدا وقال عمي :
- السيد وينبرج دعانا لقضاء أجازة منتصف العام القادمة في مزرعته بالريف ،، فما رأيك ؟؟
قلت بامتنان :
- شكرا لك يا سيد وينبرج على الدعوة الرائعة ،، سوف نتشرف بتلبية طلبك بالتاكيد ..
- هذا ماكنت أتمناه ..
بعد وقت قصير ودعنا السيد وينبرج وشقيقته
وفوجئت بكم الهدايا الذي احضراه لي ولعمي مايكل ..
وقال عمي ونحن نعود إلى غرفتي :
- لكم أحب الريف!!
قلت ساخرة منه :
- أنت تحب اميركا ..
أمسك عمي براسي وضحك ضحكة كوميدية ثم قال :
- أنا احب الهند !!


عدنا للضحك مرة أخرى فقلت :
- صحيح مايكي ،، ألا تفكر بالزواج أم أنك تنوي أن تصبح عازبا مدى الحياة .. لديك الريف ولديك الهند ،، وبالطبع اميركا ..
ضحك عمي وقال ساخرا :
- اصمتي أيتها العانس !!
ركضت خلفه وأطحت به أرضا ثم أنهلت عليه ضربا وركلا .. كان يدافع عن نفسه فأوقعني أرضا وضحكنا طويلا حتى انقطعت أنفاسنا ..
نظر لي عمي مايكي بعد أن توقفنا عن الضحك وقال :
- ما رأيك في جيمس وورثنجتون ؟
ابتسمت ثم قلت بسخرية :
- هيا ،، كف عن هذا لقد أخبرني عمي جوردن بالأمر ..
ضحك عمي وقال :
- حسنا أجيبي عن السؤال ...
- أنت تعرف أنني لا أحب سوى جاميان ..
نظر عمي باندهاش وقال :
- جاميان !؟ أما زلت تفكرين في ذلك الشيء الفضائي ؟

قلت بغضب :
- هيا كف عن إغاظتي،، انت تعرف أنني أحبه ..
- حسنا أين هو ؟؟
صمتت لوهلة وترقرت عيناي بالدموع فقلت :
- لا أعرف ، لكنني أشعر أنني سأراه قريبا ..
- لا أريدك ان تعيشي في أحلام خيالية ، أرجوك لندا .. عودي على الواقع ..
نظرت لعمي مايكل وقلت بحزن :
- لقد كنت أظن أنك الوحيد الذي صدقني ..
- أنا أصدقك ...
- لماذا تقول إذا أنها أحلام خياليه ..
- لأنني لم أر ذلك الشاب الذي تتكلمين عنه حتى اللحظة ،، أنا أنظر في كل العيون أبحث عن عين ارجوانية ..

ضحك عمي مرة ثانية ولكنني قلت :
- يكفي ،، أنت تتعمد إغاظتي ..
- لا .. أقسم لك .. لكن هذا العرض الثاني للزواج بك ..
- العرض الثاني ؟؟
- نعم ألم يطلب منك ملك بانشيريا ان تتزوجيه ..
- تقصد بانشيبرا ؟
- نعم ..

ضحكت وقلت :
- حسنا فهمت ،، أنت تتذكر كل شيء بالتفصيل ..

ضحك عمي وخرج من الغرفة وتوجهت نحو مكتبي وأعددت مذكراتي حسب جدولي في الجامعة ثم تناولت العشاء مع عائلتي وذهبت للنوم ...
في اليوم التالي عدت من الجامعة مرهقة وكانت اختبارات نصف العام قد اقتربت ، ولذلك فقد بدأت بتجهيز نفسي للدراسة بجد فلم يتبق سوى اسابيع ..
في تلك الأثناء طلب عمي جوردن قراري النهائي على الموضوع فقلت أنني لن أفكر بالزواج الآن وقد أخبرته أنني لا احبه ..
عمي جوردن كان غاضبا مني واتهمني بأنني هوائية ولا أفكر في مصلحة نفسي لأنني أرفض شابا رائعا مثل جيمس ، وبسبب شيء تافه في نظره وهو الحب وعدم الحب !!

في تلك الأثناء حاولت تجاهل الكل وتفرغت لدراستي فلم يتبق سوى اسبوعان على بداية الاختبارات ..


في الحقيقة كنت لم أيأس بعد من أن ارى جاميان مرة أخرى ،، كنت اذاكر كثيرا وفي وقت الراحة كنت أفكرفيه رغما عني ..
أقسمت أنني سأضربه عندما أراه .. وضحكت على تخيلاتي كثيرا .. ولكن .. يبدو الواقع أنني لن أراه مجددا فعلا كما قال عمي مايكي ......
وبالطبع كانت أيام الاختبارات مملة وكريهة كالعادة ،، ومرت أيام الاختبارات ببطء شديد وكنت اطمئن بالهاتف على صديقتاي ميرندا .. و ايميلي التي تذاكر بجد حتى لاترسب مجددا..
تلقيت بعد الاختبارات مكالمة من صديقتي الحبيبة بريا ،، وكانت سعيدة جدا لأن وضعي مستقر ..
وأخيرا انتهت الاختبارات وأخبرني عمي مايكي أن علي أن اتجهز لأننا سوف نذهب إلى الريف عند السيد وينبرج الذي عاد للاتصال بعمي مايكي مرة أخرى مؤكدا موعد حضورنا ..
ولهذا انطلقنا بعد يومين فقط ..
ذهبت مع عمي مايكل فقط وكونا ثانئيا رائعا خلال الطريق فقد كنا نصيح ونلعب طوال الوقت مع انه كان يقود السيارة إلا انني كنت اجعله يغني رغما عنه واضحك عليه ..
وصلنا أخيرا وكانت مشاهد الريف رائعة حقا ،، وبعيدا عن تلوث المدينة وضبابها وزحامها ..
من بعيد شاهدت الشاطيء ولكم كان رائعا ...
اتصل عمي بـ وليم وينبرج ، فقال له وليام أن يتجه نحو الفنار القريب ..
ظللنا نبحث عن الفنار حتى قال عمي :
- يبدو أننا ضللنا الطريق ، أو انك اخذت الفنار الي ايموكيا ..
ضحكنا بشدة ..
ثم سرنا بالسيارة لبعض الوقت حتى رأينا الفنار من بعيد ،، وقلت مندهشة :
- إنه يشبه الفنار الذي كان في ايموكيا ..
ضحك عمي وقال :
- كل فنار يشبه الآخر .. لا تقلقي بهذا الشأن ...
وصلنا عند الفنار ونزل عمي ثم اتصل بـ وليم مجددا، الذي لحق بنا بعد قليل ثم ابتعدنا عن الفنار قليلا حتى وصلنا إلى مزرعة ريفية جميلة .. كان هناك كلب أبيض صغير يركض هنا وهناك خلف الأوز ..

والمنزل كان جميلا جدا ،، وكانت الآنسة ليلي ومعها فتاة أخرى في استقبالنا وكان هناك رجل مسن قدم أيضا لتحيتنا وعرفنا وليام وينبرج على الرجل المسن أولا :
- والدي السيد شون وينبرج ..
صافحناه وابتسم بسعادة ثم تعرفنا على الفتاة الأخرى وهي صغيرة في السن تقترب من الرابعة عشرة من العمر وهي شقيقة ليلي ووليام وتدعى أليس ..

بعد ان دخلنا حملت أليس حقائبنا وركضت بسعادة .. كانت فتاة ممتلئة بالحيوية وأخذتني بسرعة ومعها ليلي لكي أشاهد الغرفة التي أعدوها لي بالطابق الثاني ،، يالهما من فتاتان رائعتان ..

كانت أليس مختلفة عن اختها الرقيقة فهي مشاغبة ولديها شعر أسود وعينان زرقاوان صافيتان .. أما ليلي فقد كان لديها شعر بني فاتح وعينان بنيتان مثل شقيقها الأكبر وليام ..
توجهت مع الفتاتان إلى غرفتي التي اعدوها لي فرأيت أنها رائعة وقد زينوها بالزهور ووضعوا ستائر وردية وبيضاء ،، كانت رائعة جدا وقد رسمت أليس صورة طبيعية جميلة وكتبت عليها لندا ثم علقتها فوق النافذة ..
سعدت جدا لحفاوتهم بي ..
ثم توجهت معهم الى الأسفل ووضعنا طعام العشاء ثم جلسنا ، حكى لنا السيد شون وينبرج عن اليوم الذي حصل فيه الحادث لويليام ..
قال السيد شون :
- كان ويليام في ذلك اليوم غاضبا من اخته ليلي لأنها تشاجرت مع مروض الخيول، ولهذا فقد جاء يشكو لي فأخبرته أن لا يتدخل فيما لا يعنيه فترك البيت وغضب وخرج ..
ابتسم ويليام وقالت ليلي :
- إن ويليام غضبه مفزع جدا وانا اشفق على خطيبته منه ... لا اعرف لماذا تحبه وكيف ؟

ضحكنا جميعا وقالت أليس بمرح :
- عندما دخلت اختي ليلي إلى المشفى كانت ترتدي ملابس المخصصة للعناية بالخيول ،، فظن الأطباء أنها معدمة وطلبوا مساعدتك ..

عدنا للضحك فقالت ليلي :
- لقد أصبت بإحراج كبير عندما قال لي الطبيب أن هناك فاعل خير قد تبرع لي بمبلغ كبير من المال ...
قال وليام بابتسامة :
- لقد أصرينا أن نعرف الشخص صاحب القلب الكبير ..
ابتسمت بخجل وقال عمي مازحا:
- إنها تحب المساعدة دائما ...
ضحك الجميع علي وانا ابتسم بخجل، ولم استطع قول أي شيء ..
تكلمنا كثيرا وحكينا أشياء كثيرة عن عائلاتنا ،، كان السيد شون وينبرج يقص لنا قصصا شائقة كعادة المسنين دائما ..

وفي صباح اليوم التالي استيقظت وأنا لست مصدقة أنني في الريف ،، فتحت النافذة وشاهدت المناظر الرائعة والفنار البعيد الذي يشبه فنار ايموكيا ..
كان الهواء منعشا جدا ونزلت بسرعة إلى الأسفل لأدهش أن الجميع كان مستيقظا عداي ... وضحك عمي علي ..

وبعد أن تناولنا طعام الأفطار خرجت أركض بصحبة ليلي وأليس في المزارع القريبة ولعبنا كثيرا قرب الشاطيء الذي كان يبعد عن منزلهم مسافة كبيرة ..
استأذنت ليلي لبعض الوقت لكي تحضر بعض الأغراض إلى المنزل بينما تمشيت مع الجميلة أليس حتى عدنا إلى المزرعة مجددا .. وقبل أن نصل إلى المزرعة قالت أليس بنبرتها المشاغبة :
- آنسة لندا ... مارأيك في ان نذهب إلى حقل الخيول القريب ،، سأريك شيئا رائعا، لكن هذا سر ..
قلت باستغراب :
- سر؟
- نعم ... أعني انك لن تخبري احد أنني أخذتك إلى مروض الخيول غريب الأطوار ..
قلت بفضول :
- مروض الخيول ؟ ولما نذهب ..
سحبتني أليس من يدي وركضنا وهي تقول :
- أنت لن تمانعي فسوف يعجبك ركوب الخيل كثيرا .. وبالذات فرسي لورا ،، ستعجبك ...


ركضنا كثيرا حتى اقتربنا من الفنار ،، كان هناك سياجا حول المزرعة وكوخا كبيرا واصطبل للخيول ..
أعدت النظر إلى المكان بدقة ،، شعرت برغبة عارمة في البكاء لأن ذلك المكان لم يكن غريبا عني أبدا ... أنا اقسم أن هذا هو المكان الذي قمت فيه بحل لغز الايموكيا.. نعم ..

وقفت صامته اتأمل التلة الصخرية ، الفنار،، المنزل والسياج ... كل شيء كما هو لم يتغير منه شيء عدا طريق العودة المليء بالزهور الوردية والموجود في ايموكيا فقط .. تنهدت بقوة ولاحظت أليس انفعالي فقالت :
- المكان جميل ...
- نعم .. انه جميل فعلا ..

دفعت أليس البوابة الخشبية ودلفنا معا إلى داخل المزرعة ،، كان الجو مشرقا وليس ضبابيا كما كان في لغز ايموكيا .. هناك خيول تركض وقد خلب جمالها لبي وقلبي ..
بيضاء وسمراء وبنية .. خيول جميلة في كل مكان ..

ركضت خلف أليس إلى اصطبل الخيول وكان هناك شابا يعتني بأحد الخيول ويعطينا ظهره، كان يرتدي قميصا بلا أكمام وسروالا أسود وحذاء العمل في الحقل ،، فتوقفت أليس وقالت بالهمس تحدثني :
- إنه مروض الخيول .. ويدعى سايمن ،، احذري منه فهو غريب الأطوار قليلا..
ابتسمت ومشينا بهدوء متجهات إلى نحو الاصطبل وعندها هتفت أليس :
- هيه ! سايمن ... انظر من جاء ليراك ..
التفت الشاب بهدوء ونظر إلينا ..
ولكنني توقفت عن السير من أثر الصدمة التي اصابتني وشهقت غير مصدقة مما لفت انتباه أليس التي قالت باندهاش :
- ماذا ؟؟ مالأمر ..
وضعت يدي على صدري وتنفست بصعوبة ..
لم أصدق أنني أرى مروض الخيول هو نفسه .. جاميان !
لا .. أنا لا أصدق ..
نظر إلينا الشاب واقترب منا ثم قال لـ أليس بهدوء :
- من هي ؟ أنا لم أرها هنا من قبل ..
دققت النظر في ملامح الشاب مروض الخيول ،، لا يمكنني أن أخطأ بشكل جاميان ، إنه هو .. حتى لون عينيه الارجوانيتان ..
ابتسمت أليس وقالت :
- إنها الآنسة لندا .. لقد اخبرتك عنها الأسبوع الماضي ..
قال جاميان بهدوء وهو ينظر لي نظرة عادية :
- مرحبا يا آنسة ..

ثم خلع قفازيه المتسخين ورماهما أرضا وقال :
- ألا تحبين أن تجربي ركوب الخيل ؟ سأحضر لك واحد رائعا ..
هتفت أليس بفرح :
- نعم ، هيا سايمن ..
كنت ما زلت في حالة صدمة فنظر لي جاميان بدقة ثم قال ببطء :
- هل هناك شيء يزعجك يا .. آنسة ؟
عدت أنظر إلى جاميان بحالة غير واعية من الذهول وقلت بلا وعي :
- جاميان ... ماذا تفعل هنا ؟؟

عاد الشاب مروض الخيول ينظر لي باندهاش وقال بسرعة :
- ماذا ؟؟ ماذا تقولين ؟
حدقتت أليس بوجهي وقالت :
- هل تعرفينه ؟ إنه يعمل هنا منذ شهور ولكنه لا يعرف شيئا عن عائلته ..
أغمضت عيني بألم وأنا احاول استيعاب ما يحصل ثم قلت :
- أنا آسفة .. ولكن ..
- ولكن ماذا ..
قالتها أليس بلهفة ثم تابعت :
- آنسة لندا ... أنت تعرفينه ... من هو ؟
خفت أن أتسبب بالمشكلات لجاميان وقلت بحزن ودموعي على وشك النزول :
- هل .. هل فقد ... ذاكرته ؟
قالت اليس وهي تتطلع إليه :
- نعم ، أظن ذلك .. فقد أصيب أصابة بالغة ..
لم استطع تحمل ذلك وجلست على الأرض وأنا أشعر بإرهاق ذهني شديد وصداع غير طبيعي .. واقترب جاميان ثم قال يخاطب أليس :
- هل هي بخير ...
رفعت راسي ونظرت إلى جاميان ثم قلت بانفعال :
- لا أصدق أن هذا حصل لك جاميان !! كيف يمكنك نسياني ؟؟ وجيرودا ؟ أين هو؟
شعرت أنني أفقد عقلي ببطء وصرخت :
- وهذا المكان ؟؟ هل هو لغز آخر ... لماذا أنت هنا .. وفي هذا المكان بالذات .. أهي لعبة ****ة ؟؟
نظرت أليس بخوف نحوي ثم قالت تخاطب جاميان :
- سايمن ،، إنها غاضبة .. علي ان أحضر المساعدة .. لا تغضبها أرجوك ..
ركضت أليس بسرعة وأخذت فرسا ركضت به إلى خارج مزرعة الخيول وقال جاميان بهدوء :
- أنا لا أفهم سبب حزنك .. وإن كنت عرفتك في الماضي فأرجو ان تسامحيني لأنني لا أتذكر أي شيء ...


نزلت دموعي رغما عني وبكيت ،، ولكن جاميان جلس إلى جواري وحدق بوجهي بدون أن يتكلم فقلت بصوت مرتعش :
- أنت كل شيء بالنسبة لي ... لقد أحببتك أكثر من أي شيء وبحثت عنك في كل مكان ... إن هذا مؤسف حقا .. مؤسف ...
لم يتكلم جاميان ولكن تنفسه ازداد سرعه ونظرت إلى وجهه ،، عيناه الارجوانيتان ، كنت اخاطبهما ..
لم يتكلم مع أنه حاول أن يقول شيئا وشعرت بأنني أثقلت كاهله بأمر لاذنب له فيه .. ولذلك فقد وقفت وابتعدت .. ابتعدت وانا اشعر انني ابتعد إلى الأبد ..
ظللت أبكي حتى خرجت من مزرعة الخيول ..
وفي الخارج رأيت أليس تركض وبصحبتها عمي مايكل وشقيقها وليام وعندما رآني عمي وانا أبكي فزع كثيرا وصاح وليام :
- هل أغضبك مروض الخيول،، هل آذاك في شيء ..
لم أستطع أن أجيب من كثرة البكاء فتوجه وليام إلى داخل مزرعة الخيول بينما قال عمي برفق :
- لندا ،، لم تبكين هكذا .. مالذي حصل ..
كانت ليلي قد جاءت هي الأخرى في تلك اللحظة وقلت بصعوبة :
- مـ .. مروض الـ .. خيول ..
قالت ليلي بفزع :
- ماذا فعل مجددا ؟؟
قلت لعمي مايكل وانا ابكي :
- إنه .. هو ... جاميان لكنـ ..
فتح عمي عينيه في دهشة وهتف متعجبا :
- لكن .. ماذا؟؟

نظرت لعمي بحزن فتركني ولحق بوليام إلى داخل المزرعة عندها اقتربت ليلي ومسحت على شعري ثم قالت برقة :
- هل كنت تعرفين ذلك الشاب ؟ هل قابلته من قبل ..
قالت أليس بلطف :
- إنها تعرفه ياليلي ... أخيرا تعرف عليه شخص ما ...
ظللت صامته وحاولت أن اتوقف عن البكاء ثم سرت مع ليلي وأليس وعدنا إلى المنزل مجددا ..
جلست حزينة طوال الوقت ، بأي طريقة ممكنة كنت احاول اخفاء حزني ولكنني لم استطع ابدا ، وعندما عاد عمي ووليام طلب مني عمي أن يحدثني على انفراد ..
تمشينا معا في المزرعة ولم نتكلم .. فقال عمي أخيرا :
- نعم ، مثلما تخيلته .. يبدو انه محارب قوي فعلا .. لكنني لا اريدك أن تحزني ، يجب أن تنسيه لأنه لم يعد يعرفك ..
شعرت بحرارة دمعي مرة أخرى ولم أقل شيئا فعاد عمي يقول :
- انت فتاة عاقلة يا لندا وأظن أنك ستتغلبين على الصعوبات بسرعة ،، جاميان يعيش هنا سرا بين عائلة وينبرج ،، وقد اعطوه اسم سايمن وهم لا يعرفون حقيقته أو من أين جاء ، لقد وجدوه مصابا قرب مزرعة الخيول وعنندما افاق كان لا يتذكر أي شيء ... هذا ما اخبرني به وليام ... يقول وليام أنه غريب الأطوار وأن الكوابيس تنتابه كثيرا كما أنه يصاب بحاله هيستيرية مفاجئة فيضطر وليام إلى حبسه بالمنزل البعيد والابتعاد عنه لفتره ..

شعرت بالحزن وقلت بألم شديد :
- لا يمكنني التخلي عنه .. إنه تائه ،، تلك النظرة الحائرة لم أرها في عينيه من قبل ،، علي أن أساعده ..
توقف عمي عن السير وتطلع إلي قبل أن يقول :
- وكيف يمكنك مساعدته؟ إنه فاقد كليا لذاكرته .. كما انه يعيش هنا سعيدا بين عائلة وينبرج ويحب تربية الخيول والعناية بها ...
- هناك أمر غريب ..
قلت ذلك وانا اسحب نفسا عميقا فسألني عمي :
- ماهو ذلك الأمر ..
- المكان الذ يعيش فيه جاميان ...
- مابه ..
- إنه هو .. نفس المكان الذي حللت به لغز ايموكيا ، لم يتغير منه شيء .. أذكر أنني وصفته لك ، الاصطبل ،الكوخ الكبير ،المزرعة والفنار الذي يعلو التله..
- هذا غريب ..
- أنا متحيرة .. متحيرة جدا ..
بكيت رغما عني فضمني عمي مايكي برقة وقال يحاول تهدئتي :
- أعدك أنني سأحاول إيجاد حل بأي طريقة .. الآن كوني قوية مثلما عهدتك وكفي عن البكاء فهو لن يعيد شيئا مما فقدناه ..

******
عندما عدنا إلى المنزل كانت الفتيات في حالة قلق علي وتوجهت إلى الغرفة ،، بكيت فترة طويلة وتركني الجميع حتى أهدأ ،، في اليوم التالي كنت حزينة بسبب ما حصل لجاميان ولذلك فقد صعدنا إلى سطح المنزل وجلسنا نتكلم عنه ... مروض الخيول ...
قالت ليلي :
- كان ذلك من شهور مضت ، قبل حادثة أخي بقليل ، عندما كنت اركض متجهه إلى مزرعة الخيول بصحبة أليس ...
تابعت أليس بانفعال :
- تعثرت ليلي بمروض الخيول وكان يرتدي زيا غريبا وكأنه رائد فضائي ووجدنا معه بطاقات ..
ثم وقفت أليس واتجهت إلى الأسفل وهي تقول :
- سأحضرها ..
تابعناها بنظرنا حتى نزلت وعادت ليلي تقول :
- كانت إصابته بالغة جدا وكان ينزف بشدة وكأن شيئا حطم عظامه ،، حاولنا مساعدته طبيا وأحضرنا له طبيبا في المنزل فقال ان علينا نقله للمشفى ولكن ذلك كان مستحيلا لأننا ... لم نفهم شيئا من الهويات التي كانت معه .. وكان شفاؤه بطيئا ،، فقد شفي أخي وخرج من المشفى وكان مازال سايمن مريضا ، وعندما شفي لم يعرف اسمه ولم يعرف عائلته وقال الطبيب أنه فاقد لذاكرته بسبب الإصابة وربما يستطيع التذكر بعد أن يشفى تماما ، وكان يذهب إلى مزرعة الخيول دائما حتى أثناء مرضه وسميناه مروض الخيول لأنه استطاع ترويض احدى الخيول البرية بعد شفاؤه .. ثم بدأنا ندعوه سايمن على اسم جارنا القديم ..
رأينا أليس تصعد الدرج وهي تلوح ببطاقات في يديها، ثم سلمتها لي فرأيت بطاقة جاميان الشخصية وكان هناك شعار القصر في بانشيبرا فوقها ورمز الجندي الأبيض .. جاميان ديوفري ..
البطاقة الثانية كانت بطاقة جيرودا العزيز ،، وكانت تشبه بطاقة جاميان عدا أنها تحمل شعار الجندي الأسود وكانت مكتوبة بلغة غير مفهومة لكنني كنت اعلم ان الاسم المكتوب .. تالتن ماكنزي ..

شعرت بالحنين عندما شاهدت بطاقة جيرودا وتمنيت أن اعرف مكانه ثم أخذت البطاقات ووقفت قائلة :
- هل شاهد جاميان تلك البطاقات ؟؟
- جاميان؟؟؟؟؟
- أ.. أقصد سايمن .. هل شاهدها ؟
- لا ..
لا أدري لما شعرت بالحماس وقلت :
- ارجوكما ،، دعونا نذهب إليه .. الآن ..

اندهشت ليلي وقالت :
- لماذا؟
قلت وانا انظر في البطاقات :
- أنا احاول استعادته فحسب .. اريد ان اعرف ما الذي جرى له ..
تسائلت أليس :
- وكيف التقيت به ؟؟
- في لندن ...
- وماذا كان يعمل ..
- لا أعلم عنه المزيد ..
قلت ذلك ثم انطلقت نازلة السلالم تتبعني الفتاتان المتعجبتان ،، وتوجهنا من فورنا إلى مزرعة الخيول ركضا ..

وعندما وصلنا إلى هناك كان جاميان يدخل الخيول إلى الاصطبل وعندما رآنا دخل بسرعة إلى المنزل وترك الخيول .. فقالت ليلي :
- يبدو أن وليام أمره بعدم التحدث إلينا ظنا منه أنه ضايقك ..
كنت أشعر بألم شديد على جاميان الذي تغير وصار يخاف من الأوامر ،، تذكرت جسر الرؤوس الذي تداولته الألسن ، أين ذهبت كل القوة والشجاعة ..
لقد تغيرت يا جاميان واصبحت شخصا لا اعرفه !!

طرقت أليس على باب المنزل صاحت :
- هيا سايمن! بربك كف عن هذا واخرج ،، الآنسة تريد التحدث إليك ..
فتح جاميان الباب ببطء ونظر لنا بنصف وجهه من خلف الباب ثم قال بخفوت :
- لا يسمح لي بالتحدث مع الفتيات ..
قلت بسرعة :
- أهذا أمر آخر من روسو؟
شهق جاميان بطريقة غير متوقعة وأغلق الباب بقوة حتى أن بعض الغبار قد انتشر على ملابسنا .. وقالت ليلي بخوف :
- أخشى أن تصيبه الحالة ..
لم أعر ذلك الأمر اهتماما ،، وتوجهت نحو الباب بحزم ثم طرقته بعنف وصحت :
- جاميان ،، افتح الباب ... لا تكن هكذا .. ضعيفا ،، ليس هذا هو المقاتل الذي أعرفه ،، جاميااااااااااان افتح ..
أمسكت ليلي بذراعي وقالت متوسلة :
- أرجوك سوف يصاب بالحـ ...
قبل أن تكمل كلمتها فتح جاميان الباب وانقض علي ،، ركضت الفتاتان المفزوعتان وأمسك جاميان برقبتي بقوة وأطاحني أرضا وظل يصرخ :
- أنت لا ... تتدخلي ... هذا ليس من شأنك .. ليس من شأنك .. انا لست ضعيفا ولست أنا .. أنا لست أنا ... أنا ... لست ...

كنت أختنق وسمعت صراخ الفتيات من بعيد،، كان وجه جاميان شرسا جدا لدرجة لم أرها من قبل وسقطت البطاقات من يدي وحاولت أن أقول شيئا ولكنني لم أستطع .. لقد أصيب جاميان بحالة هيستيرية حقيقة لا أعرف ما سببها ..
صرخ وشد على رقبتي :
- ليس من شانك .. ليس من شأنك ..
نزلت دموعي رغما عني وقلت بصعوبة شديدة حتى كاد صوتي لا يخرج :
- جـ .. جامي أنا ... لـ .. لندا ...
اتسعت عينا جاميان كأنما كلماتي خاطبت شيئا ما في عقله الباطن ،، وترك رقبتي أخيرا ثم ركض بسرعة إلى داخل المنزل وهو يتخبط في الجدران والأبواب ،، نظرت حولي فرأيت ليلي تمسك بعصا كبيرة كانت تود ضرب جاميان بها ..
وعندما بدأت التقط أنفاسي القت ليلي بالعصا ،، وركضت نحوي وهي تقول وصوتها يرتجف :
- هل انت بخير ؟؟ لقد ذهبت أليس لتحضر النجدة ..
نظرت إلى ليلي بشرود ثم أخذت البطاقات التي سقطت مني وركضت إلى داخل المنزل ألحق بجاميان وليلي تصرخ وتحذرني ...
لا أدري ماذا أفعل .. كنت أحبه ولا اريد رؤيته بهذا الحال ..
رأيته يجلس على أريكة كبيرة أمام شرفة تطل على الاصطبل البعيد .. كان يتنفس بسرعة ويخرج صوت تنفسه عاليا كأنما يشهق من كثرة البكاء ..
اقتربت خلفه وقلت بهدوء :
- جامي .. أنت أقوى من كل هذا .. أقوى من كل ما يحصل معك ،، يجب ان تتذكر أرجوك .. أنت ثروتي الوحيدة .. هيا ماذا يعني لك أنك حصلت على لقب الجندي الأبيض ؟؟
لم يلتفت جاميان نحوي وظل على وضعه فالتفت وواجهته .. نظرت إلى وجهه كان الانفعال والخوف يملأ ملامحه الجميلة وأعطيت له بطاقته وسألت :
- من هذا ؟
نظر جاميان بصعوبة إلى البطاقة ولم يرد .. فكررت :
- أرجوك .. من هو؟
قال بصعوبة :
- إنه أنا ...
ابتسمت وقلت بلطف :
- هذا رائع .. حسنا ومن هذا ؟
ناولته بطاقة جيرودا فأمسكها وحدق بالصورة لبضع ثوان ثم قال :
- لا .. أعرف ...
قلت بإصرار :
- بلى .. أنت تعرف ..
عاد ينظر على وجهي وظهر الانفعال عليه وصاح :
- لا اعرف ، لا اعرف ،، لاااااا اعررررف ..
صرخت :
- بلى .. انت تعرف ..
صرخ جاميان بصوت مرتعش :
- ماذا تريدين مني ...
جلست على الأرض بتعب ورميت البطاقتين أمامه ثم سمعت صوت خطوات تدخل إلى الصالة وبعدها صوت عمي :
- لندا .. ماذا تفعلين ..
نظرت إلى عمي بتثاقل وقلت بإصرار :
- أرجوكم دعوني اتحدث معه لبعض الوقت ..
قال وليام معترضا :
- لا تكوني مجنونة .. هيا اخرجي ..

نظرت فرأيت جاميان يمسك بالبطاقتين ويتطلع فيهما للمرة الثانية .. فقلت :
- سأبقى لدقائق فقط ..
كان الجو هادئا فانسحبا إلى الخارج بعد أن قال عمي :
- سنبقى في الخارج .. لا تتأخري ..
كان وليام يريد الاعتراض ولكن عمي خرج فلحق به مسلما بقرار عمي ..
نظرت إلى جاميان وقلت بعد أن خرجا :
- جامي ، أنا لا أريد أن أقسو عليك ، لكنني لا أتخيل أن أفقدك .. وشقيقك جيرودا ، إنه لا يعرف كوكب الأرض جيدا ما حالته الآن ، مالذي حصل ؟؟ أي حادث وقع لك .. أنا قلقة عليك جدا .. جدا ..

فكر جاميان لبعض الوقت ثم تمتم :
- جيرودا ... أنا .. أحلم به ليلا ..


قلت بسعادة :
- حقا ؟؟
- وأحلم بك ... وبآخرين ..
قال ذلك ونظر إلى وجهي فشعرت بالحزن وقمت لأجلس إلى جواره على الأريكة وقلت :
- نعم ،، هذا رائع .. سوف تتذكر كل شيء قريبا .. لكني أريدك أن تتمع بالاصرار الذي كنت تتحلى به في السابق .. عندما كنت في بانشيبرا ..
تمتم بهدوء :
- بانشيبرا ؟
- نعم يا عزيزي ..
- تلك الأسماء ليست غريبة عني ..
ابتسمت وقلت بلطف :
- نعم .. وهذا يعني أنك تعرف .. ولكن هناك أمر طارئ عليك .. أليس كذلك؟
أطرق جاميان ولم يقل شيئا فوقفت وتركته لكي اخرج وقبل أن أضع يدي على مقبض
الباب التفت جاميان وقال بارتباك :
- أنا أتذكر أنني ركضت على شاطئ البحر... معك .. ولكنني مشوش جدا .. هناك بعض الأشياء في عقلي لا أستطيع ترتيبها ..
عدت مرة ثانية ووقفت أمامه ثم قلت :
- جاميان .. أخبرني ،، مالذي تذكره ؟؟
تردد جاميان للحظات ثم قال ببطء:
- بعض الصور في مخيلتي ..
- أخبرني عنها ..
- رجال لا أعرفهم .. هناك حرب ما وخيول و .. ونيران .. أنت ..
- أنا؟
- نعم .. أنت تبكين وتصرخين بوجهي ..
أمسك جاميان برأسه وكأنما أصابه صداع مفاجيء فقلت :
- حسنا لا ترهق نفسك .. يمكنك التذكر بهدوء ،، ما رأيك أن أحكي لك عن نفسك؟

نظر لي جاميان بتعجب وقال :
- تحكين لي عن نفسي ؟
- نعم ..
ثم أمسكت بيده وقلت بحماس :
- هل نتمشى عند الشاطيء قليلا ؟ مارأيك؟
- حسنا ..
وقف جاميان وخرجنا معا إلى الخارج وعندها قابلنا عمي مايكي الذي كان يتحدث مع وليام وليلي ..
كانت حرارة الشمس قد انكسرت قليلا ونظروا جميعا لنا فقلت :
- سأذهب بصحبة جاميان لبعض الوقت إلى الشاطيء إن كنتم لا تمانعون ...
نظر عمي مايكي إلي مبتسما وقال مازحا :
- يالك من فتاه !!
ابتسمت لعمي مايكل وقال وليام :
- سايمن .. احترس ، هل سمعتني جيدا ؟
هز جاميان رأسه موافقا ثم سرنا معا متجهان نحو الشاطيء وعندما ابتعدنا مسافة كافية بدأت أحكي له عن الكثير من الأشياء ...
كان يصغي بهدوء حتى وصلنا إلى الشاطيء وجلسنا على الرمال، نظر لي لوقت طويل وهو يسند رأسه على كفه ..
حكيت له أغلب الأشياء ، حتى كأنه عاش فيها مجددا ولكنني لم أقص له بالتفصيل وأغفلت بعض الأشياء التي تخص قصصنا معا ،، حكيت له عن نفسه وعن جيرودا وعن والده ووالدته فقط ،، عندما انتهيت شعرت بالقلق لأجله فقد كان هادئا جدا ولم يبد أي تعليق عن ما حكيته له فقلت :
- هل تذكرت شيئا مما حكيته لك ..

عاد جاميان ينظر لي بصمت ..
شعرت بقلق شديد وقلت :
- هل أنت بخير ؟؟
لم يرد جاميان مرة أخرى ونظر إلى الشمس وهي تغرب مودعة ذلك اليوم ..
عصف الخوف بكياني فقلت وأنا أقف :
- سوف أذهب .. ربما أنت مرهق ،، لكن .. هل سأراك غدا ؟ فهو آخر يوم لي هنا..
وقف جاميان ونفض رمال الشاطيء من فوق ملا بسه ثم نظر لي وابتسم أخيرا .. كان هذا هو جاميان الذي اعرفه وقال بهدوء :
- سأراك غدا .. و ..
- ماذا ..
- شكرا لك ..
ابتسمت ولوحت بيدي مودعة له وركضت بسرعة عائدة إلى المنزل ،، كنت لا أريد أن اتركه أبدا ولكن كان يجب علي فعل ذلك ...
يجب أن أعطيه الوقت ليفكر ، لكنني أخبرته عن نفسه ، عن لطفه وشجاعته، أخبرته عن الرجل الوحيد الذي أحببته في حياتي .. كان يجب أن يعرف هذا إن لم يتذكره ..
عدت إلى المنزل بنفسية مختلفة ،، عندما دخلت ابتسمت وفرح الجميع لفرحتي ، كنت أشعر ان هناك أملا كبيرا وقمت بتحضير العشاء مع الفتاتان اللطيفتان ..
كانت آثار يدي جاميان مازلت على رقبتي وكان عمي مستاء جدا ولكنه توقف عن لومي عندما شعر بأنني مرتاحة وسعيدة ..
في تلك الليلة لم أستطع النوم وبقيت أنظر إلى الفنار الصغير الذي يذهب ضوءه ويجيء ممتدا على شاطيء البحر ،، إنه حقا رمز كبير للأمل في وسط سواد الليل وألمه ... لا أعرف كيف أخذني النوم على الكرسي الذي كنت أجلس عليه ولم اشعر إلا بـضوء الصباح يوقظني وهو يرسل أشعته على وجهي ..

نظرت إلى الفنار وابتسمت ، كان مايزال يعمل رغم بزوغ الفجر ،، وأخرجت رأسي ونصف جسدي من النافذة محاولة رؤية كوخ جاميان الخشبي ولكنني لم استطع رؤيته ولذلك فقد نزلت إلى الأسفل ولم يكن أي شخص قد استيقظ بعد ..
فتحت البوابة وخرجت إلى المزرعة وركضت على العشب والهواء يحرك شعري ، ومشاعري ..
كان الجو رائعا وظللت أدور حول المكان وتمنيت أن أعيش في هذا المكان الرائع ..
مع الهواء العليل شممت رائحة شيء يحترق ..
من بعيد لاح لي دخان كثيف في الأفق وكأن مزرعة احترقت أو منزلا ،، كان الدخان الأسود يتصاعد على شكل عامود في السماء .. تساءلت كيف لم أشاهده عندما نظرت نحو الفنار ..
خفت كثيرا فقد كان قريبا من مزرعة الخيول ..
عدت إلى المنزل بسرعة ودخلت غرفة عمي مايكل ، كان نائما واقتربت منه وقلت بهدوء وتوتر :
- مايكي ... مايكي ...

فتح عمي عينيه ببطء وقال :
- مه .. ماذا ؟؟
- يبدو ان مكانا ما يحترق ..
فتح عمي عينيه جيدا وجلس بفزع قائلا :
- حريق ؟
قلت بخوف :
- علينا أن نسرع فهو قريب من مزرعة الخيول ... الحق بي ..
صاح عمي :
- لندا .. انتظري ...
قبل أن اسمع المزيد كنت قد خرجت بالفعل وبدأت أركض نحو مزرعة الخيول وساعدني سروالي الجينز على الركض جيدا ..
وكلما اقتربت من مزرعة الخيول زادت رائحة الحريق واقتربت من مصدر الدخان، وفي تلك اللحظة صرخت بفزع وأنا أرى كوخ جاميان الخشبي هو مصدر الدخان ..
لم يكن يحترق ..
لكنه ...


لقد احترق فعلا....

وبالكامل !!
الجندي الابيض

رفضت كل مايحصل ودفعت بوابة المزرعة الخشبية بقوة وفزع شديد ،، ركضت إلى الداخل وكانت الخيول في حالة هياج وقد كسر بعضها السورالخشبي وركضت بعيدا عن الاصطبل المشتعل .. لم يتبق من كل الخيول سوى اثنان أو ثلاثة ، لقد هربت جميعها ... أو احترقت !
و لم يتبق من المنزل سوى قاعدته التي كانت ماتزال مشتعلة .. سعلت بقوة وانا أقترب من المنزل وصرخت بهستيريا :
- جاميان ...... جااااااااامياااااااان !!
الغبار والدخان والنار تملأ المكان وناديت على جاميان بلا فائدة .. أنا لا أصدق بعد انني فقدت جاميان ،، لان هذا غير صحيح ...
صرخت :
- لاااااااا .. هذا غير صحيح ... لااااااااا ..
جلست منهارة على الأرض وأنا أسعل .. لم أبكي لأنني أعلم أن جاميان هنا في مكان ما .. حالة المنزل المحترق تدل على انه ظل يحترق طوال الليل ..
انا مصابة بحالة رهيبة من الرعب ..

رأيت من بعيد أشخاصا يركضون من الجهة الأخرى ووقفت أنظر إليهم ، لم أعرفهم وصاح أحدهم بفزع :
- مالذي يحصل هنا ؟
قلت بخوف :
- لا أعرف لقد جئت الآن ...
نظر أحدهم إلى الكوخ وهتف :
- ياللهول !!
كان المنظر مريعا جدا .. وبعد دقائق أخرى والأهالي يحاولون إطفاء الحريق ، جاء عمي ومعه وليام وينبرج والفزع باد على وجوههم ..
تساءلت لما يحصل كل ذلك لي ...
لماذا لا أعيش طبيعية مثل الجميع ؟؟!!
تزلزل كياني عندما بدأ الجميع يبحثون عنه ،، الوحيد المجنون الذي كان يعيش هنا بمفرده .. نزلت دموعي اخيرا لأنهم لم يجدو له أي أثر ..

أطفأ الخيالة الحريق وعادوا إلى منازلهم بينما ظل بعض الريفيون يبحثون في حطام المنزل عن أي جثة .. أو عظام .. أي أثر ..
كل شيء قد احترق ووقفت بعيدا أراقب ما يحصل في صمت وعيناي لا تكف عن البكاء ،، لقد بكيت كثيرا جدا من يوم أن فقدت والداي ..
بكيت حتى انني لو جمعت دموعي لكان هناك جدولا صغيرا يجري بين الحقول ،، فات الآن وقت الندم ..
فجأة صاح أحدهم :
- يبدو أنني وجدت عظاما متفحمة ..
شهقت بفزع ووضعت يدي على قلبي وعجزت تماما عن التنفس بينما توجه عمي مايكل ووليام نحو المنزل بسرعة ..

بكيت برعب وسمعت صوتا يناديني :
- لندا ..
نظرت خلفي وأنا غير واعية لما يحصل حولي ورأيت ليلي وأليس تلوحان لي وهما تركضان نحوي بسرعه .. شعرت أن قدماي لا تقوى على حملي فجلست على الأرض وعندما اقتربت أليس قالت بخوف :
- هل حصل مكروه لسايمن .. ؟
لم أجب وأجهشت بالبكاء ...
وسمعت صراخ ليلي :
- إنه بخير ،، حمدا لله ..
فتحت عيني ونظرت خلفي ،، ركضت أليس وهي تصرخ بفرحة ورأيت شخصا ما يقترب من بعيد على ظهر أحد الخيول ...
لم أصدق ما يحصل .. ووقفت بسرعة وتأملت غير مصدقة أنه هو .. إنه شعره لكن ،، وجهه .. إنه متسخ ربما ..
ربما ليس هو لكنني أحب تصديق أنه هو ...
عندما وصل الجواد إلى المزرعة توقف ،، فسقط جاميان من فوق ظهره ،، لقد كان جاميان مصابا ..
أول من لحق به كانت أليس التي أمسكت به وسحبته بعيدا عن الجواد بصعوبة وبعدها لحقت بها ليلي ثم أنا ...
كان وجه جاميان مغطى بالرماد والدماء وكذلك ملابسه وصاح وليام :
- ابتعدوا عنه ... ربما لا يستطيع التنفس ..
من بعيد كانت كل الخيول تركض عائدة إلى المزرعة خلف الخيل الذي قاده جاميان فصاحت ليلي بفرحة :
- لقد أنقذ كل الخيول ..
حملناه بسرعة فقد كان فاقدا لوعيه ،، وعدنا بالخيول إلى المنزل بسرعة وسبقتنا أليس لتستدعي الطبيب ..

عندما وضعناه على السرير أمسكت بقماش مبلل ومسحت الماء والغبار عن وجهه بحذر، كانت هناك جروح كثيرة لا تريد التوقف عن النزف وقال وليام :
- لم أكن أعلم أني أحبه هكذا فقد كنت سأفقد عقلي عندما شعرت بأنه احترق !

ابتسم عمي مايكل وقام بخلع قميص جاميان بحذر ،، ثم قال :
- يبدو ان حروقا أصابت جسده ...
دمعت عينا ليلي وقالت بصوت مهزوز :
- لقد كان يحاول انقاذ الخيول طوال الوقت ... المسكين !
ظللت أتأمل وجهه النائم بصمت .. وجاء الطبيب بصحبة أليس النشيطة والسريعة جدا ، إنها التي تسبقنا دائما في كل مكان ..
قام السيد شون وينبرج بإدخال الخيول إلى المزرعة الأخرى ،، وعاد بسرعة وبقينا جميعا حول جاميان حتى قال الطبيب انه بخير وأنه سيتعافى ولكنه يحتاج إلى الراحة واستنشاق الهواء النقي ..
فرحنا جميعا وعاد الطبيب ..
بقيت إلى جانب جاميان فترة طويلة حتى أفاق ، نظر لي بشرود ثم نظر حوله فقلت :
- حمدا لله على سلامتك ..
قال جاميان بهدوء :
- هل الخيول بخير ..
ابتسمت وقلت :
- أجل .. إنها رائعة ..

نظر جاميان إلي ثم قال بتردد :
- يجب أن أرحل .. سوف أعود إلى الفتاة التي ..
صمت جاميان ونظر إلى الجهة الأخرى فقلت باستغراب :
- أي فتاة ؟؟
- الفتاة التي أحبها هناك ...
- أين ؟
- إنها لا تعيش هنا .. يجب أن ألحق بها قبل أن ..
قلت باستغراب وحزن :
- انا لا أفهم ماذا تقول ..؟

قبل أن يجيب جاميان سمعنا طرقا على الباب ودخلت أليس مبتسمة .. ثم قالت بسعادة بعد ان شاهدت جاميان :
- سايمن ! أنت بخير أيه الشقي! لقد أقلقتنا عليك !!
ابتسم جاميان وقال بقليل من المرح :
- حقا ؟؟ لقد كنت سعيدة بحدوث ذلك ...
ضحكت أليس ثم قالت بعد أن أخرجت لسانها بسخرية :
- لقد كنت سأحزن إن احترق وجهك فقط ،، لأنك لا تملك غيره ، وهكذا من الممكن أن تتزوج يوما .. لا أتخيل وجها مشوها بعينين ارجوانيتين كالجوكر!

ضحك جاميان ثم خرجت أليس بسرعة قبل أن يقول شيئا آخر يستفزها ، وقلت بضيق وأنا أهم بالذهاب :
- سأذهب ... لكي أحضر لك غداؤك ..
قال جاميان بسرعة :
- لا ، انتظري لندا ..
توقفت ونظرت له ، فقال مبتسما :
- أليست هناك فتاة رائعة سترحل اليوم؟
قلت بهدوء وقد فهمت أنه يقصدني :
- ليست رائعة ...
- انت لا تعرفينها ،، لكنها تحبني .. وتتمنى لي السعادة ..
- وأنت ؟
صمت جاميان وظل ينظر لي ثم قال بخفوت :
- أنا أتمنى لها السعادة ايضا ...

ابتسمت ثم فتحت الباب وخرجت ، لقد كان يتحدث عني في ذلك الوقت ويحاول أن يكون لبقا فهو لم يتذكرني ... عدت أنا وليلي ووضعنا الغداء لجاميان ولكنه لم يرغب بتناول الطعام فأجبرناه .. كنت أحبس دموعي وتماسكت طويلا ....
كان عمي مايكل يقول أنني أحضر الحظ السيء لكل من أعيش معه، بالطبع كان يمزح وكان الجميع يضحكون علي وأنا أمسك عمي من رقبته حتى يكف عن السخرية مني ..

بدأت بتجهيز أغراضي استعدادا للعودة إلى منزلنا في المدينة ،، قبل أن نرحل نظرت إلى جاميان لكنه لم يقل شيئا ونظر لي بهدوء ...
كنت أعلم أنه يحب الآن فتاة غيري .. وأن تلك هي حياته الجديدة التي أصبح عليها ..
لقد اصبح لا يعرف شيئا عن ماضيه ويحب فتاة ريفية جميلة، ويربي الخيول الأصيلة وهو سعيد ..
لماذا أقف كالشوكة في حلقه ..
أبتسمت مودعة لهم وعدت مع عمي مايكل في سيارتنا ... لم أستطع أن أحاول النسيان .. مجرد محاولة ..
و لم أستطع التماسك مجددا وبكيت في السيارة مما دفع عمي للتوقف وقال بلطف وهو يربت على ظهري:
- اسمعي يا لندا ... أعلم أنك حزينة مما أصاب جاميان .. لكن لابأس ، عليك أن تتمني له السعادة وأن تنسيه .. لأنه .. يجب أن تفعلي ذلك ..
ظللت أبكي فترة طويلة حتى غفوت وعندما وصلنا أوقظني عمي ونزلت إلى منزلنا بدون أي كلام حتى إن السيدة ديانا استقبلتنا ببشاشة وسألتني عن الرحلة ولكنني لم أستطع أن أحكي لها شيئا وعندما بدأ عمي مايكل في التحدث إلى السيدة ديانا عدت إلى غرفتي وأمسكت بصورة والداي ثم بقيت اتأملها لبعض الوقت ..

كنت أفكر في جاميان ... لا أظن أنني أستطيع نسيانه مهما طال الزمن، مهما حصل حتى لو تزوجت وعشت حياة مختلفة ... حتى لو رفضت الزواج وأصبحت عانسا حتى لو ...
سأظل أحبه ....
لأنه أول وآخر شاب أحببته ..
لقد ضاع كل الذين أحببتهم وابتعدوا عني ... أخشى أن عمي مايكل سيخبرني بأنه غدا سيسافر إلى أميركا ويزداد الأمر سوءا ..
في اليوم التالي استيقظت وبقيت في غرفتي أتأمل في صورة والداي ..
سمعت طرقا على باب غرفتي ودخل عمي مايكي .. جلس إلى جواري وتأمل معي في الصورة .. ثم قال بهدوء:
- عزيزتي لندا .. أعرف أنك حزينة، لكنك ستتغلبين على الأزمة بسرعة .. هذا يحصل دائما .. أتعلمين، هناك فتيات أجبرن على ذلك وتعرضن لمثل تلك المواقف كثيرا ، أنت حصل معك هذا مرة واحدة ... والجيد أنه فاقد لذاكرته فهو لن يغضبك أو إنه سيتركك مجبرا ... أو ..
صمت عمي ثم قال :
- أظنك تفهمين .. أنا أعرف أنك مختلفة ، لقد عشت في الريف ولم تمري بـالتجارب التي تجعلك معتادة على فقدان أحدهم ...
نظرت إلى عمي وقلت :
- عندما جئت للجامعة لم يكن الشباب في محط ثقة فهم لا يعجبونني ولا أشعر أنهم جديرون بالمسؤولية .. وعندها قابلت جاميان .. وكان جاميان مختلفا ..
- أعلم أنه مختلف .. لكن عليك تخطي الوضع ...
أومأت بالموافقة وخرجت مع عمي مايكي ثم تناولنا الغداء ، ابتسامة السيدة ديانا كانت تحمل مغزى هادئا وكأنها تعلم من عمي شيئا عما حصل لي ..
في المساء أخبرنا عمي جوردن أنه سيقيم حفلة عيد ميلاد ابنته الصغيرة الأسبوع المقبل ..
مضى أسبوع طويل كانت هناك حفلة أقامها عمي جوردن في نهايته بمناسبة عيد ميلاد ابنته إيما والتي كانت تبلغ الثانية عشرة وهي أصغر أبنائه ..
بالطبع كان حضوري مهما بالنسبة لـ إيما وارتديت ثوبا جميلا ثم ألتقط لنا عمي مايكي صورة رائعة .. كنت أحاول إشغال نفسي في أي شيء وبعد أن تشاجرت مع جوش كالعاده عدت إلى الحفل وفوجئت بأن صديقتي إيميلي وعائلتها قد حضرت الحفل ..

وقف جيمس ينظر لي من بعيد نظرات عتاب ، ولكنني تجاهلت ذلك وذهبت وحييتهم وكأن شيئا لم يكن ...
كانت الحفلة جميلة وجلست بجوار ايما وإيميلي أراقب الحاضرين ولكن جيمس اقترب وقال بلباقة :
- هل تسمحان لي بالتحدث مع الآنسة لندا؟
ابتسمت إيميلي وقالت إيما بدلال لأنها حفلتها :
- حسنا خمس دقائق فقط ..
ابتسمت وسرت بجوار جيمس حتى ابتعدنا عن إيميلي وعندها قال :
- كيف حالك .. هل أنت بخير؟
قلت بهدوء :
- أجل ..
- لكنني أرى عكس ذلك فأنت تبدين حزينة ..
- لا.. صدقني أنا بخير، شكرا على سؤالك ..
نظر لي جيمس بابتسامة ثم قال :
- هل سأنتظر كثيرا؟
لم أفهم وقلت :
- ماذا تقصد ؟؟
- متى ستوافقين على طلبي؟ لقد أخبرني عمك جوردن أنك طلبتي مهلة ..

تذكرت جاميان فجأة ولكنني حاولت نسيانه مجددا وقلت :
- حسنا .. ولكن ...
- ماذا ؟
- لقد أعطيت عمي ردا بالفعل .. وقلت .. قلت ..
نظر لي جيمس بترقب ..
ولكن عمي مايكل اقترب منا وقال بمرح :
- مرحبا جيمس .. كيف تسير الأمور؟
كان جيمس شارد الذهن ولكنه انتبه وقال :
- بأفضل حال ...
قمت باستغلال الفرصة واستأذنت ثم عدت بسرعة إلى غرفتي ..
لم أتقبل فكرة أنني سوف أنسى جاميان وسأختلط مع الآخرين ، كان هذا لا يعجبني أبدا .. لن يمكنني الموافقة على جيمس .. لا أستطيع .. لكنني ..
أشعر باني أحارب نفسي ...
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
:( الجندي الأبيض ): IRuMI maya 101 روايات اللغة العربية الفصحى المنقولة 103 19-02-13 01:54 AM
فساتين سهره باللون الابيض فساتين باللون الابيض حلوه رويتى2 عالم الأناقة والأزياء 1 20-06-10 03:22 PM
الأكل اليمني .. ألف طبق أشهرها «السلتة» ولحم «الحنيد» ملكة تدمر الاطباق الرئيسية والمقبلات 6 31-10-09 02:18 AM
غادة لا تخشى المقارنة حتى نادية الجندي مدلعة نفسها منتدى الفن وأخبار الفنانين 0 02-09-09 02:05 AM
الفنانة السورية ديما الجندي وبنتها تيا ( صور ) ^RAYAHEEN^ منتدى الفن وأخبار الفنانين 2 22-05-09 12:31 AM


الساعة الآن 03:24 AM



Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2014, vBulletin Solutions, Inc.
SEO by vBSEO 3.6.0

Ramdan √ BY: ! Omani ! © 2012