عرض مشاركة واحدة
قديم 05-02-20, 01:28 AM   #1139

نغم

كاتبة في منتدى قصص من وحي الاعضاء

 
الصورة الرمزية نغم

? العضوٌ??? » 394926
?  التسِجيلٌ » Mar 2017
? مشَارَ?اتْي » 2,980
? الًجنِس »
? دولتي » دولتي Egypt
?  نُقآطِيْ » نغم has a reputation beyond reputeنغم has a reputation beyond reputeنغم has a reputation beyond reputeنغم has a reputation beyond reputeنغم has a reputation beyond reputeنغم has a reputation beyond reputeنغم has a reputation beyond reputeنغم has a reputation beyond reputeنغم has a reputation beyond reputeنغم has a reputation beyond reputeنغم has a reputation beyond repute
¬» مشروبك   water
افتراضي

الفصل الثامن و العشرون ( الجزء الثاني )


لقد تغير معها .
فكرت بريهان و هي تقف في ساحة الألعاب في النادي العائلي القريب من مجمعهم السكني .
تدفع الأرجوحة بأوس إلى الأعلى و تحاول أن تدفع معها هجوم أفكارها .
نظرت إلى ابتسامته الطفولية السعيدة تشع شمسا صغيرة بين خصلاته الطويلة التي غطت وجهه و استجابت لها بابتسامة رقيقة هشة جدا لبستها فقط شفتاها لكن لم تصل إلى قلبها فهذا الأخير قلق خائف .
منذ أيام و هو لا يهدأ بداخلها .
منذ أن تغير هو معها .
شعرت بتغيره منذ أسبوع حين كانت تسأله بتلقائية عن جدول مواعيده فوجدت نفسها تصطدم بجدار شفاف محسوس جدا من البرود و الجمود لا تدري متى و لا لماذا أعاد هو في غفلة منها و من إحساسها بناءه بينه و بينها .
- سنية ، نادت فجأة و هي تشعر بضعف غريب في قواها كأن قلق قلبها ضرب بمطرقته فوق ركبتيها فتخاذلت ساقاها و صارتا كالعجينة .
تعالي يا سنية ، أضافت حين التفتت لها الأخيرة ، ادفعي أوس ، أنا تعبت .

جلست على مقعد قريب جدا منهما و تركت نظراتها تلاحق بعض الأطفال ، يا لحظهم ، تنهدت بتعاسة ، الفئة الوحيدة من سكان الكوكب التي يحق للمنتمين لها أن يكونوا غافلين و لاهين .
رأت بعض الأباء يتجولون برفقة أسرهم فتفقدت الوقت على شاشة هاتفها ثم عادت بنظرها إلى جسد أوس المتأرجح .
ما به أبوك حبيبي ، خاطبته في سرها .
كان المفروض أن يتواجد بينهم الآن مثلما تعود منذ أشهر و قد التزم جدا بهذه الخطوة بل و كان كل مرة يتقدم عن الأخرى فلم يعد يكتفي بالجلوس و المراقبة و صار يضحك ، يلاعب أوس و سنية و حتى أبناء أختها و أخيها حين يتواجدون معهم .
و الآن يعود ليتقهقر و يعود خطوات كبيرة إلى الوراء و تعود أحلامها معه بحياة طبيعية لتذبل و تذوي .
في الواقع هو لم يتقهقر فقط بل تدهور إلى نقطة ما قبل الصفر ، هو الآن أسوأ من بداية زواجهما فلم يبتعد عنها عاطفيا فقط بل ابتعد عنها جسديا كذلك .
منذ أيام طويلة و ليال أطول و هو يهجر حضنها دون أي سبب مقنع .
- سنية ، نادت ثانية و قد أعدى يأسها نبراتها فانطلقت جافة كسيرة ، توقفي الآن ، أحضري أوس و تعالي ، سنعود إلى البيت .
سارت ببطء تمسك كل منهما في يد و تنظر إلى بطنها و تفكر هل عساه الجنين الذي يتكون ببطء داخل رحمها يكون ورقتها الرابحة معه .
وصلت أمام شقتها الزوجية ، توقفت قليلا بتوهان ثم تركت يد أوس و فتحت حقيبتها تبحث عن سلسلة مفاتيحها .
بعد تردد بسيط استدارت بجسدها و بدل أن تفتح باب شقتها تقدمت تطرق على باب شقة والدتها .
بعد عدة طرقات شارك فيها أوس بحماس كبير ، فتح الباب ظهرت وراءه السيدة جلنار تحمل آثار نعاس طفيف فوق ملامحها .
- آسفة ماما ، يبدو أننا أيقظناك .
- لا أبدا حبيبتي ،أنتم فقط انتزعتموني من نومي نزعا .

علقت جلنار و هي تفتح ذراعيها لربيب ابنتها و أكملت و هي تمرر شفتيها بحنان بين خصلاته الناعمة :
- لكن لو كان الثمن هو رؤية هذا السكر فأنا و قلبي المسكين سنتحمل .
- سلامة قلبك ماما ، تمتمت بريهان و هي تنحني قليلا تهدي لخدها قبلة دافئة .

وقفت قليلا وسط الردهة تنعش قلبها برائحة ذكرياتها داخل هذا البيت لكنها ضربها فجأة الشعور بعدم الانتماء إليه .
فلطالما كانت نفسها رحالة لا تنتمي إلى مكان بل إلى أصحاب المكان و هو نديم صار ملك كل الأمكنة .
رن اسمه بقوة في ذهنها فاستدارت لأمها تقول بنعومة :
- ماما سأترك أوس عندك الليلة ، ما رأيك ؟
- تعرفين أني لا أمانع حبيبتي ، صوت أمها صار متأففا قليلا و هي تستدير نحو الطفل و تكمل ، ربما عليك أن تسأذنيه هو ، تعلمين أنه يهدأ عندي ساعتين فقط ثم يبدأ بالبكاء و مناداتك .

تنهدت بريهان و قلبها يضعف جدا بداخلها لكنها سبق و قررت أن هذه الليلة ستكون له وحده ، زوجها المتغير عليها ، ربما يحتاج أن يفضفض قليلا أو أن يصمت طويلا ، أيا كان ما يريده فهي ستوفره له ، المهم أن لا يعود لارتداء حزنه و جمود عاطفته فلا شيء يضاهي قسوة جفاءه بعد حلاوة قربه .
تسلحت بكامل إرادتها و بشيء من الصعوبة ركعت على ركبتيها ، حضنت ودي أوس وأخذت تداعبهما بأطراف أصابعها و تغمغم له بحنانها الفطري الذي زادته عاطفتها نحوه اشتعالا :
- حبيبي ، ماما بيري متعبة و ستتركك الليلة مع سنية و "تيته" جوجو ، هما ليس لديهما رجل و أنت ستظل معهما لتحميهما ما رأيك ؟
- و أنت و بابا نديم لماذا لا تظلان معنا ؟
- لأننا سنخرج حبيبي و ربما نعود متأخرين و ستكون أنت نائما وقتها كبطل مؤدب مطيع .

بدأت بوادر عند تظهر في التدلي المتباكي لشفته السفلى فأسرعت بريهان تقول :
- سنية حبيبتي ضعي له قصة الأرنب و السلحفاة على لوحتك الرقمية .
- هادل " حاضر " ، تمتمت سنية بصوتها الذي يتحسن كل يوم .

راقبته يجري وراءها داخل البيت فبدأت القيام بعسر و هي تستند بيد على الأرض و تمسك بطنها باليد الأخرى .
قامت لاهثة و استدارت تواجه أمها و تقول بابتسامة مستغربة :
- يا إلاهي ماما ، كلما أركع أرضا و أقوم أشعر كأني جمل برك على الأرض .
- على مهلك حبيبتي ، همست أمها و هي تسرع إليها لتحيط خصرها بذراعها .
هل ستخرجين الليلة و أنت في هذه الحال ؟
- أنا بخير حال ماما ، طمأنتها بضحكة خفيفة و هي تقبلها على خدها تمسح القلق الأمومي عنه .
- إلى أين إن شاء الله ؟
- رشا زوجة الدكتور شوكت صديق نديم دعتنا للعشاء لديهما و نديم وافق أخيرا على قبول الدعوة و مادام نديم وافق فهل تتصورين أن أرفض أنا بسبب مجرد إرهاق بسيط ؟

لم تركز جلنار على الكلمات بقدر ما ركزت على عدد المرات التي نطقت فيها ابنتها اسم زوجها في جملة حوارية واحدة .
نظرت إلى وجهها الجميل الشارد و نضح من نظراتها إليها مزيج غريب قوي من المشاعر .
- ما بك ماما ؟ تمتمت بريهان بشيء من القلق و هي ترى التماعة دمعة مراوغة داخل مقلتي أمها .

ضحكت الأخيرة تطرد شكوك ابنتها و تكتم دمعتها بينما تقول :
- ذكرتني بنفسي حبيبتي ، كنت لا أمل من ترديد اسمه .

كم يختلط الشجن بالشوق ، الحزن بالسعادة كلما أتت سيرته كما تختلط أمطار نهار صيف بدفء نسماته .
حضنت بريهان أمها و استسلمت الأخيرة لأحضانها و هي تحمد الله على سلامة قرارها ، صحيح أنها خسرت القرب الاستثنائي بينها و بين ابن أخيها الذي إلى اللحظة يرفض فكرة ارتباط بريهان بآخر و صحيح أيضا أن أخوها و زوجته انضما نوعا ما إلى صف ابنهما و تنادرت زيارتهما حتى كادت تصير عدما لكن كل هذا يهون أمام رؤية الشبح الذي كانت عليه ابنتها ينهض من ركوده و يشع و يحيا .
*
*
بعد ساعات ، جلست بريهان على الطاولة الدائرية في غرفة طعام منزل شوكت و رشا ، تبادل الأخيرة حديثا اصبغ معظمه بمرح الأخيرة التي لم تصدق حظها كما قالت و هي تسمع منهما أنهما أخيرا سيقبلان دعوتهما الألف بعد المليون للعشاء .
كانت بريهان ترد بشيء من عدم التركيز بينما نظراتها تنفلت منها كل بضع لحظات لتأخذا جولة سريعة على ملامح نديم الذي على عكسها كان مركزا تماما لا تهرب منه أي نظرة تجاهها بينما يستمر في تبادل بعض الحديث السياسي مع شوكت .
تنهدت ببطء و أنزلت عينيها إلى طبقها تتظاهر بالأكل و تترك العنان لعقلها ينسج خططا و يؤلف مشاهد ستقوم هي بدور البطولة فيها الليلة .
تنهدت مرة أخرى بصوت شبه مسموع و يدها تتوقف عن تحريك الملعقة و تضعها بآلية على حافه طبقها بينما تختار في سرها قميص النوم الذي سترتديه له بعد ساعات قليلة و اللمسات التي ستنثر بها أشواقها على جسده .
- بيري أخبريني هل درست إيتيكيت ؟

سقطت بريهان من عرش شرودها فأخذت تتأتئ بحرج و احمرت وجنتاها كأن تخيلاتها الفاضحة صارت مرئية في مسرح مفتوح .
- ما ماذا ؟ ، بلعت ريقها ثم تمتمت بعد أن حلل عقلها السؤال ، صوتها لم يزايله الارتباك ، لا اختصاصي في الكلية بيولوجيا و حاليا أعمل في شركة لأبحاث الغذاء .
وضعت رشا يدها بلطف على ذراع بريهان في محاولة لتخفيف حرجها الظاهر و قالت بمرحها التلقائي :
- أنا أعلم طبعا أنك لم تدرسي إتيكيت في الكلية ، فقط المجانين مثلي هم من يفعلون لذلك أنا محظوظة بزواجي من طبيب نفسي .

غمزت لشوكت فضحك بصوت عال و شاركه نديم بابتسامة واسعة خفق لها قلب بريهان و تعلقت عيناها مبهورتان بصف أسنانه الساطع الذي تراه لأول مرة بهذا الوضوح و بهذا الصدق .
عادت رشا تتوجه إليها بالحديث فلتفتت نحوها رغما عنها .
- أنا أقصد حبيبتي هل أخذت كورسات في الإيتيكيت أو ثقفت نفسك عن طريق النت مثلا ؟
- لا ، تمتمت بريهان و عيناها تتسعان باستغراب متسائل .
- أنا أسأل لأنك تبدين و كأن لديك خبرة بالمجال ، طريقة وضعك للملعقة على حافة الطبق مثلا ، الطريقة التي تستندين بها على الطاولة ، الطريقة التي تأكلين بها الخبز و تقريبا كل حركاتك تتبنى قواعد الإيتيكيت بدقة .
- أنا فقط أتصرف بتلقائية ، غمغمت بريهان و الحرج يخضب خديها بلون الورد الفاتح ، هناك أشياء أشعر أنها مناسبة أفعلها و أشياء أخرى أشعر أنها لا تصح فأتجنبها .

صفق شوكت بيديه جالبا انتباههم جميعا لديه بينما رفع هو كأس عصيره كأنه يشرب نخبا و يقول بصوت مسرحي :
- مدام بريهان اسمحي لي أن أقدم لك شهادة الدكتوراه في فن البساطة و هي دكتوراه لن تكلف زوجك المسكين نصف ثروته و نصف شعرات رأسه .

هذه المرة احتاجت أن ترفع يدها و تضعها بقوة فوق فمها لتكتم قهقهاتها قبل أن تجمح عن سيطرتها و تعلو كاسرة حاجز تحفظها و التزامها .
بعد انتهائهم من العشاء جلسوا بودية في الصالون العصري المليء بنباتات الزينة .
- جميعها حقيقية ؟ تساءلت بريهان بإعجاب و هي تمد يدها لتلمس إحداها التي كانت على شكل وردة واسعة البتلات لكن خضراء اللون كأنها نوع من الصبار .
- طبعا حقيقية ، ردت رشا و نبراتها تتلون بفخر واضح ، لا أحضر لداخل بيتي أي شيء مزيف يكفي الزيف الذي نواجهه يوميا في الخارج .

تنهدت بإحباط و أضافت :
- خاصة في مجال عملي كمدرسة لقواعد الإيتيكيت ، ليس لديك فكرة عن نوعية الناس الذين أتعامل معهم .
- أستطيع أن أتصور ، تمتمت بريهان و هي تبدأ في شرب كوب اليانسون الخاص بها .

غير بعيد عنهما كان الرجلان صامتان ، نديم مائل قليلا ناحية شوكت و الأخير يطلعه على بعض المقالات التي يعدها لمؤتمره الطبي القادم .
- و أنت بريهان ؟ قالت رشا تبني جسرا ثانيا للحديث بينهما .
- أنا ماذا ؟
- هل أنت مرتاحة في عملك ؟
- أنا ؟ أبدا .
- حقا ؟!

الاستغراب لم يسكن فقط نبراتها بل استوطن كذلك نظرات نديم التي ارتفعت تراقب تقاسيمها التي قتمت قليلا و ازداد اهتمامه و هو لأول مرة يستمع إليها تعترض على شيء ما .
- عملي روتيني ممل خانق جدا وفي معظم الأيام يصيبني الإحباط و أشعر أن سنوات تعبي في دراستي ذهبت هدرا .

تحرك قلبه بقوة بداخله و هو يرى لمعة التعاسة الآسفة داخل مقلتيها لكنه عاد و تحجر و بردت نبضاته و هو يسمها تضيف بينما تهز كتفيها :
- لكن مديرتي لطيفة و طيبة جدا معي لذلك من واجبي أن أتحمل .

واصلت حديثها لكن كل الكلمات ماتت على عتبات سمعه لأن كلمة واحدة توقفت كصخرة تسد استيعابه لغيرها .
كلمة " واجب " .
*
*

بعد دخولهما شقتهما توجهت بريهان فورا لأخذ حمام دافئ تطفئ به نوبة الحر التي داهمتها فجأة ثم غيرت ملابسها تفعيلا لخطتها من أجل هذه الليلة و توجهت إلى المطبخ .
من تحت جفنيه المثقلين راقبها نديم تدخل عليه الصالون حاملة صينية فوقها كوبين من النسكافيه .
تقدمت نحوه أكثر فتأملها بنظرة تفصيلية ، كانت مرتدية فستان حمل رقيق جدا ، بخصر مرتفع و مشدود حول أعلى بطنها برباط دقيق عقدته جانبا و تدلى طرفاه يتراقصان مع حركتها الناعمة .
حافته تصل حتى ركبتيها فكيشف عن ساقيها الناعمتين اللتان زادهما الامتلاء إثارة و لسوء حظه قماشه الشفاف لا يخفي ما فوقهما .
انحنت ببطء بدا له مقصودا ترتب مفرش الطاولة قبل أن تضع عليه الصينية فبان نعيم مفاتنها ، تحفز جسده فأشاح بوجهه لاعنا هرموناته الذكورية المضادة للكرامة .
الليالي السابقة قضاها في إعادة ترميم أسواره السابقة و ظن أنه نجح لكن هاهي كل الأسوار و كل القلاع يطيحها قماش قميص نوم شفاف .
لكن الليالي التي مضت نوع و هذه الليلة نوع آخر .
الليلة ستكون مقاومة قربها ضربا من الخيال و ستصير حرب استنزاف لأعصابه .
جلست بريهان بجانبه بلطف ثم وضعت الكريم بجوارها و بدأت تفتح أعلى أزرار قميصه .
نظر نديم إلى أصابعها الرقيقة تتحرك ببطء على صدره ، بطء مراع جدا .
أطلق زفرة قصدها مرتفعة حادة فتوقفت أصابعها عن الحركة و رفعت نحوه عينين متسائلتين .
- ألم أخبرك بريهان أنني لا أريد الكريم بعد الآن ، تمتم و هو يضع يده فوق يدها يمنعها من مزيد من الحركة

نبراته كانت جافة جدا فيها خشونة آلمت صدرها ، تنفست بصعوبة و قالت بارتباك و هي تسدل جفنيها :
- أنا آسفة ، ظننت أن .
- لا تظني شيئا بريهان

كفه فوق أصابعها كانت دافئة للغاية و قلبه تحت يدها هادرا .
شفتاه المنفرجتان بيهما نداء صامت صاخب شوقا فهو من الواضح جائع لقربها و يتلهف لوصالها تماما مثلها إن لم يكن أكثر .
رفعت عينيها نحوه فقابلت جفنه نصف المسدلين ، من خلال الفتحة الضيقة عيناه بدتا ناعستان و رغم ذلك بهما يقظة قوية غريبة كأنه يسألها و يطالبها بما تجهله .
أبعد يده عنها فتحركت يدها لتقفل الأزرار الثلاثة التي فتحتها ، قبض عليها بصرامة و أزاحها عنه و وضعها فوق حجرها .
انحنى كتفاها تلقائيا أمام ثقل بروده و جلست تتجمد كل لحظة أمام التيارات الثلجية المنبعثة منه تجاهها .
بعد لحظات من الصمت المتوتر رأته يمد رجله اليمنى أمامه و تعبير متجهم قاتم يكسو وجهه فوقفت فورا تحضر له المقعد الجلدي القصير و تحركت لتضعه تحت قدمه .
دفعه بقوة فانتفضت هي بشدة .
ثبت نظراته القاتمة داخل لجج عينيها الحائرتين و قال بهدوء بان فيه غيظه :
- من قال لك أني أحتاج ذلك الكرسي .
- أنا ظننت أنك .. سكتت و بريق عينيه القاسي يقاطع بقية كلماتها
- أخبرتك منذ قليل أن لا تظني شيئا .

وقف دفعة واحدة كجبل جليد قاس ثم قال محذرا :
- بريهان هذه آخر مرة تعاملينني فيها كأطفال الشوارع خاصتك .

اتسعت عيناها فورا باستهجان مصدوم و هي تقف أمام طوله الشاهق كطفلة تعنف على واجب لم يطالبها أحد بأدائه .
خيبة كبيرة سكنت قلبها تجاهه و قالت بلوم لم تحاول أن تخفيه :
- مع أني أعاملهم كما أعامل أي شخص دون أي انتقاص منهم لكني لا أتعامل معك مثلما أتعامل معهم ، في الواقع أتعامل معك كما لا أتعامل مع أي شخص آخر .

استدار إليها عيناه مسمرتان بشدة على ملامحها .
- إذن كيف تعاملينني بريهان ؟
أو لنغير السؤال ، ما ذا أكون أنا بالنسبة لك ؟
- تكون زوجي ، هتفت فورا و أصابعها تتقلص بتوتر قلق فوق قماش فستانها البيتي .
- فقط ؟ رفع حاجبه متسائلا ، متهما .

و مع أنها تجهل تهمتها أجابت بدفاع :
- و تكون والد ابني ، همستها بلهفة و هي يدها تتحرك لا شعوريا لتستقر فوق أسفل بطنها .

رأت بقايا الدفء المهاجر داخل عينيه فأضافت بصدق :
- و تكون صديق روحي .
- صديق روحك .

كرر الكلمة بطريقة جعلتها تشعر كأن كل حرف هو شوكة حادة يغرسها في قلبها .
التفت مغادرا فسألته بتردد :
- لن تشرب قهوتك نديم ؟
- سأنام بريهان .

سار بخطى واسعة يضخم المسافة بينها و بينه عل ألمه يسقط في هوة البعد .
كانت هناك أشياء تجاوزته من قبل لكن الآن بعد أن شاهد بكاءها العنيف فهم النزاع الذي تعيشه .
ذلك البكاء و دموعها يوم صباحيتها لا تفسير لهما سوى الندم و إن لم يكن ندما فهو ألعن .
هو شوق و ليس إليه هو ، زوجها .
*
*
بعد ساعات ، في قلب الظلام الحميمي لغرفتهما
استيقظ على لمساتها التي سرعان ما تلاها نداء رغبته فيها .
أصابعها المتحركة بإغواء فطري على عضلات أعلى ذراعه نقلت له شوقها الجارف إليها و لم يكن هو بعد كل هذا الحرمان ليرفض .
استدار بجسده يأخذها بين موج ذراعيه ، يغرقها و يغرق معها في بحر لا يريد أي منهما ليصل فيه إلى أي قرار .
فجأة و من عدم حرارة تجاوبها معه زادت من إلهاب جرحه .
شفقة و رغبة ، هذا ما لديها من أجله .
استمر جسده يلاقي جسدها بينما عقله يعانق كلمات لا تنسى ، وشمت فوق صدر ذاكرته .
الواجب هو ما يبقينا .
توحشت شفتاه فوق شفتيها
هل ترضى بامرأة بلا قلب تقدمه لك ؟
و هو تنازل و رضي ، رضي
لكن هي لم تتنازل و لم تخلف وعدها للآخر
شرست يداه فوق جسدها
هو مبتغاي و هو منتهاي ، زواجي من غيره لن يكون سوى رحلة
رحلة ، رحلة
ظلت الكلمات تضربه و تجلده بينما هو يتملكها جسدا و ليس قلبا
فالفتاة الرصينة جدا التي تتلوى في حضنه الآن تربط نفسها به فقط برباط الواجب ، تعامله بمودة و رحمة و هي لا تقصر لا ينكر لكنها تحفظ قلبه في رف بعيد عن متناوله لأنها لا تراه يستحقه .
هو الذي أحبها ، أحبها بل تقريبا صار يعيش بها و لها .
خان العهد و سمح لنفسه بتوديع الوجوه الغائبة من أجلها .
دفن حزنه ، غيب ألمه ، قهر وجعه و أعاد لملمة شتات روحه من أجلها .
من أجلها هي أكثر من أي شخص آخر .
أكثر حتى من ابنه لحمه و دمه .
و هي بالمقابل مازالت تبكي ميتها و تقول له في وجهه أنها تعتبره صديقها !
كيف قالتها لتجعلها أقل ألما .
صديق روحها !
رقد بجانب جسدها لاهثا متألما ، انطفأ اشتعال رغبة جسده لكن لم ينطفئ حريق قلبه .
تصاعدت أدخنته قاسية مريرة تحجب ضوء العقل و المنطق عنه .
- نديم ؟

هسمتها باسمه مزقت رداء الصمت الممتد بينهما و ظل التساؤل الحائر فيها معلقا كرنين هاتف لا يستجاب له .
ثم كسر هو الصمت و الألم حين استقام جالسا بعنف و أطلق حرائق صدره في شكل زفير ساخط طويل .
قام من الفراش بقسوة عنيفة فانبعثت شهقة خافتة منها .
وضع قميصه كما اتفق و لمحها بطرف عينه تبدأ بالقيام .
- بريهان لا تتبعيني .

خرج إلى شرفة الصالون و وقف بجمود ينظر إلى الأعلى كأنه يستحم بنسمات آخر الليل الصقيعية ثم فجأة أحنى رأسه ينظر للأسفل و قبضته تضرب الجدار القاسي بقوة .
هل سيظل هكذا يعاني كل ليلة ؟
يخرس نداء غريزته و يصم قلبه عن نداء جرحه .
و كيف يضمن لنفسه أنه بعد قسوة جسده على جسدها هذه الليلة بأنه لن يعود مجددا لينتقم فيها لوجعه منها كل ليلة .
*
*

بعد يومين سمعته بريهان يفتح الباب فخرجت من الصالون إلى الردهة ، رأته يغلق الباب دافعا إياه بعقب حذاءه ثم يتجه نحو غرفة مكتبه و هو طوال الوقت مشغولا بمكالمة هاتفية .
تقابلت عيناهما فأشاح فورا بنظراته و أغلق الباب وراءه .
فقط لحظات قضتها مصدومة و عقيمة الفهم قبل أن يفاجئها و هو يندفع خارجا متجها نحو غرفة النوم
مذهولة تبعته خائرة الخطى و وقفت عند الباب تراقب حركاته الهوجاء و هو يفتح حقيبة سفر متوسطة الحجم ثم يبدأ بإلقاء قطع من ملابسه كما اتفق .
تقدمت و مدت يدها تحاول أن تساعده فنفض يدها بقوة .
نظرت له و الصدمة داخل وجهها تتحول إلى ألم و بنبرات مرتجفة تمتمت :
- نسيت أن تضع ملابس داخلية .

دون كلام مد يده يفتح الدرج بعنف حتى أوقعه أرضا ثم أخذ منه كومة و حشرها حشرا داخل الحقيبة .
- و آلة الحلاقة ، ذكرته بهمس .
- ستسافر ؟

لكنه وقف و انحنى على حقيبة يقفلها مصرا على صمته .
- نديم من فضلك أنا أكلمك .

و دون أن ينظر إليها قال ببرود :
- و أنا لا أريد أن تكلميني .
- لماذا ما الذي حصل ؟ نديم ..
- بريهان من فضلك لا تضغطي علي ، في هذه اللحظة أنا لا أطيق أحدا .
و بنظرة يطوف الألم فيها كأسطول سفن يركب موج عينيها الأزرق ، همست و هي ترفع يدها إلى صدرها
- حتى أنا ؟
- حتى نفسي .

تركها غارقة في ألمها و سار ثائرا نحو باب الخروج .
بسرعة لحقته ، أمسكت ذراعه و بلهفة ملتاعة همست:
- نديم أرجوك لا ترحل .
رطبت جفاف شفتيها و أضافت بصوت مرتعش
- لا تنزوي بنفسك بعيد عني مرة أخرى .
نحن تجاوزنا تلك المرحلة .

ببطء و تصميم فك أصابعها المتشبثة بذراعه ، نظر عميقا داخل عينيها الدامعتين و قال دون تعبير :
- وحدي من تجاوزت بريهان .
اتسعت حدقتاها و ارتجف النظرة المتألمة في أعماقهما .
- أخبرني فقط فيما أخطأت ، أرجوك ، أرجوك .

رأى نديم القلق في عينيها ، رأى التوسل الضعيف ، رأى الانشغال
و عرف أنها على الأرجح لن تنام لو لم تحظى منه بأجوبة
و ذلك الجزء من قلبه ، نفس الجزء الذي أيقظته هي و أعادته إلى الحياة أراد أن يطمنئنها
لكن شيطان ألمه منها وسوس له العكس وهو أطاع .
لذلك بكل صمت غادر .

*************

نهاية الفصل الثامن و العشرين



التعديل الأخير تم بواسطة نغم ; 05-02-20 الساعة 02:14 AM
نغم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس