آخر 10 مشاركات
280 - أسرار - كارول مورتيمر - روايات أحلام جديدة (الكاتـب : Just Faith - )           »          0- عاشت له - فيوليت وينسبر -ع.ق- تم إضافة صورة واضحة (الكاتـب : Just Faith - )           »          247- حب رخيص-كيت ولكر (مدبولي) عدد جديد (الكاتـب : Gege86 - )           »          317 - امرأة تحت الرماد - كيم لورانس ( تصوير جديد ) (الكاتـب : marmoria5555 - )           »          55 - آخر الأحلام - سارا كريفن - ع.ق ( كتابة / كاملة )** (الكاتـب : monaaa - )           »          بين أنياب الوحش(64) شرقية- للرائعة: منى لطفي(احكي ياشهرزاد)مميزة*كاملة&الروابط* (الكاتـب : منى لطفي - )           »          زوجة بالميراث (127) للكاتبة: Sara Craven *كاملة* (الكاتـب : Gege86 - )           »          رواية الحلم الرمادي *مميزة* (الكاتـب : هند صابر - )           »          86 - نهر الذكريات - ماري ويبرلي - ع.ق (الكاتـب : حنا - )           »          290 - الرجل الظل - ليز فيلدينغ (الكاتـب : عنووود - )


العودة   شبكة روايتي الثقافية > قسم الروايات > منتدى الروايات والقصص المنقولة

Like Tree1321Likes

إضافة رد
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 30-10-19, 09:34 PM   #531

قدر فيه امل

? العضوٌ?ھہ » 409590
?  التسِجيلٌ » Oct 2017
? مشَارَ?اتْي » 407
?  نُقآطِيْ » قدر فيه امل has a reputation beyond reputeقدر فيه امل has a reputation beyond reputeقدر فيه امل has a reputation beyond reputeقدر فيه امل has a reputation beyond reputeقدر فيه امل has a reputation beyond reputeقدر فيه امل has a reputation beyond reputeقدر فيه امل has a reputation beyond reputeقدر فيه امل has a reputation beyond reputeقدر فيه امل has a reputation beyond reputeقدر فيه امل has a reputation beyond reputeقدر فيه امل has a reputation beyond repute
افتراضي


اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة simpleness! مشاهدة المشاركة
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

صباح الخير جَميعًا.. كيف الأحوال؟

بإذن الله وإن شاء الله اليوم "الأربعاء" راح ينزل الفصل ما بين الساعة التاسعة والحادية عشر مساءً.. انتظروني.


نلتقي على خير.

يا مساء الخير والبركة
حالنا .....مشتاقين والله
كيفك انتي يا غالية
في انتظارك دائما عزيزتي ومااجمل انتظارك وتوقع ما سيحدث شوقنا كبير لك وولقادم
دمت عزيزتي بكل خير وحب وود

simpleness! likes this.

قدر فيه امل غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 30-10-19, 11:15 PM   #532

simpleness!

? العضوٌ?ھہ » 368867
?  التسِجيلٌ » Mar 2016
? مشَارَ?اتْي » 202
?  نُقآطِيْ » simpleness! has a reputation beyond reputesimpleness! has a reputation beyond reputesimpleness! has a reputation beyond reputesimpleness! has a reputation beyond reputesimpleness! has a reputation beyond reputesimpleness! has a reputation beyond reputesimpleness! has a reputation beyond reputesimpleness! has a reputation beyond reputesimpleness! has a reputation beyond reputesimpleness! has a reputation beyond reputesimpleness! has a reputation beyond repute
افتراضي

بسم الله الرحمن الرحيم
تَوكلتُ على الله

الجزء الستون
الفَصل الثاني


سَــلام.. تَشْعر بالسلامِ يَمْلأ جَوْفها.. رُوحها وقَلْبها وجميع أعضائِها.. هي تَتَنفس السلام.. تَنظر به وتَبْتسم بسببه.. هُو يُحيط بها من كُل جانِب.. يَحْملها على غَيْمة تَطوف حَوْل المكان بسَلام. هَمَست.. ولا تعتقد أَن هذه الأَجواء يُليق بها صَوْت غير الهَمْس..: أَبدًا ما توقعت بحب المكان "اسْتَنشقت نَفَسًا وَلجَ لجسدها بانتعاشٍ لَذيذ وهي تَشُد حَولها الشال الصوفي.. ثُمّ أَرْدَفت وعيْناها تتطلعان للأمَدِ البعيد اللامع الذي كان يَتأمّله هُو في عَيْنيها" كأنّه جزء مفصول عن العالم.. مفصول عن الفوضى والإزعاج والعشوائية والمناظر المتعبة للعيون "ضَحكت ورأسها يَميل" مَفصول عن الشمس بعد
ابْتَسَم مُؤيّدًا: الشمس بخيلة معاهم.. حرارتها كلها أغدقتها علينا بكرم
نَظَرت إليه وحَنينٌ يُداعب أهدابها: بس لها هيبة والله
هَمهمَ بموافقة: كانت من ضمن الأشياء اللي اشتقت لها طول سنين الغربة
ابتسمت وبضحكة: تستاهل الشوق "أَسْدَلت جِفنيها ليرتفع صَدرها باستنشاقٍ عَميـق أَتبعهُ زَفيرٌ تَذيلته آه الراحة.. وبتعجّب" أنا شلون تنفست هالهوا قبل أكثر من عشرين سنة! ما أتذكره.. ما أذكر الشعور وهو يبرّد روحي ولا أذكر ريحته!
عَقّبَ بهدوء: كنتِ صَغيرة
حَرّكت كتفها: ايــه صغيرة بس مو واجد.. يعني عادي تبقى في بالي هالذكرى "اسْتَطردت وهي تستند لمقعدها المُسْتَقِر خَلْفَ سور الكوخ المُطِل على الرّيف" إن شاء الله إذا انتهى كل شي وتعدّلت الأمور بعزم أمي ويوسف وحور على هالكوخ "سَألته بنظرة استئذان بريئة" يصير؟
رَنا إليها بنصف شرود قَبْلَ أن يَهمس ببحة وبابْتسامة خافتة: أكيد يصير "اعْتَدَلَ في جلوسه وهو يُرجع الصوت في حلقه وبظاهر سبّابته يَمس أسفل أنفه.. وبنبرة مُتأنّية نَطق" مَلاك أنا مابي أعكّر مزاجش "ضاقت عيناه بابْتسامة" أو أعكس الشعور اللي قاعدة تعيشنه حاليًا.. بس لازم تعرفين إن بعد أسبوع بيجيني هاينز.. عشان بنروح للمدينة.. لمكتب آستور.. عشان باقي الشغل
طَرَدت من صَدرها المَملوء بطمأنينة لَحظية تَنهيدة لَن تكن الأخيرة.. حَرّكت عدستيها عنه لليل الذي تَزفّهُ النجوم لعروسه القَمَر.. تَأمّلته لدقيقة أو اثنتين وهي تَسْتشعر تَقَلّص الانبهار شَيئًا فَشيء.. حينها أَيْقَنت أَن المَرْء يُبْصر الجَمال بِعَيْني الرّاحة.. فإن عُمِيَت فَهو سَيرى الجَنّةِ نار. عادت إليه وسؤالٌ مُتَعَلّق بمشذب أهدابها المُهتزّة: وشنو بيصير بعدين؟
صارحها بالحقيقة المُرّة: ما عندي أي جواب لأن مادري.. صدق مادري!
أَخْفَضَت رَأسها قَليلًا وكأنّها تتفحص أغواره بعينيها: ولمتى ما بتدري؟
كَرّرَ: مادري
أَغْمَضت والأَسى يُصدّع ملامحها الناعمة.. والكَمَدُ أَسْرَعَ بفرشاته لِرسم سوادَ كُحله حول مُقلتيها.. فارقها السكون.. كلماته ثَقَبت قَلْبها فَتَسَرّبت منهُ الخِفّة.. وها هي الهواجس تُثقله بشؤمها ورماديتها الضبابية.. آآه كم هُو قَصيرٌ عُمر الفَرح. أَبْصَرت على إثر تشابك أصابع يَده بأصابع يَدها المَخذولة.. فَقد أفلتت من قبضتها الفَرح.. نَحْنُ نُوْلَد بكَفّين مَقبوضتين على السعادة.. كُلّما أَطعمنا الدّهرُ عُمرًا بَسطنا لهُ كَفّ سعادتنا.. غافلين عن حَسرة النهايات ولَوْمها. تَعَلّقت عَيْناها المُمتزج فيهما أَلم الحُزن بقساوة الصَبر بعينيه الغائر فيهما الأسَف.. شَدّت على يَده لتهمس بتماسك: راح نستغل كل دقيقة في هالأسبوع
ابْتَسَمَ وكفّه الحرة ارتفعت لتُعانق وجنتها.. وبنبرة أَحْيت فيها آخر استكانة: عـلى أمــرش



قَبْلَ ساعات

أَنهى المُكالمة ليَضغط على الهاتف بكامل قُوّته قَبْلَ أن يَقذفه في الهواء بِغَضبٍ وتَهوّر؛ ومن بين أَسْنانه قَد فَرّت صَرْخة غَيْظ مَسْجونة.. رَكَلَ الأَرْض وهو يرى كَيْف تَلَقّفهُ العُشْب ليسقط دون إصابات على بعد بِضعة أَمتار منه. زَفَرَ بنفاذ صَبْر وهو يَمشي باتّجاهه بخطوات أَثْقَلها حَديث رائد.. لا وجود لمعلومات عنها.. لا أهل لا أصدقاء ولا شيء.. وكأنّها جاءت من العَدَم.. وهذا يعني أَنّ لا وجود لوَعد أَساسًا. انْحَنى ليلتقط الهاتف وانحنت معهُ أَفكاره لطريق الصّواب.. تدافعت الأَسئلة في عَقله.. كَيْف صَدّقها؟ ولماذا أَصْلًا صَدّقها؟ سَيطرت عليه بقطعة حلوة لذيذة.. ألهذه الدرجة هو ضَعيف! امْرأة كهذه تُسَيّرهُ على هواها دون أن تبذل جهدًا. هُو.. هُو مُثير للشفقة! أَرْسلت لمكتبه طَبق حلوى فحَلّقَ إلى عُقْرها بعد أَن أَسكرهُ المذاق.. حَلّق إليها مُفشيًا عن الكثير من الأسرار.. لكن.. هي أيضًا أفشت.. فرناندو.. والمخدرات.. أَيُعْقَل أَنّ كل ذلك مُفَبرك؟ لِماذا لم تَطأ هذه التساؤلات عَقله من قَبْل؟ لِماذا لم ينتبه لشخصيتها الغريبة من قَبْل؟ لا سلطان.. لا.. أنت انتبهت.. انتبهت إليها.. ولكن.. استقام واقفًا.. ولكن غُشِيَ على عينيك.. استدارَ لِيَصطدم بَصره بها ويَتيقّن من الحَقيقة.. نعم غُشِيَ على عَيْنيه.. جاذبيتها كانت لها القُدرة على شَطب جَميع الشكوك لتجعل تَركيزه لها ولها فقط.. أَجبرته على النظرِ للأمام.. لجمالها الذي جاءَ على مَقاسِ أهوائه.. لذلك تجاهل أي فِكرة من شأنها أن تُزَعْزِع التفاته التام إليها.. فانسَلَبَ لُبّه فتاهت الأَسئلة عن أَرْض عَقله. تَقَدّمت منه وفي عَيْنيها نَظْرة قاتِلة.. كالقوس المُهَدّد بتراشق السهام.. وَقَفَت أمامه.. على مَقْرُبة منه، فاتّضحت لهُ ملامح الصّدمة الكاسية وَجْهها.. فَفَهِمَ أَنّها سَمِعته.. سَمِعت مُكالمته.. لذلك قالَ بثقة وعيناه قَد كشفتا عن قوسهما: وَعد ما لها وجود يــا.. "ضَيّق عَيْنيه وأمال رأسه كما لو أنّهُ يُفَكّر" إلا ما قلتين لي شنو اسمش؟
هَمَسَت بفحيحٍ ناري: تنبّش من وراي! تنبّش من وراي يا سلطان!
أَسرَعَ البرود لوجهه ونظراته وغَلّفَ صوته ليقول: شغلنا حسّاس وإنتِ عاطيتني اسم ومعلومات مغلوطة.. أكيد بنبّش
عَقَدَت حاجِبَيها مُسْتَنكِرة: وهالشغل فيه شي صَح أَساسًا؟ إنت بكبرك معلوماتك جذب في جذب.. بس اسمك صح.. ومو في كل مكان تستخدمه بعد.. أكيد ما بعطيك معلومات صحيحة عني!
أَدخل الهاتف في جيبه وهو يَقول ليُنهي المسألة: خـلاص.. وحدة بوحدة.. ما بتعطيني معلومات.. أنا بعد ما بعطيش معلومات.. مدام الثقة انعدمت.. فالأفضل كل واحد يبقى في مكانه
هَزّت رأسها وهي تَزم شَفتيها: ما عليه.. ما عليه "تَراجعت للخلف خطوة وهي تُرْدِف بصوتٍ حَوْى مصائبُ خَطيرة" تأكد من هاللحظة إنّك جنيت على نفسك سلطان
ما إن تجاوزته حتى فاضَ عُباب عَيْنيها مُغْرِقًا وَجْنتيها المُحْمَرّتين من صَفْعة الصّدمة.. حَشَرت جَسدها في المركبة وهي تُشَغّل المُحَرّك بيد تكاد أن تنفصل عن ذراعها من شدّة ارتجافها.. ضَغطت بقدمها على البنزين غير آبهة بسرعتها.. تُريد أن تخرج فقط.. تُريد أن تَذهب لمكان يَحتوي انهمار دموعها.. لشخص يَتَلَقّى بيديه انكسار رُوحها وموت ثِقتها المَغدورة.. رائد.. رائــ ـد.. المُحقق رائد.. صَرَخَ قَلْبها من جُرْحه الطَري: لماذا... لمـــاذا!

،

الوَقت الحالي

قالَت بأَلم وخَيْبة ولَمْحة عِتاب تطوف عَيْنيها: جيت لك.. لأن ما عنـ ـدي غيرك.. توقعتك.. تصدقنـ ـي!
رَدّ بهدوء يَشْرح لها واقعه: وأنا أكثر من ثلاثين سنة كل ما أحس إن ما عندي أحد، التفت وألقاه.. مُستحيل أَصَدّق أي كلمة سوء عنه! هو مو صَديق ولا أخو.. هو أنا.. هو نَفْسي.. أنا عادي أصَدّق على نفسي الغلط بس ما أصدقه عليه
كَرّرت من بين أَسْنانها بصوتها المشروخ من البحّة: قـلـت لـك سَمـعـتـه.. قال رائد.. المحقق رائد.. من يكون غيره اسمه رائد ويشتغل في التحقيق والأفضل بين زملائه وفوق هذا كله مرتبط بسلطان؟ من؟ قول لي من؟
بمنطقية: في أكثر من تفسير للي سمعتيه.. وترى تظلمين رائد إذا رحتين مع التفسير اللي يطلعه الريّال المو زين!
أَحْنت ظَهرها مُتّكئةً بمرفقيها على فَخذيها.. غَرست أصابعها بين خصلاتها وهي تضغط على رأسها كما لَو أَنّها تَدعس الأفكار الحائمة بعشوائية داخله.. هَمَسَت بتيه: شسـوي؟ شســـوي! يـا الله
أخفضت يَديها لتُمرّرهما على جانبي وجهها وعُنُقِها قَبْلَ أن تقف وهي تَزْفر التباسات روحها المُضطربة.. أخذت تَقطع غرفة الجلوس جيئة وذهابًا والتوتر قَد رَاكمَ داخلها جِبالًا ترتفع قِمّتها دقيقة بعد أخرى.. نَظرت لأخيها عندما قال: قعدي لا تفرين راسش.. اللحين بيي
رَدّت بنفاذ صَبر: متى متــى! صار لك ساعة من اتصلت فيه
: الشوارع زحمة والناس رايحة لدواماتها.. أكيد بيتأخر
تَوَقّفت مُقتطعة شوطها السادس لتقول بحرج: آسفة طلال ما خليتك تروح دوامك
استند براحة للخلف وعلى شفتيه ابتسامة: عادي مدامني أشتغل في شركة أبو رائد.. لو أشتغل عند أحد غيره جان من زمان تفنشت "وَقَفَ مُسْتَطردًا وهو يُشير لوجهها" بروح أسوي لش ريوق.. ويهش أصفر وشفايفش بيضا.. لا تطيحين عَلَي
حَرّكت رأسها رافضة: لا طلال مابي.. كلش مو مشتهية كلـش
ارْتفع حاجبه: عصير عالأقل
أَكّدت عدم رغبتها: والله مابي شي.. أحس بستفرغ لو أكلت من اللوعة
مَشى للمطبخ: عيل بييب لش حليبة باردة حق اللوعة
دَلفَ للمطبخ وهي لمَ تُعارضه وواصلت أشواطها وتوترها واصَل بُنيانه الذي طالَ حتى انتصف رئتيها؛ مُنَبّئًا عن اختناقٍ قَريب. دَقّ الجَرس.. التَفتَت كالبَرق ناحية الباب في الوَقت الذي خَرج فيه طَلال من المَطبخ وفي يَده كأس حَليب.. أَلْقى نَظْرة على الباب ثُمَّ أَلْقى نَظْرة على فاتن التي أَصْبَحت كالخرقة البالية. عادَ الرّنين.. وَضَعَ الكأس على الطاولة الصغيرة ليخطو إليه.. فَتَحهُ فاندَفعَ رائد للداخل وهو يهتف: شصاير؟ وينها فاتن؟ "التَقت عيناهُ بها فناداها وقدماه تَفُرّان إليها" فــاتــن
تَراجعت للخلف هامِسةً بصوتٍ رَهيف يكادُ أن ينقطع: لا.. تقـ ـرب... لا تلمسـ ـنـ ـي
تَجَمّدت خطواته وملامحهُ انكسفت من كلماتها الغريبة.. تَقَدّم خطوة فكان لخطوتها الرجوع.. لذلك تَساءَل وأوداجه تَنبضُ تَوَجّسًا: فــاتــن.. شنو صاير!
تَكَلّمت بما كان يُمليهِ عليها لساعات قَلْبها المَكسور: وَثَقت فيـك.. أَمّنتك على سري ونفسـ ـي.. وآخرتها.. تطعنّي في ظهري! "حَرّكت رياح الأَسى رَأسها" حَرام عليـ ـك.. والله حــرام
احْتَقَن وَجْههُ وانفجارٌ مُدَوّي زَلْزَل دواخله وصوته يعلو: إنــتِ شـقـاعـدة تـقـولـيـن! استخفيتين ولا شنو!
صَرخت في وجهه والدموع تَصرخ على وجنتيها: لا ما اسـتـخـفـيـت.. ما استخفيت يا الخايــن.. سمعت كل شي.. كــل شـي.. بأذوني.. سمعته وهو يحاجيك.. طلعت تشتغل عنده يا الحقيــــر "نَسَفت المسافة بينهما لتمضي إليه تَضربه بقهَرٍ مَجْنون وحنجرتها تكاد أن تُقْتَلع من فَرط صراخها" يا الحقيــر.. يا الكلــ.. يا الـ..
أَسْرَعَ إليها طَلال مُكَبّلًا بيديه الرّجولتين ساعديها.. استطاع أن يُسَيْطر عليها بسهولة بسبب ضعفها الأنثوي وبسبب انهيارها الذي خَلّفته الصدمة.. احْتضنها عندما تَمَسّكت به وهي تبكي وبكاؤها يُقِلُّ لمَسامعهما حَسْرتها.. تَطَلّعَ لرائد الذي ألجمهُ الموقف الغَير متوقع.. وجهه مُتَشَبّع بالاحمرار والعَرَق.. وأَنفاسه تَشخب من صَدره وهي تُصْدِر صَوْتًا يُشْبه صَفير قِطار مُعَطَّل.. هَمَسَ يَستجدي فهمًا: طلال.. أنا مو فاهم.. مو فاهم شي! ليش جذي حالها!
رَفعت رأسها لترد بصوتٍ يَغُصُّ بالوجع: سمعتــ ـه.. سمعت سلطان وهو يكلمك.. كنت تبي تعطيه معلومات عني.. تبي تفضحني قدامه!
اتّسَعت عيناه وغَضبه رَكَّزَ على الموضوع الثانوي بالنسبةِ لها: إنتِ كنتِ عنده! شلون تروحين له من غير ما تقولين!
تَدَخّلَ طلال مُتفاديًا شرارة جَديدة: كلّمتها عن هالموضوع وهاوشتها وزفيتها بعد.. اللحين هي اللي يهمها الريّال اللي سمعت سلطان يكلمه.. المحقق رائد مثل ما قال
عُقْدة تَوَسّطت حاجبيه وصوتهُ خَرَج مُسْتغربًا: المحقق رائد!
أَكّدت وهي تُبْعد عن عينيها خصلاتها المُلتصقة بوجهها: ايــه.. المحقق رائد.. ولا تسوي روحك بريء وما تدري بشي
أَشارَ لنفسه وحاجِباه يرتفعان بتعجّب: اللحين يعني إنتِ.. شاكة إن أنا رائد اللي كان يكلمه!
هاجمته: ومن غيرك له علاقة بسلطان؟ مسوي روحك تشتغل عشان تقبض عليه وإنت تشتغل معاه
شَزرها بعينه ليقول داقًا ناقوس ضَميرها: وإنتِ على طول تشكّين فيني؟ ما عطيتيني حق البراءة؟ سيدة أثبتين إدانتي!
وهي تُشيح عنهُ بتبلّد: كل شي واضح
قالَ بقهر: في غيري ألف رائد
رَنت إليه بحدّة: ما أظن في غيرك محقق رائد وله علاقة بسلطان
صَمَت لثواني وعدستاه تدوران على وجهها المُرْتَدي قناع المُبارزة.. هي شَنت عليه حَرب من اللا شيء.. شَنتها عليه بسببِ شَكٍّ يُستحال أَن يُزيل اليَقين.. واليَقينُ هو براءته وطهارة نيّته.. فكُل رائد سينطق باسمه سلطان سَيكون هو أوّل المُحَتَمَلين؟ فقط لأنّه مُحَقّق فالتّهمة موجهة إليه! قَد يكون هناك عشرة أشخاص أو أكثر يحملون اسم رائد ومحققون في الوقت ذاته.. فليس هنالك رائد واحد في هذا العالم.. رائد واحد ومحقـ.. لحظة.. لحظة رائد لحظة.. نَظَرَ إليها وهي التي كانت تُراقب تَقَلّبات ملامحه.. تسارعَ نَبْضها عندما سَأل ببطءٍ نصفه تركيز: تقولين كان يكلّم رائد.. وأشار له بإنه مُحقق؟
رَدّت بخفوت: اي
تَقَدّم خطوة مُسْتَفسرًا باهتمام: شنو اللي سمعتيه بالضبط؟
ارْتَفَعَ حاجبها: أعتقد تدري شنو عدل!
تَحامَل وهو يستنشق هواء يُصَبّره ليُعيد السؤال: شـنـو اللـي سـمـعـتـيـه فـاتـن؟
أَجابت وهي تُرْخي جِفْنيها.. لا تَستطيع أن تنظر إليه وهي تَنطق بالكلمات التي كَشَفت قُبْحه: قال.. إن هو يقدر يلغي التعاون اللي بينكــ ـم.. وإن هو اللي سمح به.. هو طلب منك تنبش ورا وعـــ ـد.. بما إنّك كنت الأفضل بين زملائك.. بس إنت ما لقيت شي.. فيعني إنت استعجلت على نهايتك
هَمْهَم وهو يَهُزّ رأسه بالإيجاب.. رَفعت بَصرها إليه لتَلتقي مع عَيْنيه البادي عليهما التفكير.. سَألَ طَلال المُتفرّج: في شنو تفكر؟
أَجابه ووعيه بين الحاضر والماضي: أعتقد إنّي اكتشفت شي مهم يخص قضية عمّار
ارْتَفعَ حاجِباه مُتفاجِئًا: والله! وشنو هالشي؟
وهو يتراجع للخلف: ما أقدر أقول قبل لا أتأكد
استدار مُمسِكًا بقبضة الباب ليفتحه إلا أَنّ نداء طلال أوقفه: رائــد!
نَظَرَ إليه بتساؤل فأشارت عينا طلال بصمت إلى فاتن.. شَخَرَ ساخِرًا وهو يَقول بحدة وعتابٌ قاسي: ما بيني وبينها كلام.. أنا في نظرها خاين وجذَّاب.. خلها تنظر لي بالهنظرة مثل ما تبي.. ما بتعب نفسي أصحّحها لها
أنهى جُملته ثُمّ فتح الباب وَخرج تارِكًا فاتن تَغرق في دوّامة لا أبواب لها ولا نوافذ.. دوّامة ضياع وندم لا مَفَرّ منها.



تَبْدو القُلوب مَعْطوبة.. هَكذا كانت ولا زالت.. مُشَرّعة الأبواب ونازِفة.. كأَنّما تَسْتفرغ الفَرح وتَلفظ الرّاحة. هذه الفكرة التي تبادرت إلى ذهنها وهي جالسة فَوْقَ رُكبتيها أمام خزانة ملابس جنى.. بآلية تَتَحَرّك يَداها تطويان مَلابسها.. تنتهي من قِطعة.. تَصُفّها في مكانها.. ثُمّ تلتقط قطعة أخرى وتُعيد حَركات الطّي التي حَفِظتها يَداها عن ظَهر قَلْب.. فَحواسها وفِكْرها كانوا بَعيدين جدًا عن هذا العَمل الروتيني.. كانوا هُناك.. فَوْق الهَضبة الخَضراء اليانعة التي لَم تَقْسمها صَخرة عَشْوائية هَوَت فَوْقها من اللا شيء.. صَخرة لَم تَكُن كخَطَئها الساذج الذي قَسَم ظَهْرَ سَعادتها. زَفَرَت رَيْبًا جَديدًا وهي تلمس شاشة هاتفها القريب لِتَستَعلم الوَقت.. التاسعة وتسع وأربعون دَقيقة.. مَضَت قُرابة التسعِ ساعات مُذ فارقَها.. لَم يَتّصل ولَم يَكُتب ولَم يَعُد. باتَ عندها.. رُبّما هُو صالحها.. قَبّلها وتَوَسّد صَدرها.. هُما بالطّبع عَوّضا شَوْقهما بعد ليالي البُعد.. لا بُد أنَّ التعبير تَجاوز الكلمات إلى الأفــ ـ... أَغْمَضت وهي تَشد على القطعة التي بين يَديها.. يا الله.. هي تَحْترق.. تَحْــترق فعلًا وبلا مُبالغات.. تَستطيع أن تَشعر بتوهّج جلدها.. فَتَحت عَيْنيها تنظر لانعكاس وَجْهها في مرآة الخزانة.. أَحْمَر.. مُتَهَيِّج من أُوار رُوحها.. فالغيرة لا تنفك عن زَجّ الخَشب إليها.. تَرْكنهُ بين زواياها ثُمّ تُشْعله إلى أن يَتَرَمّد.. فَتعود من جَديد إلى جَمع الأَخشاب لتبدأ حَفلة حَريق جَديدة. كانت هذه دورة حياتها مُذ نَطَق باسمها عند اتصالها وحتى هذه اللحظة. لَم تدخل الغرفة إلا من أجل ملابس النوم وحاجياتها الخاصة.. فهي لَم تَنم هُناك.. شاركت ابنتها سَريرها.. غَفت لساعتين رُبّما ثُمّ اسْتَيقظت على ضَربات قَلْبها.. نَبَضاتها كانت مُتسارعة جدًا.. كما لَو أَنّها تَركض هاربة من الوِحشة التي خَلّفها غِيابه. يا إلهي، لَيْلة واحد عَبَثت بها هكذا.. فكيف بالليالي الآتية؟ وهل فعلًا هناك ليالي أُخرى سَيكون البُعد سَيّدها؟ أَم أَن المُستقبل يُخبّئ لها مُفاجـ

: صار لي ساعة واقف!

التَفَتت للصوت بشَهقة خافتة.. بشَهقة اللقاء.. شَهقة العِتاب.. بلا إرادة منها تَكاتفت الدّموع وأَغرقت مُقلَتيها.. أَشاحت عنه وهي تَزدرد الغَصّة لِتَتكسّر مع الأنفاس في صَدرها.. اقترب منها حتى جَلس بجانبها.. فَوْق رُكبتيه مثلها.. قالَ بهمس وبَصره يَطوف مَلامحها الظاهرة له من خلف تموجات خصلاتها: من زمان واقف وإنتِ عيونش ما نزلت من على المنظرة.. تفكرين في شنو؟
اسْتَنكرت دُون أن تُغَيّر من وَضعيتها: ما تدري!
ارْتَفَعَ حاجبه وبملل كان نصفه نعاس: وأنا شدراني؟!
اسْتدارت إليه والدّمعُ قَد عَبَر البوّابتين لِيَسْتَريح على الخَدّين.. نَطَقت بارْتجاف بلسان غيرتها: من طلعتك لها البارحة ما كلمتني.. ولا حتى كتبت تصبحين على خير.. ما سألت... وولا شي.. من هي اتصلت إنت نسيت نفسك ورحت لهـ ـا!
عَقَدَ حاجبيه والاستنكار هذه المرة كان منه: اللحين كل مرة بروح لها بتسوين لي هالفيلم!
اتّسَعت عَيْناها مَصْدومة: يعني بعد في مرة؟ في مرّات جاية بتروح لها!
أَجابَ بهدوء كان بالنسبةِ لها برودًا مُسْتَفِز: أكيـد.. مو هي زوجتي وحالها من حالش؟
نَظَرت إليه وفَوْقَ جِفْنَيها اتّكأت خَيْبة أَمل لَم يَرَ لها فَيْصَل أَيُّ داعي.. وَقَفت بَعْدَ أن انتصرت عليها الشهقات وأَخذت تَتدافع بقهر من قَلْبها.. تناولت سَلّة الغَسيل الفارغة وهي تُغلق باب الخِزانة بقوة لتُغادر غرفة جنى وصوت بكاؤها يَتبعها.. تَأفف بتعب مَرْسوم على وَجْهه وهو يَقوم ليلحق بها.. كانت قَد تَركت السلة في الغرفة الخاصة بالغسيل لتدلف لغرفتهما حيث استقرت على السرير مُواصِلةً سمفونية بُكائها المُزعجة بالنسبة له.. فهو لَم يَنم منذ أكثر من أربعة وعشرين ساعة.. حتى صوته هو نَفسه يُزعجه. اسْتَلقى على جانبه بثقل وهو يَتكئ بمرفقه ويُسْند رأسه بيده.. يَنظر لها من مكانه بصمت وحَركة أهداب بَطيئة وهي تُخفي وَجهها بكفيّها وتَنتحب.. لوهلة شَعرَ أنّه من المُمكن أن يغفو على موسيقى بُكائها. اسْتَمرَت مُشاهدته لدقائق قَبْلَ أن يقول بضيق تَصَدّعت منه مَلامحه: بَس عــاد
صَرخت بصوتٍ أَكتمته غَصّاتها وكَفّاها: خَلْني.. خَلْنــــي.. حابسة الصيحة من يوم عرسك.. خلني اللحين أطلعها يمكن أرتاااح
تَثاءَب وهو يَعتدل ليستريح على ظَهره ويقول: زين إذا خلصتين قعديني
أَبْعَدت يَديها سَريعًا لتُبصرهُ مغمض العَينين مُسْتَعِدًّا للنوم.. ضَربته فَوْقَ صَدره بغيظٍ بقبضتيها: قوم فيصل قوووم.. لا تحرني أكثر مما أنا محترة "هَزّته من كتفه" قـوووووم
تَمْتمَ وأصابعه تَتخلل خصلات شعره: إنا لله وإنا إليه راجعون "سَألَ وهو ينظر لها بعينين نصف مُغلقتين" شتبين مني؟ "أكْمَلَ بكلماتٍ اسْتفزّتها وهو الذي لَم يَكُن في نيّته اسْتفزازها" إنتِ بتصيحين.. عملية تقدرين تسوينها بروحش.. ما تحتاجين مُساعدة مني.. فليش أقوم؟ أنام أحسن لي صح؟
وجَسدها يَرْتعش من رأسها حتى أخْمص قَدميها: فيــصل لا تقهرني.. كفاية الضو اللي شابة داخلي.. قوم قول لي شنو صار وشنو بيصير في الأيام الجاية.. أنا ما أقدر أتحمل فكرة إنّك تكون لها.. مو بعد تهدني وتروح تنام عندها وتنساني!
أَرْخَى حاجبيه يَتَوسّلها من أَعماقه: حَبيبتي أرجوش.. أرجوش خليني أنام.. بنام وبعد ما أقعد بنتناقش في كل شي.. حتى الحيوانات المهددة بالانقراض بنتناقش فيها.. بس خليــني أنــام
تهافتت الدّموع على وَجْنتيها المُلتهبة: تتطنز.. قاعد تتطنز عَلي وأنا أحترق.. أحترق وإنت ولا حـاس
هَزّ رأسه: امبلى حاس.. والله حاس فيش.. بس بنام وبقعد وإحساسي بيكون في قمته وبنتفاهم.. اللحين بس اشفقي عَلي وخليني أنام.. والله قعدتي من قبل لا نروح المطار أمس.. من الفجر يعني.. احسبي إنتِ عاد جم ساعة مو نايم
تَهَكّمت: وليش مو نايم؟ سهران مع الحَبيبة؟
رَدّ بجدية وهو الذي لَم يَبرحهُ الاستغراب: لا والله، هدتني ونامت.. ظليت سهران بروحي
صَمتت للحظات تنظر إليه بملامحها المُمطرة أُجاجًا.. مَرّرت لسانها على شَفتيها قَبْلَ أن تسَأله ببحّة ونبرة تُصافح الهدوء: يعني.. هي هدتك.. يعني قصدك ما عطتك وجه؟
أَجابَ بتحفظ: تكلمنا وتفاهمنا وبعدين نامت
رَدّدت بنظرة سارحة: تفاهمنا.. تفاهمنا "رَفعت عيْنيها إليه وبسؤال مُتَعرّج يَشي باقتراب الصّيحة" يعني خـ ـلاص.. تفاهمتون تظلون مع بعض للأبد.. وتجيبون عيـ
رَفعَ يَده إلى فَمها مُقاطعًا تَدفّق الكلمات المُبَلّل.. قال برجاء: جِنان واللي يرحم والديش خلاص.. ترى حتى صوت أَنفاسي قاعد يزعجني.. مو بعد صياح وحالة.. خليني أنام وعقبها صيحي وصرخي على راحتش
أبعدت يده بنرفزة: زين إذا إنت نمت أنا شسوي بروحي؟ أظل محترقة مكاني لين ما حضرتك تقعد؟
اقترح: قعدي مع جَنــ "سَكت فَجأة مُسْتوعبًا قَبْلَ أن يَتلَفّت في الأرجاء مُتسائِلًا باستغراب" إلا تعالي صدق.. وين جَنى؟ ما شفتها تحت ولا هي اهني!
وهي تمسح دموعها بظاهر كفّها: راحت مع خالي السوق المركزي
ضَحكَ مُسْتنكرًا: شتسوي هناك! "استطردَ" وأبوي ما عنده إلا هالرحلة من يوم احنا صغار! "انكمشت ملامحه لكن الابتسامة ظَلّت على شَفتيه وفي عَيْنيه" نرجع ريحتنا سَمج على لحم على خضرة.. مزيج عجيب
ابتسمت بخفّة وذاكرتها تَحِن بها لتلك الأيام: رحت وياكم جم مرة.. كنا نستانس هناك.. وإذا الجو زين كان يودينا الكُورنيش.. ونرجع حالتنا حالة من التعب.. بس تعب حلو والله
قالَ بتردد وهو ينظر لها بانخفاض: ايــه.. كان تعب حلو.. عكس تعبي اللحين إلا كلــش بعيد عن الحلاوة
نَظَرت لهُ مُطَوّلًا ونسائم الهدوء تُرَفْرِف حَوْلها وتَطرد غوغاء البُكاء عن وَجْهها المُرْهَق.. حَرّرَت تنهيدة كانت مَسْجونة بين ضِلْعيها بألم.. تَراجعت للخلف حتى استقرت في مكانها.. تَمَدّدت أَسْفَلَ الغطاء ثُمَ نادته بخفوت: تعـال
اسْتجاب لها بلا تَردد.. فالتّردد في جَنّتها مَكروه.. مُحَرّم.. غير مُباح.. عَليك أَن تخلعه قَبْلَ أن تدخلها وإلا أُثِمت. اسْتكانَ في حضنها وهو يَكشف عن تنهيدة طَويلة بطول التعب الذي يُلازمه.. شَدّ عليها دافِنًا وجهه في عُنقها سامحًا لرائحتها الطبيعية بأن تَطرد الثقل الجاثم على دواخله. هَمَست وأناملها الرقيقة تُداعب خصلاته القَصيرة: بس.. ما يحتاج نتكلم
رَفعَ رأسه ليُقابلها بوجهه العابس: شلون يعني ما يحتاج نتكلم؟ والمناحة اللي سويتيها!
تنهدت بارتعاش وبصدق فَرّ من أعماق رُوحها: ما أقدر فيصل.. ما أقدر أسمعك وإنت تتكلم عنها وعن حياتك الجاية معاها "وبحشرجة" خلنـ ـي.. خلني بالأفكار اللي في بالي أحسن لي.. لا تجيني فكرة جديدة وتزيدني قهر وغيرة
حَرّك كتفه وهو يُعَقّب قَبْلَ أن يُعيد وجهه لمخدعه: على راحتش
سادَ الصّمت من جَديد.. فَقط صَوْت أنفاسهما التي تَلتقي وَسَط الهواء وتتعانق حتى تمتزج مُكَوّنة عِطْرًا خاصًا افتقدته جُدران الغرفة لأعوام. بالكاد غَفت عَيْناه إلا أَن ندائها سارعَ وانتشله من غفوته اللذيذة: فيصل "هَمْهَمَ فأفصحت عن سؤالها" عندك صور، لجنى.. وهي صغيرة؟
لا تدري لماذا شَعرت بأنّ شفتاه المُلامسة عُنقها تَبْتسمان! حتى أن نبرته المُسترخية كان بها لحْنُ ابتسامة: اي أكيد عندي.. صورها من أول يوم لين قبل لا تشوفينها.. صور وفيديو بعد "أَرْدَفَ " في بعد شنط مدعوسين في المخزن فيهم كل ثيابها.. ما رميت شي
عُقْدة بانت بين حاجبيها عاضدها سؤالها المُتعجّب: وليش؟!
ضاعفَ من تَمَسّكهُ بها ووجهه يَكادُ أن يَحفر عُنقها الأملس.. وبكلمات حَملت إليها الجَواب دون جَواب: لا تسألين يا جِنان وإنتِ تعرفين الجَواب.. لا تسألين



تَقِفُ على سَفْحِ الذّكرى.. تُشَرّحها لتستنبط من جَوْفها نَوْعها.. أَهي ذِكرى جَميلة أم بَشِعة. ببساطة هكذا.. تُريد أن تَمْنح ذكرياتها وَصْفًا يَكون تُرجمانًا لماضيها.. هي لا تنكر أنّها عاشت واجترعت لحظاتٍ بَهيجة.. لكن لَحظات البؤس والتعاسة كانت أَضعافًا وأَضعاف.. لكن الغريب.. والغريب جدًا.. أَن مؤسس التعاسة وغارس البذرة المسمومة في حياتهم لَم يُطعمها الحُزن مُباشرة.. فهي اقتاتت عليه من الفُتات الباقي من لُقَم والدتها. لَم يَضربها والدها قَط.. لا تتذكر أنّهُ صَرخ في وجهها أو غَضِب.. وكانت نَظرة الرّحمة المَمزوجة بالأسف عنوان عَيْنيه دائمًا.. حتى عندما تزوجت.. كان عذابها منه عن طريق زوجها.. أَهرمَ يوسف مما أدّى لهوانها.. أَيَحِنُّ عليها إذن؟ أَيُحِبّها؟ لكن.. من أين لإنسانٍ مثله.. بل من أين لقلبٍ مثل قَلْبه الرّحمة والحَنان؟ هُو لَم يحتضنها من قَبْل، حَسب أرشيف ذاكرتها هُو لَم يَحتضنها احتضان يَمُد أوصالها بالدّفء.. حتى القُبَل لَم تعثر على أَثَرٍ لها فَوْقَ جَبينها أو على خَدّيها.. لا تعتقد أَنّه لَم يَمنحها فِعْلًا أبويًا طوال حياتها.. ولكنّها مُتَيَقّنة أن سواد أفعاله المُشينة أَصمت كُل ذلك.. فكان للذكرى التعيسة الهَيمنة. رَمَشت بخفّة مُنتبهة لقدوم أحدهم.. رَفعت عينها لتُبصر عَمّتها مُقبِلة.. ابتسمت لها بود وهي تقول بنبرة ذات معنى: مساء الخيـــر
ضَحكت عندما فهمت مقصدها: أدري متأخرة.. بس ما كنت نايمة.. بس طوّلت في السدحة... وعقبها قريت جم جزء من القرآن على ما يأذن الظهر.. وهذاني صليت ونزلت
اتّسعت ابتسامتها والحُب يَغمر حواسها: الله يتقبل
: منا ومنش يُمّه "استطردت باقتراح" شرايش نروح لأمش نتغدا معاها؟ أنا وإنتِ ويوسف خل يمرنا طلعته من الشغل
أَيّدتها سريعًا: والله فكرة عمتي "أشارت للمطبخ" الغدا جاهز من قبل.. بنحمله معانا.. أكيد هي مو طابخة
وقفت: إنتِ روحي اجهزي وأنا بنجبه عشان لا نحمل قدور
بحماس للفكرة: تمام
صَعدت لغرفتها لتتجهز في دقائق بسيطة.. فاقتراح عمّتها أسعدها جدًا.. والدتها وحيدة هُناك في منزل كبير وكئيب.. هي تزورها بالطبع وفي الأيام الماضية كانت تقضي النهار والمساء عندها.. لكن لا تستطيع أن تواصل على هذا المنوال.. فلا بُد أن تستقر في منزلها الخاص.. وكذلك في ذهابها قلة ذوق تجاه عمّتها.. تعلم أنّها تتفهمها.. ولكن ليس من المعقول أن تتركها هي الأخرى كل يوم لوحدها.. لذلك أَسرّتها الفكرة ومُتأكّدة أنها ستسر والدتها المريضة. في تمام الساعة الواحدة وسَبعة وثلاثون دَقيقة أَرْكنت حُور مَرْكبتها في الموقف المُخصص لها في منزل والدها.. غادرتها مع عمّتها في الوقت الذي اقتربت فيه الخادمة لتساعدها على حَمْل أَطْباق الغداء.. دَلفت الاثنتان للداخل.. قالت قَبْلَ أن تتجه للمطبخ: تفضلي عمتي ارتاحي.. وشيلي دفتش أبوي مو اهني.. أنا بودي الأكل المطبخ
قَصدت المطبخ مع الخادمة.. سَألتها وهي تَضع الأطباق على الطاولة الصغيرة: وين ماما؟
أشارت للأعلى: في غرفة
أَزاحت حجابها: زين أنا بركب لها وإنتِ جهزي صحون وقفاش في غرفة الطعام
أَوْمأت الخادمة بطاعة فابتسمت لها حُور بشكر ثُمّ غادرت للأعلى حيث غرفة والدتها.. طَرَقت الباب فَلم يأتِها رَد.. طَرقته من جَديد وهي تُناديها: يُمّه؟
ولا رَد أيضًا.. فَتحت الباب بهدوء وهي تقول بمُزاح: يُمّه بدخل خشي اللي عندش
خَطت للداخل وعيناها تطوفان على المكان.. الأضواء مُغلقة والستائر تَحجب الشمس.. المُكيف مَفتوح على درجة حرارة منخفضة بالنسبة لهذا الجو.. رَكّزت بصرها على السرير.. والدتها مُستلقية أسفل الغطاء وظهرها لها.. أَسرعت خطواتها إليها برهبة وهي تهتف بهمس: يُمّــه
أمسكت بكتفها وأدارتها لِتُفْجَع من مَنظرٍ انتزع رُوحها من جذورها ليُهوى بها على أَرْضٍ مَسيكة كَسَرتها.. تَجَمّدت أَطْرافها وعيناها نالَ منهما جحوظ الفَزع مع اعتلاء صَرْخة جَرحت صوتها وهَبطت لأُم يُوسف وانتصفت قلْبها: لااا يُمّـــــه



شَكَرَ النادل بهمس ثُمّ التَفتَ لرفيقه الذي ارْتشفَ من قهوته ليقول بملل: تفضل أخ رائد.. تحجى
ارْتَفَعَ حاجبه: وليش تقولها جذي!
أَفْصَحَ بغيظ: لأني كنت باخذ قيلولة قصيرة لطيفة تريح مخي.. اتصلت إنت وخربتها عَلَي
مالت شَفتاه بثقة جَذَبت اهتمام عزيز وهو يقول: إذا سمعت اللي عندي بتبوس راسي لأني حرمتك من قيلولتك
اقتربَ من الطاولة: وشنو اللي عندك؟
رَفع هاتفه من على الطاولة.. بحثَ فيه لثواني ثُمّ أداره إليه لينظر للشاشة.. تَأمّل عزيز الصورة ورائد يسأله: تتذكره؟
أَجابَ مُباشرة: اي.. رائد الــ... كان في دفعتك ودفعة
أكمل عنه: دفعة عمار.. كانوا حتى الدكاترة في الجامعة وبعض اللي صادفناهم في المراكز يتلخبطون بيننا بسبب الاسم
هَزّ رأسه: اي أذكر "اسْتفسرَ" شنو دخله باللي راح تقوله؟
رَدّ بارتفاع حاجبين: هو أصلًا أساس اللي بقوله "أغلق الهاتف وأرجعه لمكانه وهو يُرْدف باسترسال" رائد هذا اشتغل مع عمار في أكثر من قضية.. بعض الأحيان كانوا يلتقون حتى برا الشغل.. ما كونوا صداقة.. بس زمالتهم كانت قوية.. وأنا كنت منتبه لهذا الشي بس كان عادي في نظري.. لأن فعلًا شي عادي.. بس اللي استنكرته إن رائد قدّم استقالته مُباشرة بعد مقتل عمّار.. فتساءلت هالكثر هم كانوا قراب وأنا ما انتبهت! فكرت أكلمه وأسأله.. بس انشغلت في القضية وفي أمور ثانية ونسيت الموضوع لأنه ما كان لذيك الدرجة مُهم.. ونسيت رائد نفسه ومن ذيك السنة ما طرى على بالي.. لكن اليوم انطرى قدامي.. انطرى على لسان فاتن "احْتَدّت نظراته حتى ظَنّ عزيز أنّهما سوف تشتعلان" انطرى على لسان سلطان تحديدًا
نَفَرَ عرْق في صدْغه ووجهه مَسّه احمرار: شــتــقــول!
واصلَ رائد: فاتن سمعته يكلم شخص باسم المحقق رائد.. ويلومه ليش ما حصل معلومات تخص وعد
دَارت عدستاه وَسط البياض وأنفاسه تثاقلت حتى باتت مسموعة.. رائد.. المحقق رائد.. ارتبط مع عمّار الوَفي.. عمّار المُسالم الذي أراد أن يُنهي عَصر سلطان الظالم.. قُتِلَ عَمّار ورائد استقال واختفى.. سلطان يُحادث رائد ويلومه.. العَبْد لم يُرْضِ سَيّده.. رائد وسلطان.. وعمّار! عادَ بصره لرائد بعد أن أوصل النقاط في عقله واكتملت الفكرة التي أراد أن يوصلها له؛ وبهمسٍ فحيحي مُتأهّب للانقضاض: والله.. والله لو اللي تقصده طلع صح.. ما بتغمض لي عين إلا وأنا فاصل راسه عن جسمه
شَرحَ له الخطة: لازم أول شي نطّلع على الهيستوري ماله.. نشوف كل القضايا اللي اشتغل عليها.. وبنبحث عن مكانه اللحين وشغله وبيته وحتى عايلته.. وبعد ما نجمّع كل المعلومات بنفتح ملف عمّار من جديد وبندرسه ويا المعلومات اللي عندنا
وَقَفَ بهيجان حتى أن المقعد سَقطَ من خلفه.. قال والنار تعتري باطنه وظاهره: قــوم المكتب.. ما أقدر أقعد في مكاني.. مابي شمس باجر تطلع وأنا ما عندي جواب



حَديقة صَغيرة مُتَدَثّرة بعُشْبٍ أَيْنعته أَمطار الأيام الماضية.. زُهور تَتراقص بزَهو وشَجرتان ونَخْلة.. وعلى الأَرْض قَد افْتُرِشَت سَجّادة صُنِعَت من قُماشٍ خَفيف وحَميمي.. يَتناغم مع الشتاء ولحظاته الباحثة عن الدفء.. كانت السجادة تحمل جيني الخادمة.. وحُسين الذي أَصْبح جَسده الصّغير قادِرًا على الجُلوس.. ومن حَوْله قَد تناثرت ألعابه ذات الألوان الزاهية المُلفتة للنظر. أمّا هي فَأجبرها المَرَض أن تُسْجَن بين عَجَلتين ومَسندي ذراع وظَهْر.. أن تُسْجَن في مقعدها البغيض. أَغْمَضَت ورَأسها يعلو حتى خالتهُ السّماء أَنّهُ يَطالها.. أَخذت تَجُر الأَنفاس واحدًا تلو الآخر.. تَبْحث من بينها عن نَفَسٍ رَقيق لا يَخدش أضلاعها أثناء ولادته. عَطّلَت جَميع حواسها ولَم يَتطلب منها جُهد كَبير.. أَنْصَتت لتغريد العصافير المُرَحِّبة بالمَساء.. اسْتَشَعرت تَقبيل نَسائم الغُروب لوجهها القُطني.. وسَكَبَت على رُوحها آخر أنوار الشّفق. فترة استجمام بسيطة ولكن إلى الآن يبدو أَنّها مُجدية.. هي طَلبت من والديها أن يَخرجان من المنزل للترويح عن النفس.. فلقد مضى زمنٌ طَويل مُذ انفرد الاثنين بذاتيهما بعيدًا عن مشاكلها وهُمومها الجلية عليها مَلامح الأبدية.. لَم يوافقان في البداية.. ولكنّها أَصَرّت وساندتها جيني في ذلك. وها هُما الاثنتان يُمارسان ترويحهما الخاص. أَزاحت الجِفنين عندما داعبت قَلْبها ضِحكة صَغيرها.. ابْتَسمت وهي تَراهُ شارِعًا يَديه وقدماه الصغيرتان تَتحرّكان باحْتكاكٍ حَماسي لاحَ في عينيه المُتَوَسّعتان.. كان يُراقب بفم فاغر الكُرة المطاطية ذات اللون البرتقالي الفاقع وهي تُجاهد الهواء الذي يأبى فَكاكها.. كُلّما استكانت عادَ وزَعْزَعَ سكونها.. وكانت هذه لُعبة مُسَليّة جدًا لحُسين. ضَحكت عندما مَدّ يَده يُريد أن يُمسك بالكرة وهي تقول بتشجيع: يلا ماما.. أشوف من بيغلب إنت ولا الهوا
حارَبَ الطّفل من أجل الظفر بكُرته.. لكن كانت الغلبة للهواء الذي اسْتَغَلّ جُل قُوّته لدفعها وإرسالها إلى الجهة المُقابلة.. حينها تَرَقْرَقت الدّموع في عَيْني حُسين.. وتَقَوّست شَفتاه الصّغيرتان.. فارْتَفع صَوْت بُكائه الذي أَضحك جيني بشدّة.. حملته لوالدته وهي تُعَلّق: يا لك من طِفل شَقي
احْتَضنته حَنين وأجلسته في حجرها وهي تمسح دموعه وبنبرة حَانية حَوَت حُبًّا شَهِيًّا: حبيبي حبيبي.. عُمري هالدموع "قَبّلت عيْنيه المُبَلّلتين" خلاص يا ماما خلاص.. اللحين نجيب الكرة لعندك "تَناولت الكُرة من جيني ثُمّ قَرّبتها منه وهي تقول" هاك.. حلالك
دَفعها بيده وهو يَدعك عينه ويَتململ في جلوسه مُصْدِرًا صَوْتًا ضائِقًا.. ضحكت: خلاص زعلت منها يعني؟ "أَرْخى رَأسه على صَدرها وهو يُحَرّكَ وجهه كما لو أنّهُ يَبحث عن شيء.. لذلك حادثت جيني" فلندخل.. الهواء أصبح أكثر برودة مع اقتراب المساء.. والواضح أنّه جائع ويُريد النوم
وافقتها: هذا صحيح.. أنا سوف أجمع ألعابه ثُم أتبعكم
ابتسمت لها: شُكرًا
أَدارت المقعد بأداة التحكّم.. ابتعدت بمسافة قصيرة اقتطعها رَنين الجَرس.. التَفتت ناحية الباب الذي قَصدته جيني.. تراجعت قَليلاً إلى الشجرة حتى تتوارى خلف جذعها لو كان الطارق رَجُل.. وكانَ فعلًا رَجُل.. ولكنّه رَجُل لا يجب عليها أن تتوارى عنه.. رَجُل يُحَلُّ له رؤيتها.. هو لا غيره.. بسّام. اضطربت نَبَضاتها وهي تراه يَدخل بعد أن دَعتهُ جيني بترحيب.. خَطَى معها وهي تسمع سؤاله: أَمُسْتَيقظٌ حُسين؟
أَجابت وهي تُشير لحَنين: آه إنّه هُناك مع والدته
رَفَع رَأسه بانتباه ليَصطدم بَصره المَحروم بوجودها.. تَبَاطأت خطواته في الوقت الذي تَقَدّمت فيه العجلات مُقتربة.. تَحَرّك الصغير ببهجة عندما قابلهُ وَجْه والده الذي ابتسم لهُ بحُب.. رَفَعَ ذراعيه إليه كأنّما يتوسّله فَحَمله بَسّام بضحكة وهو يقول: شلونك بابا؟ أشوفك اليوم طالع برى ومُتكشت!
ضَحكَ الصغير وكأنّه فَهِم ما قاله.. قالت جيني بتعجّب: للتو كان يبكي لأن الهواء أبعد عنه كرته.. والآن وكأن شيئًا لم يحدث!
قَبّلَ خَدّه ثُمّ قالَ بزهو: يُريد والده "نَظَرَ لحنين مُتسائِلًا بابْتسامة خَفيفة" شلونش حَنين؟
ارْتَفَعَ حاجبها كبداية لثورة الجنون: توّك تفكّر تسأل!
عُقْدة تَوَسّطت حاجبيه ورأسه مالَ مُستنكرًا: عفوًا؟
ارْتَفَعَت نبرتها: أقـول لـك تـوّك تفكر تسأل! وينك ما سألت في هالشهرين اللي طافوا؟ ولا جني آدمية اهني
والعُقدة لَم تبرح وَجْهه: إنتِ اللي اخترتين تجين اهني.. وإنتِ اللي اخترتين ما تقابليني وما تكلميني.. أنا أخاف يصدر مني أي تصرف ويضايقش.. فكنت أنتظر منش المبادرة
تجاهلت كلماته المنطقية لتَقذف عليه سؤال لَم يتوقعه: ليش ما جيت العزيمة؟ شنو الشغل اللي جذّبت على عبد الله وقلت إنّه عندك؟
انفكّت العُقدة ولكن ملامحه بَقت مُتَجلّدة.. استنشق نَفس ثُمّ أجابها بهدوء: أولًا أنا مو جذّاب.. وثانيًا كنت مرتبط مع ولد عمي أناقشه في خريطة بيته
تضاعف اعتلاء الصّوت حتى أَن وَجْهها احْمر من ضَغطها على عروقها: فَشّــلتني مع أهلي.. كل وحدة هناك معاها زوجها إلا أنا بروحي ما جنه عندي رجّــال
كَرّر بوجْسٍ سَمِعت فيه رَنّة الصّبر: إنـتِ اللي تبيــن جـذي
صَرخت: لا ترميها عَلي... أنا مريضة ونفسيتي تعبانة.. وإنت على طول جبتني اهني ورميتيني.. تبي الفكّـــة.. عشان تهيـــت على كيفك
زَجرها بنبرة مُنخفضة ولكن باردة.. كعادته: حَنيــن شهالحجي!
أَشارت للباب والغَضَب مُحْكِم قَبْضته على ذاتها.. مُكَمّمًا فَم الرغبة التي تَرْجو احتضانه وتقبيله: اطْـــلع.. اطلع برا.. هاملني شهــووور ومنزّل من قدري قدام الناس واللحيــن بكل برود تسألني شلوني! "خَبَى صَوْتها لتُبْصِق عَليه كَلمة لَسَعت ذاته" إنت ما عندك إحساس بسّام.. تفهم؟... مــا عـنــدك ذرة إحــســاس
شَعرت بصخرة تَجثم فَوْق صَدرها عندما تَهَدّلت ملامحه بخَيْبة عَظيـــمة أجّجت دموعها.. إلا أَنّها حَبَستها قِسْرًا. لماذا حَنين.. لماذا؟ عندما أَهدتكِ الشّمس بعضًا من ألَقِ ألوانها.. لماذا أَسرَفتِ بالقُبول وتَبَنّيتي حُممها؟ لماذا تَكسريني وكأنّي الليل الذي يُصارع نهاركِ؟ لَم أكن لَيْلًا لكِ.. وإن كُنت.. فأنا سآتيكِ والقَمَرُ مَعي.. فلماذا القَسوة؟ لماذا الهَجْرِ.. ولماذا جَلْد الحُب وقَهره؟ فقط.. لماذا! أَشاحَ عنها ناحِرًا العِتاب.. خَطى بقدمين تنتعلان الخذلان.. توقّف عند جيني التي تَسَمّرت عند باب المنزل بعينين مصدومتين تُراقب المشهد.. هي لَم تفهم كَلمة واحدة.. ولكنّها استنتجت من الصراخ والنظرات والحركات المضمون.. انتبهت لبسّام الذي قَرّب منها الصغير.. أخذته بصعوبة بسبب تمسّكه به.. احتضنته وهو يَبكي ويُحاول أن يُلقي بجسده على والده.. هَمَسَت له برجفة قَبْلَ أن يخرج ووَسط عينها حارت دمعة مُشْفِقة: أنا آسفة سيّد بسام.. أنا آسفة.. أنت لا تستحق ذلك أبدًا



دَخلَ المنزل لتصله الأصوات المُمتزجة بلحن ابتسامة وضحكة.. حاولَ هُو الآخر أن يَرْسِمَ ابتسامة لِيُقابلها فيها ولِيُطرد آثار التّعجّب عن ملامحه.. فالبارحة فقط عادت إلى الشقة.. والليلة ها هي تزور منزل والده! وكأنّها تُؤكّد على قرارها.. تؤكّد على خَوْض بِداية جَديدة مَعه. هُو كان للتو يَرْكن مركبته أمام النادي الرياضي عندما اتصلت به والدته تُخبره بزيارة ياسمين.. لذلك أدار المقود ليعود.. قَد لا يكون وجوده مُهمًا أثناء تواجدها.. فهو في الأخير منزل والد زوجها.. كمنزل أبيها.. وهذا أيضًا رأي والدته.. ولكنّه أصَرّ على القدوم.. فهو يَخشى من تَصادمٍ بينها وبين جِنان. أَلْقى السلام فالتفتن لهُ بانتباه.. ابتسمت وعيْناها تَمُرّان على ملابسه وبتساؤل: كنت في الجيم؟
أَجابَ وهو يتّجه للأريكة المُنفردة الجالسة عليها جَنى: اي بس ما دخلت "اسْتَقَرّ في مكانها وهو يُجلسها فوق فَخذيه" قالت لي أمي إنش اهني وجيت على طول
نَظَرت لوالدته التي قالت: قلت له ما يحتاج يجي.. البيت بيتش وفي أي وقت حيّاش.. بوجوده وعدمه
اتّسعت ابتسامتها وبود: تسلمين عمتي
رَبّتت على يدها: وعشاش عندنا ها يُمّه
ضَحكت بخفّة: ما بقول لا
تَأمّلها وهي تندمج في الحديث مع والدته ونُور وجُود الواضح من تعابير وجهها المُجاملة.. كانت تَضحك وتبتسم وتُلقي الأسئلة وتُجيب.. بكل سَلاسة وانسيابية.. كما لو أنّها تُحاول أن تَخلق ارتباطات معهن.. أن تُوثق جذورها في تُربة العائلة.. وهذا بديهي بعد الذي أَفصحت عنه البارحة. تَعَلّق بصره بفراغٍ عشوائي جَرّهُ لساعات الفجر الماضية.

،

وَصَل للشقة في وقتٍ قياسي.. فهو كان مُسْرِع والشوارع كانت شبه فارغة.. فالساعة قَد تجاوزت الواحدة صَباحًا.. تجاوز غرفة الجلوس وعيناه تَبْحثان عنه.. خَطَى لغرفة النوم وقَبْلَ أن يدخلها انتبه لحركة على يَمينه.. التَفَتَ لتُراوغه ريح أُنثوية تَحمل بين جَنباتها خبايا لها وَجْهٌ جَميل.. ومُثير. هُو لا يستطيع إنكار جاذبيتها الواضِحة للأعمى.. ولا جَمالها المُغري جدًا.. خاصّة مع هذه التغيير الرائع.. صبغة شَعر جَديدة.. لون فاتح يُليق ببشرتها البيضاء المُتورّدة.. ملامحها أكثر أَلَقًا وارْتواء.. وجَسَدها بقوامه المَمشوق قَد عانقته أمواج بَحرية.. كانت ترْتدي ثوب نوْم أخاطهُ البحر لإغواء رُجولته.. ولكن.. ولكنّه لا يَسْتطيع أن يَركع لكُل ذلك.. شَيءٌ داخله يَرْفض أن يَنظر لها بذات النظرة التي يُطالع فيها جِنان.. هُو.. هُو لا رغبة له فيها! زَمَّ شَفتيه مُحاولًا أن يَستعين بابتسامة خَرجت مُثيرة للشفقة.. هي أغلقت مصابيح المطبخ وتَقَدّمت إليه وعلى شَفتيها الزهريتين ابْتسامة ناعِمة.. وقَبْلَ أن يتَوقّع أي كلمة أو فِعْل.. جَمّدتهُ بعناقها وهمسها التائق: وَحــشــتــنـــي!
شَدّت عليه وهو لا زال مُتَخَشّبًا في مكانه وذراعاه مُسْبَلتان على الجانبين.. قالت وأناملها تَزوران عُنقه ومن ثُمّ شَعره: كنت غبية.. اللي سويته غبي.. حرمت نفسي منك.. ما توقعت هالكثر بشتاق لك!
أَغْمَضَ وقُبْلتها الرقيقة جَمْرة لَسَعت جانب وجهه.. تشابكت نظراتهما وهو نَطَق ببحّة مُضاعفة: إنتِ بعد وحشتيني "وبصدق" كنت أحاتيش وخايف عليش.. بس قلت أخليش على راحتش مدام تبين هالشي
هَزّت رأسها: ايـه... كنت محتاجة أبتعد شوي وأصَفّي عقلي.. وأعرف أنا شنو أبي
سَألَ ونَبْضهُ يَجري بتحفّز كَبّل أطرافه: وعرفتين.. شنو تبين؟
أَلْصَقَت جَسدها بجسده وابْتسامتها تتحوّل لشيء آخر.. تَتحوّل لثقة.. لتصميمٍ ولحرب.. هَمسَت ورائحتها الطبيعية تُحاصره: أبيـك "ارْتَعد قَلْبه وانْحنت رُوحه بإحباط وهي تُكْمل وعيناها تُلاحقان عينيه" أبيـك وما أقدر أعيش بدونك.. بتغاضى إنها زوجتك وبسوي روحي ناسية.. لأنّي أحبـك.. إنت حلمي لسنين.. مو معقولة أتنازل عنّك من أول عقبة!
ارْتعشت شَفتاه من نياح الابْتسامة التي أَبَت أن تبزغ.. لذلك قَبّلَ جَبينها ثُمَ عادَ واحْتضنها حتى لا تُبْصِر العزاء الذي بَدأت ملامحه بعقده تأبينًا لذكرى الأمل الراحل.. فلقد كان يَسْكن صَدره أَمَلًا صَغيرًا.. صَغيرًا جدًا.. بأن كُل هذا سَينتهي.. بكلمة منها سَينتهي.. وسَيعود هُو لكَنِف جِنان.. لكنّها فاجأتهُ وذَبَحت الأَمل من الوَريد إلى الوَريد.

,

: بابا.. بابا؟

تَطَلّع لابنته بانتباه: نعم بابا؟
أَشارت لهاتفه الصامت: ماما تتصل
أخفض بصره للهاتف وكان اسم جنان على الشاشة.. رَفعه لأذنه مُجيبًا بهمس: نعم جنان؟
هي الأخرى كانت تهمس: إنت تحت؟
: اي
هَمهمت ثُمّ قالت: زين خل جنى تركب عشان تتعشى وتنام "بَرّرت اتصالها" اتصلت لجود ونور وحتى عمتي.. محد منهم رد.. فاتصلت لك
وعيناه تَطوفان على النساء المشغولات بالكلام: اللحين بقولها تركب
سَكتت للحظات قَبْلَ أن تفصح عن سؤال: بتنام اهني ولا بتروح معاها؟
ابتسم وفي نفسه تمنى لو أَنّه يستطيع أن يضحك على وضعه الحالي.. رَدّ بتنهيدة: لا بنام اهني "تهكّمَ" البارحة نمت عندها.. اليوم دورش
بصوت يكاد أن يختفي: أوكي
أَنهى الاتصال وهو يُحادث ابنته: بابا ماما تقول لش اركبي عشان تتعشين وتنامين
هَزّت رأسها ثُمّ قَبّلت خدّه قَبْلَ أن تترك حضنه لتقصد جدتها التي تساءلت: بتركبين يُمّه؟
: اي ماما ليلى.. بتعشى وبنام "قَبّلت خَدّيها" تصبحين على خير
بادلتها القُبلات: وإنتِ من أهل الخير بعد عمري "استطردت بعد أن ركبت الصغيرة" احنا بعد اللحين بنتعشى "وَقفت وبأمر لطيف" جود يُمّه تعالي معاي
اقترحت ياسمين: عمتي خليني أساعدكم
رفضت سريعًا: لا لا حبيبتي.. إنتِ قعدي وارتاحي
مَشَت للمطبخ مع ابنتها التي قالت بنبرة مُبَطّنة: أشوف العلاقة حليوة بينش وبين مدام ياسمين
اسْتَنكرت وهي تُخرج الأطباق: وليش ما تكون حليوة على قولتش!
وَضّحت وهي تغرف الطعام: لا يعني جنان وو
قاطعتها بحدّة: شفيها جنان؟ معززة مكرمة وأحبها حالها حالكم.. ما أعتقد بيضايقها لو عاملت البنية بالحسنى.. هي ما ضرتني وتحترمني وإنتِ تشوفين بعيونش.. معاملتي لها ما راح تزعّل جنان لأنها أكبر من هالتفكير "وهي ترنو لها بطرف عينها" ويا ليت إنتِ حضرتش بعد تكبرين عقلش



أَخبرتهُ ألا يَتأخّر في العودة.. أي أَنّهُ يَأتي إلى المنزل مُباشرة بعد خُروجه من المُستشفى.. لا مشاوير بينهما. سَألها لماذا فأخبرتهُ أنّها اليوم أعَدّت طعام عشاء شَهي جدًا بَذلت من أجلهِ جُهْدًا ليس بقليل.. وكذلك هُناك مُفاجأة له! تَحَرَّكت عَدستاه على الطاولة المُرَتّبة بعناية والمُزَيّنة بشموع وزهور بيضاء وقُرمزية؛ كانت توأمًا للون الفستان القصير الذي تَرْتديه. عَلّقَ وهو يَجلس في المكان الذي أشارت إليه: شهالسفرة الحلوة شِف مَروة!
قالت وهي تجلس أمامه: ترى عندي مواهب واجد بس إنت ما تعرفها
ارْتَفَعَ حاجباه وبابْتسامة خَبيثة لَم تُبصرها بسبب انشغالها في بسط المنديل في حضنها: عرفيني عليهم.. اللحين صار لنا جم شهر مع بعض ولا شفت شي منهم.. بس أنا اللي كل يوم والثاني أعلمش موهبة من مواهبي
عَقّبت باستغراب: مواهبك! "رَفعت عينيها إليه ونظرة البراءة تسكن زُمردتيها" ما شفت شي غير السباحة.. لا تجذب عَلَي
ادّعى الخيبة: أفـا أفـا.. بعد كل هالتعب تقولين ما شفتين شي؟
مالَ رأسها بحيرة بالتوالي مع مَيلان شَفتيها.. رَكّزت بصرها به تُحاول أن تتذكر بعضًا من مواهبه التي يُشير إليها.. لكن عَيْناه المأهولتان بالمَكر وابتسامته اللعوبة وَجّها عَقلها لمقصده الذي احْتَقَن منهُ وجهها بغيظ وخجل.. هَمست وهي تُشيح عنه وتغرف في طبقها: وقح وقــــح "اعْتَلَت ضحكته وهي أشارت لطبقه قائلة برفعة حاجب" اترك عنّك هالضحك وكِل.. عشان لا أكنسل المفاجأة
اسْتَفسَر وهو يغرس الشوكة في قطعة الدجاج المُغرقة بالصلصة الشهية: وشنو نوع المفاجأة؟
رَفعت كأسها بابْتسامة وقَبْلَ أن تَشرب همست: بعدين بتعرف
هَزّ رأسه بانصياع ثُمّ واصلَ تناوله والأَعين كانت المُسيطرة على زمام الحَديث الصامت.. كان يَأكل وفي نَفس الوقت يَتأملها.. يَتأمّل الْتواء الكُحل على جِفْنيها.. وَرْد خَدّيها الطبيعي.. دِقّة أنفها الصغير.. واكتناز شَفتيها اللتان يُقبّلهما اللون القرمزي أيضًا.. ابْتَسَم ومُقلَتاه تنتشيان من ملامحها الآسِرة.. أشار بيده المُمسكة بالسّكين لأقراطها الزّمردية وهو يهمس: حلو التناغم بين لون عيونش ولونهم
تَرَكت السكين والشوكة في الطبق ثُم شَبكت يَديها واستقرت بهما أسفل ذقنها لتقول بغرور يُليق بها: ملاحظة إنّك واجــد تطري عيوني.. بغزل صريح ومُبَطّن.. هالكثر عاجبك لونهم؟
أَرْخى جِفنيه وبظاهر سَبّابته مَسّ أسفل أنفه كاتِمًا ابْتسامة لَم تفتها.. تساءَلت سريعًا بشك: شنو سبب هالابتسامة؟!
مَسَح فمه بالمنديل قَبْلَ أن يسأل وهو يُقَرّب جَسده من الطاولة: تبين الصدق؟
ارْتَفعَ حاجبها المرسوم: طَبعًا!
ضَيّق عينيه وملامحه انكمشت مُفْصِحًا: طول عمري ما أحب الشقران وما يلفتوني كلش كلش وعمري ما توقعت إنّي بتزوج وحدة منهم
ضَحكَ عندما رأى كيف اهْترأت ملامحها بصدمة.. لَم تتوقع ذلك بالطّبع.. كان وجهها غاصًّا بالحالمية وكلماته كانت كالصخرة الهادمة. همست بقهر وهي تُخفض يديها: مالت عليــك.. لازم تسجد لله كل يوم تشكره إنّك تزوجت وحدة مثل جمالي
دافعَ عن نفسه: ترى أشكره كل يوم.. ولعلمش إن تغيّر رايي بعد ما قابلتش
شَخرت ساخرة: لا والله؟ تصدق إنّي بمووت من الأناسة
بَرّرَ: بعد الناس أذواق "استذكر مواقف ماضية" غدير بنت خالتي.. ما أعتقد تذكرينها.. جذي نفسش.. بس ذيك عيونها زرقا.. كنت كله أقول لها واحنا صغار مُستحيل أتزوجش.. جنش شمس فيها عيون
حَرّكت رأسها: سخيف والله سخيف.. وإن شاء الله حضرتها تسكت عنّك؟
ضَحكَ: طبعًا لا.. كانت ترد عَلَي وتقول لي عالأقل أحسن من واحد أجلح أملح جنه تراب
ابتسمت باسْتفزاز: صادقة والله
كَرّر: غيّرت رايي بعد ما شفتش "وبرومانسية مُصطنعة" اللحين الناس له شمسهم بروحهم.. وأنا لي شمسي
ببرود: هـا ها ها.. ضحكتني "استطردت" شكلي فعلًا بكنسل المفاجأة
تراجع للخلف مُسْتَنِدًا قائِلًا بملل: ما تحسين إنش ذليتيني بهالمفاجأة؟ إن شاء الله عاد تطلع تسوى
وَقَفت تتوعّده: أوكي.. أوكي عبد الله.. بخليك تشوفها.. وعقب ما تشوفها بحرمك منها.. مو هي ما تسوى؟
رَفَعَ حاجبه يُشاكسها: راوينا خل نقرر تسوى ولا لا
تَبِعها بنظراته حتى دخلت غرفتهما.. ثواني قصيرة ثُمّ عادت إليه وفي يدها علبة صغيرة بيضاء.. بطول كفّه.. مَدّتها له وهي تجلس: تفضّل
تناولها مُعلّقًا باستهزاء: مفاجأة ومفاجأة وفي النهاية علبة كُبر ايدي!
أشارت إليها وبثقة منقطعة النظير: إنت افتحها أوّل
أزالَ الغطاء لتتضح لهُ وَسطها ورقتان مطويتان على اتّساعها.. أخرجهما وهو يفتحهما.. وقبل أن يقرأ المكتوب لَفت نظره ورقتان ثانيتان.. تناولهما وأخذ يُقلّبهم جَميعًا في يده.. هَمَس بعدم تصديق بعد أن استوعب: لا تقوليــن!
استندت وعلامات الرضا تكسو ملامحها وهي تنطق مُؤكّدةً على الذي بين يديه: تذكرتين لبرشلونة وباريس.. ووياهم تذكرتين للكلاسيكو.. أول شي بنمر برشلونة لثلاثة أيام وبنحضر المباراة.. وبعدها بننتقل لباريس لمدة خمسة أيام
بإعجاب: إنتِ شعرفش بهالسوالف! شدراش أصلًا إن في هالتاريخ في مباراة!
وَضّحت: زوج مرام خبّرني.. هو ساعدني في الحجز
حَرّك رأسه بالرفض: ما يصيــر.. كان لازم أنا اللي أخطط للسفرة
تباهت بنفسها وذقنها يرتفع بزهو: وأنــا سبقتك "سَألته بنظرة تفيض ثقة" هـا.. تسوى ولا ما تسوى!
الْتقط يَدها بين يَديه ليُهديها قُبْلة ثُمّ قال وعيناه تُناغي عينيها الوامضتين: ينقص لساني لو قلت إنها ما تسوى



مَرّ الأسبوع المُتفق عليه.. مَرّ بَيْن الجَبِلِ والأَرض.. بَيْن السُّحبِ والمَطَر.. بَيْن السّفوح المُلْتَحِف عُشْبَها بالجَليد وليالي القَمر.. الليلُ هُنا أَكثر وِحشة وهدوء.. السّماء لها لَوْنٌ واحد.. وكأنّها ارْتَدت ثَوْبًا طُرِّزَ بالنّجوم.. أَحبّت النهار أكثر.. على الرّغم من هَشاشة شَمْسهم إلا أَن نهارهم كان أَكثر دِفئًا وحَياة.. الأكواخ تَتخفّف من الأجساد التي تَحملها الأَرْض برحابة.. في بَعض الأحيان كانت تُسَجِّل الشمس انتصارًا على الثلج.. فيذوب بَعضه.. لكن في أحيانٍ أخرى كانت الغَلبة للوْن الأبيض ولرجل الثَلج الواقِف بابْتسامة. ابتسمت وهي تَرى الأَطفال يَهدونه ملابسهم.. قُبعة صوفية مُلونة.. معطف طويل.. شال وقفازات.. وكأنّهم لا يعلمون أَنّهُ صُنِعَ من رَحم الجَليد.. مما يَعني أَنّ دِفئهُ اسْتحالة.. كالذي يُولَد من رَحمِ الحُزْن.. يُسْتَعصى عَليه أن يَنفصل عنه حتى لَو جَثت السعادة أَمامه على رُكبتيها.. فَهُو يَرفضها وفاءً لأصله. تَجاوزت الأَطفال وبهجتهم لتمضي إلى الشَجرة التي تُسْنِد ظَهره في كُل صَباح ليَشرب قَهوته. وَقَفت بجانبه وهي تَشِدُّ المعطف حول جَسدها النّحيل.. تَعْتقد أَنّ الأسبوع الذي انقضى حَمَلَ معهُ جرامات من وزنها.. حتى ملابسها التي أَتت بها أَصبحت أَوسع قَليلًا.. على الرغم من أَنّها كانت تأكل جَيّدًا!

: من المحاتاة

نَظرت إليه بعدم فهم وهُو الذي كانت عَيْناه مُسْتَقِرّتان على الأَطفال: شنـو!
ارْتَشَف من قهوته ثُمّ التَفتَ إليها مُوَضّحًا: البارحة كنتِ مستغربة ليش ثيابش وسعوا.. واللحين قاعدة تتحسسين خصرش.. فقلت لش إن وزنش نازل من المحاتاة
أَطْبَقت شَفتيها للحظات وهي تنظر إليه بريْبة قَبْلَ أن تنطق بما يجول في خاطرها: إنت تخوّف ترى
ضَحكَ رافعًا حاجبيه: ليـش عاد!
رَدّت بصراحة: جنك تقرا الأفكار.. مو بس أفكاري.. أي أحد.. تفهم للواحد من نظرته وقعدته.. إنت.. إنت تحـس أكثر من اللازم باللي حوالينك!
ابْتَسَم ببؤس وعيْناه تَهربان منها وهو يهمس: ما سعيت لهذا الشي.. جاني غصبًا عني وامتزج بشخصيتي.. للأسف يعني!
تَنَهّدت وفي داخلها تَشتم نفسها المُتسرعة دومًا.. قالت بنبرة مُعتَذِرة: آسفة محمد.. ما قصدت أضايقك
ابَتسمَ وهو يَعقد حاجبيه: على شنو آسفة؟ كلامش صَح ترى "رَفَعَ عَيْنيه بانْتباه لتنفك العقدة وتتسع الابتسامة" وَصَل هاينز
اسْتَدارت لتَرى هاينز مُقْبِلًا إليهما وعلى وَجْهه استراحت ابْتسامة واسِــعة ولطيفة أَجبرتها على الابتسام.. أَصْبَحَ أقرب فكانت ملامحه واضحة.. لَم يتغير وجهه عن الوجه الذي احتفظت به الصورة المُعلّقة على مرآة محمد.. ولكن النضج كانَ باديًا عليه.. تَوَقّفَ أَمامهما باستقامة ثُمّ أَومأ رأسه باحترام ليُحَيّيها بإنجليزية تُثقلها اللهجة الألمانية: صَباح الخير سيدتي.. أهلًا وسهلًا بكِ هُنا.. نتشرف بوجودكِ بيننا
أَوْمَأت إليه: وأنا كذلك.. شُكرًا لك
نَقَلَ بصره بينها وبين مُحَمّد قَبْلَ أن يقول بالألمانية التي لَم تفهمها ملاك: ذراعك يجب أن تُحيطان بها حتى تكتمل الصورة التي حَلُمَ بها عقلي لسنوات
انكمشت بخجل عندما أحاطت كتفيها ذراع مُحَمّد ليُقرّبها لصدره ويقول بذات اللغة وبابتسامة مائلة: هل تقصد هكذا؟
ضَيّقَ هاينز عَيْنه وهو يُهَمْهم نافيًا: لا ليس كذلك.. وكأنّك تحتضن شقيقتك أو والدتك.. الاحتضان يحتاج إلى قليلًا من الحَميمية.. عليك أن تُخفض ذراعك إلى خصــ
قاطعهُ بحدّة ونظرة مُحَذّرة: انتبه لكلماتك هاينز.. ليس كل الكلمات جائزٌ قَولها
رَفَع يَديه بتدارك: أووه أووه.. أعتذر.. لقد نسيت أنا أمام من "نظر لملاك" أعتذر
هَزّت رأسها بالإيجاب دون أن تفهم شيء مما قاله أو قالاه! تساءَل مُحمّد وذراعه تُحرّرها: هل نذهب الآن؟
أَكّد: نعم.. هو ينتظرنا في مكتبه "وبحماسٍ ضاري يَجهل خَفايا المُستقبل" إننا نقترب من النهاية.. سينتهي كُل شيء قريبًا وسنعيش في هناء
شَدّت شَفتيه ابْتسامة كانت كَخَطِّ النهاية المُتَذبذب.. ذاك الذي تَحسبه من شِدّة تَعب الرحلة أَنّهُ الخَلاص.. إلا أَنّه حَقيقةً ليس أكثر من خَط التقاء السّماء بالأَرض.. أي خَطٌّ وَهْمي.. لا وُجود له.. بمعنى أنّه لا وُجود للخَلاص. هذه الابتسامة تَركت أَثَرًا على الاثنين.. هاينز وملاك.. والاثنان اعتصما الصّمت مُحاولان تَجاهل الأَثر.. وتَجاهل ما ورائه من مَجهول. اسْتدارَ إلى زوجته.. تَأمّلها لثواني ما هي إلا سنواتٍ من عُمر النبضات.. ففي الحُب يُصْبِح الزّمنُ أَطول.. فالدقيقة قَد تصبح سَنة.. في الحُب تَهرب نَبْضة من القِلَب إلى ذاكرة الرّوح مُباشرة.. لا خسارة للوقت في الحُب.. فهو باقٍ ومُسْتَمِر في الرُّوح.. حتى ولَو شاخَ المَرءُ وكَبر. هَمَسَ مُوَجِّهًا البوصلة للواقع المُتَدَثّر بعباءة الغموض: لازم أروح
احتضنت كَفّه بكلتا يَديها.. احتضنتها بلهفة قَلبها.. وبفرار طَيْر رُوحها المَذعور.. هَمست وعلى أَعتاب كلماتها لَوّحَ الرّجاء: خذني معاك
أخفض كوبه على الأرْض لتستريح كَفّه الأخرى على يَديها ليُصْبح هو المُحْتَضِن.. شَدّ عليهما قائِلًا ليُذَكّرها: قلت لش من قبل لا نجي إن ما يصير تكونين معاي
أَفْصَحت عن السؤال الصارخ في قَلبها: بتتأخر؟
ضَمّ شَفتيه بتفكير قَبْلَ أن يُجيب: اليوم ما أعتقد بتأخر.. بس الأيام الجاية يمكن أتأخر "خَبت نَبرته وهو يُكْمِل وعيناه تَبُثّان لها بعضًا من تشاؤم لا مَفَرّ منه" ويمكــن حَتــى.. مـا أرجع
احتوى يَديها اللتان باغتتهما رَجْفة الخَوْف.. رَفعهما لِفَمه ليَتُرك بين خُطوطهما قُبْلة لَو نُثِر دِفئها على برلين لذاب جَليدها وانصهر. أَطبَقهما بَعْدَ أن أَوْدَع جُزء من روحه بينهما.. كأنّما يَقول لها احتفظي بها حتى أعود.. أو رُبّما لَن أعود.. فَلتكن هذهِ الوَديعة ذِكرى منّي لكِ بعد الفراق.. أو بعدَ المَوْت! ازْدَردت رُعبها المُتَخَثِّر وَسَط حَلْقها وهي تَجتذب من بقايا غَبَشِ عَينيه حَديثٌ يُنْذِر بالمأساة.. تَرَقْرَقت الدّموع في مُقلتَيها فَأجبرت أهْدابها على الشّلل حتى تَمنع البُكاء من العبور.. فلا داعي له.. مُحَمّد سيعود.. هو قال أنّه سيعود اليَوْم.. لا داعي للبكاء.. أما الأيام القادمة فقَد تتغيّر الأحوال ويُصبح لا حاجة لها.. لا وقت للبُكاء مَلاك.. تَجلّدي.
تَنَشّقت برعشة طارِدةً من صَدرها أَسْمالَ القَلق.. أَلبست شَفتيها تلك الابتسامة المُميزة.. الابتسامة التي يُحِب.. فبادلها بواحدة شاحبة.. هَمَسَت وفي الفؤاد ألف كَلمة وكلمة: بتوحشني
أَكّدَ من جَديد: راح أرجع
هَزّت رأسها وبثقة لَم تكن حَديثة المولد: أدري إنك بترجع
خَطى خطوة للخَلف فانسحبت يُسراه من عناق الأيدي.. نَظرَ لهاينز الذي ابتعد قَليلًا مُنذ أن أمسكت به ملاك.. كان يقف بالقرب من الرّجل الجليدي يَتحدث في الهاتف.. عادَت العينان للتي يهواها الجَوى.. طَلَبَ منها بوجْسٍ شَجي: انتظريني
بحشرجة والدّمع المُتلألئ قَد كَوّنَ غشاءً على بصرها: أنا اهني
خطوة أخرى ويُمناه انحسرت عن كفّها حتى استقرت عند أصابعها.. شَدّ عليها كآخر وداع.. قَبْلَ أن يَمُر بَصره على وَجْهها بأكمله.. في ثواني قَصيرة سَلّمَ على ملامحها ليُعلّقها صُورة على جدار رُوحه الذي اعتاد أن يكون فارِغًا.. إلا أَنّها مُذ أقبَلت على حياته أَصْبَح هذا الجدار مُتَرعًا بالذكرى الجَميلة بجميع أشكالها.. من صُور ومشاعر وكلمات محفورة.. حتى النَظرات سَكنت شُقوقه وسَدّت حاجته. انفصلت اليَدُ عن اليَد.. تضاعفت الخطوات والمسافة اتّسعت.. تَأمّلته والضيق استعدّ للهجرة إلى صدرها.. قالَ أَنّهُ سَيعود.. لكنّها لا ترى في مَلامحه شَمائل العَوْد.. إلا أَنّه عادَ وكَرّر: راح أرجع.. انتظريني
ثُمّ استدارَ عنها لتُهدي الحُريّة إلى أهدابها التي تَصافقت بجنون مُطلِقةً سراح دُموعها.. مَشى دون أن يَلتفت إليها.. لا يُريدها أن تَرى النهاية في عَيْنيه.. لا يُريدها أن تَرى قَباحة كَذِبه.. فهو يعلمُ يَقينًا أنّه لَن يعود.. من اليوم هو لَن يَعود.. فَمُحَمّد ليس بعائد.



أَغلقَ باب الشقة بعد يومٍ طَويل مُثقَل بالاجتماعات.. خَطى خطوتان ثُمّ توقف مُلْتفتًا لانفتاح باب غرفة ابنته الذي خرجت منه جنان بابْتسامة ومن خلفها جَنى تحمل الابتسامة ذاتها.. بادلهما الابتسامة وهو يَقترب ليترك قُبْلة على وجنة كُل واحدة قَبْلَ أن يَسْتدير مُواصِلًا سَيره لغرفة نومه.

: فيصل وين بتروح؟
أَدارَ رأسه إليها وهو يمشي: بروح أتسبح
عارضته جَنى: لا بابا لحظة
تَوقّف وجسده يُقابلهما بانتباه: شنو؟
سَألت جِنان وابْتسامتها التي بَدت لهُ غَريـبة تَتّسع شَيئًا فشيء: مو ملاحظ شي؟
رَدّ بنظرة تنم عن الجَهْل: لا!
ارْتَفَعَ حاجبها وبَسْمتها طالت عينيها: كلش كلش؟
تَقَلقل بَصره عليها.. لا شيء مُختلف.. انتقل لجنى.. هي الأخرى كما هي.. دارَ على الشقة حتى أَنّهُ أخَذَ يدور حول نفسه مما جعل الاثنتان تضحكان.. قالت جَنى مُلقية عليه طرف الخيط: بــابــا.. ثيابي
رَكّز على ملابسها.. بنطال من الجينز الفاتح و "تي شيرت" أبيض.. لا شيء مُميز.. عاد ونظر إليهما.. ما بهما! لماذا هذه الابتسامة وهذا البريق في العيون؟! نَطَقَ بتيه: ترى مو فاهم شي!
ضَحكت جنان: معذوور.. عقلك مسكّر من تعب الشغل
أشارت برأسها لجنى التي أمسكت "التي شيرت" من طرفه السُفلي وهي تقول: بابا اقرا المكتوب
اقتربَ أكثر وهو يُضَيّق عَينيه بتركيز.. احتاج أن يُعيد القراءة لثلاث مرات حتى يستوعب.. انفلتت منهُ شهقة مُفاجأة خافتة وحدقتاه تراقصتا وَسط المُقلَتين بانشداه.. أَغمض للحظات وهو يُحرّك رأسه ويقرفص أمام ابنته.. قَرأ المكتوب للمرة الرابعة ونَبضاته تتحوّر لحماماتٍ تُرَفْرف جَذلًا.. فالمكتوب لَم يكن سوى كلمات طُبعت بالإنجليزية لتقول له: "بعد سَبعة أشهر سأصبح أخت كَبيرة!"
ضَحك.. وضَحك وضَحك.. حتى خالَ أن رُوحه تضحك معه.. احْتضَن جَنى بسعـادة عَميـقة لا قاع لها وهو يَقف ليحتضن جِنان معها ويَسأل ومشاعر الدهشة لا زالت تَعتريه: مــن متـــى!
أشارت لجنى: عندها كل المعلومات
نَظَر لصغيرته التي شَرحت بحماسٍ وسرورٍ باسِم: عمر البيبي اللحين ست أسابيع "أشارت بأنملتها" كُبر حبة البازلاء أو العدس
تَحَرّكت يده إلى بَطْن جِنان ليضغط بحنو وعَطف وحُب أبوي عَميــق: عُمري عُمـري النتفة.. الحمد لله رب العالمين.. الحمد لله
تساءَلت وهي تتعلق بكتفه وعيناها تهيمان في الحنان الفائض من مُقلتيه: مستانس؟
ضَحكَ بابتهاج: حــدددي مستانس.. كلش ما توقعت ولا كان في بالي
شاركته الضحكة: واااضح
أَفْصَح لها: بس تدرين شنو أحاتي؟
عُقْدة خفيفة: شنو؟
اتّسعت ابتسامته: أحاتي جودو.. شيفكنا من لسانها!



انتهى


simpleness! غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 01-11-19, 12:14 AM   #533

قدر فيه امل

? العضوٌ?ھہ » 409590
?  التسِجيلٌ » Oct 2017
? مشَارَ?اتْي » 407
?  نُقآطِيْ » قدر فيه امل has a reputation beyond reputeقدر فيه امل has a reputation beyond reputeقدر فيه امل has a reputation beyond reputeقدر فيه امل has a reputation beyond reputeقدر فيه امل has a reputation beyond reputeقدر فيه امل has a reputation beyond reputeقدر فيه امل has a reputation beyond reputeقدر فيه امل has a reputation beyond reputeقدر فيه امل has a reputation beyond reputeقدر فيه امل has a reputation beyond reputeقدر فيه امل has a reputation beyond repute
افتراضي

يسعد قلبك بارت جميل جدا رغم ارهاقي حاولت اختراق الكلمات وحفظ العبارات ولكن خانني جسدي المتعب ومع ذلك هذه روايتي الجميلة دائما احبها فهي رفيقة السنوات احبهاكحبي لاجمل ذكرى وأحلى امل
وكانها نسمة صيف اشكرك ويارب جنان وفيصل تفرج عليهم يعني ظرور تتزوج ياسمين يافيصل وتنغص علينا ههههههههههه
اشكر ابداعك وانتظرك دائما
ودائمااحبك تحياتي وقبلاتي

simpleness! likes this.

قدر فيه امل غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 03-11-19, 03:56 PM   #534

خديجة أبوكردوغة
 
الصورة الرمزية خديجة أبوكردوغة

? العضوٌ?ھہ » 431494
?  التسِجيلٌ » Sep 2018
? مشَارَ?اتْي » 78
?  نُقآطِيْ » خديجة أبوكردوغة is on a distinguished road
افتراضي

السلام عليكم
الله يسلم هل يدين الحلوة ويخليك ربي بصحتك النفسية والجسدية ويفرح قلبك ويعطيك من خيره آمين يارب العالمين. فصل بقمة اﻹبداع والرقي وجمال الكلمات والمعاني.
القدس نبضي


خديجة أبوكردوغة غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 04-11-19, 08:06 AM   #535

Msamo
 
الصورة الرمزية Msamo

? العضوٌ?ھہ » 366128
?  التسِجيلٌ » Mar 2016
? مشَارَ?اتْي » 1,440
?  نُقآطِيْ » Msamo has a reputation beyond reputeMsamo has a reputation beyond reputeMsamo has a reputation beyond reputeMsamo has a reputation beyond reputeMsamo has a reputation beyond reputeMsamo has a reputation beyond reputeMsamo has a reputation beyond reputeMsamo has a reputation beyond reputeMsamo has a reputation beyond reputeMsamo has a reputation beyond reputeMsamo has a reputation beyond repute
افتراضي

فيصل وجنان في جنان
حنين محتاجة حد يفوقها وواضح انها لو استمرت على حالها هتخسر بسام
فصل جميل جدا تسلمي


Msamo غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 07-11-19, 04:05 AM   #536

simpleness!

? العضوٌ?ھہ » 368867
?  التسِجيلٌ » Mar 2016
? مشَارَ?اتْي » 202
?  نُقآطِيْ » simpleness! has a reputation beyond reputesimpleness! has a reputation beyond reputesimpleness! has a reputation beyond reputesimpleness! has a reputation beyond reputesimpleness! has a reputation beyond reputesimpleness! has a reputation beyond reputesimpleness! has a reputation beyond reputesimpleness! has a reputation beyond reputesimpleness! has a reputation beyond reputesimpleness! has a reputation beyond reputesimpleness! has a reputation beyond repute
افتراضي

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

صَباح الخير جَميعًا.. كيف الأحوال؟

شُكرًا لكم على التعليقات وعلى الدعم الدائم.. أشكركم فردًا فردًا.. وأعتذر لعدم التعقيب بس انشغلت الأسبوع الفائت.. بإذن الله في أقرب فرصة راح أعقّب.

البشارة لكم.. قضيت الأسبوع الماضي في التخطيط للنهاية.. بقى لنا جُزئين فَقط.. الجزء 61 والجزء 62.
الجزء 61 بينقسم لفصلين كالعادة.. أما الجزء 62 فما راح يكون مُقَسّم.. راح ينزل مرة وحدة بس راح يكون بطول ثلاثة إلى أربعة فصول.. فيعني باخذ وقت طويل لإنهائه.

المُهم.. الفَصل القادم راح ينزل الأسبوع الجاي.. كتبت منه الشي القليل وما أخفيكم أنا متوترة من شكل النهاية ومن تقبلكم لها.. لذلك قاعدة آخذ وقت أطول في الكتابة.

راح أخبركم في وقت لاحق في أي يوم راح ينزل الفَصل.. ودعواتكم يا حلوين.. ادعوا إن الرواية تنتهي قبل بداية السنة الجديدة.. عشانكم وعشاني.


كونوا بخير.. نلتقي


simpleness! غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 14-11-19, 01:41 PM   #537

قدر فيه امل

? العضوٌ?ھہ » 409590
?  التسِجيلٌ » Oct 2017
? مشَارَ?اتْي » 407
?  نُقآطِيْ » قدر فيه امل has a reputation beyond reputeقدر فيه امل has a reputation beyond reputeقدر فيه امل has a reputation beyond reputeقدر فيه امل has a reputation beyond reputeقدر فيه امل has a reputation beyond reputeقدر فيه امل has a reputation beyond reputeقدر فيه امل has a reputation beyond reputeقدر فيه امل has a reputation beyond reputeقدر فيه امل has a reputation beyond reputeقدر فيه امل has a reputation beyond reputeقدر فيه امل has a reputation beyond repute
افتراضي

السلام عليكم
الكاتبة الراقية اشكر جهودك
وممكن استغسار على اساس الفصل ينزل هاد الاسبوع انتظرتك
وهي اليوم الخميس عسىى المانع خيرا.


قدر فيه امل غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 15-11-19, 12:42 AM   #538

simpleness!

? العضوٌ?ھہ » 368867
?  التسِجيلٌ » Mar 2016
? مشَارَ?اتْي » 202
?  نُقآطِيْ » simpleness! has a reputation beyond reputesimpleness! has a reputation beyond reputesimpleness! has a reputation beyond reputesimpleness! has a reputation beyond reputesimpleness! has a reputation beyond reputesimpleness! has a reputation beyond reputesimpleness! has a reputation beyond reputesimpleness! has a reputation beyond reputesimpleness! has a reputation beyond reputesimpleness! has a reputation beyond reputesimpleness! has a reputation beyond repute
افتراضي

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

صَباحكم خيـر

الفَصل المفروض ينزل السبت.. بس إلى الآن ما أقدر أعطيكم خبر أكيد.. للحين باقي مواقف عديدة وصعبة.. فصايرة أستغرق وقت أطول من المعتاد في الكتابة.
ومن المُمكن أخلي هذا الجزء بعد مكوّن من ثلاث فصول.. لأنّي مابي أزحم النهاية بهذي المواقف.

السبت إذا ما نزل فصل فيعني ما اكتمل وبيتأجل ليوم آخر في الأسبوع التالي.


لنا لقاء.


simpleness! غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم يوم أمس, 04:40 AM   #539

simpleness!

? العضوٌ?ھہ » 368867
?  التسِجيلٌ » Mar 2016
? مشَارَ?اتْي » 202
?  نُقآطِيْ » simpleness! has a reputation beyond reputesimpleness! has a reputation beyond reputesimpleness! has a reputation beyond reputesimpleness! has a reputation beyond reputesimpleness! has a reputation beyond reputesimpleness! has a reputation beyond reputesimpleness! has a reputation beyond reputesimpleness! has a reputation beyond reputesimpleness! has a reputation beyond reputesimpleness! has a reputation beyond reputesimpleness! has a reputation beyond repute
افتراضي

بسم الله الرحمن الرحيم
تَوكلت على الله

الجزء الحادي والسّتون
الفَصل الأَوّل


أتاها الاتّصال.. كعِناق.. كَقُبلة.. كَنظرة تُبزغ من بين غَبش.. كَعودة ولكن ليس كَاسْتقرار. أَجابت بلهفة وهي تَحْتضن الهاتف بكلتا يَديها: ألوو محمــد
بنبرته الهادئة الأَقرب إلى الهَمس: هـلا مَلاك.. شلونش؟
حَرّكت يَدها وكأنّ حالها لا يُهِم لتسأله: إنت اللي شلونك؟ من البارحة أنتظر هالاتّصال "وبَأسى خامرَ صَوْتها" يعني كلش ما يصير أنا اللي أتّصل لك؟
بِتَنهيدته المُنتَزَعة من أَرْض رُوحه المُتَصَدّعة: لا ملاك.. ما يصير.. قلت لش هالتيلفون بس أقدر أنا اللي أتصل منه.. ما يستقبل مُكالمات.. حتى الأرقام اللي أقدر أتّصل عليها مُعيّنة "اسْتَطْرَد" ما جاوبتيني.. شلونش؟ إنتِ زينة؟ محتاجة شي؟
رَدّت وهي تتراجع لتجلس على المقعد بجانب النافذة: أنا زينة.. ومو محتاجة شي
ذّكَرها: أي شي تحتاجينه مُباشرة كلمي هاينز.. هُو قريب منش
بهمس وجانب رأسها يَستند للنافذة: إن شاء الله
عادَ مُكَرّرًا: تقدرين ترجعين ملاك.. بخلي هاينز يحجز لش تذكـ
قاطعته بحزمها المُعتاد حينما تُدار رحى هذا الموضوع: محمـد قلت لك خمسيـن مرة ما راح أرجع.. راح أنتظرك.. أرجـوك لا تطري هالسالفة مرة ثانية
تَمْتمَ: على راحتش "وهُو يُخْفض صوته أكثر" بكلمش في وقت ثاني
حَبست تنهيدة لتقول بتماسك رَكيك: تحمّل بروحك
أخفضت الهاتف على المقعد بجانبها.. رَفعت ساقيها وبيدها سَحبت قَميصه الأَبيض.. آخر ما لامسَ جَسده.. آخر ما تبَقّى منه.. تَدَثّرت به في الوَقت الذي هَلّت فيه مَدامعها.. رائحته تَنضب شَيئًا فَشيء.. وَكأنّها تُريد أن تَلحق به.. أن تَهرب معه.. حينها سَيصبح الغِياب غِيابين.. وأَيُّ رُوح تَستطيع أن تَحْتمل وَجَعَ الغِياب مَرّتين؟ عَيْناها لَم تُفارقان ما وراء الزُّجاج.. السّماء كانت تَبكي معها.. إلا أن بُكائها كان بارِدًا.. كان صَلْبًا.. كان جَليدًا يُناقض النار التي تُلْهب خَدّيها. أَرْخَت رَأسها على رُكْبَتيها والرؤية قَد شَوّشها زُحام الدُّموع.. أَغْمَضت فَتسارعت إلى حَرْثِ وَجْنتيها.. أَبْصَرت فارْتَسَمَ لها على صَفْحة الرّيف البيضاء وَجْهُه.. تلك المَلامح المَعجونة بالغياب قَد اشتاقت إليها وجدًا.. قَريبًا سَيمضي شَهرٌ على ذهابه.. قَريبًا سَيمضي شَهرٌ على صَرْح الخَوْف الذي شَيّدتهُ نَبَضاتها وَسط قَلبها.. رُوحها جامِدة من بعده.. كما لَو أَن الجَليد الذي أذابتهُ بعاطفتها الأنثوية لتُنقذ بَقايا ذاته؛ قَد تَكَلّس فَوْقها. طَرَدت التنهيدة المُعَذِّبة جوفها ومعها فَرّت من أَطرافها رَعْشة.. تَعَلّقت عَدستَاها بشُعاع الشّمس الباهت.. سَألت النور: تُرى هل سَيعود؟

،

على الجِهة الأُخرى والبعيدة بمئات الكيلومترات عن بَرْلين.. في بقعة أَقرب لأن تكون نائية.. بضعة منازل مُتفرقة.. متاجر مُتنوعة وتُعَد على الأصابع.. مدرسة واحدة مُتهالكة يُلاصقها مَشْفى دائمًا ما يكون خارج نطاق الأدوية.. وعلى الزاوية اليُسْرى.. هُناك.. بالقُرب من مَوْطن الأَشجار الذابلة.. كان يَستقر نُزلٌ حَقير.. بطابقين وبأساسٍ عَجوز.. صبغه الخارجي الأخضر بدا كالعَفن.. وبابه ونوافذه الخَشبية لَم تُشَذّب مُنذ أكثر من خَمسين عامًا.. كان ذلك النُزل أَسوأ السيئين في هذه البقعة الذّليلة. عندما تَدخله يُقابلك مُباشرة قَوْسٌ حَديدي لهُ عَمودين على الجانبين.. تَتدّلى منهُ حروف لعبارة "أهلًا وسهلًا" بالألمانية.. عندما تَعبره تَتواجه مع منضدة طَويلة لَيست أفضل حالًا من هَيكله الخارجي.. يَكسوها الغُبار وتَتنافر منها شَظايا إن اتّكأت عليها جَرحتك. يَجلس من خلفها رَجُلٌ عَجور ذَرّف على السّبعين.. بِظَهرٍ أَحنتهُ جُثث سنواته الماضية وذكرياته.. كانَ قَصيرًا وانحنائِه ضاعفَ من قصْره.. أقرب للنحول، حتى أنّ سُتْرته الصوفية الزرقاء كان واضحًا جدًا وِسعها عليه. يَرْتدي فَوْقَ رأسه قُبعة "بيريه" لها لون العَفن الخارجي.. عينيه مَسْجونتين خَلْف نظّارة بإطارين كَبيرين ومُنفِرَيْن.. فأنت إن نظرت لعينيه مُباشرة سَتراهما وكأنّك تُبْصرهما بعدستين مُكَبّرتين. كانت التجاعيد المَنحوتة على جلده تَحْكي بتدلّيها عُمْرًا قاربَ على النهاية.. نَمَشٌ على ظاهر كَفّيه.. شَعرٌ لَم يتبقَّ منه سوى خصلات تَتشبث بوهن بصلعته الشاحبة.. لحية وشاربان كَثيفان يُلتهمهما الشّيب.. صَفْ من الأسنان المُتكسرة والمفقود بعضها.. وصَوتٌ تُصَعّدهُ حَنجرته كما يُصَعّد القطار البالي البخار مُعْلِنًا الرّحيل. كان هذا الرجل الذي يسترق الموت النظر إليه؛ صاحب هذا النزل والمسؤول عن جميع غرفه الخَمْس وباقي مرافقه القليلة.. الردهة.. دورة المياه.. المطعم الضيّق.. وخزانة الأموال الفقيرة. هُو.. مُحمّد.. كان كعادته يجلس على الطاولة المُنزوية في آخر المطعم.. من بين الطاولات الثلاث الأخريات. كان موقعه يُتيح لهُ إسقاط نَظره على النُزل بأكمله.. فيَتسنى لهُ مراقبة الجَميع.. الجَميع بلا استثناء. يُراقبهم.. يَتأمّلهم بدقّة الحاذق.. بعيني المتفحص.. وبذات العَميل السري. كانت طاولتان مَشغولتان.. واحدة يَجْلس فيها رَجُلٌ وَحيد يَقرأ صحيفة.. وَجْهه يُوحي بأنّه في نهاية الأربعين من عُمره.. بصلعة لامعة يُحيط بها كالسور شَعرٌ بُنّي أملس.. نظّارة ألطف من نظارة العجوز تَتكئ على أنفه.. بذلة رسمية بلون شعره تبدو عليها العتاقة.. ربطة عنق أرجوانية داكنة.. وحذاء جلدي. جالسٌ بساقٍ على الأخرى.. يَقرأ ويشرب من قهوته ويتناول إفطاره البسيط. ملامحه تَبعث في النفس المَلل.. لهُ نَظرة باردة وكسولة.. لا يبتسم.. هُو فَقط يَرسم بشفتيه خَطًا يَنم عن التّبلد.. هو تقريبًا لا يُثير الشكوك. أما الطاولة الأخرى.. فكان يتحلق حولها خَمسة رِجال.. بأجسادٍ تراوحت بين الضخامة والنحول الشديد. جَميعهم مُتأنّقين بِبذل رَسمية أرْقى من بِذلة ذلك البَليد.. حَديثهم مَسْموع وضحكاتهم مُجلجلة وإفطارهم مُتَبَجّح. أعمارهم تتراوح بين الثلاثين والستين.. إمكانية أنّهُ واحدٌ منهم كَبيرة وجدًا. اسْتَندَ لمقعده ويداه تسترخيان في جَيبيه.. عَيْناه تدوران على الوجوه ببطءٍ ودراسة.. وعَقله يُعيد على مَسْمعيه شَريط حَديث آستور قَبْلَ ثمانية وعشرين يَومًا.

،

أشارَ بقلمه لموقعٍ في الخريطة قائِلًا: من المفترض أن يكون هُو هُنا.. بحسب المعلومات التي وصلتني فهو سيكون في النُزل إلى حَدٍّ كَبير.. لكن لا نستبعد أنّه في باقي المنازل أو المتاجر أو حتى المَشفى
سَأَلَ وعيْناه مُتَرَكّزتان على الخريطة: ولماذا هُو هُناك؟ المنطقة غير معروفة وكما لَو أَنّها مَنبوذة "وبِشَك" أو أنّه؟
ابتسمَ لفطنته: نَعم.. هُو كذلك.. هي أفضل طَريق للهرب والفِرار من البلد بأقل خسارة وتكلفة
هَزّ رَأسه بتفهّم وهُو يُهَمْهم قَبْلَ أن يُفْصِح عن سؤال آخر: وسأكون أنا في النُزل؟
أَكّد: نعم.. ستَستأجر باسمك غُرفة.. باسم ديمتري موريس.. ستبقى هُناك لتبحث عنه "أخرج من درج مكتبه هاتف أسود لهُ شَكلٌ غَريب وغير مألوف.. وَضعه على سَطح المكتب ثُمّ دفعه لمحمد الذي الْتَقطه.. وَضّحَ له" سوف تتواصل معي عبر هذا الهاتف.. يوجد فيه رقمي ورقم هاينز ورقم رئيس مركز شرطة برلين ورقم زوجتك.. فقط لا غير.. هذا الهاتف للاتّصال على هذه الأرقام فقط.. ولا يستقبل أي مُكالمة
قَلّبهُ وَسَط راحته والإعجاب يُقَوّس شَفتيه: شيء مُميز وذكي "رَفَعَ عَيْنيه لآستور مُواصِلًا سلسلة الأسئلة" وكيف سَأتعرّف عليه؟ "سَخَرَ" بالطّبع لن يَكتب فوق جَبينه أنا رَئيس العصابة ومؤسسها!
تَنَهّد وظهره يَستند للمقعد: قُلت لك من قبل.. لا أحد يعرفه.. حاول الكثيــر والكثير.. ولكن لَم يتعرف عليه أحد "أخرج رزمة سجائره.. تناول واحدة.. ثَبّتها في فمه وهو يُشعلها.. نَفَثَ الدُّخان قَبْلَ أن يُكْمِل وعدَستيه تَكشفان عن الْتماعٍ واثِق" أنت الرّجل المُناسب لهذه المُهمّة.. أنت الذي ستخالف التوقعات وتتعرف عليه
تَهَكّم من نفسه: أووه.. كم أنا سعيد لامتلاكي لهذه الموهبة الرااائــعة
نَطَقَ ليُعيد إشعال شَمعة أَمل ما هي إلا ضَوءٌ مُرْتَعِش يُعَزّون بهِ أهل فَقيدهم: بمجرد تعرّفك عليه سينتهي كُل شيء مُحَمّد.. سنكون بقربك.. على بعد مسافة قصيرة.. إن حَدث أي شيء سنكون معك
شَدّت شَفتيه ابْتسامة انتزعها من رَحم التشاؤم ليقول بهمسٍ يُشْبه صَرير ريح مُوحِشة: سَـوْفَ نَرى

,

رَمَشَ بِخفّة مُنْتَبِهًا للأَطباق التي اصْطُفَّت فَوْقَ طاولته.. نَظَرَ للعَجوز الذي قال بابْتسامة اعتذار: كنت مشغولًا مع طلبات أولئك الرجال.. فتأخرت عليك
ابْتَسمَ لهُ بتفهّم: ليست مُشكلة.. لستُ جائعًا لذلك الحَد
أَشارَ لأطباقه المكوّنة من قرْص من البَيْض وخُبْزٌ وزبدة.. إلى جانب كوب الحَليب الساخن.. قال: هذا واضح.. لَم تطلب طعامًا كثيرًا.. مثل كُل صباح مُذ نَزلتَ هُنا
هَزّ رأسه وهُو يَضحك: اعتدتُ على ذلك
نَصحه: جَرّب اللحم المُقَدّد.. صَدقني ستطلبه كُل صباح
رَفَضَ الاقتراح: لا شُكرًا لك.. هكذا أفضل لمعدتي وأخف
استنتج: يبدو أنّكَ لا تأكل اللحوم.. فحتى غداءك وعشاءك خاليان منه.. هل أنت نباتي؟
مَسَّ أسفل أنفه بظاهر سَبّابته وهو يعتدل في جلوسه.. تَنَحْنَح قَبْلَ أن يُجيب كاذِبًا: نعم.. شيء من هذا القبيل
أَوْمأ بتفهم: حسنًا "استطردَ" أرجو أن تكون هُنا في المساء قبل موعد العشاء
استفسرَ: ولماذا؟
ابتسمَ وعيناه الكبيرتان تَضيقان من خلف النظارة من وِسع ابتسامته: سيكون هنالك احتفال بسيط.. اليوم هُو آخر يوم تُفْتَح فيه أبواب النُزل.. سوف يُغلق إلى الأبد
عُقْدة استنكار تَوَسّطت حاجبيه: كيـف ذلك! لَم يعلمني أحد.. كيف أتدبّر أمري الآن؟
خَبَت ابتسامته وتَهَدّلت ملامحه ليهمس: أوه.. يا إلهي "سأله" ألم يصل غرفتك الإشعار؟
نَفى: لَم يَصلني شيء
ضَرَبَ جبينه يُوَبّخ نفسه: تبًا لك أيّها العجوز الأعمى.. أنا آسف.. أعتذر جدًا سيّدي.. اللوم يقع على عاتق هاتين العينين.. ظننت أنّي مررت على غرفتك وأدخلت الإشعار من أسفل الباب.. لكن يبدو لي أنّني فعلت ذلك لواحدة من الغرف لمرتين.. أووه.. هذا سيء جدًا.. أعتذر.. أعتذر.. لا تقلق سـ
قاطعه بأدب وبنبرة هادئة: لا عليك.. لا تلم نفسك.. أستطيع أن أتصرف.. ولكن متى سَوف يُغلق باب النُزل؟
أَجابَ وهو يُثَبّت نظارته: غدًا قَبْلَ شروق الشمس بساعة
ابتسم لهُ يُطمئنه: لدي الوقت الكافي للبحث عن نُزل آخر.. هَل يُمكننك تسهيل الأمر عَلي؟
هَزّ رأسه بموافقة سَريعة: أجل أجل.. سوف أكتب لكَ قائمة للنُزل والفنادق القريبة من هُنا.. بعناوينها وأرقام الاتصال.. لا عليك
أَوْمَأ: مُمتاز
التَفَتَ مُحَمّد للضحكات التي ارْتَفعت برعونة وبلا تهذيب من حناجر الرجال الخمسة.. ضاقت عَيْناه مُفَكِّرًا.. من هو الرئيس؟ أو أنّه لا ينتمي إليهم؟ عادَ ونظرَ للعجوز الذي قال بصوتٍ خَفيض وهو يرنو إليهم بطرف عينه: إنهم مَصدر إزعاج.. سوف تَهدأ نفسك منهم الليلة.. سيغادرون بعد الاحتفال مُباشرة
تَساءَل: ومن سَيغادر أيضًا؟
رَدّ: الجميع "عَدّد على أصابعه" هؤلاء الخمسة "أشار للرجل الوحيد" وذلك الرجل فرانك.. السيدة العجوز وجروها.. ليونيل اللاتيني.. والمراهق وحبيبته
ارْتَفَعَ حاجباه: إذن سَأبقى وحدي!
سَأله بارتفاع الحاجبين ذاته: هل أنت خائف
ضَحكَ: بالطبع لا.. ولكنني سأنام بهدوء وسكينة على عكس الليالي الماضية
هَزَّ رأسه: قُلت لك ذلك "أردف يُذَكّره" ماذا عن الحفلة؟ ستحضر؟ سيكون هُنالك الكثير والكثير من الشراب
انكمشت ملامحه: أووه أنا لا أشرب
تَأمّلهُ لثواني وعدستاه الزرقاوان تَدوران على ملامحه.. هَمسَ بعد ثواني: لذلك أنت تتمتع بصحة جيّدة "رَبّت على كتفه بيده المُكتظة بالتجاعيد" فَليحميك الرّب
ابتسمَ لهُ بود: شُكرًا لك سيّد شيرمون
تراجع للخلف ثُمّ استدار ليمشي ببطئه المعتاد.. كان كما لو أنّه يَزحف ماشيًا.. يَخْطو وقَدمَيه تَتوسلان إليه أن ارحمني.. حَملتُ هذا الجسد لأكثر من سَبعين عامًا.. والآن لا طاقة لي. تناولَ إفطاره سَريعًا ثُمّ قَصدَ دورة المياه ليُغَسّل يديه وفَمه قَبْلَ أن يَرْتدي قفازاته ومعطفه.. ويُحيط عُنقه بشالٍ رجالي. وهُو يَهم للخروج استوقفه العجوز شيرمون.. تناولَ المظلّة المُعَلّقة على المشذب بالقرب من الباب وهو يَقول: خذها معك.. البارحة سَمعت في المذياع أنّها سَتُمطِر نهارًا
ابتسم لهُ شاكِرًا: شُكرًا
خَرَج بعد أن أخذ منه المَظلّة.. تَوَقّفَ على بُعد خطوتان عن النُزل.. تَوَزّع بَصره على الأرجاء الهادئة نسبيًا.. فَكّرَ من أين يَبدأ.. وبعد ثواني تَحَرّك باتّجاه المَشْفى المُهْمَل.. زارهُ عندما قَدِمَ إلى هُنا.. كما زارَ باقي المتاجر والمدرسة.. حتى المنازل تعرّف على أهلها.. لكنّهُ سَيعيد الكرة اليوم.. فهو بعد الذي سَمعه من العجوز اضطرَ أن يُغَيّر خطته.. أخرج هاتفه.. اختارَ رَقم آستور.. أتاه التسجيل الصوتي.. هَمَسَ بعدَ أن وصله صوت نغمة التسجيل: النُزل سَوف يُغلق.. جميعهم سيغادرون هذا المساء



مُسْتَقِرًا بكفّيه على خصره.. يَتلفّت يُمنةً وشِمالًا.. يَدور حَوْلَ نفسه.. يَمشي مترًا للأمام ثُمّ يعود مترين للخَلف.. يَنظر هُنا ويتفحص هُناك.. يَتصفح الملف.. يُدَقّق في الصور ويُقارن.. وأخيرًا يَقول: في شي ناقص
عَقّب: أكيد في شي ناقص.. من جذي قاعدين نحقق مرة ثانية في القضية
حَرّك رأسه: لا.. ما أقصد جذي.. أقصد المكان فيه شي ناقص "أشارَ لسلسة المطاعم المُمتدة على يساره" شوف.. المطاعم جديدين
وهو لَم يفهم: أوكــي؟
نَظر إليه وهو يُضَيّق عينيه من الشمس: أنا مو متذكر عدل.. بس يتراوى لي ما كان في اهني مطاعم قبل سنتين أقل شي.. يعني سنة موت عمار مثلًا
وهو يُخرج هاتفه: لحظة "بَحثَ فيه لدقائق قَليلة قَبْلَ أن يُنادي رَفيقه" تعال عزيز شوف
ابتعدَ عزيز عن عمود الإنارة المُفترض اصطدام مركبة عمّار به.. وقف بجانب رائد لينظر للشاشة.. أشار رائد للمطاعم: كان مكانهم مُجمع *** سكروه لجم سنة وانهجر.. وهدموه في نفس سنة موت عمّار
عزيز بتفكير وعيناه مُتَرَكّزتان على المكتوب: وفي نفس الشهر "التقط من الملف صورة السيارة المُحطّمة.. ضَربَ عليها بظاهر سَبّابته وهو يستطرد" مكسرة تكسّر.. وهذا أول دليل على إنها مو حادث "أشارَ لعمود الإنارة" هالليت مُستحيل ويخالف المنطق إنّه يسبب هالضرر كله "نَقَلَ بصره للمطاعم" مجمع وانهدم.. مبنى كَبير بحجم ميتين سيارة يمكن.. أو أكثر
رائد الذي بدا عليه أنّه فَهمَ ما يُفَكّر به صاحبه: مكان الحادث قريب من المجمع.. أقل من عشر أمتار.. يعني إلا كانوا يشتغلون على الهدم مُمكن شافوا شي من الحادث
هَمَسَ ونَظْرة عيْناه يَتأجّج فيها تَهديد: ومُمكن شاركوا في الحادث "اسْتَطردَ بأمر" طلّع لي اسم الراعي لهذا المشروع.. مشروع سلسلة المطاعم.. وراعي المجمع المنهدم.. والعمال اللي اشتغلوا على الهدم.. أبي معلومات مفصّلة.. حتى عناوين بيوتهم أبيها
ابْتَسَمَ لهُ بثقة: ساعات وكل شي بيكون عندك



انْحناء.. انْحناء رُوح وانْحناء جَسد.. بُكاءٌ صامِت تَقْتطعه شَهقات مَبْحوحة.. مُحْرَقة من القَهَر.. بَشَرة وَجْهها تَشَرّبت احْمرار باهت.. تَهَيّجت وها هي توخزها من فَرط انصباب أجاج الدمع عليها. بَكت وبَكت لساعاتٍ طِوال.. بَكت من الفَزع.. من الخَوْف الهيستيري.. بَكت من قَهرها عليها.. وبكت من رِثاءٍ على عُمرها الذي تاهَ يَبحث عن الاستقرار.. عن الحُب والاطمئنان.. كُلّما بَحثَ ازدادَ ضَياعاً بين متاهات والدها المُدَجّجة بالاضطراب.. الكُره والخَوْف. كَفٌّ على كَتفها وهَمْسٌ وُسِمَ بهِ الحَنان واللين: يُمّـه حُور.. صيري أقوى.. أمش محتاجة تشوفش قوية عشان هي بعد تقوى وتتحسن صحتها
أَحنت رَأسها ويَدها بارتعاش ترْتفع ماسّةً برسغها جَبينها.. هَمست بلوعة: مـ ـا أقدر.. ما أقدر عمتي.. شوفيها شلون.. شوفيهـــ ـا!
شَدّت على كَتِفها تُؤازِر القَلْب المَشْروخ من ثِقْل أوجاع تلك الأم المظلومة: أدري حَبيبتي.. والله أدري.. حالها هذا ما يسر.. وقلبنا ما يقوى يشوفها جذي.. بس بعد لازم تصيرين أقوى وتتركين هالدموع
رَفعت رَأسها لتتأمّل بعينيها النائح فيهما البؤس الأَجهزة وهي تُحاصر جَسد والدتها الهَزيل.. تَنَشّقت وهي تهمس بنبرة حَوَت حقدًا لطالما أبكمته قِسْرًا: شوفي من متى احنا اهني.. ولا فكّر حتى يجي يشوفها.. أو على الأقل يتصل ويسأل.. لكن ولا شي.. ولا شي.. هذا هو ما تغيّر.. قلبه حَجـــر
التَفَتَت للباب الذي طُرق.. كانت الطبيبة ومعها بعض المتدربين تستأذن الدخول.. سَمحت عَمّتها بالدخول بعدما رَتّبت حجاب والدتها النائمة.. كانوا شاب وثلاث فتيات.. سَلّمت الطبيبة ثُمّ اتّجهت للمريضة وهُم من خَلْفها.. أمرت إحدى الفتيات أن تَسْرد عليها تاريخ المريضة وآخر ما اسْتَجَدّ من نتائجها. أثناء ما كانت المُتدربة تتحدث كانت حُور المُرْهَقة تستمع.. على الرغم من تعبها وتشوّش ذهنها إلا أَنّها كانت مُنتبهة جدًا لما يُقال.. فهي قاطعتها بحدّة لا تُليق بها: السنة اللي استأصلوا فيها رحم أمي غلـط.. سنوات اللحين ومحد انتبه! شهالمستشفى!
تناولت الطبيبة الملف من المتدربة: أشوف "قَرَأت المعلومات ثُمّ قالت" عذرًا إختي بس السنة صحيحة.. الهيستوري تبع الوالدة متجدد ويتم تدقيقه من قبل أكثر من طبيب.. نسبة الخطأ قليلة جدًا
ارْتفع صوتها: شنو يعني! أقول لش مو هذي السنة اللي صارت فيها العملية.. انتو ملخبطين بين تاريخ عملية الرحم وتاريخ عملية الدودة الزايدة
عادت تتصفح الملف قبل أن تقول بهدوء: إختي.. الوالدة ما أجرت عملية الدودة الزايدة
أَصَرّت: امبــلى.. أمي قالت لي.. انتو ملخطين بين التاريخين.. ما يصير هذا يكون تاريخ عملية الرحم.. أنا انولدت بعد هالتاريخ.. من جذي أقول لكم غلطانين
حاولت الطَبيبة أن تبتسم لتوَضّح: المعلومات صَحيحة.. موقعة من الدكتورة اللي أجرت العملية ومن رئيس القسم ومختومة بعد.. وتم مراجعتها أكثر من مرة
وَقَفت بجسدها الذي تداعى من ضَغط الأيام الماضية.. تَقَدّمت من الطبيبة وبهمجية سَحبت المَلف منها.. قَرَأت.. ثُمّ أعادت القراءة.. ثُمّ أعادتها.. قَبْلَ أن تهتف بصوتٍ اهْتَزّ من ارْتباك النّبضات: وين الدكتورة؟ وين الدكتورة اللي سوت العملية؟ غلطانة.. شلون توقع على تاريخ غلط! أبيهــا.. وينها؟ "عَلت نبرتها واحتقان وَجْهها يَتضاعف.. وعروقها نَفَرت مُهَدّدة بالانفجار" أنا انولدت بعد هالتاريخ بسنتين.. سنتيـــن.. تعرفين يعني شنو سنتين!

: حــ ـور

استدارت للصّوت الوَهِن.. للهمس المجروح.. للتغريد المذبوح.. كانت قَد أخفضت عن أنفها وفمها الكمامة لتستطيع أن تتحدث.. تَقَدّمت منها وهي تقول ودموعها دون أن تشعر تنساب من عينيها كالماء العابر صِدْع كَهْفٍ مُوحِش: يُمه.. رجعيه.. مو زين.. عشان تقدرين تتنفسين
حَرّكت رأسها بالرفض قَبْلَ أن تنطق بحشرجة ووسط مُقْلَتيها لَوّح الماضي: اسمعيني يُمّه
شَدّت على يَدها وقَشْعريرة عنيفة تَجتاح أوصالها حتى اصطكت منها عظامها مُعْلِنة عن موسم التّهشّم.. هَمَسَت بتأتأة: شــ ـ ــِشنو.. شنو.. يُمـ ـه؟
نَطَقَت لتسكب عليها حَقيقة آسنة أَحرقت رُوحها حتى أحالتها رمادًا: التاريخ.. تاريخ العملية.. صَح.. شالوا رحمي قبل ولادتش بسنتين
حَرّكت رأسها بقوة ترفض هذه الكلمات القاتلة: لااا..لا يُمّه.. ما يصيــر.. ليش يُمه تقولين جذي! ما يصير.. أنا شلون.. شلون جيــت!
خَطَت إليها عَمّتها تُحاول أن تحتوي هلعها وهي ترى كيف ترتعد بصورة مُخيفة: اهدي حُور.. اهدي يُمّه
دَفعت يديها عنها دون وَعي لتتمسّك بسرير والدتها وهي تنطق بحروف متعثّرة وأنفاس لاهثة: يُمّـه.. يُمّـــه شلون؟! شلـوون! لازم.. واحد من التواريخ غلط.. تاريخ العملية.. أو تاريخ ولادتي.. شلون تقولين إنّه صح.. ما يصير يُمّـه.. ما يصـيــر!
أكملت في كشف ما انطوى لأعوامِ: التاريخين صح.. أبوش يوم يجيبش لي.. كنتِ مكملة السنتين
صَرخت بعينيها الجاحظتين حتى انجرح حلْقها: يــجــيــبــنــي من ويـــن! يجيــبنــي من ويــــن!... يُمّـــه إنتِ شنو تقولين! "التفتت لعمّتها تُطالبها بالنّجدة.. بالرّحمة.. بالرّفق برُوحها المصدومة" عَمّتــي.. تسمعينها؟ تسمعينها شنو تقول؟.. عمّتي قولي لها إنها غلطانة.. شلون تقول هالحجي! من وين يجيبني أبوي.. هي أمـي "صَرخت بهستيرية وهي تَضرب على صَدرها بكلتا يَديها" أمّي أمي.. أمـــــي... هي اللي حملت بي وولدتني وربّتني.. شلون تقول أبوي جابني لها وأنا عمري سنتين.. شلــووون!
نادتها وفيضها يُغرق وجهها أسَفًا: حُـــور "أردفت لتُجرّدها من كيانها.. ولتقلب وجودها رَأسًا على عَقِب" إنتِ مو.. بنتـ ـي



فَترة ما بَعد الظهيرة كانت تَجمع بين أَرْبعِ نِساء.. لَيلى وابنتيها.. ومعهن ياسمين تَتفتح بينهن بخَجَلٍ عَلى مشارف الاعتياد. تناولت طعام الغداء مع العائلة بوجود عَمّها ناصر وزوجها فيصل الذي غادر قَبْلَ رُبع ساعة إلى النادي الرياضي. فَبيقن هن الأربع من أجل الاستئناس بأكواب الشاي بأنواعه الباعثة على الاسترخاء.. بأطباق الحلوى الشهية.. وبالأحاديث اللطيفة. عَلّقت جُود مُشاكِسةً شَقيقتها التي تَلتهم قِطعة الحلوى باستمتاع: مو شايفة خير! شوي شوي لا تغصين
ابتلعت ما في فَمها ثُمّ مَرّرت لسانها على شَفتيها الصغيرتين قَبْلَ أن تُعَقِّب ببرود: كيـــفي.. عَلي بالعافية
بَسَطَت يَدها أمام وجهها وهي تُغَضّن ملامحها: مالت عليش.. ذا الصحن الثاني.. لا يجيش السكري على نهاية حملش
شَزرتها والدتها بعينها: خليها تاكل على راحتها.. قطعة صغيرة ما بتسوي شي
مَرّرَت بَصرها على جَسدها وهي تُتَمْتم بصوت خَفيض سَمِعته نُور: يا ليت بعد يبين على جسمها هالأكل
قَرصت ذرعها: جــب.. اذكري الله لا تحسديني "قَوّسَت شَفتيها وباستعطاف" كفاية الثقل اللي قاعدة أحس فيه
اسْتَفسرت ياسمين: إنتِ اللحين في التاسع؟
أَكّدت بابْتسامة: ايـه.. توني من جم يوم داخلة التاسع
بادلتها الابتسامة: الله يسهل عليش
أَمّنت: يــا رب
أضافت لَيلى: دخلت التاسع وهي للحين ما تدري شنو فيها.. بنت ولا ولد
ارْتَفعَ حاجِبَي ياسمين بتعجّب: ليــش! ما تبون تعرفون يعني؟
ضَحكت وهي تبعد خصلتها عن عينها: لا والله ما كانت هذي نيتنا.. بس كل مرة نروح حق الفحص ما يكون واضح.. يا عاطنا ظهره.. أو مسكّر رجوله.. وبعدين قامت تقول لنا الدكتورة مرة ولد.. والمرة الثانية بنت.. حيرتنا.. فقررنا أنا وطلال إن ما نعرف.. ونخليها مفاجأة في الولادة
ضَحكت ياسمين وهي تتخيل الجنين يُشاكس والديه: مسويها لعبة هالنتفة
شاركتها الضحكة جود: أقول لهم قاعد يلعب عليهم.. بايــخ من قبل لا يشرّف "اسْتَطرَدت بإسْهاب وبنيّة صافية" إن شاء الله عاد ولد فيصلوه ما يسوي مثل حركاته.. أنا قايلة لجنان من تعرف شنو جنسه تخبرني أول وحدة.. بعد عمته على الفاضي! ما يصيـ
قاطعتها والدتها التي لَم يَفتها كَيْفَ تَحَنّطَت ياسمين الجالسة على يِسارها: اي اي على خير
انتبهت جُود وعَضّت على طرف لسانها تؤنّب نَفسها المُتسرّعة.. ازْدَردت ريقها وعيناها تَتفحصان وجه ياسمين الذي احْتَقَنَ بحُمْرة غَريبة.. كما لَو أَنّها تَلَقّت صَفْعة لاسعة.. التَفتَت لشقيقتها التي أَرْخت بَصرها عَمْدًا.. فهي لَم تَرْضَ لياسمين أن تلمح في عينيها نَظْرة الشفقة. تَطَلّعت لوالدتها عندما وقفت وهي تُمْسِك بيد ياسمين وتقول: تعالي يُمه براويش شي في المجلس
وَقفت ياسمين.. بَل أوقفتها والدتها.. فجَسدها قَد تَحَوّرَ لكائن هُلامي يُسَيّر بلا إرادة منه. دَلفت الاثنتان إلى المجلس.. جَلست لَيلى على الأريكة وأجلستها معها وهي تَضم بين كَفّيها يَدها التي استحالت إلى قطعة ثَلج. قالت وبصرها قَد تعرقل عند بوّابتي مُقلتيها الجاحظتين: يُمّه ياسمين.. حَبيبتي إنتِ.. هذي إرادة رب العالمين.. كله مقدّر ومكتوب.. حتى لو زواجكم كان قبل.. عادي لو هي حملت قبل.. وإنتِ إن شاء الله ربي بيرزقش في الوقت المناسب "وهي تَسْتعين بضحكة هَشّة" وبعدين انتو توكم معاريس.. استانسوا.. وعلى قولة جود عقب سنة الوقت بيكون تمام للأطفال.. اللحين ارتاحوا بروحكم
حَرّكت رَأسها بحركاتٍ مُتتالية.. نافية.. رافضة للحقيقة الخاطئة.. هَمَسَت بصوتٍ مبهوت: لا... لا عمتـ ـي
ضَغَطَت على كَفّها الذي أصابهُ مَسٌّ أَرْعشه كعصفور وهي تهتف بقلق: ياسمين.. يُمّه سمي بالله.. ما عليه حَبيبتي.. لا تخافين.. راح يجيش رزقش وقت ما ربي كاتب
كَرّرت ونبرتها تَرْتفع بغصّة: لا عمتي.. لااا.. هُو قال لي "ودمعةٌ تَهوي من بحرها الآسن" قال لي عشان.. عشان جَنى.. بس عشانهــ ـا.. شــ ـــ ــشلون.. شلون اللحين.. هي حامـــل!
ازْدَرَدت ريقها مُرْسِلة إشارة تنبيه للكلمات لعلّها تُعينها بتبريرٍ رَكيك: تعرفين يُمّه.. يعني هم الاثنين كانوا متزوجين.. يعني بينهم ماضي.. وهو بعد تدرين.. رجّال.. وهي بنية.. وزوجته
أَشارت لنفسها والدّموع تَتساقط على الوَجْنتين تُعَزّيها: وأنــا! أنـا شنو! أنا شنو قدامه!.. مو بنية؟ مو أنثـ ـى؟.. رجولته قدامي.. وين تروح! ويــن!
ليلى التي لم تفهم شيء أعادت: رزق يُمّه رزق.. محد يقدر يحرمش منه.. الله بيعطيش إياه
سَألت وسيوفٌ تُلَوّح أمامها وبدَمِ ليالي الهَجْر والتجاهل تُذَكّرها: شــلون!
عَقَدت حاجبيها: شنو شلون ياسمين؟ رزقش محفوظ عند الله مثل ما رزق جنان محفوظ.. كل وحدة بتحصله في وقته
انتحبت ويديها ترتفعان لفمها سَدًا يَمْنع استفراغ الآهات.. ليلى التي بَدأ يُخامرها شَكٌّ له رائحة نتنة تساءلت بتوجّس: ياسمين.. في شي أنا ما أعرفه؟
شَهْقة عَنيفة ومُسَنّنة فَرّت منها وأجبرت يديها على الانخفاض.. شَهْقة لَم تكن سوى آه صَرخَ بها فؤادها وهُو يُعاين جِرْحه النازف.. توالت الشهقات ووجهها قَد استوى مَسْرحًا تتنافس فيه الدّموع لرسم أَبْشَع لوحة للذُّل.. نَطَقَت بصوتٍ خَرَجَ مُتَعَكِّزًا.. مَخْنوقًا.. ومُحْرَجًا: عَمــتـ ـي... أنـ ـا.. أنــا للحين... مثــل.. ...مثل ما أخذنــ ـي من بيت أبووي "سَترت اللوحة المنشورة على أرض ملامحها لتهمس بالحقيقة التي ارْتَطمت صَخْرة برأس ليلى " فيصل ما لمسنـ ـ.... .. ما لمسنــــي!

،

زِياراتٍ كَثيرة.. مُتَعَدّدة.. مُتتالية.. وغَريبة! في الأَشهر الأولى من زواجهما كانت تَزورهم "حَسَب قَوْل جُود" مَرّة كُل أسبوعين.. أمّا الآن فهي تزورهم كُل أسبوع مرة أو بعض الأحيان مَرّتين! لماذا ومن أَجل ماذا؟ لا أحد يعلم. عَمّتها "أم فيصل" سَعيدة بهذه الزيارات بالطّبع.. هي تَسْتقبلها بحفاوة وبابْتسامة حُرّة من اصطناعٍ أو مُجاملة كالتي تَحْتَكِر شَفَتي جُود. حتى خالها ونُور كذلك.. سَعيدون بزياراتها وباشْتداد العلاقة بينها وبينهم. هي عندما تَعْلَم بقدومها إما أَنّها تَعْتكف في شقتها.. أو أَنّها تقصد منزل والدها، أو تَتفق مع نَدى لتخرجان معًا أو حتى لتزورها في منزلها. اليوم اختارت أن تَخرجان للتسوّق.. تُريد أَن تستعد للأشهر المُقبلة من حَملها.. فَوزنها بالتّأكيد سَيبدأ بالازدياد. كانت الساعة تُشير للثامنة مَساءً عندما عادت إلى المنزل.. عادت بَعْدَ أن تَأكّدت من مُغادرة ياسمين.. لا تُريد أن تُقابلها.. لا تُريد لأن تُحْمى النّار داخلها.. فَلتبقى خافتة.. تُحْرِقها للحَد الذي تَسْتطيع فيه تَحَمّل الأَلم وتَجاهله. غُرفة الجلوس كانت خالية.. لذلك صَعدت للأعلى مُباشرة ليصلها صَوْتا خالها وعَمّتها.. صَوتان مَكْتومان ولكن الحِدّة كانت واضحة عليهما.. نَظَرت للباب بريبة وهي تُواصل رُكوبها حيث شِقّتها.. أَيَتشاجران؟ دَلفت للداخل وهي تخلع حجابها وتفتح أزرار عَباءتها.. تَركت حَقيبتها على مَقعد المرآة لتخطو إلى غُرفة الملابس وهي مُحَمّلة بالأكياس.. انشغلت في ترتيب الملابس حتى أَنّها اندمجت وتَحَمّست وبَدأت بعَزل المَلابس التي سَتضطر لهجرها مُفْسِحَةً المَجال للأخرى الجَديدة، حتى تلك التي سَتشتريها في الأشهر الأخيرة. وأَثناء ما هي تَعْمَل وَصلها صَوْت انفتاح وانغلاق باب الشقة، ثُمّ أَعْقبهُ صَوْت فيصل وهو يُناديها.. بالطّبع عَلِمَ أنّها عادت عندما رأى مركبتها في موقفها.. كانت سَتخرج إليه ولكن انفتاح الباب والزَجرة التي تَبعته جَمّدتها.. أو لِنَكُن أكثر دِقّة.. صاحبة الزَجرة هي مَن جَمّدتها.. كانت عَمّتها.. أم فيصل.. ليلى. لَم تُكن تريد أن تسمعهما لذلك انزوت في غرفة الملابس.. لكن وعلى الرغم من المسافة التي تفصلها عنهما، إلا أن صَوْت ليلى كان يصلها من شِدّة علوّه.. فبلا إرادة منها حَمَلتها قَدَماها لخلف باب غُرفة النوم.. كانت تَسْمع وتَسْمع ورَجفتها تَتضاعف..

،

: أنا شفتها.. انخطف لونها يوم سمعت حجوة جود.. قلت آخذها على صوب.. أحاجيها وآخذ بخاطرها.. هذي إرادة رب العالمين.. وبيرزقها في الوقت المُناسب.. ما توقعت ولا للحظة إنها بتصدمني بالحقيقة! "أشارت إليه ليُبْصِر وللمرة الأولى في حياته الاحتقار وهُو يَسْعر وَسط عَيني والدته" إنت شنو؟ إنــــت شنو؟ لو ما عندك بنت.. ولو ما جنان اللحين حملت من أول شهر من زواجكم.. جان قلت هذا فيه بلا.. هذا مو رجـــال
قَبَضَ يَده وعُقْدة بانت بين حاجبيه حتى استحكمت من ملامحه: يُمه شهالحجي! أنا مو متعمد.. اسمعيني وافهميــ
قاطعته بحدّة ضارية ووجهها الأحمر يكاد أن يُبصق عليه جَمرًا: شنــو أفهم! بَــــس.. هذا إنت.. تغلط واحنا المطلوب مننا نسمعك ونفهمك؟ إنت تجهّز الأعذار والتبريرات قبل لا تغلط.. عشان إذا غلطت تجي وترميها علينا وتفضلوا سامحوني "حَرّكت رأسها بخيبة ونَدَمٌ سَحيق" لكن كله مني.. كله مني.. أنا اللي دلعتك ومسحت عليك.. أنا اللي سمحت لك تتمادى.. الشره مو عليك.. الشره عَلَي أنا اللي خليتك تاخذ البنية وإنت عقلك مو في راسك "رَفعت إصْبعها أمام وجهه تُلَوّح بها سَيْفًا مُهَدّدًا، ولسانها يَرْشقهُ بكلماتٍ مُسَنّنة" شـــووف.. عدّل هالخراب اللي سويته أحسن لك.. لو تحفر الأرض وتشق السما سَو حَـل لهالبهذلة.. ولا ما راح يطيح لساني على لسانك.. ولا تقول أمي وبتحن عَلي.. طلعت ما تستاهل الحنيّة
خَطى خطوة ناحيتها إلا أَنّ يَدها أوقفته وقَسْوتها جَلَدت رُوحه: لا تقرب مني ولا تكلمني.. مابي أشوف رقعة وجهك "اهْتَزّ صَوْتها وتَرَقْرقَت في عَيْنها دَمْعة اختلطت فيها مشاعر شَتّى" ذنب البنية في رقبتي.. خليتني أحمل ذنبها.. خليتني أتذممها.. والله خايفة رَبّي ما يسامحني
اسْتدارت لتخرج بعدَ أن طَعنت قَلْبه شهقة مَكْتومة فَرّت من صَدرها المُثْقَل.. شَدّ من قَبْضَتيه وهو يَكز على أسنانه حتى اسْتمع لصوت احتكاكهم.. تَعَثّرت أَنفاسه وهُو يَشْعر بالسماء والأرض تَتعضدان وتُطْبقان عليه.. لَن يستغرب لو أَنّه بعد ثواني تَحَوّل إلى فُتات. مَشى باتجاه غرفة النوم.. دَخل لِيَصطدم بها.. بوجهها الشاحِب المُتَجَهِّم، وبعينيها المُتَوَسّعتين من فَرط حَفْر الدموع وَوخزها. هَمَست بتعَثّر وبأنفاسٍ أَخنقتها الصّدمة: إنــ ـ... ــ ـت.. إنـ ـت.. مــا... مـا.. ما لمســ ـ... "اقتطعت كَلمتها وأجْفانها تَصطبغ بالأحمر ثانية بعد أخرى. أردفت بذات الكلمات التائهة.. المُستنكرة" سبع.. ســـ ـبـع.. شهور! أو ثمان؟ "حَرّكت يدها في الهواء" شهور.. صار لكم متزوجين.. وإنت.. ما لمستــ ـ "أَغْمضت وهي تنحر الكَلمة للمرة الثانية.. لا تستطيع أن تنطق بها.. لسانها لا يقوَ على نُطْقها.. فهي مُوْجعة.. مُوجعة لحد الشفقة على ياسمين. هُو بوجهه المُطْفأ الملامح نَطَق بحدّة ونظرة مُحذّرة: لا تتدخلين.. الموضوع ما يعنيش
تَجاهلته وتجاهلت التهديد المُوارب في عينيه: بـس.. سؤال.. سؤال واحد.. إنت "مَرّرت لسانها على شَفتيها ثُمّ أكملت" إنت.. تنام معاها؟ تنام معاها في نفس الغرفة.. وعلى نَفس.. السرير؟
عُقْدة تعاضدت فيها العَصبية مع الاستنكار: شهالسؤال! شلون تتجرئين تسألين هالسؤال!
عَلا صَوْتها والغَصّة تَبْتلعه: جــاوب فيصل... جـــاوب... إنت تنام معاها؟
مالَ في وقوفه ويداه تستقران على وسْطه.. أَجابها ببرود ظاهري يُناقض زلزال الضمير الذي بَدأ يَستعد في باطنه: ايــه.. أنام معاها في نفس الغرفة.. وعلى نفس السرير.. وين بنام يعني؟!
انْقَبَضَ قَلْبه عندما لاحَ لهُ شُحوب مَلامحها المُفاجئ.. تَهافتت الدّموع لإغراق وَجْنتيها وهَمْسها خَرَج كالصفعة لاسِعًا ضَميره: حـرام عليك فيصل.. والله العظيم حــ ـرام عليك.. حــرااام
تَقَدّمَ منها يُهاجمها بغيرته.. بقهره.. وببقايا رَماد جُزء قلبه المُحترق: ليش تصيحين! مو المفروض تستانسين؟ تستانسين إن كنت ولا زالت وفي لش؟ "شَخَرَ ساخِرًا" ولا تبينها تكون تعادل عشان يرضى ضميرش؟ مثل ما كنتِ لأحمد أنا أكون لياسمين!
أَحاطت وَجْهها بيديها ورَأسها يَرْتفع كما لَو أَنّه يُناشد السّماء وهي تصرخ بلوعة: الله يـــاخذ الساعة اللي عرفت فيها أحمـــد.. الله يـــاخذ اليوم اللي عرفته فيــه
ارْتَفَعَ حاجبه والسُخرية تَتخذ دور الدرع الذي يَحميه من الصّحوة: لا تحاولين.. ما راح يرجع الزمن ويتبدل عشانش
نَطَقت برجاء مُنْهَك: فيصل حِس.. حِــــس.. كفاية اللي سويته فيني.. كفاية بنتي.. كفاية جَنـ ـى.. كلنا سامحناك مع إنّ سماحك صَعـ ـب.. كنت تستاهل مننا أكثر وأكثر.. بس طبطبوا على بلوتك.. وأنا غصبت نفسي أنسى.. حتى الصور والثياب اللي قلت لي عنهم.. مانعة نفسي أشوفهم.. خايفة إذا شفتهم يصحى وجعي وأكرهــك.. إنت ضريتني وضريت بنتك.. ما كفاك ورحت تجاوزت حدودك وضريت بنت الناس!
تَعَجّبَ: ضَرّيتها! أنا ضَرّيتها!
صَرخت بانفعال: وشنــو تسمي اللي سويته فيها! فيصل إنت مو بس ضريتها.. إنت ذَبحــت أُنوثتها.. كَســرتها!
تَقَدّمَ منها ليُقابلها بالصراخ ذاته: وإنتِ شنـــو يدخلش! أنا ماني فاهم ليش متعاطفة معاها! المفروض تفرحيــن.. مو إنتِ تكرهينها!
أَكّدت: ايــه أكرهها.. وعمري ما حبيتها.. بس ما يعني إنّي أتمنى لها مثل هالكسرة "تَنَشّقت وهي تُبْعد خصلاتها عن وجهها والغَصّة تَتخذ مُنْحنى الماضي" فيصل أنا.. اللي كنت في ذيك الفترة أدري إنّك تتعمّد تتجاهلني.. تتعمد تكسرني وتجرح أنوثتي.. كنت ما أنام الليل لأنّي أحترق.. أحــ ـترق.. أتقلب على جمر هجرك لي.. شلون هي!
مَسّ صِدّغه بأطراف أصابعه: أنا ماني مستوعب.. إنتِ شنو! ما تغارين! ما يحرق قلبش إنّي أقرّب من بنية غيرش؟
انتحبت وهي تحتضن يديها بالقرب من قَلْبها: أنا من زمان أغار.. من يوم ما كانت تلاحقك.. وحتى لو ما قربت منها بظل أغار وأحترق وأسكّت ألم قلبي اللي يتقطع.. بس هي زوجتــ ـك.. مثل ما لك حقوق هي بعد لها.. اللي سويته غلط وحرام فيصل "عاتبته ورياح أسى تُحَرّك رأسها بإنكار" شلون قدرت؟ شلون طاوعك قلبك تجرحها بهالطريقة!
أَجابَ بجُل قَهره المُسْتَعر في ذاته المُقَيّدة بها: لأنّــي ما أقدر.. ما أقــدر.. ما أقدر أطالعها بنفس النظرة اللي أطالعش فيها.. حاولت.. والله حاولت "رَفعَ كَتفيه بقلّة حيلة أَبْصَرتها في عَيْنيه" بس ما قدرت! جِنان أنا بقربي منها مو بس أحس نفسي أخونش.. أنا بقربي منها أحس إنّي أخون نفسي.. أخون الطفل والمراهق والشاب اللي تربى على حبش.. أخون ماضيي!
مالَ رَأسها والعتابُ يَجْلده.. يُفري ضَميره ويُقَطّعه: ليش تزوجتها مدامك ما تقدر؟! ليش بإيدك رميتها في هالمعمعة؟ "شَهْقة تَكَسّرت وَسَط صَدرها" بــ ـس عشان تقهرنــي! "خَطَت إليه لتقف أَمامه وبقبضة يَدها ضَربت صَدره" كان في إيدك كل شي.. كـــل شي.. حتى لو هي كانت تحبك.. كنت تقدر تصدها بسهولة.. كنت تقدر تحميها منّك.. من ظلمك "رَمَشَت أهدابها المُبَلّلة لتُرْسل لَهُ سَهمَ خَيْبة انْتَصَفَ فؤاده المُعْتَل" فيصل إنت ظلمتها.. لبست دور الظالم وظلمتها!
تَسَمّرت عيناه في عينيها المأهولتين باللوم.. ازْدَرَد ريقه فتَأَلّم.. فَقَد اخْتَنَقَ الضّميرُ وَسَط حَلْقه.. لا هُو قادر على إعادة تَثبيت جذوره في رُوحه.. ولا هو قادر على استفراغ أشلائه.. حتى أَصابع النّدم بُتِرَت بسكين الأوان الفائت قَبْلَ أن يَتَسَنّى لهُ عَضّها. هُو قال لها قبل دقائق.. قال لها بأنّ الزمن لن يَعود ليتبدّل من أجلها.. فكيف سيعود من أجله؟! فهل يَسْتطيع الظالم أن يَسْتقل قطار الزّمن عائِدًا إلى ماضي اسْتبداده؟ هل يَستطيع أن يعود للمفترق ويقصد طَريق الأَمان؟ هل يَستطيع أن يعود للحظة التي نَحَرَ فيها عقله ليُجْلِس على العَرش كبريائه؟ هل يَستطيع؟ كان الجَواب يَطْفو وَسَط مُقْلَتَي حَبيبته.. لا يُمكن العَوْد فيصل.. فَالأرضُ بَعد تَدميرها تَتَبرأ من مَوطئ قَدمي ظالمها.. انهار كُل شيء.. كُــل شيء.. لَم يعد هُنالك مَجال للإصلاح.. الكَسْرُ لا يُجْبَر.. والخَطأُ تَمادى حتى اقتلع آخر فرصة.. لا فُرص أمامه.. بل لا عُمْر آخر يُسْتَنزف باسم الفُرَص.

: مـامـا!

التَفَتَ كلاهما للصّوت.. كانت تَقف عند الباب وَوْجهها البَريء قَد التهمَهُ الرُّعب.. الواضح أَنّها شَهِدت الشجار وسَمِعته.. أَفْرَغت تَنْهيدة مُثْقَلة قَبْلَ أن تَمْسَح دُموعها وتُناديها ببحّة: تعالي ماما "أشارت إليها بالاقتراب وهي تَسْتعين بابْتسامة ذابلة" تعالي حبيبتي
لَجأت لوالدتها بخطوات واسعة تَشي بالخَوْف.. اسْتَقَرّت على رُكْبتيها واحْتضنتها في الوَقت الذي خَرَج فيه فَيْصَل من الغرفة ليرتفع بعد ثواني صوت إغلاق باب الشقة الذي أرجفَ الاثنتين. ابْتَعدت جَنى لتنظر لوالدتها بخشية سائلة: ماما إنتِ ليش تصيحين؟ وبابا ليش معصب؟ سمعته يصرّخ "شَدّت على كتفيها بيديها الصّغيرتين وهي تُكْمِل بتوجّس" راح يرجع.. الديفورس؟
نَفَت سَريعًا وهي تعود لتحتضنها مُحاولةً بَثّ الأمان في رُوحها: لا لا ماما.. ما في ديفورس.. بس أنا شوي زعلانة من بابا.. عادي.. مثلش يوم إنتِ تزعلين منه
سَألت: وين راح بابا اللحين؟
أَجابت بعد صَمْتٍ قَصير ويَدُها تَمْسح على شَعرها: راح يتمشى ويفكّر شلون يراضيني
نَظَرت لها بعينيها الواسعتين مُتسائلة: يعني بيشتري حقش هدية؟
ابتسمت وهي تُحَرّك كتفيها: يمكن "ثَبّتت خصلاتها خلف أُذنيها مُسْتَطردة" يلا ماما بنسوي لنا عشا عشان تتسبحين وتنامين
وَقَفت معها وسؤال آخر: زين متى بيرجع بابا؟
شَدّت على يدها وهي تُحاول أن تُقنع نَفسها قَبْلها: مادري حبيبتي.. بس ما بيتأخر "تنهيدة أخرى" ما بيتأخر



شَدّت على يَده المُحتضنة يَدها وهي تَهمس لهُ وعَيْناها تَرْنوان لِعَيْنيه: ما أبالغ إذا قلت إنها أحلى سَفرة في حياتي
ابْتَسَمَ برِضا مازَجهُ حُب لَطيف يُدغدغ مشاعرها المُضطربة.. نَظَر لها هامِسًا: إن شاء الله تنعاد
تَنَهّدت ثُمّ ابتسمت ابْتسامة يَعتقد أَنّهُ لَمح فيها أَحْد ألوان المَوْت.. بخفوت وعدستاها تنسحبان عنه: إن شاء الله
جاءَ ليستفسر عن غرابة ابتسامتها لكن النّداء المُتَحمّس قاطعه.. التَفَت ناحية الصوت ليُبْصِر عبد الله الصغير وبيان يَرْكضان ناحيته وهُما يَصرخان باسْمه بسعادة مَنشورة حوْل ملامحهما البريئة.. انْحنى قَليلاً ليتلقّف الاثنين ويحملهما بين ذراعيه.. قَبّل خَدّيهما ثُمَ قال بمُشاكسة: شهالإزعاج هـا؟ وليش للحين مو نايمين؟
أجابَ عبد الله الصغير: ما رضينا ننام.. قلنا لأمي بننتظرك
وهُو يَمشي بهما للباب الداخلي حيث تَقِف غيداء بابْتسامتها المعهودة: هالكثر مشتاقين لي؟
رَدّت بيان وهي تُعانقه: واجد واجد "تساءَلت باهتمام طفولي" شنــوو اشتريت لي؟
ارْتَفعَ حاجباه ضاحِكًا قَبْلَ أن يُعَقّب: شووف العيارة.. تقول مشتاقة لي وهي همها الصوغة "أشار برأسه لمروة مُرْدِفًا" أول شي سلمي على خالو مروة وبعدين بقول لش شنو اشتريت
مالَ رَأسها بخجل على كتفه ويدها ترتفع إلى شَفتيها.. تَطَلّعت إليه بتردد وعيناه تَحثّها.. حَرّكت عدستيها لمروة التي تنتظر سَلامها ببسمة ناعمة.. أَرْخت طَرْفها لتهمس بصوت بالكاد سُمِعت كلماته: سَلام خالو مروة
ضَحكت وهي تُداعب خَدّها القطني: وعليكم السلام حبيبتي.. شلونش؟
أجابت وهي تغوص في حضن خالها: زيــنة "رَفعت عينيها إليه هامسة" شنو اشتريت؟
ادّعى التورط: أووه يعني ما نسيتين!
دَخلوا المنزل بترحيبٍ وسلام حار من غيداء التي قالت معترضة: عبد الله نزلهم.. ما يصير تحملهم اثنينهم مرة وحدة
شَدّهما إليه: خليــهم.. مشتاق لهم.. إن شاء الله السفرة الجاية باخذهم معاي وإنت قبلهم
ضَحكت: يصير خيــر
تقابلوا مع والديه ولَم يَفتها الارْتباك وهو مُحكم قَبضته على حواس بلقيس القَلِقة.. لَم تمنع نَفسها من ارْتداء نظرة سُخْرية بان أثرها مُباشرة على ملامحها الكريهة.. هي تعلم ما بها.. هي خائفة من أن تكون فَضحت سوئها عند عبد الله.. تعتقد أَنّها طوال الأسبوع الذي غابا فيه.. لَم تغفو لها عَيْن ولَم يَهْدأ لها بال.. هذا أقل مما تستحق.. أقل بكثيــر. جَلست معهم لدقائق معدودة كان الحديث فيها مُتركز حَوْل الرّحلة وأجوائها.. شاركتهم الحديث ببضع كلمات قصيرة قَبْلَ أن تستأذن من أجل الذهاب للأعلى. دَلفت لجناحهما المُنَظّف والمُرتّب بعناية.. رائحة البخور مُنتشرة بين الأرجاء بطريقةٍ أضفت على المكان حَميمية لها دفءٌ خاص.. قَصدت غرفة النوم تركت حقيبة يَدها.. هاتفها.. ساعتها وعَلّقت حجابها.. أخرجت لها ملابس نوم مريحة تَصد عن جسدها المُتعب نَسمات البرد.. استحمت وطال استحمامها إلا أَنّه حتى بعد انتهائها منه لَم يكن زوجها قَد عاد. اندمجت بتدليل بشرتها مُتّبعة خطوات روتين عنايتها المسائي.. حادثت شَقيقتيها.. وأثناء ما كانت تُحادث والدها دَخل عبد الله مُحَمّلًا بالحقائب.. تَركهم في غرفة الملابس قَبْلَ أن يَرْمي بجسده على السرير وهُو يَتأوه بتعب. أنهت المُكالمة لتقترب منه.. كان مُسْتَلقٍ بطريقة عَرْضية وساقاه لا تزالان على الأرض.. جَلَست عنده على رُكبتيها وهي تَتأمّل وَجْهه ببطء شَديد.. كَما لَو أَنّها تَخْشى أن تُفسد وَسامته بخطوات عَيْنيها الوالهة.. سَأشتاق لهذه الملامح.. سَأشتاق لمَنبع الطّيبة والسّماح.. حتى خطوط التعب المُحاصرة عَيْنيك المُغْمَضتين، والشّيب المُتطفل على شعر لحيتك الأسود.. كُل ذلك سَأشتاق إليه. تَحَرّكت يدها إلى شَعره.. مَرّرت أصابعها بين خصلاته الناعمة ثُمّ هَبطت إلى جبينه.. عَينيه وأهدابه الكثيفة.. أنفه ووجنته.. شَفتيه وذقنه.. عُنقه ونحره.. قَبْلَ أن تَسْتقر فَوْقَ قَلبه. أَزاحَ جِفْنيه فابْتَسَمت.. ابتسامة الموْت ذاتها.. لكن هذه المرة شَيْئًا آخر لَفت نَظره.. زُمُرّدتيها كان يَشوبهما ماءٌ آسن.. ماءٌ احْمَرّت منها مُقلتيها.. هي نَطَقت.. بَل نَطقَت رُوحها بأمرٍ من قَلْبها والعَين في العين: أَحبـــك
هُو الذي بَدأ يَجوس بين حَناياه التّوجس فَتح فَمه: مَـر
قاطعتهُ وإبْهامها يُطْبق على شَفتيه: أُشش "انْحَنت عليه.. مَسّ طرف أنفها خَدّه وهي تُكَرّر بصدقٍ تَمَلّك منها" أحبك.. أحبك عبد الله
قَبّلته وهُو اسْتَطعم في قُبلتها كلماتٍ مَكتومة.. كلماتٍ كَشيفرة سريّة تَرفض الإفصاح عنها.. وكأنّها تُخَبّئ أَسْفَل لسانها الخَطَر. ابْتَعدت عنه.. تَطَلّعت لشفتيه لثواني قَبْلَ أن تتجه لعينيه.. قَرَأ رَغبتها.. صَحيح هُو مُتعب من بعد السفر والطيران الطويل.. ولكن من المُسْتَحيل أن يُرجعها خائبة حتى ولو لَم تنطق بـ"أحبّك".. فكيف وهي نطقتها بكل تلك الرّقة العذبة واللذيذة؟ فعلى الرّحب والسعة حَبيبتي!



حاولَ أن يَتَصَوّر الحال الذي سَيلْقَاها عَلَيه.. أَن يَسْتنسخ حال والدته وجِنان ويُضاعف من سوئه.. أن يَبْقَر صَدرها في خياله مُنْتَزِعًا قَلْبها تارِكًا الرّوح تَتَعذّب.. بلا ضَمير.. ولا عَطْفٍ.. ولا شَفقة.. حاولَ وحاولَ ولكنّ خياله فَشَل في مُجاراة قُبْح حالها. كانت وببساطة.. مَـقـبـرة.. فَلاة تَقْتات على تُربتها جُثث نَتِنة.. كانت شَبَحًا مَكسور القَلْب مَذْبوح الرّوح. وَجْهها تَبَرّأ منهُ النّور فعاثَ فيه الظّلام.. كانَ أَحْمرًا.. أحمرًا باسْوداد.. عَيْناها غائِرتان والدّمعُ جُزءًا لا يَتجزأ منهما.. وشِفاهها انتحر يَنعها فَعرْبَد الذّبول.. كانت صَحراء بَلْقَعًا من ياسمين. وَقَفَ أمامها.. كالمُذْنِب.. كالقاتل السّفاح.. كالنّادم. وَقَفَ عاريًا من كلمات والعينُ منه تعتذر بصمت.. ولكن أَيُّ اعتذار؟ هل لذلك من نَفْع؟ أَحيانًا نحنُ لا نعتذر لا لأنّنا على حَق.. بل لأنّنا نَخافُ أن نعترف أَمام أنفسنا بأنّنا أخطأنا. والآن بَعد أَن اضطر أن يُجابه الخَوْف.. كَيْفَ سَيعتذر.. وبأي الكلمات سيَعتذر؟! فَتَحَ فَمه.. عاقبهُ الهواء فَفَرّ منه حَتّى جُفّ حَلْقه واختنق. ازْدَرَد ريقه.. عادَ وفَتَحَ فَمه.. هَمَسَ بفكٍّ يَهْتَزُّ ارْتباكًا: يــاسـميـ ـن
ارْتَفَعّت يَدها وبإصْبعها أَشارت إليه بالسّكوت وهي تَرْتجف من رَأسها حتى أخمص قَدميها.. رُوحها كانت تَرْتجف.. وصَوْتها أَيْضًا الذي خَرَجَ من قَلْبها نَبْضة باكية: اسكـ ـت.. لا تنطق باسمـ ـي.. مابي أسمع اسمي بصوتـ ـك
تَقَدّمَ خطوة فَصَرخت تَنهره: لا تــقـــرب.. كفاية.. كفاااايــة فيصــ ـل.. لا تقرب وتدمر اللي ما تدمر
هَمَسَ يَرْجوها: اسمعيــني
فَتَحت يَديها تَسْتفسر باسْتنكارٍ حـادٍ وعَنيف: أســمع شنو! شنــو فيصل؟ بتقول لي اصبري؟ بتقول لي بعدك مسجون في الماضي؟ شنو؟ شنو اللي بتقوله ولازم أسمعه؟ عذر جديد وجذبة جديدة؟ ولا تبيني أفهمك؟ "تَهَكّمت وسيول عَيْنيها تَرْسم على خَدّيها طُرق خسائرها" أفهم حبّـ ـك وعشقك لهـ ـا.. لجنان!.. فيصــل.. إنت ذَبحتني.. ذَبحتنــ ـي! ضَربت على صَدرك إنّك تصوني وفي النهاية شسويت؟ نَهبت من عُمري شهور وشوّهتها!.. ليش تركتني أحبّك؟ ليش دليتني لطريقك؟ ليـــش "مَسَحت وَجْهها بجلافة وهي تُكْمِل وبَصرها يَتعلّق بالشرود" ساعات أقعد أفكّر.. وأنا نايمة على يسارك.. ظهرك لي "وبغصّة مُحْرَجة" وأنا بكل غبــ ـاء.. متزينة لك.. أفكّر.. أقول أنا الغلطانة "ضَرَبت على صَدرها.. فَوْقَ قَلْبها.. تُعاتبه" أنا الغبية.. غَبية.. غبيـــــة.. أنا اللي سمحت لك تجرحني.. أنا اللي سلّمتك قلبي وشهدت عليك وإنت تذبحه!
دَنا منها فعَلا صَوْتها بجنون والاحمرار يلتهم ملامحها كما يَلتهم الدّم عُنق الضّحية: لا تقـــرب مــنــي.. ما أبيــك.. ما أبيك ترجعني لحياتك للمرة الثانية وبعدها ترفسني.. ما أبيك تعمي قلبي بكلمة.. لو بحضـ ـن بارد منك
مَسَحَ على وَجْهه وارْتعاشها الهيستيري تَخَطّى جَسدها حتى طالهُ ونَفَذَ إليه.. تَخَلّلت أصابعه خصلات شَعره وهو يَهمس بحيـرة لطالما كانت حاديه: ياسمين والله.. والله.. ما كان قصدي جرحش.. والله "رَفَعَ كَتفيه" بَــس
ارْتَفَعَ حاجبها: بَس شنو؟ اكتشفت إنّك ما تقدر تمثّل كرهك لها؟ تقبّلت خسارتك قدامها وخلاص وسيلة الانتقام اللي اسمها ياسمين ما صار لها داعي.. خل أرميها حالها حال أي شي بالي
أمَسكَ كَتفيها فَدَفَرت يَديه وهي تصرخ ببحّة مَجروحة: قــلــت لــك لا تـلـمـسـنـي.. لا تلمسنــي "دَفَعته مرة.. واثنتان.. وثلاث حتى اصطدم ظهره بالحائط من خلفه ولسانها يُرَدّد بأسَى مرير" الله لا يسامحــ ـك.. الله لا يسامحك على اللي سويته فيني.. وفي قلبــ ـي "سَألتهُ ومن صَدرها هَربت حَمائم الحُب تَنوح" شلون بنسـ ـى! شلون قلبي بينسى جرحك فيصـ ـل! والله.. والله مو قادرة أتحمّل وجعه.. أحسه يعاقبني.. يعاقبني لأنّي حبيـ ـتك! "حَرّكت رَأسها والعِتابُ يَجْلد ضَميره المشروخ" حرام عليــ ـك
أَغْمَضَ وَوسط حَلْقه تَحَجّرت عَبَرات.. وبهمسٍ يغص بالبحة: والله ما نويت جرحش.. والله
قابلتهُ بهمس آيس: وشنو يفيد؟ بينتهي وجعي؟ بترجع لي كرامتي؟
فَتَح عَيْنيه عندما سَمع ضِحكتها.. نَظَرَ إليها.. كان وَجْهها يُناقض الضحكة تمامًا.. كان مَكْتوبًا على جَبينها أنّ هُنا أَرْض الانكسار.. هَمَسَت ومن عَيْنها اليُسْرى هَبَطت دَمعة تَعزف مع كلماتها لَحْن مأساتِها: تدري إنّي متفشلة من نفسي؟ أنـا.. شفقانة على نفسي.. أتخيلني في زاوية.. وتحت رجولي أنوثتي اللي إنت دستها.. أتخيلني ومستحـ ــية أطالعني! متخيّل لأي درجة إنت ذبحتني؟!
أَطْبَقَ شَفَتيه وأَشاحَ عنها.. فَبأيِّ وَجْهٍ سَيَتسَوّل السّماح؟ في تلك اللحظة.. وهُو مُكَبَّلٌ بقيود عِتابها تَمنّى لو أَنّهُ يَعرف طَريقَ البُكاء ليبكي.. يَنحني عند قَدميها ويَبكي مُسْتَجديًا الغُفران.. هُو ظالم.. مُتَكَبِّر.. أناني.. وقاتِل. ذَبَح الياسمين وأَحالَ أَرْضَها يَبابًا. نادتهُ: فيصل
لَم يَلْتَفت فأعادت النّداء وأناملها قَبَضت على ذقنه بقوّة لتُدير وجهه إليها.. ثَبّتَت عَيْنيها في عَيْنيه فارْتَعَدَت دواخله من اهْتزاز الدّمع الأَشْبه برمحٍ مُسَنّن انطلقَ من مُقلتيها باتّجاه ضَميره.. هي هَمَسَت بنبرة حَوَت جُمودًا قاسٍ ما كان إلا نَتاجَ الأُنثى التي صَنعها باضطهاده: مـا راح أسامحك ليوم الديــــن

،

تَجلس فَتَهْتَز ساقها اهتزازًا يُنافس ذاك الذي تُباهي به السّماء.. الرّعد. أَمطار غَزيرة تُبَلّل الأرْضَ وتغسلها لتُطَهّرها من دَنس بني البَشر.. هَلّا تَرحمها وتأتي لتُصَب فَوْقَ رُوحها لتُطفئ النار المُستعرة داخلها! مُذَ خَرَج لَم يَعد.. لا تدري إلى أين ذَهب.. اتصلت بهِ أكثر من عَشر مرات.. أرسلت ثلاثون رسالة.. كَلّمت شَقيقها عَلي.. حادثت نُور.. جُود.. ولكن لا أحد يَعلم أين هُو.. فاهتدت أخيرًا إلى فكرة ذهابه إليها.. إلى ياسمين. لكن.. هل من المعقول أن يَقصدها بَعد الذي انفضح؟ ماذا سَيقول؟ وبأي وجه سَيُقابلها. هي.. كيف سَتستطيع أن تُواجهه دُون أن تقتله؟ ودون أن تَسْتَفرغ على ذاته العَرجاء غضَبها الجنوني؟ كَيْف؟! تَقِف.. فَتحرث الأرْض بقدميها القاطعتين غرفة النّوم ذهابًا وإيابًا. يَصطفق الباب من شَراسة الهواء فتَثِب رُوحها ظَنًّا منها بأنّه عاد.. لكن الصَمت المُهيب الذي يَعقب جَلجلة الرياح يُخَيّب آمالها. تَنَهّدت وهي تزفر بقلق وعيناها تَتفقدان الساعة المُعَلّقة.. الثالثة وثمانية عَشر دَقيقة صَباحًا.. يا إلهي.. أين هُو؟ أين أنتَ فيصل! إن كُنتَ معها أخبرني.. بمُكالمة أو برِسالة.. فالليلة ليلتي.. لا يُعقل أنّك سَتبيت عندها! دَعكت ذراعها حتى شَعرت بجلدها يحترق من احتكاك السترة الثقيلة به.. تَحرّكت باتّجاه النافذة وهي تَتأفف.. نَظَرت إلى السماء المَصبوغة بزُرقة مُرْمَدة.. طَردت من صَدرها تنهيدة انضمت مع باقي أخواتها المُتراكمين في زاوية الغرفة المُكتظة بالبؤس.. هَتَفَ السؤال من جديد بين جُدران رُوحها.. أين أنتَ فيصل؟ أخفضت بَصرها للأشجار المُتفاعلة بحماس مع سَهْرة السّماء وغيومها.. كما لَو أَنّها بأغصانها الطويلة وأوراقها الكثيفة تَتراقص بإغراء. حَرّكت عَدستيها بضيق.. وفي أثناء ابتعادهما عن لوحة الغيث المُتناقضة لَفتها شيء.. لا.. بَل لَفتها شَخص.. إنســان. شَهـقة حارقة ارْتَفعت منها عندما استوعبت أَنّه هُو.. هُو لا غيره.. فيصل. تَحَرّكت بخطوات واسعة ومتخبّطة إلى غرفة الملابس.. التقطت المظلّة سَريعًا وخَوفها بَدأ يُمطر على جَسدها عَرَقًا.. غادرت الشقة وهي تركض بلا حواس للأسفل وطُبول نَبَضاتها الهلعة قَد صَمّت أُذنيها. فتحت الباب لتُبصره وهُو جالس باستناد للباب الخارجي من الداخل.. خطت إليه بقدمين حافيتين وبروحٍ مَصْدومة.. جَلَسَت أمامه والرّعشة قَد استحكمت منها.. مَرّرت بَصرها المذهول عليه.. ساق مرفوعة والأخرى مُمتدة نصف امتداد.. خصلات شعره مُسْتَسلمة بذبول فوق جَبينه.. عَيْناه مُتَشَبّثتان بالخواء.. وكانت فيهما نَظْرة لها زَعيقٌ عَتيق.. بعُمر خَطيئته الأولى. ارْتفعت يَدها المُرتجفة إلى خدّه.. مَسّته بحذر إلا أَنّ برودته لَسعتها.. شَدّت عليه وصَوْتها الضائع بين عَرصات الخوف يُناديه: فـ ـ.. ـ فــيـ ـصل.. حَبيبي "مَسَحت على خَدّه تُحاول أن تَبث إليه دفء رَهيف والمظلة تَمنعان عنه هُجوم السُحب" فيصل قوم.. قُوم حبيبي "لَم يَنتبه ولَم تصدر منه نصف حركة.. لذلك نادته برجاء وهي تَضرب وجنته تُوَعّيه" فيــصل.. فيصل.. حَبيـــبي!
رَمَشَ.. تَصافقت أهداب العين النادمة.. رَفع عَدستيه إليها.. هَوَى قَلْبها من الذي أَبصرته.. فمن على شُرفة أهدابه رَأت كبريائه مُنتحرًا. تَعَثّرت أنفاسها من شهقة كَتمتها قِسْرًا.. وقَد تعاضدت سيوف الدّمع لوخز مُقلتيها.. ازْدردت ريقها وهي تُكَرّر ببحة: قـ ـوم فيصل.. خل ندخل عن المطر لا تمرض
هَمَسَ بصوتٍ مُكَفّن وعَدستاه تَتطلعان إليها بشعواءٍ وتيه: ما راح تسامحني!.. قالت لي.. ما راح أسامحك ليوم الدين
طَعنتها دمعة وفَرّت من عينها إلى خَدّها.. شَدّتهُ من ذراعه وجسده المُنهك مُباشرة استجاب إليها: خل نركب فيصل
أعادَ وكأنّ لسانه طَلّق كُل المعاجم مُكتفِيًا بجُملة واحدة: ما راح تسامحني.. ما راح تسامحني
وَقَفت وأوقفته معها.. أحاطت خصره بذراعها وهي تمشي معه ومن فوقهما المظلة تُجابه انهمار السماء.. خَطت معه للداخل وهمسه لَم ينقطع.. وصلا لشقتهما.. هي تبكي بصمت وهو يُرَدّد عنوان نهايته.. خَلّصت جسده من ملابسه المُثقلة بالمطر.. ساعدته على الاستحمام بماء دافئ ثُمّ دَثّرته بمَنامة ثَقيلة وجوَربين لقدميه المُتجَمّدتين، قَبَل أَن تَسْتلقي معه على السرير وتُوَسّده صَدرها. ساعتها وهو مُجَرّد من كيانه شَعرت وكأنّه طِفلٌ ضائع أَلقتهُ الدّنيا على باب جنانها. شَدّت عليه وهي تغمض وبُكاؤها الأبكم يَسْتمر في نحت الكَمد على ملامحها.. أما هُو فَقد خَبى صوته.. لكن كلماته لَم تخبو.. لا زالت تشتعل لتحرقه وتحرقها. مَضت الدقائق وهما على الحال نفسه.. إلى أن بَدأ جلدها الرقيق يَستشعر حرارة جَسده.. وحواسها المُضطربة استوعبت هذيانه.. جاءت لتُبعده عنه لتأتي بالدواء إليه.. لكنّه تَمَسّكَ بها دافِنًا وَجْهه في صَدرها ناطِقًا باستحالة السّماح؛ وكأنّها الأَرْض التي يُواري فيها سوء جُرْمه. لَحظتها بَكت.. بَكت وكان للبكاء صَوْتٌ أَزْعَجَ سمفونية السماء المُغازلة الأَرْض.. بَكتهُ وبَكت نفسها.. بَكت تَعَنّته.. وبَكت طَيْش مُراهقتها الأرْعن.



هَدَأت السّماء واسْتكانت السُّحب.. والقَمَرُ المُتَواري قَد انبلج ليَمنح العابرين ضَوء هُدى واطْمئنان. كان يَغرس آثار قَدميه على بساط الثلج الرّفيع المُمتد حَوْله ولِما بَعده. يَمشي بهدوء ويَده اليُمنى قابضة على المَظلة ليَجُرّها من خَلْفه راسِمًا خَطًّا مُتَعَرِّجًا. أما يُسْراه فكانت تَسكن جَيْب معطفه الثقيل.. يُقَلّب بها هاتفه الذي نَفذت بطاريته بَعْد نقاش طَويـل وثَقيل على النفس مع آستور.. فهو أخبرهُ بأن الرّئيس لا بُدّ أن يكون في النُزل.. فكما اتّضح من خلال جولاته بين المنازل وباقي مرافق البلدة الصغيرة؛ بإن جَميع المتواجدين فيهم بَشَرٌ مُعْدَمين.. لا حَوْلَ لهم ولا قوة.. يُحاربون من أجل كسرة خُبْزٍ يابسة وقَطْرة ماء نَجت من عاصفة تُهَدّد بتجميدها. آستور كان مُصِرًّا على أن الرئيس معه في النُزل.. وأنّهُ الآن أصبح مُتَيَقّن بعد أن كان يُراوده بعض الشك.. وإن كان المُستأجرين قَد غادروا.. فعليه أن يَلْحق بهم.. أن يَكتشف وجهتهم ويلحق بهم.. ليُنبّش بين عَرصات شِتاء برلين الشَرس عن بؤرة المصائب. تَوَقّف عند باب النُّزل.. رَفعَ رأسه يُدير عَيْنيه في الفضاء.. السماء زرقاء داكنة.. النّجوم قَليلة ولها ضَوءٌ فَقير.. أَما القَمر فكانَ مُكْتَمِلًا.. قرْصٌ فِضي يُراقب الأَرْضَ بصمت. أَخْفَضَ رَأسه ومن صَدره حَلّقت تنهيدة لها نَعيق غُراب يُنذر بالشؤم.. أَخرج يُساره من جَيْبه ثُمّ دَفَع الباب الخَشبي. تَقَدّمَ خطوتين ليتمكّن من إلقاء نَظْرة شاملة على المكان.. ظَلامٌ باهت يَبْتلعه.. ما عدا ضَوْءٌ أَصْفَر مُوْحِش يُسْقِط إنارته تَمامًا فَوْقَ منضدة الاستقبال الخاصة بالعجوز شيرمون. أَرْفَعَ التّعجب حاجبيه.. هل انتهت الحفلة! ابتسمَ بعد لحظات.. فهذا جَيّد.. حتى يكون لديه مُتّسع من الوقت لينام براحة وهدوء. تَقَدّم خُطْوتان مُناديًا بهمس: سيّد شيرمون.. ألا زلتَ هُنا؟
تَوَقّفَ عند المنضدة وهو يَتّكئ على سَطحها بساعده الأيمن، بَعد أن وَضع فوقها المظلة.. نَظَرَ لِما خَلْفها.. أوراق مُرَتّبة كَحُزَم فوق بعضها البعض.. دفتر لتسجيل المُسْتأجرين.. هاتف أرضي.. قَلم مع مِحْبرة.. كُوب قهوة مشروب أكثر من نصفه.. وأخيرًا نظّارته الكبيرة. عَقدَ حاجبيه.. فهو لا يستغني عنها أبدًا.. فكيف لهُ أَن يتركها هُنا ويَمضي وَسَط هذه العُتمة! رَفَع رأسه فَجأة وعيْناه تَحْتَدّان.. أَأصابه مَكْروه؟ فالسكون الغاص به المكان غَريب.. وغِيابه غَريب.. وإهماله لنظارته أغرب! تُــ.... .. صَوْت إغلاق الباب.. التَفَتَ بانتباه ليَتقابل مع العجوز شيرمون.. تَنَفّسَ الصّعداء قَبْلَ أن يَقول وهو يُحَرّك المظلة التي في يده: كُنت أريد أن أشكرك عليها.. لكنني لم أجدك.. ظَننت أَنّك لست بخير.. فلقد تركتَ نظارتك هُنا
عَقّبَ شيرمون الذي لا زال يُوْليه ظَهره بصوتٍ مُنخفض: لا أحتاجها
عُقْدة استنكار: كَيْفَ لا تحتاجها!
استدار إليه بعد أن أقفل الباب وحَشَرَ المفتاح في جيبه.. أَجاب بابْتسامة لها رائحة استطاع حَدس محمد أن يستنشقها: صَحيح أنا عَجوز.. ولكن عَيْناي صَحيحتان.. أستطيع أن أرى بوضوح وأُمَيّز ما أراه بسهولة
تَساءَلَ بشك: إذن لماذا تَرْتديها؟
خَطَى إليه ببطء وهُو يُزيح قُبعته عن رَأسه ويقول: لأنّها تتناسب مع الشخصية التي خَطّطت لتقمّصها "وبسخرية وثقة منقطعة النظير أضاف" ظَننتك أذكى من ذلك موهاميــد!
تَصَلّبَ عموده الفقري فاسْتقام في وقوفه وبصره يَرْشقه بنظراته البتّارة.. فالذي كان أمامه طوال الأيام الماضية.. يُعامله بود واحترام وتَبَسّم.. لَم يكن سوى السّبب الأوّل.. والرّأس الأكبر للعاصفة التي اقتلعت منهُ ذاته وأَهرمتها.. هُو بلائه.. هُو مَرضه ومنحدر المستحيل المُطِل على علاجه. قَبَضَ يَده والغَيْظ المُتَخَثّرة منهُ دمائه كان على نفسه.. هُو مُغتاظ من نفسه ومن خبرته التي اختارت أن تخذله عند نهاية الطريق.. لماذا لَم يَنتبه؟ لماذا الشّك لَم يُخامره تجاهه؟ لماذا أعرض عن احتمال سوء باطنه، وأن حُسْن النية لَم تكون سوى قِناعًا بالٍ؟ لمـــاذا! رَمَشَ بخفّة عندما قال شيرمون وهُو يُشير بعينيه إلى عُنقه المُختفي أسْفَل شاله: استطعت أن ألمح رَقمك عدّة مرات.. وأنت لَم تنتبه لنظراتي ولو لمرّة! هل هذا يعني أن آستور فَشِل؟ خَذله عَميله الذي يثق به أكثر من نفسه حتى!
رَدّ بصوته المُتَبنّي من الجَليد صَقيعه: لا.. بل يعني أَنّي أَحسنتُ الظن بك
مالت ابتسامته ورأسه يَتقدّم للأمام قليلًا ليقول بوجسٍ حاذق: من أولى قواعد عَملك.. ألا تثق بأي أحد.. حتى
ولو كان طِفلًا في مهاده.. لا تثق به.
ارْتَفَعَ حاجبه: وبماذا سيؤذيني هذا الطِفل؟
كان جَوابه فِعْلٌ استجابت لهُ حواس مُحَمّد ببراعة.. فهو رَفع ذراعه يُريد أن يَلْكمه بقبضته المُتجَعّدة.. لكن مُحَمّد اصطدَ بساعده للكمته.. وقَبْلَ أن يُخطّط لحركته التالية فاجَأهُ بضرباتٍ مُتتالية وسَريعة كالبرق.. بيديه وساقه.. كانت ضَربات مُقاتل مُحترف.. بالكاد استطاع مُحَمّد أن ينجو من بعضها.. فهو وبعد أقل من خمس دقائق سَقَط على بَطنه من ضَربة وَجّهها إلى فِكّه عن طريق قَدمه. ارْتمى في مكانه لثواني وأَنفاسه تُغادر صَدره بارْتعاشٍ وعشوائية أَرْهبت صَمت الفَجْر. بَسَطَ كَفّيه على الأرضية الخشبية وَرفع جسده.. أَلمٌ ينبض عند فِكّه.. نَظَرَ بغبش عَيْنيه المُتضاعف للدماء وهي تَتقاطر من فَمه.. استدار وهو لا زال جالسًا لشيرمون.. وَقَفَ.. ولكن الوقوف اختارَ أن يُطَلّقه.. أن يَبيعه بثَمنٍ بَخْسٍ للانحناء والرّضوخ الذليل.. فذاك هاجمهُ بركلاتٍ يَعتقد مُحَمّد أنّها كَسَرت عظامه وأَدمت جَوْفه.. كان يَشعر من شِدّة الوَجع وكأنّ فُوّهة تَتَوسّط بَطنه.. فُوّهة اجتمعت فيها الدّماء وتَجَلّطت. اسْتَقَرّ على رُكبتيه وَبَصقَ الدماء من فَمه.. يَسْعل ثُمّ يَبصق.. والذات تَتمنى لَو أَنّهُ يَبْصق رُوحه معها. قَدما شيرمون أمامه.. رَفعَ جِفْنيه وعدستاه تتسلقان الهواء لتصلان إلى الذي بين يَديه.. ابْتَسَمَ.. ابْتسامة وُلِدَت من رَحْم العذاب الذي شاخَ في نَفْسه.. فَهذا العذاب عُمْره أكبر من عُمرك يا شيرمون.. هذا العذاب جَمع عُمْر الغُربة.. الظُلم.. الوحدة.. والانسلاخ عن الذات.. هذا العذاب إن لَم تَذبحني سَوْفَ يُعَمّر.. سَيَتّخذ من رُوحي ملجأً.. سَيبني من حجرات القلب مَسْكنًا لجراحاته.. وسيَصنع من الأَنفاس عُكّازًا يُعينه على الاتّكاء فَوْق صَدري.. حَتى يَجيء المَوْت. هَمَسَ وفي عَيْنيه امْتَدّ البَحْرُ ليَسْبَح غُروبه.. غُروب مُحَمّد: افعلها.. أطْلِق الرصاصة.. أَطْلقها.. سَتتخلص أنتَ مني.. وسَأتخلص أنا من ذاتي
ارْتَجت حنجرته ليكشف عن ضحكة جَهورة وغليظة.. قَبْلَ أن يُعَقِّب بذات الهمس وهو يُرْسل لهُ نَظْرة تعاضد فيها المَكْر مع الاستمتاع: ليس بهذه السهولة
أَنهى جُمْلته ليَتبعها برصاصة فَرّت من السلاح لتستقر في كَتِف مُحَمّد الأيَسر.. مالَ جسده بخفّة والقوّة تنسل منهُ بإرادته.. نعم بإرادته.. فالاستسلام صُبّ عليه صَبًّا حتى أغرقه.. وكأن السماء كانت تُمْطِر عليه هَزائمه. أَمْسَك كَتفه.. خَضّبَ يده بدمائه.. رَفعها ونَظر إلى باطنها.. شهادة وفاته كُتِبَت على خُطوطها.. إنها النهاية مُحَمّد.. فالطلقة التالية قَد تَنفذ إلى قلبك.. وبعدها سيكون الخلاص. تَحَرّكَ شيرمون.. تابعَ مُحَمّد خطواته دُون أن يَتَحرّك.. ملامحه مُقفرة من كُل شيء.. لا مَشاعر.. لا تصدعات ألم.. لا خطوط ذكريات.. ولا حَياة.. فهو كان يَتهيأ لاستقبال المَوْت. شيرمون تَجاوز المنضدة.. سَمع مُحَمّد صوت انفتاح أحد الأدراج قَبْلَ أن يعود ليقف أمامه.. تَطَلّع للذي في يده.. شيء مُستطيل الشكل.. كالجهاز اللوحي.. قالَ وهو يُقَلّبه أمام وجهه: كم الوقت الذي تحتاجه؟ هــا؟ أو أنّني أختار بنفسي؟ "لَم يأته جواب من محّمد فأردفَ" حسنًا.. سأختار سَبعة.. كالرقم الموشوم على عُنقك.. سَبع دقائق لانتظار الموت.. مُمتاز جدًا "ارْتَفعت زاوية شَفتيه بابْتسامة وهو يَسْتطرد" أعتقد أنّك مُتحمّس لفنائك.. لَم أتلقى منك أي مُقاومة! أنت حتى لَم تُحاول الهرب عندما ابتعدت عنك للمنضدة "مالَ رأسه وهو يَرْفع السلاح" أو أنّك خَشيت أن أطلق على رأسك قَبْلَ أن تنفذ بجلدك؟
تجاهله مُحَمّد وملامحه تستحيل إلى بياضٍ ما هُو إلا كَفَنٌ غَزَلهُ له جِلده.. ليُعينه على رحلته الأخيرة. شيرمون لَم يعجبه هذا الصمت المطبق.. لَم يُرْضِ شخصيته التنافسية استسلام محمد.. لذلك تَحَرّكَ للقَوس.. ثَبّت على أَحد عَموديه الجهاز.. ثُمّ عادَ لمحمّد السابح في التّبلد.. قَبَضَ على ذراعيه وسَحب جَسده حتى ضَرَب جانب رأسه بالعمود.. ثُمّ أخرج من جيبه قَيْد في ثواني أحاط رسغي مُحَمّد اللذان سُجنا حَوْل العمود.. العمود الذي ثُبّت عليه الجاهز الذي لَم يَكن سوى قُنبلة موقوتة. انحنى ليهمس لمحمد بفحيحٍ لهُ رائحة شراب نتنة.. ومن عَيْنيه كان الجُنون فاغِرًا فاهه: ها هي السبع دقائق تلتمع وَسَط الشاشة.. بلمسة من إصْبعي سَيبدأ العد التنازلي.. وبعدها لَن يَعد لك وجود
هَمَسَ ببرود والغَبَشُ قَد استوى عَمى: شُكــرًا لـك
لَكمة أخيرة كانت من نصيب أنفه الذي هو الآخر نَزف.. تَراجع للخلف خطوة وبصره يدور على المشهد الأخير.. رَجُلٌ عَربي غَريب مُقَيّد بعمودٍ ثُبّتت فوقه نهايته.. لا خَوْف.. لا ربكة.. لا قطرة عَرَق.. ولا حتى آه ألم.. كَيْفَ له ألا يَتألم وهُو يَنزف بأكمله! بظاهره وبباطنه.. بروحه وبقلبه.. وبذاته.. كَيـف! اسْتقام وهو يهمس بكلماتٍ أخيرة مُبَطّنة: لَو كنتَ خَصْمًا شُجاعًا للموت لأنهيتُ عذابكَ برحمة.. لكنّك صافحت الخسارة بسهولة ومن غير أي مقاومة! "ضَغطَ على زِر البداية وهُو يُرْدِف" لذلك أنت تستحق هذه النهاية
أنهى مُهِمّته ثُمّ غادرَ مُقفِلًا الباب من خلفه.. أقفلهُ تارِكًا مُحَمّدًا بقيده وحيدًا.. يُنازع المَوْت بلا أهلٍ ولا سَنَد.. مُنْطَوٍ على نفسه يُراقِب مُرور الذكريات السريع أمام عَيْنيه.. والثواني تَطْرق بابَ كِفاحه من فَوْقه. الثواني تتقلص.. ها هُو يُوَدّع عائلته وعلى ظَهره الأحلام وبين ملامحه الحَماس.. ست دقائق ونصف.. الشمس تكره برلين في الشتاء.. فهي تصنع من السحب خِمارًا يَستر عنها تناقض هذه المدينة.. ست دقائق.. اليوم الدراسي الأول.. رائحة الكُتب الجديدة.. جدوله لهذا الفصل.. أساتذته.. المكتبة.. هاينز وانفصاله الروحي عن والده.. إطلاق نار.. متجر وسَطو.. استجواب.. لحظة التعرف على الوحدة المُمتزجة بالخَوف.. برد بَرْلين.. خمس دقائق وخمسون ثانية.. إطلاق آخر.. مُطاردة.. رُعْبٌ يُشَوّه صَدر ذلك الشاب الصغير المأهول بالأحلام.. اختطاف.. انتهاك ذات.. صَدر الأحلام أمسى سجنٌ لأشياءٍ لا تُقال.. خمس دقائق.. تدريب.. تدريب.. سلاح.. تدريب.. ديمتري موريس.. تدريب.. سَفرٌ لروسيا.. الصَدر صَيّرتهُ السنين قَبْرًا دُفنت فيه أضلاعه المُهشمة.. القَلب أعلن هَزيمته.. الرّوح أشاحت عنه.. تدريب.. شهادة جامعية مزورة.. بُعْد.. غياب.. اشتياق.. دارٌ بلا أحباب.. غَريب.. ثلاثون عامًا من العُمر.. أربع دقائق وثوانيها.. عودة واستقبالَ فاقَ في بروده زمهرير بَرْلين.. مُحاولة انسحاب.. تردد.. ضَياع.. ثُمّ... نَفَسٌ عَميــــق.... ثُمّ.. نَجــــاة. ارْتَعدت فرائصه من شَهقة الحياة التي عَبرته وهي مُحَمّلة بجُل حطامه.. هذه الشهقة.. هذا النفس العَميق.. هذه النجاة.. جَميعهم هي.. هــي. أَشْرَقَ من بين غَبشه وَجْهها المُتسَربل بالنعومة.. احْتَضنت وحدته بوطن عَيْنيها.. وطَبْطَبت على جراحه بابْتسامتها.. أخبرتهُ بصمت.. أَرْسَلت لهُ النبضات كلمات.. سَمعها بقلبه: أنا في انتظارك مُحمـد.



السّتائر البيضاء تَتمايل بنعومة على إثر مُداعبة نَسائم الصّباح إليها.. السُّحب أخذت تَتَبَدّد تَبجيلًا للشّمس التي سارعت لتُهدي الأَرْضَ دِفئًا بَعد ليلٍ من المَطَرِ والبَلل. الهدوء يَعُم الأَرجاء.. في الخارج والداخل.. هُو أَيقظهُ هذا الهدوء الذي بَدا غَريبًا عَليه. فَتَحَ عَيْنيه لتضيقان من الشُعاع القَوي المُخترق النافذة.. تَثاءَب وهُو يَدْعك اليُمنى منهما برسغه.. التَفتَ يَمينًا ليَتفقد زَوجته لكنّها لَم تَكن هُناك.. عَقَدَ حاجبيه مُلْتَقِطًا هاتفه ليستعلم الوقت.. العاشرة ودقيقتين.. تُرى مُنذ متى وهي مُستيقظة؟ أو أَنّها دَلفت لدورة المياه؟ جَلَس وبيده أبعد الغطاء عنه.. وَقَف وبوقوفه مَرّ كالومضة بين أوصالهِ شُعور.. رَفع كَفّه لجبينه.. مَسّه بخفّة وحواسه تُحاول أن تستوعب.. يَعتقد أَنّ شَفتيها طَبعتا على جَبينه قُبْلة أَثناء نومه! أو أَنّهُ يَتوهّم؟ تَحَرّكَ لدورة المياه.. طَرَقَ الباب وهُو يُناديها: مروة؟ "لَم يَأتِه رَد فأعاد الطرق والنداء" مروة؟ إنتِ داخل؟
انتبه للمصابيح المغلقة.. لذلك فتح الباب ليَلقاها خالية.. دَعك صِدغه.. رُبما هي في غرفة الجلوس أو حتى في الأسفل. دَخلَ ليُغَسّل وجهه ويُفَرّش أسْنانه قَبْلَ أن يَخرج باتّجاه غرفة الجلوس التي كانت فارغة أيضًا. بحثَ عنها في المطبخ.. في دورة المياه.. في المجلس والغرفة الثانية.. لكن لَم يَعثر عليها. استنتج أَنّها نَزلت لتتناول طعام الإفطار مع عائلته. لذلك قَرّرَ ان يُبْدِل ملابسه ليَنضم إليهم. قَصَد غُرفة الملابس.. جَرّ باب خزانته.. وأثناء ما كان يَتَخَيّر إليه لِباس لَفتَ نَظره شيء غَريب في خزانتها المفتوح نصف بابها.. ضَيّق عَينيه وعُقْدة خَفيفة تَوَسّطَت حاجبيه.. اقتربَ منها.. فَتحها بالكامل ليصْطدم بخلوّها.. اتّجه للخزانة الأخرى.. أرفف حقائبها وأحذيتها.. عباءاتها ومعاطفها.. لا شيء لا شيء.. استدار لحقائب سَفرهما ليتعثّر بَصره بحقيبته وحيدة في الزاوية. خَرَجَ إلى غرفة النوم وقَلْبه قَد شُلّت نَبضاته حتى ظَنّ أَنّها تَوَقّفت.. مَرّر عَدستيه على سَطح منضدة المرآة.. قوارير عطورها اختفت.. فرشاة شعرها غائبة هي الأخرى.. مستحضرات العناية بالبشرة.. مجوهراتها اليومية.. فَتّشَ الأدراج.. مساحيق التجميل.. ساعاتها وحاجياتها الخاصة.. كُلّها تَبَخّرت.. كَما لو أنّ عاصفة الفَجْر انتزعت كُل ما يعنيها لتُلقي بهِ إلى حَيْثُ لا يعلم. غادر إلى غرفة الجلوس من جَديد وهُو يُناديها.. يَصرخ بحنجرته التي لَم تزل تَلْتَحف ببحّة النوم.. خَرج وقدماه تَحملان جَسده المُجاهد رَجفة الهَلع.. لا يُريد أن يهلع.. لا يُريد أن يُعِدّ للخَوْفِ مُتّكأً داخله.. وَصَلَ للطابق الأرْضي مُناديًا بعلو: مـــروة... مـــروة... مـــروة

: بسم الله.. عبد الله شفيك تصارخ!

التَفَتَ لوالدته وهُو مُتَصَلِّبٌ وَسَط الصالة الواسعة.. سَألها بِوَجْهٍ مُعْدَمِ الملامح: وين.. ويـن مروة؟ شفتينها؟
أَجابته بعقدة خَفيفة: لا.. ما شفتها!
اقتربت منهُ غيداء التي غادرت مَرسْمها بعد أن أرهبها صراخه.. وبسؤال: ليش هي مو في المستشفى؟
ازْدَرد ريقه وهُو يُحاول ألا يُنصت لوساوس قَلْبه.. حَرّكَ رأسه بالنفي: لا.. اليوم هي إجازة.. باجر بتداوم.. أنا بس اللي عندي دوام الظهر
غيداء بتفكير: يمكن راحت بيت أبوها
ارْتَفَعَ حاجب بلقيس وبحدّة: وليش إن شاء الله تروح من غير ما تعطيه خبر! يرضيها يعني يقعد من نومته ما يدري وينها ويحاتيها
هَمَسَ: لا "عَلا صوته" لا لا.. أغراضها "كَرّرَ ومن بين ضِلْعيه الباقي فيهما أثر كَسْرٍ مَنسي؛ بدأت تشخب أنفاسه الضعيفة" أغراضهــا.. ما في شي.. مــا فــي شــي!
استدارَ يركض للأعلى وهَو يَشْعر بالدّنيا تَسْتَحيل إلى دَوّامة رَمادية تُديره باسْتهتار ثُم تُطْرحه فَوقَ أَرْضٍ لطالما احْتَرفت الطّعن من الخَلف.. بَعدما كانت تَتَسَرْبَل من أجْله بجِنّة من الحُب المُزَيّف. عادَ إلى جَناحهما.. الْتَقَطَ هاتفه المُلقى على السرير.. ضَغطَ أرقامها بأصابع غَزتها الرجفة التي انتصرت عليه.. رَفعهُ لأذنه يَنتظر الرّنين.. لكن الذي ولَج إلى مَسْمعيه لَم يكن سوى صَوْتًا كَئيبًا يُعلمه بأن الهاتف مُغلق.. كالسُّبل إليها. أعادَ الاتصال.. مرتين وثلاث وعَشَر.. مُغلق.. مُغلق.. ومُغلق. انحسرت أصابعه عن الهاتف.. وَهنت حواسه وأعصابه تَهَدّلت باستسلام.. ارْتَفع صَوْت مَكْتوم كان نَتاج سقوط الهاتف على الأَرْضية الخشبية. دارَ حَوْلَ نَفسه وفي جَوْفه رُوحه تَدور بين ظُلمات بَحْرٍ يُهَدّده بالغَرق.. يدور ولحظات البارحة تَصفعه من جَميع الجهات.. ابتسامة المَوْت التي كَفّنت شَفتيها.. النَظرة المأهولة بشعبٍ من الدّموع.. القُبلة المُدَجّجة بالأسرار.. نَهْر أحبّك العَذب.. وأخيرًا.. امتزاجهما الحَميمي الشاهدة عليه السّماء وغَيثها. كُل ذلك.. كُــل ذلــك.. كان.. كــان وداع! تَوَقّفَ فَجْأة.. صَدره يَرتفع ويهبط بصورة سَريعة ومُخيفة.. كما لَو أَنّ ما في جَوْفه سَينفجر.. رُوحه وفؤاده المُتضخم. غَثيان يُحاصره.. يحموم كان يَجثم فوق أضلاعه.. ولَوْعة الضياع تَشدّه ذات اليمين وذات الشمال.. مالَ جَسده حتى سَقطَ على جنبه الأيسر فوق السرير.. ارتعشت أنفاسه وعدستاه تَقَلقلان وَسط البياض المُحْمَر بتيه؛ تَبحثان عن البؤرة التي وُلِدَ منها هذا الكابوس.. عن الثُقْب الأسود المُنتصف جِدار الماضي. شَدّ بيده على قَميصه عند قَلْبه ومن جَواه دَوى أنينٌ تَقشعر منهُ الأبْدان.. لا يُريد أَن يُصَدّق.. لا يُريد أن يَمُد يَديه للموت مُجدّدًا.. لا يُريد لروحه أن تُجلَد بسوط الخيْبة.. لا يُريد أن يُدْفَن جاهِلًا أسباب اغتياله.. لكن، هذه المرة كانت الدّنيا أكثر حَنانًا عليه.. فهي قَرّرت أن تُهديه الجواب بعد أن غَلّفته بأشواكٍ سامّة.. انتبه للطرف البارز أسفل وسادتها.. اعتدلَ وهو يَسْعل ويُحارب بوّابة الأنفاس المُصرة على الانغلاق.. رَفع الوسادة سامِحًا لنفسه بأن يُقابل الماضي وَجْهًا لوجه.. فَمروة قَد تَركت من خَلْفها مُذَكّرات والدتها وهي مُشَرّعة.. تَحْديدًا على صفحة الذكرى ذات الأبطال الثلاثة.. طَلال.. نُور.. وبَلقيــــس.



طَرْقٌ على الباب.. قَدمان حافِيتان تُهرولان بتعثّرٍ ملَهوف.. وَجَوْفٌ بجناحين أبْيَضين حَلّقَ لاستقبال قَلْبه. أَمْسَكت بالمقبض وقَبْلَ أن تَفتحه استوقفتها كلماته "لا تفتحين لأي أحد الباب.. بس هاينز أو آستور.. وطبعًا اتأكدي إنهم هم قبل لا تفتحين".. لذلك سَألت بهمسٍ مُرتبك بالإنجليزية: مَن؟
انهارت توقعاتها عندما أجابها: إنّهُ أنا.. هاينز
تَنَهّدت وهي تكتم غَصّة الخَيبة.. قالت بخفوت: دقيقة واحدة
ذهبت للغرفة وارتدت معطفها الطويل وحجابها.. عادت وفتحت الباب ليُقابلها ظَهره.. نطقت بهدوء بَعدَ أن رَسمت ابتسامة باهتة: مرحبًا هاينز
لَم يَسْتدر إليها ولَم يَرُد التّحية.. عَقَدت حاجبيها مُستغربة.. رُبما هُو شارد ولم يَسمعها.. فَتحت فَمها لتُنَبّهه لكنّه اسْتدار إليها قَبْلَ ذلك.. اسْتدارَ ليُأجّج في نَفْسِها فَزَعًا.. فَقد انطوت بين ملامحه أخبار كانت تَرْفع عَلمَ السوء.. سَألتهُ بتوجّس وهي تتقدّم إليه: ماذا هُناك؟
أَرْخى جِفْنيه كاشِفًا عن تنهيدة بَعثرت كالريح أفكارها.. بحدّة وهي تَسْتل كلماتٍ مُرْتعشة من بين أسْنانها: تـكـلـم هاينز.. ماذا هناك؟ هل أُصيب محمد بسوء؟
مَسَح على جانب وجهه قَبْلَ أن يَحشر كَفّيه في جَيبي معطفه وكأنّهُ يُخَبّئ ألغام أجوبته. لذلك صَرخت في وجهه مُتجاهلة المكان والزمان.. ورَجفة عَظيمة قَد صُبّت عليها من رأسها حتى أخمص قَدميها: أجــبـــنــي هــايــنــز.. أجـــبني!
مَرّر لسانه على شَفتيه يَسْتعد لإطلاق رَصاصته.. وهي جَمّدت كُل ما فيها مُسْتَعِدّة لاستقبالها.. رَفعَ عَينيه ونَبَضاتها أخذت تتصادم بجنون بين حجرات قلبها المُتهالكة.. فَتَحَ فوّهة المدفع ليهمس بصوتٍ بارد.. مُتَبَلّد.. وكأنّه يَسرد عليها نشرة أخبار التاسعة: انفجر النُزل الذي يقيم فيه محمد بفعل قنبلة.. أثناء ما كان محمد داخله.. ولَم تعثر الشرطة سوى على أشلاء لجثة مُتفحّمة.. صاحبها كان مُكَبّل اليدين.. مثلما كان مُحَمّد تمامًا



انتهى

Msamo likes this.

simpleness! غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم يوم أمس, 07:11 AM   #540

missliilam

? العضوٌ?ھہ » 420678
?  التسِجيلٌ » Mar 2018
? مشَارَ?اتْي » 158
?  نُقآطِيْ » missliilam has a reputation beyond reputemissliilam has a reputation beyond reputemissliilam has a reputation beyond reputemissliilam has a reputation beyond reputemissliilam has a reputation beyond reputemissliilam has a reputation beyond reputemissliilam has a reputation beyond reputemissliilam has a reputation beyond reputemissliilam has a reputation beyond reputemissliilam has a reputation beyond reputemissliilam has a reputation beyond repute
افتراضي

السلااااااام عليكم وبركاااته يااااقمااااعة الربع 😂❤❤ سلمنا ودخلنا على بركة الله .. عدانا العيب صح؟ دلوقتي نشخط في المفيييييييد 😭😭😭😭😭😭 موووووهااااااااامييييييييد لا لا لا لاااااااااااااااااا مش ممكن مش ممكن أبدااااااا الهي يكون المتفحم ده هو شيرطاااااان قال شيرماان قاااال ده حتى ابلة الانجليزي قالت انه كلمة share قبل الاسم ومن دون with تبقى بمعنى القطع معناها بشوية تحليل الفبائي نفسي منطقي لاسم المدعوق دي يبقى shareman يعني الرجل المُقطع بالتعويض في ف يبقى يساوي الأشلااااااااء المتنااااثرة ولمناسبة الأحداث يبقى المتفحمة كمااان😭😭😭😭😭😫😫😫 يااااااا ربي يااا رب يكون آستووور متجر السواهي والدواهي كان هناك وقبض على رجل الفحم المتقطع ورماه مطرح موووهاميييد وانقذ موووهاميد اللي يبغاله بووووكس على نااافووووخه😡😡😭😭😫😫😫 سنبلتشييييي يا سنبلة پاااااااالللللييييييز پالييييز ملوكتشي مش ناااقصة والله 😭😭

حووووور ربي يفرحنا برؤية أشلاء سليييطين المتفحمة عااااجلاً غير آااااااجل😈😈😡😡😡😭

مررررووووووة ياااا فتااااة المرو وين أراااضيك يااااا بت 😭😭😭 ما تفرحيش يا سارقة الزمرد ده مش عشانك والله ده عشان أقدر أحصلك وأشرب من دمككككك 😡😡😡😤😤😤 عبوووود يااااا عبووود ربنا معااااااك يا ابني والله يستر على نور والقطو العووود بلبيييييس قولي آمين عقبال أشلاااائك يا بعيييييييدة😭😭😫😫

نجي للطاااامة السمّية اللي اسمها ياسميييييين😡😡😡 هو عادي لو قلت : والله والله والله لم ولن أتعااااطف معها 😤😤😤 بالعكس والله وسوري على اللي حقوله اول حاجة جات في بالي وانا أقرأ صراخها على مخروب العشة فصيل فاقد العقل والبصيرة هي البجااااحة 😾😾😾 يا اخوااااتي بجحة بجااااحة ما شفتها ولا صارت ولا استوت 😡😡😡 نجي للجد بئى ابداع سنبلة يا ما شاء الله لا غبار عليه والله بس عشانها ياسمين غراب البين ما قدرت اتعاطف معاها والله اضطررت اني اتخيل انها واحدة مسكينة ما تدري عن شيء وأخذها فصيل على عماها عشان اضطر أحس شوية بموضوع الظلم ده 😤😤 طب والله لو انه عملها واخذ واحدة مسكينة لا لها ولا عليها كان مو بعيدة اني جهزت لها الساطور تدبحه وعليّ أكياس البلاستيك إنما يااااسمين فلاااااا وألف لااااااا من جدها ذي عايشة دور المظلومة وانها قال يعني مستحملة وصابرة ميله القلبي لجنان ياااا شيخة روحي اعملي الحركات دي بعيد ااااهي ده احنا دافنينه سوى اااااااا 😤😤😤😤 بس على إنه حزني فصيل بس يستااااااااهل مين قال له يتزوجهااااااا 😡😡😡 عاد ياسمين والله ما تنبلع موووو ليه طب والله مروة ايش حلاتها جنبها .. بت يا مروة اتجنبيني يا بت فأنا ما زلت متعصبة😤😤😤

جناااان انت حقانية بس الصراحة نرفزتيني شوية والله هو انا عجبني وفاؤه وهذا يدل انه يحبك أكثر مما تحبيه بس والله نفسي أحطه مكان موووهاااميد على زوجه الخايب من ياسمين الهايفة اللي عايشة دور الدراما كوين والله عاد يا فصيل ما لقيت كبريائك ينكسر إلا على ذي 🤦🏻‍♀🤦🏻‍♀🤦🏻‍♀ الله المستعان بس هي حشرت نفسها بينكم وتستاهل ما يجرى لها الله يهديها ويهدينا والله مو شماتة بس هذا الحق يعني هي إيش كانت متوقعة بالله أصلاً فصيل ذا يبغاله يتكوي بسكين ذايب على جنابه يوم فكر يآخذها خو مو بس قالك أخذ ذنبها لا هو أخذ ذنبنا اللي عرضنا لغثاها وكمان ذنب تعصيب طنط ليلى وتزعيل نصوووري يا نصوووري مين قده نصووري وتفجيع جنى وذنب سب جنان للدهر 🤦🏻‍♀🤦🏻‍♀🤦🏻‍♀ استغفر الله بس والله يا فصييييييل اللي مانعني عن تصفية دمك هو انك الامتداد الوحيد لنصووووري حسبي الله على إبلييييسك 😤😤😤😫😫😫😫

مشاااااعري متلخبططططة وياااااسميييين قااااهرتني سنبلة بالله طلقيها من فصيل وزوجيها واااااحد يحبها أعوذ بالله من شرها من يوم ما قريت جزئيتها وانا متعكننة وخايفة انها تعملي فيها المنتقمة الحقود وتغرز معانا أكثر استغفر الله بس ولا الثاني متفشفش الكبرياء يعملي فيها روميو أبو عوض بتشجيع من حيزبون الحقانية جنااانو اللي باينها اتجننت بدري يااااا اخواااااتي😤😤😫😡😡😡 شكلي حأستأجر أحد يغتال فصيل وأفتك 😤😤😫 والا أقولك ابلغ عليه انه اللي قتل عمار واهو عزيزان حيتولى الباقي ويكسره ويتكسر معاه وبعدين بيان وعبود يزوروه وعبود بنية معاهم في نبطشية إشراف مباشر واهو تتكعبل بعبايتها وتطيح على نافوخها وتفقد ذاكرتها ناحيته وهو يفقد عقدته مع تكسره سابق الذكر ونزفهم على معلاية ولا ايتها حاجة ان شاء الله خبط الملاعق على قدور المجبووووس بس يتورطوا في بعضضضض😫😫😤😤

مووووهااااميييييد ليته في شيطان ياسمييين يااا شيخ😫😫😫 شوفتوااا والله طيبة لآخر لحظة بأحاول أمسك نفسي وما أظلمها رغم كل عدم الاحتمال لها ولشخصها بس الرحمة حلوة والله ان شاء الله ترحمنا من ذكرها ووجودها عالي الزنخ من هنا وراااايح😤😤😫😫 والله سوووري يا معشر المتزوجااات بس هي اللي ظلمت نفسها وآذت غييييرها قبل ما ان كان ظلمها فصيييل وكله كوم وهي حزينة على أنوووثتها هذه الأنوثة الله يهديك انت استخدمتيها في معصية الله ومحاولة التأثير على رجل متزوج وليس لك ووصلت له بعد هبله وثوارته بها ولم تتوبي فكان لابد للجزاء ان يكون من جنس العمل 😫😫 والله مو شماتة بس كشف للحقائق وتوعية بالشخط متعبقة 😤😤 الله يغفر لنا ويعفو عنا جميعاً كلنا خطائون وخير الخطائين التوابين او التوابون 😫😫😫 نسييييت والله كله منك يا حشرية المقام في السلام والختام 😫😫 ربنا يبعدك ويسعدك بعيييد عننا يا شيخة نفسي أبخك بغااااز بس مش عاااارفة😫😫 تجي ادهن لك شعرك يا بت واهو نعمل نيو لوك يزهزه أنوثتك اللي فالقانا بيها دي ..ياااااا اختيييييييي😫😫😫😫😫

سنبلة 😭😭😭😭 أحبك بقدرما ياااااسمييين ثقييييلة على قلبي وأكثر والله .. والمقصد يدل دربه يااا جميل 😂😂 وأكيد إنك عرفتي انه مقدار المحبة لا محدوووود طبعاً يا ما شاء الله 😂😂😂❤❤❤سوووري على الانقطاع والله كنت محاصرة بالبحث وحالياً عندي اختبااار وسحبت على المذاكرة عشااان الروعة دي يا ما شاء الله ربي يحفظك ويوفقنا وإياك لكل ما يحب ويرضى❤❤❤ حتى انت يا ياسمين بس أعيد وأكرر بعييييييييد عنناااااااااا😤😤😤😤 وسللااااااامتكم من كل ياااااسمين اااقصدي من كل شر 😈😂❤


missliilam غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة

الانتقال السريع


الساعة الآن 04:09 AM



Powered by vBulletin® Version 3.8.9
Copyright ©2000 - 2019, vBulletin Solutions, Inc.