عرض مشاركة واحدة
قديم 27-02-18, 07:01 PM   #496

ملاك علي

كاتبة في منتدى قصص من وحي الاعضاءوقلم مشارك بمنتدى قلوب أحلام وحارسة سراديب الحكايات

 
الصورة الرمزية ملاك علي

? العضوٌ??? » 412135
?  التسِجيلٌ » Nov 2017
? مشَارَ?اتْي » 1,270
?  نُقآطِيْ » ملاك علي has a reputation beyond reputeملاك علي has a reputation beyond reputeملاك علي has a reputation beyond reputeملاك علي has a reputation beyond reputeملاك علي has a reputation beyond reputeملاك علي has a reputation beyond reputeملاك علي has a reputation beyond reputeملاك علي has a reputation beyond reputeملاك علي has a reputation beyond reputeملاك علي has a reputation beyond reputeملاك علي has a reputation beyond repute
افتراضي

الخاتمة

قراءة ممتعة 💋

********************

ستة أشهر مرت على ولادة التوأم...

تحت يدي المدلكة....و الزيت المنسم الحار يمر على كتفيها، ليَليه ضرباتها التي تجعلها تئن بسعادة.... و الراحة تتسلل لكل خلية من خلايا جسدها.... دون أن ينسى عقلها، الصدمة التي جعلتها فاغرة فاهها.....و حماتها توقظها صباحاً، لتخبرها أنها قد جهزت ملابسها لتذهب للحمام البلدي، و تستمتع بيومٍ خاصٍ بها، و هي ستهتم بالطفلتين.... صدمة، ما زالت لا تستطيع الخروج منها، رغم أن حماتها فاطمة كانت كريمة معها طوال الأشهر السابقة و هي تساعدها على الإعتناء ببناتها، و تعلمها بصبرٍ... متناهي.

- " أنا حامل " همست جميلة فجأة و بغصة ... لمرح التي تجلس بارتخاء قريباً منها، بعد أن اكتفت بتدليك خفيف لرجليها المتورمة... و حمام زيت لشعرها.
- " ماذا؟" قالت مرح ... لتستقيم بأقصى قوة تستطيع تحت البطن الكبيرة المنتفخة.....ما جعل المدلكة تفقد تركيزها....نظرت مرح بأسف باتجاهها....لتنظر لجميلة " و لماذا لم تُخبريني؟!" استطردت بتأنيب
-"لا أحد يعلم بعد..... ولا حتى مصطفى ...سيعود الليلة من سفره " سكتت قليلا لتستطرد بخوف "لا أعلم كيف سأخبره؟!"
ابتسمت لها مرح بتشجيع....و هي تغمزها بجرأة " لا شئ لا يمكن أن تُعالجه قبلة... ستكونين بخير... لمستين من هنا، و قبلتين من هناك و سيصبح ليناً لسماع الأخبار"
ضحكت جميلة بقوة....و هي ترفع رأسها تنظر لمرح
- " أرجوكِ مرح.....نصيحتك العبقرية ذلك اليوم هي ما أوصلني لهنا... منذ قدومك من فرنسا... تغيرتِ.....أصبحتِ لا تخجلين"
هزتْ مرح كتفيها....و عيونها تلمع كلما تذكرت باريس أرض الرومانسية و الأحلام.....و هي تمرر يدها على بطنها التي تزداد بوتيرة سريعة....و كأنهم متلهفين للخروج و لقياها أكثر منها....ردت على جميلة التي شخرت من حالة صديقتها....و هي تعاود الإستلقاء
- " ولماذا سأخجل...أعرفك جيدا لأتنبأ بتصرفاتك قبل حتى أن تفكري بها"
- " أتمنى فقط أن يغفر لي جمالي الليلة عنده.... فما زلتُ أتذكر أول شئ قاله لي بعد الولادة ....يجب أن أستشير طبيبتي لكي أحتاط من الحمل.... فقد اكتفى من الوجع و المستشفيات... " همست جميلة
- " تبدو قضيتك صعبة.... " قالت مرح بمواساة
- "أعرف..." همست برهبة....و أنامل المدلكة لم تعد سحرية.... و رهبة اعلان الخبر لمصطفى تؤرقها.

****************

- " مرحبا بطتي...." قال يوسف لمرح التي تمشي ببطئ في الحديقة الخلفية الصغيرة... بطنها الكبيرة جدا، تمنع حركتها، لتبدو كبطة مضحكة..... وهي ترتدي إحدى الكنزات الواسعة جداً... و سرواله الرياضي...و شعرها الطويل على شكل ظفيرة جانبية....

- " لا تناديني كذلك.....أنتَ تجرح مشاعري " قالت باستياء، و هي ترفع أنفها بغضب
- " وهل يستطيع أحد أن يُنزل مشاعرك من الغيمة الوردية..... منذ معرفتك بحملك بثلاث و نحن لم نعد نليق بمقامك...." مدت له يديها.... و دون أي اهتمام.... أجابته
- " كنتُ أتمنى لو الثلاثة الآخرين استطاعوا الصمود...."
- " يا إلهي مرح....احمدي ربك و اشكريه على النعمة"
- " أنا لستُ جاحدة....أنا فقط" قاطعها بتحذير
- " مرح...." نطق بحزم
- " الحمد لله كثيرا على النعمة..." همستها وهي تمرر يدها على بطنها.
- " أحسنتِ بطتي...." قال و هو يمد يده نحوها
شخرت بغضب... و هي تمسك عصير البرتقال الذي يقدمه لها
- " أنا لا أحبه يوسف...."
- " حبيبتي.... يجب أن تشربيه.... و قد أحضرت لكِ اللوز الذي تحبين" ثم أخرج الصندوق الصغير و هو يستطرد بشرود " معاذ بعثه من أجلك..." رفعت نظراتها عن الصندوق النحاسي....لتسأله وهي تمرر يدها على نبض يده تواسيه
- " كيف حاله؟!"
- " يبدو صامداً....لكنه ما زال مشتتا.... و متعلقاً أكثر بابنه"
- " ما زلت أذكرها....كانت رقيقة جدا و تشع قوة... امرأة صعب أن تُنسى إن قابلتها... فما بالك في من يعشقها كصديقك"
جذبته برقة ليجلس بجانبها....ثم بدأ يقدم لها التمر في وسطه اللوز من الغلة التي أرسلها لهما معاذ.... سألته في شرود....و يده مازالت بين يديها
- " كيف ستكون إذا قدر الله و مت في الولادة "
- " أيتها البطة الغبية....لا تتكلمي بهذه الطريقة.... أعلم أن الأرزاق بيد الله، لكن ضعف القلب المفاجئ كان السبب في موتها، لو تلقت عناية طبية فورية....ربما.... الله أعلم، كانت ستكون بخير الآن...."
- " مسكين معاذ.... لا بد أنه يؤنب نفسه..."
- " لقد ترك مهنة الطب..." قال بحسرة.... لتنظر إليه مرح باستغراب...
رن هاتفه.... ليرفعه وهو ينظر باتجاهها بمرح...
كانت ملتهية بأكل التمر دون اهتمام....تفكر بمعاذ، لا تستغرب الحالة التي وصل إليها....فالعاشق وحده من سيتفهمه....وهي عاشقة.
جعدت جبينها وهي تسمعه يتغزل بأنثى يكلمها.....
- " لا داعي لغيرتك منها.... تعلمين أنكِ فاتنة قلبي...فأنتِ من عرفتُ أولاً "
-" هي....." رفع نظراته نحو مرح يحاول أن يجيب عن السؤال.... ليسكت وهو ينظر لملامحها التي أصبحت حمراء من الغضب....كانت الغيرة تجعلها و كأنها جالسة فوق صفيح ساخن..... اقتربت منه تريد أخذ الهاتف من يده.... لكنه أبعده باستفزاز من مرمى يدها و هو يرسل قبلة للتي يكلمها.... ضحكاته المستفزة لامرأة حامل في أوج تحكم هرموناتها بها.... جعل ثورةً تندلع داخلها... لم تجد ما يُخمدها إلا العصير الموضوع أمامها لتغرق به جهة يوسف المقابلة لها .... ليعم السكون، قطعته شهقاتها التي علت فجأة.... وهي تدرك أنها فقدت السيطرة على نفسها.... و رفرفة راحة تستطون داخلها لما أقدمت عليه....لا تحب احساس الغيرة....و ما تجعلها تقوم به.....يوسف المصدوم ينظر للعصير الذي يتقاطر من ملابسه و هاتفه....
- " أنا آسفة.... " قالت بتأنيب ضمير....لتتذكر فجأة السبب الذي جعلها تفعله " لا لستُ آسفةً في الواقع....من كنت تُكلم يوسف؟!"

- " مرح....ما هذا يا فتاة" صوت علا من داخل المنزل، لتلتفت إليه....." أحسنتِ هذا ما أخبركِ به دائماً " استطرد الصوت وهو يدلف.... دون أن تهتم بيوسف الذي يحاول إنقاذ هاتفه....كانت تحاول الوقوف بلهفة...و الدموع تطفر من عيونها.... لكنها لم تستطع...لتبدأ بالبكاء بصوتٍ عالٍ.....جعل منى و يوسف ينظران إليها بعدم تصديق..... لينفجرا بالضحك....سكتت تنظر إليهما بخجل....لتمد يديها ليوسف يساعدها على الوقوف..... مسك بظفيرتها يمسح بها العصير و حاجبيه يتراقصان باستفزاز....فمنذ مدة و شعرها أثمن شئ بالنسبة لها....منذ عرفت بعشقه....لشعرها الليلي الطويل.... و كأنه عاداها....فأصبحت تعشقه أيضا و تهتم به جداً.
- " ابتعد يوسف...." قالت بسخط، تحاول الوصول لمنى.... لكنه يمنعها " ابتعد يوسف.... أو اقسم سأبكي و لن يستطيع أحد اسكاتي...." قالت مهددة...ليبتعد باستسلام...
- " تبدين جميلة....الحمل يليق بك جداً... "
- " أعرف...." ردت بثقة....جعلت منى تبتسم بفخر " لكن يوسف يناديني بالبطة...." أبعدتها منى بلطف عن ذراعيها لتلتفت ليوسف الذي نزع قميصه.... حركت عيونها بسخط من عاداته التي لن تتغير أبداً ...لتقول له " يوسف... لما لا تتوقف عن إزعاجها؟"
- " منى تعالي... " قال بجدية.... لتنظرا إليه باستغراب " تعالي فقط".... تحركت منى عدة خطوات لتقف بجانبه " أنظري إليها....النساء يحملن بالبطن....وهي حامل بالمقدمة و المؤخرة...." شهقت مرح من جرأته....لتطلق منى ضحكة
- " إنه يقول الحقيقة مرح...." لتستطرد بجدية " ماذا تأكلين يا فتاة؟!" و قبل أن تجيب مرح التي تتحقق من جسمها الذي اكتسب وزناً كبيرا منذ حملها.... لتسمع يوسف يجيبها بجدية
- " قولي ماذا لا تأكل.... تأكل كل شئ....جائز أن تأكلنا إن لم تجد شيئاً في المطبخ.... "
- " لا تُصدقيه.... هو لا يقول الحقيقة....أنا لا أحب عصير البرتقال" قالت مرح بجدية وهي تقاطعه
- " حبيبتي.... هل تريدين البسطيلة المتبقية من الغذاء.... أستطيع احضارها لك إن شئت؟!" قال برقة
- " نعم من فضلك...." همست تترجاه ....قبل أن تكتشف أنها وقعت في مصيدة يوسف.... اتجهت نحو منى تجذبها من يدها بعيداً عنه
- " تعالي....لا تهتمي له فهو لا يعرف ما يقوله"
- " حسنا... أفهم أنني مطرود....سأذهب للاستحمام "
و قبل أن يتحرك... قالت بصوت مغوي، جعله يتنهد وهو يومئ بحاضر
- " حبيبي.... لا تنسى البسيطلة من فضلك...."


**********************

صرير وقوف سيارته....جعل دقات قلبها تزداد أكثر، شهيق قوي يليه زفير أقوى.... عدة مرات.... أعادت خصلات من شعرها الطويل إلى الخلف.... لترسم ابتسامة على شفتيها، و تخرج من المطبخ باتجاه الباب تستقبله... مرت من جانب حماتها و هي تلاعب البنات... لترفع نظراتها نحوها، و تبتسم لها و كأنها تعرف سرها.... أعادت فاطمة أنظارها لحفيدتيها تبتسم لهن برقة.... خبرتها بالحياة جعلتها تعلم أن جميلة حامل قبل حتى أن تُدرك الأخيرة.... سعدت جداً بالخبر....و منذ معرفتها و هي تهتم أكثر بالتوأم مكانها.

كالعادة.... كله شوق إلى رُؤية حمراواته....لا يتخيل حياته بدونهن.....و قبل أن يُدخل المفتاح في القفل، فتح الباب.... على أجمل وجه و أرق ملامح عرفها في حياته.... دخل لترفع نفسها أكثر تقبل مقدمة ذقنه فوق لحيته.
- " أهلا بك..." همست وهي تخلصه من معطف بدلته.. و تأخذ منه الأغراض التي أحضرها....و التي غالباً ما تكون هدايا للطفلتين.
أنزل رأسه يلطم جبينها بخفة....لتلتصق به بحميمية كبيرة، تفاجأ من تصرفها....و والدته تبعد نظراتها بخجل.... أبعدها عنه قليلاً ....لترمش ببغتة، و كأن تصرفها فاجأها أيضا
- " آسفة" غمغمت وهي تبتعد عن طريقه.... دون اهتمام لدراسة أكثر تعابير وجهها....كان يتجه صوب والدته و الطفلتين...

***************


- " غبية" همست وهي تتجه للغرفة، تحمل أغراض مصطفى.... دقائق مرت و هي تلصق أنفها على معطفه....دون أن تستطيع إبعاد أنفها الذي يستلذ برائحة عطره القوية الممتزجة برائحة جسده.... لم تسمع خطواته وهو يتقدم ليقف خلفها مباشرة..... ليقول بهدوء و توجس
- " لم أكن أعلم أنكِ تشتاقين إلي لهذه الدرجة...." إلتفتت برعب تنظر إليه....لتقول بتعلثم و هي تنظر لمرفقه... تهرب من نظراته
- " بالطبع أشتاق إليك.... أسبوع و أنت غائب عن المنزل.....و المكالمات لا تكفي لتقتل شوقي إليك "
- " لماذا تهربين بعيونكِ مني؟!.... " ابتلعت ريقها....لتغلق عيونها، تخاف من ردة فعله جدا.... كما لم تخف من شئ آخر من قبل.....شجاعتها خانتها ولم تستطع أن ترفع نظراتها إليه.... ليهمس بحزم وهو يقترب منها يغلق المسافة بينهما.... لتتغلغل رائحته أكثر داخلها
- " أنظري إلي..."
( ليس الآن) همست لنفسها و رغبة ملحة تخبرها أن تُلصق أنفها في تجويف عنقه....لتستنشق رائحته..... ( اللعنة ليس الآن) دموع الرغبة به قريباً منها طفرت في عيونها....و دون أن تتغير نظرته ....كانت تقول بسرعة... قبل أن تكشفها تصرفاتها أمامه
- " أنا حامل....و سأموت إن لم أفعل هذا...." وعانقته.....تتشبث بقوة بعنقه.... تشم رائحته التي كانت تتخيلها طوال الأسبوع، و الفتات التي تجود بها ملابسه لم تكن تكفي.
مازال مصدوماً من تشبثها القوي به..... و مصدوما أكثر من اعترافها.... أمسك خصرها بغضب....لكن أصابعه تلكأت هناك...و اعترافه يتردد في عقله عن وجود حياة أخرى... و بدون وعي كان يتحسسه برقة....لكن غضبه عاد ليبعدها برفق رغم تشبثها القوي به.....لم تعد تشمه بلهفة كالأول.... بل كانت تحتمي به.... منه
- " جميلة " قال بفحيح وهو يبعدها عنه " هل ما سمعته صحيح؟!" قال بصوت لا حياة به " أنت حامل يا جميلة؟!" كان تقريراً أكثر منه سؤال... هزت رأسها بنعم...دون أن تستطيع نطق حرف
- " حامل....حامل" همس....ليتراجع للوراء يمرر يده على شعره يبعثره....ليبدو للتي تنظر باتجاهه لا يُقاوم...." ألم نتفق مسبقاً على تأجيل الأمر؟!"... غضبه تفاقم وهي لا تجيب " أنظري إلي و أخبريني....ألم نتفق على الإنتظار حتى تكبر لين و لينا؟! يا إلهي لم تُكملا العام بعد"
أمسك بكتفيها يهزها بخفة " أنتِ لست أهلا للمسؤولية جميلة.... كيف ستهتمين بالتوأم و انت تحتاجين من يهتم بكِ..." دموعها جعلته يبعدها عنه و هو يشتم بقوة
- " أنا آسفة...." استدار بعنف ما ان سمع همستها
- " آسفة...بماذا سيفيدنا أسفك الآن....لما لم تخبرين أنكِ لا تأخذين احتياطك....كنتُ.... " سكت يمرر يده على وجهه بتعب
- " يا إلهي.... أنتِ... لم يمر بعد إلا شهور على ولادتك لتوأم.... لم تستعيدي بعد قوتك المفقودة.... ماذا إذا كنت حامل بتوأم مرة أخرى " همست شيئاً.... لم يصل لأذنيه.... ليقترب منها بغضب فعلي هذه المرة....
- " ماذا قلتِ؟!"
- " الطبيبة تعتقد ذلك...." وقف فوقها يحدق إليها بصمت.... برأسها المنتكسة، و شعرها كنار تحيط بها، تحميها....و تحذره من اقترابه منها....الأمر أكبر من تحمله....أشار للباب....يخاف أن يتصرف معها بخشونة تؤذيها.
- " أخرجي جميلة.....فقط أخرجي"
- " مصط..." همست ببكاء
- " أخرجييييي" صرخ و هو يقترب أكثر منها....ليضرب الحائط بقوة خلفها....يفرغ فيه الغضب الذي يتملكه... خرجت و الصدمة تحتل ملامحها..... و ضرباته تتوالى على الحائط...كأنه يتخيلها هي.... الجميلة المستهترة....يا إلهي، ماذا إن كانت حياتها في خطر.... لم تسترح بعد من تعب الحمل و الولادة لتصبح حاملا مرةً أخرى...قلبه يرتجف بين أضلعه...(ماذا ان خسرها) تخلص من قميصه بعنف....لتتطاير أزراره بعيداً.... يحس بمسامه تنفثُ ناراً....مما يشعر به داخله.

نزلت بخطاً مرتبكة..... لتجلس بجانب حماتها، لأول مرة تحتاج لحضن غير حضن مصطفى.... تراجعت قليلا، لتستند على فخد حماتها... و تبكي.

تفاجأت فاطمة من تصرفها.....و بلطفٍ أعادت حفيدتها لمكان نومها أمامها..... و وضعت كفها على رأس جميلة.... تمررها بخفة على مقدمة رأسها..... ما زاد نحيب جميلة.... أحست فاطمة بالغضب من نفسها....و هي تتذكر الطفلة التي أدخلها يوماً ابنها لمنزلها.... لم تهتم بحاجتها بقدر ما اهتمت بحاجة ابنها.....و كأن الوقت عاد للماضي.....كانت جميلة تنام بجانبها، تحكي لها عن الفقد الذي عاشته....
- " هل أخبرتِه عن حملك؟!" همست فاطمة و أصابعها ما زالت تتخلل شعر جميلة.... هزت رأسها بنعم تحت نشيجها.... دون أن تسألها عن كيفية معرفتها بحملها....
- " لا تقلقي.... هو فقط غاضب....تعلمين أنه لن يستطيع أن يبقى طويلا.... دقائق و سينزل لمراضاتك" همست فاطمة مرةً أخرى

- " أنا أيضاً لم أكن أخطط للأمر، منذ أيام فقط كنت أخطط للعودة للمعهد....لكنه.... كان قاسياً بالأعلى، و كأنني الوحيدة التي ساهمت بهذا الحمل" قالت بحزن
- " سوف نجعله يندم على الثانية التي جعلكِ حزينة....في يومٍ سعيدٍ كهذا...." ساعدتها فاطمة على الجلوس لتقول لها بسعادة
- " مبروك جميلة " اغتصبت جميلة ابتسامة....لكنها سرعان ما عادت للبكاء... كانت تريد سماعها منه هو.
-" انتظريني هنا..." وقفت و اتجهت للأعلى.

***************

انفتح الباب بقوة و دون أن يستدير كان يصرخ
- " أخرجي جميلة... لا أريد رؤيتك...."
سكون الداخل جعله يستدير.... شعر بالخجل و هو ينظر لوالدته الواقفة على الباب....وهو لا يرتدي إلا منشفةً صغيرة تحيط بخصره....
- " لا تريد رؤيتها؟!! ألأنها حامل؟!! .... " رفعت يدها تمنعه من الحديث....لتكمل بصراخ و هي تضع يدها على خصرها " عوض أن تأخذها بالحضن لأنها في مرحلة حساسة جعلتها تبكي....أي نوع من الآباء أنت..."
- " أمي.... نحن لم نتفق على ذلك..." همس أخيراً عندما سكتت
- " وعلى ماذا اتفقتم.... لماذا تقربها أصلا إن لم تكن تريدها أن تحمل....أم تعتقد أن الطفل تكون لوحده...."
- " أمي" همس بخجل
- " الحمل و الأولاد هبة من الله، أنظر لغيرك الذي يفعل المستحيل ولا يحصل عليهم.... " قالت بتأنيب وهي
تتجه حيث ملابس جميلة ....لتأخذ جلابة و حجاب ملائم....و حذاء.... كان يتبعها بنظراته
- " ماذا تنوين أن تفعلي...." سأل مصطفى باستغراب
- " سآخذها معي للبيت....إن كنت تريد بناتك فتعال و خذهما... .أو سنأخذهما معنا" قالت دون أن تلتفت نحوه
- " أمي زوجتي لن تخرج إلى أي مكان" رد عليها بعصبية
- " حسناً.... تعال و شاهد" قالت باستفزاز تتحداه

كان خلف والدته.....و هو يدمدم بسخط... بينما يكمل تزرير بيجامته.. أعطت الجلابة لجميلة.....و صوته الحازم جعل يدها معلقة
-" جميلة لن تذهب لأي مكان" وضعت الملابس فوق الكرسي بجانبها....دموعها التي توقفت أخيرا تهدد بالإنهمار
- " بلى ستذهب معي...." أصرت فاطمة.... نظرت لحماتها بتأسف....فهي لا تستطيع الخروج بدون إذنه....نظرةٌ تحمل الضياع و الحزن.... لم يهتم لصراخ والدته عليه الذي فاجأه و تمسكها بذهابها معها .... كان ينظر إليها منكسة الرأس و تحيط نفسها بذراعيها
- " يمكنها الذهاب" همس ليتوقف سيل الصراخ من جهة والدته.....و ترفع جميلة نظراتها باتجاهه.....
- " سأوصلكن" غمغم وهو يعود للأعلى ليلبس ملابسه....و نظرتها لم تفرقه..

لعن في نفسه....و ملامحمها لم يفارقها الحزن.....كانت تضم ابنته لصدرها....تحاول أن تستمد منها الراحة....الصورة جعلته يغضب أكثر، هي ما زالت صغيرة و الطفلتين كذلك.

**********

بناتها رفضتا النوم....و كأنهما أحستا بغياب والدهما.... و بعد عناء كانتا تغرقان في سبات....تمنت أن يطول للصباح،

مرت ساعات وهي تجلس في الشرفة و الشاي بالأعشاب بين يديها..... تحاول التركيز على نفسها....كيف ستوازن بين المسؤوليات التي تضاعفت بحملها....و لأول مرة تنظر للأمور من منظور مصطفى.... أم لطفلتين....و الله أعلم بكم هي حامل... ولم تبلغ العشرين بعد.....و الدراسة التي قررت العودة إليها... هل ستكون في خبر كان.... خصوصاً اذا ثبت أنها حامل بتوأم مرةً اخرى؟!... الأمور كلها أصبحت معقدة في عقلها....التفكير بها جعل معدتها تضطرب أكثر..... أسرعت للحمام تستفرغ بتعب....لتتجه بعده لفراشها تحاول الراحة....بجانب بناتها.


عادت للغرفة التي خرجت منها ذليلة يوماً.... كل شئ كما كان، لمستها في الغرفة لم تتأثر..... نامت في جهته....تتذكر قسوته معها، دموعها تنزل وهي تضع يدها على بطنها...لا تعرف لما ذاكرتها أخذتها لليوم الذي عرفت به بحملها بطفلتيها... كانت في تلك الغرفة المظلمة الباردة.... و الآن رغم أنها في بيت والدة زوجها مع طفلتيها.....لكنها تحس بالوحشة.... بالبرود لأنه بعيد عنها.

****

يتقلب على الفراش بأرق..... في كل مرة يمد يده باتجاه مكان نومها..... يحس بالبرودة تلسعه.... لا يستطيع النوم بدونها..... نهض خارجاً..... قاصداً المكان الوحيد الذي يشعره أنه بخير.
وقف أمام الباب ينظر إليه...والدته أخبرته بصريح العبارة أنه غير مرحبٍ به.....ليلتف حول المنزل حيث شرفة غرفته القديمة..... تسلق شجرة الصفصاف الواقفة بشموخ أمامها.... و بعد ثواني كان يضع قدميه على أرضية الشرفة.... أحس بنشوة الإنتصار وهو يجد الباب مفتوحاً.. ليدلف بهدوء باتجاه السرير الضخم.... و عائلته الصغيرة كانت تنام بعمق...في فراشٍ ضمه وحيدا لأغلب سني عمره.....جميلة تنام في جهته و الطفلتين متكومتان بجانبها.... إحداهما تضع رجلها على رأس الأخرى المستغرقة في نوم غير مهتمة....و تنغرس أكثر في حضن والدتها.......مرر يده على شعره الكثيف بعدم تصديق.... بعد عدة أشهر.... فردان جديدان سينظمان....عائلته تكبر بوتيرة سريعة...كالحلم....كرمشة عين.... فتح عيونه ليجد أنه لم يعد وحيداً و لن يكون أبداً.

اتجه نحو المكان الذي دائما ما تحتفظ فيه والدته بأفرشة إضافية..... ليحملها و يفرشها أرضاً بجانب السرير..... ثم يحمل جميلة برفقٍ و يضعها فوقها.... و ينام بجانبها.... و كأنها أحست به....كانت تندس بين أضلعه، و رائحته جعلتها تستكين..... وضع يده فوق بطنها.....ليهمس
( مرحباً بكما....أتمنى أن تكونا صبيين هذه المرة.... فلا أظن أن قلبي يستطيع التحكم بزمام الأمور بعد الآن)
تقلبت لتعطيه ظهرها و هي تتمتم باسمه.... أعاد تقريبها منه... قبل رأسها وهو يقول بعاطفة.
- "دائماً مفاجآتك قاتلة يا حمراء " و يغلق عيونه....يستمتع لدقات قلبها تحت يده....و أنفه يندس أكثر في شعرها.

فتحت عيونها... اثر صرخة بعيدة.... لتسمع صوت مصطفى الهامس، يُكلم والدته على الباب وهو يقدم لها احدى الطفلتين.... عاد إليها، ليجدها تنظر إليه....بحزن.
- " عودي للنوم.... أمي ستهتم بالبنات"
و كمطيعة كانت تُغلق عيونها.... لتحس به يندس بجانبها....و رجليه تتشابك مع رجليها.
إضطراب أنفاسه....جعلها تفتح عيونها.....لتتلاقى مباشرةً بعيونه، و دون إذن.... كانت شفتها تتدلى و عيونها تمتلئ بالدموع....وهي تهمس بحرقة طفولية
- " أنت جرحتني مصطفى.... " رفعت يده لتضعها على صدرها جهة القلب " هذا مجروح بسببك.... "
- " أنا أعرف.... " همس، ليقترب أكثر منها حتى تمازجت أنفاسهما...." أنا وغد حقير....لأنني جعلتُ حدثاً جميلا....يبدو بشعاً" قبَّل أعلى أنفها وهو يضغط أكثر جهة قلبها " أنا آسف.... "
سكتَ.... لثواني لا يفعلُ سوى التحديق بها عن قرب....
- " منذ الذي حدث لمعاذ و أنا مرعوب ألا أستيقظ و أجدك بجانبي.... ستة أشهر فقط مرت على ولادتك.... لتنمو حياة اخرى داخلك هنا...." ابعد يده عن قلبها الذي يضرب بعنف ليضعها على بطنها....التي ما زالت تحمل آثار ولادتها السابقة " يا رب الكون..." همس وهو يغلق عيونه " لو فقط تعلمين ....ما تجعلينني أعيشه....لو تعلمين كم أعشقك و أعشق كل ما يمث لك بصلة....لكن الوقت مازال مبكراً.... مبكراً جداً " فتح عيونه ليقهقه " يا إلهي سأكون والدا مرةً اخرى قبل أن أبلغ الثلاثين.... و أنت بالكاد قفلتِ التاسعة عشرة...... أنظري" قال وهو يشير للشيب على نواجده " هذا لم يكن هنا منذ سنة.... هذا كله بسببك" لم تستطع إلا أن تُطلق ضحكةً رنانة....جعلته يبتسم بحب وهو ينظر لها... " ضحكتك تخل بتوازني...أحب سماعها كثيراً " ليعلوها وهو يدغدغها بدون رحمة....
- " أرجوك مصطفى.... توقف"
امتثل لأمرها....اتكأ على مرفقيه يحدق بها....يحدق بكل تفصيلة من ملامحها....لكنه كان في مكان آخر.... سكتت تنظر لتحديقه لها، لتبتسم له .... و وجنتيها تحمران خجلا.... همس بجدية
-" للآن لا أعلم ما فعلته في حياتي لتصبحي لي.... لي وحدي، لم أدعو يوماً في صلاتي.... لم أكن أعتقد أنه سيأتي اليوم الذي أغمرُ فيه إحداهن بين أضلعي...." وضعت أصبعها على شفتيه تسكته
- " أنا لستُ إحداهن مصطفى.... كنتَ دائما فارس قصص خالي رحمه الله، كنتَ فارس أحلامي أنا.....كنتَ دعوتي أنا... "
الكلمات تزاحمت في عقله.....لا يعرف ماذا يقول في حضرتها.....كل ما يعرفه أن نبضه مرتبط بها.... بحركة منه، كانت تعلوه و شلالها الأحمر يغطيهما معها.

*********************
بعد ثلاثة شهور:

لعنت بخفوت وهي ترتد متراجعةً عندما وجدت الباب مغلق..... رفعت نفسها قليلا لتنظر من النافذة المربعة المتواجدة في أعلى الباب.....لتلمح الطلاب كل منكبٌّ على ورقة تحريره....لم تستطع إلا أن تشتم الأستاذ الذي اختار هذا اليوم الكارثي ليفاجئهم بامتحان....
تراجعت حتى جلست على الدرجات القليلة التي تؤدي للباب العلوي لقاعة المحاضرات... تنتظر أن يلطف بها القدر و يخرج الأستاذ.... ستترجاه و تقبل يده ان اقتضى الأمر، ليسمح لها بولوج القاعة.... قشعريرة مرت بجسدها و هي تتخيل يدها تتماس بيده.... أرجعت رأسها تستند على الحائط و تفكر بما عاشته البارحة من رعب و اشمئزاز.

دخلت للغرفة التي تكتريها مع احدى الطالبات بنفس كليتها.... و قبل أن تدلف، كانت تسمع همهمات محمومة....جعلتها تسرع للمرحاض و تستفرغ كل ما ببطنها.... همسات جعلتها ترجع لذلك اليوم الذي غير حياتها....جعلها تُغير أولوياتها.... لتنظر للحياة بمنظار مختلف....و بنظرة جديدة.... تجربة بقدر أنها ما زالت تستوطنها، لتجعلها مرعوبة أغلب الوقت.... تنظر بشك لكل شخص.... لكنها و يا للعجب لم تكن ناقمة كالسابق، لا تتذمر كما كانت....و الأكثر أنها أصبحت تقدر الأشياء.... تقدر كونها تتنفس، تقدر تلامس الشمس ببشرتها بحرية....
التجربة جعلتها تعيد ترتيب أهدافها من جديد.... و لتحقيقها غادرت حضن عائلتها التي جعلتها تشعر أنها بخير....شعور لم تكن مرح تعرفه..... حركت رأسها بقوة تريد طرد الأفكار التي تهدد باكتساح عقلها.... و ابتسامة ارتسمت على ملامحها....عندما تذكرت رسالة يوسف....اليوم ولادتها.....ما زالت جالسةً في المرحاض الذي تتقاسماه مع بنات اخريات يكترين الغرف الأخرى المجاورة..... و استغلت رفيقتها سفرهن لتتصرف بحقارة معها...كعادتها.

الرائحة الكريهة تكاد تزكم أنفها.... لكنها لا تملك مكاناً آخر أكثر أمناً للمبيت....طالما خليل رفيقتها موجود في الغرفة فستبقى هنا حتى خروجه.

رجليها تيبست من الوضعية التي اتخذتها للجلوس.... و كأنهما كانا في قمة الراحة منذ ساعة فقط....وهي تقوم بغسل الصحون في أحد المقاهي، فمال المنحة يكاد ينتهي.... والثلاث شهور لازالت في بدايتها...

ثلاث ساعات وهي بين الوعي واللاوعي...همهمات أمام باب الذي تغلقه جيداً من الداخل....جعلها تستند عليه، لتسمع الرجل يطالبها برقم هاتفها ثم تودعه بخفوت....

عندما سمعت إغلاق الباب الخارجي...فتحت باب المرحاض، لتجد رفيقتها شبه عارية أمامها....لم تهتم لنظرات الصدمة من رفيقتها.....قيمتها ببرود لتتخطاه و تدخل للغرفة.... حيث فراشها في أقصى الغرفة.... اضطجعت عليه و هي تواليها ظهرها....لا تعرف لماذا، لكن دموع ساخنة كانت تجري على خذيها.... حتى نامت من التعب و الإرهاق و لم تستيقظ حتى مرت ساعة على محاضرتها.

خروج الأستاذ من المحاضرة.... جعلها تقف و تسرع خلفه
- " أستاذ...." قالت بخفوت....وهو يستمر بالتحرك دون الإلتفاف نحوها....شعرت بالخجل و الكل يحدق بها... لتقول بصوت عالٍ " أستاذ مرتضي!" التفتت نحوها.... و كأنها نزلت فجأة من السماء
- " نعم...." قال و هو يتفحصها بفضول
- " أنا.... أنا طالبة في السنة الأولى... هل أستطيع إعادة امتحان اليوم؟!"
- " هل كنت مريضة؟! " هزت رأسها بنفي
- " إذن لا أستطيع مساعدتك دون شهادة طبية تثبت سبب اضطرارك للتغيب....غير ذلك أنا آسف"
الدموع طفرت في عيونها....وهو يستدير متجها لمكتبه القريب...
لا تستطيع أن تبقى مكتوفة الأيدي....يجب أن تشرح له ظروفها.... اتجهت نحو مكتبه تطرقه طرقات بالكاد تُسمع من اضطرابها.
انفتح الباب بغتة....كانت تنتظر أن يظهر الأستاذ ذو الوجه المستدير و الرأس الخالي من الشعر.... ارتبكت وهي تستقبل نظرات من تحت النظارات المربعة الشكل.... ابعدت عيونها فجأة لتقول بهمس بالكاد وصل إليه
- " أستاذ عمر مرتضي لو سمحت...." دخل الشاب....لتسمعه يكلم الأستاذ.... ثواني بدت لها طويلة قبل أن يخرج نفس الشاب و يقول بارتباك
- " آسف.... هو يرفض استقبالك...."
حركت رأسها بحزن....لتتراجع بخطاً مرتبكة....جعلته يشفق عليها.....
كم مر من الوقت و هو يراقبها....مختلفة في كل شئ.... بخطاً ثابتة كانت تبتعد عن المكتب، جسمها حاولت إخفاءه تحت طيات الملابس البالية الواسعة..... و شعرها تحت حجابها الملتف على وجهها، ليسقط مغطياً مقدمة صدرها و ظهرها....

- " إنتظري..." قال.... لتتسمر أرجلها في مكانها....اقترب منها ليقول بارتباك
- " أستطيع مساعدتك...." رفعت عيونها نحوه في تساؤل
- " آسف أنا ماسين الذهبي.... طالب في السنة الأولى من سلك الدكتوراه... و الأستاذ مرتضى المشرف على رسالتي...." مد يده نحوها....و دون أن تزيح عيونها التي لم تتغير نظرات التساؤل بها....كانت تلتفت و تتركه حائراً....هل فعل شيئاً خاطئاً؟!!

****************

- " أووف.... أوووف... تنفسي جيداً.... ستكونين بخير"
كانت مرح تحاول تقليد ما تُخبرها به منى....التي سافرت من سويسرا لفرنسا....لتشهد ولادتها.... " لا تصرخي....فأنتِ تحتاجين لكل طاقة....و الصراخ سيجعلكِ تفقدينها.." هزت مرح رأسها موافقة و عيونها مسمرة على عيون منى..... التي سألت الطبيبة أمراً لتبتهج.... " إنهم قادمون" قالت منى بإثارة..... استمرت بالدفع بأقصى طاقتها.... و قبل أن تسمع صراخ طفلها الأول....كانت تلمح خيال يوسف يتجه صوبها ليحتل الجانب الآخر
- " لم أستطع البقاء بعيداً " رغم كونه طبيباً، الا أنه لم يعتد على رؤيتها تُعاني.... لكنه لا يستطيع أن لا يشاركها فرحتهما....
سالت دموعهما معاً.... نظراتهما متشابكة و هي تسمع صوت طفلها الأول......و دون أن تفقد تواصلها مع يوسف كانت تبذل قصارى جهدها.... و عندما أخيرا زفرت بارتياح.... هجم عليها يوسف يقبلها بحرارة....لم تستطع مجاراة قبلته....لكنها استمدت منها الطاقة التي احتاجتها لتفتح عيونها تستقبل أطفالها.... قبلةً امتصت كل التعب الذي عاشته لثماني و أربعين ساعة.
- " شكراً حبيبتي..... شكراً لأنكِ أجبرتني أن أكون أباً.... شعورٌ لم أكن لأعيشه مرةً أخرى لولاكِ.... شعورٌ اعتقدت أنني دفنته مع فرح..."
بارتعاشة....لاحظتها منى....لتسند يديه التي تحمل أحد الأطفال و يؤذن بصوت خاشعٍ في أذنه....و دموعه تجري.

أول قطرة حليب تخرج من صدرها و يتلقفها أولى أطفالها.... لحظة مسحت مرح القديمة..... كل الدموع التي ذرفتها يوماً لا تتساوى بدمعة فرح و هي تُطعم وليدها.... اللحظة التي حملت بها أطفالها....جعلت كل ما حدث لها يبدو ضئيلاً....ضئيلا ليختفي.... و كأنه لم يكن يوما.

- " مرحبا بأم سليمان، يحيى و عيسى " همس يوسف لعيونها التي فُتحت فجأة....
- " مرحباً..." قالت بإعياء.... و ابتسامة وهي تلمح أطفالها بجانبها .... ينامون بوداعة في المكان المعقم المخصص لهم.... و دون أن تشعر، كانت تحمد الله كونهم ذكوراً... سمعها يوسف، لينظر نحوها.... (آسفة) حركت شفتيها، لكنها لا تستطيع أن تنكر أنها سعيدة جدا لأنها لم تُنجب فتاةً.

-" هناك من يريد إلقاء التحية...." قال يوسف وهو يرفع اللوح الإلكتروني و تظهر جميلة.... التي ما إن لمحت مرح حتى بدأت بالبكاء
- " أنا أكرهكِ....لأنني لم أكن معكِ لحظة الولادة..." لكن سرعان ما استطردت باهتمام....جعل مرح تُغلق فمها من الإجابة " هل أنتِ بخير؟!... من يهتم بكِ؟! هل السيدة منى مازالت هناك؟! متى سأرى الأطفال؟!! .... ألن تأتي قريباً.... اشتقت لك"
- " حبيبتي... أنا بخير و الأطفال كذلك....منى مازالت معي هنا....و تبلغك سلامها..... وهناك من يريد القاء التحية" أبعد يوسف اللوح الإلكتروني باتجاه سرير الأطفال... ليضحك وهو يسمع صراخ جميلة تنادي على مصطفى و عمته
- " يا رب ما أجملهم....."
- " اللهم اجعلهم ذريةً صالحة...." دعت عمته لتسأله...." هل وصل والدك يوسف؟!"
- " نعم .اتصل بي قبل قليل هو الآن في الطريق للمستشفى..."
- " هل ما أخبرني به صحيح؟! ستستقرون هناك لبعض الوقت؟!"
- " نعم عمتي....نريد بدايةً جديدة مع الأطفال، ليس هناك أفضل من دولةٍ اخرى لذلك....."
- " وفقكم الله" تمتمت بحزن...
- " مرحباً يا أبا سليمان" قال مصطفى وهو يقهقه " منذ الآن و أنا اشفق عليك..."
ضحك يوسف
- " لا تضيع شفقتك علي....فأنت من يستحقها، سمعتُ أن حمراوتين قادمتبن قريباً و ستنظمان للصِّرب"
مرر مصطفى يده على شعره وهو يجلس و يُجلس جميلة في حضنه..... ببطنها ذات الخمس شهور
- " لا تُذكرني.....أنا أموت من الرعب و أنا أتذكر الأمر، ما يُصبرني أنني سأستمتع جداً و أنا أعلقُ أولادك من أرجلهم.... منذ الآن أخبرهم أن حمراوات مصطفى الأربع " تنحنح و جميلة تضرب جانب قلبه بكوعها " أقصد الخمس خطٌّ أحمر".

*********************
بعد عام....

- " يحياااااا دع ذلك أرضاً... يا إلهي..... سليمان حبيبي هذه الأوراق ليست للأكل..... " كانت مرح تلتفت لأولادها الثلاثة ...منذ تعلمهم للمشي وهي تكاد تجن، غياب يوسف الدائم بين عمله الدولتين....جعلها دائما في رجه المدفع.
- " با....با " همس عيسى الذي كان ملتهيا بتناول طعامه من الأرض، أسرع بالمشي يحاول أن يكون الأول لأحضان والده....لكن يحيى الذي حبى سبقه......لتبدأ موجة الغيرة و البكاء.
حمل يوسف يحيى باتجاه اخيه.... ليحملهما معاً و يذهب حيث مرح.... و سليمان الملتهي بالتهام أوراق والدته.
نظرت اليه بشوق، لتحيطه و هي تقول بطفولية
- " غدا امتحان المحاسبة و أنا لم أدرس شيئاً.... أطفالك لم يسمحوا لي" قبل أعلى رأسها....
-" حسناً حبيبتي.... ما رأيك أن أخرجهم قليلا ثم تلتهين بدراستك...." رفعت وجهها إليه بامتنان
- " هل تستطيع؟! "
- " بالطبع.... لن أدع وحوشاً صغيرة تتغلب علي.... " قبلته بعمق، ليبتعد عنها كأن مسًّا كهربائيا أصابه
- " ابتعدي مرح...هذا خطير و أنا أحمل هذين الوحشين...." قال وهو ينزلهم حيث كتب والدتهم.....
- " يو...." قاطع تأنيبها بقبلة وهو يهمس
- " الآن يمكنكِ تقبيلي كيفما تريدين..... "
قبلته أنستها الهجوم الذي تعرضت له كتبها تحت يدي الوحوش الثلاثة..... كانت تبادله قبلته بشغف لن ينضب طالما في قلبها نفس.....افترقا طلباً للهواء، عيونهما تلمع بحب....نظرت إلى الأسفل حيث أولادهما يلعبون بما تبقى من كتبها....لتمسك بيده تجره نحو الغرفة
- " لا أظن أن أحداً سيفتقد غيابنا "
انطلقت ضحكات يوسف خلفها..... وهو يهمس
- " مدام يوسف العالمي.... لم تعودي سهلة" غمزته بغواية وهي تقول بهمس
- " تلميذتك موسيو يوسف العالمي".

*****************
تأففت بضجر وهي تلمحه قادماً نحوها....حملت الكتب التي استعرتها من أمين المكتبة..... و اتجهت حيث يجب أن ترجعها.....و لسوء حظها، كان الصف أمامها طويلا.... وقفت خارج الصف، تفاديا للإختلاط مع الشباب.
- " مرحباً " قال ماسين بارتباك وهو يقف أمامها.... رفعت نظراتها باتجاهه ببرود... و اغتصبت ابتسامةً...اختفت سريعاً .. " أستطيع اعادتها ان كنتِ مستعجلة؟!"
-" لا شكراً....لستُ كذلك...." حك مؤخرة رأسها....ليفتح فمه و كأنه ينوي قول شيئا ما... لكنه أغلقه سريعاً و استأذن مغادراً.

تنظر إليه يتخطى الطلبة، كان طويلا و وسيماً.... من النوع الذي لا يصادفه المرء دون أن يلفت انتباهه.... ملابسه البسيطة جداً زادته سحراً و رجولة.... مجتهد في دراسته.... من النوع المرتاح باله....لا يعاني من الأرق أبداً.... يعرف ما يريد.

بروده يستفزها.....لا تعرف لماذا؟!.... لكنه يجعلها تريد أن تصرخ بوجهه....أن يبتعد عنها، شهور مرت و هو يلاحقها، و كأنه أحس بحاجتها للمساعدة.....و يلتف حول عنقها.... مقترحاً بطولته بشهامة.... منذ اللحظة التي تدخل بها مع الأستاذ مرتضى وهو يحسب نفسه الوصي عليها....

وضعت الكتب فوق مكتب الأمين....تنتظره أن يتحقق من أسماء الكتب، تريد فقط أن تستلم بطاقتها الجامعية و تخرج من هنا....و عيونه تحس بها مركزة على ظهرها.

أسرعت بالخروج....وهي تتنفس الصعداء.
لكنها لم تكد تبتعد قليلا....حتى أحست بأصابع تنغرز في عضدها.....أحست بالرعب، ثواني مرت عليها كالجحيم....قبل أن يديرها بعنف و يهمس بخشونة
- " تزوجيني صوفيا"

***************

ينظر إليها....ببيجامتها الطويلة المهترئة..... خصلاتها الشقراء تنفلت من تحت الطرحة التي تعقد بها أعلى رأسها....فتسقط على وجهها المدور المكتنز.....كانت تُلاعبُ ابنه وريد، و ضحكاتهما تصله....حيث يجلس تحت العريشة في المنزل الكبير..... كان نحرها الأبيض يظهر كلما انحنت نحو الأسفل باتجاه ابنه الذي يتعلم المشي.... و كرجل لم يلمس امرأة منذ..... أوقف أفكاره عن الإسترسال.... ليحدق بها..... جميلة بوجه مستدير و خذين بارزين....فم صغير و شفاه دقيقة رقيقة....
- " سارة" ناداها....لتنظر إليه، و ترفع يدها تضعها على جبهتها اتقاءا لشمس الظهيرة..... ما جعل بيجامتها تنحسر عن مفاتنها..... ليقول بانفعال " أعطي وريد لأمي و تعالي لغرفتي" بتوجسٍ.... كانت تحمل وريد على خصرها و تمر بجانبه..... لداخل البيت دون أن تهتم لنظرات معاذ الجائعة.

دقت على الباب..... لتسمع إذنه.... و بخوفٍ كانت تدلف للغرفة..... و دون سابق إنذار، كان يُغلق الباب بعنف و يسند جسدها بسجده عليه..... ليهمس بفحيح
- " عام مر على زواجنا....ربما حان الوقت لنُفعِّله...."
و دون حتى أن يمهد....كان يدفع بجسدها نحو السرير.... بلا مشاعر و لا أحاسيس....كان يأخذ براءتها......ليجعلها تتخبط بين الفقد و الفضول.....و الخواء
ابتعد عنها.... ليوليها ظهره و ينام....
كانت تمنع شهقاتها من الخروج.... تحس بشئ انكسر داخلها.... و كأنها للتو، استُغلت.... لم يكن عنيفاً لكن احساس الفراغ تملكها.... الإحساس بالرخص أغرقها.... أغلقت عقلها عن التفكير.....فهو زوجها، و حقه معاشرتها....و إن كان قد انتظر عاماً....فلم يكن سينتظر للأبد..... بحثت عن ملابسها، لتلبسهم بعُجالة و تتجه لغرفتها...
****

للمرة الثالثة يطلبها في هذا الأسبوع..حاولت أن تبدو جميلة لترضي أنوثتها....أو ربما تبحث عن نظرة رضى منه...عوض البرود الذي يُقَيِّم بها طلتها....وضعت كحلاً، و تعطرت بعطرٍ كان من بين الأشياء التي قدمتها والدة فدوى لها.... تعطرت لتتجه صوب غرفة زوجها.

طرقت الباب ليأذن لها بالدخول.... دلفت للغرفة المضاءة، الخالية إلا منها، مررت عيونها على الغرفة دون أن تلمحه....لتسمع همهمته داخل الحمام..... اتجهت للمرآة الكبيرة، التي تحتل باباً كاملا من أبواب الدولاب.... و بدأت تنظر لنفسها.... بيجامة صفراء بشعة، تنافس شحوب وجهها و شعرها القصير ذو اللفات.... كانت قصيرة و سمينة.... شهقت بقوة تُدخل بطنها المتدلية..... وجهها أصبح قرمزيا من خنقها لأنفاسها.....و هي تتحسر على الشكل الذي سيختفي ما إن تُطلق صراحها.
خرج من الحمام.... يلف منشفةً على خصره، وقف ينظر إليها باستهزاء، و هي تتموضع أمام المرآة....
- " ستختنقين" قال ببرود....لتسعل بقوة و هو يباغتها أنزلت جسدها نحو الأسفل....و هي تكاد تختنق، حمل كوب الماء من المنضدة و قربه منها....اقترابه منها جعل حواسه تتحفز، كان يمسك بكوب الماء وهي تشرب بنهم...ذكرى تعرفت عليها حواسه....ليقترب بأنفه منها، يتحسس أسفل أذنها.... ليتبعه بشفتيه....يقبلها برقة و بعذوبة....جلبت الدموع لعينيها....شهقة أخفاها بين شفتيه....أطلقتها عندما همس بكل ولهٍ
- " ورد"
كان يقبلها....و كأن كل الوقت ملكه.....و كأنه يخشى عليها من عنف قبلاته.... و بين كل قبلةٍ و أخرى كان يهمس لها بكلمات.... جعلت قلبها يذوب بين ذراعيه....و عقلها ينسى أنها لأخرى.... كانت تُسكت المرأة داخلها التي تئنُّ وجعاً، تُجبرها على تقبل الفتات التي يجود به لها ....كان حنوناً....مراعياً.... لمساته جعلتها تشعر و كأنها اجمل نساء الدنيا.... همسة أخرى... محت كل العذوبة التي عايشها بها....كانت مجرد ذكرى لامرأة اخرى....كانت بديلة فقط لامرأة رغم موتها إلا أنها ما زالت تحتل كيان زوجها.
- " حبيبتي ورد"
رحبت بقسوة أصابعه....و هي تحاول ابعاده عنها... تخبره أنها سارة و ليست ورد.... ليتحول لعنف و هو يكبلها.... و يشم بعنفٍ العطر من جسدها.....و كأنه يبحث عن ذكراها في جسدها هي...
قتالهما استمر لساعات....في كل مرة يفقد تواصله مع حبيبته....كان يبحث عن رائحتها.
- " لا تضعي العطر مجددا" همس بخشونة و هو يبتعد عنها لتنكمش على نفسها.....كم أحبت المرات السابقة التي تعامل معها كسارة.....كم أحبت عنفه و هو ينبذها... ليجذبها و هو يعترف بحاجة جسده إليها..... كم كرهت اليوم.....و قد اختبرت عندما يتمازج الحب و الجسد، بعدما كانت علاقتهما جسدية بحتة..... اليوم فقط عرفت بوجود جانب آخر لما كان يجعلها تعيشه.....اليوم فقط أحست بالكمال.... الكمال بكونها بين ذراعيه..... لكن بصورة اخرى رسمتها مخيلته..... اليوم فقط وشم في ذاكرتها ما تقارن به لياليهم....القادمة..... اليوم فقط جرحها..... جرحاً وشم روحهاَ.

فما أقساه من ( جرح......وشم الروح)

*****************


سأختم رحلة المداواة هنا.... على أن نلتقي مع مداواةٍ لجرحٍ آخر..... لكن هذه المرة (جرحٌ.... وشم الروح).... الجزء الثاني من سلسلة جُرح الروح.

شكراً لكل من شجعني ولو بكلمة طيبية..... شكراً لمنتدى روايتي... الذي تعامل مع روايتي كيفما تستحق.

لكل قارئة تابعت معي الرحلة.....لكل واحدة تعاطفت مع قصة مرح.... و قلة حيلة يوسف، لكل واحدة أحبت جميلة و ندوب مصطفى..... لكل واحدة اعجبت بمعاذ و استاءت يوم ماتت ورد.....

و أخيراً
هذه الرواية كُتبت بفضل صديقتين جميلة عمر و فاطمة


* شكر خاص لجنرالات روايتي القويات المساندات....و الرائعات..** خولة..أماني...سيا....سما..رزان. ..رونتي...روان...هدير....زهرة الغاردينيا....إيمان.... نغم...داليا....سارة... ** أنتن رائعات❤... على رأسهم مروة العزاوي صاحبة الفكرة " .*



التعديل الأخير تم بواسطة rontii ; 27-02-18 الساعة 09:02 PM
ملاك علي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس