شبكة روايتي الثقافية

شبكة روايتي الثقافية (https://www.rewity.com/forum/index.php)
-   منتدى الروايات والقصص المنقولة (https://www.rewity.com/forum/f16/)
-   -   ذَّات مُقَيَّدة حَوْل عُنِقِ امْرأة/ للكاتبة simpleness! "مميزة" (https://www.rewity.com/forum/t325975.html)

لامارا 25-07-15 02:07 PM

ذَّات مُقَيَّدة حَوْل عُنِقِ امْرأة/ للكاتبة simpleness! "مميزة"
 


https://upload.rewity.com/upfiles/DdD37272.gif



https://upload.rewity.com/upfiles/RZx88645.png

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

نقدم لكم رواية منقولة
ذَّات مُقَيَّدة حَوْل عُنِقِ امْرأة
للكاتبة simpleness!



https://upload.rewity.com/upfiles/hVs76878.png

قراءة ممتعة لكم جميعاً.....


لامارا 25-07-15 02:07 PM




بسم الله الرحمن الرحيم
السلامُ عليّكم ورحمة الله و بركاته

بدايةً،رُبما الذي سأكتبه لا يهمكم،و لكن أحتاج أن أُدرج هذا الحديث مع الرواية
لا أدري في أي ترتيب تُصنف هذه الرواية،هل هي العاشرة أم الخامسة عشر ؟!
كُنت أكتب ثم أفرغ كتاباتي في سلة مُهملات حاسوبي المسكين الذي في النهاية أنهى خدمته مُحتفظاً بكتابات للأسف لا أملك نسخة منها،ولا أتذكر منها حرف !
و كأنه يُعاقبني على عدم ثقتي بحروفي وعدم تقديري لها..

لذلك قررت أن أنشر هذه الرواية لكي لا تلقى مصير أخواتها،و لسبب ما سيرون أبطال هذه الرواية النور من بين كُل أبطالي السابقين..

لستُ مُحترفة ولا أقتبس أسلوب غيري من الكُتاب، بل لا أُصنف نفسي كاتبة،فأنا هاوية فقط... أكتُب لأستشعر تلك اللذة الخاصة..

*فللكتابة رجفة لا تُصيب إلا عاشقيها !

قد أستعين بالخيال في رواتي وهذا لا بُد منه،و أتمنى أن لا أُسهب في خيالي..هي رواية واقعية يتخللها خيال اضطراري ليربط أحداثها ويُقنع القارئ..

سأبدا اليوم بأول أجزائها،راجية من الله أن يُعينني لإنهائها دون أي عقبة..

أنتظر رأيكم وانتقاداتكم،و أرجو أن لا يأتي الحُكم سريعاً..


~أسبِروا أغوارَ أبطالي


.

بسم الله توكلتُ على الله

.
.


،

لامارا 25-07-15 02:09 PM

.
.


،
أريحيني على صدرك
لأني مُتعب مثلك
دعي اسمي و عنواني و ماذا كنت
سنين العمر تخنقها دروب الصمت
و جئت إليك لا أدري لماذا جئت؟
فخلف الباب أمطار تطاردني
شتاء قاتم الأنفاس يخنقني
وأقدام بلون الليل تسحقني
وليس لدي أحباب
ولا بيت ليؤويني من الطوفان
وجئت إليك تحملني
رياح الشك..للإيمان
فهل أرتاح بعض الوقت في عينيك؟
أم أمضي مع الأحزان؟
وهل في الناس من يعطي
بلا ثمن..بلا دين..بلا ميزان؟

،

*فاروق جويدة





،


فَقدُ ذّات

نَظرت إلى وجهه،لم يَكن شبيهاً بالأمس،يُحيطهُ غموض مُوّحش أشبه بليلٍ نامت فوقَ قَمَرِه حبات ثلجٍ صعيقية أغشت ضوءه وجعلته ضبابياً يُعمي القلوب قبل العيون..
كان غريباً وجـداً !
عندما احتضنته كانت رائحته كغُربته،لم تكن كتلك التي احتفظ بها قميصه النائم قُرب قلبها لثلاثة عشرَ عاماً..

تخبَط قلبها في صدرها..فهي لا ترى نفس العينين اللتان نظرتا لوجهها أولاً،و اليدان باردتان قد غابت الحياة عنهما و حل مكان الدفئ شتاء أسود أرجفها مُحذراً أنه ليس هو !
تساءلت وهي تنظر لفمه المُطبق و شفتيه المزمومتين بضيق لا تعرف مصدره،أما زالت تلك الأحرف الثلاث تحمل النغمة نفسها في صوته؟
تلك الكلمة التي تقلّصت من أربعة أحرف حتى ثلاث،و انتقلت من البراءة إلى النضوج،وفَى فيها حرف واحد فقط،تحوّلت من "ماما" إلى يُمه"...هل لا زال لسانه يعرف كيف ينطقها ؟

تركت يده وهي تنفرها بعيداً كمن أصابهُ تماس كهربائي..و كأن السحابة التي مرّت وظنّت أنها مُحمّلة بغيث كان نتاج انتظارها له "سُكّر،ضغط،و آلام مفاصل"،ألقت ببرّقِها على قلبها بدل أن تُلقي قطراتها !
خَرَجَ صوتها مُرتعشاً هامساً بخيبة أمل فاض على إثرها نهر عينيها الحزينتين،:هذا مو ولّــدي









الجزء الأول



ماضٍ



تتعالى ضحكتها و تزداد كُلما شعرت باصطدام قَدماها بأوراق أشجار الخريف المتساقطة على الأرض بانتشار أشبه بغزو قضى على ملامح الأرض بعد صيفٍ لم يَكن مثلما توقعت..كان الصوت الذي يُسببه تكسر الأوراق الخريفية يعجبها و يجعلها تضحك ببراءة كما تقول والدتها و بغباء كما يقول أخاها..!
تتذكر صوته وهو يُحاول إغاظتها،:غبيــة غبية على شنو تضحكين؟ما يضحك ما يضحك يا غبيـــة
و ترتفع ضحكته على حديثه الذي يعتبره مُضحكاً أكثر من صوت تكسر الأوراق..!
تنظر له بطرف عينها بغرور تُدير عنقها بقوة يتحرك معها شعرها مُلامساً طرف خدها بنعومة،تجري مُبتعدة عنه و تواصل أذنها سماع الصوت الذي بات كنوتة موسيقية تطربها و تثير ضحكتها العالية..
رُبما كانت تلك أجمل ذكرى لها..ليس ربما بل أنها بالتأكيد كانت اجمل ذكرى لها...كان آخر خريف تركض فوق أوراقه،و كان آخر خريف تسمع فيه الأشجار صوت ضحكتها بهذا العلوّ،على الرغم أنه كان هناك صوتاً عالياً بقي صداه بين شقوق جذوعها..إلا أنه لم يكن صوت ضحكات بريئة...أو غبية !


،


أغلقت النافذة بعد أن رسمت خلفها منظراً يتكون كُلما سقطت عيناها على بُقعة خالية كالتي تُطلّ عليها نافذة غرفتها،منظر تعيش مواقفه و كأنها الآن،تسمع أذنها الأصوات و ترى عينيها تحركات الأجساد أمامها،أما أنفها فتختلط عليه الروائح لتصل الى درجة عدم تمييز ما تستنشقه،تَطَغَى رائحة على الأخرى..يزيد تركيز تلك الرائحة و تشعر بها تلتف حول عُنقها كحبل مشنقة يُلف لإعدامها..،تدمع عينيها من قوة الرائحة ويحترق أنفها ويحمرّ..تصل الى بلعومها فتفقد سيطرتها على نفسها،يرتفع من حلقها سائل مُرّ تكرهه..يتناثر على الأرض بالقرب من ركبيتها المرتجفتين،تبكي بقهر لازدياد ضعفها،روحها الهشة تُنهك وفمها لا يتوقف عن إفراغ جوفها من الذكرى التي تتجدد كُل ثانية دون أن تنضب و كأنها أقسمت أن تبقى فيها خالدة...أقسمت أن تُعذبها،أن تستلّ سيفها المسموم وتمرره على جراحها الغائرة،أقسمت أن تحجب عنها كُل لحظة فرح حتى باتت تتمنى الموّت أن يُعجّل بقدومه إليها ليُنهي استبداد الذكرى على مملكتها المُحتلة..!





حاضر



جَمعٌ غفير من الناس و أصوات تداخلت حتى تشابكت بطريقة مُزعجة آلمت أُذنها،يديها المُتعرقتين تتحركان بتوتر في حضنها ورجلها لم تتوقف عن الاهتزاز مُنذ ساعات..تقف ثُمَ تجلس وبين الوقوف و الجلوس مشقة،فهي عليها ان ترفع الثقل الذي ترتديه حتى لا تتخبط منه..كان ثِقلاً على جسدها وعلى روحها..بياضه النقي لم يشفع لهُ فهي و قبل أن ترتديه قد كَرِهته....
نظرت للمرآة أمامها،تأملت ملامحها وهي تتذكر كلمات نساء أهلها،قُلن جميـلة،و البعض قال مُبهرة..وبعضهن نطقت اعينهن إعجاباً قبل ألسنتهن،ارتعش نَفَسَها في صدرها واحترق أنفها حتى أحمرّ،تشوشت الرؤية فعينيها باتت تغرق،سقطت أوّل دمعة مع دخول ابنة عمها..سمعت شهقتها وهي تقترب قائلة..
،:حنـين ليش الدموع لا تخربين المكياج مسكينة البنت ساعتين وهي تشتغل
توالت الدمعات وهي تجلس على الأرض امامها مُمسكة بيدها المُزينة بنقش الحناء الأنثوي،و بحنية تقول،:يا عمري ما تعبتين من الدموع..اليوم لازم الدمعة ما تزور هالعيون الجميلة،ابتسمي حبيبتي هالليلة ما بتنعاد
حركت رأسها بالنفي وخصلات شعرها المُصففة بعناية تحركت معها تصطدم بوجنتيها وجانب عنقها المُحاط بعقد فخم..
بهمس مُتقطع،:مـ ـا اقدر،جنان ما ابي انزف لــ ــه
اتسعت عينيها بصدمة،:شـلون ماتبين تنزفين؟! ما يصير يا حنين شنو تبين الناس تقول
سحبت يدها من بين يديّ جنان بقوة وهي تقف غير مُبالية هذه المرة بفستانها البغيض..بحشرجة قالت،:ما يهموني النـ ـاس انتوا تذبحوني يا جنان..محد فيكم حاس فيني حـ ــرام عليكم
وقفت لتُقابلها و بجدية،:يا حنـين احنا نبي مصلحتش انتي قاعدة تتبعين عواطفش وهذا خطأ
بحدة خرج صوتها من بين الدموع،:عواطفي وكيفي محد له دخل فيني انا ادرى بمصلحتي
بتأنيب قالت،:حتى عمي ماله دخل يا حنين ؟!
مالت شفتيها للأسفل وكتفيها ارتخيا بقلة حيلة،انفلتت منها شهقة شعرت بها تجرح حلقها..جلست بتعب على سريرها ويديها ترتفعان لرأسها تضغطان بقوّة..نطقت بألم ،:ابوي ذبحني مرة و اللحين يبي يذبحني للمرة الثانية

،:ابوش فعلا ذبحش مرة بس هالمرة يبي يرجّع النفس و الروح للجسد اللي ذبحه

رفعت رأسها للصوت،كانت والدتها تقف عند باب الغرفة بكامل زينتها المُحتشمة،اقتربت منها حتى وقفت امامها..أمسكت بذقنها لترفع وجهها، وبهدوء تخلله حنان احتاجته في هذه اللحظات،:يا بنتي كل الا سواه ابوش وقاعد يسويه اللحين لمصلحتش،انتي بنته و بجره "البكر" ما بيظلمش لو شنو صار
عينيها تتحركان على وجه والدتها بضياع،التمست الحنان في صوتها..وشعرت بالدفئ في عينيها..همست لها برجاء مُتمنية أن تستجيب لها..
،:يُمه انا طاوعت ابوي وما رفضت اي شي يقوله..بس هالمرة خلوني على راحتي مابي زفة مابي ادخل على الناس ولا ابيه يجي عندي اهني
عقّدت والدتها حاجبيها باستغراب،:شلون جذي حنين شهالعرس؟!وين تبينه يجيش ؟
هزت رأسها بالنفي،:مابيه يجيني ولا في أي مكان
نظرت لها والدتها وجنان بحيرة قبل أن تنطق..
سحبت نفس عميـق،:أنا بروح لــه





تحترق هي و يحترق صدره...ينفث دُخانها فيشعر براحة مُزيفة..كانت الثالثة لهذا اليوم..واحدة في الصباح و الثانية عند الظهر و هذه الآن ليلاً و القمر شاهد عليه..و كأنه يُخبرها بأحداث كل ساعات اليوم..لتكون على دراية بالموقف لتعرف كيف تسحب التعب منه..كيف تُزوّده بالراحة التي يعلم أنها لا تمتلك منها ولو ذرة..
لكــن !
ابتسم بسخرية وهو يرميها على الأرض و يسحقها بقدمه ناسياً أنها قبل ثوانٍ كانت مُتنفسه،احترقت من أجله،من أجل أن تستمع لصوت نفسه المُتعب..!
زفر بضيق ويده ترتفع لتُرخي ربطة عُنقه السوداء،نظر لساعته بعد أن فتح زرار قميصه الأول..شعر بالهواء يداعب عضلات عُنقه المتحررة ...مضى على خروجه من المجلس ربع ساعة،يعلم أنهُ تصرف خاطئ وغير محترم ولكنه لم يستطع أن يواصل مُسلسل المجاملات..كان يحتاج الى ان يستنشق هواءً نقياً بعيداً عن رائحة البخور و العود و القهوة !
بارك لخاله وزوج ابنته ولم ينسَ جده الذي مد طرف يده له وهو يُشيح وجهه عنه حتى لا يُعطيه أي مجال ليُسلّم كباقي احفاده..حرك كتفيه،فهو لم يهتم ابداً،فقد اعتاد على هذا الصد منه ولا يستغربه..فصده بالنسبة لجهله في مَحلّه !
،:الى متى بتظل واقف اهني ؟!
استدار للصوت..ابتسم وهو يقترب منه ويديه تختبئ في جيب معطفه الرسمي،وقف أمامه و بهدوء خرج صوته كعادته،:اللحين بدخل،بس كنت اشم هوا شوي
قال وعينيه تنظر لوجهه،وبشك طغى على صوته،:ليش كنت مختنق داخل ؟!
رفعَ حاجبه وفي داخله يعرف الى اين يُريد أن يصل،فببرود قال يُنهي الموضوع قبل أن يبدأ،:لا تشغل بالك بأشياء تافهة،كنت احتاج اشم هوا نقي بعيد عن الفوضى لا غير
ارتخت ملامح وجهه مُتحررة من علامات الشك،أنزل عينيه ينظر إلى عُنق الذي أمامه،أصبح أوضح بعد أن أرخى ربطته وفتح زراره،تنهد وهو يُبعد عينيه الى السيارات المركونة خلفه وفي داخله تصارعت أفكار غير مفهومة..فقط أطراف خيوط لا يعرف كيف يربطها !
عادت عينيه لوجهه وهو يسمع صوته،:عبد الله تبي تقول شي ؟
عاد ونظر لعُنقه المشدود،عضلاته الواضحة و
،:عبد الله !
أبعد عينيه وبهمس قال،:ولاشي محمد
رفع مُحمد يده يُغلق زراره ويعيد ترتيب ربطة عُنقه وبسخرية يقول،:مشكلتك انك واضح ما تقدر تجذب
مشى أمامه بعد أن انتهى،:تعال خل ندخل..مو توك تأنبني على وقفتي ؟!



ماضٍ

كان كمن قد أُخرج قلبه من صدره و فُتحت شرايينه وأصبح ينزف دماً من كُلّ مسامٍ في جلده المُزرّق!
النَفَس يخرج بلهاث مبحوح مُتعب...قليلٌ من ريقه الجاف كان يتجمع عند زاوية فمه وعلى ذقنه المنتشرة فيه شعيرات كثيفة فقدت صبغتها خلال ثلاثة أشهر انقلب فيها عُمره،تقدم رقم و تأخر رقم وانقلب كيانه بأكمله!
خُطوات ثقيلة تضرب على الأرضية الباردة المتسخة بقوة ألمها يكاد يُمزق طبلة أذنه التي تخزنت فيها أحاديث و أسرار لو انكشفت ستحدث ضجة كبيرة في البلد!
توقفت قدمان ضخمتان تغوصان في حذاء جلدي رفيع أسود يُخفي بُقعاً تحكي وجعاً و ألماً و صرخات استغاثة بُترت أمواجها على أيدٍ تعلّمت نهب كُل ما هو مُلك لغيرها قبل أن تتعلم كيف تخط حرفاً..!
أغمض عينيه بعد أن تلقى ضربة بتلك القدم في خاصرته المُتصلبة بإعوجاج،ارتعشت أطرافه عندما استقبل المخ إشارات الألم الذي يُصبح حاداً أكثر كُلّما فقد قدرته على التحمّل..
فتح تلك العينين الغائبتين تحت ليلٍ لم يعرف القمر،ليلٌ سرمديّ لم يكن فيه عاشقاً ينتظر محبوبته ليهديها قُبّلة كان يحلم بها في منامه..بل كان أسيراً،أسير الظلم و الجشع و انعدام الإنسانية..!
كان و لأول مرة يتعرّف على جنس آخر من البشر،جنس جسده إنسان وروحه شيطان!
رفع عينيه ببطئ شديد.. فالجفن قد أثقلهُ الدمّع!..فتح فمه و حرّك لسانه و نطق شيئاً لم يُسمع و لم تقرأه عينان مُحبتان تفهمه..،أغلقه بعد أن اصطدم صوته بروحه ولم تلتقطه أُذنه،ظلّت عينيه مُركزة على الواقف فوق رأسه..
ثوانٍ و وصله صوته الخشن الغائص تحت أكوامٍ من الأتربة المُحمّلة بروائح موّت و أجساد مُعذبة..،:قوم....حررناك
اتسعت عينيه و مع اتساعهما سقطت إحدى الدمعات المتجمعة،فتح فمه بذهول وكلمة "الحرية" التي نطق بها جعلت دقاته تُرفرف كجناحين طير حُرّرَ من قفصه..!
كان طيراً ليلتها،بجناحيه المعكوفين و منقاره المكسور و رجليه الباقي فيهما أثر القيّد..
كان طيراً،و لم تستطع أن تحتمل روحه المثقلة بالأوجاع ثقل فرحة الحرية،ما إن رفرف مرّتين و أصبح مٌعلقاً بين السماء و الأرض،حتى انقلّب رأساً على عقب و جذبته الأرض إليها...هذه المرة ليس فوق الأرضية الباردة...بل إلى الأسفل،حيثُ يُنثر التُراب فوق جسده...و الروح ترتفع هاربة من الإختناق في أرض لم تجد فوقها رحمةً قطّ..!




حاضر

اتصلت إليه عمّته ، كما اعتاد أن يُسميها منذ شهر،اخبرته ان يخرج ليُقابلها قُرب المسبح،شعر بشيء من الحرج وهو يخرج من بين الرجال رافعاً "بشته" الذي خلعه ما أن خرج من المجلس..أخبر والده أنه سيعود بعد دقائق..وصل الى المسبح.. رآها تقف سارحة و كفيّها مُتحاضنان ، اقترب منها حتى وقف أمامها ...انحنى قليلاً ليُقبّل رأسها..سمع صوتها الأنثوي الشبيه بصوت والدته..
،:الله يخليك يا ولدي ويبارك لكم ويسعدكم ان شاء الله
اتسعت ابتسامته لدُعاءها وقال ونبرة الفرح تتخلل صوته الرجولي،:ان شاء الله ياعمتي الله يسمع منش..آمري بغيتي شي
تقلّصت إبتسامتها حتى غابت..ظهرت تجاعيد التوتر على جبينها وبدأت بفرك يديها و العبث في أصابعها..عقّد حاجبيه من قلقها الواضح..أعاد كلامه..
،:آمري عمتي
تنهدت ويدها تُرتب حجابها على شعرها،:ما يآمر عليك عدو يا ولدي بس حنيـن
وقطعت كلامها وهي تعض على شفتيها تمنع الأحرف من الخروج..
دق قلبه بتوجس وسأل ويده تمسك بكتفها،:شفيها حنين يا عمتي ؟
حاولت أن تبتسم له وهي تمسك بيده فوق كتفها،:مافيها الا العافية يا ولدي
تنفس براحة وهو يُغمض عينه للحظة ثم يفتحها قائلاً،:زين قولي لي يا عمتي شنو السالفة
تركت يده وهي تبعد عينيها عن عينيه بخجل من طلب ابنتها ،وافقتها رُغماً عنها خوفاً من تَبُعات قد تحصل لو لم تفعل ما تريد..لم تُخبر والدها بعد..لا تعلم كيف ستتحمل عاصفته لوحدها
خرجت كلماتها سريعة قبل أن تتردد مُجدداً،: حنين رافضة الزفة تقول لك بعد ما يطلعون المعازيم انتظرها في السيارة وهي تجيك عشان تروحون شقتكم
صمّــت
انتظرت منه ردّ..اعتراض او حتى صراخ ... تشجعت ورفعت عينيها تنظر لوجهه،كان عادياً لا يوحي بشيء..لم تصدر منه ردة فعل سوى أنه أنزل يده عن كتفها..نادته بقلق
،:بسـام
انحنى مرة أخرى وقبّل رأسها..استدار وقبل أن يبتعد همس
،:خل تنزل اللحين ماله داعي بعد ما يطلعون المعازيم،انا انتظرها في السيارة




قُرابة الساعة مضت وهي جالسة في غرفتها،على سريرها فرشت الصور..تستعيد الذكرى كُلّما كانت وحيدة..عينيها تتحركان على الصور ببطئ ونظرة عدم التصديق واضحة فيهما...لامست بأطراف أصابعها إحدى الصور..شعرت بحريق في عينيها و المنظر يقترب منها،انفلتت منها شهقة حادة فرفعت يدها الحرة تُكبحها..بدأ مركز الذاكرة في عقلها باستعادة الأصوات المركونة في صندوق في زاويته الذي لم يتسنى وقت للغبارأن يتجمع عليه ولا أن تنسج العنكبوت خيوطها فوقه،فهي اعتادت أن تفتحه طوال عشرون عاماً..ليلاً ونهاراً..عند الفرح و الحزن..

"يقولون كان تاجر مخدرات نصب على شركائه فذبحوه"

"استغفر الله كنت اشوفه يرجع في أنصاف الليالي يبين كان سكران،مشيته مو زينة اكيد جذي بتكون نهايته"

"بشماتة،:بنشوف اللحين شنو بتقول مريمو بعد ما انفضح زوجها،حرامي وراعي مخدرات "وبضحكة عالية" واكيد السالفة فيها بنات"

"بغى يذبح ولده،طلع مجنون ما عليه شره زين أنه مات قبل لا يذبح كل عايلته"


سقطت الصورة من يدها بملامح جامدة..عبثت بالذكريات حتى اخفضت درجة حرارة جسدها لتفقد الإحساس،لتنجرح دون أن تشعر بوخزة ألم.. ليكون بمقدورها العودة لهذا الصندوق من جديد،لرُبما اكتشتف سرّ من أسراره ! فهو لا يزال مُبهماً كصفحة بيضاء،لا خطوط عرضية و لا طولية،لا تعرف بدايتها من نهايتها..هي في متاهة دون أسوار تصطدم بها وهذا ما يؤرقها و يُشعرها بالاختناق..أن تكون حُرة لا تُكبلها سوى قُيود وهمية فرضتها عليها الذكرى..
آه من الذكرى،تشعبت في الروح بأطرافها الحادة حتى أدمتها..ليتهُ حُلم تصحو منه لترى نفسها لا زالت في عُمرها الخامس تلعب بعروستها وتنام بين والديها ليلاً خوفاً من الضيف المضيء الذي يزور نافذتها كُل ليلة !

ابتسمت شفتيها الزهريتين للذكرى السعيدة،رفعت عينيها للساعة المُعلّقة على جدار غرفتها الأبيض،كانت تقترب من العاشرة و النصف..جمعت الصور بالمقلوب،لا تُريد أن تُتعب قلبها مجدداً،لتترك التعب للغد..أغلقت الصندوق بعد أن وضعت آخر محتوياته..السلسال الفضي المُبهم !
قامت واقفة من على السرير وفي يدها اليُمنى الصندوق الأسود..صندق الأسرار الغير مكشوفة مُنذُ أعوام ! وهي تضعه في الدرج قُرب رأسِها سمعت صوت إغلاق باب الشقة ثم تلاه صوت والدتها..
رتبت شعرها قبل أن تخرج من غرفتها،فتحت الباب ليظهر أمامها وجه والدتها وظهر الداخل للتو..سلّمت بهمس وهي تقترب لتقف خلف الأريكة التي يجلس فوقها..وضعت يدها على كَتِفه وهي تقول..
،:وينك يومين ما مريت ؟
استدار لها بإبتسامة صغيرة تكاد أن لاتبان وبهدوء،:انشغلت ويا الدوام و البيت الجديد
دارت حوّل الأريكة حتى جلست بجانبه،:للحين ما خلصتون تأثيث ؟
حك أنفه بسبابته وهو يقول،:البيت واجد كبير شفتين مساحته،يحتاج وقت لين ما نخلص
تساءلت والدته،:وينها حور ليش ماجت وياك؟
نظر لساعة معصمه قبل أني يُجيب،:معزومة على عرس صديقتها،انتظرها تكلمني اذا خلصت عشان امرها
رفعت هاتفها تفتحه وهي تقول،:ايي طرشت لي صورتها،تجنن ماشاء الله "نظرت لأخيها" شفتها يُوسف ؟
زمّ شفتيه و حرّك رأسه بالنفي،ثُمَّ همس،:راحت مع امها وخواتها ما شفتها
ابتسمت له بخبث،:خلاص مدام جذي ما بخليك تشوفها،شوفها اذا رجعتون البيت
،:اشوفها ملاك
وقفت متوجهة لوالدتها،أعطتها الهاتف وجلست بجانبها،اتسعت ابتسامتها وهي تسمع مدح والدتها..
،:ماشاء الله قمر قمر،ناعمة ما تتكلف "نظرت لأبنها و بحنية دعت" يارب اشوف ولدك قريب
رفعت ملاك يديها للأعلى وبصوت عالي،:ان شاء الله يــارب "أنزلت يديها وهي تقول موّجهة الحديث لأخيها" قوول ان شاء الله يوسف
تنقلت عينيه بين والدته و أخته بصمّت وفرجة صغيرة تكونت بين شفتيه..
،:يُوسف يُمه قول ان شاء الله
أغلق فمه..تنهد ثُمَّ،:ان شاء الله يا يُمه ان شاء الله ..




~انتهى



لامارا 04-08-15 08:27 PM




بسم الله الرحمن الرحيم

توكلتُ على الله




،

فَقدُ ذّات

تَنَاوَلَ مِعطَفَهُ الجلّدي الأسوّد،قرّبهُ من أنفه يبحثُ عن رائحة كانت دِفئِه في شتاءاته الماضية..تَبَسّمَ بألم لرائحة مسحوق الملابس الذي وبعد عدّة محاولات فاشلة استطاع أن يعرف كيف يستخدمه بطريقة صحيحة...

ارتداه وهو واقف أمام المرآة،يتأمل قامته الطويلة،عندما جاء قبلَ ستّ سنوات كان أقصر بعشرة سانتيمترات أو أكثر من الآن! و كأن الحنين تراكم تحته حتى أصبح جبلاً ،يرتفع فيرتفع هو اشتياقاً ..!

زَفرَ بضيق وقدماه تقودانه لنافذة غُرفته الصمّاء،الخالية من أي تعريف للنفس،ليس لها دخل به ولا بشخصه،هي صامتة مِثلُه..فقد يكون لديها حنين من نوع آخر !

فتح نافذته ليصطدم وجهه بالصعيق في الخارج،ذرات ثلج ناعمة حَطّت على أنفه،مسحَ عليه بإبهامه يُبعدها،ذابت بين أصابعه حتى استوت ماءً،رَفعَ رأسه لسماء شمسها كانت أسيرة في سجن السحاب،شُعاعها يتلصص يبحث عن ثغرة من بين غيوم بيضاء قاسية ليتحرر..

الحُرية..

كَلِمة ليس لها تفسير و لا معنى عنده،شُطبت من قاموسه مُنذ أكثر من ثلاث سنين،فُصِلت حروفها و ضاعت في بحرٍ لا قاع له،بحر مُظلم كُلّ يوم يزداد فيه غرقاً،يجذبهُ للأسفل حيثُ الخلاء و الصمّت،لا شيء هناك سوى صوّتان..دقات قلب و تحطم روح مُغتربة !
أغلق النافذة يبتعد عن أفكارٍ لا جدوى منها سوى قهر يَكسر ظهر شاب كان خطأه الأكبر أن يَحُلم...لم يعلم أن الحُلم قد يَخون في يومٍ من الأيام !

قَطَعَ أفكاره صوّت هاتفه،تناوله من على السرير،رفعهُ لأذنه يجيب بصوت بارد..
،:صباح الخير
صوت مَرِح يَضُجُّ بالحياة على عكسه،:أيّن أنت انا انتظرك مُنذ ربع ساعة
تنهد وهو يخرج من الغرفة مُتوجها لباب شقته الصغيرة القابعة في أحد أحياء موسكو الباردة..أجاب بعد أن أقفل الباب،:سأكون عندك قريباً
،:انا بانتظارك،"وبضحكة" فالقارب مُمتلئ اليوم
مالت زاوية فمه بسخرية قبل أن يُعَقّب وهو ينزل الدرجات،:إذاً الغرق أعمق اليوم
وصله صوت ضحكته العالية وهو يقول بسخرية،:حاول أن تنجو بنفسك

وقف في مكانه دون حراك،السماء من فوقه و الثلج اختار لهُ مكان فوق كَتفيه العريضين...يد في جيب معطفه والأخرى تمسك الهاتف فوق أُذنه..عينيه تركزت على الأرض، انعكست فيهما صورة بَهُتت ألوانها حتى اختفت وجوهها...هَمَسَ بصوت كان لَحنُهُ يأس..

،:سأنجو.....سأنجو بذات ضائِعة !






الجزء الثاني

إشارتان تُبعِدَهُما عن الحيّ حيثُ منزلهما الجديد...الأرض الكبيرة التي اشتراها لها والدها قبل سنوات،انتهى بناؤها مُنذ أربعة أشهر و اسبوعان وخمسة أيام تماماً..
لم ينتهِ تأثيث المنزل بعد،فهوكبير جـداً...لماذا لاتدري ؟ فنَفَسَان فقط يَضُخّان ثاني أكسيد الكربون في أنحاءه !

تُرَجّح أن السبب وراء حَجمِهِ المُبالغ فيه هو حَجم غرور أبيها...!استوحى من غُروره الفائض هذا المنزل الأشبه بساحة حرب تسبح فيها دماء باردة لا لون لها،دماء تجري فوق أرضه وعلى جدرانه تترك آثاراً عجز ساكنيّه أن يُفصحان عنها بكلمات وجُمل قد تترك صدى صوتيهما بين زواياه..
حـرب بين أُنثى وذكر،قٌدّر لهما أن يرتبطان برباط مُقدّس يُسمّى الزواج...لم يُسجَّل فيها مُتنصر ولا مهزوم،ولم يستسلم أحد قطّ..فلا زالت الدماء تنضح والصوّت يختبئ كفريسة جبانة في صدوٍر أثقلتها تنهيداتٍ لا يَسمَعُهَا سِوى ليلٍ يَخلو من قُبّلة !

زَفرت بِضَجَر وهي تخرج من السيارة، بعد أن أركنها في الموقف الخاص في باحة المنزل....مشت قبله ويديها تبحثان عن المفتاح في حقيبتها الصغيرة..تأفأفت عندما لم تجده،و عقلها تذكرهُ مُلقى بإهمال بين حاجياتها المُبعثرة...أسندت كتفها الأيسر على الباب تنتظر وصوله ليفتحه..نظرت له وهو يَمشي بخطوات هادئة تُناقض ضجيج دقاتها..أيّ تَحرُّك بسيط،تافه وقد لا يُحدث تغيير في الوضع الفيزيائي للحياة يَصدُر منه يُشعل الفوضى داخلها..يُربك حواسها و يُخِلّ استقرار روحها..

ازدردت ريقها وهي تُشيح وجهها عنه..مسافة صغيرة تفصلهما عن بعضهما،عِطره أحكَمَ سيطرته على رئتيها،حبست النفس في صدرها،لا تُريد الموّت مُختنقة بعطره في هذه الساعة المُتأخرة من الليل..لا تُريد أن تذهب لسريرها و جسدها يرتدي تلك الرائحة وعقلها قد أَسّكَرَهُ استنشاقها..

تسارعت خُطواتها ما إن فتح الباب،توجهت للمطبخ تبحث عن كأسٍ من الماء بأنفاس لاهثة،فالروح لا بُدّ أن تُروى بعد احتكاكها بجفاف تزداد قسوته كُلّما كان أقرب...جلست على كُرسي طاولة الطعام بعد أن شربت كأس بالكامل،أنزلت حجابها عن رأسها فتحررت خصلاتها مُعانقة أطراف وجهها المُزيَّن بمساحيق بسيطة أبرزت ملامحها الناعمة..إتَّكأت بكوعيها على الطاولة ويديها ترتفعان إلى جبينها..
غطّت عينيها بكفيها وأصابعها تُمسّد بخفة على مُقدمة رأسها مُحاولة أن تتخلص من الزوبعة التي تَخَبَّطت فيها مُندُ ان استقلّت السيارة معه..

شيئاً فشيء حتى غاب عقلها إلى صديقتها..عدم زَفّها لزوجها أقلقها..لم تُسنح لها الفرصة لرؤيتها لذلك هي غير قاردة على معرفة ما حصل،تُراودها شكوك وهي تتمنى أن لا تكون صائبة !
أنزلت يديها ليظهر وجهها بملامح قَلقة وحاجبين معقودين..لا تكوني انتِ حنيـن.،فــ

قطعت أفكارها بشهقة وهي تراه يقف أمامها عند باب المطبخ..وضعت يدها على صدرها وهي تشعر بقلبها يكاد يخرج من بين أضلاعها...أنزلت رأسها بضيق تهرب من عينيه..تكره نظراته لها،فهي لا تفهمها...بل لا تستطيع أن تستقبلها..فعينيها تنفران من عينيه..لا تدري لخوف أم لخجل أم لشيء آخر..شيء مدفون في الذاكرة،يمنع عينيها من أن تلتقي بعينيه..!

تراجعت إلى الخلف لتُسند ظهرها إلى الكرسي عندما بدأ بالاقتراب من مكان جلوسها..سحب الكُرسي المقابل وجلس برجلين مفتوحتين وظهر مُتقدم للأمام... ذراعيه تستقران على فخذه بارتخاء وأصابع يديه مُتشابكة..همس بصوت التقطته أُذُنَهَا فاشتد عِرق في عُنُقِها..

،:توقعت تتأخرين أكثر..ما توقعت تتصلين قبل الوحدة !

رفعت يدها اليُمنى إلى عُنقها تمسح عليه تُحاول أن تُخفف من التنمُّل الذي سببه صوته..تنحنحت تبحث عن صوتها..و ببحة أجابت..
،:فجأة تكنسلت زفة المعاريس،بس تعشينا وجينا،من جذي ما اتأخرت
تساءل باستغراب،:ليش تكنسلت الزفة،عسى ماشر ؟!
حركت كتفيها وشفتيها المصبوغتان بلون باهت تميلان للأسفل،:ما ادري انا بعد استغربت

وقفت بعد أن أنهت جُملتها وعينيه ارتفعتا لوقوفها..كانت لا زالت ترتدي عباءتها،فقط خلعت حجابها كاشفة عن شعرها المرفوع بنعومة وبعض خصلاته تَمَرَّدت لتُلامس عنقها الطويل وجانب وجهها..

بتردد نطق وهو يراها توليه ظهرها،:وين رايحة؟

توقفت دون أن تستدير له وسؤاله الغير مُتوَقع أوجسها..عَضّت على شفتها السُفلى بقهر لارتباكها الذي تُشعله اسألته وتصرفاته المُباغتة..لا تستطيع أن تتوقع الخطوة القادمة لهذا الرجل..تكره أن تكون بهذا الضياع في حضوره،بسهولة يستطيع أن يُخرجها من دائرة أمانها..هيَ ولثلاث سنوات لم تستطع أن ترى في عينيه نظرة ارتباك أو هروب كما يَصدُر منها !

حَرَّرَت شفتها من أسنانها..بللتها بلسانها قبل أن تُجيب بذات البَحَّة،:بروح أنام...تصبح على خير
،:و أنتِ من أهله..

ابتعدت قبل أن تسمعها..كانت خطواتها أسرع من لسانه المُتَرَدد..

زفرَ بإحباط ورأسه مُطأطئ للأسفل..رفعَ يده لتتخلل أصابعه خصلات شعره و من ثُمّ تستقر خلف عُنُقِه..أغمض عينيه وإبتسامة شاحبة ارتسمت على شفتيه.. همس وعقله يستذكر صورتها قبل ثوانٍ بما لم يتجرأ أن يَنطُقُه أمامها..

:اتعبتيني يا حنين !



الساعة الثانية بعد مُنتصف الليل،هو،هـي وأبيها...يَجلسون في غرفة جلوس عَشَهُما الزوجي الذي من البداية يبدو أن غُصّن الشجرة الذي أُسِسَ فوقه ليس مُستقراً ورياح خفيّة تُهدد سقوطه..

مرّت ساعة وأبيها لم ينتهِ من حديثه...أوبالأحرى تأنيبه،هو من جانبه التزم الصمّت..لا يُريد التدخل بينها وبين والدها..وفي الوقت نفسه لا يستطيع أن يتركهما وحيديّن..فهي ومن وجهها المُحتقن بدموع يبدو أن مزاجها أبعد مما يكون عن مزاج عروس ليلة زفافها..و والدها بعروقه النافرة من عُنُقِه وتقطيبة جبينه جعلته يصرّ على بقائه بينهما..فهو لا يدري ماقد تحثهُّ نفسيّ الأب وابنته وسط هذا الجوّ المشحون بطريقة غريبة..!

،: بدون مُراعاة للناس ولا للأهل تصرفتين تصرف ماادري شلون امش وافقتش عليه...حرمتيني من إحساس الأبو وهو يزف بنته لزوجها

فتحت فمها تُريد أن تنطق وعينيها تفيضان بألم،لكن يده الكبير ارتفعت أمام وجهها وبقهر قال..
،:مابي اسمع اي تبرير..وادري ان مافي اي سبب ممكن يقنعني
بحسرة وضع كفيه على وجهه وبصوت زاد الثقل على قلبها،:تمنت يدي تصفع خدش بدل لا تضمش في يوم عرسش
أنزل كفيه ونظر له بتأنيب،:وانت بعد طاوعتها يا بسـام

وقف كَمن لُدِغَ من أفعى باغتته في أسعد لحظات عمره..بقهر أب تحَطَمّ َحُلّمه على يد أنثاه المُفضلة..ابنته الوحيدة،هَمَسَ وعينيه غرقتا وسط دمعٍ نابع من بئر ظَنَّ أنهُ دفنه في الماضي..

،:مشكورة ياحنين..مشكورة يا بنتي الوحيدة

واستدار خارجاً وبسام من خلفه يُناديه لكنه أغلق الباب بقوة جعلت بسام يقف في مكانه مُتراجعاً عن قراره للحاق به...انتبه لشهقات من خَلّفُه،تنهد وهو يعود الى حيثُ تجلس، بتعب جلس أمامها..لكنها لم تسمح لهُ بأي تصرف فما إن جلس حتى وقفت تجري هاربة الى الغرفة مغلقة الباب بالقوة ذاتها...

ظلَّ جالساً في مكانه،فردة فعلها طبيعية جداً..

استند إلى الأريكة الرمادية..فتحَ أزرار ثوبه وخلعه وهو جالس في مكانه..رماه بإهمال على الأرضية الخشبية،فَمَهُ مُطبق بحيرة من الحديث الذي جرى بين عمه وحنين..كلام مُبَطَن لم يفهم معناه..
لا زالت أصوات الليلة تُشَوّش عقلهُ وتفكيره،مضت أكثر من ثلاث ساعات على انهيار ليلة عُمره،بدأ الانهيار بطلب حنين الذي أوصلته عمته..ثُم قدومها خِلسة الى السيارة بحجابها وعباءتها التي ظنَّ أن ثوباً كبيراً سَيَنّحَشِر تحتها..لكنه تفاجئ مُجدداً من بِنطالها الواضح طَرَفُه من الأسفل..ووجهها الباقي فيه آثار مساحيق يبدو أنها مسحتها على عجل،بعد وصولهما للشقة لَحِقَ بهما والدها و بدأ بسيل كلماته الغريبة..

ليلة سوداء كانت طويـلة لكن عقله المذهول شَعَرَ بها ثوانٍ مرّت حتى أتعبت رأسه..ليلة سوداء لم يَزُرّهَا بياض فستان انتظر أن يرى عَرُوسه ترتديه...!



التاسعة و النصف صباحاً

أفرغ مُحتَوَى كوب القهوة في فَمَه..كانت ساخنة لَسَعت لسانه و لكنهُ واصل في شُربها و كأنه أعتاد أن يُلّسَع منها كُلّ صباح حتى بات لا يتألم..

وضع الكوب على مِنضَدة المطبخ،قُرب هاتفه المقلوب على وجهه..رَفَعَهُ بهدوء ثُمّ فتحه،اتجه للرُزنامة..نظر للتواريخ بشفتين مزموتين،بَقي ثلاثة أيام فقط عن التاريخ المحدد..

زفر وهو يُغلقه ويُعيده الى مكانه،رفع الكوب وشرب الباقي من القهوة دفعة واحدة،غسله قبل أن يخرج من المطبخ تاركاً هاتفه هناك..دخل مكتبه بخطوات واسعة وتوجه مباشرة إلى اللوحة المُعلقة على الجدار،فَوقها قد أُلصق عدة صور بأحجام مُتفاوتة..صور لأشخاص..نساء ورجال تتراوح أعمارهم مابين الثلاثين الى نهاية الخمسين...

وضع يده على إحدى الصور ووجهه اقترب أكثر يُدقق في ملامح صاحبها،أغمض عينيه لخمس ثوانٍ ثّم فتحها،أعاد النظر للصورة وأصابعه تتحرك بسرعة عليها،أغمض عينيه مُجدداً لعدد الثواني نفسها..

ابتسم بسخرية قبل أن يفتحها وهو يتراجع للخلف حتى رَمَى بجسده على الكرسي وراءه...

ظلّ جالساً وعينيه تتحرك على اللوحة ببرود وملل وابتسامة السخرية لم تترك شفتيه..ثبّت قدميه على الأرض واحدة أمام الأخرى وبدأ بتحريك الكرسي ذو العجلات حتى مكتبه..تناول قلماً وقصاصة ورق صفراء،كتب بعض الكلمات بالإنجليزية ومعادلة حسابية قصيرة نهاية القصاصة..عاد وحرّك رجليه الى اللوحة..ألصق الورقة يمين الصورة السابقة..

وقف ويديه تستقران في جيب بنطاله الخلفي،بسخرية نطق وعيناه في عينيّ صاحب الصورة..

Welcome number 26



استوقفني صوته..كتغريد طيّر عند نافذتي في الصباح..يَنتَشِلَني من سريري و يُخلّصني من بعثرتي..أهفوا إليه بعجل على أطراف أصابعي،أُباعد ستائري الشفافة البيضاء كنقاء قلبي..كما قال لي ذات يوم !

افتح نافذتي فابتسم له..يمشي بزهو حيثُ فُتحت يدي الصغيرة تستقبله..احتضنه فيرتعش كُلّي فاعرف أنني لا زلت لم أجدني..فأنا ولا أدري إلى متى ضائعة فيه !

،:متى اللقــاء ؟

ابتسمت بنعومة ورأسها يميل ليستقر على كَتِفَهَا الأيسر،بهمس أجابته وعينيها مُغَمضَتان تستشعر اللحظة و الهواء يُداعب وجهها وصوت أنفاسه يُداعب روحها..

،:ابيك تشتاق لي..بعدين بيكون اللقاء

عَضّت على طرف شَفَتَها السُفلى لصوت تنهيدته،ثّم جاء صوته تَتَخَلَّلَهُ ضِحكة..

،:صرت متيقن انش تحبين تشوفيني متعذب !

ضحكت بخفة وهي تفتح عينيها ورأسها يرتفع لتقول بحاجب مرفوع بغرور،:يا عمري انت من يومك متعذب فيني،مافيها شي لو زدت العذاب شوي
محاولاً إغاظتها،:شنو هالغرور،ترى مااحبه
أرجعت خصلة وراء أذنها وبذات الغرور قالت،:عـادي بخليك تحبه مو صعبة عليّ
ارتفع صوت ضحكته فابتسمت هي بنشوة..همس من بين ضحكته،:ما في فايدة ماتتغيرين
ردّت بهمس،:طبعاً حبيبي مو تحسب لأني أحبك بستجيب لتغييراتك
،:مابي اغيرش ابيش مثل ما انتي "وبرجاء" بس شوي حني عليّ خلينا نتاقبل لو نص ساعة
أغمضت عين واحدة وفمها يميل للجانب،:امممم..خلني افكر في موضوع اللقاء على قولتك وبرد عليك
،:زيــن بننتظر ردش الموقر،واللحين قولي لي شخبار عرسكم البارحة

تراجعت للخلف وهي تستدير خارجة،أغلقت نافذة شرفتها المُطلة على حديقة منزلهم،بهدوء أجابت وهي تستلقي على سريرها،:الحمد لله زين..بس ماكان في زفة،بنت عمي رفضت الزفة
،:افا ليش ؟ عروس ترفض تنزف !
هزّت رأسها بالإيجاب وكأنه يراها،:اييي كل من استنكر و الغريب أن زوجها وافق على طلبها،توقعت يرفض !
،:يمكن يحبها فما رفض طلبها
عقّدت حاجبيها بخفة،:مااتوقع،ما مداه يحبها الحب اللي في بالك،ملجوا وعقب شهر صار العرس،وعلى حد علمي ولا مرة طلعوا مع بعض فشلون بيحبها ؟! "انقلبت على بطنها وذقنها الدقيق يستقرّ على ظاهر كفها الأيسر" تصدق لكن
،:شنـو ؟
بتنهيدة همست،:لو كنت مكانها بعد برفض الزفة،صحيح اني معارضة تصرفها..بس اذا افكر واخلي نفسي مكانها احس بسوي مثلها
لم يصلها صوته لذلك أكلمت،:ساعات احس بالذنب اتجاهها،مع ان اذا فكرنا بمنطقية مالي دخل باللي صار..بس بعد احس بالذنب "أغمضت عينيها ورأسها يتحرك بسرعة وكأنها تُبعد الفكرة عن عقلها" ماادري ماادري خلني ساكتة احسن
ضحك بخفة،:اي اندمجتين في الموضوع،المهم الله يهنيهم ويسعدهم وتشوفون اولادهم
ابتسمت بخفة،:ان شاء الله الله يسمع منك
رفعت الهاتف عن أذنها لتنظر للشاشة ثّم أرجعته وهي تقول،:أحمد صار لنا ساعة وربع نكلم بعض وانا اقول ابيك تشتاق لي،يله بسكر
باعتراض قال،:لا عاد ليش صايرة بخيلة حتى صوتش ماتبيني اسمعه
رفعت جسدها وهي تثني رجليها جالسة،:خلاص سمعته كافي،عشان بعد لا اغير رايي عن موضوع اللقاء
همس،:ماعليه حبيبتي بخليش على راحتش بس اذا شفتش اعرف شلون اتصرف معاش
ضحكت،:انتظر هالتصرف..مع السلامة
،:في حفظ الله يا عمري

أغلقت الهاتف و ألقته على السرير بإهمال وألقت بجسدها معه وهي تُدفن وجهها في وسادتها،همست لنفسها بضحكات شقيّة..

،:والله انت بعد واحشني يا عُمري



تتأمله بين يديها،لمعتهُ قوية،رفعت كفها و أنزلته مرتان متتاليتان و كأنها تُقيس حجمه،يبدو ثقيلاً قليلاً على أن يكون فضة،قد يكون ألماس كما تقول والدتها !

سألت والدتها بهدوء وهي لازالت تتأمله،:يُمه متأكدة ابوي ما اهداش هالسلسال من قبل ؟
سمعت صوت تأفأفها قبل أن تُجيب بضيق،:لا يا ملاك،لين متى بتسألين هالسؤال ؟
استدارت تنظر لها وهي مُندمجة في طبخها،:لان يمكن انتِ ناسية يُمه
وضعت ما بيدها بنفاذ صبر وهي تقابلها قائلة بحدة،:من وين له ابوش عشان يشتري لي الماس ؟ ملاك ارجوش مانبي مشاكل واتركي هالامور خلي هالسلسال عنش،وكان يُفضل تسلمينه للشرطة من زمان بدل ما تحتفظين فيه

أدرات رأسها وعادت تتأمله فكلام والدتها لم يعجبها،فهي سنوات تُلقي عليها محاضرات ونصائح لتَكُف عن أفكارها..و لكنها "تُعاند" كما تقول والدتها..

تَنَهَدت وتركته على طاولة الطعام الصغيرة،وضعت كفيّها على خدها وبكوعيها استندت على الطاولة،سَرحت في أفكارها التي عادت إلى عشر سنوات ماضية بالتحديد بعد تخرجها من المدرسة..كانت تُريد أن تَدرُس القانون ليتسنى لها التحقيق في قضية والدها،لكن والدتها رفضت وبشدة وأخيها التزم الصمّت..كما يفعل دائماً عندما يتعلق الأمر بوالديهما..

لو أنها درست القانون لرُبما كانت ستكتشف حلاً للمُعضلة التي استقرت في صدرها كخنجر،كُلّما دقّ قلبها شعرت به يُقَطّع نياطه..فتموت من فرط الحيرة و الألم و الضياع،تحاول بعقلها أن تربط أطراف القضية ليتضح لها سرّ من أسرارها،لكن قُدراتها تخيب وتتساقط أفكارها الصغيرة باستسلام وترى تحطم آمالها أمام عينيها..تضيق الزاوية التي احتمت فيها ويزداد تركيز الضياع في الهواء حولها تستنشقه حتى تختنق فتغيب عن عالمها إلى عالم كان بهِ والدها يرتدي البياض،وإبتسامة حنونة تُزيّن شفتيه،وجهه صافي لم تطمسهُ بُقع دم نَتِنَة ولم تُخفِي ملامحه جروح غائرة..كان أبيها هـي،ولم يكن ذاك الذي أحاكوا قصص وَهمِيَة عنه !

،:مــلاك

انتبهت لصوّت والدتها،مسحت دموعها عن خديّها وهي تشعر بها تجلس بجانبها،أمسكت بيدها قبل أن تهمس..
،:يُمه مـلاك ترى التفكير و التنبيش ورا هالموضوع ما بجيب لش الا التعب و المرض
نظرت لها بعين انكسر الدمع داخلها..وبصوت مُتقطع همست،مــ ـا اقدر يُمه،ابي اثبت لكل الا تكلموا ان ابوي طاهر ونظيف،عمره ما راح للحرام
برجاء،:يا ينتي كلام الناس ما يودي ولا يجيب
رفعت يدها إلى صدرها تضرب بقبضتها على يساره حيثُ المَدمِي ينبض،:يقهرني كلامهم يُمه احـ ـس بقلبي ينقبض كل ما اتذكر جذبهم عن ابوي

أحاطت كتفها بذراعها وهي تُقَرَبها منها و تحتضنها،وجهها في صدرها وشهقاتها تخترق روحها،مسحت على شعرها وهي تهمس في أُذنها مُخَفِفَة..
،:حبيبتي ملاك انا وانتي واخوش و اثقين ان ابوش شريف ماراح للحرام،فكلام الناس مايهم،واللي تكلم بسوء الله بيعيطه جزاءه
قبّلت قمّة رأسها وهي تستمع لصوت شهقاتها،:الله ما بضيع حق ابوش و الحقيقة ان شاء الله بتنكشف
أمسكت برأسها ترفعه..نظرت إلى عينيها الغائبتين وسط بحرٍ من الدموع،مسحت وجنتيها بإبهاميها وهمست بإبتسامة حنونة..
،:ابوش لو كان موجود بيفرح ان بنته واثقة فيه هالكثر وما بيهمه راي وكلام اي احد ثاني
ابتسمت من بين الدموع وهي تسمع والدتها تواصل،:واللحين انا امش ابيش تبتعدين عن هالموضوع وما تحاولين تبحثين فيه
أنزلت عينيها وهي تقول بهمس،:ماادري يُمه.."نظرت لها" ما اوعدش ان اترك الموضوع نهائيا بس اوعدش ان ما اسبب لنفسي مشاكل
تنهدت وهي تهز رأسها بيأس،:ادري فيش عنودة على ابوش،بس اتمنى ما تخلفين هالوعد،لا تخاطرين بنفسش
أمسكت يدها فوق خدها وقبّلت باطنها،نظرت لها بإبتسامة قبل أن تهمس،:ان شاء الله يا يُمه



ماضٍ

اسّتَشعَرَت الألم بجميع حَواسِهَا،ترفع يدها بمحاولة عاشرة ولكن لا يرتفع سوى الوَجَع..!
تنظر إلى المُلقى بعيداً عنها بعينين نصف مُغلَقَتِين سَكَنَ الدمع أطرافهما،رمشت لتسقط إحدى الدمعات،ميلان رأسها جعلها تميل عن وجنتيها لتسقط على الأرض أسفل رأسها حيثُ تَجَّمَع نهرٌ من الدموع،ترى في صفحة ماؤه نزيف جروحها و انكسارات روحها...

استنشقت من هواء الغرفة الملوّث بذكرى بدأت بنسج خيوطها في زاوية عقلها،تكسرّت جزيئات الأكسجين في صدرها الذي ارتعش،أخرجت الزفير مُشتعلاً كاشتعال روحها..مع كُل شهيق وزفير يتجدد الألم،و مع ذرف كُل دمعة ينعكس حالها المرير أمامها،دورة ألمها تُؤكد لها أن ما يحدث واقـع..ليسَ حُلماً مثلما تمنت عندما شعرت بأول وَخّزَة ألم..!




~ انتهى

لامارا 04-08-15 08:28 PM




بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم و رحمة الله وبركاته

توّكلتُ على الله






،

فَقدُ ذّات


شيءٌ من الوِحدة يُخنِق أنفاسه كدُخان حَرِيقٍ أضْرَمَته نُفُوس أنانية..هو كان ضحية نفسه،ضحية حُلم خائن..حُلم قاده لفقدٍ موجع يَتَشَعّبْ بين عُرُوقِه كمرضٍ خبيث يستنزف روحه المُشتاقة لعينين يرى من مكانه وبُعده المُرّ لمعة الدمع وسطهما..

رَفَعَ قارورة الماء المملوء نصفها إلى فمه..أفرغها وهو يشرب الباقي،كان الماء بارداً شعر به يسري في حلقه يُثلج حرائق صدره..أنزلها وكَفّهِ الحاملة لها ارتفعت ليمسح فمه بظاهرها..رمى القارورة في كيس القمامة القريب،أمسك أداته وباشر عمله وعقله يغرق أكثر مُتجاهلاً أطواق النجاة التي تُلقى إليه..

لا يُريد الراحة لعقله،يُريد أن يغيب وسط ذكرياته، أن يضيع صوت عقله بين أصوات الماضي...أصوات يَحُبُّها و يخاف يوماً أن يستيقظ وهو قد نساها...نسى نبرتها ولحنها المميز..
وجوه محفورة وسط إطار بات يصغر كُلّما مضت السنين..إطاراً زواياه أصبحت بقايا تُنذِر بسقوطها..سقوطها الذي يهدد بغياب تلك الوجوه..أطفال في ذاكرته و هُم واقعاً نسوا الطفولة،يتشبث بحبلٍ قديم تراكم الغُبار عليه وتباعدت خيوطه وبات لا يحتمل ثِقل جسده الرجولي..

هو كناجٍ من غرق،رمته سفينته وسط أمواج تلاطمت وتعاضدت و حملته فوقها حتى ألقته على شاطئ مقفر..ينظر لأجساد تغرب مع الشمس..ينطفئ نورهم معها،يرفع يده مُلَوّحاً فاتحاً فمه يبحث عن صوته الضائع بين خيبات الزمن، يركض برجليه الحافيتين يحاول الغرق ليصلهم لكن القدر يعود ويرميه فوق الرمال..تُريد الحياة أن تلتهمه كصيّدٍ غنيم تُمارس قسوتها وجبروتها عليه..تنهش لحمه وتفصله كُل يوم عن عظمه،تُعذبه أقسى عذاب،تُجبره أن يعيش و الذكرى من فوقه تتلاشى كما يتلاشى السحاب بعد الغَيّث..

Hallo maestro

لم يلتفت للصوت و كأنه لا زال مُتعلقاً كمسكين على باب عقله يَدُقَّهُ لينهل من الذكرى..واصلت يداه حركتها الرشيقة،بِتَمَرُّسْ يحركهما و كأنه يعزف على آلة موسيقة..هذا هو فَنُّه الذي يُجيده،أَحَبَّ ما ينشغل فيه وسط غُربته..

سمع الصوت القريب الواقف صاحبه على يمينه،:كيف هي ذراعك ؟
ترك مابيده و استدار له وعينيه تنظر إلى يديه وهو يمسحهما بالخرقة بعد أن تناولها من فوق كتفه،:بخير..ليس بالشيء الكبير
عاد الصوت لكن هذه المرة بنبرة مُتعجبة،ابتسم بسخرية لكلماته،:كيف ليس شيء كبير؟احتاج الجرح ثمان غرز !

و كم تحتاج روحه من الغُرَز !

رفع الخِرقة يمسح جبينه عن زخات العرق المُتكونة فوقه وأبدلها بلون أسود كان قد ترك أثر على ملابسه..رماها على كَتِفه بعد ان انتهى وبهدوء قال..
،:صدقني أنا بخير،لا اشعر بالالم الآن "و بمرح قال وعيناه تنظر إلى وجه صديقه" لقد اكتشفت أنك جبان،تخاف من الدماء كفتاة صغيرة
ضحك بخفة وهو يرى علامات القهر على وجه صديقه ويده ارتفعت ليضرب بقبضته كتفه وهو يقول،:كنت خائف عليك ليست الدماء السبب

ابتسم له ولم يُعَقّب على كلامه،على الأقل يوجد شخص يهتم لأمره هنا !

،:أنا جائع الآن لم آكل منذ الصباح،دعنا نذهب للغذاء
رفع رأسه للساعة المُعلقة،:فقط نصف ساعة فلدي عمل كثير
وهو ينظر للسيارات من حوله،:هذا واضح..لا تخف لن نتأخر،فقط نصف ساعة وعُد لمحبوباتك





الجزء الثالث


الساعة تجاوزت الثانية ظُهراً ولم يَسمع أيُّ صوت صادر من الغرفة،لم يُفتح الباب ولم يَفتحهُ هو !

بعد أن عاد من صلاة الفجر تَوَسّدّ الأريكة وغطَّ في نوم عميق يهرب فيه عن الأفكار و التساؤلات التي غزت عقله بعد الهدوء الذي أحاطه وحيداً..استيقظ عند الساعة العاشرة و النصف،لم يَستوعب في البداية أين هو،تساءل لماذا الجدران بيضاء من حوله،أين جُدران غُرفة نومه الداكنة ؟

التَقَطَت عيناه ثوبه المُلقى على الأرض،وفوق الأريكة كان "لبشته" النهاية نفسها...تنهد بعد أن استعاد عَقله الأحداث الماضية،و بدأت الكلمات المُختلطة بالدموع تعود أصواتها إلى أُذنه..قضى وقته إلى الآن وحيداً،لم يَجرُأ أن يُحدِث كيمياء بينهما قد تؤدي لإنفجار يَجهل مُخلّفاته..

نَظرَ للساعة مُجدداً..الثانية و ثلاثة عشرَ دقيقة،عادت عينيه إلى الباب ليتأمله ثانيةً و يستذكر تفاصليه الدقيقة التي حَفظها بعد تأمل امتد لثلاث ساعات متواصلة..زَفرَ بضيق وهو يسمع صوت هاتفه بجانبه،لم يَنظر له ولم يرفعه..يعلم من المُرسِل..فهي قبل نصف ساعة كانت تُحادثه،لم يَرغب أن يَرُدّ عليها فأسئلتها ليس عندهُ جواب لها،وهي بهذه الأسئلة تزيد من توتره وقلقه من الليلة الغريبة..فهو حاول بالقدر الذي أستطاعه عَقله اليَقِظ أن يُكذب على نفسه ويُقنعها أن ماحدث كان أمراً طبيعياً قد تَمُرّ به أي أنثى ليلة زواجها..

لكن تساؤلات أخته وشكوكها باتت الآن تأخذ حيزاً من عقله المُقترب من الانفجار،يّتذكر المُحادثة بينهما و التي أنهاها هو بعد أن تصلّب لسانه وأُطبِق فمه و الكلمات بُترت لم يعرف كيف يجمعها ليُشكل جواباُ لائقاً يُكبِح أسئلتها..

،

:عروس ترفض تنزف بيوم عرسها وتسميه شي عادي ؟ بسام انت جاد في حجيك لو شنو ؟!
بهدوء أجابها،:يا منال أنا كل الا سويته وافقت على طلب البنت ماادري هي بشنو تفكر،يمكن البنت تستحي
بتعجب لم يُقنعها جوابه،:و شنو هالحيـا الا يخليها ما تنزف ؟! كلنا نستحي ويوم عرسنا مارفعنا عيوننا حتى في عيون أهلنا بس انزفينا والحمد لله ما سوينا هالدراما كلها !
زمَّ شَفتيه وهو يغمض عينيه للحظات قبل أن يقول،:منال كل بنت و تختلف عن غيرها،يمكن هي حياها كبير يوصل لدرجة انها ترفض الزفة،و بعد أنا الا خبرتني امها،و امها مرأة كبيرة ما اتوقع بتوافق على طلب بنتها اذا كان السبب شي تافه..
أصدرت صوت يدل على عدم اقتناعها وهي تقول بنبرة شك،:والله يا خوي شكلك اتدبست في هالزواج،انا ما كان قلبي مرتاح لهالبنت قلت لك خذ ندى بنت خـ
قاطعها قبل أن تُكمل بحدة كان يجب ان يستخدمها مُنذ بداية المُكالمة،:اسمعي يا منال،حنين اللحين زوجتي وفي بيتي و انا ما ارضى ان تصدرين في حقها أي شكوك عقيمة،و لا ارضى تقارنينها بأحد..
،:و انا شقلت بسام ؟!
،:قلتين ولا ما قلتين،خلاص الموضوع انتهى وصار اللي صار الكلام ما بيغير شي،اللحين بسكر اتوقع ما عندش شي مهم،مع السلامة
أغلقه ولم يستمع لردها،يكفيه أفكاره المُقيّدة في عقله لا يتحمل قُيود أخرى تزيد من وَجَعِه ..


،

مَسَحَ على وجهه بحيرة وكَفيه ارتفعا إلى شعره،شّدّهُ بخفة قَبلَ أن يَقِف قاصداً باب الغرفة..نعم ليس الأمر طبيعياً لكن يَعلم أن سبباً مُقنع يَقبَعَ وراء هذا الطلب..و هذا يُفَسّر موافقة والدتها لها،لكـن ما معنى حَديث والدها ؟! عينيّ الرَجل لا يزورها دَمع إلا لسبب فعلاً آلمَ عِرقاً خَفيّاً في قَلبه..و أيُّ سبب هذا وماهو حجم هذا الألم ؟!

زَفرَ بعد أن فَشلَ مُجدداً من الهروب من أفكاره،كُل فِكرة وإن كانت بعيدة تقوده إلى ما حدث البارحة..
وَقَفَ أمام الباب،قّرّبَ رأسه إليه..ألصقَ أُذنيه يسترق السمع رُبماً صوتاً لنَفَسِها يَصله يُخبِرُه أنها لا زالت كائناً حيّاً يُشاركه المكان..

هّزَّ رأسه بعدم اقتناع،لا يَجدي لصق أذنه كسارق،رفع يده و بهدوء طَرق برؤوس أصابعه الباب،طرقتان ولم يَصِلُه الردّ..نادى بصوّت تستطيع سَماعُه..

،:حنيــن

لا ردّ..
مؤكد لن تُجيبه..بماذا يُفكر ؟ هو و الذي يَجهل حقيقة ماحدث لم يستطع أن يَخرُج من قوقعة الأفكار..بالطبع هي في وضع لا يَسمح بالمناقشة..لكنها لم تأكل شيء منذ البارحة..و إن لم يَكن حالهما طبيعي فهي مع ذلك "عروس" لا يَجب أن تَمُرّ ساعات يومها الأول معه خلف باب مُقفل وتفصلهما خطوات بُعدها كسنوات ضوئية !

نادى بصوّت أعلى ويده على المقبض،لا يُريد أن يَفتحه دون أذن منها،على الرغم أنها غُرفته معها،و لكن قد تكون في وضع لا تحب أن يراها عليه..!

،:حنيـن مُمكن أكلمش شوي

تّنهّد بحيرة ويده ترتفع لخِصره و الأخرى لا زالت مُمسكة بالمقبض،أنزل رأسه وأغمض عينيه وهذه المرة خَرج صوته أقرب للهمس..

،:حنـين

ثانية..ثانيتان..ثلاث
و في الرابعة شَعَرَ بالمقبض يتحرّك..رَفعَ رأسه بسرعة وعينيه تعلّقت بالباب وهو يُفتَح بهدوء..تراجع خطوة للخلف يُفسح لها المجال لتُقابله،انتظرها ولكن لم يُفتَح سوى الباب وليس أمامه سوى الغرفة خالية..عقّد حاجبيه ورجليه تخطو للداخل ولسانه يُناديها..

،:حنيـن انتِ وين ؟

هَمّس أنثوي تَحَرّرَ من دموع الليلة الماضية،أصبح أنقى و نعومته جليّة كشمسِ تُشرق بعد ليلٍ كان طوله كسنة..

،:اهنـي حنيـن

استدار للصوت ليراها تقف بثوب ناعم قصير..كانت تقف ويديها الاثنتان تُمسِكان بمقبض الباب،رأسها مرفوع بإستقامة تُلغي انحناءه بالأمس،وجهها بارد لا تُغلفه ملامح بُكاء و يُلطخ بياضه إحمرار..عينيها للأسفل،ردة الفعل الوحيدة التي ميّزها..خَجل طفيف لم تستطع تجاوزه...ازدردَ ريقه و إبتسامة خَفِيّة لم يكشف عنها سوى تجعيدة خفيفة عند زاوية فَمه اليُمنى..فهو للتوّ استوعب أنه لم يراها هكذا دون حجاب أو عباءة،أنثاه حلاله لا تفصلهما قيود..على الرغم أن عقد قرانهما كان قبل شهر !

انتبه لهمسها يعود مُجدداً و أذنه بدأت تعتاد لصوّتها الجديد على حياته..

،:بغيـت شي ؟!



يرتفع البخار من القهوة بتكاثف بعيداً عن الكوب بسانتيمترات قليلة..يَرّفُض الإنحكار وسط هذا الكوب الورقي،يُفضّل الشتات و الضياع في الغرفة على أن يُسجَن في قعر كوبٍ لن يبقى فيه سِوى تَصَدُّعات سوداء مُرّة !!

رفعت الكوب ترتشف بعينين سارحتين تكادان لا ترمشان،عَقلها يسبح في بحرٍ تركزت فيه الأملاح وتجمعت على جروحٍ لا يَقِف نَزفُها،جروح كانت ناتجة عن عملية انتحار كُبرى..

،:كله قهوة قهوة،ما تتمللين ؟!

رفعت رأسها للصوت القريب..ابتسمت لها ببرود وهي تراها تجلس أمامها،أبعدت عينيها بذات البرود للكوب تُكمل تأملها الذي قاطعته صديقتها..،زمّت شفتيها وهي تسمع صوتها مُجدداً
،:ادري تبيني اقوم بس عناد ماني قايمة
همست بضيق قبل أن تقف،:لا تقومين انا اللي بقوم
أمسكت يدها مُعارضة،:نـور بلا هالتصرفات مو أطفال احنا،قعدي كلها جم دقيقة وبيخلص البريك
بحدة همست،:ما ابي اقعد لان ادري بتجيبين لي وجع راس بأسئلتش اللي مالها داعي
رفعت حاجبها وبضحكة،:و من جاب طاري أسئلتي " اللي مالها داعي " ابداً ماكان الموضوع في بالي "و بخبث أكملت" إلا إذا انتِ تفكرين فـ
قاطعتها بقهر وصوتها ارتفع قليلاً،:سارة خـلاااص
حَبست سارة إبتسامتها التي بانت في عينيها المُتنقلتان على ملامح صديقتها،هَمست ورأسها يقترب منها وعينيها تعلقتا بعينيّ من أمامها..
،:فعلاً ما كانت بفتح هالموضوع ولا بسأل أسئلتي الا ماتحبينها..بس الواضح أن الموضوع اساساً ما يغيب عن بالش..ويهمش مو مثل ما قلتين مايشغل تفكيرش

اضطرب بؤبؤها ورمشيّها بدأت حركتهما السريعة..ثَقُل النفس في صدرها وقلبها انقبض لدرجة آلمتها،لا تريد أن تكون مكشوفة لهم،تكره أن تكون أفكارها عُرضة لهم..يستطيعون أن يفهمون ما بدخلها من عينيها ومن رجفة يديها المُتَعَرّقتين..تكره ضِعفها وهشاشتها اللذان أوصلاها لهذا الكَسر الذي لا يُجبر..ارتعش نَفسَها كما يَرتعش نَفسَ الأطفال عند البُكاء..الدموع تناثرت في ساحة عينيها الواسعتين وشفتيها الصغيرتان تميلان للأسفل لتزيدان من اهتزاز ذِقنَها..

رفعت يدها لجبينها وشهقة خفيفة انفلتت منها عَنوة،جعلت الدموع تزداد فوق خدّها..أرادت أن تتكلّم أن تنفي هذا الضعف البغيض،لكن ألماً في حلقها منعها من أن تَنطق،صوتها لم يُسعفها،كان مُتآمراً ليفضح ضِعفَهَا..

شعرت بيد صديقتها تُمسك بيدها المُرتجفة فوق الطاولة الصغيرة،سمعت هسمها المُرتبك..
،:نور والله آسفة ما كان قصدي،حبيبتي لا تصيحين

سحبت يدها بقوة نصفها قهر..تناولت المنديل لتُخفي فضيحتها عن التي أمامها وعن نفسها..شعرت بحرقة خفيفة وهي تمسح خدها بقوة ،مسحت أنفها وبدأت باستنشاق هواء جديد يُعيد ترتيب الفوضى التي أُحدثت داخلها..كوني أقوى نور كوني أقوى..

أخرجت الزفير بهدوء وهي تَشعر بانسلال الرجفة عن جسدها،و إن بَقيَ القليل في قلبها ولكن لا يُهم..فالقلب مَخفي وسط حُجراته لا يُمكن لأحد أن يطّلع على خفاياه ويكشف مستوره..

رَفعت عينيها لها بعد أن ارتدت البرود مُجدداً،تصالحت مع شتائها الصعيقي،وقفت وهي تقول بهمس بـارد كان يسخر بألم..
،:اللي تبينه صار،و ظنونش تأكدت،مرتاحة اللحين؟
بأسف نطقت،:نـوور
رفعت يدها أمامها،:مابي اسمع ولاشي سارة،ارجوش مرة ثانية اذا ماكان عندش سالفة لا تجين تكلميني،عن اذنش

مشت مُبتعدة عن سارة وعن المشاعر السلبية التي جاءت بها..كانت جالسة بهدوء وسط أفكارها،لكن قدومها القوي ونظراتها المُشككة أكدت لها أنها لا زالت واضحة للجميع..حاولت أن تختفي وراء البرود و اللامُبالاة لكن حواسها تفضحها..برجفة أو دمعة او ارتعاشة نَفس !

لن تبكي أمام أحد مُجدداً،ستكون أقوى،ستتجلد الى أن تَفقد شعورها وينطفئ إحساسها،ستغوص في بحٍر بعيداً عنهم،بحر يخلو من ترددات أصواتهم المُزعجة،ستنسى نور الضعيفة..نور التي تبكي لكلمة ينطقونها أو نظرة شفقة يوجهونها لها..ستكون أقوى بإذن الله ستكون أقوى..



ماضٍ

أمام بحرٍ لا نهاية له،وصوت أمواجه يضرب في قلبه ببرودة أرجفته وهو المعتاد على صعيق برلين الذي يضرب في العظم،،كان يقف مع رفيق الشباب و الشيب المتخلل في الشعر،شريك الأمس و اليوم،حافظ السرّ الأمين..

له ساعة ويديه مختبئتان في جيب بنطاله الأسود يبحث عن دفئٍ بسيط علّه يشعل حطب الروح المتصلب بجليد الأسى..

همس بعد صمتٍ أطبق ضجيجه على أُذن رفيقه:ابي أرجع برلين

تقدم خطوة حتى أصبح يُقَابِله،يقرأ عينيه المغلفتين بزجاج عاكس ترى فيه نفسك بحيلة اكتسبها منذ صغره،تراك ولا تراه..مهما حاولت !

بذات الهمس الذي يبدو أنه شعار الأصدقاء في هذا الليل الساكن:من متى صرت تترك الأمور وتهرب؟!

ظهرت تجاعيد عند زاوية فمه وبرزت ابتسامته الجانبية لتقتل الصمت وتُفنِيه وتكتب مافي القلب على أوراقٍ اصفرّت بإشتياقٍ الى حبرٍ يُسكَب عليها،يغرقها بكلماته وحروفه المعقودة حتى النهاية:مو بس اهرب الا اتمنى الموت..

سأل محاولاً جعله يعرض عن قراره الذي قد يعصف بقلب تلك البائسة التي وقفت على أبواب السماء سنوات،:و أهلك،أمك وأخوانك..بتروح وبتتركهم بكل سهولة؟!

أخيراً أخرج يديه المسكينتين من حضنهما القماشي المزيف، ويا للأسف لا زالت أصابعهما متجمدة أطرافها،رفع تلك اليدين اليتيمتين ومسح بهما وجهه بضياع أنهكه منذ أن تفجرت أمامه عيون الماضي،

وبتنهيدة مُثقل شهيقها:ما ادري ما ادري "انزل يده و أخذ يتلفت هنا وهناك" مافي طرّاد اهني؟ ابي طرّاد ابي اي شي يرميني وسط البحر
ضحك رفيقه بخفة:انت من صدقك تتكلم؟من وين تبي طرّاد الساعة ثنتين وربع الفجر

عقّد حاجبيه وهو يرفع معصمه ليتأكد ،انصدم من سرعة مرور الوقت،و كأنه بسرعته يقتل بقاياه المتناثرة عند بوابة الزمن،يقتلها ليقطعها بقسوة،يحرقها فتنتشر رائحتها النتنة ليفيق عقله من غفلته المريضة..

نظر له باعتذار:آسف أخرتك على بيتك والله ما حسيت بالوقت
بمزاح قد أراد به تلطيف الجو قليلا و إبعاد الكآبة عن صاحبه:لو جاي بسيارتي جان من زمان تركتك بروحك ورحت لسريري بس شسوي جاي وياك

ابتسم له وهو يستدير ويخرج مفاتيحه متجه لسيارته القريبة وسط نظرات رفيقه الحائرة و المتسائلة،نصف الموضوع بحوزته لكن نصفه الآخر عتمة بالنسبة له،سطور مُشَفّرَة لم تُترجم بعد..





يتبع



لامارا 04-08-15 08:29 PM


//


حاضر

مساءً..أحد مجمعات التسوق

انتهى عشاءهما و انطلقا من جديد لتسوقهما الاعتيادي،كُل واحدة تشتري ماينقصها..ويا ليت ما ينقص الروح يُشترى !

رفعت فستان ماروني طويل ليس به أكمام يكشف عن الكتفين بطريقة أنيقة عاري الظهر تُغطيه قطعة من الدانتيل الراقي،أعجبها،بسيط ويُناسب ذوقها،لكن أين تلبسه ؟!
ضحكت بخفة وهي تقول..

،:عجبني الفستان بس للأسف مافي مناسبة عشان اشتريه
ردت بصوتها الناعم دائماً،:عادي مو لازم مناسبة اشتريه في المستقبل بتحتاجينه
هزت رأسها بالرفض،:لااا ما استحمل اشوفه عندي و ما البسه
بمزاح قالت،:البسيه لنفسش عادي مافيها شي
ضحكت وهي تنظر للسعر،:ادفع هالمبلغ عشان بس البسه لنفسي !
،:و لعمتي بعد
،:اييي عشان تتأكد أمي من جنون بنتها،اقعد لها بفستان حفلة بدون سبب "وهي تتذكر" الا على طاري الحفلة..شنو قال لش يوسف البارحة؟
عقدت حاجبيها وتساءلت وهي تَدَّعِي عدم الفهم،:ما فهمت؟ شنو قال لي؟
استدارت لها بكامل جسدها وهي تخفض صوتها و إبتسامة خفيفة على شفتيها،:يعني اقصد ما علق على شكلش..كنتِ ما شاء الله تجننين
إبتسامة حسرة تكونت على شفتيها حاولت بجهد ان لا تنتبه لها ملاك،:لا ما قال..تعرفينه اخوش ما عنده هالسوالف
تأفأفت،:ولا بيتغير هاليوسف..ما يعرف يقول كلمة حلوة حتى لش انتِ زوجته !
حاوت أن تضحك بمرح،:عادي تعودت عليه،لو بيقول مثل هالكلام بانصدم
ابتسمت لها بصدق، وعيناها تنظر لها بحب:الحمد لله انش كنتِ من نصيبه..ما اتوقع ان وحده غيرش ممكن تتحمل يوسف وغرابته

اختفت ضحكتها المصطنعة،و كلمتها أثارت شيء في داخلها..

غريب عنها وهي عنه غريبة..لم يلتقيان إلى الآن،لا زالا عالقان وسط زُحَام الغَيّبَة،ضائعان حيث لا مرآة تعكس دواخلهما..
الغربة بينهما ترتفع كأسوار تحيط بهما حَدَّ حَجب نور الشمس عنهما،لم تستيقظ مدينتهما فسباتها دائم في جحرٍ تختبئ عن صعيق شتاءهما الأزلي..لم تنتهِ رحلتها الإستكشافية بعد..شدت الرحال وحيدة تبحث عنه..تبحث عن الإنسان داخله،تبحث عن شيء آخر غير اسمه وعمره و عائلته...تبحث عن رَجُل لم تكن أنثاه قطّ
تُزَعزِع رحلتها رياح ساخنة ينفثها هو،يجعلها تتعثر بنظراته فتسقط لتحاوطها رمال تُمَهّد لقبرها المحفور بيديه،قبر موحش اختار لها ان تسكُنَه،أن تختنق فيه حيث لا هواء،فقط برد موجع ينخر عظامها الراجفة بضياع..
هي ضائعة فيه..في غُربته هي غريبة !

،:حــور !

تنهدت..لا وقت لهذا يا حور..لا المكان و الوقت مناسب،لا تثيري استغراب ملاك،تناسي ذاك الغريب..تجاهلي اسمه و تجاهلي كل ما يتعلق به،عيشي و لو للحظة بعيداً عن فوضاه !

نطقت بابتسامة واسعة زينت شفتيها ولم تصل لعينيها،:هــا شنو قلتين،بتشترين الفستان ؟

،

فتحت الباب بمفتاحها وهي تحاول حمل الاكياس دون أن تسقط،لقد استنفذت كل طاقتها في التسوق،غرقت بين أكوام الملابس المعلقة بأناقة مُفرِطَة تدفعك إلى تَحَسُس قماشها و معرفة أي المناسبات خُيطت لها..

اشترت واشترت دون تفكير ودون قياس،تخيلت نفسها فقط ترتدي هذه الملابس،تخيلت شعرها ومساحيق التجميل الخفيفة في وجهها،حتى انها اشترت العطور الخاصة لكل قطعة،كعبها العالي الذي لا تستغني عنه الا للضرورة انتعلته في مخيلتها..

لكن…في كل المناسبات كانت وحيدة،لا يشاركها اللحظة غير أكياس المحلات الفارغة وأحمر الشفاه الضائع غطاءه،وعطرها الذي لا يزال يلتصق بعنقها لم يُستًنشَقَ بعد..

توجهت مُباشرة للأعلى حيث غرفة نومها...و غرفة نومه الإحتياطية،ابتسمت بسخرية وهي ترمي الأكياس على السرير،خلعت حجابها وعباءتها ورمتهما على الأكياس..زفرت وهي ترفع قميصها الشفاف لتتحرر منه لتبقى بالقميص الداخلي الخفيف الكاشف عن ظهرها وذراعيها.
.
رفعت يدها و بأطراف أصابعها أزالت ربطة شعرها و تناثرت خصلاتها كريش جناحين طيّر تُرفرف على كتفها ساترة ظهرها،خصلاتها الفاتحة عانقت بدر وجهها الخالي من المساحيق..ملامحها مُستقِرَّة لا تُبعثرها فوضى،جلست على السرير وهي تتناول حقيبتها من على الأرض و أخرجت هاتفها،نظرت للساعة وأغلقته ثم رمته و الملل بدأ يأخذ حَيّزاً من وجهها..بانت تجاعيد خفيفة على جبينها كجرس إنذار يُحَذّر من تَخَلُّخل إستقراره القصير..

رفعت ركبتيها و ذقنها استقر فوقهما وبذراعيها أحاطت رجليها..أغمضت عينيها بهدوء كان أقرب للبرود،سكون الغرفة أبعدها عن واقعها،أغمضتهما وعقلها اختار السواد نفسه،و كأنه ارتفع مُحلقاً بعيداً عن جمجمتها،شعرت بخفة في رأسها الذي مال جانباً..و نفسها الثقيل انتظم..غفت بعد ان استشعر قلبها السكينة تُحيط به،أرسل عقلها إشاراته إلى أعصابها أن استرخي،اغتنمي الفرصة و حلقي بعيداً عن الاشتداد الذي جَرَّكِ الى فُوَّهة الشلل..

كفيها تباعدا قليلاً عن تشابكهما وذراعيها خففا من احتضانهما لرجليها المتنملتين من طريقة نومها الخاطئة.. داعبت أنفها رائـحة قوية يُخالطها نسيم بارد يحمل قسوة أصلُها رُكام ماضٍ مُشَوّش..

أصدرت صوّت يدل على ضيقها من حركة مُزعجة تقترب منها..اقتربت الرائحة أكثر حتى دخلت حلقها..عقدت حاجبيها بإنزعاج وسُعال خفيف قطع سكونها..أرادت أن تُحرك قدميها لتبتعد لكن عدم شعورها بهما جعلها تفقد توازنها وعقلها الباطن أوهمها أنها ستقسط من علوّ..شهقت بخوف وذراعيها تحركتا باضطراب تبحثان عن شيء تمسك به،اصطدم كفها الأيمن بقطعة قماش وبكل قوتها أمسكت بها وهي تسحبها دون دراية بماهيتها..سقطت على جنبها الأيمن و هي تفتح عينيها بفزع..

تنفست بلهاث و جسدها تزوره رجفة خفيفة تضامنت مع دقاتها السريعة..أخرجت زفيرها وهي تغمض عينيها براحة للحظات وفي سرها تشكر الله أنها لم تسقط حقيقة..عادت وفتحت عينيها و هي تشعر بالدم يسري في عروقها بعد أن جَفَّ خوفاً لدقيقة..استيقظت حواسها أكثر و ألم بسيط في معصمها نبهها للذي تمسك به..التفت بهدوء وعينيها على يدها،ارتفعت بخفة للأعلى..ازدردت ريقها وعدستها انعكس فيها صورة عُنق رجولي تنتشر أعلاه شعيرات قصيرة...استنشقت الهواء بصعوبة وهي تشعر بذرات الأكسجين تتكسر بحدة في صدرها،فتحت قبضتها تاركة قطعة القماش التي لم تكن سوى قميصه الأسود،ابتعدت يدها للخلف واستقرت باختباء في صدرها..أدارت وجهها و انكماش أغشى ملامحها بعد أن أفرزت مسامها زخات الإسترخاء على شكل عَرَق مُرتبك..

هَمست،:روح عني

شهقة حادة شَقّت طريقها من صدرها حتى خرجت من فمها وهي ترى ذراعيه تحيطان بجسدها..تحركت بمحاولة أن تتملص من بين يديه وحريق قُبّلاته على وجهها ألهبها،ارتعش صوتها و نفسها خرج متقطعاً،أمطرت عينيها وهي تحرك وجهها بتعب يمينا شمالاً و لسانها الثقيل يحاول أن ينطق بكلماته..

،: يــ ـ وسـ ـف الله يـ ـخليـ ـ ــ ـك اتركنـ ـ ـي .. الله يخـلـ ـ

ماتت كلماتها من طعنة شهقة موجعة..أنفاسه الحارة اختلطت بأنفاسها اللاهثة..داخلها يركض محاولاً الفرار من قَيّد ذراعيه اللتان كسوط تَحُطّان على جسدها الطَريّ..قُبّلاته كذرات ملح تنتثر على جروحها،شفتيه تطبعان قُبلات متفرقة على وجهها كختم يُوَثِق ملكيته لها..اشتد وثاق ذراعيه و جسدها اعتصر بين أضلاعه القوية،تَمَنّت لو أن يشعر برنين قلبها ويعتقها،لكنه واصل وجبينه يلتصق بجبينها..أغمضت عينيها وصمته ينقطع ليخرج صوته هامساً

،:حـور لا تحرميني منش..بس خمس دقايق،محتاج والله محتاج،شوي بـــس شوي يا حــور

نطقت باعتراض،:اتركني ما ابيـــ ـك مــ ـ

بترت كلماتها مجدداً،زادت دموعها بقهر،شهقاتها ترفض إفصاحها،كُلما ارادت أن تُعَبّر عن رفضها له وبغضها الكبير له تُعاندها وكسيف تقطع كلماتها..

ارتفعت كفيّه تحتضنان وجهها الغارق بالدموع،مال وجهه قليلا،داعب أنفها المحمرّ بأنفه وبرجاء همست شفتيه لشفتيها المرتعشتين..

،:ثواني بــس حـور طلبتش ثــواني

لم يترك لها مجال لتعارض وشفتيه بلهفة أكبحت لجام كلماتها..تجمدت في مكانها وشعرت للحظة بتوقف نبضها،تيبس فضيع أصاب أطرافها وشدّ مؤلم أحاط فقراتها من أسفل ظهرها إلى نهاية عنقها..كان بقبلته يسحب جزءاً آخر من روحها،يمتص رحيق صبرها،يستنزف طاقتها الهَشّة..

ابتعد بعد أن سيطر على أحاسيسها التي قبل دقائق ظنت أنها نجحت في سيطرتها عليها..نظرت له بتأنيب مُتعب..مال رأسها وكتفيها يرتفعان بقلة حيلة حتى لامسا أطراف أذنيها وجانب وجنتيها..

،:حــ ـرام عليـ ـ ــك

أنزلت رأسها و انفجرت تبكي بمرارة ولسانها يُردد "حرام عليك" "حرام الا تسويه فيني"
رفعت كفيها لوجهها تغطيه تُخفي بؤسها ودموعها وانشطار روحها الواضح في عينيها الغائرتين..

أما هو فاقترب منها وبكفيه أمسك رأسها قَرَّبَه من صدره وهي لم تحاول ان تعارضه،فطاقتها كُلها انهاها مع قبلته..لا تريد قربه ولا تريد أن تلتصق رائحتها الرجولية بها..ضعيفة هي امامه ويا للأسف لا حيلة لها..كطير مكسور الجناحين تبكي في حضنه ورأسها مرمي فوق قلبه،تبكي منه وبين يديه..داخلها يصرخ اتركني وجسدها مناقضاً يتلوّى بِوّجَع وسط حضنه..

تنهيدة طويلة،حائـرة خرجت من صدره ولثقلها لم ترتفع وعادت لتسكن صدره من جديد،فلا خلاص من الوجع...أنزل رأسه لرأسها..طبع قُبّلة عميقة عليه وبصدق خالص همس..

،:سامحيـــني يا حــور

حَرَّرَهَا من بؤرة عذابه..أنزل جسدها على السرير وترك رأسها فوق وسادتها الصديقة،المحتفظة بأرشيف من دموعٍ وعبرات مخنوقة..

هي ما إن ابعدها عنه تكومت على نفسها وذراعيها احتضنتا جسدها كجنين،أغمضت عينيها بقوة و الإرهاق أخذ مأخذه منها،صوتها انسلخ من شهقاتها الحادة،أخرجت النفس بأنين طويـل دُفن بين طيّات وسادتها..شعرت بثقله يترك السرير،لم تفتح عينيها وهي تسمع صوت خطواته السريعة.. ثوانٍ وصوت إنغلاق الباب يصلها،عضت على شفتها السفلى وانقلبت على بطنها لتبدأ نوبة بكاء أخرى..تجددت الدموع و استعادت الشهقات عملها،أغشى واقعها حزنها المرير،و الشعور تطاير ببعثرة..لم يبقى سوى البكاء..أنيس ليلها و حكايتها ماقبل نومها !

،,

تنظر لظهره بسرحان..وعقلها يسترجع ما حدث ظُهراً،توقعت منه حديثاً مربك و أسئلة استفسار سيوجهها لها،لكن و كأن شيئاً لم يقع، و كأن ماحدث كان طبيعياً لا يثير تساؤل رجل يرى أنثاه في أول ليلة لهما عارية من فستان أبيض والدموع كحل عينيها..

تنهدت بخفة و عيناها ملتصقة بظهره،محظوظ هو،استطاع أن ينام مجرد ان وضع رأسه على الوسادة..وهي ساعتان مستلقية ولم تنم،الساعة تجاوزت الواحدة و هي لا زالت عالقة بين ساعات الظهر..

،

كانت قد استيظت في تمام الواحدة و النصف،بعد جهد استطاعت أن تنام بتقطيبة جبينها و عقدة حاجبيها..
استَحَمّت وغيّرت ملابس البارحة المشؤومة وهي كارهة لقميصها الأبيض وبنطالها الأزرق..ارتدت فستان بيتي قصير يصل إلى أسفل ركبتيها مباشرة،أصفر ذو أكمام قصيرة و منفوخة،يضيق حتى أسفل الصدر ثم يتوسع إلى نصف ساقيها النحيلين ،لونه أضفى على بشرتها رَوّنَق خاص..رفعت شعرها ذيل حصان و لم تلتفت لمساحيق التجميل المرتبة بعناية على تسريحتها..

صلت فرضها وهي تستغفر لتأخيرها،ثم رحت تتجول في الغرفة..غرفة الملابس ودورة المياه،لم يكن لها أي تدخل في الأثاث ولون الجدران ولا أي شيء آخر..و كأنها ضيفة على هذا المنزل،شيء في أعماقها يقنعها أن بقائها هنا لن يطول..خاصة بعد ما حدث البارحة !

هاتفت والدتها و اطمأنت عليها،و انكسر قلبها لرفض والدها الحديث معها..يجب أن تطلب السماح منه،دموع عينيه كانت السبب الأكبر في درأ النوم عنها...تعلم أنها مخطئة في طلبها و لكنها لم تشأ أن تُزف و الإنكسار على وجهها،لم تشأ أن يُشمت بها..فهي لم تنسَ ضحكات التَشَمُّت قبل سنوات..لا تريد أن ترى فرحة الانتصار على وجوه أعداءها..وهي لا تملك القدرة على أن تتصنع الفرح أمامهن..

وهي غارقة وسط أفكارها،سمعت صوت طرق الباب..

التفت بقوة له،ازدردت ريقها بارتباك..بالتأكيد هو،لا أحد غيره..سمعت صوت الطرق من جديد..وقفت بتردد،ماذا تقول له عندما يسألها...كيف ستواجهه..لا تعرف لا تعرف !

أَنّهَرَت نفسها و وبختها على ترددها..هذا ليس من طبعها..ستعرف كيف تجيبه ولن تسمح له أن يتمادى في أسئلته،ليس من حقه أن يعرف شيء..

توجهت للباب و رأسها مرفوع بثقة،تريد أن تمحي صورة الإنكسار التي كانت عليها البارحة..سمعت طرقته،وضعت يدها على المقبض وفتحت الباب وجسدها يتراجع للخلف مع انفتاحه..رأته يدخل وظهره لها..سمعت تساؤله

،:حنيـن انتِ وين ؟
همست بهدوء واثق،:اهنـي حنيـن

دَقَّ قلبها واضطرب،و ببراعة فصلت داخلها عن خارجها..و لكنها لم تتجرأ لترفع عينيها إليه..فهي مع ذلك أنثى و من طبعها الخجل،و لا تستطيع أن تخرج عن هذه الفطرة..

همست مرة أخرى،:بغيـت شي ؟!

نطقت بسؤالها وشعرت بخطواته تقترب منها،زادت من قبضتها للباب..وقف أمامها على بعد خطوتان،انتبهت ليده ترتفع أمامها،أغمضت عينيها بخوف وهي تدير وجهها ولم ترى الإبتسامة التي ظهرت على شفتيه..تنفست بهدوء وهي تشعر بيده فوق رأسها..فتحت عينيها ببطئ..كانت شفتيه أمامها تهمس بكلمات تَبَيّنَ لها أنها دعاء،أنزل يده بعد أن انتهى..

،:ممكن تتوضين عشان نصلي ركعتين
تنحنحت قبل أن تُجيب،:احـم،متوضية
هز رأسه وهو يستدير متقدماً عنها ويهمس،:تمام

بعد ان انتهت صلاتهما..ظلت بثوب الصلاة جالسة تعبث بأصابعها..هو قد جلس على السرير بصمت وَتّرها..سمعت اسمها على لسانه..

،:حنـين

تحفزت لأي هجوم منه وهي تجيب ببرود،:نـعم
،:مشتري غذا..خلينا نتغذا انتي من البارحة مو ماكلة شي
رفعت عينيها له و نظرة التعجب واضحة فيهما..ابتسم لها وهي أنزلتهما بسرعة.. وقفت تخلع الثوب تنشغل به وهي ترد بكلمة واحدة
،:اوكـي

وقف واقترب من مكان وقوفها،لم تلتفت له وهو تساءل،:تبين نروح بيت اهلش المغرب؟
منزل أهلها..يعني أن تقابل والدها..لا لا تستطيع..لم تخطط كيف ستواجهه وماذا ستقول له..بسرعة قالت
،:لاا لا مو اليوم..خلها لباجر احسن
،:مثل ماتبين..انتظرش برا

و تجاوزها خارجاً..جلست هي بتعب على السرير..رفعت يد لجبينها،ضغطت بأصابعها..طوال مشاركته الغرفة لها كانت تنتظر منه هجوم واعتراض واسئلة على ماحدث البارحة..كرهت انتظارها لردة فعله..غير معقول التجاهل الذي يمارسه..و بطريقة ما أثار قهرها !
و عكس توقعاتها لم يفتح الموضوع معها على الغذاء..و الى ان انتهى اليوم !


،

انتبهت من غفلتها عندما انقلب على يساره ليقابلها وجهه..و لتتفادى تأمل وجهه القريب انقلبت هي أيضاً..رفعت الغطاء أكثر ولم يعد يبان سوى رأسها..أغمضت عينيها و شفتيها تحركتا تنطقان بأذكارها..تجاهلت أنفاسه العابرة من الخلف..وتناست أن جسده بحرارته الطبيعية لا يفصله عنها إلا سانتيمترات قليلة..و كالعادة نجحت،و غفت عيناها غير آبهة بالذي يُسمى زوجها..فإن كان هناك رجل يشغل عقلها..فهو بلا شك والدها !





~ انتهى

لامارا 18-08-15 02:57 PM

بسم الله الرحمن الرحيم

توكلتُ على الله


،


فقدُ ذّات

استنتاج صغير لم يَظُن للحظة أنّ عاقبته ستكون وَخِيمَة..و جـداً !

وخيمة إلى درجة أن يكون حاله على ما هو عليه الآن،ذراعيه مرفوعتان للأعلى بشدة تكاد تقطع عروقه وعضلاته..معصميه مُقيّدان بقيّدٍ حديدي أدماهما..ظلامٌ من حوله،فعينيه تُغَطّيهما قطعة قماشية مشدودة على رأسه..تَصِلَهُ من الخارج أصوات حديث بلغة لا يفهمها..

العَرَق يُواصِل مَسِيره على جسده العاري من الملابس..عُرّيَ كُرهاً وغَصَباً،لم تشفع لهُ توسلاته و لا صراخه الذي باح على إثرِهِ صوته..

النَفسَ مُتعب،يتخلله صوتٌ كحنين..فتح فمه يُريد أن ينطق بكلمة قد تُنجيه لكن حشرجة قاطعته ظَنَّ أنها دليل على بُكاءه،فانتظر دمعاً يَهِلّ من عينيه..لكن لا شيء ! لايدري هل ما يُغَطّي عينيه كان حاجزاً للدمع،أم كلماتٍ زُرعت في عقله منذ الطفولة حتى زاد نُموّها ؟!

إذاً متى ستنضج هذه الكلمات ؟ متى سيحين قِطَافها ؟ فَبِهَا البُكاء عَصِيّ... أم أنها سَتَذبُل و تموت لتحيا فوقها ديدان نَتِنَة تلتهمها ؟،و بعدها ربما سيكون قادراً على البكاء..قادراً على أن يَجُرَ الأنين..أن يشعر بالشهقات تجرح حلقه و بخطّ الدموع يَعبر ناصية خَدّه..

حرّك رأسه ببطئ يميناً،ثانيتان و حرّكه يساراً..أعاد ما فعله مجدداً و كأنه يبحث عن خلاصٍ بين كَتِفيه..مع حركته تجدد شعوره بالألم..وهو للحظات نسيّ جِراحه..أصدر آه طويلة خرجت من صدر رَجُل فاقد !

و ليتهُ فقداً و احداً !

سَمِع صوت الباب..كان الصوت آتياً من جهته اليُسرى..خطوات قوية على الأرض تقترب منه،رَفعَ رأسه بتوجس..أنفاس كريهة كانت ترتفع إليه حتى مكانه،سمع صوته ينطق بكلمات لم يعرف معناها..
هل هو الموت ؟

أهذهِ صَوّت أقدامه الخفيّة و هذه رائحته المُخيفة..حتى الصراخ استعصى عليه،كان يضغط على أسنانه و جسده يرتجف بشكل هستيري و هو يشعر بحريق اللهب يَمُرّ كريح ساخنة على جراحه..أيُّ عذاب هذا ؟ و أيُّ صُنف من البَشَرَ هؤلاء ؟!

عروقه نافرة تكاد تخترق جلده..و أعصاب حِسّهِ على مشارف الموّت،تراكم الألمُ على الألم...لم يعد هنالك مجال للشعور..طالت سلسلة الفقد وباتت تُكَبِلُه،لا قدرة لديه على الأنين..العقل أبدى رفضه لأن يَبقى يَقِظاً وسط هذا الهَول من الوجع،تنازل عن صَحوته و أوقف المُخ إرسال إشاراته...

كركودٍ بعدَ زلزال مُدمّر..هدأت رجفته،استرخت عضلاته و استكانت حركته،أسَبل رجليّه كالمَشْنُوق..و رأسه تطأطأ للأسفل مُنكَسِراً وهو في غيبوبته،إعلان صَريح على أن الإنكسار لم ولن يكن في صَحوته !

هَرب من العذاب بعد ان استُنزِفَ كل ما يشعر ويحس فيه..اختار أن تغشاه رمادية مشوشة و أن يطغى السوّاد على عَقلِه..و اُذنيه تُصَمّ عن أيّ فحيح يُنَجّس سَمعه..

فَضّلَ اللاشعور على العيش في سجن قُضبانه الأَسَّى..




الجزء الرابع

ابتسمت بضيق في وجه أُختها التي قابلتها عند بداية السُلّم..كانت لا زالت ترتدي ملابس النوم،زهرية تُناقض بُهت وجهها المُتعب..تقدمتها وهي تنزل ببطئ وجسدها يتمايل بكسل..سمعت صوتها من خَلفها يقول بسخرية..

،:ما دام النومة للحين في راسش ليش نازلة ؟!

لم تُجيبها و واصلت نزولها و توّجهت إلى غُرفة الطعام..كان والدها هناك و والدتها يبدو أنها في المطبخ..قَبّلت رأسه و جلست بهدوء في مكانها الإعتيادي..نظرت للطعام،صدر صوت من معدتها..تنهدت بخفة فلم يدخل بطنها سوى القهوة مُنذّ البارحة..أدمنتها كما تقول والدتها !

،:يُبه نـور سلمي قولي صباح الخير،جذي قعدتين من غير أيّ صوت

اغتصبت الإبتسامة وهي ترفع رأسها تنظر له،:آسفة يُبه..صباح الخير
تنهيدة خرجت منه أتبعتها إبتسامة ثم قال،:صباح النور يا نور..ها حبيبتي شخبارش شخبار الدوام ؟
أنزلت رأسها و تناولت صحنها وبدأت بوضع بعض الطعام فيه،:الحمد لله يُبه كل شي تمام

،:اي يُبه لا تخاف عليها دكتورتنا الذكية

عقّدت حاجبيها و رفعت رأسها للصوت..لم تنتبه لجلوس أختها،عضت على شفتها السفلى لا زال انتباهُها قيّد الإنشاء ! وضعت قليلٌ من الجبن على قطعة الخبز المربعة..جائعة هي حالياً لكن تخاف ان تأكل ويبدأ شعور الغثيان المُقيت..نظرت للخبز للحظة،قرّبته لفمها،سمّت هامسة و تناولت قضمة صغيرة..حركت فَمَهَا بهدوء وعينيها تنظر للأمام و الرؤية المنعكسة لم تكن سوى انعكاس للماضي..

يُحِب تناول الخبز مع العسل في الصباح..حركت عينيها للطاولة،انتقلت على الأصناف العديدة و المنتشرة بترتيب على الطاولة البُنية..رأت العسل قُرب والدها..هي تكره مذاقه و دائماً ما كانت تتساءل كيف يتلذذ الناس عند أكله ؟!

أنزلت عينيها مُجدداً تنظر للخبز رفعته و قضمت قضمة أصغر من سابقتها..عانت وهي تحاول مضغها لتجرَعها..كطفلة كانت و كدواء كان الخُبز..تُغصِب نفسها على تناوله..لم تستطع إكماله فأرجعته للصحن..وضعت باطن كفها على الآخر و بخفة حركتهما لتتخلص من فُتات الخبز..

هَمست وهي تضع كفها على حدود الطاولة رافعة جسدها تستعد للوقوف،:الحمد لله

،:ويـن رايحة نور ؟

رفعت عيناها لوالدتها..متى أتت ؟! لماذا لا تنتبه لقدومهم ؟!

أجابت بهدو وهي تستقيم واقفة،:بروح غرفتي الحمد لله شبعت
،:تجذبين على من ؟كلها لقمتين اللي أكلتيها..يله قعدي كملي الأكل
باعتراض،:يُمـه ما
قاطعتها بحزم،:قلت قعدي..وبصب لش حليب شربيه

جلست باستسلام وملامحها معقودة..لا تستطيع الأكل،على الرغم من جوعها فهي تشعر بالطعام كعلقم يعبر حلقها،يسبب لها الغثيان كُلما تناولته..مدت يدها و تناولت كوب الحليب من والدتها.. وضعته أمامها وهي تنظر للبخار يرتفع،باتت تربطها صداقة قوية مع البُخار !

كُلّما تأملتهُ عيناها تذكرت بُخار قهوته الداكنة..مُرّة على عكسه،يشربها صباحاً وظهراً ومساءً..كانت و بغباء تشعر بالغيرة عندما يُعَبر عن عشقه لقهوته المرة وكيف تستطيع أن تُزيل التعب عنه وتُرخي عضلاته مجرد ما يرتشف منها..!

سمعت صوت والدها هذه المرة،بنصيحة قال،:يُبه لازم تاكلين عدل،شغلش يحتاج طاقة وجهد وانتِ اغلب يومش واقفة لازم يتغذى جسمش
هزّت رأسها،:ان شاء الله
،:تبين احط لش بيض ؟
،:لا يُمه مو مشتهية
صمتت ثوانٍ وعينيها عادت للصحن القريب من والدها..بتردد نطقت
،:ابي عسل
أختها باستغراب،:بس انتِ ما تحبين العسل !
بإصرار قالت،:اشتهيته اللحين ابيـه
رفع والدها صحن العسل وهو يقول،:ولا يهمش حبيبتي وهذا العسل كله حقش

تناولتهُ من يده بكلتا يديها وكأنه هدية يُقدمها لها بعد وعود عديدة...
نظرت له بحنين..لوَهلة شعرت أنها تُمسِك بجزءاً منه، شيء كان يُحبه،حتى ولو كان مُجرد عسل !



تراكمت الأفكار في عقلها كذرات غُبار كُلّما أرادت أن تمسحها تسارعت طائرة إلى أنفها و إلى عينيها تُحِرقها....لا خيوط تستطيع أن تربطها ولا إجابات تُسطِرها أسفل أسئلتها التي استقرت فوق صفحات عقلها سنوات..

هي عاجزة وتعلم ذلك..و هذا ما يُتعبها أكثر..يؤكد لها أن النهاية شيءٌ مُحال،و أن المشي في طريقٍ يخلو من إشارت توجيهية لن يَدلُها للمحطة المنتظرة أبداً !

إذاً ما الحل ؟!

أتَترك الأمر و تتحرر من قبضته الخانقة لقلبها ؟ أتهرب من الدوامة التي أُلقيت فيها غَصباً وهي طِفلة كانت تجهل أغلب المصطلحات التي تُلقى على مسامعها..لم تعرف معانيها ولم تكن تستشعر سُمّها القاتل..ذلك السُمّ الذي وَسّعَ انتشاره في دمها،امتزج به بخَبَث صامت،غزاها في غمضة عين،لم تستفق إلا على الألم بعد أن أنهى اِسْتَفحَاله !

رَمشت عيناها لتظهر لها صورة واقعها،أنزلتهما لساعة معصمها الجلدية،تَبقى خمس دقائق على جرس الطابور الصباحي..وقفت وبيديها رتبت عباءتها الأنيقة الخالية من أيّ ألوان مُلفتة..سوداء بتفاصيل رقيقة و جميلة،كما تَحُب وترتاح له !

مشت خارجة من مكتبها لتلقتي مع أقرب امْرَأة لها هنا..ابتسمت في وجهها وهي تقف أمامها..

،:صباح الخير فطومة
ابتسمت لها بِسِعة وبصوتها المَرِح،:صباح الأنوار آنسة ملاك،شـوو الأخبار؟
وهي تتحرك معها متوجهتان للساحة التي تتجمع فيها الطالبات للطابور،:الحمد لله..ما كلمتيني هاليومين
بتنهيدة قالت،:وين اكلمش يا بنت الحلال،و الا عندي يخلوني اخذ راحتي ؟!
ضحكت بخفة،:حبايبي وحشووني
حركت فمها قبل أن تقول،:اخذيهم عندش يوم بس و بيتغير كلامش
عقدت حاجبيها بخفة و بتأنيب،:حــراام والله انهم يجننون

وقفتا عندما وصلتا للمكان الذي تقف فيه ملاك كعادتها حيث يسمح لها المكان لرؤية جميع الطالبات بوضوح،:والله من شطانتهم ما عندي وقت لأي شي..بس انتظرهم ينامون عشان ارمي نفسي واروح في سابع نومة،من الصبح لين الليل لعب وضحك وصراخ وصياح وطلباتهم اللي ماتخلص "زفرت ثم أكملت" الله يحفظهم
ضحكت،:زين بعد قلتين الله يحفظهم لا تعطينهم عين
ابتسمت،:والله ملوكه ماشاء الله عليهم دائماً في نشاط
،:الله يخليهم يارب "و بمزاح أكملت" وبعد انتِ ما رحمتين عمرش ما تكملين سنة من الولادة الا و حملتين مرة ثانية لين ماصاروا خمسة ماشاء الله
ضربتها بكوعها وهي تعض على أسنانها وبقهر،:ملاكوو بلا نحاسة..شسوي بعد الله كاتب احمل،الحمد لله
ابتسمت بحنية لها،:حبيبتي الله يساعدش ويعينش ويخلي لش هالجميلين
،:ان شاء الله يارب

صوت الجرس القوي قاطع حديثهما وتلاه أصوات الطالبات العالي وضحكاتهن المرحة وهن ينتشرن في الساحة..

فاطمة بعجلة،:خل اروح لطالباتي لا احصل لي كلمة

هزت ملاك رأسها بخفة وهي تبتسم لها..رفعت ذراعيها و عَقَدَتهُمَا على صدرها وعيناها تتحركان بهدوء على الطالبات..كانت تبتسم و ترد السلام على كل واحدة تمر بجانبها سواء كانت مُعلمة أو طالبة أو حتى عاملة..

،:صبـاح الخير آنسة ملاك

عقدت حاجبيها من الصوت القادم من الخلف وسط الأصوات المنتشرة و نبرة الاستهزاء الواضحة أثارت غيظها..استدارت لمن خلفها و ما إن رأتها حتى اعتلى البرود ملامحها وزادت من ضغط ذراعيها على صدرها..

ببرود ردت،:صباح الخير إستاذة ريم

تقدمت ريم خطوة منها و عينيها تنتقل على ملاك من أعلاها إلى أسفلها بنظرة تقييم مُستَفَزة !

ثبتت عينيها في عينيّ ملاك وهي تقول بذات الإستهزاء،:انتِ ما تشيلين هالعباية ؟! ولا مرة شفنا عليش لبس حالش من حال المعلمات

رفعت ملاك حاجبيها بتعجب من هذا السؤال الغريب و التطفل ! وما دخلها ؟!

أنزلت حاجبيها و بذات البرود،:ما اعتقد ان هالشي من اختصاصش استاذة ريم
و الإستهزاء هذه المرة اختلط به نبرة خبث،:اخاف خاشة تحتها سجين تبين تذبحينا يا بنت ابوش

ثم اعتلى صوت ضحكتها برنين مُزعج اصطدم بقسوة في قلب ملاك التي شهقت فاغرة فمها من كلماتها الغير متوقعة..نظرت لها وهي تبتعد غير آبهة بالكلمات التي ألقاها لسانها القذر دون أي مراعاة للمكان..

رمت سهمها وابتعدت و لم تلتفت للدم الذي فاض من قلبها ،كسحابة سوداء مرّت و هاجمت الأرض برعدها المخيف وابتعدت....تلك السكين التي ذكرتها لاتعلم أنها كانت مُعلقة بحرفها الأخير الذي نطقته،غرزتها ببرود وسخرية في جرح روحها الذي اندمل لفترة لم تكن أبدا طويلة..

أرخت ذراعيها و ببطئ يعكس صدمتها ارتفعت كفيّها لوجهها و أحاطت وجنتيها و كأنها تستشعر حرارتها..تُريد أن تُقيس مدى وقع كلماتها الحارقة عليها..مالت يدها اليسرى واستقر باطنها فوق شفتيها وعينيها شاخصتان أمامها..تنظر للفراغ و لاغيره..تنظر إليه وبين زواياه الخفيّة تستعيد الموقف فيزداد وّجعُها،كشريط يُعاد في ذاكرتها ويُعاد ألمها..جملتها الأخيرة كانت العذاب الأشد

،:يا بنت ابوش

أبـي...أبــي..أبـــي !...أيَسعني قَبركَ ؟!...وحشته،ظُلمته و برودته أَحَبُّ إليّ من استنشاق هواء نفثت فيه أنوفهم سموماً قاتلة..

بانت فرجة صغيرة بين شفتيها...سَبيلٌ إلى حياة تكرهها،دخل عن طريقها هواء إلى رئتيها المنكمشتين و ارتعاشة خفيفة تسكن أوصالها..ازدردت ريقها و ازدردت معه واقعها المُحَمّل بهدايا مغلفة بشوك أدمى أصابعها ومحتواها دمٌ استقل قطاراً للزمن ليُلطخ وجهها و تلتصق رائحته النتنة بجسدها كي لا تغفل للحظة عن ماضٍ أصبح قريناً لها !



مطار البحرين الدولي..

يَجُرّ حَقِيبَتِه السوداء الصغيرة من خَلفِه،تَكْفِيه ليَقضِي أربعةَ أيّامٍ في بَرلين،و يَتَمَنى أن تكون أقصر من ذلك أيضاً..رَأسُه مَرفوع للأعلى يُوحِي بالغُرُور لِمَن يَرَاه،و ثِقَة كبيـرة تَبْرُز من عينيه..شفتيه لا تَعرِف سِوَى نوع واحد من الإبتسامات..سُخرية قَدَر هي أجمل إبتساماته !

انتهى من إجراءاته سريعاً،و ذَهَبَ لينتظر المُناداة لِطائِرَته..رفع يده ينظر للساعة المُحِيطَة بِمِعصَمه القويّ البارزة عُرُوقه،كانت قريبة من التاسعة صباحاً..لم يتبقى إلا القليل و سَيُحَلّق إلى بلدٍ عاش فيه تناقضات غريبة، بلد صنعه و هدمه في الوقت نفسه..

يَحمل في قَلّبِه لهذا البلد مَحَبّة شوهتها كراهية مُشوشة تَمَنّاها دوماً حُلماً و إن تكرر زيارته فهو قادر على أن يَقرِصَ نفسه ليستيقظ منه،و أن لا يعيش أبداً مُختنقاً في زاويته الضَيّقَة حيث الأنا لا أثر لها !

تَنَاوَلَ هاتفه الذي أخرجه من جيبه قبل جلوسه..فتحه ليضغط أرقام حَفِظَهَا و نَسِيَّ لزمن ملامح صاحبتها..وضعه على أذنه ينتظر صوتاً عانى جاهداً ليستعيد تلك النبرة الحنونة التي سرقتها هَبات رياحٍ شديدة على غفلة من روحها..

جاء الصوت هادئاً رقيقاً كقطرات ندى،:هــلا حبيبي
تَبَسّمَ،و سين السُخرية تَوَسَّطت ابتسامته،بهمس،:هلا يُمه شخبارش ؟
،:الحمد لله يُمه بخير انت شخبارك،ما شفتك من جم يوم
تنهيدة أرادت أن تهرب من صدره ولكن أحكم إغلاق منافذه جيداً،فلا حُرية لها،:شغل يُمه و انا اللحين متصل اسلم قبل لا اسافر

صمّــت !

أغمض عينيه و رأسه يميل لليمين ويده الحُرّة ارتفعت إلى خلف عُنُقِه يَشُد عليه بأصابعه و بهمس ناداها ولحن صوته سؤال يريد إجابة تعاكس الإجابة التي رَشَّحَهَا عقله..

،:يُمه ؟

هي كانت أشجع منه،و حريتها بين يديها..فتنهيدتها خرجت كاشفة عن أساها،:وين مسافر بعد هالمرة ياولدي ؟..سفراتك اكثر من زياراتك لنا
فتح عينيه ويده تركت عُنُقِه قاصدة فخذه بباطنها تُرّبِت فوقه بخفة،:ادري يُمه بس والله شغل.. بحاول اخلص بسرعة و ارجع
أعادت سؤالها وأضافت آخر كان الأهم،:وين مسافر وجم يوم بتقعد ؟
،:كالعادة برلين..ان شاء الله بس أربعة ايام
باستسلام فلا حيلة لها،:تروح و ترجع بالسلامة ياحبيبي،الله يوفقك ان شاء الله
،:ان شاء الله يُمه،سلمي على ابوي و اخواني
،:يوصل يُمه مع السلامة تحمل بروحك
،:ان شاء الله مع السلامة

أنزل الهاتف ببرود اعتلاه بعد غياب صوتها..بدأ بثورته الجليدية و أحاط نفسه بدرع حصين تمركز فوق قلبه و أعصابه ليردع أي شعور مُخادع قد يُهاجمه..تناسى كُل ما يُسَيّر الحياة من ألم وبكاء وضَحِك و سعادة،و أذاب روحه بلهيب نيران كل يوم يزيد من حطبها ليزداد اشتعالها..

هاتفه يرن..اتصال خارجي،رفعه وهو يجيب ببرود..

،:نعم
،:مايسترو..رحلتك اقتربت هل أنت في المطار ؟
وقف وهو يسمع نداء الرحلة الأول،:و ماذا تعتقد ؟ فهل أستطيع الهروب ؟
وصله صوت ضحكته،:أعلم أنك لن تتخلف عن الأمر.. ولكن أردت أن أقوم بعملي
،:ستراني بعد ساعات..سوف أغلق الآن
،:رحلة سعيدة

بل فقدٌ سعيد !

خطى خطواته إلى الفقد الجديد..فقدٌ لا يعلم كيف ستكون رائحته ولا بأي طريقة سَتُمارَس طُقُوسه الماكرة،برجليه يقود روحه للهلاك..وبكامل قواه العقلية يقبل بأن يُقطَع منهُ عَصَب حِسّي جديد،يخطو على شفير حفرة سوداء يجهل مكنونها،فعيناه لا ترى سوى دماء تتسرب من باطن قدميه تحكي تأوّهاً غاب عن حنجرته المُتَحَجِرة !

سَتُحلق به الطائرة بعد دقائق..لترميه في فقد سيُلقي كلمة قد تكون أخيرة لِتُوَسّدُه القبر أم أخيرة ترفعه فوق أرضٍ مُستوية تخلو من العثرات...أو قد ستكون جديدة فقط دون نهاية !



أشعة الشمس الخفيفة مُنعكسة على أرضية الغرفة الرخامية مُشَكّلة بقعة تعتقد أنها قد تمنحها الدفئ الذي تبحث عنهُ روحها..لكنها فَضَّلت أن تبقى في فراشها مُتَكَوّرة تحت غِطاءها الثقيل الذي يُغَطّيها حتى أسفل أنفها...عينيها تَرمِشَان ببطئ نصفه يأس...عقلها تشعر به قد غادرها،فرأسها فارغٌ و الأفكار لا زالت غير قادرة على ترجمتها...فقط تتأمل النافذة البعيدة

تتمنى لو استطاعت أن تَفُرّ هاربة منها كطيرٍ فُتح قَفَصُه،أن تهرب من واقعها الأشبه بحُلمٍ مُزعج...لماذا لا نستطيع أن نستيقظ من واقعنا كاستيقاظنا من كوابيسنا..نستيقظ من الكابوس للواقع ولكن نستيقظ من الواقع إلى ماذا؟أو إلى أين؟!

هربت منها دمعة وحيدة شعرت بِدفئِها على خَدّها،كأنها تُخبِرها أن لا مهرب من الواقع !

زفرت علّتها المُستديمة..فدواءها لا زال لم تُكتب مُعادلته بعد،فمكوناته الكيميائية نادرة و إكتشافها قريبٌ من المُحال..و عالِمُها الغجري يعيش بين تَصَدعات تُصيبه بِتَشَتُت يجعله ليس هو و هو في آنٍ واحد !

تحركت أصابعها الباردة إلى المنطقة التي ترك آثاره القاسية فوقها،ضغطت بأصابعها فوق شفتيها الجافتين من ملح دموع عانقت خدّها ليلاً و من قُبّلة تنافس فيها جُمود رَجُلٍ غامض مع رِقته المُتلاشية كضوء خافت شارف على الإنطفاء..

تَحَجَّرت دَمعة في عينيها شوشت عليها رؤية الضوء المنبعث من نافذتها،ذلك الضوء الذي قد يُطَهر جسدها من بقايا ذكريات الليلة الماضية...لكن كَيف ستتطهر روحها من أنّاتٍ عَزَفَت مقطوعتها المأساوية على شرايين قلبها الوَهِنة !

رفعت جسدها بتعب و شعرها الطويل تطايرت خصلاته في الهواء من خَلفِها..جمعته بكفيّها و أرخته على كَتِفَها الأيسر..أبعدت غطاءها و أنزلت رجليها من على السرير حتى لامست أطراف أصابع قدميّها الأرضية الباردة..

وقفت وبيدها استندت على مُقدمة السرير..شعرت بشيء من الدوران،أغمضت عينيها و فتحتها عدة مرات بببطئ ويدها اليُسرى ارتفعت تضغط على جانب رأسها..فتحتها وبخفة مشت حافية من نِعلَيّن وحافية من قلبٍ تركتهُ تحت قدمين ذلك الرَجُل !

توجهت إلى دورة مياهها..تغرق تحت ماءٍ بارد يُرجفها و يُجمّد دموع روحها..تُريد أن تُنَشّط دورتها الدموية التي عارض جريانها أنفاسه الثقيلة و التي لا زالت تشعر بأنها تحاوط عُنُقَها..أنفاس ساخنة لا تعرف الدفىء !

،

هـُـوَّ

دَخَلَ غُرفَتها المُشَبّعة برائحتها الأنثوية..رائحة طبيعية تعصف به،طَرقَ الباب مرتان ولم تُجِبه،توقعها نائمة..لكن سريرها كان يخلو من جسدها الذي أضاع خريطته ذات ليلة و دمّ !

التفت لباب دورة المياه وصوت تساقط الماء يَصِلَه،اقترب من السرير..جلس فوقه و انحنى ليُدفن وجهه في وسادتها..مَرَّغَ أنفه فيها وهو يستنشق بأنفاس طويلة بقايا رائحتها العَذبة،ارتجف قَلبه بنشيج..فوِصَالها مُسْتَعْصٍ !

رَفَعَ رأسه عن حافظة أسرارها الوفيّة..المُخَبئ فيها سيول مُقلتيها و شهقات صدرها المكتومة..مَسَحَ بباطن كفه على الجزء المُبعثر من السرير و الواضح أن جسدها تلوّى بإنهاك فوقه حتى حُفِرَ إعوجاج خِصرَها بين طيّاته..

صوّت إنفتاح الباب أيقظه من سَكرته الطفيفة بخيالها..ثوانٍ و بانت أمامه و الماء يُقَطّر منها كحورية...شعرها يُبلل كتفيها وظهرها المكشوف لترتجف هي ويرتجف هو بدوره..

توقفت عندما انتبهت إليه..زمّت شفتيها وشدت على "منشفتها" رفعت حاجبها بإستهزاء و هَمسها خرج مرير..فاقدٌ للأمل !

،:جاي تكمل ؟!

وقف ولم يُجبها و روحه أَثقَلها صوتها الذي أضناه البُكاء.. أكملت وهي تتقدم خطوة

،:شنو ناوي تسوي هالمرة ؟!

حرّك رأسه بالنفي و كأنهُ ينفي أي فكرة سقيمة في عقلها،و بهمس

،:آســـف...

و استدار خارجاً و أغلق باباً جديداً..

بابٌ انضم إلى أبوابه العديدة..التي لم تجد مفتاحها بعد..أبواب أسراره المُبهمة التي يُوصِدُها بعد كُل اقتراب..و إن اختلف شَكلُ ذلك الإقتراب !



الواحدة و عشر دقائق مساءً

أغلقت أزرار عباءتها..رفعت حجابها و لفته كالمعتاد على رأسها،ثبتت حقيبتها على كتفها بعد أن رشت رشتان من عطرها الخفيف..زفرت وهي تنظر للمرآة بارتباك استحوذ عليها مُنذ استيقاظها خصوصاً بعدما أخبرت و الدتها بتردد بقدومها هي و زوجها للغذاء..

توجهت لباب الغرفة خارجة للذي ينتظرها..وجدته على الأريكة يعبث في هاتفه،تأملته قبل أن ينتبه لإقترابها..الى الآن لم تصدر منه أي ردة فعل،و هي تنتظر و قد استعدت كثيراً وتدربت على ما ستقوله عندما يستفسر منها !

تحمحمت تُخبره بوجودها..رفع رأسه بسرعة و إبتسامة تكونت على شفتيه كانت مُستَفَزة بالنسبة لها،غَلَّفت نظراتها بالبرود قبل أن تنطق

،:انا جاهزة

تناول مفاتيحه وهو يقف ويده تُرتب قميصه الفضي الأنيق..يبدو ذوقه جيّداً في الملابس !
ابتسمت بسخرية على أفكارها وهي تمشي خلفه..رُبما هذا أول ما لفتها فيه،لا زالت لا تعرف عنه إلا القليل،فالبُعد الذي اختارته لا يوفر لها أيّ ملعومات عنه..وهو و بشكل يُثير استغرابها يُساير هذا البعد !

نزلا إلى الدور الأول الذي كان يسكنه هدوء كئيب،على الرغم أنها الوحيدة مع والديّها في المنزل إلا أنه لا يكون بهذا الهدوء الموّحش..و كأن البيّت قد تم تجميد حركته..الى الآن لا تعرف من يسكن معهما فيه !

تجاوزا غرفة الجلوس الخالية و المُظلمة إلا من ضوء الشمس المتلصص من زوايا الستائر الكبيرة..خرجا حيث تُركَن السيارة ولا زال الكلام مُنقَطِع بينهما..

دقيقة و كانت السيارة تخرج من المنزل..زَفرت مرة أخرى ويديها تَرّطبتا بالعرق و هي تحرك أصابعها بِوَجل..داخلها يدعو أن يكون اللقاء مع والدها يغشاه الركود فقلبها لا يتحمل نظرة تأنيب وزعل من عينيه الحبيبتين..ابتسمت بحنين وهي تتذكر عينيه،يارب لا تحرمني من نظرته الحنونة..

،:مشتاقة لبيتكم ؟

التفتت لصوته الذي اخترق حديث نفسها بهــدوء مُربِك..كان ينظر للطريق ويده اليمنى مُمسكة بالمقوّد بإحكام و الأخرى ذراعها مُستندة على الباب لترتفع على خدّه بالقرب من فَمَه المائلة شفتيه بإبتسامة...حسناً اعترفت أنها كانت..،جذابة !

عقدت حاجبيها بقهر من الكلمة التي اعترفت بها..حركت رأسها بخفة و كأنها تتخلص من هذه الفكرة...،التقت عيناها بعينيه عندما استدار للحظة لينظُر لها،حينها تذكرت سؤاله..أعادت وجهها للنافذة وبهمس

،:ايــي

لم يُعَقّب على كلمتها الوحيـدة و عاد الصمت ليحشو فراغهما الفسيح..الفراغ الأشبه بمسافة تفصل جبلان عن بعضهما وفي وسطهما لم يجري نهر بل ذكريات ماضٍ أجبرتهُ هيّ على أن يعيشه دون دراية بشيء..مسكيــن هوّ كان ضحية هذا الزواج و خسائره رُبما أكبر من خسائرها... !

،:لا تحاتين،ان شاء الله عمي يكون تخلص من غضب البارحة

أدرات وجهها له بعُنف كملسوعة..و عيناها أرسلت له شراراً مُحَذِراً عن حريق يلتهمه لو فكّر مُجرد تفكير أن يتحدث عن البارحة و ماجرى فيها..نعم هي متناقضة،مُتعطشة لمعرفة ردة فعله ولكن في الوقت نفسه نيرانها تنتظر كلماته لتنهشه و تُصّيَر حُرُوفِه رَمَاداً..

ازدردت ريقها بصعوبة تجانست مع نَبضِهَا المُتسارع..أدرات وجهها وتشنج أصاب جانب عُنُقِها..رفعت يدها برجفة و ظاهرها يُلامس شفتيها وخدّها باضطراب،أغمضت عينيها و زفرة مُرتعشة تخرج منها بخفوت..فتحتها و هي تشعر بغصة في حلقها...

غبيّة و جبانة هيّ،جُملة واحدة منه بعثرت كيانها و عيّشتها في قلق لثوانٍ..كيف وإن أصبحت الجُمل حديث مُطوّل...ينتهي به المطاف عند الحقيقة التي تسعى لأن تدثرها في في صميم ذاركتها وتُغلق عليها بسلاسل هي نفسها لا تستطع كَسرها..

يجب أن لا يعرف..لن تسمح لهُ بأن يعرف !



انتهت من استحمامها الذي استغرق قُرابة الساعة..حاولت أن تتخلص فيه من شُعور الصباح الذي انقلب يومها الدراسي بأكمله بسببه..للأسف لم تستطع ان تَرُد على تلك الوَقِحة،لم تكن تريد أن تُحدِث ضوضاء في المدرسة ولا أن تجعل المشكلة أكبر و التي قد تُدخِلها في مشاكل أخرى هي في غنى عنها...

غَطّت جسدها العاري بروب استحمامها القصير،لفته بارتخاء عليه وهي تخرج من دورة المياه وبيدها منشفة صغيرة تُجفف بها شعرها الطويل..لا تستغني عن استحمامها بعد الرجوع من المدرسة..حتى في الشتاء،فالوقت الذي تقضيه تحت الماء يُساعدها على ترتيب أفكارها و عزل الطاقة السلبية عن روحها..

جلست على الكرسي أمام مرآتها..عيناها مُلتصقة بانعكاس صورتها ويديها مُنشغلتان في تجفيف خصلاتها..خَطُّ ماء شَقَّ طريقه من شعرها أسفل عُنقها حتى استقرّ عند مُنحنى نَحرها، الطريق نفسه الذي عَبرته تلك الكلمات..تنهدت بفُتور وهي تُنَزِل المنشفة فوق فخذها،مَدتها تُغطي رُكبتيها المكشوفتين وشفتيها مزمومتان بشرود..

تحتاج إلى خطوة ثانية..سنين وهي تتأمل الصور وتنتقل من ذكرى إلى أخرى وتنجرح بصمت من هزيمتها النكراء..العَجز يتلبسها من رأسها حتى أخمص قدميها..هيّ وحيـدة و الوحدة تقسم ظهرها نصفين،لا تستطع أن تُجابه إبهام الحقيقة وحدها..لا تملك القدرة و لا الخبرة على سَبر أغوار تلك القضية الشائكة،شيء داخلها دائماً ما تردعه يهمس بِمكر أن الإنتحار هي القضية..كما قالوا و يقولون ! وهذا مالا تُريد أن تُصديقه..

رفعت ذراعها اليُمنى و بكوعها اتكأت على "تسريحتها"..أسندت رِسغها على جبينها بإعياء،أغمضت عينيها بِضعف و رأسها يميل بخفة ليسارها..تنفست بصعوبة فالحِملُ في ازدياد..و هيّ ضعيفة..كورقة خريف هَشّة تتلقفها الريّاح بقسوة..تبحث عن نسيم يجعلها تتهادى بِرقة لِتَحُطّ على أرضٍ خضراء يانعة بعد فصلٍ من البؤس و الوَجع..!

فتحت عيناها بِوهن ورسغها يتحرك لجانب رأسها..التقطت عدستيها الصندوق الأسود،تراجعت يدها للأسفل و اليد الأخرى امتدت له..أمسكته بأصابعها وهي تُقربه منها،فتحته بكلتا يديها لتظهر أمامها لمعة السلسال المَعمية عينها عن سِرّه..تجاهلته وتجاهلت الصور معه،و أصابعها تحركت للمُلقى في الزاوية..تناولته بأطراف أصابعها ثُمَّ أمسكته بكلتا يديها وهي ترفعه أمام عينيها التي ضاقت لتتفحصه...

تَعرف أيُّ قِفل يفتح هذا المفتاح،لكن الجُبْن يُعانقها بِتمَلُّك..لا تعرف كيف تفلت من قَبضته،هي عاجزة و تخاف يوماً أن يُسيطر العجز عليها ويزدرد حَماسها على غفلة منها و يجعلهُ سراب يتلاشى من بين فراغات أصابعها..

زمّت شفتيها بضيـق..أنزلت يديها و أرجعت المفتاح مكانه..أغلقت الصندوق مثل كُل مرة دون أن تُضيف إليه شيء أو تُفرغه من محتوى تكون قد فَكت عُقدته،وقفت بيأس من نَفسها المُغتربة وسط حَشدٍ من الذكريات أنبتت في روحها الأصوات و الروائح واحتفظت بالحقيقة في تلك الغُرفة،مزجتها ببقعة الدماء الكبيرة و سَجنتها بين قُضبان دقائق تلك الساعة المنحوتة على جدار القلب..

،,



يتبع



لامارا 18-08-15 02:58 PM


،



إحدى المستشفيات
الرابعة مساءً

،:وين وين؟

أغلقت حقيبتها بعد أن أخرجت مفاتيح سيارتها و هاتفها،،استدارات لصديقتها،كانت تُقابلها بإبتسامة مَرِحة كعادتها،و يبدو من ملامحها المرتاحة أنها قد نسيت كلامهما بالأمس..تنهدت بخفة،هي أيضاً يجب أن تنسى..عليها ان لا تتشنج لوقت طويل أمام كلماتٍ ينطقها مُحبِونها بغرض نصيحتها..ستتناسى حتى لا تخسرهم ..

أجابت باستغراب،:برجع البيت،خلص دوامي
نظرت لساعتها تتأكد من الوقت،:بس للحين ماخلص الدوام،باقي ساعة "أعادت النظر لها و بتفكير" لا يكون ساعتي متأخرة..
ضحكت وهي تحمل حقيبتها ومعطفها الأبيض وضعته بترتيب على ذراعها،:لا مو متأخرة "و أكملت بغرور" بس دكتور فهد قالي لي اطلع اليوم قبل بساعة
وضعت يدها على خصرها باعتراض،:وليش ان شاء الله بس انتِ ؟،،شهالتفرقة الواضحة
بنفس الغرور وهي تحرك عينيها،:والله ياحبيبتي طلب مني شغل وسويته فكافأني بهالشي
عضت على شفتها السفلى بقهر،:دايماً رازة وجهش عنده وتسوين نفسش المثالية و المنجزة اللي تحب تشتغل وتقدم خدمات عشان يعطيش من هالمكافآت وتقهرينا
ضحكت بنعومة،:شفتي شلون،ذكية اعرف شلون افيد نفسي " لوّحت بيدها" يله مع السلامة حبيبتي
ابتسمت لصديقتها التي يبدو أنها قد بدأت باسترجاع قليل من شخصيتها،:مع السلامة

استقلّت المصعد لتصل للطابق الأول،خرجت و توجهت مباشرة لباب الخروج وهي تعبث بهاتفها..
وصلت الى موقفها الخاص و لم تنتبه للسيارة التي توقفت بجانبها ونزل منها أحد الأطباء بلباسه الأزرق الفاتح،اقترب منها وهي لازالت تقف مستندة على سيارتها مواصلة عبثها باندماج تام لدرجة انها لم تشعر به وهو يقف خلفها مباشرةَ !

كان ينظر لساعته وحاجبه الأيسر مرفوع بحركة عفوية عندما قال..

:باقي ساعة على ما ينتهي دوامش ليش من اللحين طالعة ؟

اختفت إبتسامتها عندما وصلها صوته من الخلف،تغيرت ملامحها باضطراب،ضغطت بأصابعها على الهاتف و خطوط صغيرة ظهرت بين حاجبيها تحكي ألمها الذي فجّره صوته..سحبت نفس عميق لتقوى على مواجهته،بقوّة مهزوزة نطقت
،:مو شغلك

و استدارت له،ابتسمت له بإغاظة عندما رأت علامات الغضب واضحة عليه،أكملت بعد ثوانٍ بتردد..
،:و بعدين تعال أنت،حضرتك حافظ مواعيد دوامي كلها ؟!

تجاهل سؤالها وبسخرية قال،:شمسوية هالمرة للدكتور فهد عشان خلاش تترخصين قبل بساعة،شوي و تتركين شغلش و تتفرغين بس لطلبات الدكتور فهد "و أكمل باشمئزاز" و مراهقة الدكتور فهد

رفعت إصبعها المُرتجف بتهديد وهي تتكلم من بين أسنانها:لو سمحت عن الغلط،والله الدكتور فهد دكتوري وصار لي أكثر من سنة اشتغل في قروبه وهو زميل فقط لا أكثر،و اذا في أحد اهني مراهق فهو أنت..

ضحك بصوت عالي وهو يرفع رأسه للأعلى،لم يهتم لنظراتها المقهورة و كان يزيد في الضحك بقصد نرفزتها وإثارة الغضب فيها،يعلم هو كيف ينتقي بدقة الكلمات التي تشعلها و تزيد من حدة عينيها الجميلتين،أنزل رأسه و ضحكته بدأت في التلاشي شيئاً فشيء حتى اعتلاه الجمود،لكن شيء في عينيه لم يَجمُد..ظلّ مشتعلاً شعرت به يحرقها بأكملها،، يذيبها بأكملها و يترك أثراً لايُمحى أبداً..

تنفست بارتباك عندما اقترب أكثر منها،التصقت بالسيارة أكثر حتى شعرت بألم في ظهرها،رفعت رأسها له وهو أنزل رأسه لها،،سانتيميتر واحد يفصلهما عن الإلتصاق !عطره القوي أحاطها بإختناق تكرهه،يُشعرها بوجوده الثقيـل و سيطرته التي لا ترحم،يقتل و يسفك الدماء كُلما حضر،عندما تشعر بقربه تبدأ بحفر قبرها استعداداً لموت جديد،بطريقة جديدة أكثر قسوة،و بسلاح جديد أكثر حدة..!

همس وهو ينقل عينيه بين عينيها اللتان تتصنعا القوة ظاهرياً فقط،:بديتي تلعبين يا نور..انتبهي

غمز لها بإبتسامة وهو يبتعد عنها بخطوات واثقة ليختفي خلف باب المستشفى الزجاجي،شهقت بخفة وهي تجرّ النفس بصعوبة تتصيد الأكسجينات التي بدأت بالاقتراب بعد أن نسفها حضوره القوي..

رفعت يدها إلى وجهها تغطيه بارتجاف،ضغطت بأصابعها بخفة على عينيها لتهدئة حُرقة الدموع المتكونة فيها....نفس عميـــــق،مرة.. مرتان.. وفي الثالثة فتحت عينيها و الدموع لا زالت تسبح فيهما..ضغطت على شفتيها وهي تفتح باب السيارة بسرعة،رَكِبتها بعجلة و أطلقت سراح شهقتها الحـادة..رفعت يدها إلى فمها تُغطيه تُكبح بُكاءها الذي ضاقت منه..

سَئِمت من الضُعف الذي يُشِلّها كُلما حَضر..تعيش يومها في تَذبذُب و السبب هوّ،تبدأ يومها بشخصية وتواصله بشخصية و تُنهيه بأخرى !

ذاتها خليط من شخصيات مُرتبكة وَهِنة الإستقرار..شُطِرت روحها إلى أنصاف عديدة، و كان هو المُجرم... لكن مُجرم دون جَريمة !



بَعدَ مُنتَصَفِ الليّــل

انتظرت حتى الساعة الواحدة لتتأكد من خلود الجميع للنوم...أخاها كان آخر من عاد الى المنزل،والديها قد غَطّا في سُبَات منذ ساعتان..ارتدت عباءتها بسرعة فوق ملابسها المنتقاة بعناية فائقة،فستان بيجي قصير يصل إلى أعلى ركبتيها بكثير..يكشف عن ساقيها الطويلتين، لهُ أكمام طويلة واسعة تضيق عند معصميها،يكشف عن نحرها المُحاط بعقد ذهبي ناعم..

فتحت الباب بهدوء لِصّ مُحترف..خرجت تحمل في يد حقيبتها و الأخرى تمسك حذاءها ذو الكعب العالي..أغلقته بنفس الهدوء ثم ركضت على أطراف أصابعها متوجهة للأسفل..

دقيقة و كانت تُغلِق باب المنزل..دارت حوله حتى ابتعدت عن بوابته الرئيسية..مشت مُسرعة وهي تتلفت حذرة في هذا الوقت من الليل..فتحت باب السيارة ورَكِبت وهي تهمس..

،:بسرعة حرك

تحركت السيارة لأمرها..خرجت منها تنهيدة وأغمضت عينيها براحة فائقة عندما ابتعدا عن المنزل...ابتسمت بخبث ونشوة الانتصار تطغي على مشاعرها..أسندت رأسها للكرسي وضحكة قصيرة تنفلت منها..وصلها صوته..

،:هالكثر فرحانة؟

اتسعت ابتسامتها ثم أدارت رأسها له وبهمس،:اكيد فرحانة ما دام انا وياك

و عينيه على الطريق..مدّ يده لحضنها يبحث عن يدها المرتاحة..تخللت أصابعه فراغتها،ضغط بخفة وهو يشدها له ...قربها من فمه تحت أنظارها العاشقة..تزايدت دقات قلبها من قُبلته التي طبعها على ظاهر كفها..لم يتركها تلتقط أنفاسها اللاهثة وطبع قُبلة في باطنها..كانت أعمق وأطول وأكثر دفئاً..

يعرف كيف يُربِك حواسها..فقط بلمسة دون أن تنظر لها عينيه..بقُبلة هو يُشنج عضلاتها،كيف تتحرك أصابعه فوق أصابعها كأنه يريد أن يفهم أسرار خطوطها..

تحمحمت تبحث عن صوتها الضائع،سألت بهمس،:وين بنروح ؟
نظر لها بطرف عينه وبإبتسامة جانبية،:سِــرّ..



~ انتهى

لامارا 20-08-15 08:12 AM


السلام عليكم و رحمة الله و بركاته

صباحكم/مساءكم حوائج مقضيّة يـارب

حابة اتكلم عن شيئين بالنسبة للرواية..

أولاً:

حالياً بما اني في إجازة فتقريباً كل جم يوم أنزل جزء،
بالتحديد مافي عدد معين من الأيام يفصل بين تنزيل الأجزاء،
و ما أفضل اقرر يوم خاص للتنزيل لأن الدوام للحين ما بدأ..
فالأفضل انتظر بدء الدوام و اشوف شلون جدولي يترتب عشان اقدر اوازن بين الدراسة و الرواية..
ما احب اوعدكم بشي اللحين واحدد يوم وبعدين اخلف..
تقريبا بعد شهر اذا بديت دوام ان شاء الله نتفق على هالموضوع ..

ثانياً:

بالنسبة للجزئية الا افتتح بها كل جزء و الا هي " فقد ذات " ..،
حبيت أوضح أن المشاهد لفترات زمنية غير متسلسلة،
يعني ممكن اذكر حدث و في الجزء اللي بعده اذكر حدث صار قبله..
فالأحداث الخاصة بهالجزئية مو مرتبة..
المشترك بينهم انها أحداث من الماضي..،ان شاء الله فهمتوا مقصدي =)

،

بعد شوي بينزل الجـزء الخامس..

قراءة ممتعة

بسم الله الرحمن الرحيم

توكلتُ على الله



،


فَقدُ ذّات

رجليّه تحفزتا للجري..لم يأبه بالجروح التي اتخذت من باطن قدميه مخدعاً لها،كان يركض بأقصى سرعته،و لفحات الهواء الباردة جمّدت أطرافه...،وهو الذي لم يَسَعهُ وقت ليرتدي شيء يبعث في جسده دفئاً يُعينه على هَرَبه..

كان يستديرللخلف بين الفينة و الأخرى..عينيه لا ترى الوجوه لكن أُذنه النافرة بحذر لصوت خطوات العدوّ كانت تلتقط صدى أصوات أمواجها تَبث رُعباً بغيض في روحه..،

هـو لا يخاف..لا يُريد أن يخاف..،وسام الشجاعة الذي قلّدهُ إياه والده عندما كان عُمره لا يتعدى العاشرة بات يتخلخل على صدره مُنذِراً بالسقوط..،وهو الذي لوهلة حَسِبَ أنهُ ضُرغاماً لا يهاب الرياح العاتية..،!

تباطأت خطواته و جسده الهزيل مال بإعياء..كان يرتجف برداً و هَلَعاً غافل أعصابه و استولى على مركز الخوف في مخه..توقف ويده ارتفعت لجدار أحد المحلات المُغلقة في هذا الوقت من الليل..استند بكتفه ولهاث أنفاسه ينفخ بإزعاج في قِربة الليل الساكن..ازدرد ريقه مرات مُتتالية و كفه ارتفعت إلى عُنُقه يتحسس جفاف حلقه المُتَقَرّح من حشرجة بُكاء خائنة تعاضدت مع غَصة قلبه و أيقظا آلامَ روحٍ تمنى لو أنها ترتفع مُغادرة جَسده قبل أن تُسجَن بين ارتعاشاته المُغتَرِبة..،

اتكأ بيديه على رُكبتيه المهتزتان بضعف بعد جري أنهك عضلاته،يشعر بغثيان يحوم في صدره..حاول أن يستخرج مافي بطنه لكنه لم ينجح...،و كأن جَوفِه يرفض الإفصاح عن تعبه مُفضلاً أن يُخنِق تأوهاته في صدره ليُركام الوجع في خَندقه المُنشَأ حديثاً ..!

اعتدل في وقوفه وعينيه تتحرك بضياع..،عقله يُحاول أن يعثر على طريق قد يؤدي به إلى شقته القابعة وسط مدينة بَرلين..لكن عُروقه النابضة في رأسه تشوش على عقله و تقطع سيل أفكاره المُتدفقة..أغمض عينيه بقوة وبكفه ضغط على رأسه..،دوامة سوداء تُهدهِدُه بقوّة،ترمي بعقله وسط صحراء قاحلة،يُحاول أن يَتَشَرَّب من ماء تُربتها خلاصاً يُنقذه من ضياعه لكنه يصطدم بجفاف ينتثر على جراحه..،و كأنهُ كُلّما قصد أرضاً يَتَسَوَّل منها الخلاص يصدمه الواقع بضياع أكثر مرارة وقسوّة..،!

مسح على وجهه بكفيّه،شهيـق أتبعه زفير حــار..حرارة روحه أشعلت هواء بَرلين الصعيقي..،استدار ليخطو خطوة جديدة لم يعلم أنها سَتجُر معها آلاف الخطوات..!

أُحجِبَ عن عينيه ضوء القمر،و أُغلِقَ فمه عن أي حرف..حاول أن يفلت من قبضتهم لكن جسده الضعيف لم يكن ليقوى على مجابهة ضخامة اجسادهم..كبَّلوه وجرّوه كفريسة حرَّموا عليها الصُراخ و الإستنجاد بمن كان شاهداً على ما حدث..جرّوه على الأرض الخشنة و الشتاء الماكر يُضاعف من آلامه..
آخر ما يتذكره صوت تحرّك السيارة التي أركبوه فيها..و بعدها غاب عن الوّعي لضربة وجَّهَهَا لهُ أحدهما على رأسه..،!





الجزء الخامس

نظرت للورقة جيّداً..ركزت في الأرقام وهي تُقرِبها من عينيها التي ضاقت،أرجعت الورقة للخلف و حاجبيها يرتفعان بتعجب !
زمّت شفتيها بحيـرة وهي تضعها على مكتبها فوق أوراق أخرى اطّلعت عليهم قبل دقائق،رفعت عينيها للجالسة أمامها وبنبرة تعجب يشوبها ضيق بدأ يكتنز في قلبها..

تساءلت،:متأكدة هذي أوراق سُميّة ؟!

تنهيدة خرجت من صدر التي أمامها،كاشفة عن ضيقها الأكبر،و الذي قضى أكثر من شهر في بناء مسكنه داخلها،بحسرة أجابت،:اي هذي اوراقها..اسمها مكتوب بخط يدها ورقمها الأكاديمي..انا مثلش انصدمت أول ماشفتهم وقلت يمكن صار غلط بس الاسم و الرقم يأكدون ان أوراقها
زَفرَت ملاك ويدها ترتفع لجبينها و الأخرى ترفع إحدى الأوراق،و بضحكة خفيفة كانت ردة فعل عكسية للذي رأته،:مو معقولة..اربعة من عشرة و سبعة من خمستعش و المنتصف احدعش من عشرين ! "ارجعت الورقة وهي ترفع يديها بعدم تصديق تَجَلَّى في ملامحها" ماني مصدقة..ليش ما قلتين لي من قبل ؟
قَطبت جبينها،:يوم شفت درجة اختبار الشهر توقعت ان مو دارسة عدل أو ما كانت فاهمة قلت عادي يعني الطالب تصيده اوقات يلخبط،بس يوم شفت الدرجات الثانية وخصوصا امتحان منتصف الفصل قلت ضروري اخليش تتطلعين عليهم..ما عرفت اكلم البنت
اقتربت من مكتبها أكثر و أصابعها حَطّت على الأوراق تتلمسهم وبهمس،:درجتين عن الرسوب في المنتصف..يالله !
نظرت لها ملاك و بتساؤل متوجس،:شنو كانت ردة فعلها يوم شافت الدرجة ؟
رفعت كتفيها بشفتين مزموتين،حرّكت رأسها بالنفي وبهمس نطقت،:عكس ما توقعت،ما اهتمت وكانت ردة فعلها البرود !

اتكأت ملاك بكوعيها على سطح المكتب،شبكت أصابع يديها التي استقرت أسفل ذقنها..حاستها السادسة التي اكتسبتها من خبرة أربع سنوات ونصف تَهمس لها أن فقرة من هذه القصة الغريبة محذوفة..بالأحرى مَخفيّة !

هذا الإنحدار المُخيف في علامات سُميّة من أعلى قِمَّتَه يستطيع عقلها أن يلمح بقايا أحداث شطبتها سُمية و خبَأتها داخلها حتى تجمدت ثُمَّ تَلبستها بروداً أسفله تجري دموع صدى نحيبها يتردد في أُذنها !

رَمشت بخفة وهي تُنزِل ذراعيها و أصابعها لم تنفصل،لا زالت تُحيك خيوط أفكارها التي ولّدها عقلها المُتيقظ..رفعت عينيها للتي أمامها و بإبتسامة خفيفة
،:شُكراً استاذة منار..انا باتصرف
هزّت رأسها وهي تقف،:اتمنى تتعدل امورها،سُمية من الطالبات المتفوقات حرام توصل لهالمرحلة
بنبرة مُطَمئنة،:لا تحاتين ان شاء الله ترجع الأمور طبيعية
،:ان شاء الله،عن اذنش

أومأت لها برأسها و عينيها تنظر للباب الذي خَرجت منه..أخرجت النفس بهدوء و الحيـرة بذراتها الثقيلة تواطَأت لتُحيط بمعصميّها كقيّد يُكبلانها..سُميّة الرابعة على المَدرسة و أكثر الطالبات مِثالية، هذا السقوط الكبيـر و المُفاجئ لدرجاتها أصابها بصدمة وهي التي ظلّت لسنتان ونصف تنظر لها بعينيّ الثقة و الإفتخار..على الرغم من كُلّ ظروفها فهي حافظت على تفوّقها ومثاليتها..طالبة اعتادت أن تراها تُكرّم من قِبل كُلّ مُعلمة

لا تستطيع الجلوس هكذا،حَماسها ودوافعها العاطفية قبل العملية تُجبرها على التصرف بُسرعة،فهن يقتربن من نهاية الفصل الدراسي الثاني،و إن استمرَّ سيل هذه الدرجات من القِرْبة التي ظلّت تَملَؤها لسنوات سينتهي بها الأمر ميّتة كَسَمكة مُنقَطِعَة الأنفاس..لا بُدَّ للثقب أن يُسَد !

وقفت و عينيها تعكس تصميماً و ثقة كبيرة..مشت بخطوات متوسطة خارجة من مكتبها قاصدة صف سُميّة البعيد نسبياً..ستعثر على الفقرة الناقصة،بأي طريقة ستَعثُر عليها..لن تسمح لنفسها أن ترى تَحطُم أحلام إحدى طالباتها،و لن تُسامح هذه النفس إن لم تبذل مابوسعها لترميم هذا الحُلم..هي هُنا في هذه المدرسة الأقرب للطالبات و الأكثر اطّلاعاً على أحلامهن و أهدافهن البريئة..كانت الشاهد على حروفهن التي خَطُّوها ببريق خاطف في عيونهن الطامحة لمستقبل واعد..وهي عاهدت نفسها على أن تواصل معهن حتى النقطة الأخيرة بعد أن تنتهي رحلتهن الطويلة..و ستساعد قدرَ المُستطاع،

توقفت أمام الصف المنشود..اقتربت ورفعت يمينها وطرقت طرقتان ثُمَّ فتحته قليلاً حتى استطاعت رؤية المُعلمة وبعض الطالبات..ابتسمت لها وسلّمت وبعد أن سمعت الرد على تحيتها

،:استاذة بغيت سُمية
،:اكيـد استاذة "رفعت صوتها للجالسة في إحدى الزوايا و التي استمعت للطلب" سُمية المشرفة تبيش
تراجعت ملاك للخلف وهي ترى سُمية تقف ببطئ وعينيها للأسفل..تأملتها وهي تمشي للباب..انكسار يلوح في مُقلتيها ! و كأن رمشيّها يميلان من جِراحٍ لم تتوقف انصباباً من عينيها الصغيرتين..
شكرت المعلمة و أغلقت الباب وسُمية تقف أمامها بصمت وملامح جامدة..

تنهيـدة غادرت صدرها وذراعيها ارتفعتا لتنعقدان فوقه..مشت بخطوات بطيئة وقصيرة، وسُمية تَبِعتها و الصمت ثالثُهما..
واصلا المشي حتى ابتعدتا عن الصفوف و اقتربتا من الساحة الكبيرة..توقفت واستدارت تواجه التي لم تُذيب حرارة الشمس شيء من الجمود الغريب الذي يعتريها..

بهـدوء يتخلَلُه حِدّة نطقت ملاك،:سُميّة،ابي اسمع السالفة من البداية..و بدون لف ولا دوران



انقلب على جَنبِه الأيسر،استكانت حركته لكن أنفاسه كانت الإزعاج الأكبر.. ثقيـلة،تضغط بقوّة كُلّما عبرت قصبته الهوائية فيكون شهيقه وزفيره مُضني لروحه قبل جسده المُتعب..تأفأف وهو ينقلب على الجانب الأيمن،وغطاؤه انحشر بين رجليه وتحت ذراعه اليُمنى..زاد من إغماضه لعينيه يضغط على المشاهد في عقله،يعصرها علّهُ يستخرج ماؤها المُلَقح ببذرات الحقيقة التي اعتلَّ عقله من فرط التفكير فيها..

أبعد الغطاء عنه بضيق وهو يَرفع جسده الذي رَفَض ساعات الراحة القليلة بعد وقوف طويل على أجسادٍ مُخَدَّرة جاءت تستعين به بعد الله ليُداويها..وهو الذي أضاع دواؤه بكلمة أُجبِرَ على نطقها بعد أن انكسر صميم القلب خُذلاناً..

زَفرَ وكفيّه يرتفعان إلى وجهه،مَسح عليه وارتفعت أصابعه حتى تخللت خصلات شعره الخفيفة،واصلت طريقها حتى استقرت خَلفَ عُنُقِه..شَبك أصابعه وأسند ظهره للسرير وببطئ تحرّكت عينيه على الغُرفة...غُرفته التي هَجَرها لأكثر من سنتيّن و كرد دين أصبح هو من المهجورين أيضاً ! تجمعت ذرات الغُبار على جسده الذي أصابته حكة شديدة بات على إثرها ينزف جلّده المُشتاق للإنصهار بحرارة جسد أنثوي حَفِظ أسراره عن ظهر غيّب !

أغمض عينيه للحظة وهو يستغفر بهمس،أنزل كفيّه وعينيه تحرّكت للجزء الخالي من السرير..وسادة واحدة فقط،وسادته ولا ثاني لها،لا أعداد زوجيّة تَذُرَ الملح على الجرح،اكتفى بالوّحدة التي تَجُره في لحظة ضُعف ليَقترن بسكة الماضي الجميـل بطريقة مُبكيّة !

تناول هاتفه القريب،نظر إلى الساعة،كانت تقترب من التاسعة...،قضى أكثر من ثلاث ساعات يتقلّب كالمُصاب بجَرَب يبحث عن النوم بعيداً عن طيفٍ انتشل الراحة منه و حاصرهُ كجيشٍ وجَّهَ سِهامه و سيوفه إلى البؤرة التي يتم فيها اجتراع روحه المُتخبطة بلا دراية،الضائعة التي ضلّت الطريق بعد أن انفصلت عن روح اغترَّت بها لزمن و حَسِبتها أنها هي...، ذّاتها
لا اختلاف يُميّزهما و لا فاصل بينهما سوى الموّت !

ضغط بعض الأرقام ورفع الهاتف إلى أُذنه..انتظر لفترة حتى أتاه الردّ الذي مالت لهُ شفتيه بإبتسامة خفيفة..

،:نعم خير شصاير الا متصل لي هالحزة ؟!

خرجت منهُ تنهيدة حملت معها جزء من الأسى المُتَخِذ من روحه مُتكَأً له..

،:عبـد الله متى بتعقل ؟!

ضحك بسخرية على نفسه وهو يرفع رجل واحدة ليتسقر فوقها كوعِه،و بهمس نطق،:و هـي خلّت فيني عقل ؟!

ابتسم لصوّت ضحكته المُتقطعة،وببحة نوم سمعه يقول،:يـــا لله،مادام انت عارف ان مافيك عقل من الأساس ليش متصل مقعدني من النوم ؟
رفع حاجبه و بِتَهَكُّم،:ياخي مايصير انا اتعذب وانت نايم
بإستهزاء،:اووه تتعذب بعد يالعاشق
تجاهل إستهزائه وبتساؤل،:شخبار برلين ؟

بردت نبرته،و السُخريّة تَلَوَّنَت كَحِرباء وخرجت كلمته لاذعة لنفسه أولاً،:زيـــنة

انتبه لصوّته الذي تغيّر،زمَّ شفتيه وهو يُقَطّب جبينه و سؤال واحد يجول في خاطره..ماهو سِرّك.. !

،:بديت الشغل الا انت رايح عشانه ؟
سمع همهمته وحركة خفيفة و كأنه يقوم من استلقائه،ثُمَّ جاء صوته،:اي شوي يعني
بصدق قال وهو يَجهَل مكنون هذا العمل،:مُوَّفق
:،ويّـــاك خــوك...عبد الله بسكر اللحين سلّم على الأهل
تنهد من هُروبه،:ماعليه يوصل،مع السلامة


،


على الجانب الآخر..بعيداً آلاف الكيلومترات و آلاف الحُفر المدفون فيها ماضٍ تحامل على نفسه وجعل ظَهره مُستقراً له،مُتجاهلاً ما يُسببه له من وَجَع !

أبعد غطاء السرير عنه،أنزل قدميه على الأرض الخشبية وهو يرمي هاتفه من خَلفه بإهمال..وقف بهدوء ومشى ببطئ حتى توقف أمام المرآة..
رفع يديه إلى خِصره وعينيه تتأمل صدره العاري المُنعكسة صورته بوضوح مُقيت،تحرّكت عينيه من بداية عُنُقِه حتى أسفل سِرّته..مال رأسه يميناً و عينيه تضيقان بتركيز تتَّبع طريقاً كان فيما مضى شاهداً على رسم خريطته المُحمّلة بكنوزٍ لم تخطر على عقل رَجُل قطّ !..،استدار فجأة ورأسه يستدير لينظر إلى نهاية ظهره وسؤال عبد الله يتردد على مسامعه..
ظهرت إبسامته المُعتادة وهو يُدير رأسه ويمشي بملل لدورة المياه هامساً لنفسه..

:،زيـنة برلين،تجــنن !

استحم سريعاً،بالسرعة التي تتبدد فيها كُلّ ذكرى جميلة،لمح البصر الذي يرددونه يعيش أقصى سُرعته عندما تتعلق الأمور بالذكريات المعقودة بإكليلٍ من الضحكات و الإبتسامات حَسَنَة النوايا ..،وهو لا زال كفقيرٍ يقتات على الذكرى،صباحاً ومساءً..كساعة التنبيه التي يُوَّقِتَها قبل أن يزور النعاس عينيه الغائب عنهما النوم المُريح..و كديكٍ يصيح مع كُلّ فجرٍ يفتقد فيه شروق شمسه التي ستصحو دائماً و أبداً،ستنقذه من ظلامٍ دامس يختبئ بين ظلاله همسات تقطعها أنياب شيطانية جعلت من إبتسامة الليّث مخبأً لها لتُباغِت روحه و هي تَحلُم !

ارتجف جسده تحت الماء البـارد،غسل شعره وهو يفركه بقوّة وعينيه مُغمضتين تهربان من مشاهد أقسمت أن تزوره بين حينٍ و آخر،لتتأكد أن الفقد حاضراً و الذّات لا زالت ضائعة كطيرٍ اغترب عن سَربِه في موسم الهجرة الطويـل !

خَرج وهو يرتدي رداء استحمامه الأسوّد..شعره الغارق بالماء التصقت بعض خصلاته على جبينه و بداية عُنُقِه..خرج للمطبخ،حّضَّرَ مشروبه الصباحي ذو الرائحة العَبِقة،كوب من الحليب و الزعفران تعتلي سطحه حبات هيّل يستنشقها قبل أن يشرب ليستحضر عقله وجهاً نحتته عُروقه على صفحة قلبه قبل سنوات،و لا زال أثره باقياً على الرغم من عوامل التعرية التي عاشها هذا القلب !

عاد إلى الغرفة وفي يده كوبه،خلع رداءه بيد واحدة وبدأ بارتداء ملابسه بسرعة بحركة اعتاد عليها،رفع كفه وبأصابعه أرجع خصلاته للخلف بفوضوية وهو يمشي بخطوات واسعة إلى باب منزله ليخرج..

استنشق بعمق وصدره يستقبل نسمات الهواء الدافئة،مِعطفاً وهمي يُخفف برد عِظامه الأزلي..نزل العتبات الأربع لتستقر قدميه الحافيتين على الحشيش الطريّ،أنزل رأسه ينظر للأرض المُخضرّة و أصابعه العارية تتحرك بمُتعة على الحشيش..خطى خطواته البطيئة ،يد تحمل الكوب و الأخرى خلف ظهره...مشى بصمت و هالة سُكون تُحيطه،لا أصوات بشر يتدثرون خلف مئات من الأقنعة ولا أصوّات إزعاج السيّارات و المركبات الثقيلة...لا تلوّث بصري ولا سمعي ولا إجتماعي !

واصل مشيه و خطواته لم تتحرر من بُطئِها،إسترخاء تام و نسيم مُحمّل بعبق أزهار الصيّف المُنعشة..أصوات ماشية قريبة جعلته يُدير رأسه،أحد المزارعين يُطعم بقره وخرفانه ذات الصوف الكثيف..و آخر يُراقب إوَّزه كيف ترفع ريش مؤخرتها بغرور مُضحك لتسترخي على سطح البحيّرة الراكد ماؤها...ارتشف من كوبه وقدميه حطتا على بُقعة مُبللة،اقترب من شجرة عملاقة ظلّها يسع خمسون وجذعها العريض المُنتشرة فوقه تصدعات عريضة تمسكت جذوره المُسنة بالأرض بالقوة ذّاتها التي تتمسك بها يد الوليد بإصبع أُمّه !

رفع يده للجذع عندما أصبح تحت ظلّها..مَرَّرَ أصابعه على الشروخ و الشقوق العشوائية،يستمع لشكواها ويَدهُ تتحسس جروحها..تشكي خائناً استظل بها وأشبع جوعه بثمرها ثُم أخرج فأسه من خلف ظهره و بدأ يشكرها على طريقة الإنسان الغجري..ابتسم، فهو ويا للغرابة قد فَهِمَهَا،اختلاف تامّ بين خلقيّن من مخلوقات الله،لكن بصمت و لمسة و ضجة سُكون استطاعا أن يتفاهما..فالنار التي أحرقتها ذات يوم أحرقته أيضاً !

استدار و أسند ظهره لجذعها....عينيه تتأمل الريـف الفسيح من حوّله وداخله يُردد التسبيح لخالقٍ أبدع في خَلقه..خلق لا تشوبه أيّ شائبة...،تـلال خضراء يانعة وحشيش تتراقص فوقه قطرات ماءٍ عَذبة،بُحيّرة صافية ترى على سطح ماؤها أجمل انعكاس لصورتك،كوخه الصغير نسبياً يستقر في إحدى البُقع،الريـف يُشبهه كما يقول هاينز !

مؤسف جـداً أن يجتمع في المكان نفسه ذكرى سعيدة و أخرى حزينة..حينها يضطرب القلب لإرتباطه بأسوء قرار..النسيان !جزء منه يُرَجّح التخلي عن ما أشعل فتيل الحُزن وجزء يرفض أن يستغني عن مكان ذات يوم ترددت ضِحكته بين أرجائه..،!

،:المشهد نــاقص !

رَفَعَ الكوب و ارتشف ببرود دون أن يلتفت للذي وقف بجانبه ..،

،:ينقص المشهد أنثى بارعة الجمال رأسها على كتفك وذراعك تُحيط خصرها النحيل..يااااه سيكون منظر مثالي

نظر له و السُخريّة تملئ عينيه..حرّك رأسه باستخفاف للنبرة الحالمة التي نَطقَ بها،تفكيره في بعض الأحيان ينحرف عن الطريق..،

ببرود قال،:هاينز لا تحلم كثيراً عزيزي لكي لا يأتي يوم و تبكي لعدم تحقق هذه الأحلام

تحرك خطوة ليقف أمامه وبجديّة قال،:عزيزي الحُلم لا يطلب جُهد ولا مادة،فلنَحلُم فإن تحقق فهذا شيء جميل وإن لم يتحقق فنحن في النهاية لم نخسر شيء

رَفعَ حاجبيه وفمه يميل للأسفل بتقييم،:كلام رائـع..
ضحك،:قرأته البارحة في أحد الكُتب..أنهُ كتاب مفيد يجب أن تقرأه
أبعد ظهره عن جذع الشجرة التي احتوته لدقائق..تكاشفا هُما الإثنان..هي شكت وهو تقبّل الشكوى بصدرٍ رحب..اعتدل في وقفته و مشى مع هاينز الذي واصل حديثه..

،:توقعت انني سآتي و سأجدك لا زلت نائماً
،:جائني اتصال من البلد و أيقظني
،:هل جهزت كُل شيء
همهم دون كلام
،:ألا تُريد مُساعدة ؟ أنا جاهز لأي شيء
،:لا تقلق هاينز أنا بخير،اهتم بعملك فقط
،:لا تنسى عند السابعة مساءً
،:لا تخف فكُلّي مُتحفز
غيّر هاينز الموضوع،:كيف هي والدتك..لقد وعدتني في زيارتك السابقة أنك ستأخذني معك لتُعرفني عليها هي و والدك
بسخرية همس لنفسه،:اي لان أمي فاضية لك
،:ماذا قُلت ؟
،:اقول ان والديّ ليسا اجتماعيين..لا اعتقد انهما سيُرَحّبان بك ترحيب يليق بك
نظر لهُ بطرف عينه،:انا اعلم انك في داخلك لا تريدني أن اتعرف عليهما..لكن لا يهم سآتي الى بلدك
،:حيـّاك
بضيق،:تكلّم الألمانية،أشعر بالغباء عندما تتحدث بلغتك
ضحك بصوت عالٍ،:انت في كُل الأحوال غبي
،:هذا ليس مُضحكاً موهاميـد !

توقفا أمام كوخه،رفع رأسع وعينيه ضاقتا من قوة شعاع الشمس المُتوزع بكُل حُرية على المكان..خَرجَ صوّته بعـيداً،مُنحشراً بين دقائق الساعة السابعة..،

،:الشمس قوية اليوم..اتمنى أن تنتصر على الظلام !

أنزلَ رأسه ونظر لهاينز الذي كان يتأمله بإيتسامة تتستر على خوفٍ فضحته عينيه الواسعتين كاتساع عينيّ طفل بريئ..

زمَّ شفتيه وأصدر صوّت مُستنكر قبل أن يقول،:لا تخف هاينز،كل الأمور ستكون بخير.."و أكمل بالعربية" ان شاء الله

تقدمه وركب عتبات كوخِه وهو يقول مُحاولاً تغيير الجوّ..

،:بالمُناسبة ليس موهاميـد بل مُحَمَّد...تحتاح إلى تدريب مُكثَّف لتتقن نطق اسمي !



صوت حركة خفيـفة تداخلت مع أحلامه القابعة عند فجر الأمس المُتَلَبِس بهمسات أنثوية داعبت مسامعه و أيقظت ذلك العِرق الذي غَفَى على وَجل ينتظر تلك التي عاهدت بالبقاء قبل أن يقطع طريقها قمراً ظنَّ أن بضوءه سيُنير حياتها حتى بابعادها عنه ..!

فَتحَ عينيه و تعقيدة بين حاجبيه الكثيفين..أغمضها لثانية ثم فتحها لتعتاد على ضوء الشمس القوّي،حرّكها ببطىء نُصفه نُعاس مُتكاسل..توقفت عدستيه عليها،مُديرة ظهرها له..شعرها الداكن الذي تَلَّحَفه صدره قبل ساعات مُسترسل بتَمَوّجات جريئة على كتفيها وظهرها،أنفه لا زال يحتفظ برائحة أريجه بعد انقطاع طويـل لفصل إِزْهَارِه..،

رفع ظهره قليلاً و بذراعه اتكأ على السرير،كانت ترتدي ملابسها على عجل..نطق بتساؤل مبحوح

،:بتمشين ؟

استدرات له وصوته المُحبب لقلبها أوقف تَحَرُّكها..عَضَّت على شفتها السفلى وهي تقترب منه..همست بعد أن جلست على السرير بجانبه..

،:آســفة أزعجتك

تراجع ظهره وهو يستلقي مُجدداً و كفه استولت على أصابعها و احتضنتها بشدة مُتَرَقِقَة،ابتسمت له بنعومة ويدها الحُرَّة ارتفعت لشعره المُبعثرة خصلاته من النوم..آثار النُعاس بادية على وجهه الوسيـم..عيناه تَرمشان بكسل أثار نبضها الذي لم يُكفيه ارتواء ساعات الفجر الخاطفة للأنفاس..،فالظمأ في حضرته و غيابه أكبر أسقامها !

تساءل ثانية،:بتمشين؟

تنهيـدة باغتت شهيقها و خرجت بكآبة بالغة أضحكته..انتقلت أصابعها لخده و قرصته بخفة وهي تهمس من بين اسنانها..

،:أحمــد،لااا تضحك..ادري فيك تتطنز

رفع حاجبه بمكر،:ليش تعاندين..عيونش تقول ان تبين تبقين
مدت شفتيها بحيرة قبل أن تقول،:بس ما اقدر أبقى..اخاف ماما تنتبه

أنهت جُملتها ثَّم زَفرت الضيق الذي في قلبها،تعانقت عينيها بعينيه..وهو استشف ذلك الضيق..التف خيّط كَذِبها حوّل إبرة التأنيب و بدأت بوخز ضميرها المُتَجَليَّة معالم أَسَفه على وجهها الحائرة ملامحه..،قَرَّب يدها من شفتيه التي قصدت باطن أصابعها لتُلقي تعويذة سِحرها بقبلات سريعة ،كهمسٍ عذب ارتعشت لها أعصاب حسّها..مال رأسها وعينيها انغلق نصفها من فرط الأحاسيس التي تجمعت فوق جفنيها الراقصة رموشهما بخجل أنثوي يعلم جيّداً كيف يجعله يَتَمَرَّد على شخصيّتها الحافظ لأسرارها..، سحبها بخفة وهي في سَكرَتها لترى نفسها مُحاصَرة برائحة أنفاسه..إدمانها الذي شفت منه لفترة..،

كان خبيراً في القُبَل ..شفتيه تعرف طريقها جيّداً،تتخيّر المواقع التي يلتهب لها جلّدها الرقيق بمُجرد اقتراب جمرة قُبلته..فيلسوفاً هوَّ عندما يُقبلها،يكتب فصولاً جديدة ويستحضر
حروفاً و يعقدها كلمات حُب تُغنيها أنفاسه على لحن نبضها المُتَأرجح على شرايين قلبها الذي تَبَنَتْهُ كفيّه الدافئتين في شتاءٍ ذكراه بَقيت مُخلَّدة..،

صوّتُ رنيـن الهاتف تجسس على خلوتهما،فَصَلَ الإقتراب و أنقذهما من الذوبان في بحر المشاعر السابحان فيه دون حماية و توخٍ من خطر يلوح في الأفق البعيد..ابتعدت عنه بأنفاس لاهثة..عبرت قرون العشق و الوَله في قُبلة ثُمَّ عادت تُنعِش رئتيها المُتشبعتين بعطره القوّي..ارتفع جفنيها كاشفيّن عن عينيها المُضطربة عدستيهما البُنيتين..همست له بعد ان ازدردت ريقها لتسترجع صوتها..

،:حبيـبي لازم امشي،هذي اكيـد ندى

قبّلت ذقنه بخفة قبل أن تبتعد واقفة و أصابعها تُكمِل إغلاق أزرار قميصها المفتوح نصفه،ارتدت عباءتها و حجابها على عجل..جَمعت حاجياتها البسيطة في حقيبتها الصغيرة وهي تستمع لصوته..

،:جَنَّتــي...،كلميني اذا وصلتين البيت
وهي تقترب من الباب،:لا توصي

فتحته ثُمَّ ارتفعت يدها لشفتيها طابعة قُبلة لوّحت لهُ بها وهي تقول،:مع السلامة يا عمري..كمل نومتك

،

أغلقت باب السيارة بهدوء..سلّمت بهمس وجسدها يغوص في الكرسي الفسيح..جانب رأسها
استند بالنافذة و عينيها تلتقط آخر جزء من مبنى الشقة التي تبتعد عنها السيارة شيئاً فشيء..

زَفرت وهي تُدير رأسها لصديقتها لتجد إبتسامة واسعة على شفتيها و يبدو أنها قريباً ستتحول إلى ضحكة عالية !

،:نــدى ليش تبتسمين ؟!

فعلاً..ما ان أنهت جُملتها حتى اعتلى صوت ضحكتها حتى تطافرت الدموع من عينيها..اعتدلت هي في جلوسها ويدها تحركت لكتف صديقتها تضربه بخفة و لسانها ينطق بقهر..،

،:ندى بلا نحـاسة لا تضحكين

رفعت ندى يدها إلى فمها تُكبح ضحكتها القوية و بطرف عينها كانت تلمح القهر على وجه صديقتها..تنفست بعمق قبل أن تقول بصوت لا زالت الضحكة نبرته..

،:خسارة يا جنـان ما كنتِ تقدرين تشوفين وجهش و نظراتش..تقولين طفل مرجعينه غصب من الألعاب !

أشاحت وجهها عنها وهي تعقد ذراعيها على صدرها،:سخيــفة،كلش مايضحك

تحمحمت و هي تمسح دموعها و ببحة قالت،:زيـن خليش من هذا،شهالتطورات بعد،صارت عندكم شقة على البحر،ليش ما قلتين لي ؟!

إبتسامة خفيفة عانقت شفتيها المملوءتين بنعومة قبل أن تهمس،:ما كنت ادري،البارحة فاجئني فيها

رفعت حاجبها و بخبث قالت،:خلاص يعني صارت مُلتقى العشاق بعد سنين من التَشَرُّد ؟

نظرت لها للحظة ثَم أبعدت عينيها وهي تُحرك رأسها بسخرية،:اي تَشَرُّد ؟! شهالحجي ندى..عليش مصطلحات ما ادري من وين تجيبينها !

مالت شفتيها تصطنع الزعل،:والله من القهر ما تعرفين تنطقين ربع الا انطقه "نظرت لساعة السيارة" زين اللحين اذا رجعتين البيت شنو بتقولين لخالو ؟

تنهدت و ذراعيها فكا عُقدتهما بعد أن انعقد شيء موجع في قلبها..رفعت يدها لجبينها مُتحيرة..أغمضت عينيها للحظة قبل أن تهمس

،:اهم شي انها شافت الواتس اب و عرفت أن راسي يوجعني يعني و لا احد يقرب من غرفتي.. "ثم أكملت بقلة حيلة" و اذا رجعت بقول لها طلعت اتريق ويا ندى "ابتسمت وعينيها تحركت لها" كالعادة انتِ المُنقذة ..

بنظرة حادة قالت،:ايــي اللحين المنقذة..بعدين انا بحتاج الى منقذ اذا عرفوا بالبلوة الا انتِ مسويتها !



يتبع




لامارا 20-08-15 08:13 AM


،

الأمس،الثانية مساءً..

كان يجلس مع زوجته في غرفة الجلوس الكبيرة ذات الأرائِك الكلاسيكية،ينتظرون قدوم ابنتيهما الوحـيدة مع زوجها للغذاء،كان غـارق في مشاهد احتوّت ذكريات كُلّما استعادتها ذاكرته أسِف قلبه عليها..،أصابع كَفه تتحرك ببعثرة على فخذه،يرسم بعشوائية على بياض ثوبه سيناريو مُعاكس للخمسة عشر عاماً التي مضت..،خطوط كِبَر السـن لوّن طيّاتها سوّادٍ توشح أسفل عينيه لغياب النوم عنهما لفترة أنهكته نفسياً..فَدْاءُ النفس يجيئ المرء بوجع يُقاس بضعفان من داء الجسد..فجرح الجسد لا بُد أن يندمل..، لكن ثغرة الروح بماذا تُرَمم ؟!

ازدرد ريقه عندما اختلط صوت البُكاء في مَسمَعه،بُكاءان تقلّد كُل واحد منهما فترة زمنية مُنفصلة..هو كان مُسببهما الأول..،اعتصر قلبه للبكاء الأول..و مات في البُكاء الثاني..،برجليه و دون دراية وطأ زَهرته..،أراد أن يُسقيها زُلال لكن أُجاجاً كان سُقياها..،أُجاجٌ سقاها حتى أدمعته عينيها المُحترقتين من ملوحة تمرّغت فوق جرحها الطريّ..

داوى فجَرَح،ثمَّ داوى و ها هو يتربص جُرحاً آخر..يراه مُلوّحاً من بين عينيّ أميرته..،يراه في حركة رمشيّها،و تستشعره كفيّه من ارتعاشة أطرافها..دفئ يديه حاصرته برودة جسدها الصغير النائم كملاكٍ تحت غيّمته المًحمَّلة بأمطار وثلوج قد لا تقواها روحها الهشة..،

،:ابو حنيــن،الجرس يدق بنتك و زوجها وصلوا

رمشت عينيه ثُمَّ رفعهما ببطئ..ظلَّ ينظر لزوجته لثوانٍ بصمّت ..،زَفر بهدوء ثم وقف ليتقدمها بخطوات ثابتة وهو يقول

،:تعالي خل نستقبلهم

رافقته زوجته الى الباب الداخلي..فتحه هوّ و وقف مُقابلاً للداخليّن..ثوانٍ وبان أمام عينيه وجه محبوبته الأولى،تقف بنعومتها بالقرب من الذي أختارهُ زوجاً لها..كان يسمع ترحيب زوجته بهما وهو غائب في تأمله لوجهها الأجمل بالنسبة له..،

يعرفها أكثر من أي شخص آخر،حتى والدتها،يستطيع أن يقرأ التردد الذي تعيشه وهي تُجاهد إبتسامة خائفة..،اهتزاز ذقنها الناعم التوى لهُ عِرق في عُنُقه يتصل مُباشرة بجَوَى القلّب..، و لمعة الدموع في عينيها حَطَّمت المنبر الذي اعتلاه في عقله ليُحادثها من فوقه بجديّة مصطنعة..،لكـنه ضعيــف،و جــداً أمام صغيرته..أنثاه الوحيدة التي تُصيّر أفكاره سراباً،و تُغدِق على روحه بنظرة من عينيها و إبتسامة من شفتيها أزهاراً بتلاتها تشبعت من عطرها الخـاص المُداعب لأنفه مُنذ يومها الأوّل..،

نطقت بحشرجة،:بــابـ ـا

كَتمَ شهقتها في صدره،مكانها الوحيد وملجأها في حزنها و تَرَحِهَا،احتضنها بحنان أب سافر النوّم من عينيه عقاباً لكلمات نطقها في لحظة غضب تناسى فيها هذه الصغيرة...صغيرته و لوّ بعد قرن،!

مَسَحَ على رأسها بكفه العريضة وهو يُشدد من احتضانه لها..،يديها الصغيرتين تضغطان على صدره،فوق قلبه..و كأنهما تُعاتِبانه على قسوّته الغريبة..،رفع رأسها لتتضح له ملامحها المغسولة بالدموع..مسح فيّض عينيها بإبهاميّه،طبع قُبلة على جبينها قبل أن يهمس..

،:آسف حبيبتي..سامحيني حنين

احتضنت كفه بكلتا يديها وهي تقول بصوتها الذي اخترق شهقاتها،:لا بابا انت الا سامحيني "قبّلت يده" ما كان قصدي ازعلك..،آسفة بابا

ابتسم لها تلك الإبتسامة المُتَجَمِلة بحنان الأبوّة..إبتسامته رَشَّحَت ذرات القلق العالقة في قلبها و سهّلت مجرى شهيقها و زفيرها بعد أن قضت ثلاث أيام تَجُرُ النفس من فوق صهوة ضميرها المُقيّد بجدائل من الذنب الخانق..،

،:راضي علييّ

تنهد وقُبلة أخرى تركتها شفتيه على جبينها كتعويض لليلة زفافها المُفتقد لقُبلة أب مُحَمَّلة بدعوات

،:راضي يابنتي راضي


,



استيقظ على أصوات سيّارات توحي بانحصارها وسط زُحام كبيـر..،فتح عينيه ببطئ و هو يشعر بوخز خفيف فيهما..، نظر لمكان استلقائه و علامات استفهام ارتسمت فوق عقله عندما استوعب عقله أنه نائم على الأرض..! رفع ذراعه اليُمنى المُتصلبة..دعك عينه برسغه لثوانٍ ثم أبعدها لتتضح له رؤيتها..
اتسعت حدقتيه وهو يقفز من مكانه بطريقة فاجئت أعصابه المُسترخية..شعرَ بألم في عضلاته لكنه لم يلتفت له..فكُل ذرة في خلاياه تنصبت حواسها للذي فوق يده..،أحمر قاني تشعب بين فراغات يديه حتى نصف ذراعه..رفع يده اليُسرى لتصطدم عينيه بالبقعة الكبيرة في باطنها..،

ارتعاشة عنيفة نالت منه..استسلم لها ونظره يتتبع قطرات الدم المُتفرقة على الأرض..تجمعت في بقعة ثّم انتشرت ببعثرة..،نزل على رُكبتيه قُرب البقعة الكبيرة..انكمشت ملامحه من الرائحة..،حرّك رأسه و الاستنكار تشنج عند صدغيه..،ازدرد ريقه بصعوبة و للحظة شعر بأنه يزدرد الدماء معه..،همس برجاء

،:لا ياربي..لا لا يا ربــي

وقف من جديد وهو يدور حوّل نفسه بتَيّه،ذراعيه تتحركان باضطراب و دموع ضَعف باغتت عينيه المذهولتين..،كان يخطو بضياع و الصدمة جعتله مُستضعف لا حيـلة له..،يبحث عن إجابة بين أنفاسه المُتخبطة و التي رُبما حَملت معها روائح الساعات الماضية..،أوقفه الحائط، وضع جبينه عليه..،أسند يديه بالقرب من رأسه..أرجع جسده للخلف وبقوّة جذب نفسه للأمام ضارباً برأسه عَرضه..أعاد الكرَّة مُتجاهلاً الوَجع..كان يضرب بعنف مَقصده عقاب لفعلته..،يضرب و عقله بدأ بتنشيط ذاكرته ليسترجع جنونه..،تذكر الوجه المُلطخ بالدماء المُغيَّبة ملامحه من الكدمات..،و أُذنه تستمع لشريط الصراخ و التَرَجّـي !

سقطت ذراعيه بجانبه،استدار وجسده يستسلم للقاع بقلة حيلة..،رفع رُكبتيه وهو يجلس برجلين مفتوحتين اتكأ فوقهما كوعيه..وكفيّه تركت زمام الأمور لأصابعها التي بدأت بشدّ خصلات شعره..صـــرخ من أعمق نقطة في روحه وصوت صرخته تردد بين جدران الغرفة التي شهدت على جرائمه..،سقطت من عينه دمعة تجرَّعها مُستشعراً مرارتها..تذوَّق لسانه ضَلَالِه واختلط ريقه بمذاق هَوانه..،مركز الضياع داخله يزداد في جَذب روحه..،ذاته و من زمن لَحِقَت بعداد التائهين..فاتها القطار و بقيّت مُعلَّقة كقطرة غيّث تلاشت سُحابتها قبل أن تستوي بحراً..!




~ انتهى




الساعة الآن 06:21 PM

Powered by vBulletin® Version 3.8.9
Copyright ©2000 - 2019, vBulletin Solutions, Inc.