آخر 10 مشاركات
صدمة الحمل (32) للكاتبة: لين غراهام (الجزء الأول من سلسلة طفل دراكوس) .. كاملة .. (الكاتـب : * فوفو * - آخر مشاركة : MOG - مشاركات : 5621 - المشاهدات : 254066 - الوقت: 11:30 AM - التاريخ: 01-09-14)           »          تحميل جميع كتب و روايات أمير الرواية العربية نجيب محفوظ بصيغة pdf (الكاتـب : مختلف - آخر مشاركة : danceeagle - مشاركات : 331 - المشاهدات : 60571 - الوقت: 11:29 AM - التاريخ: 01-09-14)           »          روايتي الأولى .. هل ستحبني؟ *مميزة مكتملة * (الكاتـب : mona mohamed - آخر مشاركة : مصطف - مشاركات : 2451 - المشاهدات : 86520 - الوقت: 11:28 AM - التاريخ: 01-09-14)           »          تحميل رواية بعد الغياب لـ أنفاس قطر بصيغة pdf_ txt _ Word (الكاتـب : جرح الذات - آخر مشاركة : اريج هبة الله - مشاركات : 374 - المشاهدات : 19537 - الوقت: 11:27 AM - التاريخ: 01-09-14)           »          بين مخالب النمر (106) للكاتبة: Lynn Raye Harris *كاملة* (الكاتـب : Gege86 - آخر مشاركة : تالين كميل - مشاركات : 4280 - المشاهدات : 160611 - الوقت: 11:27 AM - التاريخ: 01-09-14)           »          تسألينني عن المذاق ! (الكاتـب : كاردينيا73 - آخر مشاركة : ALana - مشاركات : 1905 - المشاهدات : 70973 - الوقت: 11:26 AM - التاريخ: 01-09-14)           »          بعينيكِ وعد (الكاتـب : tamima nabil - آخر مشاركة : دينا عبدالله* - مشاركات : 1656 - المشاهدات : 54771 - الوقت: 11:23 AM - التاريخ: 01-09-14)           »          رواية.....سمراء العين (الكاتـب : مختار أحمد سعيدي - مشاركات : 10 - المشاهدات : 248 - الوقت: 11:20 AM - التاريخ: 01-09-14)           »          171- لو لم تسافر - لينسي ستيفنز - ع.ق (الكاتـب : pink moon - آخر مشاركة : فخورة بمصريتي - مشاركات : 982 - المشاهدات : 37571 - الوقت: 11:19 AM - التاريخ: 01-09-14)           »          408 - حياتي عذاب - بات جيل - د.م (الكاتـب : SHAJAN-ROHI - آخر مشاركة : غوين - مشاركات : 389 - المشاهدات : 21387 - الوقت: 11:18 AM - التاريخ: 01-09-14)



العودة   شبكة روايتي الثقافية > منتدى الروايات الرومانسية المترجمة > منتدى روايات (عبير- احلام ) , روايات رومنسيه متنوعة > منتدى روايات عبير العام > روايات عبير المكتوبة

Like Tree12Likes

إضافة رد
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع

البارت رررررررررررررررررررووعه

مشكووووووررررره على الفصل الرائع


لك مني أجمل تحية .

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة خفايا الشوق مشاهدة المشاركة
البارت رررررررررررررررررررووعه

مشكووووووررررره على الفصل الرائع


لك مني أجمل تحية .
العفو

و إن شاء الله أنزل الفصل الرابع الآن

الله يحيكي حبيبتي ^__________^

4-استقرت في مهماتها الجديدة مخفية ما استطاعت ملامح تعبها. واكتشفت برعب أن شخصاً ما تقصد تشويه سمعتها كطاهية جيدة, وبرعب أكبر أنها واقعة في حب جيرفيه!



دخلت جوسلين إلى غرفة ابنة عمها و أخبرتها في الحال قائلة:
-غيرت رأيي, يا كاميليا. سأبقى هنا مدة أطول.
-آه, يا جوسلين, هذا خبر مفرح! أنت طيبة... كنت أعرف بأنك ستقبلين أخيراً.
-لم تفهمي ما جرى. لقد أصاب السيدة سانتون حادث.
جلست الفتاة على حافة السرير لتشرح لكاميليا ما جرى للعمة. فقالت المرأة الحامل بعد سماع القصة:
-حسناً. سيرسل جان-مارك في الغد برقية إلى عمي جون و يخبره فيها بأنك أجلت موعد سفرك, ولا تعرفين بعد متى ستعودين.
شعرت جوسلين برغبة ملحة أن تهز هذه المرأة الأنانية بعنف, لكنها اكتفت بالقول في لهجة جافة:
-بقائي هنا ليس سهلاً عليْ. هل تتخيلين الوضع؟
-هذا جنون وحمق... ستتدبرين أمرك بروعة. أنت موهوبة جداً في القيام بالأعمال المنزلية.
تثاءبت المرأة و تمطت, ثم أضافت تقول:
-أخيراً, سآكل من يدك الطعام اللذيذ, الانكليزي, بدلاً من هذه المأكولات المليئة بالزيت و الثوم. هل تعتقدين بأننا سنتمكن من أكل لحم البقر هنا بدلاً من الضأن كل يوم كل يوم...
كبتت الفتاة حنقها, وقالت بحزم:
-الآن اسمعيني, يا كاميليا. لن أتمكن من القيام بهذا الدور المفروض عليّ إلا بشرط واحد, وهو أن تساعديني. الظاهر أنك لا تعرفين مقدار العمل الذي تقوم به العمة كل يوم. فإذا لم تعديني بالتعاون, سأضطر أن أقول لجيرفيه بأنني لا أستطيع إدارة هذا المنزل وحدي. في كل حال, لا أظنه يعتقد بأنني قادرة على ذلك. كما أنا لست أكيدة أيضاً من امكانيتي في تحمل هذه المسئولية الكبيرة. لكنني سأحاول . . أريدك فقط أن تعاونينني قليلاً. و إلا سأسافر في الوقت المحدد, و أنا جدية بما أقول.
-ماذا تقصدين؟ أنا ليس بمقدرتي أن أنظف هذا المكان.
-كلا, طبعاً. إذا كنت سأطبخ للحراس و أنظف البيت و أهتم بالعمة, فلن أستطيع أن أحضر صينية طعامك و أجلبها لك إلى غرفتك. عليك إذا أن تتناولي الطعام معنا, من الآن فصاعداً.
-كلا. لا أستطيع ذلك... ليس من العدل أن تطلبي ذلك مني.
أجابت الفتاة بهدوء:
-حسناً, في هذه الحال, لن أحل مكان العمة المريضة. والآن, سأذهب و أطمئن على حاله, ثم أقول لجيرفيه أن يتدبر غيري.
خرجت الفتاة بسرعة غير تاركة لكاميليا أي مجال لاستعمال لغة الدموع المعروفة عنها. فوجدت العمة تحاول خلع ملابسها و حدها, ولما أرادت جوسلين مساعدتها, رفضت العجوز بعناد, و أحمرت خجلاً. لكن جوسلين أصرت عليها بتهذيب. ولما وضعت العجوز أخيراً في سريرها, ذهبت الفتاة إلى غرفة الجلوس لتعد مائدة الطعام. فالعشاء ليس مشكلة, لأن الحراس يأكلون عادة الخبز و السلطة و الجبنة و اللحوم الباردة. بينما الغداء يتطلب وقتاً طويلاً و جهداً كبيراً.
كانت في المطبخ تطحن البن عندما دخلت كاميليا. كانت ترتدي فستاناً كتانياً أحمر, وتنتعل صندلاً ذهبياً يتناسق مع أساورها. قالت بصوت الضحية:
-ها أنا ارتديت ملابسي.
حضنتها جوسلين بين ذراعيها وهمست:
-م-م. م... رائحتك ذكية. شكراً, يا كاميليا. أؤكد لك بأن الأمر سيكون أقل صعوبة مما تعتقدين. هل تريدين فنجان قهوة؟
-نعم, لكن ليس هنا. فالجو خانق.
خرجت من الغرفة وهي تقول:
-لا أعرف ماذا ستكون ردة فعل جان-مارك عندما يعلم بأنك أرغمتني على مغادرة الفراش.
-سأجلب القهوة إلى غرفتك.
وصل جان-مارك بعد حوالي نصف ساعة. سلم على عمته وعلى زوجته, ثم جاء إلى المطبخ ليتحدث مع جوسلين:
-جوسلين, هل تعتقدين بأنه من الحكمة إرغام كاميليا على تناول الطعام هنا؟ أنت لا تصرين على رؤيتها مرتبكة و متوترة, أليس كذلك؟ كما تعرفين أنها امرأة شديدة الحساسية!
-الأمر يتعلق بك. لكن بنظري أنا, خروجها من السرير سيفيدها كثيراً.
حك الرجل ذقنه متردداً, ثم قال:
-ربما تكونين على حق, لا أدري.
دخل جيرفيه, صافح أخاه و رمى قفاذتيه و قبعته على الكرسي, ثم قال:
-الرجال مستعدون للدخول. هل تريدين أية مساعدة؟
-كل شيء جاهز, شكراً. ربما تفضل الاهتمام بالمشروب؟
-نعم, طبعاً.
خرج الشقيقان من المطبخ. وضعت جوسلين بيضتين في المقلاة وسخنت بعض الحليب, ثم أخذت صينية العشاء إلى العمة, و فوجئت بجيرفيه هناك, قطع الرجل حديثه و نهض. فاقتربت الفتاة من سرير العمة وقالت:
-آمل أن يعجبك الطعام, يا سيدتي. إذا كنت تفضلين شيئاً آخر, سأحضره لك بسرور.
شكرتها العمة بلطف, على غير عادتها, و استقبلت الصينية بفرح.
قالت جوسلين لجيرفيه:
-ستشعر السيدة براحة أكثر إذا كان باستطاعتك أن تضع إطاراً على حافة السرير, يمنع ثقل الأغطية عن قدمها المصابة.
-حسناً, سأهتم بالأمر بعد العشاء.
نظرت إليه الفتاة مباشرة في عينيه وقالت:
-آه, هناك شيء آخر. لقد نجحت في اقناع كاميليا أن تتناول لعشاء معنا, في المساء. وستكون تلك تجربة بالنسبة إليها. أتمنى أن تجعل الجو هادئاً لها.
-طبعاً.
-شكراً.
توجهت الفتاة نحو الباب, فتبعها, فتح لها الباب, ثم قال بمرح:
-ستحدث تغييرات جذرية في نظام البيت, على ما أظن.
-ربما. هل أخبرت العمة بأنني سأتوكل بإدارة المنزل مكانها؟
-ليس بعد. سأخبرها بالأمر غداً صباحاً... إذا لم تغيري رأيك.
وخرج من الغرفة قبل أن تتمكن من الرد عليه.
كان الحراس على مائدة الطعام عندما قدم جان-مارك و زوجته إلى الجميع. فنهض الحراس وحيوا المرأة بصوت واحد " مساء الخير يا سيدة سانتون". ثم جلسوا لمتابعة حديثهم. طبعاً, وجود المرأة, النارية الشعر, التي حبست نفسها طوال هذا الوقت في غرفتها, يثير فيهم الاهتمام, لكن فضولهم ظل مكبوتاً, وتصرفهم مهذباً.
جلست كاميليا على طرف الطاولة, يحيط بها زوجها و أخوه, بينما جلست جوسلين قرب جان-مارك الذي بدأ يتحدث بتفصيل عن نهاره, في مدينة آلرز. ثم طلب من الفتاة أن تخبرهم مفصلاً عن حادثة العمة. ران صمت ثقيل بعدما انتهت من الحديث. لكن جيرفيه قطعه, إذ التفت نحو كاميليا و راح يحدثها بلطف و محبة. استرخت المرأة بسرعة و ابتسمت وهي تتكلم معه, كان لا خلاف بينهما.
بعد العشاء, رفضت كاميليا الذهاب مباشرة إلى غرفتها و أرادت الجلوس في الساحة مع زوجها. وذهب جيرفيه ليهتم باطار سرير العمة, بينما جلت جوسلين, حالمة, تحاول طرد الأفكار المقلقة من رأسها. ثم نهضت وباشرت بإفراغ الصحون عن المائدة.
-هل بإمكاني مساعدتك يا آنسة جوسلين؟
انتفضت الفتاة و قالت باستغراب:
-آه... رفاييل. لم أسمعك تدخل.
-آسف. هل بإمكاني مساعدتك؟
-هذا لطف منك. لكنني قادرة أن أتدبر أمري بسهولة. أنت عملت طوال النهار.
-لكنني لا أشعر بالتعب. إنه لفرح كبير أن أستطيع مساعدتك, يا آنسة...
-حسناً... ما دمت مصراً... شكراً.
بعدما جلب الشاب الصحون المستعملة إلى المطبخ, بدأ يساعد في تجفيفها. فاندهشت الفتاة لأنها اعتقدت بأن هذا العمل بالنسبة إليه خاص بالنساء فقط. وراح يخبرها بأن والده صاحب دكان لبيع البن في مدينة آلرز. لكن جده كان حارس ماشية و ورث عنه هذا الميل. كما أخبرها بأنه ربح كمية من المال لا بأس بها, فاشترى لنفسه دراجة و جهاز راديو.
-سأريك المذياع, يا آنسة.
خرج الشاب بسرعة, ولما عاد, وضع المذياع على الطاولة وأداره وقال:
-آه, موسيقى البوب. هل تحبين الرقص, آنسة جوسلين؟
-آه, نعم, كثيراً.
راح الشاب يرقص حول الطاولة, ويحمسها على الانضمام إليه. بعد تردد قصير, شاركته بفرح. فجأة, توقفت الموسيقى و قال الصوت:
-آسف لإفساد فرحكما, لكن يبدو أنكما نسيتما بأن العمة مريضة وأن الضجة تزعجها.
كان هذا الكلام صادراً عن جيرفيه, المتقلص, الواقف على عتبة الباب.
-اعتذر رفاييل و حمل مذياعه و ولى. فقالت جوسلين محتجة:
-لم تكن الموسيقى صاخبة, و أنا أكيدة بأن العمة لم تسمع شيئاً.
-سألها متجاهلاً كلامها:
-ماذا كان يفعل هنا؟
-كان يساعدني في غسل الصحون و تجفيفها. يبدو أنه صبي لطيف.
رفع جيرفيه حاجبيه وقال:
-صبي؟
-أظن أن عمره أقل من عشرين سنة.
-عمره 19 سنة. لكن هنا الرجال يبلغون باكراً. إنه رجل, يا صغيرة... و بالنسبة إليه, أنت امرأة.
-ماذا تعني بالضبط؟
-إذا كنت لطيفة معه سيعتقد بأنك تريدين مغازلته.
-آه, صحيح! هذا تافه! أنا أكيدة بأن هذه الفكرة لم تخطر بباله. فهو ليس من هذا النوع. انه خجول جداً.
ضحك جيرفيه بسخرية و قال بجفاف:
-جميع الرجال يعتقدون ذلك عنه. انه يتصرف بحذر معك الآن, لأنك ضيفتنا, لكنه رجل ذو تجارب عديدة. ربما لا تعرفين بأن الرجل الفرنسي يعتبر الفتاة الانكليزية طائشة وسهلة المنال.
أجابت ببرود:
-في هذه الحال, لا تقلق من جهتي.
-لم أقل بأني أحبذ هذه النظرية, لكنني أحذرك ببساطة من الرجال الفرنسيين عامة, ومن رفاييل خاصة, لأنه ربما يكون من دعاة هذه النظرية.
-لكنه سيتخلى عن أوهامه بسرعة متى عرفني.
-من الأفضل ألا نصل إلى هذا الحد.
في تلك الأثناء دخل جان-مارك وقال:
-تريد كاميليا أن تأوي إلى فراشها, وتسأل إذا كان بإمكانك أن تسرحي لها شعرها, يا جوسلين.
-بكل سرور. اعذرني, يا سيد سانتون.
سألت كاميليا ابنة عمها:
-ماذا جرى لجيرفيه؟ كان شديد اللطف معي على مائدة الطعام. ماذا قلت له؟
-أنا, لا شيء. منذ لحظة كان يوبخني و يعظني لأنني لم أتصرف بلباقة.
و شرعت تخبرها عن حادثة المطبخ, فقالت لها كاميليا:
-نظرته في محلها. صحيح انك تملين هنا حتى الموت, لكن لا يجب عليك أن تشجعي هذا النوع من الناس.
احتجت الفتاة و قالت:
-لكنني لم أشجعه. وماذا تعنين بـ.. هذا النوع من الناس؟
-لا تكوني حمقاء, يا حبيبتي. في انكلترا, لا يمكنك أن تخرجي مع شباب من هذه البيئة الاجتماعية.
-هل نسيت بأن جان-مارك كان حارس ماشية أيضاً؟
-هذا أمر مختلف. آل سانتون أصحاب ماشية ومعروفون. حسب رأيي, لا يجب للحراس أن يدخلوا عتبة هذا المنزل اطلاقاً. على الأقل لو ينزعون قبعاتهم خلال الطعام.
-هنا, التقاليد لا تطلب منهم ذلك. لماذا لا يمكنك أن تتقبليهم على حقيقتهم أنهم أفضل بكثير من الشباب المخنثين الذين كنت تخرجين معهم, في لندن.
-صحيح بأن لك أفكاراً غريبة! لم تجادلي هكذا, في الماضي. ما بك؟ لقد تغيرت منذ وصولك.
-آه, صحيح؟ لا أشعر بأنني تغيرت, والآن, سأستعير ساعة المنبة, كي أفيق باكراً في الصباح و أعجن الخبز!
-يا إلهي! هل تعرفين صنع الخبز؟ أنا لا أعرف أي شيء عن هذا.
-آه, نعم. إنها عملية سهلة جداً.
في الخامسة إلا ربع دقت ساعة المنبه, فنهضت جوسلين من نومها, و قفزت من السرير و فتحت النافذة على مصراعيها. لم يبدأ النهار بعد. لكن بينما كانت تغتسل و ترتدي ملابسها, سمعت صياح الديك. الجميع ينامون ولم يظهر الحراس إلا بعد السادسة.
وفي طريقها إلى المطبخ عرجت على غرفة العمة للاطمئنان عنها. رأتها نائمة بهدوء. وبينما هي خارجة من الغرفة, انتفضت مكانها: هناك انسان آخر في الغرفة! انه جيرفيه, نائم على الكرسي, مكتف اليدين, وذقنه فوق صدره. وبينما كانت تراقبه, تحرك لكنه لم يفق من نومه. فتساءلت الفتاة إذا كان من واجبها أن توقظه لتطلب منه أن يذهب إلى سريره وينام قليلاً قبل بدء نهار العمل الطويل. فتقدمت منه, ثم ابتعدت, مقررة عدم ازعاجه.
في المطبخ, وجدت صعوبة في اشعال نار الفرن. ثم تمكنت من ذلك بعدما ملأت يديها و وجهها بالغبار الأسود. اغتسلت ثم جلبت الطحين و الخميرة بغية تحضير الخبز. كان عملاً متعباً و صعباً. ولما انتهت, وضعت العجين قرب النار ليتخمر لمدة ساعة تقريباً. ثم راحت تمسح أرض الغرفة. وفي حوالي السادسة كان الخبز في الفرن و القهوة معدة. سكبت لنفسها فنجاناً وجلست قليلاً لتحتسيه.
فجأة امتلئ المطبخ بأشعة شمس الشروق, فقامت و فتحت الباب من جهة الشمال, ما تزال السماء رمادية, بينما, شرقاً كانت وردية مذهبة. مشت الفتاة نحو الساقية حيث ينبت السوسن البري. وما لب أن اختفى الضباب الصباحي مع طلوع الشمس.
بعد قليل, برزت ثلاثة أحصنة فجأة من وراء الضباب, هزت اعناقها و أذنابها... ثم اختفت. لم تحدث أي ضجة لأن حوافرها منتزعة فبدت كأشباح خيالية... وفي هذه اللحظة بالذات, عرفت جوسلين بأن ابنة عمها على حق: نعم لقد تغيرت منذ وصولها إلى هنا. ومن دون وعي أو ادراك, وقعت في حب هذا المكان... في حب هذا البلد المنغلق, الغريب.
عادت إلى المطبخ لتجد جيرفيه يسكب لنفسه القهوة. كان قد حلق ذقنه و غير قميصه ولم يبد أنه قضى الليل كله نائماً على كرسي صغير, غير مريح.
ابتسمت له, ناسية مشاحنة الأمس و قالت:
-صباح الخير. الطقس رائع اليوم.
-صباح الخير. و أنت أيضاً تبدين بمزاج رائع. منذ متى بدأت العمل؟
-منذ الخامسة. هل تريد أن تأكل شيئاً الآن؟
-كلا, شكراً. ليس الآن.
-لا شك أنك تعاني من آلام في الظهر. عندما استيقظت, عرجت على غرفة العمة لأطمئن عنها. فوجدتك نائماً على الكرسي.
-آه, فهمت. نعم. أشعر بتيبس بسيط في ظهري. لكن ذلك سينجلي بسرعة.
لم تعرف الفتاة ما الذي دفعها إلى القول:
-أنت تحب عمتك كثيراً, أليس كذلك؟
-كان هناك احتمال بسيط أن تكون كدمة رأسها خطرة أكثر مما توقعت في البداية. لذلك فضلت البقاء قربها لمراقبتها. لكن قلبها ينبض جيداً, و حرارة جسمها عادية. انها تتنفس بشكل طبيعي, ولم يعد هناك أي سبب للقلق عليها.
-آه... أنا سعيدة لهذا الخبر.
اتجهت الفتاة نحو الخزانة, فتحت أحد الأدراج لتخرج منه السكاكين و الملاعق, لكنها قبل ذلك, التفتت نحوه و قالت:
-أعتقد أنه من واجبي الاعتذار منك. لقد انزعجت كثيراً منك عندما رفضت استدعاء الطبيب. لكنني أرى الآن بأنك قلق عليها مثلي... بل ربما أكثر. أنا آسفة يا سيد سانتون.
حدق بها من دون أن يرد و كانت نظرته مليئة بالتهكم. لكنه ابتسم لها قبل أن يقول:
-هل تعرفين أن تحلبي البقر؟
-كلا... لا أعرف.
-إذن, سأحلب البقرة أنا, مكانك.
ذعرت الفتاة وصرخت:
-آه, يا إلهي. نسيت الحليب على النار.
ثم أضافت بقلق:
-كما لا أعرف صنع الزبدة, أيضاً.
=لا أهمية لذلك. سأوكل أحد الحراس بهذه المهمة, لبضعة أيام. صناعة الزبدة عمل صعب و متعب, لمن ليس معتاداً عليه.
خرج جيرفيه ليحلب البقرة, تاركاً الفتاة مندهشة أمام لطفه الغريب.
في الصباح, وصل الطبيب لتفقد صحة المرأة الحامل, ففرح لرؤيتها خارج السرير. و هنأ جوسلين بذلك, فوجدته الفتاة انساناً لطيفاً, و وثقت به عندما طمأنها بأن لا خطر على صحة كاميليا و الطفل و أن الحمل يسير بشكل طبيعي. كما قال لها بأن العمة بحاجة إلى أسبوع راحة كي تستعيد نشاطها الروتيني من جديد.
احضرت جوسلين للغداء ثلاث فطائر بالجبن و البصل و الكوسى, فلاقت نجاحاً كبيراً ولم يبق لها أثر في نهاية الطعام.
ومع ذلك, فبينما كانت تجلي الصحون, شعرت بالحزن و بعض الانهيار النفسي و الكآبة:" أما كان بإمكان جيرفيه أن يقول لها شيئاً بدوره". جميع الحراس أثنوا عليها بكلمات المديح, لكن جيرفيه غادر الطاولة من دون أن ينظر إليها.
ولمدة ثلاثة أيام متتالية, كانت جوسلين تعمل بقسوة, تكبت أحياناً دموعها بسبب الام تملأ كل أنحاء جسمها. لكن, كلما رأت جيرفيه في الجوار, تتذرع بالنشاط و ترندح الأغاني باسترخاء.
ذات مساء, أعلن لها جيرفيه بأنه سيذهب إلى مزرعة آل دورانس وطلب منها مرافقته, فاعتذرت منه وقالت:
-كلا, لن آت. سأغسل شعري و أكتب بعض الرسائل الضرورية ولا وقت لديّ للزيارات.
رمقها بنظرة ثاقبة وقال:
-أنت شاحبة الوجه. هل عمل المنزل يتعبكِ كثيراً؟
-كلا. أنا أحب أن أشغل نفسي. هل أنت مستاء من خدماتي؟
-لا أظن أن الرجال مستاؤون من أي شيء.
نظرته الباردة جرحت مشاعرها إلى درجة أنها أدارت له ظهرها وخرجت بسرعة لئلا يرى الدموع في عينيها. وفي تلك الليلة لم تعرف طعم النوم. في منتصف الليل, نهضت من فراشها و وضعت على وجهها عطراً منعشاً ثم اسندت يديها على النافذة و راحت تصغي إلى تغريد العندليب و شعرت بالانفعال يخنقها. المستنقعات تلمع تحت ضوء القمر كبحيرات فضة تذوب. ولما عاد جيرفيه من سهرته, كانت جوسلين ما تزال جاثمة أمام النافذة, لكنها ابتعدت و راها... أخيراً, نامت.
في صباح اليوم التالي و بينما كانت تعد مائدة الطعام, دخل إليها جيرفيه, فحيته باقتضاب و استمرت في عملها. فقال لها:
-رأيت الغجر يخيمون قرب الطريق, مساء أمس. ربما سيتوقفون هنا, في طريقهم إلى الاحتفال بعيد السيدة سارة. فلا تقلقي, لن يسرقوا شيئاً. و إذا قدمت لهم الحليب و الخضرة, قد يخبروك طالعك.
-أنا لا أؤمن بالتنجيم و لا بكاشفات البخت هذه كلها حماقات!
-بمكانك أن تصغي إليهن بتهذيب, من غير أن تصدقي أقوالهن.
قالت من دون أن تنظر إليه:
-آسفة...
-ما الذي كان يمنعك من النوم مساء أمس؟
أجابت مندهشة:
-هل رأيتني؟
-رأيت شيئاً يتحرك وراء النافذة.
-نعم, كان الحر شديداً. هل أمضيت سهرة ممتعة عند آل دورانس؟
-رائعة جداً. سيلين مضيفة ممتعة. ربما سرتينها اليوم, فستأتي لرؤية العمة مادلون.
في العاشرة صباحاً وصلت الفتاة الفرنسية إلى مزرعة آل سانتون, أضمت حوالي نصف ساعة مع العمة, ثم وافت كاميليا و جوسلين في الساحة. كاميليا ممددة على كرسي طويل في ظل مظلة واسعة, تتصفح إحدى المجلات, بينما جوسلين تستريح قليلاً قبل أن تعاود أعمالها العديدة.
في الحال, بدأت كاميليا و سيلين تتحدثان عن آخر اختراعات الموضة النسائية, فدخلت جوسلين تعد لهما القهوة و تتساءل كيف بإمكان الفتاة الفرنسية أن تتصرف بلطف و محبة مع كاميليا التي سرقت منها جان-مارك و تزوجته.
قالت سيلين لكاميليا:
-أنا آسفة لأنك لا يمكنك المجيء لزيارتي, كي أريك ملابسي الجديدة.
هتفت كاميليا بفرح:
-لكنني سأكون مسرورة لزيارتك.
-صحيح. جيرفيه قال لي بأن المسافة في سيارة الجيب ستعرضك للإرهاق, وربما تتأذى صحة الجنين.
-هذا أمر تافه. أنا أرغب من كل قلبي في زيارتك.
-إذن, لماذا لا تأتين في المساء لزيارتي بعدما يعود جان-مارك من عمله. سأريك كل ما اشتريت من باريس, و بإمكان زوجك و أبي أن يتحدثا معاً في سباق الثيران.
-هذا مشروع رائع, يا سيلين.
قالت جوسلين في الحال:
-هل تعتقدين أن هذا قرار مناسب لك, يا كاميليا, الطريق رجراجة, صدقيني.
-آه, لا أريد مشاكل, يا جوسلين. فجان-مارك سيقود السيارة على مهل.
قالت سيلين:
-وأنت, يا آنسة بيشوب, تعالي معهما.
لكن كاميليا تدخلت بسرعة و قالت:
-على جوسلين أن تبقى مع العمة, فلا يجب تركها وحدها, خاصة أنني سمعت جيرفيه يقول بأنه ذاهب في المساء إلى آلرز.
-آه, نعم... نسيت العمة مادلون
نهضت جوسلين وقالت:
-المعذرة, عليّ أن أهتم بتحضير الغداء.
اعدت الفتاة حساء البصل, ثم تذوقته وفرحت لروعة طعمه اللذيذ. و بينما كانت تقطع شرحات الخبز تساءلت لماذا ابنة عمها اصرّت على ابعادها من زيارة مزرعة آل دورانس.
عرّجت سيلين إلى المطبخ في طريق ذهابها وقالت لجوسلين:
-آه, الحر شديد هنا. لا شك أن هذا العمل الذي تقومين به الآن مرهق, أليس كذلك؟
أجابت الفتاة الانكليزية بتواضع:
-لا بأس. لقد قيل لي بأن منزل والدك عصري, و مجهز بكل والوسائل الحديثة الضرورية؟
-نعم. كل شيء فيه. لكن، أنا لا أنظف البيت ولا اعدّ الطعام.
ثم نظرت إلى قدر الحساء و أضافت سائلة:
-وماذا هنا في داخل القدر؟
-حساء بصل.
-هل بإمكاني تذوقه؟
-نعم، طبعاً.
-آه، انه رائع. قال جيرفيه بأن...
سعلت الفتاة كأن الحساء حرق حنجرتها لشدة سخونته ثم تابعت تقول:
-قال جيرفيه بأنك طباخة ماهرة.
-آه, صحيح؟
سمعت جوسلين العمة ترن جرسها, فهرعت إليها. و لما عادت إلى المطبخ كانت سيلين قد ذهبت.
قبل موعد الغداء بقليل, جاءت كاميليا وقالت لابنة عمها:
-ستجعدين شعري, يا جوسلين, اليوم بعد الظهر. فلا يمكنني الخروج هكذا.
قالت هذا الكلام بلهجة آمرة و ولّت.
وعلى مائد الغداء, كانت جوسلين آخر من سكب الحساء في طبقه. جلست بفخر لتستمتع بهذه الوجبة الطيبة. لكن ما ان احتست الجرعة الأولى حتى تقلص جسمها. ولم تصدق, تناولت جرعة ثانية. طعم الحساء مقيت!
وضعت الملعقة و نظرت إلى الرجال. لا أثر لأي تعبير استياء أو قرف على وجوههم, يأكلون بشهية كالعادة ولا يتذمرون من شيء. ثم التفتت نحو ابنة عمها التي كانت تتصنع الاحتساء. اشتبكت نظراتهما، فرمقتها المرأة بنظرات حانقة مما جعل جوسلين على وشك الانهيار وتمنت لو باستطاعتها الاختفاء تحت الطاولة.
أخذت نفساً عميقاً وأعلنت تقول:
-سادتي, يجب أن أعتذر منكم. هذا الحساء لا يؤكل. طعمه مقيت.
وضع الواحد تلو الآخر ملعقته على الطاولة من دون النظر إليها. بعضهم اكتفى بمضغ الخبز, و البعض الآخر, وضعوا فوقه زبدة. تعابير وجوههم فير واضحة.
نهضت جوسلين من مكانها و أضافت تقول:
-أنا آسفة... حقاً آسفة. بسرعة سأحضر لكم شيئاً آخر.
قال جيرفيه بصوت هادئ:
-لا ضرورة, يا صغيرتي. سنكتفي بأكل الخبز الطازج مع الجبنة.
رمقها بابتسامة حارة, فتأثرت كثيراً وفرح قلبها.
ولما باتت كاميليا وحدها مع جوسلين, راحت تؤنبها قائلة:
-حقاً, يا جوسلين! لم يسبق أن انزعجت في حياتي مثل الآن. كيف باستطاعتك أن تفعلي شيئاً كهذا, أنت الفتاة الشاطرة؟!
-آسفة. لم أفعل ذلك عن قصد. حتى الآن لم أفهم ماذا جرى.
-انه الصابون, طبعاً. كيف بإمكانك أن تكوني غافلة, طائشة, إلى هذه الدرجة؟
-صابون؟ مستحيل! كيف يقع الصابون في الحساء؟
-هذا ما أحب معرفته. لا شك أنك كنت ساهية و وضعت منه بدل الزبدة. بأي تفسير آخر يمكنك أن تبرري غلطتك؟
-لكنني من النوع الذي ينتبه كثيراً, ولا أسهو أبداً.
-يا ابنتي العزيزة. لا ضرورة لمتابعة هذا الحوار. في الحساء صابون و هذا كل ما في الأمر. هل سكبت من الحساء للسيدة سانتون؟
-كلا. أطعمتها عجة بالفطر.
-لا شك اذن بأن جيرفيه سيخبرها بما حصل. لحسن حظك أن الصابون ليس مادة خطرة. لكن, مع ذلك، سيمرض بعض الرجال, حاصة الذين تناولوا كل شيء.
ذعرت جوسلين و قالت لابنة عمها:
-آه, لا! هل تعتقدين ذلك؟
-لن أفاجأ بالأمر. أشعر الآن بألم حاد في رأسي. سأرتاح نصف ساعة, و بعدها تجعدين شعري.
بينما كانت الفتاة تجلي الصحون لم تكف لحظة واحدة عن التفكير بما حدث, علها تجد تفسيراً لوجود الصابون في الحساء. افرغت محتوى القدر في برميل القمامة وصعقت حين وجدت في قعره فتيلة شمعة: " آه, الشموع موضوعة في خزينة المونة, و أنا لم أفتحها منذ البارحة". أطرقت الفتاة تقول في نفسها: " إذن, ما حدث ناتج عن تخطيط مسبق. لكن من؟ ولماذا؟
الجواب الأول الذي خطر لها: السيدة سانتون... لكن، صحيح أن العجوز عنيدة وصلبة, لكنها ليست شريرة إلى هذا الحد. و لو أن العمة هي التي وضعت الشمعة في الحساء، لفعلت ذلك في الصباح الباكر, عندما كانت الفتاة تنظف البيت. في الساعة الحادية شرة, كان الحساء لذيذاً لقد ذاقته, و كذلك سيلين...
سيلين! ربما هي التي فعلت ذلك. كانت في المطبخ عندما قرعت العجوز. ولما عادت جوسلين إلى المطبخ, كانت سيلين قد اختفت. تكفي ثوان معدودة لجلب شمعة من خزانة المؤن و وضعها في الحساء.
لكن، كيف تمكنت سيلين من معرفة مكان وجود الشموع, هي التي تأتي إلى المزرعة نادراً جداً؟ لأي سبب فعلت ذلك؟ للمزاح و النكتة؟
كانت جوسلين ما تزال تبحث عن مفتاح السر عندما رأت جيرفيه عائداً على حصانه. دخل المطبخ و سأل:
-أين كاميليا؟ ألا يمكنها مساعدتك في تنشيف الصحون؟
-تعاني من ألم حاد في الرأس, و ترتاح في الوقت الحاضر.
سحبت الفتاة يديها من ماء الجلي, ثم نشفتهما. لقد نسيت أن ترتدي القفازين البلاستيكيين الجديدين, فبدت يداها حمراوين منتفختين.
-وأنت أيضاً بحاجة إلى الراحة. يجب أن تمضي فترة القيلولة في سريرك. لم تخلدي إلى النوم البارحة إلا خمس ساعات وهذا لا يكفي. اتركي كل شيء الآن, و اذهبي إلى غرفتك. تنشفين الصحون فيما بعد.
-كلا, وعدت كاميليا أن أجعد شعرها. ستذهب في المساء إلى مزرعة آل دورانس مع جان-مارك. في كل حال, أنا لا أشعر بالتعب.
كانت تكذب طبعاً, وبينما راحت تمد يدها لجلب منشفة الصحون, أمسك جيرفيه معصمها و هز رأسه و قال:
-ستذهبين إلى غرفتك الآن و ترتاحي, يا ابنتي. تباً لكاميليا و لشعرها. آه, ماذا هنا؟ جرحت اصبعك؟
من دون أن يتركها, جلبها إلى كرسي قرب الطاولة و قال:
-اجلسي. سأضع فوق الجرح دواء مطهراً, ثم لصقة وقائية.
ادركت جوسلين في الحال أنه من الأفضل لها عدم معارضته و إلا جرها إلى غرفتها. قال:
-اذن كاميليا ذاهبة في المساء لزيارة مزرعة آل دورانس! أنا غير موافق لكن لا أستطيع منعها إذا كان زوجها موافقاً. هل دعتك سيلين لزيارتها أيضاً؟
-نعم, لكنني رفضت. أنت ذاهب إلى المدينة, أليس كذلك؟ و أنا سأبقى قرب العمة و أنام باكراً.
ذهب جيرفيه ليجلب ما يحتاج لتضميد جرح اصبع الفتاة, ثم عاد وتقدم منها و قال:
-يداك لم تكونا على هذه الحال لدى وصولك إلى هنا. ألست نادمة على قبولك العمل مكان العمة؟
احمرّ وجه الفتاة, فأشاحت وقالت:
-هل تحاول اقناعي بأنك على حق, و بانني مخطئة؟ خاصة بعد حادثة الغداء...
-آه, نعم... الحساء...
فضلت عدم النظر إليه كي لا تعرف قصده. تشعر دائما بالانزعاج قربه و خصوصاً اليوم, لأن اعصابها متوترة جداً. قالت بصوت متقلص:
-كنت لطيفاً في تصرفك معي, بعد الحادثة. وفي كل حال, لم تكن مخطئاً حيالي.
سألها بجفاف:
-وهل رأيي يهمك؟ تصورت بأنك لا تبالين بما أقول و أفكر.
نظرت إليه أخيراً و رأت في عينيه بريقاً يقطع الانفاس. لم يتسن لها الوقت للرد عليه, لأن كاميليا دخلت في هذه الأثناء إلى المطبخ وقالت:
-أشعر الآن بتحسن, يا جوسلين. هل أنت مستعدة لتجعيد شعري؟
قال جيرفيه بسرعة:
-للأسف جوسلين تعاني من ألم حاد في الرأس و أمرتها أن ترتاح حوالي ساعتين.
بدأت كاميليا تقول:
-لكن, و شعري...
قاطعها بخشونة و قال:
-شعرك يستطيع الانتظار, يا سيدة.
ثم تأبط ذراع الفتاة و رافقها حتى الغرفة, وقال لها:
-لا تحاولي الخروج. سأكون في المنزل و سأسمعك.
ثم أدار ظهره و ذهب.
بقيت جوسلين ممددة في غرفتها المعتمة طول ساعات الظهر الحارة. لكنها لم تنم لحظة. لا تفكر بشيء, لا بالحساء المقيت, ولا بتجعيد شعر ابنة عمها, و لا بالكوي غير المنتهي, ولا بتحضير العشاء... بدت لها كل هذه الأمور من غير أية أهمية اطلاقاً. لا يهمها سوى شيء واحد: اكتشافها الرهيب بأنها وقعت في حب جيرفيه سانتون.
حوالي الرابعة, نهضت جوسلين من سريرها, اغتسلت و ارتدت ملابس نظيفة ثم خرجت إلى المطبخ, حيث وجدت كلمة تقول:
-لقد أوكلت شخصاً لزيارة عمتي في المساء و المكوث قربها, فأنت اذن حرة لزيارة مزرعة آل دورانس, إذا كنت ترغبين ذلك.
لا توقيع على الرسالة, لكنها ليست غبية لتعرف بأنها صادرة عن جيرفيه نفسه.
لما حملت جوسلين القهوة لابنة عمها, قالت لها هذه الأخيرة بوجه عابس:
-اذن, تشعرين الآن بتحسن؟
-نعم, شكراً. هل ذهب جيرفيه إلى مدينة آلرز؟
-نعم. كما وجد من يبقى مع عمته. بإمكانك المجيء معنا, إذا كنت ترغبين بذلك.
-كلا, لن آتي. لا شيء يهمني في هذه الزيارة.
هزت كاميليا كتفيها و قالت:
-كما تريدين.
كانت المرأة غاضبة بسبب شعرها, لكنها لانت عندما اقترحت عليها ابنة عمها أن تجعده لها على الناشف. ولما عاد جان-مارك من عمله, كانت زوجته جاهزة, متألقة, و بمزاج رائع.
حوالي الثامنة, انتهى العشاء, فغسلت جوسلين الصحون كالعادة, ثم خرجت في سيرها الاعتيادي نحو الساقية, بينما كانت زوجة أحد الحراس تثرثر مع العمة. راحت تتأمل السهل الواسع, الممتد أمامها محروقاً بالشمس اللاهبة.
فجأة فكرت بانفعال مفاجئ: " ربما جيرفيه يعود باكراً ؟ "
ثم قالت الناحية المدركة في دماغها: " لا تكوني حمقاء. إذا بدأت منذ الآن التفكير و الحلم به, ستخسرين نفسك! الأفضل عدم التفكير به اطلاقاً. ليس هذا ما يسمونه " الحب" يا أيتها الحمقاء, انما ميل فاتن, فقط لا غير " .
و بينما كانت منغمسة في افكارها, لم تسمع رفاييل يقترب منها. فحين لمس ذراعها, انتفضت, فقال لها:
-لم أكن أقصد اخافتك. انما كنت أتساءل إذا...
توقف عن متابعة الكلام, منزعجاً, خجولاً. نظرت إليه الفتاة نظرة مشجعة, فأضاف يقول:
-...إذا كنت تحبين أن تأتي إلى للسباحة, يا آنسة؟
-لكن, أين؟
-في البحر. انه لا يبعد من هنا سوى كيلومترات قليلة. في دراجتي النارية, نصل بسرعة. لكن, ربما لا تحبين البحر؟
-آه, بلى, بالعكس.
-اذن, هل تأتين؟
ترددت جوسلين. لديها الكوي غير المنتهي. لكنها بحاجة إلى تمويه عقلها. فالسهرة على شاطئ البحر شيء مريح, سيسمح لها بالنوم جيداً, خاصة إذا سبحت حتى التعب, ثم أجابت:
-سأكون مسرورة جداً بمرافقتك, يا رفاييل. انتظرني.
لم تسألها السيدة سانتون إلا عن موعد عودتها, عندما اخبرتها الفتاة عن رحلة البحر. فارتدت قميصاً قطنياً فوق سروال الجينز و وضعت بزة السباحة في منشفة, ولم تنس أن تأخذ معها كنزة.
كان رفاييل ينتظرها على دراجته النارية. بعدما تأكد من جلوسها المريح وراءه, أدار المحرك, ثم قال لها بصوت عالٍ:
-تمسكي جيداً, يا آنسة.
وضعت الفتاة ذراعيها حول خصره و تنفست عطره الناعم, ثم تذكرت تحذيرات جيرفيه: " إذا كنت لطيفة, سيظن بأنك تريدين مغازلته. انه رجل... و أنت, بالنسبة إليه, امرأة " .
α α α α
برديس likes this.

4-استقرت في مهماتها الجديدة مخفية ما استطاعت ملامح تعبها. واكتشفت برعب أن شخصاً ما تقصد تشويه سمعتها كطاهية جيدة, وبرعب أكبر أنها واقعة في حب جيرفيه!



دخلت جوسلين إلى غرفة ابنة عمها و أخبرتها في الحال قائلة:
-غيرت رأيي, يا كاميليا. سأبقى هنا مدة أطول.
-آه, يا جوسلين, هذا خبر مفرح! أنت طيبة... كنت أعرف بأنك ستقبلين أخيراً.
-لم تفهمي ما جرى. لقد أصاب السيدة سانتون حادث.
جلست الفتاة على حافة السرير لتشرح لكاميليا ما جرى للعمة. فقالت المرأة الحامل بعد سماع القصة:
-حسناً. سيرسل جان-مارك في الغد برقية إلى عمي جون و يخبره فيها بأنك أجلت موعد سفرك, ولا تعرفين بعد متى ستعودين.
شعرت جوسلين برغبة ملحة أن تهز هذه المرأة الأنانية بعنف, لكنها اكتفت بالقول في لهجة جافة:
-بقائي هنا ليس سهلاً عليْ. هل تتخيلين الوضع؟
-هذا جنون وحمق... ستتدبرين أمرك بروعة. أنت موهوبة جداً في القيام بالأعمال المنزلية.
تثاءبت المرأة و تمطت, ثم أضافت تقول:
-أخيراً, سآكل من يدك الطعام اللذيذ, الانكليزي, بدلاً من هذه المأكولات المليئة بالزيت و الثوم. هل تعتقدين بأننا سنتمكن من أكل لحم البقر هنا بدلاً من الضأن كل يوم كل يوم...
كبتت الفتاة حنقها, وقالت بحزم:
-الآن اسمعيني, يا كاميليا. لن أتمكن من القيام بهذا الدور المفروض عليّ إلا بشرط واحد, وهو أن تساعديني. الظاهر أنك لا تعرفين مقدار العمل الذي تقوم به العمة كل يوم. فإذا لم تعديني بالتعاون, سأضطر أن أقول لجيرفيه بأنني لا أستطيع إدارة هذا المنزل وحدي. في كل حال, لا أظنه يعتقد بأنني قادرة على ذلك. كما أنا لست أكيدة أيضاً من امكانيتي في تحمل هذه المسئولية الكبيرة. لكنني سأحاول . . أريدك فقط أن تعاونينني قليلاً. و إلا سأسافر في الوقت المحدد, و أنا جدية بما أقول.
-ماذا تقصدين؟ أنا ليس بمقدرتي أن أنظف هذا المكان.
-كلا, طبعاً. إذا كنت سأطبخ للحراس و أنظف البيت و أهتم بالعمة, فلن أستطيع أن أحضر صينية طعامك و أجلبها لك إلى غرفتك. عليك إذا أن تتناولي الطعام معنا, من الآن فصاعداً.
-كلا. لا أستطيع ذلك... ليس من العدل أن تطلبي ذلك مني.
أجابت الفتاة بهدوء:
-حسناً, في هذه الحال, لن أحل مكان العمة المريضة. والآن, سأذهب و أطمئن على حاله, ثم أقول لجيرفيه أن يتدبر غيري.
خرجت الفتاة بسرعة غير تاركة لكاميليا أي مجال لاستعمال لغة الدموع المعروفة عنها. فوجدت العمة تحاول خلع ملابسها و حدها, ولما أرادت جوسلين مساعدتها, رفضت العجوز بعناد, و أحمرت خجلاً. لكن جوسلين أصرت عليها بتهذيب. ولما وضعت العجوز أخيراً في سريرها, ذهبت الفتاة إلى غرفة الجلوس لتعد مائدة الطعام. فالعشاء ليس مشكلة, لأن الحراس يأكلون عادة الخبز و السلطة و الجبنة و اللحوم الباردة. بينما الغداء يتطلب وقتاً طويلاً و جهداً كبيراً.
كانت في المطبخ تطحن البن عندما دخلت كاميليا. كانت ترتدي فستاناً كتانياً أحمر, وتنتعل صندلاً ذهبياً يتناسق مع أساورها. قالت بصوت الضحية:
-ها أنا ارتديت ملابسي.
حضنتها جوسلين بين ذراعيها وهمست:
-م-م. م... رائحتك ذكية. شكراً, يا كاميليا. أؤكد لك بأن الأمر سيكون أقل صعوبة مما تعتقدين. هل تريدين فنجان قهوة؟
-نعم, لكن ليس هنا. فالجو خانق.
خرجت من الغرفة وهي تقول:
-لا أعرف ماذا ستكون ردة فعل جان-مارك عندما يعلم بأنك أرغمتني على مغادرة الفراش.
-سأجلب القهوة إلى غرفتك.
وصل جان-مارك بعد حوالي نصف ساعة. سلم على عمته وعلى زوجته, ثم جاء إلى المطبخ ليتحدث مع جوسلين:
-جوسلين, هل تعتقدين بأنه من الحكمة إرغام كاميليا على تناول الطعام هنا؟ أنت لا تصرين على رؤيتها مرتبكة و متوترة, أليس كذلك؟ كما تعرفين أنها امرأة شديدة الحساسية!
-الأمر يتعلق بك. لكن بنظري أنا, خروجها من السرير سيفيدها كثيراً.
حك الرجل ذقنه متردداً, ثم قال:
-ربما تكونين على حق, لا أدري.
دخل جيرفيه, صافح أخاه و رمى قفاذتيه و قبعته على الكرسي, ثم قال:
-الرجال مستعدون للدخول. هل تريدين أية مساعدة؟
-كل شيء جاهز, شكراً. ربما تفضل الاهتمام بالمشروب؟
-نعم, طبعاً.
خرج الشقيقان من المطبخ. وضعت جوسلين بيضتين في المقلاة وسخنت بعض الحليب, ثم أخذت صينية العشاء إلى العمة, و فوجئت بجيرفيه هناك, قطع الرجل حديثه و نهض. فاقتربت الفتاة من سرير العمة وقالت:
-آمل أن يعجبك الطعام, يا سيدتي. إذا كنت تفضلين شيئاً آخر, سأحضره لك بسرور.
شكرتها العمة بلطف, على غير عادتها, و استقبلت الصينية بفرح.
قالت جوسلين لجيرفيه:
-ستشعر السيدة براحة أكثر إذا كان باستطاعتك أن تضع إطاراً على حافة السرير, يمنع ثقل الأغطية عن قدمها المصابة.
-حسناً, سأهتم بالأمر بعد العشاء.
نظرت إليه الفتاة مباشرة في عينيه وقالت:
-آه, هناك شيء آخر. لقد نجحت في اقناع كاميليا أن تتناول لعشاء معنا, في المساء. وستكون تلك تجربة بالنسبة إليها. أتمنى أن تجعل الجو هادئاً لها.
-طبعاً.
-شكراً.
توجهت الفتاة نحو الباب, فتبعها, فتح لها الباب, ثم قال بمرح:
-ستحدث تغييرات جذرية في نظام البيت, على ما أظن.
-ربما. هل أخبرت العمة بأنني سأتوكل بإدارة المنزل مكانها؟
-ليس بعد. سأخبرها بالأمر غداً صباحاً... إذا لم تغيري رأيك.
وخرج من الغرفة قبل أن تتمكن من الرد عليه.
كان الحراس على مائدة الطعام عندما قدم جان-مارك و زوجته إلى الجميع. فنهض الحراس وحيوا المرأة بصوت واحد " مساء الخير يا سيدة سانتون". ثم جلسوا لمتابعة حديثهم. طبعاً, وجود المرأة, النارية الشعر, التي حبست نفسها طوال هذا الوقت في غرفتها, يثير فيهم الاهتمام, لكن فضولهم ظل مكبوتاً, وتصرفهم مهذباً.
جلست كاميليا على طرف الطاولة, يحيط بها زوجها و أخوه, بينما جلست جوسلين قرب جان-مارك الذي بدأ يتحدث بتفصيل عن نهاره, في مدينة آلرز. ثم طلب من الفتاة أن تخبرهم مفصلاً عن حادثة العمة. ران صمت ثقيل بعدما انتهت من الحديث. لكن جيرفيه قطعه, إذ التفت نحو كاميليا و راح يحدثها بلطف و محبة. استرخت المرأة بسرعة و ابتسمت وهي تتكلم معه, كان لا خلاف بينهما.
بعد العشاء, رفضت كاميليا الذهاب مباشرة إلى غرفتها و أرادت الجلوس في الساحة مع زوجها. وذهب جيرفيه ليهتم باطار سرير العمة, بينما جلت جوسلين, حالمة, تحاول طرد الأفكار المقلقة من رأسها. ثم نهضت وباشرت بإفراغ الصحون عن المائدة.
-هل بإمكاني مساعدتك يا آنسة جوسلين؟
انتفضت الفتاة و قالت باستغراب:
-آه... رفاييل. لم أسمعك تدخل.
-آسف. هل بإمكاني مساعدتك؟
-هذا لطف منك. لكنني قادرة أن أتدبر أمري بسهولة. أنت عملت طوال النهار.
-لكنني لا أشعر بالتعب. إنه لفرح كبير أن أستطيع مساعدتك, يا آنسة...
-حسناً... ما دمت مصراً... شكراً.
بعدما جلب الشاب الصحون المستعملة إلى المطبخ, بدأ يساعد في تجفيفها. فاندهشت الفتاة لأنها اعتقدت بأن هذا العمل بالنسبة إليه خاص بالنساء فقط. وراح يخبرها بأن والده صاحب دكان لبيع البن في مدينة آلرز. لكن جده كان حارس ماشية و ورث عنه هذا الميل. كما أخبرها بأنه ربح كمية من المال لا بأس بها, فاشترى لنفسه دراجة و جهاز راديو.
-سأريك المذياع, يا آنسة.
خرج الشاب بسرعة, ولما عاد, وضع المذياع على الطاولة وأداره وقال:
-آه, موسيقى البوب. هل تحبين الرقص, آنسة جوسلين؟
-آه, نعم, كثيراً.
راح الشاب يرقص حول الطاولة, ويحمسها على الانضمام إليه. بعد تردد قصير, شاركته بفرح. فجأة, توقفت الموسيقى و قال الصوت:
-آسف لإفساد فرحكما, لكن يبدو أنكما نسيتما بأن العمة مريضة وأن الضجة تزعجها.
كان هذا الكلام صادراً عن جيرفيه, المتقلص, الواقف على عتبة الباب.
-اعتذر رفاييل و حمل مذياعه و ولى. فقالت جوسلين محتجة:
-لم تكن الموسيقى صاخبة, و أنا أكيدة بأن العمة لم تسمع شيئاً.
-سألها متجاهلاً كلامها:
-ماذا كان يفعل هنا؟
-كان يساعدني في غسل الصحون و تجفيفها. يبدو أنه صبي لطيف.
رفع جيرفيه حاجبيه وقال:
-صبي؟
-أظن أن عمره أقل من عشرين سنة.
-عمره 19 سنة. لكن هنا الرجال يبلغون باكراً. إنه رجل, يا صغيرة... و بالنسبة إليه, أنت امرأة.
-ماذا تعني بالضبط؟
-إذا كنت لطيفة معه سيعتقد بأنك تريدين مغازلته.
-آه, صحيح! هذا تافه! أنا أكيدة بأن هذه الفكرة لم تخطر بباله. فهو ليس من هذا النوع. انه خجول جداً.
ضحك جيرفيه بسخرية و قال بجفاف:
-جميع الرجال يعتقدون ذلك عنه. انه يتصرف بحذر معك الآن, لأنك ضيفتنا, لكنه رجل ذو تجارب عديدة. ربما لا تعرفين بأن الرجل الفرنسي يعتبر الفتاة الانكليزية طائشة وسهلة المنال.
أجابت ببرود:
-في هذه الحال, لا تقلق من جهتي.
-لم أقل بأني أحبذ هذه النظرية, لكنني أحذرك ببساطة من الرجال الفرنسيين عامة, ومن رفاييل خاصة, لأنه ربما يكون من دعاة هذه النظرية.
-لكنه سيتخلى عن أوهامه بسرعة متى عرفني.
-من الأفضل ألا نصل إلى هذا الحد.
في تلك الأثناء دخل جان-مارك وقال:
-تريد كاميليا أن تأوي إلى فراشها, وتسأل إذا كان بإمكانك أن تسرحي لها شعرها, يا جوسلين.
-بكل سرور. اعذرني, يا سيد سانتون.
سألت كاميليا ابنة عمها:
-ماذا جرى لجيرفيه؟ كان شديد اللطف معي على مائدة الطعام. ماذا قلت له؟
-أنا, لا شيء. منذ لحظة كان يوبخني و يعظني لأنني لم أتصرف بلباقة.
و شرعت تخبرها عن حادثة المطبخ, فقالت لها كاميليا:
-نظرته في محلها. صحيح انك تملين هنا حتى الموت, لكن لا يجب عليك أن تشجعي هذا النوع من الناس.
احتجت الفتاة و قالت:
-لكنني لم أشجعه. وماذا تعنين بـ.. هذا النوع من الناس؟
-لا تكوني حمقاء, يا حبيبتي. في انكلترا, لا يمكنك أن تخرجي مع شباب من هذه البيئة الاجتماعية.
-هل نسيت بأن جان-مارك كان حارس ماشية أيضاً؟
-هذا أمر مختلف. آل سانتون أصحاب ماشية ومعروفون. حسب رأيي, لا يجب للحراس أن يدخلوا عتبة هذا المنزل اطلاقاً. على الأقل لو ينزعون قبعاتهم خلال الطعام.
-هنا, التقاليد لا تطلب منهم ذلك. لماذا لا يمكنك أن تتقبليهم على حقيقتهم أنهم أفضل بكثير من الشباب المخنثين الذين كنت تخرجين معهم, في لندن.
-صحيح بأن لك أفكاراً غريبة! لم تجادلي هكذا, في الماضي. ما بك؟ لقد تغيرت منذ وصولك.
-آه, صحيح؟ لا أشعر بأنني تغيرت, والآن, سأستعير ساعة المنبة, كي أفيق باكراً في الصباح و أعجن الخبز!
-يا إلهي! هل تعرفين صنع الخبز؟ أنا لا أعرف أي شيء عن هذا.
-آه, نعم. إنها عملية سهلة جداً.
في الخامسة إلا ربع دقت ساعة المنبه, فنهضت جوسلين من نومها, و قفزت من السرير و فتحت النافذة على مصراعيها. لم يبدأ النهار بعد. لكن بينما كانت تغتسل و ترتدي ملابسها, سمعت صياح الديك. الجميع ينامون ولم يظهر الحراس إلا بعد السادسة.
وفي طريقها إلى المطبخ عرجت على غرفة العمة للاطمئنان عنها. رأتها نائمة بهدوء. وبينما هي خارجة من الغرفة, انتفضت مكانها: هناك انسان آخر في الغرفة! انه جيرفيه, نائم على الكرسي, مكتف اليدين, وذقنه فوق صدره. وبينما كانت تراقبه, تحرك لكنه لم يفق من نومه. فتساءلت الفتاة إذا كان من واجبها أن توقظه لتطلب منه أن يذهب إلى سريره وينام قليلاً قبل بدء نهار العمل الطويل. فتقدمت منه, ثم ابتعدت, مقررة عدم ازعاجه.
في المطبخ, وجدت صعوبة في اشعال نار الفرن. ثم تمكنت من ذلك بعدما ملأت يديها و وجهها بالغبار الأسود. اغتسلت ثم جلبت الطحين و الخميرة بغية تحضير الخبز. كان عملاً متعباً و صعباً. ولما انتهت, وضعت العجين قرب النار ليتخمر لمدة ساعة تقريباً. ثم راحت تمسح أرض الغرفة. وفي حوالي السادسة كان الخبز في الفرن و القهوة معدة. سكبت لنفسها فنجاناً وجلست قليلاً لتحتسيه.
فجأة امتلئ المطبخ بأشعة شمس الشروق, فقامت و فتحت الباب من جهة الشمال, ما تزال السماء رمادية, بينما, شرقاً كانت وردية مذهبة. مشت الفتاة نحو الساقية حيث ينبت السوسن البري. وما لب أن اختفى الضباب الصباحي مع طلوع الشمس.
بعد قليل, برزت ثلاثة أحصنة فجأة من وراء الضباب, هزت اعناقها و أذنابها... ثم اختفت. لم تحدث أي ضجة لأن حوافرها منتزعة فبدت كأشباح خيالية... وفي هذه اللحظة بالذات, عرفت جوسلين بأن ابنة عمها على حق: نعم لقد تغيرت منذ وصولها إلى هنا. ومن دون وعي أو ادراك, وقعت في حب هذا المكان... في حب هذا البلد المنغلق, الغريب.
عادت إلى المطبخ لتجد جيرفيه يسكب لنفسه القهوة. كان قد حلق ذقنه و غير قميصه ولم يبد أنه قضى الليل كله نائماً على كرسي صغير, غير مريح.
ابتسمت له, ناسية مشاحنة الأمس و قالت:
-صباح الخير. الطقس رائع اليوم.
-صباح الخير. و أنت أيضاً تبدين بمزاج رائع. منذ متى بدأت العمل؟
-منذ الخامسة. هل تريد أن تأكل شيئاً الآن؟
-كلا, شكراً. ليس الآن.
-لا شك أنك تعاني من آلام في الظهر. عندما استيقظت, عرجت على غرفة العمة لأطمئن عنها. فوجدتك نائماً على الكرسي.
-آه, فهمت. نعم. أشعر بتيبس بسيط في ظهري. لكن ذلك سينجلي بسرعة.
لم تعرف الفتاة ما الذي دفعها إلى القول:
-أنت تحب عمتك كثيراً, أليس كذلك؟
-كان هناك احتمال بسيط أن تكون كدمة رأسها خطرة أكثر مما توقعت في البداية. لذلك فضلت البقاء قربها لمراقبتها. لكن قلبها ينبض جيداً, و حرارة جسمها عادية. انها تتنفس بشكل طبيعي, ولم يعد هناك أي سبب للقلق عليها.
-آه... أنا سعيدة لهذا الخبر.
اتجهت الفتاة نحو الخزانة, فتحت أحد الأدراج لتخرج منه السكاكين و الملاعق, لكنها قبل ذلك, التفتت نحوه و قالت:
-أعتقد أنه من واجبي الاعتذار منك. لقد انزعجت كثيراً منك عندما رفضت استدعاء الطبيب. لكنني أرى الآن بأنك قلق عليها مثلي... بل ربما أكثر. أنا آسفة يا سيد سانتون.
حدق بها من دون أن يرد و كانت نظرته مليئة بالتهكم. لكنه ابتسم لها قبل أن يقول:
-هل تعرفين أن تحلبي البقر؟
-كلا... لا أعرف.
-إذن, سأحلب البقرة أنا, مكانك.
ذعرت الفتاة وصرخت:
-آه, يا إلهي. نسيت الحليب على النار.
ثم أضافت بقلق:
-كما لا أعرف صنع الزبدة, أيضاً.
=لا أهمية لذلك. سأوكل أحد الحراس بهذه المهمة, لبضعة أيام. صناعة الزبدة عمل صعب و متعب, لمن ليس معتاداً عليه.
خرج جيرفيه ليحلب البقرة, تاركاً الفتاة مندهشة أمام لطفه الغريب.
في الصباح, وصل الطبيب لتفقد صحة المرأة الحامل, ففرح لرؤيتها خارج السرير. و هنأ جوسلين بذلك, فوجدته الفتاة انساناً لطيفاً, و وثقت به عندما طمأنها بأن لا خطر على صحة كاميليا و الطفل و أن الحمل يسير بشكل طبيعي. كما قال لها بأن العمة بحاجة إلى أسبوع راحة كي تستعيد نشاطها الروتيني من جديد.
احضرت جوسلين للغداء ثلاث فطائر بالجبن و البصل و الكوسى, فلاقت نجاحاً كبيراً ولم يبق لها أثر في نهاية الطعام.
ومع ذلك, فبينما كانت تجلي الصحون, شعرت بالحزن و بعض الانهيار النفسي و الكآبة:" أما كان بإمكان جيرفيه أن يقول لها شيئاً بدوره". جميع الحراس أثنوا عليها بكلمات المديح, لكن جيرفيه غادر الطاولة من دون أن ينظر إليها.
ولمدة ثلاثة أيام متتالية, كانت جوسلين تعمل بقسوة, تكبت أحياناً دموعها بسبب الام تملأ كل أنحاء جسمها. لكن, كلما رأت جيرفيه في الجوار, تتذرع بالنشاط و ترندح الأغاني باسترخاء.
ذات مساء, أعلن لها جيرفيه بأنه سيذهب إلى مزرعة آل دورانس وطلب منها مرافقته, فاعتذرت منه وقالت:
-كلا, لن آت. سأغسل شعري و أكتب بعض الرسائل الضرورية ولا وقت لديّ للزيارات.
رمقها بنظرة ثاقبة وقال:
-أنت شاحبة الوجه. هل عمل المنزل يتعبكِ كثيراً؟
-كلا. أنا أحب أن أشغل نفسي. هل أنت مستاء من خدماتي؟
-لا أظن أن الرجال مستاؤون من أي شيء.
نظرته الباردة جرحت مشاعرها إلى درجة أنها أدارت له ظهرها وخرجت بسرعة لئلا يرى الدموع في عينيها. وفي تلك الليلة لم تعرف طعم النوم. في منتصف الليل, نهضت من فراشها و وضعت على وجهها عطراً منعشاً ثم اسندت يديها على النافذة و راحت تصغي إلى تغريد العندليب و شعرت بالانفعال يخنقها. المستنقعات تلمع تحت ضوء القمر كبحيرات فضة تذوب. ولما عاد جيرفيه من سهرته, كانت جوسلين ما تزال جاثمة أمام النافذة, لكنها ابتعدت و راها... أخيراً, نامت.
في صباح اليوم التالي و بينما كانت تعد مائدة الطعام, دخل إليها جيرفيه, فحيته باقتضاب و استمرت في عملها. فقال لها:
-رأيت الغجر يخيمون قرب الطريق, مساء أمس. ربما سيتوقفون هنا, في طريقهم إلى الاحتفال بعيد السيدة سارة. فلا تقلقي, لن يسرقوا شيئاً. و إذا قدمت لهم الحليب و الخضرة, قد يخبروك طالعك.
-أنا لا أؤمن بالتنجيم و لا بكاشفات البخت هذه كلها حماقات!
-بمكانك أن تصغي إليهن بتهذيب, من غير أن تصدقي أقوالهن.
قالت من دون أن تنظر إليه:
-آسفة...
-ما الذي كان يمنعك من النوم مساء أمس؟
أجابت مندهشة:
-هل رأيتني؟
-رأيت شيئاً يتحرك وراء النافذة.
-نعم, كان الحر شديداً. هل أمضيت سهرة ممتعة عند آل دورانس؟
-رائعة جداً. سيلين مضيفة ممتعة. ربما سرتينها اليوم, فستأتي لرؤية العمة مادلون.
في العاشرة صباحاً وصلت الفتاة الفرنسية إلى مزرعة آل سانتون, أضمت حوالي نصف ساعة مع العمة, ثم وافت كاميليا و جوسلين في الساحة. كاميليا ممددة على كرسي طويل في ظل مظلة واسعة, تتصفح إحدى المجلات, بينما جوسلين تستريح قليلاً قبل أن تعاود أعمالها العديدة.
في الحال, بدأت كاميليا و سيلين تتحدثان عن آخر اختراعات الموضة النسائية, فدخلت جوسلين تعد لهما القهوة و تتساءل كيف بإمكان الفتاة الفرنسية أن تتصرف بلطف و محبة مع كاميليا التي سرقت منها جان-مارك و تزوجته.
قالت سيلين لكاميليا:
-أنا آسفة لأنك لا يمكنك المجيء لزيارتي, كي أريك ملابسي الجديدة.
هتفت كاميليا بفرح:
-لكنني سأكون مسرورة لزيارتك.
-صحيح. جيرفيه قال لي بأن المسافة في سيارة الجيب ستعرضك للإرهاق, وربما تتأذى صحة الجنين.
-هذا أمر تافه. أنا أرغب من كل قلبي في زيارتك.
-إذن, لماذا لا تأتين في المساء لزيارتي بعدما يعود جان-مارك من عمله. سأريك كل ما اشتريت من باريس, و بإمكان زوجك و أبي أن يتحدثا معاً في سباق الثيران.
-هذا مشروع رائع, يا سيلين.
قالت جوسلين في الحال:
-هل تعتقدين أن هذا قرار مناسب لك, يا كاميليا, الطريق رجراجة, صدقيني.
-آه, لا أريد مشاكل, يا جوسلين. فجان-مارك سيقود السيارة على مهل.
قالت سيلين:
-وأنت, يا آنسة بيشوب, تعالي معهما.
لكن كاميليا تدخلت بسرعة و قالت:
-على جوسلين أن تبقى مع العمة, فلا يجب تركها وحدها, خاصة أنني سمعت جيرفيه يقول بأنه ذاهب في المساء إلى آلرز.
-آه, نعم... نسيت العمة مادلون
نهضت جوسلين وقالت:
-المعذرة, عليّ أن أهتم بتحضير الغداء.
اعدت الفتاة حساء البصل, ثم تذوقته وفرحت لروعة طعمه اللذيذ. و بينما كانت تقطع شرحات الخبز تساءلت لماذا ابنة عمها اصرّت على ابعادها من زيارة مزرعة آل دورانس.
عرّجت سيلين إلى المطبخ في طريق ذهابها وقالت لجوسلين:
-آه, الحر شديد هنا. لا شك أن هذا العمل الذي تقومين به الآن مرهق, أليس كذلك؟
أجابت الفتاة الانكليزية بتواضع:
-لا بأس. لقد قيل لي بأن منزل والدك عصري, و مجهز بكل والوسائل الحديثة الضرورية؟
-نعم. كل شيء فيه. لكن، أنا لا أنظف البيت ولا اعدّ الطعام.
ثم نظرت إلى قدر الحساء و أضافت سائلة:
-وماذا هنا في داخل القدر؟
-حساء بصل.
-هل بإمكاني تذوقه؟
-نعم، طبعاً.
-آه، انه رائع. قال جيرفيه بأن...
سعلت الفتاة كأن الحساء حرق حنجرتها لشدة سخونته ثم تابعت تقول:
-قال جيرفيه بأنك طباخة ماهرة.
-آه, صحيح؟
سمعت جوسلين العمة ترن جرسها, فهرعت إليها. و لما عادت إلى المطبخ كانت سيلين قد ذهبت.
قبل موعد الغداء بقليل, جاءت كاميليا وقالت لابنة عمها:
-ستجعدين شعري, يا جوسلين, اليوم بعد الظهر. فلا يمكنني الخروج هكذا.
قالت هذا الكلام بلهجة آمرة و ولّت.
وعلى مائد الغداء, كانت جوسلين آخر من سكب الحساء في طبقه. جلست بفخر لتستمتع بهذه الوجبة الطيبة. لكن ما ان احتست الجرعة الأولى حتى تقلص جسمها. ولم تصدق, تناولت جرعة ثانية. طعم الحساء مقيت!
وضعت الملعقة و نظرت إلى الرجال. لا أثر لأي تعبير استياء أو قرف على وجوههم, يأكلون بشهية كالعادة ولا يتذمرون من شيء. ثم التفتت نحو ابنة عمها التي كانت تتصنع الاحتساء. اشتبكت نظراتهما، فرمقتها المرأة بنظرات حانقة مما جعل جوسلين على وشك الانهيار وتمنت لو باستطاعتها الاختفاء تحت الطاولة.
أخذت نفساً عميقاً وأعلنت تقول:
-سادتي, يجب أن أعتذر منكم. هذا الحساء لا يؤكل. طعمه مقيت.
وضع الواحد تلو الآخر ملعقته على الطاولة من دون النظر إليها. بعضهم اكتفى بمضغ الخبز, و البعض الآخر, وضعوا فوقه زبدة. تعابير وجوههم فير واضحة.
نهضت جوسلين من مكانها و أضافت تقول:
-أنا آسفة... حقاً آسفة. بسرعة سأحضر لكم شيئاً آخر.
قال جيرفيه بصوت هادئ:
-لا ضرورة, يا صغيرتي. سنكتفي بأكل الخبز الطازج مع الجبنة.
رمقها بابتسامة حارة, فتأثرت كثيراً وفرح قلبها.
ولما باتت كاميليا وحدها مع جوسلين, راحت تؤنبها قائلة:
-حقاً, يا جوسلين! لم يسبق أن انزعجت في حياتي مثل الآن. كيف باستطاعتك أن تفعلي شيئاً كهذا, أنت الفتاة الشاطرة؟!
-آسفة. لم أفعل ذلك عن قصد. حتى الآن لم أفهم ماذا جرى.
-انه الصابون, طبعاً. كيف بإمكانك أن تكوني غافلة, طائشة, إلى هذه الدرجة؟
-صابون؟ مستحيل! كيف يقع الصابون في الحساء؟
-هذا ما أحب معرفته. لا شك أنك كنت ساهية و وضعت منه بدل الزبدة. بأي تفسير آخر يمكنك أن تبرري غلطتك؟
-لكنني من النوع الذي ينتبه كثيراً, ولا أسهو أبداً.
-يا ابنتي العزيزة. لا ضرورة لمتابعة هذا الحوار. في الحساء صابون و هذا كل ما في الأمر. هل سكبت من الحساء للسيدة سانتون؟
-كلا. أطعمتها عجة بالفطر.
-لا شك اذن بأن جيرفيه سيخبرها بما حصل. لحسن حظك أن الصابون ليس مادة خطرة. لكن, مع ذلك، سيمرض بعض الرجال, حاصة الذين تناولوا كل شيء.
ذعرت جوسلين و قالت لابنة عمها:
-آه, لا! هل تعتقدين ذلك؟
-لن أفاجأ بالأمر. أشعر الآن بألم حاد في رأسي. سأرتاح نصف ساعة, و بعدها تجعدين شعري.
بينما كانت الفتاة تجلي الصحون لم تكف لحظة واحدة عن التفكير بما حدث, علها تجد تفسيراً لوجود الصابون في الحساء. افرغت محتوى القدر في برميل القمامة وصعقت حين وجدت في قعره فتيلة شمعة: " آه, الشموع موضوعة في خزينة المونة, و أنا لم أفتحها منذ البارحة". أطرقت الفتاة تقول في نفسها: " إذن, ما حدث ناتج عن تخطيط مسبق. لكن من؟ ولماذا؟
الجواب الأول الذي خطر لها: السيدة سانتون... لكن، صحيح أن العجوز عنيدة وصلبة, لكنها ليست شريرة إلى هذا الحد. و لو أن العمة هي التي وضعت الشمعة في الحساء، لفعلت ذلك في الصباح الباكر, عندما كانت الفتاة تنظف البيت. في الساعة الحادية شرة, كان الحساء لذيذاً لقد ذاقته, و كذلك سيلين...
سيلين! ربما هي التي فعلت ذلك. كانت في المطبخ عندما قرعت العجوز. ولما عادت جوسلين إلى المطبخ, كانت سيلين قد اختفت. تكفي ثوان معدودة لجلب شمعة من خزانة المؤن و وضعها في الحساء.
لكن، كيف تمكنت سيلين من معرفة مكان وجود الشموع, هي التي تأتي إلى المزرعة نادراً جداً؟ لأي سبب فعلت ذلك؟ للمزاح و النكتة؟
كانت جوسلين ما تزال تبحث عن مفتاح السر عندما رأت جيرفيه عائداً على حصانه. دخل المطبخ و سأل:
-أين كاميليا؟ ألا يمكنها مساعدتك في تنشيف الصحون؟
-تعاني من ألم حاد في الرأس, و ترتاح في الوقت الحاضر.
سحبت الفتاة يديها من ماء الجلي, ثم نشفتهما. لقد نسيت أن ترتدي القفازين البلاستيكيين الجديدين, فبدت يداها حمراوين منتفختين.
-وأنت أيضاً بحاجة إلى الراحة. يجب أن تمضي فترة القيلولة في سريرك. لم تخلدي إلى النوم البارحة إلا خمس ساعات وهذا لا يكفي. اتركي كل شيء الآن, و اذهبي إلى غرفتك. تنشفين الصحون فيما بعد.
-كلا, وعدت كاميليا أن أجعد شعرها. ستذهب في المساء إلى مزرعة آل دورانس مع جان-مارك. في كل حال, أنا لا أشعر بالتعب.
كانت تكذب طبعاً, وبينما راحت تمد يدها لجلب منشفة الصحون, أمسك جيرفيه معصمها و هز رأسه و قال:
-ستذهبين إلى غرفتك الآن و ترتاحي, يا ابنتي. تباً لكاميليا و لشعرها. آه, ماذا هنا؟ جرحت اصبعك؟
من دون أن يتركها, جلبها إلى كرسي قرب الطاولة و قال:
-اجلسي. سأضع فوق الجرح دواء مطهراً, ثم لصقة وقائية.
ادركت جوسلين في الحال أنه من الأفضل لها عدم معارضته و إلا جرها إلى غرفتها. قال:
-اذن كاميليا ذاهبة في المساء لزيارة مزرعة آل دورانس! أنا غير موافق لكن لا أستطيع منعها إذا كان زوجها موافقاً. هل دعتك سيلين لزيارتها أيضاً؟
-نعم, لكنني رفضت. أنت ذاهب إلى المدينة, أليس كذلك؟ و أنا سأبقى قرب العمة و أنام باكراً.
ذهب جيرفيه ليجلب ما يحتاج لتضميد جرح اصبع الفتاة, ثم عاد وتقدم منها و قال:
-يداك لم تكونا على هذه الحال لدى وصولك إلى هنا. ألست نادمة على قبولك العمل مكان العمة؟
احمرّ وجه الفتاة, فأشاحت وقالت:
-هل تحاول اقناعي بأنك على حق, و بانني مخطئة؟ خاصة بعد حادثة الغداء...
-آه, نعم... الحساء...
فضلت عدم النظر إليه كي لا تعرف قصده. تشعر دائما بالانزعاج قربه و خصوصاً اليوم, لأن اعصابها متوترة جداً. قالت بصوت متقلص:
-كنت لطيفاً في تصرفك معي, بعد الحادثة. وفي كل حال, لم تكن مخطئاً حيالي.
سألها بجفاف:
-وهل رأيي يهمك؟ تصورت بأنك لا تبالين بما أقول و أفكر.
نظرت إليه أخيراً و رأت في عينيه بريقاً يقطع الانفاس. لم يتسن لها الوقت للرد عليه, لأن كاميليا دخلت في هذه الأثناء إلى المطبخ وقالت:
-أشعر الآن بتحسن, يا جوسلين. هل أنت مستعدة لتجعيد شعري؟
قال جيرفيه بسرعة:
-للأسف جوسلين تعاني من ألم حاد في الرأس و أمرتها أن ترتاح حوالي ساعتين.
بدأت كاميليا تقول:
-لكن, و شعري...
قاطعها بخشونة و قال:
-شعرك يستطيع الانتظار, يا سيدة.
ثم تأبط ذراع الفتاة و رافقها حتى الغرفة, وقال لها:
-لا تحاولي الخروج. سأكون في المنزل و سأسمعك.
ثم أدار ظهره و ذهب.
بقيت جوسلين ممددة في غرفتها المعتمة طول ساعات الظهر الحارة. لكنها لم تنم لحظة. لا تفكر بشيء, لا بالحساء المقيت, ولا بتجعيد شعر ابنة عمها, و لا بالكوي غير المنتهي, ولا بتحضير العشاء... بدت لها كل هذه الأمور من غير أية أهمية اطلاقاً. لا يهمها سوى شيء واحد: اكتشافها الرهيب بأنها وقعت في حب جيرفيه سانتون.
حوالي الرابعة, نهضت جوسلين من سريرها, اغتسلت و ارتدت ملابس نظيفة ثم خرجت إلى المطبخ, حيث وجدت كلمة تقول:
-لقد أوكلت شخصاً لزيارة عمتي في المساء و المكوث قربها, فأنت اذن حرة لزيارة مزرعة آل دورانس, إذا كنت ترغبين ذلك.
لا توقيع على الرسالة, لكنها ليست غبية لتعرف بأنها صادرة عن جيرفيه نفسه.
لما حملت جوسلين القهوة لابنة عمها, قالت لها هذه الأخيرة بوجه عابس:
-اذن, تشعرين الآن بتحسن؟
-نعم, شكراً. هل ذهب جيرفيه إلى مدينة آلرز؟
-نعم. كما وجد من يبقى مع عمته. بإمكانك المجيء معنا, إذا كنت ترغبين بذلك.
-كلا, لن آتي. لا شيء يهمني في هذه الزيارة.
هزت كاميليا كتفيها و قالت:
-كما تريدين.
كانت المرأة غاضبة بسبب شعرها, لكنها لانت عندما اقترحت عليها ابنة عمها أن تجعده لها على الناشف. ولما عاد جان-مارك من عمله, كانت زوجته جاهزة, متألقة, و بمزاج رائع.
حوالي الثامنة, انتهى العشاء, فغسلت جوسلين الصحون كالعادة, ثم خرجت في سيرها الاعتيادي نحو الساقية, بينما كانت زوجة أحد الحراس تثرثر مع العمة. راحت تتأمل السهل الواسع, الممتد أمامها محروقاً بالشمس اللاهبة.
فجأة فكرت بانفعال مفاجئ: " ربما جيرفيه يعود باكراً ؟ "
ثم قالت الناحية المدركة في دماغها: " لا تكوني حمقاء. إذا بدأت منذ الآن التفكير و الحلم به, ستخسرين نفسك! الأفضل عدم التفكير به اطلاقاً. ليس هذا ما يسمونه " الحب" يا أيتها الحمقاء, انما ميل فاتن, فقط لا غير " .
و بينما كانت منغمسة في افكارها, لم تسمع رفاييل يقترب منها. فحين لمس ذراعها, انتفضت, فقال لها:
-لم أكن أقصد اخافتك. انما كنت أتساءل إذا...
توقف عن متابعة الكلام, منزعجاً, خجولاً. نظرت إليه الفتاة نظرة مشجعة, فأضاف يقول:
-...إذا كنت تحبين أن تأتي إلى للسباحة, يا آنسة؟
-لكن, أين؟
-في البحر. انه لا يبعد من هنا سوى كيلومترات قليلة. في دراجتي النارية, نصل بسرعة. لكن, ربما لا تحبين البحر؟
-آه, بلى, بالعكس.
-اذن, هل تأتين؟
ترددت جوسلين. لديها الكوي غير المنتهي. لكنها بحاجة إلى تمويه عقلها. فالسهرة على شاطئ البحر شيء مريح, سيسمح لها بالنوم جيداً, خاصة إذا سبحت حتى التعب, ثم أجابت:
-سأكون مسرورة جداً بمرافقتك, يا رفاييل. انتظرني.
لم تسألها السيدة سانتون إلا عن موعد عودتها, عندما اخبرتها الفتاة عن رحلة البحر. فارتدت قميصاً قطنياً فوق سروال الجينز و وضعت بزة السباحة في منشفة, ولم تنس أن تأخذ معها كنزة.
كان رفاييل ينتظرها على دراجته النارية. بعدما تأكد من جلوسها المريح وراءه, أدار المحرك, ثم قال لها بصوت عالٍ:
-تمسكي جيداً, يا آنسة.
وضعت الفتاة ذراعيها حول خصره و تنفست عطره الناعم, ثم تذكرت تحذيرات جيرفيه: " إذا كنت لطيفة, سيظن بأنك تريدين مغازلته. انه رجل... و أنت, بالنسبة إليه, امرأة " .
α α α α
برديس likes this.

تم الفصل الرابع .. إن شاء الله غداً الفصل الخامس...


لكن لو أردتموه الآن , إن شاء الله أنزله فوراً ^_*

5-وكان لابد لها أن تشهد الجانب العنيف من حياة الكامارغ فبعد وقت لطيف على الشاطئ جاء عراك و بعد العراك جاءت البصّارة...

قبل التاسعة وصلا إلى الشاطئ, النهار ما زال ساطعاً مع أن الشمس بدأت تختفي وراء الأفق. المكان رائع ولا أحد في الجوار. ارتدت جوسلين بزة السباحة وراء شجرة صغيرة, قم وافت رفاييل إلى البحر. لعبا معاً في الماء الدافئة, الشفافة لمدة نصف ساعة, و لما عادا إلى الشاطئ الرملي, كانت جوسلين قد استعادت حيويتها, فارتمت فوق منشفتها و قالت:
-آه, انها الجنة!
جلس رفاييل قربها على منشفته, ثم انتشل من كيس صغير لوح شوكولاتة و ناولها اياه, فقالت له:
-آه, رائع! أنا جائعة حقاً. و كان يجب عليّ أن أتذكر و أجلب بعض الخبز على الأقل.
قطعت لوح الشوكولاتة نصفين و ناولته جزءاً, فقال لها:
-كلا, اللوح كله لك, أنا سأدخن سيكاره.
بقيا صامتين قليلاً, الفتاة تقضم بشهية و تتأمل الأمواج تصفق على الرمل, و الشاب ممدد على ظهره, مغمض العينين, يدخن سيكارته بكسل. نسيت الفتاة وجوده كلياً, عندما نهض فجأة وسألها:
-هل لديك صديق في انكلترا, يا جوسلين؟
أجابت و هي تنظر إلى البحر قلقة:
-أنا لست مخطوبة لأحد, إذا كان هذا ما تريد معرفته.
-لكن, هل هناك رجل تحبينه كثيراً و تفضلينه عن الآخرين؟
تذكرت طوم, لو لم تسافر لربما عقدا خطبتهما؟ طوم العزيز... اللطيف... الواثق من نفسه... ربما لقيت السعادة معه... لو لم تأت إلى فرنسا.
أجابت الفتاة:
-كلا, كلا, لا أحد.
اطفأ رفاييل سيكارته و قال:
-أنا, تعرفت على العديد من الفتيات, لكن لم يحصل شيء جدي حتى الآن. في كل حال, لا أنوي الزواج قبل أن أبلغ الثلاثين من عمري, على الأقل.
نظرت إليه مبتسمة و قالت:
-إذا انتظرت حتى ذلك الوقت, ربما انقرضت الفتيات الجميلات! يقال أن فتيات مدينة آلرز رائعات الجمال, أليس كذلك؟
-آه, نعم... عندما يكن شابات فقط... إذ سرعان ما يصبحن سمينات, شرسات, كلما كبرن في السن. لكنك أنت و ابنة عمك تختلفان عن بنات بلادنا.
-ماذا تعني؟
-أعني بأن بنات بلادنا متى تزوجن, يتوقفن عن الاهتمام بأنفسهن.
-لو كنا, ابنة عمي و أنا, نعمل بقسوة مثل نساء الحراس, لما وجدنا, مثلهن, الوقت للاعتناء بأنفسنا. في كل حال, أنت أيضاً, لن تبقى شاباً وسيماً إلى الأبد. ذات يوم ستنتفخ و ستشيخ و ستفقد وسامتك و نضارتك.
ضحك و قال:
-ربما. لكن أنت, ستظلين جميلة دائماً.
ضحكت الفتاة و لم تعرف تماماً كيف تنظر إلى الوضع الحالي. هل يتكلم رفاييل هكذا مع كل الفتيات؟ فأحابتها غير مبالية:
-شكراً لهذا المديح. لكن, قل لي, ما رأي الحراس بزواج جان-مارك من فتاة أجنبية؟
-يقولون عنه بأنه محظوظ. آه, هل قيل لك بأن السيدة سانتون كانت تأمل من جان-مارك أن يتزوج الآنسة دورانس؟
-نعم. هل هذه الأقاويل خاطئة؟
-كلا, كلا, انها صحيحة. قبل ان يسافر جان-مارك إلى باريس, كان يبدو عليه أنه سيوافق على قبول هذا الزواج. لكنه وجد صعوبة في الحصول عليها, لأنها فتاة فظة, لا تريده هو, انما تريد الزواج من المعلم الكبير.
قالت جوسلين باضطراب و دهشة:
-من جيرفيه؟
-لا تعرفيه ذلك بعد؟ انه الموضوع الأكثر تسلية في أحاديث المنطقة: هل تحصل عليه أم لا؟
-وحسب رأيك, ماذا سيحدث؟
-آه, سيستسلم لها جيرفيه في نهاية المطاف. انها فتاة جميلة, جذابة, و تملك مهراً ضخماً. يعرف المعلم كيف يسيطر عليها. الثيران, الأحصنة, النساء... شيء واحد بالنسبة له. الفتاة اللطيفة, السلسة, الطيعة, لا تناسبه أبداً...
حل الليل و الرمل ما يزال ساخناً. لكن جوسلين أخذت ترتجف برداً, فقالت:
-لماذا إذاً, لا يطلب جيرفيه يدها؟ ماذا ينتظر؟
-جيرفيه لا يريد الزواج الا من أجل انجاب أولاد يرثونه و يحلون مكانه فيما بعد. رجل مثله ليس بحاجة إلى خاتم في جيبه ليركّع الفتيات أمامه.
نهضت جوسلين وقالت:
-سأرتدي ملابسي.
ثم عادت إلى رفاييل الذي كان يسرح شعره بتأن. فقال لها:
-آسف لأنني حدثتك بهذه اللهجة و هذه الصراحة. ليس في نيتي أن أصدمك. انما هذه هي الحقيقة في بلادنا.
لم تنهض الفتاة بسبب كلام رفاييل, انما لتخيلها صورة جيرفيه، الرجل العازب, المحنك, الذي يريد زوجة له, فقط, كي يستمر نسله.
أجابت جوسلين بهدوء:
-لا أهمية لذلك, يا رفاييل.
لما صعدا إلى الدراجة النارية, اقترح الشاب قائلاً:
-هناك مقهى صغير في طريقنا, باستطاعتنا التوقف عنده و احتساء القهوة.
المقهى بناء منعزل و قديم. امامه توقفت الشاحنات و الأحصنة المربوطة بالحاجز و قافلة غجر. أشار رفاييل رأسه إلى القافلة و قال:
-الغجر!
في تلك الأثناء سمعا عزف قيثارة داخل المقهى, فاختفى ضجيج الأصوات و الضحكات و بدأ الناس يغنون و يصفقون مع ايقاع الموسيقى. كانت الصالة تعج بالناس. أمسك الشاب يد جوسلين و سارا معاً نحو احدى الزوايا, ثم هتف لأحد الحراس فنهض الحارس و أعطى مكانه للفتاة, ابتسمت له جوسلين و قالت:
-شكراً, يا سيد, شكراً.
انحنى الحارس مبتسماً, ثم ابتعد. طلب رفاييل من الخادم احضار القهوة. وبينما كان أحد الفجر يعزف على الكمان, راحت امرأة عجوز تمر بين الطاولات طالبة من الزبائن كشف بختهم.
بعد قليل لاحظت الفتاة مجموعة رجال غرباء عن المنطقة, جالسين حول طاولة يحتسون المشروبات. فجأة لمحت أحد رجال هذه المجموعة يشير إليها بيده, فاحمرت و أزاحت وجهها. أخبرها رفاييل, بعد أن رمق الرجل بنظرات حقد, بأن هؤلاء الرجال من عمال حقول الأرز. فتذكرت ما أخبرها به جان-مارك عن المشاجرات التي تحصل عادة بين حراس الماشية و هؤلاء العمال.
فبعد الحرب, جرى تخصيص قسم كبير من أراضي منطقة الكامارغ لزراعة الأرز, فخاف أصحاب الماشية و حراسها أن يتسع هذا القسم بمرور الزمن, على حساب مراعي القطعان. خاصة أن العمال النازحين يختلفون كلياً عن الحراس المحافظين, الفخورين بأرضهم و منطقتهم. و هذا الخوف ما زال مسيطراً على المنطقة.
نظرت جوسلين إلى ساعة يدها و فوجئت بتأخرها. الساعة تشير إلى العاشرة و النصف, بينما وعدت السيدة سانتون في العودة إلى المزرعة قبل العاشرة فطلبت من رفاييل الذهاب فوراً. وبينما كان الشاب يدفع الفاتورة, تقدم أحد العمال من الفتاة و انحنى و قال لها شيئاً لم تفهم معناه.
لكن رفاييل سمع ما قاله العامل, فارتسم الغضب على وجهه وأمر الرجل بترك جوسلين و شأنها. وما حدث بعد ذلك كان بمثابة كابوس بالنسبة إليها. عم الصمت أرجاء المكان, و حدقت العيون بالشاب و العامل.
خرج رفاييل إلى خارج المقهى و تبعه العامل, و بدأت المعركة بينهما. لم يسبق للفتاة أن رأت مشاجرة حية بالأيدي من قبل. الحقيقة القاسية أغثتها, فراحت تصرخ و تقول لصاحب المقهى:
-آه, أرجوك... أوقفهما! أرجوك!
لكنه كان يهز كتفيه و رأسه و يقول:
-عراك كهذا يتكرر باستمرار ومن الأفضل عدم التدخل.
خلال الدقائق الأولى, ظل العراك مناصفاً. صحيح أن العامل أضخم جثة من رفاييل, لكنه أقل منه بنية جسدية. احتد العراك و أحيطت حلبة المصارعة بدائرة من الزبائن المتحمسين لمعرفة نتيجة العراك. فجأة, توقفت سيارة جيب على بعد امتار قليلة من حلقة المشاهدين, نزل منها جيرفيه و تقدم داخل الحلبة. فرح قلب جوسلين لدى رؤيته, ولو لم تكن محاطة بالغجر, لأسرعت إليه.
أطلقت زفرة ارتياح عندما رأته يدفع رفاييل جانباً ثم أمسك بخصر العامل الذي حاول التخبط بشدة, لكنه وقع أرضاً بدوره.
رفع جيرفيه نظره إلى الجمهور و لمح بعض رفاقه, فقال آمراً:
-خذوه من هنا.
ثم رأى جوسلين, فاتجه نحوها بوجه غاضب و حاقد, ثم أمسكها من ذراعها بشدة و جرها إلى سيارته, بينما كانت تردد بتلعثم قائلة:
-لكن... لكن رفاييل؟
لم يرد عليها, بل دفعها إلى داخل السيارة ثم صعد إلى مكانه و أقلع في غيمة غبار كثيفة. بصعوبة تمكنت الفتاة من السيطرة على ارتجاف جسمها و توترها العصبي لكنها ظلت تخشى المشهد الذي سيلي.
عندما وصلا إلى المزرعة, كانت عينا جيرفيه قد فقدتا برقيهما التهديدي, انما فمه ظل متقلصاً. و بصوته العادي الهادئ قال:
-اذهبي إلى فراشك. سأعيد زوجة الحارس إلى منزلها...
نظرت إليه الفتاة بذعر, و من غرفتها سمعت محرك الجيب يقلع. و بعد قليل وصل جان-مارك و كاميليا. و لما تأكدت من أن الزوجين ناما, نزلت إلى المطبخ لتعد لنفسها فنجان قهوة علها تستعيد نشاطها. لن تستطيع النوم قبل أن تتحدث إلى جيرفيه و تبرر موقف رفاييل.
لكن عندما سمعت أصوات خطوات تتقدم من الباب الخلفي, كادت أن تفقد رباطة جأشها و تفر, ولما رآها جيرفيه جالسة أمام الطاولة, قطب حاجبيه و قال:
-هذه أنت... ألم أقل لك أن تذهبي إلى فراشك؟
بلعت الفتاة ريقها و أجابت:
-عليّ أن أحدثك... أن أشرح لك ما جرى.
-بإمكانك مناقشة ذلك غداً صباحاً. الساعة تشير إلى منتصف الليل ولا أريد ازعاج الآخرين.
-آه, أرجوك... لا استطيع أن أنام قبل أن أحدثك. أنت غاضب, أعرف ذلك. اسمعني, أرجوك. لن أطيل الحديث.
-حسناً. ما دمت تصرين. لكنني أتكهن بما حدث. انه رفاييل الأحمق, لا مكان له في مزرعتي بعد الآن. عليه أن يبحث عن عمل في مكان آخر.
-هل يعني بأنك ستطرده؟
-نعم. لقد سبق و أنذرته مراراً. و إذا كان يفضل عدم طاعتي, فعليه أن يتحمل عواقب ذلك.
-لكن, ليس من العدل طرده... لم تكن غلطته. لو ... لو كنت انت هناك أيضاً, لتشاجرت مع هذا العامل الحقير. لقد عاركته في كل حال.
-ضربته لأنها الطريقة الوحيدة لوضع حد نهائي للعراك. أنا أعارض الرد على التحديات. العنف لا يؤدي إلى شيء.
خلع سترته الجلدية و قال:
-أهالي منطقة الكامارغ يخافون جميعاً امتداد حقول الأرز. لكن العراك لا فائدة منه. إذا كان رفاييل لا يستطيع رؤية أحد هؤلاء العمال من دون أن يجن جنونه, فهو إذن بحاجة إلى درس جيد.
قالت محتجة:
-أنت لا تفهم. كانت الغلطة غلطتي أنا. لقد تشاجرا بسببي أنا.
تقلص حنقه و سألها بجفاف:
-ماذا تقصدين؟
-قال لي العامل شيئاً لم أفهمه, فطلب من رفاييل الابتعاد, فأجابه العامل بأنه لن يبتعد إلا بالقوة. حتى أنت, كنت رديت على هذا التحدي أليس كذلك؟
لمعت عينا جيرفيه و قال:
-ما كان عليه أن يصطحبك إلى هذا المكان, في بادئ الأمر.
-لكن معظم زبائن هذا المقهى من حراس الماشية و أنا أعرف أن أخلاقهم رفيعة و تصرفاتهم مدروسة.
-ليس هذا ما أقصده. لكن الظاهر نسيت بأنني نصحتك عدم معاشرة رفاييل.
-لا, بل أتذكر تماماً. أنت مخطئ بحقه. لقد أمضيت معه سهرة رائعة, إلى أن وصلنا إلى المقهى.
أمسكها جيرفيه بكتفها بعنف و قال بخشونة:
-آه صحيح! لكن هذا لن يتكرر... و أصر على ذلك. ما دمت تعيشين تحت سقفي, فستحترمين رغباتي, يا صغيرة. و الآن, إلى فراشك. القضية انتهت و أقفل الموضوع. ولا أريدك أن تحدثيني بهذا بعد الأن, اطلاقاً.
ثم خرج و اختفى في الظلام.
لا جيرفيه ولا رفاييل ظهرا على مائدة الفطور صباح اليوم التالي, ولم تتجرأ جوسلين أن تسأل الحراس إن كان رفاييل قد عاد إلى المزرعة مساء أمس, و كانت تخشى أن تلاحظ كاميليا ملامح الأرق في عينيها المرهقتين بعد ليلة بيضاء, لكن المرأة كانت منهمكة بالحديث عن مزرعة آل دورانس ولم تلاحظ وجه الفتاة الشاحب و جفنيها الحمراوين. انما كانت تقول:
-انها حقاً مزرعة رائعة, يا جوسلين. لو كان الأمر مشابهاً هنا, لقبلت العيش بكل سرور. لكن المكان بحاجة إلى انسان ذواقة و مرهف كي يصبح جنة و روعة.
-وهذا المكان بحاجة إلى المال ليصبح ما تحلمين به يا كاميليا.
-جيرفيه يملك المال. و يملك أيضاً أفضل ثيران المنطقة. لا شك أنه مرتاح من الناحية المادية, مع أنه لا يبدو هكذا. الله وحده يعرف ماذا يفعل جيرفيه بأمواله الطائلة. حتى جان-مارك نفسه لا يفهم لماذا أخوه اقتصادي إلى هذه الدرجة.
سألت جوسلين لتغير الحديث:
-هل سيلين الفتاة الوحيدة لوالديها؟ أليس لها أخ؟
-انها وحيدة, والدها تجاوز الستين من عمره ولا شك أنه تزوج في سن متأخرة. انه رجل لطيف جداً.. و ذكرني بالمثل المشهور, موريس شونالييه, لكن للأسف, اصيب العام الماضي بذبحة قلبية, و سيلين قلقة على صحته كثيراً.
و قالت جوسلين لنفسها: " لا تملك سيلين، الجمال و المهر, فحسب، إنما ذات يوم, ستملك مزرعة والدها كلها. لهذا السبب لا يريد جيرفيه أن يصرف فلساً واحداً على مزرعته".
شعرت بالاشمئزاز و القرف... ليس اتجاهه, بل اتجاه نفسها, لمجرد تصوره قادراً على مشاريع حقيرة كهذه.
ثم قالت لنفسها بخجل: " لو كنت أحبه حقاً, لما فكرت هكذا, بل لكنت وثقت به و آمنت به و صدقته. و إذا كان هذا الشعور الداخلي ليس حباً, لماذا أتعذب إلى هذه الدرجة؟ لماذا تبدو حياتي بلبلة حقيقية؟ لماذا وصل بي الأمر أن أخشى العودة إلى انكلترا؟"
خلال فترة الصباح, اصرت العجوز أن تنهض من سريرها, مع العلم أنها لم تشف بعد نهائياً. لكن جوسلين أصرت على المواصلة في القيام بالأعمال المنزلية الصعبة, فقالت لها العمة:
-أنت فتاة طيبة, يا جوسلين. لدى وصولك إلى هنا, لم أنظر إليك نظرة جيدة, بعدما رأيت ملابك الأنيقة و الطلاء على اظافرك. لكنك برهنت بأنك فتاة مسئولة و ستصبحين في المستقبل امرأة قادرة. يا الأسف, فكاميليا لا تشبهك!
أجابت الفتاة بهدوء:
-انها تحب ابن أخوك و تحمل ولده. ليس مجرد أن تتقن الزوجة الطهي, تكون زوجة جيدة, يا سيدتي.
زمت العجوز شفتيها وقالت:
-ربما. لكن واجب المرأة أن تطعم زوجها و تغذيه جيداً. عندما كانا يسكنان في مدينة آلرز, كان جان-مارك رجلاً جائعاً. فهو ليس مثل جيرفيه بصحة متينة. انه سريع العطب منذ صغرة. حتى السابعة من عمره, كان يعاني من الربو أمضيت الليالي الطويلة أسهر عليه. أحياناً كان يصح أزرق حتى الموت. سأريك احدى صوره.
تناولت العمة صورة من دولابها و قالت وهي تشير إلى الرجل الضخم فيها:
-هذا هو زوجي!
كانت العمة في الصورة جالسة على كرسي, تلف ذراعها حول كتف صبي يتكئ عليها.
-وهذا هو جان-مارك أترين كم هو نحيل. كان في العاشرة من عمره بينما يبدو في الحقيقة في السادسة.
لكن جوسلين كانت تنظر إلى وجه الصبي الأكبر الواقف قربه. و تساءلت لنفسها: " لماذا لم تضع العمة ذراعها الثانية حول كتفه, بينما هو متروك على حدة, عابس و عدائي؟ بسبب جان-مارك و مرضه, لم تجد له وقتاً؟ هل قساوته ناتجة عن نقص في الحنان؟".
وبينما كانت جوسلين تكنس تحت سريرها, لمحت ظلاً وراء نافذتها, فصرخت مندهشة:
-رفاييل! آه, رفاييل, يا لوجهك المسكين!
-لقد رأيت اسوأ من ذلك, يا آنسة.
ثم قال بصوت منخفض:
-ذهبت إلى المطبخ لأتحدث معك, فرأيت العجوز. أنا آسف لما حدث مساء أمس. لا شك أنك غاضبة مني. لكنني لم أتحمل اهانة العامل لك و شتيمته الكبيرة.
-أنا لا ألومك, يا رفاييل. لكن جيرفيه غاضب جداً. هل رأيته؟
-نعم. أخرجني من السرير قبل الفجر. وقال لي, بأنه, في المرة المقبلة, إذا حصل معي شيء مماثل, فسيطردني نهائياً من دون أي تردد.
-لكنه قال لي في الأمس بأنه سيطردك اليوم نهائياً.
-آه, صحيح؟ ربما غير رأيه في الليل. انه سريع الغضب حيال من لا يطيعه. و هو في الوقت نفسه رجل صادق. لقد سمح لي أن أشرح له ما حدث, إذا اقترب مني أحد, عليّ أن أتحاشاه و أبتعد. كما أمرني أيضاً ألا أوجه إليك الكلام أبداً.
اختفى رفاييل من وراء النافذة حين دخلت كاميليا إلى غرفة جوسلين. وما ان انتهت الفتاة من تنظيف غرفتها, توجهت لتنظيف غرفة جيرفيه, الغرفة الوحيدة التي تجاهلت الاعتناء بها منذ أن حلت مكان العمة. و ها هي تدخلها للمرة الأولى, بإلحاح, علها تجد فيها تفسيراً لشخصيته المحيرة.
كانت الغرفة تحتوي على سرير ضيق يقع تحت احدى النوافذ. أحد جدرانها مليء بالكتب و بعض صور الخيول و القطعان. على الجدار المواجه, تعلقت لوحة زيتية تمثل قطيع أحصنة بيضاء تجتاز فوق مستنقع صغير. لم تكن الغرفة وسخة أبداً. و الظاهر أنه يحافظ على نظافتها بنفسه. كما لاحظت الفتاة بأن الرجل يجيد تقطيب الأزرار و رتق ملابسه و تصليحها.
فجأة لفتت نظرها صورتان, على طاولة قرب السرير. الأولى تمثل زوجين متعانقين: الرجل يشبه جيرفيه و المرأة تشبه جان-مارك. عرفت في الحال أنها صورة والديه. أما الصورة الثانية كانت تمثل سيلين دورانس, وهي واقفة قرب نافذة, ترتدي ثوباً أسود, ضيقاً, يظهر كل تفاصيل جسمها و قامتها الجميلة. تبدو ناعمة, بعينيها الثاقبتين و ابتسامتها الساخرة.
" ربما يحبها جيرفيه حقاً. ربما لم يطلب يدها بعد لاعتقاده بأنها ما تزال تحب أخاه. هل يجهل بأنها لم تكن تحب جان-مارك، انما تحبه هو؟ أليست هذه الصورة برهاناً لحب جيرفيه؟"
وضعت الفتاة الصورتين مكانهما لدى سماعها خطوات في الممر. لكن جيرفيه ظهر على عتبة باب غرفته قبل أن تتمكن من جمع معدات التنظيف و الخروج. بدا منزعجاُ لرؤيتها داخل غرفته, فأحمر وجه الفتاة. قال لها:
-لست بحاجة لتنظيف غرفتي. فأنا أفضل أن أنظفها بنفسي. لا أحب رؤية أغراضي في غير محلها.
-آسفة جداً, لم أكن أعرف ذلك. لم ألمس شيئاً على كل حال.
كان يمسك باب الغرفة مفتوحاً و ينتظر رحيلها, لكنها همست تقول:
-اشكرك لأنك غيرت رأيك بما يختص برفاييل.
-هل تحدثت معه؟
كذبت و قالت:
-كلا, لكنني رأيته من نافذة المطبخ, و أدركت بأنك غيرت رأيك.
-هل هذا يهمك إلى هذه الدرجة؟
-كنت انزعجت كثيراً لو خسر رفاييل وظيفته بسببي.
-آمل أن تحتفظي بسرية أكبر في المستقبل.
ثم أغلق الباب وراءها.
في المساء, حمل جان-مارك رسالة إلى جوسلين من الطبيب بيشوب, يقول فيها:
" عزيزتي جوسلين،
بعد تفكير عميق, لم أر مانعاً من بقائك مع كاميليا حتى مولد الطفل, أو لشهر اضافي أيضاً, إلى أن تستعيد عافيتها و نشاطها, لقد اشتقنا جميعاً إليكِ كثيراً. لكن, ما دمت لم تتخذي قراراً بعد بخصوص مستقبلك, فلماذا لا تغتنمي فرصة وجودك في فرنسا و تحسني لغتك الفرنسية؟ هذا سيساعدك على الحصول على وظيفة مهمة لدى عودتك. أعتقد أنك صرفت كل مالك, لذلك أرسل إليك هنا طيه بعض الشيكات...".
و تحتوي بقية الرسالة على أخبار الوطن و البيت و القرية, و على كلمة من إليزابيث، زوجة والدها الجديدة. و لما قرأت جوسلين هذه الرسالة أمام ابنة عمها، قالت لها كاميليا:
-هل رأيت؟ والدك يرى بأن عليك البقاء معي حتى آخر المطاف.
-نعم, رأيت. لكن، ربما عائلة زوجك تفكر بطريقة مختلفة. تذكري بأنني ضيفة عندهم.
-لا يجرؤ أحد على طردك من هنا، بعد كل الذي فعلته من أجلهم.
-لم يطلبوا مني شيئاً. أنا قدمت خدماتي, بملء ارادتي و بطيبة خاطري.
-كما وفرت عليهم كثيراً. لولاك لاستخدموا امرأة غيرك و دفعوا لها أجرة خدماتها. اذن, عديني أن تبقي شهراً على الأقل, بعد ولادة الطفل.
-حسناً, أعدك. إذا ليس لعائلة سانتون مانعاً بذلك.
بعد الحديث مع جوسلين, قالت السيدة سانتون بحماس:
-سأكون مسرورة جداً إذا بقيت, يا ابنتي. أنا بحاجة لمساعدتك عند ولادة الطفل. فأنا لم أعد شابة و هناك غسيل كثير.. أحياناً أفكر بفارغ الصبر باليوم الذي يتزوج فيه جيرفيه و يجلب لنا زوجة تأخذ عني كل هذه المسئوليات. لقد عشت حياة قاسية و أرغب في الراحة قبل أن أموت.
هذه الكلمات شجعت جوسلين على السؤال:
-لماذا لا تجلبين محركاً كهربائياً, يا سيدتي؟ بواسطته ستخف أعمالك.
-غالباً ما نصحني جيرفيه بذلك, لكنني كنت أتدبر أمري من دونه. ومنذ أربعين سنة و أنا أعيش بلا كهرباء. الآن أصبحت عجوزاً و لا أستطيع تغيير عاداتي. طبعاً ستحصل تغييرات عديدة متى تزوج جيرفيه, لكن في الوقت الحاضر أفضل التعامل مع الوسائل و المعدات التقليدية. جيرفيه يصرف أمولاً كثيرة و لا يريد الاعتراف بذلك. لكنني أعرف بأنه دفع مصاريف المستشفى لمعالجة طفل آل لورانس المعاق, وما زال يعيل ارملة هنري لوماتر, و يدفع مصاريف الدراسة الموسيقية لابنها في باريس. أنا مقتنعة بأن جيرفيه يبالغ كثيراً بكرمه الحاتمي, لكنه يرفض أن يصغي إلي. انه تماماً مثل والده. باستطاعته أن يهب قميصه إذا ما احتاج الأمر لذلك.
خرجت الفتاة من غرفة العمة متسائلة كيف ستكون ردة فعل جيرفيه عندما يعلم بأن جوسلين لن تسافر مباشرة بعد الاحتفال بعيد السيدة سارة.
في اليوم التالي, توالت القوافل و الشاحنات في عبور الطريق التي تبعد مسافة 800 متراً عن مزرعة آل سانتون. و كالعادة، قبل يومين من الاحتفال السنوي, تكتظ جميع طرفات منطقة الكامارغ بدوي البشرة السمراء, الذين يريدون الاحتفال بسيدة البحار.
وقبل أن يذهب جان-مارك إلى مدينة آلرز, مركز عمله, قال لجوسلين:
-الجمهور سيكون من هب و دب. بعضهم من فناني السيرك المشهورين, و البعض الآخر من الفنانين المزيفين الذين يتسولون للعيش. قبل الحرب, كانوا يأتون من جميع أنحاء أوروبا. لكن الآن, هناك الستار الحديدي, و معظم الذين يأتون اليوم إلى هذا الاحتفال من اسبانيا.
في ذلك المساء و بينما كانت جوسلين و العمة منهمكين في تحضير الطعام, ظهرت بصارة غجرية على عتبة باب المطبخ, فدعتها العمة إلى الدخول و قدمت لها القهوة و أرسلت جوسلين لإحضار كاميليا و جان-مارك.
أخبرت الغجرية كاميليا بأنها ستلد صبياً يتبعه بعد سنتين صبي آخر. ثم أضافت تقول:
-لديك موهبة، يا سيدة. و إذا عرفت كيفية استعمالها, فستسعدين في حياتك. و تربحين الأموال الطائلة. الماضي مضى و عليك البدء بالتفكير في المستقبل.
اندهشت كاميليا وقالت:
-موهبة؟ ماذا تعني بذلك, يا ترى؟
ثم راحت الغجرية تقرأ خطوط يد العمة. فدخل جيرفيه في تلك الأثناء و اتكأ على حائط المطبخ ليسمع تنبؤات البصارة و هي تقول للعمة بأنها ستعيش عمراً طويلاً و ستظل محترمة من قبل الجميع. ثم قال جان-مارك:
-دورك الآن, يا جوسلين.
-لا, لا أريد!
الجميع قالوا معاً, بصوت واحد, ما عدا جيرفيه:
-بلى, بلى.
كادت تستسلم حين قال جيرفيه للغجرية:
-الفتاة الانكليزية لا تؤمن بقراءة الكف, يا جدتي.
أشارت البصارة لجوسلين أن تجلس قربها, ثم قالت:
-اذن, أنت تشكين في الأمر, يا آنسة, لكنك فتاة عاقلة جداً, بالنسبة إلى عمرك. صحيح بأن معظم البصارات مزيفات, لكن أنا, أدعى ماريا بيسارورا, ولديّ موهبة لا تخطئ. ستتذكرين ما سأقوله لك. أعطني يدك, يا أبنتي.
ظلت الغجرية لدقائق صامتة تنظر إلى يد الفتاة التي بدأت تشعر بالانزعاج. أخيراً رفعت البصارة رأسها و قالت:
-ماتت والدتك عندما كنت ما تزالين صغيرة, و الآن حلت مكانها امرأة أخرى في حياة والدك, و أصبحت زوجته. ولم يعد أحد بحاجة إليك هناك. لقد حان لك أن تختاري رجل حياتك و تبدئين حياة جديدة.
قالت كاميليا باستغراب:
-لكن, هذا كلام صحيح.
قطبت البصارة حاجبيها, منزعجة, ثم ضغطت على يد الفتاة و أغمضت عينيها بضعة لحظات, ثم قالت:
-أرى في حياتك رجلين. أحدهما من جنس آخر, وبينكما حواجز عديدة. إذا اخترته ستلاقين صعوبات, لكنك ستعرفين معه السعادة الكبرى في الوقت نفسه. وهناك في الجهة الأخرى من البحر, رجل آخر. معه, تعيشين حياة هادئة, لا يشوبها أي اضطراب و توتر. إذا كان هذا ما تطمحين إليه, فعليك اختيار هذا الرجل... انما الرجل الغريب, الأسمر القاتم، هو الذي سيعرفك على نيران الحب. فكري جيداً، يا ابنتي. أنا أعرف على من سيقع اختيارك, لكن ليس باستطاعتي أن أقول. القرار متروك لك, وحدك.
حين رحلت الغجرية, قالت كاميليا لجوسلين:
-الرجل الذي سيعرفك على نيران الحب سيكون فرنسياً, يا جوسلين. و ستتعرفين عليه في العيد.
-لا تكوني حمقاء يا كاميليا. هل تصدقين مثل هذه الخرافات. أنا لا أصدقها كل ما سمعته دخل من اذن و خرج من الاذن الثانية.
سألها جيرفيه في الحال:
-هل انت أكيدة من ذلك؟
رمقته الفتاة بنظرة خاطفة, فتقلصت يداها أمام تعبير وجهه، وتساءلت بوجه ممتقع:" هل يعرف ماذا أشعر تجاهه يا ترى؟ ".
ثم أجابت قائلة:
-تماماً. لم أصدق كلمة واحدة مما قالته.
قال وهو يهز كتفيه:
-من السهولة التأثر بما يقوله الغجر. و فتيات جيلك لديهن أفكار رومانسية. لكنني لا أعتقد بأنك ستلتقين رجل حياتك في العيد. فالرجل الانكليزي هو لك, يا صغيرة.
ضحكت كاميليا وقالت:
-ألهذا الرجل وجود, يا جوسلين؟
-آه, هناك أكثر من واحد...
لكن قلبها تجمد, لأنها فهمت ما قاله جيرفيه. يريد أن يشير لها من طرف خفي أن تنسى عواطفها تجاهه إن كانت لها عواطف...
α α α α
برديس likes this.

5-وكان لابد لها أن تشهد الجانب العنيف من حياة الكامارغ فبعد وقت لطيف على الشاطئ جاء عراك و بعد العراك جاءت البصّارة...

قبل التاسعة وصلا إلى الشاطئ, النهار ما زال ساطعاً مع أن الشمس بدأت تختفي وراء الأفق. المكان رائع ولا أحد في الجوار. ارتدت جوسلين بزة السباحة وراء شجرة صغيرة, قم وافت رفاييل إلى البحر. لعبا معاً في الماء الدافئة, الشفافة لمدة نصف ساعة, و لما عادا إلى الشاطئ الرملي, كانت جوسلين قد استعادت حيويتها, فارتمت فوق منشفتها و قالت:
-آه, انها الجنة!
جلس رفاييل قربها على منشفته, ثم انتشل من كيس صغير لوح شوكولاتة و ناولها اياه, فقالت له:
-آه, رائع! أنا جائعة حقاً. و كان يجب عليّ أن أتذكر و أجلب بعض الخبز على الأقل.
قطعت لوح الشوكولاتة نصفين و ناولته جزءاً, فقال لها:
-كلا, اللوح كله لك, أنا سأدخن سيكاره.
بقيا صامتين قليلاً, الفتاة تقضم بشهية و تتأمل الأمواج تصفق على الرمل, و الشاب ممدد على ظهره, مغمض العينين, يدخن سيكارته بكسل. نسيت الفتاة وجوده كلياً, عندما نهض فجأة وسألها:
-هل لديك صديق في انكلترا, يا جوسلين؟
أجابت و هي تنظر إلى البحر قلقة:
-أنا لست مخطوبة لأحد, إذا كان هذا ما تريد معرفته.
-لكن, هل هناك رجل تحبينه كثيراً و تفضلينه عن الآخرين؟
تذكرت طوم, لو لم تسافر لربما عقدا خطبتهما؟ طوم العزيز... اللطيف... الواثق من نفسه... ربما لقيت السعادة معه... لو لم تأت إلى فرنسا.
أجابت الفتاة:
-كلا, كلا, لا أحد.
اطفأ رفاييل سيكارته و قال:
-أنا, تعرفت على العديد من الفتيات, لكن لم يحصل شيء جدي حتى الآن. في كل حال, لا أنوي الزواج قبل أن أبلغ الثلاثين من عمري, على الأقل.
نظرت إليه مبتسمة و قالت:
-إذا انتظرت حتى ذلك الوقت, ربما انقرضت الفتيات الجميلات! يقال أن فتيات مدينة آلرز رائعات الجمال, أليس كذلك؟
-آه, نعم... عندما يكن شابات فقط... إذ سرعان ما يصبحن سمينات, شرسات, كلما كبرن في السن. لكنك أنت و ابنة عمك تختلفان عن بنات بلادنا.
-ماذا تعني؟
-أعني بأن بنات بلادنا متى تزوجن, يتوقفن عن الاهتمام بأنفسهن.
-لو كنا, ابنة عمي و أنا, نعمل بقسوة مثل نساء الحراس, لما وجدنا, مثلهن, الوقت للاعتناء بأنفسنا. في كل حال, أنت أيضاً, لن تبقى شاباً وسيماً إلى الأبد. ذات يوم ستنتفخ و ستشيخ و ستفقد وسامتك و نضارتك.
ضحك و قال:
-ربما. لكن أنت, ستظلين جميلة دائماً.
ضحكت الفتاة و لم تعرف تماماً كيف تنظر إلى الوضع الحالي. هل يتكلم رفاييل هكذا مع كل الفتيات؟ فأحابتها غير مبالية:
-شكراً لهذا المديح. لكن, قل لي, ما رأي الحراس بزواج جان-مارك من فتاة أجنبية؟
-يقولون عنه بأنه محظوظ. آه, هل قيل لك بأن السيدة سانتون كانت تأمل من جان-مارك أن يتزوج الآنسة دورانس؟
-نعم. هل هذه الأقاويل خاطئة؟
-كلا, كلا, انها صحيحة. قبل ان يسافر جان-مارك إلى باريس, كان يبدو عليه أنه سيوافق على قبول هذا الزواج. لكنه وجد صعوبة في الحصول عليها, لأنها فتاة فظة, لا تريده هو, انما تريد الزواج من المعلم الكبير.
قالت جوسلين باضطراب و دهشة:
-من جيرفيه؟
-لا تعرفيه ذلك بعد؟ انه الموضوع الأكثر تسلية في أحاديث المنطقة: هل تحصل عليه أم لا؟
-وحسب رأيك, ماذا سيحدث؟
-آه, سيستسلم لها جيرفيه في نهاية المطاف. انها فتاة جميلة, جذابة, و تملك مهراً ضخماً. يعرف المعلم كيف يسيطر عليها. الثيران, الأحصنة, النساء... شيء واحد بالنسبة له. الفتاة اللطيفة, السلسة, الطيعة, لا تناسبه أبداً...
حل الليل و الرمل ما يزال ساخناً. لكن جوسلين أخذت ترتجف برداً, فقالت:
-لماذا إذاً, لا يطلب جيرفيه يدها؟ ماذا ينتظر؟
-جيرفيه لا يريد الزواج الا من أجل انجاب أولاد يرثونه و يحلون مكانه فيما بعد. رجل مثله ليس بحاجة إلى خاتم في جيبه ليركّع الفتيات أمامه.
نهضت جوسلين وقالت:
-سأرتدي ملابسي.
ثم عادت إلى رفاييل الذي كان يسرح شعره بتأن. فقال لها:
-آسف لأنني حدثتك بهذه اللهجة و هذه الصراحة. ليس في نيتي أن أصدمك. انما هذه هي الحقيقة في بلادنا.
لم تنهض الفتاة بسبب كلام رفاييل, انما لتخيلها صورة جيرفيه، الرجل العازب, المحنك, الذي يريد زوجة له, فقط, كي يستمر نسله.
أجابت جوسلين بهدوء:
-لا أهمية لذلك, يا رفاييل.
لما صعدا إلى الدراجة النارية, اقترح الشاب قائلاً:
-هناك مقهى صغير في طريقنا, باستطاعتنا التوقف عنده و احتساء القهوة.
المقهى بناء منعزل و قديم. امامه توقفت الشاحنات و الأحصنة المربوطة بالحاجز و قافلة غجر. أشار رفاييل رأسه إلى القافلة و قال:
-الغجر!
في تلك الأثناء سمعا عزف قيثارة داخل المقهى, فاختفى ضجيج الأصوات و الضحكات و بدأ الناس يغنون و يصفقون مع ايقاع الموسيقى. كانت الصالة تعج بالناس. أمسك الشاب يد جوسلين و سارا معاً نحو احدى الزوايا, ثم هتف لأحد الحراس فنهض الحارس و أعطى مكانه للفتاة, ابتسمت له جوسلين و قالت:
-شكراً, يا سيد, شكراً.
انحنى الحارس مبتسماً, ثم ابتعد. طلب رفاييل من الخادم احضار القهوة. وبينما كان أحد الفجر يعزف على الكمان, راحت امرأة عجوز تمر بين الطاولات طالبة من الزبائن كشف بختهم.
بعد قليل لاحظت الفتاة مجموعة رجال غرباء عن المنطقة, جالسين حول طاولة يحتسون المشروبات. فجأة لمحت أحد رجال هذه المجموعة يشير إليها بيده, فاحمرت و أزاحت وجهها. أخبرها رفاييل, بعد أن رمق الرجل بنظرات حقد, بأن هؤلاء الرجال من عمال حقول الأرز. فتذكرت ما أخبرها به جان-مارك عن المشاجرات التي تحصل عادة بين حراس الماشية و هؤلاء العمال.
فبعد الحرب, جرى تخصيص قسم كبير من أراضي منطقة الكامارغ لزراعة الأرز, فخاف أصحاب الماشية و حراسها أن يتسع هذا القسم بمرور الزمن, على حساب مراعي القطعان. خاصة أن العمال النازحين يختلفون كلياً عن الحراس المحافظين, الفخورين بأرضهم و منطقتهم. و هذا الخوف ما زال مسيطراً على المنطقة.
نظرت جوسلين إلى ساعة يدها و فوجئت بتأخرها. الساعة تشير إلى العاشرة و النصف, بينما وعدت السيدة سانتون في العودة إلى المزرعة قبل العاشرة فطلبت من رفاييل الذهاب فوراً. وبينما كان الشاب يدفع الفاتورة, تقدم أحد العمال من الفتاة و انحنى و قال لها شيئاً لم تفهم معناه.
لكن رفاييل سمع ما قاله العامل, فارتسم الغضب على وجهه وأمر الرجل بترك جوسلين و شأنها. وما حدث بعد ذلك كان بمثابة كابوس بالنسبة إليها. عم الصمت أرجاء المكان, و حدقت العيون بالشاب و العامل.
خرج رفاييل إلى خارج المقهى و تبعه العامل, و بدأت المعركة بينهما. لم يسبق للفتاة أن رأت مشاجرة حية بالأيدي من قبل. الحقيقة القاسية أغثتها, فراحت تصرخ و تقول لصاحب المقهى:
-آه, أرجوك... أوقفهما! أرجوك!
لكنه كان يهز كتفيه و رأسه و يقول:
-عراك كهذا يتكرر باستمرار ومن الأفضل عدم التدخل.
خلال الدقائق الأولى, ظل العراك مناصفاً. صحيح أن العامل أضخم جثة من رفاييل, لكنه أقل منه بنية جسدية. احتد العراك و أحيطت حلبة المصارعة بدائرة من الزبائن المتحمسين لمعرفة نتيجة العراك. فجأة, توقفت سيارة جيب على بعد امتار قليلة من حلقة المشاهدين, نزل منها جيرفيه و تقدم داخل الحلبة. فرح قلب جوسلين لدى رؤيته, ولو لم تكن محاطة بالغجر, لأسرعت إليه.
أطلقت زفرة ارتياح عندما رأته يدفع رفاييل جانباً ثم أمسك بخصر العامل الذي حاول التخبط بشدة, لكنه وقع أرضاً بدوره.
رفع جيرفيه نظره إلى الجمهور و لمح بعض رفاقه, فقال آمراً:
-خذوه من هنا.
ثم رأى جوسلين, فاتجه نحوها بوجه غاضب و حاقد, ثم أمسكها من ذراعها بشدة و جرها إلى سيارته, بينما كانت تردد بتلعثم قائلة:
-لكن... لكن رفاييل؟
لم يرد عليها, بل دفعها إلى داخل السيارة ثم صعد إلى مكانه و أقلع في غيمة غبار كثيفة. بصعوبة تمكنت الفتاة من السيطرة على ارتجاف جسمها و توترها العصبي لكنها ظلت تخشى المشهد الذي سيلي.
عندما وصلا إلى المزرعة, كانت عينا جيرفيه قد فقدتا برقيهما التهديدي, انما فمه ظل متقلصاً. و بصوته العادي الهادئ قال:
-اذهبي إلى فراشك. سأعيد زوجة الحارس إلى منزلها...
نظرت إليه الفتاة بذعر, و من غرفتها سمعت محرك الجيب يقلع. و بعد قليل وصل جان-مارك و كاميليا. و لما تأكدت من أن الزوجين ناما, نزلت إلى المطبخ لتعد لنفسها فنجان قهوة علها تستعيد نشاطها. لن تستطيع النوم قبل أن تتحدث إلى جيرفيه و تبرر موقف رفاييل.
لكن عندما سمعت أصوات خطوات تتقدم من الباب الخلفي, كادت أن تفقد رباطة جأشها و تفر, ولما رآها جيرفيه جالسة أمام الطاولة, قطب حاجبيه و قال:
-هذه أنت... ألم أقل لك أن تذهبي إلى فراشك؟
بلعت الفتاة ريقها و أجابت:
-عليّ أن أحدثك... أن أشرح لك ما جرى.
-بإمكانك مناقشة ذلك غداً صباحاً. الساعة تشير إلى منتصف الليل ولا أريد ازعاج الآخرين.
-آه, أرجوك... لا استطيع أن أنام قبل أن أحدثك. أنت غاضب, أعرف ذلك. اسمعني, أرجوك. لن أطيل الحديث.
-حسناً. ما دمت تصرين. لكنني أتكهن بما حدث. انه رفاييل الأحمق, لا مكان له في مزرعتي بعد الآن. عليه أن يبحث عن عمل في مكان آخر.
-هل يعني بأنك ستطرده؟
-نعم. لقد سبق و أنذرته مراراً. و إذا كان يفضل عدم طاعتي, فعليه أن يتحمل عواقب ذلك.
-لكن, ليس من العدل طرده... لم تكن غلطته. لو ... لو كنت انت هناك أيضاً, لتشاجرت مع هذا العامل الحقير. لقد عاركته في كل حال.
-ضربته لأنها الطريقة الوحيدة لوضع حد نهائي للعراك. أنا أعارض الرد على التحديات. العنف لا يؤدي إلى شيء.
خلع سترته الجلدية و قال:
-أهالي منطقة الكامارغ يخافون جميعاً امتداد حقول الأرز. لكن العراك لا فائدة منه. إذا كان رفاييل لا يستطيع رؤية أحد هؤلاء العمال من دون أن يجن جنونه, فهو إذن بحاجة إلى درس جيد.
قالت محتجة:
-أنت لا تفهم. كانت الغلطة غلطتي أنا. لقد تشاجرا بسببي أنا.
تقلص حنقه و سألها بجفاف:
-ماذا تقصدين؟
-قال لي العامل شيئاً لم أفهمه, فطلب من رفاييل الابتعاد, فأجابه العامل بأنه لن يبتعد إلا بالقوة. حتى أنت, كنت رديت على هذا التحدي أليس كذلك؟
لمعت عينا جيرفيه و قال:
-ما كان عليه أن يصطحبك إلى هذا المكان, في بادئ الأمر.
-لكن معظم زبائن هذا المقهى من حراس الماشية و أنا أعرف أن أخلاقهم رفيعة و تصرفاتهم مدروسة.
-ليس هذا ما أقصده. لكن الظاهر نسيت بأنني نصحتك عدم معاشرة رفاييل.
-لا, بل أتذكر تماماً. أنت مخطئ بحقه. لقد أمضيت معه سهرة رائعة, إلى أن وصلنا إلى المقهى.
أمسكها جيرفيه بكتفها بعنف و قال بخشونة:
-آه صحيح! لكن هذا لن يتكرر... و أصر على ذلك. ما دمت تعيشين تحت سقفي, فستحترمين رغباتي, يا صغيرة. و الآن, إلى فراشك. القضية انتهت و أقفل الموضوع. ولا أريدك أن تحدثيني بهذا بعد الأن, اطلاقاً.
ثم خرج و اختفى في الظلام.
لا جيرفيه ولا رفاييل ظهرا على مائدة الفطور صباح اليوم التالي, ولم تتجرأ جوسلين أن تسأل الحراس إن كان رفاييل قد عاد إلى المزرعة مساء أمس, و كانت تخشى أن تلاحظ كاميليا ملامح الأرق في عينيها المرهقتين بعد ليلة بيضاء, لكن المرأة كانت منهمكة بالحديث عن مزرعة آل دورانس ولم تلاحظ وجه الفتاة الشاحب و جفنيها الحمراوين. انما كانت تقول:
-انها حقاً مزرعة رائعة, يا جوسلين. لو كان الأمر مشابهاً هنا, لقبلت العيش بكل سرور. لكن المكان بحاجة إلى انسان ذواقة و مرهف كي يصبح جنة و روعة.
-وهذا المكان بحاجة إلى المال ليصبح ما تحلمين به يا كاميليا.
-جيرفيه يملك المال. و يملك أيضاً أفضل ثيران المنطقة. لا شك أنه مرتاح من الناحية المادية, مع أنه لا يبدو هكذا. الله وحده يعرف ماذا يفعل جيرفيه بأمواله الطائلة. حتى جان-مارك نفسه لا يفهم لماذا أخوه اقتصادي إلى هذه الدرجة.
سألت جوسلين لتغير الحديث:
-هل سيلين الفتاة الوحيدة لوالديها؟ أليس لها أخ؟
-انها وحيدة, والدها تجاوز الستين من عمره ولا شك أنه تزوج في سن متأخرة. انه رجل لطيف جداً.. و ذكرني بالمثل المشهور, موريس شونالييه, لكن للأسف, اصيب العام الماضي بذبحة قلبية, و سيلين قلقة على صحته كثيراً.
و قالت جوسلين لنفسها: " لا تملك سيلين، الجمال و المهر, فحسب، إنما ذات يوم, ستملك مزرعة والدها كلها. لهذا السبب لا يريد جيرفيه أن يصرف فلساً واحداً على مزرعته".
شعرت بالاشمئزاز و القرف... ليس اتجاهه, بل اتجاه نفسها, لمجرد تصوره قادراً على مشاريع حقيرة كهذه.
ثم قالت لنفسها بخجل: " لو كنت أحبه حقاً, لما فكرت هكذا, بل لكنت وثقت به و آمنت به و صدقته. و إذا كان هذا الشعور الداخلي ليس حباً, لماذا أتعذب إلى هذه الدرجة؟ لماذا تبدو حياتي بلبلة حقيقية؟ لماذا وصل بي الأمر أن أخشى العودة إلى انكلترا؟"
خلال فترة الصباح, اصرت العجوز أن تنهض من سريرها, مع العلم أنها لم تشف بعد نهائياً. لكن جوسلين أصرت على المواصلة في القيام بالأعمال المنزلية الصعبة, فقالت لها العمة:
-أنت فتاة طيبة, يا جوسلين. لدى وصولك إلى هنا, لم أنظر إليك نظرة جيدة, بعدما رأيت ملابك الأنيقة و الطلاء على اظافرك. لكنك برهنت بأنك فتاة مسئولة و ستصبحين في المستقبل امرأة قادرة. يا الأسف, فكاميليا لا تشبهك!
أجابت الفتاة بهدوء:
-انها تحب ابن أخوك و تحمل ولده. ليس مجرد أن تتقن الزوجة الطهي, تكون زوجة جيدة, يا سيدتي.
زمت العجوز شفتيها وقالت:
-ربما. لكن واجب المرأة أن تطعم زوجها و تغذيه جيداً. عندما كانا يسكنان في مدينة آلرز, كان جان-مارك رجلاً جائعاً. فهو ليس مثل جيرفيه بصحة متينة. انه سريع العطب منذ صغرة. حتى السابعة من عمره, كان يعاني من الربو أمضيت الليالي الطويلة أسهر عليه. أحياناً كان يصح أزرق حتى الموت. سأريك احدى صوره.
تناولت العمة صورة من دولابها و قالت وهي تشير إلى الرجل الضخم فيها:
-هذا هو زوجي!
كانت العمة في الصورة جالسة على كرسي, تلف ذراعها حول كتف صبي يتكئ عليها.
-وهذا هو جان-مارك أترين كم هو نحيل. كان في العاشرة من عمره بينما يبدو في الحقيقة في السادسة.
لكن جوسلين كانت تنظر إلى وجه الصبي الأكبر الواقف قربه. و تساءلت لنفسها: " لماذا لم تضع العمة ذراعها الثانية حول كتفه, بينما هو متروك على حدة, عابس و عدائي؟ بسبب جان-مارك و مرضه, لم تجد له وقتاً؟ هل قساوته ناتجة عن نقص في الحنان؟".
وبينما كانت جوسلين تكنس تحت سريرها, لمحت ظلاً وراء نافذتها, فصرخت مندهشة:
-رفاييل! آه, رفاييل, يا لوجهك المسكين!
-لقد رأيت اسوأ من ذلك, يا آنسة.
ثم قال بصوت منخفض:
-ذهبت إلى المطبخ لأتحدث معك, فرأيت العجوز. أنا آسف لما حدث مساء أمس. لا شك أنك غاضبة مني. لكنني لم أتحمل اهانة العامل لك و شتيمته الكبيرة.
-أنا لا ألومك, يا رفاييل. لكن جيرفيه غاضب جداً. هل رأيته؟
-نعم. أخرجني من السرير قبل الفجر. وقال لي, بأنه, في المرة المقبلة, إذا حصل معي شيء مماثل, فسيطردني نهائياً من دون أي تردد.
-لكنه قال لي في الأمس بأنه سيطردك اليوم نهائياً.
-آه, صحيح؟ ربما غير رأيه في الليل. انه سريع الغضب حيال من لا يطيعه. و هو في الوقت نفسه رجل صادق. لقد سمح لي أن أشرح له ما حدث, إذا اقترب مني أحد, عليّ أن أتحاشاه و أبتعد. كما أمرني أيضاً ألا أوجه إليك الكلام أبداً.
اختفى رفاييل من وراء النافذة حين دخلت كاميليا إلى غرفة جوسلين. وما ان انتهت الفتاة من تنظيف غرفتها, توجهت لتنظيف غرفة جيرفيه, الغرفة الوحيدة التي تجاهلت الاعتناء بها منذ أن حلت مكان العمة. و ها هي تدخلها للمرة الأولى, بإلحاح, علها تجد فيها تفسيراً لشخصيته المحيرة.
كانت الغرفة تحتوي على سرير ضيق يقع تحت احدى النوافذ. أحد جدرانها مليء بالكتب و بعض صور الخيول و القطعان. على الجدار المواجه, تعلقت لوحة زيتية تمثل قطيع أحصنة بيضاء تجتاز فوق مستنقع صغير. لم تكن الغرفة وسخة أبداً. و الظاهر أنه يحافظ على نظافتها بنفسه. كما لاحظت الفتاة بأن الرجل يجيد تقطيب الأزرار و رتق ملابسه و تصليحها.
فجأة لفتت نظرها صورتان, على طاولة قرب السرير. الأولى تمثل زوجين متعانقين: الرجل يشبه جيرفيه و المرأة تشبه جان-مارك. عرفت في الحال أنها صورة والديه. أما الصورة الثانية كانت تمثل سيلين دورانس, وهي واقفة قرب نافذة, ترتدي ثوباً أسود, ضيقاً, يظهر كل تفاصيل جسمها و قامتها الجميلة. تبدو ناعمة, بعينيها الثاقبتين و ابتسامتها الساخرة.
" ربما يحبها جيرفيه حقاً. ربما لم يطلب يدها بعد لاعتقاده بأنها ما تزال تحب أخاه. هل يجهل بأنها لم تكن تحب جان-مارك، انما تحبه هو؟ أليست هذه الصورة برهاناً لحب جيرفيه؟"
وضعت الفتاة الصورتين مكانهما لدى سماعها خطوات في الممر. لكن جيرفيه ظهر على عتبة باب غرفته قبل أن تتمكن من جمع معدات التنظيف و الخروج. بدا منزعجاُ لرؤيتها داخل غرفته, فأحمر وجه الفتاة. قال لها:
-لست بحاجة لتنظيف غرفتي. فأنا أفضل أن أنظفها بنفسي. لا أحب رؤية أغراضي في غير محلها.
-آسفة جداً, لم أكن أعرف ذلك. لم ألمس شيئاً على كل حال.
كان يمسك باب الغرفة مفتوحاً و ينتظر رحيلها, لكنها همست تقول:
-اشكرك لأنك غيرت رأيك بما يختص برفاييل.
-هل تحدثت معه؟
كذبت و قالت:
-كلا, لكنني رأيته من نافذة المطبخ, و أدركت بأنك غيرت رأيك.
-هل هذا يهمك إلى هذه الدرجة؟
-كنت انزعجت كثيراً لو خسر رفاييل وظيفته بسببي.
-آمل أن تحتفظي بسرية أكبر في المستقبل.
ثم أغلق الباب وراءها.
في المساء, حمل جان-مارك رسالة إلى جوسلين من الطبيب بيشوب, يقول فيها:
" عزيزتي جوسلين،
بعد تفكير عميق, لم أر مانعاً من بقائك مع كاميليا حتى مولد الطفل, أو لشهر اضافي أيضاً, إلى أن تستعيد عافيتها و نشاطها, لقد اشتقنا جميعاً إليكِ كثيراً. لكن, ما دمت لم تتخذي قراراً بعد بخصوص مستقبلك, فلماذا لا تغتنمي فرصة وجودك في فرنسا و تحسني لغتك الفرنسية؟ هذا سيساعدك على الحصول على وظيفة مهمة لدى عودتك. أعتقد أنك صرفت كل مالك, لذلك أرسل إليك هنا طيه بعض الشيكات...".
و تحتوي بقية الرسالة على أخبار الوطن و البيت و القرية, و على كلمة من إليزابيث، زوجة والدها الجديدة. و لما قرأت جوسلين هذه الرسالة أمام ابنة عمها، قالت لها كاميليا:
-هل رأيت؟ والدك يرى بأن عليك البقاء معي حتى آخر المطاف.
-نعم, رأيت. لكن، ربما عائلة زوجك تفكر بطريقة مختلفة. تذكري بأنني ضيفة عندهم.
-لا يجرؤ أحد على طردك من هنا، بعد كل الذي فعلته من أجلهم.
-لم يطلبوا مني شيئاً. أنا قدمت خدماتي, بملء ارادتي و بطيبة خاطري.
-كما وفرت عليهم كثيراً. لولاك لاستخدموا امرأة غيرك و دفعوا لها أجرة خدماتها. اذن, عديني أن تبقي شهراً على الأقل, بعد ولادة الطفل.
-حسناً, أعدك. إذا ليس لعائلة سانتون مانعاً بذلك.
بعد الحديث مع جوسلين, قالت السيدة سانتون بحماس:
-سأكون مسرورة جداً إذا بقيت, يا ابنتي. أنا بحاجة لمساعدتك عند ولادة الطفل. فأنا لم أعد شابة و هناك غسيل كثير.. أحياناً أفكر بفارغ الصبر باليوم الذي يتزوج فيه جيرفيه و يجلب لنا زوجة تأخذ عني كل هذه المسئوليات. لقد عشت حياة قاسية و أرغب في الراحة قبل أن أموت.
هذه الكلمات شجعت جوسلين على السؤال:
-لماذا لا تجلبين محركاً كهربائياً, يا سيدتي؟ بواسطته ستخف أعمالك.
-غالباً ما نصحني جيرفيه بذلك, لكنني كنت أتدبر أمري من دونه. ومنذ أربعين سنة و أنا أعيش بلا كهرباء. الآن أصبحت عجوزاً و لا أستطيع تغيير عاداتي. طبعاً ستحصل تغييرات عديدة متى تزوج جيرفيه, لكن في الوقت الحاضر أفضل التعامل مع الوسائل و المعدات التقليدية. جيرفيه يصرف أمولاً كثيرة و لا يريد الاعتراف بذلك. لكنني أعرف بأنه دفع مصاريف المستشفى لمعالجة طفل آل لورانس المعاق, وما زال يعيل ارملة هنري لوماتر, و يدفع مصاريف الدراسة الموسيقية لابنها في باريس. أنا مقتنعة بأن جيرفيه يبالغ كثيراً بكرمه الحاتمي, لكنه يرفض أن يصغي إلي. انه تماماً مثل والده. باستطاعته أن يهب قميصه إذا ما احتاج الأمر لذلك.
خرجت الفتاة من غرفة العمة متسائلة كيف ستكون ردة فعل جيرفيه عندما يعلم بأن جوسلين لن تسافر مباشرة بعد الاحتفال بعيد السيدة سارة.
في اليوم التالي, توالت القوافل و الشاحنات في عبور الطريق التي تبعد مسافة 800 متراً عن مزرعة آل سانتون. و كالعادة، قبل يومين من الاحتفال السنوي, تكتظ جميع طرفات منطقة الكامارغ بدوي البشرة السمراء, الذين يريدون الاحتفال بسيدة البحار.
وقبل أن يذهب جان-مارك إلى مدينة آلرز, مركز عمله, قال لجوسلين:
-الجمهور سيكون من هب و دب. بعضهم من فناني السيرك المشهورين, و البعض الآخر من الفنانين المزيفين الذين يتسولون للعيش. قبل الحرب, كانوا يأتون من جميع أنحاء أوروبا. لكن الآن, هناك الستار الحديدي, و معظم الذين يأتون اليوم إلى هذا الاحتفال من اسبانيا.
في ذلك المساء و بينما كانت جوسلين و العمة منهمكين في تحضير الطعام, ظهرت بصارة غجرية على عتبة باب المطبخ, فدعتها العمة إلى الدخول و قدمت لها القهوة و أرسلت جوسلين لإحضار كاميليا و جان-مارك.
أخبرت الغجرية كاميليا بأنها ستلد صبياً يتبعه بعد سنتين صبي آخر. ثم أضافت تقول:
-لديك موهبة، يا سيدة. و إذا عرفت كيفية استعمالها, فستسعدين في حياتك. و تربحين الأموال الطائلة. الماضي مضى و عليك البدء بالتفكير في المستقبل.
اندهشت كاميليا وقالت:
-موهبة؟ ماذا تعني بذلك, يا ترى؟
ثم راحت الغجرية تقرأ خطوط يد العمة. فدخل جيرفيه في تلك الأثناء و اتكأ على حائط المطبخ ليسمع تنبؤات البصارة و هي تقول للعمة بأنها ستعيش عمراً طويلاً و ستظل محترمة من قبل الجميع. ثم قال جان-مارك:
-دورك الآن, يا جوسلين.
-لا, لا أريد!
الجميع قالوا معاً, بصوت واحد, ما عدا جيرفيه:
-بلى, بلى.
كادت تستسلم حين قال جيرفيه للغجرية:
-الفتاة الانكليزية لا تؤمن بقراءة الكف, يا جدتي.
أشارت البصارة لجوسلين أن تجلس قربها, ثم قالت:
-اذن, أنت تشكين في الأمر, يا آنسة, لكنك فتاة عاقلة جداً, بالنسبة إلى عمرك. صحيح بأن معظم البصارات مزيفات, لكن أنا, أدعى ماريا بيسارورا, ولديّ موهبة لا تخطئ. ستتذكرين ما سأقوله لك. أعطني يدك, يا أبنتي.
ظلت الغجرية لدقائق صامتة تنظر إلى يد الفتاة التي بدأت تشعر بالانزعاج. أخيراً رفعت البصارة رأسها و قالت:
-ماتت والدتك عندما كنت ما تزالين صغيرة, و الآن حلت مكانها امرأة أخرى في حياة والدك, و أصبحت زوجته. ولم يعد أحد بحاجة إليك هناك. لقد حان لك أن تختاري رجل حياتك و تبدئين حياة جديدة.
قالت كاميليا باستغراب:
-لكن, هذا كلام صحيح.
قطبت البصارة حاجبيها, منزعجة, ثم ضغطت على يد الفتاة و أغمضت عينيها بضعة لحظات, ثم قالت:
-أرى في حياتك رجلين. أحدهما من جنس آخر, وبينكما حواجز عديدة. إذا اخترته ستلاقين صعوبات, لكنك ستعرفين معه السعادة الكبرى في الوقت نفسه. وهناك في الجهة الأخرى من البحر, رجل آخر. معه, تعيشين حياة هادئة, لا يشوبها أي اضطراب و توتر. إذا كان هذا ما تطمحين إليه, فعليك اختيار هذا الرجل... انما الرجل الغريب, الأسمر القاتم، هو الذي سيعرفك على نيران الحب. فكري جيداً، يا ابنتي. أنا أعرف على من سيقع اختيارك, لكن ليس باستطاعتي أن أقول. القرار متروك لك, وحدك.
حين رحلت الغجرية, قالت كاميليا لجوسلين:
-الرجل الذي سيعرفك على نيران الحب سيكون فرنسياً, يا جوسلين. و ستتعرفين عليه في العيد.
-لا تكوني حمقاء يا كاميليا. هل تصدقين مثل هذه الخرافات. أنا لا أصدقها كل ما سمعته دخل من اذن و خرج من الاذن الثانية.
سألها جيرفيه في الحال:
-هل انت أكيدة من ذلك؟
رمقته الفتاة بنظرة خاطفة, فتقلصت يداها أمام تعبير وجهه، وتساءلت بوجه ممتقع:" هل يعرف ماذا أشعر تجاهه يا ترى؟ ".
ثم أجابت قائلة:
-تماماً. لم أصدق كلمة واحدة مما قالته.
قال وهو يهز كتفيه:
-من السهولة التأثر بما يقوله الغجر. و فتيات جيلك لديهن أفكار رومانسية. لكنني لا أعتقد بأنك ستلتقين رجل حياتك في العيد. فالرجل الانكليزي هو لك, يا صغيرة.
ضحكت كاميليا وقالت:
-ألهذا الرجل وجود, يا جوسلين؟
-آه, هناك أكثر من واحد...
لكن قلبها تجمد, لأنها فهمت ما قاله جيرفيه. يريد أن يشير لها من طرف خفي أن تنسى عواطفها تجاهه إن كانت لها عواطف...
α α α α
برديس likes this.

[color="rgb(244, 164, 96)"]
تم الفصل الخامس و غن شاء الله غداً الفصل السادس , وهو ما قبل الأخير
[/color]

6-عيد بأي حال عدت يا عيد... لم تستطع جوسلين الصمود في الليلة الأولى وفي الليلة الثانية اكتشفت حقيقة أذهلتها وعادت في جيب رجراج إلى المزرعة...

في اليوم التالي, عشية العيد, قالت كاميليا:
-تعرفين, يا جوسلين, فكرت كثيراً بما قالته البصارة عني. انها على حق, نعم, لديّ موهبة. لن يصبح جان-مارك أبداً رجلاً ثرياً, لأنه ليس من النوع الوصولي. بل أنا من سيربح الأموال الطائلة.
-كيف؟ في مجال الموضة النسائية؟
-كلا، في الديكور الداخلي, تذكرت ما قلته عن مزرعة آل دورانس وكيف هي منظمة. فديكورها مأخوذ عن الأسلوب الانكليزي الريفي. وحسب رأي سيلين, الأثاث الانكليزي ذو شهرة كبيرة في هذا العصر. هكذا, عندما نستقر في مرسيليا, سأفتح مخزن ديكور : كاميليا و شركاؤها... ما رأيك؟
-هل نسيت بأنك مقبلة على تربية طفل رضيع؟
-آه, بإمكاني أن أوظف خادمة و مربية أطفال. لا تبدئي بإرشادي, فأنا لست من نوع الأمهات اللواتي يدللن أولادهن. صحيح سأكون فرحة بأن أصبح أماً, لكنني لا أريد أن أكرس لولدي كل وقتي. في الحقيقة أرى رضاعة الطفل أمراً غير ضروري, هل صدمتك كلماتي؟
-ستغيرين رأيك عندما تنجبين طفلك.
-ربما. لكنني أشك بذلك. في كل حال, من الممكن للمرأة ان تكون أماً صالحة حتى و لو عملت خارج المنزل في الوقت نفسه. وهذه حال معظم نساء اليوم.
-لكنك لست مهنية أو حرفية! و من سيهتم بالمحاسبة؟
-آه, جان-مارك, في المساء, إلى أن يصير بإمكاني توظيف محاسب دائم اختصاصي. أما من الناحية الديكورية البحتة, فأنا متأكدة بأن ذوقي في هذا المجال جيد و رفيع. عيناي تريان الألوان المناسبة بدقة و ذكاء. شقتي السابقة صممتها بنفسي, و نالت اعجاباً كبيراً لدى جميع اصدقائي.
-نعم, معك حق. أنا موافقة على النجاح. لكن من أين لك المال, يا كاميليا؟ من دون رأسمال معين المشروع مستحيل.
-لدي من المال ما يكفي لاستئجار مكان واسع و شراء المعدات الأولية, بانتظار أن أبدأ بالكسب و الادخار.
-وهل ناقشت هذا الأمر مع زوجك؟
-آه، نعم. أمضينا نصف الليل في الحديث عن هذا المشروع. و جان-مارك موافق. لم يذهب إلى عمله اليوم بل فضل الذهاب إلى مرسيليا للبحث عن شقة مناسبة لنا.
عاد جان-مارك بعد الغداء، عندما كانت جوسلين و كاميليا جالستين في ساحة المنزل. دخلت الفتاة إلى المطبخ لتحضر له كأس ليموناضة, ولما عادت قالت لها ابنة عمها بحماس:
-وجد جان-مارك ما نتوق إليه يا جوسلين! منزل قرب الساحة العامة. في الطابق الأرضي سيكون محلي, القبو مستودع, و نسكن في الطابق الاول.
سألت جوسلين الرجل:
-هل المبنى بحالة جيدة؟ وهل الايجار معقول؟
-ليس المبنى في حال جيدة كما يجب. لكن كاميليا تصر على السكن في وسط المدينة. الايجار ليس عالياً, لأن الطلاء قديم و المنزل بحاجة إلى تصليحات عدة. فتشت كل انحاء مرسيليا و لم أجد مكاناً آخر قرب المحلات و المقاهي.
-ولماذا لا تفكران بالضاحية؟
هتفت كاميليا تقول بحدة:
-لا, لا. يجب أن نسكن في حي جيد و هذا أمر أساس و حيوي. لا أهمية ان كان وضع المنزل سيئاً, يا حبيبي. فسنقوم بالتصليحات الضرورية و نزينه على ذوقنا. بعد ذلك لن يستطيع المالك أن يتعرف إليه.
-لكن هناك مسألة التأمين. علينا أن ندفع مبلغاً قيمته مئة ألف فرنك, ونحن لا نملك هذه القيمة.
قالت كاميليا بهدوء:
-بإمكاننا أن نطلب من جيرفيه مساعدتنا. هذا أقل ما يستطيع فعله من أجلنا. فهو لا يدفع لك فلساً واحداً من مدخول المزرعة.
-لكنني لا أعمل في المزرعة, يا حبيبتي ولا سبب لكي يدفع لي شيئاً. الا يكفي أنه يؤوينا و يطعمنا؟
-لكن المزرعة ملكك كما هي ملكه.
-جيرفيه الصبي البكر, و هو الذي ورث المزرعة. لو لم يشتري الماشية من جديد, بعد الحرب, لما ملكنا شيئاً الآن.
قالت جوسلين مقترحة:
-لكن بإمكانك أن تطلب قرضاً من المصرف.
-لا حاجة للمصرف من أجل مبلغ ضئيل كهذا. جيرفيه سيساعدنا. أنا سأحدثه بالأمر شخصياً إذا رفضت يا جان-مارك ان تقوم بالمبادرة هذه بنفسك.
-لا تبكي, يا حبيبتي. هذا يضر الطفل. اطمئني سأحدث جيرفيه بالأمر.
-هل تعدني بذلك؟ نحن في حاجة إلى هذا المبلغ من المال في الحال. إذا تأخر, سيستأجر المكان أحد غيرنا.
غضبت جوسلين من ابنة عمها و فضلت الدخول إلى المنزل. غسلت شعرها و خرجت تجففه في الشمس, و جدت جان-مارك وحده فقال لها بأن زوجته تنام في غرفتها. بدا الهم كثيفاً على وجهه, فقالت له جوسلين:
-اسمعني جيداً, يا جان-مارك. منذ أن جئت إلى هنا, لم أصرف المال الذي أملكه. و أريد مساعدتكما, أنت و كاميليا.
احمر وجه الرجل و أجاب بخجل:
-لا, لا. هذا لطف منك, لكن لن أسمح بذلك. لا تقلقي علينا, أرجوك. لقد وجدت حلاً.
-من دون أن تطلب من جيرفيه مساعدتك؟
-تماماً. لست خائفاً أن يرفض طلبي, لكنه دائماً كريم معي, و أنا اليوم زوج و يجب أن أتحمل مسئولياتي وحدي.
-هذا أمر طبيعي, يا جان-مارك. لكن ما هو الحل؟ ماذا ستفعل؟
-لا تخافي, سأجد حلاً.
تذكرت جوسلين بأن الرجل وعد زوجته عدم الاشتراك في سباق الثيران الحر, فنظرت إليه متشككة و سألته:
-هل تنوي كسب هذا المبلغ من المال؟ أقصد تريد ربحه؟
من اندهاشه, ادركت أنها أصابت جيداً, فتابعت تقول:
-آه, لا, يا جان-مارك وماذا لو أصبت بجروح خطيرة؟ النفقة تفوق الثمن.
قال الرجل مبتسماً:
-لكن, ليس في الأمر أي مخاطرة, يا صغيرتي. لا تخافي, لن أصاب بجروح. في مدينة آلرز, سباق حر كبير بعد ثلاثة أيام. إذا حالفني الحظ, سأربح المال الكافي لدفع التأمين و شراء بعض الأثاث.
-و إذا لم يحالفك الحظ, ربما تجد نفسك في المستشفى. من زمان ولم تتمرن, و الخطر موجود, لا تقل العكس. آه, أرجوك, يا جان-مارك, كن متعقلاً. سيجن جنون كاميليا إذا عرفت بالأمر.
-لن أخبرها... و أنت أيضاً. هذا سرنا, يا جوسلين. أقسمي لي بألا تخبري أحداً بالأمر.
-حسناً. أعدك بذلك. لكن بنظري, هذا التصرف من قبلك جنوني. هل ستقول لكاميليا بأن جيرفيه هو الذي أعطاك المال, في حال ربحت المباراة؟ ربما تذهب و تشكره و يفضح أمرك.
-كلا, سأطلب منها ألا تفتح الموضوع معه, لأن مثل هذه القضية من شؤون الرجال فقط.
قبل العشاء, التقت جوسلين بجان-مارك في الممر, فقال لها:
-تحدثت مع جيرفيه عن مشروعنا الجديد, فاعتبرنا مجنونين، زوجتي و أنا, لكنه لا يستطيع منعنا.
بعد العشاء. ذهبت جوسلين إلى الساقية. و للمرة الأولى منذ مجيئها, ترى السماء ملبدة بالغيوم الكثيفة السوداء و تسمع الرعد يعصف من بعيد. كان الجو ثقيلاً ولا نسمة في الأفق.
جلست على الجسر الخشبي و خلعت صندلها و وضعت رجليها في الماء. في هذه الأثناء يجري الاستعداد للعيد. أما هي, فأصبحت جاهزة تقريباً: كوت فستانها و فستان كاميليا و لم يبق سوى تجعيد شعرها قبل الايواء إلى النوم.
بعد قليل, لمحت جيرفيه يخرج من المزرعة و يتجه نحوها. ماذا يريد؟ احمر وجهها لدى تذكرها كلماته بالأمس. لكن كيف عرف بانها وقعت في حبه؟ ما الذي قالته أو فعلته, حتى فهم حقيقة مشاعرها؟ لو كان فعلاً عالماً بكل شيء، و يرى ما يدور في ذهن وقلب الآخرين, لماذا لا يرى اذن بأن سيلين تحبه كثيراً؟
عندما اقترب منها, سألته:
-هل ستمطر غداً, حسب رأيك؟
-ربما... دائماً تمطر أثناء العيد. ربما تهب العاصفة في الليل, و قد يكون الطقس جيداً.
-آه, آمل ذلك, و إلا فسد العيد.
لم يرد عليها, فأخرجت قدميها من الماء و بدأت تجففهما بمنديلها, فجأة, سألها:
-لم تأكلي شيئاً تقريباً, خلال العشاء, و هذا ليس من عادتك. هل هناك شيء على غير ما يرام؟
-لم أكن جائعة, بكل بساطة.
-هل أنت قلقة يا ترى بسبب أفكار ابنة عمك الجنونية؟
انتعلت صندلها و أجابت:
-لا, أبداً.
-هل تشجعينها على مشروعها الجديد؟
-لا دخل لي في الأمر. الفكرة فكرتها و الأمر يتعلق بها.
نهضت الفتاة بغية العودة إلى المنزل, لكنه قام بخطوة إلى الامام وسد عليها الطرق و قال:
-لنقم بنزهة قصيرة. أريد أن أحدثك.
أجابته بلؤم:
-رغباتك أوامر, يا سيد سانتون.
-المعذرة.
ثم انحنى و قال:
-آه, ربما كان من المفروض أن أسألك, هل بإمكاني الحصول على شرف رفقتك الرائعة؟
صرفت الفتاة بأسنانها و مشت بخطوات واسعة, ثم خففت سرعتها, فقال لها:
-اذن, قررت تمديد فترة اقامتك, على ما سمعت؟
-نعم, بعد أن حصلت على اذن من عمتك, طبعاً. هل تجد في ذلك مانعاً؟
-أبداً. لكنني أفضل أن تعودي إلى انكلترا, مباشرة بعد ولادة الطفل.
فقالت بصوت متوتر خفيض:
-آسفة إذا كان وجودي هنا يزعجك.
انغلقت يد جيرفيه على كتفها, و أرغمها على التوقف عن المشي و النظر إليه مواجهة. دوى الرعد عن قرب, و لمع نور غريب فوق السهل. تكهرب الجو ثم قال جيرفيه بانزعاج:
-لا تكوني حمقاء. ليس هذا ما أقصد قوله. ألا ترين ماذا سيحدث ان بقيت؟ ستستغل ابنة عمك وجودك لتستخدمك... في البداية الطفل... ثم مشروع مرسيليا. فهي لا تتكلم الفرنسية و كيف باستطاعتها القيام بمثل هذه الأعمال؟ هل تعتقدين بأن كاميليا قادرة على جعل المنزل صالحاً للسكن؟ كلا, أنت من سيفعل ذلك. ستنظفين و تطهين و تهتمين بالطفل. تباً للشيطان! أنت تعرفينها, أليس كذلك؟ و ترين كيف هي أنانية؟
صرخت الفتاة بوجهه قائلة:
-كيف تجرؤ! أتركني! رأيك لا يهمني اطلاقاً, يا سيد سانتون. أنت, ربما تدير نصف منطقة الكامارغ, لكن أنا, ليس من واجبي أن أتلقى الأوامر منك.
حاولت التخلص من قبضته. في تلك اللحظة, لمع البرق في السماء. وعلى بعد عشرة أمتار منهما. اشتعلت شجرة عرعر. فوجدت جوسلين حالها بين ذراعي جيرفيه.
هل هو الذي تحرك نحوها أم هي؟ أو أنه انجذاب بدائي قذفهما عنواً إلى ذراعي بعضهما البعض؟
عصف الرعد و بدأت قطرات المطر الأولى تتساقط. وبعد دقيقة, بدأ الطوفان.
لا فائدة من الاختباء أو الالتجاء إلى مكان واق, بثوان معدودة, اصبحا مبللين حتى العظام, وتحولت الطريق المغبرة إلى مستنقع.
امسكها جيرفيه بذراعه و اتجه بها نحو المزرعة. لولاه, لوقعت أرضاً. بسرعة, امتلأت ركبتاها وحلاً. لما وصلا أمام الباب, بدأ المطر يخف. عندما دخلت إلى المطبخ, صرخت كاميليا قائلة:
-يا إلهي! شعرك... صندلك...
قال جيرفيه لكاميليا بلهجة آمرة:
-اذهبي و أحضري مئزراً و منشفة, من فضلك.
ثم دفع جوسلين إلى الكرسي و انحنى ليخلع صندلها الموحل, بينما كان جان-مارك يساعد عمته في ملء المغطس بالماء الساخنة, ويقول مبتسماً:
-رأيتكما عائدين. ماذا كنتما تفعلان خارجاً؟ كان عليك, يا جيرفيه, أن تعرف بأن العاصفة قريبة.
تجاهل الأخ هذه الملاحظة ثم ساعد الفتاة على الوقوف ثم حملها و وضعها على المجلى وقال:
-يجب أولاً نزع هذه الأوساخ عن رجليك قبل أخذ الحمام.
وراح يغسل رجليها و قدميها الموحلتين. ولما جهر المغطس و امتلأ بالماء الساخنة, انسحبت العمة و جان-مارك من الغرفة. عادت كاميليا و رفعت حاجبيها مصدومة أمام ما رأته, لكنها لم تجرؤ على قول شيء.
عندما نظفت قدما جوسلين, أعادها جيرفيه إلى الأرض و أمرها قائلاً:
-و الآن, إلى المغطس. و أنا ذاهب لأستحم في حمام الرجال.
لما خرج, نزعت الفتاة ملابسها و دخلت في المغطس القديم, تتمتع بسخونة الماء. شعرت بالاسترخاء و أغمضت عينيها لتتذكر اللحظات التي أمضتها بين ذراعي جيرفيه. ثم تذكرت عراكهما وما قاله عن كاميليا و أومأت رأسها وهي تقول لنفسها: " انها الحقيقة, طبعاً... لكن ماضي كاميليا, ألا يبرر أنانيتها الشديدة؟".
كانت قد ارتدت ملابسها و جففت شعرها, عندما طرق جيرفيه الباب. رفعت الفتاة شعرها إلى الوراء و قالت:
-نعم.. بإمكانك الدخول الآن.
كان يرتدي ملابس نظيفة و حذاء جديداً. شعره الرطب يلمع مثل ريش الغراب. قال لها:
-و الآن, سأعد لك الشاي الساخن. فلا أريدك أن تلتقطي برداً و تمرضي.
-لا ضرورة كي تعاملني مثل فتاة صغيرة, يا سيدي.
بعد قليل حمل فنجانين مليئين شاياً, وضع واحداً على طاولة قربها, ثم قال:
-اشربي, ستهدأ أعصابك.
-أعصابي هادئة.
جرعت الفنجان و أحست بالدفء والارتياح, ولما انتهت, سألته بصوت بارد:
-والآن, هل بإمكاني أن أذهب إلى فراشي و أنام؟
-نعم, سننهض باكراً, صباح غد, نامي جيداً, يا صغيرتي.
رمقته بنظرة صاعقة, ثم أدارت له ظهرها, فقال لها قبل أن تختفي عن الانظار:
-ماذا تعتقدين بإمكاني فعله إذا لم تطيعي أوامري؟ هل تخافين أن أعاملك كامرأة؟
سمعت ضحكته حتى وصلت إلى غرفتها.
عندما استيقظت جوسلين في صباح اليوم التالي, كانت السماء زرقاء. أفاق الجميع, الساعة لم تتجاوز بعد السادسة.
بعد الفطور, ركب الحراس خيولهم, يعتمرون أجمل قبعاتهم و يرتدون ستراتهم المخملية السوداء و سراويلهم القطنية الجميلة في التاسعة, صعدت السيدة سانتون في عربة صغيرة, برفقة أحد الحراس و زوجته. في الحادية عشرة صعدت كاميليا و جوسلين في سيارة جان-مارك.
أما جيرفيه فلم يظهر أبداً. قال جان-مارك بأن أخاه ذهب باكراً لتفقد قطيعه مع رجلين من حراسه, ولا شك أنه تأخر بسبب شيء غير متوقع. لكنه أضاف يقول باقتناع داخلي:
-غير أنه سيصل في الوقت المحدد لحضور الموكب.
و في هذا الأحد من أواخر أيار ( مايو ), كانت المدينة تعج بالحركة وتبدو كقلعة محصنة, يتهافت إليها السياح و الحراس و الغجر. القيثارات الاسبانية تعزف الموسيقى الشعبية الحماسية, بائعو الحلوى يصارخون بأعلى أصواتهم, ترويجاً لبضاعتهم. راقصو الفلامنغو ولاعبو الروليت... و أولاد يتسولون الدراهم لشراء الكاراميلا و الحلوى.
و ككل سنة, حجزت عائلة آل سانتون صالوناً خاصة لها في أحد المطاعم الضخمة, لتناول الغداء مع آل دورانس و عائلة أخرى.
من السيارات حتى المطعم, بالكاد استطاعوا اختراق الازدحام الكثيف. و بدت كاميليا على شفير البكاء. فقال لها زوجها:
-ما كان يجب عليك حضور العيد هذه السنة, يا حبيبتي. كنت بقيت معك في المزرعة بكل طيبة خاطر.
-لا, أريد المجيء. أكره أن أكون مرفوضة.
وصل الجميع إلى المطعم, ما عدا جيرفيه. كانت سيلين ترتدي فستاناً تقليدياً واسعاً, ضيق الأكمام, من القماش الحريري السميك الأصفر اللون. الصدر مطرز بالدانتال الأبيض و شعرها مرفوع كعكة و مزين بتاج صغير من الدانتال و المخمل الأسود. حول عنقها شريطة سوداء مرصعة بحبات الماس البراقة.
كان الطعام مؤلفاً من البزّاق و حساء السمك المتبل بالبهارات و الثوم و الزيت, وقالب حلوى بالبرتقال. كانت جوسلين جالسة بين شابين من أبناء عائلة آل كوليير, و تنظر إلى سيلين وهي تغازل الأبن الأكبر, في الطرف الآخر من الطاولة.
بعد الغداء, دعا صاحب المطعم كاميليا أن ترتاح في الصالون الخاص, فقال له جان-مارك بإصرار:
-سأذهب معها. ابقي مع الآخرين, يا جوسلين. و إذا تمكنت من اقناعها, سأوصلها إلى المزرعة باكراً. بإمكانك أن تعودي مع آل كوليير, إلا إذا قبل جيرفيه ايصالك بنفسه.
اسودت الساحة من كثرة الناس, و بدأت الأجراس ترن في حوالي الرابعة. بدا مستحيلاً الدخول إلى الكنيسة لجمهور الاحتفال, لاحتوائها على الغجر بكثرة.
فجأة ظهر تمثال السيدة سارة, يحمله الرجال الراكبين فوق احصنتهم. في حرس الشرف, لمحت جوسلين جيرفيه, وبدا مثل فارس الأحلام.
بعد قليل اتجه الموكب نحو البحر و علت الأصوات تنادي: " لتعش السيدة سارة ! ". وضع التمثال في الماء. أبركه القس, ثم جرت اعادته إلى المغارة.
في هذه المعمعة, أضاعت جوسلين رفاقها, و ظلت تتسكع وسط الازدحام باحثة عن وجه تعرفه.
و بينما كانت تستعد للعودة إلى المطعم للاطمئنان عن كاميليا, رأت من بعيد جيرفيه على حصانه. لم تحاول لفت انتباهه بل ظلت تنظر إليه, عندما توقف و انحنى ليهمس في اذن شخص ما. بعد قليل رأت سيلين بثوبها الأصفر, يحملها غجري و يضعها على حصان جيرفيه, قربه. تبتسم له وهو يحضنها بذراعه.
فجأة لم تعد تحتمل الحر و الزحام اغرورقت عيناها بالدموع و دخلت إلى المطعم. كانت كاميليا و جان-مارك قد عادا إلى المزرعة, لكن العمة و آل كوليير ما يزالون هناك. ولما طلبت منهم الفتاة اعادتها إلى المزرعة, فوجئوا و قالت العمة شارحة:
-بعد قليل, سيبدأ الرقص, وفي المساء يصبح الجو أكثر مرحاً.
-لكنني أفضل العودة, فأنا متعبة كثيراً.
-حسناً. سترين ما ينقصك اليوم, في الغد.
سمعت صوتها الداخلي يقول : " ربما, حين يأتي المساء, سيطلب جيرفيه يد سيلين. سيرقصان معاً تحت ضوء القمر, و سيضمها إلى صدره ستضحك له. و يضحك لها... ثم يختفيان على الشاطئ و ... آه, كفى! لماذا هذا العذاب؟ لا تفكري بهما. امحيهما من عقلك. هذا جنون, منذ البداية...".
في صباح اليوم التالي, وجدت جوسلين صعوبة في العثور على عذر مقبول للتمنع من حضور اليوم الثاني من الاحتفال. و استاء جان-مارك عندا اقترحت البقاء مع كاميليا مكانه, فقال لها:
-لا... لا... من واجبي أن أبقى معها. كيف الهو من دونها؟
-أظن بأن عليّ المكوث هنا, أنا أيضاً, لدي احساس بأنها ستلد اليوم.
سمع جيرفيه هذا الحديث, فقال:
-هذا مستحيل. موعد الولادة بعد عشرة أيام.
-أجابته من دون النظر إليه.
-البكر يولد أحياناً قبل أوانه.
-في هذه الحال, عمتي باقية هنا و تهتم بالأمر. يجب أن تأتي إلى العيد, اليوم, يا صغيرة. ستتذكرين هذا النهار طيلة حياتك.
تشابكت نظراتهما. هل يريد تذكيرها بأنها غريبة و لن ترى العيد إلا هذه المرة؟
-حسناً. سآتي.
-سآخذك في سيارة الجيب, لأن عربة آل كوليير لا تأخذ أكثر من أربعة ركاب. و رفاييل سيمتطي حصاني " قيصر".
في العاشرة كانت جوسلين جاهزة. ارتدت تنورة قطنية خضراء و قميصاً توركوازياً. وفي الطريق, قال لها جيرفيه:
-أمس, عدت باكراً جداً. أخبرتني عمتي أن الحر ضايقك. هل هو السبب الحقيقي أم هناك سبب آخر؟
-ماذا تعني؟
-لم أر رفاييل طيلة السهرة, ربما هو أيضاً وجد الطقس حاراً لا يطاق.
-هل تصورت بأننا كنا على موعد سري؟
-ما زلت أتساءل.
-آسفة لخيبة ظنك. لم أتكلم مع رفاييل منذ... منذ اليوم الذي أطلعتني فيه أنك لا تحبذ صداقتنا.
بعد قليل, سألته:
-هل تعتبر بأن جان-مارك مصارع ثيران جيد؟
-نعم, لا بأس به.
-أليست المصارعة الحرة خطرة كالمصارعة العادية؟
-السباق الحر رياضة و لا يمكن مقارنتها بمصارعة الثيران المعروفة. أنا اشمئز عندما أرى ثيراناً جميلة, تعذبها و تحتقرها كائنات حمقاء ترتدي بزات العيد و الجوارب الحريرية. أنا لا أقبل اطلاقاً تعريض ثيراني إلى مثل هذه الوحشية.
-آسفة... فأنا لا أعرف شيئاً عن هذا كله. لكن آل دورانس يدربون ثيرانهم للمصارعة, أليس كذلك؟
-نعم, كغيرهم من أصحاب الماشية. لكن الثيران الاسبانية لا تتمتع بالمرونة و الشجاعة, مثل ثيران منطقة الكامارغ الأصلية. الآخرون يفعلون ما يريدونه, لكن أنا, أرفض ارسال حيواناتي إلى الموت من أجل فرح و غبطة أشخاص يخافون من كلب شرير.
بدا عليه الغضب, لذلك توقفت جوسلين عن متابعة الحديث. و عم الصمت بقية الطريق.
كان الغداء في المطعم إياه, لكن, هذه المرة, جلست جوسلين قرب لوك كوليير, بينما جلس جيرفيه قرب سيلين. وفي هذا اليوم الثاني, كانت الفتاة الفرنسية ترتدي ثياباً عصرية فاخرة, وفي يدها اليمنى, يلمع خاتم ياقوت مربع يلفت الأنظار.
راح لوك كوليير يغازل جوسلين كما فعل مع سيلين بالأمس. لم يكن هذا الأمر يعجبها, لكنها دخلت في اللعبة كي تتحاشى النظر إلى جيرفيه و سيلين.
وفي آخر الغداء, امسك لوك يد الفتاة من تحت الطاولة, و ظلت تتحمل ضغط أصابعه الرطبة الساخنة حتى جاءت القهوة.
ولم يبتعد عنها لحظة واحدة خلال فترة بعض الظهر. بعد حضور الاحتفال و الموكب, توجها معاً إلى مغارة السيدة سارة المضاءة بالشموع, و حيث يتحلق الغجر!
لم تستطع جوسلين المكوث طويلاً في المغارة لأن لوك كان يريد الخروج إلى الشارع, بعد أن تأبط ذراعها. ولم تشعر الفتاة بالارتياح إلا عندما دقت الساعة لبدء الألعاب التقليدية داخل الحلبة, و عندما علمت بأن لوك فرد من اللاعبين ولن يجلس قربها, جلست قرب والد سيلين.
دخل جيرفيه إلى الحلبة على ظهر حصانه قيصر و تناول من يد سيلين باقة زهور, حاول الحراس نشلها منه, من دون جدوى.
بعد سباق الحبال ذات الأنشوطة لاقتناص الخيول, بدأ السباق الحر الذي اشترك فيه عشرة شبان, كل واحد على حدة. لكن, لا أحد نجح في اقتلاع الوردة من بين قرني الثور. اشتد التصفيق، و كان الحيوان هو البطل المنتصر.
وما أن انتهت الألعاب حتى عاد لوك إليها. ماذا بوسعها أن تفعل. لم تعد قادرة على تحمل نظراته المحدقة بفمها, و ضغط ركبته تحت الطاولة بينما كانا مع الجميع يتناولان المشروبات المنعشة, على شرفة المقهى.
بدأ الناس يرقصون في الشوارع. دعا السيد دورانس, والد سيلين, جوسلين إلى الرقص, أولاً, ثم تبعه لوك, و أخيراً جيرفيه الذي كان يرقص معها, فقط قياماً بواجبه الاجتماعي.
ولما أصر لوك على جوسلين أن ترافقه إلى الروليت, تدخل جيرفيه و قال:
-ربما لا تشاطرك الآنسة حبك للروليت.
لكن الفتاة قالت بحماس:
-لا مانع لدي أن أجرب ذلك.
عندما أصبحت وحدها مع لوك, تمكنت من افهامه بوضوح بأن السهرة لن تنتهي كما يتوقع. فحزن لوك قائلاً بأن الجميع يعرف صيت الانكليزيات و الأميركيات فندمت لأنها لم تكن حذرة معه منذ البداية و نظرت إليه بغضب و قالت له قبل أن تدير له ظهرها و ترحل:
-نعم, يا للأسف.
دقت الساعة العاشرة, و جوسلين تسير منذ ساعة بين المارة, تتذوق الحلوى الطيبة و القطائف المشهورة و تنظر إلى راقصي الفلامنغو. فجأة لمحت رفاييل مع مجموعة شبان و شابات, توقف قربها و سألها:
-آنسة جوسلين! هل تمرحين؟
-نعم, كثيراً. هل تريد بعض القطائف؟
-شكراً. أنت وحدك؟ لا يجب أن تبقي وحدك في هذه المعمعة.
-اطمئن عليّ. فالآخرون ليسوا بعيداً عني كثيراً.
أشار لها بيده و هو يبتسم و قال:
-إلى اللقاء, اذن.
بعد قليل, لاحظت شاباً و فتاة, يتعانقان بشغف, وراء باب محل صغير نصف مفتوح. المحل كان مقفلاً, لكن ضوء الزجاج جعل خاتم الفتاة يلمع وهي تداعب عنق الرجل.
جمدت جوسلين مكانها لا تصدق ما ترى. انها سيلين, لكن الرجل الذي معها ليس جيرفيه. ثم سمعت صوت سيلين وهي تقول للشاب:
-ليس هنا, فالناس سيروننا. لنبحث عن مكان منزو و أهدأ.
-بكل سرور, يا حلوتي.
كان السيد دورانس ما زال في المقهى عندما عادت جوسلين. ومعه السيد كوليير, من دون جيرفيه.
-ماذا تحبين أن تشربي, يا آنسة؟ أين أبني, أليس معك؟
-كلا. الازدحام فرقنا.
ابتسم لها السيد دورانس و قال:
-كان جيرفيه قلقاً عليك. ربما اعتقد بأنك متعبة و ذهب للبحث عنك منذ نصف ساعة لن يتأخر بالعودة, الآن.
حين عاد جيرفيه, كان الشرر يتطاير من نظراته. آه, يا إلهي, لا بد أنه رأى سيلين حتى يكون غاضباً إلى هذا الحد.
ببرود لا يصدق, قال لها:
-هل تريدين العودة الآن, يا جوسلين؟ الطريق طويلة أمامنا.
نهضت الفتاة بسرعة و قالت:
-نعم, متى تريد.
و دعا الآخرين, و تأبط جيرفيه ذراع جوسلين حتى وصلا إلى الساحة, حيث كانت سيارة الجيب متوقفة.
العودة إلى المزرعة ذكرت الفتاة بيوم وصولها, في سيارة الجيب الرجراجة في رياح الميسترال, و جيرفيه و قساوته. لكن, في هذا المساء, منطقة الكامارغ هادئة, وفي المستنقعات ينعكس ضوء القمر و النجوم العديدة.
في هذا المساء غضب جيرفيه الحاد سبب ارتجاج السيارة, لأنه كان يقود بسرعة جنونية على هذه الطريق الرملية, غير المعبدة. جوسلين, متعلقة بمقعدها, مليئة بالشفقة المؤلمة عليه. لأنها تعرف تماماً شعوره الحالي.
كانت الأضواء مطفأة داخل المزرعة, لكن الفتاة تعرف طريقها إلى المطبخ ولم تجد صعوبة في اشعال المصباح الزيتي.
لما أضاءت الشعلة أرجاء الغرفة, سألته بصوت غير مطمئن:
-هل تريد بعض القهوة؟
دفع الباب بعنف و اتكأ عليه و سألها بلهجة قاطعة:
-ما الذي بينك و بين لوك؟
أجابت بتلعثم:
-لا... لا شيء... اختلفنا... و افترقنا... ببساطة.
-أولاً, رفاييل, و الآن، لوك كوليير. لست عاقلة أبداً في اختيارك. لكن في المرة المقبلة, ستجدين نفسك في مأزق حرج لا مفر منه.
فضلت عدم الرد عليه باللهجة نفسها, لنها تعرف بأنه ينفث عن غضبه بل سألته بهدوء:
-هل تريد قهوة, أم انك تفضل الذهاب إلى النوم في الحال؟
-تباً لك و لقهوتك!
فجأة تقدم منها و قال:
-لم أعد أتحمل هذا, يا ابنتي. في البداية, تذهبين مع رفاييل, و كان عليّ أن انتشلكما من عراك عنيف. و اليوم, تغازلين لوك كوليير الأحمق. ماذا تريدين؟ تبحثين عن مغامرة مثيرة لتخبريها لأصدقائك, عندما تعودين إلى انكلترا؟
امسكها بعنف و ضمها إليه و عانقها. ولما ابتعد عنها, دخل في تلك الأثناء جان-مارك إلى المطبخ, لكنه لم يلاحظ شيئاً لشدة توتره, وقال:
-آه, جوسلين, تعالي بسرعة, أرجوك. جيرفيه, اذهب و أحضر الطبيب. اشرفت كاميليا على الولادة.

α α α α
برديس likes this.

تم الفصل السداس

إن شاء الله غداً الفصل السابع و الأخير
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة

الانتقال السريع


الساعة الآن 11:31 AM



Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2014, vBulletin Solutions, Inc.
SEO by vBSEO 3.6.0

Ramdan √ BY: ! Omani ! © 2012