آخر 10 مشاركات
عروس راميريز (34) للكاتبة: ايما دارسي ( الجزء الاول من سلسلة عرائس راميريز ) كاملة (الكاتـب : Gege86 - آخر مشاركة : ندوش الحربي - مشاركات : 5879 - المشاهدات : 230475 - الوقت: 06:54 AM - التاريخ: 16-09-14)           »          نسائم حب ... "متميزة" "مكتملة " (الكاتـب : سحابه نقيه 1 - آخر مشاركة : Dove86 - مشاركات : 4140 - المشاهدات : 168653 - الوقت: 06:52 AM - التاريخ: 16-09-14)           »          346 - قاهرة اليأس - جانيت بازويل - م.د ( إعادة تنزيل ) (الكاتـب : * فوفو * - آخر مشاركة : shimaa1 - مشاركات : 584 - المشاهدات : 21729 - الوقت: 06:51 AM - التاريخ: 16-09-14)           »          دروب.. (الكاتـب : Mai sherif - آخر مشاركة : احمد كيمو - مشاركات : 198 - المشاهدات : 2011 - الوقت: 06:50 AM - التاريخ: 16-09-14)           »          180 - النصف الآخر - شارلوت لامب - ع.ق (الكاتـب : dalia - آخر مشاركة : عبق الورد11 - مشاركات : 938 - المشاهدات : 41240 - الوقت: 06:48 AM - التاريخ: 16-09-14)           »          الرزق على الله .. للكاتبه :هاردلك يا قلب×كامله× (الكاتـب : بحر الندى - آخر مشاركة : الفراشة الجميلة - مشاركات : 546 - المشاهدات : 58150 - الوقت: 06:47 AM - التاريخ: 16-09-14)           »          مقال تحت عنوان : لا يوجد ثنائي آخر يليق لهذه الدرجة 😍 (الكاتـب : noormohannad - مشاركات : 0 - المشاهدات : 7 - الوقت: 06:45 AM - التاريخ: 16-09-14)           »          181- عد فقيراً مثلي ! - جين دونيللي - ع.ق (الكاتـب : angel08 - آخر مشاركة : عبق الورد11 - مشاركات : 1147 - المشاهدات : 60201 - الوقت: 06:44 AM - التاريخ: 16-09-14)           »          309- من يحب.. يخسر! - كيم لورنس - (تصوير جديد) (الكاتـب : Gege86 - آخر مشاركة : ورود الغرام - مشاركات : 699 - المشاهدات : 64749 - الوقت: 06:43 AM - التاريخ: 16-09-14)           »          307 - اذا كنت تجرؤ ! - كارول مورتيمر (الكاتـب : سيرينا - آخر مشاركة : ورود الغرام - مشاركات : 1024 - المشاهدات : 43988 - الوقت: 06:43 AM - التاريخ: 16-09-14)



العودة   شبكة روايتي الثقافية > منتدى الروايات الرومانسية المترجمة > منتدى روايات (عبير- احلام ) , روايات رومنسيه متنوعة > منتدى روايات أحلام العام > روايات أحلام المكتوبة

Like Tree5Likes

إضافة رد
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
أحزان أبنة الفجر - جوليا جايمس (كتابة /كاملة )


السلاااااااااااااام عليكم ورحمة الله وبركاااااااته

كيف حالكم !!!إن شاء الله بخير ...
المهم اليوم جايبه لكم روااااااااايه روااااااااااااايه روااااااااااايه ماحصلتش
صراحه انا مرررره أحبها أصلا ما أكتب روايه إلا إذا حسيتها مميزه وأثرت فيني يعني نصيييحه أقروها وقولي لي رايكم فيها ....
طيب !!!!!:girly[1]


أحزان أبنة الفجر

جوليا جايمس

1- لقيطة

هبت نسمة هواء من المبنى الطويل القائم أمامها , فتمايلت أعمدة المياه المتدفقة الشبيهه بالريش , وأحست رايتشل برذاذ آني خفي من قطرات المياه يرشّها عندما مرت بالقرب من النافورة .
أحسّت بالبرودة تلفح بشرتها .
هذا مايجب ان تكون عليه , بارده , هادئه , رصينه , ومن دون أي أثر للأحاسيس . إنها هنا لكي تجري عقد عمل . هذا كل شيء . لو فكرت بما هي على وشك القيام به على أي نحو آخر . . .
لا! لاتفكري ... لاتشعري ... بهذا الشكل يمكنك أن تجتازي هذا الموضوع والأهم من كل شيء
لا تتذكري !
ضغطت رايتشيل على زر في دماغها ذهنياً , فقطعت على نفسها حبل أفكارها .
أنطلق رذاذ آخر من المياه بشكل متقطع فوق بشرتها مجدداً
تشربت رايشيل ذالك الاسكون الصافي المنبعث من نافوره المياة ذات الهندسه المميزه , التي تزين مدخل المبنى الزجاجي المتوهج الخاص بالمكاتب , إنه مبنى ملائم ليكون المقر الئيسي لإحدى أكبر التكتلات الصناعية وأكثرها نجاحاً في بريطانيا , بدا مبنى شركة فارنيستي الأكثر فخامة بين المباني الموجودة في الحديقة البهيه المخصصة للآعمال , والتي تقع على حدود تشيسويك إحدى اقدم القرى في لندن.
تابعت رايتشل سيرها فوق كعبي حذائها العاليين اللذين جعلاها تتمايل بأناقه في بذلتها الثمينه التي تمت خياطتها خصييصاً لها .
جلست بحذر شديد أثناء قدومها إلى هنا , فحرصت على ألآ تتجعد تنورتها ذات اللون البنفسجي الشبيه بلون الخزامى , وألا ينسل جورباها اللامعان الثمينان ,
أرادت أن تبدو خالية من أي عيب, تطلب منها تجهيز نفسها أكثر من ساعتين , غسلت شعرها وصففته , ثم وضعت التبرج التام بمنتهى الدقة وكذلك طلاء الأظافر , كما أرتدت بحذر الملابس الداخلية الحريرية وأكثر جواربها لمعاناً, ولبست قميصاً ناعمة بلون القشدة . أخيراً أزلقت رايتشل التنورة الضيقة المقلمة فوق وركيها النحيلين , وذراعيها داخل السترة القصيرة حتى الخصر ذات القبه المحفوره التي أبرزت بأناقة جسدها الرشيق . أنتعلت حذاء من الجلد الإيطالي لونه مشابة تماماً لون البدلة التي أرتدتها , كما تلاءم حذاؤها مع الحقيبة التي حملتها في يدها , فصار مظهرها مكتملاً , تطلب منها الأمر مايزيد عن الأسبوعين حتى تجد هذه الملابس . قامت بزيارة كل المحلات الفخمه المخصصة لبيع الألبسه , فلا بد أن تكون مناسبة تماماً .
مهما يكن , فالشخص الذي تنوي أن تثير أهتمامة وتؤثر عليه هو ذو مقاييس متطلبه عالية , إنه أستثنائي في مقاييسة . ييجدر بها أن تعرف ذلك , لأنها فشلت في تحقيق هذا المستوى في إجى المرات بشكل مروع ومذل . عليها ألا تفشل هذة المرة .
وعدت رايتشل نفسها بأنها لن تفشل هذه المرة فيما مشت متوجهه نحو البابين الضخمين اللذين أنفتحا تلقائياً عندما تنت منهما . علمت رايتشل هذه المرة أنها ستتمكن من رفع رأسها عالياً أمام اي أمرأة تقارن بها . صحيج أن البعض يفضلون السمراوات القصيرات القامة او الصهباوات المتبرجات بدىً منها هي الشقراء الأنيقة النحيلة , لكن إذا كان المرء يحب هذا الطراز فهي تبدو كاملة , تاااااامة!!
هذا ماكانت والدتها لتقوله موافقة على ماتفكر رايتشل به .
قبضت الأحاسيس قلب رايتششل , لكنها أخضعتها على الفور , فالمشاعر من أي نوع سوف تكون مميته خلال هذا اللقاء . إن كانت تأمل بأن تنجح في مهمتها يجب أن تكون هادئة , واثقة ورصينة جداً .
إنها هنا من أجل العمل . لاشيء أكثر .
بدأت تخطو من دون وعي عبر بهو ا لمدخل الضخم . أحست بوخز خفيف ينسل نزولاًعلى عمودها الفقري , لكنها تغلبت علية . هي موجوده هنا لتقترح فكرة ما لاشيء أكثر , وهذا العمل سوف تكون له نتائج مستحبة لكلا الفريقين . أقتراحها سيكون مباشراً وصريحاًتماماً , ولايتطلب أحاسيس على الإكلاق من أي من الفريقين المشاركين في العمليه .
تابعت رايتشل سيرها فوق الأرضية الرخاميه الفسيحة نحو مكتب الأستقبال حيث أرتفعت في وسط القاعة أيضاً نافوره مياه أخرى حذقة التصميم , إنه جدار من الماء الجاري على الإطلاق .
توقفت رايتشل أمام موظفة الأستقبال التي ترتدي ملابس أنيقة , فيما نظرت إليها بأستفسار مؤدب . قالت رايتشل :" أنا هنا لمقابلة السيد فارنيستي "
ردت موظفة الأستقبال قائلة :" الأسم , من فظلك "
ومدت يدها أثناء ذلك لتتناول دفتراً لتدوين المواعيد .
أجابت رايتشل من دون أن يرتعش صوتها :" رايتشل فايل "
عبست موضفة الأستقبال , وقالت :" أنا آسفة آنسة فايل , لكن يبدو أن أسمك ليس مدوناً "
تكلمت رايتشل من دون أن تصاب بالفزع , فقالت بتأكيد هادئ :" إذا أتصلت بمكتبة وأعطيته أسمي , ستجدين أنه سوف يقابلني "
نظرت موظفة الأستقبال إلى رايتشل غير واثقة , وعلمت هذه الأخيره سبب ذلك , فوجهت لنفسها أبتسامة ساخرة .
- أنت تعتقدين أنني إحدى عشيقاته . أليس كذلك ؟ أنت لاتعرفين ما الذي يجدر بك أن تفعلية لو كنت كذلك .
هل هي موجوده على قائمتة الحالية ؟ أتراه أعطى أوامره بألا يتم إيصال مكالماتها الهاتفية لو أتصلت أو جاءت إلى هنا شخصياً؟
تحولت الأبتسامة الساخرة إلى شعور بالمرارة , فهي تعرف الروتين المعتمد . آه ... نعم ! إنها حتماً تعرف الروتين .
- لحظه من فظلك .
قالت موظفة الأستقبال ذلك , ثم رفعت سماعة الهاتف .
ضغطت رايتشل شفتيها سوياً . سوف تتحقق من مسؤولية الشؤون الخاصة به و تماماً كما قد تفعل أي موظفة جيده لدى شركة فارنيستي .
- سيدة والترز ؟ الأنسة رايتشل فايل موجوده في مكتب الأستقبال . أخشى أنني لست أرى أي موعد محدد لها في دفتر المواعيد .
سادت لحظة سكوت , ثم ...
- جيد جداً , شكراً لك , سيدة والترز .
أستنتجت رايتشل من التعالير المرتسمه على وجه المرأه ما أمرت بأن تفعله , التخلص منها .
كانت المرأة على وشك أن تعيد السماعة إلى مكانهاا , لكن رايتشل اعترضت تلك الحركة بمنتهى الهدوء , فأخذت سماعة الهاتف منها ؟ ظهر الأعتراض على وجه موظفة الأستقبال , لكن رايتشل لم تعرها أي اهتمام .
- سيده والترز ؟ أنا رايتشل فايل . أرجوك , أعلمي السيد فارنيستي أنني في مكتب الأستقبال . أخبرية ...
توقفت رايتشل لفترة وجيزة جداً , ثم تابعت :" ... أنني جئت أعرض علية شيئاً يعتبره قيماً جداً . وشكراً جزيلاً لك . آه ! سيدة والترز . . . يجدر بك أن تقولي ذلك على الفور فخلال ثلاث دقائق سوف أخرج من المبنى , وسوف أسحب عرضي . ظاب يومك "
أعادت رايتشل سماعة الهاتف إلى موظفة الأستقبال التي راحت تنظر إليها من دون التفوه بأي كلمة , قالت للمرأه ببرود :" سوف أنتظر هنا "
نظرت رايتشل إلى الساعة في معصمها , وحملت حقيبة يدها , ثم توجهت نحو مجموعة من الأرائك الجلدية البيضاء المحيطه بطاولة دائريه , حيث تم ترتيب صحف اليوم , حملت نسخه من صحيفة التايمز , وباشرت بقراءة الصفحة الأولى .
رنّ هاتف مكتب الأستقبال بعد دقيقتين وخمسين ثانية تماماً من إعادتها سماعة الهاتف إلى موظفة الأسقبال قلبت رايتشيل صفحة الجريده و وتابعت القراءه ,
بعد مرور ثلاثين ثانية جاءت موظفة الأستقبال , فوقفت إلى جانبها قائلة :" السيده والترس سوف تلاقيك في الطابق الإداري , آنسه فايل "
استقلت رايتشل المصعد إلى الطابق العلوي , عندما أنفتحت الأبواب تقدمت نحو رايتشل أمرأه في متوسط العمر أنيقة اللباس , وقد بدا وجهها لطيفاً .
- أنسة فايل ؟
أومأت رايتشل برأسها , فيما خلا وجهها من أي تعابير .
- أيمكنك أن تتبعيني من هنا , أرجوك ؟
قادتها المرأه إلى أمام على كول فسحة مغطاة بسجاده بلون القشدة , تتخلله قطع ضخمة من التماثيل التدريديه بدا ذللك مهيباً ومؤثراً في النفس . صُمم المكان حتى يكون مخيفاً مرعباً للمتطفلين الوقحين القليلي الحياء مثلها .
لكن رايتشل جاءت إلى هنا لتدري صفقة عمل . لاشيء أكثر ... ولاشيء أقل من ذلك .
قادتها السيدة والترز مباشرة نحو بابين من الخشب . قرعت المرأه على الباب بشكل مميز . ثم فتحت أحد البابين وأعلنت قائلة :" الآنسة فايل , سيد فارنيستي ".
خطت رايتشل إلى الداخل , فيما لم يظهر أي أثر للمشاعر في وجهها .
بدا السيد فارنيستي تماماً كنا تعده . لم تغيره فترة السبع سنوات على الإطلاق . لا بد أنه سيبقى طيلة حياته أجمل رجل رأته رايتشل على الإطلاق !
فكرت رايتشل من دون وعي أن الجمال كلمة غريبة جداً لتطلق على رجل ما , لكنها بالرغم من ذلك الكلمة الوحيدة التي تناسب فيتو فارنيستي . إنه جميل بشعرة الأسود القاتم , بوجهه المرسوم بأناقة , بعظمتي خديه العليتين المنحوتتين بدقة , بخط أنفه الناعم وبفكه ذي الحواف المسطحه , أما فمه فكامل كما لو أنه يخص ملاكاً ما , لكن ليس ملاك النور بالطبع , بل ملاك الخطيئه .
استند فيتو إلى الوراء في كرسيه الجلدي . بدا جامداً تماماً فيما ألقى إحدى يديه على سطح مكتبة الأسود .
لم ينهض واقفاً على قدميه ليرحب بها .
سمعت رايتشل القرقعه الخافته للباب وهو ينغلق , فأدركت أن السيدة والترز أدت واجبها كاملاً .
راقبها فيتو بغموض خال من التعابير من تحت أهدابه البالغه الطرول بدا لامبالياً مجرداً من المشاعر , فيما ظل ملتزماً الصمت
في ذلك الصمت سمعت رايتشل في رأسها أو ل كلمات قالها لها فيتو , كما لو أن الزمن قد تلاشى ...
منذ أحد عشر عاماً , كانت رايتشل في الرابعه عشرة من عمرها ... كانت فتاة طويلة القامة , خرقاء , بسيطة وعادية , كانت أشبه بمهرة صغيره لم تبلغ نموها بعد . حصل ذلك خلال الأجازه الصيفيه المدريسة , وخلال أول أسبوع منها . كان يفترض برايتشل أن تذهب لتمضية أسبعين لددى صديقة لها في المدرسة , إلا أن جيني تعرضت لألتهاب في آخر يوم من الفصل الدراسي , فألغي والدها الدعوه الموجهه إلى رايتشل . أعلمت المدرسة والدة رايتشل بذلك في اللحظه الأخيره , فأرسلت لأبنتها تذكره سفر لتأتي بها إلى إيطاليا .
لم ترغب رايتشل بالذهاب إلى هناك , فهي تعلم أن والدتها لا ترغب بتواجدها معها . هي لم تعد ترغب بوجود أبنتها معها منذ أن أستخدمها إنريكو فارنيستي , فأنتقلت إلى أيطلايها لتبقى قريبة منه قدر الأمكان . والآن ما عادت تراها والدتها إلا لمدة أسبوع تقريباً في فندق في لندن , يقوم إنريكو بدفع تكاليفة , تعلم رايتشل أن آرلين كانت تسرّ بأنتهاء الزيارة حتى تتمكن من العوده لإنريكو .
لكن خلال تلكك الإجازه , لم يكن لدى رايتشل أي مكان آخر تقصده . فأنتهى الأمر بها في إيطاليا كما يحصل دوماً .
الفيلا التي بناها إنريكو لوالدتها جميله جداً , تستقر فوق تل يعلو قرية حديثة الطراز مجاوره للبحر على الشاطئ الليغوري . وهي على مقربة من تورين , حيث تقع مصانع فارنيستي .
وجدت رايتشل نفسها مسحوره بجمال المكان بارغممن عدم رغبتها بالتواجد هناك , فهي لم تكن قد شاهدت البحر المتوسط من قبل . بعد ظهر أو يوم لوجودها هناك , وبعد أن أوصلها السائق الخاص الذي لاقاها في المطار , لم تهدر وقتها , فهرعت نحو بركة السباحة . بدا لها أن الفيلا مهجوره وأن ليس فيها سوى مدبرة المنزل التي لم تكن تتكلم سوى الإيطاليه , بالرغم من وجود سيارة حمراء ضخمة أمام مدخل المنزل . افترضت حينها أن والدتها وإنريكو هما حتماً خارج المنزل , فانسلت ممتنه لتنعم بالمياه الدافئة تحت أشعة الشمس . وصلت رايتشل إلى جهة المياه الضحله في البركة بعد أن قطعت البركة سباحة أثنتي عشرة مرة او ما يقاربها . توقفت لفترة وجيزه واضعة إحدى ذراعيها فوق الحافة الحجرية للبركة , أما شعرها المبلل فأنسدل إلى الوراء إلى شكل ذيل الفرس مستلقياً فوق إحدى كتفيها . تمهلت لتلتقط أنفاسها قبل أن تستعد لتستدير وتتوجه نحو الجهة العميقة مجدداً , وفي تلك اللحظه أدركت أن الفيلا ليست مهجوره فعلاً . رأأت أحدهم يقف عند قمة درج قصير من الدرجات الحجريه . إنه شاب في أواخر فترة المراهقة . ربما في العشرين من عمره . من الواضح أنه إيطالي , فهو نحيل جداً وطويل جداً .
ظل الرجل واقفاً هناك من دون أي حراك . ثم بدأ يسير ببطء نزولاً على الدرج .
كان يرتدي سرواً بدلون القشدة دقيق القصة والتصميم , ويضع إحدى يديه في جيبة , كما يرتدي قميصاً مفتوحة عند العنق بلون القدة أيضاً , فيما وضع حو كتفية كنزة لون الشوفان . نزل الرجل الدرج برشاقة متراخية أوقفت الأنفاس في رأتي رايتشل . أنجرّت عيناها بعيداً عن عنقة الطويل فوصلتا إلى وجهه . أحست حينها أن كل عضلة في جسدها تنقبض بشكل لا يحتمل . إنه أجمل وحه رأته على الإطلاق !
لامس شعره الأسود القاتم برقة جبينه الأسمر , ولاحظت رايتشل عظمتي خدية المنحوتتين , وفكة وأنفة وفمه ماجعل معدتها تتلوى .
كان الشاب يضع نظارتين شمسيتين عامقتي اللون , فبدا جميلاً جداً ومتألقاً إلى درجة كبيرة كما لو أنه خرج للتو من مشهد من فيلم سينمائي , توقف عند أسفل الدرج على بعد حوالي المترين من حافة البركة , ونظر إلى رايتشل . أخفت نظارتاه السوداوان عينية , لكن رايتشل . فجأة أحسّت أنها مكشفة تماماً أمامه .
أتراه يعلم أنه يفترض بها أن تتواجد هنا ؟ لم تكن لديها أدنى فكره عن هويته , لكنها أدركت فطرياً أنه من ذلك النوع من الأشخاص الذين يعرفون من يكونون , إن مظهرة وجماله يخطفان الأنفاس , أما اناقته المتعجرفة فبدت فطرية غير متكلفة . إنه من ذلك النوع من الرجال الذين تتهافت الفتيات عليه , وقد يتقاتلن في سبيل الحصول على إلتفاتة منه .
أدركت رايتشل حينها بالتحديد أنها هي التي تحظى بأهتمامة في بلك اللحظات , فغمرها ذلك النوع من الحرج المريع الذي بزغ علليها فجأه , ولم يعجبها ذلك .
لم يكن سبب ذلك فقط التحذير الذي وجهته لها مدبرة منزلها قبل مغادرتها إلى إيطاليا حيال ولع الرجال الإيطاليين وأستحسانهم للفتيات الشابات , ذلك التحذير الذي أخذ يطن في أذنيها , بل لأنها أحست بالخجل الشدييد . بغض النظر عمن يكون هذا الشاب , من الواضح أن له الحق الكامل باتواجد هناك , لكن نظراً إلى وصولها غير المتوقع فلربما هو لايعرف بأن لها هذا الحق أيضاً . أسلوب نظره إليها جعلها تشعر بالأنزعاج .
قد يكون ثوب السباحة الذي ترتدية أقل ملابس السباحة تألقاً في العالم , فمقارنه مع بعض الفتيات في مثل سنها, كانت هي متأخره قليلاً في النضج , إلا أن الرياضة التي تمارسها جعلت ذراعيها تمتلئان بالعضلات . أما بانسبة إلى وجهها . فهي تفترض أن لابأس به لكنه عادي جداً .
لربما كلمة " عادي " ليست موجوده في قاموس الرجل الذي كان يحدق نزولاً نحوها . هي تعلم تماماً أي نوع من الفتيات قد يواعدهن . إنهن فتيات القائمة الأولى اللواتي ترشح منهنّ الجاذبية . إنهن فتيات مذهلات رائعات في كل لحظة من النهار .
هذه الأمور كلها مرّت في ذهن رايتشل خلال لحضات قليلة فقط , وأدركت أنها ليست من الفتيات المدونات على القائمة الأولى , فهي صغيرة جداً بالنسبة إلية , وهي لييست موجوده حتى بالنسبة إلية كفرد من جنس النساء . إذاً ماهمها لو اعتقد ان ثوب السباحة الذي ترتديه ليس ساحراً وأن وجهها وقوامها ليسا كذلك أيضاً ؟
أما الأمر الهام فعلاً فهو أنه قد يظنها تتطفل على أرضة , أو أنها سائحة غريبة استغلت الفرصة بأعتبارها الفيلا مهجورة .
تارع الشاب النظر إلى رايتشل , فيما بقيت إحدى يديه محشوره في جيب سرواله , بينما تدلت يده الأخرى مسترخية . بدت ملامحه غير مقروءة . أتراه ينتظر أن تقول شيئاً ما لتفسر وجودها ؟
غمرها الشعور بالأحراج والأحمرار , فرفعت رايتشل بدها المترددة بنوع من التلويح , لكنها أحست بالغباء لحظة تصرفت على هذا النحو , غير أن الأوان كان قد فات على التراجع . قالت رايتشل بغربة :" مرحباً ! أنت على الأرجح تتساءل عمّن أكون , لكن ..."
لحظة بدأت رايتشل تتكلم أدركت أنها تبدو غبية . إنها تكلمة باللغة الأنكليزية بينما يبدو من الواضح تماماً أن الشاب إيطالي .
قطع الشاب حديثها فأختصره قائلاً :" أنا أعلم تماماً من تونين "
تكلم الشاب بلغة إنكليزية سليمة تماماً . أمما نبرتة الأيطاليه فلم تسهم أبداً في تليين قساوة كلماته الصريحة الفظة حين تابع :" أنت الأبنة اللقيطة لعشيقة والدي ".

موــــــــني ^___^
++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++


2- أريد خاتمك

بعد مرور إحدى عشر سنة مازال صوت فيتو خشناً كما كان تماماً , كما أن لكنته الإطاليه بقيت على حالها .. غير لينه .
- إذاً قررتِ أخيراً أن تستخدمي آخر ذخيره لديك .
راحت عيناه تراقبانها من دون أن تظهر فيهما أي تعابير واضحة .
لكن عندما أستقر تحديقه الثابت اللامبالي عليها , استطاعت رايتشل أن تلحظ ومضة ذهبيه في عمق أعماق عينيه.
احست كما لو أن ومضة الأحاسيس تصوّب نحوها تماماً كرصاصة القناص , وهي مميتة بالقدر نفسه .رأت ذلك اللمعان الذهبي في عينيه مرتين خلال لحظتين فقط .
ظهر ذاك اللمعان مع أول كلمات قالها على الإطلاق .
أدركت رايتشل بمرارة أنها لو كانت تمتلك ذرة من غريزة البقاء حينها لحرصت على أن تكون تلك آخر كلمات يقولها لها فيتو أبداً .
لكن تلك الفتاة الغبية العديمة الخبرة ذات الأربعة عشر ربيعاً لم تمتلك أي غريزة مماثله . الغريزة الوحيدة التي تملكها هي واحدة غبية قادتها بطريقة مميته إلى دمارها الكامل .
طوال سبع سنوات راحت تقمع بلا رحمة أو هوادة أي مشاعر تتعلق بالرجل الجالس أمامها الآن والذي لايبعد عنها أكثر منثلاثة أمتار , لكن تلك الذكرى الصاعقة عاودتها من حيث لاتدري . إنها تفضل أن تخسر يدها اليمنى على أن تتذكرها الآن وهنا بالذات .
لا! لا َ!
أجبرت نفسها على دفع تلك الذكرى جانباً . أنت هنا من أجل أمر واحد فقط . هدف وحيد ... مغزى وحيد .. صفقة عمل واحدة !
زادت رايتشل من حدة تحديقها به .
لاتشعري بأي شيء . لاتتذكري أي شيء !
جلس فيتو في مكانه بأنتظار أن تتكلم . علم أنها سوف تتكلم . ذلك هو السبب الذي دفعه إلى استقبالها ,فذلك هو المبرر الوحيد لوجودها المستمر في حقل المعلومات الخاص بذهنه . لاوجود لها في ذهنه إلا في هذا الإيطار .
هل أنا موجوده على الإطلاق في ذهنه ؟
تسلل هذا السؤال الغدار العديم الجدوى إلى ذهن رايتشل . لا!
إنها ليست موجوده على الإطلاق في ذهنه ؟
إنها ليست موجوده أبداً بالننسبة إليه . ليس هي ... رايتشل فايل . ليس الشخص الذي هي عليه , روحها , ذهنها , شخصيتها , ماتحبه وما تكرهه . لاشيء يتعلق بشخصها موجود بالنسبة إليه !
بعد مرور أحد عشر عاماً طوالاً مازالت كلماته تتردد في ذهنها ؛
" أنا أعلم تماماً من تكونين . أنت الأبنة اللقيطة لعشيقة والدي ".
هذا ماهي غليه بالنسبة إلى فيتو فارنيستي . هذا كل ماكانت عليه غلى الإطلاق بالنسبة إليه وكل ماقد تكون عليه يوماً . بعدئذٍ جائتها فكرة جديدة تسللت من بئر المرارة القديمة العهد . فكرة جعلتها امرأة شريرة وقحة . سوف تكون أكثر من ذلك بالنسبة إلى فيتو فارنيستي إن أراد أن يتم الصفقة معها .
انشدّت كتفاها إللا الوراء . استقرت نظراتها على وجهه الفارغ اللامبالي , فلم تلحظ أي أثر للأحاسيس في عينيه على الإطلالاق .
بدأت تقول :" هناك شروط ..."
احتفظ فيتو بجموده . لدا كأن كل عصب وكل خلية في جسده خاضعتين لسيطرته بالكامل . لو أنه لم يفرض هذه السيطرة القاسية على جسده . لأندفع جسده من تلقاء نفسه ليقوم عن الكرسي , ويشق طريقه متخطياً المكتبة , ليلفّ يديه حول كتفي المرأة التي تجرأت على الوقوف هنا حتى تعرض عليه الشروط . كان ليهزّها ويهزّها ...
انغلق ذهن فيتو . من المميت أن يسمح لنفسه حتى أن يتخيل تلك الفكرة , خشية أن تسيطر عليه وتصبح أمراً حقيقياً . عوضاً عن ذلك ظل جالساً مكانه بلا حراك البتة وهو يراقبها .
ها هي رايتشل فايل تزحف إلى حياته بعد مرور سبع سنوات !
بالرغم من ملابسها الأنيقة هذه , فهو لن ينخدع بمظهرها البراق .
تشرّبت عيناه كل التفاصيل : الشعر , الذله , الأظافر , القطع الزينيه . وضع فيتو بطاقة سعر على مظهرها باكمله . خمس مائة جنيه ؟ وربما يضع مئات أخرى لو أضاف سعر الحذاء وحقيبة اليد . من أين تراها تحصل على المال ؟
طعنه هذا السؤال في رأسه , فسبب له مرارة لاعهد له بها .
أمِن رجال آخرين ؟
حسناً ...! أرخى فيتو التوتر المفاجئ الذي لايمكن تفسيره في كتفيه مع تكوّن الجواب في ذهنه إنها حتماً تمتلك الجينات المناسبه لذلك . لابد أنها مهنة تجري في العائلة ..
في الواقع رايتشل ليست بحاجة إلى جينات محددة لكي تقوم بذلك , فمظهرها الفاتن يكفي وحده . فكّر فيتو أن راتشل هي في قمة بألقها الجسدي الأن , وهي حتماً تعرف كيف يجدر بها أن تقدم نفسها . أحس بنصل السكين يخرقه مجدداً , لكنه تجاهله .
تأمل رشاقتها الشبيهة برشاقة فرس السباق وشعرها الأشقر الرمادي المنسدل على كتفيها وعينيها الواسعتين الساحرتين وفمها الرقيق .... لا !
أحسّ بشفرة تخترق ذهنه مجدداً . حسناً! إنها تبدو رائعة , متألقة , ساحرة ... ماذا إذاً ؟
لاعلاقه لمظهرها به . لاشيء بخصوص رايتشل فايل يهمه بتاتاً . مايهمة هو الثمن الذي ستطلبه .
استرخى ففيتو بهدوء إلى الوراء في كرسيه , فم يسمح إلا لأهدابه السميكة بأن تنخفض قليلاً فوق عينيه وهو يسألها :" والثمن الذي تطلبينه هو ...؟"
ظهر المقت في صوته , ولم يزعج نفسه حتى بإخفائه ؟ هل تحرك شيء ما في وجهها ؟ إنه لايستطيع أن يؤكد ذلك . لكن رايتشل أجابت بنوعية الصوت الذي تكلمت به من قبل , فقالت :" أنا لم أقل " الثمن" بل قلت " الشروط ".
عبرت جسد فيتو موجة جليدية مفاجئة من السخط والغضب . فكر أنها تملك مايكفي من الوقاحه لكي تأتي إلى هنا ثم تلوي ذراعه على هذا الشكل . هي تدرك أنها قادرة على ذلك . حسناً ! طيلة ثلاث سنوات يحاول فيتو بكل طريقة ممكنة أن يسترجع ماهو ملكه ...ملكه ! أخيرااً تبين له أن فريق المحامين الذين يعمل لديه عديم الحيلة أمام هذه المسألة . إنهم بلهاء ! قال له المحامون إن الهدية هي هدية , وتلك الصفقة تعطي حقاً قانونياً للمتلقي . مهما يكن , فوالده منح عشيقته العديد من الهدايا القيمة جداً ومن ضمنها المجوهرات ...
قاطعهم فيتو يومها وهو يطلق الشتائم :" اللعنه ! هل تقارنون تلك الحلى الرخيصة العديمة القيمة التي منحها لعشيقته مع تلك المجوهرات النادرة التي سرقتها منه ؟"
غامر أحهم بالقول :" من الصعب أن نؤكد أنها فعلت ذلك في قاعة المحكمة , سنيور فارنيستي "
فأنقض عليه فيتو بغير رحمةً قائلاً :" هذا مؤطد ! لاشك أنها سرقتها ! والدي لم يكن غبياً ! هو لم يمنحها حتى الفيلا , فلماذا بحق الجحيم يمنحها شيئاً ذا قيمة أكبر ؟"
- ربما فعل ذلك كعربون ... آه ... ! تقدير ... أو .... عوضاً عن الـ ... آه ... الفيلا ؟
تجمد فيتو عن الحراك ,و وسيطرت على وجهه نظرة مميتة . ثم تكلم بصوت ناعم فتاك جعل ذلك المحامي يتراجع إلى الوراء بشكل تلقائي . حين قال :" أنت تظن ذلك , أليس صحيحاً ؟ أخبرني ! أي رجل يمنح عشيقته هدية الزواج التي تخص زوجته ؟ أي رجل يمنحح عشيقته الزمرد الخاص بآل فارنيستي ؟"
زمردات آل فارنيستي ! مازالت رايتشل قادرة على رؤيتها حتى الآن . حصل ذلك منذ تسعة أشهر , يومها ألحت عليها والدتها كي ترافقها إلى المصرف . طلبت الوالدة أن تدخل إلأى غرفة صغيرة حيث أحضر لهما مسؤول المصرف رزمة مختومة وضعها على الطاولة بالإضافة إلى وثيقة ما .
ماإن تركهما الرجل بمفردهما حتى فكت والدة رايتشل شريطاً مربوطاً حول الرزمة الشبيهه بالصندوق . ثم فتحت والدتها الصندوق لتكشف عن طبقة علوية غير عميقة ثم طبقة أعمق تحتها .
شهقت رايتشل لشدة دهشتها إذ لم تقوّ على منع نفسها من ذلك .
أومض في النور نهر من الأضواء الخضراء . رفعت والدها عقداً من الصندوق وتراجعت إلى الوراء فيما استقرت نظرة ما على وجهها .
إنه تعبير يدل على الرضى والأكتفاء التام . وضعت الوالدة العقد المتوهج في يدها , وأطلقت تنهيدة تنهم عن الرضى .
تنفسّت رايتشل قائلة :" إنها مذهلة !"
ابتسمت والدتها , وقالت :" نعم , وهي ملكي ".
ظهرت رنة غريبة في نبرة صوتها لا تدل فقط على المتعة لامتلاكها كنزاً مماثلاُ , بل أكثر من ذلك . أما رايتشل فأدركت ماهي ؛ إنه الإنتصار !
أما جملتها التالية فبدت منذرة بالسوء أو بوقوع مصيبة ما , إذ قالت :" إنها زمردات آل فارنيستي . وهي ملكي أنا ".
ثم طهر في عينها تعبير غريب . نظرت إلى رايتشل وقالت :" سوف تصبح هذه الزمردات لك ... ميراثك ".
استند فيتو إلى الوراء في كرسيه خلف المكتب الواسع الذي يليق برئيس مجلس إدارة فارنيستي للصناعة ومديرها التنفيذي . تعود هذه الشركة في القدم إلى أكثر من ثلاثة أجيال , لكن عائلة فارنيستي تعود إلى زمن أكثر قدماً . كان آل فارنيستي أمراء وتجاراً في عصر النهضة . وبالرغم من أن ثروات العائلة تقلبت عبر العصور , إلا أنها الآن بدأت بالتصاعد إلى الأعلى مجدداً بفضل ذهن إنريكو المتوقد الحذق الذي ورثه عن أسلافه. والآن هاهو فيتو يدير شركة فارنيستي للصناعة وهي شركة لامعة وذات تأثير في الأقتصاد العالمي .
بالرغم من أن آل فارنيستي يتطلعون إلى الأمام في الحياة , إلا أن فيتو لم ينسّ الماضي . الماضي السحيق الذي أحضر زمردات فارنيستي إلأى الوجود في القرن الثامن عشر , ولا نسي الماضي القريب الذي لطّخ شبابه بوجود آرلين غراهام في حياء والده .
وجود بلك المرأة بدا كالسم في حياته وحياء والدته . إنه سم لم يستخرجه كاملاً بعد , وعليه أن يكمل استخراج آخر قطرة منه . والآن هاهي أبنة آرلين هنا , تعرض عليه فرصة استخراجه ...
تكلم فيت فيما بدا وجهه خالياً من التعابير قائلاً :" الشروط ؟ أتعنين أن أعفيك من الملاحقة القانونية بتهمة السرقة ؟"
بدا صوت فيتو غير قابل للنقاش . أزاحت رايتشل ثقل جسدها قليلاً إذا أخذ التوتر في عمودها الفقري يؤلم ظهرها . لكنها أجابت قائلة :" لو كانت هنالك أي مبررات للملاحقة القانونية لقمت بها منذ سنوات , أما الشروط التي أطلب تنفيذها فهي مختلفة تماماً "
راقبت رايتشل وجه فيتو كي ترى ردة فعله , لكن لم تبدُ عليه أي ردة فعل على الإطلاق . لم يظهر عليه حتى الغضب لأنها ذكّرته بعجزه عن استخدام قوة القانون ليستعيد مايعتبره ملكاً له . لو كان بمقدوره القيام بذلك لما توانى للحظة واحدة , وهي تعلم ذلك جيداً .
في الواقع قعل فيتو ذلك مرة من قبل . غشيت عيني رايتشل غمامة وهي تفكر بذلك . فيتو فارنيستي يحصل دوماً على مبتغاه , وهو يحرص جيداً على ذلك مهما كان الأمر وأياً كان الشخص ولأي سبب كان حدّقت رايتشل بفيتو . حدقت بالرجل الجالس هناك , والذي أوشك أن يدمرها في أحد الأيام . يومها كانت شابة غبية سهلة الخداع . لكنها لم تعد تمتلك أياً من هذه الصفات الآن الآن لايعني لها فيتو فارنيستي شيئاً , تماماً كما أنها لاتعني له أي شيء . لم تعنِ له شيئاً في أي وقت من الأوقات . الآن , هناك شخص واحد فقط تهتم لأمره .
أدركت رايتشل ذلك متأخرة جداً , لكنها أدركته أخيرأ. لهذا السبب هي موجوده هناك الآن , تقف أمام فيتو فارنيستي , وتعرض عليه الشيء الوحيد الذي يريده منها , الشيء الوحيد الذي يهتم له على الإطلاق . الوحيد الذي يريده منها , هي لم تكن ذات قيمة أبداً بالنسبة إليه هي في أي وقت من الأوقات لمتكن أكثر من مجرد غبية تم استغلالها .
بدت عيناه غامقتين , غامقتين جداً ... تماماً كالليل .
" كنت قد أقسمت أنك جميل .. يوم رأيتك مشرقاً..
يامن نورك أسود كالجحيم , ومظلم كعتمة الليل ..."
مزقتها هذه الأبيات المريرة من قصيدة شكسبير ذات الأربعةة عشر بيتاً .
سحبت رايتشل نفسها بالقوه من حزنها , فأجبرت ذهنها على الأبتعاد عن هذا التفير .
فيتو فارنيستي يريد أشياء مختلفة الأن عما أرده يوم كانت فتاه شابة غبية يسهل خداعها . مايريده فيتو الآن هو بحوزتها . لكن على العكس مما حصل في الماضي , فهي هذه المرة سوف تأخذ منه شيئاً بالمقابل . ليس المال , فالمال ليس نافعاً بالنسبة إليها .
ضاقتت عينا فيتو . لكنهام بقيتا خاليتين تماماً من التعابير . لذا ثبتت رايتشل نظرات عينيها على عينيه طالبها قائلاً :" حسناً ؟"
انطلقت نظراته نحوها بثبات , فأحست رايتشل كما لو أن نظراته تلك تملك قدرة ملموسة على التأثير بها . أوضحت له قائلة :" الأمر بسيط جداً . أنا أريدك أن تتزوجني ".
للحظة ساد صمت تام مطبق , ثم بدأ فيتو يضحك ضحكاً أشبه بلسعة السوط , أحست رايتشل كما لو أن ضحكتهه تلك تفصل اللحم عن عظامها وتسلخ الجلد عن جسدها . إنها ضحكة ساخرة ملؤها الأزدراء .
مالبث فيتو أن توقف عن الضحك . أنحنى إلى الأمام , فيما ظهر سمّ أسود مميت في عينيه , ثم قال مستهزئاً :" في أحلامك !"
أحست رايتشل كما لو أن صوته يلسع جسدها , فأجبرها على الإقرار بحقيقة ماقاله . فيما ممضى كان زواجها من فيتو فارنيستي بمثابة حلم يتحقق . لكن بدا كأن ذلك حصل في حياه أخرى , عندما كانت هي شخصاً مختلفاً ز نعم . كانت ساذجه جداً إلى درجة أنه كان يجب أن تعلق على صدرها إشارة تحذيرية تعلن عن غبائها أما في ما يتعلق بفيتو فلم يكن هناك أي تحذير . مامن شيء نبهها إلى مدى الخطورة المميته التي يمكن أن يشكلها فيتو فارنيستي بالنسبة إلأيها بعد ذاك اللقاء المريع الأول بينهما بالقرب من البركة عندما كانت في الرابعة عشرة من عمرها . ظنت رايتشل أنها لن تراه مجدداً . بدت والدتها شديدة السخط عندما أكتشفت وجود فيتو في الفيلا بعد عودتها من غداء مطول مع إنريكو , أما والد فيتو فلم يبد مسروراً بدوره .
يومها بقيت رايتشل في الأسفل بالقرب من بركة السباحه حتى بعد عادت برفقة إنريكو , لكنها لم تقدر على تحمل تبادل الأتهامات الغاضبة وتلك الأصوات العميقة المتردده من داخل المنزل , والتي بلغت أعلى ذروتها بزئير وحشي صادح من تلك السيارة الحمراء التي أنطلقت مسرعة صعوداً على الطريق الساحلية الوعره الشديدة الأنحدار . بعد فترة قصيرة جائت والدة رايتشل تبحث عنها , فضربت الدرج نوزولاً بكعبي حذائها العاليين , فيما بدت متوترة شاردة الذهن , وقد غطت وجنتيها لطختان من اللون الأحمر ظهرتا بوضوح تحت ذاك التبرج التام الذي وضعته . ةالدتها التي كانت حينها في الرابعة والثلاثين من عمرها , كانت تبدو أصغر سناً حتى يظنها من يراها أصغر بحوالي العشر سنوات من سنها الحقيقية . أما اليوم , فالتقدم في السن يظهر عليها بوضوح . شعرت رايتشل بنفسها مجبرة على أن تسأل :" هل أنت بخير , أمي ؟"
أصدرت والدتها صوتاً من حلقها يدل عيلى نفاذ الصبر , ثم قالت " كان فيتو هنا , ينشر يفوره المعتاد ! إنريكو غاضب , وهذا أمر طبيعي . إنه موقف صعب "
سألت رايتشل :" من هو فيتو ؟"
بالرغم ممن أنها واثقة تماماً إنها تعرف عمن تتحدث والدتها .
- أبن إنريكو . قاد سيارته إلى هنا حتى يُعلم والده بأن والدته غادرة متجهة إلى الشاليه الموجود في الجبل , وقد انتابتها إحدى تلك النوبات العصبية ! ثل يظن فيتو جدياً أن إنريكو سوف يهرع خلفها ؟ لم يمض على وجوده هنا سوى يومين ... ذاك الصبي لافكرة لديه البتة عن مدى كدّ والده في العمل !
زمّت والدة رايتشل فمها , وتابعت :" الشيء الوحيد الذي يعرفه فيتو هو إنفاق المال والتمتع بحياة , وتابعت :" هو قابلته قبل أن نعود أنا وإنريكو ؟"شعرت رايتشل بالكرب يلفها , وأحست باللون الأحمر يغمر وجهها , فأقرت بصوت متلعثم :" إنه ... مرّ بالقرب من بركة السباحة "
تصلّب وجه والدة رايتشل قفالت :" حسناً ! على الأقل هو لن يعود الآن . ذهب ليمسك بيد والدته التي لا تتوقف عن النواح . من المضحك أن يثير الجلبة بسببها !"
تساءلت رايتشل , هي سمعت نبرة دفاعية في صوت والدتها , أم أن ماقالته هو مجرد أتهام ؟ مهما كان , فذلك بكل بساطة جعلها تتمنى لو أنها على بعد مليون ميل من ذلك المكان .
بذلت رايتشل قصارى جهدها حتى تبقى بعيدة عن طريق إنريكو ووالدتها , فكانت تتجه إلى الشاطئ الصغير الخاص الذي يقع تحت الفيلا لكي تسبح في البحر أو تأخذ حماماً شميساً فيما تطالع كتاباً بالقرب من البركة .
يبدو أن والدتها وإنريكو كانا يمضيان غلبية وقتهما في الخارج وقد سرّها ذلك فهي لم تشعر بالأرتياح بحضور غنريكو أو بحضور والدتها . بدا إنريكو رجلاً غير ودود في متوسط العمر وذو بنية صلبة هو شخصية رئيسية يدور حولها نشاط المنزل بأسرة , بما في ذلك بشكل أساسي والدتها .
منذ ست سنوات كان إنريكو فارنيستي يحضر مؤتمراً في برايتون , فدخل إلى المتجر الفخم الذي تديره والدتها في منطقة لاينز لكي يشتري شيئاً ما لصديقته في ذلك الحين , لكنه قرر أن آريين غراهام هي افضل من تلك الصديقه , فأقنعها أن ترافقه لتصبح إحدى مساعداته في العمل , لعد ذلك مباشره وضبت رايتشل أغراضها , وتم إرسال رايتشل إلى مدرسة داخلية باثظة التكاليف لكي تبتعد عن طريقة . أما والدة رايتشل فأنتقلت بسرعة /إلى إيطاليا .
عرفت رايتشل أن والدتها أصبحت أكثر من مجرد مساعة لإنريكو فارنيستي , رئيس شركة فانيستي الصناعية . صارت آرلين تقيم في فيلته الفخمة بحجة إنجاز الأعمال بسرعة , وتمضي إجازاتها في اليخت الخاص به . كذلك علمت رايتشل أنها بضل إنريكو فارنيستي كانت تقصد مدرستها الداخلية المتميزة , وبفضله أيضاً أصبحت العمة جين تقيم في بيت مؤلف من طابق واحد واسع الشرفات خارج برايتون , ولم تعد تقيم في شقة في مجمع سكني حيث كانت تعيش من قبل . أما حين كانت رايتشل تنزل مع والدتها في فندق في لندن , فإنريكو فارنيستي هو الذيكان يدفع تكاليف الفندق كما يوفر لها المال الذي تنفقه . أما والدتها فلم تبدُ يوماُ منزعجة بسبب شذوذ هذا الأرتباط بينهما .
- هذه الأمرور مفهومه في هذا البلد .
أضافت آرلين مرتجلة :" بما أن إنريكو يحتاج إلي في تنظيم مختلف شؤونه , لذا من الطبيعي أن أبقى بقربة . إنه تدبير مقبول تماماً , ولا أحد يسيء الظن به "
بدا كلامها مقنعاً جداً إلى درجة أن رايتشل صدقتها في ذلك الحين , إلى أن قام فيتو بسلبها ذاك الوهم مستخدماً حفنة من الكلمات البذيئة العابرة . إنها كلمات بشعة بقد ماهي صحيحة . بحق الله ! أما كان يجدر بذلك أن يكون تحذيراً كافياً ؟
لكن بشاعة تلك الكلمات لم تكن كافية حتى تجعلها تنسى جمال الرجل الذي قال هذا الكلام . بدءاً من ذلك اليوم فصاعداً أخذت رايتشل تخفي سراً معيباً مخزياً . فقلبها المراهق أخذ يقارن كل رجل يصادفة بفيتو فارنيستي , سواء كان ذلك الرجل حقيقياً أم مجرد شخصية ظهرت على شاشة التلفزيون . ومع مرور السنوات ظلت رايتشل غير قادرة أبداً على إزالة تلك الصورة . وكأنما صورته أنطلعت على شبكية عينيها عندما سار نزولاً على ذاك الدرج برشاقة وليونة , كما لو أنه أمير وسيم لا أحد يضاهيه وسامة وتألقاً . لم تخبر رايتشل أي شخص بسرها هذا , وبقي فيتو فارنيستي بطل أحلامها الممنوعة .
إنه سرّ اضطرّت إلى دفع ثمنه بمرارة , وما زالت تدفع ثمنة في أحلام تحولت إلى كوابيس . لابد أنها تعيش أحد هذه الكوابيس الآن ... الوخزة القاتمة المميتة لعيني فيتو فارينستي بعدما أخبرته بشروطها حتى يستعيد زمرادات فارنيستي أصابتها في الصميم .
تراجع فيتو إلى الوراء في كرسيه , ثم قال بصوت ناعم مهلك :" كوني واقعية "
استطاعت رايتشل أن تشعر بلأزدراء والسخرية يجلدانها كالسوط . رأته وهو يمد يده ذات الأنامل الطوريلة ليفتح أحد أدراج المكتب , ويخرج منه دفتر شيكات جلدي . فتحه بضرة واحدة وأمسك قلم حبر من الذهب , ألقاه فوق الشيك بعد أن أزال غطاءه .
- المال . تلكهي العمله الوحيدة التي تتعامل بها النساء أمثالك وأمثال والدتها .
ضاقت عينا فيتو , وأستطاعت رايتشل أن تشعر بالغضب العارم المكبوت داخلهما .
تابع كلامه قائلاً :" لكن لاتفكري لحظة واحدة بمحاولة ابتزازي . يمكنك أن تحصلي على مليون ييويو مقابل الزمرادات من دون أي زيادة , أقبليها أو ارفضيها ".
بدأ فيتو يدون واثقاً , فأخذ الجبر الأسود يجري بسلاسة على الشيك .
جاء صوت رايتشل رصيناً , متمكناً جداً :" لن أبيع !"
لم يتمهل فيتو بالكتابة , بل تابع بكل بساطه, فخربش بغير اكتراث "مليون يورو" في المكان المطلوب .
- أنت لم تسمعني . أليس كذلك ؟
قالت رايتشل ذلك , لكن ... هل بدا صوتها أقل ثباتاُ ؟ لا . لن تسمح له بأن يكون كذلك . يجب عليها ألا تسمح له بذلك . الكثير من الأمور تعتمد على محافظتها على السيطرة التامة على نفسها .
نظر فيتو إلى الأعلى , فيما بدت نظراته وقحة مزعجة إذ قال :" سمعتك تقولين نكتة ذات ذوق سيء جداً , لكنني لم أظن حتى إنك قادرة على النزول إلى هذا المستوى السافل"
تابع كتابة الشيك , فوقع عليه بيده السمراء التي تنساب بسهولة , ثم مزق الورقه من دفتر الشيكات ودفع بها عبر المكتب نحو رايتشل .
- وضعت تاريخ قبض المال بعد ثلاثة أيام من اليوم . أحضري لي الزمردات غداً , وعندها يمكنك أن تقبضي الشيك .
لم تنظر رايتشل إلى الشيك مطلقاً , عوضاً عن ذلك تكلمت بصوت صلب مشدود قائلة :" لم تكن نكتة . إذا رغبت باستعادة الزمردات عليك أن تتزوجني . هذا كل شيء . اقبله أو أرفضه "
لم تقوّ رايتشل على مقاومة رغبتها بأن تقذفه بكلماته نفسها . ساعدها ذلك ولو قليلاً على تخفيف التوتر بدرجة واحدة على الأقل .
أنزل فيتو قلمة بحركة بطيئة متعمدة , ثم وبحركة مساوية في البطء والتعمد أنحنى إلى الأمام , فنطق بصوت خافت فتاك قائلاً :" أفضل أن أتخذ لنفسي ضفدعة كزوجة بدلاً منك "
استقرت عليها عينان مظلمتان هازئتان , فسال على وده رايتشل لون باهت لطّخ عظمتي خديها .
- أنا لا أقترح زواجاً حقيقياً . أنا بكل بساطة أرغب بأن أضع خاتم زفافك في إصبعي لفترة محدودة من الزمن .
حاولت رايتشل أن تحدق به , فتقابل نظراته الباردة المستوية بإحدى نظراته الثابتة.
جاءها رد فيتو بنبرة جافه :" أعطيتك جوابي للتو . هل تنتقين ما تريدين سماعه فتجعلين هذا عيباً آخر من عيوبك ؟ هلي تتخيلين أنني قد أتزوجك تحت أي ظروف ؟"
بدا وجه رايتشل مشدوداً جداً إلى درجة شعورها بالألم بدءاً من فكها وصولاً إلأى عظمات جمجمتها .
- أنا أعرف رأيك بي , فيتو . لست بحاجة لأن تقوله بالكلام .
أومضت عبر وجه فيتو أبتسامة عدائية جارحة .
- إذاً بما أنك تعرفين , فأنا أشك بمدى صحة قدراتك العقليه التي دفعت بك للمجيء إلى هنا بهذا الشكل , فتجرؤين على محاولة بيعي شيئاً لم يكن أبداً ملكاً لوالدتك الساقطة حتى تأخذه !
تلوت في وجه رايتشل الأحاسيس العميقة المعذبه .
- لاتتحدث عنها بهذا الشكل !
قذفت رايتشل هذه الكلمات نحوه , أما وجه فيتو فأزداد أسوداداً كما لو أن الليل أطبق أطبق عليه .
- والدتك أطبقت براثنها الجشعه المتملكة على والدي , ولم تسمح له أن ييفلت منها . جعلت من حياة والدتي حزناً مستمراً .
أحست رايتشل أن كلماته وصوته تجرحها كالسكين الحاد . فأغمضت عينيها تصدياً لها . كيف يمكنها أن تنكر ماقاله للتو ؟ كيف يمكنها أن تجادل وترد ما قذفه نحوها للتو ؟ مع ذلك لايمكنها أن تسمع حديثاُ عن والدتها بتلك العبارات السيئة . خنقها ذلك الشعور , وتراءت لها في ذهنها صورة لآخر مرة رأت فيها آرلين , فأضطرت إلأى فتح عينيها حتى تطرد تلك الصورة , لكنها لم تقوً على طرد العذاب الأليم الذي تزامن مع تلك الرؤية . رفعت رايتشل يدها بحركة سريعة , كما لو أنها تريد أن تدفع بعيداً تلك المشاعر التي تمزق أعماقها . بذلت جهداً واضحاً لتتحكم بأحساسيها ولتبقي هذا الحديث حيث يجب أن يكون على مستوى الأعمال لاأكثر .
قالت رايتشل لتصرف ماقاله :" هذا لاعلاقه له بالموضوع . المسألة الوحيدة التي نناقشها الآن هي إن كنت تريد أستعادة زمردات فارنيستي وفقاً للشروط التي وضعتها للتو أم لا . أنا أريد خاتم زواجك في أصبعي لمدة لاتتجاوز بضعة اشهر ..."
قاومت رايتشل حتى تبقي صوتها ثابتاً وهي تتكلم , فتابعت :" ... وهذا كل شيء . يمكنك أن تستعيد زمرداتك الثمينه يوم زفافنا .أنا لا أريد مالك ".
عضت رايتشل شفتها بعد التلفظ بالجملة الأخيره .
حدق بها فيتو , فيما ظلت تعابير وجهه مخبأة صار أسلوب نظره إليها أكثر سوءاً . في البدايه بدت عيناه غامقتين بدافع السخط الشديد , أما الآن فبدا وجهه بارداً من شدة المقت . أحست رايتشل أن نبضات قلبها تتسارع , أما معدتها فغاصت إلى الأسفل .
سألها فيتو بهدوء ":لماذا ؟"
تحركت رايتشل بصعوبه . ما الذي يجري ؟ لماذا ينظر إليها بهذا الشكل ؟
- لماذا ... ماذا لا أريد المال مقابل الزمردات ؟
- لا . لماذا تتخيلين أنني قد أفكر . ولو لجزء من الثانيه , بعرضك لي بالزواج ؟
أجابته من خلال اسنانها المشدودة على بعضها :" لأنك تريد أستعادة الزمردات , وهذه هي الطريقة الوحيدة التي ستمكنك من ذلك "
التمع شيء ما في عينيه . بحركة واحده رشيقة سريعة نهض على قدميه , ثم طارت يداه إلى الأعلى :" كفى ! تمادى هذا الغباء بمافيه الكفاية ! أنا مستعد لأن أشتري الزمردات , لكنني لست مستعداً لأن أضيع وقتي للحظه أكثر بسبب هذه المهزلة . لذا , خذي الشيك أو أخرجي من هنا "
تمايلت رايتشل من شدى قوة غضبه .
- إن خرجت الآن . فأنت لن تستعيد زمرداتك الثمينة إلى الأبد !
حاولت أن ترشفه بكلماتها بقوة , لكنها خرجتت مرتعشة من فمها .
أجابها فيتو بكلمات حارقة :" الأبد فترة طويلة . في مرحلة ما سوف تبيعينها , فقط لكي تعرفي قيمتها . إن لم تبيعيها لي أناء فيما همي ؟ سوف أشتريها من أي شخص تبيعينها له "
- أمي لن تبيعها أبداً .!
اندفعت إلى ذهن رايتشل صورة والدتها عندما تركت الزمردات تنساب في يدها , بينما حملقت بها دلالة على أنتصارها لأمتلاكها الزمردات. فأضافت رايتشل :" أبداً "
- إذاً يمكنك أن تدفينها معها في قبرها !
أبيض وجه رايتشل فيما أنسحب الدم منه . أخذ الشعور بالدوار يقرع في أذنيها .
همست بصوت أبح :" أيها اللقيط "
ظل وجه فيتو بعيداً عن الرضوخ والليونه , كما لو أنه مصنوع من رخام جامد . قال لها :"لا , فتلك هي أنت . أتذكرين ؟"
أنهت هذه الكلمات نقاشهما , وقضت عليها تماماً .
استدارت رايتشل على اعقابها مخدرة , فسارت متجهة نحو البابين المغلقين الذين بدو فجأه وكأنهما على بعد مئات الأمتار عنها . غمرتها رغبتها بأن تهرب وبان تخرج من هنا , لكن عندما وصلت غلى الباب وجدت أخر أثر للشجاعة , فأمسكت بمقبض الباب , ثم أستدارت وقد بدا وجهها شاحباً تماماً , فقالت :" فلتهترئ في الجحيم , فيتو فارنيستي !"
استدارت من جديد وفتحت البابين بقوة , ومشت إلى الخارج أستطاعت رايتشل أن تصل إلى المصعد قبل أن تلتوي رجلاها تحتها , فأضطرت أن ترتمي على الحائط البرونزي للمصعد طلباً للدعم .
لقد أفسدت الأمر ... أفسدتها تماماً!
فشلت فكرتها الجامحه الغبيه المجنونه إلى أقصى حد وبشل بائس . غمرها الشعور بالبأس , فيما أنفتحت الأواب مجدداً أمام طوفان من الحزن أغرقها .
**********
وقف فيتو في مكتبه للحظة مطولة أخيرة , فيما بدا وجهه متصلباً .
السخط الذي يشعر به بدا غامراً جداً إلى درجة أنه ظنة قد ينفجر في داخله , لكنه لجنة بحزم وبسيطرة صلبة .
كيف تجرأت على القدوم إلى هنا ؟ جائت إلى داخل مكتبة ببرودة ووقاحة لتميلي الشروط عليه حتى يستعيد ماهو ملك له ؟ويالها من شروط ...!
ضاقت عيناه بغضب شديد بارد غير مصدق .
هل تصورت رايتشل أنه قد يولي أقلّ أعتباراً لما طالبته به ؟ أعقل أن تكون مجنونه إلى هذا الحد ؟ دخلت إلى هنا فجأه بعد مضي ثلاث سنوات من وضع أرليين غراهام مخالبها المتممكنة على خزنات آر فارنيستي , وهي تظن أنه فعلاً قد يأخذ بعين الأعتبار ثمناُ مماثلاً مقابل زمردات فارنيستي المسلوبه , هذا دعك من قبلوه لشيء مماثل .
ولِمَ الآن ؟ هل تمرّ هي ووالدتها بأوقات عصبيه الأن ؟ حرض فيتو على أن تأخذ آرلين غراهام أقل قدر من الغنائم عندما طردها بعد وفاء والده , لكن المرأه سحبت مايكفي من الأموال لسنوات . جند فريق المحامين الخاص به ليحاول أستعادة الزمردات التي تمكنت آرلين من حملها إلا أنهم فشلوا في ذلك . لكن سره نه أخردها أخيراً من إيطاليا . لم يعرف , وهو لايأبه إلى أين ذهبت . يحتمل أنا أتخذت لنفسها حامياً آخر , لكنه يشك بذلك , فصباها ولى , ولم تعد متألقة كما كانت من قبل .
جالت في ذهنه فكرة أخرى لافحة :" أتراها حولت ابنتها إلى المسار نفسه ؟ أتراها كالدودة الطفيليه تمص المال من الرجال الأثرياء مقابل خدمات حسية ؟ إنها حتماً ترتدي ملابس أنيقة كما لو أن رجلاً يدفع ثمن مظهرها ...
أحس فيت بشء ما يطعنه لدى تفكيره بهذه الصورة لفتره وجيزه جداً فصرفها من ذهنه حالاً . عوضاً عن ذالك وجد نفسه يضغط على زر الهاتف الداخلي مكلماً مساعدته الشخصية .
- المرأة التي غادرت مكتبي للتو ... ألحقوا بها .

موــــــــني ^___^

______________________________________


3- كيف تشتري الأمل ؟

أدارت رايتشل المفتاح في القفل . ودخلت إلى شقتها . أحست بفيض من المشاعر الغامرة , فهي مازالت ترتعد بسبب لقائها مع فيتو فارنيستي . بدا الأمر أكثر سوءاً مما تصورته , بالرغم من أنها كانت تخشى هذا اللقاء منذ إدراكها أنها سوف تذهب لمواجهته , إذ راح الخوف يتزايد في داخلها طيلة الأسابيع الماضية . أنهارت على السرير , فأرتخى تحت وزن جسدها , لكنها لم تلحظ ذلك . إنها لاتهتم للحالة المبائسه للغرفه المستأجره التي تقيم فيها ’, فقد توقفت عن ملاحضة وضعها الكريه منذ فترة من الزمن . على الرغم من أنها ماززالت تفتقد إلى شقتها الصغيره ذات الديكور لأنيق , وهي شقة تضم غرفة نوم واحده , وتقع في إحدى ضواحي لندن , إلا أنها ليست نادمة على بيع تلك الشقة أبداً . اضطرت رايتشل إلى التخلي عنها , وهذه نهاية الموضوع . أمر واحد فقط يقلقها الأن , وقد أقلقها خلال الأسابيع الخمسه الماضيه : أن تجعل فيتو فارنيستي يتزوجها .
هل أعتقدت فعلاً أنها سوف تحظى بفرصة للنجاح في مبتغاها ؟
حدقت بكآبه أماممها . بدت كل لحظة مؤلمة من ذاك المشهد المروع الذي ظل يعيد نفسه داخل رأسها كما لو أنه أسطوانه لاتتوقف .
تلوت معدة رايتشل من شدة الألم . أدركت أن يديها ماتزالان تقبضان بحزم على حقيبة يدها , فأجبرت يفسها على فكهما . ورمت الحقيبه على غطاء السرير الرث , ثم نظرت نحو اليجاده الباليه . بدا لأمر بأسره من دون جدوى. لاجدوى من تلك المحاولة الغبيه المؤسفه بأسرها . هذا المخطط الغبي المضحك لا أمل منه . كيف تراها استطاعت أن تصدق انها قد تنجح , وأن فيتو فارنيستي قد يوافقها على أقتراحها بالزواج كي يستعيد زمرادته الثمينه ؟ كيف تصورت أنه سيوافق على أمر بمثل هذا الغباء وهذا الجنون , وأنه سيرضى بإقامة أي نوع من الأحتفالات للزواج منها , بغض النظر عن كون ذلك الزواج مؤقتاً ولفتره محدودة ؟ حتى استعادة زمرادات فارنستي لاتستحق تضحيه كهذه من قبله .
لابد أنني مجنونة حتى أفكر بذلك ! فكرت رايتشل فيما أغمضت عينيها لشدة عذابها , لا . . . هي ليست مجنونه ... أنها يائسه فقط .
يائسه بمافيه الكفايه لكي تفعل أي شيء يسعد آرلين .
تآكلها الألم , كما لو أنه بركة هائلة تغمرها , تغرقها , وتغسل كل جسدها . إنها غغير قادره على إيقاف ذلك الأم , وهي لاتحاول حتى أن تفعل ذلك هذه الأيام . لأنها لو حاولت , فلن ينجح الأمر .
نهضت رايتشل على قدميها مجدداً . مدت يدها , وتناولت حقيبة يدها , فأستخرجت هاتفها النقال . إنها تعرف الرقم عن ظهر قلب , لذا طلبته بشكل آلي . عندما اجابها الطرف الأخر , نطقت الكلمات بصوره آليه أيضاً : " مرحباً! أنا أبنة آرلين غراهام . كيف حالها ؟"
انتظرت رايتشل برهة , ثم جاءها الرد بالعبارات الحذره المعتدله نفسها كالعادة . أومأت رايتشل وهي تتمتم شكرها , أقفلت الخط .
مستقرة . . . لاتغيير . . . هذا افضل مايمكن توقعه . تلك العبارات المتكرره حفرت في رأسها , لكن أياً منها ليست كافية لإخفاء العبارة الوحيدة التي تشكل الحقيقة بخصوص والدتها ؛ إنها تموت !
غمرها الأحباط , فضغط عليها إلى درجة أحست معها أنها بطيئة الحركة مرهقة وهي تتحرك في أرجاء غرفتها الضيقة . قامت رايتشل بحذر لتخلع بذلتها المفرطة الأناقة الغالية الثمن , فرتبتها بحذر داخل منطقه تعليق الثياب المغطاة بالستائر , عندما خلعت رايتشل القماش الجميل عن جسدها , أحست بشعور آخر يتملكها ؛ إنه الأحباط . كما أحست بالمرارة لأنها هدرت الكثير من المال على مصروف لاجوى منه كهذا مع شدة حاجتها لذلك المال . كان من الأجدر أن توفره نظراً إىل أن صرف المال لم يجد نفعاً في هذا المشروع . هل أتقدت فعلاً أنها لو بدت مناسبة للعب دور المرأة الثرية , في سوف تقنع فيتو فارنيستي بقبول شروطها المضحكة ؟ كيف تراها تصورت حصول ذلك ؟
كوني واقعيه ! هدا ما قاله لها فيتو ساخراً , وهو على حق . لابد أنها أطلقت العنان لنفسها في خيال مثير للشفقه بأعتقادها أن زمردات فارنيستي ستشكل حافزاً كافياً يدفع فيتو لمجاراتها .
حسناً ! الأمر بأسره يدل على الغباء . . .الأمر بأسره . بوجود الزمردات ام بدونها .
كم هو عدد المرات التي ينبغي أن يقول لك فيها فيتو فارنيستي الأمور البغيضة قبل أن تتعلمي درسك بخصوصه .
لو أنها أمرأه ذكيه لحرصت على أن تكون أول إهانه يقذفها بها عندما كانت في الرابعة عشر من عمرها هي لآخر إهانة يوجهها لها . لو أنا أكثر تحلياً بالمنطق لما منحت فيتو فرصة السخريه منها مجدداً .
فكرت رايتشل بوحشية أنها غبية إلى درجة دفعتها إلى القيام بتصرف تستحق اللوم عليه . فقد أطلقت العنان لنفسها في قصة وهميه مضحكه .
تسارعت الذكرى خلال ذهنها كما لو أنها موجة كاسحة أغرقتها , فأخذتها مرتعدة مرتعشة إلى الماضي الذي مايزال يبدو كاللعنة في حياتها بعد مرور كل هذه السنوات .
يومها كانت في الثامنة عشر من عمرها . ياله من عمر خطير . . .
عمر الأحلام والأوهام . . . عمر الحكايات الخياليه . بعد أنتهاء الأمتحانات المدرسيه سُمح لطلاب صف التخرج بتمضية اسبوعين بعيداً عن المدرسة خلال فصل الصيف كمكافأة . اصطحبتها صديقاتها جيني وزارا في رحلة بعيدة معهما . أعلمتا رايتشل بفرح أنهما سوف تمضيان هذين الأسبوعين في روما , في الشقة التابعه للشركة التي يعمل فيها والد جيني . شعر راتتشل بالقلق والخوف , إلا أنها شعرت أيضاً بالحماسة . بالرغم من أنها كانت إحدى أكبر الفتيات سناً في صفها , إلا أنها كانت أقلهنّ دهاء وخبرة في الحياة .
لم تخبر رايتشل والدتها شيئاً عن الرحلة . على أي حال , آرلين كانت تقوم برحلة مع إنريكو في اليخت الخاص به انطلاقاً من شواطئ الريفييرا الفرنسيه بحسب ماذكرته في آخر بطاقة بريديه أرسلتها .
بعد سنوات من التصرف كطالبه نموذجية مثالية في تلك المدرسة الداخلية , أحست رايتشل بعدم القدره على المقاومة , أخذت تتوق إلى شيء أكثر من مجرد المذياكرة والرياضة . تاقت إلى التشويق , المغامرة , الرومنسيه . أحست بالبروده تتسلل نزولاً على عموجها الفقري ماإن عاودتها هذه الذكرى . كانتت تتوق إلى الرومنسيه , ولكن ماوجدتها كان شيئاً مختلفاً تماماً .. ليتني لم ألتقِ فيتو فارنيستي . ليتني ... ليتني ... ليتني ...
لكنها ذهبت . يومها أرتدت أحد فساتين السهرة الخاصة بجيني , وهو فستان طويل مكشوف عند الكتفين , أما وجهها وشعرها فأهتمت بها زارا . أنساب شعرها شلالاً ذهبياً فوق ظهرها , أما عيناها فبدتا واسعتين . بدت رايتشل فايل مختلفه تماما ً عن الطالبه المتزمته التي يعرفها الجميع . يومها أعتقدت أنها تبدو مميزة جداً , ناضجه جداً , متألقة جداً , لكنها بدت في الواقع كالطفلة التي تمارس الألاعيب .
لو أنني بكل بساطه لم اذهب إلى ذاك الحفل ... لكنها ذهبت , ولحظها السيء , ذهب فيتو فارنيستي إلى هناك أيضاً , ومها لم يتردد في أستغلال الفرصة التي قدمتها له على طبق من الغباء وسهولة الأنقياد وهي في الثامنه عشرة من عمرها ’,لم تكن رايتشل تمتلك أي دفاعات على الإطلاق ضد فيتو فارنيستي وهي في الثامنة عششر من عرها .
جل ما أحتاج لأن يفعله فيتو هو أن ينظر إليها مظهراً تلك الأبتسامة الساحرة التي سلبت عقلها . أما عيناه الغامقتان فأكتسحتا كيانها , وأخبرتها نظراته الساحرة أنا تعجبه . أمضى فيتو الحفل بأكمله إلى جانبها , أما بالنسبه إليها فكان هو الشخص الوحيد الموجود في تلك الغرفه . عرفته رايتشل على الفور , لكن لم يبد أنها تبدو مختلفة تماماً عن تلك الفتاة التي لمحها لفتره وجيزة فصرفها ساخراً بكل فظاظه ع. فضلاً عن ذلك فهي تحمل أسم عائلة والدها لا أسم عائلة والدتها . هل تراه عرف أبداً ماهو أسمها الأول ؟ تسائلت رايتشل إن كان يجدر بها أن تطلعه عن هويتها , لكن مع انقضاء تلك الأمسية علمت أنها لاتستطيع فعل ذلك . لايمكنها أن تخاطر بأنت يصرفها بتلك الفظاظة واللؤم اللذين أستخدمها منذ اربع سنوات .
اصطحبها فيتو بخفة بعيداً عن الحفلة بسيارته القوية الرياضية المكشوفة , وتجولا في أرجاء روما ليلاً . بدت رايتشل مأخوذة بجمال المدينه الأزلية وسحرها . أذهلها الدرج الأسباني المكتظ جداً بالسياح بغض النظر عن الوقت المتأخر , وأعجبها الفياكورسو والبانثيون ,كذلك قاد فيتو السياة نحو الساحة الرومانية العامه الأثريه , ومرّ سريعاً بالقرب من كتلة الكوليزيوم المشؤومه المهيبة المرعبه
لكن لم تكن روما وحدها هي التي اسرتها , إذ كثيراً ما أنحرفت نظراتها النهمه نحو فيتو فارنيستي , غير مصدقة بأن افتى اللذي احتل خيالها لسنوات اصبح هنا الآن , إلى جانبها.
أفترضت رايتشل أنها لن تراه مجدداً عندما أنزلها أخيراً امام شقة جيني بعد منتصف الليل , لكنه جاء صباح اليوم التالي أثناء موعد الفطور , فخطفها مجدداً لكي تشاهد روما في ضوء النهار .
أظهرت جيني وزارا حماسة فائقة لأجلها . فقامتا بترتيب مظهراها مجدداص على أكمل وجه , ومجدداً حظيت رايتشل بنعمة أن ترى فيتو فارنيستي يبتسم لها ’ وهي تعلم بأنها جميلة تسر ناظريه بارغم من صغر سنها ومن كونها إنكليزيه , وبالرغم من افتقارها إلى الدهاء والحكمة ,
بدا الأمر أشبة بقصة خرافيه . حظيت رايتشل بأسبوعين جميلين مميزين رائعين حيث حصلت على فيتو لنفسها . خلال هذين اللأسبوعين شعرت بالدفء يغمر قلبها , كما لو أنها زهرة تتفتح تحت الشمس . بدا كل شيء حولها محاطاً بلمسة من السحر . راحت رايتشل تحدق مدهوشة نحو سقف كنيسة السيستين الذي يبرز عبقرية مايكل أنجلو , كما جالت في أرجاء الطرقات المشجره المظلله لحدائق بورغيز , فراحت تراقب الأطفال وهم يلعبون ويتعجنبون المشاء بعرباتهم . ذهلت لرؤية السياح يرمون النقود الحجرية إلى الوراء من فوق أكتافهم , ألتزاماً بطقس تقليدي يقضي بأن يقذفوها إلى داخل نافورة تريفي المهيبة . بعد أن أستدارت رايتشل , التفت ذراع فيتو حول كتفها .أخذ يقودها بين السياح المستعجلين المصطدمين بهما , الذين تجمعوا حول حافة البركة .
كادت رايتشل تصاب بالأغماء من فرط غبطتها لدى شعورها بذراعة حول كتفيها. توقف فيتو أمام محل قريب يبيع البوظه . فشعرت بالحيره والتردد عندما وجدت نفسها غير قادرة أن تقرر ماتختارة من العشرة ألاف نكهة المتوفره أمامها . تمشيا على الدرب وهما يحملان البوظة بأيدهما عائدين نحو الفيا كورسو.
خلال هذين الأسبوعين عرّفها فيتو على مختلف أرجاء روما ,بينما راح يبتسم لها وتبادل النكات معها . أما رايتشل فبدت مسحورة مفتونه . عميااااء .... عمياء تماماً وغير قادرة على رؤية ماكان يفعله .
هنالك دليل واضح كان يجدر بها أن تراه . إنه دليل هائل , واضح تماماً بالنسبة إليها . ليس بالنسبة إلى الفتاة المسكينه الغبية الصغيرة العديمة الخبرة التي تبلغ الثامنة عشر من عمرها .
طيلة فترة وجودهما سوياً بالكاد لمسها فيتو . بأستثناء تلك الذراع التي لفها حول كتفيها عند نافورة تريفي لم يحصل سوى ذلك التلامس العرضي لأناملها عندما ناولها البوظة الخاصة بها لكن لاشيء أكثر , لاشيء أكثر على الأطلاق إلى أن حانت تلك الليلة الأخيرة الممميتة .
مزقها ذاك العذاب الأليم , فجذبت بخشونة الستارة الرثة لتغطي الملابس المعلقة , ثم فتحت صنبور المياه لتملأ الإبريق . لم ترغب رايتشل بأن تتذكر , هي لاتريد أن تتذكر . تلك الليلة .. تلك الليلة التي كان يفترض أن تكون الليلة الأخيرة التي تمضيها في روما لم يعدها فيتو إلى الشقة الخاصه بوالد جيني كما كان يفعل دوماً كل ليلة . بعد أن شربا القهوة في أحد المطاعم القديمة , أخذها فيتو إلى بناء فخم , حيث تقع الشقة الرائعة التي يملكها آل فارنيستي .
عانقها فيتو فارنيستي بكل المهارة والخبرة اللتين يتمتع بهما الفتى الإيطالي اللعوب العاشق . . .
استطاعت رايتشيل أن تشعر بعينيها تخزانها , وبالأم يطبق عليها .
عناقها لم يتطلب منه الكثير , فرايتشل ذهبت إلى مابين ذراعيه منقطعة الأنفاس , متيمة . ذابت أوصالها تحت تأثير عناقة , فيما حاول سحق مقاومتها الركيكة تجاهه .
خلال هذين الأسبوعين الشبيهين بالحلم وقعت رايتشل بشكل لا رجاء منه في حب فيتو , فكانت مبادلتة العناق بمثابة عمل ولاء وأفتتان مطلق . تعلقت به رايتشل وأطبقت أناملها على كتفيه . لكن بعد ذلك دفع بها فيتو إلى الجحيم . إنه جحيم شديد العذاب , إلى درجة أنها لم تدرك أن بمقدورها أن تشعر بألم مماثل .
أدخلها فيتو إلى غرفة جللوس أنيقة تتوسطها أريكة كبيرة , جلسا معاً على الأريكة متعانقين . شعرت رايتشل أنهاا تطييييييير من فرط النعيم والسعادة اللذين أحست بهما . . .
في اللحظة التالية صعقها الرعب , إذ سمعت صوت الباب الأمامي ينفتح , فم سمعت صوتي القادمين . أحست بفيتو يتوتر فجأة وقد تصلبت عظلاته . تلا ذلك أنفتاح باب غرفة النوم ودخول والتها كالإعصار .
أستطاعت رايتشل أن ترى عبوس وجه والدتها لدى رؤيتها للستائر المغلقة . أدرات المرأة رأسها لترى الشابين متعانقين اللذين يجلسان على حافة الأريكه , وما لبث أن أشرق الأدراك على وجهها المرتعب .
حتى الأن , وبعد مرور سبع سنوات , ما زالت رايتشل قادرة على الشعور بالعرق البارد ينساب نزولاً على عمودها الفقري .
أخذت والدتها تصرخ بأهتياج ثم تدخل أنريكو مهاجماً مطالباً بمعرفتة مالذي يجري بحق الجحيم . أثناء ذالك ربضت رايتشل في مكانها . خائفه .. مرتعبة وهي ترغب لو أن الأرض تنشق وتبتلها . أما فيتو فبدا متحجر القلب لا مبال . مازالت بمقدورها أن تسمعه الآن . . .
وسوف تسمعه على الدوام . أخذت والدتها تصرخ في وجهه بالأيطاليه . بدا وجهها مشوهاً غاضباً , بينما بدا إنريكو ساخطاً وهو يلوح بيده في الهواء ماكان من فيتو إلا أن قام عن الأريكة ببرودة متناهية , ثم استدار نحو ’رلين , وقال :" أغويتها ؟ بالكاد . . . هي التي أرتمت بين ذراعي ".
تشدق فيتو بذلك بصوت مشدود قاس , بينما حرص على أن يتكلم بالإنكليزية حتى تفهم رايتشل مايقولة .
نزل الماو على يديها فهزّها أعادها إلى الحاضر . أغمضت عينيها في محاولة لصدّ تلك الذكرى , لكنها لم تقدر . أخذت تلك الكلمات البشعة تجول في ذهنها مجدداً , تماماًكما فعلت في تلك الليلة المشؤومه منذ ثماني سنوات عندما أدركت بمرارة ماكان فيتو يفعلة منذ البداية . تعمّد ببرودة أعصاب أن يجعلها تتعلق به مستغلاً سذاجتها , كي سيصطحبها إلى منزلة لأجل هدف واحد فقط , متجاهلاً أنها في الثامنه عشر من عمرها فقط . لكن وصول والده برفقة آرلين أفشل مخططه . لو انه تمكن من أمام ما خطط له , لوجّه ضربة قاسية للمرأه التي يمقتها بكل ذرة في كيانه .
بعد رحيل فيتو وإنريكو , صبت آرلين جام غضبها على رايتشل . راحت تهز كتفي أبنتها قائلة :" يا إلهي ! يالك من غبية رايتشل !ألم تدركي ما الذي يفعله ؟ ألم تجدي الأمر مثيراً للريبة ؟ هل ظننتِ أن رجلاً كفيتو فارنيستي قد يبدي اقل اهتمام بفتاة في الثامنة عشرة من عمرها ؟ فيتو لايهدر وقته الثمين على امرأه إن لم تكن عارضة أزياء خارقه أو نجمة سينمائية لامعة . لديه جيش من النساء الخاضعات لأمرة . إنهنّ يقفن بالصف من أجل الحصول على ذلك الأمياز . ألم تستطيعي أن تري أنه من ذلك النوع من الرجال . ألم تدركي أنه ليس مهتماً بك ؟ جاء بك إلى هنا حتى ينتقم مني . هو يعلم أنني أحاول حمايتك دوماً , لذا أراد أن يغويك . إنه يكرهني كما يكره مرض الطاعون , وهو قد يفعل أي شيء لكي ينال مني "
صدّت رايتشل أفكارها تلك , وأشعلت النار تحت الإبريق . يجب عليها الا تفكر بالأمر . لن تفكر بالسنوات السبع الماضيه ولا بالساعتين الماضيتين .
كيف تُراني استطعت ان اقصده وأطلب منه أن يتزوجني ؟ كيف أستطعت أن أفعل ذلك ؟ لابد أنها فاقدة العقل حتى تظن أن بأستطاعتها أن تجبره على فعل ماتريده بهذا الشكل .
لكنني أٌجبرت على المحاوله . . . كان علي أن أفعل . . .
القوة التي دفعتها إلى مواجهة فيتو بعد ظهر هذا اليوم كانت مٌلزمه .
إنها قوة عظيمه جداً , فهي ليست قادره على التهرب من الواجب الذي يفرض عليها على الأقل أن تقوم بالمحاوله .
أخذت يدها ترتعش , فيما غمرتها موجه من الحزن والألم وهي تسكب الماء المغلي فوق كيس الشاي الموضوع في الكوب . إن والدتها تحتضر , وهي مستلقية هناك في سريرها في المستشفى , انتشر السرطان في جسدها بسرعة كبيرة , أما العلج الكيميائي والعلاج الأشعاعي فكانا قاسيين جداً على آرلين . لم تكن رايتشل لحاجة لأن ترى وجوه الأطباء حتى تعلم أن أمها تخسر تدريجياً معركتها مع الموت .
قفزت أمام رايتشل بكل وضوح صورة وجه والدتها الذي اصبح مشوهاً بشكل مريع . في مامضى كانت آرلين جميلة جداً , جذابة جداً , والأن صارت هزيلة بفعل الألم المرض .
إلأى جانب حزنها المرير جاءت مرارة الذنب . في السنوات التي تلت تلك الكارثة الشنيعة في روما انسحبت رايتشل تماماً من حياء والدتها . كانت في الثامنة عشرة من عمرها عندما قام فيتو فارنيستي ببرود قلب متحجر بأستخدامها كسلاح ضد عدوة والدته اللدوده .
يومها أرادت آرلين أن يجبر إنريكو أبنع فيتو على الزواج من رايتشل . فكرت رايتشل الأن وقد أحست بالمراره تسد حلقها أن هذا الطلب جعلها تبدو اشبة بالعذراء الفيكتوريه التي تعرضت للخزي والعار , ودُمرت سمعهتها إلى الأبد .
بالطبع رفض إنريكو الأصغاء إلى توبيخات عشيقته , أما ضحكات فيتو المزدرية الساخرة فكانت أسوأم من ذلك . رايتشل علمت أن أياً منهما لم يأبه لأن أبنة آرلين تعرضت لهذا الموقف المخجل , أما بالنسبة إليها فتوبيخات والدتها بدت مريعه أكثر من خداع فيتو لها .
بدت آرلين مهووسه بفكرة تزويج فيتو من أبنتها , مهما كان ذلك الأمر بعيد المنال , وبغض النظر عن مدى غرابته بالنسبه إلى رايتشل .
في النهاية انطلقت رايتشل هاربة نحو إنكلترا , لكن ليس إلى المدرسة قصدت عمتها التي قلما عادت والدتها تتصل بها , فوجدت نمط عيشها المتواضع أكثر ملاءمة لها . بعدئذٍ حصلت لنفسها على وظيفة نادلة في مقهى ببرايتون , وأقسمت على أن تصبح مستقلة مادياً عن آرلين .
انحرف ذهن رايتشل بعيداً عن تلك الذكرى , فهي تزيد حزناً على حزنها . ألا يكفيها ماتشعر به الأن من حزو وألم بسبب حالة والدتها الصحية ؟ مدت يدها داخل البراد الصغير ذي الإطار المفتت , فخرجت علبة حليب سكبتها داخل الكوب وتابعت التحريك . أنها تقوم بذلك كلة بصورة آليه , إذ أن ذهنها بدا كغمامة من الأفكار والمشاعر المهتاجة .
الذنب ! ياله من خسيس قوي ناخر مزعج يتآلكها ! فيبرز حزنها ويزيده حتى أحبحا معاً مزيجاً لايحتمل , مايجعلها تقوم بأكثر أفعالها جموحاً وجنوناً . كأن تحاول إجبار فيتو فارنسيتي على الزواج منها . فقط لكي تسّل موت والدتها .
احتضنت الكوب بيديها وتمشت عائدة إلى وسط الغرفه لتصل بالقرب من النافذة . حجبت الستائر المصنوعة من الشبك الزقاق في الأسفل بالإضافة إلى مستوعبات النفايات والملصقات الإعلانيه التي لوحها الهواء وكذلك االمهملات المبعثرة .
لم تكن رايتشل تشعر بالذنب بسبب إقصائها آرلين خارج حياتها .
فهذه الأخيرة لم تتوان عن تركها والأبتعاد إلى روما لتعيش حياء مترفة مع إنريكو فارنيستي . حتى في ذلك الوقت ومع ان رايتشل كانت ماتزال مراهقه , علمت بأن ليس هنالك أي أعذار يمكنها أن تغير حقيقة أن آرلين وإنريكو شخصان أنانيان ولا يباليان بمشاعر الأخرين .
رفعت رايتشل الكوب إلى فمها فارتشفت الشاي الساخن من دون أن تشعر حتى بمذاقه . كم كانت مخطئه ! كانت مخطئة كلياً وتماماً بخصوص آرلين , لكنها لم تعرف ذلك إلا بعد فوات الأوان . علا بعد أن صارت والدتها مريضة جداً . حينها , حينها فقط تمكنت رايتشل من رؤية والدتها تحت ضوء مختلف تماماً .
- فعلت هذا كله لأجلك يا ابنتي العزيزة .
همست لها والدتها بذلك بينما كانت الأدوية ومسكنات الألم تجعل ذهنها مشتتاً . تمكنت آرلين أخيراً من إطلاق مشاعرها الصادقة نحو ابنتها , وهي مشاعر كبتتها لسنوات طوال .
- أردتك أن تحصلي على شيء يفوق ماحصلت عليه يوماً . والدك تبرأ منك , واحتقرني . أرادني فقط لإرضاء شهواته لا أكثر . لطالما كرهته بسبب ذلك . كرهته . . . لذا أردتك أن تكبري لتصبحي من ذاك النوع من الأشخاص الذين لايستطيع هو ولا عائلته الغاليه أن يعاملوهم باحتقار . اردتك أن تحصلي على أفضل تعليم , أفضل تربية , وأن تخالطي أشخاصاً من المستوى الأجتماعي نفسة الذي ينتمي إليه والدك وعئلتك . لهذا السبب منحتك اسمه , بالرغم من أنني لم أتمكن من وضعه على شهادة ميلادك . علم والدك أنني لالا أستطيع أن أطالبة بأي شيء ولا أن أطالب بملكيته الغاليه . تخلى عنا نحن الأثنتين .
عندما وقع له حادث اصطدام بسيارته تلك شعرت بالسرور , فقد نال عقابه بسبب مافعله بك وبي , ورفضة الأعتراف بك . لم أنس يوماً سخريته وقوله إنني لست مناسبة كي أتزوج منه .
قبضت يد آرلين بأحكام على يد رايتشل , فيما لفح العذاب المرير عينيها .
- لِم لم أكن أبداً مناسبة للزواج ؟ هل كنت فقط مناسبة لإقامة علاقة عابرة ؟ إنريكو ارادني أن أبقى إلى جانبة دوماً لكنني لم أكن أستطيع الزواج به أبداً . فقد كان متزوجاً .
بدا صدرها يرتفع ويهبط مهتاجاً . أما رايتشل فجلست تتلوى من الألم فيما تابعت والدتها الإدلاء باعترافها الأخير الذي يمزق القلب .- أحببت إنريكو بصدق , لكنه لم يبادلني الحب أبداً . . . ولو للحظة . أرادني بقربه لإرضائه فقط . هذا كل شيء . حاولت ألا أظهر له أبداً أنني أهتم لأمره . لو أظهرت له الأهتمام الزائد عن الحد لشعر بالغضب والأنزعاج . لو أنني فعلت لظن انني أحاول الضغط عليه كي يطلق زوجته , لكنني علمت أنه لن يفعل ذلك ابداً . ليس لأنها كاثوليكيه . . بل لأن . . ..
ظهرت المرارة في صوت آرلين مجدداً , ثم تابعت :" . . . حتى لو كان حراً , ما كان ليتزوجني , فأنا بالنسبة إليه مجرد أمرأه يعبث معها "
أحست رايتشل بمشاعر الغضب لأجل والدتها تهزها بقوة . راح المزيد من الذكريات يندفع إلى رأسها . . . رأت والدتها مستلقيه هناك بعينيها الغائرتين اللتين يكدرهما فرط هزالها وذبول وجهها , فيما يبدو جسدها كالخيال فوق الأغطية البيضايء . تذكرت رايتشل صوتها الخافت المعذب وهي تتحدث إلى أبنتها ويدها تطبق بإحكام على يدها .
- أردتك أن تصبحي امرأه محترمه بما يكفي كي تتزوجي . أردتك أن تصبحي من ذلك الصنف من النساء اللواتي يسعى الرجل إلى التقرب منهن , ويجعلون منهن زوجات لهم . عندما حاول فيتو إغواءك كدت أموت . . . خدعك واستخدمك ليحاربني , وحاول أن يحولك إلى أمرأه فاسده . . .
أغمضت آرلين عينيها فيما بدا الإرهاق والأنهزام على وجهها .
- لطالما راودني حلم . . . حلم حقيقي جداً . . . حتى أنني ظننت أحياناً أن حاصل فعلاً . حلمت بأن يتزوجك فيتو . . . بما أن والده لن يتزوجني ابداً . لطالما رأيتك في أحلامي عروساً لآل فارنيسيتي وأنت تضعين زمردات آل فارنيستي حول عنقك !
انفتحت عينا والدتها فجأه وأصبحتا متوهجتين جداً , ثم تابعت كلامها قائلة :" لهذا السبب أخذت الزمردات ! كانت هناك في شقة روما . . . الشقة التي أخذك إليها فيتو لكي يحاول استغلالالك وتحويلك إلأى أمرأة فاسدة . كنت هناك عندما انهار إنريكو جراء السكنة القلبيه التي تعرض لها . أخذته سيارة الإسعاف من هناك , ولم أره أبداً منذ ذلك الحين . . . ابداً ! أصدر فيتو أوامرة بألا يُسمح لي بدخول المستشفى حتى أودعه أو حتى لأقول له أنني احببته . . .

لكن فيتو لم يسمح لي برؤيته . كما أمر بأن يطردوني من شقة روما . عدت حينها إلى الفيلا , نزل منها رجال أمن قاموا بإخراجي من هناك , ثم قرأت في الجريده اليومية أن إنريكو فارنيستي صاحب شركة فارنيستي توفي في اليوم السابق في روما , حيث كان أبنه وزوجته المحبوبة إلى جانب في فراشه ! أما أنا فلم أعلم حتى أن إنريكو توفي إلى أن قام فيتو بطردي من الفيلا , وجردني من كل شيء حصلت عليه من إنريكو يوماً "
استنشقت آرلين أنفاسها مجدداً بألم , أما رايتشل فجلست ممسكة بيديها , فيما أحست كما لو أن قلبها ينسحق بملزمة وهي تصغي إلى اعترافات والدتها .
ألتمعت عينا آرلين المشرقتين , وتابعت :" لكن فيتو لم يعلم . . . لم يعرف أنني أخذت معي الزمردات من الفيلا . أخذتها عندما قام بطردي .إنها لك يا أبنتي العزيزة . . . لك , لتضعها عندما تصبحين عروساً لآل فارنيستي "
حاولت رايتشل أن تعترض برفق وحذر . لكن ذهن آرلين المغشي بالأدوية المخدرة كان قد يتبنى حقيقة جديدة , حقيقة مبنية بأكملها على أمل أخير يائس , بغض النظر عن كونه بعيد المنال .
همست آرلين وعيناها متسعتان , وهما تفيضان بمشاعر الأمومه التي بقتها مكبوته لفترة طويلة جداً :
- إنها أمنيتي الوحيدة لك . لو أن بمقدوري أن أراك عروساً لفيتو . . . آه يا ابنتي العزيزه . . . عندها سوف أموت سعيدة . . .
انهمرت الدموع من عيني رايتشل , لا بد أها جنت حتى ظنت أن بمقدورها أن تدبر فيتو فارنيستي على وضع خاتم في إصبعه ولو لفترة قصيرة جداً . . . حتى آخر ماتبقى من حياة آرلين . لكن فشلها المثير للشفقة بعد ظهر هذا اليوم جعلها تعلم أنها محقة في محاولتها تلك مع فيتو . لعل الأمر ميؤوس منه ومضحك , وربما هو أمر مجنون تماماً كما وصفه فيتو ساخراً , لكن رايتشل ماكانت لتهدأ إلا إذا حاولت أن تحقق أمنية والدتها وهي على فراش موتها .
فكرت رايتشل أن الموت يغير كل شيء ... إنه يكوّن حقائق جديدة ويدمر والوقائع القديمه . جل ماهو مهم بالنسبة إليها الآن هو الفترة الوجيزة الباقية من حياة والجتها . لاشيء آخر . . . لانفسها أو مشاعرها ولا رغباتها أو مخاوفها , ولا فيتو فارنيستي أيضاً.
*******

بدت تلك الليلة من تشرين الثاني بارده موحشة , وذلك عندما عادت رايتشل من زيارتها لوالدتها . كل زيارة كانت تقوم بها إلى والدتها مؤلمة , أما اليوم وبعد أن تحملت محنة محاولة تحقيق أمنية والدتها الميؤوس منها وهي على فراش الموت , بدت زيارتها أكثر إيلاماً . بدت آرلين أضعف كما أفلتت أحدى الممرضات الجملة التي كانت رايتشل تخشى سماعها , ومفادها أن تضع والدتها في مركز متخصص يعتني المرضى أمثالها .
أحست رايتشل أن الألم يقبض عليها بقوة مجدداً.
مازال أمامهما القليل جداً من الوقت المتبقي لهما سوياً , وهد أهدرتا الكثير منه . على الرغم من معرفتها اخيراً لماذا ارسلتها آرلين إلى مدرسة داخلية , ولم تراها إلا قليلاً عندما كانت صغيرة , فإن مازال يؤلمها بشكل بائس .
- لم أرغب بأن تظلي مرتبطه بي !
كانتت آرلين قد اخبرتها بذلك , فيما أنسحق قلب رايتشل من الأسى والحزن حين سمعت حقيقة مشاعر والدتها تجاهها . تابعت آرلين :" لم أكن أريدك أن تعاني بأي شكلم من الأشكال بسبب علالاقتي مع إنريكو ! و . . ."
ازداد صوتها كآبه حين تابعت :" . . . لم أشأ أن يدنو منك فيتو , ذلك الشاب الوسيم المغرور بوسامته "
قاطعت رايتشل الذكرى في ذهنها , فقد بدت مؤلمة جداً . والآن بعد نقص درايتها وجهلها اللذين دفعاها لوؤية فيتو مجدداً بعد كل هذه السنوات تضاعف الألم عشر مرات , فأخذ يخدش أعصابها . كانت والدتها محقة بإبقائها بعيدة عن فيتو فارنيستي . مع ذلك , وبالرغم من يقينها وتأكدها من ذلك فقد خانها قلبها . فيتو ! رؤيته من جديد منذ بضع ساعات , هي بمثابة عذاب جديد وشوق جديد . . .
اندفع شعور آخر من خلال العذاب الأليم والحزن اللذين تشعر بهما بسبب مرض والدتها .
هذه المرة عرفت رايتشل ماهو هذا الشعور ! عندما كانت في الثامنة عشر من عمرها لم تعرف رايتشل حتى اسم هذا الشعور , حتى إنها لم تكن تعرف بوجوده . أما الآن وهي في الخامسة والعشرين من عمرها فصارت تعرف ؛ إنه الأنجذاب نحو فيتو !

كيف يمكنك أن تشعري بالأنجذاب إلى رجل يمقتك ؟ رجل لطالما مقتك . . . إنه أمر مخزٍ , مثير للشفقه , لايمكن غفرانه , لكن معرفة ذلك والشعور به أران مختلفان تماماً .
فقط لو أنني لم أذهب إليه اليوم ! فقط لو أنني لم اره مجدداً!
أحست رايتشل بتوق مريض يتآكلها , ويجعلها تشعر بالخزي .
صرفت هذا الشعور جانباً . لن تقع عيناها أبداً على فيتو فارنيستي من جديد . حاولت بعد ظهر اليوم /أن تفعل ماأجبرها حبها لوالدتها على القيام به . لكنها كانت أكثر التجارب المريعه في حياتها , لكنها حاولت على الأقل ! لن يؤنبها ضميره لأنها لم تتحلى حتى بالشجاعة لكي تحاول تحقيق أمنية والدتها وهي على فراش الموت , وعلى الرغم من أنها علمت أن تحقيقها أمر مستحيل .
حضرت رايتشل العشاء وهو عبارة عن الفاصوليا مع الخبز المحمص .إنها وجبة رخيصة وسريعة . أثناء تناولها عشاءها اضطرت إلى اجبار نفسها على ابتلاع كل لقمة منه . بعدئذٍ أجضرت الكمبوتر النقال الخاص بها وهي تشعر بثق وانسحاق في قلبها .
لم تذهب مطلقاً إلى الجامعة , كما أنها لم تكمل دراستها الثانوية .
لو أنها فعلت لتمكنت بلا شك من الأنتساب إلى إحدى الجامعات المرموقة , لكنها عوضاً عن ذلك تلقت دروساً مسائية في جامعة محلية دفعت تكاليفها من أجرها الخاص , وذلك إلى أن حصلت على مؤهلات كافية تسمح لها بالحصول على وضيفة في قسم التسويق لدى شركة عالمية . جنت رايتشل من وظيفتها تلك مايكفي لتدفع أقساط شقة سغيرة مريجة في لندن . إنها الشقة نفسها التي باعتها لتساعد في دفع تكاليف علاج والدتها في مستشفى خاص .
أطلقت ضحكة مريرة . بعد الرفاهية التي أمنها إنريكو فارنيستي لوالدتها , فإن أمورها الحالية لاتسير بشكل جيد . لعل الحزن وانكسار القلب والمرارة التي استهلكت والدتها , كلها عوامل جعلت آرلين لاتهتم بالمال الذي وضعته جانباً. على أي حال نفد هذا المال بسرعة الأن . فمصاريف المستشفى الخاص تشكل عبئاً ثقيلاً , لكن رايتشل لاتأبه لذلك , جل ماتريدة هو أن تعيش آرلين مرتاحة لبقية حياتها .
فتحت كمبوترها النقال , وهمّت بالعمل . إنها ممتنة جداً لأنها وجداً عملاً بدوام حر , فهي تترجم كتباً خاصة بالتسويق من اللغتين الإسبانيه والفرنسية إلى اللغة الأنكليزيه . صحيح أن مدخولها ليس كبيراً كما كان من قبل , لكن عملها هذا أكثر مرونه , ويسمح لها أن تمضي قدر ماتستطيع من الوقت برفقة والدتها . أقفها فجأة عن العمل صوت هاتف المدخل . من بحق السماء يريد مقابلتها في هذا الوقت ؟ توجهت رايتشل نحو الباب فيما ساورها القلق . رفعت سماعة العاتف بذهن مشوش .
أجابت بحذر :" نعم ؟ من الطارق؟"
جاءها الرد المختصر :" فيتو فارنيستي "

موــــــــني ^___^
________________________________________


4- لا أاريدك أنت

وقفت رايتشل في مكانها حوالي الخمس ثوان جامدة مذهولة , غير قادرة على تصديق ماسمعته للتو . مدت يدها لتضعط على الزر لتفتح الباب الأمامي للمنزل في الطابق السفلي , لكن حتى وهي تفعل ذلك , أحست بأرتعادة من الخوف تجول في جسدها .
ما الذي يريدة ؟
ما إن فتحت متردده باب شقتها التي تعلو طابقين عن المدخل . حتى سمعت وقع قدمي فيتو على الدرج . بعد لحضة ظهر فيتو عند زاوية الدرج .
وتوجة مباشرة نحوها . لدا وجهه غامضاً وخالياً من أي تعابير , فأحست رايتشل بالتوتر يزداد في داخلها . هل يظن أنها تحتفظ بزمرادت فارنيستي هنا في الشقة ؟ هل يخطط لأن يأخذها بنفسه من هنا بالقوة ؟
على أي حال , كيف تراه وجد مكان إقامتها ؟
الاهتياج والاضطراب جعلاها تطرح السؤال من دون أن تفكر به بصوت مرتفع حتى قبل أن يصل فيتو إليها .
- كيف عرفت أين أقيم ؟
زم فيتو فمه ما إن اقترب منها :" أرسلت أشخاصاً كي يلحقوا بك عندما غادرت مكتبي . هل إقامتك هنا هي مزحة ما لكي تخدعيني ؟"
ما إن وصل فيتو إليها , حتى دفعها جانباً حتى يدخل إلى الشقة . ألقى نظره متفحصة ساخرة على تلك الفسحة الضيقة الرثة , ما جعله يعقد حاجبيه سوياً. بعدئذٍ ادار نظرته نحو رايتشل التي وقفت مصعوقه بالقرب من الباب .
شعرت بالخوف , الصدمة , المقت , الدهشة . . . وشيء ما أكثر قوةمن تلك الأحاسيس .أحست أن الدماء تغلي في داخلها فتطغى على أي شيء آخر .
مازال فيتو يرتدي بذلة العمل الرسميه , لكنه تخلص من ربطة عنقه منذ أن رأته بعد الظهر , إلا أن ذلك لم يجعلى يبدو أقل وسامة , مع أنه جعله يبدو اشعث المظهر قليلاً .
وقف فيتو في وسط الغرفة تماماً, نظراً إلى حدودها الضيقة .
- لماذا انت في هذا المكان البالي ؟ هل أنت فعلاً مفلسه إلى هذا الحد ؟ لم تبدي كذلك عندما دخلتِ إلى مكتبي بعد ظهر اليوم , أم أنك كنت تحاولين التأثير على ّ؟
توتر وجه رايتشل التي راحت تقاوم بشذة للحفاظ على سيطرتها على نفسها , لكنها علمت أنها تخسر .
طالبها فيتو بينما عيناه تومضان فوق جسدها :" حسناً ؟"
هذه المرة حملت عيناه الأزدراء التام , ولم تفاجأ رايتشل بذلك فبعد ظهر هذا اليوم بدا مظهرها جيداً إلى أبعد الحدود ,أما الأن فهي على العكس تماماً . إنها ترتدي بذلة رياضية , ووجهها خال من التبرج , فيما يبدو شعرها مشدوداً إلى الوراء ومربوطاً على شكل عقدة .
تمكنت رايتشل أن تتدبر الرد بكلمات لاذعه إذا قالت :" وما شأنك أنت بأموري المالية ؟"
تصلبت نظراته , وبدا من الوضح أنه لم يعجب مطلقاً بنبرة صوتها .
- بما أنك رفضتِ للتو مبلغ الملون يورو الذي عرضته عليك , فهذا يجعل أمورك الماليه من شأني بشكل ما .. وبما أنك لن تحصلي حتى على عناق مني بشروطك المضحكة تلك , فالأحرى بك أن تأخذي المال . أليس كذلك أين هي الزمردات ؟
نظر فيتو حوله بينما ازدادت تعابير الأزدراء في وجهه عمقاً .
أجابته رايتشل بحدة :" إنها في المصرف . هل ظننت أنني سأضعها في مكان آخر ؟ إن كنت قد جئت إلى هنا كي تحاول إقناعي بأن أبيعك إياها , فيمكنك أن تخرج . والدتي لن تبيع أبداً "
- احقاً ؟ أعلى الرغم من أنكِ مفلسة إلى درجه تجعلك تعيشين في هذا المكان البالي القذر ؟ أين هي آرلين على أي حال ؟ أهي مفلسة أيضاً ؟ لايمكنني أن أتصور أنها تسمح لالابنتها الغالية بأن تقيم في هذا المكان بينما تتنعم هي بإنفاق ماتبقى لديها من اموال والدي .
انغلق وجه رايتشل وتجمدت أوصالها . لن تدعه يكتشف شيئاً بخصوص والدتها .إن حصل ذلك وأظهر فيتو إشارة واحدة تنم عن رضاء وامتنانه لأن تعيش عشيقة والده التي يمقتها تنال عقابها ,. فرايتشل سوف تقتله بيديها المجردتين . أحست رايتشل بحاجة ملحة غامرة لن تحمي والدتها من هذا الرجل الذي يكرهها كثيراً .
كذبت رايتشل قائلة بسرعة :" إنها مسافرة خارج البلاد ! إنها في إسبانيا , فهي تحب الطقس الدافئ "
استطاعت أن تشعر بنظرات فيتو تضغط عليها :" كيف يصادف إذاً أنك تشعرين بالحرية لتتصرفي بالزمردات ؟ هل أصبحت ملكك أنت ؟"
اجابت رايتشل بدهاء :" نعم "
في الواقع هي تمتلكها , فقد منحتها آرلين حرية التصرف بشؤونها منذ شهرين , وذل قبل أن تصبح مريضة جداً إلى حد لايسمح لها أن تعتني بالزمردات أكثر .
نعم هي تمتلك زمردات فارنيستي ! لكنها تعلم أنها لاتستطيع أن تبيعها أبداً . تعلم رايتشل أنها , عندما تموت والدتها , سوف تعيدالزمردات من دون أي مقابل إلى الشخص الوحيد الذي يحق له الأحتفاظ بها فعلاً : أرملة أنريكو . فعمت رايتشل السبب الذي دفع والدتها إلى اخذ الزمردات , لكنها تعلم أنه لم يكن لآرلين اي حق بها , كما أنها ليست من حقها هي أيضاً . لو أن فيتو وافق على شروطها بعد ظهر هذا اليوم , لأعادت إليه الزمردات من دون أي مقابل . إنها لاتريد من فيتو أي شيء سوى أسمه على وثيقة زواجهام , بالإضافه إلى صور للزفاف لكي تريها لوالدتها , وتقنعها أنها تزوجت فعلاً من ابن إنريكو . لكن فيتو رفض تماماً محاولتها المضحكة بأن تحقق أمنية والدتها قبل موتها . وبالتالي عليها أن تحتفظ بالزمردات إلى أن تموت أرلين , فتصبح قادرة على إعادتها إلى السينيورا فارنيستي .
تغير شيء ما في وجه فيتو فيما أجابته رايتشل . شيء ما جعل الدماء تبرد في عروقها أكثر .
- لقد اعترفت للتو بأنك تحتفظين بزمردات فارنيستي , أخبريني إذاً ياعزيزتي , ما الذي يمنعني من إقناعك بأن تعيديها لي .
التمعت عينا فيتو ’ فأحست رايتشل بالخوف يطعنها مجدداً . لكن لايمكنها . . . لايجدر بها أن تشعر بالخوف أمامه . ردت عليه بنبرة دفاعية ::" لا آبه البتة بما تظنه في ما يتعلق بالزمردات . لو كان بمقدورك أن تستعيدها بشكل قانوني حتى الآن لفعلت ذلك . وإن تجرأت على وضع إصبعك على , سوف أتهمك بالتعرض لي , ولن تلبث الصحافة الصفراء وصف الإشاعات أن تنشر خبر الفضيحة ".
استنشقت رايتشل نفساً عميقاً مرتعداً , وتابعت :" حسناً ! إن كان هذا كل ماجئت إلى هنا من أجله . . . حتى تقوم بمحاولات الصبي المستبد فيمكنك ان ترحل بسرعة "
ازداد الإلتماع في عيني فيتو , فجأة بدت شقتها الصغيرة الضيقة أصغر مما هي عليه فعلاً . تسارعت أنفاس رايتشل , وأمكنها أن تلاحظ ذلك , كما بدأ الأدرينالين يندفع بسعة في مجاري دمها . لابد أن سبب ذلك هو الخوف الذي تنكره والتوتر . . . هذا كل شيء .
لكنها علمت انها تخدع نفسها . أستطاعت أ تشعر بجسدها يتجاوب مع وجود فيتو , إذ احست بكل عصب من اعصابها يقفز منتفضاً . أرعبها ذلك الشعور . إن لاحظ فيتو ذلك . . . إن أدرك أنها متأثرة به , فهي سوف تموت , ستموت بكل بساطة ! ذلك سوف يعطيه سلاحاً آخر يستخدمه ضدها , ولا يمكنها ان تأمل أبداً بهزم ذلك السلاح .
أدركت رايتشل أنها سوف تشعر بهذا الشعور تجاه فيتو حتى آخر يوم من عمرها . اللمعان الغامض في عينيه يجذبها كالمغناطيس , وهذا الأمر أخافها حتى العظام لكن كلماته التالية أخافتها أكثر .
- كنت أفكر بطريقة مختلفة تماماً في الأقناع ياعزيزتي .
استقرت عيناه السوداوين عليها , ورأت فيهما رايتشل تعبيراً مزق السنوات التي عاشتها بعيدة عنه أحست كما لو أن هنالك ثقباً ما في معدتها , وبأنه رجليها صارتا ترتعشان فجأة . فكرت , كان الأمر مزيفاً حينها , وهو مزيف الأن ! خدعك فيتو عندما كنت في الثامنة عشر من عمرك , خدعك حين أقنعك أنع وجد تل التلميذة الإنكليزيه البريئة ذات الثمانية عشر ربيعاً جذابه بالنسبة إليه , وهو يخدعك الآن ايضاُ !
فضلاً عن ذلك , هي تعلم كيف يبدو مظهرها الأن . لقد خلعت الملابس الأنيقه المتألقه التي كانت ترتديها بعد ظهر هذا اليوم .
وعادت الآن إلى أرتداء ثيابها العادية المتواضعة . غنها ترتدي بذلة رياضية تقتل الشغف , فيما ربطت شعرها إلى الوراء على شكل عقدة صارمة , كما أنها لاتضع أي نوع من التبج على وجهها .
لاحظ فيتو ردة فعل رايتشل , وأمتعه ذلك . لكنها أستطاعت ان ترى الغضب مشتعلاص فيه تحت تلك القشرة من التسليه والأستمتاع . رأته يسير نحوها وبدامن الواضح أن هناك هدفاً من خطواته . أحست مجدداً بتسارع الأدرينالين في جسدها . أرادت أن تتحرك كبتعدة عنه .
أرادت أن تصرخ , أن تزعق , أن تهرب خارج الباب , أن تتراجع حتى نهاية الغرفة فتقفل الباب على نفسها في الحمام الصغير حتى تهرب منه . لكنها تجذرت في مكانها , وما إن تجمدت هناك حتى وقف فيتو أمامها , أما اللمعان في عينيه فسرّع وتيرة أنفاسها .
مدّ فيتو يده فلفها حول عنقها .أحست رايتشل برأسها ينحني بخفة , في الوقت نفسه وكها شعور بالذنب اقشعر له بدنها . عبرت الأحاسيس جسدها كالمطر الغزير الغامر , فمحت تلك السنوات السبع الطوال التي مرت منذ أن لامسها فيتو فارنيستي لآخر مرة .
سمعته وهو يغمغم شيئاً ما بالإيطالية , لكنها لم تفهم ماقاله . إذ إن كل قدراتها على الأحساس كانت مدمجة فى إحساس واحد هو ملامسة أصابعه لبشرتها . عانقها فيتو برقة , فسرى عبر جسدها ذاك المطر الغامر , وأخذها إلى عالم لم تحلم أبداً بأن تخطو إليه مجدداً.
بدا عناقه بالنسبة إليها نعيماً .إنه جنة متميزة جداً إلى درجة أنا ماعادت قادرة على التفكير , كما لم تعد قادره على الحراك , بل بمقدورها فقط أن تغوص إلى أعماق تلك النعمة الصامته الأبدية بأن يعانقها فيتو فارنيستي . أحست رايتشل بأن جسدها يفقد قوته , ويستلقي إلى الأمام مستنداً على جسدة . فاستسلمت إلى مشاعرها تلك .
ازداد عناقه عمقاً , فأخذ يرسل داخلها أحاسيس قوية إلى درجة جعلها تحس كما لو أنها عذراء من العصر افيكتوري . وهي لن تسمح لفيتو فارنيستي بإغوائها .
تنبهت فجأة أن الآمر بالنسبة إليه ليس ممتعاً على الأطلاق ! إنه فقط يفعل هذا لسبب نفسه الذي دفعه إلى إغوائها في المرة الماضية. . . لكي يستغلها . في المره الماضية أراد أن يستخدمني حتى يجرح والدتي .
وهذه المرة هو يريد زمردات فارنيستي . . .
جذبت نفسها مبتعدة عنه بحدة , وبقوة لم تدرِ كيف وجدتها :" لا !"
دفعت رايتشل يديه بعيداً عنها , وتراجعت إلى الوراء . كانت دقات قلبها تتسارع وأطرافها ترتعد إلى درجة أنها اضطرت أن تقاوم حتى تتمالك نفسها .
للحظة تحرك شيء ما في عيني فيتو , ثم اختفى ذلك الشيء وحلت مكانة نظرة مألوفة . . . نظرة أستهزاء وسخريه :" لا ؟ حسناً ! هذه كلمة جديدة في قاموسك عزيزتي . فلطالما كنت تقولين "ارجوك فيتو . أرجوك ! "
تذكرت رايتشل بوضوح كريه تام اندفاعها وتوقها إلى عناقه آخر مرة كانا فيها معاً . لكن ليس هذا ماقصده فيتو بالتحديد بل قصد مناسبة مختلفة تماماً . قالت رايتشل هذه الكلمات عبر الهاتف , بعد أن توسلت سكرتيرته كي تصلها به . يومها أدركت رايتشل أن السكرتيرة لم تخبر فيتو أنها هي المتكلمة , لآنه ماكان سيتلقى المكالمه لو انها أخبرته . رفع السماعة من دون ذا النبرة القاسية يقول :" من المتكلم ؟"
قالت بصوتها المرتعش :" أنا رايتشل . . . أرجوك , فيتو ! أرجوك . . ."
إلا أن فيتو أقفل الخط من دون أن يسمح لها بقول أي كلمة أخرى .
بعد ذلك لم يسمح لها أبداً بالوصول إليه مجدداً. ومنذ ذلك الحين وصاعداً ألتزمت تكرتيرته بأوامرة , ولم تعد تتجاوب معها , فالسينيور فارنيستي لن يتلقى أي مكالمات من قبلها .
انغلق وجه رايتشل , فيما صدّت كل إحساس تشعر به تجاهه محتجزة مشاعرها في داخلها . إنها ليست بحاجة إلى مشاعرها عندما يتعلق الأمر بفيتو فارنيستي ز
أجابت وحلقها مشدود :"حسناً ! أنا أقول لا الآن , فيتو . وأخشى أن زمردات فارنيستي تساوي أكثر من مجرد عناق بسيط من فيتو فارنيستي الرائع . لن تستعيدها بسعر زهيد !"
تصلّب وجه فيتو فازداد قساوة , كما ازداد نظراته استهزاء .
- لعل الزمردات تساوي أكثر من هذا ولكنك لاتساوين أكثر {اوووف كلب }
كانت تلك صفعة كبرى تتلقاها من بين العديد من الضربات الأخرى . إلا أن رايتشل لم تجفل هذه المرة . استنشقت نفساً عميقاً . حاداً وقالت :" بالرغم من ذالك كان هذا أفضل عرض لديك , فالزمردات ليست للبيع . لن تغريني بالمليون يورو ".
رمى فيتو سؤاله على رايتشل قائلاً :" لماذا ؟ أنت تعيشين في مكان وضيع قذر . مبلغ مليون يورو سوف يخرجك من هنا ويجعلك تعيشين بترف !"
راح ينظر إليها بتركيز بعينين ضيقتين , كأنه يحاول قراءة مايدور في داخلها . أحست رايتشل أن الخطر يحوم حولها , لكنه مختلف عن الخطر الذي واجهته . صدّته منذ لحظة . أحست بموجة غامرة من الرغبة بالدفاع عن والدتها المحتضرة أخذت تجيش في داخلها .
أراد فيتو أن يفهم لماذا تطالب رايتشل بهذا الثمن المضحك مقابل إعادة الزمردات . لكن . . . . يجب ألا يعرف أبداً .
- كذلك الزواج بك سيفعل هذا سيخرجني من هنا .
بدا صوت رايتشل سطحياً . فيما تركزت نظرات عينيها على عينيه كأنها تحاول إجبارة على تقبل هذا السبب كدافع لها . راقبت ملامح فيتو تتغير , متخذه تلك النظرة الساخرة المستهزئة من جديد .
تشدق فيتو قائلاً :" إذاً هذا هو طموحك . أليس كذلك ؟ أنت لاتريدين أن تكوني كوالدتك , فهذا ليس كافياً بالنسبة إليك أنتِ تريدين الأحترام "
علمت رايتشل أن هذا قريب جداً من الحقيقة إلى درجة أنها أستطاعت أن ترى ذلك في عينيه . رفعت ذقنها وقالت :" لِمَ لا ؟ لو صرت السينيورا فارنيستي, سوف يرحب بي الناس في أي مكان "
لم تعرف رايتشل لما قالت له ذلك , أولما تتابع السير بهذه المهزلة , ففيتو لن يتزوجها .
أبتسم ابتسامه ساخره ::" آه . . . تفكير طموح بالفعل ! أخبريني ايتها الأنسه الساعيه خلف الثروه , هل يمتد طموحك نحو الحصول على حصتك من أموال فارنيستي لكي تقبلي بتسوية طلاق مسرفة ؟"
لم تسمح رايتشل لذلك القول أن يؤثر بها أيضاً . فقالت بنبرة الصوت السطحية نفسها :" لا "
- لا ؟ إذاً هل أنت مستعدة للزواج بي حتى لو طردتك بعد ستة أشهر من دون أي قرش كنفقة .؟
بدا عدم التصديق واضحاً جداً على وجه فيتو .
اجابته رايتشل بفظاظه وتصميم :" نعم "
- لماذا ياعزيزتي ؟ يجدر بي أن اشعر بالأطراء , فأنت مستعدة للزواج بي على الرغم من أن ستتنازلين عن نفقة الطلاق !
سخريته مست شيئاً ما في داخلها . . . لن تسمح له مجدداً أن يهزأ برغبتها الغبية البائسة في الزواج منه .
- الأمر لايتعلق بك فيتو .أنا لا آبه بك البته !
زاد الغموض والأسوداد في عينيه .
لم تعد قادرة على من نفسها , ولم تستطع أن تتحمل فكرة أن يظن أنها واقة في حبه إلى درجة تجعلها يائسة جداً للتقرب منه .
- هنالك شخص أكثر أهمية بالنسبة لي من أنت !! شخص . . .
توقفت تماماً عن الكلام , وقد أجفلها ماأوشكت على الأعتراف به .
للحظة ساد الصمت , ثم تكلم فيتو بصوت جعلى لحمها يذبل .
- أخيراً فهمت اللعبة التي تحاولين لعبها .
حاولت رايتشل بسرعة أن تتدارك ما تفوهت به دون تفكير .
- لا . . . أنا . . .
لوح فيتو بيده في الهواء :" تأخرت كثيراً عزيزتي . يمكنني أن أفهم الأن ماتنوين عليه. الأمر لايتعلق بالزواج مني , بل بتعلق بالزواج من رجل آخر . رجل يرفض الزواج بك . أنت تظنين أن بمقدورك أن تنتقمي منه بأن تصبحي فجأة السينيورا فارنيستي ! أنتِ تريدين الأنتقام . هذا كل ما في الأمر . أنت تنتقمين من الرجل الذي ازدراك وأحتقرك , لأنه يريدك عشيقة له لازوجه "
حدقت رايتشل به محاولة أن تستوعب ما يقوله .
كان فيتو مازال يتكلم :" أخيراً فهمت الصوره . الآن تبدو لي منطقية أكثر . الأنتقام هو ألذ شعور على الإطلاق ! لقاء هذا الثمن, بدوت مستعدة لاقتحام مكتبي اليوم معتقدة أنك إن أغويتني بالزمردات فسوف تقنعينني أن أسير معك في خطتك تلك "
التمعت عيناه بمقت كرية :" أردت أن تخدعيه .أردت أن يظن أنك وجدتِ رجلاً ثرياً ينوي الزواج بك ولكي تجعليني أسير معك في هذا المخطط المبهج عرضتِ عليّ أن تعيدي لي زمرداتي الخاصة بالإضافة إلى التمتع بإقامة علاقة حميمية معك "
وخزها مقته هذا مادفعها إلى الرد , إذ وجدت في مكان ما - مالم تدرِ أين - مقتاً مماثلاً لمقته لها .أمالت رأسها قليلاً , فنظرت إلية ساخرة , ثم قالت :" في الواقع , لا أنت لن تحصل سوى على االزمردات فيتو "
نضح صوتها باللامبالاة القارسة , فتابعت :" إن إقامة علاقة حميمية معك ماكانت لتصبح جزءاً من الإتفاق . مواهبك الخارقة في السرير لم تكن مطلوبة . حاولت ذلك ذات مرة , أتذكر ؟ لكن لا ! لن تحصل في المقابل سوى على زمرداتك تلك فقط "
علمت رايتشل أنها تفتقر إلأى الأسلحة المناسبة حتى تحاربه بها , وأن هذا هو السلاح الوحيد الذي تمله . إنه ضعيف ومثير للشفقه , لكن هذا كل ما تستطيع فعله , أن تدّعي اللامبالاة تجاهه .
الله وحته يعلم من أين جاء بفكرة أها تريد الزواج منه حتى تعاقب عشيقاً خيالياً ما لأنه رفض الزواج بها , لكنها لن تنفي هذا الأعتقاد فهو سيساعدها على إخفاء حقيقة دافعها الفعلي .كما أن تظاهرها بالامبالاة تجاهه سيحميها أكثر . لجأت رايتشل إلى إهانة أخرى , كما لو أنها متسولة تبحث في المهملات .
- لاشك أنك تظن نفسك هبة من الله للنساء فيتو , لكنني أخشى أنه فيما يتعلق بي أنا , أنت ممل قليلاً .أنا فقط أردت الحصول على خاتم زواجك في إصبعي , هذا كل شيء .أنا لا أتحرق لإقامة علاقة حميمية معك , بل إنني أرفضها بعض النظر عن مدى براعتك .
ظل فيتو يرمقها بنظراته , التي استقرت عليها من دون أن تظهر عيناه أي تعابير , كما خلا وجهه من التعابير أيضاً . أجبرت رايتشل نفسها على التحرك . ما الذي يحصل ؟ لماذا ينظر إليها بهذا الشكل من دون أن تظهر علو وجهه أي تعابير على الإطلاق ؟ توقعت أن ترى وميضاً من الغضب يدل على أنه يعترض على إهانتها لجاذبيته التي لاتقاوم , إلا أنه راح ينظر إليها فقط , فيما بدا وجهه مغلقاً تماماً . تسلل عدم الارتياح إلى داخلها مجدداً , ثم أدركت مايفعله فيتو , إنه يتعمد عدم الإجابه على إهانتها الصغيرة الواهنه فقط لكي يظهر لها كم هي سخيفه , رأها ليس له أي قيمة على الإطلاق .
احست رايتشل أن سهماً من الغضب يخترقها , فهي ليست ذات قيمة بالنسبة لفيتو . لطالما كانت كذلك . أستفزته مجدداً , كأن هناك مايجبرها على الحصول على ردة فعل منه . . . أي ردة فعل , لكي تظهر أن بمقدورها أن تؤثر عليه ولو قليلاً .
- أفترض أنك ظننتني مففتونة بك عندما كنت في الثامنة عشر من عمري اليس كذلك ؟
اطلقت رايتشل ضحكة قصيرة , هزت كتفيها قليلاً , وتابعت :" حسناً ! هذه المره يمكنك أن تلاحظ أنني لست مفتونه "
علمت أنه يفترض بها أن تسير في المواجهه إلى الحد النهائي , وإلا فإنها ستذبل وتعود إلى الرماد , فتابعت كلامها :" آه ! أما الآن بالذات فإنني أشعر بالفضول , لذا سمحت لك أن تعانقني , لكن فيما يتخطى ذالك . . . لا أظن أن شيئاً سوف يحدث بيننا . والآن إذا كنت لاتمانع , لدي أمور عليّ متابعتها "
مشت نحو الباب وهي تشعر بالذهول والدهشة , غير مصدقة أن رجليها ماتزالان قادرتين على التحرك . هي بكل بساطة تريدة أن يرحل لكي تستطيع أن تنهار بمفردها . . . سحبت رايتشل القفل الآلي للباب إلى الخلف , ففتحته بضربة واحدة , ووقفت جانباً , ثم عادت ونظرت نحو فيتو .
لم يكن فيتو قد تحرك من مكانه . أستمر واقفاً كمانه فيما وجهه خالياً من التعابير . عبرت جسد رايتشل ارتعاة صامته كيف تجرأت على أن تقول له أموراًمماثلة كما فعلت للتو . من أين جائت بهذه الأكاذيب , وأي فائدة ترتجي منها على أي حال ؟
حثته قائله :" أتظن أنك قادر على تحريك ساقيك ؟"
بدا وجه فيتو مغلقاً , خاوياً تماماً .أما جسده فبدا جامداً متصلباً . ثم . . . فجأة , بدأ يمشي نحو الباب . بدأ التوتر يزحف نحو رايتشل , فيما هيأت نفسها لمرور فيتو بالقرب منها , لكنه توقف عندما صار على بعد متر منها تقريباً .
- ماذا . . .؟
قاطع فيتو سؤالها الذي يحمل خوفاً ورعباً . اتجه نحوها مباشرة , أما عيناه غير المقرؤتان فأستقرتا على وجهها تماما . وما لبث أن قال :" يجدر بك أن تتصلي بمصرفك يوم غد لتعلميهم بأنك سوف تستعيدين الزمردات . أتصلي بمساعدتي الشخصية أيضاً , واعلميها بموقع المصرف , لكي تعرف إلى أين يجدر بها أن ترسل الساعي "
حدقت رايتشل به غير مصدقة , وقالت هي تعض على شفتها :" ليست لدي نية في السماح لك بالحصول على الزمردات "
رفع أحد حاجبيه , وقال :" كل عروس لآل فارنيستي تضع تلك الزمردات يوم عرسها . هل تتخيلين أنني سأسمح لك بأن تكوني حالة أستثنائية ؟"
حملت عيناه السخرية , البرودة , فميا استقرت نظراته عليها بقوة .
-سوف يكون زواجاً مدنياً حالما يسمح لنا القانون بذلك , وسوف ينحل مجدداً بأسرع ماهو ممكن قانونياً .آه !! سوف تكون هناك أتفاقيه بيننا عليك أن توقعي عليها قبل الزواج , ويجب أن تكون الزمردات حول عنقك عندما أتزوجك حتى تتمكني من إعادتها لي بعد ذلك .
مد فيتو يده نحو مقبض الباب فجذبه وفتحه مجدداً . وجه ابتسامته نحو وجهها المتجمد من جراء الصدمة .
- يجدر بك أن تبدي سعيدة ياعزيزتي , فأحلامك الطفولية تحققت للتو . . . سوف أتزوج بك .
تمشى فيتو ماراً بالقرب منهما إلى خارج الشقة . بدا مسترخياً وهو يخطو برشاقة وأناقة نزولاً على الدرج ذي السجاده الرثة الباليه .
راقبتة رايتشل بحذر وهو يخرج من الباب الأمامي , ثم سمعت الباب يخبط وينغلق خلفه . بعد فترة طويلة . . . طويلة . أحست أن قلبها عاد لينبض مجدداً .

موــــــــني ^___^
__________________________________


5- مشهد يختصر الزمن

استرحى فيتو على المقعد الخلفي لسيارته , فيما انطلق سائقة بالسيارة مبتعداً حول المنعطف .
سرى الغضب الجليدي عبر جسده إذاً , رايتشل فايل . . . أو الأحرى رايتشل غراهام تعتقد أنها سوف تستخدمه كالعجينة , سوف تلويه لتحقيق أهدافها , تماماً كما فعلت والدتها اللعينة بوالده وصولاً حتى لحظة مماته .
الأذلال الذي لحق بوالدته كان تاماً وكاملاً . يومها حضي فيتو بالقجر الذي استطاع الحصول عليه من الرضى حين قام بطرد آرلين من شقة روما ثم من الفيلا. يومها أخذت آرلين الزمردات انتقاماً . حسناً ! هو سوف يستعيدها الآن , لكن هذا لسي السبب الذي يدفعه للزواج برايتشل فايل !
استعادة الزمردات هو مجرد ربح إضافي , أما الطبق الحقيقي هو وجبة مختلفة تماماً . وهو كالأنتقام , من الأفضل أن يؤكل بارداً , رايتشل فايل فتاة رائعة الجمال جذابه , ويمكنه أخذها للسرير .
عبرت فمه ابتسامه بطيئة قاسية , ما كان يجدر بها أن تحاول تحديه بهذا الشكل , فتقول لها إنها غير مهتمه بإقامة علاقة معه إذا ما تزوج بها . ليس وهو قادر على رؤية جسدها يرتعش توقاً إليه . ماجعل جسده يجيش بتوق مقابل . سوف يستمتع كثيراً حين يُظهر لها كم هي مخطئة بشأن العلاقة بينهما . لهذا السبب سوف يسمح لنفسه بالزواج منها لكي يتذوق ذلك العسل الموعود . بعدئذٍ سوف يدعها تهترئ في الجحيم .
*************
حدقت رايتشل من كوة الطائرة إلى الخارج , وتسائلت عما تشعر به في تلك اللحضات . قررت في النهاية أنها لاتشعر بأي شيء بأستثناء الذهول المخدر لأنها جالسه هنا بالفعل على متن طائرة خاصة تطير بها نحو الكاريبي كي تتزوج بفيتو فارنيستي . يجدر بها أن تشعر بأنتصار لأنها نجحت فعلاً في جعله يوافق على الزواج بها . لكن جل مااستطاعت أن تشعر به هو الخدر .
جلس فيتو في الجهة المقابلة متجاهلاً وجودها تماماً , بينما راح يعمل على مجموعة من الأوراق على الطاولة أمامه . بالكاد تكلم معها منذ أن نزلت على مدرح نورثولت في وقت سابق من هذا الصباح بعد أن أقلتها سيارة ارسلها لها , أما تعابير وجهه فبدت غير مقرؤة.
جذبتها الذكريات بقوة , ذكريات تتعلق بفيتو في روما , كأنها حصلت منذ عهود في ذاك الحلم الذي لم يتحقق فعلاً . يومها شعرت بالأرتياح برفقته الساحرة . راحا يضحكان ويتحدثان من دون أن ينفد من هما الحديث أبداً . بدا كما لو أنه يستمتع فعلاً برفقتها . . .
نظرت إلى الملف الموجود في حضنها , والذي ناولها إياه فيتو حالما استقرت في مقعدها قال لها بأختصار فيما بدت عيناه غامضتين :" أتفاق ماقبل الزواج . لن يتم الزواج قبل أن توقعي عليه ."
قرأته رايتشل بأكمله . لم يحتوِ على أي مفاجآت . زمردات فارنيستي سوف تصبح ملكية غير مشروطة لفيتو فارنيستي في اللحظة التي تتم فيها مراسم الزفاف . حالما ينتهي الزفاف لن تأخذ رايتشل معها شيئاً أبداً .
لايحق لها بالمطالبة بأي قرش من ثروة آل فارنيستي , ذلك يتضمن عدم أستخدامها لأسم فارنيستي , أو التحدث إلى الصحافة بخصوص زواجهما . سوف توقع على هذا الأتفاق من دون أن تفكر ثانية . مهما هو الزواج من فيتو لاشيء أكثر . أعلمها فيتو بإيجاز أنهما ذاهبان إلى أنتيليا , وهي جزيرة صغيرة في البحر الكاريبي .
الزواج في ذلك المكان له صفتان حسنتان , بإمكان طالبي الزواج أن يتزوجا على الفور من دون الأنتظار الذي تشترطه قوانين المملة المتحدة . وعلى العكس من المملة المتحدة , فإن اتفاقات ماقبل الزواج هي محكمة التنفيذ وملزمه بحسب قانون جزر الأنتيل .
أطبق على رايتشل الحذر مجدداً , رافقه الاحساس بالواقع الكئيب . مايحصل الآن غير حقيقي . . . غريب جداً . . . جداً . . . مؤلم جداً !!
طنّت الكلمات في ذهنها , فلم تقوَ على وقفها : في أحلامك . . .!
ترددت تلك العبارة في راسها , فأحست بقلبها ينقبض .
سوف تتزوج من الرجل الذي ظنت ذات مرة أنه يجسد كل أحلامها , فتبين لها أنه بات كاللعنة بالنسبة إليها . إنه الرجل الذي وهبته حبها لأول , لكنه خان ذلك الحب , هم هزأ منه ودمرة . أما الآن فهي تسافر برفقته لإتمام مراسم الزفاف الذي سيجعل منها أضحوكة .
لكنني لا أفعل ذالك من أجلي أنا , بل من أجل والدتي ! أنا مضطرة إلى القيام بذلك .أنا مضطرة ! مع أن الأمر غير منطقي , بل إنه مريع ومضحك , لكنه جل ما أستطيع ان افعله . لايمكنني أن أرفض القيام بذلك ! لم يتبقَ لآرلين سوى القليل من الوقت فقط . ما أحس به ليس بذي أهمية . والدتي فقط هي ما تهمني . . .
أحست بالحزن يطعنها فأطبق الوجوم على وجهها . تابعت رايتشل التحديق قارجاً نحو الغيوم . . .
شيء ما جعل فيتو يرفع نظره عن أوراقة .أغرق نفسه منذ لحظة صعودهما على متن الطائرة في دراسة بعض العروضات الشديدة التعقيد المتعلقة بأستثمار مشترك مع أحد الصناعيين الكبار في الشرق الأقصى .أراد الأتمام بأي شيء يبعد ذهنه عما يفعله . مازال عدم التصديق يغمره لآبد أنه مجنون لكي يفعل مايفعله !يجدر به بكل بساطة أن يطلب من القبطان ان يستدير بالطائرة ليعود إلأى لندن . ثم يرمي رايتشل فايل على الرصيف , ويسير مبتعداً إلى الأبد . تراقصت على فمه ابسامة ضارية . إن إدارة شركة فارنيستي الصناعية ليست بالأمر السهل . هو أمر صعب للغاية , يترتب عليه مسؤلية تجاه عماله الذين تعتمد معيشتهم عليه .
لاعجب أن والدي كان بحاجة إلى أوقات هروب مع امرأة جميلة حتى يبعد ذهنه عن الأعمال !
جائته تلك الفكرة بالرغم من إرادته . أما الأمر اللعين فهو أن والده لم يكن يلجأ إلى زوجته من أجل تلك المتعة .
لا ! لاتسلك ذاك الدرب . سار فيتو على ذلك الدرب من قبل , فداس على الأشواك لسنوات طوال . تحمًل عذاب والدته وانفطار قلبها بعد هجر والده لها .أما هو فلم يعد قادراً على القيام بأي شيء . . . أي شيء سوى توجيه الأتهامات والمقت . عانت والدته سصمت , ولم تظهر له كربها إلا من خلال تلك النوبات المضنية التي لطالما صادف حدوثها مع إقامة والده المؤقته في روما . عندما كان والده وآرلين يعودان إلى روما كانت والدته تنسحب من
مقر فارنيستي الضخم , فتذهب إلى الشاليه الخاص بالعائلة في جبال الألب الإيطالية , كانت والدته تتوق إلى زوجها الخائن بصمت وبؤس ووحده , ولم تكن ترغب حتى بأن يبقى ابنها معها ليسهر عليها ويواسيها . في حين كانت آرلين غراهام تعيش الحياة المترفه , وتنفق من ثروة والده . والآن هو على وشك أن يتزوج من أبنتها
رفع فيتو رأسه عن اوراقه , واستدار لينظر إلى رايتشل . كان وجه رايتشل مداراً إلى الجهه الأخرى , أما التعابير المرتسمة عليه فجمّدته تماماً . يجدر بها أن تشعّ بالأنتصار لكن وجه رايتشل بدا كأنه منحوتاً من الحجر . ظهرت ملامحه ذابلة , فيما بدا كأنها ترى شيئاً ما ليس في الواقع مرئياً .
أدار رأسه بعيداً بحدة , رايتشل فايل لاتمتلك أي قدرة أو سلطة عليه ! لاسلطة لها على مشاعرة . أتكأ إلى الوراء لكي يرخي أطرافه , ثم أغمض عينيه .
أستحضر فيتو صورتها في ذهنه , بالرغم من أنها تجلس على بعد بضع أقدام منه فقط . نضجت رايتشل خلال السنوات الماضيه منذ آخر مره وقعت فيها عيناه عليها . نضجت الدراقه اليانعه التي حان أوان قطفها الليله . . . آه نعم . . . الليله , وتحت ضوء القمر الكاريبي سوف تكتشف لماذا وافق على الزواج منها .
غرقت رايتشل في عالم الأحلام , فالساعات الطويلة في الطائرة هدأت روعها وساعدتها على النوم , وفي حلمها كان الجو دافئاً . . . دافئاً وجميلاً . هي ترتدي فستانا ً صيفياً أصفر قصيراً ذا ربائط رفيعه على ظهره أعارتها أياه زارا .
راحت تركض صعوداص على الدرج الأسباني , وهي تتجنب بخفة حركة السياح الذين يجلسون على الدرج فقط . . . توقف رجل أمامها وهو يحمل ورده وحيده للبيع , لكن رايتشل ابتسمت بكل بساطة وانطلقت مسرعة بعيداً عنه . . . استطاعت أن تسمع صوت فيتو يلحق بها ويصل إليها . . . ابتسم لها فيتو بعينيه الغامقتين الدافئتين . ظل يبتسم ويبتسم . . . أحست رايتشل أن قلبها ينعصر من فرط السعاده . . . فيتو . . . فيتو . . . !
تنفست وهي تنطق أسمه بصمت , كما لو أنه هتاف مبلسم للروح . . .
تغير المشهد . . . رأت رايتشل نفسها بين ذراعي فيتو , وهو يغازلها ويمازحها لدرجة جعلت الحراره تغمرها , فتأوهت من شدة التوق إليه . . . أحست رايتشل بنشوة من الفرح الغامر تلفها , ثم رحل فيتو . . .
راح أحدهم يهز كتفها برفق , لكن بثبات وإلحاح , فتحت عينها وهي ترمشها بأرتباك . سمعت صوتاً يقول لها بنبرة مهذبة :" أنا آسفه جداً لأنني أيقظتك سيدتي , لكننا بدأنا بالهبوط , ويجب عليك أن تحكمي إغلاق حزام الأمان "
رأت مضيفة الطيران أمامها تستقيم في جلوسها . أم وراءها فرأت فيتو مازال يعمل على أوراقه , كما لو أنه لم يفعل أي شيء آخر طيلة الرحله . أحست أن قلبها ينقبض , إذ إن ذهنها مايزال ممتلئاً بالحلم الذي استيقظت منه للتو . للحظة لم تفعل رايتشل شيئاً سوى التحديق , هي مازالت متيمة به تماماً كما كانت وهي في الثامنة عشرة من عمرها , إنها تعشق وسامته ولون بشرته الأسمر البارد , أرادت أن تمد يدها لتلمسه . . . لتمسك به , لكنها لم تقو على ذالك .
عبر ذهنها حزن مريع , لاتسمحي لعواطفع بالتعلب عليك ! فيتو ليس الرجل الذي ظننته مطلقاً . كل ما ظننت أنكما تتشاركان به كان مزيفاً . أنت لست في نظره سوى غبية . أراد أن يستغلك كل لحظة كنتما فيها معاً حتى تلك اللحظة الأخيرة عندما كشف نفسة على حقيقتها .
ذاك هو فيتو فارنيستي الحقيقي , ومايزال هكذا . أجبرت رايتشل نفسها على تذكر ماقالته لنفسها عندما قصدته في مكتبه في الشركة : هذه صفقة عملية . لاشيء أكثر . لاضرورة لتدخل المشاعر .
بدأت الطائرة تميل جانباً بأنحناء شديد , إذ أخذت تدنو من الدرج , وتتجه إلى مكان الوصول . استطاعت رايتشل أن ترى امتداداً واسعاً من البحر , ثم فجأة ظهرت الأرض المليئه باشجار النخير الخضراء .ظهرت الصورة مصغرة أولاً , وبسرعة بدأت تظهر بحجمها الطبيعي عندما انزلقت الطائرة نزولاً نحو الأرض.
غمرها الدفء عندما خرجت من الطائرة , وشقت طريقها نزولاً على الدرج الضيق , أحست بحرارة شبه استوائية تحمل مزيجاً من الروائح .
تمت إجراءات دائرة الهجره بسرعة في هذا المطار الصغير الذي يكاد يكون مهجوراً , وخلال دقائق أصبحا داخل سيارة مكيفة تقلهما , بينما وضعت أمتعتهما القليلة في صندوق السيارة , تسائلت رايتشل بتكاسل إلى أين تراهما يتوجهان , ثم أدركت ان الأمر لم يعد هاماً . أستندت إلى الوراء في زاوية مقعدها , محاولة البقاء بعيدة قدر استطاعتها عن فيتو .
لبعضهما . زمردات فارنيستي موجودة في حقيبة يدها , فهي تستقر بأمان في حقيبة مخملية داخل قسم مستقل مقفل بسحاب .
كانت رايتشل مشوشه الفكر ومحبطة تماماً فلم تلالاحظ سوى أشجار النخير بالأضافة إلى الطريق الكثيرة النتوءات المغطاة بالحجارة . لاحظت على الجانبين أيضاً وجود حقول افترضت أنها حقول قصب السكر . ومالبثت السيارة أن توقفت على حافة المرسى . رأت قارباً ذا محرك مربوط بأنتظارهما . عبست رايتشل , وسألت :" ماذا بحق السماء . . . ؟"
وفر لها فيتو تفسيراً سريعاً , إذ قال :" نحن ذاهبان إلى سان بيير . إنها جزيرة خارج البلد فيها أنا متخصصون بحفلات الزفاف "
لم تقل رايتشل أي شيء , فليس هالك مايقال . عوضاً عن ذلك خرجت من السيارة وصعدت على متن القارب . جلست رايتشل على المقعد فأغمضت عينيها عن عمد , بينما رفعت وجهها نحو الشمس . برّد نسيم البحر وجهها , وما لبثت أن أحسّت أن القارب يغوص قليلاً حين صعد فيتو والربّان خلفها . شعرت بالحركة التي تدور حولها فيما تم تحميل الأمتعه . بعدئذٍ تحول سائق السيارة إلى سائق للقارب , فأنطلق به نحو البحر .
لم تظل بهم الرحلة . وقدرت رايتشل أنها استغرقت حوالي الخمس عشرة دقيقة أو مايقاربها , ثم توقف القارب في مرسى آخر , هذه المره لاحظت أن مكان الوصول في سان بيير هو أكثر روعة وجمالاً , كذلك هي وسيلة النقل التي تنتظرهما . إنها عربه يجرها حصان صغير , ذات مقاعد وثيرة صفراء مشرقة جداً , أما سائق العربة فيرتدي قبعة وقميص مفتوحة عند العنق .
أعلن سائق العربة بأبتسامه مشعة وبلهدة كاريبية واضحة :" أهلاً بكما إلى سان بيير , جزيرة شهر العسل !"
سمحت رايتشل لربان المركب أن يساعدها للصعود إلى العربه ,
فيما شعرت أها غبيهومنافقة . حرصت على الجلوس في الجانب البعيد من مقعدها بقدر المستطاع .
هذه الرحلة استغرقت وقتاً أقصر , إذ بالكاد استمرت خمس دقائق , وجل مافعلته هو أنها نقلتهما حو البر الرئيسي نحو الخليج التالي . لكن بعد أن تخطوا أشجار النخيل التي كانت تحجب المنظر لم تقوَ رايتشل على منع نفسها من إكلاق هتاف استمتاع وإعجاب . بدا الخليج التالي ساحراً كما لو أنه صورة من كتيّب سياحي دعائي . في مكان بعيد من الشاطئ أقيم بناء منخفض أبيض على نمط المزارع , تطوقة أشجار النخيل وتنتشر حوله الأزهار القرمزية اللون .
استدار سائق العربة , فيما أعلن لهما :" دار شهر العسل !"
فكرت رايتشل أن المكان صغير نوعاً ما بالنسبة إلى الفنادق , لكن لعل المقصود به هو الحصول على شيء استثنائي مختلف عن ضخامة الفنادق الأخرى . لم يمر الحصان أمام الفندق بل توجه إلى فسحة مخصصة للعربات تؤدي نحو بابين مزدوجين واسعين يظللهما رواق مرفوع على أعمدة . أوقف سائق العربة الحصان هناك .
انفتح البابان معاً . فخرج رجل ومشى مستقيم الظهر كأنه يبحث عن شيء ما , وفكرت رايتشل أنه يبدو كرئيس الخدم من العصر الفيكتوري .اقترب الرجل من العربة , حتى يساعد الواصلين على النزول . قفز فيتو وحدة برشاقة , لكن رايتشل سرها أن تمسك بيد رئيس الخدم .
أعلن الرجل بصوت مهيب :" أهلاً بكما في دار شهر العسل , سيدي , سيدتي . أسمحا لي أن أرشدكما إلى غرفتيكما "
لم تعلم رايتشل ماذا عليها أن تتوقع , لكن من الواضح أن فيتو حجز غرفتين منفصلتين , بالرغم من أن ذلك يبدو مستغرباً .
حالما دخلا الفندق , نظرت رايتشل في ارجاء البهو الفسيح المغطى بخشب الماهوغاني الغامق اللون , بدا الجو أكثر بروده في الداخل , وأحست بنسيم يهبّ عبر الغرفة المضيئة الواسعة .
عبست قليلاً عندما لاحظت أن الفندق يتميز بمفروشات جميلة وبموضفين , من الواضح أنه مكان مكلف , لكن فيتو رجل ثري , وما من داع لأن ينزل في أماكن متواضعة حتى وهو يتزوج من امرأه مثلها .
لم يكن هنالك مكتب للأستقبالاول نزلاء آخرين أو حتى موظفين .
تبعت رايتشل رئيس الخدم , الذي أعلن بذلك الصوت نفسة أن أسمه هو أندريه . وأنه سوف يكون في خدمتهما بالكامل أثناء إقامتهما هنا . قادهما نزولاً على طول رواق عريض نحو الجهة اليمنى , إلأى أن توقف خارج الباب . رنّم الرجل قائلاً :" غرفة السيدة "
فتح الباب وقادها نحو الداخل . دخلت رايتشل إلى الغرفة بسرور . امتدت خزانة ملابس طويلة بيضاء على أحد الجدران , فيما تحركة مروحة كهربائية بتكاسل في وسط السقف المرتفع . توسط الغرفة سرير كبير جميل ذو أربعة أعمدة غلفة غطاء من القماش الناعم . تقدمها أندرية , ففتح مصراعي النافذة البيضاء على وسعهما .
بدا المنظر رائعاً من خلال النافذة , وفي الخارج امتدت شرفة مطلية باللون الأبيض على طول الغرفة . خلفها امتد درب يؤدي مباشرة نحو بركة السباحة التي تألقت مياهها الصافية تحت أشعة الشمس . أما في الناحية الأبعد فتألق البحر الفيروزي بلونه المذهل .
أحست رايتشل بأرتفاع في معنوياتها لسبب لم تستطع تفسيرة .
غمغم أندرية شيئاً ما /. ابتسمت رايتشل وهي شاردة الذهن , وخطت إلى الخارج نحو الشرفة حتى تظى برؤية أفضل للمنظر . بعد بضع لحظات عادت إلى الداخل , لتجد أنها صارت وحيدة في الغرفة . أشرعت رايتشل نحو الحقيبة وفتحتها . كانت قد وضعت ثوب السباحة بين امتعتها حالما علمت أن هذا الزفاف السخيف لن يتم في احد مكاتب تسجيل الزيجات في لندن بل على جزيرة ما في البحر الكاريبي .
بعد مضي خمس دقائق توجهت إلى الخارج نحو بركة السباحة .
سمحت لشعرها أن ينفلت داخل الماء . برّد الهواء وجهها الرطب بالرغم منحرارة الأجواء . إلا أن أي شخص آخر من نزلاء لم ينضم إليها ليشاركها السباحة في البركة . استرخت رايتشل , فاستلقت على ظهرها وطفت , ومالبثت أن أحست أن بعض التوتر قد استرخى وخرج من جسدها . بعد قليل أحست أن جسدها انجرف فأرتطم برفق بحافة البركة . استدارت بتكاسر فألقت مرفقيها على حافة البركة المغطاة بالآجر . رمشت رايتشل حتى تخرج الماء من عينيها , ثم رفعت رأسها قليلالاً لكي تحدق نحو الفندق من فوق المرج الأخضر .
هناك رات فيتو يسير على طول الدرب متوجهاً نحوها .
بسرعة انكمش الوقت وتبخر الزمان . . .
أحد عشر عاماً انقضت برمشة العين . أصبحت رايتشل في الرابعة عشر من عمرها مجدداً , فيما أكثر الرجال وسامة في العالم يسير متجهاً نحوها . سمعت أزيزاً في رأسها , وللحظة وجيزة استثنائية ظنت فعلاً أنها انسلت راجعة بالزمن إلى الوراء . أصبحت مجدداً تلك الفتاء المراهقة التي تحدق مصعوقة نحو الرجل الإيطالي الذي يدنو منها بأناقة ورشاقة . أما هو , فبدا تماماص كالسابق . . . إنه يضع نظارتين شمسيتين سوداوين , وكالسابق تماماً تبدو ملابسه ذات قصة رائعة , أما قميصه الفاتحة اللون فمفتوحة عند العنق . فقط الكنزة المدلاة حول كتفيه لم تكن موجودة .
توقف فيتو , فيما حدّقت رايتشل مصعوقة ومتجمدة الآن , وبدا هو كما لو أنه تجمّد في مكانه .
هل يتذكر ؟ وجدت رايتشل نفسها تفكر بجموح بالغ . هل يتذكر تلك اللحظة منذ أحد عشر عاماً ؟ أم هو ببساطة يشعر بالاشمئزاز لرؤيتها الآن .
لم تنتظر لتقرر . أرخت جسمها لتعود وتسقط في الماء . تابعت السباحة وبعناد وتصميم ذهاباً وإياباً في البركة , وعندما سمحت لنفسها أخيراً أن تتوقف , لم يكن هناك من أثر لفيتو .
كانت رايتشل قد استحمت للتو وغسلت شعرها عندما سمعت قرعاً على الباب وهي ماتزال داخل الحمام . فتحت الباب بحذر , بعد أن لفّت شعرها بالمنشفة , ثم لفّت منشفة حول جسدها لتغطية . كان فيتو واقفاً داخل الغرفة , وبدا من الواضح أنه ينتظرها حتى تخرج .
شعرت رايتشل بالتوتر على الفور .
كان فيتو قد خلع نظارتيه السوداوين , لكن عينيه بقيتا محجوبتين تماماً عندما استقرتا عليها , كما لو أنه مايزال لضعهما .
قالت رايتشل بتحجر :"نعم ؟"
تابع فيتو النظر إليها للحظة , فبدأت تشعر بعدم الأرتياح أكثر فأكثر .
اكتسحها على الفور إحساس بالهلع . ماذا بحق السماء تراها تفعله هنا , على بعد أبرعة أو خمسة الاف ميل عن لندن , وهي على وشك أن تتزوج من رجل يمقتها بقدر ماتمقته ؟ لايمكنها أن تسير في هذا الموضوع . . .لا يمكنها . . .
يمكنها أن تتزوج بأي شخص آخر , لكن ليس بفيتو فارنيستي . يا إلهي . . . لا ! ليس فيتو . . . سبب لي فيتو الكثير من الأذى . . . لايمكنني أن أتحمل الألم ! بكل بساطة لا أستطيع !
بدأ فمها يرتعش .
- سوف يقام حفل الزفاف بعد ساعة ونصف الساعة . احرصي على أن تكوني جاهزة .
أخترقت كلماته الضعف المفاجئ المهون الذي اكتسحه على حين غرة . عضت رايتشل على شفتها السفلى , وأجبرت نفسها على ، تتراجع إلى تلك الحالة من الهدوء غير الطبيعي الخالي من الأحاسيس .
من الضروري جداً أن تتمسك بالهدوء مادامت موجودة هنا , استنشقت نفساً عميقاً وحاداً , ثم أومأت بإجاز و وأتجهت نحو الباب تفحته كي يخرج فيتو منه , فهي لم ترغب بوجوده في غرفة نومها .إنها لاتريده في أي مكان قريب منها . فذلك يفوق قدرتها على التحمل , بل هو خطير جاً بالنسبة إليها . لكن فيتو لم يتوجه نحو الباب . عوضاً عن ذلك استدار على عقيبه , فمشى خارج الأبواب الفرنسية الطراز نحو الشرفة , ثم أختفى إلى الجهه اليمنى منها .
تملك ريتشل التوتر فجأة لفكرة أنه قادر على الدخول إلى غرفتها من خلال الأبواب الفرنسية الغير مقفلة . أسرعت إلى حيث وضعت حقيبة يدها على السرير . كانت الزمردات ماتزال هناك !
زمت فمها بتوتر . فيتو فارنيستي سوف يستعيدها . لكن ليس قبل أن يصبح أسمه على وثيقة زواجهما , ويصبح خاتمه في إصبعها . خلال ساعة ونصف الساعه من الوقت ....

موــــــــني ^___^


__________________________________________________ __


6-ذكرى أم حلم
بدت الشمس في السماء جرما ًمتوهجاً في أحضان الغيوم القرمزية اللون , أما البحر فبدا متوقداً بلون ذهبي غامق , وصدح صوت الموسيقى المنبعث من مكبّرات الصوت المخبأة خلف النباتات الخضراء . أدركت رايتشل أن المعزوفه لباخ , وبالرغم من أنها لم تتعرف فوراً على اسم المقطوعة الموسيقية , إلا أنها بدت مألوفة جداً .
آه ! لابد أن دماغها لايعمل بشكل جيد الآن بالذات . تطلب الأمر كل مالديها من طاقة حتى تستمر بالسير فقط .
مشت ببطء تام , واكتشفت أن من الصعب أن تفعل أي شيء غير ذالك . ارتدت فستاناً كانت قد اشترته في اليوم السابق , وكلفها أكثر من المبلغ الذيي أرادت أن تدفعه . إنه فستان من الساتان ذي لون أخضر باهت جداً , تألق على طول جسدها ثم امتد خلفها على شكل ذيل صغير . الجزء الأعلى من الفستان ذو ثنيات مطوية بنعومه وغير منمقة , لكنها لاتحتاج إلى أي زينة , فالنار الخضراء المتألقة المنبثقة من الزمردات حول عنق رايتشل وفرت تلك الزينة والتألق .
أحست بالهلع وهي تسير ببطء عبر الهواء الدافئ , على حذائها العالي الكعبين . أتجهت نحو الأشخاص المنتظرين تحت خيمة حريرية تستحم بنور الشمس الغاربة .
هزها الفزع والرعب حتى كادا يذيبان أوصالها . لاحق لي أبداً بأن أكون موجوده هنا ! لاحق لي أن أقوم بهذا !
لكنها مضطره إلى القيام بذلك . هي تعلم ان على الأحياء واجب غامر تجاه الذين يحتضرون . لم يتبق لوالدتها أي شيء . . . لاشيء .
لاخيار أمامي . يجدر بي ان أقوم بالأمر !
استقرت عيناها على مجموعه من الناس وقد اقتربوا من مرآها وهي تدنو منهم . واحد منهم فقط بدا بارزاً . . . فيتو فارنيستي يقف هناك بأنتظارها , فيما بدا وجهه صافياً كالرخام . أرتدى فيتو سترة سهرة سوداء رسيمة , فبدا مدمراً جداً بروعته إلى درجة أن رايتشل أحست بمعدتها تنقبض . بدا طويلاص , نحيلاً ويخطف الأنفاس و إلى درجة أنه لم تقو على القيام بأي شيء سوى التحديق به .
حاولت أن تدردر عينيها بعيداً عنه , وأن تركز على المسؤول الرسمي الذي سوف يدير مراسم الزفاف . لكن عينيها تسمرتا على فيتو .
أنا مجنونه ! مجنونه كي أفعل هذا !
لكن الأوان فات الآن على التراجع . سوف تتزوج من فيتو فارنيستي , وتجعل من نفسها زوجته الشرعية , ثم سوف تعود إلى ديارها لتخبر والدتها المحتضرة بأن الأمر تم . بعدئذ لن ترى فيتو مجدداً .
استطاعت أن ترى أن فيتو ينظر إليها . لكن عينية لم تكشفا شيئاً . ما إن أقتربت رايتشل منه حتى وجدت نفسها غير قادرة على ملاقاة عينيه , فانزلقت نظراتها بعيداً باتجاء الشمس الغاربة , مجدداً انسكب عبر جسدها ذاك الأحساس بالهلع الخرافي .
سمحت رايتشل لنفسها أن تتصور للحظة مريعة وجيزة ماقد يكون الأمر لو أن هذا الزفاف حقيقي , فصارت في تصورها زوجة حقيقية الآل فارنيستي . مالبثت أن قاطعت رؤياها تلك كلمات فظة , خشنه , مدمرة متهكمة , مزدرية :في أحلامك . . .!
فدمرت كل آمالها , تماماً كما دمرها فيتو فارنيستي مرة من قبل .
وصلت رايتشل إلى المنضدة فتوقفت .
تجمّع عدد من الأشخاص الأنتيليين , القائم بالاحتفال , ومساعده مع شخصين آخرين افترضت رايتشل أنهما موجودان هناك بصفتهما شاهدين . بالإضافة إلى هاؤلاء , سُرت رايتشل عندما رأت مصوّراً فوتوغرافياً عم بعض المعدات الرائعة في متناول يده . كان جميع الموجودين يرتدون بذلات سوداء وهم يبتسمون فرحين . رفع القائم بالأحتفال يديه . لكن قبل أن يتمكن من التفوه بأي كلمة , تلكم فيتو قائلاً :" لحظة واحدة "
أدار رأسة نحو رايتشل وقال :" يجب عليكِ أن توقعي على افاقية ما قبل الزفاف . أم هل ظننتني سوف أنسى ؟"
تصلبت شفتا رايتشل بسبب النبرة التهكمية في صوته , لكنها لم تقل أي شيء . على العكس من ذلك استدارت ببساطة إلأى حيث أشار فيتو بيدة اليسرى نحو وثيقة موضوعة على الطاوله إلى دانب سجل الزيجات . إنها الوثيقة نفسها التي قرأتها على متن الطائرة , فلم تزج نفسها بأن تقرأها مجدداً . بكل بساطة فتحت على الصفحة الأخيرة ووقعت اسمها بسرعة وعدم مبالاة , ثم استقامت وعادت إلى مكانها أمام القائم بالأحتفال الذي راح ينظر إليها بتركيز .
خاطب فيتو الشاهدين فحثهما قائلاً :" إذا كنتما لاتمانعان ؟"
دون الشاهدان اسميهما بدافع الواجب على اتفاق ماقبل الزفاف الذي يقضي بأن تترك رايتشل هذا الزفاف من دون أي قرش من اموال آل فارنيستي . تحقق فيتو من التواقيع , ثم ذهب يقف إلى جوار عروسه , وقد بدا وجهه خالياً من التعابير .
شعرت رايتشل بزمردات فارنيستي الموضوعة حول عنقها تضغط عليها بوزنها الثقيل , ولأول مرة سرّت لوجودها هناك غمرها الأحساس بالتحدي . لايجدر بها أن تشعر بالذنب ! لاداعي لأن تشعر بتأنيب الضمير بسبب ماتفعله الآن . الزمردات هي الثمن الذي سيسمح لها بأن تشتري لها زوجاً جيداً . حسناً ! سوف تتخلص من هذا الزوج بأسرع مما يفكر هو بالتخلص منها !
غمرها الشعور بالمرارة ممتزجاً بشعور من الأسى الخارق . والدتها بعيدة بعد هذا المحيط , مستلقية في سرير في المستشفى , وهي تعيش على مسكنات الآلام , أما حياتها فتتلاشى شيئاً فشيئاً . . . يوماً بعد يوم .
بدأت مراسم الزفاف , كلمات سمعت رايتشل نفسها تتفوه بها . سمعت صوت القائم على الأحتفال . سمعت الصوت العميق ذا اللهجه الإيطالية , التي تحدث بها الرجل الواقف إلى جانبها , موافقاً على أن يصبح زوجها , ورأته يزلق الخاتم في أصبعها . تكلم القائم بالأحتفال ناطقاً بالإعلان الأخير الذي جعها زوجة لفيتو فارنيستي , أما رايتشل فأحست بالخجر التام . لم تسمع تهاني القائم بالأحتفال بشكل مهني ترافقة ابتسامة , ولا تهاني الشاهدين . وقفت هناك بكل بساطة وهي تحدق نحو البحر حيث رسم آخر شعاع من الشمس خطاً ذهبياً على أمتداد الأفق , ولم تشعر بأي شيء . . .
رفعت يدها اليسرى ونظرت إلى أناملها . هناك على إصبعها الثالث التمعت الحلقة الذهبية التي وضعها فيتو منذ قليل . رمشت عينيها بسبب وميض الضوء , ثم تلاه وميض آخر . عادت في تلك اللحظة إلى الواقع . إذ أدركت أن المصور بدأ يلتقط الصور الفوتوغرافية .
أجبرت رايتشل نفسها على الأبتسام , فحاولت أن تبدو كالعروس المشعة . وهي بحاجة إلى الصور كدليل ملموس لترية والدتها , دليل على أن أبنتها أصبحت فعلاً عروساً لآل فارنيستي . وقفت إلى جانب فيتو الآن في هذا الزفاف المزيف وهي تبتسم لألة التتصوير آملة ألا يبدو فيتو متجهم الوجه . فجأة أحست باندفاع ملح جعلها تحدق إلى الأعلى . . . نحوه , وعلقت أنفاسها في حلقها .
بدا وجه فيتو لالامبالياً , لكن بالرغم من ذلك عمرها شعور بالانتفاض في أحشائها . فجأة وعلى حين غرة نظر فيتو إلى الأسفل نحوها . توقد شيء ما في عينية بدا اشبه بلسعة السوط على جلدها . فأحرقها . عمرها ذالك اللهب للحظة . ثم تلاه وميص كالأحتراق . إنه وميض آلة التصوير التي التقطت تلك اللحظة .
هزت رايتشل نفسها مبتعده عن فيتو , فتعثرت قليلاً وهي تخطو إلى الأمام . لفتت نظرها الكتابة المنمّقة على وثيقة الزواج , فأستدارت لترفعها عن الطاوله . لكن فيتو سبقها إلى ذلك فطواها ووضعها داخل جيب سترته الداخلية . أدركت رايتشل السبب . هو لن يسمح لها بوضع يديها على تلك الوثيقة إلى أن يحصل هو على زمرداته .
وقفت متصلبة فيما حول فيتو انتباهه نحو القائم بالأحتفال ومساعديه , فشكرهم على عملهم . سيطر عليها مجدداً ذلك الاحساس بالهلع الخرافي الذي أخذ يرتعد داخل جسدها .
استقرت عينا فيتو على صورة رايتشل الجانبية , فاخترقه شعور بعدم التصديق وصل حتى أحشائه . لقد فعل ذالك . . . تزوج رايتشل فايل ابنة آرلين غراهام . أحس لوهلة بركلة في أحشائه . كما لو أنه فعل للتو شيئاً لاميكن الرجوع عنه . . . لايمكنه إصلاحه . لا ! هو يعرف تماماً ما الذي يفعله , ولايمكن لهذا الزواج أن يغير أي شيء ! الزواج المدني ليس عقداً مقدساً ., إنه اتفاق ذو صبغة قانونية . إن الوثيقة الموجوده في جيبه تجعل من رايتشل فايل زوجته في الواقع فقط , لكن ليس في الحقيقة .إنه واقع يمكن العودة عنه بأتفاق قانوني بسيط آخر : الطلاق .
جل ماحققته تلك المراسم الموجزة التي تمت خلال خمس دقائق , هو أنها سلمته رايتشل فايل إلى مابين يديه . بالإضافة إلى زمردات فارنيستي . سقطت نظراته نزولاً , تعلقت الزمردات على بشرة رايتشل البيضاء كالنار الموقده الخضراء . ما إن نظر إليها حتى أحس بتلك الركلة في أحشائه مجدداً . لايحق لها وضع هذا العقد . . لايحق لها مطلقاً . إنها تلوثة بلمستها . هذا دك من أمتلاكها له ! يجدر به أن ينزعه بالقوة عن عنقها ! مع ذلك . . .إنها تبدو كاملة جداً وهي ترتدي العقد , فالجواهر الخضراء تبجل عنقها النحيل الشبية بعنق البجعة , بدا العقد كما لو أنه صُمم خصيصاً لها وحجها . كيف يمكنها أن تبدو مناسبة تماماً وهي تضع هذه الجواهر التي لم تصمم مطلقاص لامرأة من نوعها ؟
عادت نظراته إلى الأعلى , وضاقت عيناه . التعابير المرتسمة على وجه رايتشل مازالت نفها كتلك التي ظهرت على وجهها وهي في الطائرة عندما رآها تحدق خارج الكوّه . بدت تعابيرها حينها كئيبه باردة كثلح الشتاء . أحس فيتو كأن شيئاً ما يطعنه , شعوراً ما . . لايقدر على تسميته . كاد يشعر بيديه تمتد لتلامسها .
فجأة أدرك سبب التعابير الكئيبة التي تظهر على وجه رايتشل . طعنه إدراكه هذا . إنها تفكر بعشيقها . الرجل الذي رفض أن يتزوجها فلذعها رفضة لها , مادفعها إلى الأنتقام منه لرفضه لها بأزدراء . ذلك هو سبب تحدقها بتلك النظرة الضائعه اليائسة . إنها تفكر به . . وتتوق إليه !
تصلبت ملامح وجهه , والتمعت عيناه بضوء بارد متهكم . قبل أن تنتهي هذه اليلة لن تتمكن رايتشل فايل من التفكير بأي رجل آخر سواء ! سوف يشغل كيانها بأسرة هذه اليلة . . . وقدر ما يختاره من اليالي بعد ذلك . قد تكون رايتشل فايل ابنة والدتها حتى آخر ذرة من كيانها , لكن ذلك يعني أيضاً أنها ورثت موهبة والدتها الطبيعيه ! أراد أن يكتشف ذلك .
جالت في ذهنه كلمات رايتشل المزدرية المهينه التي وجهتها له :" إن إقامة علاقة حميمية معك ما كانت لتصبح جزءاُ من الأتفاق . مواهبك الخارقة في السرير ليست مطلووبة . . . أنا لاأتحرق لإقامة علاقة حميمية معك , بل إنني أرفضها بغض النظر عن مدى براعتك في السرير "
التوى فم فيتو . سوف يجعل رايتشل فايل تتعلق به وتتوسلة قبل حلول الصباح . هذا ما تستحقه !
فكرت رايتشل , لاجدوى في أن تشعر بالسوء حيال مافعلته , يجب عليها بكل بساطة ان تسير قدماً , وأن تعد الساعات حتى تعود إلى لندن لكي تذهب إلى المستشفى فتنقل إلى والدتها البشرى السارة أحست بشفتيها تلتويان . أهي حقاً بشرى سارة ؟ لقد أجبرت هذا الرجل على الزواج منها فيما هو يمقتها كما تمقته هي تماماً .
بشكل لا إرادي استدار رأسها قليلاً نحو الرجل الذي تقف على بضع أقدام فقط منها , ومع ذلك فهو على بعد أميال عنها . تحت ضوء هذا الغروب الاستوائي بدت بشرة فيتو أكثر أسمراراً , أما ملامحة فبدت محددة بالظلال مثل النور والظلام .
طاردتها تلك الأبيات من أكثر أشعار شكسبير مرارة :" كنت قد أقسمت أنك جميل . . . يوم رأيتك مشرقاً . . . يامن نورك أسوج كالجحيم . . . ومظلم كعتمة الليل . . ."
إنها تعلم . . . يا إلهي ! إنها تعلم . . . . مالذي دفع الكاتب إلى تدوين هذه الأبيات
استنشقت نفساً عميقاً غير ثابت , إن مشاعرها تجاه فيتو فارنيستي لاعلاقة لها لالموضوع إطلاقاً . رفعت يديها إلأى قفا عنقها , فيما تلاعبت بقفل العقد . يجب عليها أن تكون رشيقة الحركة , خالية من المشاعر .
مهما يكن ,فهذا الزواج مجرد صفقة عمل لاشيء اكثر مهما كانت مشاعرها تجاه فيتو يماً ما , فقد ماتت هذه المشاعر منذ زمن . ماتت مباشرة في اللحظة التي أعلن لوالدة رايتشل أنها هي من أغوته . . .
تكلمت رايتشل بإجاز قائلة :" حالما تحصل على الزمردات أنا أريد وثيقة الزواج "
حمل صوتها حدّة ما , ولم تزعج نفسها بأن تلينه .
- لاتنزعي العقد من عنقك !
توقفت رايتشل بسبب ذهولها . طالبته قائلة :" لِمَ لا ؟"
ابتسم لها فيتو وقال : " الليل مايزال في بدايته ياعزيزتي ".
حدقت رايتشل نحوه بحذر . ما الذي يجري هنا ؟ ثم أجابته برد مضاد وقد انخفضت يداها إلى الأسفل :" ما اللذي تعنيه بذلك ؟"
- ما أعنيه هو أنني أتقد أنهم يتوقعون قدومنا لتناول العشاء .
قال فيتو ذلك مشيراً برأسه نحو الفندق .
- أنا لست جائعة .
قال : لكنني جائع , وفضلاً عن ذلك فأنت بحاجة إلى الطعام كي تحافضي على قوتك وعلى قوامك الجميل ".
قال ذلك فيما اومضت نظراته عليها . أحست رايتشل أن تلك النظرات هي أشبة بالنار التي تجلد جسدها . قالت بحدّه :" توقف عن هذا فيتو . ما الذي تظن نفسك فاعلاً بحق الجحيم ؟ لو شعرت بالجوع سوف أطلب خدمة الغرف . يمكنك أن تأكل في غرفة الطعام "
هزّ فيتو رأسهه , فاستقرت عيناه عليها وقال :"آه , لا ! أثرنا مايكفي من الشكوك بتصرفاتنا . صحيح أن القانون الأنتيلي يسمح بالزيجات السريعة , إلا نه يفضل أن تكون زيجات اصلية حقيقية . مايعني أنه يفترض بنا أن نبذل قصارى جهدنا حتى نتصرف بأسلوب راقٍ لكي نريح أذهانهم بخصوصنا , وذلك بأن نطلق العنان لنفسينا في عشاء رومنسي لشخصين مضاء بالشموع "
رماها بنظرة أخرى ليوقعها في شركة . ماجعل رايتشل تستسلم مذعنة للأمر :" حسناً ! سوفنتناول العشاء في غرفة الطعام . سأذهب لأغير ملابسي "
ما إنحاولت أن تستدير حتى مد فيتو يده فأوقفها . تجمدت رايتشل في مكانها . إنها لاترغب بلمستة فيتو لها ولا في اي مكان .
- يجدر بالعروس دوماً أن تتناول العشاء وهي ترتدي فستان عرسها وكل زينتها .
عضت رايتشل على شفتها , وقالت :" ظننت أنك تريدني أن أخلع عقد الزمرد عن عنقي بأسرع مايمكن ! هذا هو السبب الذي دفعك إلى الزواج بي في نهاية الأمر , لكي تستعيد الزمردات ؟"
ردّ :" سوف أخلع العقد لاحقاً . هل تشكين بذلك ؟"
ضغطة رايتشل شفتيها سوياً , فقالت :" لا . بالمقابل أنا أريد وثيقة الزواج . هذا كل ما أريده منك "
ظهر ذلك الالتماع مجدداً في عينيه , فأحست رايتشل بالدماء تندفع في عروقها . فكرت , لابد أن السبب هو تغير المناخ والتوقيت . لايمكن أن يكون أي شيء آخر . . . يجب ألا يكون . . .
تمشى فيتو إلى جانبها وهما يسيران على طول الدرب نحو الفندق .
فكرت رايتشل , أنه يبدو كمن لاهمّ لديه على الأطلاق , أما هي فوجدت أن الذكريات تتسلل إلى ذهنها . تلك الذكريات غير المرغوبه .
ذكريات تتعلق بفيتو تحدثا سوياً . . . ضحكا سوياً . . . فرحا سوياً . . . راح الألم ينخر جسدها لدى تخيلها هذه الذكريات .
قادها فيتو صعوداً على الأدراج الخشبية نحو الشرفة العريضة التي تمتد على طول واجهة الفندق .
المرة الماضية كان يخدعني وأما هذه المرة فهو يخدع فقط موظفي الفندق ونزلاءه !
عبرت رايتشل البابين المزدوجين نحو غرفة الطعام ذات السقف المرتفع . لم تكن هنالك سوى طاولة واحدة في غرفة الطعام مثقلة بالآنية الفضية والكريستال , ومضاءة بالشموع , كما أحيطت بأزهار جميلة منسقة في مجموعات وباقات .
رأت أحدهم يتجه نحوهما .إنه أندريه رئيس الخدم , وهو يشعّ من فرط سرورة . قادهما الرجل نحو الطاولة . أعلنت رايتشل بدهاء :" أنا لا أريد غرفة طعام خاصة . أرغب أن أتواجد في غرفة الطعام الرئيسية , رجاءً "
بدا الرجل مرتبكاً مشوشاً . فتكلم الصوت من خلف رايتشل بنبرة جافة ولهجة واضحة :" ليست هناك غرفة طعام رئيسية , يا عزيزتي "
عبست رايتشل وسألت مرتبكة :" هل لدى بقية نزلاء الفندق غرف طعام خاصة بهم ؟"
ردد أندريه قائلاً :" النزلاء الآخرون ؟ سيدتي . . . ليس هنالك من نزلاء آخرين . هذا ليس فندقاً . إنها فيلا استأجرها زوجك . . . دار شهر العسل "
حدّقت رايتشل به مذهولة , ثم استدارت نحو فيتو .
-اليس هنالك من أحد غيرنا هنا ؟
لكنها لم تكن بحاجة غلى جواب , فهي عرفت الجواب من تلقاء نفسها . هذه الدار هي نوع من البيوت الخاصة المعدّه لتنظيم الزيجات للأزواج الأثرياء بما يكفي حتى يحظوا بالمكان لأنفسهم فقط . فتحت رايتشل فمها لتعترض , فهي غير قادرة على أن تبقى هنا بمفردها مع فيتو حيث لانزلالاء آخرين , ثم أقفلت فمها مجدداً إذ لاحظت الضوء المحذر في عيني فيتو يذكرها بألا تثير الشبهات والشكوك حولهما .
قدمت لها صوان صغيرة من الأطعمة النيئة الصغيرة الشهية المظهر . وضعت أمام رايتشل بطاقة بقائمة الأظعمة ذات أحرف مظبوعه باللون الفضي , وبطاقة أخرى وضعت أمام فيتو .غمرها إحساس بعدم الواقعية المطلقة . قد تكون هذه الوجبة أكثر الوجبات خداعاً ورياءً على لإطلاق , لكن ليس هنالك مابوسعها أن تفعلة . لالابأس , من الأفضل أن تتحلى بالصبر .. . .
أنتهت محنة إتمام مراسم الزفاف , وسرعان ماينتهي هذا العشاء يجدر بهذا الجو المحيط بها أن يساعدها على تهدئة أعصابها .
فكرت , حققت أمنية والدتي وهي على فراش الموت , لذا يمكنني أن أشعر بالرضى !
أنزاح عن كاهلها آخر ماحملته من توتر , فيما تناولت الطعام الشهي وألحقته بالحلوى اللذيذة المذاق . لم تدرك رايتشل كيف حصل ذلك . ولكن بشكل ما مر العشاء بسهولة أكبر مما تصورت .
انحلّ التوتر بعيداً عنها مع كل ذقيقة تمر . ترافق ذلك طيلة الوقت مع أرتفاع مدى إدراكها الزائد لوجود فيتو . حالولت رايتشل جاهدة ألا تنظر إليه . لم تلاقِ نظراتها نظراته علانية مطلقاً , لكنها فقط في ومضات لاتقاوم التقطت لمحات لها مرة بعد مرة . علمت أنها تتصرف بغباء جنوني . لن بالرغم من ذلك أحست أن معرفتها بأن عينيها لن تقعا عليه مجدداً حتى آخر حياتها هو أمر يخزها ويؤلمها . سمح فيتو لنظراته أن تومض فوق المرأة الجالسة قبالته . إن إدراكها له كان يتنامى تدريجياً اثناء هذه الوجبة الطويلة . لعلها تحاول قمع رغبتها , لكنها غير قادرة على إخفائها عنه . أخذت نظراتها المستورة تلسعه شيئاً فشيئاً . إنه يتوق إليها بشدة , وهو يرديها أن تتوق إلية أكثر فأكثر . أحس فيتو بكيانه يتجاوب مع مجرد تفكيره بما هو منتظر . . . قريباً جداً سوف يأخذها إلى سريرة . مدّ يده وتناول قطعة من الحلوى لكي يلهي نفسه . إن الوجبة تقترب من نهايتها , وهو مسرور بذلك . لأن الليل بالنسبة إليه مازال فقط في بدايته .

موــــــــني ^___^


________________________________________________

7-لست غبياً
ألقت رايتشل يديها على سياج الشرفة , وحدقت إلى البعيد نحو الليل الكاريبي الدافئ .
استطاعت أن تسمع الأنين الخفيف لنسيم البحر يتلاعب برؤوس اشجار النخيل . كما سمعت الحفيف الخافت لأمواج البحر تتكسر بلطف على الشاطئ . فكرت رايتشل أنه ليل للعشاق , لكنه ليس لها . تغلب عليها شعور بالغربة , كما لو أنها منفية .
تسارع الأحداث جعلها تشعر بالأبتعاد عن الواقع المحيط بها . حاولت رايتشل أن تفكر بوالدتها . حاولت أن تحلل مايكون عليه الوقت في لندن الآن . حاولت أن تفكر بما قد يقوله الأطباء لها الآن , ربما آن الأوان لأن تفكر بتأمين دار مخصصه للعناية بالمرضى أمثال والدتها . . . لكن والدتها بدت بعيدة جداص . فقط هذا المكان الساحر بدا الآن واقعياً جداً .
مع ذلك , هي لاتشكل جزءاً من هذا المحيط الرومنسي الجميل . لايمكنها ان تكون كذلك أبداً , فالرجل الوحيد الذي تتوق إليه والذي تاقت على الدوام يتخطة منالها . أما وجوده هنا الآن على بعد بضعة أمتار عنها , فجعل عذالها استثنائياً أكثر . وجعل توقها إليه أكثر إيلاماً.
يجدر بي أن آوي إلى السرير . يجب أن أخلد إلى النوم , وأصلي كلا تراودني أي أحلام . . . حسناً ! سوف تذهب بعد لحظة فقط .
سمعت خلفها وقع قدمين تنتقلان بهدوء , وشعرت بوجود شخص ما . إنه شخص يمنكنها التعرف عليه حتى لو كانت معصوبة العينين .
اسدارت رايتشل , لأنها لم تقوّ على منع نفسها من ذلك .
رأته هناك . جميل ووسيم جداً ماما كأول مره ألقت نظرها عليه .
وقفت مستندة إلى السياج , وجلّ ما استطاععت أن تسمعه هو نبضات قلبها .
تحرك فيتو بأتجاهها , فأحسّ بالأنفاس تعلق في حفقها . اتسعت عيناها بدهشة . إنه يتجه نحوها !
بدا من خطواته أنه يهدف إلى شيء ما . لم تقوّ رايتشل على الحراك . لم تتحرك فيها عضلة واحدة . تباطأت نبضات قلبها وهي تنظر إلى فيتو المتوجه نحوها .
حدقت به ملياً , إذ لم تقوّ على منع نفسها عن ذلك . تشرّبته فيناها . . . كم هو وسيم ! لماذا هو قادم نحوها ؟ ما الذي يريدة ؟
ابتسم فيتو ابتسامة ساخرة عالمة . نزلت أهداب عينيه الطويلة السوداء غلى الأسفل , فأخذت تلسع بشرتها . علمت رايتشل أنه سوف يعانقها الآن . . . سوف يخفض رأسه نحو رأسها وسوف يحتضنها بذراعيه و . . .
اجتاحت العواطف الجياشة كيانها تماماً . همست بأسمه :" فيتو . . .!"
بدت عيناه ملتمستين متضرعتين , ثم مدّ يده نحوها .
جلّ مافعلة هو وضع سبابته على قلادة الزمرد التي تستقر فوق صدرها .
- آن الآوان لأن تعطيني الزمردات , عزيزتي .
امتدت يده الأخرى إلأى جيب سترته , فسحب وثيقة الزواج المثنيه , وأردف قائلاً ::" أعطيني أنت الزمردات , فأعطيك هذه "
بدت عيناه غامضتين في الليل , فتلاعبتا فوق وجه رايتشل . . .
- هذا هو سبب مجيئنا إلى هنا , أليس كذلك ؟ حتى تقوم بهذه المقايضة . . . ليس هنالك سبب آخر أليس كذلك ياعزيزتي ؟
سخرت الأبتسامة المزروعه على فمه بألمها وبتوقها .
قال لها فيتو بلطف :" أعطيني العقد "
وسقطت يده بعيدالأ عنها .
أحست رايتشل بيديها تتحركان بحذر , كما لو أنهما لسيتا جزءاً من جسدها , فأمتدتا حتى قفا عنقها . انفتح المشبك تحت أناملها , وأحست بالعقد الثيقيل يكاد ينزلق منها , فألتقطته وحملته بين يديها , ثم مدتهما نحوه .
تناول فيتو الزمردات من يدها , ووضعها داخل جيب سترته . ومن دون أن يحيد عينيه عن وجهها , لف وثيقة الزواج وأزلقها داخل صدرية فستانها .
تكلم بصوت هادئ منخفض قائلاً :" لقد نلت ماجئت من أجله ياعزيزتي , لأن هذا هو ما جئت من أجله . . . لاشيء أخر ؟
ظلت عيناه مركزتين على عيني رايتشل للحظة طويلة لامتناهية , ثم تابع مكرراً بنعومه :" لاشيء آخر "
بعدئذٍ مرر فيتو إصبعه تحت ذقنها ورفعه إلى الأعلى , ثم أحنى رأسه نحوها , مرر أنامله خلف عنقها , وقبض على مؤخرة رأسها . لم تقوّ رايتشل على الحراك , لم تقوّ على التنفس لم تقو إلا على الوقوق مكانها , فيما عانقها فيتو ليحملها إلى لحظات من النعيم الأستثنائي .
بدا لرايتشل كما لو أن عناقه سيدوم إلى الأبد . . . إلا أنه لم يدم إلا للحظة وجيزه جداً . ما إن انسحب فيتو مبتعداً عنها حتى أطلقت انيناً . أخفض فيتو بصره نحوها , وسألها بصوت ناعم خافت : " هل تريدين هذا ؟"
مدت رايتشل يدها لتلامس وجهه بأناملها , راسمة حدود فكه وذقنه تنفست قائلة :" أجل " <<< غبيه
ابتسم أبتسامه شيطانية وقال :" إذاً سوف تحصلين على مرادك , ياعزيزتي "
قادها فيتو نحو سريرة , فرافقته رايتشل كالمسحوره . تمهل عند عتبة غرفة نومه , ثم رفعها بين ذراعيه في حركة سريعة , وحملها إلى الداخل . شهقت رايتشل عندما أنزلها ووضعها فوق السرير .
قال لها بنعومة :" أهلاً بك في جناح شهر العسل ياعزيزتي "
شعرت رايتشل لوهلة , للحظة وجيزة سريعة بإحساس من الخشية والرهبة يغمرها . إنها ليست عروساً حقيقة , ولايحق لها بأن تكون هنا .
في تلك اللحظة شعرت رايتشل بالضياع تماماً . لم تقوّ على الحراك , لم تقوّ على أي شيء . سوى الأستلقاء هنالك متغافلة عديمة الحياء . لم يبعد فيتو عينيه عنها ولو لحظة واحده . بعدئذٍ اقترب منها وجلس على حافة السرير , ثم مد يده إلى رباط فستانها وأزلقه عن كتفها , ثم كرر الحركة مع الرباط الآخر ببطء متعمد . حدقت رايتشل إليه ببساطة للحظة طويــــله لامتناهيه , ثم غمغمت بأنفاسها وزفرت بأسمه . . .
- فيتو . . . أرجوك . . .!
أخفض فيتو رأسه نحوها ببطء شديد . وحن فعل ذلك سقطت الورقه المثنية على شك لفافة , فوقعت على الأرض من دون أن يلاحظاها , كما لو أنها اصبحت من غير أهمية .
- فيتو . . .!
خرج أسمه من شفتي رايتشل مصحوباً بتنهيدة ملؤها الشوق , فيتو فارنيستي أصبح في متنناول يدها !
شدته رايتشل نحوها كما لو أنها تستعيد ماهو ملك لها . أما أحلى شيء في هذه النعمة التي تتملكها , فهي معرفتها أنها استرجعت فيتو مجدداً . إنه فيتو نفسه الذي تعرفت إليه تلك الليلة . . . تلك الليلة الثمينه الرائعه السحريه التي اصطحبها فيها فيتو من ذلك الحفل ليجعلها تشعر أنها امرأة مميزة .
تماماً كما فعلت من قبل , منحته رايتشل اهتمامها وحنانها مجدداً , وهذه المره منحته كيانها بأكمله . عانقته وأعطته كل مايمكنها أن تعطيه .
أما لمسات فيتو فكانت عسلاً وناراً ولهيباً يومض ويتلاعب فوق بشرتها . اشتعل اللهيب في عروقها , وفي كل كيانها .
- فيتو . . . !
نطقت رايتشل باسمه بزفير وتوسل .
رمقها بنظراته للحظات طويلة أبدية , فاستطاعت رايتشل أن تلحظ ظلال الشعف الغامضة في عينيه . الشغف . . . . الشعف لها وحدها . . .
بدا لها كأنما الوقت قد تجمد في مكانه , وكأنما المكون يتوقف عن الدوران , وكأن كل ماهو موجود وكل مايمكن أن يوجد قد توقف .
أخيراً طافت بركة النار المشتعلة في جسدها . . . وطافت هي في عالم من الحماس الحلو اللذيذ .
نظر فيتو نحوها , لم تقوّ رايتشل على الكلام أو الحراك للظة أبدية لامتناهية , إذ لم يكن بمقدورها إلا ان تحدق , وتحدق وتحدق . . .
فيتو . . . فيتو . . . أقام علاقة حميمية معها . جعلها زوجته حقاً . وجعل زواجهما حقيقياً . سوف تصبح الأمور على مايرام . إنها تعرف ذلك بثقة عميقة ثابتة حتمية . لم تفهم رايتشل كيف عرفت ذلك , لكن حقيقة وقوة ماحصل للتو لايمكن نكرانها . ولّى الزمن الماضي المسموم اللآن .أحترق في لهيب الشغف الذي تشاركاه .
أخفض فيتو رأسه بحركة بطيءة مرتاحة , فلامست شفتاه جبينها .
ابتسم لها وهو يرفع رأسه عنها . عندما تكلم في تلك اللحظة أحست رايتشل أن الآنفاس تعلق في حلقها . جاء صوته خافتاً وساخراً حين قال :"يجدر بك أن تعليمني ياعزيزتي عندما ترغبين بمواهبي الخارقة في السرير مجدداً . إذا وعدتيني بأن تتجاوبي معي على هذا الشكل مجدداً . فسوف تحصلين عليها سأعة تشائين "
فجأة أحست رايتشل بالدماء تجف في عروقها , ليحل مكانها رعب جليدي مخدر .
ابتعد فيتو عنها , ثم مرر أحد أناملة الطويلة على طول خدها .
- حصلت الآن على ماغربت في الحصول عليه حين كنت في الثامنة عشر من عمرك . يجدر بك أن توجهي تحياتي لعشيقك الذي أردت أن تغيضية بزواجك مني , إذ أتاح لي التمتع بهذه العلاقة الرائعة حتى بعد هذه السنوات الطويلة .
سمعته رايتشل وهو يتكلم , لكنها لم تقوّ على قول أي شيء . لم يكن بمقدورها إلا أن تبقى مستلقية هناك وهي مخدرة من الرعب .
تحرك فيتو فالتمع جسده تحت النور الخافت . حدقت رايتشل به للحظة واحده مصعوقة بالرعب .
إنه جسد ملاك , لكنه يتمتع روح شيطان !
نهض فيتو على قدمية , ونظر نزولاً نحوها .
- أنا بحادة إلى أخذ حمام . هل تريدين الأنظمام إلي ؟ سبدو الأمر. . . منعشاً . . . جداً . . .
مد يده نحوها كما لو أنه يريد ملامستها , لكن رايتشل ركضت . ركضت كما لو أن كل شياطين الجحيم تلاحقها . . . أم بالأحرى مجرد شيطان واحد . تعثرت وهي تنهض واقفة على قدميها , لكنها ركضت بكل ما أوتيت من قوة , لكي تبحث عن الملاذ في غرفتها الخاصه في الجهه الأخرى من الشرفة .
ارتمت على السرير بصرخة مصعوقه مكسورة , فطمرت نفسها عميقاً داخل الأغطية كما لو أنها قبرها . استلقت رايتشل على جنبها وجدبت رجليها إلى الأعلى لتتخذ وضعية الجنين الدفاعية , كما ضمت رأسها وذراعيه إلى الداخل , فغدا جسمها محدباً على شكل قوس لم تقدر حتى على البكاء .
حدّق فيتو نزولاً نحو السرير الفارغ . فأحس بفراع هائل في أعماقة , ولم يعرف ماسبب ذلك . ما خطبة ؟ ها قد قام بما أراد القيام به منذ البداية . أخذ رايتشل فايل إلى السرير كما أراد أن يفعل دوماً في بالغ الأمر , هذا هو الهدف التام من هذه المهزلة . أراد أن يمسح عن وجهها ذاك المقت الكاذب الساخر المزدري تجاهه !
حسناً . . .! برهن لها أن تلك كذبه . حسنا ً! يا إلهي ! التهبت رايتشل مشتعلة بين ذراعيه كأنها خلقت لأجلة , كما ذاب هو بين ذراعيها أيضاً . . .
زمّ فيتو فمه بغضب . حسناً ! لِمَ تُراه لايتأثر بها ؟ فرايتشل فاير قادرة على التأثير في أي رجل .
منذ أن وقع عليها نظره للمره الثانية . . . أومضت الذكرى في دهنه . . .
كانت واقفه هناك , وقد بدت ضائعة جداً بين حشود الناس . بدا شعرها أشبه بوشاح من اللون الذهبي الباهت . ما إن دنا منها فيتو منجذباً إليها بشكل فطري حتى أدرك أنها يافعة وشابة .
وفي اللحظة التي توقف فيها أمامها لأول مره وابتسم لها , أدرك أنها ماتزال بريئة لم تلمسها يد رجل . وأدرك أنه يرغب بشدة أن يلمسها هو نفسه . صرف فيتو تلك الذكرى , فابعدها عن ذهنه . ما الجدوى بحق الجحيم من تذر رايتشل ؟ حينها أو الآن .
دفع أغطية السرير إلى الوراء بحركة تدل على نفاذ الصبر , وعلى الفور أحس بغيابها . كعنه ذاك الشعور كالسكين .
إنه يريدها مجدداً , يريدها بين ذراعيه تماماً , فهو لم يكتف منها بعد لكنه لن يبحث عنها الان . سوف يتركها مستلقية في الغرفة المجاورة , لكي تواجه بنفسها حقيقة أنها مهما حاولت أن تنكر الأمر , مهما قالت له أها محصنة تجاهه , مهما حاولت أن تقول له إنها أرادت فقط ان تضع خاتمة في إصبعها كي تعرضة متباهية أمام عشيقها الذي نبذها , فرايتشر فايل هي له . وسوف تكون كذلك دوماً !
استلقى فيتو على السرير يحدق بعقدة الموسلين الأبيض المدلى فوق رأسه , وما لبث أن شعر بالأنزعاج لأنها ذكرته بأن هذا الجناح يفترض به أن يكون جناح شهر العسل .
أحس أن جسده متململ لايعرف الراحة أو الهدوء . بدا ذهنه مشوشاً , هائجاً , منزجاً . حقيقة كونه في حالة مماثله هو أمر مزعج بحد ذاته . ليس هنالك من سبب يبرر هذا . لقد حصل بالضبط على ما أراده . حصل على كل مالدى رايتشل لتقدمه له .
لكن فيتو تعلم منذ سبع سنوات أن هذا كل مايُحتمل أن يريده منها على الإطلاق . أما البقة فهي مجرد وهم . . . وهم فارغ .
ظل مستلقياً في السرير وعيناه القاسيتان تحدقان إلى الظلام .
مدت رايتشل يدها لتتناول فرشاة أسنانها ’ فأدركت أن يدها ترتجف . حاولت أن تثبتها , لكنها لم تستقر . التقطت أنبوب معجون الأسنان ووضعته فوق فرشاة الأسنان , أحرق فمها طعم النعناع الحاد الحار . فتمنّت لو أن تمقدور ذاذ الطعم الحار أن يحرق ذكرى ليلة أمس أيضاً .
لاتفكري ! لاتفكري ! مهما كان مافعته , لاتفكري !
كررت رايتشل الكلما كما لو أنها مانترا في ذهنها , فيما فركت أسنانها بجموع مرتعش .
كنت اعرفه . كنت اعرف ماهو عليه . علمت ذالك طيلة سبع سنوات مريرة . لاعذر لي . . . لاعذر لي على الإطلاق . . . أبداً !
كيف توهمت انه تغير عما عرفته عليه ؟
في الواقع , أرادته ان يكون الرجل الذي أعتقدت منذ زمن بعيد أنه عليه , لكنه ليس ذاك الرجل أبداً . إنه مجرد وهم . وهو فظ فارغ .
ليلة أمس , استحضر فيتو ذالك الوهم مجدداً , ومرة ثانية تمكن من خداعها به , كما خطط لأن يفعل في المرة الأولى . لكنها هذه المرة تستطيع التذرع بصغر سنها وقلة خبرتها او يجهلها لطبيعته الحقيقة .
حدقت رايشل إلى انعكاس صورتها في المرآة من دون تسامح .
أنت تستحقين ماحصلتِ عليه! تستحقيقن كل شيء . . .
طاف الشعور بالمقت داخل جسدها . ليس فقط تجاه فيتو بل تجاه نفسها أيضاً بسبب حماقتها .
بدأت رايتشل توضب أدوات تبرجها بسرعة لكن دون تفكير , ثم ادركت أنها لم تستحم بعد , فتركت حقيبة التزيين على النضدة وتوحهت إلى الحمام .
فتحت صنبور المياه عمداً وكرهاً لنفسها على المياه الباردة . أرادت أن تعاقب جسدها لأنه خدعها بهذا الشكل , ولأنه خانها .
لاشيء أمكنه جعلها تشعر بالارتياح لعملها الخارق . هناك فقط الفراغ والدمار والخراب .
نظرت غلى الخارج نحو الحدائق فيما مشت عائدة إلى غرفة نومها . لابد أن الصباح مازال مبكراً جداً , فاشمس بالكاد وصلت إلى ماقوق الأفق خلف المنزل . تساءلت رايشل في أي وقد قد يبدأي أي من الموضفين بالتحرك , حتى تتمكن ممن أن تطلب وسيلة نقل ما تقلها عن الجزيرة وتعيدها إلى المطار .
ارتدت ملابسها بسرعة ورشاقة , استخدمت الملابس نفسها التي وصلت بها إلى هنا , ثم وضبت بقية ملابسها . فستان زفافها لم يكن هنا بين الملابس , لكنها لم تأبه لذلك . لم ترغب بأن يقع نظرها عليه مجدداً فهو ملون . اغلقت رايتشل غطاء الحقيبة الصغيرة . فأحكمت إغلاقها , ثم تجمدت لإدراكها الشنيع .
إنها لاتحمل وثيقة الزواج الخاصة بها . فيتو كان قد وضعها في قبة فستانها عندما بدأ بعملية إغوائها ليل أمس . لابد أنها سقطت عندما أدخلها إلى غرفته وخلع عنها فستانها . جاش الفزع عبر جسدها بموججات مثيرة للغثيان .
لايمكنني ! لايمكنني أن أعود إلى الداخل لإحضارها ! لايمكنني ! لكن هذه الوثيقة هي سبب مجيئها إلى هنا . إنها الهدف الوحيد من هذا الكابوس الدنيء . يجدر بها أن تدخل لإحضارها . لاخيار أمامها .
عبرت رايتشل نحو الأبواب بخطى متثاقلة ملؤها الخوف , فأدارت المفتاح في القفل ,ثم فتحتهما بحذر وإنتباه , وخطت خارجاً نحو الشرفة . أكتسحها برد الصباح الباكر , ومن دون قصد توجهت نظراتها إلى الخارج وتجمّدت مكانها .
كان أحدهم في البركة يسبح بضربات طويلة متناسقه .
صعقها جيشان مفاجئ لانتهاز الفرصة المؤاتيه , فأدارت رأسها نحو الجهه اليمنى . كان بابا جناح شهر العسل مفتوحين أمامها .
لابد أن فيتو في بركة السباحة. لابد أن يكون هو ! اندفعت رايتشل على عجل داخل الغرفة من دون أن تجرؤ على التفكير , فانطلقت عيناها تنظران في أرجاء بخوف . بدت الغرفة مهجورة , السرير الدائري الضخم فارغاً , والآغطية مرمية على الأرض .
ليس هنالك من وقت ! هنالك وقت متوفر فقط لكي تجول مسرعة على الأرض في بحث يائس عن تلك الورقة الوحيدة المثنية .
يجدر بي أن أجدها ! يجدر بي ذلك !
لم ترّ رايتشل أي شيء على الأرض , فاضطرت بعد تردد عميق لكن مدفوعة بالحاح يجدر بها ان تطيعه أن تفتش في السرير نفسه .
لاتفكري . . . فقط أبحثي !
كانت الوثيقة هناك ! محشورة داخل أغطية السرير . مجعدة لكن . . . تحسستها وفتحتها . . . إنها ماتزال سليمة , فهي مقروءه ., واضحة وغير مشوهة . استقامت رايتشل في ركوعها فتفحصت الصفحة سريعاً , واطمانت إلى أنها ماتزال على مايرام .
- ماذا يا عزيزتي ؟ هل أبقيتك منتظرة , فجئتِ الآن بحثاً عني ؟ هل أنت متشوقة للعودة معي إلى السرير ؟
وقف فيتو هناك عند الأبواب المفتوحه مرتدياًفقط لباس السباحة .
بدا جسدة المبلل لامعاً , أما شعره فبدا حريرياً مبتلاً بالماء , فيما رمى المنشفة فوق إحدى كتفيه . إلا أن رايتشل استطاعت ان تلاحظ ظلالاً تظلم تبشرته . أحست أن أعماقها أصبحت خاوية , إذ اخترقها الرعب لأن فيتو اعترضها قبل أن تتمكن من الهرب .
وضعت إحدى رجليها على الأرض تواجهه, بينما ثنت الوثيقة بسرعة . أحست كما لو أن قنبلة ما انفجرت في احشائها , لكنها علمت انه لايجدر بها أن تظهر ذلك لفيتو على لإطلالاق . بدا وجه رايتشل مشدوداً , أما صوتها فبدا متصلباً , وبالكاد استطاعت السيطرة عليه حين رفعت وثيقة الزواج وقالت له :" هذه ماجئت من أجله , فيتو "
تمشى فيتو داخل الغرفة . بدا مسترخياً , لكن رايتشل استطاعت أن ترى أن التوتر يعذبه ويشد جسده .
جرجرت نظراتها بعيداً عنه , لكنهاا لم تجد مكاناً آمناً تنظر إليه . لا مكان .. . .
اقترب فيتو من السرير , وتكلم مجدداً .
- أتقصدين أن مواهبي في السرير ليست بمستوى مقاييسك المتطلبة ؟ بدوتِ سعيدة ليلة أمس .
استقرت عيناه السوداوان على وجهها . فأحست رايتشل بالأنفاس تتجمد في رئتيها , أما قلبها فتباطأت نبضاته حتى كادت أن تتوقف .
تكلم فيتو بنعومه , فاكتسحها مجة من الغثيان عندما قال : " أحببتِ الأمر ليلة أمس !"
مشى متجهاً نحوها فيما لم تفارقها عيناه , كرر قائلاً :" ألم أسمعك تتوسلين إلي ؟ أم أنني مخطئ ؟"
قذف المنشفة جانباً واقترب منها أكثر , بينما بدت لها كل خطوة ذات مغزى , أما عيناه فاتقدتا بلمعان جعل معدة رايتشل تنقبض . تابع يقول :" سوف تحبين الأمر مجدداً . . ."
أخيراً مد يده ليطالها , إلا أن رايتشل هزت نفسها وتراجعت إلى الوراء .
تلكمت بصوت هامس , بدا كالزفير الخشن من رئتيها وهي تقول :" أيها اللعين . أيها اللعين , اللئيم المقرف ! كيف تجرء على أن تقول لي اشياء كهذه ؟ كيف تجرؤ ؟"
التهب شيء ما في عيني فيتو , أم فمه فباً لاذعاً كالسوط وهو يقول :" هذا العرض بالشعور بالإهانه لم ينطلِ علي منذ سبع سنوات ياعزيزتي , وهو لن ينطلي الآن ! لذا وفري عليّ التأريخ هذه المرة . فليس هنالك من داع له . هذه المرة لديك خاتمي في اصبعك . الخاتم الذي اردته منذ أن خططت للأمر مع والدتك الغالية طيلة هذه السنوات الماضية حين قدمتك لي كطعم لتلتقطني به ! أنت مستعدة للقيام بأي شيء لكي تحصلي لنفسك على زوج ثري !"
جفّت الدماء من وجه رايتشل .
- ماذا . . .؟ مالذي تعنيه بقولك إنها . . . قدمتني كطعم . . .؟
ضاقت عينا فيتو بمقت .
- هل ظننت أنني غبي ؟ أنت نصبت لي فخاً . أليس كذالك ؟ كنت في الثامنة عشرة من عمرك فقط , ومع أن رجلاً لم يمسك من قبل , لكنك كنت فاسده متواطئة تماماً كوالدتك . والدتك التي ارادتت حمايتك والحرص عليك , والتي صادف وصولها برفقة والدي مساء ذلك اليوم لتجد ابنتها العزيزة ضحية لإغوائي . يمها أعتقد والدتك - وأنت أيضاً - أن والدي سوف يجبرني على الزواج بك بسبب سوء تصرفي . الزواج من أحد أفراد آل فارنستي أنه الشيء الذي لم تتمكن الوالدة من تحقيقه , سوف تحققه لها الأبنة . . .
أحست رايتشل أنها توشك على الأغماء , إذ راح الخدر يلتف حولها كما لو أنه ضباب كثيف .
- أما الآن فأنت حققتِ مرادك . أليس كذلك ؟ حققتِ هدفك , فحصلتِ لنفسك على زوج من آل فارنستي !لعل دمالك وسحرك لم يشكل إراء كافياً . لكن زمردات آل فارنستي حققت الهدف . أليس كذلك ؟
جمالك لم ينجح في إيقاعي بالأسر منذ سبع سنوات و لذا سحبته من القائمة هذه المره . أنت لم تنوِ السماح لي حتى بالحصول على حقوقي الزوجية . أليس كذلك . أردت أن يكون ذاك النكران الرخيص الحقود انتقامك مني . أليس كذلك انتقامك لأنني رفضت الزواج منك في الماضي اليس كذلك ؟ أليس كذلك ؟
ظهر لهيب قوي في عيني فيتو . . . لهيب مظلم حارق . . .
- خططت لأن تتمنعي فتحرميني من إقامة علاقة حميمية معك . أردت أنت تغويني بجسده الجميل هذا , ثم تخدعيني كي لا أحصل عليه ! حسناً , ساعزيزتي ! أسأت الحساب بذهنك الطموح الصغير هذا أسأتِ تقدير رغباتك وأهوائك الخاصة . أنت تتوقين إلي . في كل مرة المسك فيها أنت تشتعلين باللهب شوقاص للحصول عليّ . لاتحاولي أن تقولي لي غنك لاتريدينني . ما الذي تطلبه مني الأمر ليلة أمس حتى أدخلك إلى سريري ؟ لمسة واحدة . عناقاً واحداً . . . وها قد أعجبك الأمر . كنت تتوقين إلي ليلة أمس وأنتِ تتوقين إلي الآن !
نقل فيتو وزن جسده على رجلة الأخرى .
- أنا ذاهب الآن لأخذ حمام , بعدئذٍ لتناول الفطور . لاتقومي حتى بمحاولة الهروب , لأنني كما أخبرتك ليلة أمس لا ارغب بأن توجه لي أي اتهامات بأنني وافقت على زواج مزيف . سوف نمضي شهر عسلنا هنا , ياعزيزتي . . . شهر عسلنا الرومنسي المبهج . يمكنك انت ياعروستي الجميلة أن تحصلي على كل ماترغبينه مني , اما أنا فسوف أستمتع بألشيء الوحيد الذي تجيدينه !
استدار فيتو ومشى إلى داخل الحمام المتصل بغرفة النوم , ثم أغلق الباب خلقه بخبطة مكتومة .
ترنحت رايتشل , وقد أصبحت رجلالاها مرتخيتين كالقطن .
كيف عساه استطاع أن يقلب الحقيقة رأساً على عقب بهذا الشكل ؟ كيف يمكنه تشويه حقيقة ماحصل منذ سبع سنوات , بحيث صار هو الشخص الذي تم اتلاعب به ؟ أيدعي أنه هو الشخص الذي تعرض للأذى , وأنه ضحية مخطط يهدف إلى إيقاعه في أسر الزواج ؟
أحست رايتشل وكأنما لكمها فيتو بالكلمات التي رماها بها . إنه يقلب حقيقة إغوائه لها رأساً على عقب متعمداً وعن سابق معرفة وسابق تصور وتصميم وبغير شعور بالندم أو بتأنيب الضمير , ليجعل منها هي الفاسدة الشريرة المتلاعبه المخططة في هذه الرواية .
بالكاد تحركت شفتا رايتشل وهي تهمس قائلة :" أيها اللعين . . . أيها اللعين الوغد ! أتحاول أن تضع اللوم عليّ أنا ؟"
بدأ الغضب والسخط يلتفان داخلها , ويملآن رئتيها , بحيث أصبحت غير قادرة على التنفس , وغشي بصرها . أغمضت رايتشل عينيها , وأحست بالحنق والسخط يرتعدان في جسدها . أحست بالألم الباهت النابض في صدرها , ذلك الألم الذي كان هناك منذ أن استيقضت من نومها المعذب . إنه ألمها لمعرفتها بأن فيتو فارنيستي لم يأبه مطلقاً لمشاعرها وأحاسيسها , وان كل ماهدف إليه هو أن يجرح المرأة التي يكرهها . كذب عليها عندما همس لها كلمات لطيفة حلوة بلا قيمة , كذب عندما ضحك معها , كذب عندما أحتضنها بين ذراعية وعانقها . والآن هاهو قد خدعها .
العذاب الأليم الذي اعتصر قلبها هو أسوأ من أي ألم جسدي يمكن أن تشعر به يوماً . فتحت رايتشل عينيها بعد أن نظرت من خلال عدسات أرجعت لها الزمن سبع سنوات . . .
فكرت أنها لم تتخلص أبداً من العذاب . أبداً . . . إنه مايزال موجوداً في أعماق أعماقها , يفسد عليها حياتها ويسممها . . .
تساءلت , ما الذي كنت أفكر به ؟ هل طننت حقاً أن فيتو سيشعر يوماً ما بالسوء بسبب نواياه القديمة تجاهي ؟ هل ظننت أنه سيشعر بالسوء تجاه ما أراد فعله بفتاة في الثامنة عشرة من عمرها لا تعرف شيئاً عن هذا الفتى اللاتيني , زير النساء المتميز ؟ فتاء ساذجة جداً لاعتقادها أنها وجدت قصة غرام رومنسية شبيهه بقصص الجنيات ستتذكرها طيلة حياتها ؟ زمت رايتشل فمها على شكل تكشيرة ملتويه . آه .لا ! فيتو لم يشعر أبداً بالسوء حيالي أنا ولو للحظة أو لوهلة ! لِمَ تراه يفعل ذلك إنه بكل بساطة حرّف الحقيقة بشكل يناسبه , فجعلها هي الملامة !
غشى الغضب الساخط مجدداص عيني رايتيشل . بحركة سريعة مفاجئة اندفعت غلى الأمام , فيما راح الأدرينالين وضخ بقوة في دمائها .
الغضب والسخط والحنق والإكراه الحارق , كلها مشاعر جعلها تقرر بأنها لن تسمح لفيتو فارنيستي أن ينجو بما تجرأ ان يقذفة على رأسها !
مشت مسرعة عبر الغرفة , فجذبت باب الحمام وفتحته بقوة .
كانت غماة الحنق والسخط الحمراء ماتزال أمامها . أنه سخط يمتد في جذورة إلى سبع سنوات مضت . كان فيتو يستعد لأن يحلق ذقنه . الشفرة ماتزال على المنضدة , فيما مّيده إلى الأمام ليتناول عبوة معجون الحلاقة . بدت عضلات ظهره وكتفيه العريضتين واضحة بتفاصيلها الدقيقة . مظهره هذا جعل الأنفاس تعلق في صدرها . حدّقت رايتشل ببحظة فقط , ثم أدركت أن فيتو توقف عما أوشك أن يقوم به , فأخفض يده ببطء , ولاقت عينه عينيها في المرآة .
إلا أن شيئاً مفقوداً منهما . . إنه ذلك الشيء الذي تلازم مع نظرات عينيه منذ أن فاجأتهما والدته ووالدها في تلك الشقة في روما يوم قال لوالدتها إن ابنتها الغاليه تتوسل إليه كي يقيم علاقة معها . . . . لم يكن ذاك الشيء موجوداً هنا الآن , عندما لاقت عينيها عينيه في المرآه .
فجأة أدركت رايتشل بشكل مدمر أن آخر مرة حدقت بها بعيني فيتو فارنيستي على هذا الشكل , كانت عندما أحتضنها بين ذراعيه في روما وأخذ يبتسم لها , ويداعب شعرها , وهي تحدق نحوه مفتونه به .
- يافتاتي الحلوه . . . يافتاتي الحلوة . . . . يافتاتي الحلوه . . .
سمعت رايتشل الكلمات , سمعتها عبر سبع سنوات طويلة . . . سمعت غمغمة هذه الكلمات الرقيقة ذات اللهجة والإيقاع اللطيفين . . .
لطالما استعادت ذكرى ذلك العناق الذي أغرقها فيه فيتو , مداعباً بأناملة جبينها وجفنيها وخديها . . . شعرت أنها في الجنة حينها .. .
والآن , للحظة بدا لها كأن تلك اللحظة تكررت مجدداً , فعيناها تمسكان بعينيه , تنشدان نحوة , تمسكان به .
للحظة بدا لرايتشل كما لو أن شيئاً من أنحل في داخلها . كما لو أن عقدة قاسية بشعة تفككت . كما لو أن يرقاناً ما خبيثاً مؤذياً وعدوانياً كان يلازمها لفترة طويلة جداً إلى درجة أنه صار جزءاً منها قد اختفى .
إنه شيء لم تتحرر مه أبداً . عقة سيطرة على حياتها بأكملها . . . في تلك اللحظة . . . ولأول مرة خلال هذه السنوات الطويلة أحست أن تلك العقدة بدأت تتلاشى . . .
استدار فيتو ليواجهها , فأختفت تلك اللحظة واستقرت عيناه عليها مجدداً , لكنهما هذه المرة التمعتا بنظرات خبيثة مضمرة للسوء .
عينان جميلتان مميتتان , تماماً كحاله هو . . . الشيطان الذي هبط من السماء . ذلك ماهو عليهفيتو , بعض النظر عن الكلمات اللطيفة التي عمعمها لها في ما مضى .
الآن هي تراه على حقيقته . لطالما كانت هذه الحقيقة موجودة أمامها , لكنها كانت عمياء جداً غير قادرة على رؤيتها .
- هل جئتِ لتشاركيني الأستحمام ؟ حسناً ! سوف تضظرين لأن تنتظري بضع دقائق ريثما أنتهي من الحلاقة . آه ! أخبريني إن كنت تفضلين القيام بذلك من دون أن احلق ذقني . أليس هذا ماتحبه النساء الإنكليزيات ؟ أه ! هل هذا ماتحبينه ياعزيزتي ؟ يجدر بك أن تخبريني . . . فأنا لا اود أن أخيب آمالك وتوقعاتك .
ذاك الألتماع في عيني فيتو جعل رايتشل تشعر بالغثيان . بالرغم من ذلك , أحست بالأرتعاش عندما أتكأ إلى الوراء مستنداً إلى حافة الحوض متناسياً شفرة الحلاقة .
بدأ ذاك الضعف المخادع الخائن يطوف في عروق رايتشل . إنه توق مريع هزها بقوته الشديدة . هوة جعتها ترغب بالأقتراب من الرجل الواقف هناك بغض النظر عما فعلة وما قاله لها .
أجبرت نفسها على أن تجرجر عينيها إلى الأعلى , كما لو أنها استحمت بالمياه الباردة المثلجة . اجبرت نفسها على التركيز فقط على التعابير الموجوده في خط فمه المنحوت او في مسطحات وجهه . أجبرت نفسها على رؤية ذاك اللمعان الغامض المخفي . . .
عندما تكلم فيتو مجدداً بدا كأنه يكشط اعصابها كالأظافر التي تحفر على لوح خشبي .
- حسناً ! ما الذي تريدينه عزيزتي في صباح هذا اليوم ؟ هل نقوم بجلسة حيويه ترفع المعنويات الأن ؟ أم تودين الأنتظار حتى أنتهي من الأستحمام ؟
بدت عينا فيتو كالخناجر التي تطعنها بقوة تجعل الدماء تنزف منها بغزارة جرحت الأنفاس حلق رايتشل وهي تتكلم فجاء صوتها حاداً كشفرة السكين :" سوف أذهب الآن . . .سأعود إلى إنكلترا . لست آبه البتة إن كان ذلك سيجعل زواجنا غير قانوني أم لا لأنني حصلت منهذا كله على ما أردته , وثيقة الزواج هذه لكنني لن أغادر هذا المكان قبل أن أخبرك شيئاً ما .إنت قلبت حقيقة ماحدث في روما منذ سبع سنوات . لويت الحقيقة فوق كل حد متعارف عليه . لكن الأمر لم يتم كما وصفته أنت , وأنت تعرف هذا . أنت تعرف أنني لم أخطط لأي شيء مطلقاً . لاشيء . . . لاشيء مما قذفتني به !"
زال الالتماع من عيني فيتو . تماماً كما زالت مظاهر التسلية الكسولة التي ظهرت عليه منذ لحظات . بالطبع فهو لم يكن يعني أو يشعر بأي كلمة مما اقترحه للتو ! قال ماقاله فقط لكي يخزيك . . . لكي يذّلك . تماماً كما أقام علاقة حميمة معك ليلة أمس حتى يخزيك , ويذلّك . . . ولكي يسخر منك بسبب ضعفك المثير للشفقه تجاهه . . .
أجبرت رايتشل نفسها على إبعاد تلك المعرفة المخزية المذلة عن ذهنها . لم يعد الأمر هاماً الآن , فهي سوف ترحل . سوف تخرج من هنا , ولن ترى فيتو فارنيستي بعد اليوم مطلقاً لكنها قبل أن ترحل سوف تقذفه بكل ذرة من أزدرائها ومقتها . . . وعضبها . . . بسبب مافعله بها عندما كانت في الثامنه عشرة من عمرها !
استنشقت رايتشل نفساً آخر جارفاً حتى تتكلم مجدداً , لكن فيتو سبقها وقذف كلماته بقوة نحوها . فيما أومض الغضب السوداوي في عينيه , إذ قال :" ألم تخططي أبداً لأي شيء ؟ أتجرؤين على الوقوف هنا لتقولي لي إنك لم تخططي للأمر بأسره ؟ كذبت علي منذ البداية . أنت عرفت من أنا . . . بحق الله ! عرّفوك بي في تلك الحفلة بالأسم , ولم يرمش لك جفن حتى لكنك أخفيتِ هويتك الحقيقية عني بحذر شديد . أليس كذلك ؟ أليس كذلك؟ لم تذكري لي مطلقاً أنك تعرفين من أكون . كذبتِ علي متخذة اسماًمستعاراً . رايتشل فايل "
حدّقت رايتشل به مذهولة .
- ذاك . . . ذاك هو اسمي . لطالما كان كذالك .
ضاق فم فيتو .
- انت ابنه غير شرعية . وأسم عائلتك هو اسم عائلة والدتك نفسه . اسم عائلة والدتك غير المتزوجة!
واجهته رايتشل بصلابة قائلة :" منحتني أمي اسم عائلة والدي .ذلك جل ما استطاعت أن تفعله . لم تكن قادرة على تدوين اسمه على وثيقة ولادتي , لأنه ماكان ليوافق على ذلك . سخر منها وثار في وجهها عندما أخبرته انها حامل بي . هو لم يعطها شيئاً . . . . لاخاتماً ولا مالاً لتتدبر أمرها به . لم يمنحها أي تعويض . . . لاشيء . منحتني امي اسمه لأن هذا كل ما يمكنني أن أحصل عليه منه . إنه مدون على وثيقة زواجنا في حال أنك لم تلاحظ ذلك "
دفع فيتو تفسيرها جانباً من دون أن يأخذه بعين الأعتبار .
-لكنك بارغم من ذلك لم تفكري بان تذكري لي من هي والدتك. أليس كذلك ؟ خلال أسبوعين كاملين . . . في حين أننا أمضينا كل يوم . . . كل يوم سوياً . لم تفكري ولو لمرة واحدة أن تذكري لي من هي والدتك . والدتك التي دبرت معها بحذر أن تظهر بشكل مناسب في شقة روما ذلك المساء . لكي تقبض على ابنتها الحبيبة مع ابن حاميها ! على أمل أن يفرقع والدي بسوطه ويجعلني اتزوجك بالقوة !
اكتسحتها اتهاماته الباردة , بينما ادانتها عيناه القاسيتان .
أرادت رايتشل أن تنفجر غضباص منه , وأن تصرخ عالياً بغضبها الساخط . سمعت صوتها يرتفع . . .
- لم يكن الأمر هكذا ! بل كنت أنت . . . أنت من يتلاعب بي . أنت عرفت من أنا طيلة الوقت . أنت أغويتني متعمداً , فقط لكي تنتقم من والدتي . رميتني بالكلمات اللئيمة نفسها حينها . . . تماماً كما فعلت الآن . كهرهتك حينها وأنا اكرهك الآن , وليكن الله بعوني سوف أكرهك حتى آخر يوم في عمري بسبب مافعلته بي .
اسودت عينا فيتو كليل مظلم قاتم .
- أخبريني شيئاً !
بدا صوته عادياً كما لو أنه يجري محادثة عادية , ماجعل الشعيرات على ظهر رايتشل تقف .
- لو أنك كرهتِ ماقلته لك منذ سبع سنوات , لماذا بدوت متشوقة جداً لتعودي إلي بعد أن هربتِ من روما , وبعد أن فشل مخططك في حملي على الزواج بك ؟ علمت حينها أنني لن أتزوج بك , مع ذلك طاردتني خلال الأشهر الثثة التالية , فكنتِ تحضرين إلى مكتبي في لندن كلما علمت أنني موجود في المملكة المتحده . لطالما حاولت أن تكلميني عبر الهاتف اينما كنت .
رمقها فيتو بنظراته الفارغه الباردة , وتابع :" كيف يتلاءم ذلك مع نسختك للأحداث بقولك إنك الآنسة البريئة الصغيرة ؟"
بدا صوت فيتو سطحياً خالياً من أي أثر للعواطف . فتحت رايتشل فمها , وما إن أشرق عليها الإدراك , عادت وأغلقته مجداً . أحست مجدداً باليأس الذي احسته عندما ذلّت نفسها بمحاولة الأتصال بفيتو , كما لو أن هذا الأمر حصل بالأمس لامنذ سبع سنوات .
كيف يمكنني أن أخبره بسبب يأسي الشديد ؟ لايمكنني ! لايمكنني !
فجأة أدركت رايتشل وقد غمرتها موجوة سوداء مغرقة , بأن الأمر ميؤوس منه . من غير المجدي أن تحاول مهاجمة فيتو , وأن تدافع عن نفسها , فهو سوف يبرر نفسه في كل مرحلة .
حسناً ! ما يهمها ؟ إنها لم تعد بحاجة إلية . لقد حصلت على ما جاءت إلى هنا من أجله . تماماً مثلما قالت له للتو .
بل حصلت على الكثير بالإضافة إلى ذلك . لقد نالت درساً آخر من سيّد المخادعين . ياإلهي ! فليكن هذا هو الدرس الأخير . . .الأخير على الإطلاق .
استدارت رايتشل مبتعدة , إذ إنها لم تعد تقوى على تحمل المزيد , فالهزيمة لوت ظهرها وسحقتها .
فيتو فانيستي هو بمثابة لعنة على حياتها منذ وقعت عيناها علية للمرة الأولى . إنه كالحمى في دمائها . . . غير سليمة ومفسدة .
امضت رايتشل سنوات شاقة في محاولة إخراج هذا العدوى من مجرى دماها . بما الآن , بعد هذا الأنهيار البشع , قد تنجح أخيراً في انتزاعه من كيانها .
مشت ببطء نحو الباب المؤدي إلى البهو .
- رايتشل !
اجابته رايتشل بصوت متثاقل وهي تغادر الغرفة :" اذهب إلى الجحيم فيتو !"
حسناً ! لن يفيجها أن تقول له بأن يذهب إلى الجحيم , فبهذا الأسلوب هي لن تتخلص منه .
الجحيم هو حيث هي موجودة تماماً . . . إنها تعيش في الجحيم .
موــــــــني ^___^

__________________________________________________ __________

8- اين المفر


تركها فيتو ترحل , فما غمرة غضب سوداوي باهت .
إذاص , رايتشل فايل تدّعي أنها بريئة ! بريئة كالحمل الوديع . تدعي انها لم تحاول مطلقاً أن توقعه في الشرك كي يتزوج منها !
اشتد فم فيتو ليصبح اشبه بخطين رفيعين . يسهل قول ذلك . آه ! يسهل جداً قول ذلك بعد مرور سبع سنوات , لكن ذكرى تلك اللحظة عندما دخلت آرلين غراهام عليهما في الشقة , سوف تلازمه إلى الأبد .
إنهه مشهد يتكرر في ذاكرته على الدوام , وينتزع منه كل حلاوة ظن أنه عرفها مع تلك الفتاة التي امضى معها أسبوعين من الزمن . تلك الفتاة التي كرّس نفسه لها . . . كرّس نفسه لأنه . . .
لا! هو يرفض أن يعود ليسلك ذاك الدرب مجدداً . إنه درب محدد للأغبياء والمغفلين وللرجال اللذين يسهل سقوطعم . . . الرجال اللينين , تماماً كما كان هو يوماها .
استطاع فيتو أن يشعر بفراغ في أحشائه , مشابه تماماً لما شعر به في ذلك اليوم منذ سبع سنوات و لحظة أدرك أنه تم الإيقاع به باعتبارة شخاً ثرياً يسهل خداعه من قبل عشيقة والده وابنتها . نصبت المرأتان له فخاً معسولاً كي يصطاداه من خلاله .
يا إلهي ! لقد وقع في الفخ . كان مأخوذاً بها تماماً . مشى على الدرب المزروعه بالأزهار , ثم أنقلب على رأسه ليقع في الفخ الذي نصبته له . لكنه رفض الوقوع في الأسر , فخرج من الفخ سليماً .
قفزت الذكرى مجدداص امام عينيه . . . كان فيتو قد غازلها ومازحها وعانقها متذوقاً حلاوتها حين سمع ذاك الزعيق الصاعق , وسمع الآنسه الصغيرة البريئة . . . غير البريئة تشهق بصدمة مصطنعه , بينما راحت والدتها تصرخ عليها وعليه , فتتهمه بأنه يغوي أبنتها العذراء الغاليه . . سجّ ليتو هذا التمثيل المتقن بجزء من الثانية , فأدرك أن ليس هنالك سوى مفرّ واحد من الخدعة , هو قلب الطاولة عليهما معاً !
نهض من مكانه من دون أن يزعج نفسه بالاستفسار عن أي شيء ولو بشكل عابر جداً . استطاع ان يتذكر بالضبط ماقاله . يومها تشدّق قائلاً :" أغويتها ؟ بالكاد . . . . هي التي ارتمت بين ذراعي "
اعتقد لوهلة بأن آرلين غراهام سوف تصاب بسكته دماغية , /إذ أخذت تزعق بصوت مرتفع أكثر فأكثر , فأغرقت ردّة الفعل التي أبدتها رايتشل .
يومها أصدرت رايتشل صوتاً هادئاً جداً , لم يكن شهقة ولا أنيناً ولا صرخة . . . عبس فيتو بعمق أكبر , وفكر أنه بدا كشيء . . . شيء ينكسر . . .
غمرت القسوة وجهه مجدداً .
ردّة فعل رايتشل بأسرها كانت جزءاً من المخطط الذي رسمته مع وادتها . هذا كل شيء . آرلين تلعب دور الوالدة التي توجه الأتهامات , ورايتشل تلعب دور البريئة الضائعة , أما والده . . . بالطبع , كان يفترض به أن يلعب دور الأب الصالح , فيأمره . . . هو الأبن النذل بأن يصلح موقفه , ويتزوج الابنه الصغيرة المخدوعه . . .
حسناً ! إنريكو نفسه لم يكن سهل الأنقياد , إذ أنب عشيقته وأعادها إلى حدمها الأصلي , فأخرس زعقاتها المهينه الهستيريه . أما بالنسبة إليه . تنحى به والده جانباً في وقت لاحق , وقل له بفظاة إنه إن فكر ولو قليلاً بأن يتزوج ابنة آرلين , عندها يمكنه أن يبحث عن شركة أخرى يعمل لديها , كما يجدر به أن يجد عملاً ذا مدخول جيد و لأنه لن يعود مرشحاً لأن يرث شرة فارنستي الصناعية . . .
بالطبع فيتو لم يكن بحاجة إلى من يقول له ذلك , أما رايتشل غراهام . . . فايل . . . مهما كان الأسم الذي تطلقه على نفسها لكي تحاول أن تبدو محترمة , فيمكنها أن تذهب بعيداً بحثاُ عن زوج آخرتوقعه في فخّها المعسول !
لكن ذلك لايعني ان الأمر لم يتطلب منه وقتاً طويلاً كي يصدها عنه . يا إلهي ! حاولت رايتشل جاهدة ان تستعيده . يومها قادت حملة مستمرة لمدة ثلاثة أشهر حتى تتصل به .
الله وحده يعلم ماهو الشيء الذي اقنعها اخيراً اان تستسلم . لابد أنها اخيراً فهمت الرسالة بأنه لايرغب في معرفة شيء عنها . أو لعلها تعرفت إلى رجل آخر في ذلك الوقت . فوضعت نصب عينيها مغفلاً آخر اكثر غباء منه , هذا لايعني بالطبع أنها تمكنت من إقناع أي رجل أن يتزوج بها . . . حتى الآن .
خطا فيتو عبر الغرفة , فجذب باب خزانة الملابس وفتحه يجد بعض الملابس كي يرتديها .
بدا مزاجه معكراً تماماً . ما الذي يفعه هنا بحق الجحيم ؟ ماكان يجدر به أن يسمح لغرورة أن يسيطر عليه فيوافق على عرض رايتشل المضحك . ما الذي يهمه بحق الجحيم إذا ما كانت رايتشل ترغب بإقامة علاقة حميمية معه أم لا ؟
تجمدت يده على القميص التي كان على وشك أن يزيلها من علاّقة الملابس . بدا له كأنما حجرا ما يملأ رشتيه . تذكر فيتو أنها ناداها ذات يووم باسم فتاته الجميلة مستخدماً اللغة الإيطالية ز تذكر أنه حملها بين ذراعيه وأحس بجسدها يرتعش في أحضانه . تذكر أنه عانقها بشغف وشوق , وهو أمر لم يمنحه لأي امرأة غيرها من قبل . لأن رايتشل فايل ليست كأي امرأه أخرى عرفها على الإطلاق .
ادرك فيتو ذلك منذ اللحظة الأولى . جرى له شيء ما تلك الليلة . . . شيء لم يكن يتوقعه فيتو على الأطلاق . اعتاد فيتو ان يرتاد الكثير من الحفلات , وتلك كانت مجرد حفلة أخرى يحضرها . يومها ألقى نظراته في أرجاء المكان , فأبقى إحدى عينيه مفتوحة تداركاً للنساء اللواتي لايرغب بأقترابهنّ منه , أما العين الأخرى فأبقاها مفتوحة بحثاً عن نساء أخريات قد يختار من بينهن واحدة كي يتسلى برفقتها تلك الليلة . . . أو ربما لفترة أطول بقليل إذا ماناسبه ذلك . ربما يستمر الأمر لبضعة أسابيع , أو رميا حتى شهر أو أثنين , لكن ليس أكثر من ذلك . فأولئك النساء يصبحن طموحات في تلك الحالة , ويبدأن بتصور فرصهنّ في إيصاله إلى مذبح الكنيسه من أجل الزواج . لكن هذا ماكان لانية لدى فيتو أن يقصدة , لأن لديه جراحاً عميقة . هو شاهد ما فعلة والده لوالدته , ورأى تأثير ذلك عليها , بحيث صارت حياتهما بؤساً حقيقياً . وبالغرم من أنه لاينوي أتباع درب والده نفسه , كما أنه يعلم - من دون خيلاء - بأن أي امرأة يتزوجها سوف تتعلق به , وإذا ماسئم منها , فإن التزامه بالروابط الزوجية سيصبح أمراً فوضوياً . فضلاً عن ذلك , ربما ينتج عن ذلك الزواج أولاد , وهو يرفض ان يخضع أي طفل للعذاب الذي عاشه هو نفسه اثناء نموه .
ادرك فيتو ان النساء سوف يبقين دوماص على ماهنّ عليه . ادرك ذلك منذ أن أصبح في سن المراهقة , واكتشف الجاذبية التي يتمتع بها بفضل المزيج الساحر بين ثرائه ومظهره . إنه مدلل فاسد , وهو يدرك ذلك . تعلم بسرعة أن قليلات هن النساء اللواتي يتجاوزن قدرته على النيل منهنّ لو رغب بذلك . ظل بعيداً عن النساء المتزوجات , وملتزماً بالنساء اللواتي رغبن بما يرغب به هو , أي علاقة غرامية سهلة ترضي رغبات الفريقين , حيث لاروابط تقيدهما , ولا قلوب وأزهار عديمة الجدوى . إنها معادلة لاتخيب ولاتخطئ ولطالما سارت بشكل ناجح , حتى ذلك المساء . . .
ماهو الشيء المميز في رايتشل , تلك الفتاة الإنكليزية الهاذئة التي جذبت عينيه إليها ؟ لم يتمكن فيتو مطلقاً في الواقع أن يستنتج السبب . يومها شعر انها تتمتع بهالة تقول إن يد أي رجل لم تلمسها قط . ليس فقط بالمعنى الجسدي , وهو أمر استطاع أن يدركه على الفور . بدت غير متأثرة بالمكان المحيط بها . كانت برفقة رايتشل في تلك السهرة فتاتان إنكليزيتان أخريات , لكنهما من طبيعة مختلفة تماماً . إذ بدا من الواح أنهما واعيتان وتتمتعا بخبة عاطفية و كما بدتا من الواضح أنهما واعيتان وتتمتعان بخبرة عاطفية, كما بدتا مطمئنتين واثقتين ولا تشعران بالغرابة البته , أما رايتشل فبدت مختلفة تماماً.
أمضى فيتو أسبوعين . . . أربعة عشر يوماً كاملة مكرساً نفسه لها , سعيداً بأكتشاف أمر مختلف . أرادت أن تتحدث عن التاريخ , الفن , الأدب , الكلاسيكيات , اللغات , السياسة والأقتصاد . . . لم تكن رايتشل فتاة ساذجة تحاول التأثير علية , بدت مسرورة جداً بأن تقذف عملة حجرية في نافولة تريفي , وأن تجرب كل طعم في المثلجات بدت مسرورة وهي تحدق غلى الأعلى نحو فيتو وقد ظهر في عينها افتتان لم تدرك وجودة حتى . لكن فيتو لاحظ وجود تلك النظرة في عينها , وعلم انه لايستطيع . . . ولايجدر به أن ييستغلها . يجدر به ألا يمسها بإصبعه حتى , فهي ماتززال فتاة بريئة . علم ذلك على الفور , كما ااستطاع أن يدرك أنها غير محنكة على الإكلالاق في أساليب الرجال . أما هي فلم تكن تدرك حتى كم ذلك يجعلها جذابه جداً بالنسبة لهم .
تمنّع فيتو لأسبوعين طويلين حتى عن ملامستها وعناقها . استخدم كل ذرة من قدرته على السيطرة على ذاته لكي ينع نفسه من ملامستها , وراح توقه إليها يزداد مع مرور كل ساعة . جاذبيتها بالنسبة إليه راحت تتنامى مع مرور كل يوم , ومع مرور كل ساعه . بدا إدراكه لها حاداً جداً , لكنه لم يظهره لها .
لكن ذلك الأمر أصبح مؤلماً , حتى تلك الليلة . . . بدت رايتشل كئيبه تحت مرحها الظاهري فهي سوف تعود في اليوم التالي إلى إنكلترا , بعد أن اعتادت على رفقته وارتاحت لها . يومها لم يتمالك فيتو نفسه فجذبها نحوه , وجعلها تشعر بالأمان والثقة به . بعد قليل سوف ينتهي الأمر بأسرة .
فجأه علم فيتو بأن الأمر لم ينته , وأنه لن ينتهي أبداً . هو لن يسمح لرايشل فايل بالأفلات منه . لايمكنه أن يسمح لها بذلك . جلست رايتشل تحدق إليه بتوق واضح في عينيها . عندما ارتشفت قهوتها الأخيره من بيازا نافونا . بدا كأنهما يجلسان بمفردهما وكأن اليساح هناك غير موجودين . كأنما الفتاة الجالسة قبالته فقط موجودة بشعرها الذهبي الحريري , وعينيها الواسعتين المملؤتين بالسحر والتوق . . . شعر فيتو بأنه غير قادر على الأبتعاد عنها . لذا فعل تلك الليلة ما كان يرغب بفعله منذ اللحظة الأولى التي وقعت فيها عيناه عليها .
أخذها بين ذراعيه باندفاع كان يدرك أنه يجدر به مقاومته, لكنه لم يقوّ على ذلك . بعدئذٍ أصطحبها إلى شقة آل فارنيستي , حيث فعل ما كان يرغب بفعله منذ اللحظة الأولى التي رآها فيها , عانقها عناقاً محموماً حمله كل مايشعر به من الشغف والشوق نحوها .. .
أما رايتشل فتجاوبت معه بشغف مماثل . بدا عناقهما كالحلم وأكثر .ز لم يعرف فيتو قط امرأة شغوفه مثلها .
ضمها إليه محتضناً جسدها الرقيق ضمن دائرة ذراعيه الحاميتين . في تلك اللحظات علم أن شيئاً ما قد حصل , سوف يغير وجوده إلى الأبد . لم يكن قادراً علا تسمية ذالك الشيء بكلمات أو إطلاق أسم عليه , لكنه علم أن تلك هي أثمن لحظةة في حياته . ثم وصلت الحقيقة . . . على شكل امرأة صارخة , فعلم فيتو أنه تم التلاعب به كأكبر مخبول في العالم . ..
بدا وجهه متصلباً كالحديد , قاسياً وغيرمتسامح . لكنه في مكان ما من أحشائه أستطاع أن يشعر بمثل ذلك الشعور الذي تزق داخل جسده في ذلك اليوم منذ سبع سنوات . إنه الألم الكاوي الممزق !
عندما غادر فيتو سان بيير , كانت رايتشل قد رحلت , وهو لم يأبه ولم يعد يأبه .إن ثارت أي شكوك حول زواجهما , فهو سوف يبتدع روايه ما بخصوص عروسه الشديدة الحساسية التي تصرفت بنزق . أمضى حوالي الساعتين متحدثاُ عبر الهاتف , ثم أرسل رسالتين إلكترونيتين إلى تورين وإلى لندن . ما إن عاد إلى مكتبه حتى غمرته الأعمال المتأخرة . طرأت على بال فيتو ذكرى والده مجدداً , عندما أنهى مكالمة هاتفيه أخرى مع مدير مكاتبه الأوروبيه . كان إنريكو عمل كالجني و ثم يااخذ استراحه من كل شيء , فيختفي مع آرلين . لكن ذلك لم يستطع أن يخلّصه من ضغوطاته النفسية . فمزاج والده قلّما كان جيداً , كان ينزعج بسهولة , فهو كثير الضغوطات وصبرة قليل .
انجذب فم فيتو بانحناءة ساخرة , آرلين غراهام عملت مقابل المال الذي أخذته من والده . حسناً ! لم يكن منا لسهل ان تكون مساعدة والده وعشيقته معاً . لربما حصلت آرلين على بعض الأغراض الثمينه وعلى حياة مترفة سهله , لكن لاشك أن حياتها مع والده لم تكن سهلة . مع ذلك لابد أن آرلين وجدت تلك الحياة ملائمة لها. لعل والده منحها أكثر مما كشف عنه لآبنه .
شدّ العبوس وجه فيتو .
لكن إنريكو لم يترك لها شيئاً , حتى الفيلا . آرلين لم تخرج من علاقتها بوالده وهي تحملة ذخائر ملموسة , إلا إذا كان يمنحها المال النقدي بأنتظام . باستثناء الزمردات . . .
تصلب فم فيتو . حسناً ! لقد استرجع زمرداته الآن , وجلّ ماكلفه الأمر رحلة إلى جزر الكاريبي ! إنها صفقة جيدة إذا أراد أن يعتبها كذلك . بالإضافة إلى أنه حسل على رايتشل فايل في سريره كهدية , ذكرة جسده بقوة بذلك . . . هو يعلم أنها تكذب , بغض النظر عن كل الأعتراضات التي أوردتها . مهما حاولت ان تلعب دور الفتاة الصغيرة البريئة , وهو يعلم أنها مدّعية , لو أنها حقاً بهذه البراءة , فلماذا إذاً راحت تحاول باستمرار أن تتواصل معه . . . لا ! رايتشل هي داهية , متلاعبه وتحاول ادعاء البراءة , لكن بالرغم من ذلك هو مازال يشعر بالأنجذاب نحوها . . .
أخترقته طعنة من الشوق , كأنها تعاقبة بشدة إلحاحها . استطاع فيتو أ يشعر بجسدة يجيش نهماً ليضم رايتشل فايل وهي في الثامنة عشر من عمرها . فهي مازالت تملكه . . . بل أكثر من ذلك حتى . لكنها هذه المرة لن تتلاعب به كالمخبول , لأنه عرفها على حقيقتها الآن . إنه يعرف رقم هاتفها الآن , وهو يرغب في الاتصاب بها . أحس فيتو بالشوق يتملكه مجدداً . أراد أن يشعر بجسدها الحريري الناعم بين ذراعيه . أراد أن يرى شعرها منتشراً حول وجهها الجميل الشعوف . إنها الآن زوجته ويحق له المطالبه بحقوقة الزوجية .
رايتشل هي المراه الوحية التي يتمنى لها الهلاق بسبب مافعلته به في الماضي , لكنها مع ذلك ماتزال قادرة على التأثير في بقوة , لذا فهو مايزال يشعر بالانجذاب إليها , إنه لايقدر على تقديمها للعالم على أنها زوجته . يكنه سوف يضعها في شقة لائقة في لندن , ويقوم بزيارتها متخفياً كما لو أنها عشيقته . رفع فيتو سماعة الهاتف بقرار مفاجئ فطلب إحضار وسيلة النقل لتعيده من الجزيرة إلى انتيليا , ثم اتصل بربان الطائرة الخاصة به كي عيدّها للققلاع . مازال أمامة اتصال هاتفي آخر.
ليس هنالك إلا مكان واحد تقصده . لاشك أنها ستعرض وثيقة زواجها لتتباهى بها أمام حبيبها . حسناً ! يمكنها أن تفعل هذا إذا كان الأمر يرضيها ويمتعها , لكنها ستكون المرة الأخيرة التي تقابل فيها حبيبها ذاك , إلى أن يمل منها هو , فيسمح لها بالحصول على الطلاق .
رايتشل زوجتي , وأنا أنوي ان استمتع بعروسي . عليها بكل بساطة أن تتخلص من ذلك الحبيب , وسوف أؤمن لها حياة راضية .
سوف يجعلها تشعر بالرضى تماماً . سوف يجعلها ترى أن ما يملكنه الآن يستحق أن يضعا خلافتهما جانباً لآجله . إنه مستعد لآن يبقيها إلى جانبه شرط أن تتوقف عن محاولة الدفاع عن نفسها وتحتفظ بمواهبها في السرير له وحده . إنه مستعد حتى لأن يشتري لها شيئاً يعوضها عن الزمردات . بالطبع لن يشتري لها شيئاً بالقيمة الغالية نفسها , لكنه يفكر بشيء يمكنها أن ترتديه له في مكان خاص . . . خاص جداً . . . جال ذهنه على دروب مشوقة , فتخيلها تتألق بالماس . .
أعاد فيتو ذهنه إلى الواقع . أولاً هو بحاجه إلى جعلها تبتعد عن حبيبها القديم , ولكي يحرص على إبعاد هذا الأخير هو بحاجة إلى معرفة من يكون . بعدئذٍ يمكنه ان يتخلص منه .
ضغط على أزرار هاتفه النقال طالباً رقم مكتبه في لندن . تم الرد على الأتصال فوراً .بدا فيتو متحكماً بصوته تماماً إذ قال :" سيدة واللترز ؟ ضعي لي مسؤول الأمن على الخط , لو سمحتِ "
****
أرتدت رايتشل ملابسها بحذر شديد . أختارت تلك البذلة الرسمية نفسها التي ارتدتها إلى مكتب فيتو فارنيستي . في الواقع هي لم ترغب بأرتدائها , لكنها ليست قادة على تحمل تبذير المزيد من المال لشراء بذلة ثمينة أخرى . كما أن ثمن تذكرة الطائرة من انتيليا إلى لندن أضاف عبئاً مالياً جديداً على ميزانيتها المتعثرة . فضلاً عن ذلك , فإن البذلة البنفسدية الأنيقة هي بالتحديد الملابس التي عليها أن ترتديها الأن بصفتها السينيورا فارنيستي , فهي ملابس استثنائية , باهظة الثمن , وأنيقة .
انتقلت رايتشل بواسطة مترو الأنفاق إلى المحطة الأقرب إلى مستشفى والدتها , وهناك أوفقت سيارة أجرة عوضاً عن متابعة المسافة المتبقية سيراً على قدميها . السينيورا فارنيستي لن تمشي . سيارة الأجرة سوف تكون وسيلة النقل التي تقلها على الأقل , إن لم تكن سيارة ليموزين يقودها سائق . بالطبع والدتها لن ترى سيارة الأجرة , لكن موظفي الأستقبال في المستشفى سيرونها ,. زذلط طلخ سزف يؤط\ هلة صدق ماهي على وشك أن تعلنه لوالدتها , كذلك سوف يفعل هذا الخاتم اللامع في إصبعها . أما أكثر الأمور إقناعاً فهي وثيقة الزواج وتلك الصور التي أخذتها من أندرية عندما غادرت دار شهر العسل .
سوف تظهر لوالدتها أنها سعية جداً برفقة عريسها , فيتو فارنيستي . . .
الكذبة ليست مهمه . مايهم هو فقط أن تكون مقنعه بما فيه الكفاية حتى تسعد والدتها . . .
أحست رايتشل بالأسى يخزها بمخالبه الجارجة . سوف تعلم أن ابنتها حققت لها أحلامها قبل أن تفارق هذا العالم .
بمقدورها أن تتمنى قدر ماتشاء لو أن والدتها امتلكت حلماً مختلفاً بخوصها . حلم مايترك فيتو فارنيستي بعيداً جداً وراءها في تلك الكارثة التي حدثت في صباها .
لكنك غير قادرة على تركها خلفك . أليس كذلك ؟ سمحت لتلك الذكرى بملازمتك , بتسميتك طيلة حياتك منذ ذلك الحين . دمرتِ كل فرصك بإيجاد السعادة مع رجل آخر . فقط لأجل رجل كفيتو !
كادت رايتشل تصل إلى المستشفى , فاستنشقت نقساً عميقاً .
دعي فيتو خلفك الآن !تخلصي منه للمرة الأخيرة ! تحرري منه ! تحرري من توقك إليه , أرجوك !
جالت ذكرى تلك الليلة مع فيتو في ذهنها , فعضت رايتشل بقوة على شفتها السفلى , محاولة كبت ذاك التفكير . . . محاولة إطفاء اللهيب الذي قفز داخل دمائها . إنها تشتاق إليه . . .. توقفت سيارة الأجرة , فهزت رايتشل نفسها خارج تلك الذكرى .
اصطدمت بالواقع مجدداً , فجلب معه ثقل القلب المعهود الذي تحس به كلما أتت إلى المستشفى .أعطت سائق السيارة أجرة .
- طاب نهارك آنسة فايل . تبدين متألقة جداً اليوم !
ابتسمت عاملة الأستقبال بإشراق لها , وقد صارت وجهاً مألوفاً بالنسبة إليها الآن . بعد أن وقعت على أوراق الدخول , قالت لها موظفة الأستقبال :" أدخلي أرجوك "
لم تكن والدتها نائمة , بل في حالة نعاس وتخدير . بدا ذهنها مغشياً ومشوشاً , لكن وجهها أشرق عندما دخلت رايتشل , فمدّت نحوها يدها الواهنة الضعيفة . أعتصر الالم قلب رايتشل فيما نظرت إلى والدتها المحتضرة . جلست وأخذت يد آرلين الضعيفة بيده . وبعد برهة قصيرة أنحنت إلى الأمام وقبلت خدها الهزيل بعناية ورقة , ثم استنشقت نفساً من أجل تهدئة أعصابها .
هذا هو الوقت الحاسم .لامجال للتراجع أبداً .
ابتسمت رايتشل تاركة الأبتسامة تضيء عينيها , ووجهها .
- هناك أمر أود أن أخبرك به . . .إنه شيء رائع . . .
****************
استقام فيتو فجأة في كرسيه :" إلى أين ذهبت ؟"
- إلى عيادة ماكفارلاين في هامبسيد , ياسيد فارنيستي . استقلت قطار الأنفاق المتجه إلى الجنوب نحو . . .
- اين الآن ؟
قاطع فيتو الرجل الذي يعمل في وكالة الحماية والأمن الخاصة بشركته بفظاظة وقلة اهتمام بسبب معرفته ماهي وسيلة النقل التي استقلتها رايتشل بعد ظهر هذا اليوم .
- عادت المرأة إلى منزلها حوالي الساعة السادسة والنصف بعد الظهر . أحد عملائنا يراقب المبنى . لكن المرأة المستهدفة بقيت في الداخل منذ عودتها إلى هناك .
جلس فيتو مستنداً إلى الوراء , فيما راحت الأفكار تتسارع في ذهنه . . .
مستشفى ؟! سأل فيتو :" أي نوع من المستشفيات ؟"
- عيادة ماكفارلاين هي مستشفى خاص مخصص في عموم الأمراض إنه . . .
قاطعه فيتو مجدداً :" أبقِ رجلك خارج المبنى .أنا في طريقي إلى هناك اتصل بي على هاتفي النقال إن غادرت المبنى "
قطع فيتو الأتصال ونهض , ثم قذف الهاتف على طاولة القهوه المنخفضة .
مالذي تفعلة رايتشل في المستشفى بحق الجحيم ؟ هل هي مريضة ؟ أحس بطعنة من الخوف تسيطر عليه فجأة .
قاوم هذا الشعور بقوة . إنه لايريد أن يشعر بأي شيء تجاه رايتشل فايل , لاسيما بذلك الخوف غير العقلاني الذي اخترقه للتو . لعلها كانت تزور احدهم فقط . لعلها لم تذهب إلى هناك من أجلها شخصياً , بل من أجل شخص آخر . لكن لأجل من ؟ من هو الشخص العزيز على قلب رايشل والذي يعني لها الكثير بحيث ذهبت لتزوره مباشرة بعد أن قطعت المحيط الأطلسي . مباشرة بعد أن أصبحت السيدة فارنيستي ؟ أطبق فمه في عبوس غاضب . الحبيب ! أهو من ذهبت لتراه ؟ هل ذهبت لتوبخة ساخرة . . .؟ أتراها توبخ رجلاً محتجزاً في سرير بمستشفى ؟
**************
حدّقت رايتشل بفراغ في شاشة كمبيوترها الحمول . يفترض بها أن تركز على ترجمة الوثيقة القانونية المعقده الموضوعه إلى جانب الكمبيوتر بالقرب من القاموس الأسباني الذي كان مفتوحاً على الطاولة . لكنها لم تكن قادرة أن تركز على عملها . لابد أنه التكاسل بسبب سفرها بالطائرة . لالابد أنها ستشعر بالأرهاق بسبب تغير التوقيت الزمني ز فهي عبرت الحيط الأطلسي مرتين بسرعة وذلك في فترتين متقاربتين جداً . مازالت تشعر انها مرهقه على الرغم من أنها نامت خلال رحلة العوده من ميامي إلى لندن . أو لعله إرهاق الروح لا الجسد . . . بدا وجهها كئيباً داكناص .
قمت بالأمر الصائب . . . أعلم ذلك !
تذكرت رايتشل صورة وجه والدتها عندما أخبرتها بعد ظهر الوم .
أشرق نور ما من خلال الأمل والأرتباك في وجه آرلين ما إن سمعت بخبر الزفاف . تهدّج صوت والدتها فبدا مرتجفاً وهي تقول :" آه , ياعزيزتي ! هل هذا صحيح ؟ هل هو صحيح فعلاً ؟"
حدّقت بعينها المغشيتين نحو رايتشل , ثم سمرتهما بثبات على قطعة الورق السحرية التي حققت لابنتها مالم يُنعم عليها بتحقيقة . حدّقت إلى صور ذاك العرس الشبيه بالأساطير , حيث وقفت ابتنها الجميله وهي ترتدي فستان عرسها وتضع زمردات فارنيستي حول عنقها , إنها عروس فارنيستي حقيقة , وإلى جانبها يقف عريس فارنيستي حقيقي .
توسلتها آرلين قائلة :"أخبريني ! أخبيني كل شيء !"
وأخبرتها رايتشل . .. حبكت لوالدتها رواية رومنسيه أشبه بالقصص الخياليه .إنها قصة مفادها أن فيتو فاريستي التقاها مجددا في حفلة أقيمت لكبار المدراء في الشركة التي تعمل لديها في ترجمة الوثائق وذلك احتفالاً بإطلاق أحد منتجاتهم .
تلاقت عيونهما عبر الغرفة المكتظة , وغمرهما عدم التصديق لوجودهما معاً هناك , بعدئذٍ اقترب منها فيتو , وتوسلها كي تسامحه على معاملته الفظة لها خلال السنوات الماضية , قائلاً لها أنه كان شاباً قليل الخبرة . ثم دعاها إلى الخروج معه . تابعت رايتشل تقول :" لم أرغب بأن أقول لك أي شيء أمي . . . لم أشأ أن أزعجك , من قبل , إذ ربما . . . حسناً خشيت ألا ينجح الأمر "
أضافت والابتسامة تضيء وجهها :" لكن الأمر نجح فعلاً ! ثم حملني وطار بي . . .! أخذني إلى جزر الكاريبي , و آه , يا أمي . . . بدا الأمر أشبه بصورة من فيلم سنمائي . نظم فيتو زفافاً مميزاً على جزيرة شهر العسل الخاصة بنا , وقد تزوجنا أمي . . . تزوجنا ! أنظري !"
دفعت رايتشل يدها اليسرى , فسمحت لوالدتها أن تلمس الخاتم المحيط بأصبعها .
- آه يا عزيزتي !
تنفست الوالده مجددا بذلك الكلام , فانقبض قلب رايتشل عندما رأت نور السرور في عيني أمها . ثم انقبض مجدداً ,. فيما حدّقت آرلين بها . التعابير المرتسمة على وجهها جعلت رايتشل ترغب بالبكاء . قالت أمها :" يمكنني أن أموت سعيدة الآن ؟
طعنها السكين مجدداً في قلبها لدى استرجاعها لما حصل , فحدّقت من دون أن ترى نحو شاشة الكمبيوتر .
قمت بالأمر الصائب .أعلم انني فعلت !ً كررت رايتشل كلامها .
لكنها مع ذلك أحست بفجوة تنفتح في داخلها . إنه شعور بالفراغ التام لايمكن ملؤه أبداً .
انتزعت رايتشل فيتو فارنيستي بالقوة من داخلها . ظل يطاردها طيلة سبع سنوات طويلة .إلا أن مواجهتهما دمّرت الشبح الذي حثم على قلبها مذ كانت في الثامنة عشرة من عمرها , ولم يغادرها أبداً . لكنها الآن تشعر بتلك الفجوة المممزقه الفارغة تنمو في داخلها .
إنها لن تراه أبداً من جديد . بعض النظر عن مدى السوء الذي تصرفت به لإجبارها فيتو على الزواج منها , فإن تصرفه على الجزيرة قد مسح تماماً تماماً أي أثر متبقٍ من الأمل بأن يقر بما فعله بها في الماضي .
حدّقت رايتشل عابسة تجاه الشاشة . ظن أنك كذبتِ عليه عن عمد فلم تخبريه من أنت , فأغويته حتى تأسريه . هو مقتنع بأنك خططتِ لذلك مع والدتك .
أطبقت رايشتل فمها .أغويته ؟! بحق الله ! كانت مجرد فاة بريئة في الثامنة عشر من عمرها , وما تزال في المدرسة ! كيف يمكنها أن تغوية . بحق السماااء ؟ فيتو يكبرها بعشر سنوات , وهو متمرّس . . .آه !
نعم , متمرس جداً ! كان معاداً على الحصول على النساء الجميلات منذ أن كان مجرد مراهق . والدتها اخبرتها الكثير عن سمعة فيتو وسجلّه الحافل و وذلك بعد أن وجدتهما معاً في الشقة .
فكرت رايتشل بمرارة , لا! لن تتقبل أن يتهمها بهذا الشكل . طيلة الوقت كان اللوم موضوعاً على الطرف الخاطئ ,بالرغم من أنها كانت أغبى من أن تلحظ ذلك في حينها .

حسناً ! لا مجال أبداً لأن أسمح لك بذلك أيها الرجل المفترس الشديد الجاذبية والسحر المدعو فيتو فارنيستي !
تركت رايتشل الغضب يتقلب في داخلها , وقد أحسَت بقوته الحارقة . الغضب هو ما أرادت أن تشعر به الآن , زوماهي بحاجة لأن تشعر به . إنها غاضبة بسبب كل شيء قاله لها فيتو فارنيستي . أطبق فك رايتشل بحزم أكبر , فيما واجهت السبب الأخير لغضبها . تمكن فيتو من أخذها إلى سريرة بسهولة تامة في حين قرر ذلك , أما هي فبدت واثقة به وسهلة الأنقياد .
اخترقها الغضب كالسكين الجارح , عميقاً حاداً . ليس تجاه فيتو فقط بل تداه نفسها أيضاً .
خدعني فيتو مرتين . . . مرتين!
حسناً ! اللوم يقع عليها وحدها . .. حسناً ! بغض النظر عن مقدار غبائها ,لأنها صدّقت بحماقة أن فيتو تغير . الغضب العميق الجارح سببه أنها لم تقدر على إخراجه من داخلها , وأنها على الرغم من معرفتها لفيتو فارنيستي على حقيقته فهي مازالت منجذبه إليه .
لكنني هربت ! عندما وجه لي تلك الكلمات الجارحه هربت ! لم أخضع له . . . لم استسلم مجدداً ! والآن رحل فيتو . خرج من حياتي إلى الأبد , ويمكنني أن أشعر بالأرتياح . . أخيراً يمكنني أن ارتاح . . . لماذا إذاً تشعر أن الفراغ في داخلها يتآكلها ؟
كانت رايتشل تقلّب الصفحات الرقيقة في الكتاب السميك عندما رنّ جرس هاتف المدخل . توقفت عن الحركة على الفور فيما شعرت بالتوتر . قفت على افور إلى ذهنها ذكرى آخر مره حظيت فيها بزائر . حصل ذلك منذ أسبوع فقط , خلال تلك الفتره القصيرة من الوقت غرقت رايتشل في عاصفة هوجاء من العواطف المعذبه
من المرجح ان يكون أحد جامعي الحسنات أو أن أحدهم أخطأ بالشقة . لايعقل أن تكون هذه زيارة اجتماعية , فمنذ مرض والدتها ابتعدت رايتشل عن حياتها الأجتماعيه تماماً . حاول البعض من زملائهما أن يبقوا على تواصل معها , لكن رايتشل صدّتهم , لأنها لم تعد قادرة على تحمل اهتماماتهم العاديه التي لاعلاقة لها بقلقها بسبب مرض امها وموتها المتوقع . لم تعد ترغب بتمضية أي وقت فراغ تحظى به من عملها , بعيداً عن والدتها , مادامت هذه الخيرة على قيد الحياة .
أمضت رايتشل قدر ما استطاعت من الوقت برفقة والدتها . كانت تجالسها في غرفتها ة فتقرألها أحياناً , أو تثرثر معها إذا شعرت امها برغبة في ذلك و وأحياناً تهتم بالأمور الصغيرة فتمشط شعر والدتها أو تطلي لها أظافرها .أحياناً تأخذ رايتشل معها كمبيوترها النقال وتجلس واضعة إياة على ركبتيها , فتعمل بينما تستلقي والدتها أمامها , فيما يبث الراديو الموسيقى بنعومه . حاولت بشتى الوسائل أن تعوض عن تلك السنوات التي لم تمضها برفقة والدتها عندما كانت شابة .
تسائلت مال الذي ستقوله بحق السماء لوالدتها بخصوص عدم تغير نمط حياتها منذ أن تزوجت فيتو فارنيستي و لكنها سرعان ما أدركت أن تلك لن تكون مشكله , فهي قالت الكثير بعد ظهر اليوم .
- سوف أستمر بزيارتك بقدر ما كنت أزورك من قبل , أمي . فيتو يعمل كثيراً في لندن الان . لذا سوف نقيم هنا .آه أنا واثقه من أنه سيضطر لزيارة روما وتورين , لكنه يعلم أنني أريد البقاء هنا معك . . .
شتّ صوتها ولم تتمكن رايتشل من متابعة كلامها .
- ذلك لطيف جداً من قبلة . . . الاّ يبقيك بعيدة عني مادمت . . مادمت مريضة جداً . أنا . . . أنا أعلم أنه لايرغب مطلقاً في التعاطي معي . . . أنا أتفهم .
قالت والدة رايتشل هذا , فيما ظهر الأمتنان في صوتها , وذلك مزّق قلب رايتشل . بعدئذٍ أظلمت عينا آرلين قليلاً , كما لو أنها تذكرت أموراً مؤلمة , فتابعت قائلة :" إنه . . . لطالما كان مقرباً جداً من والدته . كان . . . الأمر صعباً بالنسبة إليه . رؤية إنريكو معي , جعله . . ."
تلالاشت كلمات آرلين , فقد تطلب منها الكلام الكثير من القوة , سُمع الأزيز من مدخل المبنى مجدداً, وهذه المرة بدا أعلى وأكثر إلحاحاً .
شعرت رايتشل بالسرور لهذه المقاطعه التي قطعت حبل ذكرياتها . دفعت كرسيها إلى الخلف فوق السجادة الباليه , فعبرت غرفة النوم نح الباب وحملت السماعة , ثم سألت :" من ؟"
سماع صوت فيتو على الطرف الاخر من الخط جعها تمسك بمقبض الباب . هاهو فيتو فارنيستي عند عتبة بابها مجدداً . لماذا جاء هذه المره ؟
- افتحي الباب رايتشل !
سمحت رايتشل له بالحصول على مايريده . إذا لم تفتح الباب يمكنه أن يطلب من رجاله أن يخلعو الباب . سوف ينتهي بها الأمر بأن تضطر إلى التعويض عن الأضرار التي يسببها ذلك . ولآن بالذات هي غير قادرة على دفع التكاليف .
فتحت له رايتشل الباب , واستغلت تلك اللحظات القليلة الوجيزة فيما تسلق فيتوالدرج لكي تحاول تثبيت ضربات قلبها الذي راح يخبط بقوة . جاش الأدرينالين في دمها .إنه هرمون الخوف . هذا كل شيء . كاد يغمرها تسارع مفاجئ للهلع , يحذرها بأنها مجنونه لو سمحت لفيتو أن يقترب منها مجدداً . لكن فات الأوان الآن . سُمع وقع قدمين خارح باب شقتها الصغيره , ثم سُمع قرع على الباب .
فتحت رايتشل الباب ببطء . . . ماإن وقعت عيناها عليه حتى أحست بالأدرينالين يتسارع في جسدها مجدداً . الخوف . . . إنه مجرد خوف . هذا كل شيء .
لاتنظري إليه !
لكن التحذير بدا من دون جدوى , فعينا رايتشل أصبحتا على الفور منجذبتين نحو فيتو , ولم تقوّ على إبعادهما عنه . كان فيتو يرتدي بذله عمل رسمية غامقة اللون ذات تصميم إيطالي رفيع . فيما تشع منه قوة رجولية صافية مخيفة .
علقت الأنفاس في صدرها . . .
- ما الذي تريده ؟
طالبته رايتشل بفظاظة وهي ماتزال تمسك بالباب مفتوحاً عن قصد و على الرغم من ان فيتو كان قد دخل إلى الشقة . ألقى فيتو نظرة مزدرية في أرجاء المكان , تماماً كما فعل في المرة الأولى التي دخل فيها إلى هنا .
عادت عينا فيتو لتطعناها . بعدئذٍ مدّ يده وتناول منها مقبض الباب , فأغلقه بإلحاح . طالبها قائلاً :" لماذا قمتِ بزيارة عيادة ماكفارلاين بعد ظهر هذا اليوم ؟"
أحست رايتشل أن سؤاله هذا اشبه بلكمة في معدتها .
- مـ . . . ـاذا ؟
ضاقت عينا فيتو , فكرر قائلاً :" لماذا قمتِ بزيارة عيادة ماكفارلاين بعد ظهر هذا اليوم ؟"
استجمعت رايتشل بتباطؤ تمالك النفس الذي قدرت عليه , قائلة :" هذا موضوع لايخصك "
- هل أنت مريضة ؟
هزت رايتشل رأسها نفياً قبل أن تقوى على منع نفسها .
تغير شيء ما في وجه فيتو , واستبدل ذاك التعبير بآخر جعلها تشعر بالقشعريرة حتى أعماقها . بدا كأن ستارة سوداء اسدلت على وجهه .
- هل أنت حامل ؟
موــــــــني ^___^



________________________________________


9- اعترافات مؤلمة

فوجئ فيتو بهذا السؤال الذي جاء من لامكان . إنها فكرة لم تطرأعلى ذهنه حتى هذه اللحظة . لكن لحظة اومض هذا الاحتمال في رأسه . أنتابه أحساس مفزع بأنه أكتشف للتو بأن رايتشل فايل تمارس لعبة أكثر مهارة مما تصور على الإطلاق .
بالرغم من أن فيتو حمى نفسه في اتفاقية ماقبل الزواج كي لاتسلبه رايتشل امواله متذرعة بأية مطالب ماليه مستقبلية لكن مع هذا من الممكن أن تكون رايتشل قد تغلبت عليه بألاعيبها . ماذا لو أنها تزوجته وهي حامل أصلاً ؟ يا إلهي ! أهذا هو هدفها من هذه المهزلة ؟أن تربطه بطفل رجل آخر . . . بطفل رفض والده الطبيعي أن يتزوج منها ؟ حسناً ! يمكنه دوماً أن يصر على إحراء فحص جيني يثبت أبوته , وإن كانت النتيجه سلبية فهو يستطيع التخلص منها بسهوله .
غدا وجه رايتشل كالصفحة البيضاء . فيما أحس فيتو كأن ركلة وجهت إلى أحشائه . الأمر صحيح إذاً . . . إنها حامل بطفل رجل آخر .
أحس ان الجنون والهيجان يخترقانه كالسكين ز لكن السبب لم يكن غضبه من رايتشل , أدرك فيتو ذلك غير مصدق . إنما السخط والغضب الموجهان تجاه الرجل الذي جعلها تحمل , ثم رفض الزواج بها . أحس بالغضب الشديد تجاهها أيضاً لأنها سمحت لرجل آخر أن يلمسها . لن يلمس أي رجل رايتشل مجدداً . مامن رجل غيره سوف يشعر بجسدها الجميل بين ذراعيه . هو فقط سوف يحصل على رايتشل فايل و فقط هو , فيتو فارنيستي .
لكنه تأخر كثيراً . هناك رجل غيرة ترك أثره عليها .. . تملّكها . .. وجعلها تحمل , ثم تخاّى عنها .
راحت رايتشل تحدق بفيتو , فيما بدا وجهها أبيض كالطبشور . جاء صوتها أجش وهي تقول :"لا! لا , أنا لست حاملاً "
استنشقت رايتشل نفساً عميقاً مرتعداً بدا كأنه يهز جسدها النحيل بأكمله . انزلقت عيناها بعيداً عنه , إذ لم تقدر على ملاقاة عينيه , فاتهب اللون فجأة في وجنتيها قبل أن يتلاشى ليصبح باهتاً .
غمره إحساس بالارتياح , ثم تلاه إحساس آخر . إ لم تكن رايتشل حاملاً , إن لم يكن ذلك هو سبب ذهابها إلى تلك العياده اليوم , فما هو السبب ؟ لابد أنها ذهبت لكي تعرض وثيقة الزواج وتتباهى بها في وجه عشيقها ذاك .
- أكرر ثانية , لماذا ذهبتِ إلى عيادة ماكفارلاين بعد ظهر هذا اليوم ؟
أحست رايتشل بالهلع يتضاعف في صدرها . طلب فيتو من رجاله أن يلاحقوها , وهكذا علم أين كانت , كيف يجرؤ على ذلك ؟ لكن لماذا تراها تستغرب الأمر ؟ فعل ذلك من قبل , وفي المره الأخيرة التي زارها فيها هنا . طلب ملاحقتها من مكتبه وصولاً إلى هنا . لكن , لِمَ عساه طلب ملاحقتها الآن ؟ أنتهت مهزلة زواجهما , فهي من غادرت . يجدر به الا يهتم بالتواصل معها , أو برؤيتها مجدداً . ولا بالتسبب لها بالعذاب مجدداً . لماذا يصر على استجوابها ؟ يمكن أن يتولى محاميه أمر الطلاق .
ردت بصوت رصين جداً قائلة :" لست مضطره إلى الرد على سؤالك "
لم يظهر في صوتها أي أرتعاشه . لكنها لم تشعر بالارتياح تماماً .
قد يبدو صوتها غير مترنح , لكن الادرينالين الذي يجول في ارجاء جسدها جعها تشعر انها ضعيفة كالقصبه . ذاك السؤال حول كونها حاملاً كاد يقطع ركبتيها . أخترقها الخوف . لايمكن ان تكون حاملاً . . . بحق الله لايمكن أن تكون كذلك . آخر شيء قد يرغب به فيتو فارنيستي هو أن ينجب طفلاً من رايتشل فايل الابنة غير الشرعية لآرلين . اخترق الألم لحمها كالجليد البارد . إنه ألم شديد جداً لايحتمل . غنها بحاجة إلى تحصين دفاعاتها . حسناً ! الغضب سوف يفي بالغرض .
رمت رأسها إلى الوراء , وطالبته قائلة :" ما هذا بحق الجحيم لما تقتحم منزلي وتطرح اسئلة لاتعنيك البته ؟"
- ذهبتِ لتقابلي عشيقك , أليس كذلك ؟ أليس كذلك ؟ ذهبت إلى تلك العيادة لكي تعرضي عليه وثيقة زواجك الغالية وتتباهي بها !
انفتح فمها ثم عاد وانغلق تماماً .
- أجيبيني !
قالت :" لست مضطره لأن أجيبك فيتو "
تجاهلها فيتو مجددا , وطالبها قائلاً :" ماهو أسم عشيقك هذا ؟"
فدا فيتو مصراً و عديم الرحمة .
- لست مضطرة لأن أخبرك !
- أجيبيني !!
- لست مضطرة إلى ذلك !
ارتفع صوت رايتشل , أما عينا فيتو فاستقرتا عليها , قد أصبحتا سوداوين كسواد الليل .
- لا , لست مضطرة إلى ذلك . جل ماعليك فعله هو أن ترافقيني إلى العيادة , وبصفتي زوجك أنا واثيق من ان المستشفى سوف يسرّ بالسماح لي بمرافقتك في زيارتك .
- لا!
- بلى .
لم تفارقها عينا فيتو , فاستقرتا عليها بنظرات سوداء حاقدة جعلت الخوف يرتعد في عروقها , ثم قال :" في الواقع , بصفتي زوجك انا واثق أن المستشفى سوف يسمح لي بالزيارة ولو بمفردي "
اشتعل الخوف في عيني رايتشل :" لا! لايمكنك ! لايجدر بك !"
اجابها فيتو , وقد ثبتتها عيناه على الأرض , فقال :" لكني الستطيع ان أفعل ذلك و وسوف أفعل "
قامت رايتشل بحركة متشنجة مهتزة بقوة بيدها , فقالت :" لا . . . أرجوك ! ارجوك لاتفعل !"
إنه كابوس حقيقي . أن يظهر فيتو في المستشفى الان . . . وقد يصل إلى غرفة والدتها . . . يجدر بها أن تتصل بالمستشفى على الفور , فتخبرهم أنه لو جاء فيتو عليهم منعه من الدخول , وإبعاده من هناك . يجب ألاّ . . . يجب ألا يسمح له بالأقتراب من والدتها أبداً !
راقب فيتو الخوف يتلاعب على وجه رايتشل , فأحس بالسخط يقرع في داخله . أغضبه يأسها الشديد في محاولتها أن تمنعه من اكتشاف هوية عشيقها هذا , إنها الآن متزوجه . . . متزوجة منه . لاشأن لها . . . لشأن لعين لها بأن تذهب لزيارة رجل آخر . . . عشيق آخر . بدا كأن العضب الشديد يستنزفه . أمسك بالباب بقوة ففتحه .
- سوف نذهب الآن . . . الآن بالذات !
- لا ! أنا لن أذهب .
- إذا سوف أذهب بمفردي !
- سوف أتصل بالمستشفى , وأطلب منهم ألا يسمحو لك بالدخول !
تجمّدت على وجه فيتو ابتسامة متوحشه فقال :" لن تتصلي بأحد . سوف أطلب من رجل الأمن الخاص بي أن يبقى برفقتك فيما اقود سيارتي نحو هامبسيد "
انشذّت عينا رايتشل إلى الأمام , وظهر اليأس والهستيريا في صوتها حين قالت :" لا ! لا تستطيع . لايمكنك ان تذهب إلى المستشفى . لايمكنك أن تقابها . لن أسمح بذلك . . . لن أسمح بذلك !"
حدّق فيتو إلى رايشل . ممسكاً بالباب مفتوجاً . أنا تقول شيئاً ما . . . شيئاً غير منطقي .
- لن أسمح بك أن تراها أبداً . . . أبداً !
انعقد حاجبا فيتو سوياً . ما الذي تتحدث عنه ؟ عمن تراها تتحدث ؟ سيطرت الهستيريا على صوت رايتشل . إنه لس أصم كي لايسمع هذه النبره المرتجفة . طالبها بحدة قائلاً :" من ؟"
بدت عيناها مشرقتين , مشتعلتين , مححمومتين , يائستين :" والدتي !"
انطلقت الكلمات من فم رايتشل . هي لم تقصد أن تسمح لها بالخروج . لم تكن تقصد أبداً ان تسمح لفيتو فارنيستي أن يعلم من هو الشخص الذي تزوره في المستشفى . لكن لو فعل فيتو ماهدد بأن يفعله , فظهر في السمتشفى بك بساطة قائلاً لهم بأنه زوجها من دون أن تتمكن هي من تحذيرهم . فهم سيسمحون له بالدخول . هي تعلم أنهم سيفعلون . إنه رجل ثري , قوي , مقنع . . . وهو قادر على تخطي أي امرأه على مكتب الاستقبال في العالم .
راح فيتو يحدق برايتشل , ثم فجأة صفق الباب فأغلقة وأتجه نحوها . ظهر الأتهام في صوته وهو يقول لها :" والدتك ؟ أخبرتيني بأنها مسافره خارج البلاد ! إذا ً , ما الذي تفعله في المستشفى ؟ هل تقوم بعملية تجميل لشد الوجه ؟ أتحاول التخلص من كبر السن ؟"
تنفست رايشل فيما بدت في عيناها مضيئتين محمومتين . وقالت :" لا .إنها تعاني من مرض السرطان "
التهبت عيناها الموجهتان نحو فيتو . إنها تكرهه ! تكرهه كثيراً. إنها تكره العالم بأسره . . . الكون كله . راقبت رايتشل الدماء تفور في وجه فيت .
- السرطان ؟!
بدا كأن هناك خطباً ما بصوته . عيناه لم تفارقانها , لكنها أستطاعت ان تلحظ انه كان يدور في دوامه ذهنيه .
- منذ . . . منذ متى هي . . . مريضة ؟
لِمَ يسألها ؟ ما الذي يهمه في ذلك ؟
- منذ فترة طويله بما يكفي . لكن لاتقلق فيتو . . . لن يطول الأمر كثيراً بعد . يريدون إخراجها من المستشفى ليدخلوهاإلى دار للعناية بالمرضى أمثالها . حيث يمكنها . . .
اطبق حلق رايتشل , على الكلمات لكن كان عليها أن تقولها , فتابعت :" . . . حيث يمكنها أن تموت "
ظهر شعاع ما في عينيها . رمشت رايتشل لكن رؤيتها لم تنجلِ .
رفضت أن تنجلي . حاولت أن تتكلم مجدداً , لكن حلقها أطبق . أطبق كلياً . لاحظت من خلال عينيها المغشيتين أن فيتو مدّ إحدى يديه إلى الباب , فاستند إليه . كما لو أنه فجأة لم يعد يقوى على تثبيت نفسه .
- آرلين تحتظر ؟
انتظرت رايتشل الأزدراء . . . لكن فيتو لم يقل شيئاً . لاشيء باستثناء تلك النظره التي تدل على الصدمة الكاملة في وجهه وعينيه .
رمشت رايتشل مجدداص . استطاعت أن تشعر بالدموع المؤلمة الساخنه تملأ عينيها . حاولت أن تمسحها . لا ! لن تبكي على والدتها أمام فيتو الذي يمقتها , ولطالما مقتها منذ أن قربها والده منه وأصبحت منافسة لوالدته . أدارت وجهها بعيداً بحركة خرقاء متعثرة . أندفعت إلى الأمام محاولة إيقاف النشيج الذي يسد حلقها , أحست بركبتيها تضعفان , فتعلقت بحافة الطاولة , وغرقت في الكرسي الذي كانت تجلس عليه , فهي لم تعد تقوى على الوقوق .
جرحتها التنهدات الخشنة الممزقة . فأنحنى رأسها واهتت كتفاها . بدا حزنها شاملاً . راقب فيتو اهتزاز جسدها ورأسها المنحني , وسمع الصوت الممزق الذي تصدره . بحركة منتفضة خطا إلى الأمام نحوها . توقف , ثم ضعط بيده على كتفها .
- رايتشل .....!
لم يعلم فيتو مال الذي يجدر به أن يقوله أو أن يفعله . فالصدمه ماتزال تجوب في داخله تهزه , وتطلق موجات الصدمه في كيانه . آرلين غراهام تحتضر . إنها المرآه التي عذّبت حياة والدته إلى يوم ممات والده , أما أبنتها فتتحطم بسبب ذلك . أطبقت عليه الصدمة مجدداً .
هنالك شيء ما مدمر يشعر به لدى رؤية رايتشل فايل تنهار على هذا الشكل . بدا كما لو أنها أصبحت شخاً آخر امام عينيه . أصبحت شخاً مختلفاً تماماً , لا يعرف كيف يتفاعل معه .
كرر فيتو أسمها مجدداً , وأحس أنه عيدم الحيلة . . .
لم تتوقف رايتشل عن البكاء , بل ازداد نشيجها . وأخذ يعذب جسدها بقوة أكبر . احس فيتو بركبتيه تلتويان , فربض نزولاً إلى جانبها . كانت رايتشل تضع يديها في حضنها , فتلقبهما الواحده فوق الأخرى بحركة متتالية . مدّ فيتو يديه وأمسك بيديها . ثم ضعطعليهما وثبهما . تابعت رايتشل البكاء لفترة بدت طويلة جداً . أما فيتو فاستمر راكعاً إلى جانبها بينما غلف يديها بيديه .
بدأت التنهدات تتلاشىى تدريجياً . فلم يبقّ لدى رايتشل الكثير في داخلها . رفعت رايتشل ببطء رأسها المنحني . بدا وجهها ملطخاً بالدموع بينما أحيطت عيناها بهالتين حمراوين . في الواقع حفر الحزن خطوطه عير المتسامحه على ملامح وجهها كلها . تحرك رأسها نحو فيتو .
- لهذا السبب جعلتك تتزوج بي .
رنمت رايتشل الكلمات بصوت خافت خال من التعابير , بابعت قائلة :" لأجلها . . . لكي أسعدها . إنها تعتقد . . ."
غصّ صوتها , ثم تابعت :" هي تعتقد أنك تزوجتني فعلاً , وأن زواجنا ليس مجرد قطعة من الورق , بل زواج حقيقي , بعد كل هذه السنوات اقتنعن أن ابنتها أصبحت عروساً حقيقية لآل فارنيستي صدقت أنني عروس حظيت بنهاية سعيدة كما في القصص الخيالية "
تغيرت نبرة صوتها , ومع أنها بقيت خافته , لكنها حملت عنفاً هز كيان فيتو , عندما تابعت :" إن فعلت أي شيء يظهر لها أن هذا الزواج كذبة مزيفه , سف أقتلك . أقسم بالله إنني سوف أقتلك !"
تابعت فيما بقيت النظرة الفارغه في عينيها :" في البداية أردت فقط أن أزيف القصة بأسرها فأدعي أنك تزوجتني , لكنني فكرت بالصدمة التي ستصيبها لو لم استطع أن أبرز لها وثيقة الزواج , لو أكتشفت أنني أكذب عليها وألفق الأمر برمته . لهذا السبب اضطررت إلى جعل الأمر واقعياً . . . واقعياً بنظر القانون . لكي أستطيع أن أنظر إلى عينيها مباشرة , وأقسم لها إنني فعلاً أسبحت السنيورا فارنيستي . وأظهر لها الخاتم في إصبعي . فأريها الصور الفوترغرافية حيث أرتدي أن زمردات فارنيستي , لأنني عروس حقيقية لآل فارنيستي , تماماً كما حلمت على الدوام .
كان علي أن أحصل على زواج حقيقي , أم الأسلوب الوحيد فهو أن أعرض عليك أستعادة الزمردات "
توقفت رايتشل عن الكلام فاستنشقت النفس ببطء .
- هذا مافعته , ولست نادمة عليه مطلقاً .
أنزلقت عيناها بعيداً عنه , بأتجاه سطح الطاوله ثم نحو حضنها فرأت يديه المضموتين حول يديها , كما لو أنه يحاول أن يريحها . هزت رايتشل يديها بحركة مفاجئة , فأبعدتهما . ثم دفعت بنفسها ووقفت على قدميها . للحظة ترنحّت , ثم تجمدت في مكانها أحست أنها مستنزفة تماماً . فركت عينيها فأحست أنهما تحرقانها وأنهما متورمتان . أستدارت ومشت نحو المطبخ الملاصق للغرفة , فغسلت وجهها , ثم نشفته بمنشفة صغيرة . أحست أنها بحاجة إلى كوب من الشاي ليهدئها . مدّت يدها فتناولت الإبريق المعطوب , وأخذت تملؤه , لكنه سرعان ما أُخذ منها ووضع على لوح تجفيف الأطباق و أطبقت يد فيتو على مرفقها .
- رايتشل ....!
إنه فيتو ! رمشت رايتشل . يجدر بها ان تشعر بشئ ما حياله , حتماً . المقت ... التوق ...إنها الاحاسيس المعتاده التي تشعر بها تجاهه ، لكنها في هذه اللحظه بالذات لم تشعر بأي منها , تساءلت لما لا تشعر بأي شئ . تساءلت أيضاً لما قادها فيتو ببطء لكن بعناد باتجاه الأريكه المرتخيه التي تنفتح مساء لتصير سريراً . جلس فيتو الأريكه ، فجلست رايتشل بدورها ايضاً .
- نحن بحاجه لأن نتكلم .
ما زال فيتو يستطيع ان يشعر بالصدمات المتلاحقه تتوج عبر جسده ، الأن وضع جانباً ردّة فعله تجاه خبر احتضار آرلين غراهام .
سوف يعالج ذلك لاحقاً . الآن بالذات هو فقط يحاول ان يتعامل مع رايتشل . بمقدوره ان يلاحظ انها تخطت مرحلة الصدمه . إنها تجلس جامده تماماً ، وقد شدّت ركبتيها سوياً ، بينما ألقت ساعديها على فخذيها وقد أطبقت يديها سوياً ، فيما راحت تنظر امامها بنظرات فارغه .
عبس فيتو . لِم’تراها تعيش هنا في هذا المكان البالي ، على اي حال ؟ آرلين موجوده في مستشفى باهظ التكاليف ،إذاً هي تملك المال ، بالطبع ، مهما كان المبلغ الذي تمكنت من تكديسه خلال مرافقتها لوالده ، فلابد ان يكون ذا شأن . سمع نفسه ينطق السؤال بصوت مرتفع ، ثم تساءل لماذا تفعل ذلك .
أجابته رايشل من دون أن يظهر عليها أي إنفعال : " بعت شقتي لكي أؤمن العلاج لوالدتي ، اردت ان اكون واثقه تماماً من انه سيكون لدي المال الكافي حتى ... حتى أراها تجتاز الامر كله . لم يبقى لديها الكثير من مالها الخاص ، وعلمت انني لا استطيع ابداً ان ابيع الزمردات ، بالرغم من انها منحتني حق التصرف بكل شؤونها . كنت أنوي ان أعيدها لـ ... لوالدتك ، إنها تخصها " .
زفرتت رايتشل نفساً مرتعشاً : " لكن في النهايه ..." .
استنشقت نفساً آخر ، تبعه شهيق موجز ، وتابعت : " في النهايه اضطررت إلى إستخدامها . كانت ذخيرتي الوحيده ، تماماً كما قلت لي بوضوح عندما ذهبت لمقابلتك في مكتبك ".
وجهت رايتشل نظراتها الخاليه من التعابير نحوه : " أنا آسفه لأنني أجبرتك على الزواج بي لكي تستعيدها ، فيتو . فتلك كانت الطريقه الوحيده كي أحقق أمنية والتدتي المحتضره . اضطررت إلى القيام بذلك . لكنك إستعدت الزمردات الآن ، ويمكنك ان تعيدها إلى والدتك ، ثم تطلقني . اعتبر كأن الأمر لم يحصل على الاطلاق ".
راقبته رايشل وهو ينهض على قدميه . فأحست بشئ ما بدأ يجوب في داخلها . إحساس رقيق جداً ، دقيق جداً مدّ فيتو يده نزولا فقبض على مرفقها وجذبها لتقف ، ثم قال بهدوء : " أحضري أغراضك . نحن ذاهبان ".
نظرت رايتشل إليه من دون ان تفهم ، وقد التهب الخوف المفاجئ في داخلها .
- أنا لن اذهب إلى المستشفى ! لن تقابل والدتي ! لن اسمح بذلك ! أنا ....
قاطعها فيتو قائلاً : " سوف نذهب إلى شقتي " .
حدّقت رايتشل به من دون ان تفهم شيئاً .
- أريدك ان تخرجني من هذا المكان الحقير . مازلنا بحاجه لان نتكلم ، لكن ليس هنا .
موــــــــني ^___^
__________________________
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة

الانتقال السريع


الساعة الآن 06:56 AM



Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2014, vBulletin Solutions, Inc.
SEO by vBSEO 3.6.0

Ramdan √ BY: ! Omani ! © 2012