آخر 10 مشاركات
2007 - عاطفة قديمة - روبين دونالد - روايات غدير ( اعادة تنزيل ) (الكاتـب : angel08 - )           »          2006- فارس الجزيرة الأستوائية - لينسى ستيفنز - روايات غدير 2000 (الكاتـب : Just Faith - )           »          21 - ربما هو الحب - ليندسي ارمسترونغ - روايات ديانا** (الكاتـب : angel08 - )           »          24 - خياط السيدات - اليزابيث آشتون - روايات ديانا** (الكاتـب : angel08 - )           »          الحل الواضح - فلورا كيد - روايات ديانا** إعادة تنزيل (الكاتـب : angel08 - )           »          الطاغية - ساره كرافن - روايات ديانا ( إعادة تنزيل )** (الكاتـب : امراة بلا مخالب - )           »          قدرها ان يحبها شيطان (1) .. سلسلة زهرة الدم. (الكاتـب : Eveline - )           »          حنينٌ بقلبي (الكاتـب : عمر الغياب - )           »          تناقضاتُ عشقكَ * مميزة ومكتملة * (الكاتـب : ملاك علي - )           »          الكذبة البيضاء - جيسيكا ستيل - روايات ديانا** (الكاتـب : ^RAYAHEEN^ - )


العودة   شبكة روايتي الثقافية > قسم الروايات > مـنـتـدى قـلــوب أحـــلام > قـلـوب رومـانـسـيـة زائــرة

Like Tree48Likes
إضافة رد
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 26-03-18, 09:58 PM   #21

ملاك علي

كاتبة في منتدى قصص من وحي الاعضاءوقلم مشارك بمنتدى قلوب أحلام وحارسة سراديب الحكايات

 
الصورة الرمزية ملاك علي

? العضوٌ??? » 412135
?  التسِجيلٌ » Nov 2017
? مشَارَ?اتْي » 1,270
?  نُقآطِيْ » ملاك علي has a reputation beyond reputeملاك علي has a reputation beyond reputeملاك علي has a reputation beyond reputeملاك علي has a reputation beyond reputeملاك علي has a reputation beyond reputeملاك علي has a reputation beyond reputeملاك علي has a reputation beyond reputeملاك علي has a reputation beyond reputeملاك علي has a reputation beyond reputeملاك علي has a reputation beyond reputeملاك علي has a reputation beyond repute
افتراضي


اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة قمر الليالى44 مشاهدة المشاركة
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
فصول جميلة استمتعت جدا بقراءتها
انير وحبيبة انتهت قصتهما لما اكتشف حقيقتها بعد ان تطورت علاقتهما
وبعد سنوات سيعود انير ليزور والده المريض
ايدر وحبه دنيا الذى ضاع بزواجها من اخر وتعرضها للتعذيب على يد زوحها زاهر
ومقابلته للطفلة انيا الشرسة وقد امتعته
يسلمووووو يا ملك
وبانتظار القادم

شكرا لمرورك العطر حبيبتي... أتمنَى باقي الفصول تنال إعجابك




ملاك علي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 27-03-18, 09:59 PM   #22

نورالاملkk

? العضوٌ??? » 380438
?  التسِجيلٌ » Aug 2016
? مشَارَ?اتْي » 122
?  نُقآطِيْ » نورالاملkk is on a distinguished road
افتراضي

موفقة باذن الله الرواية اكتر من رائعة

نورالاملkk غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 28-03-18, 12:02 AM   #23

ملاك علي

كاتبة في منتدى قصص من وحي الاعضاءوقلم مشارك بمنتدى قلوب أحلام وحارسة سراديب الحكايات

 
الصورة الرمزية ملاك علي

? العضوٌ??? » 412135
?  التسِجيلٌ » Nov 2017
? مشَارَ?اتْي » 1,270
?  نُقآطِيْ » ملاك علي has a reputation beyond reputeملاك علي has a reputation beyond reputeملاك علي has a reputation beyond reputeملاك علي has a reputation beyond reputeملاك علي has a reputation beyond reputeملاك علي has a reputation beyond reputeملاك علي has a reputation beyond reputeملاك علي has a reputation beyond reputeملاك علي has a reputation beyond reputeملاك علي has a reputation beyond reputeملاك علي has a reputation beyond repute
افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة نورالاملkk مشاهدة المشاركة
موفقة باذن الله الرواية اكتر من رائعة
شكرا حبيبتي علَى مرورك الرائع


ملاك علي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 28-03-18, 08:17 PM   #24

ملاك علي

كاتبة في منتدى قصص من وحي الاعضاءوقلم مشارك بمنتدى قلوب أحلام وحارسة سراديب الحكايات

 
الصورة الرمزية ملاك علي

? العضوٌ??? » 412135
?  التسِجيلٌ » Nov 2017
? مشَارَ?اتْي » 1,270
?  نُقآطِيْ » ملاك علي has a reputation beyond reputeملاك علي has a reputation beyond reputeملاك علي has a reputation beyond reputeملاك علي has a reputation beyond reputeملاك علي has a reputation beyond reputeملاك علي has a reputation beyond reputeملاك علي has a reputation beyond reputeملاك علي has a reputation beyond reputeملاك علي has a reputation beyond reputeملاك علي has a reputation beyond reputeملاك علي has a reputation beyond repute
افتراضي





الفصل الخامس:

-" لا تشكرني .. نحن أكثر من إخوة... لا تقلق سأهتم به إلى أن تصل.."
بعد رد صديقه و التحية، أغلق اللخط ثم اتجه إلى الحمام وذهنه مشتت.. كيف في خضم انشغالاته نسي والده... فبعد عودته إلى أميركا في ذلك الصيف المشؤوم، ذهب إلى أمه بحثا عن المواساة... فالرجل مهما علت كتفيه دائما يحتاج لأمه... استقبلته بوجهها البارد كالعادة حتى أنها لم تكلف نفسها ضمه أو سؤاله عن صحته... ما زال يذكر أنَّ أول ما تبادر إلى ذهنها هو السؤال عن أبيه
-"كيف حال القايد عبد الجليل؟ ألم يمت بعد؟"
نظر إليها بغضب وهو يسمعها تردف:
- "لا تنظر إليَّ بتلك الطريقة!! تعرف أنني أكره أباك، وأتمنى زواله من الحياة اليوم قبل الغد!! لكني أفضل أن يفعلها الآن وهو وحيد، قبل أن يتزوج ثانية ويأتي لك بمنافس على ثروة العائلة!! تعلم أنك الوحيد الذي يستحقها لأنك ابني!!"
ابتسم مفكراً أنَّ هذا رائع فهذا ما ينقصه فعلاً... ليقر أنَّ أفضل شيء حدث هو طلاق والديه، فحتى لو بقيا معا كان سيقتل أحدهم الآخر... لا يدري كيف نسي أنه في حضرة أمه وقال بدون تفكير:
- "يقول عنك عاهرة.."
- "ابن الكلب!!" غمغمت بغلٍ لتضحك بصوت عال
- "إذًا ما زالت خيانتي تؤثر به!! المسكين لم يستطع لحد الآن أن ينسَى!! "
أقسم أن في كل حياته 22 سنة لم يتفاجأ بهذه الطريقة كما فاجأته أمه بتفاخرها بخيانتها لأبيه... هل ما يراه حقيقة؟؟ هل طبيعة بنات حواء وضيعة لهذه الدرجة؟؟ أليس لديهنَّ ضمير لحفظ العهد؟؟ لابدَّ أنَّ أمَّه لاحظت نظرة القتل المرتسمة في وجهه لتكمل ولا كأنها فجرت قنبلة سببت خراب في نفسية ابنها، وآثره لن يزول بسهولة:
- " تعلم أني لم أتزوج أباك عن حب... ومن ستقبل به؟؟ قاسي وجلف.. أنا ابنة المدينة المتعلمة، أتزوج قرويا؟... أبي كان صديق جدك، وهو من أجبرني... أنا كنت أحب زميلاً لي في الدراسة واتفقنا على الزواج... لكن أبي رفض... ليزوجني لهمجي... بعد ولادتك بخمس سنوات، اتصل بي حبيبي القديم يخبرني أنه وجد عملا ويجب أن أتطلق لكي نتزوج.. لكن أباك رفض، وبعد أن سمع مكالمتي مع عمر أصبح يضربني، ولولا موت أبي وحضور أخي من الخارج لكنت اليوم ميتة... "
طوال طفولته كان يكره أباه لما كان يفعله بأمه دون أن يعلم أنه كان ينصر الظالم على المظلوم... نظر إليها نظرة أخيرة وخرج من حياتها للأبد.. ليقسم أنه لن يثق في جنس حواء مهما حصل...
تذكر أباه، كم كان قاسيا في حقه، حتى بعد أن عرف قصة ما وقع قديما لم يمتلك الجرأة لمصراحته وطلب السماح منه، بل نسى أو تناسى الموضوع وأكمل حياته... فقط بعض مكالمات متقضبة مع أبيه... أما أمه فيراها بالصدفة فقط...
أنهى استحمامه وخرج ليجد رفيقته تغط في نوم عميق... أخذ ينظر إليها قليلا ثم مد يده إلى اللحاف الذي كانت تغطي فيه جسدها العاري وجره بعيد لتستيقظ مفزوعة، كتم ضحكته نظرت إليه بغضب:
-" متى ستصبح رجلا متحضرا وتكف عن افزاعي هكذا؟؟ "
نظر إليها نظرة مبالية وقال:
- "حان وقت الذهاب.. وهذه أجرة الليلة... هيا أسرعي.. "
أخدت النقود من فوق السرير وهي تسرع نحو ملابسها المنثورة هنا وهناك... وبدون حتى أن تستدير كانت تخرج من باب الشقة... أكمل أنير ارتداء ملابسه، وأخد ما يلزمه في حقيبة صغيرة وخرج قاصدا المطار.... وليكتمل حظه السيء وجد أن جميع خطوط الطيران باتجاه المغرب ممتلئة فهذه عطلة الأعياد، والناس تهرب من برودة الجو في أميركا إلى بلدان أكثر دفئا وأقل برودة لاستقبال العام الجديد... هذا ما اخبره به موظف الاستقبال في المطار... ولكي يسافر يجب عليه الانتظار للغد، أو يستقل طائرة من نيويورك إلى مدريد ومن مدريد إلى أكادير... رحب أنير بالاقتراح الثاني فلن يستطيع أن يبقى ثابتا في مكان واحد بانتظار أخبار سيئة... أعاد الاتصال بصديقه إيدر... ليجد رقمه مغلقا، ربما هو الآن في القرية... فالارسال هناك ضعيف وخصوصا في فصل الشتاء يزداد انخفاضا، اشترى قنينة ماء وبعض السندويشات بانتظار أن يعلن عن الرحلة المتجهة إلى مدريد...
أحس بالذكريات تعود إليه... يكره أعياد الميلاد فدائما تذكره بدفء العائلة الذي تمنَى يوما أن يحظَى به... كان من أحلامه الزواج وانجاب دستة من الأطفال ربما خمسة أو حتى سبعة، لكن بعد بعد ذلك الصيف أصبح يكره حتى أن يفكر أن يسلم اسمه لأي امرأة... النساء خلقن للمتعة نقطة إلى السطر...
ابتسم عندما تذكر أباه... ربما في نهاية المطاف لا يشبه إلا هو، فعلى الرغم من أنه تزوج مرتين، إلا أنه بقي وحيدا وربما يموت وحيدا... تذكر زوجة أبيه كانت امرأة لطيفة على الرغم من أنه كان يتحاشى الكلام معها إلا أنها كانت دائما تسأل عنه وعن طلباته... يا ترى ما مصير ابنتها بعد وفاتها؟ فآخر مرة كان في القرية لم يرها... فقط حبيبة من لمحت أنها اخبرتها عن عدم ارتباطه...
حبيبة مجددا!! لماذا كل الأفكار تؤدي إليها دائما؟؟!! لا ينسى أنه أحس بنغزة في قلبه عندما علم من أسكلو ابن بلدته أنه أصبح يراها مع معلم جديد في القرية... مرت الآن ثلاث سنوات على ذلك... فماذا حدث؟ هل وجدت فيه الغر الذي تبحث عنه كوسيلة لمغادرة القرية؟
رحب بالإعلان عن رحلته الذي منعه من الاسترسال في أفكاره...
ما يميز الدرجة الأولى في الطائرة الهدوء الذي يسود المكان، وهو ما احتاجه فبمجرد أن أسند رأسه إلى مقعده غط في نوم عميق... راحة لجسمه... فهو لم ينم إلَّا ساعة أو ساعتين في الليلة الماضية... وراحة لعقله من الغوص في ذكريات لا تجلب إلَّا الألم..

*******

ركب سيارة الأجرة وأرجع رأسه إلى الوراء يفكر في رحلته فقد خرج في السادسة صباحا بتوقيت نيويورك وصل مدريد عند التاسعة مساءا بتوقيت اسبانيا، ليصل المغرب في الحادية عشر مساءاً وفرق التوقيت بين مدريد وأكادير ثلاث ساعات... زفر فأكثر شيء يكرهه هو أعراض فرق التوقيت... فهو الآن يحس بتعب ودوخة ولازالت هناك ثلاث ساعات قيادة نحو القرية... وضع يده فوق عينيه ؛ و أخبر السائق أن يوقظه عند وصولهم للفندق...
ما أن دخل جناحه... اتجه إلى السرير وجلس عليه لينزع حذاءه، أغراه السرير أن ينام فقط خمس دقائق ثم يستيقظ بعدها ويذهب للاستحمام لاكمال طريقه... استيقظ فجأة كان النور قد انتشر في الغرفة على الرغم من الستائر المغلقة...
"ياإلهي.. أردت فقط أن أنام خمس دقايق فنمت أربعة عشر ساعة"
مرر يده في شعره ونهض للاستحمام... على الرغم من نومه بملابسه كاملة إلا أنه أحس بأنه أخذ كفايته...

ركب سيارته التي تركها له إيدر في موقف الفندق... اتصل به يسأله عن الأخبار... ما أن طمأنه حتى أدار المحرك وانطلق إلى القرية وأغنية Passenger- let her go التي تتحدث عن الفراق والغربة تصدح في الأجواء...
لم يحس أنير أنه اشتاق كثيرا لقريته... إلا عندما استنشق هواءها العليل المحمل برائحة الأرض والشجر وحتى البشر... في قريته حتى الناس مختلفون الطيبة والجود والكرم ينبع من ملامحهم... وصل إلى بوابة القرية وهي عبارة عن التقاء سفحي جبل... ووقف ينظر إليها في انبهار...
ﻛﺎﻧﺖ ﺍﻟﻘﺮﻳﺔ ككل القرى المجاورة عبارة عن عدة بيوت من الطين الأحمر... كبيرة تتكون على الأقل من طابقين، وعدة نوافذ، وكل بيت منقوش على واجهتها عدة نقوش مع مرور الوقت أصبحت غير ظاهرة، بعض المنازل تظهر من بعيد كان لها شكل مثلث وأخرى مستطيل على حسب الشكل الهندسي الذي بني به سطح المنزل، وأمام بعض البيوت توجد عريشة من القصب تحيط بها أشجار الزيتون، واللوز، وبعض المزروعات كالنعناع، الشيبة والمقدنوس ثم الحبق الذي لا يخلو أي بيت منه ومفروشة بزربية يدوية الصنع... غالبا ما تكون مهترئة من كثرة الاستعمال، فاتخذت كفراش للمجلس الخارجي، فوقها صينية الشاي، وفي أقصى العريشة بني فرن من الطين لطهو الخبز بالأعواد والذي يسمى بتافرنوت ، والأغلبية يفضل طهيه بالأعواد المنسمة ليعطيه نكهة خاصة... بعض هذه المنازل متباعدة تفصل بينهم أراضي زراعية خضراء شاسعة، تكون ملكاً لصاحب المنزل وغالبا ما ترعى فيها البقر، وتربط فيها البغال، بعض المنازل متقاربة جدا لتشكل ﺑﻴﻨﻬﺎ ﻣﻤﺮﺍﺕ ﺿﻴﻘﺔ ﻭﻣﺘﻌﺮﺟﺔ، ﻏﺎﻟﺒﺎ ﻣﺎ ﺗﻨﺘﻬﻲ ﺑﺄﺣﺪ ﺍﻟﻤﻨﺎﺯﻝ... فيها بحيرتين متصلتين بين بعضهما بنهر صغير، البحيرة الكبيرة كانت تحت سفح الجبل وراء البيوت، لا يسبح فيها إلا سباح ماهر خصوصا أنه خرافة تقول أن تحت البحيرة جني يأخذ البنات الجميلات... لكن مع مرور الوقت اكتشف أنها رمال متحركة تبتلع من وقف عليها، والبحيرة الصغيرة توجد في مدخل القرية وسط مجموعة من الأشجار ما يجعلها محمية من الأنظار، والنهر الصغير الذي يربطهما يمر من وسط القرية ويقسمها إلى نصفين، وفوقه بنيت قنطرة بدائية ولكن مثينة لمرور الناس والدواب...
القرية يحيط بها من ثلاثة جوانب جبال الأطلس الوعرة التي تكون في الشتاء والخريف مكسوة بالثلوج وفي الربيع والصيف مقرا لطيور كاسرة... اللون البني المحمر للمنازل والخضرة التي تحيط بها وزرقة مياهها وسط شموخ الجبال المكسوة بثلوج ديسمبر كانت لوحة وحده الخالق من يستطيع ابداعها... جمالها الرباني جعلها مقصد الكثير من السياح... فأهل القرية آلفوا مظاهر عبور مجموعاتهم والتقاط الصور...
وقف أنير بانبهار وتمتم "سبحان الله" استنشق ما استطاعت رئتاه تحمله من الهواء النقي... ثم عاد إلى سيارته الجييب وانطلق باتجاه المزرعة...
حتى بعد ثمانية سنوات لم تتغير قريته كثيرا، إلا أنه لاحظ أن بعض بنات القرية أصبحن يكشفن عن رؤسهن وهن في الشارع ليس مثل السابق، والشوارع أصبحت كلها معبدة، مما يسهل مرور السيارات دون أن تخلف عاصفة من الغبار خلفها...
تراءت له المزرعة من بعيد وأحس أن قلبه سيخرج من مكانه، فلحظة اللقاء والصراحة التي أجَّلها لثماني سنوات أصبحت وشيكة، نزل من السيارة فتقدم إليه رجل أشيب الشعر لكن مازال قويا، إنه عزير، اقترب منه الأخير وهو يأخذه في عناق قائلاً بلهفة:
- "الحمدلله على السلامة يا سيدي الصغير... والله المزرعة والقرية كلها اشتاقت لك.."
قهقه أنير:
- "كيف حالك أيها العجوز..."
قال وهو يشير إلى شعره ثم استطرد:
-" ثم لم أعد صغيرا عزيز فمنذ أربعة أشهر دخلت سن الثلاثين..."
ضحك عزير وهو يمرر يده على شعره:
- "كله من أبيك... الذي يرفض الذهاب إلى المستشفى.. "
رد أنير بقلق:
- "هل هو بخير؟ مالذي حدث؟ ولماذا لم تكلمني عزيز؟"
- "هو من يرفض سيدي... لقد سقط الأسبوع الماضي من فوق أييس، فرسك سيدي، أخبرته أنه مند مدة وهو عصبي المزاج... كأنه لم يتم ترويضه من قبل... لكنه لم يستمع.."
- "حسنا... أدخل حقيبتي وحقيبة حاسوبي من فضلك... سأدخل لأرى أبي..."
- "إنه في غرفته مع السيد إيدر يحتسيان الشاي.."
- "حسنا شكرا.. "
دلف نحو الممر الذي يؤدي للمنزل...أول شئ لاحظه أن الشجرة التي زرعها هو أبوه بجانب الباب كبرت واشتد عودها وتحتها و ضعت كراسي مريحة باللون الأبيض... أمامها طاولة من الخشب الصلب... دخل من الباب الكبير الأسود، بعد أن مر من الردهة ...على يمينه صالون عصري مفروش بالطريقة المغربية، وعن شماله مثيله لكن بطريقة أمازيغية تقليدية بحتة، أمامه توجد عدة درجات وتؤدي إلى الأعلى وفي الجانب الآخر باب كبير من زجاج يطل على الحديقة والمسبح... صعد الدرجات وإلتقى مع إيدر في الطريق، تعانقا باشتياق، على الرغم أنهما لم تمر ستة اشهر منذ إلتقيا في رحلة إلى إيطاليا... أخبره إيدر بهمس أن أباه نائم، أومأ له أنير لكنه لم يتبعه نزولا... وفهم أنه يريد أن يختلي بنفسه مع أبيه قليلا... أكمل أنير الصعود ثم دلف إلى غرفة أباه:
- "يا إلهي!! ماذا فعلت بك السنون يا القايد!! "
لم يعرف أن صوته مسموع إلا عندما فتح عبد الجليل عينيه ورآه:
- "أرى أنه لم يقضِ عليك الاشتياق كما فعل معي..."
ارتمى أنير على ركبتيه أمام سرير والده... ووضع رأسه فوق يده:
- "أقسم أنني أموت كل سنة اشتياقا لرؤيتك... لم أستطع أن أواجهك... كنت أخجل من أن أريك وجهي بعد آخر محادثة بيننا...."
وسكت وهو يغالب دموعه، ثم أخذ يد أباه يقبلها عدة مرات:
-" أقسم أنني تعذبت، عذاب يكفيني طول العمر من بعادك، لم أحس بأهميتك إلا عندما خسرتك بظلمي لك.."
تجعد جبين القايد وهو يتساءل عن ماذا يتحدث:
- "أمي أخبرتني كل شيء... أنت لا تستحقنا في حياتك"
مرر يده الحرة في شعر ابنه:
- "انهض يا ولدي... أنا المخطئ عندما أدخلت بريئة إلى عالمي... أنا آس..."
كاد أن يتأسف لابنه ودمعته تنزل:
- "لا تقل شيئا أبي... ما عاش من يبكيك أو تنحني له جبين القايد عبدالجليل..."
ثم قبل جبينه... بقيا يتحدثان إلى أن أذَّن المؤذن لصلاة المغرب... فقال عبدالجليل:
- "انهض يا ولدي... من كان مع الله ما خاب رجاه.."
ذهب إلى غرفته ليتوضأ ويذهب للصلاة... احساس كأنه يطفو فوق السحاب عندما وضع جبينه وهو يسبح للأعلى... احساس غادره من وهو طفل... أحس بنفسه كأنه يعود طفلا خاليا من كل هموم... بعد السلام بقي جالسا مكانه في هدوء وسكون... وعندما قرر الخروج وجد صديقه ينتظره ومجموعة من الرجال للسلام عليه... بعد السؤال عن الحال والأحوال غادرا باتجاه البيت، وجدا الطبيب ينتظرهم في المنزل، بعد خروجه من غرفة أبيه أخبرهم أن السقطة أذت ظهره، وأن رجليه سليمة فقط ضعيفة ومع الانتظام في العلاج وعدم القيام بمجهود سوف يشفى...
بعد العشاء، تسامر الصديقان في الشرفة الكبيرة التي تطل على المزرعة إلى وقت
******
يومين وهي لم تستطع النوم... يدها منتفخة ومتورمة وتؤلمها جدا... أخبرت خالها البارحة ليأخذها بين يديه بدأ بتمسيدها بقوة وهي تصرخ من الوجع، ثم أخبرها أنها غدا ستكون بخير... وزوجته التي لم ترحمها واعتبرت آلامها مجرد دلال بنات... وأتى الغد ويدها في تزايد حجما وزرقة ولم تذق طعم النوم... كانت تستمع للمهلل لصلاة الفجر ولم تستطع أن تقوم
"يا رب أنت أعلم بحالي فانصرني"
حاولت الصلاة جالسة وبدون وضوء لكن آلامها لم تتركها تخشع... ما أن أغمضت عينيها تحاول النوم حتى اندفع الباب بقوة وزوجة خالها تقف على الباب..
- "من تعتقدين سيقوم بعجن الخبز وطهيه؟؟ هل تعتقديننا ملجأ؟؟ من يريد أن يعيش معنا عليه أن يعمل؟؟"
لم تعرف كم الساعة فالغرفة لا تتوفر على أية نافذة... و بما أنه وقت عجن الخبز إذاً فهي السادسة والنصف... نهضت بتثاقل... وضعت الماء ليتدفى وغربلت الطحين بيد واحدة، وعندما فتحت الثلاجة تبحث عن الخميرة لم تجدها، فرحت لأن هذا يعني سيشترون الخبز جاهز...
- "خالتي... لقد نفذت الخميرة من الثلاجة..."
ذهبت تتأكد بنفسها لتستدير نحو إيلودي، وعيون هذه الأخيرة تنتظر الافراج لكنها قالت:
-" إذهبي عند رقية واستعيري منها القليل... "
خرجت مطأطئة رأسها بإحباط ويدها ملفوفة في إيزارها، همت أن تطرق باب عريشة العمة رقية، لكنها استدركت الأمر وجرت متحاملة على اَلام يدها إلى منزل آنيا، دقت الباب لحسن حظها آنيا من كانت تطبخ الخبز في عريشتهم، خرجت إليها مسرعة بعد أن عرفت صوتها...
- "أرجوكي آنيا، إذهبي إلى عمي عبدالجليل وأخبريه أن يخرجني من ذلك المنزل..."
همت بالرحيل وآنيا واقفة تنظر إليها وهي لا تفهم شيئا..
- "أرجوك أحضري القليل من خميرة للعجين.."
أسرعت آنيا تحضر لها طلبها:
- "آنيا.. أرجوكِ انقذيني.."
-" لا تخافي حبيبتي.. "
جرت إيلودي عائدة إلى البيت، وآنيا دخلت توقظ أخاها الصغير..
- "محمد، استيقظ.."
- "دعيني آنيا... أقسم أنني صليت الفجر وقرأت الحزب مع الفقيه في المسجد..."
- "محمد، إذهب إلى بيت القايد عبد الجليل وأخبره أن إيلودي تتألم ومريضة جدا..."
ما أن سمع محمد اسم إيلودي مقرون بالألم حتى خرج يجري بدون حتى أن يلبس نعاله...








.......


ملاك علي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 28-03-18, 08:21 PM   #25

ملاك علي

كاتبة في منتدى قصص من وحي الاعضاءوقلم مشارك بمنتدى قلوب أحلام وحارسة سراديب الحكايات

 
الصورة الرمزية ملاك علي

? العضوٌ??? » 412135
?  التسِجيلٌ » Nov 2017
? مشَارَ?اتْي » 1,270
?  نُقآطِيْ » ملاك علي has a reputation beyond reputeملاك علي has a reputation beyond reputeملاك علي has a reputation beyond reputeملاك علي has a reputation beyond reputeملاك علي has a reputation beyond reputeملاك علي has a reputation beyond reputeملاك علي has a reputation beyond reputeملاك علي has a reputation beyond reputeملاك علي has a reputation beyond reputeملاك علي has a reputation beyond reputeملاك علي has a reputation beyond repute
افتراضي




الفصل السادس:


بعد أن صليا الفجر، جلسا في نفس الشرفة ينظران إلى الشروق خلف الجبال... أنير جالس في كرسي طويل ببلوزة خفيفة وفوقها معطف وسروال رياضي... أما إيدر فيلبس جلباب صوفي ثقيل ونائم ومتكئ على الكرسي ويتغطى بلحاف... كانا يشربان القهوة... ضحك أنير قائلا:
- "أربع سنين قضيتها في أمريكا ولم تتعود على البرد... "
رد عليه إيدر:
- "ولن أتعود أبداً... سأذهب إلى غرفتي... هذا البرد ينخر العظام... مما صُنعت يا صاحبي"
ضحك أنير وهمَّ أن يجيب لكن صوت دقات مزعجة يليه صراخ في الأسفل أوقفه ....ونزلا يستكشفان الوضع...

ما أن وصل محمد إلى أمام البيت الصغير، دق بيديه لكن البرد جعل قبضته ضعيفة... فلم يجد إلَّا غصن شجرة فأخذه بدأ يرفعه إلى أقصى ما عنده ويهوى به على الباب... وكرر الأمر عدة مرات... حتى عندما فتح الباب الصغير لم يتوقفه...

استيقظ عزيز فزعا من الطرقات لو كان في عهد الاستعمار لاعتقد أن الاعداء قد هجموا عليهم... ما أن فتح الباب الصغير المرتبط بالباب الكبير حتى لمح طفل يهوي بكل ما له من طاقة على الباب.... أوقفه... صرخ عليه عزيز لكنه لم يسمع وواصل ما يفعل حتى حمله من بلوزته القصيرة وأبعده عن الباب... سمعه يتمتم:
- "الباب... القايد... إيلودي... تتألم... أرجوك..."
لم يفهم ما يقول... أدخله إلى الحديقة فوجد أنير وإيدر أمامه...
-" إنه محمد ابن السيد العربي... لا أعلم ما يريد... لكنه ذكر القايد وإيلودي..."
نزع أنير معطفه وألبسه له وأسرع إيدر يحضر له شرابا ساخنا... أدخلوه إلى الداخل وهو ما زال يتمتم بكلماته بدون الربط بينهما، بعد أن سرى الدفء داخله... أخبرهم أنه يحمل رسالة إلى القايد... أخبروه أن يقولها لهم لكنه أصر على السكوت إلى أن يقابل القايد... صعد به أنير وإيدر إلى القايد عبد الجليل... الذي استيقظ إثر الجلبة... انطلق محمد يقبل يده:
- "عمي القايد... لدي لك رسالة من آنيا... عن إيلودي..."
فزع عبدالجليل:
- "ما بها إيلودي؟؟ تكلم يا ولدي!! "
-" عمي... إيلودي مريضة جدا... وتتألم جدا جدا... "
همس عبدالجليل و وجه شاحب جدا:
- "أنير ساعدني ابني على الوقوف... أريد الذهاب لرؤيتها.. "
- "لا تتحرك أبي... سنذهب نحن لاحضارها، وإن كانت مريضة فسوف أخذها إلى المستشفى... "
أجاب أنير وهو يمنع أباه من النهوض:
- "حسنا بني... خذ معك عزيز وزوجته..."
ورجع يستلقي وعدة أفكار تتصارع في عقله... نزل إيدر يبحث عن عزيز ليخبره أن ينادي زوجته لتذهب معهم والتي تعيش كوخ في نفس المزرعة، فهي التي تهتم بالطعام والتنظيف، وزوجها حارس، أما أنير فذهب هو ومحمد الصغير للسيارة، أدار السيارة وهو ينتظر خروج عزيز وزوجته، بعد فترة جلس عزيز قرب أنير ومحمد وزوجته في الخلف وانطلقوا نحو بيت خال إيلودي...

******
كانت تعجن الخبز بيد واحدة وتحاول أن تمنع دموعها من النزول
"آنيا لماذا تأخرتي؟؟ يا ربي أنجدني"
بعد أن انتهت وغطته ليستريح، سمعت صوت خالها وعدة رجال في الخارج ثم امرأة ملثمة تدخل إلى البيت أنها كلثوم زوجة عزيز، ما أن لمحتها حتى تأكدت أن صديقتها لم تخذلها، وعرفت أن خلاصها قد اقترب...
ما أن عانقتها كلثوم حتى انخرطت في بكاء أليم، عانقتها بشدة فاَنت إيلودي ، نظرت كلثوم إلى موضع ألمها، فلاحظت يدها المتورمة البشعة فشهقت بفزع، ألبستها إيزارها وغطت وجهها وخرجتا من البيت إلى العريشة...
- "سيد أنير لقد أحضرتها... وتبدو كما قال محمد بالضبط..."
عانق محمد رجلها فنزلت عنده وهمست "شكرا بطلي"
سمع أنير همستها فابتسم، وسمع عزيز يخبر محمد الذي يظهر فقط رأسه من المعطف، أن ينزع المعطف ويعيده إلى السيد، لكن أنير أوقفة قائلا أنير:
- "دعه له، فهو له منذ الآن..."
لم تسع الفرحة محمد وجرى إلى البيت يستعرض معطفه الجديد والأنيق...

لم تتوقف عبرات إيلودي... كانت تحاول كتم شهقاتها... وكلثوم تعانقها بلطف... وكان الرجال يسمعونها... أحدهم يتأسف على هذه الزهرة التي تيتمت في سن صغيرة جدا... أما الثاني لا يعرف لماذا تستفزه دموعها لدرجة أن اصابعه ابيضت من ضغطه على المقود ولم يعرف متى نطق وأقسى صوت:
- "نعرف أنكِ مريضة... ألا تستطيعين أن تصمتي ولو قليلا؟؟!! فرأسي أصابه صداع من كثرة دلالك!!"

اعتقد أنه سيفرح لانقطاع صوت شهقاتها... لكن ضميره الذي صحي فجأة جعله لا يتهنى بانتصاره...
ما إن سمعت صوته القاسي حتى تسمرت وأوقفت شهقاتها من كثرة الخوف... بعد أن توقف أنير بالسيارة نزل ليلحق به الآخرين لكن صوت كلثوم جعله يستدير:
- "عزيز!! إلحقني إيلودي أغمي عليها..."
لا يعلم متى صاح:
- "توقف!! أنا من سيحملها!! "
استغربا لكنهما لا يريدان أن يكونا أمام المدفغ، خصوصا مع عصبيته...
أدخلها لغرفتها في الكوخ بناء على تعليمات كلثوم، ثم لحقه عزيز بعطر قوي، وضع يده خلف رأسها واليد الأخرى يرش بها العطر جانب وجهها، رغم شحوب بشرتها كانت جميلة جدا، بأنفها الدقيق وبشرتها الصافية.. وفمها المكتنز ، ما أن وصل إلى عينيها ....حتى فتحتهما، واكتمل الجمال...
نطق بهمس "سبحان من خلقكِ"
توضحت لديها الرؤيا فلاحظت عيون سوداء تنظر إليها في انبهار... لم تستطع كسر تعويذة عيونه كأنه سحرَ عينيها فلم تعد تستطيع أن تبتعدا عن مدار عينيه، لكن إدراكها أنها كاشفة الوجه أمام غريب جعلها تبتعد و ترفعُ جزءاً من إيزارها لتغطية وجهها، تنحنح أنير وخرج، بقيت معها كلثوم وساعدتها على الاستحمام وتناول فطورها، أعطتها مسكناً ونامت...

بعد استيقاظها، أخبرتها أن القايد يطلب رؤيتها، وسيتغذيان سويا في غرفته...

ما إن دلفت حتَى سألها عن الإصابة فأخبرته أنها سقطت، لا تريد أن تكون سببا في الخلاف بين خالها والقايد، في الليل نامت بجوار كلثوم في الكوخ والرجال ناموا في المنزل...

في الصباح الباكر وبعد خروج إيلودي من عنده لرؤية صديقتها آنيا في الحديقة، نادى على ابنه، وطلب منه أن يأخذها إلى الطبيب وسوف ترافقها كلثوم وعزيز بالطبع... ما أن عرفت آنيا أنهم سيذهبون إلى المدينة، حتى نهضت لتستأذن أمها لكي ترافقها وتحضر عدة مراجع تحتاجهم للدراسة فالامتحانات على الأبواب...
كان جالسا في الشرفة الصغيرة المقابلة للقرية يطالع الأخبار من جهازه الذكي... ألقى نظرة باتجاه القرية فلمحها قادمة باتجاهه يقصد باتجاه باب المزرعة، وقف ينظر إليها حتى دلفت إلى الحديقة، استقبلتها إيلودي وجلستا تتحدثان في كراسي مباشرة تحته، كان يسمع لحديثهما، فلما سمع أنها سترافقهم إلى المدينة، أسرع إلى غرفته يلم حاجياته ليرجع إلى المدينة، ودع العجوز وأخبر أنير أنه سيرافقهم، وركب سيارته ينتظرهم...
ركب السيارة وعزيز وكلثوم معه، ينتظرون صاحبة السمو أن تظهر، خرج وذهب إلى سيارة إيدر وبدأ يتحدث معه عن كل شيء ولا شيء، ثم سمع زمور السيارة، كان عزيز يستعجله الذهاب، ركب السيارة، وعدل المرآة لينظر مباشرة إليها، كانت ترتدي السواد ولا يظهر إلا عينيها، التي شدته إليها، أبعدت نظراتها وهمست لكلثوم شيئا، بعد أن أدار السيارة، سمع كلثوم تخبره إذا كان ممكنا أن يدلفوا على آنيا بنت أختها ليأخذوها معهم... تأفف أنير وعاود النظر إلى عينيها وهو يسألها
- "أين بيت آنيا؟"
لكن عزيز تكفل بإرشاده إلى الطريق... تبعهم بسيارته إلى داخل القرية، ولمح ملاكه تخرج من بيتهم البسيط وهي ترتدي سروال جينز أزرق غامق وضيق على ساقيها... مع بلوزة باللون الأحمر القاني طويلة إلى تحت الركبتين وحجاب أزرق غامق، وحذاء بسيط باللون الأحمر وتحمل حقيبة سوداء تتدلى على كتفها إلى ركبتها وفي اليد الأخرى هاتفها وتلوح لأهلها... أسرعت وركبت مع أنير... تمنى لو له كل الحق في جذبها واجلاسها معه في السيارة، أما الآن فليكتفي بالمشاهدة... ولكن أقسم أن الأمر لن يطول وستصبح له عاجلا أو آجلا...
كانت آنيا تثرثر منذ انطلقت السيارة حتى توقفت... لم تدع لأحد فرصة للرد عليها، كانت تسأل وتجيب نفسها، حتى عزيز لم يسلم منها... فقط أنير من اعتبر كسائق خاص... لا يسمع ولا يتكلم... بقدر ما أشعرته آنيا بالتسلية... بقدر ما أغضبت تلك الساكتة... فقط مرة أو مرتين سمع صوتها... وكانت تتأوه بين الفينة والأخرى...
وصلوا للمستشفى الخاص، الذي سبق أنير أن اتصل بهم لحجز موعد مع طبيب المفاصل... ما أن دخلوا حتى استقبلتهم ممرضة ودلتهم على غرفة الانتظار وأخذت معها إيلودي لعمل الأشعة ليدها... بعد مدة طلبت آنيا الإذن من عزيز لتذهب إلى المكتبة لتأخد بعض المراجع... فأذن لها على ألا تتأخر وأن تجيب على هاتفها فور أن يتصل بها... أجابت ب"حاضر"... قبلت خالتها وخرج دون حتى أن تلتفت إلى أنير... نص ساعة مرت، وبعد أن كان يهم برؤية الساعة من جديد، خرجت فاتنته صاحبة الرداء الأحمر... تبعها بنظره إلى أن وقفت على الرصيف تنتظر مرور سيارة أجرة... أوقف سيارته بجانبها وأنزل زجاج نافذته...
- "اركبي لكي أوصلك..."
تفاجأت برؤيته هنا... ياإلهي إنه مسترق النظر الأحمق!!
- "ابتعد من هنا، وإلا سوف أخبر زوج خالتي.. "
رد باستفسار:
-" من؟"
- "عزيز هو زوج خالتي... أقسم لن يعجبه الأمر وسيشكوك للقايد.."
- "وما رأيك في هذه القصة... تبعتكم إلى المستشفى فوجدتك محاطة بعدة شباب يحاولون التحرش بك..."
أردفت في صدمة.. إنه حقا مجنون!!
- "لن تجرؤ!! "
- "أجرؤ إن لم تركبي... مع ملابسك الضيقة كل شئ ممكن..."
نظرت إلى ملابسها... السروال نعم ضيق لكن البلوزة تخفيه... أخرجها من تأملها لنفسها صراخه:
- "إركبي!!"
لم تعي إلا وهي جالسة داخل السيارة... عم صمت طويل فقطعته:
-" إلى مكتبة قرطبة من فضلك.."
كانت على بعد شارعين لكنه سلك طريق طويلا لكي يمدد دقائق جلوسهما معا... حاول فتح حوار معها:
- "في أي كلية تدرسين؟"
-" ليس من شأنك!!"
-" كم عمرك؟؟ تبدين صغيرة جدا لتدرسي في الجامعة.."
-" ليس من شأنك!!"
- "ربما أنتِ كبيرة في العمر ولكن لكونك قزمة لا...."
لم يكمل جملته حتى ارتدت عليه تمسك المقود وهي تصيح:
- "أوقف السيارة اللعينة!! أريد أن أنزل!!"
ما جعل السيارة تخرج عن مسارها... لحسن الحظ أن الشارع فرعي وهو خال من المارة... أبعدت يديها عن المقود ما جعله يرجع تحكمه في السيارة:
- "أيتها المجنونة كدتِ أن تقتلينا"
ابتعدت قليلا، اعتقد أنها هدأت لكن ضربة على كتفيه ثم أخرى على رأسه جعله يدرك أن ثورتها لم تتنتهي بعد... أمسك بيديها بيده الحرة ليقول لها بصوت غاضب:
-" اهدئي!!"
صاحت بأعلى صوتها وهي تبعد يديها عن سجن يده:
- "لا أريد أن اهدأ، انزلنيييييييي!!"
يا إلهي ما هذه الثائرة مجرد كلمة تفعل بها الأعاجيب... أوقف السيارة... فاعتقدت أنه أذعن لطلبها... حاولت النزول لكن الباب لا يفتح... فلاحظت أنهما أمام المكتبة...
ضغط على زر فتح لها الباب قائلا:
- "اذهبي.. سأنتظرك هنا.."
أخذت ما تحتاجه... التفتت فرأت إيدر يتكلم على الهاتف ووجهه ينظر للجهة الأخرى... لحسن حظها كانت سيارة أجرة تنزل طالبين أمامها... تقريبا أسقطت نفسها داخل السيارة، وبسرعة أنزلت رأسها كيلا يلمحها وأعطت السائق عنوان المستشفى...
مل من الانتظار... أرسل بصره إلى واجهة المكتبة كانت خالية من صاحبة الأحمر القاني... ضرب المقود وقد أدرك أنها استغفلته، عندما كان يتحدث مع أنير عن حالة إيلودي... اتجه بسرعة إلى المستشفى وهو يتوعدها بأشد العقاب...








...........

سبنا 33, Nana.k, Msamo and 1 others like this.

ملاك علي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 29-03-18, 09:14 PM   #26

basama

? العضوٌ??? » 385098
?  التسِجيلٌ » Nov 2016
? مشَارَ?اتْي » 221
?  نُقآطِيْ » basama is on a distinguished road
افتراضي

بسم الله الرحمن الرحيم
روعة دمتى مبدعة


basama غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 29-03-18, 10:27 PM   #27

ملاك علي

كاتبة في منتدى قصص من وحي الاعضاءوقلم مشارك بمنتدى قلوب أحلام وحارسة سراديب الحكايات

 
الصورة الرمزية ملاك علي

? العضوٌ??? » 412135
?  التسِجيلٌ » Nov 2017
? مشَارَ?اتْي » 1,270
?  نُقآطِيْ » ملاك علي has a reputation beyond reputeملاك علي has a reputation beyond reputeملاك علي has a reputation beyond reputeملاك علي has a reputation beyond reputeملاك علي has a reputation beyond reputeملاك علي has a reputation beyond reputeملاك علي has a reputation beyond reputeملاك علي has a reputation beyond reputeملاك علي has a reputation beyond reputeملاك علي has a reputation beyond reputeملاك علي has a reputation beyond repute
افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة basama مشاهدة المشاركة
بسم الله الرحمن الرحيم
روعة دمتى مبدعة
حبيبتي سعيدة بمرورك الرَائع


ملاك علي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 30-03-18, 09:13 PM   #28

ملاك علي

كاتبة في منتدى قصص من وحي الاعضاءوقلم مشارك بمنتدى قلوب أحلام وحارسة سراديب الحكايات

 
الصورة الرمزية ملاك علي

? العضوٌ??? » 412135
?  التسِجيلٌ » Nov 2017
? مشَارَ?اتْي » 1,270
?  نُقآطِيْ » ملاك علي has a reputation beyond reputeملاك علي has a reputation beyond reputeملاك علي has a reputation beyond reputeملاك علي has a reputation beyond reputeملاك علي has a reputation beyond reputeملاك علي has a reputation beyond reputeملاك علي has a reputation beyond reputeملاك علي has a reputation beyond reputeملاك علي has a reputation beyond reputeملاك علي has a reputation beyond reputeملاك علي has a reputation beyond repute
افتراضي







الفصل السا بع :



ما إن دلفوا الى المستشفى حتى استلمتها ممرضة من كلثوم، اشارت لها هذه الاخيرة ان تذهب، فأذعنت....وصلوا الى غرفة الكشف...كشفت عن يدها للممرضة، اخذتها بين يديها برقة تنظر لملامح إيلودي المتألمة بشفقة " ستكونين بخير" قالت و هي تطلب منها ان تنتظر قدوم الطبيب المختص.

يستند على الحائط المقابل لغرفة الكشف، رأسه تعج بعدة أفكار لاَ أول لها و لا اَخر...عندما طبيباً... من ملامحه يظهر انه اجبني، و نظرة غرور تظهر على عيونه و طريقة مشيته و كأنه سيد زمانه، تقدم باتجاههم، وقف قليلا امام الباب... نظر إليه ثم دلف، هل هذا المتبجح هو من سيعالج ايلودي، احس باحساس حارق في جوفه و لم يفكر مرتين و هو يقول لكلثوم
-" كلثوم، ادخلي عندها"
-" لكن سيدي..." اجابت رافضة
-" قلت ادخلي او سأدخل انا" و اتجه نحو باب الغرفة و فتحه بدون استئذان، كان الطبيب يمسك بكف ايلودي و يمسدها بلطف و هو ينظر الى عينيها مبهورا، بشفافيتها فيظهر فيها الامها، كان يسألها بعض الاسئلة و هي تجيب وهي غافلة عن نظراته.
لم يستحمل انير المنظر، وهو يسأل بعنف بلغة فرنسية سليمة " الا توجد طبيبة في هذه المستشفى؟ " ارتد الطبيب من عنف نبرة انير ... اما ايلودي فسحبت يدها بعيدا كانها ضبطت بجرم.

حاولت الممرضة تهدئت الوضع و اخبرته ان الدكتور مايكل من افضل الاطباء، لكنه لم يبالي و هو يطلب لقاء مدير المستشفى، ما إن ذكر اسم " بولخير " حتى اسرع يطلب طبيبة صُدف انها في اجازة.

دخلت اَنيا بسرعة الى المستشفى باتجاه غرفة الكشف، ووجدت جلبة داخلها، و زوج خالتها يحاول تهدئة ذاك الغاضب على الدوام، لم تهتم بالسؤال عما حدث، بل تسللت عبر الاجساد الواقفة في الباب و دخلت الى حيث ايلودي و خالتها تحاول تهدئتها، و صُراخ انير يملأ المكان " مهرج " نطقت بهمس لم يسمعه الا ايلودي التي ابتسمت على الرغم من مصابها، لم تمر الا خمس دقائق و المهرج الثاني يدخل الغرفة.

ادار عينيه في الغرفة فلمحها تنظر اليه نظرات انتصار، لن يكون ايدر القاسمي ان لم يمحي قريبا ابتسامتها و يعرف طريقة فعالة لذلك، و هويحدق بعيون ترفض إطلاق سراح ... ابتسم لها و هويتخيل كيف سيكون طعم شفتيها، احست بموجة ساخنة تضرب وجنتيها، " مغرور، فاسق" تمتمت بصوت هامس و هي تبعد نظراتها عنه.

عرف انها فهمت مقصد نظراته و تحرك شفتيها ما هو الا شتيمة موجهة له، ابعد نظراته باتجاه مدير المستشفى الذي مد يده اليه" استاذ القاسمي مرحبا بك، نعتذر عن سوء الفهم" ثم اتجه بانظاره لانير " و نتمنى من السيد بولخير، ان يغفر زلة المشفى، فلم نكن نعلم ان حرمه منقبة"
قاطعه دخول ممرضة و هي تقول " سيدي الطبيبة على وصول"، ثم استئذن وخرج، فتبعه الطبيب الاجنبي و هو يغلي و وجهه احمر من الغضب.

بقي في الغرفة كل من عزيز و زوجته، انير و ايدر، ثم ايلودي المطئطة رأسها، و آنيا التي لم تنزل نظراتها الغاضبة تارة موجهة لانير الغير مبالي، وتارة لايدر الذي يقابلها بابتسامة و نظرة غير بريئة و اسنانه تضغط على شفته السفلى، " مهرجّان" نطقتها بصوت مسموع و لم تهتم بصيحة خالتها، ولا لنهر عزيز قائلا" تأدبي يا فتاة" ولا لضحكة ايدر و ايلودي. وحده انير الذي لم يسمع، فعينيه على صاحبة السواد المطئطة رأسها و عقله مع كلمة " حرم"، للان لا يجد سببا لتصرفه اللاحضاري بالمرة، ربما لانه يعتبرها مثل اخته فقادته حميته لهذا التصرف، من تخدع انير، فلطالما قابلت اختك سابين بثياب تكشف اكثر مما تغطي و في احضان حبيبها، لا ينكر انه تدخل مرة فاخبرته انه ليس من شأنه، فتراجع، لكنه لم يكن عنيفا مثل الان ربما لان ايلودي يتيمة وليس هناك من يأخد باله منها ليس كاخته، فهناك ابيها و امه، اقنع نفسه ان هذا هو السبب، مجرد شفقة منه، ايلودي، لم يرها كثيرا في حياته، كانت تتجنبه، خصوصا بعد حادثة امي فطوم، فلن ينكر انه قسى عليها، لكن شئ في هشاشتها يستفزه ويجبره على اذيتها عسى ان تخرج عن طورها، و تقاتل، ليرى بنفسه ما تقصده امها ب" ساحرة شمطاء ذو شعر احمر"

....لم يشعر الا و كتلة بالكاد تصل الى خصره تصطدم به، و تختبأ خلفه، لم يستوعب بعد من تكون واذا بإمي فطوم تدخل من الباب الكبير و هي تتكأ على عكازها، و تبدو غاضبة، ابتسم انير للعجوز التي لم تتوقف عن البحث يمينا و شمالا، اقترب منها بصعوبة فقد كانت ايلودي تتشبث بجلبابه و تجره إلى الخلف كيلا يقترب من العجوز، قالت إمي فطوم بوجه محتقن غضبا:
- "اين هي المشاكسة الحمقاء، اقسم ان لم تبتعد عن دجاجي سأقطعها اربا و اطعمها للكلاب" شقهت ايلودي فزعا و هي تتشبث اكثر بملابس انير من الخلف، انير وهو يحاول ان يبدو طبيعيا، إذن ايلودي تحاول النفاذ من عقاب إمي فطوم

- " مالذي فعلته هذه المرة إمي فطوم؟" تساءل أنير
- " ارسلت ابن خدوج ليحضر لها بيضا من خمي، هل تصدق من اسبوع و انا انتظر ان يفقص البيض، و بكلمة منها و ضربة عصى من الولد المشاكس اجبرا الدجاجة على ترك بيضها" قاطعتها ضحكة فاعتقدت في بادئ الامر انها من انير، لكن ملامح انير -الذي كان يحاول ان يحافظ على جدية ملامحه و مغالبة ابتسامة تنوي الظهور على شفتيه- لم يكن يضحك، فجأة احس بضربة على خصره كانت قوية من عجوز تجاوزت الثمانين، صرخ انير لتفزع إمي فطوم
-" اعتذر ابني اقسم انني اردت ضرب يدها التي كانت ظاهرة، و المشاكسة ابعدتها في اخر لحظة"
تصنع انير الالم اكثر، و تمتمت العجوز شيئا عن كونها نسيت الطعام فوق النار، و ذهبت مهرولة، اما الصغيرة فبمجرد ما رأت العجوز تخرج من الباب حتى زفرت بارتياح فهَمت ان تهرب باتجاه البيت الا ان أنير امسك طرف جديلتها الطويلة و جرها بقوة الى ان سقطت على مؤخرتها.... صرخت بالم و هي تمنع دموعها من النزول، رفعت رأسها لترى جسم كبير فوقها و اشعة الشمس تمنعها من تبين ملامحه، كان يبدو كوحش بالنسبة لفتاة في الخامسة، نزل الى مستواها ثم امسك بأذنه بقسوة وجرها معه لتقف، كانت تصيح من الالم، و دموعها تجري على وجنتيها، ثم صاح
-" لا اريد سماع صوتك وافتحي عينيك" و كرد طبيعي على امره فتحت عينيها الفيروزية لتقابل عينيه الزرقاء " أقسم، ان سمعت انكِ، فقط فكرت في عمل مصيبة اخرى، سأعلقك من اذنيك على تلك الشجرة" تتبعت نظراته الى شجرة صفصاف طويلة، كان يحدق في ملامحها البريئة، كانت تبتلع لعابها و هي تنظر الى الشجرة و تتخيل نفسها معلقة من اذنيها،
-" هل هذا مفهوم؟"
- "نعم" اجابت بهمس من شدة الخوف.
اطلق صراح اذنها التي اصبحت حمراء جدا، فهربت من امامه و هي تمنع شهقاتها من الخروج كما امرها.

كانت ايلودي تغوص في نفس الذكرى، بعدها لم تعد تلك المشاغبة، فمنذ ذلك اليوم و طوال 12 سنة توققت عن التصرف بطيش، خوفا ان يصله خبرها حتى و ان كان على بعد الاف الكيلومترات، ربما كانت هذه الحادثة بداية تنازلها عن حقها، فقد كانت سليطة اللسان و اي شئ يجعلها تشتعل، لكن بعد الحادثة تغيرت نظرت اليه طويل، عضلاته اصبح ظاهرة ولحيته الكثيفة غيرته، و شعره الطويل قليلا و قد دمر تسريحته من كثرة ما مرر اصابعه عليه، كان ضخما و ازداد ضخامة كان سارحا هو الاخر، ينظر باتجاهها، انزلت عينيها بسرعة وهي تفكر في عصبيته منذ قليل، لم تحاول تفسير تصرفه، فانير هو انير، دائم التجهم يبحث عن اتفه الاسباب لكي يصبح عنيفا. تأففت حقا لم تعد تريد مداواة يدها، نظرت الى آنيا الغاضبة، كرهت اللحظة التي طالبت فيها المساعدة، اوقف سيل افكارها، صوت آنيا و هي تنعت انير وإيدر بالمهرجين، ابتسمت فهذه هي آنيا، مندفعة و لا تفكر في العواقب، ما تفكر به تترجمه في الحال، حتى لو كانت شتيمة، لطالما غبطتها لجرأتها و اندفاعها و تصنعها القوة، وكانت مقنعة جدا.... دخلت طبيبة شابة، تتبعها ممرضة، و طلبت هذه الاخيرة من الجميع مغادرة الغرفة.
اخبرتها الطبيبة ان يدها بخير، و لم تتعرض للكسر، فقط التواء شديد لاصبعين و تضرر لعصبة اليد و تحتاج للراحة التامة، واخد بعض الادوية الضرورية، اما بالنسبة للاصبعين فقد وضعت لهما دعامة ثم لفت اليد في شرشف طبي.

طول وقت جلوسهما بانتظار خروج ايلودي من عند الطبيبة وهي تحاول الا تنظر باتجاهه، غاب قليلا و تساءلت الى اين ذهب،" وما شأنك به آنيا، و توقفي عن اختلاس النظر اليه كل ثانيتين" نهرت نفسها، وقف امامها و هو يمد لها بالقهوة، ولاحظ ان مراجعها كلها مراجع اقتصادية للفصل الثالث، اذن القزمة تدرس في العام الثاني شعبة الاقتصاد، رفضت رفع رأسها، ما جعله يقول
-" آنيا، القهوة"
رفضت قبولها بهزة رأسٍ و نظرة مصرة، فصاحت بها خالتها
-" يبدو ان اختي لم تعلمك الآداب"
تأففت آنيا و هي ترفع رأسها وتأخد الكأس البلاستيكي من يده و هي ترسم ابتسامة مصنطعة و هي تضغط على كل حرف تخرجه
-" شكرا لك"
-" لا شكر على واجب، آنيا" ابتسم ابتسامته الجميلة و هو ينطق اسمها يتأن، اسرعت بإبعاد يدها حتى كادت القهوى ان تنسكب عليها " الغبي، تعمد ان يلمس يدها"
-"احذري" و بحركة جريئة امسك يدها بكل حميمية، من ينظر من بعيد يعتقد انه فقط يمنع كأس القهوة من الاندلاق عليها، ولكنها اكثر من ذلك، كانت يدها باردة مقابل يده الساخنة حد الغليان كسائر جسده من المشاعر التي يحس بها اتجاهها....و ناعمة كنعومة اطفال مقابل يده الخشنة....لم يستطع الا ابعاد يده كمن لُسع، تمتم بصوت مرتفع انه يجب عليه الذهاب لامر ضروري، اومأ برأسه للموجودين و فر هاربا، ما ان لسعته برودة الجو حتى تنفس الصعداء، يَا إلهي مالذي يحدث معه؟؟!! ، لو لم يسرع بالخروج لافتضح شدة تأثره او لاختطفها لأقرب مأذون و تكون ملكه اليوم قبل الغد، "ماذا يحدث معك ايدر،بعد عدة سنوات، من اقصاء فكرة الزواج من عقلك، فتاة بضآلة حجمها و صغر سنها تسقطك في حبالها، ربما لو تزوجت صغيرا لكانت عند فتاة بسنها، وانت الان في 32، و تجعلك فتاة بحجم عقلة الاصبع تحس كانك مراهق غر" ضحك ياترى ان سمعت لقبها الجديد، كيف سيكون تصرفها؟ ...لا يريد حتى تخيل ذلك، ركب سيارته و بحث على موقع البحث عن اغنية احبيني لكاظم الساهر:
احبيني بلا عُقدٍ...

في السيارة الاخرى
كان الصمت سائدا، الا من المغني المفضل لدى انير، توقفت السيارة، ثم طلب منهم أنير ان يخرجوا لتناول الغذاء، كان المطعم انيقا جدا، وهو خاص بالمؤكولات البحرية، و يطل على البحر، نادى انير النادل ثم اختار طلبه و امرهم ان يطلبوا غذائهم ريتما يتصل بايدر ليلحق بهم، فبيته قريب من المطعم،ولم يلحظ نظرات آنيا التي ظهر عليها الاهتمام ما ان ذكر اسم ايدر، واحست باحباط عندما عاد انير وهو يخبرهم انه مشغول، ولن يستطيع القدوم.
بدأ الكل يأكل الا ايلودي التي لا تحب المأكولات البحرية، لما لاحظ انير ذلك، انزل شوكته و سألها:
-" لماذا لا تأكلين؟ "
-" لطالما تكره المأكولات البحرية"اجاب عزيز بدلا عنها
-" كان يجب ان تخبريني، ماذا تريدين ان تأكلي؟، و ارجوك عزيز دعها ترد بنفسها"
- " لا شئ" همست
- "لاشئ ليس صالحا للاكل، هيا اسرعي فلا وقت لدي لأضيعه"
انطلقت ضحكة آنيا لرده الساخر، و تفاجأ الكل بضحكتها في هذا الجو المكهرب ، رمقتها خالتها بنظرة غاضبة، فقالت آنيا
-" ماذا؟ كان ذلك فعلا مضحكا" سكت الكل ينظر اليها ثم اردفت بخجل " آسفة" و انزلت رأسها تأكل من طبقها.
اما أنير فكان ينتظر رد ايلودي، بعد الحاح من كلثوم اختارت بيتزا، ارسل انير نادل ليحظر طلبها خارجا مقابل اكرامية ضخمة.

******

ما ان وصل الى المنزل، حتى اسرع يتصفح بريده الالكتروني، منذ اشهر عميد كلية العلوم الاقتصادية ارسل له طلب لتدريس الماستر في كلية العلوم الاقتصادية، ورد عليه بأنه لا يستطيع نظرا لضيق الوقت، خصوصا ان انير سيفتتح فرع لشركته للبناء في المغرب و طلب منه مشاركته بالمناصفة على ان يتولى هو الادارة، اشهر فقط ويتم افتتاحها، مما اجبره على تقليص ساعات محاضراته و كذا قلل من اسفاره من اجل الدورات التكوينية التي يقوم بها لفائدة المستثمرين المبتدئين، لكن لا ضير في ساعة او ساعتين في الاسبوع، و كشرط لقبوله سيطلب تدرس الفصل الثالث، و سيتعذر فالدراسات العليا تتطلب جهدا و التفرغ التام و هو معروف بانشغاله الكبير.... كل ذلك من اجل ان يكون من قزمته الفاتنة.
صوت وصول رسالة من تطبيق skype، ازعجه، انها رسالة من تانس، فتح الكاميرا و ظهرت اخته بشعرها المجعد اللولبي
-" يالهي تانس، يوما ستصيبين احدهم بازمة قلبية، متى لم يرى شعرك المشط؟"، همست تانس وهي تمرر بسعادة يدها على شعرها الكثيف فتختفي نصف يدها داخله
-" منذ اسبوع تقريبا، تعرف ان المشط لا يلائم ذوات الشعر المجعد مثلي، اذا مررتها عليه، سيصبح كمنفضة امي القديمة، على ذكر امي رحمها الله، هل ذهبت الى المنزل مؤخرا"
تذكر ايدر انه مر اكثر من شهر منذ كان هناك، و يفكر جديا في بيعه، و اخراج ثمنه كصدقة جارية على روحهما،
-" لا مر كثير على اخر زيارة، كنت افكر في بيعه و التبرع بثمنه، لو كان سيصلح للسكن كنت وهبته لاحدهم، لكنه آيل للسقوط فاغلب المنازل هناك متشققة و بعضها قد سقط فعلا"
قبل عام من موت امه، انتقلا من المنزل القديم لشقة كبيرة اشتراها ايدر لهم.
-" هل تعلم ان دنيا قد تطلقت؟ " اردفت تانس
-" ماذا؟" اجاب بصدمة
-" نعم، منذ ستة اشهر، واظن انها تحاول استمالتي لاخبرك انها مازالت تحبك"
ضحك ايدر، فأخته لا تعرف المراوغة، ضحكة تحمل المرارة اكثر من الاستهزاء "و قد نجحت فعلا في استمالتك، تحبني!! بعد ماذا؟ بعد ان استبدلتي برجل اغنى مني، اخبريها ان من باع مرة لا شئ يردعه ليكرر الامر مرة اخرى" ثم غير الموضوع
-" متى امتحاناتك "
-" اخبرتك من قبل ان الإدارة لم تحدده بعد، ربما في اواخر الشهر ابريل، اي بعد ثلاثة اشهر"
-" حسنا. كيف حال الشقيتين، و هل يعذب الوحام عبير كثيرا؟ "
-" لا يا حبيبي انا بخير، و ابشرك ستصير خالا لتوأم آخر " قالت عبير و هي تحاول الجلوس امام الحاسوب الموضوع ارضا و تانس نائمة على بطنها امامه، لكن بطنها الكبيرة لم تترك لها المجال للرؤية، تذمرت فضحك كل من ايدر و تانس و الصغيرتين تتدافعان من سيحكي اولا مع خالها
- " مبروك حبيبتي، ان شاء الله ذرية صالحة"
- " متى سنفرح بك ايدر" سألت بإلحاح
- " قريبا جدا حبيبتي، قبل ان تبدئي بأسئلتك، لم اجدها بعد، لكن فكرة الزواج تراودني " اجاب ايدر و صورة قزمته المثيرة و الشهية تتقافز الى ذهنه.
- " أنت تستحق، فتاة من خيرة الفتيات، فقط اعطينِ الضوء الاخضر و سأجد لك بكرا، تكون لك خير الزوجات"
فهم انير ما تلمح له اخته بذكره " فتاة بكرا"، و اجابها و هو يسعى لاطمئنانها
-" لا تقلقي، دنيا انتهت من حياتي للابد "
زفرت عبير و تمتمت داخلها" لكنك لم تنتهي من حياتها، ودنيا ان وضعت مخططا نصب عينيها تسعى دائما لتحقيقه ولو بطرق ملتوية"
- "حفظك الله حبيبي من كل شر"
-" سأغلق الان، السلام عليكم "

يسعى دائما لاحساس اختيه انه قريب منهما، اذا احتاجتاه بلمح البصر سيكون عندهما، تذكر ان يسجل في مفكرة هاتفه ان يرسل لعبير هدية تليق بالخبر السعيد، ففضلها عليه لن ينساه ابدا، فيكفي انها ابقت اخته معها، لو كانت معه لن يعرف كيف سيتصرف معها، ببساطة عبير هي امهم الثانية.

******

وصلوا الى القرية في مقربة العشاء، بعد ان اوصلوا آنيا لبيتها، اتجهوا الى المزرعة، دلفت ايلودي مباشرة الى غرفة القايد قبل ان تذهب الى الكوخ لتستريح، و جدته ينتظرها، قبلت يديه و جلست بجانبه، بعد ان سألها عن يدها و ما قاله الطبيب، قال لها :
-" لقد حضر خالك لرؤيتي، و يريد منك ان ترجعي الى البيت عند عودتك"
ظهرت دموع القهر في عيونها، و هي تدعي في سرها" يا رب لا تجعلني ارجع الى ذاك المنزل، يااارب"
نظر الى امانة حبيبته تدوي امام عينيه، سامحيني لم استطع حفظ الامانة، لولا التقاليد و الاعراف لما ترتكها تغادر تحت جناحه ابدا لكن للتقاليد سلطة لا يعلى عليها، احس بغضب كبير لولا كلثوم التي قصت عليه الامر لمات وهو يعتقد انها تعيش مرتاحة.

-" لماذا لم تخبريني ان زوجة خالك تضربك تحت مرأى خالك؟ الا تثقين في اني استطيع حمايتك؟"
-" ليس هذا، انا فقط اتجنب المشاكل" اجابت بهمس
- " و دراستك الجامعية، اخبريني دائما اراك هنا و ليس في المدينة، لولا انني من تكفل بتسجيلك لصدقت انك منقطعة عنها"
- " جميع الدروس عندي، آنيا تحضرهم لي كلما نزلت الى المدينة، فقط ليس هناك وقت للمذاكرة، فانا دائما مشغولة"
ضرب القايد الطاولة التي امامه بعنف، ما جعل ايلودي تفزع، " هل تدمرين وصية امك لانك لم تستطيعي تنظيم وقتك؟، اذا نسيت قيمة فاطمة باهمالك لدراستك فانا لن انسى، غدا سيذهب محمد ليبحث عن شقة للكراء قرب الجامعة، و ستذهبين انت و آنيا للسكن هناك في فترة الامتحانات، الجامعة الان في عطلة؟" سأل
-" نعم، عطلة للتحضير للامتحانات" اجابت بصوت مخنوق بالدموع
-" حسنا، من الان فصاعدا لا اريد ان ارى وجهك في القرية في فترة الدراسة، عميد كلية الاداب صديقي، و سأخبره ان يعلمني بكل تحركاتك، اعتقدتك اهلا للمسؤولية لكنك خيبت ظني" سكت ثم اردف " تصبحين على خير، اغلقي الباب وراءك"، خرجت وهي لم تستطع كتم نحيبها، اخر شخص يهتم بها قد خيبت ظنه باستسلامها المرضي، مسحت دموعها بشئ من العنف و نظرة التصميم ترتسم في اعينها.
يعرف انه آلامها، لكنه لا يستطيع ان يبقى متفرجا وهي تدمر مستقبلها بإنطوائتها و استسلامها لتسلط الغير، فهي تعتقد ان عدم الدفاع عن نفسها سيجعل الاخرين لا يلمحونها و بالتالي سيكفون عن اذيتها، لكن النفس الطيبة كنفسها لن تستطيع التكهن بالخبث الموجود في بعض النفوس مما يجعلها تهوى رؤية نظرة الالم و الانكسار في اعين ضحيتهم والتي تكون غالبا بنقاء كنقاء ايلودي.

******
لم يقصد ان يستمع الى حوارهما في البداية، لكن بمجرد ان سمع انها تتعرض للأذى، وان اصابتها ناتجة عن فعل فاعل، حتى احس انه يريد ان يؤذي من اذاها، امرأة كانت او رجل، المهم ان يأخذ بثأرها.
سمع اباه تقريبا يطردها من غرفته، فتنحى الى زاوية مظلمة ينظر اليها و هي تبكي مستندة على بَاب الغرفة ثم استجمعت شتات نفسها و غادرت، ما إن اراد التحرك حتى سمع رن هاتفه في جيبه، اخذه فوجده والده، اجاب:
-" نعم ابي؟"
-" تعال، اريدك في موضوع مهم، لا يقبل التأجيل"
دخل انير لغرفة والده وجلس بالكرسي الذي كانت ايلودي تحتله، كان والده مغمض العينين، حتى انه اعتقد انه قد غفى، ثم سمعه يقول :
- " بعد طلاقي لامك، و التي اهانت رجولتي حتَى اعتقدت انني لا اصلح كرجل، فلو كنت رجلا بحق لكنت استطعت ان انسيها في حبها القديم، وليس ان اضبطها تخونني في عقر داري بمكالمات تحمل مشاعر انا اولى بها، شككتني في نفسي لدرجة عفت نفسي و عفت جنس حواء، وبعد الطلاق باسبوع كنت قادما من صلاة الفجر اذا بامرأة متشحة بالسواد توقفني، و تطلب مني ان انقذها من مصير اقسى من الموت، كانت قد ولدت من اسبوعين و عائلة زوجها تهدد بأخد طفلتها، واخوها يهدد برميها على عجوز ضعف عمرها مرتين صدف فقط انه غني، اذكر انها وضعت بين يدي لفافة بيضاء لطفلة لم تكمل بعد شهر من عمرها، فتحت عينيها ورأيت اجمل عيون في حياتي، عيون كبيرة فيروزية آسرة.... نعم أسرتني منذ اللحظة الاولى، لم افهم ما تريده مني، فنزلت على ركبتيها ترجوني ان اتزوجها و ستكون خادمة لي مدى العمر، دون تفكير قبلت، وكانت حب حياتي نعم الزوجة و نعم الام، و احس كان الزمان يعيد نفسه، لكن ايلودي ليست بجرأة امها، لتأتي و تطلب المساعدة، هي تتألم بصمت و تنتظر ان يزول الالم.... " نظر عبد الجليل الى ابنه برجاء.
-" اليوم انا ذلك الاب المكلوم الذي يطلب منك الزواج من ابنته لتنقذها، بعد وفاة امها اخدها خالها بعذر انه لايجوز ان تسكن معي بدون عذر شرعي، و نسوا انني انا من رباها منذ اسابيعها الاولى، و انا الاب الوحيد في حياتها، عائلة خالها تقسو عليها و تمنعها من دراستها وحتى اصابتها لم تكن اثر حادت، بل زوجة خالها عاقبتها من اجل حفنة دراهم ارسلهم لها كل بداية شهر كمصروف" اراد انير ان يقول شيئا لكن والده قاطعه -" لا تقل شيئا الان، فقط فكر انه بعد ايام ستعود الى اميركا، و ستتركني وحدي، و الشخص الوحيد الذي يهتم بي بدون مقابل هي ايلودي، لهذا ارجوك ابني، امنحها عذرا شرعيا لتسكت افواه سكان القرية، و تاتي لتعيش معي، فهي امانة في عنقي ليوم الدين سيسألني عنها الله قبل فاطمة" سكت عبد الجليل، ثم استدار على جانبه معطيا ظهره لابنه، وقد عرف انير ان اباه خجل من ان يرى ابنه دموعه، وما اقسى دموع رجل لا حول ولا قوة له..... غطاه انير و قبل رأسه ثم تمت " لك ما تريد ابي" و اطفأ الضوء و خرج، ابتسم عبدالجليل و هو يتمتم " من شابه اباه فما ظلم"

******
بعد ان وافق على طلب اباه، و الذي اصر على اعطائه يومين كمهلة تفكير لم يستطع النوم فخرج الى الشرفة يفكر في صحة قراره، لكنه لم يستطع ان يرفض طلبا لوالده خصوصا بعد خصام دام لسنوات من طرفه، و احس في لحظة بالغيرة من علاقة ايلودي بابيه، و تذكر قديما عندما وصفها بالابنة البارة عكسه، لا لم يتسرع خاصة بعد ان لمس في ما قاله ابوه حقيقة واضحة فهو بعد انتهاء عطلة الكريسماس سيرجع الى حياته و الى شركته و هوايته تصميم المباني، و سيترك اباه وحيدا، من الافضل لو تعيش معه ايلودي و تهتم به، و هو لن يعتبرها زوجة مجرد اخت من ام مختلفة فزوجة ابيه الخالة فاطمة كما يناديها كانت طيبة جدا، و تستحق منه ان ينقذ ابنتها كما انقذت والده...استسلم للنوم في الشرفة و هو راض كل الرضى عن صحة قراره.

******

كانت تنام في غرفة صغيرة في الكوخ، يبدو انها غرفة اطفال، و للاسف عزيز و كلثوم لم يرزقا بهم، تذكرت كيف كانت ترضى بالذل منذ وفاة امها، و تسكت لضرب زوجة خالها لها، ما كان يطمنئنها انها كانت متفوقة في دراستها، لكن بعد انتقالها الى الجامعة اصبحت متكاسلة، لدرجة ان لولا القايد عبد الجليل من سجلها بنفسه لم تكن ستفعلها بنفسها، كانت ستؤجل الامر الى ان تغلق فرص التسجيل،
يجب عليها ان تعيد حياتها الى نصابها الصحيح، بداية لن تقبل بالذهاب عند خالها وستعيش مع آنيا او تنتقل الى المدينة، و عمها سيتكفل بمصاريفها الى ان تتخرج و تشتغل، حتى هوايتها التي تعشقها تركتها، فقد كانت منذ صغرها عندما تختلس النظر الى انير في الشرفة او في الحديقة كانت تراه يقرأ، و نظرة الانبهار ترتسم في عينيه، كفضول طفلة شقية اقتربت تنظر الى ما يقرأ، وقفت وراءه تنظر الى كتاب مكتوب بطلاسيم غير معروفة لها و اشكال غريبة، دائما كانت تتساءل مالذي يجعل انير في قمة انبهاره، فعرفت انها الهندسة المعمارة، فعندما علمت ان شغف انير جعله واقع ملموسا وتخرج كمهندس معماري، عندما يتحدث عنه ابوه كانت نظرة الفخر تظهر على عينيه و طريقة حديثه، وهذا ما تبحث عنه ان يتحدث عنها القايد و امها بفخر، اعتكفت لاكثر من يومين في غرفتها، تبحث عن شئ تعشقه لتتبعه في مسار دراستها، لدرجة ان امها و عمها قلقا عليها من المرض، في اليوم الثاني جلس قربها عمها قائلا:
-" ألم تجدي بعد شيئا تعشقينه؟"
-" لا ليس بعد" اجابت بإحباط
-" انا اعرف ما تعشقين و ما يجعل اعينك تلمع" اجاب القايد بثقة
-" حقا؟ ، ارجوك ابي اخبرنيييي" تعلقت بعنقه، و هو احس كانه ملك الدنيا و ما فيها.
-" انت تعشقين القراءة، فاول شئ تطلبينه مني عند ذهابي الى المدينة، هي القصص المصورة" اجابها
-" نعم بالطبع، شكرا بابا" شكرته بقبلة كبيرة على وجنته و ذهبت تركض الى خزانتها الصغيرة، و اخرجت جميع قصصها المصورة، و منذ ذلك اليوم و بمساعدة ابيها اكتشفت ولعها بالقراءة، ثم بعدها بسنوات بتعلم اللغات الفرنسية و الانجليزية،خصوصا و امها دائما تحرص على تذكيرها باهمية الدراسة خاصة للبنات. في الجامعة اختارت تخصص الادب الانجليزي، الذي يخولها ان تمارس هوايتها و تحقق مستقبلها... ودائما القايد عبدالجليل يساندها حتى بعد موت امها لكن، بماذا جازته؟ بالخذلان وبشدة، وضعت يدها في فمها منعا من خروج صوت بكاءها، وبعد فترة طويلة من البكاء نامت من التعب.

******




..

سبنا 33, Nana.k, Msamo and 1 others like this.

ملاك علي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 30-03-18, 09:17 PM   #29

ملاك علي

كاتبة في منتدى قصص من وحي الاعضاءوقلم مشارك بمنتدى قلوب أحلام وحارسة سراديب الحكايات

 
الصورة الرمزية ملاك علي

? العضوٌ??? » 412135
?  التسِجيلٌ » Nov 2017
? مشَارَ?اتْي » 1,270
?  نُقآطِيْ » ملاك علي has a reputation beyond reputeملاك علي has a reputation beyond reputeملاك علي has a reputation beyond reputeملاك علي has a reputation beyond reputeملاك علي has a reputation beyond reputeملاك علي has a reputation beyond reputeملاك علي has a reputation beyond reputeملاك علي has a reputation beyond reputeملاك علي has a reputation beyond reputeملاك علي has a reputation beyond reputeملاك علي has a reputation beyond repute
افتراضي


اَنيا


الفصل الثامن:




اذن فلقد عاد من القرية و هو الان في المدينة، لكن الغبية تانس ترفض ان تمدها بعنوان منزله الجديد، او رقم هاتفه لم تندم ابدا في حياتها كندمها على الزواح بزهير، بهرتها حياته البراقة من الخارج و الصدأة من الداخل، لكن المال اعماها و اعتقدت انه سيعوضها عن الحب و الذرية، فقد اكتشفت انه عقيم، لكن هيهات وقد اصبح يفرغ فيها كل شحنات غضبه و نقصه، فتارة يتهمها انها السبب في عقمه، و تارة يتهمها برشوة مختبر التحاليل ليظهروه عقيما... كل يوم بقصة جديدة، المهم ان يجد سببا في ضربها.... لكن فترة العذاب قد ولت، و لن تستهلك تفكيرها قي شئ تافه كزهير و حياتها معه، بل ستسخره للمستقبل و كيف ستسرجع حبيب القلب إيدر، دلفت امها الى غرفتها

-" دنيا، انهضي لتساعديني، فلم تعودي ضيفة"
اجفلت و ابنتها ترمقها بنظرات نارية، نظرات تحمل البغض و الاتهام ثم تقترب منها بهدوء
-" ابتعدي عني اتقاءا لشري، فلم اعد تلك الفتاة الخنوعة التي تُشكلينها كيفما تريدين، فزهير لم يقتصر في تعليمي فنون التعذيب، وكما تعلمين انا تلميذة نجيبة، خصوصا مع من دمر حياتي"
قالت بصوت يحمل برودة الصقيع، ثم حطت اصبعها على صدر امها و ضغطت عليه بقوة
-" انت السبب في كل مصائبي، والان ابتعدي عنييييي"
هربت امها خائفة من الصورة التي ظهرت عليها ابنتها، كان شعرها الاسود المقصوف بطريقة عشوائية يحيط بوجهها و عينيها حمراء من شدة الغضب و البكاء، والهلات السوداء تحيط بهما، وهي تلطم خدها قائلة " انا السبب، انا السبب".

دخلت دنيا للموقع الازرق الشهير ، وادخلت اسمه في خانة البحث، لم سصعب عليها ايجاده بما ان له صفحة معترف بها، صورته الشخصية، أُخذت و هو يلقي محاضرة في مؤتمر عالمي، يبدو وسيما جدا، مذكور في الصفحة ان المشرف عليها هو مدير مكتبه المسؤول عن تنظيم رحلاته حتى رقم الهاتف له... بدأت بتصفح صوره كلها صور عملية، وتحت كل صورة انجازه بالتفصيل، كل الصور متشابهة تقريبا الا صورة حميمية اخذت بعد تسليمه ل جائزة تكريم في المانيا، امه و اخوته معه بجانبه الايمن مع زوج عبير، صديقه بجانبه الايسر، كانت عامين فقط بعد زواجها، ملامحه سعيده و نظرة فخر تعلو عينيه و كأنه يرسل لها نظرة شماتة، " أنظري الي،مازلت حيا بدونك"، اغلقت الحاسوب بقوة و هي تلعن نفسها يوم خانت عهد ايدر، لكنها ستستعيده، اقسمت على ذلك.


******

رغم حالته الجسدية... إلا أنه أجبر ابنه أن يصحبه معه لصلاة الجمعة في المسجد... على الرغم من أن المسافة قصيرة بين المسجد والمزرعة، إلا أنَّ أنير فضَّل أن يركبا سيارته حتى لا يتعب والده أكثر... أسنده أنير و عزيز داخلين به... أجلسه فوق كرسي مريح تكفل محمد مدير مزرعته باحضاره، لم يكد يجلس حتى التفَّ حوله جميع الرجال يتحمدون له بالسلامة، لينتشروا ما أن بدأت خطبة الجمعة...

بعد الصلاة تنحنح عبد الجليل كدليل على رغبته في إعلان عن أمر... إلتفت له الرجال وعم الصمت، كان أنير ينظر لوالده بتوجس... وهو يدرك أن وراء اصرار والده على القدوم أمراً ما... وقف بجانبه الأيمن...
لم يلتفت إليه والده وهو ينادي على ابراهيم خال إيلودي... لينطلق صوت عبد الجليل... الذي رغم المرض ما زال قوياً:
- "أيها الناس... اشهدوا أنني اطلب يد ابنتي إيلودي لابني أنير.. "ونظر إلى ابراهيم... ليكمل بنفس النبرة" وأنني صاهرت السي ابراهيم من قبل وكانت نعم المصاهرة، وأتمنى أن نحييها من جديد.."
ظهر الغرور على ابراهيم وهو يسمع القايد يشيد به...
- "هي ابنتك وأنت تعرف مصلحتها... أنت تأمر سيدي القايد... "
ابتسم القايد وهو يسمع اجابة صهره السابق...
- اذاً خير البر عاجله... موعدنا الليلة بعد صلاة العشاء... الكل مدعو للعشاء على شرف عقد قران أنير على إيلودي...

وقف أنير ساكناً... وكأن التبريكات والتهاني التي تضرب مسامعه والأيادي التي تمتد إليه، لا تعني له شيئا... نظر لوالده، الذي كان يركز نظراته عليه... نظرات امتنان واعتزاز... ليحرك رأسه كتحية خفية... ويقترب منه، ليسنده عائداً به إلى السيارة... دون أن يناقشه على تسرعه... فالموافقة سمعها منه اليوم صباحا فقط...

******

بعد صلاة الجمعة،

كانت إيلودي وكلثوم منهمكتان في تجهيز اللمسات الأخيرة لطبق الكسكس لتقديمه للرجال... دخل عزيز إلى البيت ونادى كلثوم... لتخرج من المطبخ باتجاه صوت عزيز... بعد مدة قصيرة عادت وفي عينيها دموع... سألتها إيلودي:
- "مابكِ حبيبتي؟؟ هل قال لك العم عزيز شيئا كدرك؟؟ "سألتها إيلودي برقة"
اقتربت منها كلثوم تعانقها بلهفة:
- "لا حبيبتي.. هذه دموع الفرح.."
نظرات الاستفهام احتلت ملامحها... لكن كلثوم أسرعت تجهز المائدة... قبل أن تسألها إيلودي...
كل مرة تلتفت إيلودي إلى كلثوم تجدها تنظر إليها ونظرة حالمة تترتسم في عيونها... لم تهتم كثيرا للموضوع وأنهمكت في تحضير الباقي للغذاء وتنتظر عزيز ليأتي ويحملها إلى الصالون الكبير...
بعد الغداء أمر عبد الجليل إيلودي أن تحضر له شايه إلى غرفته... فقد أحس أنه ليس على ما يرام من المجهود الذي بذله...
اقتربت منه إيلودي ووضعت كأس الشاي على المنضدة قربه... ليمسك يدها ويجلسها قربه:
- "عزيزتي.. هل تثقين بي؟ " أجابت بهزة رأسها ليضيف ".. إذاً فقد اتخذت قرارا وأرجو أن تطيعيني فيه..
- "تعلم أنني لن أرفض لك أمراً... إن كان على الدراسة فسوف أبدأ من اليوم... لكن أرجوك لا تدع خالي يأخذني من هنا... "
وضغطت بقوة على كفه تسترجيه...
- "لا تخافي... ما دمت حيا لن أدع أحدا يقترب منك بسوء... ولكي أجنبك الرجوع عند خالك... سأطلب منك قبول الزواج من أنير!! "
فتحت فمها في دهشة..
- "ماذا؟!!"
- "كما سمعتِ.. اليوم في المسجد طلبت يدك لابني من خالك وقد وافق... هذا هو الحل الوحيد لتبقي معي في البيت... على الرغم من أنه لن يستطيع أحد أن يشير عليك بأصبع وأنت بحمايتي... لكن تعرفين ما يقال خلف ظهرك... أنا لا أريد أن أسيئ إلى سمعتك وزواجك من أنير هو الحل الوحيد... "
-" لكن أنير.. لن يقبل أن يتم استغلاله من أجل مصلحتي... فهو يكرهني... "استطردت بسرعة.... و بشرتها تستحيل للون الأحمر من كلامها....فمهما يكون هو ابنه، و لن يحبه أكثر منها
- "أنير وافق بالفعل... وخصوصا أنه بعد أيام سيعود إلى أميركا لأشغاله... فلا يمكن أن يبقى هنا طويلا... فحياته تبقَى هناك... " سكت ينظر لاضطرابها ثم قال بفكاهة" ثم من أوحى لك بفكرة أنه يكرهك... هو فقط يغار من علاقتنا المتقاربة... يعتقد أنك أخذت مكانه.."
تمتمت دون أن يسمعها... و عيونها تنظر لسعادة القايد "ألهذا السبب جعلني أعيش في الرعب حين كنت صغيرة!!"
لم تستطع أن تتخيل أنير بحجمه يغار منها وابتسمت... ابتسامةٌ اعتقد القايد أنها دليل موافقتها... ليقول والسعادة تكاد تنبثق من عيونه... التي كاد الجلد المتهدل يغطيهما:
- "بعد العشاء سيتم عقد قرانكما... وعشاء الرجال سيكون هنا في البيت... يمكنك دعوة من تودين من القرية... أرسلي إلى آنيا أن تحضر لمساعدتكما في الوليمة أنت وكلثوم..."
- "كما تريد عمي.. بالإذن... "قالت باستسلام... فيبدو أن مصيرها قد تَقَرَّرَ مجددا
بعد ساعات قليلة ستصبح متزوجة من أكثر شخص تخاف منه في الوجود... ما طمأنها وجعلها توافق أنه سيكون مجرد زواج صوري... وبعد أيام سيفترقان كل في قارة...
كانت تحاول طمأنة نفسها أن هذا الزواج هو الوسيلة الوحيدة لتحقيق أمنية والدتها في أن تكمل دراستها ثم تعمل وتعتمد على نفسها... فلن تبقى دائما عالة على القايد عبد الجليل... أفكار كثيرة تتدفق إلى عقلها... لم تنتبه إلى أنير القادم وهو مشغول بهاتفه فاصدمت به... شعرت بالألم يسري في يدها من قوة الإصطدام... و بطريقة آلية وضع أنير يده على خصرها يقيها من السقوط... فارتدت على صدره... على الرغم من أنها ترتدي نقابها إلا أنها شعرت أن احمرار وجهها ظاهر له...
- "آسفة... "تمتمت بألم... ورغبة بالبكاء تسيطر عليها من الوجع... ثم ولت هاربة

******

بعد الغذاء الدسم شعر برغبة ملحة في أخذ قيلولة طويلة... وقبل أن يذهب لغرفته أرسل لإيدر رسالة نصية
- (في المساء تعال قبل العشاء، لكي تكون شاهدا على عقد قراني)
- ( هل تمزح؟ ومن تعيسة الحظ؟)
- (أنا أتحدث بجدية، تعال وستعرف)
- (حسنا، بعد العصر سوف أخرج من أكادير)
- (ربما لن تجدني فسآخذ أييس في جولة، على الرغم من أنه عرفني لكنه يرفض أن أمتطيه، أظن أنه مازال غاضبا وبشدة)
- (8 سنوات مدة طويلة جدا وحتى لو أسقطك فأنت تستحق، على العموم لا تذهب بدوني، مسافة الطريق وأصل)
كان قد غادر مكانه باتجاه غرفته في الدور العلوي، وهو منهمك في المراسلة مع صديقه... عندما اصطدم بجسد لين... وبغريزة الحماية وضع يده خلف خصرها النحيل يمنع سقوطها... وعرف أنها إيلودي من أنينها فقد كانت يدها المصابة محشورة بينهما...
- "هل أنت بخير؟؟ "تساءل بقلق
كانت ترتدي نقاب باللون الأسود مما جعل عينيها الفيروزية تظهر أكثر اتساعا... شعر بنفسه يفقد تماسكه من تأثير قربها الشديد منه... لم يستعد تركيزه إلا عندما فلتت من قبضته وهربت من أمامه هامسة ب"آسفة"...
دخل إلى غرفته ونسي حتى أن يجيب على رسالة صديقه... استلقى على سريره وهو يفكر في عروسه... فبالأخير لن يكون هذا الزواج بدون متعة...

******

طوال الطريق نحو القرية... وهو يفكر في خطوة صديقه المفاجئة... ومن تكون العروس؟؟ ربما إيلودي؟ أو ممكن أن تكون آنيا؟؟
وكأن لكمة أصابت معدته... لااا!! لا يمكن أن تكون آنيا!! ولماذ لا؟ هي فتاة جميلة وهو شاب وسيم وغني... كان الشيطان يصور له أن العروس هي فعلا آنيا لم يستحمل... وصورتها ضاحكة بجسمها القصير المغوي تتمسك بخصر عريسها بحميمية... ضغط على الفرامل بقوة... لتتوقف سيارته بعنف... مخلفةً هالة من الأتربة الحمراء... أنفاسه تتزاحم لتخرج مرةً واحدة من قفصه الصدري... ارتعاشة أصابعه جعلته يخطئ في رقم صديقه عدة مرات... لينجح أخيراً ويتصل بأنير...
- "لم تخبرني من هي العروس!"
باغته بالسؤال... ليرفع أنير رأسه... ينظر للهاتف... يتحقق من المتكلم... ولم تمر نصف ساعة على استلقائه
- "تتصل وتوقظني من نومي من أجل سؤال؟؟!! إنها إيلودي... هل ارتحت؟ والآن دعني أنام!!"
- "آسف... عد إلى نومك... "
زفر بارتياح... إذاً إيلودي الرقيقة من ستتزوج الوحش!! أعاد تشغيل سيارته وانطلق براحة بالٍ... تناقض التي كان فيها قبل ثواني...
لم يمر من الطريق المؤدي مباشرة إلى المزرعة، بل اتخذ الطريق إلى داخل القرية رغبة منه أن يراها صدفة... ولو لمحة واحدة... خفف من السرعة حين اقترب من بيتهم.... لكن ما رآه كاد أن يسبب له أزمة قلبية... كانت ترتدي منامة طفولية من قطعتين سروال طويلة وبلوزة مغلقة... شعرها مغطى بحجاب لكن نحرها ظاهر، مما فتنه وأزعجه... فأي رجل يمر من أمام بيتهم سيرى هيئتها وعنقها الظاهر... وبصخبها تجذب كل عين فضولية... حين لاحظ أن أمها دخلت إلى البيت زاد من سرعته لتلاحظ وجوده... وبالفعل هذا ما حدث...

******
- "أمي!! أنا مستعجلة للذهاب عند إيلودي لمساعدتها... اليوم عقد قرانها... ويدها تؤلمها لماذا لا تتركين نفض الزرابي ليوم آخر... أرجووووووكِ أمي!!"
أمام البيت كانت آنيا تصيح بكل ما أوتيت من قوة لتسمعها أمها في الجهة الأخرى من الزربية... كانت ترتدي منامة طفولية وتعقد رأسها بأحد حجاباتها... وتمسك الزربية من جهة ومحمد يمسكها من الجهة الأخرى وأمها تضربها ضربات قوية... وتغطي أنفها بثوب اتقاءا للغبار المتطاير منها...
- "فقط هذه آنيا... وسندع الباقي لما بعد... ويمكنك الذهاب إلى المزرعة... "
أجابت أمها وهي تضرب بأقصى ما لديها.. ومحمد ساكت خوفا من ضربة من أمه بالمنفضة إذا تذمر...
ما أن ذهبت أمها لتحضر سلكا لتعليق الزربية المنفوضة... حتى بدأت تقوم بحركات مضحكة لتضحك أخاها ويفلت الزربية فتعاقبه أمها... ومحمد يضحك بصوت عال... كانت تميل بخصرها لأقصى الشمال وتعود به لأقصى اليمين... وضحكات محمد تجعلها تضحك بقوة... لفت انتباهها سيارة سوداء تقترب بسرعة مفرطة جدا، ما أن وصل إلى أقرب نقطة إليها حتى عرفت السائق... ولم تهتم لعقاب أمها بل رمت بجهة الزربية التي تمسكها وفرت هاربة... وهي تلطم وجهها...
"يا إلهي أنه هو!! وقد رآني بهذه الملابس السخيفة... سوف أفقد هيبتي.. سيظنني مجرد طفلة سخيفة!!"
توقفت عن لطم وجهها... لتتساءل فجأة:
"ولماذا أهتم أصلا... بما يعتقده ذلك المتبجح المغرور؟؟!!
عادت لخارج المنزل وهي تحاول أن تنحي بصورته من عقلها... واستسلمت لتقريع أمها وبدء رحلة التنفيض من الأول...

*******

كانت كلثوم التي تقطع البصل وتبكي بتأثر... لا يظهر أنها دموع من تأثير البصل، بل أخذتها كحجة لتبكي شفقة على الطفلة الجالسة أمامها... فلا أب ولا أم بجانبها في هذا اليوم ويبدو عليها الضياع... اقتربت من حيث تجلس... وضعت ما في يديها وجلست بجانبها...
كانت إيلودي سارحة وهي تمرر يدها على الأرز الذي تصفيه من الشوائب منذ قليل... أخرجها من سرحانها صوت كلثوم وهي تقترب منها
- "حبيبتي... "
رفعت إيلودي نظراتها الضائعة تنظر لكلثوم... التي شهقت شفقةً عليها... عانقتها بقوة.... لتهمس بصوت حنون:
- "حبيبتي... أنت الآن ستنتقلين من مرحلة إلى مرحلة جديدة... ستصبحين زوجة..."
صمتت... وعيون إيلودي الكبيرة... البريئة... تجعلها ترغب بابعادها عن كل ما يؤلمها... لكنها استطردت وهي تمرر يدها على ملامحها الفاتنة:
- "وكونك زوجة يتحتم عليك أن تكوني صابرة... والكلمة الطيبة دائما على لسانك... قد تحدث أشياء بينكما... تثير غضبك... لكن أسرار بيتك لا تخريجيها لأي كان..."
- "نعم خالتي..."
همست إيلودي برقة... أحست برغبة كبيرة بالبكاء من حنان ورقة كلثوم اتجاهها... جعلتها تتذكر رقة والدة خطفها منها القدر قبل أن تشبع منها..
-" يجب أن تكون دائما التأنق... ورائحتك طيبة وبيتك نظيف... يجب أن تكوني ربة بيت متفانية..."
ضحكت كلثوم و هي تقول:
- "ولا تنسي أن أقرب طريق إلى قلب الرجل معدته... وأنا على مر السنوات لم أترك أي شيء أعرفه إلا علمتك إياه فلا تخذليني... ومن قبل كنت حرة في فعل أي شيء لكن الآن يجب دائما أخذ مشورة زوجك... وكذلك تلك الأمور لا يجب أن تقولي له لا.."
كانت تحرك رأسها بطاعة... وأوامر كلثوم بدأت بدون نهاية لها...
- "أية أمور؟ "تساءلت إيلودي
فغرت كلثوم فاهها من الصدمة... ألهذه الدرجة لا تعرف شيئاً مما هي مقبلةٌ عليها؟؟؟!... أجلت كلثوم حنجرتها لتقول:
- "حبيبتي... الأمور التي تحدث بين الرجل والمرأة... "احمرت وجنتا إيلودي من الاحراج لتردف كلثوم" كما قلت ممنوع قول "لا" فأي امرأة تمنعت عن زوجها تنام والملائكة تلعنها..."
مازالت إيلودي منكسةٌ رأسها... لتعانقها كلثوم من جديد ضامة اياها بقوة:
-" كانت أمك من ستقول لك هذه النصائح... أعلم حبيبتي أنه ليس دوري... ولكن يعلم الله إلى أي درجة أحسبك مثل ابنتي..."
وانخرنطتا في بكاء...
لطالما اعتبرتها كلثوم الابنة التي لم تلدها... فدائما كانت تحتمي بها من ظلم زوجة خالها... دخلت آنيا عليهما بصخبهما كما العادة وهي تطلق زغاريد بدون انقطاع... إلى أن انقطعت أنفاسها... أدخلت جو الفرح الى المطبخ وهي تطلق النكات على أنير الوحش خصوصا بلحيته التي تكاد تصل إلى صدره والذي سوف يتحول على يد إيلودي إلى أمير وسيم...
بعد صلاة العشاء، تم اعداد الوليمة من كلثوم وآنيا بمساعدة طفيفة من إيلودي... وبعد فترة حضر كل رجال القرية... وبعض النساء المقربات من عائلة القايد وخالة إيلودي... التي لم تتقبل فكرة أن تتزوج قبل ابنتها التي تكبرها إيلودي بسنتين، والتي كانت دائما مصدر مشاكل هذه الأخيرة... على الرغم من أنها لم توجه إلى إيلودي أيَّة كلمة من كلماتها اللاذغة... إلا أنها لم توفر الجهد لتوصل أفكارها بنظراتها...
النساء الأخريات كن سعيدات جدا لها... وباركن لها بشدة ولم يتوقفن عن الصلاة والسلام على رسول الله... كما تقتضي العادات... كانت جالسة وسط النسوة و ترتدي قفطان أخضر مزين بخطوط حمراء وصفراء... وترتدي شربيلا أحمر مزين بعدة ألوان... شعرها جمعته على شكل ضفيرتين ولفتهما على رأسها وبعض الشعرات نزلت على وجهها ثم ارتدت الطرحة باللون الأحمر... وتزيتنت بمجوهراتها الفضية... وأكملت لبسها بإيزارها الابيض المطرز بالألوان المعروفة بها الثقافة الأمازيغية... الأصفر، الأحمر والأخضر... رغم اصرار آنيا أن تدع شعرها حرا لتغيض زوجة خالها التي لطالما هددتها بقصه إلا أن إيلودي رفضت وتدخلت كلثوم لصالحها... آنيا ارتدت قفطان في اللون الأسود مطعم بالأحجار الكريمة باللون الذهبي، وارتدت حجاب أسود وعقد بسيط من الذهب، وكعب عالي باللون الذهبي، لم تشأ أن تخلع حجابها لأنها تساعد خالتها في تقديم العشاء للضيوف واحتمال إلتقائها بأحد الرجال وارد...
كانت تجهز الصينية الأخرى لتقديم الشاي بعد العشاء، عندما دلف إيدر إلى المطبخ يبحث عن المياه الساخنة، الخاصة بالشاي، وقف دون أن يقول شيئا وهو يتأملها... استغرب أنها تظهر أطول من المعتاد، أنزل عينيه إلى الأسفل فرأى كعب حذائها الحاد والمسنن الذي يظهر جزء منه تحت قفطانها... تأملها صعودا كانت آسرة، وخصرها النحيل تحيط به مْضَمَّة (حزام من الذهب).
اعتقدت أن خالتها كلثوم من دخلت إلى المطبخ تستعجلها... فقالت وهي تستدير ببطئ لثقل الصينية:
- "خالتي... استدعي عمي عزيز... الصينية الثانية أصبحت جاه... "
إلتقت عيونها بعيونه... كادت أن توقع ما تحمله لولا أن اقترب منها إيدر وأمسك بالصينية... كان يحدق في عيونها المكحلة ورموشها الطويلة... واحمر شفاه كالدم كان ملفتا مقارنة ببشرتها السمراء... تمتم في ذهول:
- "ما أجملكِ!! "وعيونه لا تستطيع مفارقة وجهها
اصطبغت وجنتيها باللون الأحمر وتنحنحت تنوي الهروب من أمامه... لاحظ خجلها الغريب عنه... فأحب أن يستفزها فاستطرد
- "عجبا... عجباً... الآن أستطيع أن أقول أنكِ قصيرة... فلم تعودي قزمة!!"
كانت تنوي أن تزلزل عليه المطبخ... ولكنها تذكرت أنها حفلة خطبة صديقتها ولا تستحق أن تدمرها... لكنها مرت من جانبه بكل براءة وبكل قوة لديها أنزلت كعبها المسنن على حذائه... لدرجة أنه تأوه من الألم... وتركته مستمتعة بانتصارها...
عاد إلى مجلس الرجال وهو يعرج برجله...
- "هل أنت بخير؟! "همس أنير يسأله
- "لا شيء مهم... ضربتُ أصبعي الأصغر مع حافة الطاولة..."
أجابه بنفس الهمس... وفي أعماقه يقسم أن ينتقم منها وسيحرص أن تكون بعيدةً عن أي أداة حادة... حينها...

بعد العشاء،

تنحنح عزيز وهو يدلف إلى الصالة... لتسرع النساء برفع إيزارهن يخفين وجوههن... ليدخل الشيخ ليسأل العروس موافقتها...
دخل المأذون مع خال إيلودي، وأنير وعزير بقيا خارجا... بدأ المأذون يسألها:
- "اسمك يا ابنتي وسنك؟؟"
- إيلودي يوبا.. 18 سنة...
أجابت بصوت راجف، وكلثوم تمسك يدها اليمنى وآنيا يدها اليسرى...
- "هل أنت موافقة على الزواج من أنير عبدالجليل بولخير؟؟ "
- "نعم.. "أجابت بهمس
- "ارفعي إيزارك ابنتي لأرى تطابق وجهك مع صورة البطاقة الشخصية.."
ترددت إيلودي... لكن كلثوم رفعت حجابها قائلة:
-" لا بأس حبيبتي... ..." ثم التفت للمرأة بجانبها و هي تستطرد" إنه اجراء أصبح ضروريا في عقد القران بعد واقعة مضحكة حدثت... العريس أعجب بالصغرى فزوجه أبيها الكبرى كيلا تبقى عانسا... فلم يسمح للأمر بالمرور... فرفع دعوة قضائية بتهمة الاحتيال ضد الأب... سجن الأب ستة أشهر مع وقف التنفيذ وطلقت الفتاة... والغريب المضحك أن المحكمة زوجته الصغرى... " انطلقت ضحكات النساء ..

ما أن وقعت إيلودي وغادر المأذون حتى تعالت الزغاريد والصلاة والسلام على رسول الله..
"الصلاة والسلام على رسول الله
إلا جاه... إلا جاه سيدنا محمد
الله معاه... الجاه العلي"

******

كان يجلس بجانب أبيه... وإيدر يجلس بجانبه الآخر... والمجلس ممتلئ برجال القرية، أعاد أبيه طلب يد إيلودي على مسامع الرجال لخالها... ووافق كالمرة السابقة... ثم طلب والده منهم أن يقرأوا الفاتحة... بعد توقيعه على العقد صاحب المأذون إلى مجلس النساء... هم بالدخول لكن عزيز منعه... فالأصول ألا يرى العريس العروس قبل العقد... حاول أن يلمحها... إلا أن كل ما لمحه... كتلة جالسة في الزاوية اليمنى ومغطية بإيزار أبيض... أصابه الاحباط... أراد أن يرى تعابير وجهها لحظة توقيعها على صك ملكيته لها... شعر بفخر أنها تنتمي إليه... ستصبح له... امرأته... ما أن خرج المأذون حتى تبعه دون أن يشفي غليله ويراها...
بعد تلقيه عدة تبريكات... جلس في مكانه... ثم سمع أباه يسأل خالها عن طلباته... التمعت عيون ابراهيم بطمع وهو يفكر في ما سيكسبه من وراء هذه الزيجة... فطن له الجميع... لكن أنير أقسم ألا يصل إلى مبتغاه...
- "تعرف سيدي القايد أن إيلودي يتيمة... وأنا حالتي المادية لا تخفى عنكم... لهذا كصداق سأطلب مليون سنتيم..."
قبل أن يجيب القايد... قال أنير:
- "كصداق سأعطيها عشرة ملايين سنتيم... وغدا سأفتح لها حسابا بنكيا باسمها.. "
ما أن نطق بالرقم حتى فتح جميع الرجال أفواههم... تملك ابراهيم الغضب... وهو يسمع الشطر الأخير من كلامه.. حساب باسمها يعني استحالة وضعه يده على أموالها... إلتمع المكر في عيونه ليقول... وابتسامة نصرٍ تزين ملامحه...
- "بارك الله لكم... بالنسبة للعرس فهو بعد اكمال دراستها... وسيقام في منزلنا... "
أجاب أنير بخبث... على الرغم من استنكار بعض الرجال.. فالعادة في القرية أن يتم الزواج بعد أسبوعين من عقد القران... والغالب عقد القران والعرس يتم في يوم واحد...
- "موافق بشرط... إيلودي لن تغادر المزرعة إلا لدراستها... فأنا سأكون مسافرا وليس هناك ضرورة لعيشها في مكان آخر... وبالنسبة لتكاليف العرس أنا من سيتكفل بها جميعها.. "
تعمد أن يتبع شرطه بخبر أنه سيتكفل بكل شيء كيلا يتجرأ ابراهيم ويرفض عيش إيلودي في المزرعة... فإن اعترض أمام الجماعة فالموضوع يجب أن ينفذ...
ابتسم كل من إيدر ووالده... وأعجب عبد الجليل بذكاء ابنه... واستغلال نقطة حب ابراهيم للمال ليوافق على جميع شروطه...
بعد تراضي الطرفين رُفعت الأيادي للدعاء للعروسين بالحياة السعيدة وبالذرية الصالحة...

******

بعد ذهاب الضيوف، بقيت آنيا لتساعد خالتها وإيلودي في تنظيف الفوضى بعد تقسيم المهام... كلثوم تغسل الأواني، إيلودي ترجعها مكانها، آنيا تهتم بمجلس الرجال والنساء...
كان الكل نيام ولا يسمع في البيت إلى احاديث الفتيات... لم يحس إيدر متى غفى مكانه في المجلس بعد مغادرة أنير وأباه...
كانت تشتغل بهمة ونشاط وهي سعيدة لصديقتها... فبلمح البصر جميع مشاكلها قد حلت... فقد عاشت معها منذ وفاة أمها العذاب الذي قاسته من زوجة خالها... فهما صديقتان منذ الصغر... قبل حتى ممات والدتها... كانت تأتي للعب مع إيلودي في المزرعة بحكم أن خالتها تشتغل فيها...
أنهت مجلس النساء... أعادت الوسائد إلى مكانها... ومسحت المائدة... ثم انتقلت إلى مجلس الرجال... فوجدته نائم بوداعة... لا تظهر عليه أي درجة يكون لئيما معها... تأمالته، لحيته الكثيفة القصيرة تزيده غموضا وشعره الأسود مسرح بطريقة أنيقة... ذهبت إلى الخزانة في الغرفة القديمة لإيلودي وأحضرت لحافا سميكا ووضعته عليه... فكرت في احراجها إذا عرف أنها من غطته وهمت بارجاع اللحاف إلى الغرفة... لكن قلبها الطيب أشفق عليه من برد الليل القارس... أطفأت الضوء وخرجت دون أن تنظف ما خلفه الضيوف من فوضى...
استيقظ في الصباح الباكر وهو يستغرب من نومه في المجلس... فلاحظ اللحاف عليه... وكان مرسوم عليه صور لأميرات ديزني... دخل أنير يبحث عنه خصوصا أنه لم يجده في غرفته قبل صلاة الفجر اعتقد أنه سبقه للمسجد فلم يلمحه هناك... وجده ينظر إلى اللحاف المضحك...
- أنت هنا أيها الكسول!! وأنا أبحث عنك في كل مكان!!
- "هل أنت من وضع علي هذا... "
أشار إلى اللحاف..
- "لا ربما عزيز أو كلثوم... "
ما أن نطق باسمها حتى دخلت محملة بصينية كبيرة عليها الفطور... لاحظت وجود اللحاف بجانب إيدر
- "ماذا يفعل اللحاف المفضل لايلودي هنا؟ "
حملته وخرجت دون أن تنتظر اجابة منهما...
نظرا لبعضهما البعض وقال إيدر يخفي ارتباكه:
- "ربما عزيز من دثرني به ليلة أمس بعد أن نمت... "
ثم خرج قاصدا الحمام... نظر إليه أنير دون أن يجيب ثم جلس يأكل فطاره وداخله يغلي... "هل من الممكن أن تكون هي من فعلها؟ ربما اعتقدت أنه أنا... كفى عن اعطائها الأعذار... فلم يسبق أن فعلتها معك ولن تفعلها الآن!!..."
سلم عزيز وجلس أمامه ليفطر... سأله بطريقة غير مباشرة عن الموضوع فنفى... فازداد يقين أنها الفاعلة... نهض بعنف من المائدة وخرج... إلتقى بإيدر في طريقه لكنه لم يستمع لندائه... لمح آنيا تخرج إلى بيتها... وكلثوم سبق أن رآها في المطبخ... فغير اتجاهه قاصدا الكوخ...
لم تستطع النوم وهي تفكر في وضعيتها الجديدة... رغم أن العم عبد الجليل أخبرها بما اتفقا عليه مع خالها... وتأجيل الزفاف لثلاث سنوات إلا أن قلبها يرجف... كأن شيئا سيئا سيقع... سمعت باب الكوخ يقفل واعتقدت أن كلثوم قد عادت... استدارت تنوي التكلم معها فتفاجأت بأنير يسد باب غرفتها بجسده الضخم... كانت ترتدي سروال طويلا وقميص قصير باللون الأسود يظهر يديها وجزء من بطنها... وشعرها الأحمر مربرط فوق رأسها على شكل كعكة كبيرة... شهقت فزعة وهي ترتد إلى الوراء تحاول ستر ما ظهر منها.... كانت تبدو طفولية جدا وجميلة جدا جدا... لم يستطع نزع عينيه عنها... كل ما يفكر به أن يتهور ويقترب منها ليأخذها في عناق يخطف أنفاسهما معا...



******

أجلى حنجرته... وهو يتراجع للوراء... عندما تذكر سبب وجوده هنا، ثم همس بصوتٍ مضطرب من تأثره بها:
- "إرتدي شيئا وتعالي للبهو... أريد أن أتحدث إليك في أمر مهم... "
- "حسناً... "
همست وهي تهرولا لداخل الغرفة... وقلبها يكاد يغادر أضلعها من الخوف... فأنير بالنسبة لها مرعب... وسيبقى كذلك دائما...
ارتدت نقابها كاملا في عجالة... ثم اتجهت إلى مكان وجوده... كادت أن تسقط لكن لحسن حظها أعادت توازنها في آخر لحظة...
وقف ينظر إلى الأفق البعيد من النافذة وفكرة وحيدة تنخر عظامه...
"هل هي معجبة بإيدر؟"
استدار بغضبٍ وهو يحس بوجودها... كاد أن يقهقه ضاحكا... والكتلة المشعة سابقا أصبحت متشحةً بالسواد... المسكينة تعتقد أنها إذا غطت نفسها ستنسيه ما رآه سابقا، لكنه نحى الموضوع بعيدا وهو ينظر إلى عيونها الظاهرة... كانت مرآةً لأحاسيسها في تلك اللحظة... وما هو متأكد منه... أنه بصرخة منه ستفقد وعيها أمامه... ما أن أحست بنظراته المتفحصة حتى أنزلت عيونها إلى الأرض...
بدأ يتخلل لحيته بأصابعه دليل على تفكيره، ثم سألها بطريقة مباشرة... وبهدوء:
- "هل أنت من وضع لحافك على إيدر ليلة امس في مجلس الرجال؟"
فتحت عيونها على اتساعها من الدهشة... ولم تستطع أن تخرج حرفا من صدمتها... لم يتمالك أنير نفسه وهو يراها ساكتة لا تدافع عن نفسها... فاقترب منها وأمسك كتفيها يرفعها باتجاهه:
- "أجييييبي!! "
صاح وعيونه حمراء من شدة الغضب... وشكوكه بدأت تصبح حقيقة في عقله... همست بشيء... فأنزل رأسه باتجاهها سائلا:
- "ماذا قلتِ؟"
- "لست أنا.. "أجابت برعب"... أقسم لك... أنا كنت في المطبخ طول الوقت، وآنيا هي المسؤولة عن ترتيب المجلس..."
توقفت وعباراتها تخنقها... خفف من قبضته عليها ترتجف خوفا... فعقلها انتقل إلى مرحلة الطفولة... حيث أنير يلعب دور الشرير...
كانت تترتجف بين يديه فلم يتمالك وضمها إليه.. وهو يعي لرقة وهشاشة بنيتها... همس فوق رأسها:
- "هششششش... لم يحدث شيء... لا تخافي..."
استكانت بين ذراعيه... وحين شعر بأنها أصبحت بخير... أبعدها عنه، وضايقه أنه لا يستطيع التمعن في ملامحها... فأخبرها بلهجة لا تقبل النقاش وهو يقترب من عينيها:
- "منذ الآن... ممنوع لبس النقاب في المنزل!! حسنا؟؟!!"
سكتت لم تعرف كيف تجيب... لكن لتسلم منه أجابته:
- "حاضر..."
همستها زادت من اضطرابه... ليخرج بسرعة... لم تكد تتنفس الصعداء حتى أطل برأسه من جديد قائلا:
- "الآن... بما أن إيدر وعزيز موجودان في المنزل فلا تنزعيه!!"
أشارت برأسها دليل موافقة... فتصرفاته قد فاجأتها تماما... حملق فيها قليلا ثم اختفى... وهي تستغرب تناقضه... تأففت فمنذ متى تعرف كيف يفكر أنير...
كانت تستحم وتسترجع عناق أنير لها... شعرت بحرارة في وجنتيها... لأول مرة في حياتها يعانقها رجل... تحسست وجنتها
"إنه زوجك يا حمقاء!!"
ثم هزت رأسها بعنف كي تجبره على الاستفاقة... فهذا الزواج مجرد مصلحة متبادلة بينهما... هي ترعى أباه... وهو يوفر لها فرصة عيش كريمة...
أما أنير.. فبمجرد ما خرج من عندها ذهب إلى المدينة لتنفيذ ما اتفقوا عليه ليلة أمس... وبعد عودته ذهب إلى الاسطبل ليزور صديقه أييس... فقد حان الوقت لاعادة أواصر الصداقة بينهما...

******

خرجت من الصباح الباكر باتجاه البئر وفوق كتفها تحمل قلة من الفخار وهي ما زالت تتثاءب... فقد أيقظتها أمها لتأتي بالماء في هذا الوقت لأنه يكون باردا منعشا وأفضل من ماء الصنبور... كانت تمشي بتمهل لتعبها من سهر البارحة... القرية قد استيقظت منذ الفجر، وبعض الفتيات حذون حذوها وكل واحدة تحمل قُلَّتها... كانت ترتدي قفطانها القديم الأحمر المزين بورود خضراء ثم إيزارها الأسود، لم تكن تغطي وجهها فهي من الفتيات اللواتي تخلين عن هذه العادة... سمعت صوتاً يناديها، كان داوود ابن جيرانهم، أوقفها وبدءا يثرثران حول الدراسة، فهو خريج الاقتصاد ويعتبر بالنسبة لها مصدر معلومات... طلبت منه أن يشرح لها مسألة في المحاسبة... وافق وهو يكاد يطير من الفرح ونظرة هيام تظهر على عينيه لم تلمحها آنيا... لكن ذلك الواقف بعيدا لمحها وهو يتمنى دق عنقه... كسر الغصن الذي بين يديه متمنيا لو أنَّه كان جسد ذلك المتبجح... افترقا فأسرع ينزل من فرسه ويقطع عليها الطريق... مما لفت نظر بعض الفتيات...
- "ماذا تفعل هنا؟ "أخبرته ما أن وقف أمامها
- "ما الذي يريده منك؟ "سألها بعنف
-" ليس من شأنك! "
أجابته وهي تحاول تجاوزه... لكنه قطع عليها الطريق مرة أخرى:
- "أقسم إن لم تخبريني... سأتصرف تصرفا غير لائق وستكون فضيحة لن تسلمي منها ولو بعد عشر سنوات!! "
قال لها وهو يحدق في شفتيها... حدقت فيه ببرود، كأنه لم يلقي للتو قنبلة... لكن وجهها الأحمر من الاحراج فضح تأثرها... كانت تنتظر أن يتبع مزحته بضحكة من ضحكاته الشريرة... لكنه أكمل قائلا:
- "انا لا أمزح آنيا!!"
اقترب منها محذرا... لتنظر إليه بخوف... التفتت يمينا وشمالا لترى إن كان هناك شهوداً أو سمعه أحد... ثم أرجعت بصرها إليه قائلة:
-" سأخبرك... ليس لأني خائفة منك... فقط لأنك قليل عقل ويمكن أن تسبب لنفسك مشاكل أنت في غنى عنها... فبمجرد صرخة جميع من في القرية سوف يجتمع عليك... لكن لأنك قريب القايد سأكون لطيفة وأمررها لك..."
وهمت بأن تمر دون أن تخبره... ففي النهاية قررت أنه ليس حقا من شأنه... لكنه أمسك بيدها بعنف دون أن يبالي بتهديدها... نظرت إلى يده ثم رفعت بصرها إلى عينيه ثم تأففت:
-" كنت أريد أن يساعدني في مادة المحاسبة... هل ارتحت؟ والآن أطلق يدي!!"
أفلت يدها بعنف:
-" ولماذا لم تخبريني؟؟ يمكنني أن أساعدك أفضل منه!! "
- "من تكون لأخبرك؟؟!! أنا حتى لا أعرفك!! "ردت ساخرة
- "حسنا آنيا... سوف تعرفينني قريبا!! "
وذهب وتركها واقفة... اقتربت منها فتاة من اللواتي كن ينظرن إليهما بفضول:
- "من ذاك الوسيم آنيا؟؟ أرجوك أعطيني رقم هاتفه.."
- "لا تحلمي حبيبتي... فهو متزوج ويضرب زوجته دائما... ولديه خمس أبناء... وزوجته حامل بالشهر السابع!!"
- "خسارة... فلن نلتقي كل يوم بوسيم مثله!!"
وتركتها باتجاه الفتيات اللاتي كن يرفعن الماء من البئر وهن يمدحن النبي بأهازيج جميلة...
وقفت تنظر إلى ظهره وهو فوق الحصان إلى أن اختفى... تعرف أن أحساسيها تميل إليه.. لكنها لا تستطيع أن تستسلم... فماذا سيرى في قروية بسيطة تسعى للسباحة ضد التيار...؟!!
التيار الذي يجبر فتيات القرية على ترك مقاعد الدراسة... فكل يوم تسمع نفس الأسطوانة أن الفتاة مصيرها بيتها... تتزوج، تخدم زوجها وتنجب أطفالاً... وهي لن تكرر مأساة أغلب من تركن مقاعد الدراسة واخترن عيش رتابة الحياة على أن يناضلن من أجل حلمهن ومن أجل استقلالهن... وهي حتما لا تفكر في ادخال أي رجل لحياتها... فهو مجرد عائق لطموحها... غالبا نظرته للمرأة لا تتعدى انتظاره في البيت لاشباع نزواته..
إيدر ابن المدينة المثقف الذي غالبا ولد وملعقة ذهبية في فمه... أليس هو صديق ابن أغنى رجل في كل المنطقة... لم يعش الخوف من فقدان الحق في الدراسة كل يوم... وحتى لو اختارت أن تحبه... فهو سيكون حب من طرف واحد فهو لن ينظر إليها إلا كمجرد نزوة عابرة سرعان ما سينساها حالما يرجع إلى صخب حياته... وهذه التعقيدات هي في غنى عنها في حياتها البسيطة والتي خططت لها من قبل... عيش قصة حب فاشلة ليس من مخططاتها...
عاد إيدر إلى المزرعة بعد جولته التي دامت قرابة الساعتين وهو يفكر فيها فهي الوحيدة التي زلزلت عالمه... حتى دنيا لم يكن يحس بنشوى لمجرد رؤيتها... فما بالك أن يلمسها أو يقبلها... يجب أن يفكر جديا في كيف يجعلها ملكه... ربما يجب أن يخبر القايد ليذهب معه لخطبتها... أو ربما سيسألها أولا تفاديا للاحراج إن هي رفضت...
وصل إلى المزرعة ووجد أنير مع فرسه في الميدان الخاص بترويض الخيول... اقترب منه ولاحظ أن مزاجه متغير ليس مثل الصباح... ترجل من حصانه وذهب إليه، فخرج يستقبله:
-" تبدو لي بأحسن حال... ما سر هذه الابتسامة؟؟ "تساءل إيدر
- "من حقي أن أكون سعيدا!! فالبارحة عقد قراني!! أليست مناسبة سعيدة..!! "
قهقه أنير...نظر إليه إيدر نظرات طويلة يحاول سبر أغواره... فهو لم يفهم لحد الآن سبب زواجه المفاجئ وهو المضرب عن الزواج لثماني سنوات... وقد كان شعاره ليس هناك من تستحق...
- "أعرف فيما تفكر... ومازلت على نفس الفكرة... وهذا الزواج هو اتفاق بيني و بين أبي... "
ليقص عليه سبب هذا الزواج دون أن يتطرق لموضوع أبيه والعمة فاطمة...
- "لماذا لا ترسلونها لعائلة أبيها؟ "تساءل إيدر
- "لا أعرف... فما أعرفه عنهم أنهم هاجروا إلى اسبانيا... ولو كان في الأمر مصلحة لها... لوصت به العمة فاطمة أبي قبل أن تموت "أجاب أنير" ما أعرفه أنا أنَّ عائلة إيلودي عائلة أمازيغية ريفية من شمال المغرب... كانت ضد زواج ابنهم من غريبة خصوصا عمته الأرملة ولديها فتاة تسعى لتزويجها له... فلم تتقبل الأمر، وكانت ذات سلطة في العائلة وتم نفيه بعيدا لمجرد أنه اختار خارج العائلة..."
- "أتمنى ألا تظلماها بقراراتكما... فهي مازالت صغيرة على الاختيار.."استطرد إيدر
- "ليس وكأني استغلها!! هييييه أنا من يُستغل هنا!! "أجاب أنير متجهماً
ضحك إيدر بقوة لدرجة أجفل أييس الواقف أمام أنير ويفصل بينهما السياج الخشبي للميدان...
- "تقولها وكأنك عذراء خجولة تساق إلى الذبح قربانا للآلهة!! "قال بين ضحكاته
عاد أنير يمسد عنق فرسه دون أن يجيب... وهو يفكر في الفاتنة التي أصبحت زوجته ثم قال:
- "متزوج أم لا... أنا لا أنوي أن أبقى دون رفقة لفترة طويلة!!"
- "احذر أنير!! الخيانة خيانة!! سواء كان هذا الزواج برغبتك أو لا.. "ثم أضاف ونظرة جدية تعلو وجهه" قدسية العقد الذي بينكما أسمى من أن تدنسها بعلاقاتك المحرمة!!"

إيدر في كل مرة يرى انغماس صديقه في العلاقات... يشكر والده الذي وجهه توجيها صحيحا في مراحله الحرجة... مما جعله عفيفاً عن العلاقات خارج اطار الزواج... ودائما ما ينصح صديقه بالزواج إن كان لا يستطيع الابتعاد عنها... لكنه يرفض
- "لا تقلق... سوف أتحدث معها حول الموضوع... وأبين لها حدودها في حياتي.. "أجاب أنير

غيَّر إيدر الموضوع فلا يريد خوض نقاش معه حول حياته... خصوصا أن أنير يقدس حياته الخاصة.. سمعه يتكلم عن لحاف فتذكر ما وقع في الصباح... سأله عن الأمر، فقال له أنير:
- "منذ مدة وأنا احدثك عن الموضوع... قلتُ أن آنيا هي من وضعه عليك البارحة حين وجدتك نائما في المجلس.."
خفق قلبه بعنف لمجرد ذكر اسمها... وأصبح يحلق من السعادة عندما عرف اأها تهتم به كما يهتم بها... لاحظ أنير الفرحة التي ظهرت على وجه صديقه بمجرد ذكر اسم آنيا... فعرف أن صديقه غارق حتى أذنيه في الاعجاب بها... ابتسم باستخفاف وهو يتمنى ألا يستيقظ صديقه على واقع مؤلم... سمع عزيز يناديه من بعيد بينما إيدر ذهب بعيدا لتلقي مكالمة مستعجلة، اقترب منه عزيز الذي شعر بالسخف لما سوف يقوله... فلا يعقل أن يكون المرسال بين رجل وزوجته... لكن اصرار كلثوم جعله يوافق... نظر إلى أنير ثم قال:
- "سيد أنير... إيلودي تطلب إذنك للذهاب لبيت خالها لتحضر بعض الأغراض.."
استشاط أنير بالغضب... وظهر ذلك في أذنيه الحمراوتين... ثم قال بشيء من الحدة:
- "أخبر زوجتي... "وتعمد الضغط على حروف زوجتي" أن تأتي بنفسها لتطلب الإذن!! "
ثم استدار مغادرا إلى المزرعة لكنه نادى على عزيز:
- "عزييز!! هل لديك رقم هاتفها؟ "
أجاب هذا الأخير بنعم... ثم أعطاه الرقم ودونه في هاتفه ثم استطرد:
- "لا تخبرها شيئا عزيز... أنا سأتصرف.."
- "حسنا سيدي... بالإذن.."
طلب رقمها وانتظر عدة رنات ثم أجابت:
- "السلام عليكم.. من معي؟"
- "أنا أنير، بعد خمس دقائق أريد رؤيتك في غرفتي!!"
وأغلق الخط..




.....


ملاك علي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 30-03-18, 10:36 PM   #30

قمر الليالى44

مشرفة اسرة حواءوذات الذوق الانيق وفراشة متألقة،ازياء الحب الذهبي ..طالبة مميزة في دورة الخياطة جزء1وأميرة فستان الأحلام ولؤلؤة بحر الورق وحارسة وكنزسراديب الحكايات و راوي القلوب

alkap ~
 
الصورة الرمزية قمر الليالى44

? العضوٌ??? » 159818
?  التسِجيلٌ » Feb 2011
? مشَارَ?اتْي » 18,208
?  مُ?إني » فى القلب
? الًجنِس »
? دولتي » دولتي Palestine
? مزاجي » مزاجي
?  نُقآطِيْ » قمر الليالى44 has a reputation beyond reputeقمر الليالى44 has a reputation beyond reputeقمر الليالى44 has a reputation beyond reputeقمر الليالى44 has a reputation beyond reputeقمر الليالى44 has a reputation beyond reputeقمر الليالى44 has a reputation beyond reputeقمر الليالى44 has a reputation beyond reputeقمر الليالى44 has a reputation beyond reputeقمر الليالى44 has a reputation beyond reputeقمر الليالى44 has a reputation beyond reputeقمر الليالى44 has a reputation beyond repute
¬» مشروبك   fanta
?? ??? ~
ياقارئا خطي لاتبكي على موتي فاليوم أنا معك وغداً في التراب فإن عشت فإني معك وإن مت فللذكرى وياماراً على قبري بالأمس كنت معك واليوم في قبري أموت ويبقى كل ماكتبته ذكرى فيا ليت كل من قرأ خطي دعا لي
?? ??? ~
My Mms ~
افتراضي

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
فصول رائعة استمتعت جدا بقراءتها
انير مستفز جدا
الله يكون بعون ايلودى
بانتظار القادم


قمر الليالى44 غير متواجد حالياً  
التوقيع





رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة

الانتقال السريع


الساعة الآن 08:46 PM



Powered by vBulletin®
Copyright ©2000 - 2024, vBulletin Solutions, Inc.