آخر 10 مشاركات
وسأبقى صامدة .. رواية رومانسية وجديدة (الكاتـب : آهــــ الماضي ـــــات - آخر مشاركة : شكرإن - مشاركات : 29 - المشاهدات : 944 - الوقت: 08:47 AM - التاريخ: 21-12-14)           »          تحت وصاية افكاري (2) *مميزة* ... سلسلة نفوس تائهه (الكاتـب : حنان - آخر مشاركة : мєєиα - مشاركات : 3857 - المشاهدات : 133488 - الوقت: 08:47 AM - التاريخ: 21-12-14)           »          [تحميل] قبــــــــح وجمـــــــال / للكاتبة arwy ، فصحى (جميع الصيغ ) (الكاتـب : فيتامين سي - آخر مشاركة : جزائرية و افتخر ببلادي - مشاركات : 49 - المشاهدات : 967 - الوقت: 08:46 AM - التاريخ: 21-12-14)           »          بعينيكِ وعد*مميزة* (الكاتـب : tamima nabil - آخر مشاركة : عزيز الروح - مشاركات : 8723 - المشاهدات : 468023 - الوقت: 08:45 AM - التاريخ: 21-12-14)           »          الحب وهاجس الانتقام *مكتملة* (الكاتـب : "شهرزاد زمانها" - آخر مشاركة : мєєиα - مشاركات : 761 - المشاهدات : 25477 - الوقت: 08:43 AM - التاريخ: 21-12-14)           »          الزواج الملكى(109)للكاتبة: فيونا هود_ستيوارت.....كاملة (الكاتـب : فراشه وردى - آخر مشاركة : M.rere - مشاركات : 5301 - المشاهدات : 272827 - الوقت: 08:43 AM - التاريخ: 21-12-14)           »          [تحميل] لحظــــــــــــات لا تنســــــــ ـى للكاتبه m-s-m-x5-gt (جميع الصيغ ) (الكاتـب : فيتامين سي - آخر مشاركة : جزائرية و افتخر ببلادي - مشاركات : 32 - المشاهدات : 573 - الوقت: 08:42 AM - التاريخ: 21-12-14)           »          205 - ليلة واحدة لا تكفي - إيما دارسي (تصوير جديد ) (الكاتـب : Gege86 - آخر مشاركة : نهى سندي - مشاركات : 608 - المشاهدات : 40053 - الوقت: 08:40 AM - التاريخ: 21-12-14)           »          للحب, الشرف والخيانة (101) للكاتبة: Jennie Lucas *كاملة* (الكاتـب : سما مصر - آخر مشاركة : جرح الغدر - مشاركات : 6000 - المشاهدات : 235128 - الوقت: 08:40 AM - التاريخ: 21-12-14)           »          181 - من يريد القمر - جيسيكا ستيل (الكاتـب : monaaa - آخر مشاركة : عزيز66 - مشاركات : 1064 - المشاهدات : 49360 - الوقت: 08:39 AM - التاريخ: 21-12-14)



العودة   شبكة روايتي الثقافية > قسم الروايات > منتدى الروايات والقصص المنقولة > القصص والروايات الطويلة المكتملة

Like Tree4Likes

إضافة رد
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع


الحادي عشر

,‘،



في دواخلنا اطفال.. يتوقون للفرح . يبتسمون للمحبة .. ينسون العالم في وسط حظن الحنان .. رغم سنين عمرنا التي تتناقص ونكبر مع تناقصها .. ويتحول السواد الى البياض .. رغم دموعنا .. ورغم احزان ترسبت منذ ان نادتنا الدنيا .. وهمست لنا .. انا هنا .. فهرولنا لها .. عانقناها .. ابكتنا يوما .. وافرحتنا يوما .. وضربتنا يوما آخر .. وعلمتنا اياماً .. حتى اتهمناها بجرما لم ترتكبه .. وحكمنا عليها انها ظالمة .. ونسينا ان نفوسنا هي المجرمة .. وهي من تستحق وقفة من وقتنا الضائع .. وكم هي ليالينا الباكية .. وكم تمنينا ان ننام نومة المهد على هزهزاته .. دون افكار .. دون احزان .. دون انتظار ..


ليلة حزينة .. تحاكي القمر المكتمل .. وتستمع لها النجوم المتلألأة .. ليلة تحاول الاختباء .. دون فائدة .. فتفضحها العيون الساهرة .. عيون أرقتها الهواجس .. حتى باتت لا تعي أين الحقيقة .. تقلب تحت لحافه الخفيف .. النوم أبى أن يأتي ويداعب الجفون .. قام ينظر إلى ساعته .. الواحدة صباحا .. تجر معها بعض الدقائق البطيئة .. وقف بطوله الذي لطالما استخدمه لاغاضتها .. حتى تبكي .. يشتاقها .. حث الخطُى إلى دروة المياه ( أكرمكم الله ) .. فتوضأ .. لعل الله ينير عقله بركعتين والناس نيام .. شعر به يحتظنه .. فتوجسته رجفة خشوع .. ودعى بقلب رجل مؤمن انهكه التفكير .. طوى سجادة الصلاة .. التي لا تزال تحتوي عطرها .. تخيلها في يوم زواجهما كيف كانت خجولة .. حتى وهي تصلي خلفه .. أحس بها بتوترها .. بخجلها .. حتى بدقات قلبها التي كانت تصرخ رعبا .. لم يقم .. وجلس والسجادة مطوية امامه .. يتأملها ويتذكر كلام سلمان له : ما فيك شيء يا طارق .. الفحوصات تأكد أن ما فيك شيء ..

ليصرخ في وجهه : بس اللي نقل لي العدوى متأكد ..


وكيف لا يكون متأكدا وهو ترك اخته حبا .. ترددت الكلمات مرارا في عقله : اوكي عشان تتأكد أكثر بدليك ع دكتور اعرفه وهو بيسويلك التحاليل من يديد .


وها هو ينتظر الغد .. ينتظر نتيجة ارهقته أياما وأيام .. قام نافضا عنه كسل الجسد المتعب .. وتناول هاتفه النقال .. تأمله وأصبعه على زر الواحد .. هي هناك .. اسمها . محبوبتي .. رقمها المميز .. تردد كثيرا .. ولكنه يحتاجها .. يريدها معه .. يريد عيناها .. وشفتاها .. ويداها .. يريد كل ذلك واكثر .. " جار الاتصال ....." مرت ثواني اذا بصوتها الناعس يتهادى الى أذنه : الوو

ابتسم : السلام عليكم

فزت مرتعبه : كم الساعة .. حبيبي فيك شيء .....


وتلاحقت الاسئلة .. حتى قهقه .. لم يضحك هكذا منذ تلك الليلة : بس بس .. خليني اجاوب .. شهد انا محتاينج .. تقدرين تجهزين الحين عشان بخطف عليج ..


تأكدت أن هنالك شيء ما .. ارتجفت الاحرف على شفتيها المرتويتين : اوكي .. اترياك ..


اغلقت الهاتف .. وقامت بسرعة تغسل عينيها .. وترتدي عباءتها .. وتغطي شعرها .. وتجري مسرعة للخارج .. ترقبه من نافذة المنزل المطلة على ساحته .. تعلم بأنها لن تراه .. ولكنها تنتظر .. والهاتف في يدها .. رن .. وتوقف .. فجرت للخارج .. والخوف يرافقها على انسان بات كل ما يعنيها ويهمها هو اسعاده .. ركبت .. واذا بها تمد كفيها لتحتظن وجهه .. ودموعها شلالات لا تهدأ : شو فيك ؟


انزل كفيها .. ولثمهما حتى ظنت ان شفتاه التصقتا بباطنهما : طارق والله ما اتحمل اكثر .. حبيبي شو صاير وياك .

رفع رأسه اخيرا : احبج .. والله يشهد علي ان لج فقلبي حب لو توزع ع اهل الارض فاض .


ابتسمت بخجل رغم خوفها .. استطرد : خلينا نمشي من قدام البيت ..


عم الصمت ارجاء المكان .. لا تريد ان تلح عليه بالسؤال .. فداست على نبضات قلبها المتوجسة .. حتى وصلا .. ترجل وطلبها ان تنزل هي الاخرى .. نزلت ومشت حتى تشبثت بذراعه .. التفت لها بحنان : شو فيج ؟


قالت وهي تلصق نفسها به : اخاف من البحر بالليل ..

طارق : لا تخافين .. انا وياج .


مشى وهي تمشي بمحاذاته .. وتتعثر بخطواتها بسبب التصاقها به .. ابتسم رأفة بزوجته الخائفة .. فتوقف عن السير .. وجلسا على بعد امتار من موجه .. الليلة قمراء تبعث شعورا غريب في النفس .. تنهد وبعدها قص عليها ما حدث معه .. وسبب ابتعاده عنها .. حتى وصل الى كلام اخيها .. وعدم تصديقه للنتائج .. كانت تستمع .. تبكي .. هل هي دموع فرح للحب العظيم الذي يكنه طارق لها .. ام هي دموع خوف الفقدان ؟ كانت دموعها تحمل الكثير من المشاعر .. تبكي بصوت .. حتى ما ان وصل بكلامه : سلمان يقول .. ان التحاليل ما بينت اني مصاب ..


تهللت اساريرها .. وابتسمت وهي تمسح ما سال من دموع على شفتيها : الحمد لله .. يعني انت بخير ..


تنهد من جديد .. ليعيد اليها خوفا تلاشى : انا شاك فهالنتايج يا شهد .. الريال اللي تضاربت وياه ذيج الليلة متأكد ان فيه المرض .. سلمان قال يمكن الدم ما اختلط ببعضه .. بس – شد قبضته ناظرا الى مكان الجرح – انا ضربته ودمه صار ع جرحي ..


ثنت ساقيها الواحده فوق الاخرى وتأبطت ذراعه واضعة رأسها على كتفه .. لم يغير من جلسته .. ولا تزال ذراعاه تحيطان بركبتيه بارتخاء : حبيبي .. ما يهمني شو صار .. ولا شو بيصير .. اللي يهمني الحين انك وياي – سكتت برهة – يوم خطبتني ما كنت اريدك .. ولا وافقت لاني اريدك انت .. وافقت لاني حسيت انك بتنقذني من جحيم بيتنا .. كنت كل يوم اتعذب اكثر واكثر .. يوم اشوف ابويه ع كرسيه .. لا يتكلم ولا شيء .. كنت اداريه .. بس كانت نفسيتي تعبانه .. كنت اضحك معه واسولف ويوم اكون فحجرتي ايلس اصيح .. ابويه ع هالحال وانا مب قادرة اسوي شيء .. واللي زاد الطين بله .. يوم تزوج اخوي – مسحت دمعة سقطت من عينها – بس ما تصورت اني بحبك بهالشكل .. حبيتك .. حبيت حنيتك .. كنت اشوف فيك ابوي واخوي .. وكل شيء انحرمت منه .. والحين ما اريد فهالدنيا الا اني اكون وياك .. وياك انت وبس ..


- شهد .. اول مرة تتكلمين عن مشاعرج وياي .. واول مرة احس انج كبيره .. بس انا تعبت من التفكير .. باكر بتطلع نتيجة التحاليل الثانية .. وانا متاكد اني مصاب .. يمكن ما بين الحين بس متأكد .

- منو هالشخص اللي تضاربت وياه .

- اخاف اقولج .


اعتدلت في جلستها ناظرة لجانب وجه الذي ما انفك يرقب البحر وامواجه : تخاف افشي سرك ؟


التفت لها ومسح بقايا دموعها : اخاف من لحظة ضعف .. تمر ع اي انسان .. وساعتها بدمر حياة ناس ما يستاهلون انهم يدمرون .

ابتسمت وهي تحتظن نفسها : بردانه ؟


هزت رأسها بنعم .. وبان خجل على محياها : اصلا ما لابسه الا ثوب نوم خفيف تحت العباه .


نكست رأسها اكثر وهي تسمع ضحكاته التي طالما اشتاقت لسماعها .. ومن بين تلك الضحكات : غربلات بليسج .. تعالي

قربها منه وهو يحظنها بذراعه .. ويرص عليها : اصلا من خوفي عليك ما عرفت شو اسوي .. لبست عباتي وشيلتي وركضت اترياك فالصالة .


جلس ينظر اليها وهو يمسك رأسه بكفيه .. لم يتحمل اغراءات ذاك الجسم الغض .. لم يتحمل شهوته الذكورية .. وهاهي نائمة بجانبه على السرير .. عارية ... خاطب نفسه : شو سويت يا طارق .. شو سويت .. يا رب الا شهد .. الا شهد يا رب ..


احست به فانقلبت على جانبها ساحبة الغطاء عليها .. ابتسمت : حبيبي كم الساعة .


فجأة اذا به ينتشلها من مكانها ليخبأها في صدره : سامحيني .. سامحيني .. الله يخليج سامحيني ..


,‘،


في نفس الليلة ونفس القمر الشاهد على ما كان .. كانت هي جالسه على كرسي بجانب النافذة .. تنظر لاولئك الشهود على اخر ليلة لها في هذا المنزل .. حاربها النوم .. كما حاربها عيسى حتى يومها هذا .. الساعة تقارب الواحدة والنصف .. المكان ساكن الا من صوت جهاز التكيف العجوز والمرتجف .. قامت بكسل .. هناك تقبع حقيبتها الصغيرة .. هل هذا "جهازج " يا خولة ؟ وتحول نظرها الى حقيبة اخرى .. كانت تجهز فيها ليوم زواجها من فارس .. يالا مفارقات القدر .. وهناك بجانب سريرها يقبع دفترها .. لازالت تتذكر يوم اشترته من تلك المكتبة .. كانت تتمنى أن تدرس وتكمل دراستها .. ولكنها لم تحصل الا على شهادة اعدادية .. اشترته وهي تشتري لايمان ما تحتاجه لدراستها .. لا يزال معها .. غلافه قد اهترأت جوانبه .. ولكن لا يزال يضم اوراق بيضاء لم يعانقها القلم .. ولا يزال حبر اخر الكلمات رطبا ..

ودي ابكي .. حتى تمل الدموع عيني
واكسر قيود نفسي .. رهينة الحال
ودي انظر حيث لا ينظر احد
واقرأ ما لا يقرأه احد
وأسمع كلاما لم يكتب من قبل .. بحروف لم تروى لأحد
إلا لي أنا ..
ودي اصرخ .. وانفض غبارً يحتويني..
ودي بفرح يعانقني حد السماء ..
وطيور ترقص هامسة في المساء ...
ولعب اطفال على اهازيج النساء ..
ودي بالكثير ..



اغلقته فاحتظنته .. تذكرت محاولاتها اليائسة مع اخيها : ليش يا عيسى ؟ هانت عليك اختك ...


مرت دقائق تلك الليلة وجفونها لم تعش لذة النوم .. قامت بعد أن صلت الفجر .. وقرأت آيات من الذكر الحكيم .. قامت الى المطبخ .. فتحت الثلاجة واخذت خمس بيضات لترميها في قدر الماء .. وانتشلت الابريق من بين الصحون التي بان عليها تعب الاستعمال ..ووقفت تنظر اليه وهو يحترق وصوت صراخ الماء يتعالى رويدا رويدا .. اعدت كل شيء .. الشاي بالحليب و قطع " التوست " والبيض المسلوق .. وصحن صغير به بعض من مربى البرتقال .. وشيء من الجبن .. مسحت دموعها برفق .. فعيناها تتألمان وجداً للنوم .. ابتسمت وهي تفتح الباب .. الغرفة باردة .. اشعلت النور .. وهالها منظر الاوراق المبعثرة على ارضية الغرفة .. تمتمت : الله يوفقج


جلست على حافة السرير توقظ ايمان .. التي فتحت عيونها الناعسة ومدت ذراعيها لتجذب النشاط لجسمها الممتليء بعض الشيء .. ردت على اختها : صباح النور يا اغلى اخت فالدنيا .


طأطأت رأسها : اليوم بتروحين .. ما اريد اروح المدرسة .. خليني اروح وياج للمحكمة .

نهرتها بشدة .. فكيف تذهب معها وهناك اختبار أخير ينتظرها : قومي تجهزي .. واذا علي ما بسمع لعيسى وبزوركم .. وبتصل فيج الين تملين مني ..

بكت وارتمت في حظنها : ايمان لا تصيحين .. انا ما بموت .. كل السالفة اني بعرس ..


تساءلت في نفسها عن أي " عرس " تتكلم .. فهي ستساق الى قدرها كالنعجة يوم عيد .. عيد بارد .. جامد .. حتى كلمة طيبة ستخلو منه .. لا تعلم لماذا تلك الدقائق مسرعة بهذا القدر .. لماذا كلما كان هناك لقاء معه تتسارع xxxxب الساعات .. والشمس تهرول لجهة الغرب .. هل يستعجلون اعدامها .. ام يستعجلون فرحة قد تكون ..


تنهدت وهي جالسة في الصالة تنتظر عيسى .. او بالاحرى تنتظر قدرها المجهول .. الحقيبة تقبع بهدوء بجانبها .. وجفونها متعبة .. فيها حرقة تتآكلها .. فزت بخوف حين سمعت بوق سيارة عيسى .. ذكرت الله واستغفرته .. انحنت وهمت بحمل حقيبة ملابسها وحقيبة يدها .. عيناها تتأملان المكان .. التلفاز الصغير .. والنمارق القليلة .. وهناك كتاب من كتب ايمان قد فتح وقلب على بطنه .. جرت قدماها .. فعيسى لا يكل من اصدار ذاك الصوت وكأن به غاضب .. القت التحية وهي تفتح الباب لترمي بحقيبة ملابسها على الكرسي ... لم يجبها .. اغلقته وفتحت الباب الامامي .. ركبت : رد السلام واجب .


- وعليكم السلام ... يبتي كل اوراقج ؟

- هيه ( نعم )


الصمت سيد الموقف كالعادة .. لا حديث منه ولا حتى نظرة .. وهي تحاول ان تتماسك .. خائفة .. قلقة .. ولكن هذا ما ارادته .. حدثت نفسها : لا تخلين دموعج اطيح .. انتي بغيتي هالشيء .. لا .. انا ما بغيت هالشيء .. هو فرض نفسه علي غصب .. هو اللي قيدني .. هو اللي اجبرني .. بس ليش ؟ .. آآآه .. يا رب تعدي هالدقايق بسرعة .. وليش اليوم زحمة هالشكل .. مب قادرة اتحمل سكوتك يا عيسى .. معي ومب معي ..


تنهدت وسمعها عيسى .. ليردد في نفسه : سامحيني يا خولة .. بس مب راضي ع اللي سويتيه .. عيسى ما يبيع عمره لناس بسبب الظروف .. بس انتي بعتيه بدون شوره .. وقبضتيه ثمن البيعه .. لو كل شيء صار بدون تدخلج كان لي كلام ثاني وتصرف ثاني .. بس انتي اللي قدمتي العرض .. ياليتني ما وافقتج .. ولا خليتج تكلمينه بروحج .. كان مب هذي حالنا .



,‘،

Continue







,‘،

ترجل من سيارته " الرنج " بهيبته المعهودة .. وتلك النظارات لا تفارقه ابداً ..اليوم عادي بالنسبة له .. لا يختلف عن باقي الايام الا بدخول شخص جديد لحياته .. اكمل طريقه ليعبر ذاك الممر القصير .. ويلج الى المحكمة من بوابتها الكبيرة .. كانت هناك اعين ترقبه : شوف منو اللي ياي المحكمة

التفت الرجل لصاحبه وبعدها على جاسم : هذا جاسم ولد الاستاذ عبد العزيز .. ليكون ياي يشتكي ع ابوه

- عاادي . تصير .. ومب بعيده عنه .

- صدقت .. كل شيء متوقع منه .


تهامس كغيره من التهامسات التي لطالما تداولها الناس بينهم .. عُرف بالابن العاق .. والرجل القاسي .. ولكن لا يعرفون لماذا هو هكذا .. الظاهر يصور لناس اشياء واشياء .. والداخل شيء قد يكون اكبر بكثير مما يتم تداوله .. لا تهمه تلك الاقاويل .. فهو لا يرى حياته الا عمل خالية من العائلة


جسداهما يرتفعان ويهبطان .. وفرساهما تعدوان بمرح بين تلك السهول الخضراء والغابات المتفرقة ..

- ما قلتلك بنستانس .. شوف حلاة السهول هني .. ياليت عندنا مثل اللي عند البريطانين ههه

- اللي عندنا خير يا قاسم .. ما محتايين لبلاد الغرب تكون فبلاد حكمها شيخ ما في مثله ولا بيكون بعد .

سحب الجام لتقف فرسه وهي تحرك ساقاها الرشيقتان بخفة : عندي لك هدية .


ادخل يده في جيبه وهو يرفع جذعه للاعلاى .. حتى يستطيع الوصول لاخر جيبه .. اخرج ورقة قد طويت .. اعطاها لجاسم الذي ترجل عن ظهر فرسه : شو هذا ؟

قال وهو يترجل : افتحها .

اخذ لجام فرس جاسم وامسكه مع لجام فرسه .. ومشى بمعية اخيه .. الذي كان يفتح الورقة .. توقف وهو ينظر الى ما فيها .. لؤلؤة وجناحان .. رسما بدقة متناهية .. وهناك ايضا رسمة لهما كتب عليها q&j .. التفت لقاسم الذي علت محياه ابتسامة فخر : شو رايك بتصميمي .. ترا هذي هدية لك .. ما اريد لها شبيه اوكي .. اول ما تعرس سلمها لعروسك .. بس هااااا .. ما اريدها الا للانسانة اللي ملكت قلبك .. غيرها لا .


جاسم : وليش حرفك قبل حرفي .. مب انا العود .. لازم يكون حرفي قبل .

ربط الجامان في تلك الشجرة الباسقة .. وارتمى على العشب الاخضر .. شابك ذراعيه تحت رأسه : طرار( شحاذ) وبعد يتشرط . واللي يسمعك تقول العود بيقول تكبرني بسنين مب كأنهن 5 دقايق .

وقف ينظر لاخيه .. واخذ يهز الورقة اعلى رأسه : وليش تريدها وحيده .. نسوي ثنتين لك ولي .


رفع ساقيه في الهواءدافعا جذعه على الارض .. ليستطيع الجلوس : شوف جويسم .. اريدها لك انت وبس .. وفي هدية ثانية لك .. واللي هي موجودة فالرسمة

- الولوه .. من وين لك ؟


ضحك : من امي بخيته .. تراها عطتني اياها تحسبني انت .. مثلت عليها وصدقتني .. وقالت – يقلد كلامها – قويسم ما يتأمن ع شيء .. لو اعطيه اياها ما بعيد يفرها


ضحكا سوية .. وفجأة تغيرت ملامح قاسم وهو يعود ليطرح نفسه على العشب : واتريا هديتي منك .. بس الهدية بتكون طلب مني .. توعدني تلبيه يا جاسم .

نظر إليه .. وبعدها استلقى بجانبه : اوعدك .. لو تطلب عيوني بقدمهن لك .


وضع يده على نظارته من جهة اليمين .. وحرك اطراف اصابعه على جبينه مبتعدا بهم تجاه شعره ..وانتبه لعيسى الذي سحب الاوراق من يد خولة .. وادرك ان هناك شيء ما بينهما .. مر الوقت وهو لا يزال يرقبها .. انتبه لتوترها .. ولتصرفات عيسى معها .. اصبحت على ذمته .. ها هو يعود لتحمل امرأة في بيته ..ابتسم وهو يمشي بمعيتهما للخارج .. توجهوا حيث تقف سيارة عيسى .. فتح باب سيارته ليخرج حقيبتها .. فما كان من جاسم الا ان ينادي سائقه الخاص لحملها ..



جاسم : ما في حتى مبروك .. ؟

نظر عيسى له بنظرة كره : صارت لك وانتهينا .


اراد أن ينصرف فامسكته من ذراعه : عيسى اصبر – التفتت لجاسم – اقدر ابقى فبيتنا اليوم .. اريد ابقى مع ايمان .. وانت اصلا مشغول .. يعني اذ....


وقبل أن تكمل : مالج بيت يا خولة الا بيت جاسم .. عن اذنكم .

شدت على قبضتها .. وتسمرت في مكانها .. تلفت جاسم وكأن وقوفها بهذا الشكل ووقوفه بجانبها احرجه .. امسكها من ذراعها : خلينا نمشي .


لم تكن تشعر باي شيء .. وكأنها نومت مغناطيسيا .. مشت .. ثم ركبت وهي لا تزال في عالم آخر .. اما هو فلا يجد اي كلام قد يقوله .. فلقد ادرك ان عيسى تخلى عن اخته .. ابتسم وهو يخمن سبب هذا الكره .. لعلها تلك الطلبات .. فهو يعلم ان عيسى عزيز نفس .. كما هو بالضبط .. خاطب نفسه وهو ينظر من نافذة سيارته : للحين ما لقيت اللي تستاهل هديتك يا قاسم .


,‘،


انسلت من فراشها .. في تلك الليلة التي لم ينعم فيها طارق ولا خولة بالنوم .. هي نفس الليلة .. ونفس شهودها .. شهدوا على احلام اسهرت اصحابها .. وها هم يشهدون عليها .. انسلت وهي تنظر اليه .. شخيره لا يهدأ .. كثيرا ما قالت له ان يجري جراحة لاستأصال تلك اللحمية من انفه .. لكن ما كان يأتيها منه الا الاهانة .. والكلام الجارح .. انسحبت من الغرفة بهدوء تام .. جلست بكاملها على الكنبة وظهرها مسندا على ذراع الكنبة .. وذراعيها على ركبتيها .. لتدع رأسها ينكب عليهما ..


نزل امام احدى العمارات الشاهقة .. فتح الباب : نزلي .

نظرت له بخوف : رجعني البيت .. الله يخليك ..


امسكها من ذراعها .. وهو يحثها للنزول .. نزلت .. لم ترغب بان يتجمع الناس عليهما .. لا تريد للفضيحة ان تخترق حياتها .. نزلت وهو يجرها الى المصعد .. نزلت دموعها .. فهي لا تعلم اين يأخذها .. ومالذي يريده منها بالضبط .. هذا ليس عبدالله الذي تعرفه .. توقف المصعد وكاد قلبها ان يتوقف حين شدها ليخرجها منه .. تمشي معه دون ان تتكلم او حتى ان تقاوم .. وقف قبالة باب لشقة ما .. لا يزال ممسكا بذراعها .. فتح الباب .. ودعاها لدخول .. لكنها أبت .. فما كان منه الا ان جرها ودفعها لداخل .. حتى سقطت " شيلتها " من قوة سقوطها .. سحبتها بسرعه تستر شعرها .. وتبكي : عبدالله شو بتسوي في .. حرام عليك .. انا ما سويت لك شيء ..


زحفت حتى قدميه امسكتهما وهي تبكي وتترجاه : الله يخليك رجعني البيت .. الله يخليك .. ابوس ريولك .. لا تسوي في شيء ..


سحب قدماه .. وهو ينظر اليها .. ضعيفة باكية : مستحيل اسوي فيج شيء يا ريم .. مستحيل – رفعها من ذراعها – قومي ..

مشى بها وهو يتكلم بحزن يكتسيه شيء من الغضب .. كلما توقف في مكان : هني كنت احلم فيج وياي نطالع التلفزيون .. ونضحك – سحبها لاحدى الغرف – وهني كنت اتمنى اشوف عيالنا يكبرون ويلعبون ..


سحبها من جديد وسط دهشتها لما تسمعه .. توقف عند باب غرفة اخرى .. ظل واقفا لبرهة .. ثم فتحها .. غرفة نوم بسرير اقل ما يقال عنه ذوق : وهني كنت اتمنى اقضي اليالي وياج ..


تركها واخذ يجوب الغرفة كالمجنون : هني تخيلتج يالسه تسحيين( تمشطين ) شعرج .. وهني تخيلتج واقفه اطالعين السيارت الصغيرة .. وهني – جلس على السرير – كنت اتمنى احضانج .. وقتلوا كل امنياتي .. .. قلت لهم اريد اعرس .. رحت لابوي خبرته .. ابويه اريد ريم حرمة لي .. تدرين شو كان رده .. ريم لخوك سعيد .. العود احق فيها منك .... العود ... آآآآآآآآآآآآآآخ


شدت بيدها على فمها بقوة .. واخذت تبكي بحرقة .. انسحبت بجذعها على الجدار حتى جلست القرفصاء .. كلام جديد تسمعه الآن .. عبدالله يحبها .. يتعذب من أجلها .. وهي تتعذب بنار سعيد يوميا ..


نظر اليها بعيون دامعه : تمنيتج ترفضين ...تمنيت سعيد يقول لا .. بس محد قال لا الا فويهي انا .. قلت لازم انساج .. بس ما قدرت .. انتي الوحيدة اللي حبيتها يا ريم ..


صدمة الجمتها عن الحراك .. او حتى الكلام .. فقط دمووعها التي اخذت تنسكب دون توقف .. مر الوقت هو يحكي معاناته اليومية بسبب رؤيتها .. وهي تستمع وتود لو انها لا تسمع .. تمنت لو كانت صماء .. قامت واقفة .. لفت " شيلتها" باحكام على رأسها .. اخذت طرفها لتغطي وجهها الباكي : وين بتروحين .


لم تجبه .. خرجت من تلك الغرفة .. وهو يتبعها .. انحنت لتلتقط حقيبة يدها التي وقعت بوقوعها عند الباب .. يسألها ولكن لا تجيب .. ضغطت زر المصعد .. مرة واثنتان وثلاث .. لعله يأتي سريعا . امسكها من جديد .. لفها لناحيته : سامحيني ..

لم تجبه .. سحبت يدها من يده .. وآثرت ان تنزل الدرجات .. المصعد لا يأتي .. والانتظار بجانبه يقتلها ..نزلت مسرعة وهي تصرخ عليه : لا تتبعني .. خلك بعيد ..


لتستقل بعدها اول سيارة أجرة تصادفها .. عادت الى منزلها .. حمدت ربها مليون مرة ان سعيد لا يزال نائما .. فهو لا تهمة صلاة .. اسرعت الى دورة المياه (اكرمكم الله ) تفرغ ما بقي في جعبتها من دموع .. وخرجت بعدها لتصلي المغرب .. مع ان وقتها حان منذ اكثر من ساعة ..


رفعت رأسها .. تحاول ان تنسى ما قيل في تلك الشقة المشئومة .. كما رفعت ميثة رأسها عن ظهر السرير .. وعليا هناك نائمة .. حرارتها مرتفعة .. تهذي بكلمات لا تفهم .. تصرخ احيانا .. تترجى احيانا اخرى .. وتنادي والدها كثيرا .. تحسست جبين ابنتها .. وتذكرت ذاك اليوم .. لم تفتح الباب لها .. مع انها بكت وترجت .. لكن لم تفتحه .. فجأة سمعت انسياب الماء .. خافت حين طال الامر .. طرقت الباب اكثر واكثر دون جدوى .. جرت تنادي احدا يساعدها ليكسر الباب .. فما كان في وجهها الا بدر .. ضرب الباب مرة .. واثنتان .. بباطن قدمه اليمين .. انفتح .. لتتراء علياء في حوض الاستحمام جالسة .. والماء ينهال عليها .. يضربها بقسوة .. وهي ترتجف .. تريد ان تستيقظ من تلك الاحلام التي تراودها .. اغلق الماء .. ورفعها وهي تصرخ .. تحرك ساقاها بعنف .. وتحاول دفعه عنها .. وهو ممسكا بها .. حتى اغمي عليها ..


هاهي تنام دون ان تستيقظ .. الا دقائق قليلة لاخذ الدواء .. او لتسقيها ميثة العصير والماء او شيء من الشوربة .. قامت بكسل .. وقد عقدت العزم .. ان هذه هي آخر ليلة لها في هذا المنزل .. تركت غرفتها ذاهبة لغرفة بناتها ... جمعت ملابسهن في حقيبة واحدة .. لا يهم ان تأخذ جميع ما يملكن .. المهم ان تخرج من هذه الاجواء الموبوءة .. ايقظتهن بحنان أم خائفة .. لا يرغبن بالنهوض .. صرحت لهن بكذبة لعلهما يتركان الفراش لاجلها : ياللا حبيباتي قومن بنروح الالعاب ..


نقطة ضعف ابنتيها .. حديقة الالعاب .. قامتا بكسل .. غيرت لهن ملابسهن بسرعة .. نطقت خلود وهي تحرك يدها الصغيرة على عينها داعكة لها : ماما .. وين علايا .


الحين بتيي .. قالت هذه الجملة فقط .. وبعدها اخرجتهما الى غرفتها .. ايقظت علياء المتعبة .. لا تعي شيئا فحرارتها تناهز التاسعة والثلاثين .. عيونها ذابله لا ترى شيئا .. طلبت منهن الجلوس وخرجت .. لتجهز سيارتها .. وبيدها حقيبتان .. وحقيبة يدها .. عادت بعد دقائق : ياللا .. خلود مسكي ايد حصووه ..


فعلت ما طلبته منها والدتها .. وهي مستغربة ما يجري .. عمدت ميثة الى ابنتها علياء .. تساعدها على النهوض .. لكن جسمها لا يقوى حتى على الوقوف .. ما كان بها الا ان تحملها على كتفها .. وتناست انها ترتجف بردا .. اخذتها بلباس نومها فقط .. ادخلتها لسيارة وعدلت لها الكرسي .. فتحت الباب الخلفي وادخلت خلود وحصة .. وانطلقت .. تلفتت خلود : ماما بعده فليل . ما في العاب الحين .


ما كان من ميثة الا ان تصرخ على خلود لتسكت ..تقوست شفتاها الصغيرتان .. وبكت حصة لصراخ والدتها .. وساعدتها خلود بالبكاء ... تمالكت اعصابها : خلاص فديتكن .. خلود بنروح بيت خالو عبد الرحمن .. وبعدين بنروح الالعاب وييا هاجر .. انتي تحبين هاجر صح ..


هزت رأسها وهي تحاول ان لا تبكي .. استطرد ميثة وهي تنظر لها من المرآة الامامية : عفيه ع خلوود الشاطرة ..


اذن الفجر وهي في الطريق الى منزل اخيها .. هربت حتى لا تواجه راشد .. فهي ليست بتلك القوة لتواجه اخيها الاكبر .. تعلم بانه سيقسم عليها ان تبقى .. وسيمنعها .. وقد يغضب منها .. وهي لا تريد هذا التصادم .. كل ما تريده هو الابتعاد فقط .. ولو كان منزلها خاليا لما ذهبت لمنزل احد ..

,‘،

جاءه النبأ اخيرا .. لم يفكر دقيقة واحدة .. كل ما اراده هو ان يصل الى والده .. ركب طائرتهم الخاصة .. كان يرى الدقائق والثواني واقفة .. متى سيصل .. الافكار تعصف بذهنه كأعصار اقتلع كل اتزان فيه .. اخيرا وصل لارض الوطن .. حث الخطى ينجز كل شيء بسرعة .. استقبله سائق والده الخاص .. بدون اي تفكير : خذني عند ابوي ..


وصل ببنطلون جينز وقميص ابيض .. ازراره العلوية مفتوحة .. مشى مسرعا والهاتف على اذنه .. يسأل عن مكانهم .. تراء له سيف فابعد الهاتف وهو يقول : اشوفك .

هرول ناحيته : ليش ما خبرتوني .. شو تتريون .. تتريونه يموت وبعدين تقولون لي ..


- هدي اعصابك يا فيصل .. ابوك بخير ما فيه شيء ..

- الاخبار اللي وصلتني تقول غير هالكلام .. على شو ناويين وانا بعيد ..

استغفر ربه : منو اللي يوصل لك الاخبار ..


وين ابويه .. قالها وهو يترك المكان مسرعا .. الى حيث تتجمع اخواته .. الى تلك القاعة المخصصة للشخصيات الهامة .. وصل .. فتهافتت الانظار عليه .. تقدم بخطى متوجسة الى امه القابعة على ذاك الكرسي .. جثى عند قدميها : امي .. كيف ابويه

- له الله يا فيصل .. له الله ..


تقدمت جواهر من اخيها : ابويه بيخلينا .

وضع كفيه على كتفيها .. وابتسم مجاملة : لا ان شاء الله – التفت الى والدته الجالسة بين رنيم ورشا – ما شفتوه ؟


هزت رنيم رأسها بلا .. تلفت يمنة ويسرى .. يبحث عن آخر العنقود في عائلته .. لا أثر لها .. سأل عنها : وين جود ؟


كانت هني .. هذا كان جواب جواهر على ذاك السؤال .. اما هناك فالخارج حيث كان سيف يتحدث بانفعال في هاتفه .. كانت جود واقفة .. تستمع .. وقلبها يحترق على حبيبها .. تقدمت نحوه حين انهى مكالمته : منو اللي دمر ابوي ؟


كانت عيناها مليئتان بنظرة غريبة .. نظرة جامدة .. لم تبكي كالاخريات .. فقط تستمع لنحيب اختيها رشا وجواهر .. وتقرأ صمت أمها .. ودموعها التي لا تهدأ ..

قال باستنكار : شو تقولين ؟

- منو اللي دمر ابوي ؟


كانت تنظر لعينيه اللتان تتهربان من النظر لعينيها .. اعادت السؤال : منو دمر ابـ...

اذا بيد فيصل على كتفها تقطع سؤالها : حبيبتي يالس ادور عليج .. ما اشتقـ...


التفت حيث صوت رنيم تناديه : فيصل الحق .. الدكتور يطلبك .. بسرعه ..


جرى مسرعا وجرت خلفه جود ..هناك لا شيء سوى سرير ابيض وجسد متعب .. قد قيد بالكثير من الانابيب .. والكثير من الاسلاك .. وصوت جهاز يخترق هدوء الغرفة .. دخل .. يدنو من والده بخطى خائفة .. هاهو أمامه .. انحنى ليقبل رأسه : سلامتك يالغالي ..

نظر اليه دون ان يحرك رأسه .. فقط حركة من عينيه . وبصوت متعب : فيصل .. امك .. وخواتك .. امانه فرقبتك


هز رأسه يمنة ويسرى : لا تقول هالكلام .. انت بتبقى فوق روسنا ..

خفت صوته حتى لا يكاد يسمع .. قرب اذنه من فاه : رشا

قال : شو بلاها رشا .. ابويه تسمعني .. شو بلاها رشا ..

- دير بالك عليها .. سيف .. سيف ..



صرخ جهاز القلب معلنا النهاية .. دخلوا الاطباء مع بعض الممرضين .. حاولوا ان يبعدو فيصل عن والده .. الذي اخذ يهزه وهو يصرخ : شو فيه سيف .. ابويه رد علي .. شو بلاه سيف .. خلوني .. ابوي هذا .. ما دخلكم ..


ابعدوه بقوة .. وقف خارجا ينظر الى ما يفعلون من تلك الفتحة في ذاك الباب .. رأى انعاشهم له .. مرة .. اثنتان .. ثلاث .. لا فائدة .. كانت يده تلامس ذاك الباب وكأنها تلامس وجه والده .. ابتعد خطوتان حين رآهم يغطونه .. ايقن حينها ان كل شيء انتهى .. وان الغالي لم يعد على قيد الحياة ..

,‘،

في انتظاركم











,‘,
ليش ما منعتيني يا شهد .. ليش ؟.. كان يعيد في هذه الجملة مرارا وتكرارا .. وهي بجانبه على السرير واضع رأسه في راحتيه .. لفت بذراعها على كتفيه .. وانحنت قليلا برأسها تحاول أن تنظر لوجهه : حبيبي .. انت قلت سلمان قالك انك بخير .. ليش خايف .


وهو على حاله : سلمان ما سألني اسئلة مثل الدكتور عادل .. مادري ليش .. يمكن نسى .. ويمكن لانج اخته .. وخاف عليج وكان كل همه يتأكد .. مادري


قامت من على السرير لتجلس على ركبتيها امامه .. انزلت كفيه .. ومسحت بكفيها على وجهه .. وعيونها بدأت تغرق بمياهها المالحة : مب فاهمة عليك .. التحاليل ما فيهن شيء .. وهذا هو المهم ..


امسكها بقوة من كتفيها .. كانت حركته مفاجأة .. ارجفتها .. نظر بخوف لعينيها اللتان هلتا دمعهما : تضاربت مع الريال تقريبا من شهر .. والمرض ما بيبين بهالسرعة .. ع الاقل لازم اكون كملت 6 اسابيع ع العدوى .. وانا ما كملتهن .. قالي الدكتور عادل .. ان هالشيء صعب يبين .. فهمتيني ..

ارتجفت شفتاها : يعني شو ؟

مسح دموعها التي انسكبت .. وطبع قبلة على خدها ووجهها بين كفيه : يعني مالنا الا الصبر .. والدعاء ..

والنتيجة؟ ...سؤال طرحته على طارق .. ليعم الصمت ارجاء الغرفة الباردة لدقائق .. قام واقفا .. تنهد وكأنه يخرج ركام اياما مضت اتعبته : مب اكيده ..


الله اكبر .. الله اكبر .. صدحت مكبرات الصوت بأذان الفجر .. قامت واقفة .. تنفست الصعداء .. واذا بها تقف امامه وتمسك كفيه .. وقد رسمت على وجهها الطفولي ابتسامة انسته بعض مما هو فيه : قل لن يصيبنا الا ما كتب الله لنا .

ابتسم لها : كبرتي فعيني يا شهد ..

اقتربت اكثر واضعة رأسها على صدره : خلنا نقوم نصلي الفير ... وربك فوق ما ينسى عباده .


لفها بذراعيه .. فسقطت دمعة من عينها .. كانت تقوي نفسها لتقويه .. وفيها خوف قد بنى خيمته وشد اوتادها .. خوف من القادم .. ومع هذا فيكفيها طارق .. الشخص الذي احبها واحبته مع الوقت .


كانت نفسه تحدثه ان كل شيء سيكون على ما يرام .. مر على غرفة اخيه عمار .. طرق الباب ودخل ..كان يغط في نومه .. لا يشعر بشيء .. متدثر بلحافه .. واذا به يقوم مرتعبا جراء صرخة طارق في أذنه : قووووووووووم

قام مفزوعا .. وطارق يضحك عليه : اعوذ بالله .. شو بلاك ؟ شو مستوي .

قهقه .. ومن بين ضحكاته : قوم نصلي الفير فالمسيد .


سحب الوسادة واذا به ينهال ضربا بها على طارق الذي قام يحمي نفسه بذراعه وهو لا ينفك من الضحك : غربلات بليسك .. بتجلطني ..

سكن وبعدها انفجر ضاحكا : اللي يشوفك يقول انك اصغر مني .. استغفر الله العظيم .. هذا وانت معرس هذي تصرفاتك ..

قام واقفا سحب الوسادة من يد عمار ورماها عليه : قوم .. بترياك تحت .. اكييد ابوك سابقنا فالمسيد ..

مسح وجهه بكفيه : ان شاء الله الحين بلحقك

ما ان خرج طارق حتى ابتسم عمار وتمتم : الحمد لله اخيرا رجع .. بس امووت واعرف شو اللي كان مغيرنه ..


اوقفت سيارتها .. بعد عناء طريق طويل .. البنات غلبهن النوم .. وعلياء ترتجف وتأن .. لا تعلم الى اين سياخذها هذا القرار .. ترجلت من السيارة .. لا تعرف ماذا تفعل مع بناتها .. قررت اخيرا ان تتركهن نائمات .. مشت الى الباب الرئيسي .. وقبل ان ترن الجرس اذا به ينفتح على مصراعيه .. وطارق ينظر لداخل : بسرعه يا عمار بتفوتنا الصلاة .

التفت واذا بها امامه .. توجسس : عمتي .. خير .. شو اللي يايبج فهالساعة .. البنات فيهن شيء ؟

نزل الدرجات بخفة .. حتى وصل اليهما : عمتي !

ميثة : ما في شيء .. بس ياليت تساعدوني .. البنات فالسيارة .. وانا ما في حيل ادخلهن .

امسكها من يدها : حياج عمتي - التفت لطارق - طارق شوف البنات .


كان منظرها يوحي بان هناك امرا عظيما .. فيكفي زيارتها التي تثير الريبة في هذا الوقت الباكر .. وصل للسيارة .. فتح الباب فاذا بعيناه وكأنهما ستخرجان من مخدعهما مما رأى .. جسم ناحل .. ووجه شاحب .. وارتجاف واضح .. سم باسم الله وحملها بين ذراعيه .. اسرع بها الى الداخل .. ومن ثم الى غرفة ريم .. نادى شهد لتبقى مع عمته ريثما يعودان من المسجد .. الجو غريب في ذاك المنزل .. الامور بدأت تتغير.. دقائق من خروج عمار وطارق من المنزل .. حتى اكتظت غرفة ريم بالنساء .. جالسة على السرير بجانب ابنتها .. وخلود وحصة قد فُرش لهن على الارض .. كانت الاصوات كفيلة بان تحرك حصة .. وتجعلها تتقلب في فراشها .. فمريم لا تنفك تسأل ميثة عن الاسباب .. ولا يوجد على لسان ميثة الا جملة : ما في شيء .


وضعت هاجر يدها على كتف أمها : امايه .. خلينا نطلع .. عشان عمتي ميثة ترتاح .

بالفعل قامت مريم .. وابتسمت شهد الواقفة بجانب الباب لعمتها التي اخذت تتحوقل وهي خارجة .. اما هاجر فوقفت قليلا تنظر لعلياء التي في عالم آخر ولا تعلم من امرهم شيء .. ابتسمت على مضض لعمتها ميثة : نورتي بيتنا عموتي .

ارغمت شفتاها على الابتسام : تسلميلي فديتج .


خرجت واغلقت الباب من خلفها .. الى الآن ووالدها لا يعلم من أمر عمتها شيء .. تنهدت وهي واقفة في الممر وناظرة لغرفة طارق .. وبصوت اقرب للهمس : الله يعينا .. بتبدا مشاكل يديده ..

كانت ستحث الخطى لغرفة طارق .. فوجود شهد بينهم بين ليلة وضحاها شيء مستغرب .. ولكنها فضلت ان تدخل غرفتها .. ارتمت على سريرها ناظرة لسقف .. الساعة لا تزال السادسة .. بدأ صوت العصافير يعلو عند نافذتها .. التي لا تنفك من الاتساخ ببقايا فضلاتها .. حمدت الله انها قدمت آخر امتحان بالامس .. فهي موقنة بان هناك مشاكل في الطريق .. غيرت من نومتها .. لتنام على جانبها الايسر .. حاظنة وسادتها تحت رأسها .. تفكر في مستقبلها .. هل سيقتنعون بقرارها بالسفر ؟ .. هذا السؤال اصبح لا يفارقها .. هي تدرك ان امامها سنة أخرى بين عائلتها .. ولكن لا بد من التمهيد حتى موعد التنفيذ ..


مر الوقت وهي تحاول ان تنام قليلا .. ولكن النوم لا يرغب بزيارة جفونها .. المكان هاديء .. فجأة اذا بها تسمع خطوات خارج غرفتها .. بعدها طرقتان خفيفتان على بابها .. اذنت لطارق بالدخول وهي تعتدل منزلة ساقيها عن السرير وجالسة .. ابتسمت وهي ترى عمار يطل برأسه : شو صار ؟

دعته لدخول .. اغلق الباب ووقف مستندا عليه .. واعاد السؤال من جديد .. لتجيبه : ما صار شيء .. عمتي شكلها تعبانه .. وما تريد تتكلم الحين .... ابوي وين ؟

- مادري .. طلع قبلنا من المسيد .. يمكن راح العزبة .


مشى وسحب كرسي مكتبها الخشبي وجلس عليه بشكل عكسي .. ومربعا ذراعيه على حافة ظهره : بعدج مصرة على اللي فراسج ؟

توترت قليلا .. لقد ظنت انه يسألها عن السفر .. وانه لا يزال يذكر تلك الكلمة التي قالتها على الغداء .. ولكنه بدد توترها حين استطرد قائلا : يعني ما بتسحبين شيء من المواد ؟


تنفست الراحة .. واجابت : لا .. اريد اخلص السنه الياية .. لا تخاف علي .

رأسها صلد لا يلين .. لا يعلم من اين اتت بكل هذا العناد فجأة .. خرج وهو يتمنى ان تتراجع .. خائف عليها .. ومن تغيرها من النقيض للنقيض .. فهي ليست هاجر المرحة الضاحكة .. شقيقته الوحيدة .. احيانا يود لو انه كان قاسيا .. ليجبرها على التراجع عما في رأسها . ولكنها مجرد امنية .. فقلبه رقيق برقة قلب والدته مريم ..


بعد ان خرج .. قامت من على سريرها .. فتحت جهازها .. ومباشرة قادتها اصابعها الى صفحة المسافر .. لا تعلم لماذا تهتم لأمره .. ولماذا الخوف بدأ يسيطر عليها تجاهه ... فهو لم يعد يكتب .. اشتاقت لردوده على تغريداتها .. عمدت لتكتب تغريدة جديدة : الحياة مفارقات .. ونحن نمشيها دون ان ندرك ما تخبئه لنا .


ارسلتها .. ثم انزلت الصفحة لتفتح أخرى .. موقع الجامعة .. تأملته قليلا .. لكن سرعان ما ابدلتها بصفحة " قوقل " .. تأملتها لفترة .. تكتب وتعود لتمسح .. لا تعرف ماذا تفعل .. كانت تتسلى بالبحث من اجل دراستها .. ولكن الآن لا يوجد سوى " تويتر " .. اغلقتها .. وعادت لصفحتها الاولى .. جددتها ..لحظات واذا بها تفتح عيناها بصدمة .


,‘,

ليست بأقل من صدمة فيصل بوفاة والده .. ترك المكان .. يجر الخطى المثقلة باحزان الفقد .. ولج لتلك القاعة حيث امه واخواته .. مشى خطوتان .. ثم توقف .. محجر عينيه مليء بالدموع .. تجول بنظره .. تلك رشا جالسة دون حراك كما هي منذ ان رآها عند وصوله .. وتلك امه .. التي اصبحت ارملة .. تساءل كيف ستكون ردت فعلها .. اوقف نظره على جواهر .. كانت ملتصقة بوالدتها ومقربة لها من صدرها وذراعها يحتوي كتفيها .. ودموعها تنسكب .. وهناك تقف رنيم .. مستندة على الجدار .. مكتفة ذراعيها على صدرها .. ونظرها للارض .. وشعرها تدلى على جبينها .. اكمل تجوال عينيه .. ليست هنا .. لا يراها امامه .. تنفس وكأنه ارتاح لعدم وجودها .. رفعت رنيم رأسها . ونطقت بأسمه . لترتفع الرؤوس .. وتحدق النظرات على وجهه المشرأب بالحزن .نطقت ميره من بين دموعها : سالم


سكتت وكأنها لا تريد أن تكمل .. او لعلها ارادت خبرا مغايرا لما في رأسها .. هز رأسه مطوحا له .. كان ذاك الاهتزاز كفيلا ليدع دموعه تنساب بحرقة على وجنتيه وتتسلل عبر شعيرات وجهه الخفيفة .الصدمة قوية .. لا كلام .. سوى نحيب من جواهر التي ارتمت في حظن والدتها المفجوعة بموت شريك حياتها .. كانت ساكنة .. الصدمة الجمتها .. لا تتحرك .. وغير آبهة بالجسد المرمي في حظنها .. فجأة اذا به ينحني للامام بخفة ... هناك من دفعه من الخلف .. طوقت ذراعيها على خصره .. ودفنت رأسها في ظهره .. وكأنها بذاك الفعل تتذكر والدها قبل خروجه من المنزل .


من بين الصمت صرخت : لاااااااا .. مستحيل ..

مشت اليه .. هزته من كتفيه وهو لا يتحرك : ابويه ما مات .. فيصل .. لازم اقوله اني احبه .. انا عمري ما قلتله اني احبه .. فيصل قول لهم اريد اشوفه .. لازم يسمعني .. لازم يعرف اني احبه – هدأت وشهقاتها اضحت متعبة – اريده يحظني .. اريده هني ..


فجأة من خلف سكونها البسيط .. احتقنت بالغيظ .. واذا بها تنهال ضربا على جود المتمسكة بفيصل : كله منج .. انتي السبب .. انتي اللي قتلتيه .

حاول ابعادها .. لكنه لم يقوى .. والاخرى متشبثة به .. قامت جواهر تحاول ابعادها وهي تبكي وتصرخ : خلاص يا رشا ..

تسحبها من وسطها .. واذا بها فجأة تخر على الارض.. مسقطة معها جواهر .. التي افترشت الارض .. دخل سيف .. الذي اسرع لها .. وهي في حجر جواهر .. يحاول ان يوقضها .. ولكن لا فائدة .. لحظات واذا بالمكان يمتلأ بالممرضين .. وسرير طبي .. نقلوها من المكان وسيف ممسكنا بيدها لا يريد ان يفارقها ..


جلست على الارض بتعب وهي تنظر لجواهر الجالسة على الارض دون اي حراك .. ولفيصل الواقف كالصنم .. ولوالدتها التي لم تنطق الا بأسم سالم .. بكت وتمتمت : حتى انا اريد اقوله اني احبه .. حتى انا – رفعت رأسها لفيصل – والله احبه .. اريده يسمعها مني ..


وضع راحتيه على عينيه ماسحا لدموعه : انا لله .. وانا اليه راجعون ..


حاول ان يستجمع قوته .. فهن كسيرات بحاجته .. حاول ان يفك ذراعي جود من على وسطه .. كان يشعر بدموعها تبلل قميصه .. حاول جاهدا .. وهي تشد اكثر مع كل محاولة .. لم تشعر بضربات رشا لها .. لم تشعر الا بكلمات الاتهام .. كانت تتردد : انتي السبب .. انتي السبب .. انتي السبب .


استسلم .. فمحاولاته لا طائل منها : جود .. خليني .. امي وخواتي بحايتي ( بحاجتي )


كان يترجاها .. فجأة ارتخت ذراعاها .. وابتعدت بضع خطوات للخلف .. لم تنظر الا للارضية البيضاء .. كانت تسمع فيصل يكلم والدتها .. يصبرها .. وكانت الاصوات تخفت رويدا رويدا .. لم يهتموا لها .. تركوا المكان وهي لا تزال واقفة مكانها .. تشعر ببرودة اطرافها .. تشعر بصقيع يفتت عظامها .. مرت الدقائق تسحب خلفها الكثير من الدقائق المتسارعة .. وعندها وكأن الزمن توقف .. صوت ممرضة واقفة بجانبها يتهادى متذبذبا الى مسامعها .. فجأة ارتجفت حين وضعت يدها على كتفها .. نظرت الى تلك الممرضة بنظرة حاقدة بعض الشيء .. ابتعدت عنها وكأنها افاقت من كابوس ما .. جرت مسرعة من تلك القاعة .. تحت نظرات تلك الممرضة التي يكتنفها الاستغراب .


اما هناك بجانب احدى الغرف كان ينتظر خروج اي احد يطمأنه عليها .. كان يطوي تلك المسافة القصيرة امام الباب ذهابا وايابا .. كان خائفا عليها .. وهاتفه لا يهدأ من الرنين .. اغلقه بقوة .. وكأن به يبعثر غضبه على زر الاغلاق .. رماه في جيب ثوبه .. التفت حين فتح الباب .. اسرع الى تلك الطبيبة المتوشحة بحجاب ابيض .. ويبدو على وجهها انها تناهز الاربعينات من العمر .. تقدم وبخوف : طمنيني عليها .

اجابته بلهجتها المصرية الحانية : الحمد لله .. المدام بخير .. وربنا يعوضك فالجنين .


تسمر وكأن دلو ماء بارد اريق على جسده .. جنين .. كان هناك جنين في احشاء رشا .. اجتاحته لوعة غريبة .. احس بشيء ما يطعن قلبه .. كان سيصبح ابا .. ولكن كل شيء اصبح ماضيا ..



,‘,

Continue




,‘,



بعكس الحزن الذي سيطر على حياة عائلة فيصل كان هناك فرحا في منزل عائلة احمد .. كانت اسبابه منبعثة من قلب سارة التي ما ان دخلت المنزل حتى اخذت تصرخ بفرح لا متناهي .. اخيرا انتهت من هم الدراسة كما كانت تقول .. فهي تظن ان المدرسة والدراسة متعبة جدا .. جلست في الصالة بعد تلك الكلمات التي سمعتها من والدتها وهي تنهرها بسبب صوتها العالي في المنزل .. كانت ممسكة بقلم وورقة .. تكتب وهي مبتسمة .. جاءت لها العنود وبيدها تلك الاوراق المضرجة بالاحمر والاسود : تلعبين ورق ؟

رفعت راسها .. وبحماس شديد : وليش لا .. هاتي


مدت لها بالاوراق .. واخذت تحركهن بين يديها بحرفية متناهية .. وبسرعة وزعتهن بينها وبين العنود .

شو كنتي تكتبين ؟ .. سؤال طرحته العنود عليها .. لتجيب بفرح وهي ترمي باحدى الاوراق من يدها : خطة الاجازة .. بقول لنصور عنها .. لانه هو اللي بينفذها لنا .


دخل ناصر بلباسه الرسمي .. وذاك القميص ذو اللون الرمادي قد فكت ازراره العلوية .. رمى بقبعته الحمراء على سارة : شو بلاه نويصر بعد .

تركت ما بيدها متوجهة لاخيها .. الذي جلس على الارض بتعب ساندا ظهره على احدى الوسائد .. اقتربت منه .. واخذت تدلك ساقيه وهي تقول : فديت اخوي .. اكييد تعبان .. خلني اهمزك ( ادلكك )


انفجرت العنود ضاحكة : الله ع الحايه .. اللي تسوي فيج جذي يا سويره هههههههه

ناصر : وانا اقول ما في شيء لله ..

تلعثمت : لا لا منو قالك اصلا .. بس تدري اجازة .. يعني يبالنا طلعة مني مناك .. والا شو رايك ؟


سحب ساقيه .. وقام واقفا وهي تنظر اليه رافعة رأسها حيث لا تزال جالسة : يصير خير .. بروح اتسبح ..

مشى مبتعدا وفجأة توقف .. حين اقبلت والدته .. تقدم منها مقبلا رأسها : امي جهزي عمرج الاسبوع الياي لعزيمة عودة .

دون شعورا منها قالت : احمد بيرد من السفر ؟


انزل رأسه .. وكأن بتلك الجملة تلاش الفرح من قلبه : لا .. بس بترقى .. وبعلق النجمتين .

تداركت الامر .. وقامت تبارك له وتقبله : عقبال ما افرح فيك معرس يا ناصر .


بعد تلك الفرحة التي ملأت قلب ام احمد .. قالت بشيء من الجدية : ناصر .. شوف اختك .. ترا ابوك كل شوي يسألني شو رايها بولد عمها .. وكل ما اسألها تقول بتفكر .. ترا والله طولنا عليهم .

- ان شاء الله بشوفها .. بس سمعيني يا امي .. ترا روضة مب مجبورة .. واتمنى انكم ما تغصبوها ع شيء .. وافقت كان بها .. ما وافقت الله بيكتبها النصيب مع غيره .




" شوفي يا بنت الناس .. لا تبنين حياتج على زيف الحروف .. اللي عرفته من رسالتج انج بعدج تدرسين فالجامعة .. وان اغلب وقت بريكاتج تقرين فيهن مقالاتي .. يعني لو عندي بنت بتكون بعمرج .. يا بنتي خلي وقت بريكاتج لشيء ينفعج فدراستج .. ولا تتعلقين في كم كلمة كتبتها .. ما كنت برد على رسالتج .. مثل باقي الرسايل اللي وصلتني منج .. بس لو ما رديت كنتي بتبقين عايشه فوهم اسمه حب ..الحب ما يكون من كم حرف منمق .. الحب عشرة .. سامحيني يا بنتي .. بس اذا كانت مقالاتي بتسبب معاناتج فاقولج من الحين تركيها."





هذه المرة العشرون التي تقرأ فيها تلك الرسالة .. كانت تقرأها وهي تهز كيس الـ " m&ms " الاصفر .. لتدحرج الزرقاء والحمراء في كفها .. ومن ثم تنزلق على لسانها .. لتهشمهن اسنانها دون رحمة ..


اغلقت جهازها على عجل حين فتح الباب بعد طرقة خفيفة عليه .. ازاحته من على حجرها .. ابتسمت لاخيها الذي اقترب منها : ليش يالسه بروحج هني .. ؟

سحبت ساقيها حتى يجلس ناصر على السرير : ولا شيء .. بس كنت افكر .

فذياب ؟ .. سؤال من شأنه ان يجعلها تعتدل في جلستها .. وتضع الكيس من يدها على الكوميدينة : ما اتصور اني بكون حرمته .. صح انه ريال والنعم فيه .. بس

باهتمام منه : بس شو يا روضة ؟ .. اذا انتي مب موافقة محد بيجبرج .


هزت رأسها بعشوائية سريعة :لا .. مب قصدي .. انا صليت استخارة اكثر من مرة .. وكل مرة احس قلبي يرتاح اكثر .. بس

- رجعنا للبسبسه .


ضحكت ليضحك معها : هيه جذي ضحكي .. وبقولج شيء .. ذياب اعرفه زين .. ربيت وياه .. والصراحة بقولها لج .. ذياب بيحطج فعيونه الثنتين .. ما اريد كلامي يأثر عليج .. بس اللي اشوفه انج موافقه بس متردده .. وترا من حقج تشوفينه وتتكلمين وياه بعد .. لا تستحين منه .. لان من حقج هالشيء – قام واقفا – الحين بخليج .. تراني هلكان .. بروح اكلي لقمة وبرقد .


تركها .. لترجع وتسبح في بحر افكارها من جديد .. الكلام المادح له الذي يصلها من الجميع جعلها ترتاح كثيرا .. وايضا كلام المغترب لها .. ايقنت به انها لم تكن تحبه هو .. في كل مرة تقرأ فيها رسالته تلك .. يزداد يقينها بانها لم تحب الا حروفه المنسابة على تلك الجريدة .

,‘,


تناولوا الغداء .. واجتمعوا في تلك الصالة الصغيرة .. الجميع هناك .. ما عدا شهد .. وعمار الذي ذهب ليقدم اخر امتحان له لهذا الفصل .. الساعة تقارب الثالثة عصرا .. وميثة تشعر باحساس غريب وهي بين عائلة اخيها عبد الرحمن .. احست براحة تجمعّهم .. تلك الراحة التي لم تكن تحسها وهي في بيت راشد .. كانت هاجر جالسة بجانب طارق وملتصقة به تنظر معه لشاشة هاتفه التي تعرض فيديو لشيء مضحك .. اما مريم فكانت جالسة قبالة عبد الرحمن تسكب له فنجان قهوة .. الذي بادرميثة بسؤالها : شخبار عليا الحين ؟ اذا محتاية مستشفى لا تترددين .. انا هني وطارق .


نظر طارق لهم عندما سمع اسمه : اكييد ما يبالها – ترك هاتفه لهاجر واعتدل في جلسته – وين خلود وحصة ؟

ابتسمت : شهد يزاها الله خير .. خذتهن عندها .. قالت بتلعب وياهن شوي .


كل شخص فيهم كان يتمنى ان يعرف الاسباب خلف خروج ميثة من منزل راشد .. ولكنها لا ترغب في الحديث عن الامر .. حتى عندما سألها عبد الرحمن .. وبسبب الحاحه عليها .. ما كان منها الا ان تقول : اذا ما تبوني بطلع .


كانت تلك الجملة كفيلة ان تلجمهم عن السؤال ثانية .. فجأة اذا بشخص يقتحم المكان .. ليقف الجميع مشدوهين النظر اليه .. كان يصرخ مزمجرا : ياللي ما تستحين .. جذي اطلعين بدون كلام ولا علام .


تكلم عبد الرحمن محاولا تهدئة راشد : السلام لله يا اخوي .. شو بلاك هاجم علينا .. وتراها ما راحت لبيت غريب .. هذا بيت اخوها بعد .

اخذ يشير اليها بيده : اختك هذي قليلة ادب وما تربت .

صرخت في وجهه : والله اللي رباني رباكم ..

عبد الرحمن : يا ميثة اقصري الشر – امسك اخيه من ذراعه – تعال وياي يا بو سعيد .

سحب يده : هدني يا عبد الرحمن .. البنت السنعة واللي متربية ما تطلع بانصاف اليالي .. وكانها شاردة من سجن .. خبريني بشو قصرت وياج .. دستلج ع طرف فيوم عشان اطلعين من البيت بهالشكل .

رن هاتف طارق .. وتحملق الجميع له . انسحب من المكان .. اما هاجر فوقفت بجانب والدتها ..


ميثة : ما عليك الا بياض الويه يا بوسعيد .. بس غيرك ما صان حرمة البيت .. يا بوسعيد ولدك ما خاف ربه فبناتي .. ولدك ما سوى اعتبار لعمته .. ولا سوى اعتبار لابوه .

تقدم منها حتى باتت انفاسه الغاضبة تلفح وجهها : ما اسمحلج تيبين طاري واحد من عيالي بالشينه .

عاد عبد الرحمن ليمسك راشد من ذراعه .. والتفت لمريم : خذي ميثة فوق يا مريم .. تعال يا راشد وياي .


صرخ من جديد : هدني يا عبد الرحمن .. خلني اعلمها واربيها من يديد .

نطقت هاجر : التربية ما اتيي ع كبر يا عمي .

صرخ عبد الرحمن على ابنته : يوم يتكلمون الكبار الصغار يسكتون ..


اغتاضت وانسحبت من المكان .. اما مريم فاخذت تحاول في ميثة لتترك المكان لكن بدون اي طائل .. اخذ الصراخ يعلو من جديد بينهما .. يقول كلمة وترد عليها بعشرة من مثلها .. كانت كالبوة التي تدافع عن جراءها : ما برجع للبيت اللي دمر بنتي يا بوسعيد .. وبدال ما ياي تصب غضبك ع راسي .. روح اسأل ولدك شو سوى .. اسأله كيف وصلت عليا لهالمواصيل .. وبعدين تعال كلمني .. والله ونذرا علي يابو سعيد بيتك ما عاد ادخله .


انسحبت من المكان .. وسط هيجان راشد .. كانت كلماتها مبهمة جدا .. من تقصد ؟ .. كان سؤالا يتردد في ذهنه .. ترك منزل عبد الرحمن والغضب لا يزال يجتاحه .. اما ميثة فجلست على السرير واخذت علياء في حظنها .. فتحت عينيها المتعبتين : امي .. لا تخليني بروحي .

شدتها اكثر الى حظنها : ما بخليج .. ما بخليج .

فتح الباب على مصراعية : شو اللي سمعته من شوي ؟


ارتجفت خوفا بين يدي والدتها .. التي بدورها شدتها اكثر واحتضنتها بقوة . اردفت : شو اللي صار لعليا عموتي ؟ .. اذا مثل ما فهمت .. لازم ما تسكتين .. عليا باين ان اللي فيها مب حمى وبس ..


- هاجر طلعي برع .. ما اريد اتكلم فاي شيء .. الله يخليج طلعي .

اقتربت منها وهي تؤشر لعلياء : عايبنج حالها .. اذا عايبنج حالها .. فهو ما عايبني .. ولازم تشتكين ع اللي وصلها لهالمواصيل .. واللي افتعل فيها( اغتصبها ) .

- اص .. سكتي يا هاجر – بدأ صوتها يتهدج – يا رب ما يكون فيها شيء .. يا رب ما يكون فيها شيء .. ما بسامح عمري اذا افتعل فيها النذل .. وربي ما بسامح عمري ولا بسامحه .


اما راشد فهاهو يدخل منزله في قمة غضبه .. ينادي باعلى صوته على ابناءه الذكور : سعيد .. عبدالله .. بدر .. مايد .. وينكم ؟

كان واقفا باسفل السلم .. ونظره للاعلى .. خرج سعيد من الصالة ووقف بخوف : شو صاير ؟

- وين اخوانك ؟ - رجع لينادي – عبدالله .. بدر .. مايد .

خرج الجميع .. نزل بدر الدرجات حتى وصل عند والده .. اما مايد فوقف في منتصف السلم .. فاطمة وريم تقفان هناك بخوف في الاعلى .. اما ام سعيد فوقفت بجانب سعيد .. كان الرعب مسيطر عليهم

زمجر من جديد : وين عبدالله ..

لا اجابة تصله .. فاستطرد : منو منكم اللي تعدى حدودة وييا ميثة وبناتها ؟

حين لم يصله اي جواب .. صرخ : تكلموا ؟

ارتجف مايد في مكانه .. ونظر له بدر .. ثم وجه نظره لسعيد : ابويه شو مستوي ؟

- انا اللي اسألكم .. منو فيكم اللي غلط على ميثة وخلاها تطلع من بيتي بهالشكل .. بتتكلمون والا شو ؟


ام سعيد : الله يهداك يا بو سعيد .. تشك فولادك اللي انت ربيتهم .. وليش ما تقول ان ميثة يالسه تتبلى على عيالي عشان تحطي اسباب لطلعتها بالهشكل مثل الحرامية .

تقدم سعيد من والده : امي صادقة يا ابوي ..

- لا مب صادقة .. ميثة ما تسوي هالسواه الا اذا شيء كايد مستوي ... بتخبروني بالطيب .. والا تبون تصرف ثاني وياكم .

سعيد : يمكن عبدالله .. تراه من امس مختفي .. محد يدري عنه شيء .. شكله خايف من سواته .

هزت ريم رأسها واخذت تردد : حرام عليكم .. حرام عليكم .. عبدالله ما يسويها .. حرام


امسكتها فاطمة من ذراعها .. وادارتها نحوها : انتي شو فيج .. واايد متغيرة .. وشو تقصدين باللي تقولينه .

رفعت عيونها المليئة بالدموع : حرام اللي تسونه .. الله يتكفل فيكم ..


سحبت ذراعها وجرت مسرعة لغرفتها .. ارتمت على سريرها .. تبكي بقوة .. وكأنها بدأت تفيق من غيبوبة الزوجة الطيبة السعيدة .. بكت وهي تردد : كلكم مثل بعض ما همكم الا نفسكم .. حرام عليكم ..

من سوء حظه انه عاد في تلك الساعة .. والاحتقان بالغضب قد سيطر على ارجاء المكان .. دخل وتحولت الانظار له .. القى التحية .. واذا به ينصدم من رد والده : الله لا يسلم فيك عظم ..

تقدم منه .. ليستقبلة بضربة على الوجه جمدته في مكانه : لا بارك الله فيك من ولد .. هذي سواه تسويها ..


مشت بعكازتها نحو زوجها .. ارادت ان تبعده عن ولدها الذي انهال عليه ضربا بيديه وهو ساكن في مكانه لا يتحرك .. وما كان به الا ان دفعها .. ليمسكها بدر .. وبعدها حاول ابعاد والده عن عبدالله .. يشده للخلف من وسطه : خلاص يا ابويه ..

- تفو عليك من ولد .


رفع عبدالله نظره محاولا ان يستوعب ما يحدث .. ازدرد ريقه : شو اللي مستوي ؟


هم ليضربه من جديد ولكن بدر حال بينهما : وتسأل يالخسيس – اخذ يأشر عليه فبنية بدر القوية تمنعه من الوصل لعبدالله – اطلع من بيتي يا مسود الويه .. اطلع ..

صرخت ام سعيد .. وامسكت بساقي زوجها .. تنظر اليه : لا يا بو سعيد .. لا .. الله يخليك هذا ولدك ..

لم يعرها اي اهتمام واخذ يردد تلك الجملة " اطلع من بيتي " .. وقف ينظر للجميع .. وتوقفت النظرات على سعيد .. فابتسم.. وكأنه يقول له .. انتصرت يا سعيد : انا طالع يا ابويه .. بس بيي يوم تعرف فيه انك ظلمتني ..


كل ذلك يحدث تحت انظار المجرم الحقيقي .. المجرم الذي توشح ثوب البراءة .. المجرم الذي عرف اخيرا حجم اجرامه .. لم ينبس ببنت شفة .. رأى عبدالله يغادر .. لطالما كان الاخ مهضوم الحق بينهم .. وهو كان الكل في الكل .. فهو اخر ابناء راشد .. المدلل .. اذا اراد شيء وصله دون معارضة .. انسحب وهو يرى والده قد انهكه الغضب .. يقوداه بدر وسعيد ليجلساه على احدى الارائك .. ولج الى غرفته .. اغلق الباب .. وجلس على الارض محتضنا رأسه بكفيه : شو اللي سويته يا مايد ..

,‘,

Continue









,‘,

" ستار بوكس " في احد المجمعات التجارية في دبي .. المكان لا يهدأ من الواردين اليه .. وهنالك رجلان يجلسان على احدى تلك الطاولات الدائرية .. وبخار القهوة يتصاعد منعشا المكان .. مسيطرا على الاجواء بعكس كأس " الموكا" الهاديء الا من بضع قطرات تكثفت على سطحه . رجل بدين يضع نظارات طبية على وجهه المكتنز بعض الشيء .. قال وهو يرشف من كأسه : الين متى .. وانت ترفض هالدورات .. تعرف كم دورة تدريب رفضت .. هذي الثالثة

انتشل كوب القهوة من مقعده .. وقبل ان يرتشف منه ويتلذذ بمذاقه : ما اقدر اخليه ..

- الين متى انزين .. العمر يمضي .. شوف اللي يوا عقبك ترقوا وسبقوك .. وانت بعدك مكانك سر .. تعرف كم عمر مديرك .. تعرف والا اقولك ؟

- 26 سنة .. ما في داعي تقولي ..

- يعني اصغر منك بـ 15 سنة .. ترضى يكون مديرك اصغر منك .


انزل الكوب وتنهد بتعب واضح : ما يهدالي بال وانا بعيد عنه .. ما يهمني الشغل كثر ما يهمني محمد .

طوح برأسه : اذا امه ما قدرت تتحمله .. تريد اهلك يتحملونه .. قلت لك خذه للمستشفى .. والا ييبله ممرضة تباريه وتهتم فيه .

- وتظن اني برتاح وهو هني وانا فديرة غير الديرة ..

- استغفر الله العظيم .. انزين وبعدين – باهتمام اكبر اردف – ليش ما تعرس ؟

- اسمعني .. حرمة ابو لمحمد مستحيل .. فاهم .. ولا اريد اسولف فهالموضوع .

- انزين ليش قفلت حساب تويتر .. ع الاقل كنت تتسلى فيه .. حرام كل عباراتك تروح بهالشكل .

- تويتر وغيره .. موقوفون حاليا .

- والله مادري شو اللي براسك يا سعود ..

- فراسي اشياء لو تنكشف لك بيشيب منها شعر راسك .



,‘,

منذ ان اوصلها الى منزله .. والقى بتعليماته على " روز " تلك الخادمة الفلبينية .. وهي لم تراه .. اوصلتها الى غرفته ذات الالوان الكئيبة .. بكت بحرقة .. فهي تشعر بانها غريبة في هذا المكان .. مر الصباح وهي مستلقية بعباءتها .. واتى الظهر .. وايضا لا تزال عباءتها لا تفارق جسدها .. فهي تشعر بالخوف ..حتى ذلك الاتصال .. وتلك الكلمات الكثيرة بينها وبين ايمان قبل صلاة العصر لم تأتي بالراحة لها .. تخاف ان تخرج من تلك الغرفة .. فهي لا تعلم من يوجد في هذا المنزل .. قد يكون هناك اخوته .. وقد يكون بينهم شباب .. من العيب ان تخرج .. فآثرت البقاء حبيسة تلك الغرفة .. قامت بكسل تتجول في انحاء تلك الغرفة الواسعة .. لم تحلم يوما بأنها ستكون في مكان كهذا .. الالوان موحشة .. ومساحات الغرفة الخالية تثير في نفسها خوفا من نوع آخر .. تابعت الخطى الى الغرفة الاخرى الملاصقة لغرفة النوم .. هالها حجم الدولاب الكبير .. وهي واقفة بين الغرفتين .. نظرت الى حقيبتها التي لا تزال قابعة بجوار ذاك الباب الخشبي البارد .. ثم عادت بالنظر الى ذاك الدولاب العملاق .. تلفتت وكأن بها تستطلع المكان .. فقلبها يقرع طبول خوف لا تهدأ .. وقفت أمامه .. مدت يداها المرتجفتان لتفتحه .. بانت لها الكثير من الملابس الرسمية .. قمصان وبنطولانات وبدل كثيرة .. اغلقته لتفتح جانب آخر فيه .. الكثير من الاثواب بشتى الالوان .. الداكن منها والفاتح .. اغلقته .. وتوقفت عن البحث خلف تلك الابواب .. وضعت كفاها على بطنها الذي بدأ يصدر اصواتا طالبا للطعام .. تتضور جوعا .. فهي لم تأكل شيء منذ الصباح .. لم يدخل جوفها سوى بيضة مسلوقة ورشفتين من الشاي بالحليب .. عادت الى السرير .. رمت نفسها جالسة عليه : شو سويتي بحالج يا خولة .. الحين من وين بتيبين اكل .. حتى الثلاجة ما فيها الا الماي .


كان نظرها على تلك الثلاجة الصغيرة في زاوية الغرفة .. اذن المغرب .. ها هي تسمع المؤذن ينادي للصلاة .. قامت لتنظر من النافذة .. فهي تشعر بأنها اخطأت باتجاه القبلة في الصلوات السابقة .. حمدت ربها وهي تتأكد من جهة الغرب ..


وهي على سجادتها اذا بطرقات خفيفة على الباب .. ارتعبت .. وطوت سجادتها بخوف .. تنفست بقوة وهي ترى روز وبيدها صينية تقديم .. تقدمت ووضعت الصينية على الطاولة الصغيرة الموجودة .. وبلغة عربية متكسرة : بابا يسوي اتسال .. يقول مدام كولا يطلع من الغرفة

ابتسمت على نطقها لاسمها وتمتمت : صرتي كولا يا خولة

سكتت روز عن الكلام .. ثم قالت : شو في ماما .

هزت رأسها وهي تقترب من الطاولة : ما في شيء .. وبعد شو قال

روز : يسأل اذا انت في ياكل شيء .. بعدين سار يصرخ .. مدام .. بليز لا يقول هزا كلام لبابا جاسم .

ابتسمت : لا تخافين .. تقدرين ترجعين بعدين عشان تاخذين الصينيه .


خرجت روز من الغرفة بعد ان اخبرتها ان جاسم لن يعود الى المنزل هذه الليلة .. اما خولة فشعرت ببعض الراحة .. يبدو ان جاسم مهتم لامرها .. مدت يدها تتناول شيء ما يسد جوعها .. ولكن الخوف من قدومه جعلها تكف يدها .. فهو قد يغير رأيه ويأتي .. لم تشبع ولكنها في نفس الوقت لا ترغب بالاكل .. مرت الدقائق عليها .. والخوف والتوتر لا يفارقانها .. كيف ستكون اول ليلة معه .. كلما جاء هذا السؤال عابثا في رأسها ارتجفت اوصالها .. الساعة تقارب العاشرة ليلا ..فتحت حقيبتها واخرجت لها ملابس نوم .. فيبدو ان جاسم لن يأتي .. ولا بأس من رمي تلك العباءة التي اتعبتها .. توجهت الى دورة المياه ( اكرمكم الله ) .. خرجت وهي تحاول ان تثبت شعرها للمرة المليون هذا اليوم .. فمشبكها قد كسر وهي نائمة .. سحبت حقيبتها الى ذاك الدولاب العملاق .. لا بد ان تجد لملابسها القليلة مكانا فيه .. وهي تقوم بذلك كانت هناك اعين ترقبها دون ان تشعر .. وقع المشبك من شعرها عندما كانت تحاول وضع بعض ملابسها على احد الرفوف .. لينساب شعرها الحريري الكثيف ضاربا اسفل اردافها .. صرخت : اووه .. والله ذلني هالشعر .. بيني يوم واحشه ( اقصه).


ابتسم وهو ينظر الى تلك المرأة التي تذكره بقصص امه بخيتة

كانا يركضان نحوها .. يهجمان عليها في كل ليلة .. عشر سنوات مضت وهما يتعلقان بها يوما بعد يوم .. جلس قاسم على يمينها .. وجاسم عن يسارها .. لفتهما بذراعيها : اذا ما بتعقلون .. ما بقولكم حزايه ( حكاية )

تحرك قاسم وهو يشير لجاسم : هو اللي دوم يتكلم .. ما يخصني .

- كذاب .. هو اللي ما يسكت ..

ضاقت ذرعا بهما : سمعوا .. ترا ما بقولكم حزاية بنت ملك الجان .. اللي شعرها يوصل للارض .

باندهاش طفولي قال قاسم : الله ..




ابتسم وهو يذكر ذهول قاسم من كلام امهما بخيتة ..وحدث نفسه : شوف يا قاسم وحده من بنات الجان وشعرها يوصل للارض .

اقترب بهدوء منها . وهي لا تشعر به .. كانت تغني بصوتها العذب :

يا شوق قلبي فؤادي يعشقك والله
لا تغيب عني وتنسا حلو ماضينا
ماعاد فيني حبيبي للهجر قله
اشواق قلبي تنادي لا يجافينا


كان يتقدم وعيناه تفترسان جسدها التي بانت تفاصيله بسبب ثوب النوم الناعم الذي ترتديه .. والذي اوضح ردفيها الممتلئان ..رفعت جذعها وهي تقف على اطراف اصابعها لتصل لاعلى رف وبيدها بعض الملابس المطوية .. اذا بها فجأة تتسمر في مكانها .. وتسكت شفتاها عن الغناء .. احتظنها من الخلف .. يداه تلامس وسطها .. انزلت قدميها على الارض بهدوء .. ومعهما انزلت ذراعيها اللتان اسقطتا الملابس دون ارادة منها ... امعاءها بدت تتلوى .. وانفاسها تجري مسابقة دقات قلبها .. حدثت نفسها : هذا ريلج يا خولة .. انتي حلاله .


كانت تريد ان تطمأن نفسها .. فملامسته لها افقدتها الاتزان .. وانفاسه التي تلفح رقبتها تكاد تحيلها الى رماد .. همس في اذنها : مثيرة .


لترتجف بين ذراعيه .. ولتحيلها تلك القبلة على رقبتها الى امرأة تطلب العفو دون صوت .


استيقظ عند الساعة الخامسة فجرا .. نظر اليها وهي نائمة كالطفل البريء .. حرك يده على شعرها الذي تتوسد جزء كبير منه .. لا ينكر ان ذاك الشعر اذهله بقوة .. ابعد الحاف .. وقام متدثرا برداءه .. لم يحكم ربطه على وسطه .. سحب له منشفة وتوجه لدورة المياه ( اكرمكم الله ) .. اطلق العنان لذاك الماء البارد لينساب عليه دون رحمة .. اخذ يحدث نفسه : شو صارلك يا جاسم .. استمتعت البارحه . لا تنكر هالشيء .. اول مرة تحس بالمتعة بهالشكل فسريرك .. حبيتها يا جاسم ..


هز رأسه حتى تبعثرت قطرات الماء يمنة ويسرى : لا ما حبيتها .. مستحيل حرمة تدخل قلبي .

عاد ضميره يحدثه : قالها لك قاسم قبل .. الحب ماله وقت .. ما نقدر نتحكم به .. فاي وقت يمكن يسيطر علينا .

مسح شعره للوراء حتى استقر كفاه على رقبته .. وقد شبك اصابعهما : لا .. مستحيل اضعف لاي حرمة .. مستحيل .


خرج بخطى مبتله .. لا شيء سيسكت ناره التي تتأجج في جوفه الا تلك الكرة الصغيرة .. ارتدى ملابس رياضية وخرج لارض المعركة .. ليحارب تلك الكرة حتى يتعب .. وحتى تصرخ عضلاته طالبة الراحة والاكسجين .. خرج بعد تلك الحرب التي استطاعت ان تخمد شيء من براكين روحه الثائرة .. رن هاتفه وهو في طريقه للاستحمام من جديد : الو .. لا حول ولا قوة الا بالله .. اكييد .. واجب علينا نعزيه .


,‘,

قصر ابو فيصل لا يهدأ .. الناس لا تنفك تأتي .. وميرة لا تعي شيء .. منذ صباح الامس وهي نائمة .. واذا استيقظت نادت باسم سالم .. وكأنها تراه مقبلا نحوها .. تفيق دقائق .. وتغيب عن الوعي بالساعات .. وجواهر لا تبرح غرفة والدتها .. يسوؤها منظرها .. ولا تستطيع ان تفعل اي شيء لها .. النساء يدخلن يقبلنها وهي لا تشعر بهن .. ويخرجن وهن يتحوقلن ..اما رنيم فجالسة بجانب رشا .. التي اتعبتها المهدئات .. تقوم صارخة : وين ابويه .. اريد ابويه .. خلوني اقوله اني احبه ..


رنيم وبرغم تماسكها .. الا ان كلام رشا يثيرها من الداخل .. فهي الاخرى لا تصدق ما حدث .. وسيف كل ساعتان يزورها .. يطمأن عليها .. هي حتى الان لا تعلم شيء عن جنينها الذي فقدته .. وجود اختفت يوما كاملا عن المنزل .. وعادت ليلا عند التاسعة الى المنزل .. كان مكتضا بالنساء .. نظرت اليهن وكأنها تبحث بين الوجوه عن والدتها او عن اخواتها .. تقدمت منها ميعاد ابنة خالتها .. وهي تشد على اسنانها .. وتمسك ذراع جود : وين كنتي لهالساعة .

- وين امي ؟

كانت نظراتها لميعاد جامدة .. حتى انها جلبت التوتر لها : فغرفتها .


تركت المكان راكضة على الدرجات .. فتحت باب الغرفة بهدوء .. هناك خالتها ام ميعاد .. وجواهر .. وصديقات والدتها المقربات .. ارادت ان تدخل ولكنها توقفت .. تذكرت تلك الجملة " انتي السبب " .. فعادت ادراجها للخارج .. لتنزوي في غرفتها .. دون ان تبكي .. فقط تنظر للفراغ بعيون جامدة ..


اليوم احد ايام الجُمع .. ومجلس الرجال لا يخلو .. كان يتلقى التعازي بقلب مكسور .. وبجانبه سيف واخيه طلال .. كان مسدلا " غترته " على رأسه .. فاذا بيد تصافحه .. وتقدم له كلمات العزاء ..وبعدها تحرك ليجلس في ذاك الركن البعيد .. وتلك النظارة ترقب الوجوه الحاضرة .. فذاك تاجر معروف .. وذاك قنصلا سابقا .. وآخر سفيرا .. الكثير من الشخصيات الهامة في البلاد .. وفجأة دخل الد اعدائه .. عبد العزيز ..الذي ما ان قدم العزاء حتى انتبه لابنه جاسم جالسا هناك .. مشى وجلس بعيدا عنه .. تناول فنجان قهوة من يد ذلك الشاب .. وتمتم : لو ادري ان جويسم هني كان ما ييت اليوم .


قام جاسم .. فلا يستطيع البقاء اكثر .. تقدم من فيصل .. وصافحه .. واذا به يقرب فاهه من اذن فيصل .. ليهمس له ببضع كلمات .. كانن كفيلات ليغيرن نظرة عيني فيصل .. رفع نظره لوجه جاسم .. وشد على قبضته اكثر .. وبنفس نبرة الصوت الهامسة : شو اللي قلته .

ابتسم : مثل ما سمعت ..


,‘,

ان شاء الله يعجبكم البارت








,‘،


رفعت رأسها المثقل .. لينسحب شعرها بهدوء على ذاك الفراش الناعم وملامسا جانب وجهها الحنطي البارد بسبب هواء التكيف .. شدت جذعها واذا بها تصرخ بصوت خافت .. فشعرها المتناثر يصرخ اسفلها لتنشد بصيلاته مع سحب جذعها .. لفته بعشوائية .. حتى كومته خلف رقبتها .. حركت رقبتها بخفة .. وابتسمت بخجل .. فليلة البارحة مخجلة بحق .. وجسمها لا يزال خير شاهدا على ما حدث .. عدلت ثوب نومها تحسست صدرها الذي بات الهواء البارد يلفحه بعنف.. اغلقت ازرارقميصها باطراف مرتجفة .. ما لبثت حتى انسلت من ذاك السرير الذي شهد نهاية عذريتها .. تلفتت باحثة عن من اضحى شريك فراشها .. مشت بهدوء وبتعب واضح .. فهي تذكر ان هاتفها يقبع هناك بجانب الدولاب العملاق .. انحنت لتلتقطه من جانب حقيبتها مفتوحة الفاه .. شهقت .. ليس لتلك المكالمات السبع التي لم يرد عليهن .. بل للوقت الذي شارف على الحادية عشر صباحا .. رمته في الشنطة لتحتضنه قطعة الحرير المتبقية فيها .. سحبت لها ثوبا فضفاضا وملابس داخلية لتسرع الخطى الى دورة المياه ( اكرمكم الله ).. حتى تقابل ربها بطهارة .. ما بين خروجها وبين استعدادها لتصلي كان لسانها لا يمل من الاستغفار .. فهي تشعر بانها صارت كسولة في حقوق خالقها ..


طوت سجادتها .. وتمتمت بشيء من الغيض : وهو ليش ما وعاني( ايقظني ) ..

وضعت يدها على بطنها الذي يصرخ جائعا .. وايضا اختلط وجع جوعة بوجع آخر تخللها دون رحمة .. قامت لتجلب ذاك الكتاب الطاهر الذي لا تزال رائحة يدي والدها تعبق فيه .. كلما احتظنته بين كفيها تشعر بذاك الاحساس المطمئن .. فتحته .. وكالعادة يداها لا تخطآن مكان سورة الكهف .. تبتسم لاصابتها في كل مرة .. فهي تشعر ان هذا الشيء دليل على ايمانها ..


صوتها عذب جدا .. صمت المكان .. وكأن تلك الجدران تستمتع بتلاوتها .. مرت الدقائق .. احست انها سريعة جدا .. حتى انه خيل لها بانها قرأت الايات متعجلة .. ولكن هذه قراءتها الدائمة .. نفضت رأسها من وسوساتها .. فهي تدرك انها ليست على ما يرام .. فيكفيها خوف الليلة الماضية .. جلست امام المرآة .. انتبهت للاحمرار على يمين رقبتها .. فارتعش جسمها .. تذكرت ملمس شفتيه وهي تلثمها بقوة .. لتحيلها الى امرأة مخدرة .. تحسستها بأطراف اصابعها .. بعثرت شعرها المبلل .. لتبدأ بتجفيفه .. ما لبثت حتى لملمته بجزع .. فهي تخاف من الحسد ..او لعله كان خوف آخر .. فتلك الطرقات وانفتاح الباب ببطء شديد .. فتح المجال لقلبها ليعلن تسابق دقاته .. سحبت غطاء رأسها لتخفي آثر ما حدث معها البارحة عن اعين روز .. التي دخلت بصينية الافطار .. لم تتكلم الا ببضع كلمات ردا على تحية روز الصباحية .. فخجلها يكبلها .. قالت روز : ماما ليش ما يطلع من الروم ( الغرفة )؟


ازدردت ريقها وهي تنظر الى روز التي انحنت لترتب السرير : اخاف يكون في شباب ..

ضحكت روز وهي تنفض اللحاف الثقيل : هني ما في الا بابا جاسم ..


رتبت السرير .. وسالت خولة اذا يوجد هناك ما تريد منها ان تفعله .. ردت الاخرى بلا .. مع انها تمنت لو تبقى روز معها اكثر .. فهي تشتاق للحديث .. الا انها عملت بخلاف امنيتها .. جففت شعرها .. ولم تجد بدا من ظفيرة تثبته لها حتى لا يتناثر .. بعدها قامت لتصلي الظهر .. وأجلت تناول الطعام .. رفعت كفيها داعية ربها بكل خشوع .. مسحت دمعة هربت على خدها .. تمتمت : اللهم لا تكلني لاحد من عبادك .

طوت السجادة .. وووضعتها على الكرسي .. وقفت لتتأمل وجهها المنعكس على تلك المرآة .. ابتسمت فاستدارت حيث تقبع صينية الافطار .. ضحكت على نفسها .. فأي افطار هذا .. والساعة تقارب على الواحدة .

,‘،



مدت يدها تلتقط قطعة خيار من صحن السلطة .. قضمته وهي لا تزال تنظر الى الصحن امامها .. تشعر بالحياء وترغب بالابتعاد بقدر الامكان عن اهلها .. تكلم وهو يقبض الارز بين اطرافه الخشنة .. محاولا جمعها كي يلتقمها : الليلة بيينا ذياب ..

ازدرت ريقها .. وهي تسمع والدتها ترد : على خير .. بيي بروحه والا امه بتي وياه .

ابو احمد : بروحه .. بيي يشوف روضة وييلس وياها .. والله هالسالفة مب داخله راسي – قضم ورقة خس – من متى البنت تيلس وييا الريال قبل العرس .


تكلم ناصر وهو ينفض بقايا حبات الارز من يده : من حقه وحقها يا ابوي.. والزمن تغير – قام واقفا – الحمد لله .. الله يعطيج العافية ياميه ع هالاكل الطيب .

ابو احمد : والله زمنكم ما يسوى وانا ابوك .

قهقه ناصر .. وخفت صوته كلما ابتعد : ايامكم غير يا ابو احمد ..


لم يدركوا بانهم بذاك الحديث اذابوا جسد روضة التي غرقت في بحر من الخجل .. ولا تزل قطعة الخيار المقضوم طرفها في يدها .. وضعتها على فراش الطعام البلاستيك المقلم بالازرق والابيض .. وحمدت ربها وقامت .. اذا بصوت والدها يوقفها : لا تنسين تتجهزيين ..

ردت بصوت متقطع ومهتز : ان شاء الله .


صعدت السلالم بتوتر .. توقفت هناك في تلك الساحة بين الغرف الاربع .. نظرت الى تلك الغرفة التي اصبحت خاوية من صاحبها .. تخيلته يفتح الباب .. يخرج مبتسما .. يضربها على كتفها مارا بجانبها .. ويناديها بالعروس .. كم تشتاق اليه .. هل يعقل ان تتزوج وهو بعيد عنهم .. ابتسمت ابتسامة حزن ممزوجة بخوف وفرح يغرد بلطف بين زوايا قلبها .. حثت الخطى الى غرفتها .. ولا يزال الخوف يربض بين حنايا صدرها بقوة .. فكيف لها ان تقابله .. وكيف لها ان تكون زوجته .. وهي التي كانت تناديه بابشع الصفات عندما كانوا اطفالا .. ولجت الى غرفتها واستندت على بابها .. لتتهادى اليها ذكرى قديمة قد تكون بقدم هذا البيت .. ذكرى ترسبت في عقلها منذ خمسة عشرة سنة .. كانت في السابعة وهو ذاك الذياب يكبرها بثلاث سنوات ..كانت تسمع اخوتها دائما ينادونه بذاك اللقب .. لسمار بشرته بسبب ضعف جسمه .. فاخذت تردده على مسامعه وهي تشير اليه باصبعها الصغير .. وتتعالى ضحكاتها : يالصومالي .. يالصومالي ..

لتتقوس شفتاه .. ويجري مسرعا ليختبأ خلف امه .. ليبدأ لقب آخر بالظهور في حياته " يا ولد امك "


هزت رأسها وكأنها تريد لتلك الذكرى ان تقع من عمق دماغها .. كانت صغيرة .. ولكن هل صغر السن يبرر ما كانت تفعله !.. زفرت وكأنها تسقط تلك الهواجس مع هواء صدرها الحار .. جلست على ذاك الكرسي القصير تنظر لوجهها في تلك المرآة الشبه دائرية .. تمتمت : اكييد تغير .. من زمان ما شفته ..

,‘،


خرجت تنهيدة اخرى من صدرها .. فذاك الحديث .. وتلك الكلمات الكثيرة باتت تحفر آبارا في عقلها .. حتى تنفجر منها افكار لا تقوى على مجابهتها .. كلام الناس تؤكده لها تلك العاملة الفلبينية الثرثارة .. لو علم بثرثرتها لنفاها دون رجعة .. طوال تلك الساعة وهي تمطر مسامعها بالكثير من الكلمات .. ولا يزال ذاك السؤال الصعب يطرق باب عقلها مرارا : انت كم بيبقى هني مدام كولا ؟


لفت " شيلتها " باحكام على رأسها .. وقررت اخيرا ان تطلق سراح جسدها من تلك الغرفة .. اخذت نفسا عميقا وكان صدرها اشتاق لهواء جديد .. سحبت الباب من خلفها وخرجت .. تجولت بنظرها في المكان .. صالة متوسطة تقبع هناك وحيدة في الزاوية .. وهناك غرفة .. وغرفة اخرى بجانبها .. الفيلا ليست كبيرة .. نزلت السلالم ويدها اليمنى مقبوضة بجانب صدرها .. توقفت وكأنها تتأكد من خلو المكان .. عادت لتسحب الاكسجين بنهم وتزفره باجرام .. اذا بها فجأة بعد ان وضعت قدميها على الارض تمشي بتوئدة نحو ذاك الجدار في تلك الصالة الكبيرة ..تسمرت وهي تنظر لتلك العيون في تلك الصورة .. وتلك الابتسامة .. انه مختلف .. ليس جاسم الآن .. واذا كانت عيناه بهذا العمق والجمال الحاد فلماذا يخفيهما ؟.. كانت تلك الاسئلة تجوب عقلها وهي تتفحص تلك الصورة .. واذا بها تسمع : لا تخاف .. لو هو ذكي اكيد بيعرف – قهقه – وبيدري ان اقرب الناس ما يتأمنون


عاد ليقهقه وهو يقف ناظراً لتلك الواقفة عند تلك الصورة .. قطب جبينه لبرهة .. ثم حول هاتفه من اذنه اليسرى الى اليمنى وهو يجلس بهدوء على الاريكة : اكييد ما انساك .. انت ساعدتني واايد فالفترة الاخيرة – باهتمام وهو ينحني قليلا للامام- اريدك تعرف التطورات اللي بتصير .. وتعلمني فيها اول باول .. ولك اللي تطلبه .


اغلق هاتفه راميا اياه على تلك الطاولة .. التفت اليها : باين انج تعرفتي على قاسم .

مشت بخوف يتخلله خجل زاد وجهها جمالا في نظر جاسم .. لا تضع اي مستحضرات تجميل .. سوى كحل اسود في العينين .. يرقبها من خلف نظارته حتى جلست ..هناك قبالته دون ان تنبس باي كلمة .. لعل قاسم لا يثير التساؤلات في نفسها .. او لعلها لا تريد ان تبدأ حديث مع شخص مثل جاسم .. سحب سماعة الهاتف من خدرها القابع على تلك الطاولة بجانبه .. واذا به يطلب منهم ان يجهزوا الغداء .. بنية صادقة قالت وهي تقف : انا بجهزه لك .

احرجها وهو يقول : المكان فيه خدم ..


وكأنه اراد ان يخبرها بانها هنا زوجته فقط .. هذا ما احسته .. او انه يحاول ان يذكرها بفارق المستوى بينهما .. جلست وهي تبلع غصتها المرة .. قالت بشيء من التردد : منو قاسم ؟

صمت قليلا .. ثم قام واقفا : اخوي .. بس لا تخافين مب موجود هني .. يعني ما بتتلخبطين بينا ..


واخذ يقهقه .. ضحكة اقرب الى صرخت الآه .. مشى وطلب منها مرافقته .. كان ذهنها لا يزال مشغولا بحديثها مع روز .. حتى هو لاحظ انها ليست على ما يرام .. رجفت يدها وهي تتناول الطعام معه خير دليل على ذلك .. وضع الملعقة من يده .. واسند مرفقيه على الطاولة .. شابك اصابع كفيه لتعانقا ذقنه خفيف الشعر .. وهو يلوك الطعام في فيه : في شيء؟


سؤال اوقفها عن تناول الطعام .. تريد ان تخبره بخوفها .. تريد ان تتفق معه على حياتها .. عانقت اسنانها العلوية شفتها السفلى بعنف .. بعدها قالت بصوت مهتز : اقدر اطلب منك طلب ..

وقف حتى احدثت ارجل كرسيه صوتا بالانسحاب : تذكرين شو قلتي يوم زرتكم .. قلتي اعتبره اول واخر طلب اطلبه .. صح او لا ؟


مشى قليلا ثم توقف عائدا خطوتان .. ليقف بجانبها .. ينظر الى انكسارها : خولة .. انا انسان يهمه اذا قال قول نفذه .. والناس اللي تقول وتفعل تكون فوق لانها قد كلمتها

اسند يده اليسرى على الطاولة .. ولف بذراعه الايمن كتفها .. حتى اصبحت انفاسه تلفح جانبها الايسر : وانتي .. يا تكونين فوق .. او تنزلين تحت .


غادر المكان .. لتسقط دمعة يتيمة تعبت المكوث في محجر عينها .. وبعدها تتالت الدموع من الجهتين .. هل يعقل انه هو نفسه من كان معها هناك على ذاك السرير .. لما يبدو مختلفا .. طأطأت رأسها أكثر بانكسار .. فلقد وأد طلبها قبل ميلاده .. لا تسمع شيء سوى كلماته يتردد صداها في الاجواء .. خلت الطاولة من تلك الصحون .. وهي لا تزال هناك .. مخبأة عيونها الدامعة .. وكأنها خجلى من ضعف روحها الطيبة .


اعتق معصمه من قيود ساعته البيضاء ورماها على السرير بشيء من الغيض .. مشى حتى انعكست صورته على تلك المرآة .. تمتم : مثلهن .. مثلهن ..

وكلما اعاد تلك الكلمة ازداد شعوره بالغضب .. يرص على اسنانه بكره يتفجر من اعماق روحه لذاك الجنس .. صرخ : كلهن مثل بعض .

واذا بصوت ضميره الرافض لهذه الافكار : بس هي ما طلبت شيء لنفسها .. ما اهتمت بنفسها .

نزع نظارته .. مدققا النظر في عينه اليمنى .. حرك اصابعه المرتجفة عليها بحذر وتمتم من جديد : بس هي رجعت تطلب ....


وضع نظارته بعنف على عينيه .. وخرج من غرفته .. مسرع الخطى الى الاسفل .. توقف .. لا تزال قابعة مكانها .. لم يهتم وتابع المسير .. الى صديقه الاسود .. لحظات واذا بتلك الانغام الثائرة ترج سكون المكان .. لتنبه تلك الساكنة مكانها بان عليها المغادرة ... اصابعه تصافح اصابع صاحبه بعنف واضح .. ووميض ذكرى بَرق بين عينيه


منذ ان استيقظ وهو يشعر باحساس غريب في روحه .. احساس يشعره بان توأمه ليس بخير .. فُتح الباب .. تضاربت انفاسه وهو يرى ذاك الواقف عند الباب .. انسان مكسور .. قام بوجل .. يدنو من نصفه الاخر .. الناظر الى اسفل قدميه .. حاله متدهورة .. نبس قلبه المتألم وجعا : حبيتها ..


اذا به يجره اليه .. يحتظنه .. يلصقه بروحه الخائفة على روحه .. اختلطت نبضات الافئدة .. وتشابكت انفاس الحقد مع انفاس الانكسار .. شده اكثر اليه .. والاخر مرخي ذراعيه بجانبه .. اذا به يشعر بشهقاته .. ضعيفا كان .. وهو كان النصف القوي .. القوي الذي ضعفت روحه لروح توأمه .


ضرب الاصابع المقلمة بالاسود والابيض بعنف .. لينهي معزوفة حرب الذات .. ويبعثر وميض ذكرى ولدت في ذاته احقاد واحقاد .



,‘،

Continue






,‘،


حقد من نوع آخر يتغلغل في ثنايا ذاك الجسد الموجود وغير موجود في آن واحد .. صحن الالمنيوم وبه الارز .. و قطعة من السمك قد غار نصفها تحت كومة الحبات المتناثر بعضها على تلك الطاولة قصيرة الارجل .. وعلبة " بيبسي" فرغة من سائلها لتنام على الخشب المصقول .. وصحن آخر تقبع فيه بعض قطع الخضروات .. وليمونة قد امتصت بعنف .. لتحال كوجه عجوز كسته التجاعيد .. وهاتف " آيفون" رمي على ذاك الكرسي الوثير بعد ان اخرس منذ الامس عن الكلام .. وقناة "حواس" تصدح بالاغنيات .. اغنية تلو الاخرى .. التي لم تكن تصل لاذنيه حتى يصدها تفكيره فترجع خائبة .. التفت على يساره وهو مستندا بظهره على ذاك الكرسي مريحا باقي جسده على الارض .. هناك سقطت منذ اياما خلت .. تذكرها وهي تمسك بقدميه مترجية .. ايعقل انها اخبرتهم بما حدث .. لعلها فعلت وهذا سبب هيجان والده عليه .. نفض رأسه من تلك الافكار : لا .. ريم ما تسويها ..


وقع نظره على هاتفه سحبه .. واذا به يعيد الحياة اليه .. وهاهي نغمة العودة تصدح في المكان .. انتظر لبرهة . وبعدها اسرع الى سجل الاسماء .. حرف الفاء ها هو يبحث عنها .. فاطمة ..

رن هاتفها واذا بها تبتعد عن الوجوه المجتمعة في تلك الصالة .. التي تسيطر عليها كآبة غريبة .. خرجت الى الحديقة فلا احد سيسمعها وهي تحدثه .. كانت تعاتبه وكانه اجرم بحق .. عاتبته حتى مل من العتاب صارخا : فاطمة ياليت تخبريني شو السالفة .


ادركت بصراخه ذاك انه لا يعلم شيء .. فاذا بها تخبره .. خروج عمته ورجوع والده .. وكلامه عن الاساءة لبناتها .. كانت تلك الاحداث تذوب في مسامعه .. وتذوي رويدا رويدا : افاااااااا بس .. هذي هقوتكم ( ظنكم ) في .. حسافة يا فاطمة .. والله حسافة .

ارادت ان تتكلم فقاطعها : جهزيلي شنطتي .. وبيي فالليل باخذها .. ولا تخبرين اي حد .. خليهم بعماهم .. وبيي يوم يعرفون معدن عبدالله ..


اغلق الاتصال بغضب واضح .. سحب جهاز التحكم ليخرس تلك الافواه التي تتغنى بما يغضب الله .. تمتم : استغفر الله العظيم .. حتى عمتي ما سلمت منكم .. بس منو اللي مسوينها .. بدير .. كان واايد يهتم لعليا – هز رأسه – استغفر الله .


دخل بعنف الى تلك الغرفة .. اغلق الباب .. وادار المفتاح فيه .. كان الاخر خائفا .. فمنذ تلك الساعة التي حدث فيها ما حدث وهو لم يغادر غرفته .. يتوقع حدوث اي شيء .. اندفع صارخا بصوت تخنقه الجدران : الله ياخذك .. الله ياخذك ع هالسواة ..


قام واقفا .. فاذا بالاخر يدفعه ليعيده جالسا الى ذاك السرير : ياليتني قلت لهم .. الله يلعـ .. هذيك الساعة اللي دخلت فيها السيديات لحجرتي .. الله يلعـ..


انهال عليه بوابل من اللعنات المتتالية .. حتى انه اهالها على نفسه .. الاخر لم يتكلم .. يستمع .. واحيانا يترجاه ان يخفض صوته .. ليصر الاخر بالكلام : بقول لابوي واللي فيها فيها ..

امسكه من ذراعه .. فهو يعلم ان بدر لم يعد يأبه بتهديداته التي كانت : الله يخليك يا بدر .. لا تخبره .. الله يخليك ..

سحب ذراعه .. وهو ينفث انفاسا حارة حارقة : ما سدك عليا .. دمرت عبدالله .. ويالس ادمرني بهالسيديات اللي عندك .. الله ياخذهن وياخذك يا مايد .. وياخذني وياكم ..


لا تعلم لماذا هي من تشهد تلك النزاعات بينهما دائما .. صاعدة بعد تلك المحادثة مع عبدالله .. فاذا بها تسمع صراخ بدر .. لم تعي ما يقال .. ولكنها تدرك ان السبب هو ما حدث .. لم تهتم .. فهي ليست بحالة تُأهلها لسماع ترهات اخويها .. دخلت غرفتها .. رمت هاتفها بلا مبالاة على السرير : ما لحقتي تفرحين باللي سويتيه ..


وقفت امام المرآة .. سحبت " شيلتها " ليظهر شعرها المختلف عما كان .. مقصوص للكتف.. ولونه تحول تماما من الاسود الى الاشقر المتدرج .. ابتسمت وهي تدخل اصابعها بين خصلاته وتهزه فرحة بالشكل الجديد: لو يشوفونه اكيد ما بيسكتون ..


تركت مكانها لتتربع على سريرها : بعدج تخافين منهم .. انتي كبرتي يا فاطمة .. عمرج بيصير 36 سنة .. وبعدج تحسبين حساب لقراراتج .. تخافيهم ..

نظرت الى مكتبها .. بدأت تشتاق لدفاتر تلميذاتها .. هناك في تلك المدرسة تجد فاطمة مختلفة .. تعشق تلك المهنة بجنون .. وتعشق شيء آخر لا يزال طي الخفاء .

,‘،


قامت من على سريرها لترتدي عباءتها .. سحبتها .. وسحبت " شيلتها " ذات الزخرفة العنابية .. تمعنت في وجهها وهي تزم شفتيها .. التفتت بخوف نحو الباب لتلج منه العنود وبصحبتها سارة .. تقدمتا منها .. صرخت العنود : قمر

لتضربها سارة على كتفها لتصرخ الاخرى متألمة : قولي ما شاء الله .

عادت لتنظر للمرآة وهي تحرك يديها على وجنتيها بلطف : مب المفروض احط مكياج .

لفتها اليها : لا .. خليج طبيعية .. وبعدين انتي حلوة .. والكحال مطلعنج غير ..

قالت بتذمر : انزين خلصن .. ترا نصور يترياج صارله نص ساعة ..

وبعدها تركتهن .. لتضحك سارة : اختج هذي بيني يوم وبذبحها – ضحكت روضة – هيه ضحكي .. وربي يوفقج ..


مشت روضة تتعثر الخطى .. وسارة لا تنفك تتكلم .. وتلقي عليها بالتوصيات .. ان لا ترحم ذياب من الاسئلة .. قهقهاتها تلك كانت تزيد من التوتر في جسد روضة .. اقتربت من المجلس الصغير حيث ينتظرها اخيها ناصر مع ابن عمهما ذياب .. لا تزال تلك الذكرى الطفولية تعبث بين ثنايا دماغها .. طرقت الباب بارتجاف وتوتر طاغي .. لم تدخل مع انها سمعت صوت ناصر يدعوها لدخول .. ابتسم لذياب فلقد ادرك انها خجلة .. ثم قام من مكانه .. ليفاجأها بامساكه لمعصمها الايسر مجبرا قدماها على التقدم .. القت التحية بصوت بالكاد وصل لمسامع ذياب .. الذي كان واقفا مستقبلا لها .. سأل عن حالها .. ثم جلس عندما جلست هي بجوار اخيها .. منذ ساعة كانت تقف امام مرآتها تمثل مشهد اللقاء .. وتعيد الكلام الذي ستقوله مرارا حتى حفظته .. والآن لا تستطيع ان تجد كلمة واحدة من تلك الكلمات .. اراد كسر حاجز الصمت فقال مازحا : شكلها خايفة تنتقم منها ..


اكمل حديثه متطرقا لتلك الذكرى .. لم يدرك ان بكلامه ذاك اعاد لها خوفا واحتقارا لذاتها التي كانت .. شدت بقبضتها حتى كادت اظافرها ان تنغرس في باطن يدها .. تدارك ذياب الامر حين احس ان كلام ناصر لم يكن وقعه كما اراد عليها .. فضحك ثم اتبع ضحكته قائلا : كانت احلى ايام .. يكفي انها غيرت ذياب للاحسن .

ناصر : هيه والله .. وانا اشهد يابو سلطان .. والا مب ناوي تسمي ع ابوك الله يرحمة .

- الله يرحمه – اكمل – روضة .. اعرف انج مستحية .. بس بسأل سؤال واحد واريد الجواب هني .. ولا تخافين من حد .


شدها كلامه .. ومع هذا لم ترفع نظرها نحوه .. كان يتكلم وهي تستمع .. حتى قال : اذا مغصوبة على الموافقة فانا اعفيج منها ..

تحدث ناصر بغضب واضح : انت شو اللي يالس تقوله .. وليش يالس تقلل من عمرك .. تحمد ربها ان انسان مثلك بيـ ...

قاطعه ذياب : ناصر .. اريد اسمعها .. وكلامي مب تقليل من شخصي .. بس اللي سمعته كفيل انه يخليني احسب حساب لرضا البنت اللي برتبط فيها .. وهذي مب اي بنت .. هذي بنت عمي يا ناصر ..


صامتة لا تعرف ماذا تقول .. فقط تستمع له .. وهو يواصل الحديث : تصدقون ان مرة سمعت البنت وهي طالعة من بعد النظرة وهي تصرخ .. وع شو هالشكل .. – ضحك على مضض – هذا شكلي اسمر واضروسي بارزات ..

عاد ناصر ليتكلم : بس يا ذياب انت تغيرت .. وبعدين ما ارضا اشوفك متخاذل بهالشكل .

قال بشيء من الجدة : انا مب متخاذل يا ناصر .. انا اريد اعرف راي اختك .. اللي للحين ما رفعت راسها .. روضة ..


عاد ينادي اسمها .. ومع كل نداء تشعر بضيق انفاسها : رفعي راسج وطالعيني ..

رفعت رأسها لتبان عيونها الغارقة .. صمت غريب .. تنظر اليه ليس كما قال .. هو اسمر لكن سمارا عاديا .. اسنانه بانت بعد تلك الابتسامة التي رسمها حين رأى دموعها .. لم تكن بارزة .. وذاك السلك اعطاه ابتسامة مختلفة .. قام واقفا .. فدموعها دليلا واضحا له : وصلني الجواب .


وقفت هي الاخرى صارخة : ما يحقلها تقول عن ولد عمي شين .. وانا موافقة ومحد غصبني ..

لتجري بعدها من ذاك المكان .. تسمر مكانه .. هل ما قالته حقيقة .. ام انه يحلم .. ام ان كلامه ذاك كان له اثر بالغ عليها .. لا يزال غير مصدق بما قاله له عمه وما اكده ناصر عن موافقتها .. لكنه منذ دقائق فقط سمعها باذنيه صارخة بالموافقة ..

,‘،


مرت ايام العزاء صعبة على تلك العائلة .. ولكن لا بد من النسيان مع مرور الوقت .. فالانسان وجد من النسيان .. ولولا هذه النعمة لما عاش بشر بعد مصيبة .. مستندة على زوجها تمشي بمهل .. وبجانبها الايسر اختها رنيم .. تسندها معه .. تشعر انها ميتة .. فخبر موت جنينها لم تبالي به بقدر موت والدها .. اجلساها في تلك الصالة الواسعة .. جلس بجانبها وبحنان زائد : ما تبيني اوصلج حجرتج .

هزت رأسها بلا : خلوني هني شوية ..

تركتهما رنيم لترى والدتها .. اما الاخرى وضعت يدها على بطنها .. ليزيد حزن سيف عليها .. وضع كفه على كفها : الله بيرزقنا غيره .. مب مكتوبله يعيش ..


نزلت دموعها بحرقة .. هل تبكي على الابوة التي فقدتها .. ام تبكي على الامومة التي كانت تتوق لها .. قربها منه .. يواسيها ويواسي نفسه المتألمة .. فهو رجل وعليه ان يكون قويا لتقوى به : ودني فوق .. تعبانه واريد ارقد .


سندها ليوصلها لغرفتها .. فهو يحفظ هذا المنزل .. يحفظ ممراته ودهاليزه .. يمشي معها الى غرفتها تحت انظار تلك الفتاة المنسية .. ساعدها بنزع عباءتها الخفيفة .. واجلسها بهدوء على السرير .. فك شعرها المشبوك وجعل اصابعه تتلذذ بملمسه .. ليحتظن رأسها مقبلا جبينها .. استلقت على السرير ليغطيها .. ويمسح على رأسها .. ويخرج بعدها .. وما ان خرج حتى رن هاتفه .. فيصل يتصل .. رد .. ليهوله صوت فيصل الغاضب .. ويطلب منه ان يذهب للشركة ..


"اللي سبب خسارتكم موجود فهالميلس" .. تلك الجملة لا زالت تعصف برأسه منذ ذاك اليوم .. وهو يعلم يقين العلم من هو المعني بالجملة .. الكثير من الملفات والاوراق المنتشرة على تلك الطاولة امامه .. ينظر الى هذي ليرميها وياخذ الاخرى .. الخسارة بالمليارات .. افلاس .. كلمة ثقيلة جدا على نفسه .. ذاك المشروع المشؤوم دمر كل شيء واحال عائلة سالم الـ ... الى الحضيض ..

دخل المكتب بخوف : شو صاير يا فيصل ..


رفع نظره المحتقن بالشر : وتسألني .. اسال نفسك يا سيف ..

تقدم منه حتى باتت الاعين في مبارزة : انت من يوم العزى وقالب علي .. شو اللي مستوي .. وترا اذا مصيبتك وحدة .. مصيبتي انا ثنتين ..

ضرب بعنف ظهر الطاولة .. لتسقط ورقة متلوحة لتستقر على الارضية : تقارن خسارتي بابوي بخسارتك يا سيف – اشار الى الخزنة الحديدية – كيف افتحها .

نظر سيف اليها : مادري .. ما اعرف الرقم السري .. بس اكيد السكرتير يعرفه .

دقائق واذا به يدخل .. ليسأله فيصل عن الرقم .. ولكن اجابته كانت كفيلة ليصرخ فيصل : والحل .

بتردد قال السكرتير : هذاك اليوم طال عمرك .. يتني الانسة جود ..


نظر كل من فيصل وسيف باهتمام لسكرتير وهو يخبرهم عن جود .. التي خرجت من ذاك المستشفى الذي شهد وفاة اعز انسان على قلبها متوجهة للشركة .. شركة J.F.R للxxxx والاستثمار .. الجميع يعرفها .. فليست هذه زيارتها الاولى .. ولكن ما استنكروه انها لم تاتي لزيارة والدها كما كانت تفعل سابقا .. فوالدها هناك ممددا على السرير الابيض .. دخلت الى مكتبه .. لتظل فيه بالساعات .. لا احد يعلم ما كانت تفعل .. فلقد اوصدت الباب عليها .. ولم تخرج الا بعد ان طُرق الباب مرارا من جلال السكرتير يخبرها ان الوقت قد تاخر .. لم يكن معها شيء وهي خارجة .. ولكنه وصف لهم لبسها المكون من بلوزة منتفخة من الاعلى لتنتهي بمطاط يشد على ردفيها ..

فيصل : يعني خذت شيء معها .

جلال : ما اعرف طال عمرك .. بس اذا خذت شيء وحطته فملابسها يمكن ..


,‘،

Continue








,‘،


الهاتف تعب من الرنين .. وهي لا تأبه له .. جالسة مربعة ساقيها في وسط سريرها الدائري الكبير .. وجهازها في حظنها .. وكلام كثير قد سُطر هناك باللغة الانجليزية .. ويعود الهاتف للرنين ... وهي وكأنها في عالم آخر .. لا تسمع اي شيء فقط ترى تلك الكلمات .. وتقرأها بتمعن تام .. فُتح الباب لتلج منه جواهر وبيدها هاتفها وقفت ومدت يدها به الى جود المنهمكة بالنظر الى تلك الشاشة : ردي ع فيصل .

نظرت اليها لبرهة ثم عادت الى تلك الكلمات : ما اريد .

وضعت الهاتف على اذنها : ما تريد تكلمك

ليصرخ في اذنها .. مصرا ان تدعها تكلمه .. مدته من جديد : خذي ..

لا استجابة منها .. لتردف الاخرى : انتي شو فيج من مات ابوي ومحد شافج .. ليش ما تطلعين .


نظرت اليها لتطيل النظر هذه المرة : وانتوا تبوني اطلع – عادت لنظر لجهازها – قولي له جود سالم هي المفتاح .. وطلعي من حجرتي اريد اذاكر .


بلعت ريقها .. فهي تدرك ان لا احد اهتم بها .. ولم يسألوا عنها ابدا .. خرجت والهاتف على اذنها : تقولك جود سالم هي المفتاح .


اغلقت الجهاز وسحبت هاتفها .. ومباشرة الى ذاك الصندوق فيه .. اخر رسالة من فيصل : "تعرفين الرقم السري لخزنة ابوي ". مباشرة دون تردد مسحتها .. رسالة اخرى : " من عيوني يا عيون دادي .. بيبلج احلى اسكريم فباسكن .. انتي تامرين امر " .. اغلقتها وفتحت رسالة اخرى.. " شرايج تتجهزين ونطلع نتعشا وييا بعض فمكدونالدز " .. وتتابعت الرسائل القصيرة .. الكثير منها .. تجرها لاعماق الفقد الذي تعانيه ..


مر الوقت متعبا جدا .. عاد وهو يزفر ليقف صارخا باعلى صوته اسمها .. لتخرج رنيم من الصالة في الطابق الثاني تتبعها جواهر .. نزلتا .. ليصرخ فيهما : وينها ..


كانت هناك عند والدتها .. ممسكة يدها وتحدثها بفرح : مامي .. دادي ما مات – تمسك يد والدتها وتضعها على صدرها وتضع كفها النحيل عليها – هنا موجود دادي .. فقلبج ماما .. كوني قوية .

تدحرجت دموعها من طرفي عينيها .. فسارعت جود لتمسحهما .. وتقبل جبين والدتها بحب .. وتضع رأسها على صدرها حيث لا تزال يدها قابعة هناك : مامي انتي اللي بقيتي لي .. لا تخليني .


بعدها قامت خارجة .. فاذا بها تسمعه ينادي باسمها .. نزلت حتى وقفت هناك .. في اسفل الدرجات .. تقدم منها وشياطين الارض تتقافز بين عينيه : شو قصدج من انج المفتاح .. وليش ما تردين علي .

تكلمت رنيم بشيء من الحقد : شو تريد من وحدة تسببت بموت ابوي .

هنا لم تتحمل لتنفجر صارخة في وجه رنيم : انتي اخر وحده تتكلم .. عمركم سمعتوا وحدة تقتل حبيبها .. دادي كان حبيبي .. وروحي .. ودنيتي .. انتي وهي – تشير لرنيم وجواهر – واللي فوق – تشير باصبعها للاعلى – عمركن ما هتميتن الا بنفسكن .. دوم اللي فبالكن هات وهات .. سويتنه بنك لكن .. عمركن شفتن عيونه وهو يمد لكن بالفلوس .. شفتن نظرته اللي تتمنى كلام حلو منكن بدون مقابل .. انتن كلكن مالكن حق تتكلمن .. وانت – تنظر لفيصل – اخر واحد يتكلم فهالبيت ... قولي كم مرة امي ترجتك تساعد ابوي .. خبرني من متى متخرج .. بس انت ما همك الا الخمة اللي تقابلهم .. انسان فاشل .. صايع فالشوارع ..


لم تسكت الا بكف من يده على جانب وجهها الايسر النحيل : احترميني .. انا اخوج العود .


مسحت دموعها بعنف .. وكأن تلك جريمة يجب ان تعاقب عليها عينيها .. نظرت في عينيه بعينيها الرماديتين : بحترمه .. بحترمه يوم يشبه ابوي .


لتجري بعدها مسرعة للاعلى .. ويعم الصمت المكان لدقائق.. نطقت جواهر : ما كان لازم تضربها .

-تستاهل اكثر .. والله لاربيها من يديد ..

- لانها صادقة باللي قالته .. لان احنا يالسين نشرد من غلطنا ونحط الحق عليها لانها ساكته ..

صرخ في وجهها : جواهر مب ناقصنج ..


ترك المكان .. وهناك في الاعلى كانت الاصوات تصل اليها .. وهي على سريرها .. لتجلس ساحبة جذعها بوهن واضح : لا حول ولا قوة الا بالله .. رحت وضاعوا عيالك يا سالم .

,‘،


لا حول ولا قوة الا بالله .. كثيرا ما صارت تتردد في منزل عبد الرحمن .. طرقات خفيفة على غرفة ريم التي تضم الآن ميثة وبناتها الثلاث . . دخلت وهي ترتدي عباءتها وتحمل حقيبتها بيدها : عموتي شو رايج تروحين وياي للخياط .. تدرين ما عندي الا هالاسبوع وعقبها ببدا صيفي .

رفعت رأسها حيث كانت تلعب مع ابنتيها على الارض بلعبة تركيب المكعبات : لا فديتج ما اقدر ..

تقدمت وجلست بجانبها .. رفعت احدى المكعبات لتضعها على ذاك البناء : انزين باخذ البنات وياي .. بشتريلهن وبنفصل .. تدرين العيد ما باقي عنه شيء .. ورمضان زحمة .

صرخت خلود : امي بروح مع هاجر .

ميثة : بيتعبنج .

هزت رأسها بلا .. ثم توجهت لعليا الجالسة مستندة على مؤخرة السرير ممددة ساقيها وبيدها " آي بآد " .. جلست على ركبتيها : عليا شو رايج تروحين معنا .. بعد ما نخلص من الخياط بنروح المول .. بنتعشى وبنرجع .


رفعت نظرها لهاجر .. وبعدها توجهت به الى امها وكأنها تطلب منها الإذن .

- تقدرين تروحين علايا – توجه كلامها لهاجر – ديري بالج عليهن هجوره .

تشير الى عينها اليمين ومن ثم اليسار : من عيوني الثنتين .. ياللا تجهزن .. بترياكن تحت ..

خرجت لتلتقي بشهد .. سألتها اذا كانت راغبة بالذهاب معهن .. تعذرت .. وتابعت طريقها لغرفتها .. جلست هناك بتعب .. جسمها نحل من التفكير .. تحاول ان تكون قوية .. ولكنها تعبت .. فاخر كلام طارق لها عن تلك الفحوصات لا يبشر بخير .. جاءها في ذلك اليوم الذي هجم عليهم عمه راشد .. مخبراياها ان الدكتور عادل قد اتصل به .. ويخبره ان النتيجة غير مؤكدة .. باتت ترى كوابيس مزعجة كل ليلة .. تراه ميتا .. او ترى نفسها ميتة .. وساوسها تتبعها في كل مكان .. تخاف ان تحمل سكينا .. او اي شيء حاد .. تخاف ان تجلس معهم تشعر بانها ستنقل لهم العدوى .. مع ان طارق اخبرها ان الايدز لا ينتقل الا عن طريق الدم او المعاشرة الجنسية .. ولكن تلك الوساوس تعبث براسها حتى احالتها الى جسدا بعيدا عن الفرح .. وعيون قابعة في برك ارهاق سوداء ..

كتلك العيون الناعسة المتعبة .. التي يناظرها سعود .. لابنه محمد المسجون في ذاك الكرسي .. والموثوق الظهر فيه .. حركات يده الا ارادية مع حركة رقبته ورأسه وفمه .. جميعها امام عيني سعود .. الممسك بملعقة يطعم بها محمد .. نصف الطعام في فمه والنصف الاخر يقع ليستقر على تلك الصدرية الموثوقة برقبته ..كان يحدث اخته الجالسة وبيدها " البلاك بيري " : يعني لو ما اتصلت عليج كنتي ما بتعطينه دواه .


قامت واقفة : اووهوو .. يعني الحين حرام اني ارقد .. وبعدين ولدك هذا ما اعرف كيف اتعامل وياه .. ما يطيع ياخذ دواه .. قبل كانن خواتي يقومن بهالشيء .. يعني لا تلومني .

يمسح فم محمد من بقايا الطعام : بس انا موصينج عليه .. وانتي عارفة ان الدوا لازم ياخذه بموعده .

خلاص انزين .. جملة نطقتها هاربة من ذاك المكان وهي تتأفف .. لتتكلم والدته العجوز : يا سعود لا تلوم اختك .. والله لو انا بصحتي ما اعتمدت عليها بس مثل ما انت شايف .. زين اني اعرف اضرب ابرة السكر بروحي .. وبعدين يا سعود ولدك كبر صار ريال .. عمره 16 سنه مب صغير .. واختك ما تروم عليه .

با .. با ... كان ينطقها محمد متفرقة ليبتسم له سعود : يا اميه انا ما اريد منها الا انها تعطيه الدوا يوم اكون فالدوام .. ترا سبوحه ونظافته كلهن علي ..


اخذت لها تمرة وهي تقول : يا ولدي يبلك حد يعتني فيه .

ترك مكانه ليجلس بجوارها : لا تكثرين تمر يالغالية .. وبعدين كيف أأمن الغريب عليه

وهي تلوك التمرة في فمها الذي يخلو من الكثير من الاسنان : الحين يا سعود الغريب يتأمن والقريب ما يتأمن .


سكب له فنجان قهوة .. شربه .. انزله واذا به يقف : بودي محمد يرقد .. وعقبها بطلع وييا حمد .. حاس صدري ضايق

- الله يبعد عنك الضيقة يا وليدي .. روح .. ولا تحاتي محمد .. بسابره ( تتفقده بين الحين والآخر ) الين ترد .

- الله يطول بعمرج يالغالية .

قبل رأسها .. وانصرف يدفع ذاك الكرسي امامه .. وبعد ان اطمأن عليه .. خرج ليقابل صديقه حمد في احد المجمعات التجارية .. يطويان تلك المسافة بخطى بطيئة : والله يا حمد تعبت .. ادري ان كلامك وكلام الوالدة صح .. بس ما اقدر .. قلبي ما يطاوعني ..

- انت جرب .. ما بتخسر شيء .. وبعدين بتراقب اللي بتيبه عشان يعتني بولدك .. اكييد ما بتخليه بدون مراقبة .


يمشيان ويتحدثان .. وهناك عيون تتبعهما .. رويدا رويدا .. فاذا بها تقف حيث رأتها واقفة : علايا حبيبتي ياللا .. امشي تاخرنا ..

فاذا بها تصرخ وهي ترمي الكيس من يدها : ابويه ..

لتجري رافعة تنورتها الغجرية قليلا حتى لا توقعها .. نادتها هاجر دون فائدة .. فاذا بها تحمل حصة وتمسك خلود لتجري بصعوبة بذاك الحذاء العالي .. لتسبقها علياء بمسافة لا بأس بها .. تنادي : " ابويه " .. ليلتفت لنداء ذاك الصوت .. في وسط دهشة صاحبه .. ليرتد فجأة للوراء بسبب تطويقها له وهي تصرخ من جديد : ابويه .

,‘،

اتمنى يعجبكم البارت


الرابع عشر


,‘،

تهافتت الانظار الى مصدر الصوت .. والنداء المتكرر .. مشهد غير متوقع في ذاك المكان .. وامرأة بعباءتها تحمل طفلة وتجر الاخرى تجري مسرعة .. لا بد للعيون ان تنظر .. وللشفاه ان تتهامس .. وللعقول ان تفكر .. مالذي يجري؟ .. حتى تلك العيون كانت تتساءل بنظرات استجواب لعيون سعود .. الذي للآن غير مستوعب ان هناك فتاة تحتظنه .. نظر لحمد بنظرات وكانها تجيب عن الاسئلة والشك الذي انتاب صاحبه .. ليست ابنته .. ولكن كم هي جميلة تلك الكلمة .. وكم هو دافيء ذاك الحظن .. لطالما تمنى الاحتظان من ابنه محمد .. ولطالما تمنى تلك الكلمة .. احساس غريب انتابه .. ها هي متمسكة به .. تكرر : ابويه لا تروح عني وتخليني ..


وهل هناك اب يستطيع التخلي عن ابنه ؟ .. كان سؤال يتردد في عقله مع كلامها .. وبكاءها .. وصلت هاجر .. تعتذر له وهي تنزل حصة .. لكن هو لا يستمع لها .. هناك عالم آخر يعيش فيه في هذه اللحظة .. اقتربت بحياء .. تمسك علياء من ذراعها الايسر وتسحبها بهدوء : علايا .. هديه ( اتركيه ) .. هذا مب ابوج ..


لكن علياء لا تعي الا كلام عقلها .. وحاجتها .. وتوقها لحظن والدها .. كان الحياء قد بلغ مبلغه من هاجر .. فهذا رجل غريب امامها .. وهي قريبة منه .. وتقترب اكثر لتهمس في اذن علياء ان تدعه .. موقف لا تحسد عليه .. وعلياء لا تأبه سوى بذاك الرجل شبيه والدها .. تنهدت وهي تحاول ان تسيطر على نفسها : علايا حبيبتي ..

تهاديها لعلها تتركه .. وفجأة تكلم وهو يضع يده على رأس علياء بحنان زائد : خليها

نظرت اليه .. وسرعان ما غضت البصر .. ابتعدت خطوة .. او لعلها خطوتان .. ماذا يقصد ؟.. همس حمد وهو يقترب من سعود قليلا : بنتك ؟ .. فهو لم يعي ما قالته هاجر آنفا .. فالمفاجأة اكبر من أن يستوعب ما يحدث مع صاحبه.


ابتسم ولم يجب .. احتظن وجهها المندس في حظنه بكفيه .. اراد ان يرفع وجهها لناحية وجهه .. لعينيه .. لعلها تستوعب ان الجسد الذي بين يديها ليس بجسد والدها .. ولكن لا فائدة .. عاد ليضع يده على رأسها ويحرك شعرها بخفة : ما تبين تشوفين ويه ابوج .


بحلق حمد .. كما فعلت ذلك هاجر .. تلفتت فهي تشعر بان الجميع ينظر اليهم .. جميع الاعين مسلطة على تلك البقعة التي هم فيها .. امسكت خلود يد هاجر .. تطلب منها العودة للمنزل .. ولكن كيف تعود .. وماذا عن تلك المستميتة في حظن جسد رجل غريب ..

ارتخت ذراعيها .. انزلتهما على مضض .. ليجلس الاخر القرفصاء امامها .. رافعا النظر لتلك العيون الباكية .. شعر بابوته .. ويشعر انه مسؤول عنها في هذه اللحظة .. لا يهم ان كانت غريبة .. المهم انها رأت فيه والدها .. تفحصته .. تلك ليست بعيون والدها .. وحتى الانف .. انف والدها ارنبته مدببة بعض الشيء .. وهذا لا .. عيون والدها مسحوبة للخلف قليلا . وهذا لا .. ابتعدت خطوة للوراء : مب ابويه .


ابتسم لها .. اما هي لم تجد بُدا من الاختباء في حظن هاجر .. تختبأ خجلا .. او لعلها خيبة امل .. عادت لتكرر كلمات الاعتذار على مسامعه .. وما لبثت حتى ابتعدت تحتظن واحدة وممسكة بيد الاخرى .. وخلود تمشي بمعيتهن ..

رمت بحقيبتها غاضبة تحت انظار ميثة ووالدتها .. اما علياء فجرت مسرعة للاعلى : شو صاير ؟ شو فيها عليا؟

-تسألين شو فيها – تنزع عباءتها بعد ان رمت شيلتها – بنتج حطتني فموقف محد يحسدني عليه ..

- شو صاير يا بنتي .. وشبلاج معصبة .

قامت ميثة : بروح اشوف علايا ..

جلست بحنق : روحي شوفيها .. اللي تعلقتلي فريال غريب .. وخلتني فرجة للرايح والراد .

فتحت شعرها .. واخذت تنفشه : استغفر الله العظيم .

- الحين بدال هالعصبية كلها .. قومي تعذري من عمتج .

- امايه ... مالي خلق الحين .. زين اني تمالكت نفسي فالسيارة ولا عصبت على عليا ..

- انزين شو صار وياكن ؟

تنهدت .. وكأنها تريد اخراج ذاك الموقف من عقلها .. واذا بها تحكي لوالدتها ما حدث .. اما هناك فكانت علياء مستلقية على بطنها ووجهها يغوص في الوسادة .. جلست ميثة بجانبها .. مسحت على ظهرها : علايا حبيبتي شو صار ؟


بصوت مكتوم اجابت : حسبته ابويه .. شراته .. ما انتبهت .. والله .

ابتسمت وهي تبعد بعض الخصلات من جانب اذن ابنتها : ما عليه حبيبتي .. ما صار شيء .. وفي واايد ناس تتشابه .. انتي ما غلطتي – اقتربت منها – علايا .. ابوج الله يرحمه .. راح للي خلقه .. اعرف انج تشتاقيله .. بس هذي حكمة ربج ..


هل تعي هذا الامر في هذا السن .. هل تدرك انها لن ترى والدها ثانية .. بالطبع تدرك .. ولكن شوقها له .. وحبها الكبير لشخص كان قريب منها اكثر من قرب والدتها .. جعلها لا تصدق انه رحل .. تتمنى وجوده .. تشتاق لكلماته .. وليديه الحانيتين .. فهل سيدركون مدى معاناتها يوما ؟ .. وهل سيدرك حمد معاناة صاحبه .. الذي اخذ يضحك دون توقف حين قال له حمد : سامحني .. ظنيت فيك .

ضحك حتى فر الدمع من عينيه : الله يغربل بليسك يا حمد – يمسح عينيه – الحين تظن اني معرس وعندي بنت هههه

- خلاص عااد .. بسك ضحك .. اخاف اطيح من كثر ما تضحك .

استند بظهره على جانب سيارة حمد واخذ يرقب اللا مكان : تصدق يا حمد .. حسيت باحساس غير وهي تلوي علي ( تحظني ) .. ما اعرف كيف اشرحلك .. بس حبيت اللي صار .. ولا اكذب عليك اني تمنيتها تبقى اكثر .

ربت على كتف صاحبه : عرس يا سعود .. وانت بتحس بهالاحساس .

,‘،

احساس غريب اضحى يتملكها .. فهو مختلف .. ليس كما كان .. هاديء وغريب الاطوار .. واضحى كثير الكلام في هاتفه .. من يهاتف ؟ .. ولماذا يتغير كلامه كلما جاءت او انتبهت له ؟ كانت تلك الاسئلة تدور في ذهن ريم .. التي تجلس امام المرآة .. والمشط الدائري الرأس تعرق في قبضة يدها .. ها هو يدخل ويرمي " غترته " كالعادة على السرير دون اي مباللاة .. وبعدها يأخذ حماما قد يمتد لربع ساعة او اكثر .. ويخرج وهو ينشف شعره .. سيأخذ هاتفه وسيخرج .. افعال حفظتها في الاونة الاخيرة .. وهذا ما حدث .. وهي لا تزال ساكنة في مكانها .. تشعر بالخوف من تغيره .. من البرود الذي اجتاحه .. حتى انه لم يزجرها ذاك اليوم حين قالت : عبد الله ماله ذنب باللي صار .


يومها لم يهتم .. كانت تتوقع ان يضربها .. يهينها .. لكن لم يحدث منه شيء سوى ابتسامة .. عجزت عن تفسيرها .. تحسست بطنها بكفها وذهنها يحدثها : تركت الحبوب من اكثر من شهر .. بس ليش للحين ما حملت .. لو يدري شو بيصير ..


قامت بعد ان اعتقت ذاك المشط المسكين .. اخذت هاتفها واذا بها تطلب صديقتها سناء .. يرن كثيرا .. لكن لا من مجيب .. رمته بملل على السرير .. وخرجت للصالة .. اذا بها تسمعه : لا والله .. كله كذب .. انا ما اسوي هالشيء .. هي تحب اطلع عمرها مسكينة ومظلومه .. هيه صح انا فقدت اعصابي ذاك اليوم .. بس الصراحة ما انلام .. لو غيري كان ذبحها مب الا صرخ عليها ..


نفضت رأسها .. وخرجت من الجناح باكمله .. فلا يحق لها ان تتجسس عليه .. هو زوجها .. ولا يحق لها ان تظن فيه ظن السوء .. توجهت نحو المطبخ .. تريد ان تبل ريقها الذي احاله التفكير الى جفاف مميت .. انتبهت لبدر الذي ينزل السلالم بهواده .. ولكنها تابعت طريقها للمطبخ .. كان يقدم رجلا ويؤخر الاخرى .. هذه المرة الالف التي يبلع فيها ريقه ..حدث نفسه : بيزعل علينا .. يوم .. يومين .. بس بالاخر بيسامحنا ..

تنهد بعنف وكأن بجبل يكتم على انفاسه .. هاهو يقف يواجه باب المجلس .. والده بالداخل يتابع الاخبار .. مؤكد انه منفعل الآن بسبب تلك الاخبار التي تبث .. ولعله يكون هاديء .. زفر انفاسه المنهكة .. وقبل ان تعانق يده مقبض الباب .. اذا بيد اخرى تعانق ذراعه : الله يخليك لا تقوله .. ما بتحمل وانا اشوف نظرة ابوي لي .. ما بتحمل يا بدر .. الله يخليك .. انا تبت .. والله العظيم تبت .. ومن قبل ما تروح عمتي عنا ..

,‘،

تتتابع التوسلات على مسامع بدر .. كما تتتابع التوسلات على مسامع روضة : الله يخليج .. لا تخبرينهم .. مالي عين اقولهم .. ولا لي عين اواجههم .. الله يخليج رواضي ..

قامت واقفة : وانتي ليش يايبة هالنسبة اللي تفشل .. وامي اكيد بتدري ..

عندما انتبهت لسارة ولبكاءها .. استغفرت ربها ..جلست بجانبها على السرير : روحي لامي وخبريها .. بتزعل شوي وبعدين بترضا .. ولا تيلسين فهالخوف اللي انتي فيه .

مسحت دموعها .. وسحبت كمية من الهواء لعلها تعينها على ما ستقدم عليه .. ربتت روضة على ظهرها : ياللا وبروح وياج .

قطعتان من القماش الحريري .. طويتا ووضعتا على السرير .. وهناك بجوارهما .. علبتان من البخور الفاخر .. وعلبتان من العطر .. جميعها متشابهة .. ما عدا لون القماش اختلف .. وشيخة تعبث في دولابها باحثة عن شيء ما .. اذا بالطرقات الخفيفة على الباب .. ومن ثم دخول سارة المتوترة تصحبها روضة .. انتبهتا لما وجد على السرير .. ازدرت رقيها وهي تسمع والدتها التي تعبت من البحث : خير شو يايبنكن لحجرتي .

روضة : شو كنتي ادورين ؟

وهي تجلس بتعب على جانب السرير : ادور كيس زين .. وواسع احط فيه هالاغراض .

سارة : امايه .. طلعت النتيجة .

بفرح ولهفة قالت : بشري .. عسى النسبة زينة .

نظرت لروضة .. التي بدورها نظرة للارض .. ليبان الكتاب من عنوانه .. قالت بحدة : كم ؟

تلعثمت ... حتى انفاسها تضاربت : 69 %

صدمة اقعدتها على الارض: تسعه وستين يالظالمة .. وانا كل ما اسالج عن امتحاناتج تقوليلي زينه .. – اخذت تضرب فخذيها بكفيها – بحصلها منه والا منج .. يا ويل قلبي ع عيالي اللي خيبوا ظني فيهم .. يا ويل قلبي

اقتربت منها روضة : خلاص يا اميه .. لا تسوين بعمرج جذي ..

دموعها تسقط كشلالات لا تريد التوقف : اميه الله يخليج لا تسوين بعمرج جذي .. بعيدها .. بعيدها وبييب النسبة اللي تتمنينها .. بس دخيلج لا تسوين بعمرج جذي ..

بكاء ونحيب .. وكأن ذاك الرقم فجر احزان طويت بين ثنايا صدرها المجروح .. واصوات بُحت .. ونبرات خنقتها احداث ولم تستطع الصراخ .. كل ذلك جعله يحث الخطى مع اخته العنود . ليجلس بجانب والدته بخوف : شو صاير ؟

- آآآآه يا ناصر .. امك ما قادرة تتحمل

احتظنها من جانبها : سلامتج من الآه يا الغالية ..

اومأ لروضة بان تخرج مع اختيها .. وما ان خرجن : شو فيج يا اميه ؟

- مب قادرة اتحمل غيابه يا ولدي .. مب قادرة .. ولا قادرة ع الجفا اللي بيني وبين خالتك .. شوف – تشير على السرير – ايدي تعودت تاخذ من كل شيء اثنين يا ناصر .. خالتك امي واختي ودنيتي .. واخوك راح ولا همه اللي سواه .. ولا حتى قال عندي ام بطمن عليها .. راح ونسانا – تضرب بيدها على صدرها – نسى امه اللي رضعته .. وربته .

امسك يدها ولثمها بقوة : لا تقولين هالكلام يا اميه .. واحمد انتي مربيتنه .. شاكه فتربيتج يالغالية ..

ابتسمت ساخرة : تربيتي قطعت صلتي باختي .. تربيتي يتني تزفلي خبر نتيجتها اللي تفشل ..

- وانا مب تربيتج ياميه ؟

مسحت جانب وجهه بيدها : بس البكر غير يا وليدي .. متولهه عليه .. اريد اشوفه قبل ما اموت .

- بعيد الشر عنج .. بيرجع يالغاليه .. بيرجع .. حتى ولو طال غيابه بيرجع .


,‘،

Continue







,‘،



احيانا اتمنى ان اكون في مكان آخر .. وحياة اخرى ..

واتمنى ان يكون اسمي مختلفا .. وشكلي مختلفا ..

احيانا .. اتمنى ان احِب .. وان اُحب ..

واعيش قصة حب عجيبة .. مختلفة .. عذرية ..



نظرت لما كتبته .. وبعدها اغلقت دفترها .. حملته حيث مخبأه تحت ملابسها .. فلا تريد لاحد ان يتطفل على مشاعرها .. ابتسمت وهي تخفي اثاره بين القطن والحرير ... وقفت امام المرآة تنظر الى وجهها .. سحبت اصبع احمر الشفاه . ولكنها فضلت ان لا تضع منه على شفتيها .. اعادته وهي تزم شفتيها وتضغطهما حتى يتدفق بهما الدم ليغير لونهما .. رسمت عيناها بقلم الكحل الاسود .. وخللته بالازرق .. تمتمت : اذا هو بيتقرب مني فالليل .. انا بتقرب منه فالنهار .


ابتسمت وهي تخطو لتنفيذ ما كانت تفكر به منذ ايام خلت .. لا بد من التحرك .. فالانكسار لن يبني لها حياة كريمة ..غطت شعرها خوفا من احد الخدم .. مع انها لم ترهم الا في المطبخ .. ولكن لا بد من الحذر .. نادت على روز لتسألها عن جاسم .. وبعدها طلبت منها ان تحضر كوب عصير طازج .. جلست في الصالة .. ونظرها على صورة قاسم .. هل عيناه تشبهان عيني اخيه ؟ .. ابتسمت على سؤالها هذا .. سرعان ما اقبلت روز وبين يديها صينية صغيرة مذهبة الاطراف .. وفوقها يقبع كأس العصير الانيق .. وبجانبه منديل طرزت اطرافه بدقة متناهية .. قامت واخذت الصينية منها .. واذا بها تجري خلفها لتسبقها وتقف امامها : مدام .. لا يروح الغرفة .. استاذ جاسم ..

قاطعتها : جاسم زوجي ..


بلعت ريقها .. فخولة تغيرت .. حتى كلامها تغير .. مشت في ذاك الممر الضيق بعض الشيء .. والذي ينتهي بطاولة صغيرة بجانب تلك الغرفة المنشودة .. وضعت الصينية .. وارخت غطاء رأسها على اكتافها .. تنفست بعمق .. فهي ستخوض حرب جديدة .. حرب لا تعلم بما ستنتهي .. قد توصلها لاعتاب منزل اخيها مطلقة .. وقد تضعها في مكانة مختلفة عند جاسم .. طرقت الباب بخفة .. فتحت الباب وبعدها حملت الصينية لتدخل ..


كان هناك .. بقميصه الابيض الخفيف .. و " البرمودا " الرصاصية .. ما ان سمع طرق الباب حتى سحب نظارته .. ارتداها وقد اجتاحه غضب واستعد ليفجره في وجه القادم ..مسك الفرشاة بعنف .. والتفت لناحية الباب بغيض .. تلاشى غضبه .. فجأة دون سابق انذار تلاشى .. وهو يراها تدخل مبتسمة ..وضعت الصينية على الطاولة الدائرية في منتصف الغرفة .. او قريبا من المنتصف .. حملت كأس العصير .. ولا يزال يرقب حركاتها حتى اصبحت امامه .. ويدها تمد له الكأس : تفضل .

وضع الفرشاة من يده .. وسحب ذاك المنديل الكبير ليمسح بقايا الطلاء عن اصابعه .. وهو يحرك المنديل بين يديه ابتسم : ما خبروج اني ما احب حد يقاطعني .


اخذ الكأس من يدها ومشى حتى رمى بنفسه على ذاك الكرسي الوثير البني اللون .. تلفتت في المكان وكأنها لا تريد ان تنظر اليه : قالولي .. بس حبيت اكون هني .. واذكرك ..

وقبل ان تكمل : مبرووك .. اختج نجحت ويابت نسبة حلوة .. 94 % اي جامعة بتقبلها .. وانا ما نسيت عشان تذكريني .. قلتلج .. تختار الجامعة اللي تريدها وانا بتكفل فالباقي .. وخبرتج بعد – رشف من العصير – ان جاسم عند وعده وكلامه .


شبكت اصابع يديها خلفها : انزين لازم اروح اييب اوراقها ..

قام واقفا وتقدم نحو لوحته الناقصة .. وهي تتبعه بنظراتها : لا .. مب لازم .. والا انتي ما عندج كرامة .. تبين ترجعين لبيت انطردتي منه – التفت لها – كرامة زوجتي من كرامتي .. واذا ع الاوراق .. اتصلي باختج تجهزهن .. وانا بطرش حد ياخذهن منها .


لم تنطق .. تشعر ان الحديث مع جاسم عقيم .. لا طائل منه .. دائما ينهي الحديث .. دائما يصدمها بقوة .. يصغر نفسها امام عينيها .. يلقي بكلمات قوية على مسامعها لم تسمعهن يوما .. يتكلم عن الكرامة .. وماذا عن شوقها لاخويها .. الا يجب ان تترك الكرامة لاجلهما .. لقد تركتها قبلا لاجلهما .. ما باله الان يلقي عليها بهذه الكلمة .. تنفست وهي تشعر بان انفاسها اصبحت تقتلها .. استدارت لتخرج .. فاذا به يستوقفها .. وقفت دون ان تلتفت .. ودون ان تنطق .. وقفت وهي تشعر به يقترب منها .. اجتاحتها رجفة هزت عظامها .. ها هو يقف بجانبها .. وانفاسه تسمعها .. دقات قلبها تتعالى .. هي لا تحب نبرته تلك .. همس في اذنها : تحبيني ؟


سؤال غريب .. وابتسامة اغرب بانت معها نواجذه .. الصمت كان شيء متوقعا .. حدث نفسه بمكر ودهاء : قوليها .. وانا بنفيج من البيت .. وبدوس كرامتج اللي كنتي تبين تدوسينها .. قوليها ..


لا .. كلمة غيرت كل توقعاته .. وقلبت موازين تفكيره في تلك الانسانة الضعيفة .. التي تخاف منه .. ترتعب من انفاسه .. ترتجف بين احضانه .. اراد المزيد منها .. اراد منها ان تتكلم اكثر . شعر بقوة فيها .. حتى وان كانت ضئيلة جدا .. فخوفها طاغي على تلك القوة .. استطردت بصوت مرتجف : ما بكذب عليك .. وبقولك اني احبك .. وبعد ما بكذب عليك وبقولك اكرهك ..


انتظرت لبرهة .. لعله يكافأة بضربة ما .. او بأهانة ما .. توقعت كل شيء لصراحتها .. ولكنها لم تتوقع ان يقول : مشكورة .

التفتت له وهو يعود للوحته .. غير مبالي بكلامها .. يحمل الفرشاة .. ولوح الالوان .. يُجرم في تلك الانابيب مسيلا ما بها بعنف على ذاك اللوح .. ليخلط تلك البقع .. ويمزجها بهداوة غريبة .. وابتسامة تعلو محياه .. ابتسامة جعلت خولة ترسم ابتسامة ايضا .. لا تعلم لما ارتسمت تلك الابتسامة لابتسامته .. ولكنها تدرك ان جاسم ليس كما توقعت .. تركت الغرفة .. ولاول مرة هي من تنهي الحديث .. لاول مرة تشعر بانها تستطيع ان تخلق المستحيل معه .. ولاول مرة .. تشعر باحساس جديد نحوه .


,‘،

احساس اخر سيولد في مكان اخر .. بعيدا عنهم .. في منطقة أخرى .. وامارة اخرى .. في دبي .. بعيدا عن العاصمة ابوظبي .. هناك في ذلك القصر الكبير .. ستولد احاسيس ومشاعر جديدة .. دخل بعد عناء يوما طويل . الساعة تقارب العاشرة ليلا .. ووجهه المقفهر دليلا على اخبار ليست بسارة .. دخل واذا به يتفاجأ بجلوسها هناك بجانب اختيه.. تقدم ملقيا السلام .. وبعدها سأل عن احوال ابنة خالته .. وعن احوال اهلها .. قامت رنيم مقتربة منه لتهمس : تريد تيلس عندنا .


قطب جبينه : ميعاد .. ما في داعي تيلسين عندنا .. امي بخير .. وخواتي مب مقصرات وياها .. والحمد لله رضينا باللي انكتب علينا ..

وقفت وهي تعدل بلوزتها القطنية على اردافها : بس امي تقول لازم اهتم بخالتي ..

لم يهتم وقال : باكر بيوصلج السواق لبيتكم .. وبعدين انا اريد اخذ راحتي فالبيت .. ولا اريد حد معنا


بلعت غصتها .. وادركت انها مهما فعلت لن يلتفت لها .. رأت نظرات الانتصار في عيون رنيم .. ونظرات الاشفاق في عيون جواهر .. قال وهو يصعد السلالم : رنيم .. قولي لرشا تترياني فغرفة امي .. وسبقني انتن هناك .. في كلام اريد اقوله لكن ..

بعفوية قالت : وانا ..

توقف ونظر لها : اجتماع عائلي ..


وغادر المكان .. بقيت وحدها هناك .. ما كان منها الا ان تتصل بوالدتها لتبعث لها السائق .. فلا تستطيع ان تبقى اكثر وسط بحيرة الاستحقار التي وضعت نفسها فيها .. وهناك في عقلها تتوعد بانها في يوم ما ستكون هنا .. رغما عن فيصل وعن اخته رنيم .. وحتى رغما عن الكل ...


نائمة او انها تدعي النوم .. سمعت الطرقات على الباب .. فتوجهت بجسمها ووجهها للجهة المقابلة .. تقدم وجلس على السرير .. ابتسم ومن ثم مسح على رأسها .. يشعر بغضبها .. يشعر بالندم لما فعله .. ولكنه لم يكن بحالة جيدة .. حتى اليوم هو ليس بحالة جيدة .. ولكنه بدأ يفكر بطريقة صحيحة .. ولا ينكر بان كل ذاك كانت هي وراءه .. بالامس .. هجم على غرفتها وهو في قمة غضبه .. لم يكفيه ما حدث في ذلك اليوم .. فهو يعتقد بانها هي مخبأ اسرار والده .. هجم عليها نازعا تلك السماعات عن اذنيها بعنف .. لتقف مرعوبة مسقطة ذاك الكرسي خلفها : ماذا بك ؟


امسكها بقوة من ذراعها الضعيف .. يهزها كورقة ارجفها الهواء .. فحجمها لا ياتي شيء امام حجم فيصل : شو اللي تعرفينه .. وشو يعني انج مفتاح لخزنة ابوي ..

رغم عنفه .. ونبرة صوته الحادة .. لم تكن خائفة .. عيناها كانت صامدة : هل تريد ان تعرف ؟

رص على اسنانه وشد قبضته اكثر : تكلمي بالعربي ..

كانت تريد ان تفقده اعصابه : انت تفهم علي ..

كانت باردة .. وكان هو حارا كبركان يريد ان يدمر ما امامه : قولي شو اللي تعرفينه ..


ترك ذراعها اخيرا .. لتضع كفها اليمين على مكان قبضته : اولا .. عليك ان تدرك .. ان الغضب لا طائل منه .. ثانيا .. يجب ان تعلم ان سر النجاح هو معرفة من يقف امامك .. لا من خلال كلامه فقط .. بل من خلال حركاته .. ثالثا .. اذا كنت تريد ان تكون ناجحا .. فلا تنظر للوراء ..


ابتسمت له .. وهي تكتب على ورقة صفراء ارقاما كثيرة .. مالبثت حتى نزعتها .. مدتها له : جود سالم .. مفتاح الخزنة .

امسك الورقة التي كتبت فيها الارقام " 6754388 " .. نظر اليها وكأنه يسألها كيف ؟ .. رفعت الكرسي عن الارض وجلست عليه : هذه الارقام هي مكان احرف جود سالم على الموبايل .. لو انك تفكر بعقلك اكثر لكنت فهمت .. والآن اخرج من غرفتي ..


وضعت السماعات من جديد على اذنيها .. وبلعت ريقها بعيدا عن انظاره .. وسالت دموعها لألم روحها قبل ألم ذراعها .. ها هي الآن نائمة امامه .. يعلم بانها اعطته ثلاث دروس ثمينة جدا .. لا تغضب .. لا تحكم من الكلام .. ولا ترجع للوراء .. دروس ثمينة .. من اخت اثبتت بانها مختلفة حقا .. مسح على رأسها من جديد : جود .. ادري انج مب راقدة .. سامحيني – قبل رأسها – قومي عندي كلام لازم تسمعينه .. قلت لخواتج يروحن لغرفة امي ..

دون ان تتحرك : افلسنا .. وتم الحجز ع عدد من املاكنا .. من بينهن القصر ..

باستنكار : شو عرفج ؟

لا تريد النظر اليه .. لا تريد ان يرى دموعها .. فلم تغير من وضعيتها : اتصلت اليوم بجلال .. قالي ان عندكم اجتماع .. وان في خساير كبيرة .. والبنوك اطالب بفلوسها .. فخمنت الباقي ..

ربت على كتفها : بروح اقول لامي وخواتي ..


خرج تاركا نفساً ضعيفة محتاجة لحظن شخصاً لم يعد موجود .. تمنت لو انه اقتلعها من فراشها .. وغرسها في صدره .. تمنت لو ان تلك القبلة كانت قبلات .. وان تلك المسة كانت ذراعين تطوقانها .. تمنت الكثير افتقدته منذ رحيله ..


دخل غرفة والدته .. ها هي تجلس على تلك الاريكة وبجانبها رشا .. ورنيم تجلس على السرير .. وجواهر واقفة .. تقدم وقبل رأس والدته المكسورة .. وقال لرشا ان تبتعد قليلا ليجلس بجوار ميرة .. امسك كفها ولثمها .. ثم ربت عليها وهو يقول : خسرنا .. ولازم نخلي القصر .

صرخت رنيم قافزة من على السرير : شو .. شو يعني نخلي القصر .. ان شاء الله تبانا نعيش فبيت ..

نظر اليها ثم عاد ليكلم والدته : الديون كبيرة .. والبنوك تطالبنا ..

احتظنت كفه بظهر كفها وباطن الكف الاخر : خلني اكمل عدتي هني .. وعقبها نروح بيتنا .

عادت تصرخ من جديد : اي بيت .. عن اي بيت تتكلمون .. انا مستحيل اعيش فبيت عاادي .

ولا انا .. كان هذا كلام جواهر .. الذي اجبر ميرة على الوقوف : بيت اهلي موجود – التفتت لفيصل – بعطيك المفتاح ورتبه الين اخلص عدتي ..

- انتوا ما تفهمون – تساقطت دموعها – كيف تبونا نخلي القصر ونروح لبيت عادي – امسكت يد فيصل – فيصل الله يخليك سو شيء .. هذا بيتنا .. هني عشنا .. صعب نعيش فبيت اصغر ..

- هذا المكتوب يا رنيم ..

,‘،


المكتوب تلك الكلمة التي دائما نختبأ خلفها .. نخطيء .. ويخطئون .. ونقول بانه مكتوب .. نمشي خطوات لم نحسب عواقبها وايضا ندعي بانه مكتوب .. في كل شيء حتى في ابسط الاشياء .. فها هو الاخر يمشي في ممرات المستشفى .. كل شيء ابيض .. تتهادى الى ذهنه كلمة مكتوب .. ولكن عن اي مكتوب يتكلم .. يمشي ولا يشعر بذاك المار بجانبه .. ولا بتلك التي تصرخ متألمة .. يمشي وعيونه مفتوحة وهي في حقيقة الامر لا ترى الا طريقه .. طريقا جديدا .. رسم له غصبا عنه .. اهتز جانبه .. احدهم صدمه بعنف وهو يمر .. لكن لم يهتم .. وتابع المشي .. هاهي بوابة المستشفى تلوح امام ناظريه .. وقف هناك بين الخارج والداخل .. بين النظافة المقننة .. وبين الوساخة الظاهرة .. وقف وبيده ورقة تصرخ حروفها من شدة قبضته .. فذاك اسمه قد كتب .. وهناك عمره .. وهناك جنسه .. وهناك نقشت كلمات اماتته .. نقشت بدم بارد .. نقشت لتحدد مصيرا يجب ان يمشيه .. وطريقا مشاه رغما عنه .


,‘،

سمحولي البارت قصير .. بس ما حبيت ازحمه باحداث ثانية ^^
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة

الانتقال السريع


الساعة الآن 08:48 AM



Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2014, vBulletin Solutions, Inc.
SEO by vBSEO 3.6.0

Ramdan √ BY: ! Omani ! © 2012