الموضوع: وعد بلا رحمة
عرض مشاركة واحدة
قديم 22-12-20, 08:41 AM   #67

ياسمين أبو حسين

? العضوٌ?ھہ » 450896
?  التسِجيلٌ » Aug 2019
? مشَارَ?اتْي » 522
?  نُقآطِيْ » ياسمين أبو حسين is on a distinguished road
افتراضي

الفصل الرابع عشر :
************************



هدوء مريب يسيطر على الأجواء .. يعم الوجوم و الخمول و كأن الكل يتصنع الراحة و الهدوء .. قرار مصيري أخذ سريعا بشكل لا يتقبله عقل لعاقل .. و مع ذلك مصدر الهدوء الوحيد هو ثقتهم بجاسم و إستقرار حالة وعد الكل يعلم ان بداخلها شئ إنطفأ و لكن موافقتها و ثباتها يدفع الجميع للإستسلام .....

وضعت إمتثال طبق البيض من يدها على طاولة الطعام و قالت بصوت عالى :
- يالا يا روضة هتتأخرى .. يا وعد خلصتى صلاة .
خرجت وعد من غرفتها مسرعة و قبلت إمتثال بوجنتها و قالت بحماس :
- يا صباح الفل يا إمتثال .
جحظت عينى إمتثال و هى تتطلع بوعد ثم سألتها بدهشة غاضبة :
- إيه اللى إنتى لبساه ده .. إنتى هترجعى شغلك النهاردة .
أومأت وعد برأسها و قالت بتأكيد حازم :
- أينعم .. الشغل واحشنى و أنا مش حابة نومة العيانين دى .
إحتضنتها روضة من الخلف و قالت بإبتسامتها العذبة :
- سبيها براحتها يا تيتة .. هى بقت كويسة الحمد لله .
إمتعض وجه إمتثال بضيق و قالت بنبرة شديدة تحذيرية :
- هكلمك كل شوية فى التليفون .. و دواكى هتاخديه فى ميعاده .. و ممنوع تتعبى نفسك .. و هو نص يوم بس وترجعى .. و تيجى فى تاكسى بلاش الميكروباص .. مفهوم .
كانت وعد تطالعها ببلاهة من كثرة أوامرها الحازمة .. فوخزتها جدتها بغضب و قالت :
- إنتى نمتى و إنتى واقفة .
هزت وعد رأسها بقوة .. ثم سحبت كرسيها و جلست قائلة بهدوء :
- حاضر يا تيتة طلباتك كلها أوامر .
خرجت روضة من غرفة وعد تحمل هاتفها و أدويتها و قالت وهى تضعهم بحقيبتها :
- أنا حطيتلك الدوا و ظبطتلك الموبايل على الميعاد .. بس يا ريت تاكلى أى حاجة قبل ما تاخديه .
أومأت وعد برأسها و هى تبتلع ما فى فمها و قالت بفتور :
- حاضر .
مد عيسى يده بمبلغ مالى و قال لها مؤكدا بحزم :
- خدى الفلوس دى علشان تركبى تاكسى و إنتى راجعة .
تطلعت إليه بإبتسامة باهتة جاهدت كثيرا فى رسمها و قالت بإمتنان :
- شكرا يا .. يا بابا أنا معايا الحمد لله .
وضعهم أمامها و قال بنبرة آمرة :
- هتاخديهم .. و إبقى خلى حد يجيبلك فطار قبل الدوا .
أومأت برأسها و قالت بهدوء غاضب بعض الشئ :
- حاضر .
ربتت سلوى على كفها و قالت بقلق :
- لو حسيتى بأى حاجة كلمينا فورا و ما تتعبيش نفسك و إوعى تقفى فترة طويلة .
أنهت وعد طعامها و قالت وهى تقف بجمود :
- حاضر يا ماما .
شهقت سلوى بداخلها من سعادتها .. فوعد قد قالت " ماما " .. إذا فصفعه إمتثال لها مفعول السحر على ما يبدو .. فقالت لها بفرحة طفولية :
- ربنا يحميكى يا حبيبة ماما .
حملت وعد حقيبتها و فتحت الباب لعمرو قبل أن يطرق و قالت بإبتسامتها المشاغبة :
- جهزت قبلك و لأول مرة .. محتاجة تعويض و فورا .
قبل مقدمة رأسها كعادته و أشار بأنامله على عينيه و قال بإبتسامة هادئة :
- من عنيا يا عمرى .
إشرأب برأسه قليلا و قال بصوت عالى :
- صباح الخير عليكم جميعا .
أجابه الجميع :
- صباح النور .
رفع عمرو يده مودعا و قال بمداعبة :
- يالا سلام .. خلى بالك منهم يا تيتة لنرجع نلاقيهم سافروا .
أجابته إمتثال وهى تشيح بكفيها فى الهواء ضاحكة :
- يوه عليك يا عمرو .. و النبى وحشنى هزارك .
ضحك عمرو بخفوت و سأل روضة بحنو :
- رودى تيجى معانا أوصلك .
هزت رأسها نافية و هى تتناول فطورها و قالت شاكرة :
- ﻷ يا حبيبى شكرا .. أنا لسه قدامى وقت .. إمشوا إنتوا لتتأخروا .
أجابها بهدوء :
- حاضر .. السلام عليكم .
- و عليكم السلام .

إستقل عمرو سيارته و ركبت وعد بجواره .. إنطلق مسرعا فإلتفتت وعد بجسدها ناحيته و قالت بخزى مؤلم كطفلة أخطأت و تنتظر العقاب :
- أنا آسفة يا عمورة علشان ضايقتك إمبارح و قولتلك كلام يزعلك منى .
تنهد مطولا و قال بنبرة حازمة و لكنها حانية و هو يتطلع بالطريق أمامه :
- صحيح إتصدمت فيكى .. بس عمرى ما أزعل منك برضه .. و هفضل مستنى تقوليلى سبب اللى حصلك و غيرك و تعبك بالشكل ده .
فسألته وعد و هى زامة شفتيها كالأطفال لإستمالة عواطفه ناحيتها بطريقتها المشاغبة و التى لا تخطأ أبدا معه :
- يعنى مش زعلان منى خلاص .
إبتسم عمرو بهدوء و هو يعلم أنها تغير مجرى حديثهم بدهاء .. فسايرها قائلا بخفوت :
- ﻷ مش زعلان .. أنا بحبك زى بنتى مش أختى و هتفضلى الدلوعة بتاعتى لآخر يوم فى عمرى .
مصمصت وعد شفتيها و قالت بتنهيدة ساخرة :
- و لما أنا الدلوعة بتاعتك .. البت روان تبقى إيه يا عريس .
تعالت ضحكاته ثم ضربها بخفة على مؤخرة رأسها و قال بحنق :
- قليلة أدب .. إنتى مالك روان تبقى إيه .
أشاحت بذراعها و هى تقول بحدة :
- إبقى خليها تنفعك .. عروسة المولد دى .
تعالت ضحكات عمرو مجددا و هو يراها قد عادت لشرودها و حزنها و التى تحاول إخفائهم ببراعة .. و لكن على من .. فهو يفهمها من أقل تصرف و لو صغير .........

وصلت وعد لعملها .. فولجت لمكتبها و رسمت ملامح السخط و الغضب و هى تقول بنبرة لاذعة :
- إزيك يا سى سامر .. يا رب ما أكونش عطلتك .
وقف سامر مسرعا و إبتسم إبتسامة واسعة و قال بفرحة :
- أخيرا رجعت يا سوسة .. طب و الله و حشتينى .
سارت نحو مكتبها وهى تخشى التطلع لمكتب مالك .. ثم رسمت تلك الإبتسامة التى ملت منها من كثرة إستخدامها لها من الصباح لتبدو أكثر هدوئا و حيوية عكس ما تشعر به .. ثم جلست على مكتبها و هى تقول بفتور :
- أنا مش زعلانة منك أصلا .. لأن الصديق بيظهر وقت الضيق .
جلس أمامها و قال رافعا ذراعيه بالهواء نافيا تذمرها :
- ﻷ ﻷ .. كله إلا كده إنتى أختى و ربنا يعلم إنى كنت زعلان عليكى إزاى و كنت بطمن من عمرو و جاسم عليكى كل شوية .. بس أنا كنت ملبوخ فى موضوع لمى .. و كان لازم تبعد بهدوء و نتأكد إن مافيش حد بيراقبنا .
أومأت وعد برأسها و هى تحدجه بغرور و تسلط و قالت رافعة ذقنها :
- عموما أقنعتنى .. لقد عفوت عنك .
ثم وقفت مسرعة و إستأنفت بحماس و فضول :
- أكيد جاسم لايص من غيرى .. أنا هقوم أنقذ ما يمكن إنقاذه .
تركته و خرجت تمشى بالرواق و هى تحيى كل من يراها و يسأل على صحتها .. و ما أن وصلت إلى مكتب جاسم حتى رأت راندا تتحدث مع شاب و يبدو عليها الإندماج و .. و العشق ربما .. كانت وعد ستعود لمكتبها و لكن إستوقفها سؤال ذلك الشخص و هو يقول ببساطة :
- هو الباش مهندس مالك فين .. بقالى فترة مش شايفه .
أجابته راندا بتلقائية :
- مستر مالك مسافر رومانيا فى شغل .
هز رأسه متفهما و سألها مجددا بهدوء :
- شغل إيه بقا .. هو مش الباش مهندس جاسم إتفق على شحنات الخشب و رجع من السفرة الأخيرة مخلص كل حاجة .. مالك بقا مسافر ليه .
رفعت راندا كتفيها بعدم معرفة و قالت و هى تعبث بقلمها بتوتر :
- مش عارفة .. محدش قال قدامى حاجة عن الموضوع ده .
إبتسمت وعد بمكر و هى تتابع حديثهم التى قررت أن تقطعه بدخولها .. فوقفت راندا بإبتسامة متسعة و هى ترى وعد أمامها .. فإستدارت حول مكتبها و إحتضنت وعد بشوق و قالت مرحبة :
- حمد الله على السلامة يا وعد .. الشركة نورت ده مستر جاسم هيفرح قوى .
ربتت وعد على ظهرها و قالت برقة :
- وحشتينى يا راندا جدا .
- و إنتى وحشتينى أكتر .. تعالى إقعدى .
إلتفتت وعد برأسها ناحية هذا الشخص المتابع حديثهم بفضول و عادت بعينيها لراندا التى عرفتهم ببعضهم قائلة :
- ده يا وعد الأستاذ هيثم من الحسابات .. و دى يا هيثم الآنسة وعد مديرة مكتب مستر جاسم .
مد هيثم يده نحو وعد ليصافحها قائلا بإبتسامة ودودة :
- طبعا آنسة وعد معروفة .. أهلا و سهلا يافندم .
تطلعت وعد بكفه الممدودة .. ثم رفعت عينيها نحوه و قالت بهدوء قاتل :
- مش بسلم .
أخفض ذراعه بخجل و قال و هو يلتفت ليغادر :
- عموما فرصة سعيدة يا فندم .
حدجته وعد بقوة و هى تبتسم بنصر .. ثم عادت بعينيها لراندا و سألتها بشك :
- بيقعد معاكى عادى اللى إسمه هيثم ده يا راندا .
نكست راندا رأسها و قالت على إستحياء :
- أصل .. أصل هو يعنى لمحلى إنه عاوز يرتبط بيا و إننا محتاجين نتعرف على بعض أول .
هزت وعد رأسها بتفهم و سألتها مجددا بجمود :
- فى حد مع جاسم .
- ﻷ .. إتفضلى إدخلى ده طول الوقت كان متنرفز و يقول لو كانت وعد موجودة .. لو كانت وعد موجودة .. ربنا يعينك على اللى مستنيكى .
فكرت راندا قليلا ثم إبتسمت قائلة وهى تجذب وعد من ذراعها لإخفائها :
- تعالى يا وعد إقفى هنا .. عاوزة أعمل مفاجأة لمستر جاسم و أشوف ردة فعله بنفسى .
هزت وعد رأسها بيأس و أشارت بيدها كى تفعل ما تريد .. و بالفعل طرقت راندا باب المكتب فأتاها صوته قائلا :
- إدخل .
فتحت الباب بإبتسامة خرقاء و هى تتطلع إليه .. لاحظ طول وقفتها و صمتها الغريبين .. فرفع رأسه عن الأوراق أمامه و تطلع إليها بريبة من تلك الإبتسامة الغبية .. طالت نظراتهم و التى حثها بها أن تنطق و تقول شيئا .. و عند نفاذ صبره قال أخيرا بصوته الأجش المتعجب :
- إنتى هتطلعيلى البطاقة فا هتاخدي ليا صورة صح .
هزت رأسها نافية .. ثم قالت بتلقائية :
- أكيد ﻷ يا فندم .
إنتظر مجددا أن تفصح عما بداخلها .. أو عن سبب وقفتها الغريبة الأطوار مثلها اليوم ولكن لا حياة لمن تنادى .. فقرر أن يسألها مجددا بحزم قليل :
- ممكن أعرف سبب تشريفك ليا و لا هنقضيها نظرات .
وضعت وعد كفها على شفتيها حتى لا تصله ضحكاتها على تلك الخرقاء .. بينما عبست راندا و بشدة على تهكمه و عصبيته الجارحتين و قالت بتذمر :
- حضرتك عصبى جدا على فكرة .
حك مؤخرة رأسه مستلهما الصبر و هو يتمتم بكلمات من الأفضل لها ألا تصل لمسامعها .. ثم سحب نفسا طويل و زفره بهدوء و قال متحكما بغضبه :
- و على فكرة برضه من هنا لغاية ما وعد ترجع الشغل هفضل عصبى علشان يبقى عندك علم .. فايتقولى عاوزة إيه يا تقفلى الباب تانى و تسبينى بعصبيتى لواحدى .
أغمضت راندا عينيها و قالت بعدما زفرت براحة :
- الحمد لله .
رفع حاجبه متعجبا و قال بتهكم :
- على إيه بقى .. علشان هنزعل من بعض شكلنا .

- لا و على إيه ربنا ما يجيب زعل .

قالتها وعد و هى تدلف بهدوء لداخل مكتبه .. وقف جاسم بتمهل و هو يتأملها بصدمة يكاد لا يصدق عينيه .. حتى إنتصب فى وقفته و كأن حضورها قد طغى على كل شئ حوله .. ظل يتأملها بشوق و هتف بداخله و هو يتأمل جمالها بفستانها الأرجوانى الواسع و الذى يراه يهفو من حولها بسعادة :
- " شهرزاد " .

كعادتها دائما عندما تقع أسيرة لنظراته الهائمة لا تقوى على الفكاك .. و تظل تتأمل تلك العيون السوداء صاحبة نظرة ثاقبة كالصقر .. كلما حاولت التحرر من شباكه تشعر أنها تغوص معها أكثر و اليوم باتت شباكه أكثر وقاحه .....

وزعت راندا أنظارها بينهم بتعجب من ذاك الصمت المتكلم .. و خرجت بهدوء تبتسم إبتسام ماكرة .. و تركتهم لحديثهم الصامت .....
وأخيرا قررت قطع شباكه و الفرار منها و الجلوس أمامه على المكتب بثقة و قالت بنبرة تحمل كل اللوم :
- مافيش أهلا .. و لا سهلا حتى .
هز جاسم رأسه بإبتسامة متسعة و قال بيأس :
- إنتى إيه اللى جابك .
زمت وعد شفتيها بطفولة .. و شهقت بخفوت قائلة بنبرة محبطة :
- للدرجة دى .. و أنا اللى فاكرة هتفرشولى الأرض رمل و ورد .. تقوم تطردنى بالذوق .
إلتف حول مكتبه و جلس أمامها يتأملها بإبتسامته الجانبية الخاصة بها و نظراته التى دوما تخبرها أنها ملكة قلبه و حياته دون منازع أو شريك .. قائلا بصوت حنون أصابها بالصدمة :
- على قد ما أنا أسعد إنسان دلوقتى .. على قد ما أنا خايف عليكى و عاوزك ترتاحى و ما تتعبيش نفسك .
لوت ثغرها بإبتسامة مشاغبة و قالت و هى تنظر إليه بتهديد واضح و صريح :
- سيبك من الكلام ده هحاسبك عليه باعدين و قولى أخبار الشغل إيه .. سمعت إنك لايص من غيرى .
لوى ثغره و هو يقول بإمتعاض :
- بتقولى فيها .. خمس سنين .. خمس سنين بشتغل و بنجح و بكبر شغل عيلتى و دلوقتى مش عارف أعمل أى حاجة من غيرك .. ده إنتى سحرتيلى بقا .
وضعت حقيبتها على جانب و قالت بشك :
- إنت بتصدق فى السحر و الكلام ده .
إقترب منها و هو يستند بمرفقه على ساقه هامسا بهيام :
- الوحيدة اللى سحرت شهريار و قدرت تحمى نفسها من سيفه هى شهرزاد .. سحرته بجمالها و حوادتها لغاية ما إستسلم و رفع راياته كلها رغم كل الستات اللى مرت عليه .. يا شهرزادى .

لأول مرة تحمر وجنتيها خجلا .. و نكست رأسها معتدلة فى جلستها بتوتر .. ثم قالت بجدية زائفة :
- يالا نسمى الله و نبدأ بالشغل الأقدم علشان نخلص بدرى و أروح بدرى .
رغم سعادته العارمة على خجلها و تورد وجنتيها فى حضرته و من كلماته الصادقة .. إلا أنه قرر مجاراتها و العودة لأمور العمل فلم يتبقى الكثير على إمتلاكه الحصرى لها .. شهرزاده .........

إستمروا فى العمل لساعات و لم ينتبهوا لذلك الغاضب و الذى إقتحم جلستهم بغضب هستيرى و هو يهتف بجنون منذرا بالشر :
- إبعدى عنى .. يا جااااسم .
حاولت راندا منعه بشتى الطرق و لكنها كانت وردة فى مواجهة الإعصار .. فصرخت قائلة :
- إستنى حضرتك ما ينفعش كده .
وقف جاسم متشفيا بحالته الغاضبة و وضع يديه بجيبى بنطاله قائلا بقوة :
- سبيه يا راندا و إتفضلى على شغلك .
رفعت راندا كتفيها بإستسلام و خرجت .. إقترب جاسم من أمير و هو يحدجه بإحتقار .. تلك النظرات الدونية المتعالية كانت كفيلة بإشعال نيران أمير أكثر و هدر قائلا بصوت مكظوم :
- فين لمى يا جاسم .
هز جاسم رأسه بيأس قائلا بعفوية ساخرة بعض الشئ :
- لمى .. لمى مين .. أيوة قصدك البنت بتاعت الدار .. هتشوفها لما تشوف حلمة ودنك .
ضحكت وعد بخفوت .. و قالت بإيجاز :
- قصف جبهة .
إبتسم جاسم على مزحتها و هو يطالع أمير بتحدى .. بينما تحركت حدقتى أمير لتلك الجالسة تسخر منه بمنتهى السفاقة و الجرأة .. ليقطع جاسم تلك النظرات بجسده و هو يخفى وعد خلفه قائلا بتحذير :
- بص على قدك .
إبتسامة خبيثة ظهرت على محيا أمير .. ثم عقد ذراعيه أمام صدره قائلا بنبرة متسلية :
- وعد عيسى القاضى .. مش هى دى اللى مش مسموحلى أبص عليها برضه .
شعر جاسم بغضب يأكله حين لفظ إسمها ذلك الحيوان بتهديد مخفى و كأنه علم بأهميتها عنده فأومأ برأسه قائلا بصلابة مؤكدا :
- أيوة هى .. و يوم ما تبص نحيتها بس .. يبقى تتشاهد على عمرك .
أشاح أمير بيده قائلا بقنوط :
- ما تهمنيش .. قولى فين لمى لأن دى بالذات هتطير فيها رقاب .
ضحك جاسم ضحكة عالية تبعتها ضحكات هستيرية .. ثم رفع كفه على صدره مهدئا لهاثه المؤلم ثم طالعه بقوة و هو يدنو منه كذئب يقترب من فريسته :
- ما هى هتطير فيها رقاب .. بس كفاية علينا رقبة سيادتك الكريمة .
إقترب منه أمير حتى باتا على مقربة من التصادم و رفع سبابته بوجه جاسم هادرا بصوت شرس :
- هرجعها يا جاسم و ساعتها هتدفع التمن غالى أكتر مما تتخيل .
و مال برأسه قليلا ناحية وعد التى تنظر إليه بإستهزاء و إستطرد قائلا :
- و أظن إنه بقى عندك اللى تخاف عليه .
أمسكه جاسم من تلابيبه و قد إشتعلت عينيه بقوة و لم يدرى أمير تبعات تهديده الواهى عندما ضيق جاسم نظراته نحوه و إعتصر رقبته بياقة قميصه مهددا بثقة :
- ده أنا أدفنك مكانك بالحيا بعد ما أقطع من جتتك حتت و أرميها للكلاب تاكلها قدامك و باعدين أرحمك بموتك بعد ما تترجاه منى .
وقفت وعد قبالتهم و قالت بتهكم ساخر على غير عادتها :
- معلش يا باش مهندس إنت الكبير برضه و باعدين الحل الوحيد للصراصير و عن تجربه هو الرش .
دفعه جاسم بقوة و شاركها تهكمها عليه قائلا بسخرية :
- حتى الصراصير الكبيرة اللى بتطير دى .
زمت شفتيها بتفكير ثم قالت بتقزز :
- ﻷ الصراصير الكبيرة دى الحل المصرى معاها هو الببش .. تلسعه على دماغه يموت فورا .
أخفى جاسم ضحكته بأعجوبة و هو يراها تتقدم ناحية أمير بثقة و قالت له بتشفى :
- ربنا لسه هيذلك و يكسرك و اللى إنت بتقبض منهم و عاملهم أسيادك هما اللى هيدفعوك كل قرش أخدته بس من عمرك .
ثم مدت ذراعها ناحية الباب و قالت بصوت أجش قليلا يحمل الحزم :
- إبقى سلملى على هيثم .. و إتفضل إطلع بره .
صك أمير أسنانه بقوة فتلك الجميلة القابعة أمامه تخبره أنها كشفت جاسوسه بينهم بثقة .. ثم تطلع بجاسم الهائم بتلك الجنية الساحرة .. و قال بغضب هادر :
- بحذركم لآخر مرة .. لمى هتطير فيها رقاب .
و تركهم و خرج يجر أذيال الحقد و الكره و الخيبة .. تمتمت وعد بكلمات غاضبة و جاسم يتابعها بهدوء حتى إلتفتت إليه بوجه محتقن بشراسة :
- بنى آدم حقير .. بس هانت و هيقع و نخلص منه .
إقترب منه جاسم قائلا بوداعة لا تتناسب مع همجيته قبل برهة :
- إيه رأيك نطلع للشركة فوق تشوفى العمال عملوا الديكورات اللى طلبتيها و لا ليكى تعديلات .
أومأت بحاجبيها و قالت بهدوء و قد عادت إليها إبتسامتها المشاغبة :
- يالا بينا .. بس الأول إطلب لنا فطار فاخر علشان محتاجة أخد الدوا بتاعى كمان نص ساعة .
أومأ جاسم برأسه بقوة و قال بجدية :
- إنتى تؤمرى .. بس صحيح مين هيثم ده .
ردت عليه بصوت محتد منفعل :
- ده الجاسوس بتاعه هنا فى الشركة .. ربنا وقعه فى طريقى النهاردة علشان أكشفه و إتأكدت من شكى لما إتغيرت ملامح اللى إسمه أمير ده لما سمع إسمه .
إتسعت عينيه قليلا و قد إرتسمت الدهشة على ملامحه ثم قال بجنون :
- هيثم ده اللى فى الحسابات مش كده .
أومأت وعد برأسها مؤكدة .. فخرج جاسم عن شعوره و سبه بألفاظ نابية .. ثم إنتبه لوقفة وعد فإعتذر قائلا بتهذيب :
- سامحينى يا وعد غصب عنى .
أجابته بنبرة هادئة :
- مش مشكلة دلوقتى .. يالا بينا و وصيلنا على الفطار .
خرجا سويا بعدما هاتف سامر و أخبره عن هيثم و طلب منه إستضافته لبعض الوقت فى إحدى مخازنهم البعيدة .......

.................................................. .................................................. ...............
.....................

إستقل أمير سيارته و هو يلعن جاسم بحقد .. ثم ضرب مقود سيارته هادرا بعنف :
- أنا هخليك تتمنى الموت يا جاسم يا إبن ال***** .
ثم أخرج هاتفه و أجرى إتصالا و إنتظر قليلا حتى أتاه صوت الطرف الثانى فقال بنبرة آمرة ذات سطوة :
- عاوز كل معلومة و لو صغيرة عن اللى إسمها وعد القاضى دى و النهاردة .. وتبعتلى حد يراقبها مش عاوزها تغيب عن عنينا ثانية .. مفهوم .
أتاه الجواب بالموافقة و التأكيد .. فأغلق الهاتف دون كلمات أخرى .. ثم تطلع لمبنى شركة رحال و هو يزفر بضيق .. ثم عاد لعقله كلمات وعد عن هيثم و إخبارها له أنها كشفت مخططه .. إبتسم بخفوت عابس و قال و قد لمعت عينيه :
- يا إبن المحظوظة يا جاسم حتت بت نار قايدة .. لولا إن قلبى مش عاوز غير علا كنت خطفتها ليا لواحدى .. مدارية نفسها بلبسها الواسع بس على مين أنا جواهرجى و أقدر الفالصو من الأصلى من بصة واحدة .. و البت دى أصلى الأصلى .. أوووف .
ثم رفع هاتفه مجددا أمام عينيه و هاتف هيثم لتحذيره .. و إنتظر حتى أتته تلك الرسالة المسجلة لتخبره أن هاتفه مغلق .. فأغمض عينيه هاتفا بنبرة محتقنة :
- ده وقت تقفل موبايلك فيه إنت كمان .. عموما لو سبقونى ليك .. ربك معاك بقا .

و رمى هاتفه أمامه بإهمال أمامه و إرتدى نظارته الشمسية و هو يتوعد جاسم بإنتقام سيجعله يتمنى الموت و لن يناله ..........

.................................................. .................................................. ................
....................

عادت وعد مع جاسم لمكتبه بعد معاينة ديكورات مقر الشركة الجديد .. و بعدما إطمأنت أنهم نفذوا ما طلبته .. مرت على مكتبها فطلبت من سامر أن يأتى معهم ليتناولوا الإفطار سويا .. وافق على الفور و توجهوا لغرفة جاسم .. إستقبلتهم راندا بإبتسامة ودودة و هى تقول بتهذيب :
- جهزتلكوا الفطار بنفسى .. بالهنا و الشفا .
شبكت وعد ذراعها بذراع راندا و جذبتها معها للداخل قائلة بصون رائق كحالها :
- تعالى معانا إنتى كمان و إوعى تقوليلى رجيم و دايت و الكلام الأهبل ده .
لم تجد راندا وقتا للإعتراض فقد أجلستها بجوارها بالقوة الجبرية .. طرق عبد الصمد الباب عليهم متنحنحا بإستحياء قائلا بهدوء :
- حمد الله على السلامة يا أستاذة وعد .
أشارت له وعد بذراعها و هى تقول ببشاشة :
- الله يسلمك يا مستر عبد الصمد .. تعالى لا كلام على طعام إتفضل .
فتح فمه ليعترض بتهذيب فباغتته قائلة بحزم :
- مافيش إعتراض .. إتفضل .
دلف هو الآخر و جلس معهم بينما توجه جاسم لمكتبه أجرى إتصالا مهما بصوت خفيض خافت .. ثم طلب من البوفيه إحضار الشاى إليهم .. و عاد لجلسته معهم فقط يتأمل وعد و ضحكاتها الساحرة و مداعبتها للجميع و بساطتها مع الكل .. و حديثها الذى لا ينقطع بمرح و لما لا وهى .. شهرزاده .........

لم تفت على سامر نظرات جاسم لوعد و الجديد نظرات وعد لجاسم .. تنفس مطولا و زفره ببطء و هو يوزع نظراته بينهم بشك ........
دلف الساعى بالشاى .. فشاركهم هو الآخر فطورهم بناء على رغبة وعد بالطبع .. و بعد قليل وصل أحد أفراد أمن البناية و معه علبة كبيرة .. أخذها منه جاسم و أشار لراندا لتتبعه .. و أخبرها أن توزع قطع الجاتو على الجميع إحتفالا بعودة وعد لعملها .......

بعد إنتهاء فطورهم المرح .. غادر الجميع و أخذت وعد دوائها فشعرت بثقل برأسها فقالت لجاسم بخجل :
- هو أنا لو طلبت أمشى دلوقتى أبقى بايخة .
هز جاسم رأسه بقوة قائلا بصوت مشتد منفعل :
- تعبتى طبعا مش كده .. أنا قولتلك من الأول روحى .. أطلبلك الدكتور .
ضحكت وعد و هى تتابع إنفعاله برضا .. فصلاة الإستخارة تؤتى بثمارها لتتأكد أنها على الطريق الصحيح .. فلهفة جاسم و خوفه عليها نابعين من قلبه دون شك .. دعت ربها بداخلها أن يزرع حبه بقلبها و تبادله مشاعره الصادقة و هى زوجته ......

منحته ردا قويا و سريعا وهى تقول برقة :
- ما تقلقش أنا كويسة .. بس شوية إرهاق .. ده غير أنهم فى البيت بيكلمونى كل خمس دقايق .
إبتسم لها إبتسامة حقيقية و هو يقول بصوت أجش خافت آسرا عينيها كعادته :
- خلاص روحى و طول الطريق هكلمك أطمن عليكى .
أدت له التحية العسكرية و قالت بطفولة :
- تمام يا باش مهندس .
إلتفتت برأسها ناحية سامر المتجمد مكانه يتابع حديثهم بتعجب .. قائلة بإيجاز :
- عاوز حاجة يا سامر .
هز رأسه نافيا .. قائلا بصوت قاتم كنظراته :
- ﻷ شكرا .
لوحت لهم بكفها قائلة بإيجاز و هى تنصرف :
- السلام عليكم .
تبعتها نظرات جاسم بشوق قائلا بخفوت :
- و عليكم السلام .
إنتبه سامر لنظراته و إبتسامته الوالهة فوصل لأقصى مراحله من ضبط النفس فوقف مسرعا و أغلق باب المكتب ليعود معه جاسم لأرض الواقع .. ثم سأله بغضب :
- أخبار اللى إسمه هيثم ده إيه .
طالعه سامر مطولا ثم أجابه ببرود :
- بيتعمل معاه الصح دلوقتى .. و هيقر بكل حاجة .
- كويس .. بس عاوز أشوفه و يكون لسه فى حيل للى هعمله أنا معاه .
وتوجه لمكتبه و على وجهه ملامح غاضبة حادة .. لاحظ وقفة سامر المريبة فسأله بدهشة :
- مالك يا سامر واقف كده ليه .
ساد صمت طويل قبل أن يسأله ببطئ و جمود :
- إيه اللى بينك و بين وعد .
حك جاسم ذقنه قائلا بثقة دون أن تتردد ملامحه بحرج :
- هنتجوز .
رفع سامر حاجبيه بدهشة .. قبل أن يهتف بقوة و إستياء :
- إنت قولت إيه ؟؟!!
هتف جاسم مكررا بصلابة و عزم :
- هنتجوز .. طلبتها من أهلها و هى وافقت و هنزورهم يوم الجمعة .. هنتفق على الخطوبة و كتب الكتاب و الفرح بعدها بمدة قصيرة علشان أهلها هيسافروا تانى .
إبتلع سامر ريقه بتوتر .. و لم تعد قدميه قادرة على حمله .. فجلس بإرهاق مما سمع فهناك عاصفة هوجاء ستجتاحهم جميعا .. أغمض عينيه و نكس رأسه قليلا ثم رفعها مسرعا قائلا بألم كلمة واحدة :
- و مالك .
سرت رجفة خفيفة بقلب جاسم مع سماعه لإسم صديقه أو أخيه بالمعنى الأدق .. تجاوزها مسرعا و هو يستند بمرفقيه على سطح مكتبه و هو يقول بلامبالاة هادئة :
- اشمعنا .
وقف سامر كمن لسعته حية و ضرب سطح المكتب بقوة و قال بغضب شرس و قد إشتعلت عينيه بقوة :
- إنت هتستعبط .. ما إنت عارف إنهم بيحبوا بعض .. و خليت مالك يسافر علشان يقدر يشترى شقته اللى هيتجوز فيها وعد .
وقف جاسم هو الآخر و رفع سبابته بوجه سامر محذرا بنبرة تكاد تخنقه من قوتها و صلابتها :
- مش هسمحلك تقول إنهم كانوا بيحبوا بعض .. وعد تعتبر خطيبتى دلوقتى و لو كانت بتحبه عمرها ما كانت هتوافق عليا .
مرر سامر أنامله فى شعرته زافرا بغل ثم قطع الغرفة ذهايا و إيابا .. قبل أن يستدير لجاسم مجددا و سأله بإنفعال شرس :
- إنت مجنون .. هتدمر نفسك و هتدمر مالك معاك ..هو عمره ما أذاك و لا زعلك تقتله بإيدك يا جاسم حرام عليك .
إرتخت عضلات جاسم بوهن و قال بتنهيدة حزينة تحمل فى طياتها قلة الحيلة :
- حبتها يا سامر .. عندى إستعداد أديها عمرى كله ..بس تبقى ليا و لو ساعة واحدة .. عاوزنى أسيبها لغيرى إزاى .
لم ينظر إليه سامر بسبب شعوره بالتقزز و النفور من مجرد رؤيته .. ثم قال بهيستيرية :
- تاخد حبيبة صاحبك يا جاسم .. مالك بيعشقها و مش هيستحمل غدرك بيه .
إستنكر جاسم ما قاله و إعترض بشدة هادرا بتحذير :
- قولتلك دى فى حكم خطيبتى .. و إياك تجيب سيرتها مع مالك فى جملة واحدة .. هى إختارتنى لازم تفهم دى .. و هتبقى مراتى قريب جدا .. غصب عن أى حد .
هز سامر رأسه بيأس بينما إستطرد جاسم قائلا بقوة :
- مش إنت برضه اللى قولتلى قبل كده لو رجع بيك الزمان عمرك ما كنت هتسيب علا لطارق حتى لو كنت هتخسره .. بتلومنى ليه دلوقتى .
إبتسم سامر بسخرية و قال بصوت هادئ ميت :
- صحيح أنا خسرت حب عمرى علشان قدرت صاحبى و إتوجعت فى بعدها أكتر مما تتخيل .. و كنت بموت فى كل ثانية بتخيلها معاه .

ثم رفع عينيه ناحية جاسم و إستطرد قائلا بنبرة ذبيحة مؤلمة :
- صدقنى كنت بموت .. بس فى آخر الليل كنت بنام ضميرى مرتاح .. وده اللى هتتحرم منه يا جاسم حتى و هى فى حضنك هتلاقيك ناقص حاجة .. وهتحس بوجع مش هيخليك تحس بثانية سعادة .

ثم ساد الصمت مجددا قبل أن يتركه و يلتف مغادرا بقسوة تاركا خلفه حطام رجل .. حطام صديق .. تحجرت الدموع بعينيه من كلماته التى لامست ذلك الجزء الذى يدعسه بقدميه بقوة كى يخمده بداخله ........

.................................................. .................................................. ................
...................

طوال طريقه بالسيارة و هو شارد بكلمات سامر المؤلمة .. إبتسمت شفتيه إبتسامة ميتة و هو يتذكر مواقفه مع مالك .......

صفر جاسم مطولا و هو يتابع بعينيه تلك الفرسة الجامحة المارة بجواره .. فجذبه مالك من سترته لينبهه أنها إبنة رجل مهم بهذا الحى .. ولكن جاسم لم يعير كلماته أى إنتباه قائلا بسخط :
- يا إبنى سبنى مالك و مالى إنت .. دى موزة من الآخر .
إلتفتت إليه الفتاة و قد إشتعلت عيناها بغضب مهلك و هى تصرخ بوالدها قائلة :
- ماشى يا حيوان أنا هوريك تعاكس بنات الناس إزاى .. يا بابا .. إلحقنى .
عض جاسم على شفته و قال بتنهيدة حارة :
- طب رقم تليفونك طيب .. و النبى عسل .
تنحنح مالك بخوف و هو يرى تلك الحيطان البشرية تتقدم نحوهم .. ثم همس لجاسم قائلا بسخرية :
- أبو اليوم اللى عرفتك فيه يا أخى .. ده إحنا هناخد علقة .
وبالفعل وقف أحد الحيطان أمام الفتاة و سألها بشراسة بصوت أجش مرعب :
- مين فيهم اللى إتعرضلك يا نوسة .
أشارت لجاسم بإبتسامة تشفى و قالت ساخرة :
- الحيوان ده .. عوزاكم تدبحوه .. و تسلخوه .. و تشفوه حتة حتة .
ضحك جاسم بسخرية و هو يشمر كم سترته قائلا بملل :
- و يا ترى هتبيعوا منى الكيلو بكام بقا .. إستعنا على الشقا بالله .
وبدأت المشاجرة الغير متكافأة فجاسم فى نهاية المرحلة الثانوية و تلك الحيطان فى الثلاثينيات من عمرها و مالك يتابعهم بغضب .. ثم خلع سترته و رماها أرضا قائلا بحدة :
- على رأى المثل ما تصاحبش صاحب فى داهية يوديك .. و صاحب كلب فى الشدة يحميك .. معانا يا رب .
وهجم هو الآخر على أحدهم جاذبا إياه من رقبته .. و كال إليه اللكمات من الخلف .. قبل أن يستدير إليه الرجل و يحمله عاليا و يقذفه على الأرضية لتناله قدميه بقوة .. و جاسم يضارب إثنان أقوى منه يتلقى الضربات و يقابلهم بمثلها دون تراجع حتى إنتهوا برميهم على أحد الأرصفة كالقمامة .....
وقف مالك أولا و جذب جاسم ليقف على قدميه قائلا بنبرة ماجنة :
- قوم يا أخويا .. الله يحرق صحوبيتك الزفت دى .
وقف جاسم متثاقلا و يحمل ذراعه المكسورة قائلا بسخرية :
- بس شوفت إنت الراجل البوابة ده .. فضلت أضرب فيه لغاية ما مت أنا من الضرب .
ضحك مالك و هو يتألم من ساقه التى يعرج بها ثم قال بتهكم :
- ليك نفس تضحك يا جبلة .. هموت و أعرف عجبك فى البت دى إيه .. دى صابغة شعرها لون فحلقى .
ضم جاسم ذراعه المكسورة لصدره و هو يتألم من الضحك ثم قال بحدة :
- هنخش بقا فى جو الهيافة و الجوافة و كده .. إتصلنا بحد يحصلنا على المستشفى .
أخرج مالك هاتف جاسم من جيب سترته بهدوء حتى لا يحرك ذراعه و هاتف والده الحاج فضل و أخبره بما حدث معهم .......

زادت إبتسامة جاسم و هو يتذكر هجوم مالك على الرجل ليبعده عنه غير مبالى بفارق القدرات و السرعات بينهم .. فقط ليحميه من بطشه ......
وقف بسيارته أمام إحدى مخازنه .. فإستقبله رجل من رجاله قائلا بترحاب :
- جاسم باشا .. نورت المخزن يا سيد الناس .
ترجل جاسم من السيارة و سأله بعينين تقدحان شررا :
- الدبيحة اللى جابوها الرجالة بتوع سامر فين .
أشار إليه الرجل بذراعه قائلا ببساطة :
- متعلقة و مستنية نشوفك هتقرر معاه إيه يا باشا .
دلف جاسم لمخزنه المهجور قليلا و تطلع بهيثم المقيد بعامود واقفا و قد إنتشر بجسده كاملا سحجات و جروح .. منكسا رأسه بإرهاق .. جذبه من شعراته رافعا و جهه ناحيته و حدجه بنظرة شيطانية و هو يهدر شرزا بعصبية :
- بتبعنى يا إبن ال***** لل**** اللى إسمه أمير .. ده أنا هطلع ******* .

و مد ذراعه بالهواء فقذف إليه أحدهم بسلسلة حديدية .. إلتقفها ببراعة و لفها حول كفه ببطء شديد و هو يستدير حوله كالثعبان .. ثم سأله بصوت جاهورى أجش يرعب أعتى الرجال :
- عاوزك تحكيلى بقا كل حاجة من الأول .. لغاية أسئلتك النهاردة لراندا السكرتيرة .
إتسعت عينى هيثم بفزع و هو يتابع السلسلة الحديدية الملتفة على كف جاسم ثم إبتلع ريقه قائلا بخوف :
- أنا معرفش مين أمير ده .. أنا مظلوم و الله .
رفع جاسم السلسلة عاليا و هوى بها على ساقيه .. فصرخ هيثم متألما .. فأحكم جاسم قبضته حول فكه كاد أن يختلعه من وجه و هو يصيح بشراسة :
- سيب ربنا بعيد عن كلامك لهخليك تقابله النهاردة .
هز هيثم رأسه بقوة قائلا بتلعثم :
- ﻷ .. خلاص هقول كل حاجة .. إرحمنى .

إبتسم جاسم بتشفى و جذب مقعد خشبى و جلس عليه عكسا و إستند بمرفقيه على ظهره واضعا ذقنه عليهم .. ثم قال له بإنصات :
- قول يا قوال .

.................................................. .................................................. ...............
.......................

مسحت وعد جبينها المتعرق و تنفست مطولا و قالت بإنهاك :
- حرام عيكى يا تيتة .. كل عضمة فى جسمى بتستغيث بوزير الصحة .
مصمصت الجدة شفتيها و لوت ثغرها بإمتعاض قائلة بحدة :
- ما هو إنتى أخدة عالراحة .. بس دلوقتى غير .. إنتى هتتجوزى و هتشتالى مسؤلية بيت و زوج .. إتعودى بقا أحسنلك .
وخزت روان روضة فى ذراعها قائلة بتشفى :
- تيتة وقعت فى وعد إنتى مصدقة .. ﻷ و فحتتها شغل .
إبتسمت روضة بخفوت و قالت هامسة :
- بس بصراحة وعد معاها حق .. أنا جسمى إتفشفش .
هدرت بهم إمتثال بعنف قائلة :
- بتودودوا على إيه يا بت إنتى و هى .. إخلصوا بسرعة العصر قرب يأذن و أبوكم زمانه راجع للغدا و الضيوف هيوصلوا المغرب .. عاوزة البيت ده يلمع .
زمت روان شفتيها بإمتعاض و قالت بنبرة متوسلة و هى تطلع إليها بوهن :
- أنا لسه عروسه يا تيتة .. حرام اللى بيحصل فيا ده .
خرجت سلوى من المطبخ و هى تجفف كفيها فى المنشفة قائلة بإبتسامة مرحة :
- إطلعى يا روان يالا على شقتك و جهزى نفسك جوزك زمانه جاى يتغدى .. و مينفعش يشوفك بحالتك دى .. و الغدا هيطلعلك .
رفعت روان عينيها و قالت بفرحة :
- أحمدك يا رب .. تعيش ماما سلوى نصيرة الغلابة و المستضعفين .
رفعت وعد حاجبيها و حركت عينيها بملل و قالت ساخرة :
- إنتى هتعملى مظاهرة فى الشقة .. غورى على شقتك يالا .
تغنجت روان بكتفيها و حركت خصرها بدلال و قالت بهمس لإغاظة وعد :
- أطلع أنا أجهز نفسى لعمورى علشان وحشنى موووت .
ضحكت وعد بسخرية و قالت بتهكم صريح :
- هههه .. وحشك قطر إن شاء الله و ياخدك بالحضن و يرزعك تحت عجلاته ما يعرفوش يلموكى يا بعيدة .
ضربت روضة كفيها ببعضهما و هى تتابع شجارهم المعتاد .. و لاحظت نظرات روان المنذرة بالهجوم الوشيك على وعد .. فقررت قطع تلك الحالة و هى تدفع روان قائلة بهدوء :
- يالا يا رونى على شقتك يا حبيبتى إنتى تعبتى النهاردة .
أجابتها روان بتنهيدة مرهقة :
- عندك حق .. الواحد تعب علشان حتت بت ما تستاهلش .
إنتصبت وعد فى وقفتها و صاحت بها بإنفعال :
- بتة لما تبتك يا خطافة الرجالة .. مسيرك هتقعى فى إيديا و هخلص منك القديم و الجديد .

حركت لها روان حاجبيها لإغاظتها و تركتها على نارها و صعدت شقتها .. وهى تفكر بحبيبها و قررت أن تتزين إليه رغم آلام جسدها .. فاليوم .. يوم العطلة .....

.................................................. .................................................. ..........
....................

إستند على سيارته يفكر بشرود .. و هو يتنهد بضيق .. حتى إنتبه لطرقة خفيفة على كتفه فإعتدل فى وقفته وإلتفت برأسه و هو يطالع سامر بلوم ثم خرج صوته جافا و هو يقول بغضب :
- يومين ما أشوفكش يا سامر .. حتى الشغل مش بتيجى و قافل موبايلك .. للدرجة دى .
مرر سامر أنامله فى شعراته وقال بهدوء :
- طب تعالى نطلع البيت عندى مش هنتكلم فى الشارع .
هز جاسم رأسه نافيا و قال بإبتسامة باهتة :
- مع إن الحاجة وحشانى .. بس خلينا هنا أحسن .. توصل بينا إنى أندهلك من الشارع زى العيال يا سامر .
إستند سامر بظهره على سيارته قائلا بشرود :
- إنت صاحبى و هو صاحبى و مش هحط نفسى بينكم .. و محتاج وقت أفكر فيه مع نفسى خصوصا بعد ما علا رفضتنى .
إبتسم جاسم بسخرية و هو يعبث بقدمه على الأرضية بحزن :
- يعنى مش هتقف جنبى النهاردة .. أنا هروح مع عيلتى بيت وعد و كنت عاوز أحس بيك جنبى .
إلتفت سامر بجسده نحوه و قال بصلابة :
- اليوم اللى إنت هتفرح فيه ..هيبقى اليوم اللى هيتكسر فيه خاطر مالك .. و أنا مش هقدر أباركلك و أفرح و صاحبى هيموت .
هز جاسم رأسه بإستياء قائلا ببرود قاسى :
- براحتك يا صاحبى .. كنت فاكر نفسى غالى عندك بس دلوقت عرفت تمامى .
ملس سامر على ذراعه بشغقة و قال بصوت خفيض متألم :
- اللى بينا أكتر من الدم .. و خد بالك من كلمة اللى بينا .. إحنا كنا أربعة ما فيش حاجة فرقتنا غير الموت لما حرمنا من طارق .. و إنت دلوقتى هتكمل على اللى باقى .. و أنا هتحط فى كماشة بينكم و مش هختار حد فيكم و معنى كده إنى هخسركم إنتم الإتنين
إرتدى جاسم نظارته الشمسية و إلتفت إليه قائلا بقوة :
- و إنت جيت عليا أوى يا سامر .. و متشكر على وقفتك جنبى فى أهم يوم فى حياتى .. يا .. يا صاحبى .

و تركه و إلتف مستقلا سيارته و قادها مسرعا مخلفا و رائه عاصفة ترابية .. عقد سامر ذراعيه أمام صدره و هو يتابع بعينيه آثار سيارة جاسم بضيق و قال بنبرة قاتمة :
- السكينة سرقاك يا جاسم و الحب عمى عنيك .. بس التمن اللى هتدفعه لأنانيتك غالى قوى .

قراءة ممتعة


ياسمين أبو حسين غير متواجد حالياً