عرض مشاركة واحدة
قديم 06-11-20, 10:07 PM   #6

Fatima Zahrae Azouz

مشرفة قصرالكتابة الخياليةوقلوب احلام وقاصةهالوين وكاتبةوقاصةفي منتدى قلوب أحلام وحارسة وكنز سراديب الحكايات وراوي القلوب

 
الصورة الرمزية Fatima Zahrae Azouz

? العضوٌ?ھہ » 409272
?  التسِجيلٌ » Sep 2017
? مشَارَ?اتْي » 2,584
? الًجنِس »
? دولتي » دولتي Morocco
?  نُقآطِيْ » Fatima Zahrae Azouz has a reputation beyond reputeFatima Zahrae Azouz has a reputation beyond reputeFatima Zahrae Azouz has a reputation beyond reputeFatima Zahrae Azouz has a reputation beyond reputeFatima Zahrae Azouz has a reputation beyond reputeFatima Zahrae Azouz has a reputation beyond reputeFatima Zahrae Azouz has a reputation beyond reputeFatima Zahrae Azouz has a reputation beyond reputeFatima Zahrae Azouz has a reputation beyond reputeFatima Zahrae Azouz has a reputation beyond reputeFatima Zahrae Azouz has a reputation beyond repute
?? ??? ~
My Mms ~
افتراضي

الفصل الرابع
الحياة كالمصعد
تضع إصبعك على الزر دون جهد
تصعد أو تهبط
قد يتعطل وأنت قابع فيه
كالحياة تمامًا لا يخلو من العطب
تارةً تجعلك في الأعلى
وتارةً في الأسفل
لكل شيء فيها علامة قد لا نفهمها أبدًا
وقد نفهمها بعد حين.

وصل مازن إلى منزله يشعر بالإرهاق الشديد مما حدث ، لم يكن أحد مستيقظًا فصعد الدرج بإهمال ملقيًا سترته على كتفه وهمَّ بالاتجاه إلى غرفته لكنه توقف عندما وجد ضوء يتسرب من غرفة أخته.
طرق الباب ودخل بعدما سمع صوتها يسمح له بالدخول ، وجدها تمارس هوايتها المفضلة "الرسم" فابتسم لها منحنيًا يطبع قبلة على جبينها.
ليست أخته فقط بل ابنته التي يعشقها كثيرًا!
-"حبيبتي إيه اللي مسهرك لحد دلوقتي؟"
بادلته الابتسامة تقف أمامه ممسكة بكتفيه ثم ضمته برفق تقول بهدوء :
-"الحمد لله على السلامة يا حبيبي..
مش جايلي نوم قولت أرسم"
نظرت له بتركيز كمن يستشف ما بداخله ، فهي أكثر الأشخاص قربًا له وتعرف ما به دون أن يتحدث فقالت بوجه متغضن :
-"مازن فيك إيه؟
عيونك تعبانة وشكلك مرهق"
تنهد بعمق مغلقًا عينيه بقوة ، ثم جلس على الفراش ساردًا لها ما حدث منذ أن رأى ذلك المقال ، ومقابلته مع هدير في الجريدة إلى آخر موقف حدث بينهما في حفلة الليلة.
شردت في حديثه ولمع اسمها في ذاكرتها كأنها تذكرت شيئًا ما ، فنظرت له بحاجبين معقودين تسأله :
-"اسمها هدير وصحفية؟"
أومئ بلامبالاة يعيد رأسه إلى الخلف يضغط على نقطة أعلى أنفه ليقلل الضغط :
-"أيوه.. هدير سالم"
حكت رأسها وعقدت بين حاجبيها أكثر تفكر فيما قاله والاسم يضيء في عقلها.
قبل أن يقطع تفكيرها صوته متعجبًا من صمتها وسؤالها المفاجئ له :
-"سكتّي ليه؟
أنتِ تعرفيها؟"
ترددت نظراتها تحول في جميع الاتجاهات تقول بثبات رافعة كتفيها بإهمال :
-"ومين ميعرفش هدير!
أوقات كتير بقرأ مقالاتها ، أسلوبها وحماسها بيعجبوني "
هزت رأسها تزيح الأفكار عنها وأعادت نظراتها إليه تقول بحزم وبنبرة قوية تستخدمها عندما تخبره رأيها في أمر ما خاصةً عندما تجده أخطأ في شيء بالرغم أنه الأكبر :
-"مازن أنت غلطت وتصرفت بشكل مش كويس معاها ، ورد فعلها على اللي عملته طبيعي ، فمن فضلك متفكرش في الموضوع على إنه عناد"
نظر لها شاردًا ، معها حق لكن كبريائه يمنعه من التغاضي عما حدث ليتذكر ما فعلته معه وكلماتها تتردد في ذهنه كمن تجبره على التفكير والأخذ بثأر كبريائه الذي بعثرته بيدها .
نهض فجأة يحيط وجهها بكفيه مقبّلًا جبينها بحنان :
-"متشغليش بالك ونامي كفاية سهر ، تصبحي على خير"
-"وأنت من أهله يا مازن ، وفكر في اللي قولته كويس"
دلف إلى غرفته ، وأبدل ملابسه ثم أشعل سيجارة ووقف في شرفته ينفث دخانها في الهواء وعقله مازال يفكر في ذات البريق العسلي ، شاردًا في شجاعتها وقوتها التي كانت تتحدث بها!
جذبته لدغتها الرقيقة عندما تنطق حرف الراء
وجذبه أكثر كبريائها وسخرية نبرتها عندما لا يعجبها حديثه!!
ظل يفكر و ينفث دخان سيجارته للأمام حتى صنع سحابة حوله ، قبل أن يلتفت يجد ضوء هاتفه يضيء وينطفئ ، التقطه يرى من المتصل فكانت نادين ، زفر بحنق ليس في حالة تتحمل حديثها ، فأهمل اتصالها وأطفأ هاتفه ثم اتجه نحو فراشه يخلد إلى النوم.
أما أسماء فكانت تبحث عن تلك النمرة التي تحتفظ بها منذ شهر مضى حتى وجدتها فابتسمت بظفر تحرك الكارت بيدها يمينًا ويسارًا ونظراتها محدقة في الفراغ تفكر ماذا ستفعل!
* * * * *
غادرت الحفل مع أسرتها ، و ظلت صامتة طوال الطريق حتى لاحظت والدتها أنها على غير عادتها..
دائمًا تتحدث وتشاكس والدها عند عودتهم من مكان ما لكن هذه المرة وجدتها مكتفة ذراعيها أمام صدرها ، تحيط كتفيها بوشاح ثقيل أسود ، محدقة في الخارج وعلامات التفكير بادية على وجهها التقطتها من عقدة حاجبيها ، فالتفتت إليها تسألها بقلق :
-"مالك يا دودو ساكتة ليه؟
فيه حاجة ضايقتك في الحفلة؟"
تذكرت ما حدث لتشتعل عيناها من الغضب الذي لم تره والدتها ، لكنها أخفته وابتسمت لها قائلة تهز رأسها بنفي :
-"لا يا حبيبتي.. بس أنتِ عارفة جو الحفلات ده مليش فيه ، وصدعت خصوصًا إني طول اليوم مشغولة مرتحتش"
نظر لها والدها من الكرسي الأمامي للسيارة قائلًا بنوع من الغموض :
-"مازن السيوفي كان في الحفلة ، وعرفت النهاردة من عامر إن صفقته الأخيرة في ألمانيا كان طلبك فيها عشان تغطيها بس أنتِ رفضتِ"
شدت على قبضتها من أسفل وشاحها تكبح جماح غضبها من الحديث عن ذلك الشخص الذي ينتهي بشجار بينها وبين والدها ، فتنفست بعمق تستدعي هالة برودها حتى لا يتشاجران :
-"أيوه يا بابا كان عاوز الجريدة هي اللي تغطي الصفقة ، بس أنا كنت تعبانة فاعتذرت"
احتدت نبرته وقد اشتعل الغيظ به من تصرفاتها :
-"ومفكرتيش تستغلي السفرية دي تثبتِ للناس إن الأمور تمام بعد المقال اللي أنتِ نشرتيه"
رفعت كتفيها بلامبالاة وذمت شفتيها بعدم اهتمام وقررت أن تثبت على هدوءها أكثر قائلة بمزاح لا يتماشى مع الموقف :
-"يعني أنزل مقال اتهمه فيه بالفساد ومن ناحية أسافر أغطي صفقته!
الناس تقول إيه منافقين؟
أيعقل؟"
نجحت في إثارة غضب والدها عندما لاحظت احتقان وجهه وبروز عروق عنقه وكاد أن يهتف بها فقاطعته تضغط على عينيها بقوة ويأس :
-"بابا عشان خاطري حضرتك مش شايف إننا كل ما نتكلم عنه نتخانق!
من فضلك أنا زهقت من سيرته.. مقال ونزل وهو سافر ومضى صفقات يعني متأثرش"
ثم مالت للأمام تربت على كتفه بابتسامة لطيفة مشاكسة :
-"يعني يرضيك إحنا نزعل وهو يعيش حياته عادي.. والله عيب"
بادلها الابتسام يهز رأسه بيأس مقررًا بينه وبين نفسه ألا يتحدثا معاً في الأمر مجددًا ، لتربت والدتها على قدمها بحنان وظلوا بقية الطريق في ضحك ومشاكسة حتى وصلوا إلى المنزل ، لتستأذن كي ترتاح.
صعدت إلى غرفتها وأبدلت ملابسها ، تذكرت ما حدث فغضبت وتمتمت بتعصب :
-"وقح وقليل الأدب.. أزاي يسمح لنفسه يلمسني كده!
والله حلال فيه اللي عملته فيك والكلام اللي قولته"
ألقت منشفتها بغيظ على الأريكة بعد أن جففت خصلاتها هامسة لنفسها بغيظ :
-"منك لله فورت دمي"
وفي هذه الأثناء وجدت منار تتصل بها لترفع هاتفها تجيبها :
-"ألو.. أزيك يا منار"
-"إيه يا بنتي مش قولت تكلميني إما ترجعي!"
تنهدت بعمق وجلست على فراشها تعيد شعرها للخلف تهز خصلاتها تزيح بقايا الماء المتعلقة بها وقالت :
-"ما أنا لسه راجعة.. غيرت هدومي وكنت هكلمك ، بس عمرك أطول من عمري"
ضحكت الأخرى على الجملة الأخيرة ليصلها صوتها بحماس :
-"طب قوليلي كل حاجة حصلت بالتفصيل الممل ، مش قادرة استنى للصبح إما أشوفك
ها ايه اللي حصل؟!
الحفلة كانت حلوة ولا لا؟"
زفرت بيأس لكنها ابتسمت بقلة حيلة تعلم صديقتها لن تتركها إلا إذا أخبرتها بكل شيء ، كما أنها شكرت ربها أنها أتصلت ؛ فقد كانت بحاجة إلى شخص تتحدث معه وتنفس عن غضبها ، ومنار هي أقرب شخص لها و من ستفهمها.
قصت عليها ما حدث بينها وبين مازن وما فعله معها حتى ركلته وما قالت له ، وصلتها شهقة من الجانب الآخر وصرخت بها بنبرة صادمة :
-"يا نهار أبيض كان حاضنك!
وكمان ضربتيه.. يا جبروتك"
اشتعلت عيني هدير من الغضب واحتقن وجهها ، تكاد تمزق الفراش من الغيظ :
-"أقسم بالله مش مقامه اللي عملته ولا اللي قولته ، ده عاوز تربية من أول وجديد.. بني آدم قليل الأدب"
حاولت منار كتم ضحكتها حتى لا تزيد من غضبها فقالت بنبرة مسيطرة حتى تهدأ :
-"طب اهدي ، موقف وعدى وأنتِ خدتي حقك.. أنتِ عارفة إنك تضربي واحد زي مازن معناه إيه؟
ربنا يستر وينسى الموقف"
لتجيبها الأخرى باشتعال أكبر :
-"ينسى ولا يشرب من البحر . المهم أنا هأقفل لأني بجد مش قادرة أواصل ، يلا أقابلك بكرة"
أغلقت الخط ثم أستغفرت ربها ونامت حتى تستطيع الاستيقاظ باكرًا لعملها.
* * * * *
لا تستسلم لمشاعرك السلبية
افعل ما بيدك كي تنعش ذاتك
حتى تستطيع التواصل وتمضية الأيام بحماس
قررت في الصباح أن تركض ، فذهبت إلى النادي ، ومنه إلى الساحة المخصصة للتدريب وظلت تركض طوال ساعتين ، عسى أن تخرج الشحنة السلبية المخزنة داخلها.
وجدت من تهتف باسمها فاستدارت لتجدها فتاة ذات وجه مألوف لكنها لا تتذكر أين رأتها من قبل!
فنظرت لها بحيرة قبل أن تسألها :
-"بتنادي عليا؟"
-"أيوه أنتِ"
تقدمت منها بابتسامة جميلة على محياها حتى وقفت أمامها ، لتتأملها هدير بصمت.. فتاة مماثلة لطولها نوعًا ما ، بنية العينين بأهداب طويلة يعلوها حاجبان منمقان ، وخصلات بنفس لون عينيها ، شفاه رقيقة لامعة ، فابتسمت لها بتردد قائلة :
-"بس بعتذر مش واخدة بالي.. إحنا أتقابلنا قبل كده؟!"
مدت لها يدها ومازالت على ابتسامتها :
-"أنا أسماء عز الدين تقابلنا من شهر تقريبًا في معرض لوحات لو تفتكري"
عقدت هدير بين حاجبيها بتفكير ، تستعيد الذكرى..
كان يقام معرض للوحات يعرض فيه الرسامون صغار السن أعمالهم ، هي من محبي الفن وهذه المناسبات تحب تشجيع هؤلاء الشباب.. وفي نفس المكان كانت أسماء تستكشف اللوحات تكتسب خبرة أكثر تدقق في أقل التفاصيل وأبسط اللوحات حتى تتعلم أساسيات هذا الفن.
انتهى الحفل وخرجت هدير فوجدت فتاة تقف بمفردها في هذا الوقت من الليل ، كادت أن تقود سيارتها وتذهب لكن ما إن وقع نظرها على وقفتها المتوترة حتى هبطت وتوجهت إليها ، اقتربت تضع يدها على كتفها مما جعل الفتاة تنتفض وتعود للخلف خطوتين فابتسمت هدير قائلة بنبرة هادئة :
-"متخافيش.. أنا بس شوفتك واقفة لوحدك خوفت عليكِ وخصوصًا المكان فاضي والوقت أتأخر"
نظرت لها بتوتر ولكنها شعرت بالراحة نسبيًا عندما وجدتها مبتسمة ووجهها يبدو عليه الألفة فقالت تعيد خصلاتها خلف أذنها:
-"بصراحة أنا مستنية السواق يجي"
أومأت بتفهم تذم شفتيها لتقول :
-"بس يا..... معلش اسمك إيه الأول؟"
ابتسمت الفتاة مجيبة :
-"أسماء.. اسمي أسماء عز الدين"
مدت لها الأخرى يدها مبتسمة :
-"وأنا هدير سالم"
صافحتها بثغر مبتسم وقلب مرتاح من بشاشتها ، فتابعت هدير حديثها قائلة :
-"بس الوقت أتأخر ومينفعش تقفي كده.. ممكن تكلمي السواق تشوفيه فين لو هيتأخر أنا ممكن أوصلك في طريقي"
هاتفت أسماء السائق فأخبرها أنه حدث عطل في السيارة مما أدى إلى تأخره وسيأتي بعد عشرة دقائق.. أغلقت معه وأخبرت هدير ما قاله لتقنعها أن تعيد مهاتفته تخبره ألا يأتي وأنها ستقوم بإيصالها.. وبالفعل فعلت ما قالته ثم صعدت معها السيارة قائلة بأسف خجول :
-"هاتعبك معايا بس لو أعرف كنت عملت حسابي وجيت بعربيتي"
التفتت لها بابتسامة تهز رأسها بنفي :
-"مفيش تعب ولا حاجة وبعدين إحنا بقينا أصحاب خلاص"
بادلتها الابتسامة بمثيلتها :
-"أكيد دي حاجة تفرحني"
أوصلتها إلى بيتها بعد أن أخبرتها بالعنوان وتبادلوا أرقام الهواتف ، فشكرتها على وعد بلقاء آخر عن قريب.
* * * * *
عادت من الذكري تبتسم بفرح وبادلتها التحية برحابة :
-"أسماء.. أيوه طبعا فكراكِ ، عاملة إيه؟"
-"الحمد لله ، أنا هنا في النادي على طول بس أول مرة أشوفك"
ضحكت بسعادة لرؤيتها وقالت بوجه مشاكس وأنف متغضن بمرح :
-"أصل مش مواظبة على هنا ، يعني وقت ما أخد نفسي من الشغل باجي أصفى دماغي"
ابتسمت لها أسماء وقالت تلتفت حولها كمن تبحث عن شيء ما:
-"طب إيه رأيك أعزمك على عصير ونتكلم"
ضحكت الأخرى وداعبتها غامزة بعينها بمرح :
-"عاوزة تدفعي ليا حق التوصيلة ولا إيه؟
تعالي نقعد ونتكلم وتعزميني على عصير"
وضعت ذراعها بذراع أسماء وصوت ضحكتهما يعلو حتى جلستا تتحدثان.. وفي خوض حديثهما وجدتا فتاة قادمة باتجاههما حتى اقتربت منهما موجهة حديثها لأسماء :
-"سمسمة أخبارك إيه؟"
رفعت نظرها إليها فوجدتها نادين ترتدي بنطال قصير للغاية ، وفوقه كنزة بحمالتين رفيعتين بيدها مضرب للتنس فأغمضت عينيها تتنفس بعمق قبل أن ترفع نظرها مرة أخرى لها قائلة بابتسامة مصطنعة تشير لهدير :
-"أهلًا يا نادين ، أعرفك هدير سالم الصحفية المشهورة"
ناظرتها نادين من علو بغرور وأنفة ، تشملها في جلستها من أعلى لأسفل تقيمها بنظراتها كمن تقارنها بها لتقول :
-"مش أنتِ الصحفية اللي بسببها رأفت منصور دخل السجن ، بس يا حرام شكلك متعرفيش مكانة رأفت وأنه أكيد هيطلع منها"
استندت هدير للخلف ويدها تداعب كأس العصير أمامها ترسم ابتسامة على جانب ثغرها قائلة :
-"يطلع أو لا مش مشكلتي يا أنسة نادين"
هزت الأخرى رأسها بأسف ساخر تلقي بخصلاتها للخلف في حركة أظهرت غرورها :
-"للأسف الصحافة اليومين دول بتكتب لمجرد الشو لكن مش بيفهموا حاجة في لعبة الاقتصاد والأعمال"
وضعت هدير كفها أسفل ذقنها وأجابتها بشفاه مذمومة وحاجبين معقودين بنبرة باردة :
-"متهيألي أن بتوع الاقتصاد والأعمال ميفهموش حاجة في الصحافة وهي تقدر تعمل إيه؟"
طالعتها نادين بغضب وغيظ من ثقتها التي تتحدث بها وكادت أن ترد الصاع لها ، لكنها وجدت صوت قادم من خلفها :
-"صباح الخير مالكم متجمعين كدا ليه؟"
ناظرته نادين بدلال ونظرات زائغة تميل بجسدها على الطاولة تهتز يمينًا ويسارًا واضعة المضرب على كتفها :
-"أهلًا رامز.. أنت هنا بتعمل إيه؟"
رفع حاجبه الأيسر بسخرية قبل أن يجلس :
-"هو مش ده نادي.. والنادي ملك للشعب.. وأنا الشعب!"
سعلت هدير بخفوت كاتمة ضحكتها بوضع قبضتها أمام فمها في حين لم تستطع أسماء أن تفعل مثلها فارتفعت ضحكاتها بقوة تعيد رأسها للخلف ، حينها شعرت نادين بالحرج واعتدلت بانفعال هاتفة:
-"طب عن إذنكم ورايا ماتش تنس"
والتفتت إلى الفتيات تبتسم بسماجة وبرود :
-"مبسوطة إني شوفتك يا أسماء ، وأنتِ هدير أكيد هنشوف بعض تاني يلا تشاو"
غادرت فالتفت رامز ينظر إلى هدير بغموض قائلًا :
-"أزيك يا أستاذة هدير عاملة ايه؟"
-"الحمد لله بخير"
ضيق عينيه ومال بجسده يستند إلى الطاولة بمرفقيه ونظراته مازالت تحمل الغموض :
-"الظاهر إنك تعرفي أسماء كويس!!
بس يا ترى تعرفي إنها تبقى أخت مازن السيوفي؟"
نظرت هدير بدهشة إليها فتوترت الأخيرة واتسعت عيناها تنظر لرامز بشذر ليخرج صوتها مغتاظًا منه :
-"أنا أعرف هدير من قبل ما تقابل مازن ، وهي متعرفش إني أخته"
مازال على وضعه كأنه لم يستمع إليها يردف بسخرية :
-"معقولة معلومة زي دي تخفى على صحفية شاطرة زيك يا أستاذة هدير"
رفعت حاجبها بغيظ ثم قالت بصوت غاضب خرج من بين أسنانها:
-"نبرتك فيها إتهام بالاستغلال يا أستاذ رامز أنا مسمحش بيه.. أولًا أنا لسه عارفة إن أسماء أخت مازن..
ثانيًا لا مبادئي ولا أخلاقي تخليني أستغل حد عشان أوصل للي أنا عوزاه زي ما كتير بيعملوا"
كتفت ذراعيها ومازالت تحدق به بقوة واستحالت عينيها للاحتقان صامتة ، فحالت أسماء نظرها بينهما بتوتر فحاولت أن تخفف من حدة الحديث فقالت :
-"اهدوا بس يا جماعة.. وبعدين يا رامز إيه اللي أنت بتقوله ده؟
قولت ليك أنها متعرفش إني أخته وكمان متقابلين بالصدفة"
لتعقد بين حاجبيها فجأة ولكزته في كتفه هاتفة بشراسة :
-"أنت أصلًا إيه اللي جابك؟"
رفع يده باستسلام مرح وعلى وجهه ابتسامة هادئة قائلًا :
-"أنا مقصدش فآسف لو خاني التعبير.. وبعدين اللي جابني كان عندي مقابلة مع ناس هنا وشوفتكم قولت أسلم"
همت أسماء أن تجيبه بعنف فضغطت هدير على ساعدها برفق حتى تهدأ قائلة مبتسمة :
-"حصل خير يا أسماء مفيش حاجة"
ثم نظرت إليه وأردفت بهدوء وكأن شيئًا لم يحدث :
-"أستاذ رامز علاقتي بأسماء بعيدة عن أخوها حتى بعد ما عرفت إنها أخته مش هيغير حاجة لأني أساسًا مفيش عداوة بيني وبينه"
أنهت حديثها ثم نهضت تلتقط هاتفها :
-"أستأذن أنا لأن عندي شغل مهم"
هتفت أسماء بنبرة سريعة :
-"هكلمك بالليل لو فاضية"
-"أكيد طبعًا في أي وقت.. سلام"
ما إن ابتعدت حتى استدارت بغضب إلى الجالس أمامها يبادلها نظرات غضبها بأخرى عابثة فهتفت بغيظ مشهرة سبابتها بوجهه:
-"إذا كنت أنت ولا مازن لازم تبهدلوا الدنيا بدون داعي.. لا وتشجعوا بعض كمان"
أراد إثارة غيظها أكثر فقال بهدوء مستفز ، يضع كفيه خلف رأسها يغوص بكرسيه أكثر :
-"قوليلي بس إيه اللي مش عاجبك وإحنا نغيره"
صرخت به في غيظ ملقية المنديل الموضوع أمامها بوجهه في عنف :
-"قوم امشي يا رامز وبطل استفزاز.. قووم"
نهض واضعًا يديه بجيب بنطاله بابتسامة جانبية على شفتيه ورغب أن يزيد من استفزازها فهو يعشقه :
-"أنا فعلًا ماشي لأن عندي ميعاد مهم وكمان أنتو خدتوا من وقتي كتير.. سلام"
وضع نظارته الشمسية على عينيه وقام ببعثرة خصلات شعرها كما اعتاد أن يفعل إذا رغب في إثارة غضبها وذهب.. أما هي فكانت تبحث عن أي شيء تلقيه به حتى يهدأ غيظها.
جلس بسيارته يعود بذاكرته إلى الخلف أربع سنوات.. تذكرها عندما دخلت مندفعة إلى غرفة أخيها في المشفى تبكي بعنف.. خطفت أنظاره عندما وقعت عيناه عليها وبحركاتها ، قصيرة ، شعرها بلون البندق وعينيها لا تستطيع أن تحدد لونهما من بكائها ، وبشرة تنافس بشرة الأطفال ، يميزها شامة على شفتيها العليا.
يحمل بداخله متناقضات العالم
أمل.. يأس
فرح.. حزن
سعادة.. شقاء
سعيد بحبها ، شقي لعدم معرفتها بهذا الحب
كلما أراد انتشال قلبه من عالم الأوهام القابع به فإذا بحصان حبها يأخذه من عالم الأرض إلى جنة السعادة التي تظللها سماء عشقها الطاهر.
قلبه كان صحراء قاحلة ، ولكن عندما أحبها تحولت تلك الصحراء إلى جنة غنّاء
يرويها عشقها ويرعاها طيفها.
خطفت قلبه برقة صوتها عندما سألته عما حدث فأخبرها أنه كان عائدًا من سفره فوجد سيارة مازن مصدومة بشجرة إلى جانب الطريق وهو بداخلها ، فما كان منه إلا أن جاء به الي المستشفى.
أعين لامعة ترافقها ابتسامة شكر أنهت الباقي من عقله!
ومن هنا بدأت صداقته مع مازن ، حتى والدة مازن أعدته ابنها الثاني عندما علمت أنه يتيم ليس له احد.
عاد بذاكرته وابتسم بحزن يدعو الله أن يحقق أمنيته ويظفر بها.

قد يأتي أحدهم يطفو بجانبك في ظل محاربتك في الغرق كجذع شجرة يصلح للنجاة
تاركًا لك حرية الاختيار
إما التشبث به أو الاستسلام للغرق
* * * * *
اخبرني شعورك في ظل ركضك ومحاربتك
بعد أن تقطعت أنفاسك من اللهاث
تشعر بقلبك سيقتلع من خلف أضلعك من شدة ضرباته
وفي خوض سعادتك بما توصلت له
تجد ضربة قوية تهبط على ظهرك تجعل صرخاتك تتعالى
لتنظر فتجد أن من تحاربه يناظرك من أحلى بابتسامة ساخرة
نظرات متشفية كأنه يخبرك أن ما فعلته ليس سوى
هباءً منثورًا!!


في مكتب هدير بعدما تركت أسماء ، كانت تعمل وتناقش مع صديقتها المقال القادم حتى فوجئت الاثنتان محمد يدخل مندفعًا إليهم يلهث :
-"وصل ليكم اللي حصل!"
اتسعت عيني منار بدهشة من هيئته وتنفسه الهائج لتقف خلف مكتبها بقلق :
-"فيه إيه يا محمد مالك؟
بتنهج ليه.. إيه اللي حصل؟"
تنفس عدة مرات حتى يستطيع أن يتحدث ، لكنه تردد يطيل النظر إلى هدير التي تطالعه بدهشة يبتلع بصعوبة قبل أن يقول بقلة حيلة:
-"أخلوا سراح رأفت بكفالة بضمان محل إقامته"
انتفضت من مكانها بصدمة تحاول أن تستعيد كلماته الأخيرة ، فغرت فاها كي تتحدث لكنها تشعر بأن الكلمات توقفت على لسانها بصعوبة تهز رأسها بعدم استيعاب قائلة :
-"أنت بتقول إيه؟
إزاي يعني أفرجوا عنه؟"
رفعت يدها تعيد خصلاتها للخلف ، تدور من خلف مكتبها تقطع الغرفة جيئةً وذهابًا تضغط على شفتها السفلى بقوة حتى كادت تُدمي وهتفت :
-"مش فاهمة اللي حصل!
ده الورق والمعلومات اللي معاهم يودوه ورا الشمس ، ورق يسجنه مش أقل من عشر سنين!
يبقى أزاي خرج؟"
مرر محمد يده بين خصلاته ثم وضعها بخصره قائلًا بحيرة :
-"معرفش بس أكيد في حد وراه"
أخذت تفكر كيف لهم أن يطلقوا سراحه وما بيدهم من أوراق تتعلق بصفقات مشبوهة ، واستيراد مواد بناء تالفة؟!
علاوةً عن أرقام وحسابات في البنوك مشكوك في مصادرها!
معلومات كفيلة أن تضعه في السجن مدة لا تقل عن عشرة أو خمسة عشر عامًا!
التفتت له متسائلة بحيرة :
-"عرفت منين إنهم أخلوا سبيله؟
وإيه اللي حصل بالضبط؟!"
-"المفروض الأوراق اللي سلمناها للمحامي كانت تتقدم النهاردة للنيابة ، بس اختفت وتبدلت بأوراق تانية تدين ناس غيره وتخرجه براءة"
شهقت الفتاتان بصدمة لتهتف منار بتعجب :
-"أتبدلت.. أزاي؟!
فيه حاجة مش مضبوطة بتحصل أنا متأكدة"
في هذه الأثناء صدح هاتف هدير برقم مجهول ، أرادت أن تتجاهله خاصةً بعدما انتهت النغمة لكن الرنين صدح مرة أخرى فقررت الإجابة.
وما إن فتحت حتى وصلتها ضحكة تعرفها جيدًا وصوت مهما مر عليها من السنوات لن تنساه :
-"هدير.. وحشتيني"
جلست ببطء من الصدمة وأعين متسعة غير قادرة على الحديث وكأن لسانها لُجّم ليكمل بسخرية :
-"مفاجأة مش كده؟
قولت ليكِ إني راجع وإني مش هسيبك ، خروج رأفت وكل اللي عملتيه أتهد ، اعتبري إن دي بداية ، قرصة ودن صغيرة للي حصل دلوقتي و زمان.. الحساب قرب يا حبيبي"
أغلق الهاتف دون أن يستمع لها ، بل لم يترك لها الفرصة للإجابة
تركها تستوعب عودته وحديثه
تفكر فيما مضى وفيما حدث حتى لا يهدأ عقلها
خمنت الآن السبب في خروج رأفت والإفراج عنه بتلك السهولة ، فبالتأكيد هو!
لم تتوقع عودته من جديد وفي هذا الوقت تحديدًا!
لماذا الآن؟
ليست المرة الأولى التي تنشر فيها ما يخص رأفت فلماذا في هذا الوقت قرر عودته؟!
لتتسمر نظراتها في الفراغ وتنفسها يتباطأ جسدها النحيل ينتفض من الصدمة فتتناثر منه بقية قُبلات الماضي
هامسة بصوت خافت :
-"كريم!!!"


Fatima Zahrae Azouz غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس