شبكة روايتي الثقافية

شبكة روايتي الثقافية (https://www.rewity.com/forum/index.php)
-   روايات عبير المكتوبة (https://www.rewity.com/forum/f202/)
-   -   82- الحمقاء الصغيرة -آن هامبسون - روايات عبير القديمة(كتابة /كاملة **) (https://www.rewity.com/forum/t103639.html)

أمل بيضون 05-03-10 05:20 PM

7- ترتيبات العرس
أنتشر خبر الخطوبة بسرعة , وتوالت التهاني , ولكن الدهشة غلبت الناس لأن روك كان عازبا مكرسا , وقالت لها سةوزان بمكر واضح :
" أعرف أن قولي ليس من قبيل المجاملة , ولكنك تدركين أنني لا أقصد شرا , فأنا لست أدري كيف نجحت في أصطياده!".
" طبعا , أنا أفهمك".
أغتمت كيم للأذى الذي أصاب سوزان , وعبّرت عن حزنها بصوت منخفض ينم عن بعض الأعتذار :
" أنا نفسي لست أعرف كيف حدث ذلك".
" ألم يكن ذلك أثناء مرضك؟".
" بلى ,هذا صحيح".
ألتقت كيم عند متجر ألبسة حيث أشترت الأخيرة بزة وبلوزة تناسبها , وأحست كيم بأرتباك أذ تنازعتها رغبة الأعتذار والأنصراف بسرعة , وأمنية بالبقاء مع سوزان , التي أحبتها كثيرا .
" هل ترغبين بفنجان شاي؟ بأمكاننا أن نقضي ساعة أو نحوها في المقهى".
" موافقة".
وعبرت الفتاتان الشارع الذي ظللته أشجار النخيل , بأتجاه المقهى , وما أن جلستا ووجهتا طلبهما ,حتى سألت سوزان:
" متى سيتم الزفاف؟".
"روك يرغب بأقامة العرس قريبا".
" قبل عيد الميلاد؟".
" أجل خلال أسبوعين".
حدقت سوزان الى كيم متفحصة وجهها وعينيها وشعرها الجميل وهي تتنهد فيما أرتعش ثغرها , ثم قالت وهي تصطنع ضحكة خفيفة وشجاعة عرفت كيم أنها أخفت وراءها ألما أعتصر قلب صديقتها:
" يا ألهي , أنه في عجلة من أمره , ظل عازبا دهرا , وعلى حين غفلة وقع في شرك الحب ,وها أننا لن نراه يقاوم كما كنا نفترض".
عضت كين شفتها وقد تنبعت للعراقيل التي تقطع عليها طريق السعادة , وهي لم تقتصر على قلب سوزان , بل شملت الشكوك التي غالبا ما تساور كيم نفسها , وخطرت لها أيام هيامها بريتشارد , فتذكرت السعادة التي غمرت كل لحظة عاشاها معا , وتسارع خفقان قلبها كلما ألغها أنه سيسهر في منزل والديها , وضيقها ذرعا بأنتظار يوم العرس , ألا أن العرس أفزعها هذه المرة بدون أن تعرف لذلك سببا , صحيح أنها أحبت روك , وسعدت بقربه , لكنها شعرت بأنها مخدوعة , وأنها لم تنل ما تتمناه أي فتاة مخطوبة , ولم تساورها تلك الشكوك , وتطرح ظلالها القاتمة على درب سعادتها , ألا عندما يكون روك بعيدا عنها.
وأحضر الشاي , فيما تكلمت الفتاتان على العرس ورافير وعيد الميلاد ,وكان حديثهما ممتعا بغالبيته , لكنهما شعرتا بأرتباك أتجاه بعضهما , وأخيرا نظرت سوزان الى ساعتها , وقالت:
" علي أن أذهب الآن حتى أنظف أقفاص الدجاج أستعدادا لأستلام بعض الفراج الجديدة".
" أليس الصبية مسؤولين عن هذه الأعمال؟".
" أحيانا , ألا أنني بدأت أتعاطى تربية الدجاج منذ بعض الوقت , الأمر الذي يكسبني نصف الربح , وهو يقول أن عليّ أن أفتح حساب توفير لي.... لي...".
وأنقطعت عن الكلام فجأة , لكنها سرعان ما تنبهت الى الأمر , فأضافت :
" لعرسي ذات يوم".
خفضت كيم بصرها , ولم تنبس ببنت شفة , ثم أحضرت النادلة الفاتورة , وما لبثت الفتاتان أن خرجتا لتسيرا تحت السماء الأفريقية الزرقاء الصافية .

أمل بيضون 05-03-10 08:08 PM

وفي ظلال أشجار البهار التي أمتدت على طول الشارع وقفت سيارات عديدة أستطاعت كيم أن تميز منها سيارة الأخوين ستان اللذين عملا في زراعة الأخشاب مثل روك , وأن على مستوى أقل , ونتيجة تحفظهما , نادرا ما زارا النادي , أو شاركا في النشاطات الترفيهية المعدة لمزارعي هذا الجزء من أقليم ترانسفال وأستغربت كيم تقاعسهما عن المساركة في الحياة الأجتماعية وهما لا يزالان شابين دون الثلاثين من العمر , وفيما وقفت كيم وسوزان , وصل أحد الشقيقين الى السيارة , وفتح بابها ,وقبل أن يصعد الى مقعده , نظر عبر الشارع ورأى الفتاتين , فرفع يدة لتحيتهما , فقالت سوزان وقد تجهمت قليلا:
" لا يختلف تصميم هذين الأخوين في البقاء عازبين عن تصميم روك السابق , ولست أدري أيهما , جاك أو كليف , أصعب مسايرة ومعاشرة ".
" هذا كليف, أليس كذلك؟".
" صحيح , ولعله أشد وسامة من شقيقه".
وأفترقت سوزان وكيم فأتجهت سوزان الى سيارتها , في حين قصدت كيم المتجر لأن بارت كان قد طلب اليها أن تشتري بعض الدفاتر وأدوات الكتابة الأخرى من محلات القرطاسية , ولشد ما دهشت كيم أذ ألتقت رافيلا وهي خارجة من أحد الحوانيت , فحيتها:
" مرحبا , هل رأيت سوزان؟".
" أعرف أنها في المدينة , لكنني حضرت مع جاك وكليف ستاين".
لم تستطع كيم أخفاء أستغرابها , وقالت:
" لقد فعلتها؟ أنك محظوظة جدا".
ردت رافيلا ببرودة:
" لا أظن ذلك ذلك , لأنني ذهبت الى منزلهما وسألتهما أذا كانا ينويان زيارة المدينة , فردا بالأيجاب , وعبرا عن سعادتهما بأصطحابي".
" كان بأمكانك أن تحضري مع سوزان".
أكفهر وجه الفتاة بينما تفحصت وجه كيم بدقة:
" لم أكن أنوي المجيء , غير أنني شعرت بالملل بعد خروج سوزان , هل صحيح ما سمعته عن خطوبتك من روك لنتون؟".
خفضت كيم رأسها فيما أجابت بأقتضاب:
" أجل".
وهنا تذكرت كيم أن رافيلا وجدت روك مثيرا ومغريا , وكان عليها أن تعرف أنه كذلك".
" أقر بأنني دفعت الى الظن بأنه لم يتسع وقته للنساء , مع أنني كنت أوقن أن العكس صحيح , فهذا النوع لا بد أن يقع في نهاية المطاف".
عبست كيم في وجهها , وذكرتها بعدم لباقتها بهدوء وهي تقول بأختصار:
" آسفة , ولكن , أعذريني لأن علي شراء بعض الحاجيات لرب عملي".
هزت رافيلا كتفيها الأنيقتين :
" أظنك ستحضرين الحفلة الراقصة ليلة السبت؟".
" أغلب الظن".
" الى اللقاء أذن".
وأستدارت رافيلا مبتعدة وهي تلوح بشعرها الرائع دون أنتظار جواب .
كان بارت منشغلا عندما عادت كيم وأعتطته أدوات القرطاسية , ولم تلاحظ تغيّرا في مظهره المتعب وسكونه وهو يتكىء على الوسائد , لكنه كان يكتب وفد بدا عليه الأهتمام بعمله.
وأخيرا رفع نظره , فتطلع الى الحزمة التي ألقتها كيم على الطاولة , وأبتسم ببطء للفتاة التي عضت شفتها السفلى ثم قال:
" أشكرك".
ثم سألته والقلق يكتنفها:
" أتظن أن عليك أنجاز هذا الكتاب؟ هل من الضروري فعلا أن تنفذ ألتزامك؟".
أجابها وقد تنهد في نهاية حديثه:
" لم أعط وعدا بأنجازه , أذا كان هذا ما تقصدينه ,ولكن هذا لا يؤثر عليّ لأن الأنتهاء من وضع الكتاب يملأني بالرضى , وهو في أي حال كتابي الأخير".
" وماذا ستفعل بعد ذلك يا بارت؟".
" سأعود الى منزلي في أنكلترا وأعيش حيارة رجل ريفي شريف في مزرعته".

أمل بيضون 05-03-10 08:12 PM

أرتسمت أمام مخيلة كيم صورة منزله , فأخذت تتأملها , أنه منزل فخم قديم سقف بالقش , وأنتشرت فيه دعامات السنديان الأسود , وأنبسطت من حوله أراض تبلغ مساحتها سبعة فدادين , وتحيط بأحد جانبيها ساقية يصطاد فيها سمك الترويت , ومن جانبه الآخر غياض كثيفة , ثم أبتسمت لبارت:
" سنزورك أنا وروك".
" ستكون بادرة لطيفة جدا".
وأشاح بنظره بعيدا , فتطلعت كيم اليه وهي تتساءل أذا كانت حركته مجرد حركة آلية , أم حركة يقصد بها أخفاء ملامح وجهه عنها , فسألته بأضطراب:
" هل أنت مريض يا بارت؟".
ألتفت اليها وقد أرتسمت البسمة على وجهه فورا:
" مريض, لا بالطبع , لست مريضا , صحيح أنني متعب ومستعد لأخذ قسط كبير من الراحة , لكنني لست مريضا...".
وصمت وهو يهز كتفيه هزة خفيفة.
" لو عرفت أنك مريض , وأنك تحتاجني , لأخّرت زواجي بكل تأكيد".
فرفع بارت حاجبيه قائلا:
" صحيح؟ ما الذي يجعلك تظنين أن بأستطاعتك أستغلال مشاعر روك. أنه يا أبنتي رجل لا يطيع أهواء المرأة".
أجابته وهي متجهمة:
" لن أستغل مشاعر روك بهذه الطريقة , بل سيكون تصرفي عمليا ومن وحي المنطق , أما في ما خص جملتك الثانية , فقد بدوت لي مثل روك تماما".
" مستبدا , يرفض الهراء ,أليس كذلك؟".
وضحك , فأجتاحت كيم موجة أرتياح لأنه كان أشبه ببارت الذي عرفته مدة ثمانية أعوام ,وقالت:
" لم تخبرني يا بارت لماذا تستعمل الحبوب التي تتناولها ؟".
رفع القلم عن الطاولة حيث وضعه بجلنب كوعه بينما أجاب بشيء من اللامبالاة :
" أنها مسكنات عامة ليس ألا".
ثم أضاف باللهجة عينها:
" أشعر بتحسن عندما أتناولها ".
فأستدارت نحو المطبخ وقالت:
" سأصنع الشاي".
منذ بدأت كيم العمل مع بارت , وهي تصنع شاي ما بعد الظهر دون أن تعترض مدبرة المنزل على ذلك , وكان بارت يتوق الى هذه الأستراحة لما يتخللها من أحاديث حميمة بينهما , ولم تفكر ألا في مثل هذه الأوقات أن بارت يعتبرها أبنته أكثر منها موظفة.
وبعد عشر دقائق, جلس بارت وكيم على المصطبة يتناولان الشاي في ظلال العرائش ,وبعيدا , خارج الحديقة , أهتز المرج أنزعاجا من أشعة الشمس اللاذعة , ومعروف أن الحرارة تصل الى أقصى مداها في هذه الفترة من السنة , وقد قال روك أنهم يتصببون عرقا أو يكاد يغشى عليهم في يوم عيد الميلاد حين تبلغ الحرارة 45 درجة مئوية أو يزيد , وعاد بارت , فبدأ الحديث بسؤاله:
" هل تظنين أن روك سيزورنا الليلة؟".
" أتوقع ذلك".
وأسترجعت كيم شعورها بالحماسة والأرتعاش الذي أنتابها عندما كان خطيبها السابق يزورها , وتنهدت تحسرا على ما كان مفقودا في علاقتها الجديدة دون أن تستطيع تحديد ما ينقصها بالضبط , وكل ما عرفته أنها لم تشعر برهبة الأنتظار , وأن روك كان قادما , وهذا كل شيء , لم تحس بخفقات قلبها تزداد , ولم تحلم بنزهة في الحديقة تحت ضوء القمر .... وتنهدت ثانية قبل أن يشحب وجهها رعبا أذ أدركت أن بارت سمع تنهيدتها ونظر متفهما , فرشفت الشاي بدون أن تتفوه بكلمة , وأبدى بارت ملاحظة فيها بعض القلق:
"ما بالك يا عزيزتي لا تبدين سعيدة؟".
أبتسمت أبتسامة خفيفة وقالت من غي تفكير:
" كلانا قلق على الاخر , أليس كذلك؟".
" لا أستطيع أن أرى مبررا لقلقك عليّ يا كيم".
وضعت كيم فنجانها على الصحن:
" لست في حالتك الطبيعية هذه األأيام , وأنت تدرك ذلك".
" أنني متعب يا عزيزتي , ألم أقل هذا تكرارا في الأسابيع الماضية ؟ المرء في عمري يتعب بسرعة , ويغدو العمل بالنسبة اليه مهمة شاقة".
علقت ببعض الحزن:
" لم أظن يوما أن العمل سيتحول عبئا عليك".

أمل بيضون 05-03-10 08:14 PM

وتطلع بارت الى طبق المعجنات , وأنتقى كعكة أرز:
" الظاهر أنك نسيت كم يبلغ عمري , وكما لا بد أنك تعرفين , فأنا سأبلغ الحادية والسبعين في غضون شهرين".
لقد نسيت, لأنه بدا شابا في تصرفاته وقوة أحتماله ونشاطه المنقطع النظير , لكنه كان عليها أن تعرف أنه ليس شابا بعد أن طرأ عليه هذا التغيير أخيرا.
ثم أبتسمت له أبتسامة أعجاب وهي تقول:
" أذن, فأنت تستحق الراحة والتقاعد فعلا , ومن واجبي أن أعترف أنني لم أفكر بعمرك عندما خشيت أن تقاعد".
" والآن , هل أقنعتك بأنني لست مريضا , بل متعب فقط؟".
قص بارت الكعكة وتناول قطعة منها , ثم علق:
" رائع , لعله بأمكاننا أن نتحدث عن عرسك , فروك يؤكد لي أنه لن ينتظر طويلا , وأنا أتفق معه أذ لا أرى أن هنالك شيئا يرتجى من التأجيل".
وتأمل معالم وجهها الحلوة , وأرتعاشة فمها , والزرقة العميقة في عينيها , ثم أضاف وقد أشرقت عيناه الرماديتين الفاتحتان :
" وأنا واثق أيضا أنه ليست لديه رغبة في الأنتظار".
بلعت كيم ريقها بصعوبة , وهي عاجزة عن التغاضي مدة أطول عن شعورها :
" لا... لا, أظن ألا......".
تجهم وجه بارت وقال:
" منذ قليل قلت أن السعادة لا تملأك يا كيم , فهل أنت واثقة من حبك لروك؟".
فردت بعفوية وقد أضاءت عيناها فجأة:
" أجل , طبعا أحبه , وألا لما كنت تزوجته ,أليس كذلك؟".
تابع حديثه مسمّرا عينيه على وجهها:
" أذن , ماذا دهاك؟ من المفترض أن تطيري فرحا , لكنك لا تفعلين ".
فأطلقت تنهيدة قوية:
" لست أدري , ربما كان السبب هو عدم رغبتي في التخلي عنك".
طمأنها بارت ووعدها مؤكدا:
" سأكون على ما يرام , ربما كان السبب هو عدم رغبتي في التخلي عنك".
طمأنها بارت ووعدها مؤكدا:
" سأكون على ما يرام , والمهم هو أنت, في الوقت الحاضر ,وأنا أتمنى بألحاح من كل قلبي أن أراك تستقرين....".
قطع كلامه بسرعة وقد أغاظه أن ينطق بما فكر فيه , وليس بما كان يريد قوله , أما كيم , فعرفت بعد أن تنبهت أعصابها ذلك الشعور بأمر غريب يقطع عليها درب السعادة , وأخيرا الت:
" قولك هذا غريب يا بارت".
وسمّرت عيناها على وجهه , فلمحت فيه الأضطراب والندم على ما قاله.
وعندما تحدث مجددا , أتضحت رغبته في العودة كما قال:
" أنها زلة لسان , فقد تحدثت عن شيء فيما كنت أفكر بآخر ".
" أمر آخر؟".
" أجل , الكتاب , فعلي تضمينه أكثر من فصل واحد عن الحشرات ".
سددت كيم اليه نظرة متفحصة , ولم تفاجأ عندما رأته يخفض عينيه ويعبث بفتات الكعك في طبقه.
أتمنى من كل قلبي وبألحاح .... تساءلت كيم أذا كانت لم تحمل العبارة أكثر من مضمونا , وتذكرت قول روك بأن عليها التأكد من الأشياء التي تعتبرها مهمة , ليست في الحقيقة مهمة , وقد حذرها روك أيضا بأن الآثار التتي تتركها بعض الأمراض تتمثل في رؤية المريض للأمور بمنظار خاطىء , هل فعلت هي الشيء نفسه؟ وهل كان أنقباضها ناجما عن مرضها؟ لقد أنهكتها الحمى كما أخبرها روك, الذي حثها على مقاومة الأنقباض والكآبة , وأدركت أنها لم تسع لمقاومة الكآبة التي عصفت بها خصوصا عند ذكر قصة زواجها.
ورمقت بارت بنظرة أستغراب , وقد أرتسمت أمامها مجددا كلمات ( أتمنى من كل قلبي وبألحاح) هناك شكوك أخرى أضطرب بارت نتيجة تعبيره عنها , لكنها أقرت ,بعد أن فهمت وضعها على نحو أفضل , أنها حملت القضية محمل الجد أكثر مما تستحق , فرفعت فنجانها ورشفت الشاي مصممة على مقاومة الكآبة وهي تأمل النجاح.

أمل بيضون 06-03-10 12:40 AM

وصل روك لتناول شراب الغروب , وقد أرتدى سترة قمحية اللون وسروالا ذا خطوط زرقاء , وبدا نوذجا لكمال ارجولة , فأمتلأ قلب كيم سعادة لرغبته بالزواج منها , كم كانت محظوظة , أنه موضع أعجاب وتقدير عظيمين , والفتيات في تنغافيل وحولها يطاردنه , وكانت وحدها الفتاة التي أخترقت حصنه , ووقع أخيرا في شرك هواها , كان الأمر أشبه بمعجزة , أذا كان هنالك من معجزة , وكانت أولى كلماته وهو يحتل مقعدا مقابلا لها:
" يبدو أنك رجعت الى حالتك الطبيعية يا حبيبتي".
كانت تقرأ جزءا من مخطوطة بارت, الذي دخل ليستحم , وليرتدي ملابس تتسم بالرسمية أكثر من بنطاله القديم وسترته القطنية , فأطرقت مبتسمة:
" أظنني عدت الى حالتي الطبيعية تقريبا".
" أما زلت ضعيفة؟".
أمال رأسه هو يجيب على سؤاله بنفسه:
" أنه عارض من عوارض الحمى , لقد قلت أنك ستشعرين بالضعف لبعض الوقت , أليس كذلك؟".
" أجل , لقد كنت مصيبا , لكنني أشعر بالضعف أحيانا فقط , وهو ر يؤثر ألا على رجليّ في أغلب الأحيان".
" سنتزوج عما قريب , وسأتمكن عندئذ من الأعتناء بك على نحو جيد, لقد تحدثت الى بارت عن الكتاب , وأتفقنا أن تحضري اليه كل يوم لتعملي معه حتى ينجزه , فهل يرضيك ذلك؟".
" أجل , فأنا لا يسعني أن أتركه".
" لم أفترض أنك ستفعلين ذلك يا كيم".
ثم أبتسم لها , وقال بلهجة المستبد دون أن يهتم لأي أزعاج قد يسببه لها :
"أرى الشوق مكتوبا على صفحة وجهك وفي عينيك الجميلتين يا حبيبتي ,ولا بد أن أمتلكك فورا , لقد قلت لك أنني لن أستطيع الأنتظار , ألا أنني لاحظت أنك أعرضت عن تحديد موعد عرسنا بمناورات بارعة , أما الآن , فأريد أن أعرف في هذه اللحظة".
بادلت أبتسامته بأبتسامة مرتعشة أذ زالت من رأسها كل الشكوك وشعرت برغبة البقاء معه وحده , وأخبرته بمرح رغم ترددها وحيائها الظاهرين:
" سأكون مستعدة عندما تريدني , لقد سبق أن قلت .... قبل .... قبل عيد الميلاد".
" فعلا , أنا أريد أن يتم الأمر قبل الميلاد بكل تأكيد , هل توجد في مدينة تنغافيل خيّاطة يمكنها أن تساعدنا في تحقيق ذلك بأن تسرع في خياطة فستان العرس لك؟".
" أجل ,هنالك خياطة من النوع الذي تطلب".
" أذهبي اليها صباح غد أذن...".
وتوقف روك عن الكلام ليسمع قحة بارت العالية وهو يفتح الباب ويدخل الغرفة , فوجه حديثه اليه:
" مرحبا يا بارت , كيف حالك؟".
" أملأ الكؤوس بشراب الغروب".
ولاحظ بارت الحمرة التي علت وجه كيم , وحركة أصابعها العصبية , فحول بصره الى روك , ورأى نقيض ذلك فيه , فقد وقف خطيب كيم على بعد منها ببرودة وتهذيب , وبدا هو الأفريكاني الرشيق مهيبا بملامحه البرونزية وثقته التي قاربت الغرور , ورأت كيم بارت يعبس ويحاول القضاء على غصة في حلقه , وفوجئت أذ لمحت في وجهه بعض القلق وكأنه يقول في نفسه:
" هل ستكون فتاتي الصغيرة بخير مع مثل هذا الرجل؟".
وخرج الجميع الى الشرفة حيث أحضرت سايدي الشراب , وسايدي فتاة أفريقية أنتقلت الى خدمة بارت مع أنتقال المنزل اليه ,ولشدة نظافتها وكفائتها , لم يرد أصحاب المنزل الأستغناء عنها وأكدوا لبارت أنه لن يستطيع أستئجار المنزل أذ لم يستخدم سايدي , وهي فتاة مرحة دائما والأبتسامة تنعكس على نبرة صوتها الفتانة عندما تقول:
" أجل يا سيدي ".
ولما وضعت الصينية على الطاولة , قال لها بارت بلطف:
" أشكرك يا سايدي".
" سيد لنتون... هل تفضلت بالبقاء للعشاء؟".
لم ينو روك أن يتناول سوى شراب الغروب , لكنه قبل بفرح دعوة بارت الى العشاء , وقال:
" ربما تلطفت وأرسلت خادمك الى مسكن لوساكا ليبلغ خادمي أنني لن أحضر الى العشاء".
أجاب بارت بلطف:
" طبعا يا روك, سأرسله الى هناك فورا, سايدي , من فضلك أبعثي نغورجي اليّ".

أمل بيضون 06-03-10 12:43 AM

حضر الصبي على الفور , فأبلغ الخبر الذي كان سينقله الى خادم روك , وسعدت كيم ببقاء روك , فأستأذنت بعد قليل ودخلت لتبدل ملابسها , فأرتدت تنورة كتان بلون المرجان زين خصرها بمخرمات , وبلوزة كتان ناصعة البياض فتح أعلاها ليكشف عن سلسلة ذهبية أنيقة تدلت منها مدلاة , وبرزت أصابع رجليها من بن سيور صندلها الأبيض القليلة , وأنتشت نتيجة دهن نفسها بقليل من العطر , الذي كان روك قد أبدى ملاحظة بشأنه في النادي ذات ليلة.
" ما هو نوع عطرك؟".
" غاي".
عقد روك حاجبيه , وفاجأها بحسن معلوماته عن العطور أذ قال :
" أهذا هو العطر المعروف بأنه أثمن عطور العالم؟".
" هذا صحيح , بارت هو الذي أشترى لي العطر , ولشد ما دهشت أذ عثرت عليه في أحد متاجر تنغافيل ".
" وأنا أيضا تملكتني الدهشة , ولكن المرء لا يستطيع أن يتنبأ بأنواع البضائع الموجودة في مدينتنا , فغالبا ما نج أشياء تدهشنا".
" ما الذي جعلك تعرف أنه أغلى العطور في العالم؟".
" أظنني قرأت ذلك في مكان ما.... والأرجح في مجلة نسائية".
" لا يمكنني أن أتصورك تقرأ مجلات نسائية زاهية الألوان".
" يمسك الرجال أحدى هذه المجلات أحيانا ليروا ماذا تحب النساء".
تذكرت كيم أنه في وقت من الأوقات بدت لهجة روك جارحة عندما يتحدث عن النساء , وتساءلت أذا كان لا يزال يعتبر مكان المرأة الطبيعي في البيت , وعند المغسلة تحديدا كما قالت ليندا , لكنها قالت لنفسها وهي تنظر الى المرآة مرة أخيرة قبل أن تخرج لملاقاة الرجلين اللذين جلسا يرشفان شراب الغروب , أن روك لم يعد يفكر كذلك لأن الحب يغير الرجل , ولا شك أنه أحدث في روك تغييرا جذريا.
تسمرت عينا روك المعجبتان على كيم وهي تجلس لتأخذ الشراب , الذي قدمه اليها بارت ,وقال مبتسما:
" تبدين رائعة".
أحمرت وجنتاها حياء , وشعرت بعدم لباقتها وهي تهمس:
" أشكرك".
وشعر بارت بحرجها, فقطع الصمت الذي تلا كلماتها بنظره المتنقل بين كيم وروك وقوله لهما:
" هل أتفقتما على موعد العرس؟ آمل يا عزيزتي كيم ألا تخرقي العرف , فتلبسي ثوبا أبيض".
" أجل ,بالطبع سأفعل".
حدقت في خطيبها , فيما أنشغل قلبها وفكرها هنيهة برجل آخر هو ريتشارد الذي توفي في الرابعة والعشرين بصورة مفجعة , وطغا الحزن على جمال عينيها , غير أنه سرعان ما زال , ثم قال روك ببرودة:
" أظن أن عرسنا سيتم في خلال أسبوعين".
وعلى رغم مفاجأة كيم بالقرار , أبتسمت وقالت:
" لا توفر لي هذه المدة وقتا كافيا لأجراء الترتيبات".
لم يتسم صوتها بنبرة أحتجاج أو أعتراض , فأبتسم روك وقال متجاهلا كلماتها:
"أذن , هل نقول بعد أسبوعين من اليوم؟".
وافقه بارت على أقتراحه.
" هذا سيكون رائع , سيكون ذلك قبل الميلاد بثلاثة أيام ".
" سنقيم حفلة لم يروا مثلها في هذه الأنحاء من قبل".
ومضى روك ليؤكد أنه عندما طلب اليها تزيين شجرة الميلاد له , لم يكن يعرف أنها ستضحي زوجته قبل أن يحدث ذلك , وعلق بارت:
" يا ألهي كم تشاجرتما وتشاحنتما".
علق روك بقوله:
" لم يكن ما بيننا مشاجرات , بل مناوشات أستخدمنا فيها ألسنتا كأسلحة".
وهي لم تكن خطرة في أي حال , أليس كذلك يا كيم؟".
غرقت في التفكير وهي تجيب:
" لم تكن خطرة بحيث تترك آثارا مزعجة بعد أنتهائها , لقد أردت دوما أن أراك غاضبا".
" غاضبا ؟ لماذا؟".
" ذات مرة قلت أن النساء يكشفن عن ضعفهن عندما يغضبن , فسألتك أذا كنت لا تغضب , فأجبت بالنفي , من هنا قررت أن أثبت خطأك".
" فهمت".

أمل بيضون 06-03-10 01:03 AM

بدا مرحا , ألا أنه عندما تحدث ثانية , سرت القشعريرة في جسم كيم بسبب لهجته:
" لا أنصحك بمحاولة أثارتي وأغضابي يا كيم , لأنك لا شك ستندمين على ذلك كثيرا".
نظر اليه بارت ,وضحك وهو يقول موبخا:
" هذا النوع من المزاح قد يخيف الفتاة".
وجدت كيم نفسها تضحك.... لكنها تيقنت من أن روك لم يكن يمزح أبدا , وأدركت أنها لو أختبرت غضبه مرة , لما تجرأت على تكرار التجربة ثانية .
وبعد العشاء أستأذن بارت من روك وكيم قائلا أنه يريد مرجعة بعض ملاحظاته , فخرجا الى الحدقة تحت جنح الظلام , وكان الليل هادئا مخيفا وعابقا بأريج الزهور من حولهما , وصرصرة الزيزان التي ملأت الجو , تسربت أشعة القمر الفضية عبر أغصان النخيل لتفرش الروضة المخملية القاتمة بموزاييك ضوئي ,ووقف روك تحت شجرة الطرفاء حيث عانق كيم بشدة , فقالت له:
"روك أنك تؤذيني".
أجاب بحنو وهو يرخي قبضته عليها:
" آسف يا حبيبتي".
وتابعا سيرهما عبر الروضة بصمت وتفكير , أحست كيم بزوال الشكوك التي ساورتها , كما شعرت أنها غلبت كآبتها التي لن تعود , وعادا أدراجهما بعد أن وصلا الى طرف حديقة بارت الجنوبي حيث أمتد حوض النهر الجارف وقد ظللته أشجار الأكاسيا والتمر الهندي ,وأنبسط وراءه المرج الكبير ذو الأشجار الخفيضة موحشا تحت قبة السماء الأفريقية المضاءة بالنجوم.
سكون , صمت , أتساع , دنت كيم من حبيبها وكأنها تلتمس حمايته, وقال فيما أستنشق عطر شعرها:
" لا , لا يمكن أن تكوني سعيدة قدر سعادتي , يا حبيبتي".
كيف تقاس السعادة؟ أنها أما تملأ على الأنسان كيانه , وأما أنه لا يملكها , فهمست:
" أكاد أنفجر من السعادة".
وضحكت ردا على قهقهة روك :
" لم يكن جوابي رومنطيقيا ولا مقنعا , أليس كذلك؟".
" لم يكن رومنطيقيا بالمرة يا حبيبتي , أتوقع أن تجيبي على نحو أفضل في المستقبل".
" أظنني قصدت أن قلبي يفيض بالسعادة".
" أخبريني يا حبيبتي , هل فكرت بخطوبتك الأولى؟".
أطرقت على الفور , ثم أجابت:
" لقد خطرت ببالي في هذه العشية , وفكرت بريتشارد لحظة".
لم يظهر الخوف في مقلتيها الجميلتين اللتين أضاءهما نور القمر والنجوم عندما ألتقت بعينيه لأنها لم تخش تأنيبا , ولم تر له أثرا ,وقالت:
" هل غضبت؟".
هز رأسه وقد أرتسمت على شفتيه أبتسامة مطمئنة:
" كلا يا عزيزتي , فمن غير الطبيعي ألا تفكري به في هذا الوقت".
" لا يسعني أن أسترجع ملامحه ولا ملامح والدي بدقة , من المؤكد أنني أملك صورا لوالدي".
" أود أن أرى صورهما".
أشعرها طلبه ببعض السعادة, فقالت:
" ستراهما طبعا , كان والداي رائعين يا روك".
" لا بد أنهما كانا كذلك".
" وعند وفاتهما كانا شابين , فلم تتجاوز والدتي التاسعة والثلاثين ووالدي الثانية والأربعين".
" يا ألهي, لا بد أنك مررت بوقت عصيب جدا".
" جاء دخول بارت في حياتي أشبه بأستجابة لتضرعي وصلاتي , من هنا ينبع حبي وأخلاصي له , فقد كان أشبه بوالد لي".
" هذا أكيد , وهو يحبك كثيرا يا كيم".
" أنا أعرف ذلك".
بدا روك وكأنه يتنهد من أعماقه , الأمر الذي خالف طبيعة قوته ورجولته الطاغية , فسألته:
" روك....ما بالك؟".
" ما بال؟ لم تسألين هذا السؤال يا حبيبتي؟".
طمأنت كيم نفسها وقالت أنها لا بد تصورت تلك التنهيدة , ثم أجابت بمرح مصطنع شابته بحة في صوتها :
" لا شيء , آه ,ولكنني أحبك".
" وأنا كذلك".

أمل بيضون 06-03-10 05:36 PM

8- يريد أن يرحل بعيدا
أقتربت حفلة الأستقبال , التي أحياها روك وكيم بمناسبة عرسهما , من نهايتها , وأستعد العريسان , اللذان أجّلا شهر عسلهما لرغبتهما قضاء عيد الميلاد في المنزل , لمغادرة النادي , والأتجاه الى مسكن لوساكا حيث يختمان يوم عرسهما ببعض السكينة والهدوء , وقد أعتنت كل من سوزان وليندا بكيم , التي تألقت في ثوبها الأبيض , وجدير بالذكر أن كيم لم تفكر بالطلب من سوزان أن تكون أشبينتها , ألا أن الأخيرة قالت:
" من الواضح أن ليس لك أصدقاء مقربون هنا يا كيم , وهكذا , أذا قدّرت أنني قد أكون لك عونا , لا تتردي في الطلب اليّ".
فوجئت كيم , وقالت بدون أن تفكر:
" لعلك لا تمانعين في أن تكوني أشبينتي أذن؟".
" أظنك مثل كثيرين آخرين , أفترضت أنني أحب روك , ألا أنني كنت دائما أعرف أنه لن يكون لي , كيم , أنني أرضى أن أكون أشبينتك".
وكان كليف ستاين أشبين العريس , وسألت كيم وهما في السارة في طريقهما الى البيت بعد أن تركا ضيوفهما يستمتعون بآخر رقصة.
" هل لاحظت أهتمام كليف بسوزان؟".
أجاب روك:
" لم تر عيناي سوى عروسي الحلوة ,كلا , يا عزيزتي , ألم ألاحظ أن كليف أظهر أهتماما زائدا بسوزان , وأرجو ألا تحاولي القيام بدور سمسارة العرائس في المنطقة خصوصا أن كليف عازب مكرس".
لم تتمالك كيم ألا أن ذكّرته:
" وهكذا كنت أنت".
صاح بذهول وتهكم:
" يا ألهي , هكذا كنت أنت".
" أظن أن كليف وسوزان يناسبان بعضهما تماما".
" أنتبهي الى ما قلته , فكليف ليس من الرجال الذين يسعون وراء الزواج".
" لماذا؟".
ردد زوجها سؤالها وهو يرميها بنظرة بعد أن حوّل بصره عن لحظة عن الطريق الغارق في ضوء القمر:
" لماذا؟ كيف يمكنني أن أعرف لماذا".
" أنت صاحب أدعاء , وعليك تبريره".
" هل تحاولين يا فتاتي جري الى مشادة كلامية؟".
" ليس الليلة يا روك الحبيب".
" هل أنت خجلة يا حبيبتي؟".
" كلا , بكل تأكيد".
" لا أصدقك".
" روك , هل تحاول أن تجرني الى مشادة كلامية؟".
" ذكريني فور وصولنا الى البيت بأن أضربك".
" لنعد الى قضية سوزان وكليف, فأنت تجد فيه رجلا لطيفا عندما تتعرف عليه , صحيح أنه خجول , ولكن.....".
" أنه صديقك , وألا لما طلبت اليه أن يكون أشبينك".
أنحرف روك بسيارته ليتحاشى شقا كبيرا في الطريق ظهر فجأة تحتضوء مصابيح السيارة الأمامية , وقال:
" لم تجيبي على سؤالي:
"الحقيقة أنني لا أعرفه , لكنني تحدثت اليه اليوم , وقد بدا لي جذابا , ولا أظن أنه عازب مكرس ,بل أشعر أنه خجول وغير واثق تماما من نفسه".
" ربما كنت مصيبة في قولك يا عزيزتي , أليست الليلة جميلة ؟ أنظري الى القمر الكبير يسبح في السماء".
" القمر الأفريقي ... أنه جميل ورائع , أنه قمر العشاق , لننزل الستائر هذه الليلة عندما....".
بلعت كيم ريقها بصعوبة أذ تنبهت لأشتداد الحمرة التي علت وجهها .
ولم تستطع أن تتكلم لما أجتاحها من عاطفة جياشة , وأنقضت بقية الرحلة في صمت قطعه روك , بعد أن ساعد عروسه على الخروج من السيارة ودوخول المنزل , فيما قال:
" أتمنى لك يا عزيزتي دوام السعادة".
لم تقدر كيم أن تجيب بشيء لأن حالها لم يتغير عما كان وهي داخل السيارة ,وساعدها روك على دخول غرفتهما الجميلة , التي أعيد تأثيثها بسرعة أذهلت كيم وبارت , اللذين أعتبرا السرعة التي وصل لها الأثاث الذي أوصى عليه روك من هوهانسبورغ أشبه بالمعجزة.
وجاء يوم عيد الميلاد , فكان كما أشتهته كيم , بل أكثر , فنهضت وروك باكرا , وتناولا فطورهما على الشرفة , قبل أن يجتازا بالسيارة المسافة القصيرة التي فصلتهما عن مسكن كاتانيا من حيث رجعا ببارت الى مسكن لوساكا , وكان روك قد قدم أقتراحا ذكيا يقضي بأن ينزل ثلاثتهم هداياهم عن شجرة العيد ويفتحوها معا , وجذبن الفكرة كيم , فأزداد حبها لزوجها , فقد أدرك بالفطرة أنها ترغب في أن يشاركهما بارت فرحة تبادل الهدايا .
ولما رأى بارت الشجرة , تف:
" يا له من منظر مدهش , أرى يا عزيزتي كيم أنك زدت براعة هذه السنة".
وبدا بارت سعيدا معافى وقد أسترد شبابه , فشعرت أن كأس سعادتها قد فاض , فقالت لبارت ضاحكة:
" بات , هداياك هنا مع الملاك الذي يراقبها".
تناول بارت شرابا قدمه اليه روك , فرشفه ووضع الكأس على الطاولة , ثم تقدم من الشجرة وبدأ يحل شريطا أحمر براقا , كانت كيم قد شدت به حزمة الى الشجرة, وفي الوقت نفسه فكّت هي رزمة أخرى أصغر حجما , وتبع ذلك محادثة أعرب فيها الثلاثة عن شكرهم لبعضهم , وأعجابهم بهداياهم , فكيم حصلت من بارت على ساعة مع سلسلة ذهبية تناسبها!وكان واضحا أنه أشتراها من أنكلترا – ومن روك على أسوار وحلق ذهب علاوة على قلادة تتماشى معها , أما بارت , فتلقى من روك كتابا كان يرغب بالحصول عليه , ومن كيم على تمثال من الكهرمان لفتاة ترقص كان قد أبدى أعجابه به في لندن خلال أسبوع قضاه مع كيم هناك , ففرحت كيم أذ رأته يفاجأ بالهدية , وكانت هدية بارت لروك مفكرة ذات غلاف من جلد مطرز , في حين أهدت اليه كيم أنائين قديمين صنعا من الزجاج المقطع كانت قد عثرت عليهما في متجر صغير يقع في أحد شوارع تنغافيل الخلفية , فنظفتهما ولمعتهما بحيث ظهرا جديدين , فرح روك بالأناءين , ألالا أن سروره بتلقيهما لم يعادل سرور زوجته بأكتشافهما خصوصا وأنها لم تكن تعرف ماذا تشتري لزوجها الذي لم ينقصه شيء.
ووضع روك الترتيبات لتناولهم الغداء في النهر على متن زورقه , ولم يدع الى الغداء سوى صديقين لبارت عازبين كانا سيقضيان العيد بمفردهما ,وتناولوا الغداء بهدوء بينما أندفع الزورق بسلام في النهر تحت السماء الزرقاء الصافية التي غالبا ما حجبتها أغصان الأشجار الممتدة فوق النهر بحيث لم تزعج أشعة الشمس المحرقة ركاب الزورق الخمسة ,وتألقت عينا كيم حبورا , فأدركت أنها لن تنسى مدى العمر هذا اليوم- الجدول الهادىء,وروائح النباتات الخضراء التي نمت بوفرة على ضفافه ,ونباتات السحلبية بألوانها الزاهية وقد علقت بأغصان الأشجار , وموسيقى الترانيم الميلادية الناعمة التي أنسابت من مسجل وضعه روك في الزورق , وأحست بنعيم تمنت لو يدوم , لكنه لم يكن ليدوم بالطبع , فروك سيقيم حفلة عشاء الليلة , وقد أرادت كيم أن تشرف بنفسها على الطاولة وترتيب الزهور والأضواء والمقاعد.
عندما ودع روك وكيم ضيفهما الأخير , وقفا على الدرج يراقبان أضواء سيارته الخلفية الحمراء تختفي عند المنعطف في آخر الممر المؤدي الى مسكن لوساكا.
وقال روك :
" عل أستمتعت بنهارك يا حبيبتي مثلما أستمتعت أنا؟".
" لقد ملأته المتعة , وكان بارت سعيدا , هل لاحظت أنه بدا شابا أكثر من أي وقت مضى؟".
لم يجب فورا كما كانت تتوقع , بل الحقيقة أن الصمت الذي أعقب سؤالها طال كثيرا قبل أن يقول بلهجة مبهمة:
" الحقيقة يا عزيزتي أنه بدا في غاية العافية والسعادة كما تقولين".
أنزعجت بدون أن تدري سببا لذلك , فسألت:
" هل هناك ما يزعجك؟".
" يزعجني؟ كلا يا حبيبتي".

أمل بيضون 06-03-10 05:48 PM

وفي مساء اليوم التالي أقيمت في النادي حفلة راقصة , وكالعادة كانت رافيلا , التي قررتحضور عيد الميلاد , نجمة الحفلة بعباءتها البراقة وحليها وأبتسامتها الفاتنة وحيويتها ,ألا أنها لم تظهر الود أتجاه كيم عندما ذهب روك لشراء الشراب لهما , فتقدمت من زوجته وقالت:
" هل قضيت يوما جميلا في عيد الميلاد؟ أظنك قد دعوت رب عملك , أليس كذلك؟ من جهتي أنا , لا أحب ذلك في شهر عسلي".
سيطرت كيم على أعصابها بالرغم من غضبها , وقالت أنها ستقضي شعر العسل مع روك بعد أنتهاء أحتفالات عيد الميلاد , وسألت رافيلا وهي مصممة على الظهور بمظهر الفتاة اللطيفة المهذبة:
" وماذا عنك أنت؟ هل كان يوم العيد ممتعا بالنسبة اليك؟".
" لم يكن يومنا موحشا على الأطلاق , فقد تلقيت أنا وسوزان فقط دعوة لتناول العشاء مع الأخوين ستاين".
لم تستطع كيم أن تخفي دهشتها:
" هل دعيتما؟ لم أفكر أنهما يوجهان الدعوات في أي حال".
أوضحت رافيلا ببساطة:
" من الواضح أن كليف أعجب بسوزان أيّما أعجاب".
" آه....".
تأملت رافيلا كيم بفضول , وقالت:
" ماذا تعنين بصيحة آه؟".
هزت كيم كتفيها وهي تردد :
" لا شيء.... لا شيء على الأطلاق".
" أظنك فرحت بحب كليف لسوزان".
أقرت كيم بشيء من العصبية:
" ربما".
ثم تلفتت حولها وهي تتمنى أن ترى روك يحضر مع الشراب , ثم علقت رافيلا:
" أنهما لا يناسبان بعضهما تماما كما هي الحال معك أنت و...".
وصمتت ألا أن كيم فطنت ببديهتها السريعة أن الفتاة قصدت أن تنبه كيم الى ما كانت تنوي قوله , فتنهدت كيم مستهجنة سوء سلوك رافيلا , وقبل أن تتاح لها فرصة الرد عليها , حضر زوجها وناولها كأسها , ثم نظر الى الفتاة الجميلة بقربها وأبتسم لها وهو يسألها بتهذيب:
" هل يمكنني تقديم بعض الشراب لك يا رافيلا؟".
أجابت رافيلا ببرودة قبل أن تستدير مبتعدة:
" كلا , أشكرك".

أمل بيضون 07-03-10 12:12 AM

تطلعت كيم الى زوجها , وقد جرحها ما كانت رافيلا تنوي قوله , أي أن كيم وروك لا يناسبان بعضهما , وكان من السخف أن تكترث كيم للفتاة , ألا أنها تنبهت ثانية لتلك الشكوك التي ساورتها بعد مرضها والتي عزتها الى الكآبة التي تحدث عنها روك , وهمس روك في أذنها بحنو وهدوء مطمئنين :
" هل قلت لك يا حبيبتي أنك في غاية الحسن؟ هذا اللون يظهرك على طبيعتك... أنه الأرجواني الزاهي , أليس كذلك؟".
صححت معلوماته وهي تبتسم :
" أنه الليلكي ".
وبعد قليل قال روك :
"هيا ننضم الى سوزان وكليف , فقد بدأت أتساءل أذا كان هذا الرجل سيطوي صفحة من كتابي ويجد لنفسه زوجة جذابة".
ضحكت كيم وهي تقول:
" أتمنى لو أستطيع أن أقول لك : هكذا قلت لك".
" أراهن أنك ستفعلينها يا لعينة".
ولشد ما دهشت كيم أذ رأت رافيلا توافيهما فورا وكأن ما فعلته قبل لحظات لم يكن , فهي الآن جذابة ومتألقة فيما تنظر الى روك أولا ثم ثم الى كليف وهي تطرف بأهدابها وتهز شعرها الذهبي كما تمسك بعض خصلاته بين أصابعها الطويلة الرشيقة , نظرت كيم الى رجليها اللتين شابهتا أرجل الفتيات المعروضة في أعلانات طلاء أظافر الأرجل , وهمست رافيلا :
" ماذا فعلت لك يا كليف حتى لا ترقص معي؟".
عبست سوزان , ثم نظرت الى كيم ,وبدا كليف على أهبة الأستعداد لكي يترك الفتيات الثلاث يتحدثن فيما بينهن , لكنه أجاب رافيلا بتهذيب وقد أتضح أنه تذكر أنها ضيفة سوزان :
ط ربما كان عليّ تعديل جدول الحذف أو اللائحة السوداء , ولعلك بذلك ترقصين معي الرقصة التالية".
" بالطبع , هيا , فالموسيقى قد بدأت بالعزف من جديد".
صاحت سوزان مغتاظة:
" لأتمنى لو تعود الى منزل والديها لأنها أصبحت مملة".
وتوقفت قليلا قبل أن تضيف:
" أدرك أنني لم أكن لبقة , لكنني أعرف أن بأستطاعتي التحدث بحرية اليك يا كيم".
سألت كيم:
" متى ستعود الى والديها؟".
" الله وحده يعلم , أظنها ستبقى هنا لتراهن على كليف".
صاحت كيم متعجبة , ولم تدرك كم أعوزتها اللباقة :
" آه , كلا".
قالت سوزان بذل وخيبة:
" بلى , وهكذا أكون قد أحببت أثنين ولم أحظ بأي منهما , ولا شك أن الحظ سيحالفني في حبي الثالث".
صرخت كيم بأنقباض :
" لا , لا , يا سوزان ".
" آسفة , لقد قلت لك عندما عرضت أن أكون أشبينتك أن روك لم يكن لي , أما كليف فلم أفكر به ألا مؤخرا حين بدأ يتحدث اليّ , وأنا واثقة أنه حضر هنا الليلة ليقابلني , لأنه كما تعلمين لم يكن يحضر حفلات الرقص هذه من قبل".
" حتى ولا في عيد الميلاد؟".
" كلا , لا , ولا في الميلاد".
أنقطعت سوزان فجأة عن الكلام ,ثم رفعت يدها وتكلمت:
" يبدو أن روك لا يهتم بشراب رافيلا , وها هو ذا منشغل بحديث شيّق مع السيد ناش".
أستدارت كيم لترى أن روك وبارت وقفا عند البار وأنشغلا في حديث شيق كما قالت سوزان , فأوضحت:
" أن لديهما أهتمامات كثيرة مشتركة , وأظن أن روك سيحزن عندما يغادر بارت البلاد".
" هل ما سمعته عن تقاعده صحيح؟".
" صحيح , أنه سيخلد الى حياة أسياد الريف الأنكليزي عما قريب".
" هل سيعيش وحده أذن؟".
أجابت كيم بحزن:
" أجل , لأن لا أقارب له على حد علمي , غير أنه يحتفظ بمدبرة منزل ممتازة تهتم كثيرا , ولذا سيكون على ما يرام".
" بالطبع".
" كم أتمنى لو أزور أنكلترا ذات يوم ... يا ألهي , ماذا عسى رافيلا أن تفعل؟ أعرف أن ما سأقوله أشبه بالهراء , لكنها تبدو وكأنها تسترق السمع".
" لقد رأيتها ترقص منذ قليل...".
" غير أنها لا ترقص الآن".


الساعة الآن 03:20 AM

Powered by vBulletin®
Copyright ©2000 - 2022, vBulletin Solutions, Inc.