الموضوع: ظل في قلبه
عرض مشاركة واحدة
قديم 18-05-19, 11:58 PM   #35

نغم

كاتبة في منتدى قصص من وحي الاعضاء

 
الصورة الرمزية نغم

? العضوٌ?ھہ » 394926
?  التسِجيلٌ » Mar 2017
? مشَارَ?اتْي » 1,554
? الًجنِس »
? دولتي » دولتي Egypt
?  نُقآطِيْ » نغم has a reputation beyond reputeنغم has a reputation beyond reputeنغم has a reputation beyond reputeنغم has a reputation beyond reputeنغم has a reputation beyond reputeنغم has a reputation beyond reputeنغم has a reputation beyond reputeنغم has a reputation beyond reputeنغم has a reputation beyond reputeنغم has a reputation beyond reputeنغم has a reputation beyond repute
¬» مشروبك   water
افتراضي

الفصل الأول


ذراع يغطيها قفاز أبيض أنيق حتى المرفق و إشارة تكسوها الغطرسة اضطرتها للتوقف على جانب الطريق .
توترت يداها على المقود و هي تستمع إلى الهمهمة المنبعثة من بين شفتي أمها و الأخيرة تكرر المعوذتين كعادتها كلما ركنوا السيارة رضوخا لشرطي مرور .
التصقت عيناها بالمرآة الجانبية و هي ترى الخيال الأسود يتقدم متباطئا ، يرفع يده في الأثناء بنفس الطريقة ليكبر صف السيارات السجينة على جانب الطريق .
يوقف و لا يتوقف ، و داخل مرآتها يكبر و يكبر ، يطرد جميع الموجودات الأخرى لتنعكس أخيرا صورته هو وحده .
ألقى سلاما عمليا أجابته هي بتحية فاترة و أمها بابتسامة مرحبة كأن الرجل حضر ليتعرف عليهم .
- هل هناك مشكلة بني ؟
- اسألي ابنتك يا حاجة و هي ستجيبك .
- أوراقك و أوراق السيارة من فضلك ، وجه الكلام لها بفتور .

بطرف عينها وجهت نادية نظرة توسل لوالدتها قبل أن تعود لتحدق عبر الزجاج الأمامي إلى صف الهياكل الحديدية الأخرى ، ضحايا تقف تنتظر الحكم عليها في عجز .
تصاعدت أنفاسها ثقيلة بضيق ثم مدت يدها بالأوراق دون النظر نحوه ، تناولها منها ليفرشها على سقف السيارة ثم يقطع صفحة من دفتر المحاضر و يخرج قلمه ، يضغط على الزر و يهوي به نحو الورقة ، تعالت همهمات أمها في تلك اللحظة و أغمضت نادية عينيها في استسلام و هي تكاد تتصور المشهد القادم .
- لا داعي للدعاء و الحسبنة علينا يا حاجة ، نحن نؤدي واجبنا هنا ، ابنتك أخطأت و عليها أن تتحمل مسؤوليتها .

بشهقة حملت نفس صدمة ملامحها أشارت السيدة بكفها تشتت ظنونه و تقول بأدفأ درجات صوتها :
- أنا أدعو عليكم ؟!! معاذ الله بني ، أنا أدعو لكم .
من قلبي أدعو لكم .
بسم الله ما شاء الله ، شكل محترم و هيئة مشرفة ، أنتم فخر للبلد .

" لهذا خلقت تلك الأصوات الحلقية البذيئة "، فكرت نادية في سرها .
فخر للبلد من أي ناحية الضبط لأنه ممشوق الجسد و يرتدي هذا الطقم اللامع المستورد حتما من خارج البلد ؟
ربما يختلف شكله عن أولئك العساكر ذي البطون البارزة و الأكتاف المتهدلة و لكن في النهاية مهما كان القالب فالفكرة واحدة .
و الفكرة هنا هو أنهم جميعا أصابع قاسية ليد ضخمة تعصر و تعتصر المواطن المغلوب على أمره .
زفير مشوي بالغضب و القهر غادر من بين شفتيها و هي تستمع إلى الموال المألوف الذي تصيغه أمها كعادتها في مثل هذه المواقف .
بجانب عينها راقبت وجه والدتها يلبس ذلك الشكل الطيب الوديع و هي تبتسم ابتسامتها الواسعة التي أُغمضت لها عيناها الصغيرتان و غاب أنفها الصغير المستدق بين خديها المكتنزين و برز شبح الغمازتين الخفيفتين لتبدو كل تقاسيمها تَبُشُّ و تَهُشُّ ، ترحب و تستقبل بطريقة غالبا ما تهزم المقابل لها .
ليس حضرة الضابط محل السؤال على ما يبدو لأنه استمر بكتابة المحضر دون أن تنكسر الصرامة حول شفتيه .
- بني ، واصلت السيدة فلم تكن تعترف بالهزيمة .
- ماما ، همست نادية بغيظ ، لا تذلي نفسك له ، مادام بدأ في كتابة المخالفة فيستحيل أن يتراجع .
- بني ، قالت أمها بصوت أعلى تتجاهلها عن عمد .
اعتبرني أمك و اشرح لي فيما أخطأت ابنتي بالضبط ليس لأننا نريد أن تلغي المحضر و لو أننا سنكون ممتنين طبعا لأن زوجها سيسود ليلتها عندما يعرف بالأمر و لن يعطيها السيارة مجددا لتوصلني إلى الدكتور بعد اليوم و سأضطر إلى الذهاب بالمواصلات و أنا لدي الضغط و آلام مزمنة في ظهري .
- ماما ، فحت نادية و هي تكاد تشم رائحة احتراق كرامتها .

لكن السيدة واصلت بأريحية :
- و كما قلت بني أنا أريد أن أعرف فيما أخطأت كي لا تفعله مرة أخرى ، سأنبهها بنفسي المرة القادمة .

أخيرا توقفت الأصابع الرشيقة في الهواء .
- لكنك قلت لتوك يا حاجة أن زوجها لن يعطيها سيارته مرة أخرى .
- لن يعرف بني لأني أنا التي سأدفع مبلغ المخالفة ، تنهدت بمسكنة ، لن أشتري المُسَكِّن و سأدفع .

بشيء من الدهشة راقبت طيف ابتسامة يتشقق له أخيرا جفاف تلك الملامح ، توقفت أنفاسها داخل صدرها و هي تشاهده يلتفت نحوها فجأة لترى وجهها العابس ينعكس لامعا على الزجاج الأسمر لنظارته الشمسية :
- اشرحي للحاجة يا مدام ما الذي أخطأت فيه بالضبط .

شاحنة ضخمة مرت بجانبهم لتتلاعب مجموعة من الظلال الهاربة فوقهم و تنكشف عيناه للحظة خاطفة أمام عينيها ، عميقتان ، قريبتان من حاجبيه الكثيفين تبادلانها تحديقا بتحديق قبل أن تبتعد المركبة العالية جارة عتمتها خلفها و معيدة غطاء الغموض على نظراته .
- تجاوزت السيارة التي كانت أمامي و الخط متصل ، تمتمت و هي تسدل جفنيها و تهز كتفيها .

أطرقت برأسها لتسمع الصوت الذي تبدت لأذنيها الآن نبرته العميقة و هو يتوجه بالحديث لأمها :
- و تعلمين يا حاجة معنى أن تتخطى ابنتك خطا متصلا ؟
- كلا بني لا أعلم فأنا لا أقود .
- سأشرح لك الأمر يا حاجة .
ابنتك عندما تخطت ذلك الخط كأنها دخلت في جدار و حطمته .
- كلا بني ، هزت السيدة رأسها بتأكيد .

ارتفع الحاجبان فأضافت بثقة :
- صاحب السيارة نصف النقل الذي كان أمامنا هو الذي حطم الجدار و ابنتي دخلت من الثغرة التي تركها وراءه .

كتمت نادية أنفاسها و مشروع ضحكة تهدد بالانطلاق و ساد صمت فقط لجزء من الثانية قطعته قهقهة رجولية عالية اهتز بها الصدر العريض للحظات قصيرة قبل أن تمزق الأصابع صفحة المخالفة ثم ينحني قليلا و يقول بتهكم :
- مادامت ابنتك لا تراعي قواعد المرور أنصحك يا حاجة أن تعلميها كيف تبتسم على الأقل و تُسَيِّر أمورها مثلك .
- طبعها كطبع أبيها بني ، حركت السيدة نعمات يديها في تعبير عن العجز .
- كان الله في عونك إذن .

عاد لينتصب قائما يشرف عليهما بنظرة أخيرة بينما يده تنخفض إلى مستوى وجهها يعيد لها وثائقها ، تسلمتهم من بين أصابعه لتضرب كفه الأخرى سقف سيارتها بقوة في إشارة لهما بالانصراف .
ابتعدت نادية تقود السيارة القديمة و ملامحها ترفض التخلي عن وجومها .
- افردي وجهك قليلا حتى الرجل الغريب نطق .
- الرجل الغريب الذي كان سيحرر لي محضر مخالفة بحجم ربع مرتبي و طبعا كان المفروض أن أبتسم له و أشكره و أتحزم و أرقص لو لزم الأمر .
- ابتسامة بسيطة و بعض التأدب في الكلام و كنت ستسلكين مثل الشعرة من العجين .
- تعرفين ماما ؟ في مرة نفذت هذا المثل حرفيا و تعرفين ما الذي حصل ؟ حين جذبت شعرتي من العجين تقطعت .
- ذلك لأن شعرتك قاسية مثل طبعك .
- شكرا ماما ، قالت بجفاء و هي تلتفت عابسة نحوها .
- العفو يا روح أمك و الآن انظري أمامك أو تدخليننا هذه المرة في جدار حقيقي .

استدارت و هي تلوي شفتيها في انزعاج لكن شيطانها الرافض للهزيمة كان أقوى منها و وجدت نفسها تقول بتهكم لم تحاول إخفاءه :
- على فكرة يا ماما ، هو أكيد عرف من بطاقتي أني لست متزوجة و عرف أن السيارة ملك لبابا و هكذا أكيد استنتج أن التي ستسود ليلتها هي واحدة أخرى غيري .
يعني ببساطة لم يصدق حرفا من موّالك .
- لم تكن الفكرة أن يصدق ، الفكرة أني قلت له ما أريد و الأهم بالطريقة التي يريد .

بتعبير مشاكس دائما يلائم ملامحها المترواحة بين طيبة و مكر ، لكزتها أمها و هي تقول بحروف ضاحكة : بنت لماذا لا تتصلين بعمتك و تخبريها أننا قادمتين للغداء عندها .
- حرام عليك يا ماما ، عمتي كبيرة و لن تحتمل صدمة كرم مفاجئة أخرى ، قهوة في أول الأسبوع و غذاء في آخره ، ارحميها من أجل القرابة التي تسري في دماءكما .
- الحمد لله أنها لم تتجاوز الدم إلى الطباع .
- الحمد لله جدا جدا جدا .

رقص طيف ابتسامة على الشفاه ثم بفورة مكر أخرى عادت السيدة نعمات للكز ابنتها :
- اتصلي بها يا بنت و دعينا نضحك عليها قليلا .
- لم لا تكلمينها أنت يا ماما ؟
- أنا لا أستطيع أن أمسك نفسي عن الضحك مثلك ، اتصلي يا بنت و لا تكوني عاقة .

…………………………….

تأخرت !!
قفزت الكلمة كرة عملاقة تنط على سطح وعيها ، مع خفقات قلبها الموتورة ، مع أنفاسها المبتورة
ليقفز جسدها مغادرا السرير المغري بدفئه لبرودة الصباح .
بعد دقائق قليلة كانت تقف بجانب السرير من جديد بعد فنجان شاي ساخن و قطعة كايك أكلتها لترحمها أمها .
البنطلون الوردي أين هو ؟ فكرت حائرة و هي تعض طرف إصبعها
تذكر جيدا أنها وضعته على ظهر كرسيها الدوار .
لكنه لم يكن على الظهر و لا عند الأقدام .
أين ؟ أين ؟ ظلت ترددها و هي تبحث في أركان غرفتها الضيقة .
تحت السرير ؟ كلا .
ربما تكون أعادته في مكانه في الدولاب ؟ كلا أيضا .
تأملت كومة الملابس المكدسة فوق الكرسي الآخر ، ذلك الجندي المجهول الذي يتحمل بصبر ما يفيض عن قدرة دولابها .
بحثت و فرزت و لا أثر للبنطلون الوردي .
يا ربي ماذا سأرتدي الآن ؟ سأضطر لاختراع طقم آخر من وحي اللحظة ؟
الحل الوحيد هو بنطلون جينز و فوقه أي شيء .
و لحظتها فقط و هي تمد رجلها لتدخلها في طيات القماش اكتشفت أنها تضع بالفعل بنطلونها الوردي .
بسم الله الرحمان الرحيم ، تمتمت بذهول تخاطبه ، كيف و متى ارتديتَني ؟ !!
دارت دورة كاملة حول نفسها تبحث عن شيء ليست متأكدة من ماهيته ثم أطلقت زفير راحة : البلوزة البوردو .
بالأمس كانت قد استقطعت وقتا لا يعوض من وقت مذاكرتها لتكويها بضمير على غير عادتها لذلك حمدت الله و هي تجدها معلقة باحترام على مقبض النافذة لا محشوة كما اتفق مثل باقي أخواتها .
حشرت نصفها الأعلى فيها بسرعة و هي تلوي خصرها و أطرافها بليونة كراقصة باليه رشيقة ثم ارتفعت أصابعها لتقفل الأزرار الثلاثة العلوية التي تركتها مفتوحة .
و الآن أين ذلك الحزام الجلدي البيج المظفور ؟
أين تختبئ مني يا ...
بترت شتيمتها و هي تشعر به ذيلا يتدلى خلفها .
يا لئيم و أنت و أنت ، صرت على أسنانها و هي توجه أصابع اتهامها نحو قطع ملابسها بينما تشاهد شكلها النهائي في المرآة .
رن الهاتف مرة عاشرة لتعود للدوران حول نفسها بضياع و الكلمة نفسها تعود لضربها في وجهها .
تأخرت ، تأخرت .
- إييييييييييثار ، ارتفع صوت أمها .
- قا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ا ادمة .

هكذا كل صباح يجب أن تقوم بينهما تلك المباراة في من يستطيع الصراخ أكثر .
- لا فائدة منك ، احتدت السيدة سهير في وجه ابنتها الوسطى ، حتى في أيام الامتحانات تتأخرين .

- تعلمين ماما ما الذي يقوله الفرنسيون عن التأخر ؟

يقولون الكتأخر هو أدب الفنانين .
- تعلمين يا ابنتي ما الذي نقوله نحن المصريون عن التأخر و المتأخرين ؟
- كلا ماما لا أعلم و لا أريد أن أعلم أنا مصرية صحيح لكن الهوى فرنسي .
ثم من يريد التبكير و هو يتوجه إلى الجحيم ؟

مدت الأم يدها تضبط لها ياقة بلوزتها و تدخل خصلات نافرة من حجابها الحريري الوردي اللون ، بحركة رشيقة أعادت ضبط الدبابيس الثلاثة و هي تدير القماش الحريري الناعم حول وجه ابنتها ليتدلى الجانب المزدهي بالنقوش الغامقة على كتفها الأيمن .
لامست بشفتيها الجبين الغض و مجموعة من الأدعية بالتوفيق ترفرف فراشات رقيقة تداعب بشرة إيثار و تسافر عبر أذنيها لتغمر قلبها بدفئ مطمئن .
- شكرا ماما
طبعت قبلة خفيفة على خدها ثم حلقت بها خطواتها إلى عالم ما خارج شقتهم ، تتطاير في فضاء ذهنها معادلات كثيرة شتى ، تهاجمها من كل حدب و صوب ، دون انتظار في الصف ، همجية في تقدمها و في ذات الوقت خفيفة غير ثابتة كفقاقيع تنتظر أي لمسة من الواقع لتنفجر و تختفي .
كنفير سيارة عال ، كصياح بعض الباعة و هل يخلو أي طريق منهم .
تقلقلت أنفاسها داخل صدرها وهي جالسة في المقعد الخلفي لسيارة الأجرة ، حدقتاها معلقتان بنداء مترج صامت للضوء الأحمر الذي أصر على التشبث بأحقيته في البقاء .
إلى الأبد على ما يبدو .
السيارات في الطريق الأفقي المقابل تطير أسرابا فرحة ، قوس قزح من الألوان و الأشكال الهاربة بينما هم يخيم فوقهم ظل رمادي كئيب ذابت فيه الابتسامات و قتمت فيه القسمات و انطلقت التنهدات .
فتحت هاتفها ، ولجت إلى صفحتها ، نقشت كلماتها
و انتظرت .
" أنا البحر في أحشائه الدر كامن فهل سألوا الغواص عن صدفاتي " ، حالتي و أنا في الطريق لاستهلال اليوم الأول لامتحاناتي .
خمسة ، سبعة ، عشرة " لايكات " و الضوء الأحمر ثابت المبدأ ، لا تقهره المتغيرات حوله ، لا صوت الأبواق المزلزلة و لا الرؤوس المطلة المتذمرة و لا شيء .
بعد ساعة .
دخلت أخيرا لجنتها بعد أن نظرت ثلاث مرات إلى الرقم المعلق على صدر الباب .
بقايا دموع مشتبكة في شرك أهدابها الطويلة تأبى الارتحال .
سارت ثقيلة الفكر و الخطوات لتتخذ مجلسها بصمت غير دارية بذاك الذي وقف في ركنه يتأملها و قد تجمد في مكانه .
منذ دقائق طويلة يقف في نفس الركن ، حدود جسده تلتهمها الظلال القاتمة ، فكره يكاد يصدأ من التجول بنظراته بملل يراقب ، يعري الغش و الغشاشين و لا يتصدى .
هكذا ظل حتى دخلت هي بتلك الرموش المبتلة المثقلة و الشفتين المنحنيتين بتعاسة رقيقة نحو الأسفل لتحدث زلزالا في نفس المكان الذي ظن يقينا أنه حصنه بجدار مُصمت من البرود و اللامبلاة .
ما الذي يحدث ؟ و كيف ؟
جاهد بقوة ليخرجها من بيت أفكاره لكن تلك القطرات المعلقة بأستار الرموش أبت إلا أن تسرق تركيزه نحوها و نحو صاحبتها .
بخطوات بطيئة تقدم نحوها .
- المفروض أن لا أقبل بدخولك إلى اللجنة الآن إلا بإذن خاص من العميد .

بصمت مطبق قامت و بدأت بإعادة قلمها إلى محفظتها ، دفعت كرسيها إلى الوراء و وقفت تنتظر ابتعاده لتخرج و تغادر .
ماشاء الله على الحماس ، تمتم في سره قبل أن يسرح صوته و يقول بفتور :
- لكني سأقوم باستثناء هذه المرة لأنك لست الوحيدة التي تأخرت .

بنفس الصمت و دون حتى كلمة شكر عادت لتجلس ، تناولت منه ورقة الامتحان و بدأت في الكتابة أعلاها .
ابتعد ببطء ليستند على الحائط مراقبا الظهور الفتية ، رغما عنه زاغت نظراته نحوها ليراها معتدلة في جلستها ، جامدة الحركة .
احتار في أمرها ، تدخل متأخرة ، منهارة ، ثم تتجمد لا تحاول حتى النظر هنا أو هناك ، لا تشغل قرونها الاستشعارية كباقي زملائها .
لا يدري كيف أخذته تساؤلاته إليها ليعود و يقترب من مكانها ، توقف و هو يرى ذلك الشاب النشط الذبذبات يميل باتجاهها و يخاطبها بكلمات يظنها همسا :
- إيثار لدي كل الإجابات تقريبا ، قولي فقط ما السؤال الذي صعب عليك و أنا سأتصرف و أبعث لك حله .

كاد يبتعد ليسمح بمحاولة أخرى للغش عندما سمعها تجيب الآخر بنفس درجة صوته لكن ببرود واضح و دون أن تميل نحوه كما مال هو نحوها :
- يموت الورد و لا يطلب من أحد أن يسقيه .

بهتت أحاسيسه مرة أخرى و في اللحظة التالية وجد نفسه يقف بجوار طاولتها ، يتأمل أظافرها الخالية من أية ألوان ، شفتيها المزمومتين في سكوت جامد كأنما هجر عتباتهما الكلام ، جفنيها المسدلين بإصرار و أصابعها المرتخية بإصرار أكبر .
- اكتبي شيئا على الأقل ، تمتم بخفوت و جذعه يميل شيئا بسيطا نحوها .
- كتبت اسمي دكتور .

ضيق عينيه يفك شفرة الحروف المضطربة ثم عاد ليتمتم :
- آثار مثل الممثلة ؟
- كلا إيثار مثل لا أحد ، قالتها بفتور و هي تتململ في جلستها ، هل أستطيع المغادرة دكتور ؟
- لماذا جئت بالأساس ؟ كان بمقدورك أن تكتفي بكتابة اسمك في بيتك دون أن تكلفي نفسك عناء المشوار .

صوته البارد ، كلماته الجافة ، سخريته الساطعة في وجهها ، كل ذلك كان قطرات أفاضت الكأس الفائض أصلا و دون وعي بنفسها كان وجهها يحط بين كفيها الخائنتين في إذن لمزيد من الدموع لتنهمر و تسيل ، تفضح ما فشلت أصلا في ستره .
- ما الذي حصل ؟

ربما نبراته التي لبست دفئا لا لبس فيه ، ربما شفقتها على نفسها و استخسارها لذهاب تعبها هدرا ، لا تدري أي الأسباب كان الأقوى لكنها وجدت نفسها تبوح له .
في البداية تلكأت الكلمات على شفتيها لكن حرفا فحرفا ، جملة فجملة انطلق لسانها من جموده و حرجها و حكت له ، كيف وصلت متأخرة جدا إلى الكلية ، كيف دخلت اللجنة الخطأ ، كيف لم ينتبه المراقب لعدم انتمائها للجنته سوى بعد أكثر من نصف ساعة أمضتها و هي تحل الامتحان ، كيف عندما انتبه أخيرا و هو يتحقق من هويتها أخرجها من اللجنة بعد أن أخذ ورقة الامتحان منها و ألقاها في سلة المهملات .
تفوهت بآخر حروفها ثم التزمت صمتا آخر ، فيه شيء من ندم و بعض من أمل .
أما هو فاستمع لها دون أن تتغير تركيبة ملامحه ، رسمية مع شيء من الجدية .
بمجرد أن سكتت واصل تأملها بنظرة تقييمية أخيرة ثم سار بخطوات سريعة نحو الباب .
راقبته يمد رقبته قليلا خارج الغرفة ، يرفع يده يشير نحو شخص ينتظر دخوله ثم يغادر .
تأملت وجه الساعي الشاب الذي وقف يحاول أن يتصدى لرسائل الحمام الزاجل المحلقة في سماء المكان بكل جرأة بينما يجاهد ليصرخ بتأنيب من هنا و تحذير من هناك .
عضت على شفتيها و هي تراه يعود إلى الغرفة أخيرا ، يصرف الفتى التائه و يتقدم نحوها بأجمل خطوات رأتها في حياتها .
سجنت أنفاسها داخل رئتيها و هي تراه يضع الورقة التي تحمل إجاباتها و أملها ، يفردها بأصابعه المرتبة ثم يقرب القلم من أصابعها .
رفعت عينيها ببطء لتقابل نظراته المحيرة بينما دمعة وحيدة تسيل في امتنان وصله دون حاجة لأي كلام .
من أين نبتت له هذه الفتاة سرابا يغزو صحراء حبس نفسه فيها اختياريا ، فكر و حججه تتبخر بوقاحة بينما نظراته تعود إلى رأسها المحني على ورقتها المجعدة مرارا و تكرارا .

…………………

تكسرت أنفاسه داخل صدره بألم و هو يمشي متثاقل الخطى متجها نحو المصعد .
مع صوت إغلاق باب عيادته كل مساء يباغته فجأة شعور حاد بعدم الجدوى التام لكل حياته .
خطا داخل المصعد دون أي رغبة أو اهتمام بالالتفات حوله ، حتى و الباب يفتح لم تتحرك ذرة من ملامحه .
ألقت بريهان التحية بصوت خافت على جارتيها من الطابق الثالث و الرجل الآخر الغريب لكنها لم تحظى سوى بإجابتين .
أدارت وجهها للناحية الأخرى دون أن تهتم .
رن الجرس لتخرج المرأتان بعد تحية وداعية قصيرة و تظل هي و الرجل السمج لطابق واحد لحسن حظها .
ما إن فتح باب المصعد حتى خرجت دون أن تعيد خطأها و تخسر سلاما آخر عليه .
كانت قد فتحت حقيبتها على آخرها تبحث و تبحث عن مفاتيحها و حين وجدتها أخيرا مدت يدها تخرجها فقفزت تلك الكرة الصغيرة كأنما بفعل فاعل .
- بسم الله الرحمان الرحيم ، تمتمت باستغراب و هي تشاهدها تتدحرج و تتدحرج حتى توقفت أخيرا عند عتبة الشقة المجاورة لهم و بالتحديد عند قدمي الرجل السمج ، عرفت و هي ترفع نظراتها إلى وجهه .

انتظرت ما هو متوقع ، أن ينحني و يناولها لها لكنه بدل ذلك أشاح بوجهه ، فتح بابه ثم أغلقه في وجهها .

………………………………..

تمّ



التعديل الأخير تم بواسطة **منى لطيفي (نصر الدين )** ; 20-05-19 الساعة 04:16 AM
نغم غير متواجد حالياً  
التوقيع
كنت روحي لما كان جوايا روح
مع السلامة يا حبيبي وفي أمان
مع السلامة يا أحلى حاجة فيا
الله يرحمك يا قلب كان مليان حنان