شبكة روايتي الثقافية

شبكة روايتي الثقافية (https://www.rewity.com/forum/index.php)
-   روايات عبير المكتوبة (https://www.rewity.com/forum/f202/)
-   -   26-رواية المسافرة - راكيل ليندسي -قلوب عبير(حصرياً فقط على روايتي) (مكتوبة/كاملة)** (https://www.rewity.com/forum/t353788.html)

miya orasini 10-07-16 04:16 PM

26-رواية المسافرة - راكيل ليندسي -قلوب عبير(حصرياً فقط على روايتي) (مكتوبة/كاملة)**
 
https://upload.3dlat.net/uploads/3dl...6107971c32.gif

مرحبا يا رومانسيات بعد أن اخترتن
رواية مسافرة للكاتبة راكيل ليندسي
لتتم كتابتها من قبل كاتبات القسم
سيتم تنزيلها مكتوبة و كاملة
حصريا في منتدانا الغالي
عيدية لأحلى أعضاء
شاكرة كل من ساهمت في كتابتها
معنا على تفانيهن و مجهودهن
(shimaa negm) -(strawberry)
-(روح الغالين)-(samahss)
(Iman-H-Alakurt)-(miya orasini)


https://forums.imageslove.net/photos...767995_508.gif




لا نصرح لأحد بنقل جزء منها


الملخص

حتى الرحلة الأولى قد تكون رحلة العمر بالنسبة الى فتاة خجول غير مجربة تطلع على العالم، لأول مرة، بأحاسيسها الطرية كالبراعم. أبيا وست تكاد لا تصدق أنها باشرت رحلتها، و عندما تعي ما حواليها جيدا و تدرك أن ما يحدث لها ليس حلما، تكون رحلتها قد تمت بالفعل. و يا لها من رحلة ! و الهدف بدا بعيد الاحتمال في البداية يتراقص الآن أمام عينيها متمثلا في شخصية جيلز فارو، عالم الفزياء النووية الذي لا يمكن أن يوصف بأي شيءالا بأنها عاطفي. يعرف جميع الأجوبة مقدما و يتمتع بقدرة مذهلة تجعلها تشعر بالذل و الاهانة في حضوره حتى و هي تشفق عليه ! عداؤه كالصداقة وحبه ويوحي كأنها بركة هادئة في ضوء القمر رغم أنها بركة غير عادية، يمكن الغرق فيها بسهولة.


https://forums.imageslove.net/photos...767995_508.gif

روابط الرواية

word

يجب ان ترد لمشاهدة المحتوى المخفي

https://forums.imageslove.net/photos...767995_508.gif

text

يجب ان ترد لمشاهدة المحتوى المخفي
https://www.dreamjordan.com/up/62196hlmjo.gif

miya orasini 10-07-16 04:23 PM

الفصل الأول

https://forums.imageslove.net/photos/...767995_508.gif



طالما حلمت الآنسة أبيا وست برحلة الى الهند تروّح عنها رتابة حياتها البسيطة. و ها هي فرصتها تلوح في الأفق !
راحت أبيا وست تقلب الشيك بين يديها ، تحاول أن تقرر ما الذي تفعله بمبلغ ألف جنيه. و لم تترد كثيرا ، اذ كانت تعرف بالضبط ما الذي تريد تحقيقه.
كان المنطق يقضي أن تتصرف وفق المثل المأثور : وفر قرشك الأبيض لليوم الأسود.لكن روح المغامرة التي ورثتها عن جدتها حدثتها بالإقلاع عن هذه الحكمة. نعم ، انها ستنفق كل جنيه ربحته. و ليس على أشياء تحتاج اليها مثل الملابس أو الأحذية أو الحقائب ، بل على اجازة رائعة في بلد طالما تاقت الى زيارته : الهند ، أرض ملوك المغول الذين قرأت عنهم كل شاردة و واردة. الهند التي أحبت أطباق أطعمتها ، و تمتمت برؤية رسومها ، و الاصغاء الى موسيقاها و غرفت من فلسفتها.
طوت الشيك ووضعته في حقيبة يدها ، و شكرت الحاسبة الالكترونية التي اختارت إسمها ، فربحت هذا المبلغ في اليانصيب. و كانت صديقتها ميلي توماس صاحت في وجهها عندما سمعتها تفصح عن نواياها:
-هل أنت مجنونة لتنفقي كل هذا المبلغ على إجازة لماذا لا تضعين نصف المبلغ في البنك و تحتفظين بما يكفيك للصرف و البذخ؟
أجابتها أبيا:
-لن يبقى معي ما يكفي لتغطية نفقات الرحلة الى الهند. أن أرخص رحلة تكلف 950 جنيها. فيتوفر لدي خمسون جنيها لشراء بعض الألبسة.
أجابت ميلي بتذمر:
-سيبقى معك بعض المال على الأقل ، أما بالنسبة الى الرحلة ما أن تنتهي حتى يتبخر كل شيء معها.
ردت أبيا:
-هذا الرأي لا ينطبق على رحلتي أنا ، سأعود بذكريات باهرة تظل معي طوال حياتي.
سخرت ميلي:
-ذكريات ! هذا كل ما تعرفينه في الحياة. عليك أن تعيشي في الحاضر و إلا انتهيت عانسا منبوذة. و اذا كان لابد من انفاق الدراهم على الرحلة ، فلماذا لا تذهبين الى جزر البهاما أو الى جنوب فرنسا؟
-أفضل في هذه الرحلة البقاء حيث أنا. حاولي أن تفهمي مشاعري الحقيقية يا ميلي. ان الذهاب الى الهند حلم طفولتي.
فأمعنت ميلي في الاعتراض:
-اذن اذهبي الى أميركا. لماذا تركت أمك و أختيك يذهبن الة كاليفورنيا بدونك؟
-لأنني لا أريد أن أهاجر. و في أي حال ، عندما سافرت أمي مع ابنتيها ، شعرت بارتياح كبير.
-أنت تقولين ذلك الآن.
قاطعتها أبيا صديقتها.
- أعني كل كلمة أقولها. لا يمكنك تصور مدى شقائي و أنا أعيش مع نساء جميلات ، فأزداد احساسا ببشاعتي يوما بعد يوما.
- -هذه أول مرة تعترفين بذلك.
- لم أفكر جديا من قبل. كنت أتمزق حسدا منهن. وزاد شقائي معاملتهن اللطيفة لي : الحمد لله انهن لم يشعرن بغيرتي و عذاب. لا ألومهن ، انهن حقا جميلات ، و أنا مجرد فتاة عادية.
قالت ميلي بإصرار :
- أنت لست فتاة عادية. صحيح أنك صغيرة القامة. لا تحتاجين الى أكثر من ثياب جديدة و بعض المكياج. و عليك انفاق دراهمك على هذه الأشياء و ليس على رحلة الى الهند.
- لا يهمني. اريد الذهاب.
- لماذا لا تكتبين الى والدتك لمعرفة رأيها بالموضوع؟
- لا ضرورة الى الكتابة. أعرف رأيها بالموضوع... مثل رأيك تماما. انها تؤمن بتوفير القرش الأبيض لليوم الأسود ربما لأن والدي كان رجل مبذرا ، و عندما توفي خلف وراءه ديونا طائلة و ثلاث فتيات. ورفضت أمي العمل خارج البيت، و تفرعت للاعتناء بنا و تربيتنا. و بدأت تؤجر بعض الغرف و تنظف و تطبخ ليل نهار.
- -مع ذلك تحسنت الأمور. ثم ما كان أروع تلك اللحظة عندما فازت أختاك في مباراة الجمال !
هزت أبيا برأسها:
-نعم. و ما ان بدأت الأموال تنهال عليهما حتى تولتا تدبير المنزل ، و الانفاق على كل شيء ، وحل أي مشكلة طارئة.
قالت ميلي هازئة :
-لا توجد مشاكل مع توفر المال. و لماذا تشعرين بعرفان الجميل تجاههما ؟ أديت قسطك ، و كنت يدهما اليمني في كل شيء. و لذلك أعتقد بصحة رأيي ، و ضرورة ذهابك معهن الى الولايات المتحدة. ربما كنت أصبحت مشهورة و ذات تروة هائلة.
ضحكت أبيا:

-و من يعيش في عالم الأحلام الآن ؟ لا ، يا اميلي ، أفضل البقاء هنا. الآن تحررت من كل عقد النقص ، و أصبحت مستقلة في حياتي.
ابتسمت أبيا :
-و ماذا تتوقعين بعد ذلك ؟ هل تنتظر فارس الأحلام ؟
تأوهت أبيا :
-ما أصوب رأيك.
-و لكنك لن تجدي فارس الأحلام في الهند.
-ربما لن أجده أبدا. و لذلك أريد انفاق دراهمي بهذه الطريقة.
-انك على الأقل نفقين دراهمك على نفسك ، و ليس على عمل خيري.
اضطربت أبيا قليلا:
-بدأت أشعر بعقدة الذنب. ان السيدة بركنز تحتاج الى دراجة للمقعدين...
-اياك أن تفكري في الموضوع. لماذا لا تشكو همومها الى طبيبها و تكف عن استدرار عواطفك ؟ لا يا أبيا ، اذا كان لابد من انفاق دراهمك، ففكري في نفسك أولا.
و بعد ثلاثة أيام ، نفذت أبيا وصفية صديقتها :وقعت شيكا بمبلغ تسعمائة و خمسين استرليني ، و دفعته لشركة كينغ، المتخصصة في الرحلات الى الهند.
قال لها موظف الشركة :
-انه قرار لن تندمي هلى اتخاذه. قمت بالرحلة نفسها منذ ثلاث سنوات ، و هي تجربة العمر التي لا تنسى.
كانت أبيا تطير فرحا عندما غادرت مكتب الشركة. عليها الآن انتظار ستة أسابيع قبل أن تحقق حلمها الساحر ، و يا لها من ستة أسابيع طويلة !
و لكن أصبح الحلم حقيقة ، و ها هي تتوجه الى مطار هيثرو قرب لندن لتستقل الطائرة. لاحظت ان ثمانية أشخاص آخرين انضموا اليها في الرحلة نفسها. بدوا أكبر منها سنا ، و يدل مظهرهم على الرخاء ، نساء و رجالا.
تمتمت أبيا لو أنها ارتدت ملابس أكثر أناقة من فستانا الرمادي الصوفي و سترتها الباهتة. و لكنها أنفقت ما تبقى معها من المبلغ على الملابس الصيفية لمعرفتها بارتفاع الحرارة في الهند. علت وجهها مسحة عابرة من الحزن و هي تفكر في قضاء عيد الميلاد بين أناس غرباء و في بلد غريب ، في حين تسكن عائلتها على بعد آلاف الأميال عنها. لاحت في خيالها أشعة الشكس الدافئة ، فارتاحت قليلا. و ما معنى الندم و الحسرة الآن ؟ خاطبت نفسها. لو قررت البقاء في انكلترا ، لكانت صرفت العطلة مع صديقتها ميلي و عائلتها ، أو مع السيدة بركنز ، تلك العجوز التي تقطن في الطابق الأول من مكان سكنها. أما الآن ستتناول طبق العيد في بومباي.
طافت على ثغرها ابتسامة رضا ، و ارتسم بريق خاطف في عينيها الجميلتين ، الواسعتين البريئين. و هما أجمل ملامح وجهها. أما ما تبقى منها : فكانت قصيرة القامة ، نحيلة البنية.
حدقت في يديها النحيلتين ككل شيء فيها. كانت تمسك بكتاب حول الهند ،و هو هدية قدمها اليها السيد روجرسن الذي كانت تساعده في ادارة مكتبته القديمة.
لم تكن أبيا قد أكملت دراستها الجامعية ، بل فضلت البحث عن عمل للإسهام مع والدتها في نفقات المنزل و تربية أختيها اليافعتين.
و حالفها الحظ عندما توسطت مديرة مدرستها لدى ابن عمها السيد روجرسن، و أمنت لها هذه الوظيفة.
و تذكرت كلمات المدبرة السيدة وليامز:
-نه رجل قديم مثل مكتبه. و يرفض ااستعانة بأحد مع حاجته الى ذلك.
و كان أن سألتها أبيا:
-و كيف سيغير رأيه، و يقبل بتوظيفي؟
همست السيدة وليامز:
-لأنك تحبين الكتب و تحسنين التصرف.
و ليدك قدرة التعلم و الاكتساب لن تخسري شيئا اذا ذهبت لرؤيته.
و ذهبت أبيا لرؤية السيد روجرسن ، و بدأت بالعمل بعد أسبوع ، و بعد مرور أقل من ستة أشهر أصبحت خبيرة ماهرة في بيع الكتب ، و الاجابة على طلبات الزبائن التي كانت تنهال على المكتبة من مختلف أنحاء العالم.
تم اقتراح عليها بعد مضي سنة أن تسجل على حسابه في مدرسة للتخصص في أعمال السكرتارية. و هكذا تستطيع التعامل مع مراسلات الزبائن على نحو أكثر كفاءة، كما قال لها. و حصلت أبيا على شهادة السكرتارية بسرعة عجيبة ، و كانت الأولى في صفها.
ورن صوت أمها في داخلها:
-أتمنى لم أن أختيك تتمتعان بنباهتك و مواهبك !
و تذكر أبيا كيف أجابت بثقة و حزم:
-ان الجمال يعوض عن المهارة و الذكاء.
و بعد أشهر معدودة فازت أختاها بلقب مباراة الجمال، و دخلنا بعالم الشهرة و الأضواء و الغنى.
و اقترحت أختاها أن تدفعا نفقات دراستها الجامعية ، لتحصل على شهادتها في الأدب الانجليزي. و لكن أبيا كانت غارقة في عملها مع صاحب المكتبة العجوز، فرفضت التخلي عنه و أخذت توفر جزءا من راتبها بعد أن تحرت من الانفاق على بيت والدتها، ثم ابتاعت شقة صغيرة في حي قريب من مكان عملها، بعد أن رحلت عائلتها الى أمريكا.
غير أن نزعتها التي كانت تتملكها لمساعدة المعوزين و المحتاجين لم تسمح لها بتوفير المزيد في المصروف، أو شراء ملابس جديدة باهضة. و هي نزعة طالما انتقدتها صديقتها ميلي، كما كانت تنتقد عملها الممل.
قالت لها قبل سفرها الى الهند بأيام قليلة:
-عندما تعودين يا ابيا سأجعلك تبحثين عن عمل جديد. ما الذي يستهويك في تلم المقبرة؟ عليك أن تشتغلي في شركة كبيرة حيث تتاح فرصة الاجتماع بعدد كبير من الناس.
فقالت أبيا معلقة:
-تقصدين عددا كبيرا من الرجال.
ثم أخبرت صديقتها عن عزم السيد روجرسن باغلاق مكتبه نتيجة مشاريع جديدة في الشارع المجاور، و أنه سيتلقى تعويضا يكفيه لبقية حياته، و لا ينوي فتح عمل جديد و هو في تلك السن المتقدمة. و قال لها أن شركة جديدة سستفتح في الحي نفسه، و لن تجد صعوبة في العمل معها. و لكن ابيا قررت عوض ذلك البحث عم مستقبل جديد ورأت في رحلتها الى الهند بداية مفيدة.
فكرت ابيا قي كل ذلك و هي تستقل الحافلة الى المطار. ثم فتحت حقيبتها و أخرجت كراسا صغيرا حول برنامج الرحلة كانت قرأته عشرات المرات. و تمتمت كلمات المواقع و المدن بلذة و شغف : أغرا ، فرانيس ، جيبور...
كانت شاردة الذهن، فلم تنتبه الى وصول الحافلة أمام المطار، الى أن توقفت و أخذ المسافرون و المسافرات بالترجل. توجهت مع الآخرين الى داخل المطار الذي كان يغص الناس.
انتظرت دورها بفارغ الصبر تراقب الأطفال يتمسكون بأهداب فساتين الأمهات، و الأباء يحاولون التقدم و الانتهاء من المعاملات الرسمية، و ختم التذاكر.
و أخيرا جاء دورها، فسلمت حقيبتها الى احدى الموظفات، ثم شاهدتها تختفى عن الأنظار، و اندفعت الى الوراء متنفسة الصعداء. اصطدمت بحاجز كبير.
استدارت فرأت أمامها شابا طويلا، عريض النكبين. و لاحظت لتوها ذلك البريق الذهبي في عينيه كأنهما قطعتان من الجمر. لكنه كان عابس الوجه، فاضطربت، الى أن ابتسم قليلا، فهدأ من روعها. و تمتم بضع كلمات معتذرا عن اعتراضه طريقها.
-لا حاجة الى الاعتذار. كنت في عجلة من أمري.
قالت له بابتسامة عريضة جمدت ملامحه ، و رأته يبتعد و يدخل في حديث مع امرأة طويلة هيفاء القامة.
أم و ابنها، فكرت أبيا، أو ربما جدة و حفيدها، اذ بدت المرأة في عمر متقدم يفوق عمر الوالدة. لكن شبها ما كان يجمع بينهما و ينبئ عن قرابة دموية: شبه يلوح في تلك الملامح البارزة القاسية، و الخطوط التي تمتد حول جنبي الفم. و هي ملامح أضفت على المرأة طابعا مميزا، لكنها بدت كالحة. انها جدته بالتأكيد، استنتجت أبيا، ثم عدلت رايها عندما وضعت المرأة يدها اليسرة فوق ذراعها، فلم ترى أثرا لأي خاتم في اصبعها.
فطنت أبيا الى وقفتها الفضولية، فتوجهت نحو صالون الانتظار استعدادا للاقلاع. و ما كادت تخطو بضع خطوات حتى أحست بيد غليظة تلمس منكبيها. استدارت فرأت الشاب نفسه الذي اصطدمت به. لكنه كان هذه الرمة يحمل لها حقيبتها الصغيرة.
تمتم:
-نسيت هذه الحقيبة.
و قبل أن تتمكن من شكره، ادالا ظهره و مضى في سبيله. با له من رجل فظ، قررت أبيا، ثم طردت شبحه من ذهنها و هي تشق طريقها عبر جمهرة الناس.
و ها هي أخيرا تصعد الى الطائرة ذات السجادة الزرقاء، و الأرجاء الفسيحة حتى يخالها المرء سفينة كبيرة. و أحست أبيا لتوها كأنها في الهند. رحبت بها مضيفة سمراء البشرة ترتدي لباسا أرجوانيا فيروزيا، و قادتها الى مقعدها.
غمرها فرح خفي و هي تجيل نظرها حولها، و سمعت امرأة تجلس بجانبها تخاطبها قائلة:
-تمتعي بالمنظر عزيزتي، لأن الخدمة لا تضاهي المظاهر. و عرفت أبيا لتوها أنها المرأ عينيها التي رأتها تتحدث مع الشاب ذي الوجه العابس منذ لحظات في المطار. أين هو، و لماذا لا يجلس معها؟ و ها هي المرأة تتبرع بالجواب:
-أ،ت أتيت ضمن الرحلة معنا أليس كذلك؟ اصطدمت بابن أخي عند شباك التذاكر. جاء معي ليودعني.
علقت أبيا :
-كان المكان مزدحما. و أعتقد أنني اصطدمت بالجميع.
-ان المطارات مزدحمة كثيرا هذه الأيام. كانوا في الماضي يعاملوننا بكل احترام. أما الآن فيعتبروننا مثل قطيع الماشية.
ابتسمت أبيا:
-لا أسافر كثيرا لألحظ كل هذه الأمور.
-أصبحت خبيرة في هذه المسائل. يعاملوننا مثل الحيوانات لا أكثر و لا أقل. يتأخر وقت الاقلاع و لا ندري ما السبب. و عندما تصل و تحط الطائرة بعد طول انتظار، تجلس ساعات
قبل استلام حقائبنا، أو نقف في صفوف طويلة قبل ختم جوازات سفرنا،.
قالت أبيا:
-و مع ذلك ما زلت تسافرين باستمرار !
استلقت المرأة في مقعدها ارتياح:
-هذه أسرع وسيلة.
سألتها أبيا:
-هل تحبين الجلوس قرب النافذة؟
-لا شكرا. لا أحب النظر الى الخارج و أنا في الطائرة.
استفهمت أبيا بلهجة صادقة:
-هل أنت متوترة الأعصاب؟
-أكاد أموت خوفا.
ردت المرأة بصوت حازم. و كأنها ترقص طربا. و بدت ذات خبرة واسعة، و كأن الطائرة واسعة، و كأن الطائرة جزء من حياتها. تأملت أبيا ملامحها و قوامها جيدا انها تتجاوز السبعين من عمرها، تمتمت صامتة. و لكنها تفيض حيوية ، و تتدفق شجاعة، و توحي بالثقة و الخبرة الطويلة. أخذت مقاعد الطائرة تمتلئ بالمسافرين. ثم تحركت قليلا، و بدأت بالاقلاع. و ما هي الا لحظات معدودة حتى تضاءلت الأرض، ثم شقت الطائرو الغيوم المتبلدة، و حلقت بثبات الى أن بلغت زرقة الفضاء المترامية.
و في تلك اللحظة فقط تنفست أبيا الصعداء.
اللآن بدأت رحلتها الحقيقية.


تـــــــــــــــــــــــم الفصل الأول

miya orasini 10-07-16 04:26 PM

الفصل الثاني

https://forums.imageslove.net/photos/...767995_508.gif

يجب ان ترد لمشاهدة المحتوى المخفيتم الفصل الثاني

miya orasini 10-07-16 04:28 PM

الفصل الثالث

https://forums.imageslove.net/photos/...767995_508.gif

جلست قرب النافذة و دفنت رأسها بين يديها و ارتسمت في مخيبتها صورة ذلك الرجل الغامض الذي يتطاير الشرر من عينيه !
رغم اسهابها في الحديث عن ابن أخيها، لم تذكر العجوز أي شيء عن نفسها، و ظلت ايبا تجهل ماضيها الغامض. كل ما عرفته عنها أنها تمجد جيلز، و هو بدوره مولع بها الى حد كبير. و هي امرأة سهلة لا يصعب على المرء الاعجاب بها، لأنها ذكية، مرحة، و لطيفة، و ان كانت تتصرف على نحو مفاجئ في بعض الأحيان. بذلت جهدها لاضفاء المتعة على اقامة ايبا في دلهي، مصرة على مصاحبتها كل مساء. و استأجرت سيارة تاكسي خاصة لتنقلها الى الأمكنة التي أحبتها خلال الجولة السريعة و لم تدع أيبا تدفع أي جزء من التكاليف، و ظنت أن جيلز يتحمل كل هذه النفقات بكرمه و سمحاته.
الشرقي حيث ترتفع الأبراج السامقة التي تنتصب على زوايا الضريح، يا لخيال الانسان المترامي، و قدرته العجيبة في تشييد معالم خالدة كهذه، غمرت أيبا موجة من الحزن و التواضع و هي تفكر في آلاف العبيد الذين عملوا و ماتوا هنا من أجل نصب شكل رخامي تعبيرا عن وفاء سلطان مغلي لزوجته المتوفية.
و كانت كلما حدقت في الصرح تتضاءل في ذهنها أهمية كل الوقائع التي قرأتها عنه في الكتب. كان تاج محل جاثما هناك يتحدى الزمن، و ينطق بألف لغة و لغة، و كأنه يعلن خلوده الدائم، و يندمج في أحاسيسها و أهوائها و رغباتها.
أشاحت بنظرها الى البعيد. كان هذا الصرح كل ما توقعته و ما لم تتوقعه. وقفت عاجزة عن وصف مشاعرها الداخلية. كيف يستطيع المرء وصف الألوان لرجل أصيب بالعمى منذ ولادته، أو الألحان الموسيقية لمن ولد أصم؟
بدأ أفراد المجموعة يتجولون في كل اتجاه، لكن أبيا ورفيقتها العجوز ظلتا جالستين على السور الرخامي قرب الضريح. لمست أبيا بفطرتها أن الآنسة بيتمان تراودها أفكار مماثلة، فاجتاحتها مشاعر من التعاطف المرهف. أطلقت تنهيدة مكبوتة، فترامت الى مسامع العجوز حيث نظرت اليها مؤنبة :
-اياك و الدموع يا أبيا
- ان ذرف الدمع لا يفي جماله
-ان السلطان حول دموعه الى رخام و بنى هذا الضريح. و لم يدر في باله أي شيء آخر بعد ذلك.
تنهدت أبيا ثانية :
-لابد أنه أحبها كثيرا ليفكر في بناء هذا الصرح لها.
-أنا شخصيا أكره هذه الأشياء.
فغرت أبيا فاها تعجبا :
-لا يعجبك تاج محل؟
-لا لم أقصد ذلك. لكن اقامة هيكل للحب هو هدر للطاقة و العاطفة . مهما كان المرء يحب شخصا آخر عليه أن يسلم بوفاته، و يتابع حياته بعزم جديد، و يفكر في المستقبل و ليس في الماضي. و عطست العجوز بحدة ثم تابعت :
-أعتقد أنك تعتبريني مجرد عجوز ثرثارة
-لا أبدا
و عطست العجوز مرة أخرى، فانتصبت واقفة :
-يبدو أن الجو بارد قليلا. سآخذ سيارة أجرى الى الفندق و لكن أبقى أنت هنا. سأراك غدا حيث نمتع أنظارنا بمزيد من المشاهد. و لم يخب ظن أبيا. اذ خلبت لبها مدينة أغرا بمناظرها و جلبتها، و كل القصص الظريفة التي جرت أمامها في الشوارع و الهياكل و المقاهي. و بدأ تاج محل في وضح النهار رائعا باهرا مثل روعته في ضوء القمر الفضي.
كان الليل يرخي سدوله عندما عادتا الى فندق كلارك شبراز حيث تقام حفلة رقص هندي في الحديقة بعد تناول العشاء.
لكن قبل انتهاء الحفلة قالت لها العجوز :-أشعر ببعض الارهاق. سأتناول وجبتي في غرفتي.
تمعنت أبيا في ملامحها فلمحت احمرارا بارزا فوق بشرتها الشاحبة. أنت طعامها بسرعة ، وودعت أفراد المجموعة متوجهة الى غرفة العجوز مباشرة للاستفسار عن صحتها.
بدت الآنسة بيتمان في ثياب النوم القطنية الرقيقة أكبر سنا مما تبدو عليه في أثوابها الحريرية ذات الطراز القديم. كان صوتها أبح، و انتابتها نوبة السعال و هي ترحب بأبيا ففقدت قدرتها على الكلام للحظات معدودة.
اقترحت أبيا :
-ألا تظنين أن من الأفضل لك استدعاء الطبيب؟
-ما الفائدة؟ أنا معرضة دائما للاصابة بالالتهاب الشعبي و الانفلونزا. ارتكبت خطأ لا يغتفر بجلوسي عل ذلك السور الرخامي ليلة أمس.
-هل لديك بعض الأدوية هنا؟
-تناولت بعض الأقراص منذ فترة قصيرة. يمكنك جلب قنينة دواء السعال من الحمام.
نزلت أبيا عند رغبتها، و لشد ما كانت دهشتها و هي ترى عدد قناني الدواء المصفوفة حول المغسلة. قالت العجوز بعد نوبة سعال حادة :
-لا أظن أنني سأتجول غدا مع المجموعة. زرت المعالم عندما كنت هنا المرة الماضية، و هي حتما لا تزال كما هي.
-يقال أن معالمها فائقة الجمال و محفوظة على نحو متقن.
-لكنها آثار ميتة لا حياة فيها مثل مدينة بومبي في ايطاليا. كانت منذ أربعمائة سنة المقر الرئيسي لبلاط السلطان، و لكن بعد وفاة السلطان أكبر الشهير تدهور وضعها كثيرا. و لكن من المفيد التمتع بها تبقى منها. قالت أبيا بلهجة حماسية أضحكت العجوز :
-كل شيء في الهند يستحق الزيارة و الرؤية.
-كلامك يذكرني بروعة الصبا و الفتوة.
-و من الرائع أيضا أن يكون الانسان فتي القلب مثلك.
-شكرا يا عزيزتي على كلماتك اللطيفة. تعالي لرؤيتي حالما تعودين غدا.
نهضت أبيا باكرا، و جلست تنتظر وصول الحافلة الصغيرة. لكن ضميرها كان يؤنبها و يدفعها لالقاء نظرة على العجوز قبل مغادرتها المكان. هرعت مسرعة ال غرفة المرأة.
أدركت لتوها أن العجوز تعاني من شيء يتجاوز الزكام العادي. بدا وجهها منتفخا، و عيناها محمرتين. كما خالتها فير قادرة على التركيز لمدة طويلة ، و أخذت تتمتم كلمات غير مفهومة و هي تشيرعلى أبيا بالذهاب و ركوب الحافلة مع الآخرين. و عندئذ قررت أبيا استدعاء الطبيب.
أخبرها موظف الاستقبال عن وجود طبيب يزور نزيلا آخر، و سينتهي من فحصه خلال نصف ساعة. و أضاف الموظف :
- أن دليل الجولة في انتظارك,
أجابت أبيا و هي تعارك خيبة أملها :
- ليذهب بدوني. لن أترك الآنسة بيتمان وحدها.
- يمكننا تكليف خادم للاهتمام بها.
كادت أبيا تبدي موافقتها، غير أن ضميرها ردها، فشكرته ورفضت اقتراحه.
ما أن قلعت الحافلة لتقل المجموعة في جولة سياحية جديدة حتى وصل الطبيب. كان في خريف العمر مائلا الى السمنة، يلف جسمه بسترة هندية ضيقة مزررة حتى عنقه.
فحص العجوز فحصا شاملا، و علت وجهه امارات التجهم مما أخاف أبيا، وأدخل الرعب الى قلبها، أعلن أخيرا :
-انها نزلة صدرية حادة. سأصف لها بعض المضادات ، و لكن لا أتوقع أية نتائج ايجابية قبل مرور أبع و عشرين ساعة.
سألته أبيا :
- هل من الضروري نقلها الى المستشفى؟
- لا ضرورة لذاك الآن. لن أتخذ القرار النهائي حتى أراها ثانية عشية اليوم. و أثناء ذلك سأرسل اليك الأدوية (ثم حملق في وجهها مستفسرا) هل أنت احدى قريبتها؟
- مجرد صديقة. سأبقى هنا طوال اليوم.
هز رأسه علامة الرضا، و غادر الغرفة. جلست أبيا على كرسي بجاني السرير لتتصفح كتابا حول المدينة الصخرية القديمة التي فاتتها زيارتها.
عاد الطبيب في وقت متأخر من المساء حيث كانت صحة العجوز ازدادت سوءا. لاحظت أبيا أنها تتنفس بصعوبة ، و تتمتم بعض الكلمات حول أناس و أمكنة لا تعرف عنها شيئا ، أو تغط في نوم عميق ، مرسلة شخيرا متواصلا.
أكد لها الطبيب :
-لاحاجة الى القلق. ستتحسن حالتها في الصباح.
لم تكن أبيا واثقة من كلامه المطمئن و تزايدت مخاوفها مع اقتراب المساء حيث غرقت العجوز في هذيانها مرة أخرى :
-ما هذا يا جيلز؟ لا تعاملني بهذا الأسلوب فأنا لست طفلة ! طفت العالم مرتين قبل أن تولد، و لا أنوي قضاء بقية حياتي في كرسي للمقعدين. قد أكون طاعنة في السن، و لكنني لست خرفة و لا أعاني من مرض العضال.
ابتسمت أبيا. أن الآنسة بيتمان هي اياها حتى في هذيانها. فكرت أن جليز فقد أعصابه أكثر من مرة معها. و مع أنها لمحته لبرهة خاطفة في مكار هيثرو، لمست لتوها أنه رجل ذو ارادة حديدية. يبدو أنه يتمتع بشخصية مسيطرة، و هو انطباع أكدته أحاديث عمته حوله. خطت أبيا نحو السرير بهدوء. لاحظت أن الآنسة بيتمان ازدادت انكماشا في فراشها، و أدركت أنها تتعافى في وقت قريب. و اذا كان الوضع كذلك، ما هي ردت فعل ابن أخيها لعدم اطلاعه على مرض عمته، و خاصة و هو في الهند؟
ترددت قليلا قبل أن تفتح حقيبة العجوز بحثا عن مفكرة أو دفتر عناوين. و أخيرا عثرت على مفكرة مجلدة قرأت فيها عنوان جيلز فارو و رقم تلفونه في بومباي.
طلبت مخابرة هاتفية لتوها، وراحت تذرع الغرفة جيئة و ذهاب تنتظر جوابا بفارغ الصبر. و أخيرا رن جرس الهاتف فزالت كل مخاوفها و شكوكها و هي تسمع جيلز على الخط، واثقا حادا. قالت بسرعة :
-أنت لا تعرفني. أنا مع عمتك ضمن المجموعة السياحية. و... و... و اصطدمت بك في مطار هيثرو...
قاطعها محتدا :
-ما الذي الم بعمتي؟
استاءت من نفسها و سوء تصرفها، اذ ماذا يهمه من ي أو أين التقاها؟
أخبرته أبيا عن وضع عمته بعجلة :
-يقول الطبيب أنه لا لزوم للقلق و لكن...
-و لكنك قلقة الى حد جعلك تتصلين بي؟
-نعم. لم أكن لأتصل بك لو كانت في انكلترا، أما...
-سأركب أول طائرة. و أعتقد أنني سأصل صباح الغد.
فاجأتها سرعة قراره. قالت :
-ام أتوقع منك المجيء الى هنا، سيد فارو.
-لماذا اتصلت بي اذن؟
-لأضعك في الصورة. و لكن اذا...
-حسنا هذا ما قمت به الآن، و اتركي لي القرار من فضلك.
و أقفل الخط بعد أن شكرها ، فأعادت أبيا السماعة ، يخالجها ارتياح ممزوج بالتوتر. يا له من رجل مزعج ! مع ذلك كانت مغتبطة لاتصالها به، اذ لم تعد تتحمل مسؤولية مرض الآنسة بيتمان وحدها. و اذا حدث طارئ بين الليلة و صباح الغد عندما يصل ابن أخيها ، لن يلومها أحد أو يتهمها بالإهمال.
رفعت سماعة الهاتف مرة أخرى و طلبت وجبة العشاء في غرفتها، ثم مضت نحو النافذة و حدقت في الظلام بحزن يشوبه الحنان. قضت يوما مرهقا و مثبطا للعزيمة. هل صرف اجازة يعني الجلوس ساعات لمراقبة عجوز في حالة من الغيبوبة؟
تثاءبت و تمطت ، متمنية حضور جيلز فارو ليتوالى زمام الأمور مكانها. انها تتوق الآن الى التخلي عن هذه المسؤولية الصعبة ! جلست قرب النافذة مطلقة زفرة حزن صامته ، و دفنت رأسها في راحتيها. و ارتسمت في مخيلتها صورة ذلك الرجل الغامض الذي يتطاير الشرر من عينيه.


تم الفصل الثالث

miya orasini 10-07-16 04:33 PM

يجب ان ترد لمشاهدة المحتوى المخفي

miya orasini 10-07-16 04:35 PM

يجب ان ترد لمشاهدة المحتوى المخفي

miya orasini 10-07-16 04:39 PM

الفصل السادس


https://forums.imageslove.net/photos/...767995_508.gif

ربما كان جيلز رجلا ذا أوصاف عديدة، و لكنه حتما ليس عاطفيا. و لا يمكن أن تتصوره مجرد عاشق هائم دامي الفؤاد لا يجرؤ على الانتقام من المرأة التي خذلته !
حمدت الله على هذه الوجبة الشهية، و قررت الذهاب الى غرفة الآنسة بيتمان. رأت أبيا النور ينبعث من تحت الباب فأدركت أنها لا تزال مستيقظة. هرعت العجوز، و هي ترحب بها:
-أهلا و سهلا بك، كم أنا سعيدة لتناولك العشاء مع جيلز فرصة ملائمة لتتعرفا.
ابتسمت أبيا دون أن تعلق بشيء عازمة على اخفاء حقيقة ما جرى بينها و بين ابن أخيها. كيف يمكنها أن تقول لها أن تعارفهما يماثل تعارف الحية الرقطاء و الأرنب البري، فكرت أبيا بمرارة و هي جلسر قرب السرير. قالت:
تبدو عليك امارات البشاشة يا آنسة بيتمان.
رمقتها العجوز ممعنة النظر في وجنتيها المتوردتين و فستانها الزهري الذي يشد جسمها النحيل:
-نعم أنا في غاية الارتياح الآن. و تبدو عليك البشاشة أيضا يا عزيزتي. هل تحبين غرفتك الجديدة؟
-انها رائعة. و لكنها لن تكن ضرورية. كنت سعيدة بغرفتي القديمة.
-مع ذلك تستطيعين الآن رؤية تاج محل من نافذتك. و أنت مولعة به.
التقت نظراتهما. فابتسمتا معا بغبطة فائقة. استطردت العجوز:
-لا أريدك أن تبقى هنا للترويج عني. ثمة حفلة رقص في بعض القاعات السفلى.
ردت أبيا:
-و ما أهمية ذلك؟ أستطيع أن أرقص ساعة أشاء في لندن.
-صحيح؟
أحيانا. و لكن عندما يخطر في بالي، أجد معظم الشباب في عمري تافهين، و الرجال الأكبر سنا اما متزوجين أو يبينون نوايا سيئة.
-أفهم مغزى كلامك. أنا لست غبية الى الحد الذي تتصورينه. افتر ثغر أبيا:
-لابد أنك تسخرين مني لجهلي بهويتك الحقيقية. لكن السيد فارو أخبرني و...
قاطعتها مستاءة:
-جيلز أخبرك
كان علي تنبيهه ليمسك لسانه (الذرب). كنت أنوي ابلاغك بنفسي فور وصولنا الى بومباي. فأنا أريد منك شيئا محددا.
-حقا؟
-هل حزرت؟
لم يصعب على أبيا التكهن بعد حديثها مع جيلز فارو، لكنها فضلت التكتم، و انتظرت أن تفشي لها العجوز بسرها الدفين. و هكذا أرادت منها الآنسة بيتمان أن تكون سكرتيرها و مافقتها الخاصة. ثم تابعت:
-لا أريد منك جوابا الآن يا ابنتي. فكري في الأمر بدقة. يقع منزلي في الريف، و ستكون حياتك معي رتيبة للغاية. أسافر من وقت لآخر و ستكونين في صحبتي طبعا. و عملك سيكون متعبا و شاقا
ابتسمت أبيا:
-بعد أن أوضحت لي كل الأسباب التي تحملني على رفض العمل، هلا تفضلت بذكر أسباب قبولي لهذه المهمة؟
-لأنك ذكرت لي مدى ولعك بالريف. و لأنك تحبين الحيوانات، وسأهديك كلبا للاعتناء به، يكون ملكك الخاص. و لأنك مولعة بالسفر، و رحلتي التالية ستكون الى اليابان (صمتت العجوز لحظة) مع ذلك أريدك أن تدرسي المسألة بدقة.
حدقت أبيا في السجادة:
-هل يزورك ابن أخيك غاليا؟
-لم يزرني لمدة ثلاث سنوات و منذ أن إستقر في الهند. لكنه سيعود الى انكلترا خلال بضعة أشهر، و أستطيع القول أنه سيأتي لزيارتي في نهاية الأسبوع كل شهر.
-هل يعرف أنك تعرضين على هذا العمل؟ اذ أنه لن يوافق. يعتقد أن عنايتي الفائقة بك تتعلق بطموحي للحصول على شغل معك.
تفرست العجوز في وجه أبيا:
-و هو رأي يثبت مدى جهل الرجال عندما يصدرون أحكامهم على النساء. و لا عجب اذا كنت لم أتزوج !لا تدعي آراء جيلز تزعجك. انه يحرص علي كثيرا، و طالما أنك تودين الاعتناء بي، فثمة قاسم مشترك بينكما.
كتمت أبيا رأيها في جيلز، و لم تفصح عن التنافر الحاد الذي بينهما. قالت :
أحب أن أعمل لديك آنسة بيتمان. يبدو لي أنه عمل رائع. تهللت العجوز طربا، و احتفظت أبيا بهذا الانطباع عندما قابلت جيلز فارو أمام غرفة عمته في صباح اليوم التالي. علق ببرودة:
-اذن حققت طموحك في الحياة؟
ردت باحتشام:
-اذا كان هذا هو رأيك سيد فارو. لا أرغب في تغيير رأيك بي.
-لن تنجحي. يمكنك خداع عمتي، أما أنا فسأظل خصمك العنيد.
-ستظل تتعقبني مخافة أن أسرق آنية الفضة؟
-لحسن الحظ أن دراهمها مستثمرة في الشركات التجارية. و لذلك لا يستطيع أحد استغلالها بعد الآن.
قال عبارته بدون تفكير، فعلقت أبيا:
-و حتى أنت؟
خطا نحوها، فتراجعت أبيا متوجسة، و ما لبث أن سيطر على أعصابه، و فتح لها باب غرفة عمته، و عيناه تقدحان شررا.
كانت العجوز تجلس فوق مقعد صغير قرب النافذة، و هي ترتدي ملابسها المعتادة. أعلنت بعد أن رحبت بهما:
-سأخرج للتنزه قليلا. و لكنك أنت يا عزيزتي أبيا ستذهبين الى سيكري. حجزت لك سيارة مع سائقها. انه ينتظرك في الطابق الأرضي.
تألقت عينا أبيا فرحا، وشع وجهها جمالا الى أن أطفأ ألقه منظر جيلز فارو المشمئز. ما أسهل قراءة أفكراه ! قالت ابيا:
-هذه بادرة غير ضرورية. أستطيع الانضمام الى مجموعة من السياح.
أصرت العجوز:
- لا فائدة من الجدل يا ابنتي. ثم كل شيء الآن. اذهبي و متعي نفسك.
و استمتعت أبيا فعلا. كانت مدينة سيكري، مثل القلعة الحمراء في دلهي، مبنية من الحجارة الرملية الحمراء. و ينتهي بينهما الشبه بينهما عند هذا الحد، اذ أن هندسة المباني بالغة الاتقان، و تحتفظ النقوش على الأعمدة الحجرية بنضارتها و جدتها حتى يكاد المرء ينسى أن قرونا عديدة مرت عليها.
مع ذلك، لم يفت أبيا الاهمال الذي تعرض له المكان، و خاصة تشويه الحيطان بشعارات مختلفة نشرتها أيدي بعض أصحاب الأفكار المتطرفة. ظلت تشغلها هذه المناظر و هي في طريق عودتها الى أغرا.
توقف السائق في منتصف المدينة لتبريد محرك السيارة ببعض الماء.
و ما ان خرج بحثا عن الماء حتى تحلقت مجموعة من الشحاذين حولها. أحكمت أبيا اغلاق النوافذ. راحت شتى الأيادي تطرق الزجاج، و تلك الوجوه الجائعة تحدق فيها غير مبالية باحتجاجها و تبرمها. لم يجرب أحد فتح النوافذ لحسن حظها، و لكن السيارة أخذت تهتز بعنف تحت ثقل الأجسام المتدافعة. شعرت أبيا كأنها نجمة سينمائية محاطة بالمعجبين و المعجابات، لكن الصراخ المتواصل المتوسل كان يروى لها قصة أخرى:
-لا أم و لا أب....صدقة...صدقة. عشرة اخوان...و عشر أخوات.... فلوس...فلوس...
ورفع بعض الأولاد قصاصات من الورق كتبت عليها قصة حياتهم البائسة. و قرأت أبيا احدى القصص من النافذة:
-فقدت أمي احدى قدميها، ووالدي أعمى. بيتنا تحت الشجرة في العراء.
أغمضت عينيها ملتاعة، و استلقت الى الوراء في مقعدها، متضرعة الى ربها ليعيد السائق بأقصى سرعة. و كم شعرت بالارتياح عند عودته، مع أنها ظلت ترتجف هلعا بعد أن قطعت السيارة أميالا عديدة. قال السائق:
-سنصل الى بلدة اخرى بعد قليل. هل تريدين التوقف لاحتساء الشاي أو تناول بعض الطعام؟
رفضت بسرعة جنونية و هي تفكر في تطوير طوابير الشحاذين لها مرة ثانية. احتفظت بآرائها حول الحياة الهندية لنفسها خشية جرح مشاعر سائقها.
كانت الساعة تقارب الثانية بعد الظهر عندما عادت الى الفندق، و مضت لتوا الى غرفة الطعام لتناول الغذاء. كان عدد كبير من السياح هناك، و من جنسيات متعددة، خاصة اليابانيين الذين يهوون الضجيج، و من السكندنافيين الهادئي الطباع. كانت أبيا تتناول طعامها وحيدة، و طلبت طعاما هنديا عوض الأطباق الأوروربية المألوفة.
و أدركت و هي تحتسي قهوتها أن عليها التأقلم مع أجواء جياة الفنادق. اذ أن العمل مع الآنسة بيتمان يعني السفر المتكرر، و الذي لم تألفه في حياتها المتواضعة. انها فرصة ناردة لم تعرف كيف هبطت عليها. و مع أن معظم الفتيات يرفضن العيش تسعة أشهر في الريف الانجليزي، مقابل التجول في العالم بقية أشهر السنة الأخرى، فهي ترحب بهذا النمط الجديد، و تتوقع أن تجد لذة فائقة في التمتع بأمور أخرى.
سوف تستفيد كثيرا من خبرة الآنسة بيتمان الواسعة و المليئة بالمغامرات. و هنا قفزت في ذهنها صورة والدها المثقف و المرهف الاحساس،و الذي شكلت وفاته و هي مجرد طفلة صغيرة أكبر خسارة في حياتها.
راحت تجيل النظر حولها غارقة في أحلامها، و لشد ما كانت دهشتها عندما رأت جيلز فارو ينتصب واقفا قربها. سألها بتأفف:
-لماذا تجفلين كالأرنب المذعور كلما حط نظرك علي؟
تجنبت النظر اليه مباشرة: لم أكن أتوقعك. عندما رأيتك هذا الصباح نسيت أن أشكرك على ارسال العشاء الى غرفتي ليلة أمس.
-أرجو أن يكون الطعام حسن مزاجك؟
حملقت فيه:
-ان مزاجي على ما يرام سيد فارو. هل جئت الى هنا بحثا عني، أم كنت في طريقك الى مكان آخر؟
تجاهل سخريتها:
-جئت لأخبرك أنني و عمتي سنغادر الى بومباي غدا. قال الدكتور ان صحتها تسمح لها بالسفر، و أريدها أن تستقر في منزلي (صمت قليلا) أعرف أنك تنوين التوجه الى أوديبور من هنا، و لكن عندما تنتهي تلك الجولة و تأتين الى بومباي، تتمنى عمتي عليك أن تنزلي معنا.
أفضل أن أزل في فندق، خاصة ان نفاقته يشملها سعر التذكرة.
-تعتقد عمتي أنك سترتاحين أكثر معنا.
لاح لها أن الرفض لا يليق بها. كانت العجوز تعرف أن سكرتيرتها لا يتفق مزاجها مع ابن أخيها، لكنها لا تتصور أن هذا الكره يمكنه أن يظل حاجزا بينها و بين بناء علاقة متينة معها. قالت أخيرا:
-حسنا. سأحاول أن أكون خفيفة الظل.
أجاب:
-حاولي أ، تكوني مفيدة لعمتي بدون أن تستفيدي منها.
حبست أبيا أنفاسها. ألن يكف عن عدائه لها؟ و كأنه قرأ أفكرها، فأطلق ابتسامة باهتة:
-لا تروق لي النساء عامة آنسة وست، و لا تستهويني خاصة الفتيات الجميلات.
قالت لتوها:
-هذه المواصفات لا تنطبق علي حتما.
-لم أعتقد أنك من ذلك النوع الذي يصطاد الثناء اصطيادا.
-أنت مخطئ يا سيد فارو. كل ما في الأمر أني أعرف حدودي فألتزم بها.
قال بفظاظة:
-لا تتظاهري بالسذاجة أرجوك !
اتقدت غيظا. لماذا يظن أنها تلعب دور المرأة المغناج، و ما الذي جعله ينظر اليها كأكثر من فتاة عادية جدا؟ تابع كلامه:
-أريد أن أضيف شيئا آخر. فاتتك رؤية جيبور مما أدخل الأسى الى قلب عمتي، و طلبت أن أرتب لك رحلة الى هناك.
-هذا شبه مستحيل. سيصل أفراد المجموعة السياحية الى هناك اليوم، و لا أستطيع ركوب الطائرة في الوقت المحدد للانضمام اليهم. و لهذا السبب قررت التوجه مباشرة الى أوديبور.
-يمكنك الذهاب الى جيبور بعد أوديبور، و لا تبالي كثيرا بأفراد المجموعة. لدي أصدقاء هناك سيسعدهم أن يستضيفوك لمدة يومين أو ثلاثة أيام أو أكثر اذا شئت. ثم تنضمين الى عمتي في بومباي خلال أسبوع.
كان عرضا مغريا وجدت ابيا صعوبة في رفضه، لكن كان عليها أن ترفض، و تنقد نفسها من مغية رد عرفان الجميل لهذا الرجل. قالت:
-دفعت نفقت يومين في أوديبور يا سيد فارو. و أنا سعيدة جدا بذلك. و سأغادر أوديبور مع بقية المجموعة، و انضم الى عمتك بعد ذلك.
أعلن:
-انك كمن يشرب من البئر و يرمي فيها حجرا.
-لا تزعج نفسك. انها بئري في شتى الأحوال.
مضى في سبيله لا يلوي على شيء، وراحت تحتسي قهوتها الباردة المرة تماما مثل شخصية فارو جيلز.
و اكتشفت مدى مرارة التي تلتهم شخصيته عندما انضمت الى الآنسة بيتمان، قرب حوض الماء ذلك المساء. و أخذت عمته تتساءل عن مكان وجوده بعد أن اختفى عن الأنظار، و تلوم نفسها على حمله للمجيء و هو رجل الأعمال الدائم الحركة. قالت تشرح سبب قلقها:
-عندما تدنو نهاية مشروع ما تتراكم الأشغال على نحو غير متوقع.
سألتها أبيا:
-و هل كان مشروعا ناجحا؟
-بكل تأكيد. و تريد الحكومة الهندية منه أن يمكث ثلاثة أعوام أخرى. لكنه يرفض. و يقول أن انجلترا تحتاج اليه أكثر.
-اذن لماذا أتى الى هنا في الدرجة الأولى ؟
-بناء على رغبة وزارة الخارجية. ان التحالفات السياسية تقوم على أساس التبادل التكنولوجي تماما مثل التبادل التجاري. لم يكن سهلا على جيلز الرفض... خاصة عندما اشار رئيس الوزراء الى أهمية هذه المسألة. و لا شك أن هذه المهمة كلفته سعادته.
انتصبت أذنا أبيا فضولا و تابعت العجوز:
-و أنا أعتقد أنه في عمق أعماقه لم يؤمن أن فيكي كانت تعني كل كلمة تقولها. و هذا كان رأيي أيضا. اعتبرت أنها تمارس بعض الألاعيب النسائية المعهودة و أن جشعها سيتغلب عليها فتذعن له.
علقت أبيا بازدراء:
-لا بد أن كونه ابن أخيك قد يجعله محط أنظار النساء.
-و كونه ابن أبيه. لقد ورث شركة فارو للهندسة.
و مع أن أبيا لم تكن ملمة بالمسائل التجارية، فهي عرفت لتوها اسم هذه الشركة، و أدركت أن اتهامها لجيلز بأنه يطمع في أموال عمته خطأ فادح.
قالت الآنسة بيتمان:
-لماذا تبتسمين؟
ترددت أبيا قليلا:
-تذكرت شيئا ما قلته للسيد فارو هذا اليوم. لا نتفق كثيرا مع بعضنا، أنه لا يثق بي.
-انه لا يثق بكل النساء، منذ أن خيبت فيكي آماله. مع ذلك حتى لو تزوجا فلا أظن أنهما كان سيجدان السعادة معا. كانت دائما تلك المرأة الخبيثة، و لابد له من اكتشاف حقيقتها آجلا أم عاجلا.
ان جليز، رغم مظهره الصارم،رجل عاطفي جدا.
كان من الصعب على أبيا تصور ذلك، فلم تتعب نفسها بصدد هذا الموضوع. ربما أن جلز فارو رجل ذو أوصاف عديدة، و لكنه حتما ليس عاطفيا. سألتها أبيا وقد ازداد فضولها:
-هل كانت جميلة؟
-كانت جميلة للغاية، و تتمتع بمزايا آخاذة، و جاذبية عرفت كيف تستخدمها. وربما لهذه الأسباب توقعت من جيلز تنفيذ كل مطالبها. و عندما أبى، و قال أنه مسافر الى الهند، قررت فسخ الخطوبة. يا لجيلز المسكين، أثرت عليه هذه الحادثة كثيرا.
لماذا رفضت المجيء الى هنا؟ أعرف أن بومباي حارة، ولكن...
-كان يفترض أن يقضي بعض الأشهر الولى من اقامته خارج بومباي، ما عدا بعض الزيارات المتقطعة. أدرك أن عليه قضاء معظم هذه الفترة متنقلا بين كلكتا و دلهي و مناطق شمالية أخرى من البلاد. و لا أخفي عمك أن حياة كهذه ليست شهر عسل مثاليا بالنسبة الى عروس. مع ذلك أنا متأكدة أن جيلز كان رتب بعض الأمور لو وافقت فيكي على الذهاب معه. لم تجد مسألة العيش في موقع جبلي بعيد تتماشى مع أحلامها. فهي اما أن تكون سيدة الدوائر الدبلوماسية في دلهي أو نجمة التجار الأغنياء في بومباي، أو فالأفضل لها أن تظل حيث هي. و هكذا تزوجت مليونيرا أمريكيا بعد مرور أقل من شهرين على فسخ خطوبتها من جيلز. و صار يشعر بالمرارة و التعاسة منذ ذلك الوقت.
-تظنين أنه ما يزال يحبها؟
-لو كان الأمر عكس ذلك، لما اعتصم بالصمت طوال هذه المدة.
شق على أبيا تخيل جيلز فارو، الرجل الفظ، مجرد عاشق هائم دامي الفؤاد لا يجرؤ على الانتقام. و لكن ما قالته الآنسة بيتمان يلغي أي خيار آخر. و ليس من المستبعد طبعا ان ردة فعله هي نتيجة الكرامة الجريحة أكثر من الحب المتوقد. انه يقدر نفسه الى أقصى حد مما جعل تخلي خطيبته عنه تجربة مدمرة له.
سألتها العجوز:
-بماذا تفكرين؟ تبدو عليك امارات الشك.
أقرت أبيا:
-أحاول أن أتصور أبن أخيك وفق رأيك فيه، لكن انطباعي عنه يحول دون ذلك. أستطيع أن ألمس سبب مرارت و بؤسه، مع أن تحوله الى انسان حاقد دليل عدم نضج في شخصيته.
خيم صمت طويل، و خالت ابيا أنها تمادت في الحديث حول جيلز، و جرحت مشاعر عمته. كادت أن تعتذر منها عندما فتحت العجوز فاها:
-هذا هو رأيك اذن؟ لو قال له أي انسان ذلك اما صدق كلمة واحدة من أقواله.
-انه سيكتشف الحقيقة بنفسه يوما ما.
-فقط عندما يقع في الحب مرة أخرى.
-أود لو أشهد هذا المنظر !
ابتسمت الآنسة بيتمان:
-أتمنى ذلك.

تـــــــــــــــــم الفصل السادس

miya orasini 10-07-16 04:41 PM

الفصل السابع


https://forums.imageslove.net/photos/...767995_508.gif
"طالما أنك توجه الي الاهانة كلما تحدثنا، فأرجوك أن تتجنب الكلام معي قدر الامكان" فأجاب :"هل تزعجك الحقيقة؟"
ساورت أبيا الشكوك حول ذهابها الى أوديبور و التخلي عن الآنسة بيتمان. لكنها عللت نفسها أن جيلز فارو، رغم أفكاره المعوجة، يضمر حبا عميقا لعمته، و سيبذل جهده في الاعتناء بها.
و هكذا دخلت الطمأنينة الى قلبها، و تمتعت باقامتها في ذلك الفندق القديم المطل على بحيرة اصطناعية كبيرة تشكل أحد معالم المدينة البارزة، و كان يقع وسط عدد من بحيرات شبيهة. انه قصر مهاراجه الصيفي الذي أضحى فندقا الآن. و في ذلك أقام مسافرو الدرجة الأولى. أما أبيا فنزلت في "قصر الشتاء" الذي وجدته مصدر غبطة دائمة. كانت تزينه ألواح الزجاج الملونة و فسيفساء الخرف، وضم متحفه الخاص أروع مجموعة من الرسوم و المنمنمات:
و بدا السوق أيضا يفيض حيوية، فراحت تنتقل من حانوت صغير الى آخر، تراقب الصاغة يصنعون أدق القلادات و الأساور التي تتبرج بها النساء الهنديات. و لم تستطع تمالك نفسها فاشترت قلادة ممتلألئة أدهشها ثمنها البخس، فابتاعت معها سوارا لمعصها.
و كانت تمر في مخيلتها من وقت لآخر صورة الآنسة بيتمان و ابن أخيها. و ازدادت دقات قلبها اضطرابا ذات مرة عندما لمحت شابا طويلا. الى أن استدار فأدركت أنه رجل غريب. و ما استساغت فكرة اقامتها في منزله في بومباي، فقررت تجاهل الموضوع مؤقتا. ستدرس المسألة عند ذهابها الى هناك.
علت الدهشة وجه الدليل السياحي شيران عندما انبأته أنها ستتخلى عن أفراد مجموعتها فور وصولها الى مومباي. خال أنه ارتكب خطأ ما، فسارت الى طمأنته و التأكيد له أن المسألة لا علاقة لها به. أوضحت له:
-سأعمل لدى الآنسة بيتمان. و من الأفضل أن أقيم معها. علق للسيد شيران:
-اذن أتمنى لك التوفيق، فهي تحاول طرد شبح هذا الرجل الكريه من ذهنها، و لا فائدة من التحدث عنه.
و هكذا وصلت الى بومباي ظهر اليوم التالي عقب رحلة رتيبة في الطائرة فوق صحراء قاحلة. غير أن المطر كان يزدحم بالناس المنتشرين في كل زاوية. و كان معظمهم يجلس على الأرض غير عابئ بثيابه الأنيقة و ذلك في انتظار حجز مقعد على الطائرة الداخلية الوحيدة.
أرسل جيلز فارو سيارة ليموزين لنقلها من المطار. كان السائق يرتدي بذلة رمادية و يطلق لحية سوداء مجعدة، و يعتمر عمامة.
و فاجأها باتقانه اللغة الانجليزية حيث راح يفسر لها كل المعالم و المناظر التي يمران بقربها أو عبرها، و هما في طريقهما الى المدينة.
و ارتفعت على جانبي الطريق الرئيسي بنايات أسمنت شاهقة بدت مثل أحياء الفقراء ذات الأكواخ المتواضعة، مع فارق الحداثة و المظهر. أحست أبيا بقلق عميق و هي تتأمل أحياء البؤس الممتدة وراء جدران تحاول سترها وحجبها بدون طائل. و ازعجها أن هذه الأحياء تقوم وسط مجتمع بومباي التجاري المزدهر، و كأنها الدليل الساطع على قساوة الانسان تجاه أخيه الانسان.
سألت السائق في محاولة التغاضي عن الفقر المحيط بها:
-هل يقطن السيد فارو في المدينة نفسها؟
-نعم يا سيدتي، انه يقطن في حي تلة ماليبار. انه من أجمل أحياء بومباي.
هذا ما توقعته من السيد فارو، يختار الأفضل و الأحسن لنفسه. فكرت أبيا صامتة و كأنها تنتقده و تنتقد نفسها في آن معا. فهي بعد أن أطلعت على سبب تصرفاته الرعناء، عليها أن تتفهم وضعه و تتجاهل فظاظة مراسه. قال السائق:
-نكاد أن نصل
و انطلقت السيارة وسط طريق تحيط بها الأشجار الباسقة، و يترامى البحر على جانبها الأيمن. و كانت مدينة بومباي مبنية على جزر متعددة موصولة بممرات معبدة حيث يلمح المرء من وقت لآخر مياه المحيط الهندي تتلألأ في البعيد. أبطأت السيارة سرعتها وهما يمران عبر بوابتين من الحديد، و انعطفت في درب جانبي حيث توقفت أمام منزل مكون من ثلاث طبقات.
و أدركت أبيا لتوها أن المنزل كان ذات يوم قصرا فخما. وما ان صعدت الدرجات الرخامية و أصبحت داخل البهو المربع العريض حتى ازداد يقينها. و أطل جيلز فارو بقامته الفارعة حيث تقدم منها و عيناه تلمعان لمعانا عجيبا. خفق قلبها باضطراب، و هي تنظر اليه
يحدجها بوجه بارد، باهت. سألها بخفة:
-هل كانت رحلتك مريحة؟
-نعم شكرا.
استطرد و هو يتوجه نحو الأبواب الزجاجية في آخر البهو:
-عمتي في الحديقة.
تمنت أبيا لو تمضي الى غرفتها أولا لاستعادة بعض نشاطها، لكنها رفضت أن تتقدم اليه بأي طلـب. كان رجلا بالغا الاهمال رغم آراء عمته عنه، و الى حد جعله لا يلاحظ حرارة الجو و التضاق ملابسها بجسمها و تصبب عرقها. فكت قبة فستانها قليلا، و سارت وراءه على مضض.
كان يرتدي بذلة رسمية رمادية و ربطة عنق سوداء، و خالته يرتدي الملابي الرسمية اياها حتة ولو كان يتناول طعامه وحيدا وسط الأدغال.
تراقصت غمازة رقيقة في وجنتيها، فعضت شفتها لتحول دون غرقها في قهقهة عالية. فتح الأبواب الزجاجية، وقادها عبر حديقة خضراء في اتجاه حوض سباحة. كانت الآنسة بيتمان تجلس على الحافة، تتقي الشمس تحت مظلة مخططة بالألوان البيضاء و الزرقاء. كانت تضع فوق طاولة أمامها أبريقا من عصير الفاكهة المبرد و عددا من الأكواب، اضافة الى آلة تسجيل و دفتر.
رحبت العجوز بأبيا قائلة:
-ها قد باشرت بالعمل كما تلاحظين. لا تصديقي من يقول لك أن الابداع يموت مع التقدم في السن. و أنا أهم دليل على ذلك.
أعلن ابن أخيها مازحا:
-لكنك ظتهرة فريدة من نوعها !
-اذا كان الاحتفاظ بالصحة و العافية و محبة العمل ظاهرة فريدة فأنت على حق. لكن كثيرين من الناس يتخذون أعمارهم ذريعة للتكاسل و عدم انتاج أي شيء. اياك أن تقع في هذا الفخ يا جيلز. ان القيام بعمل نتمتع به يحافظ على نضارة الشباب.
قال متسائلا:
-لكن كم من الناس يتمتعون بعملك، فلا تتظاهر بعكس ذلك، أظن بعض الأحيان أنك جعلته بديلا لأي شيء آخر.
قال مشيحا بوجهه:
-انه قرار اتخذته منذ عدة سنوات.
ألقت عمته نظرة سريعة على أبيا، ثم ركزت على ابن أخيها ثانية:
-هل تنوي أن تعيش بقية حياتك كرجل عازب؟
-هذا ما أنوي فعله.
-و ماذا ستفعل بشركة فارو للهندسة و الأموال التي سترثها مني؟
قال بصوت جاف:
-ثمة جمعيات خيرية كثيرة تستحق التبرعات. و الآن أود انهاء ببعض الأعمال.
أجابت عمته باستياء:
-يا لحدة الطباع ! هل ستتناول غداءك هنا اليوم؟
-كلا سأراك وقت العشاء.
-و لكنك ستصحبنا الى حفلة شاندريس؟
تساءل:
-هل تعافيت تماما للذهاب الى الحفلة؟
-لماذا تريد تحويلي الى امرأة عاجزة ! ما التقيت بعائلة شاندريس منذ وجودهم في لندن، و أتوق لرؤية العائلة مرة أخرى.
-يمكنني دعوة العائلة لتناول العشاء معنا.
استشاطت العجوز غيظا:
-بالله عليك، أريد الخروج و زيارة الناس.
هز بكتفيه تأففا و مضى في سبيله، فجلست أبيا على أحد الكراسي. و افترضت أنها بدأت عملها منذ تلك اللحظة، مع أن واجبتها لم تكن محددة. ذكرت الآنسة بيتمان شيئا حول الشغل
كسكرتيرة، فهل آلة التسجيل لها علاقة بالموضوع؟
قالت:
-اذا كانت توجد آلة كاتبة فسأباشر نسخ الشريط.
علت ابتسامة وجه العجوز المتجعد:
-الآن أثناء الاجازة؟ هل تظنين أنني تاجرة رقيق يا ابنتي؟ ان رحلتك الخاصة بدأت بعد أن ألغيت رحلتك مع شركة كينغ السياحية.
اندهشت أبيا:
-رحلتي الخاصة؟ ماذا تقصدين؟
تألقت عينا العجوز السوداوان:
-لا بأس. اعتبريها سرا مخفيا، فأنا كاتبة روايات بوليسية، و يحق لي أن أكون غامضة.
ساورت أبيا الشكوك:
-سأكون أكثر سعادة لو قمت ببعض الأعمال و أنا هنا، و الا شعرت بالذنب لعدم بقائي في فندق.
حذجتها الآنسة بيتمان:
-ما هذا الهراء؟ حسنا. سأساعدك على تخفيف وطأة الشعور بالذنب. أول شيء أريده منك، اذا كنت ترغبين فعلا في العمل معي، هو أن تطيعيني طاعة مطلقة و تامة.
أدركت أبيا مغزى ما يمكن وراء هذه العبارة، و أن الآنسة بيتمان لا ترغب في الافصاح عنه. افتر تغرها:
-انك عجوز ديكتاتورية. سأطيعك اذا وجدت الأوامر ملائمة لي.
تنهدت الآنسة بيتمان:
-يبدو أنني استخدمت فتاة سليطة اللسان ! لكن لا بأس، لديك حسنات و ايجابيات أخرى كثيرة. و أتمنى لو يستطيع جيلز اكتشاف بعض هذه الايجابيات.
توردت وجنتا أبيا وبدلت الموضوع بسرعة:
-ماذا جرى لسكرتيريك السابقة؟
-سرقت بعض الدراهم وولت الأدبار. كانت في حاجة ماسة الى الدراهم، و ليس من أجل نفسها، من أجل رجل نذل تعرفه. كنت أتمنى أن تظل معي بعض الوقت لتكتشف حقيقة هذا الوغد، و لكنها لم تفعل للأسف الشديد.
-ماذا جرى لها؟ هل استعادتها الدراهم؟
-لم أحاول استعادتها. ألح علي جيلز لرفع دعوى في المحكمة، فأبيت. أن الدراهم التي سرقتها ضئيلة جدا بالنسبة الي، و يبدو أنها في حاجة ماسة الى الحصول عليها.
سألت أبيا:
-يا لك من امرأة غفورة طيبة القلب.
-لم لا؟ هي التي ستتضرر في نهاية الأمر !
استوعبت أبيا هذا القول ثم قالت:
-أذهلني استخدامك لي بدون أية توصيات.
-انك شفافة كالزجاج يا عزيزتي !
-يا له من تعبير يدل على مدى غبائي !
توجهت عينا العجوز:
-لم أقل أنك زجاج عادي غير مزخرف.
قهقهت أبيا و قفزت على قدميها. مضت الى حوض السباحة. و ألقى جسمها ظلا فوق المياه، و انساب نسيم هادئ يلاعب موجهات صغيرة، فتمعج ظلها قليلا.
قالت و هي تشث الهواء بذراعيها:
-يا ليتني كنت طويلة لقامة شقراء و مثيرة عوض هذا المنظر البائس كالفأرة.
أنبتها الآنسة بيتمان:
-لست فأرة عادية، بل فأرة ذات شعر ذهبي و عينين بنيتين حالمتين. كفي عن الاستخفاف بنفسك !أتيت على ذكر كل هذا من قبل.
مسحت أبيا جبينها المتصبب عرقا:
-ان الطقس حار. هل أستطيع ارتداء ملابس خفيفة؟
-اذهبي عبر الحديقة الى المطبخ. ستجدين أنديرا هناك. انها الطاهية و مدبرة المنزل.
أعجبت أبيا الفكرة و سارت بجانب الجدران الرخامية الى ان تنشقت رائحة الطعام فأدركت اقترابها من المطبخ. كان الباب الخلفي مشروعا، و تقف فتاة هندية في الوسط منكبة على سحق التوابل بمدقة الهاون. لمحت أبيا، فابتسمت بحياء، و نادت بصوت أقرب الى الفحيح حيث ظهرت على الفور امرأة سمينة من وراء باب الخزانة.
استفهمت:
-نعم يا آنسة، هل تريدين شرب الشاي؟
قالت أبيا بمرح:
-لا شكرا. أبحث عن غرفة نومي. أنا سكرتيرة الآنسة بيتمان و قالت لي أن أسأل عن أنديرا.
قالت المرأة السمينة:
-أنا أنديرا.
و قادت أبيا عبر المطبخ الكبير الى البهو الرئيسي. صاحت بصوت جهوري، فهرع على اثره خادم مطيع. قالت له:
-خذ الآنسة الى غرفتها فورا.
طأطأ راسه و صعد مع أبيا السلم الرخامي اللولبي الى أن بلغا غرفة نوم واسعة مطلة على الحديقة. بدت قطع الأثاث ضخمة مثل الغرفة التي تضمها، و خاصة ذلك السرير الذي يتسع لعائلة بأكملها، و تلك الخزانة الهائلة التي تبتلع كل ما تملكه أبيا، علاوة على أثاث الغرفة. و تدلت فوق النوافذ ستائر ذهبية مطرزة تلامس أطرافها سجادات هندية سمكية. و يؤدي باب في الجهة اليسرى الى غرفة حمام يربض فيها حوض كبير و تنتصب قربه مغسلة ذات حنفيات مطلبة بالذهب تنسجم ألوانها مع المناشف الصفر.
خلعت أبيا ملابسها بسرعة و استحمت، ثم ارتدت فستانا جديدا خفيفا و عادت الى الحديقة حيث كانت الآنسة بيتمان منكبة على دفترها تسجل فيه أفكارها.
سألتها:
-ما رأيك بهذا العنوان:"جريمة قتل بفقاعات الهواء"؟
أجابت أبيا بسرعة:
-ان القتل لا يروق لي أبدا.
و بدا على وجهها القرف، فضحكت العجوز:
-لست اذن من المعجبات بروايتي؟
-أنا معجبة برواياتك. و لكن اقرأ كتبك شغفا بوضفك للأشخاص أكثر من جرائم القتل التي يرتكبونها.
أطبقت دفتي الدفتر بحدة:
-هذا ما يقوله جيلز أيضا. أتمنى أن ترتدي فستانا جميلا هذا المساء يا أبيا. تقيم عائلة شاندريس دائما حفلات بهجة، و أ،ا متأكدة أنك ستقضين وقتا ممتعا.
سألتها أبيا متوجسة:
-هل تفكرين باصطحابي معك؟
تمعنت في قسمات وجهها:
-طبعا. أنت رفيقة و سكرتيرة، و أتوقع منك مصاحبتي حيثما أذهب. ستبدين رائعة فيثوب هندي ! هل أنت مستعدة لارتداء الساري؟
سألت أبيا:
-كيف ستكون ردة فعل الهنود؟
-سيطيرون فرحا.
-اذن الجواب نعم.
قالت الآنسة بيتمان:
-عندي عدة أنواع من هذه الأزياء.و كلها مجرد قطع طويلة من القماش، أربعة أو خمسة أمتار. عليك ارتداء بلوزة، و تنورة ملائمة.سأطلب من لالا أخذ قياسك و المباشرة بالخياطة.
استفسرت أبيا:
-لالا؟
-الخادمة في الطابق العلوي. انها خياطةبارعة. هيا بنا يا ابنتي. ازداد فضول أبيا و هي تترقب هذه المفاجأة السارة،و لحقت بالآنسة بيتمان الى غرفة نومها حيث رنت جرسا فظهرت فتاة هندية هيفاء القوام. كانت تكبر أبيا ببضع سنوات، وذات ملامح بالغة النعومةو كأنها احدى المنمنمات التي تزين جدران الغرفة. أبلغتها العجوز كل ما هو مطلوب منها، فاختفت عن الأنظار ثم رجعت تحمل شريط قياس. أخذت مقاييس أبيا برشاقة فائقة، أمعنت فيها النظر ثم غادرت.
ابتسمت العجوز قائلة:
-ستكون البلوزة و التنورة جاهزتين عند الساعة الخامسة هذا المساء. و الآن اختاري لون الساري.
و أشارت الى صندوق كبير مصنوع من خشب داكن مرصع بالعاج مثل تحفة أثرية. فتحته أبيا باعتناء، و شهقت فرحا و هي ترى الأقمشة المزركشة في داخله كأنها جوهرة براقة. تمتمت:
-لا أعرف ماذا أختار.
اقتربت منا العجوز قائلة:
-فلأساعدك اذن.
و سحبت قطعة حريرية وردية الألوان مطرزة بلون ذهبي. رفعتها عاليا أمام عيني أبيا:
-هذا اللون يلائم بشرتك تماما. انه يضفي عليك وهجا خاصا. استدارت أبيا نحو المرآة تتأمل قطعة القماش فوق جسمها.لم يسعفها خيالها على تصورها فستان من الساري، فقررت تقبل رأي العجوز.
و تأك لها في المساء أن اختيار ذلك اللون كان اختيارا مثاليا. نعم انه يضفي على بشرتها وهجا خاصا و يلفت النظر طبيعته الؤلؤية. و حتى شعرها بدا أكثر لمعانا تضيء ضفائره ببريق ذهبي خلاب. و هكذا خلقت الخادمة لالا من قطعة قماش ثوبا فضفاضا يلف جسمها بأناقة مدهشة لم تألفها من قبل. قالت لالا بصوتها الرخيم:
-يذهلك عدد النساء الأوروبيات اللاتي يعشقن ارتداء الساري، و لكنه لا يلائم معظمهن. أما أنت فيلائمك جدا لرشاقة قوامك. تقبلت أبيا هذا الاطراء و هي تعرف مغزاه الحقيقي. ابتسمت:
(سأحاول تبني مشية تلائم الساري، فلا أحرك ذراعي كثيرا.
خطت أبيا بعض خطوات متعثرة، فحدجتها الفتاة الهندية ثم أطلقت ضحكة رنانة. قالت
-عظيم، عظيم أنت الآن سيدة هندية متكاملة.
استدارت أبيا نحو المرآة و أخذت تمعن النظر في ثوبها:
-مازال يعوزه شيء ما. و لا أدري ما هو.
و مدت لالا لتوها يدها نحو عنقها و ادنيها و نزعت بسرعة قلادة الذهب و الأقراط المتدلية الطويلة و أعطتها لأبيا قائلة:
-خذيها على سبيل الاعارة. هذا ما ينقصك.
قبلت أبيا عرضها دون تردد و أدركت كم هي صائبة فورا.
ابتسمت:
-هذه بادرة لطيفة منك. شكرا.
قالت لالا:
-سأخبرك غدا أين يمكنك شراء جواهر مماثلة.انها ليست باهظة الثمن.
-و لكنها توحي بالتبرج مع فستان غربي. و لا أنوي لبس الساري مرة ثانية.
-يمكنك شراء شيء أبسط. انك تبدين رائعة في هذه المجوهرات.
سألتها
مشيرة الى القلادة حول عنقها:
-ألا يدل هذا النوع من المجوهرات على أن المرأة متزوجة؟ حنت لالا رأسها كاشفة عن علامة حمراء في أعلى جبهتها، قالت:
-ليس دائما. ان علامة كهذه برهان لا يخطئ.
أجابت أبيا بتعجب:
-لم أكن أعرف أنك متزوجة.
-منذ احد عشر عاما.
-هذا مستحيل. كم هو عمرك؟
-أربعة وعشرون عاما. خطبني زوجي عندما كنت في الثالثة من عمري و عقدت زواجي عندما أصبحت في ثالثة عشرة.
نظرت أبيا الى لالا بحزن و اشفاق. ما معنى حياة امرأة تعقد خطبتها على رجل لا تعرفه ثم تتزوجه و هي لم تبلغ سن الرشد؟ ارتأت أبيا الاعتصام بالصمت و هي فتاة أجنبية لا يجوز لها اثارة مواضيع كهذه. سألتها:
-هل عنك أولاد؟
-عندي صبيان.تتولى حماتي الاعتناء بهما أثناء النهار. و أنت ألست مخطوبة؟
طافت ابتسامة باهتة فوق ثغر أبيا:
-لا. لم أصدق أحدا من الرجال بعد.
-و هل يقلقك ذلك؟
-لست قلقة حتى الآن. حصلت لتوي على وظيفة جديدة مع الآنسة بيتمان.
و كادت أن تشرح لها مدى انزعاجها من جيلز فارو، ثم قررت تجاهل الأمر مع لالا. الأفضل أن تنساه و كأنه غير موجود.
قالت لالا.
-ربما صادفك الحظ قريبا. ان هذا الساري سيجذب الأنظار اليك.
-خاصة اذا زلّت قدمي في هذه التنورة !
انحنت باحترام، و مضت لالا في سبيلها، متهادية في مشيتها على نحو دفع أبيا الى تقليدها، محاولة التدرب على الأسلوب الهندي في السير.
هبطت السلم الى غرفة الاستقبال. لم تجد أحدا هناك فتنفست الصعداء. لم يشغل بالها رأي العجوز بل ما اعتادت سماعه من جيلز فارو. توجهت الى النافذة متوترة الأعصاب، و ألقت نظرة على الحديقة شبه المعتمة. أحست بحركة خفيفة. استدارت لترى الرجل الذي كان يشغل أفكارها.
انتصب أمامها ببذلة ضاربة الى السواد، و قميص حريري شفاف و عبق في جو الغرفة عبير عطر منعش و هو يتقدم منها، فأحست بوجوده أكثر من أي وقت مضى، و :أن تفرسه في وجهها زادها ادراكا لكل اشارة تصدر عنه.
قال أخيرا:
-يا للعجب ! تحولت الفأرة العادية الى فراشة زاهية الألوان.
-أشعر و كأني شخص آخر.
-ربما أصبحت هكذا منذ الآن فصاعدا. هل هذه هدية من عمتي؟
-يا لك من رجل حاذق !
-انها ليست الحذاقة يا آنسة وست. هذه هي عادة عمتي المزمنة.تجمع اللقطاء مثل التقاط الكلب للبراغيث. و تنفق عليهم كل ما تستطيع، ثم تجلس لتلقي الصدمات و نكران الجميل.
و انهارت كل محاولات أبيا في السيطرة على أعصابها أماما هذا الهجوم الدنيء. قالت:
-طالما أنك توجه الى اهانة كلما تحدثنا، فأرجوك أن تتجنب الكلام
معي قدر الامكان.
-هل تزعجك الحقيقة؟
ردت:
-لا. يزعجني أن تصدر علي أحكامك نتيجة سلبية الآخرين.
ارتسمت امارات الغضب على وجهه، فاتكأ على كرسي وراءه، واضعا يده في جيبه سترته:
-لا أؤمن أن المودة تباع و تشترى كالسلعة، و كذلك الولاء.
قالت:
-هذا هو رأي. ان المودة الحقيقية لا تشترى بل تنبثق عفويا.
-ثماما مثل علاقتك بعمتي؟
قالت متحدية:
-لا أعرف عمتك مدة كافية لأشعر بالولاء أو المودة لها. لا تحاول نصب شرك لي بالتحاذق علي. أنت تظن أن اعتنائي بعمتك في أغرا تكمن وراءه نوايا خفية. و لكن هذه طبيعتي. كنت اعتنيت بأي انسان في وضع كهذا، حتى أنت.
تقوس حاجباه:
-يا لك من ملاك طاهر. سأتذكرك عندما أحتاج اليك.
كادت أن تخرج من الغرفة حتى عندما رأته يستدير ليرحب بعمته.و بدت بثوبها الحريري الأسود الطويل أكثر أناقة من أي وقت مضى، ورغم رفعها طرف الفستان حيث كشفت عن انتعالها حذاءها الأسود المعتاد. قالت العجوز:
-الراحة أهم من الزي السائد. أنك في غاية الجمال يا عزيزتي أبيا. ألا توافق يا جيلز؟
-لا يمكن القول أن الآنسة أبيا وست جميلة.
-يا لك من رجل فظ القلب !كيف تصفها اذن؟
انتظرت أبيا جوابه محمرة الوجنتين. لاح بريق ابتسامة ساخرة حول فمه، و سمر عينيه الواسعتين محدقا فيها، ثم تكلم متوجها
بالحديث الى عمته.
-أصفها بقولي أنها شمعة صغيرة وردية اللون، ذلك النوع من الشموع الذي يضاء في الهياكل.
سألت العجوز أبيا:
-و ما رأيك في هذا الاطراء يا عزيزتي؟
-أظن أن سيد فارو يعني أنني أذوب كالشمعة و أضمحل من الوجود.
عاتبته عمته بخفة.
-هل هذا صحيح يا جيلز؟
-لا أبالي كثيرا مما يطرأ علي وضع الآنسة وست.
خرج صوت جيلز فارو باهتا غير عابئ بما تعاني منه أبيا، فتاقت الى صفع وجهه بقوة لم يسبق لأي رجل أن أثار فيها كل هذا التعصب من قبل.
-من الأفضل أن أغادر الآن.
قالها بكل هدوء و سار أمامهما نحو السيارة المنتظرة في الخارج.


تم الفصل السابع

miya orasini 10-07-16 04:44 PM

الفصل الثامن

https://forums.imageslove.net/photos/...767995_508.gif
انفجر الشجار بينهما مثل عاصفة صيفية بدون انذار، و اضمحل بنفس السرعة. كم تتمنى لو أن جيلز فارو لا يتمتع بتلك القدرة العجيبة التي تجعلها تكرهه و تشفق عليه في آن معا !
كانت عائلة شاندريس تقطن في شقة حديثة تقع في أحد أحياء بومباي الراقية الممتدة قرب الشاطئ المطل على المحيط الهندي. انزلقت سيارة جيلز فارو فوق الطريق المنحدر من تلة ماليبار، و انعطفت حول الجنائن المعلقة، شمالا، فتراءت مدين بومباي منبسطة في الأسقل.
و عندما انعطفت سيارة الليموزين مرة ثانية لمحت ابيا السور العالي الذي تقع وراءه "أبراج الصمت". هناك يترك البعض موتاهم في العراء لتلتهمهم الطيور الكاسرة، وفق ما قاله جيلز فارو.
و أضاف أن الطيور تنظف الجسم تنظيفا في أقل من ساعة. أقشعر بدن ابيا، فطمأنتها العجوز الآنسة بيتمان:
-أعرف أنها عادة بربرية بالنسبة الينا. غير أنهم يحترمون كل عوامل الطبيعة، بما فيها النار و التراب، و لهذا السبب لا يدنسن الأرض بجثثهم و لا يحرقونها.
احتجت أبيا:
-و لكن هل من الضروري اقامة مدافنهم وسط المدينة؟
ادلى جيلز بدلوه مجددا:
-ان للمال قوة لا تقهر. أصحاب هذا المبدأ شيدوا تجارة بومباي وصناعتها. و لا يوجد منهم سوى مائة و خمسة عشر ألف في الهند، و هذا عدد ضئيل في بلد يبلغ عدد سكانه أكثر من خسماية مليون.
مع ذلك يشكل أتباعهم رجال الأعمال الرئيسين و يملكون أضخم الثروات.
استطردت أبيا:
-اذن باستطاعتهم نقل مأوى موتاهم الى مكان آخر.
-لا شك أنك على حق يا آنسة وست. غير أن التقاليد لا تزول بسهولة، و الأرجح أن "أبراج الصمت" ستظل حيث هي لمدة طويلة من الزمن.
اعتصمت أبيا بالصمت وركزت انتباهها على المناظر الخارجية. كانوا يمرون بجانب الشاطئ حيث ترتفع صفوف البنايات السكنية كناطحات السحاب، حديثة، و مصنوعة من الاسمنت المسلح بخلاف المباني ذات الطراز الانجليزي المنتشرة في أحياء المدينة الداخلية.
كان الناس يتهادون في نزهة مسائية، أو يتدافعون في طريق عودتهم من أعمالهم. و اخترقت السيارة تلك الهضبة مسرعة الى أن توقفت أمام بناية حديثة تكاد تناطح سماء بومباي ارتفاعا.
ترجلوا من السيارة وسط جو يعبق بالرطوبة و هواء البحر، و دخلوا عبر أبواب زجاجية يغيب وراءها الفقر و يتكفئ الى عالم آخر. علقت الآنسة بيتمان:
-عائلة شاندريس بنت هذه العمارة، و يسكن أفرادها في الطوابق العليا.
هتفت أبيا:
-لابد أنها عائلة كبيرة.
-تزوج كل أولادهم و لا يسكنون معهم .
-كنت أظن أن بعض الأولاد يعيشون مع أهلهم؟
-ليس في العائلات الغنية و خاصة العائلات ذات أو مودة. و ليس لدى السيد شاندريس و زوجته سوى ولدين، و كلاهما يعملان مع الأمم المتحدة في نيويرك.
دخلت أبيا المصعد، و هي غير مقتعة تماما، وصلوا الى الطابق الأعلى. قالت الآنسة بيتمان وقد امتدت أمامها مصطبة رحبة يتوسطها حوض سباحة و حديقة متقنة:
-عندما تهب الرياح الوسمية تتهبط العائلة الى الطابق الأسفل، و هو مسقوف طبعا:
ابتسمت أبيا:
-مدخل صيفي و آخر شتائي. أراهن أن لديهم حمامات منفصلة أيضا.
-نعم. هذا صحيح.
و مضت العجوز مع ابن أخيها و أبيها في اتجاه حلقة من الناس فأفسحوا أمامهم الطريق لالقاء التحية على الزوجين اللذين وفقا في الوسط.
كان السيد شاندريس رجلا أشيب الشعر ممتلئ الجسم شاحب البشرة قليلا، تغور عيناه في وجهه. و بدت زوجته امرأة لبقة خط السيب رأسها، ذات بشرة تميل الى البياض.، و ترتدي ساريا أبيض بالغ البساطة، يضفي أناقة باهرة على المجوهرات المتلألئة حول عنقها و المتدلية من أذنيها.
تحدث كلاهما بانجليزية سليمة تصحبها تلك البهجة الهندية المألوفة. ثم تقدم شاب أسمر من أبيا و رافقها الى أطباق الطعام و الحلوى و أكواب المرطبات.
كان اسم الشاب الأسمر "جاي"، و يعمل كمحاسب في احدى شركات السيد شاندريس، و يمت بصلة القرابة الى العائلة، و يعرف معظم الضيوف الموجودين. أشار بفخر الى عدد من الأعيان الهنود، و تجمعين سينمائيين، أعتبرتهما أبيا بمقاييسها الأوروبية مفرطي الوزن، قبيحي المظهر.
ضمت الحفلة أكثر من مائة شخص، لكن اتساع المصطبة و الغرف جعل العدد يبدو ضئيلا نسبيا. و كانت أرتال الخدم تغدو و تروح بين الضيوف حاملة شتى المآكل و المرطبات. قدم المحاسب "جاي " كوبا من العصير لأبيا فشكرته، تسأله عن حياته و عمله، قال:
-نلت شهادة الليسانس من جامعة لندن، و أعيش الآن مع عمي، و هو رجل واع.
-و أنت؟
-أحاول أن أقتفي خطاه.
ضحك، فضحكت و هي تفكر في تلك القلنسوات البيضاء التي يعتمرها معظم المدعوين. أوضح قائلا:
-هذا يدل على أن صاحب القلنسوة عضو في حزب المؤتمر الحاكم.
أما النساء الهنديات فكن يرتدين الساري المزركش، و يتبرجن بالمجوهرات البراقة، كادت أبيا أن تعتذر لارتدائها الزي الهندي. طمأنها "جاي":
-أنه شرف عظيم لنا عندما ترتدي امرأة غريبة الساري. و أنت أنيقة جدا كما أنت.
-شعرت بحرج شديد في البداية.
-لا تبالغي، تهاديت فوق المصطبة كطائر القطا أو بجعة البحيرة.
لو أبدى هذه الملاحظة ايطالي أو فرنسي لكان استمر في عملية الاطراء، أما صدوره عن رجل هندي، فهذا يعني نهاية الطريق حسب معلومات أبيا. فالرجال الهنود محتشمون جدا و يعاملون النساء بكل احترام و تحفظ بخلاف الأوروبيين. تعتبر المرأة في الهند محور البيت و العائلة، و بما أن الحياة العائلية بالغة الأهمية هنا، فلا عجب اذا ما نالت النساء التقدير و الاحترام. و تذكرت أبيا ما قاله لها دليل سياحي في دلهي:
-اذا كان المرء سعيدا في بيته، فهو سيحب حتما المرأة التي تساهم معه في بناء الحياة البيئية.
سألها المحاسب:
-هل تودين تناول شيء أخر ؟
-لاشكرا.
و مضى ليجلب بعض عصير الفاكهة لنفسه. كانت أبيا تراقبه عندما رأت بابي المصعد المذهبين ينفتحان و يبرز منهما عدد من الهنود، لمحت بينهم امرأة و رجل أوروبيين. لفت نظرها جمال المرأة الأخاذ. كانت طويلة القوام هيفاء كعصا من الخيزران، و يتماوج شعرها الناعم الداكن باغراء فائق. و بدت ملامحها تشبه ملامح احدى راقصات الباليه الروسيات، و تتهادى في مشيتها بلباقة ملهمة في ذلك الفستان الذهبي البسيط.
كان لون الفستان بلون عيني جيلز فارو تماما، و لهذا السبب جالت أبيا بنظرها في الغرفة لتجده واقفا هناك يتبادل أطراف الحديث مع السيد شاندريس و زوجته. اقتربت المرأة الأوروبية الفاتنة مع رفيقها الى أن أضحت على مرأى من جيلز. تبدل لونه فجأة و كأنه أصيب بصدمة. ورأته يتحول ال كتلة من الجماد.
سارت المرأة الأوروربية في اتجاه صاحب الدعوة، و ابتسمت ابتسامة خاطفة قبل أن تستدير صوب جيلز فارو. كان أقل توترا الآن، مع أن أبيا شاهدته يطبق قبضته بإحكام و عصبية.
و أدركت لتوها أن هذه المرأة خطيبته السابقة، الفتاة التي رفضت الزواج منه لأنها استنكفت عن العيش في بلدة هندية نائية.
سألت أبيا جاي:
-من هما هذان الأوروبيان؟
-طوني لونن وزوجته. أنه أحد أثرياء النفط. و يعقد هو و عمي شاندريس صفقات كثيرة. زوجته جميلة جدا، أليس كذلك؟
قالت أبيا:
-نعم. جميلة جدا. ما هو اسمها الأول؟
-فيكتوريا. و هو اسم يلائمها لأنها انجليزية.
تمتمت أبيا:
-فيكتوريا.
و أيقنت أ،ها فيكي عينها التي تحدثت عنها الآنسة بيتمان ذلك الصباح, نظرت صوب جيلز فارو مرة أخرى. كان يبتسم بارتياح يشوبه الحذر. و رأت نفسها بدون ارادة منها تهنئه على أدائه مقدرة الجهد الذي بذله ليظهر بمظهر طبيعي. أم أنه كان على علم مسبق بمجيئ خطيبته السابقة الى هنا؟ هذا مستحيل، فكرت أبيا و هي تتذكر امارات الوجل على محياه عندما دخلت فيكتوريا.
انظمت الآنسة بيتمان ال حفلة ابن أخيها. التقت عيناه بعيني أبيا، فرفعت يدها ملوحة. استأذنت أبيا من المحاسب الهندي و أطاعت ايماءة العجوز. قالت الآنسة بيتمان عندما وقفت أبيا أمامها:
-أقدم اليك السيد لوتن و زوجته فيكي التي هي صديقة العائلة.
تدخلت فيكتوربا:
-و كدت أكون أحد أفراد العائلة.
و دلت نظرات عينيها أنها لم تحب وصف العجوز لها. قالت هذه الأخيرة بعد أن لاحظت ازعاجها:
- و كعضو مقرب من العائلة أود أن أقدم اليك الفتاة العزيزة التي أنقذتني عندما ألمت بي وعكة صحية في أغرا.
ظلت فيكي لوتن مشدودة الأعصاب، متصلبة الوجه، و هي تتشدق قائلة:
-اذن كنت الملاك الحارس و قيل لي أنك تعملين مع العمة بيتمان. يا لك من فتاة حذقة !
احتارت أبيا في كيفية الرد عليها. لمست موجة من العداء تتصاعد من أقوالها، و تساءلت عن السبب الكامن وراءها، و تلقت الجواب فورا، اذ استدركت فيكي و نظرت الى جيلز مباشرة:
-أنصحك بالاحتراس، يبدو أن عمتك تبحث لك عن شريكة حياة !
قال بهدوء:
-أنا دائم الاحتراس.
- هل تعني أنني كنت الوحيدة التي نجحت في اختراق خطوط دفاعك؟
صدمت أبيا من فظاظة كلمات جيلز و هو يجيبها بمنتهى البرود:
- لم أكن محترسا عندما تعرفت اليك. أما الآن فالأمر مختلف
قالت فيكي بصوت شبه خافت:
- جعلتني أشعر بالذنب. هل صفحت عني؟
- صفحت عنك على الفور لا يمكن للمرء لوم ولد اذا ما ارتكب خطأ خاصة اذا كان الولد يجهل معنى الصواب.
تأوهت فيكي و كأنها تعبر عن غضبها و تبرمها. و ما لبثت أن أدارت ظهرها. و عندها فقط اتجه جيلز فارو صوب ابيا:
-أرجو أن تكوني مستمتعة بالحفلة يا آنسة وست.
-نعم. أنا مستمتعة كثيرا. هذه هي المرة الأولى التي أزور فيها بيتا هنديا.
بدا جوابها طريفا بعض الشيء، اذ عوج فمه قائلا:
-انه بيت بالكاد يمثل نموذج المنزل الهندي. و هذا بيت عالمي لا جنسية له.
احتجت ابيا و هي تجيل النظر في الغرفة الرحبة المفروشة بالسجاد الزاهي و المزينة بالآنية و المصابيح المتعددة الألوان:
- لا، أنت تبالغ
أجاب:
- ان السجادات الكشميرية و بعض الفسيفساء لا تكفي كدليل على وجود البيت الهندي. ان بيتي أقرب الى الطابع الهندي من هذا، لأن المهاراجه الذي يملكه لم يتأثر بالذوق الأوروبي.
انفرجت أساريرها:
- ما عدا أنابيب المياه فهي تكاد تكون أمريكية في جودتها و أدائها !
- هل تعتبرين أنابيب المياه جزءا هاما من الحياة؟
- ألا تعتبرها أنت كذلك؟
- انها هامة و لكنها ليست عنصرا جوهريا، قضيت وقتا طويلا في قرى هندية صغيرة حيث لا وجود لأنابيب المياه، فأعرف أن الحياة تستمر بدونها.
قالت موافقة:
-أعرف أننا نستطيع العيش بدونها، و لكن المسألة تتعلق بنوعية الحياة. ثمة بعض وسائل الراحة و الرفاهية التي أعتبرها جوهرية.
قال بمرارة:
-لاسك في ذلك. أنت لا تختلفين عن اية امرأة أخرى.
و أدركت لتوها أنه يفكر في فيكي. لم ترغب في البوح أمامه بسرها الذي خالت أنه يجهله، فتظاهرت بالبراءة:
-أنا لا أقصد أنني عاجزة عن تحمل حياة الخشونة في ظل ظروف معينة.
سألها:
- و ما هي هذه الظروف؟
هل تقول له حقيقة مشاعرها و أنها مستعدة لتحمل الحياة الصعبة مع شخص تحبه؟ لا، فكرت أبيا، لأن ذلك يعني اطلاعها على ماضيه. و الأسوأ من ذلك، سيبدو قول كهذا و كأنها تحاول التقرب منه. و لذلك قررت الاعتصام بالصمت. اخترقت كلماته حاجز صمتها و هو يعلن:
-ما أسهل قراءة أفكارك آنسة وست.تصور لك عاطفتك أ،ك قادرة على اقتسام كل مشاق الحياة مع الشخص الذي وقع عليه اختيارك. و لكن عندما يصدمك الواقع كما هو، ستجدين أن للمدنية سحر جذابا لا تستطيع مقاومته.
- أنا لا أنوي التخلي عن المدينة الى الأبد بكل تأكيد. و هذا ينطبق عليك أيضا. أعني أنك تعيش جياة مرفهة الآن، و لماذا تلوم الآخرين اذا طلبوا حياة مماثلة؟
- لأنني أعرف الأولويات في الحياة. ثمة أشياء أخرى كثيرة أعمق معنى من أنابيب المياه.
-و آخرون يدركون ذلك أيضا سيد فارو. ألم تسمع بأولئك الذين ذهبوا الى أقاصي الغابات لينقلوا الى ذوي الحظ العاثر معاني الحياة، و فوائد العلم و تكنولوجيا ؟ ليس ما تقوم به أمرا خارقا.
لم يكن في نيتها الاسترسال في الحديث، و لكن كعادتها عندما يستثير أحد مشاعرها أطلقت العنان للسانها. و لاشك أ، هذا ما كان يجول في بال جيلز فارو، اذ نظر اليها تلك النظرة المليئة بالتوتر و التبرم. قال:
-أمقت الناس الذين يستغلون كل فرصة لالقاء مواعظهم و الحث على مكارم الأخلاق.
-عني أنك تمقت كل شخص يؤمن بقضية ما، و يملك الشجاعة الكافية للدفاع عنها؟
-لا بأس اذا كنت تردين التعبير عن أرائي على هذا النوع.
-ألا تدافع أنت عن رأي تؤمن به؟
هز برأسه:
-غير أني لا أدين الآخرين اذا رفضوا اقتفائي. و أنا عمليا لا يهمني مطلقا ماذا يفعل الآخرون.
-اذن لا يدهشني أن تكون عمتك الشخص الوحيد الذي يهمه أمرك.
اتقدت عيناه غيظا فتوهجتا كعيني نمر يهم بالانقضاض على فريسته في كبد الظلام. ووقفت أبيا تنتظر تفجر غضبه في وجهها، لكنها كانت مخطئة، و أساءت تقدير سيطرته على نفسه. قال:
-لا أحتاج الى آراء الناس الكريهة بي يا آنسة وست. طالما أن نخبة الناس التي أعرفها تحترمني، فهذا يكفيني. أما رأيك أنت فلا يهمني.
لسعت مقلتيها عبرات حادة، فحاولت اخفائها متوجهة الى طرف المصطبة. حدقت في مياه المحيط مدلهمة الوجه، كئيبة.
اقترب منها جيلز فارو، و عندما جربت الابتعاد عنه سد طريقها. قال:
-المعذرة آنسة وست. لايحق لي التحدث اليك هكذا. أنا آسف.
قالت بصوت مضطرب:
-كنت فظ الطباع معي منذ أول لحظة رأيتك فيها.
قال متحسرا:
-و لكنني الآن كن أشد فظاظة من السابق. و عذري الوحيد أن ثمة مشكلات كبيرة ترهقني و تشغل بالي. أرجوكي تقبلي اعتذاري.
-حسنا.
و عندئذ فقط نظرت اليه، و اضطرت لرفع رأسها كثيرا أمام تلك القامة الفارهة. كان شاحب اللون قليلا، و كأن رؤية فيكي لا تزال تؤرقه، بدا لها اصغر عمرا و أقل طغيانا، أضافت:
-يؤسفني اضطراري البقاء في منزلك، سأحاول ابعاد ظلي عنك قدر الامكان.
-لا ضرورة لذلك.
-لكن هذه هي رغبتي
فتح فاهه ليتابع كلامه ثم أطبقه، و تمتم مبتعدا عنها
-كما تودين
بقيت حيث هي، متمنية لو أن جيلز فارو لا يتمتع بتلك القدرة العجيبة التي تجعلها تكرهه و تشفق عليه في آن معا.انفجر الشجار بينهما مثل عاصفة صيفية بدون أي انذار، و اضمحل بالسرعة ذاتها، مع ذلك خلف وراءه تراكما من الألم الذي أرعبها كثيرا، لأنها رفضت الاقرار بقدرة رجل مثل جيلز فارو على جرح مشاعرها، و كبريائها. ماذا يعنيها رأيه في الآخرين و كيفية تسييره حياتهظ و هي لا تبالي سواءا كان يكن لها الاحترام أو الاحتقار ! و هي لن ترى وجهه ثانية بعد أن تغادر بومباي و عندما يعود الى انكلترا و يزور عمته، فستحتجب عن أنظاره و ان تكررت زيارته فستقدم استقالتها.
استدارت لترى جيلز فارو منتصبا بجانب مائدة المصطبة، يغمر جسمه النور المنبعث من ورائه، كان يفوق طولا أي رجل هندي موجود في الحفلة، و يكفي هذا السبب يميزه عن الآخرين، و مع ذلك ليست قامته هي العلامة المميزة بل تلك الهيبة القيادية، و شكل الرجل المسيطر على نفسه و على الآخرين، الرجل الذي لا يدع قلبه أبدا يتحكم بعقله.
رفضت الاستمرار في هذا الوضع الذي يجعل جيلز فارو محور تفكيرها، فقررت الانضمام الى الأنسة بيتمان. قالت العجوز عندما رأها:
-هل تنزعجين اذا غادرنا الحفلة الآن؟
-لا أبدا أنا على أهبة الاستعداد.
-اذن اهبطي بالمصعد و اطلبي من البواب حجز سيارة أجرة.
-ألن يقلق بال السيد فارو عليك؟
-سأبلغه خبر ذهابنا في الوقت الملائم.
ابتسمت أبياك
-لقد خططت لكل شيء.
قالت العجوز و هي تدفعها بخفة نحو الباب:
-أنا دائما أخطط لكل شيء.
وصمتت العجوز الى أن أصبحتا داخل سيارة الأجرة العتيقة المتوجهة الى تلة ماليبار. و كانت فيكيل وتن محور حديثها:
-لقد فطنت الى أنها كانت خطيبة ابن أخي؟
-نعم. هل عرف أنها ستكون هناك الليلة؟
-لا. لا أعتقد أنه عرف عن وجودها في الهند، يا ليتك رأيت وجهه عندما دخلت.
أقرت أبيا:
-شاهدت وجهه بوضوح. بدا أنه فوجئ بقدومها.
-أكثر من ذلك بدا محطم الأعصاب كان وجودها درسا مفيدا له. قلت له أمس أن عليه مواجهة الماضي كما هو، و الاقرار بارتكابه خطأ فادحا عندما سمح لنفسه الوقوع في غرام فيكي.
قالت أبيا بحذر:
-ربما كان لرؤيتها مفعول معاكس اذ يدرك أنه لا يزال يحبها.
-اذا كان لا يزال يحبها فالمجال مفتوح أمامه. فيكي ليست سعيدة مع زوجها و هي على استعداد للتخلي عنه.
سألتها أبيا متعجبة من دقة اطلاعها على خفايا الأمور:
-هل قالت ذلك بنفسها؟
-لا، طبعا، أستطيع قراءة أفكارها بدقة حتى و لو لم تنبي ببنت شفقة. أؤكد لك يا أبيا أنها أتت الى الهند لتبرهن لجيلز أنها على استعداد لاستئناف علاقتها به.
أشارت أبيا:
- ومن المحتمل أن يقبل عرضها؟
- انه الجنون بعينيه. لم تكن تلائمه أبدا، لكن حبه لها أعماه عن حقيقتها. أتمنى أن يرى الآن الأمور بوضوح أكثر بعد ابتعاده عنها كل هذه السنوات.
ظلت أبيا صامتة. قالت العجوز الآنسة بيتمان:
- أنت تعتقدين أنه لا يحق لي التدخل في حياته، أليس كذلك؟
أجابت بيا بصراحة:
-ان حبك لشخص ما لا يمنحك حق اصدار الأوامر له.
-اذا ما فعلت أي شيء من هذا القبيل، أؤكد لك أن جيلز سيقوم بعكس ما أقوله له. كل ما أستطيع فعله هو خلق الأجواء الملائمة لاجتماعه بفتاة أخرى.
حبست أبيا أنفاسها، فتابعت الأنسة بيتمان:
-نعم يا عزيزتي. أنت زوجة مثالية لرجل مثل جيلز.
-و لكن لا يمكنك... انها مسألة رهيبة... لما كنت وافقت على العمل لديك لو أدركت أن أفكارا كهذه تراود ذهنك.
-أنها أفكار لم تخطر على بال ابن أخي للأسف الشديد.
-لست متأكدة. أعتقد أنه فطن الى الأمر، وربما يكرهني لهذا السبب. هل قمت بعمل كهذا من قبل؟
-مرات عديدة. لكن باءت مساعي بالفشل.
قالت أبيا محتدة:
- و ستفشل مساعيك ثانية. أعتقد أ، عملي لديك الآن صار مستحيلا.
شدة العجوز قبضة يدها:
-لا يوجد شيء مستحيل. أعذري تطفلي غير اللائق، غير أني أحب جيلز، و أكن لك ودا خاصا، ليتني لم أفصح لك عن أفكاري لكن لقائي بفيكي الليلة أطار صوابي. أرجوكي أن تتغاضي عما قلته لا تتخذي أي قرار مستعجل بسبب أحلام امرأة عجوز طائشة.
-كيف يمكنني الاستمرار في العمل لديك؟ سأشعر بالحرج كلما التقيت بالسيد فارو.
-هذا هراء. تقولين أ،ك امرأة شابة عصرية، أليس كذلك؟ اذا كنت غير مولعة به، فلا لزوم لأي حرج.
كادت أبيا تبتلع كلمتها:
-هذا صحيح. أجد ابن أخيك رجلا لا يطاق، و أؤكد لك أنه يبادلني الشعور نفسه.
قالت الآنسة بيتمان:
-اذن لا يوجد لديكما أي سبب يقلقكما حول مشاريعي.
ضحكت أبيا ضحكة خافتة و هي تلاحظ مهارة العجوز في كسب الجولة ضدها، قالت بصوت مرتفع:
-لا فائدة منك. سأبقى معك اذا تعهدت بالامتناع عن احراجي. عامليني كموظفة عادية و ليس مثل فتاة تردين منها أن تصبح أحد أفارد العائلة.
ردت العجوز على الفور:
-اذا كان هذا ما تريدينه، فليكن.
عندما استلقت أبيت في فراشها بعد ساعة من الزمن، ظلت محادثتها مع العجوز تشغل بالها. فقد أعتبرتها زوجة محتملة لابن أخيها، فلم تجد صعوبة في لعب هذا الدور، و أقلقها مدى تقبلها لهذه الفكرة. ليت شخصية جيلز فارو تتوافق مع منظره الجميل ! ربما أن فيكي لوتن مسخت شخصيته؟ و لكن كيف يمكنها معرفة حقيقة أمره و هي لم تلمس سوى الجانب السلبي فيه؟
هدر محرك سيارة تحت نافذتها، و أضاءت أنوارها الأمامية الحائط المقابل لسريرها لحظة خاطفة. انه جيلز سمعته يوصد باب السيارة. ثم خيم الصمت اذ أن الجدران سمكية جدا. لكنها شعرت بالاحراج و هي تدرك وجوده على مقربة منها. هل تستطيع البقاء في منزله بعد الآن؟ هل يمكنها الاجتماع به بدون أن تتذكر اتهامه اخا حول مخططها لاستغلال عمته؟ و هل يخشى أن يجد لنفسه مدار اهتمامها أيضا؟ راحت تقهقه بدون ارادة منها.
اذا كان هذا ما يدور في باله، يسعدها جدا اثبات مدى ضلاله، ان رجلا سمح لنفسه بالغرق في المرارة الدائمة بسبب امرأة أخرى لا يستحق أن يكون شريك حياتها.
و غرقت في نوم عميق.


تم الفصل الثامن

miya orasini 10-07-16 04:46 PM

الفصل التاسع


https://forums.imageslove.net/photos/...767995_508.gif

وضعها محفوف بالمخاطر. رغم أن العداء المستحكم بينهما يكاد يزول، فهي لم ترغب في احلال الصداقة المتينة مكانه. فصداقته فد تكون أكثر تدميرا من عدائه السابق.
مر أسبوعان و أبيا تحاول تفادي جيلز فارو قدر الامكان. و عندما يتناول غداءه من وقت لآخر في المنزل، كانت تجلس الى الطاولة صماء بكماء، ثم تغادر فور انتهاء الوجبة. نشأت لديها حاسة سادسة تنبئها متى يكون موجودا في البيت أو يهم بالعودة اليه. و قبل أن يوقف سيارته في الخارج تهرع الى غرفتها الى أن تطلب رؤيتها الآنسة بيتمان أو يدعوها جرس الخدم بتناول طعامها.
أما جيلز فارو فجرب أكثرمن مرة التحدث اليها، كما لو كان يكفر عن فظاظته أثناء تلك الحفلة. و ما لبت أن لمس موقفها الجاف ازاءه فقرر تجاهلها. و لم تشعر بالحرية التامة الا عندما يكون خارج المنزل، فتجوب غرف الطابق الأرضي لتمتع انظارها بالرسوم و اللوحات الجميلة، و التحف و قطع الأثات النادرة، و تعود مرة تلو الأخرى للتمعن في المنمنمات التي تزين جدار غرفة الجلوس الخاصة.
كانت هذه الغرفة شبه مقفلة هذه الأيام، اذ أن الآنسة بيتمان اعتادت الجلوس تحت ظلال أشجار الحديقة أثناء النهار، و في غرفة الاستقبالأثناء الليل. لكن أبيا هامت عشقا بغرفة الجلوس الصغيرة، و بوساداتها المنتفخة، و سجادها الوثير و جدرانها المزخرفة، و التي تغطي المنمنمات احداها. قررت أن تنسخ احدى المنمنات و مضت الى الشارع الرئيسي بخثا عن الألوان المائية و أدوات الرسم.
و كان جيلز فارو في تلك الليلة يتعشى في الخارج، و بعد أن أنهت تناول طعامها مع الآنسة بيتمان توجهت الى غرفة الجلوس الصغيرة، و غطت احدى الطاولات الفخمة بقطعة قماش، ووضعت أدوات الرسم عليها.
اختارت الرسم المنمنم الذي تريد رسمه، و أنزلته بعناية ووضعته على طاولة أخرى بجانبها. أنها تملك القدرة على النسخ المتقن منذ فترة طويلة، و تساءلت لو تحول هذه الموهبة الى مهنة دائمة لها، و خاصة في ترميم الصور القديمة.
احنت رأسها و بدأت بالرسم تعض على لسانها الوردي بأسنانها البيضاء الدقيقة البيضاء، منكبة الوجه و الجسم على أداء مهمتها المحببة. بدأت ملامح الصورة تظهر بسرعة. و انتهت من التصميم في أقل من ساعة. تناولت فرشاة و غمستها في الطلاء الخاص. و ما أن وضعت مسحة من اللون على صفحة الورقة الملساء، حتى أطلقت تنهيدة فرح عارم، ثم جمدت الفرشاة في يدها لتذوق نكهة هذه اللحظة المنعشة. و عندئذ فقط، عندما رفعت رأسها عن الطاولة، رأت جيلز فارو.
أخذ قلبها يخفق باضطراب و كأنها سارق ضبط يرتكب جريمته، ألقت بفرشاتها فوق صندوق الطلاء، و همت بالنهوض. قال بهدوء:
-لا لزوم للخروج بسبب وجودي هنا.
-كنت أنوي التوقف في أية حال.
-هل أستطيع أن أرى ما الذي ترسمينه؟
لم تجد سبيلا الى رفض طلبه. قالت:
-لا تزال الورقة مبتلة، أفضل أن أتركها حيث هي.
هز برأسه و اتجه نحو الطاولة. تأمل في الرسم المنمنم ثم أنظر الى نسختها. علق:
-لم أدرك أنك فنانة.
-لست فنانة بل مجرد ناسخة.
انحنى قليلا:
-و ناسخة ممتازة. رسمت كل التفاصيل الدقيقة. هل صرفت وقتا طويلا عليها؟
باشرت الرسم بعد العشاء.
-انها تضارع الصورة الشمسية دقة.
لم يحركها اطراؤه، فاعتدل في وقفته و مشى صوب النافذة المطلة على طرف الحديقة المنعزل، سألها:
-هل بعت احدى النسخ؟
-أتبرع بها عادة بدون مقابل.
استدار ليحملق في وجهها بعينين متوهجتين:
-هل ترسمين هذه كهدية لعمتي؟
-كلا. لا أظن أن الآنسة بيتمان تهوى هذه الأشياء، خاصة اذا كانت تستطيع شراء الرسوم الأصلية.
و تابعت حديثها غاضبة، مدركة أنها ستندم على كل كلمة ستقولها:
-أخر سخة رسمتها كانت لوحة الفنان غينزبرو "الولد الأزرق" كانت اللوحة المفضلة لامرأة عجوز أساعدها في التبضع. رسمت لها لوحة زيتية كاملة، و تعمدت ذلك لمعرفتي أنها ستورثني كل ثروتها عندما يتوفاها الله. لو أخبرها بعد أنه لا يمكنها أن تورثني معاش تقاعدها لأنها ستستاء كثيرا، اذ أنها لا تملك أي شيء آخر.
ارتجف صوتها، ثم غرقت في الصمت، تتحسر ندما على ما قالته . لماذا حاولت تبرير ما تقوم به لجيلز فارو؟ و لماذا برأيه السلبي فيها؟
ردد جيلز صدى سؤالها:
-لماذا قلت لي كل هذا آنسة وست؟ لا أظن أنك تبالغين بموقفي منك.
-هذا صحيح. طالما أنك تزدري وجودي و لا تثق بي أردت أن أصفعك بالحقيقة المرة.
-أستطيع دائما أن أشك في كل ما تقولين. لا يمكن لأحد اختراع قصة عاطفي كهذه.
استشاطت غيظا، فدنت منه، و صاحت:
-هل ترى أن من واجبك تشويه سمعة مل انسان؟ أنت فظ الفؤاد كأنك قطعة من الجماد.
-نعم. و لهذا السبب يعصب عليك اصلاح وضعي.
-لا أنوي تبديد وقتي عليك. أنت أكره رجل عرفته !
و استدرات لتبتعد عنه، و لكن يده أمسكت كتفها وجذبتها نحوه.
-أحذرك من التطاول علي. ما زلت ضيفة في بيتي.
-لا تذكرني. لو لم أكن أحب عمتك كل هذا الحب لغادرت هذا المكان هذه الليلة.
-تقصدين أنك يئست من كسب ودي؟
توردت وجنتاها حياء، أدركت أنه يستمتع باحراجها على هذا النحو بعد أن أخنرق سرها الدفين.قال:
-اذن كنت على علم بمطامح عمتي عندما وظفتك ! لم أكن متأكدا، أما الآن فحصلت على الجواب منك.
بلعت أبيا ريقها بأسى:
-لم أعرف ما الذي تبينه عمتك الا بعد انتهاء الحفلة. لو فطنت منذ البداية لما قبلت العمل لديها بأي ثمن. لا أريد أن أضحي بنفسي على مذبح الأنانية و القسوة مهما كنت طيبة القلب.
جذبها نحو غاضبا:
-أنت لا تعرفين شيئا عني البثة !
-أعرف أنك تكتوي لوعة لأن فتاة حمقاء تصرفت معك بأسلوب أحمق، تعتقد أن كل امرأة ستتصرف بالأسولب نفسه.
قال باصرار:
-هذا ما يفعله معظمهن. لا هم لديهن سوى الحصول على أغنى رجل.
-ليس هذا صحيحا.
-حقا لماذا أنت هنا اذن؟ أم تتوقعين مني أن أصدق مدى استمتاعك بالعيش في الريف تسعة أشهر في السنة و العمل لدى امرأة تناهز الثمانينات من عمرها !
صاحت:
-هذا ما يداعب خيالي. ان العيش في دير الراهبات أفضل بكثير من العيش معك !
و بسرعة جنونية جذبها اليه و عانقها. قاومته محاولة التملص منه، لكنها كانت كعصفور صغير يعارك نسرا كاسرا. استمر يشدها بقوة الى أن استكانت قليلا.
لم يسبق لرجل أن عانقها على هذا النحو من قبل،و اشتعلت شرايينها بأحاسيس غريبة. هالها أن يكتشف حقيقة مشاعرها فراحت ترفسه، فطوقها أكثر. ظلت تعاركه الى أن أرخى يديه قليلا، ثم رفع رأسه. ظل يحدق في عينيها. بدت مقلتاه في تلك اللحظة كالبحر الهائج تتلاطم أمواجه ثم ترتطم بصخور الشاطئ و رماله الطهبية.
و لمست لمس اليد عاطفة جياشة تضج في جوارحه خالته لا يفهم معناها العميق حتى هذه اللحظة.
كانت عيناه ترويان ألف قصة و قصة، و تراءى في ذهنها منظر الشمس الغاربة و هي تلف الهضاب بذلك النور الأرجواني الساحر. ثم استعادت بعض وعيها. و كان رأسها يؤلمها، و جسمها يرتعش كورقة خريف ذابلة. مع ذلك، أحست أ،ها لم تعد تخشاه بعدأن هدأ روعه، و سيطر على أعصابه مرة أخرى. قال أخيرا:
-أنا آسف يا أبيا. لا مبرر لما فعلته لا مبرر لما فعلته اطلاقا.
أجابت بصوت أبح:
-أنا أتحمل المسؤولية أيضا نتيجة استفزازي لك.
-لنقل أننا أخطأنا نحن الاثنين !
ابتعدت عنه قليلا، فأمسك بها لتوه. سألها بقلق:
-هل سببت لك الأذى ؟ انك صغيرة...
قاطعته:
-أنا بخير. كل ما في الأمر أن أحدا لم يعانقني هكذا من قبل.
قهقه هلى نحو لا أثر للسخرية فيه:
-أنت بريئة جدا يا آبيا اصفعي وجهي اذا كنت مستاءة.
-ما الفائدة؟ ستعود الأمور الى سابق عهدها. و هذا وضع مخز لا معنى له.
استدارت و توجهت ال الطاولة حيث التقطت نسخة الرسم المنمنم. طلب منها قائلا:
-اتركيها مكانها. لن أدع أحد يمسها. و هكذا تعودين غدا لاستئناف العمل عليها.
-شكرا.
-لكن اقترح عليك العمل أثناء النهار لئلا ترهقي عينيك كثيرا.
أشارت قائلة:
-أنا أعمل مع عمتك أثناء النهار.
سألها:
-هل تحبين العمل معها؟
-بالكاد تنجز أي عمل الآن. ما زلت أقوم بدور المرافقة أكثر من أ] شيء آخر.
-انتظري حتى عودتك الى انكلترا. لن تجدي دقيقة من اراحة (و تجهم وجهه) أبيا، أريد الاعتذار ثانية...
قاطعته:
-لا ضرورة لذلك. أن أنك تخشى أن أطلع عمتك على الحقيقة ما جرى الليلة؟
-ربما شعرت بالغبطة الفائقة لو عرفت حقيقة ما جرى.
قالت أبيا تشتعل غيظا:
-اذن لن أبوح بحرف واحد.
و همت بفتح الباب، عندما تكلم ثانية:
-أنت تتحملين جزءا من المسؤولية يا أبيا. بذلت جهدك خلال الأسابيع الفائتة لإثارة مشاعري.
احتجت:
-قمت بعكس ذلك تماما. حاولت تفاديك بكل وسيلة ممكنة.
-تعمدت اثارتي عبر غيابك الواضح.
-ربما و لكن هذا ما جرى.
قالت بجرأة:
-اذن وجه اللوم الى ضميرك الذي يؤنبك. هذا ما جعلك تلمس اجتنابي لك. لو لم تدرك سوء تصرفك لما لاحظت سلوكي تجاهك. افتر ثغره عن ابتسامة باهتة:
-أرجوك كفي عن هذا الأسلوب في المستقبل. اته ليس ضروريا.
قالت باستخفاف:
-حسنا. ليلة سعيدة سيد فارو.
راحت تطوف في غرفة نومها متوترة الأعصاب، يؤرقها ذلك المشهد الذي دار بينها و بين جيلز و كأنه مجرد حلم مرهق. ظلت صورته مرتسمة في ذهنها، فازدادت هلعا، متمنية لو تستطيع النظر اليه بموضوعية باردة كأي شخص آخر. لم تكن تنوي المضي في كرهه، مثلما ترفض أن تكن له مودة ما. أن وضعا كهذا محفور بالأخطار.
لم تقلب المسألة أكثر من ذلك، و مشت نحو النافذة لجذب الستائر. رأت في الحديقة شبحا أسود يتراءى وراء الأشجار، و تبينت أنه جيلز فارو يعبر الممر الضيق الذي يلتف حول بركة السباحة. اذن هو الآخر قلق البال لا يستطيع النوم. أشعل سيكارا فأضاء وجهه الشاحب. ثم غمرته الظلمة ثانية. تنهدت وصعدت الى سريرها.
استيقظت مع أنوار فجر هندي ندي منعش. و ما ان حدقت في الفضاء الرمادي شبه الوردي حتى قفزت صورة جيلز فارو الى ذهنها. وجدت صعوبة في تعليل عناقه لها. دفعه غيظه الى ذلك في البداية بدون شك، و لكن عندما هدأ غضبه لم يحاول الهزء منها كعادته، بل تحدث معها و كأنه يراها للمرأة الأولى، و أعجبته رؤيتتها.
استحمت، ارتدت ملابسها و هبطت الى الحديقة. كان النسيم العليل يهب بخفة منعشة تزيل غشاوة الليل و همومه. قفزت فوق الأعشاب بمرح فتاة تزهو بنعومة التراب و زرقة السماء.
كانت تجلس على المصطبة في الساعة الثامنة لتناول طعام الفطور عندما انضم اليها جيلز فارو. لم يسبق له أن اهتم بالفطور فتساءلت أبيا ما اذا كان بدل عادته أم أنه في اجازة. علق قائلا:
-نهضت باكرا هذا الصباح.
-ان هذا الطقس الجميل يجرني من سريري جرا.
-هل ترقصين حول الحديقة لاستقبال نهار جديد؟
أجابت بهدوء:
-ارقص عندما أشعر بالسعادة، و أغني أيضا.
تمعج فمه:
-و هل هناك سبب معين لسعادتك هذا الصباح؟
قالت بلهجة جادة:
-ربما لأننا اصدقاء الآن. ليس أصدقاء فعليين، و لكننا على الأقل لم نعد أعداء.
-و هذا أسعدك الى حد الرقص؟
أطلقت زفرة عميقة.
-نعم. لا يسهل على المرء البقاء في بيت يشعر أنه غير مرغوب فيه.
صمت متجهم الوجه، مقطب الحاجبين، ثم قال أخيرا:
-لم أدرك أم مسلكي أزعجك الى هذا الحد. كان انطباعي عنك أ،ك لا تبالين برأي فيك. اهنئك على نجاحك في اخفاء مشاعرك.
-انه ليس تعليقا منطقيا، خاصة عندما يصدر عند سيد فاروز
ذكرها:
-اسمي جيلز.
توردت جنتاها ثم هزت رأسها:
-أظن أن عليك اعادة النظر في تقويمك لي.
توهج وجهه و كأنه يستمتع بكل كلمة تقولها، ورأت نفسها تنظر الى عينيه البراقتين، و تتمعن في قسمات وجهه الصارمة، تنبهت الى تحديقها المتواصل فدفعت كرسيها الى الوراء. قال بلهفة:
-أرجوكي لا تغادري. لم نعقد عهدا بيننا ليلة أمس.
استرخت أبيا في كرسيها ثانية، وراحتاها ترشحان عرقا. ان عقد أواصر الصداقة مع جيلز فارو لا يقل خطورة عن استعدائه. فكرت في أي شيء تقوله، ففشلت فشلا ذريعا. بدا أنه لا يعبأ بصمتها اذ شرع بالتهام تفاحة. سألته بعد تفكير طويل:
-هل كانت أمنيتك أن تصبح مهندسا نوويا؟
هل فاجأه السؤال؟ خالته يتلقاه بكل برودة و هو يقول:
-كنت أطمح أن أكون سائق قطار في البداية.
-و لكن ماذا بعد أن تجاوزت هذا الطموح بالذات؟
-قررت بعدئذ اقتفاء خطى والدي. كان يزاول مهنة نفسها. و هكذا تطور اهتمامي بالفيزياء النووية.
-و أنت الآن في مقدمة زملائك في هذا الحفل. لابد أنك فخور بنفسك.
قال بعد لحظة تأمل:
-أظن أنني أشعر بالفخر. و لكنه وضع يفسد الانسان حيث كل الناس يبجلونه في عله و يتوقع نشوء الحالة نفسها في حياته الخاصة.
هل كان يشير الى خطوبته الفاشلة و يبدي آسفه لتشبته برأيه؟
تكلم طارقا موضوعا جديدا:
-حديثيني عن نشأتك و خلفيتك أنت يا أبياظ
-ان خلفيتي عادية جدا. مات والدي و أنا طفلة صغيرة، فكدحت أمي الليل و النهار لاعالتنا. تركت المدرسة مبكرا ووجدت وظيفة. مع ذلك لم تتحسن أوضاعنا كثيرا. ثم فازت اختاي في مباراة للجمال فابتسم الحظ لنا بعد ذلك.
تنهدت منهية قصتها لتسمع وقع خطى العجوز تقترب منها.
أعلنت:
-هيا بنا يا أبيا. أريد الذهاب الى السوق. تعبت من الشغل. توسلت اليها أبيا:
-اذن دعيني أشتغل على الآلة الكاتبة قليلا. طال أمد عطلتي كثيرا.
حدجت الآنسة بيتمان ابن أخيها:
-خل سمعت في حياتك تضرعا كهذا؟ لا يا عزيزتي عزمت على التوجه الى السوق و أرفض أن أذهب وحيدة.
-سأجلب جزداني و أنضم اليك في اليسارة.
ألقت ابتسامة عابرة مودعة جيلز، و هرعت ال الداخل. سرها أن حديثها معه توقف عند ذلك الحد. رغم أن العداء المستحكم بينهما شهد نهايته، فهي لم ترغب في احلال الصداقة المتينة مكانه، اذ أ، صداقة جيلز فارو قد تتطور الى مرحلة أشد خطورة، و أكثر تدميرا لراحة بالها من عدائه السابق.
ابتاعت الآنسة بيتمان كل ما تحتاجه بحماستها المعهودة. و ما لبثت السيارة أن امتلأت بآنية النحاس، و حقائب الجلد، و أقمشة الحرير الزاهية.
و ما أن بلغت لاساعة الثانية عشرة حتى هد التعب أبيا فتمنت لو تعود الى المنزل، غير أن ربة عملها كانت لا تزال في بداية التسوق، مصرة على شراء هدية لكل واحد من أصدقائها العديدن. و اقترحت أن تشتري لأبيا شيئا ما، فرفضت هذه الأخيرة مدركة مدى سخائها و تبذيرها.
كانت الساعة الواحدة و النصف عندما وصلنا الى فندق تاج محل حيث قررت الآنسة بيتمان تناول الغذاء هناك. أوضحت لها و هي تقودها الى القاعة الرخامية:
-لم تشاهدي في بومباي سوى عدد ضئيل من المعالم، و يؤنبني ضميري نتيجة ذلك.
أتيحت الفرصة لأبيا عندما كانت في لندن لزيارة فنادق العاصمة الفخمة، و ذلك عند تسليمها بعض الكتب الثمينة الى زبائن معينين. لكنها لا تذكر أنها رأت قاعة تغص بالناس مثل هذه القاعة، و بجنسيات متعددة من العرب و الصينيين و الانجليز و الأستراليين و الأمريكيين.
سارت الآنية بيتمان عبر الردهة، و استدارت شمالا نحو رواق من القناطر حيث امتدت شتى أنواع الحوانيت.و ها هي امرأة طويلة هيفاء القوام تبرز من أحد الحوانيت، و كادت أن ترتطم بهما.
هتفت العجوز بفتور ظاهر:
-مرحبا فيكي. ما توقعت أن أراك هنا. ذكر جيلز أنك تردين الذهاب الى منطقة الطيور لقضاء بضعة أيام.
-ذهب زوجي بمفرده. ما أعجبتني فكرة الجلوس بصمت لمدة ساعات من أجل مراقبة ريش الطيور و أذنابها.
نظرت فيكي الى ساعة معصمها الماسية و كأنها توحي بموعد عاجل لديها، و أحنت العجوز رأسها و مضت في سبيلها. لحقت بها أبيا، و قد انطبعت صورة فيكي في ذهنها. كانت فيكي رائعة الجمال في ذلك الفستان الزهري، مما أبرز بشرتها السمراء الداكنة. و خيل لها أنها مزرية الملابس مقارنة بها، و تمنت لو تستطيع هي الأخرى لفت الأنظار اليها. و خاصة أنظار جيلز !
هتفت العجوز:
-ها قد وصلنا.
و توقفت أمام باب خشبي ضخم حفر عليه اسم: حجرة التنين. كان المكان مطعما صينيا، كما توقعت أبيا، و يفصل بالناس الى درجة الازدحام. تعجبت من ذوق العجوز في تناولها الطعام الصيني في الهند. و سرعان ما غيرت رأيها عندما طلبت ربة عملها الخبيرة وجبة متنوعة شهية، لم تذق مثلها في أي مطعم صيني ارتادته في لندن. كانت الآنسة بيتمان تحتسي الشاي عندما أخذت تستفيض في الحديث عن ثروتها الطائلة، و آمالها في انفاقها على أولاد جيلز.
قالت:
-لكنه رجل عنيد. أنا أحب الأطفال كثيرا. و هو لا يزال غارقا في آلام الماضي و تجربته المريرة مع فيكي. ليته يصغي الى و يتزوج ثانية.قفزت الى مخيلة أبيا صورة أطفال صغار يشبهون والدهم جيلز تماما، ويقفزون و يمرحون في غرفة الجلوس. كانت أبيا شاردة الذهن عندما أبدت العجوز رغبتها في صرف بعض الوقت وسط حديقة الرواق، و أشارت على أبيا بالتجول حول الفندق و اكتشاف معالمه. بدا الفندق عالما قائما بذاته يضم أكثر من سنة مطاعم، و تمتد تحت قناطره الحوانيت و الأحواض الصغيرة التي تسبح فيها الأسماك. و لفت انتباهها مقهى ذو طراز أمريكي يتنافر منظره مع بقية الهندسة المعمارية. فضلت مطعم التندوري حيث تضيئه أنوار خافتة. توقفت أمامه قليلا، فأشار عليها أحد الموظفين بالدخول و التجول في المطعم. قال:
-نرحب بك لتناول الغذاء أو العشاء ذات يزم هنا. نقدم الزبائن طبقا خاصا من دجاج التندوري.
أجابت أبيا:
-تذوقته ذات مرة في لندن.
- و لكن لا يستطيع أحد طهيه بطريقتنا الخاصة حيث نضعه في فرن تقليدي. أرجوك أن تأتي معي لأريك ما أقصده.مضى بها عبر المطعم، و المطبخ النظيف و الحديث حيث أحست بحر شديد. كم تكون درجة الحرارة في الصيف هنا، فكرت أبيا و هي تتبعه. وفتح الموظف فرنا مبنيا من القرميد ففاحت رائحة الدجاج المحمر، و لسعت وجهها حرارة النار القوية. قالت أبيا و هي تتراجع للوراء:
-يا للرائحة الزكية. هذا ما سأطلبه عندما أتى الى هنا.
تهللت أسارير الموظف، و عاد بها الى المطعم. و كانت تهم بالخروج عندما رأت الرجل و المرأة يجلسان على بعد أمتار منها. كان غارقين في الحديث فلم يتنبها الى وجودها كما تصورت. بدا الفستان الزهري متألقا بحريره الناعم، وفاتتها ملاحظة شعر جيلز ذا اللمعان الخاص. هذا هو اذن سبب بقاء فيكي في بومباي ! ضج صدرها بالغضب و القرف معا. كيف يسمح جيلز لنفسه التصرف بهذه الحماقة فيجري وراء امرأة خذلته منذ عدة سنوات، و تخدع زوجها للالتقاء به؟
هبطت أبيا السلم مسرعة الخطى، و أقفلت عائدة الى مكان العجوز، التي هتفت عندما رأتها:
-ما توقعت عودتك بهذه السرعة. أرجو أن كل شيء على ما يرام.
أومأت أبيا برأسها.
-رأيت كل شيء.
و كم كانت عبارتها دقيقة المعنى ! فكرت بأسى، متمنية لو تمحو صورة جيلز و تلك السيدة القيتة من ذهنها. لماذا تريد فيكيل وتن رؤيته ثانية؟ هل تريد اثبات مدى سيطرتها على مشاعرها، أم أن اجتماعهما مجرد لقاء عابر لعاشقين سابقين تربطهما صداقة عادية؟
علقت الآنسة بيتمان:
-ماهذا الصمت المفاجئ؟ هل ثمة ما يشغل بالك؟
أخفت أبيا حقيقة مشاعرها و هي تتبع ربة عملها الى السيارة:
-أعاني من صداع بسيط !
بدت شاردة الذهن و هي تحدق في الشارع المزدحم بسيارات الآجرة و الدرجات و طوابير الشحاتين المتدافعين حول النوافذ.
سألت نفسها:
-ماذا يهمني منظر جيلز فارو و فيكيل وتن يجلسان في مطعم معا؟ انها حياته الخاصة، و يستطيع أن يفعل ما يحلو بها. هذه مسألة لا تهمني اطلاقا !
لكنها كانت تكذب على نفسها، رن صوته في قرارة ذاتها. ان المسألة تهمها و تعتنيها. كانت تتوق شوقا للجلوس مكان فيكي. تمنت لو أن جيلز فارو ينظر اليها تلك النظرة الحنونة الملهمة. أطلقت زفرة عفوية، فوضعت العجوز يدها على ذراعها قلقة البال:
-هل أنت بخير يا عزيزتي؟ هل أجبرتك على التهام كمية كبيرة من الطعام؟
تلقفت قول العجوز قائلة:
-انه مجرد سوء هضم ليس أكثر.
-سأطلب لك بعض عصير الليمون و قليلا من السكر فور وصولنا الى البيت.
ضاعفت السيارة سرعتها متسلقة تلة ماليبار التي تنتشر فيها المنازل الكبيرة و البنايات المرتفعة تحيط بها حدائق عناء و الأشجار الباسقة. و أخيرا بلغتا نهاية الطريق. قالت أبيا بعجل:
-اذا كنت لا تريدين شيئا خاصا مني، فأفضل الاستلقاء في غرفتي بعض الوقت.
أجابت الآنسة بيتمان:
-لا بأس. ابقي في غرفتك قدر ما تشائين. أريد أن أكتب بمفردي.
شكرتها أبيا و مضت الى غرفتها.كانت تحتاج الى الخلوة لاستيعاب حقيقة ما أدركته، و لتكتشف كيفية معالجتها. يا له من شعور كأنه القضاء و القدر. لا مفر لها من مواجهة الواقع أن حب جيلز يتيمها. انها عاشقة.
كيف تم ذلك و متى؟ كانت تكن له الكره منذ مدة قصيرة ! لا شك أن عشقها مجرد نزوة عابرة، حدثت نفسها. ما الذي يجمع بينها و بين هذا الرجل؟ تمتمت و هي تستعيد صورة فيكي لوتن:
-كيف يسمح لنفسه التصرف بحماقة مرة تلو الأخرة، هل هو الحب؟ هل جيلز لا يختلف عن بقية الرجال؟
-و عندما توجهت لتناول العشاء في ذلك المساء، هالها أن تجد جيلز ينتظره في غرفة الطعام بكامل أناقته. بدا لها في ريعان الشباب، يفيض حيوية و ثقة بالنفس. خاطبها و هي تتقدم منه:
-ما هذه الرزانة؟
هزت بكتفيها و لم تجبه بشيء. تفرس في وجهها ثانية، و اقترب منها حاملا كوبا من العصير:
-أن عصير البرتقال مفيد و منعش.
امسكت الكوب بمضض. تراءى لها أنه ي اقبها عن كثب. أحست بالاحراج فاتجهت نحو الآنسة بيتمان لئلا يلاحظ اضطرابها اذا ما ظلت قربه. قالت العجوز:
-كنت أخبر جيلز عن رغبتي في السفر الى ارتجباد، و هي تبعد ساعة بالطائرة من هنا.
علقت أبيا شاردة الذهن:
-انه مكان مشهود بكهوفه.
-لا يوجد سوى كهف واحد. و ليست ارتجباد سوى قرية صغيرة تقوم فيها بعض الفنادق لاستقبال السياح الذين يزورونها لمشاهدة الكهف و الهياكل الصخرية (و استطردت العجوز) اذا كنت لا تمانعين، أود التوجه الى هنلك بعد غد. سيقوم جيلز بشراء التذاكر لنا.
اعترض:
-من الصعب الحصول على التذاكر هذه الأيام، اذ أن الفوضى تدب في خطوط السفر الداخلية.
أعلنت عمته بثقة:
-لن تعجز عن الحصول على أي شيء اذا أردت، فالحكزمة لا ترفض لك طلبا:
ابتسم:
-انك تبالغين في تقديري.
أجابت:
-أعرف ما هي قيمتك بالضبط. و آن لك أدراك ذلك.
تبادلا نظرات خفية كأنهما في حلبة مبارزة ذهنية. و فهمت أبيا أن عمته تعرف تناوله الغذاء مع خطيبته السابقة. اقترحت العجوز.
-لماذا لا تأتي معنا الى ارتجباد؟
-لدي أعمال كثيرة.
-أعرف. و لكن هل يوجد شيء عاجل؟
قال بفتور:
-سأحاول جهدي. ان قضاء بضعة أيام خارج بومباي فكرة مغرية.
استدارت أبيا لاخفاء وجهها، ووضعت كوبها فوق طاولة جانبية. لكن جيلز لحق بها، وسد طريقها قائلا:
-لماذا ما ألقيت علي التحية في المطعم بعد ظهر هذا اليوم؟ أصيبت بالدهشة، فانعقد لسانها. أضاف:
-ألم يعجبك منظري؟
-لم أدرك أنك رأيتني هناك:
تألقت عيناه:
-لست أعمى. هل أردت تجاهلي لاعتراضك على وجودي مع فيكي؟
-هذه مسألة لا تعنيني.
أحنى رأسه قليلا:
-بدون مبالغة. ما هو السبب؟
-لا يوجد أي سبب صدقني.
قطب حاجبيه و هو يدنو منها قليلا، سألها:
-هل أخبرت عمتي؟
-كلا. لا أريدها أن تشعر بخيبة الأمل.
حبس أنفاسه:
-تختارين كلماتك باتقان.
-أتمنى لو منت تتقن اختيار صديقاتك من النساء.
ندمت على تفوهها بهذه العبارة و كأنها تبوح بما يخالج فوائدها. لكن جيلز كان في ثورة من الغضب ففاته معنى كلماتها. قال متمهلا:
-لا يحق لك اصدار الأحكام على فيكي. ليس الحب كما تصوره الروايات العاطفية حيث يؤدي كل شخص دوره على أتم وجه، و يحفل العاشقان بالسعادة الأبدية. يرتكب الناس في الحياة العملية أخطاء كثيرة يدفعونه ثمنها غاليا.
سألته أبيا بفتور:
-هل تتحدث عن نفسك؟
-هل يهمك الجواب؟
-ليس الى حد كبير. ان مشاعرك مسألة تعنيك أنت.
قال بهدوء:
-اعتقدت أننا أصبحنا أصدقاء. و لا يلقي الأصدقاء الكلام على عواهنه و قبل التأكد من حقيقة الوضع.
أشاحت أبيا بوجهها:
-أنت لم تقتنع بصداقتنا. و أثق تماما أن رأيي لا أهمية له بالنسبة اليك.
قال بجفاف:
-انك تقللين من قدر نفسك.
هتفت العجوز:
-ما هذا اللغط يا جيلز؟
قال لتوه:
-نناقش الوضع السياسي.
علقت عمته:
-لن تستطيع الوصول الى أي حل.
أجاب جيلز:
-يمكن حل كل المسائل عندما تتوفر الارادة.
لاح في عينيه بريق خبيث. وجدت أبيا أن الوضع لا يستحق الدعابة و الاستخفاف. ابتعدت عنه و استلقت فوق مقعد طويل أدهشتها رغبة جيلز في معرفة رأيها، و سبب اجتنابها له في المطعم قررت أن يرمي الى اكتشاف ما اذا حدثت عمته حول الموضوع. سمرت نظرها على السجادة، محاولة تجاهل جيلز الذي أتى للجلوس بجانبها و هو يلوح برجله في الهواء. تمنت لم يرفض الذهاب معهما الى ارتجباد. ما استساغت فكرة قضاء عدة أيام في صحبته. أخذت تفكر في التخلف عن السفر اذا ما قرر الموافقة على اقتراح عمته سألها بعذوبة:
-ماذا يجول في ذهنك؟
أجابته مباشرة:
-لماذا تريد الذهاب الى ارتجباد؟ يلوح لي انك زرتها مرات عديدة.
-هذا صحيح. لكن آثارها تجذبني اليها باستمرار. علاوة على ذلك، احتاج الى بعض الراحة، و الابتعاد عن بومباي ز ضجيجها. و لا شك أن خيالك الخصب سيجد أسباب أخرى.
ردت:
-لا يوجد سوى سبب واحد. تريد الهرب من مغبة اغواء المرأة. قال كأنه يتعمد الاهانة:
-و ماذا لو كنت اندفع نحوها اندفاعا؟
توردت وجنتاها حياء، و رنت قهقهة في أذنيها فازدادت احراجا.
تابع:
-اذا كنت تريدين مقاومتي يا أبيا فاستخدمي سلاحا أقوى من الكلام الحاذق؟
-و ماذا تقترح؟
أخذ ينقل النظر بين شعرها الأملس، ووجهها الملائكي، وجسمها النحيل وقدميها. ثم قال:
-لديك أسلحة أشد فتكا يا أبيا وست، و براءتك تمنعك من استخدامها على محو فعال.
ردت بحدة:
-انها براءة أرفض التخلي عنها.
-انه رأي يدعو للأسف. عندما تينع الثمار يحين قطافها. لا فائذة من ذبولها فوق الأغصان. هذه جريمة لا تغتفر.
غرقت في صمت عميق. لمست لمس اليد أن خوض المعارك الكلامية معه لن يؤدي الى نتيجة. انه رجل مثقف يتقن التلاعب بالألفاظ، و ها هو يمارس مهارته أمامها. هل يحاول أن يغازلها بطريقته الخاصة، تساءلت أبيا. يا لها من طريقة معوجة ! أيا كان السبب، فهو حتما لا يبدو أنه يهيم عشقا بمظهرها الجذاب، و جمالها الخارق. انها تعرف حدودها. ربما كان يعبر عن شعور دفين، فيبدو مجرد رجل أحمق.
دلف خادم ليعلن وقت العشاء، فقفزت على قدميها و توجهت الى الطاولة قبل جيلز و عمته. قال ممازحا:
-يبدو أنك جائعة.
-سألتهم طعامي التهاما.
-أرجو أن تكتفي بالتهام الطعام !


تم الفصل التاسع


الساعة الآن 01:52 PM

Powered by vBulletin® Version 3.8.9
Copyright ©2000 - 2021, vBulletin Solutions, Inc.