شبكة روايتي الثقافية

شبكة روايتي الثقافية (https://www.rewity.com/forum/index.php)
-   روايات عبير المكتوبة (https://www.rewity.com/forum/f202/)
-   -   50 -عاطفة من ورق .. آن ميثر.... روايات عبير (كتابة /كاملة)** (https://www.rewity.com/forum/t41526.html)

مكفخة خواتهاااا 25-01-09 04:12 AM

50 -عاطفة من ورق .. آن ميثر.... روايات عبير (كتابة /كاملة)**
 
https://www.sheekh-3arb.info/islam/Li...m78gctdcs8.gif
*~*~ 50 -عاطفة من ورق ~*~*~

- آن ميثر -
(روايات عبير)

https://www.sheekh-3arb.info/islam/Li...m78gctdcs8.gif
الملخص:

من يستطيع الجزم بأنه لن يقع في الحب مرة ثانية وثالثه.


بعضنا يردد في يأس مؤكداً موت قلبه بعد فشل حبه الأول....


وبعضنا الاخر يعتقد اعتقاداً راسخاً بأن عواطفه انكسرت الى الأبد ولا


أمل من عودة قلبه الى الخفقان...


لقد انتهيت...هكذا يصرخ العاشق ممزقا بآلام الخيبه, مرتمياً بحزن في


احضان التفاصيل الصغيره.


ولكن...من منا يعرف متى تهب نسمة فتزيل الضباب المتراكم فوق سهول القلب؟


ربيكا جرحها الحب الأول من رأسها حتى أخمص قدميها.

شلتها الصدمه, وشردتها رياح الغربه لتعمل ممرضة في الفيللا التي تخص أديل سانتا كلير


على شاطئ المحيط الهادئ, حيث التقت بيير واحبته, ولكن ابنه بول احبها


وطلبها للزواج. أما أديل فكانت تحيك الأفكار الانتقامية المدمره...


لمن تستسلم ربيكا... للحب ام للحقد ام للزواج؟

https://www.sheekh-3arb.info/islam/Li...m78gctdcs8.gif
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــ
إذا كانت موجودة علموني عشان انزل غيرها

رابط الرواية
يجب ان ترد لمشاهدة المحتوى المخفي
https://www.sheekh-3arb.info/islam/Li...m78gctdcs8.gif

سجى اليل 25-01-09 06:08 PM

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ماموجوده بالمنتدى اكتبيها خلي نقرها اوك يسلموووووو https://www.rewity.com/q/11.gif

مكفخة خواتهاااا 27-01-09 04:50 AM

اقتباس:

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة سجى اليل (المشاركة 732223)
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ماموجوده بالمنتدى اكتبيها خلي نقرها اوك يسلموووووو https://www.rewity.com/q/11.gif

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاتة
مشكورة ع مرورك
وهذي أول فصلين من الرواية

مكفخة خواتهاااا 27-01-09 04:53 AM

الفصـــل الأول ...

1 – حطام امرأة


أسدل الغسق عباءته على الجزيرة . وهبت نسمة باردة فتوارى قرص الشمس وراء الأشجار المحيطة بالفيللا . وراحت أصابع النسمات تخفف من الحرارة التي لفحت جبين ربيكا . وهي تغادر غرفة مريضتها وتتنفس الصعداء مقفلة الباب وراءها . تاقت في تلك اللحظة للاستمتاع بحمام . الوقت أصبح ملكاً لها بعد أن أخلدت مريضتها آديل إلى النوم . وعندما بلغت غرفتها , تخلصت من زي التمريض , وألقت بجسمها في المياه الباردة .
وفجأة توقفت عن مواصلة الاستحمام شعرت بضيق لما يحدث , فالخدم في إجازة هذه الليلة ... وهي وحدها في الفيللا مع آديل التي استغرقت في النوم الآن . ما أثار ضيقها الرنين المتواصل لجرس الباب ! تنهدت في يأس وراودها الأمل في انصراف الزائر عندما يكتشف أن الأنوار غير مضاءة . ولم تستطع أن تتخيل من يكون ... فإن آديل تعرف القليل من الأصدقاء وليست هذه الليلة التي يأتي فيها الطبيب عادة . عندما رن الجرس مرة ثانية أسرعت بإرتداء ثيابها . وكان شعرها مشعثاً وهي تغادر الحمام نافدة الصبر . وعندما بلغت الباب الأمامي , وفتحته قليلاً . وفي الضوء الخافت , رأت رجلاً طويلاً يقف في الخارج فتمتمت تسأله : " ماذا تريد ؟ "
ولكنه لدهشتها دفع الباب برقة وحزم واضح , ثم دخل حتى وقف في الصالة فلم تملك إلا أن تصيح به في غضب :
"انتظر قليلاً من فضلك " .
" عفواً يا آنسة ظننتك خادمة آديل . أقدم لك اعتذاري لإزعاجك ".
فحاولت ربيكا السيطرة على الدماء الحارة التي سرت في أوصالها عندما تبينت أنها ترتدي ثوباً خفيفاً يكشف عن جسمها . وأن الرجل يحملق فيها بعينيه السوداوين . ولكنها وجدت فيه شخصاً جذاباً لم يسبق لها أن التقت بمثله من قبل وعندما أفاقت لنفسها . أخبرته قائلة :
" آنسة سانت كلاود أخلدت للنوم . وأنا ... أنا ممرضتها " .
" آه ... كان خيراً لي أن أدرك ذلك . ولكن ماذا كنت افعل إزاء تأخر طائرتي في أي حال لن أزعجها الآن . هل لك أن تخبريها بأنني جئت للسؤال عنها ؟ "
" أقول لها من الذي سأل عنها , يا سيدي ؟ "
فقط أخبريها بأن سانت كلير جاء يسأل عنها . وستعرف من هو وأنت يا آنسه ما أسمك ؟"
" الممرضة ليندسي " .
" هل التحقت بالعمل هنا من فترة طويلة ؟"
أجابت ربيكا وهي تتمنى أن يرحل عنها سريعاً :
" منذ عامين يا سيدي " .
" سنتين . إنها فترة طويلة يا آنسة أظن أن شقيقة زوجتي مريضة . ومن الصعب التفاهم معها . هنا في فيجي ممل ألا تشعرين بالوحدة , أم أن لديك أصدقاء " .
وشعرت رغبة بالاحتجاج على ما وراء سؤاله من معان ولما كانت لا تعرف تماماً مدى علاقته بآديل اضطرت لمعاملته بأدب . لذلك قالت له :
" أنا ... أنا سعيدة تماماً هنا , وشكراً لك يا سيدي " .
أخشى أن أكون سببت لك ضيقاً يا آنسه ولكن يجب ألا يعزى فضولي إلا خشونة في مسلكي . إنني أعتذر لك ثانية " .
قالت ربيكا وهي ترتجف : " ليس ضرورياً يا سيدي " .
" أنت ترتجفين من البرد يا آنسة . من الأفضل أذن أن أؤجل فضولي إلى يوم آخر .. وداعاً ! ".
توردت وجنتاها , كان من الممكن أن تخبره بأنها لا ترتجف من البرد وأن ثمة مشاعر مختلفة أشاعت الرجفة في أوصالها . ولكنها لم تتفوه بشيء , وبعد قليل انصرف وعلى شفتيه ابتسامة شاحبة .
انتظرت ربيكا حتى ابتعد قليلاً , فأغلقت الباب وراءه , وسمعت محرك السيارة يدور . ولم تمض لحظات حتى كان صوت المحرك يتلاشى شيئاً فشيئاً كلما ابتعدت السيارة عن البيت ... وأخيراً شعرت بالارتياح وغن كانت ساقاها لم تقويا على حملها أثناء عودتها إلى غرفة نومها .
كانت آديل سانت كلاود . سيدة في أواخر الثلاثينات . ولكن منظرها يبدو للعيان أكبر من حقيقة عمرها ولدت وهي تشكو من ألم في القلب أعجزها عن مواجهة الحياة . وامتد عجزها إلى تفكيرها . وغادرت بريطانيا منذ عشر سنوات مضت بحثاً عن الجو الدافئ الذي يتميز به جنوب المحيط الهادئ . واصطحبت معها خادماً عجوزاً كانت تقوم بخدمتها وتمريضها . وكانت أسرة آديل من أصحاب مصانع الملابس ومشهود لهم بالثراء . وينتسبون إلى سلالة فرنسية . ويقيمون في مقاطعة سمرست . ولم تفكر يوماً في السؤال عن أي دخل تستحقه . وربما يكون ضعفها هو الملوم في عدم سؤالها . وربما يكون السبب موقفها من شقيقاتها وفي أية حال . فإنها لم تضيع الوقت في أن تستأنف حياة جديدة في فيجي عقب وفاة والدها . ولسوء الحظ ماتت ممرضتها العجوز بعد ثماني سنوات ... فاضطرت إلى الإعلان عن طلب ممرضة بدلاً منها . وجاءت ربيكا لتمريضها والآن . عندما تقلب الأمر فإنها لتتساءل كيف واتتها الشجاعة في أن تقطع هذه المسافة الطويلة وحدها . إذا لم تكن ترغب في الهروب من موقف غير سعيد ! .
وفي اليوم التالي لزيارة الغريب توجهت ربيكا في الصباح الباكر لتمارس رياضة السباحة ... وكانت تفضل هذا الوقت من اليوم فتلقي بجسمها في أحضان المياه المتلاطمة حتى تستطيع مجابهة مطالب السيدة العليلة التعسة . وكانت ترتدي ثوب البحر الذي يكشف عن بشرتها التي لوحتها أشعة الشمس ... وشبابها ونضارتها ولم يراودها الخوف من فضول الناس ... لأن الشاطئ كان خاصاً بالفيللا ولما كانت آديل لا تستفيد منه لعجزها فإن ربيكا كانت تعتبره شاطئها الخاص .
وعندما عادت إلى الفيللا . تناولت طعام الإفطار مع روزا مدبرة البيت وهي من أهالي فيجي . ثم أعدت صينية الإفطار لآديل . وحملتها إليها فوجدتها مستيقظة إلى وسائد حريرية . وبدا الشحوب والإعياء على وجهها وأشفقت ربيكا لمنظرها بالرغم من معرفتها بان آديل لا تقدر هذه المشاعر حق قدرها .
قالت ربيكا وهي تضع الصينية فوق ركبتي آديل :
" صباح الخير آنسة سانت كلاود . هل نعمت بليلة هادئة ؟ "
فنظرت إلى ممرضتها نظرة ازدراء وهي تقول :
" لا .. كانت ليلة سيئة الحبوب التي وصفها دكتور مانسون لم تكن بالجودة التي كانت عليها الحبوب السابقة . تقلبت في الفراش وقتاً طويلاً قبل أن أستغرق في النوم " .
" تقولي أنك تقلبت في الفراش وقتاً طويلاً ! إنك لتثيرين دهشتي . لقد ظننت أنك استغرقت في النوم سريعاً .إذن سمعت الجرس وهو يدق . أليس كذلك ؟ "
" جرس ! أي جرس ؟ جرس التلفون ؟ "
" أقصد جرس الباب " .
" هل جاءنا زائر ليلة أمس ؟ ".
" نعم بعد أن أويت إلى الفراش " .
" لابد أن إفاءة قد داهمتني لحظة رن الجرس . أخبريني من كان الزائر ؟ هل هو الدكتور مانسن ؟ أو بلاكويل المسن ؟ "
" ليس واحد منهما . وإنما هو رجل اسمه السيد سانت كلير هل يعني هذا الاسم شيئاً بالنسبة لك ؟ "
" بيير سانت كلير ؟ "
" لم يخبرني باسمه الأول يا آنسة سانت كلاود ! "
وفجأة أدركت ربيكا التشابه في لقب الأسرة وتنهدت آديل وهزت رأسها ثم قالت :
" إنه بيير أعرف أن عمله يغطي العالم كله . ولا عجب أن يكون لديه عمل هنا في سوفا . لماذا لم تخبريني بقدومه ؟ "
" أنت تعرفين أن تعليمات دكتور مانسون واضحة تماماً . يجب ألا يزعجك أحد ".
" كيف واتتك الجرأة على صرف صديق تكبد مشقة الحضور إلى هنا لرؤيتي ؟ "
" لم أصرفه ... انصرف برغبته عندما شعر بأن الوقت غير مناسب " .
تململت آديل في مكانها حتى كادت تطيح بالصينية وسألتها :
" هل قلت أنه سيعود ؟ "
" أجل ... على الأقل .... أظن ! "
توقفت عن مواصلة الحديث . وهي تتذكر جانباً من الحوار الذي دار بينها وبينه . ثم استطردت قائلة :
" أنني على يقين من انه سيعود ! "
" فتاة حمقاء ! ألا تفعلين شيئاً صحيحاً ؟ أليس لديك من الإدراك ما يجعلك تعرفين متى تسمحين للزائر بالدخول . ومتى تصرفينه ؟ ألم يساعدك ذكاؤك على أن تدركي بأن بيير سانت كلير ليس زائراً عادياً ؟ "
واجهت ربيكا غضب آديل في صمت . وأدركت أن المناقشة معها غير مجدية وبذلت جهدها في أن تسير الأمور وكأن شيئاً لم يحدث . وتقدمت نحوها وصبت فنجاناً من القهوة بدون أن تتفوه بكلمة ورشفت آديل رشفة من الفنجان ثم سألتها بنبرة هادئة :
" من كنت تضنين هذا الرجل يا ربيكا ؟ "
تنهدت ربيكا فقد كانت تأمل أن تضع حداً لموضوع بيير سانت كلير في الوقت الحاضر . ولكنها كانت تعرف طبيعة آديل . إذ تتعمد المبالغة في الموقف فردت :
" انه ... انه شخص جذاب "
" انه رجل واسع الثراء يا ربيكا يمتلك عدة شركات للإنشاءات في فرنسا واسبانيا"
ابتسمت ربيكا وقالت :
" أحقاً ما تقولين ؟ هل عزمت على مغادرة فراشك هذا الصباح ؟ هل أعد لك الحمام ؟ "
" بحق السماء كفي عن تصرفاتك المتعجلة يا ربيكا كل ماسألتك عنه هو رأيك في سانت كلير ؟ "
" إنني لم أتعرف عليه جيداً حتى أكون رأياً عنه "
" لا عليك يا ربيكا . لا أظن أنه تغير كثيراً طوال السنين . كان دائماً شيطاناً أنيقاً "
" لا شأن لي بجاذبية زوارك . هل من خدمة أخرى أقدمها لك الآن يا آنسه سانت كلاود ؟ "
وأزاحت الصينية بعيداً عنها ثم استطردت تقول بنبرة اختفت منها العصبية :
" بالطبع سأغادر الفراش هذا الصباح . ولابد أن أبدو في أجمل صوري . إنني واثقة بأن سانت كلير سيقوم بزيارتي مره ثانية " .
وبعد ساعة قادت ربيكا المقعد المتحرك الذي تجلس فيه آديل حتى بلغت الحديقة المحيطة بالفيللا . وعندئذ تناهى إلى سمعها صوت محرك سيارة . وتطلعت آديل إلى ممرضتها وتألقت عيناها وهي تقول :
" إنه سانت كلير أدفعي المقعد بسرعة إلى موقف السيارة " .
كان بيير يرتدي سروالاً رمادي اللون .... وقميصاً بنياً مفتوحاً عند عنقه وبدت على وجهه مسحة من الكبرياء .... وتبرمت ربيكا عندما شعرت بنبض قلبها يدق سريعاً . وتساءلت : لم هذا الاضطراب ؟ إنه ليس أول إنسان جذاب تلتقين به ...
ودبت الحيوية في أوصال آديل عندما اقتربتا منه وتشابكت أيديها وهي تصيح :
" بيير ! بيير سانت كلير ! بحق السماء . ما الذي أتى بك ؟ "
أطبق يديه القويتين على يديها النحيلتين . وقال لها بابتسامة دافئة :
" ألا تظنين أنك سبب كاف يدعوني للمجيء ؟ "
وتوقف عن الحديث وهو يتطلع إلى القوم النحيل الذي يقف ممشوقاً وراء المقعد المتحرك . ثم استطرد يقول :
" ألم تخبرك الممرضة لندسي بأنني جئت للسؤال عنك ليلة أمس ؟ "
" بالطبع أخبرتني ... وانزعجت لأنها لم تنبئني بوصولك في حينه ... الأطباء حمقى ... إن إيقاضي ولو لمرة واحدة . لن يؤذيني "
" عزيزتي .... يجب أن تطيعي أوامر الطبيب ... وإلا فإننا سنكون في غنى عن استشارتهم .... ألا توافقينني يا لندسي على رأيي ؟ "
أجابت ربيكا وأصابعها تتشبث بمقود المقعد المتحرك :
" طبعاً أوافقك " .
تطلعت آديل إليها نافدة الصبر . وقالت :
" من الطبيعي أن تقولي ذلك "
ثم حولت بصرها إلى بيير وأردفت قائلة :
" حقيقة .... ما الذي أتى بك إلى فيجي ؟ هل الأمور تسيير طبيعياً في الوطن ؟ "
" إنها تجري في مجراها الطبيعي "
وأخذ يجيل بصره باهتمام في الحديقة الشاسعة التي ازدهرت بأشعة الشمس , ثم قال :
" عن ما جاء بي هو المشروعات التي أزمع تنفيذها على طول الساحل في ياساواس . هناك مشروع لإقامة فنادق ... وقد جئت إلى هنا لعمل مسح شامل للمشروع ! "
سالت آديل :
" آه ... تنوي المكوث هنا فترة طويلة ؟ "
" أسبوعين ... وربما ثلاثة أسابيع . إنني أقيم هنا في سوفا . ولكنني أنوي الانتقال إلى لاتوكا " .
" هيا بنا نتوجه إلى المنزل . إن روزا ستقدم لنا القهوة بالطبع ستتناول طعام الغداء معنا " .
وتطلع بيير إلى ربيكا مرة أخرى . ولكنها تحاشت نظرته . فحول بصره إلى آديل وقال :
" أحب أن أتناول طعام الغداء "
وفي طريقهم صوب الفيللا أخذ مقود المقعد من ربيكا .... التي وجدت نفسها تسير إلى جواره وهو يتطلع فيها ثانية ويقول لها :
" إنه صباح جميل ... أليس كذلك يا آنسه ؟ "
حاولت ربيكا أن ترسم ظل ابتسامه على شفتيها . وهي تقول :
" جميل ... ولكن أغلب فترت الصباح في فيجي جميلة "
" ما يثير حيرتي أن فتاة مثلك ترضى بوظيفة من هذا النوع ... إنني أعتذر لك يا آديل ... ولكن من المعتاد أن تقبل سيدات متقدمات في العمر مهام التمريض أليس كذلك ؟ "
رأت ربيكا علامات الضيق تكسو وجه آديل وهي تصيح :
" بحق السماء ... لا تقل هذا يا بيير . إنك تثير في نفسها شعوراً بعدم الرضى وإني أؤكد لك أنها راضية بما تؤديه من خدمات . "
وفي ذلك الوقت أنتاب ربيكا ارتباك واضح ... ولكن بيير أضاف في سخريه :
" إنني متأكد أن لندسي لن تتأثر بما أقوله ... إنها تثير إعجابي بكونها فتاة راضية النفس " .
هدأت ثورة آديل ... وتطلعت إلى ربيكا وقالت في سخرية :
" وأنت ستتعرفين على بيير " .
فشعرت ربيكا أن موقفها يزداد سوءاً عن ذي قبل . وبدأت تشعر بالارتياح عندما بلغو المنحدر المؤدي إلى الفيللا .... وعندما وقفت ربيكا في الصالة قالت لها آديل :
" اخبري روزا بأن تحضر القهوة إلى غرفة الجلوس . وقولي لها أن لدينا ضيفاً سيتناول الغداء معنا "
" سأخبرها يا آنسة كلاود "
وكانت الرغبة تحدوها في الفرار من الصالة ... ليس من سخرية آديل وحدها وإنما أيضا من علامات المزاح التي كانت تتراقص في عيني بيير .
وعندما غادرت المكان ... أمضت بقية فترة الصباح في كتابة التقرير الطبي اليومي . ومراجعة محتويات خزانة الأدوية الخاصة بآديل . وأعادت ترتيب غرفة نومها . وغسلت بعض ملابسها الشخصية . ووضعت لمسة من أحمر الشفاه ومشطت شعرها وعقصته خلف رأسها . وتسألت في يأس مرير عما إذا كانت ستتناول طعام الغداء مع آديل وضيفها هذا اليوم فقد كان من عادتها أن تتناول الطعام مع آديل . ولكن لا بد أنها اليوم ستغفل دعوتها حتى تنفرد بصحبة بيير . وراود ربيكا الأمل في أن تغفل آديل عن دعوتها وذلك حتى لا تتعرض لسيل من شكواها . ولنبرة سخريتها .
ونحت أفكارها جانباً ... وعبرت غرفة النوم , وهبطت إلى الصالة . فوجدت باب غرفة الجلوس مفتوحاً .. واضطرت إلى أن تنظر لتتأكد من وجود آديل . فوجدتها تجلس على المقعد تحتسي كوباً من الشراب المنعش المثلج . بينما كان بيير واقفاً أمام المدفأة . وقد استند بيده على الرف .... ورفع بيده الأخرى كأساً من الشراب . وتطلعت آديل إليها عندما بدا عليها التردد وهي تقف بالباب . وقالت لها :
" ادخلي ... ادخلي .... يا فتاة هل أعد طعام الغداء ؟ "
" أنا .... أنا لا أعرف ... كنت أريد أن أسأل عما إذا كنت بحاجة إلى شيء ما . وحيث أن السيد سانت كلير سيشاركك الطعام اليوم فإنني ... إنني سأتناوله في غرفتي " .
" حسناً يا ربيكا بإمكانك أن تخبري روزا بأننا على استعداد لتناول الطعام عندما ... "
ولم تواصل آديل الحديث إذ قاطعها بيير قائلاً :
" أوه .... ولكنني بالتأكيد أرحب بأن تشاركنا الممرضة ليندسي الغداء إذا كانت معتادة على تناول الطعام معك , إن حديثنا لا يتناول الأسرار , ولدينا متسع من الوقت نتحدث فيه عن شؤوننا الخاصة .... أليس كذلك يا عزيزتي ؟ "
سألتها آديل :
" لماذا لا ترغبين في مشاركتنا طعام الغداء ؟ "
" إن دوافعي بسيطة للغاية ... من الطبيعي أنك وضيفك تفضلان أن تكونا وحدكما ... "
" لماذا تتصورين ذلك يا ربيكا ؟ هل تفترضين أنني وبيير ... يكن أحدنا للآخر عاطفة قديمة ؟ هل تظنين أننا كنا عاشقين يوماً ما ؟ "
" سأذهب إلى روزا . وأخبرها بأنكما على استعداد لتناول الطعام "
" لماذا تصرين على تجاهل أسئلتي يا ربيكا ؟ هل أنا طفلة تتدلل بدون أن تناقش ؟"
تنهدت ربيكا ... وألقت نظرة على سانت كلير ولكنها أشاحت بوجهها حتى لا ترى نظرة السخرية في عينيه . وكان من الواضح أنه لا يرغب في مساعدتها وأخيرا قالت :
" أظن من المستحسن أن أواصل عملي . وأنني آسفة إذا كنت تشعرين بأنني قد قطعت عليك خلوتك عن عمد . ولكن ليس من واجباتي أن أشركك معي في فترات راحتي " .
حملقت آديل في ربيكا غير مصدقة . وقالت :
" يا لك من فتاة وقحة "
وشعرت ربيكا بأنها لم يسبق أن أجابت على آديل بمثل هذا الأسلوب من قبل .
وهنا تمتم بيير بهدوء :
" مهلاً يا آديل .... ربما كانت الآنسة ليندسي على حق . ليس من المحتم أن تمضي كل وقتها معنا ... أقصد معك . إن لها مشاعرها هي أيضاً . وأظن أنك أثقلت عليها فترة طويلة ! "
وفي هذه اللحظة تطلعت ربيكا إليه . وشعرت بارتياح لتدخله . وبأن استعماله لكلمة أثقلت قد خفف من حدة الموقف . كما أن هذا التدخل أتاح الفرصة لآديل أن تخرج من المأزق بدون أن تريق ماء وجهها . فتقبلت كلامه وقالت :
" حسناً يمكنك أن تذهبي ياربيكا "
غادرت ربيكا الغرفة . وأخبرت روزا بأن تعد الطعام ثم حملت صينيتها إلى غرفتها وعندما انتهت آديل وبيير من الطعام . ظهرت مشكلة آخرى ... كانت آديل معتادة على النوم ساعة بعد الغداء . ولكن كيف تحملها ربيكا على مثل هذا الأمر في هذا اليوم ؟ وتساءلت هل تتناسى تعليماتها ؟ ولم ينقذها من حرج الموقف سوى صوت محرك السيارة . فأسرعت إلى النافذة ورأت السيارة الزرقاء تنطلق إلى عرض الطريق .
تنفست ربيكا الصعداء . فالآن أصبح في وسعها حمل آديل على النوم بسهولة ولكنها تبينت أن الزائر قد أثار آديل عاطفياً ... وجسدياً ... لذلك قابلتها بثورة عندما توجهت إليها قائلة :
" كيف تجرؤين على الحديث معي بهذا الأسلوب أمام الضيف ؟ لا تظني أنني قد نسيت الاهانة لمجرد أن بيير قد صنع منك بطلة ... إن فتاة وقحة مثلك . تجهل من يكون أبوها .... "
صمتت آديل بينما أخذت ربيكا تتحكم في مشاعر الغضب التي اعتلت في صدرها . ولكنها لن تلوم سوى نفسها ... ففي ذات يوم . باحت لآديل بسرها في لحظة عاطفية . وقالت لها :
" أن أبي قتل وهو في طريقه إلى الكنيسة للزواج من أمي " .
استطردت آديل تسألها :
" إذا كانا أبواك مثاليين في الفضيلة ... إذاً ما الذي أتى بك على هنا ؟ "
أجابت ربيكا :
" كانا يتمتعان بالشباب . ويحب كلاهما الآخر . لا أتوقع منك أن تدركي ذلك . قاست أمي الحسرة عندما فقدته . وجدتي لم تفهم مشاعر أبي . وكانت تتحين كل فرصة لكي تهزأ بها .... ولم ينقذه من عذابها سوى موتها في حادث تصادم القطار الذي كانت تستقله "
ويبدو أن آديل شعرت بأن شرودها قد تجاوز الحد . فأسرعت تقول :
" أليس جميلاً أن يتناول رجل معنا طعام الغداء ؟ لا نعرف أحداً هنا سوى الطبيب وبلاكويل المسن ... ولكنهما مختلفان أليس كذلك ؟ "
وكان أندرو بلاكويل . يشغل منصب القسيس المحلي بالرغم من أن آديل كانت غير متدينة وتجادله كثيراً إلا أنها كانت تسعد بحديثة .
فأجابتها آديل متسائلة :
" لماذا رفضت تناول الطعام معنا ؟ لا يمكن أن يراودك التفكير في أننا كنا نبغي الإنفراد إن بيير لا يسعده أن يجلس إلى أمرأه عجوز شمطاء مثلي "
" أنت لست عجوزاً ولا شمطاء . لا تكوني حمقاء "
تنهدت آديل وقالت :
" ذات مره , كنت وبيير يعرف أحدنا الآخر حق المعرفة . عندما كنت شابة ولم أكن مشلولة كما أنا الآن . كان في وسعي أن أفعل الشيء الكثير "
قالت ربيكا في رقة :
" أنت لست مشلولة الآن "
" ليس تماماً . إنما مقيدة إلى كرسي متحرك , لا أستطيع المشي على قدمي . أو الرقص , أو السباحة .... "
وكانت ربيكا تشعر في هذه اللحظة بمشاعر العطف نحو آديل فقالت لها :
" ولكنك لست مقيدة إلى الفيللا , لدينا السيارة ويمكننا الذهاب إلى نافويا غداً إذا شئت . دكتور مانسون يقول إن الرحلة النهرية التي تبدأ من هناك جميلة للغاية ... ستستمتعين بمنظر الغابات والشلالات " .
وهنا التفتت آديل نحوها , وقالت بنفاد صبر :
" إنني لا أرغب في رحلة نهرية , إنك شابة , تتمتعين بالصحة , فلا تسخري مني . إنني عديمة النفع , غنني حطام إمرأه . ولا أستحق أن أدعى إمرأه ... "
" هذا هراء ! "
" أي هراء ؟ هل تظنين أنني لا ألاحظ الطريقة التي يتطلع بها الرجال إليك ؟ الطريقة التي ينظر بها الدكتور مانسون إليك ؟ الطريقة التي ينظر بها بيير إليك ؟ "
توردت وجنتا ربيكا وقالت :
من فضلك يا آنسة سانت كلاود ... "
" لماذا ؟ لماذا لا أقول ذلك ؟ إنها الحقيقة أليس كذلك ؟ لا تجعليني أبدو غبية يا ربيكا ! ماذا قال لك بيير ليلة أمس حتى أثار القلق في نفسك ؟ "
بدأت ربيكا تقود المقعد المتحرك عبر الممر . حتى بلغت غرفة آديل . فتكلمت ثانية بنبرة مختلفة فقالت :
" أخبريني يا ربيكا . الآن أتيحت لك الفرصة للتحدث إليه . ما رأيك في بيير ؟ "
" يبدو أنه شخص جذاب للغاية "
وصمتت ربيكا قليلاً حتى تحمل آديل إلى فراشها وتحل أزرار ثوبها , ثم استطردت قائلة :
" هل تعرفينه منذ زمن طويل ؟ "
" إن أسرته وأسرتي تربطهما صداقة وطيدة . وفي وقت من الأوقات ظن الناس أننا سنتزوج .... "
تطلعت ربيكا إليها وهي تحاول إخفاء دهشتها . لابد أن بيير سانت كلير كان في مثل سن آديل في ذلك الحين ... وفجأة تذكرت شيئاً قاله تلك لها ليلة أمس ... أخبرها بأنه زوج شقيقتها ! انتابها شعور اعتصر أمعاءها هل تزوج من شقيقة آديل !
أخذت آديل تراقب ربيكا عن قرب . ثم سألتها :
" لماذا أنت متجهمة الوجه ؟ هل فوجئت بالأمر ؟ "
" لا ... لا ... إنما هناك شيء قاله لي السيد سانت كلير ... "
" ما هو ؟ "
هزت ربيكا كتفيها . وقالت :
" قال إنه زوج شقيقتك "
هزت آديل رأسها وألقت بظهرها على الوسائد . وقالت :
" هذا صحيح . لقد تزوج واحدة من شقيقاتي الأربع "
سألتها ربيكا :
" إذن ... هو متزوج ! "
تطلعت آديل إليها طويلاً ... ثم رسمت ابتسامة فوق شفتيها . وقالت :
" شقيقتي ماتت ! "
ثم أغلقت عينيها . وضغطت ربيكا يدها على بطنها . وقالت :
" سأحضر أحد الأقراص المهدئة "
فتحت آديل عينيها . وقالت :
" ليس ضرورياً ... إنني أشعر بإعياء شديد "
" سأتركك الآن .... استدعيني إذا كنت في حاجة إلى شيء "
" سأفعل وعلى فكرة . بيير سيأتي لتناول طعام العشاء مساء غد . واطلبي من روزا أن تستخدم براعتها في إعداد أطباق جديدة تختلف عن تلك التي تعودت أن تقدمها لنا "
وسارت ربيكا نحو الباب وهي تقول :
" سأتحدث إليها ... "
وانفلتت هاربة بسرعة من الغرفة !


نهــــاية الفصل الأول






الفصل الثاني .....


2- أرصفة القلب المشمسة


توجهت ربيكا صباح في اليوم التالي إلى الشاطئ , وكانت الرمال الناعمة باردة تحت قدميها , ولكنها توقفت برهة عندما بلغت مكان التقاء الماء برمال الشاطئ , فمدت ذراعيها تستقبل بهما أشعة شمس الشروق .
وبرز رجل من وراء الأشجار المتناثرة . أخذ يتجه نحو ربيكا التي أحست بوقع خطوات متطفلة تقتحم عليها وحدتها , فاستدارت وهي تلهث يخالجها مزيج من الضيق والدهشة , وعندما تبينت الشخص المتسلل . كان بيير سانت كلير قد أصبح في مواجهتها فبادرها قائلاً :
" صباح الخير يا آنسه . هل أعتدت السباحة في هذه الساعة ؟ "
حاولت ربيكا أن تتمالك إذ فاجأها الرجل وهي ترتدي ثوب البحر . فشعرت بالحرج . وقالت له :
" هذا الوقت يخصني وحدي . الآنسة سانت كلاود لا تستيقظ من نومها قبل التاسعة "
هز بيير رأسه وقال :
" آه ... فهمت "
ترددت ربيكا قليلاً . ثم قالت :
" الذي أعرفه أنك مدعو لتناول العشاء . وليس لتناول طعام الإفطار "
ابتسم بيير قائلاً :
" إن لديك لساناً صغيراً لاذعاً يا آنسه . قد يدهشك أن تعرفي أنني ما جئت لزيارة الفيللا . غرفتي في الفندق حاره لذا قررت التجول بسيارتي وبينما كنت أمر بالفيللا رأيتك تسيرين نحو الشاطئ ... إنني أعتذر لتطفلي عليك "
توردت وجنتا ربيكا وقالت :
" بما انك صديق أو بالاحرى قريب لرئيستي في العمل . فإن وجودك على الشاطئ لا يفسر بأنه اقحام لوحدتي . فأنا لست سوى موظفة عند آديل "
" لا أهتم كثيراً بتعليماتك ياآنسة أنا لم اقصد المجيء إلى هنا "
لطم بيير سرواله براحة يده . ثم أستدار وسار على الشاطئ وعندئذ ضغطت ربيكا شفتيها في حسره . فقد كانت واثقة أنه لن يشير إلى هذا الحادث أمام آديل . وشعرت بالحماقة لأنها سلكت معه هذا المسلك الوقح .
وكان ينتابها إحساس غريب بأن شيئاً يجذبها إليه . وإن لم تكن هي واثقة بانجذابة نحوها . تنهدت والقت بنفسها في أحضان الماء . وامتنعت عن التفكير فيه حتى لا تبدد جمال اللحظة التي تتمتع فيها بالسباحة في البحر .
عادت ربيكا إلى المنزل وبينما كانت تقوم بتنسيق الزهور في القاعة رن جرس التلفون فرفعت آديل السماعة وعندما أعادتها كان وجهها متجهماً وغاضباً واتجهت إلى ربيكا في الحديث قائلة :
" إنه بيير ... طلب تأجيل موعد العشاء ! "
ابتلعت ربيكا ريقها بصعوبة ... وحاولت أن تظل متماسكة فتمتمت تقول بهدوء :
" أوه ... هل أشار إلى سبب التأجيل ؟ "
قالت بحدة تنم عن نوع المعاملة التي سوف تتلقاها ربيكا في هذا اليوم :
" له علاقة بأعماله التي ينجزها هنا . وفي هنا . وفي اية حال . فإنه لن يأتي ... عليه اللعنة ! "
مضت ثلاثة أيام قبل أن تراه ثانية . وكانت آديل خلالها تتحرق شوقاً إلى سماع مكالمة تلفونية منه . ولكنها لم تتلق واحدة كما أن ربيكا بدأت تعتقد أن لن يعود لزيارة الفيللا مره أخرى وعندما انتهت اعماله في سوفا . وتوجه إلى لاتوكا تضاءلت الفرصة كثيراً في رؤيته .
ولذلك كانت مفاجأة يوم ألتقت به ربيكا كانت قد ذهبت إلى سوفا لتشتري بعض الحاجيات التي طلبتها آديل وعندما انتهت من الشراء أخذت تتجول بين الاكشاك المتناثرة في السوق ... وقع بصرها على قنينة تحتوي على زيت الصندل تباع في أحدها , وهي معروضة بطريقة تجذب أنظار السياح وراح البائع يغريها بالشراء وبدا عليها التردد عندما أحست برجل يقف إلى جوارها . فأدارت رأسها وأت بيير سانت كلير .
قال وعلى وجهه علامات الوقار والجدية :
" صباح الخير يا آنسه هل تنوين شراء القنينة "
ابتسمت ربيكا ابتسامة شاحبة . وأجابت :
" لا أظن ذلك , إن منظرها جذب بصري "
" هل تعرفين أن أهالي فيجي اعتادو استعمال هذا الزيت ليطيبوا أغجسامهم به ؟ "
" إنني أفضل عليه العطور "
وتطلع بيير إلى البائع . وسأله بالفرنسية :
" هذا العطر ... كم ثمنه ؟ "
وارتجفت ربيكا ... وقبل ان يتفوه البائع بكلمة . ولت مسرعه . هاربه . فقد ادركت انه ينوي شراء القنينة وهي لا ترغب في شرائها ... وكانت قد تركت سيارتها في شارع جانبي . وبالرغم من حركة المرور في شارع سوفا وازدحام السياح بها الا انها لم تتخلص من اضطرابها لوجود بيير سانت كلير إلى حد ما إلا في ازدحام الناس .
على انها ماكادت تبلغ سيارتها . وتميل بجذعها لتضع المفتاح في الباب حتى وجدت الرجل الذي تهرب منه يقف الى جوارها . فقالت بصوت يتسم بالحزم :
" هل أفهم من هذا أنك تطاردني ؟ "
قال وعقد ذراعيه فوق صدره :
" أجل ! "
وكان شعره الاسود الكثيف مرسلاً ناعماً فوق رأسه , بينما عيناه السوداوان تشعان بكبرياء أخاذه
" أخبرني بالضبط لماذا تقتفي أثري ؟ "
هز كتفيه بإستخفاف وقال :
" لاعطيك هذا ... "
وقدم لها طرد صغير ملفوفاً بورق ملون ولكن ربيكا أبت أن تأخذه وقامت بوضع حقيبة المشتريات في السيارة ثم استدارات وقالت له :
" شكراً ... لا أريد شيئاً منك , والآن هل تسمح لي ؟ "
نظر بيير إليها ببرود وقال :
" ماذا تتوقعين أن يكون في الطرد ؟ "
" من الأفضل أن لا أخمن شيء "
" تظنين أنه زيت الصندل ... أليس كذلك ؟ "
" وماذا يكون غير ذلك ؟ "
انتزع الورقة التي تكسو الطرد , وقال :
" ماذا لو قلت لك إن شيئاً قد سقط منك في السوق . وقد عثرت عليه . فأعدت تغليفة بهذا الورق الملون ! "
وأسرعت ربيكا تتطلع الى حقيبة المشتريات ... وبدون مراجعة محتوياتها راودها الشك في انه من المحتمل ان تكون نسيت شيئاً , فعضت شفتيها وقالت :
" أنا واثقة بأن شيئاً لم يسقط مني ! أظن أنك تتعمد مداعبتي لسبب في نفسك "
رفع حاجبيه . وبحركة هادئة فض الطرد فسقط مسحوق البودرة عل راحة يده فنظرت ربيكا إلى البودرة بعيون غير مصدقة إنها بودرة تالك ذات الرائحة المعطرة التي أشترتها لآديل وشخصت ببصرها اليه ولكن عينيع لم تنما عن شيء وابتلعت ربيكا ريقها بصعوبة , ثم قالت :
" انها لا تخصني ! لايمكن ان تسقط مني وإلا سمعت صوت سقوطها ! "
" لم لا ؟ لا يمكنك سماع سقوطها وسط ضجيج السوق ! "
" لست متأكدة .... ربما أخذتها من حقيبتي "
هز رأسه في يأس . وسألها :
" ماذا فعلت حتى تحكمي علي براي ضعيف ؟ ماذا قالت لك شقيقة زوجتي ؟ "
وفتحت ربيكا باب السيارة . وقالت :
" لم تقل شيئاً ياسيد ... والآن هل تسمح لي ؟ "
" ألا تحبين استرداد علبة البودرة . ياآنسه ؟"
" أوه ... أوه من المفروض أن أخذها ! "
وانتزعت العلبة من قبضة يده , وألقت بها في المقعد الخلفي للسيارة . ثم استطردت قائلة :
" ألان يجب أن أرحل إن أديل أقصد الآنسة سانت كلاود سوف تتسائل عن سبب تأخيري "
" حسناً ... ارحلي ياآنسه . مادمت مصرة على ذلك "
وجلست ربيكا وراء عجلة القيادة . وتطلعت إليه وقالت :
" إنني لا أفهمك ! "
" أحقاً ماتقولين ؟ "
" هل أنت . أقصد هل ستأتي لتناول طعام العشاء ؟ قبل أن ترحل ؟ "
" هل ترغبين في ذلك ؟ "
شعرت ربيكا بتقلص أمعائها . وقالت متلعثة :
" أنا ... أنا ... لا شأن لي بذلك "
" أحقاً لا يعنيك ؟أجل سآتي . سأطلب من آديل تلفونياً وأرتب معها الموعد . وبعدها هل ستصحبينني في نزهة بسيارتي ؟ "
اتسعت عينا ربيكا وانتابتها رجفة . ثم قالت :
" أنا ... أنا ... أنا موضفة عند آديل . لا أستطيع الموافقة على لقاء مثل هذا . وبالاضافة إلى ذلك . فإن آديل لن توافق على هذه النزهه "
والتقت عيناه بعينيها . فقال لها :
" يجب ألا تعرف آديل . هل يجب ان تعرف ؟ "
قالت ربيكا وهي تلهث :
" أعتقد ذلك ... تبدد وقتك هباء . أنا . أنالا أشبه النساء اللواتي تعرفهن ! "
قال بيير :
" أعرف ذلك "
هزت ربيكا رأسها يأساً , وقالت :
" يجب أن أرحل .... الوداع "
فأجاب على الفور :
" إلى الملتقى "
وتراجع بيير إلى الوراء ... وعندما انطلقت ربيكا بالسيارة , انعكس الاضطراب على أسلوب قيادتها وفي طريق العودة لم تشعر ربيكا بجمال الطبيعة . وإنما كانت تحس بالألم والاضطراب والخوف من أن يمارس بيير ضغوطه عليها . ففي وجوده كان يذوب نفورها منه . بل إن مقاومتها له تضعف !
لقد أثر عليها وكان الجانب الأحمق من شخصيتها يدفعها لتتلقى كل الاطراء الذي يطوقها به . ولكن الجانب العاقل فيها كان يحذرها من أن أي شيء يقدمه لها قد يهددها بالخطر ... وإزاء هذا الموقف المتضارب كانت ربيكا تشعر بالتمزق .
وعندما عادت إلى الفيللا . كانت آديل تستلقي على مقغد طويل في الحديقة وتستفئ بظل مظلة مخططة الألوان وقد تطلعت إلى ربيكا بنظرة متأنية ثم قالت :
" لقد غبت فترة طويلة . ماذا كنت تشترين ؟ "
وبذلت جهداً كبيراً حتى لا تتورد وجنتاها بالخجل , وقالت :
" كل ماطلبت مني شرائه "
وركعت على القرميد الدافئ . وبدأت تفرغ محتويات حقيبة المشتريات وكانت علبة البودرة التي أعطاها بيير لها موجودة على رأس الأشياء . فقدمتها أولاً لآديل ثم الجوارب . ومستحضرات التجميل ومعجون الاسنان وكانت علبة بودرة تالك معطره تقبع في الحقيبة . وتشابه نفس العلبة التي أعطتها في بادئ الأمر لآديل .
تناولتها ربيكا ونظرت إليها غير مصدقة . ولاحظت أديل طول تأملها في العلبة . فقالت لها :
" بحق السماء فيم كنت تفكرين . هل أشتريت علبتين من بودرة التالك ؟ "
توردت وجنتا ربكيا . وألقت العلبة الثانية جانباً . ثم قالت بسرعة :
" أنا ... أنا اشتريتها لنفسي ! "
قالت آديل بنفاد صبر :
" ولكنك لا تحبين هذا النوع من البودرة . لا حاجة بك إلى التظاهر ياربيكا . إني لا أضيق بوجود علبتين , ولكننا سنجد أنفسنا نستعملها في وقت واحد "
غضت ربيكا شفتها بشدة . ثم قالت :
" أوه .... ولكني في الواقع "
قاطعتها آديل قائلة :
" ولكن في الواقع ... لاشيء يهم اذهبي وضعي هذه الادوات في مكانها وأطلبي روزا أن تعد لي القهوة ! "
وجاء اليوم التالي ... وحتى تحين اللحظة التي يدق فيها بيير جرس التلفون ليحدد موعد تناول العشاء . وعاشت ربيكا تحت وطاة الاحساس بانتظار وصوله وفكرت جلياً في موضوع علبة البودرة . وادركت أن بيير لا بد قد رأى العلبة التب اشترتها من خلال القش الذي صنعت منه الحقيبة . واشترى علبة مماثلة لعلبتها . ثم اختلق القصة عندما قدم الطرد لها.
وقد اتفق بيير مع آديل على أن يتناول العشاء في مساء اليوم التالي ... وفي صباح ذلك اليوم أصرت على التوجه إلى سوفا لزيارة مصفف شعرها . وكانت ربيكا لا تريد القيام بمثل هذه الزيارة وخاصة انها تشعر باضطراب يهز كيانها . ولكن ما جدوى رايها اذا كانت آديل تصر على موقفها !
وعند الأصيل . استلقت ربيكا لتناول قسطاً من الراحة بينما اخذت ربيكا تكوي الثوب الذي سترتديه في المساء . وكانت آديل تشعر بكراهيه نحو ربيكا تدفعها إلى عدم السماح لها بحضور حفل العشاء . اما ربيكا فكانت تتحاشى غضب آديل إن هي حضرت الحفل . ولذلك استغرقت في افكارها الخاصة بها . وراحت تبحث عن اسباب تتذرع بها للغياب عن الفيللا في هذا المساء . لكي تضع مسافة بينها وبين زوج شقيقة آديل .
وبعد ان أخذت آديل حماماً ساعدتها ربيكا على ارتداء ملابسها وتأملت آديل نفسها في المرآة . ثم قالت :
" منظري بديع للغاية . ألا تظنين ذلك يا ربيكا ؟ "
" بديع للغاية يا آنسة سانت كلاود يجب أن تعديني ألا يزيد اضطرابك هذه الليلة . كان يوماً مجهداً لك . ومن الطبيعي ... "
" عم تتحدثين يافتاة ؟ ستظلين هنا حتى أكون أمام عينيك أليس كذلك ؟ إنني اتوقع أن تنضمي إلينا على مائدة العشاء ؟ "
" كلا ... كلا يا آنسه كلاود . لقد اتفقت على عدة مقابلات أخرى "
قالت آديل بصوت حاد :
" أية مقابلات أخرى ؟ "
وابتلعت ربيكا ريقها . ثم اخذت تبحث في عقلها عن أعذار تلتمسها وأخيراً قالت :
" فكرت في أن أمضي الليلة في الخارج "
" ماهو المكان الذي ستتوجهين إليه وحدك ؟ لك أن تتجولي في الجزيرة أثناء النهار . ولكن عندما يأتي الليل . فالأمر مختلف ! "
" سبق أن قلت لي انه يمكنني أن أستقل السيارة "
" أعرف ذلك ؟ ولكن قد أحتاج إلى خدماتك هذه الليلة الىن إذهبي واخلعي زي التمريض . وارتدي ثوباً جميلاً "
وتطلعت ربيكا إلى آديل في يأس وقالت :
" أريد أن أتناول العشاء في غرفتي يا آنسه سانت كلاود "
" لماذ ؟ هل هذا بسبب وجود بيير ؟ "
" ماذا ؟ لا ... لا "
" حسناً ... لا أظن أنني السبب سبق أن تناولت العشاء معي مرات عديدة "
" لماذا ترغبين في أن أنضم إليكما للعشاء ؟ "
" ربما لأن الأيام التي أمضيتها هنا كانت بلا أحداث . وأشعر بالاسف لك وعلى العموم . لن تتيح لك الأيام الفرصة لتتناولي الطعام مع مليونير "
وأنسبت ربيكا أظافرها في راحة يدها . ثم سألت :
" هل من حقي الاختيار ؟ "
قالت آديل بصوت صارم :
" لا ليس من حقك . الىن اذهبي وأعدي نفسك . حتى لا تكوني سبباً في زيادة اضطرابي ؟ "
" اذهبي وأعدي نفسك . حتى لاتكوني سبباً في زيادة اضطرابي ؟ "
تنهدت ربيكا , وانصرفت وعندما بلغت غرفتها . راحت تفحص خزانة ملابسها بعناية . وسالت نفسها : بحق السماء أي ثوب سارتديه ؟ إن الثياب القصيرة لا تقي من البرد . وهي غير مناسبة في مكان مثل هذه الجزيرة . أما الثياب شرقية الطراز هي أكثر أنوثه . ولكنها لن تشعر بأدني رغبة في أن تثير مزيداً من الاهتمام .
ولذلك اختارت قطفاناً مزيناً بنقوش الغابة . وكان طويلاً وأكمامه تختفي استدارة ذراعيها فارتدته . وانضمت إلى آديل . وعندئذ سمعت صوت محرك سيارة يتوقف عن الباب . وفتحت روزا الباب . وبعد دقائق قليلة دخل إلى الردهة شخص يقول :
" السيد بيير سانت كلير ياسيدتي . ورفيقته الآنسه إيفون دي بوي "
وشعرت ربيكا بالدماء تكاد تفجر وجهها . عندما رأت بيير يدخل الغرفة بقوامه الطويل النحيل . وهو يرتدي جاكيتاً من اللون الأبيض يتدلى من جيبها العلوي منديل أحمر . وكانت بصحبته أجمل نساء العالم . لم يسبق لربيكا أن رأت مثلها من قبل . وبالرغم من أنها كانت تبدو في مرحلة الشباب إلا أن ربيكا قدرت سنها بين الخامسة والثلاثين والخامسة والأربعين . وقد تخللت شعرها الأسود بعض الخصلات الرمادية . وكانت نحيلة القوام . أنيقة ترتدي ثوباً من الحرير الفضي . أبرز رشاقتها وعندما انتهت ربيكا من استطلاع اهم سمات غيفون . حولت بصرها إلى آديل لتعرف الانطباع الذي تركه قدوم الضيفة عليها .
ولدهشة ربيكا بدت آديل وكأنها لم تفاجأ بزيارة الضيفة بل كانت تتوقع قدومها . وانتابتها الحيرة والتساؤل . لماذا اصرت آديل أن تدعوها على مأدبة العشاء . في حين انها كانت تعرف أن بيير سيأتي بضيفة ؟ ولماذا لم تخبرها بأن زوج شقيقتها لن يأتي وحده ؟
أدركت ربيكا مدى السعادة التي ستنعم بها آديل في مثل هذا الموقف . فهل تكون قد شعرت باهتمام ممرضتها السيد بيير فاختارت هذه الوسيلة لتجبرها على ألا تعلق أمالها عليه ؟
في أي حال هذه الليلة ستكون فوق طاقة البشر .
راحت آديل تتحدث إلى إيفون . لتشعر ربيكا بأن ربيكا بأن المرأتين على معرفة سابقة منذ عدة سنوات مضت . بينما اتخذ بيير طريقة ووقف على جوار ربيكا . وتمتم قائلاً :
" مساء الخير يا آنسه . إنني مندهش لأن آديل سمحت لك بالانضمام إلينا "
" الآنسه سانت كلاود أصرت على حضوري ولسوء الحظ لم اكن في موضع يسمح لي بالاختيار "
سألها بصوت منخفض :
" لماذا تصرين على هذا المسلك الطفولي ؟ "
وهنا تطلعت ربيكا إلى آديل التي قالت لها :
" نريد ان تروي ضمأنا يا ربيكا . هل يمكنك إحضار بعض كؤوس الشراب ؟ على فكرة يا إيفون هذه هي ممرضتي ربيكا ليندي . كنت أنا وإيفون في مدرسة "
كانت نبرة آديل تشوبها البهجة والمرح ولم تجد ربيكا أمامها أي اختيار غلا أن تذهب وتشد على السيدة الفرنسية . وتسألها أي شراب تحب أن تحتسية عندما توجهت لاعداد الشراب . لحق بها بيير وشعرت بالحرج من وجوده معها ولم ينقذها غلا وصول روزا لتعلن أن العشاء قد أعد وتعهد بيير بقيادة المقعد المتحرك وهما يتقدمان ربيكا والسيدة الفرنسية ويتجهان إلى المائدة .
خيم الصمت على ربيكا وهي تتناول طعامها بينما كان الامر سهلاً في أن تدير آديل دفة الحديث مع ضيفيها . وهكذا وجدت ربيكا نفسها وحيدة ولكنها لم تابه كثيراً وكان هذا افضل لها وغن كانت تتوق على الهروب منهم جميعاً .
وقدمت روزا القهوه في غرفة الجلوس . وبعد أن أحتست ربيكا فنجانها نهضت وقالت :
" اسمحوا لي بالانصراف . علي بعض التقارير الطبية كما وانني اشعر بصداع خفيف "
تجهمت آديل . وقالت :
" كتابة التقارير ليست أمراً عاجلاً . أما بالنسبة على الصداع فإنني أعتقد أن جولة في الحديقة كفيلة بأن تخلصك منه . وأنا متأكده من أن السيد سانت كلير يمكنه مرافقتك "
وحملقت آديل في بيير الذي نهض واقفاً بدوره . فتوردت وجنتا ربيكا وتساءلت : ماذا وراء آديل ؟ ولماذا اقترحت ان يرافقها بيير أثناء جولته في الحديقة . وبخاصة أنه لم يسبق أن أبدت أي اهتمام بممرضتها من قبل ؟
قالت ربيكا :
"
شكراً لك , لكن ... "
عندئذ قاطعها بيير ثائلاً :
" آديل على حق . هواء الليل سيفيدك أكثر من جلوسك في غرفتك , أنا واثق بأن آديل وإيفون ستجدان موضوعات شتى للخوض فيها "
مالت إيفون إلى الأمام ووضعت يدها على ذراع بيير وقالت له :
" دع ليندسي تتخذ القرار لنفسها ياعزيزي . ربما تكون متعبة "
راقبت ربيكا الحديث الدائر باهتمام وتساءلت اية علاقة تربط بين إيفون دي بوي وبينه ؟ ومن ملامح المودة التي ارتسمت على وجهها استطاعت ربيكا ان تدرك ان العلاقة بينهما على النحو الأردا . فقالت ربيكا مؤكدة :
" أجل , إنني مجهد وارغب في النوم "
قالت آديل في قسوة :
" ماذا عن امري أيتها الفتاة ؟ أنسيت أن واجبلتك نحوي لم تنتهي بعد هذا المساء ؟ "
ترددت ربيكا وقالت :
" اظن ان روزا لن تمانع في مساعدتك فهي كانت تحل محلي أثناء الأمسيات التي أمضيها بالخارج "
وحتى لا تظهر آديل في صورة المستخدمه العنيدة فم تستطع أن تتخذ قرار اتجاه ممرضتها . وتمنت ربيكا للجميع أمسية طيبه . وهي تتجاهل نظرة الازدراء التي بدت في عيني بيير , وأرعت لتبحث عن الأمان في غرفتها وكانت تعرف أن آديل ستجعلها تدفع ثمن معارضتها لها بهذا الأسلوب غالياً . لكنها لم تكترث كثيراً !


نهـــاية الفصل الثـاني


انتظروني في الفصلين الثالث والرابع قريباً

بنوته عراقيه 27-01-09 07:30 PM

https://www.rewity.com/q/1.gif

مكفخة خواتهاااا 03-02-09 12:56 AM

اقتباس:

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة بنوته عراقيه (المشاركة 738424)

مشكورة ع مرورك

qotaiba 03-02-09 12:59 AM

سلمت الايادي https://www.rewity.com/q/11.gif https://www.rewity.com/q/11.gif

مكفخة خواتهاااا 03-02-09 01:01 AM


الفصل الثالث

3- بئر بلا قرار

في صباح اليوم التالي. لم تتوجه ربيكا إلى الشاطئ للسباحة كعادتها. ففي الساعات الأولى أيقظتها أديل بنداء ضعيف. فأسرعت ترتدي ثوبها. وهرعت الى غرفة مريضتها.
كانت أديل ترقد وسط الفراش. وكان من الواضح أنها توجهت إلى الحمام, وفي أثناء عودتها تهاوت على الأرض. وبدا جليا أنها تحاول التقاط أنفاسها, وهي تضغط راحتها على صدرها لتخفف من حدة الألم الذي كان يمزقها.
عاونتها ربيكا على النوم في وضع مريح ثم أسرعت إلى خزانه الأدويه وعادت تحمل معها دواء أعطتها إياه. وكان لوجود ربيكا اثر فعال في أن تستعيد أديل هدوئها الطبيعي. وبعد قليل تحدثت إلى الدكتور مانسون هاتفيا وطلبت منه المجيء بسرعة.
وعندما وصل الطبيب أثنى على ما فعلته ربيكا وانب أديل على طيش سلوكها في اليوم السابق وقال لها:
" ليكن في علمك أن صحتك لا تحتمل قضاء يوم كامل مشحون بالانفعال. بالاضافه إلى انك تناولت طعاما دسما. ربيكا اخبرني بكل شيء. أنت سعيدة الحظ بوجود ربيكا معك. لا ادري ماذا كلن يحدث لو..."
وكانت أديل قد بدأت تفيق تدريجيا من نوبة الشلل التي هاجمتها. فألقت نظره عتاب إلى ربيكا وقالت:
" إنا في صحة جيده ولا حاجه لاستدعائك بتاتا. أرادت ربيكا ان تخبرك بأنني لم أنفذ تعليماتها. يا الهي متى تأتي الساعة التي لا اعتمد فيها على احد "
نظر اليها دكتور مانسون بحنان وقال:
" آنت تدركين تماما بأنك ستعتمدين على غيرك ما حييت, وهذا امر يجب ان تتقبليه برحابة صدر "
بدت المرارة على وجه أديل وصرخت بصوت يشوبه ألم العذاب:
" لقد عشت به طوال حياتي "
تحول دكتور مانسون عنها وفي عينيه نظرة يأس وشاركته ربيكا شعوره بهزة من رأسها. كان كل منهما يخشى آثار الكآبة على نفسيه أديل.
وبعد رحيل الطبيب قامت ربيكا بإعطاء أديل قرصا مهدئا. وبعد قليل استغرقت في النوم وأحست ربيكا بالذنب وراحت تلوم نفسها واخذ عدد كبير من الاحتمالات يطن في عقلها. فلو أنها مكثت معها ليله أمس حتى انتهاء وليمه العشاء, لو أنها رافقتها حتى الفراش. لو أنها راقبت العلامات الأولى التي تنذر بقدوم النوبة لأمضت أديل ليلة هادئة ولما أصابتها هذه النوبة. لا شك أن الطعام الدسم وكمية الشراب التي احتستها سبب ما حدث لها!
تركت ربيكا فراش أديل وتوجهت إلى غرفتها وكانت الساعة تقترب من السابعة صباحا. ولم تفكر في أن تأوي إلى سريرها. فقد تحتاج إليها أديل ثانيه. ولذلك توجهت إلى المطبخ وطلبت فنجانا من القهوة من روزا التي بدا القلق على وجهها وراحت تسأل ربيكا اسأله عديدة عن أديل. هدأتها ربيكا ثم سألتها:
" هل كانت أديل بخير عندما قمت بمرفقتها إلى السرير ليلة أمس؟ "
قالت روزا:
" كانت متعبه فقط. رأيتها تتناول قرصها كما أخبرتني أنت. كانت بخير "
" لا داعي للقلق يا روزا. ستعود إلى حالتها الطبيعية حلال يوم أو اثنين. عليها أن تمكث في فراشها اليوم وربما غدا أيضا. إن الدكتور مانسون اخبرني بذلك "
وقدمت روزا فنجان القهوة وقالت لها:
" هل أنت بخير الآن؟ إن السيد سانت كلير اخبرني بأن صداعا قد ألم بك ليلة امس, ولذلك توجهت إلى فراشك قبل رحيل الضيوف "
" أخبرك السيد سانت كلير بذلك! متى رأيته؟ "
" لقد ساعدني على ان أضع أديل في فراشها قبل ان يرحل "
عضت ربيكا شفتيها وقالت:
" أوه..أوه! متى رحل الضيفان ليلة أمس؟ "
لم تسمع ربيكا محرك السيارة عند رحيلها. وقد يرجع السبب في ذلك الى ان غرفتها تقع بعيدا عن الطريق العام. وأفاقت على صوت روزا وهب تقول:
" رحلا بعد أن أويت إلى فراشك مباشرة "
هزت ربيكا رأسها, وحملت فنجان القهوة, واقتربت من النافذة, وراحت تتأمل المرج الممتد خلف الفيللا. لم تفكر في الألم اللذيذ الذي كانت تشعر به في أعماقها. وراحت تسأل لماذا يحاول بيير ان يؤثر فيها بهذه الطريقة؟ لماذا لا تستطيع أن تبعد التفكير فيه عن ذهنها؟
كان المرض المفاجئ الذي داهم أديل مانعا من أن تلوم ربيكا على ما بدر منها من شلوك في الليلة الماضية أثناء مأدبة العشاء, ولما تمالكت قواها وغادرت الفراش في اليوم التالي وجهت بعض التعليقات الساخرة لها. وان لم تشر إلى اسم بيير سانت كلير بإشارة. وكان التفسير الواضح الذي شعرت به ربيكا لعدم ذكر اسمه يرجع إلى هناك أسباب تحتفظ بها أديل لنفسها, وتمنت ان تعرف ما يدور في خلد مرضتها.

وفي مساء اليوم الثاني لحدوث النوبة بدأت أديل تعود إلى حالتها الطبيعية, مما أتاح الفرصة لربيكا لأن تتوجه إلى الشاطئ وتمارس رياضة السباحة. كانت أول مره تغادر فيها الفيللا. لأنها خشيت طوال الوقت على أديل أن تهاجمها نوبة أخرى.
خلعت ثيابها, ولامست قدماها الماء البارد ثم القت بجسمها في احضان البحر. وراحت تسبح مسافات طويله حتى شعرت بالحيويه تتجدد في ساقيها. فألقت بظهرها فوق سطح الماء. وراحت تتامل قوس السماء التي تعلوها.
عادت الى الشاطئ وهي منتعشه, ونفضت الماء عنها. وبينما كانت تضم الروب حول جسمها جيدا تناهى الى سمعها صوت وقع اقدام تسعى نحوها فأجفلت ورأت شبح رجل مقبلا عليها وراودها التفكير في الهرب ولكن أطرافها تجمدت مكانها. ووقفت عاجزه عن الحركه وقالت:
" الا تعلم أنك تقتحم خلوتي؟ انه شاطئ خاص!"
"وانت مجنونه لكي تستحمي وحدك هنا. يا الهي أليس لديك أي ادراك يا ربيكا؟"
وسألته وهي ترتعد:
" هل كنت تتجسس علي؟ "
" انا لا اتجسس عليك. وانما جئت هنا على امل رؤيتك. ان منظر انثى شبه عاريه مثلك ليس امرا جديدا بالنسبة الي. واذا كنت متطفلا كما تقولين, فماذا كان سبيلك للدفاع عن نفسك وانت في مثل هذا الثوب؟ "
عادت تكرر مرة اخرى:
" انه....انه شاطئ خاص! "
" ولكنه ليس محددا بسياج. انت تعملين باستمرار على اثارة غضبي. عندما اتحدث اليك او عندما احاول ان اكون صديقا لك, تبادرين بالوثوب علي مثل الهرة الشرسه. جئت هنا بدون اتخاذ أي احتياطات من اجل سلامتك. لقد نفذ صبري معك "
" انني لا اطمع في تسامحك. والان ابتعد عن طريقي "
ولكن بيير ظل في مكانه يحملق فيها, وعندما بدات تتحرك تحرك هو بدوره يعترض سبيلها. فتطلعت اليه بغضب مستخدمة غضبها درعا يقيها من جاذبيته ثم قالت له بحزم:
" من فضلك ابتعد عن طريقي "
وتنحى بيير عن طريقها بدون ان يتفوه بكلمة ووجدت صعوبة في المشي فقد تجمدت ساقاها. وبعد جهد استطاعت ان تقطع الشاطئ وتخترق الحشائش حتى بلغت الفيللا ولم تنظر وراءها, ولكنها كانت تدرك تماما انه يتطلع اليها.

وفي نهاية الاسبوع تحدثت أديل تلفونيا ودهشن ربيكا اذا اعتادت أديل ان تسألها القيام بهذه المهمة وكان من الواضح ان أديل كانت تبغي ان تكون وحدها أثناء المكالمه فتركتها ربيكا وهي تتساءل عمن يكون الشخص الذي تتحدث اليه أديل سرا.
وبعد مضي يومين وعند الاصيل قامت ربيكا بمساعدة أديل لأخذ اغفاءه قصيره ثم دخلت الى الصاله لتجمع الزهور الذابله من المزهرية. وعندئذ شعرت ان بيير سانت كلير دخل الى الصاله, فتطلعت اليه ورأت البرود والتجهم باديين على وجهه فقالت له على الفور:
" لنني لم اسمع صوت محرك سيارتك "
" تركتها في مكان بعيد, اذ خشيت ان تكون أديل نائمه ولم ارغب في ازعاجها "
" ما دمت تعرف ان أديل نائمه فما سبب مجيئك؟ "
" لأسباب واضحه. انني استطيع ان اتصور ما اخبرتك به أديل عني. ولكن ارجوك لا تتسرعي في اصدار حكمك علي "
" ليس من حقي ان اصدر حكما عليك. ان ما اشعر به حقيقة هو انك تبدد وقتك ومواهبك في مطاردتي "
" كفى...انت لا تعرفين شيئا عن حياتي "
واطبق قبضته في غضب, ثم استطرد يقول في نبره متغيره:
" ربيكا...هيا بنا نقوم بجوله في سيارتي "
" لا استطيع...ربما تحتاج الي الانسه سانت كلاود "
" لن تحتاج اليك قبل ساعه...هل تعتبرين طلبي امرا مستحيلا؟ وهل تعتبرين صحبتي شيئا بغيضا الى نفسك؟ "
واشاحت بوجهها عنه فقد كانت حواسها كلها تهيب بها ان تقبل دعوته, بينما كان عقلها يرفضها. ولكن العقل يجب ان يقهر من اجل سلامته. وعندما تحركت ربيكا نحو الممر المؤدي الى غرفتها سألها بحزم:
" ما هو قرارك؟ "
" سأكون مستعده بعد قليل "
وحينما عادت وجدته يذرع الصاله نافذ الصبر, كأنه حيوان سجين في قفصه,ولكن عينيه تألقتا بالبريق عندما رأها جذابه وهي ترتدي تنوره بيضاء بكسرات وبلوزه بلا اكمام. قال لها:
" اخبرت روزا بأننا سنخرج سويا في حالة ما اذا استيقظت أديل اثناء غيبتك "
استقلا السياره وقطعا مسافه استغرقت ثلاث ارباع الساعه حتى بلغا سهلا يقع فوق ربوه عاليه تطل على الوادي كله. أوقف بيير محرك السياره وفتح الباب المجاور له ترجل خارجا, وراح يتأمل جمال منظر الجزيره. ثم استدار حول السياره حتى بلغ ربيكا التي ظلت جالسه في مقعدها فسألها:
" حقا المنظر جميل, أليس كذلك؟"
قالت ربيكا بتعاسه:
" حقا جميل! ولكن يجب ان نعود اننا سنتأخر "
مال على الباب وعيناه تدغدغان مشاعرها وقال:
" أوه يا ربيكا. هل أنت دائما مهتمة بما هو صحيح وما هو خطأ؟ "
ترجلت ربيكا تاركه مقعدها لتقف الى جواره وهي حريصة على ان تكون بعيدة عنه, ولكنه كعادته نجح في بلبة افكارها. تنهد ثم قال لها:
" اقتربي مني, سنجلس قليلا, هل تدخنين؟ "
"كلا...لا ادخن "
جلس بيير على الارض الخضراء التي ادفأتها اشعة الشمس واخرج سيكاره واشعلها ثم تطلع الى ربيكا وهز رأسه في تعجب وقال لها:
" اخبريني, ما سبب قلقك؟ "
تدافعت انفاسها, وفجأه تذكرت السبب الذي دفعها الى ترك بريطانيا. لقد ماتت جدتها قبل ان تنتهي فترة تدريبها فاضطرت ان تعيش في شقه مع ممرضه تدعى شيلا. كانت مخطوبه لشاب يدعى بيتر فيلدمان وكان من الطبيعي ان يتردد بيتر على الشقه. فأحس بأنجذاب عاطفي نحو ربيكا ومالت اليه بدورها, كان الموقف حرجا, لأن شيلا كانت فتاة مليحه وصديقه مخلصه, ولا تستحق ان تطعن في مشاعرها, ولذلك فإنها عندما انتهت من دراستها قبلت هذه الوظيفه التي تجملها الاف الاميال, بعيدا عن الاغراء الذي يفرق بينها وبين صديقتها. ولقد ظنت انها كانت تحب بيتر ولكن هذه الارض الجديده وبفعل الظروف المحيطه بها استطاعت ان تنساه وشكرت السماء حين اكتشفت ان عاطفتها نحوه انطفأت جذوتها. في الوقت الذ بدا فيه بيير يخلق لها مشاكل مختلفه تماما. فقد اثار عاطفتها بطريقه لم تعتقد يوما ان انسانا يستطيع اثارتها. حقا انه لم يمسها ولم يبذل من جانبه أي مجهود واضح, ومع ذلك استطاع ان يشيع الاضطراب في مشاعرها.
لقد فزعت عندما تحدث اليها وهي في سيارتها وكانت خينئذ مستغرقه في افكارها فلم تدرك دوافعه, اما الان فأنه يسألها سؤالا مباشرا:
" لماذا تخافينمني يا ربيكا؟ "
حاولت ان تفتح فمها لتعترض ولكنها اغلقته من دون ان تتفوه بكلمه. انها حقيقة لا مراء فيها. انها خائفه منه او على الاقل خائفه من القهوة التي يفرضها عليها. وعندما شرعت في الابتعاد عنه, أطبقت أصابعه على ذراعها وتنهد بحرقه. ثم تمتم قائلا:
" ربي...لماذا التقيت بك؟ "
ارتجفت ربيكا من قبضته وقالت بوهن:
" يجب أن نعود "
تطلع اليها عن عمد ثم قال:
" احقا يجب ان نعود؟ انا لا ارغب في العوده, فهل ترغبين انت؟ "
" أوه...بيير! إنه...إنه...."
ومال برأسه ومست شفتاه ذراعها مدغدغا إياها عن عمد. ثم استطرد قائلا:
" يا لها من بشرة ناعمة مثل بشرة الأطفال, ولكنك لست بطفله, وإنما أنت امرأة يا ربيكا. أنت تريدينني كما أريدك أيضا "
" لا...لا...أنت مخطئ! "
لم يحاول أن يبقيها بين يديه عندما بدا الخوف على محياها, وإنما راح يراقبها فترة سادها الاضطراب, ثم أشاح بنظراته عنها وراح يحملق في الجزيرة ومياه البحر اللانهائي. ومرت بها لحظه انتابتها الرغبة في العودة إليه. ولكنها قبل أن تحقق رغبتها, رأت بيير يخطو فجأة بخطوات واسعة نحو السيارة وهو يقول لها بصوت آمر:
" هيا بنا "
ووجدت نفسها تسارع في الانضمام إليه. وفي طريق العودة خيم الصمت عليهما حتى بلغا الفيللا ومد ذراعه وفتح لها الباب فانزلقت منه خارجه. وبدون أي كلمة أغلق الباب ثانية وأدار محرك السيارة وانطلق ينهب الطريق.
وكانت مفاجأة ربيكا أن تجد أديل مازالت في فراشها طوال الفترة التي غابت فيها عنها. وما كادت تدخل غرفة النوم حتى سألتها المرأة العجوز:
" أين أمضيت كل هذا الوقت يا آنسة ربيكا؟ "
أغلقت ربيكا الباب ثم ارتدت زي التمريض على أمل أن يشفع لها لدى مريضتها وأجابت:
" قمت بجوله في سياره السيد سانت كلير. انني اسفه اذا كنت قد تأخرت. كيف تشعرين الان؟ هل استمتعت براحة كافية؟ "
" انتظري دقيقة, أريد تفسيرا لخروجك معه "
تنهدت ربيكا وقالت:
" جاء وأنت نائمة ودعاني للخروج معه, وقبلت دعوته. أنني أسفه إذا كان لديك اعتراض على خروجي معه "
"انتظري قليلا, إنا لم اقل إنني معترضة. هل قلت ذلك؟ ماذا حدث؟ "
" ماذا تعنين بقولك ماذا حدث؟ ماذا يمكن أن يحدث؟ لا شيء إطلاقا طبعا "
وبدأت ربيكا في طي الاغطيه, استعدادا لمغادرة أديل الفراش فسألتها أديل:
" هل أخبرك بسبب دعوته لك؟ "
" اعتقد إنها كانت نهاية المطاف, وأنه لن يدعوني مرة ثانية "
حملقت أديل في وجهها وسألتها:
" لماذا؟ ماذا حدث؟ "
بذلت ربيكا جهدا كبيرا كي تحتفظ بهدوء أعصابها, فقد كانت تعرف أن أديل تتحرق شوقا الى معرفة أي أخبار. وفي هذه المرة لا تستطيع ربيكا أن ترضي فضولها, ولا تستطيع أن تكشف لها ما دار بينها وبين بيير سانت كلير. فقد بدا لها ما حدث لا يعدو أن يكون تجربة قامت بها وتحتاج نتائجها الى تحليل. وفجأة صرخت أديل قائله:
" بربك يا فتاة. ألا أستطيع أن أبدي قليلا من الاهتمام عندما أرى ممرضتي تجذب اهتمام رجل مثل بيير سانت كلير؟ "
قامت ربيكا بمساعدة أديل على مغادرة الفراش وعاونتها على تثبيت ثيابها ثم قالت:
" ما حكايتك يا ربيكا؟ هل تشعرين بالغيرة؟ "
فتطلعت إليها ربيكا بغضب وقالت:
" لا...بالطبع لا "
وصمتت ربيكا قليلا حتى لا تتيح لأديل إثارتها. وهذا تماما ما تصبو إليه المرأة العجوز. وقد توقعت منها ان تصب جام غضبها على أية بادرة خطأ تحدث منها. ولذلك تقبلت ربيكا هذا اللوم بأبتسامه. واجلستها على المقعد المتحرك ودفعتها الى غرفة الجلوس حيث كانت روزا تعد شاي بعد الظهر. و أصرت أديل على أن تصب الشاي بنفسها وتعمدت أن تسكب قليلا من السائل الساخن على السجادة بالقرب من قدمي ربيكا التي اضطرت للبحث عن قطعه قماش لتجفف بها أثار الشاي المسكوب وهي تدرك أن أديل كانت تتمنى لو أنسكب السائل الساخن فوق رأسها!
واستأذنت ربيكا لكي تعيد تنظيم فراش أديل ثم توجهت لغرفتها لتنظيفها, وكانت حماستها فارتع. وعندما استنفدت صبرها ألقت بجسدها فوق سريرها, وراحت تحدق في المرآة شاردة الذهن وطفقت تحدث نفسها: لو لم تقبل بيير لما تشتت تفكيرها. كانت الحياة بسيطة منذ عشرة أيام, وكانت راضيه بحياتها ومتقبله لتصرفات أديل الشاذة. ولكن بيير افسد عليها حياتها. لقد أثار في أعماقها معنى الحياة. هل هي حمقاء أن ترفض ما قدمه له حتى لو لم يكن أبديا؟ إن كل ما تعرفه عنه انه رجل ثري وان زوجته متوفاة. هذا ما أخبرتها بها أديل وهي تحدثها عنه. أما هو فلم يخبرها بشيء. هل لديه أسره؟ وإذا كانت لديه أسرة, فأين هي؟ كان في نظرها لغزا مثل بئر بلا قرار!

في صباح اليوم التالي التقت ربيكا بالسيد بيير سانت كلير على الشاطئ فقررت أن تسير بعيدا عنه ولكنه قال لها فجأة:
" جئت لأعتذر لك عما بدر مني من تصرفات. يا الهي لم أكن سيء السلوك يوما ما "
وتطلعت إليه ربيكا مندهشة, وتساءلت هل هو جاد في كلامه أم أنها محاولة جديدة للعبث بها! ولكنها تبينت أمارات الجدية بادية على وجهه. فمدت يدها محيية وقالت:
" لا تلم نفسك...لم يحدث أي ضرر! "
" أحقا ما تقولين؟ كيف حال أديل هذا الصباح؟ هل ما زالت نائمة؟ "
" لقد أخبرتك بأن أديل تظل نائمة حتى التاسعة "
" أنني أتبادل معك الحديث هذا كل ما في الأمر "
" أوه...انه ليوم جميل! ما خططك لهذا اليوم؟ "
" أنني على موعد لمقابلة الوزير هذا الصباح. أما بعد الظهر فإنني لا أدري ماذا أنا فاعل. ربما أقوم برحلة بحرية لمشاهدة الجزر. سأمكث أسبوعا آخر هنا أقوم فيه بزيارة الأماكن التي يتردد عليها السياح عادة.
تمتمت ربيكا قائله:
" أسبوع آخر؟ وبعد ذلك ماذا ستفعل؟ "
" سأقوم بزيارة باريس. لدي شقة هناك تقع في الضواحي "
" الديك بيت واحد فقط؟ "
ابتسم ابتسامة شاحبة ثم قال:
" بيت؟ قولي هل لديك وطن؟ "
اتسعت عينا ربيكا وقالت:
" طبعا...أنت لست جادا في كلامك "
" أنا جاد تماما. لدي أربعة بيوت. هذا ما تبغين معرفته, أليس كذلك؟ "
" إنني لا أهتم بما تملك, إذا كان هذا ما تشير إليه "
تردد بيير ثم تنهد وسألها:
" ألا تهتمين حقا؟ إذا أنت فريدة من نوعك يا آنسه! "
تأملت ربيكا استدارة أظافرها ثم سألت نفسها: لماذا لا تتركيه الآن؟ لماذا لا ترحلي قبل أن يتطرق الحديث إلى أشياء أخرى؟ وشعرت به يتحف1ك ويخطو خطوة واسعة نحوها, وقد ركز نظراته على رأسها المنخفضة وبعد قليل قال لها:
" اغفري لي مرة ثانيه. يبدو أنني أتفنن في قول وفعل الأشياء الخاطئة! "
" الأمر لا يهم "
" من الواضح انه لم يخطر ببالك أن لقاءاتنا المتكررة لا تعدو أن تكون مجرد مصادفات "
تطلعت إليه بعينين فزعتين وقالت له:
" لا أعرف ما الذي تهدف إليه. أظن أنه من الأفضل أن أذهب "
ندت صرخة من صدره وراح يمرر راحته فوق شعر رأسه وهو يقول:
" أجل...أجل...اذهبي. هذا ما تعودت عمله عندما يتأزم الموقف بيننا, أليس كذلك؟ "
عضت ربيكا شفتها السفلى وقالت:
" إنني لا أرى أي هدف في هذا الحديث "
" هل هذا ر%cيك, أم أنك تخافين الاستمرار فيه؟ "
ترددت ربيكا ثم تنهدت وقالت:
" أعرف أنني أصبحت موضع اهتمام واحد يعد أقوى فرد في عائلة سانت كلير, وأنني لا أرى أي هدف من وراء مناقشة ذلك. ماذا تريد مني؟ إنني لست واحدة من مجتمعك النسائي. ولست على استعداد لكي أبيع نفسي إلى الطبقة العليا...بل أنني لا ارغب في ذلك "
امتقع وجه بيير وقال:
" كيف تجرؤين على الحديث معي بهذا الأسلوب؟ "
وفي الحقيقة لم تعرف ربيكا بدورها كيف تحدثت بهذا الأسلوب. لقد انطلقت الكلمات من فمها بلا تفكير, فشعرت بالخجل وقالت أخيرا:
" أسفه...إنني أسفه, لست أدري ما الذي دهاني "
رمي بيير سيكارته تحت نعل حذائه وقال:
" يبدو أن كلا منا قد أخطأ في أحكامه, أقول لك , إلى الملتقى يا آنسه "
تركها فجأة وسار طوال الشاطئ. وشعرت ربيكا بالتعاسة وودت لو جرت وراءه وتوسلت إليه أن يغفر لها. وقالت له أن عواطفها المضطربة هي سبب ما تفوهت به, وأدت إلى نقطة الاختلاف بينهما. ولكن كيف السبيل إلى الحديث معه؟ ربما لو تحدثت إليه لأنفجر ضاحكا منها. في أي حال ان الأسباب التي يريدها من أجلها كانت تختلف عن الأسباب التي تريده من اجلها.
استنشقت نفسا عميقا وبدأت تسير على الشاطئ والتعاسة تملأ أعماقها وتمنت في هذه اللحظة الا تراه ثانية. وكانت مواجهة هذه الحقيقة مفزعة لها. واستغرقت في أفكارها فلم تشاهد أبو جلمبو وهي تدوسه بقدمها. وانغرست أطرافه في جلدها فأطلقت صرخة مدوية وسقطت على الرمل وهي ممسكة بقدمها المجروحه, وراحت تفحص ما أصابها فرأت الدم يتدفق من التمزقات التي شقت الجلد. وامتزجت الآم جروحها بشعور الكآبه الذي كانت تكابده فأطلقت العنان لدموعها تجري فوق خديها.
واستغرقتها هذه الحالة فغطت عينيها بذراعها, فلم تلاحظ ظل شخص أخر يتقدم نحوها. وعندما احست بوجوده تطلعت ببصرها نحوه ومسحت بسرعة آثار الدموع من فوق خديها. وتطلع اليها بيير وسألها:
" ماذا حدث؟ سمعت صرختك "
هزت ربيكا رأسها وقالت:
" لا شيء اطلاقا "
جالت عيناه في أرجاء المكان حتى وقع بصره على بقع الدم فوق الرمل, ومال بجسمه ورفع قدمها وفحصها فقالت له:
" أخبرتك بأنه ليس هناك شيء اطلاقا. داست قدمي على أبو جلمبو "
قال لها:
" يجب أن تنظفي مكان الجروح ببودرة سلفا عندما تعودين الى الفيللا "
ثم مال برأسه وأخذ يمتص الدم من كل جرح ويبصقه فوق الرمل. وكانت ربيكا تراقبه غير مصدقه عينيها لما يفعله وعندما انتهى قال لها:
" الا تعرفين أن هذه الطريقة هي أفضل وسيلة تمنع سريان السم في الجسم؟ أعرف انها طريقة بدائية اذا ما قورنت بخبرة ممرضة مثلك, ومع ذلك فإنها فعالة "
قالت له بإستسلام:
" شكرا لك! "
أعاد بيير قدمها لتستقر فوق الرمل. ووجدته يجلس أمامها وراح يتطلع إليها وقد أرتسم على محياه تعبير غريب. سألها برقة:
" لماذا كنت تبكين؟ "
هزت ربيكا رأسها وقالت:
" غباء مني. ان الجروح لم تكن بالخطورة التي كنت أتصورها "
" لا أعتقد أن هذا كان سبب بكائك, الا يمكن أن تكوني صادقة مع نفسك يا ربيكا؟ "
تحرك فجأة وحملها على ذراعيه وقال لها:
" سأصحبك الى الفيللا "
عارضته ربيكا ولكنه تجاهلها. فاستسلمت وشعرت بالفرح لقربه منها. وعندما اخترق بها المرج وتوجه صوب المنزل لم يحاول أن ينظر اليها ولكنها كانت تشعر بصلابة ذراعيه ورحابة صدره وحرارة جسمه.
سألها بصوت منخفض عندما وقف في وسط الصالة قائلا:
" أين غرفتك؟ "
أشارت ربيكا الى الممر فقطع المسافة بخطوات واسعة, وعندما بلغ بابا أشارت اليه فدفعه بيير ودخلا الغرفة. فرأى الفوضى تشيع فيها. الفراش لم يسو بعد والأغطية مدلاة من فوقه, والثياب مبعثرة. سار بيير نحو السرير ليضعها فوقه فالتفت ذراعاها حول عنقه حتى يستقر جسمها بارتياح وشعرت بجلده الناعم, وعندما حاول أن يستقيم بجسمه منعته. وتمتم بصوت متهدج:
" اتركيني يا ربيكا "
وحاول أن يبعد ذراعيها من حول عنقه ولكن أصابعها ازدادت تشبثا به فاضطر أن يجلس الى جوارها. كانت عيناه تكابدان العذاب وهو يحدق فيها, وفجاة مال برأسه نحوها...ومد يده التي راحت تتحسس كتفها, ثم أخذت تتلمس طريقها الى ذراعها وحين بلغت وسطها قامت بفك أزرار سترتها وعندئذ ثارت مشاعرها, ولكن ما أثارها اكثر كانت رغبتها فيه مثل رغبته فيها. وكانت لمساته مدمرة لحواسها, ولكنه انتزع نفسه فجأة فشعرت بخيبة أمل.
ابتعد عنها وأدار لها ظهره وهو يهز رأسه قائلا:
" لا..لا ...يجب الا ارتكب اثما "
حملقت ربيكا في ظهره وتجهم وجهها. وعندما استدار وتطلع اليها قال:
" ربيكا...يجب أن أرحل "
ارتكزت ربيكا على مرفقيها فبدت مثيرة وتمتمت قائلة:
" هل تفر هاربا يا بيير؟ "
هز كتفيه, وراح يتفرس فيها بعينين نهمتين وقال:
" أجل..أجل...انني افر...انني لا أستطيع أن أدمر هذه البراءة "
ازداد تجهم ربيكا وانزلقت من الفراش وقالت له:
" بيير...بيير...انني أعرف ما ألإعله! "
تتطلع ببصره نحو السماء وقال:
" أرجوك يا ربيكا لا تجعلي الأمر يبدو قاسيا على نفسي أكثر مما كان. لأول مرة في حياتي بعد سنوات عدة عشتها مع امرأة كنت أكرهها, واحتقرها اتيحت لي الفرصة لأن اجد شيئا جميلا. شيئا جديرا بتقديري. ولكن يا الهي...لا أستطيع أن اناله "
واستدار فجأة ليغادر الغرفة وهو يقول:
" يجب أن أرحل...ان أديل سوف تستيقظ حالا...واذا عثرت علي هنا..."
قاطعته ربيكا وقد امسكت بذراعه وجذبته نحوها, وتمتمت قائله:
" بيير...عم تتحدث؟ انني لم اطلب منك شيئا, ولا اتوقع منك شيئا "
امسك بكتفيها وهزها برقة قائلا:
" لم لا تحاولين الاتصال بي؟ اننا لا نستطيع ان نناقش الامر الان. ليس هناك متسع من الوقت. انني أحتاج الى وقت لكي....لكي... "
صمت ثم هز رأسه واستطرد قائلا:
" قابليني الليله...سوف نتبادل الحديث "
" حسنا...ولكن كيف نلتقي؟ اقصد كيف يحدث ذلك بدون أن تعلم أديل؟ "
" سأحضر الى هنا...سنلتقي على الشاطئ...التاسعه ما رأيك؟ "
بلعت ربيكا ريقها وقالت:
" لا بأس "
وهبها ابتسامة رقيقة...ثم امسك بها وضمها الى صدره وهمس في أذنها قائلا:
" أنت تستحقين كل الحب. أحبك "
وبدون أن يتيح لها الفرصه لأن تتفوه بكلمة انفلت خارجا من غرفتها.
وبعد رحيله سارت ربيكا معتمدة على ساقيها المضطربتين لتغلق الباب, واستندت بظهرها عليه. وراحت تستعيد الأحداث التي مرت بها سريعا. وتساءلت ماذا يعني كل هذا؟ ماذا يعني بيير بالنسبة اليها؟ وهل الكلمات الأخيره التي فاه بها جادا تماما؟ قال لها أحبك..هل هذا محتمل حدوثه؟ هل أحبها؟ واذا كان يحبها, فما الذي يضمره لها؟
اتجهت مذهولة إلى طاوله الزينة, وتطلعت إلى الساعة التي كانت تشير إلى الثامنة والنصف. حان الوقت لارتداء ملابسها وإعداد طعام الإفطار. وإلا فإن روزا ستبدأ في التساؤل إذا ما تأخرت عن موعد الحضور. وبدت لها الساعات التي تفصل بين الوقت الحالي والساعة التاسعة مساء طويلة. وكان السبيل الوحيد لكي يمر الوقت سريعا هو أن تغرق نفسها في الأحلام!


-نهاية الفصل الثالث-



--------------------------------------------------------------------------------


--------------------------------------------------------------------------------


الفصل الرابع

4- الحقد حلم جنوني


لم تكن روزا في المطبخ عندما دخلته ربيكا . فانتابتها الحيرة . لأنها اعتادت ان ترى مدبرة المنزل في مثل هذا الوقت من الصباح تعد صينية طعام آديل . وكانت كل الدلائل تشير الى أنها كانت موجودة منذ لحظات . ولابد أن تكون قد خرجت لشراء الخضروات . ولذلك قررت ربيكا ان تصب لنفسها فنجانا من القهوة . وجلست الى المائدة تحتسيها في الوقت الذي أقلبت فيه روزا من البهو .
ابتسمت ربيكا وقالت :
- صباح الخير ياروزا .

ولكن روزا لم تبادلها الأبتسامة . وأنما قالت على الفور :
- صباح جميل يا آنسة . هل أعددت قهوتك ؟
- اجل شكرا . لقد افتقدت وجودك ... ولذلك أعددت القهوة بنفسي.

ولكن ربيكا وجدت ان روزا مشغولة عنها فقالت :
- هل حدث شئ ؟

جالت روزا ببصرها في المكان والقلق باد على محياها . وأخيرا قالت :
- ليس تماما يا آنسة . كل ما في الأمر انني حملت صينية الأفطار الى الأنسة آديل .

اصطك فنجان القهوة بالطبق في يد ربيكا وسألت :
- تقولين ماذا فعلت ؟
- اقول انني حملت الصينية الى الآنسة اديل . لقد طلبتها .

هزت ربيكا رأسها مستفسرة :
- هل طلبتها ؟
- اجل يا آنسة . في بادئ الأمر ظننت انك موجودة في صحبتها . ولكن الأنسه اديل جاءت الى المطبخ . على كرسيها المتحرك .

وقفت ربيكا مأخوذةوقالت :
جاءت الى المطبخ على كرسيها المتحرك ! آسفه يا روزا اذا كنت أبدو لك حمقاء . ولكن مافعلته اديل لم يحدث من قبل . منذ اتيت الى هنا .

- اعرف يا انسه . لقد دهشت انا بدوري . اظن انها استيقظت .

استغرقت ربيكا في التفكير وفجأة لاحت لها امور شتى فسألت :
- متى ..متى حدث ذلك ؟ ومتى جاءت الى المطبخ ؟
- اظن منذ خمس او عشرين دقيقة .
- خمس عشرة او عشرين دقيقة ؟


قالت ذلك ثم اغلقت عينيها لفترة طويلة ..وعندما فتحتها ثانية كانت روزا تراقبها عن كثب . وعندما شعرت ربيكا بقلق روزا . رسمت ابتسامة شاحبة على شفتيها وقالت :
- كل شئ على ما يرام ياروزا . كنت افكر . هذا كل مافي الأمر . هل قالت لك الآنسة آديل شيئا عندما حملت اليها الصينية ؟
- لا يا آنسه . لقد جاءت لتقول لي انها تبحث عنك .

كان من الصعب على ربيكا العثور على أسباب لما فعلته آديل . وقد يقفز تفكير اديل الى احكام غير ضرورية . ولكن مهما يكن الموقف . فأن عليها ان تواجه اديل . وقبل كل شئ وبعده فأن امرا سيئا لم يحدث . هل حدث حقا شئ سئ ؟ لقد شجعتها اديل على الخروج مع بيير سانت كلير . هو بالتأكيد فأنها لاتستطيع ان تعترض . لأنه عاد بها من الشاطئ .

ولكن هل هناك شئ اكثر من هذا ؟ هل رأتهما آديل او سمعتهما وهما يعبران البهو ؟ او هل تبعتهم حتى غرفة ربيكا ؟ وعند هذا التساؤل توردت وجنتاها .
وحاولت ان تتذكر هل كان الباب مفتوحا ام كان مغلقا . ولكنها تذكر الآن ان الباب كان مفتوحا . لأن بيير دفع الباب عندما حملها الى داخل الغرفة وتركه خلفه مفتوحا . هزت رأسها . فأن احدا منهما لم يلاحظ المتلصص الذي جاء هادئا .

وراح يراقبهما . انتاب ربيكا شعور بالغثيان , فأشاحت بوجهها عن روزا حتى لاترى امتقاع وجهها . ولكنها وجدت انه من السابق لأوانه التفكير في أشياء تتصور ان اديل وصلت اليها وأصدرت فيها أحكاما . ولايعني هذا ان اديل ستناقشها فيما رأت او سمعت .
سارت ربيكا نحو الباب وقالت وهي تغادر المطبخ :
- سأذهب لأتبين ما أذا كانت اديل قد انتهت من طعامها ّ!

وتوقفت ربيكا في الممر ثانية لتتسائل : لماذا تعذب نفسها بهذا الأسلوب ؟ وماذا يهم اذا كانت اديل قد رأتهما ؟ لاشئ اطلاقا قد حدث . لاشئ يمكن ان تخجل منه . على الأقل !

انتصبت بكتفيها وسارت عبر البهو صوب غرفة اديل . وبعد ان طرقت الباب ودخلت . وجدت اديل جالسة على المقعد المتحرك . وتضع الصينية على ركبتيها . تطلعت الى ربيكا بنظرة كلها انتصار غريب . فابتلعت ربيكا ريقها قبل ان تقول :
- صباح الخير يا أنسة سانت كلاود .

وضعت اديل الصينية على الطاولة بجوار الفراش . ومسحت شفتيها بمنشفة وقالت :
- صباح الخير يا ربيكا . صباح جميل اليس كذلك ؟

ضغطت ربيكا على شفتيها فقد كانت تحية غير عادية من أديل . وقالت :
- حقا ... انه صباح جميل .
وتطلعت ربيكا حولها فرأت الستائر قد انفرجت قليلا جانبا . فأزاحتها الى منتهاها حتى تتيح لأكبر قدر من ضوء الشمس الدخول الى الغرفة . وفي نفس الوقت استطردت قائلة :
- لقد استيقظت مبكرة هذا اليوم .

استراحت اديل بظهرها على المقعد وقالت :
- اجل . لعل ضوء النهار اثارني. او ربما شئ أخر . الا تظنين ذلك ؟

سألتها ربيكا وهي تحاول الأحتفاظ بصلابة عودها :
- هل جذبت الستائر جانبا ؟

هزت أديل رأسها وقالت :

- اجل فعلت . القي نظرة خارجا يا ربيكا . هل ادركت متعة المنظر الذي اتمتع برؤيته من هنا ؟

تطلعت ربيكا خارج النافذة . فرأت المرج المؤدي الى الشاطئ . وكل من يجلس امام النافذة يتمتع برؤية جمال منظر كل شئ . وكل انسان يتحرك هناك .

وأستدارت ربيكا وواجهت اديل قائلة :
- انه منظر رائع .
- كثيرا ما جلست امام هذه النافذة يا ربيكا . ليس دائما في الصباح . ولكن أحيانا في اوقات اخرى . هذا الصباح كنت قلقة . ولذلك جلست هناك لفترة .

شعرت ربيكا بعضلات وجهها تتجمد وقالت :
- اوه حقا !
- اجل ... رأيتك وأنت تتوجهين للسباحة يا ربيكا . كم أحسدك .

لم تستطع ربيكا ان تتحمل المزيد فصرخت قائلة :
- كفى ..ماذا تحاولين يا انسة سانت كلاود ؟ انت تحاولين قول شئ اليس كذلك ؟
- صدقيني يا ربيكا انت حساسة هذا الصباح . ماذا تظنين انني احاول قوله ؟
"هل انتهيت من تناول طعامك يا آنسة سانت كلاود؟ إذا كنت قد فرغت منه
فسأحمل الصينية إلى المطبخ ..
"مهلأ يا آنسة ، تعالي واجلسي , أريد أن تخبريني بما حدث بعد ظهر الأمس ؟
حدقت ربيكا فيها بدهشة ، وقالت :
"بعد ظهر الأمس ؟ ماذا حدث بعد ظهر الأمس ؟.
رفعت آديل حاجبيها وسألت .
"رحلتك مع بيير. أريد سماع كل ما حدث ..
"لا شيء هناك يمكن أن أفضي به لك . أرجوك يا آنسة سانت كلاود. دعيني أحمل
الصينية حتى تأخذي حمامك ..
"فيما بعد يا ربيكا. أما الآن فإن لدينا أمورأ يجب مناقشتها. حسنأ يجب أن أقول
لك بعض الأشياء عن بيير .
شعرت ربيكا بالمرارة وقالت بحزم .
- لا أريد الكلام عن السيد سانت كلير.
ضيقت آديل ما بين عينيها. وقالت :
" لا أريد منك أن تتحدثي عنه يا ربيكا، من أجل مصلحتك ..
"ماذا تعنين ؟.
" إني اجرؤ فأقول بأني أعرفه أكثر منك . واتساءل هل كنت حمقاء اذ
تركتك تتعرفين إليه !.
" انت لم تسمحي لي بأن أفعل شيئا. إنني وحدي أستطيع أن أتخذ قراراتي. شكرأ لك ..
"عجبا ..عجبا مسكينة جنيفر فقد وثقت به بدورها. كما فعلت أنت .
ضغطت ربيكا على شفتيها وحدثت نفسها بأنها لن تكون موضع تساؤل من احد . كانت آديل تراقب ملامح وجهها، واستطردت تقول:
" مسكينة ..جنيفر. لقد سبق أن حدثتك عنها. أليس كذلك . أختى!.
"الآخت التي تزوجت بيير؟.
" آجل . أختى جنيفر لم أرها منذ ثمانية أعوام.
وراحت ربيكا تجمع الأطباق جانبأ فوق الصينية استعدادأ لحملها، ولكن
ما قالته أديل جعلها تتوقف فجأة و تنظر اليها بدهشة ، وتتساءل :
" ولكنك قلت إنها ماتت ؟
اتسعت عينا آديل وتطلعت إلى ربيكا بغضب وقالت .
" جنيفر؟ ماتت ؟ متى حدث ذلك ؟
" أنت قلت لي هذا بنفسك !.
" أوه ...لا...لا. إنني لم أقل ذلك ..
"ولكنك فعلت ذلك . ألا تذكرين ؟ كنا نتحدث عن بيير. ومسألة زواجه وأنت
التي قلت إن شقيقتك قد ماتت ..
"أوه أدركت الآن . لقد اختلط الأمر عليك . قلت إن شقيقتي ماتت . ولكنني لم أقل
زوجة بيير. إنها ليست جنيفر. وإنما أقصد دنيس !
وشعرت ربيكا بالغثيان يفور في أعماقها. إن بيير متزوج . إنه متزوج !
لم تستطع أن تصدق الحقيقة أوتقبلها. لقد كان الموقف سيئأ فى يوم من الأيام
عندما كانت تقدر الهوة الكبيرة التي تفصل بينهما، أما الآن فان الأمر يبدو
رهيبأ...مؤلمأ...مدمرأ.
حملقت ربيكا في وجه آديل وفجأة أدركت شيئأ...إن آديل تخطط لأمر
يدور فى عقلها. إنها تعمدت إن تفضي لها بأمر زواج بيير، ومتى عرفت
ربيكا ذلك سيكون وقعه مؤلمأ عليها. لا بد أن آديل انتظرت حتى حدث
ما حدث هذا الصباح . ولكن ربيكا لم تأبه كثيرأ لما قد يترتب من نتائج ...وصاحت قانلة .
"أنت رأيتنا هذا الصباح ...أليس كذلك ؟.
" رأيت من يا ربيكا؟.

" آوه....أنت تعرفين ...أنت تعرفين . رأيتني مع بيير. ولكن متى؟ وأين ؟.
ورفعت يدها ووضعتها على جبينها، واستطردت قائلة :
"لا يمكنك ...لا يمكنك ....
ولكنها لم تلبث أن استدارت فجأة . ولم تستطع مواصلة الكلام ! وبدت فرحة
كريهة على وجه آديل التي قالت :
"لا يمكنني ماذا...يا ربيكا؟.
ودفعت المقعد التحرك حتى اقتربت من الفتاة المرتبكة . واستطردت تقول .
"سأخبرك . هل يجب علي أن أخبرك ؟ لقد ظننت أنني لا أستطيع أن أدفع هذا المقعد
المتحرك عبرالممر المؤدي إلى غرفتك . أجل غرفة نومك يا آنسة . لقد رأيت يير
عندك أنت مخطئة يا آنسة ! إنني أستطيع التحرك !.
ضغطت ربيكا راحة يدها فوق فمها. وصرخت صرخة مكتومة .
وبدت فرحة الانتصار على وجه آديل . وتابعت .
"أجل يا آنسة . راقبتك ...وهذا أتاح لى أن أعقد عقدأ جديدأ مع الحياة .
صدقيني..
قالت ربيكا مأخوذة :
" لم ابدأ بعد في فهم دوافعك . أنت شخصيه ملتوية ...شريرة !
" ربما أكون شريرة ...ولكني لم أعد أكترث لذلك !
" ولكن ماذا جنيت من وراء كل هذا؟ فرصة لايلامي...أليس كذلك ؟.
" ان تصرفي هذا لا يقارن بمعرفتك لهذا الرجل الذي هجرني للزواج من جنيفر.
فهو لا يعتد بتصرفاته الآن ...تمامأ كما كان العهد به قديمأ!.
" بيير ؟ هل تعنين أنه هجرك ؟.
" اخبرتك من قبل يا ربيكا عندما جا، بيير لآول مرة إلى هنا! ولكن جنيفر
لم تتركنا وشأننا. وظن بيير أن داخلها ممتاز. كمظهرها. ولكنه أخطأ،
واكتشف ذلك بنفسه ، ومع ذلك تزوجها لأنها كانت حاملأ منه . ماذا كان يمكنه أن
يفعل غير هذا؟.
هزت ربيكا رأسها غير مصدقة ما تقوله المرأة الأخرى. إن الأمر يبدو أمام
عينيها كابوسأ يؤرقها. وأفاقت على صوت آديل وهي تستطرد قائلة .
"والآن ...أنت تعرفين كل أبعاد القصة . مؤلمة . أليس كذلك ؟ لقد كنت صغيرة . بينما
كانت جنيفر أكبر مني قليلأ..
ولكن ربيكا لم تشعر بأي شفقة بالنسبة إلى هذه المرأة التي أعدت نفسها
لكي تستخدمها للانتقام من شقيقتها. ومن بيير. ولم تحتمل أعصابها البقاء في
الغرفة معها، فحملت الصينية وما كادت تندفع خارجأ حتى ترنحت قليلأ. ولكنها
لم تلبث أن تماسكت وواصلت سيرها حتى بلغت المطبخ . وألقت بالصينية على
المائدة ، ثم تهاوت على المقعد. وجذب شحوب وجهها نظر روزا واهتمامها.
فأقبلت عليها فى قلق . وقالت صائحة :
"آنسة ...آنسة ! ماذا بك ؟ هل حدث أمر سيء؟ هل أنت مريضة ؟.
تطلعت ربيكا إلى وجه روزا الطيب الطبيعي، وسألتها.
"هل تعرفين أن السيد بيير سانت كلير متزوج ؟.
قالت روزا وهي تشخص ببصرها تجاه الباب . وقد بدا صوتها كرجع
الصدى:
"السيد سانت كلير...أنا...أنا...لا أعرف يا آنسة . إنني لم ألتق به من قبل
الزيارة التي قام بها منذ أسبوعين ..
"أدرك تمأمأ ما تقولين . هل لديك بعض القهوة . إنها ستفيدني قليلأ..
"طبعأ لدي بعض القهوة ...انتظري قليلأ!.
واكتملت صورة ما حدث أمام عيني ربيكا. وهي تتناول عدة فناجين من
القهوة . كان الموقف صعبأ. والاضطراب باديأ عليها. حتى لاح لها الأمر في صورة
حلم جنوني، وكان حقد آديل حقيقة بادية لها. واعتصر الألم المميت أمعاءها
عندما قدرت ما ينتظر علاقتها مع بيير سانت كلير من إخفاق وفشل !


ألهذا السبب سيطر على نفسه في هذا الصباح ؟ ألهذا السبب اعتبها بريئة ؟ ألا



يعرف أنها لم تكن على علم بأمر زواجه ؟ أو أنه يظن أنها واحدة من ذلك النوع

من الفتيات اللواتى يرغبن في الإنغماس في العلاقات ؟ ما رأيه ؟ إذ كانت آديل
قد تجنبت عن عمد أن تخبرها بأمر زواجه ، فإنه كان من الأجدر بها أن تحمل
بيير على أن يفضي بالأمر لها. ولكن ترى ماذا رأت هذا الصباح ؟ وماذا كانت
تصوراتها عندما شاهدتها بين ذراعي بيير؟ هل تعتقد آديل أن علاقتها به
تجاوزت الحد؟
دفنت ربيكا وجهها في راحتيها. وأقبلت روزا ولمست ذراعها برفق .
وسالتها:
" ما بك ؟ هل أستطيع مساعدتك ؟
" لا أحد يستطيع مساعدتي!.
ثم وقفت على قدميها...واستطردت تقول :
"سأخرج يا روزا. وفي وسعك أن تخبري الآنسة سانت كلاود بانني ساعود
بعد فترة لأحمل متاعي..
"هل أنت راحلة ...يا آنسة ؟.
عضت ربيكا شفتيها وقالت .
"أجل أنا راحلة . حدث شي، ولا أستطيع البقاء هنا..
عقدت روزا ذراعيها فوق صدرها، وقالت :
"هل أنت واثقة مما أنت مقدمة عليه ؟ إن الأمر يبدو غريبأ بالنسبة إلي . ألا يمكنك
الانتظار قليلأ. يومين مثلأ...حتى تتدبري شأنك ؟.
" لا أستطيع البقاء في هذا المنزل . عن إذنك . يجب أن أذهب لأبدل ثيابي..
وقبل أن تبدل ثيابها. طلبت دكتور مانسون هاتفيأ، وأخبرته بقرارها، الذي
كان مفاجأة له ، لأنها لم تقدم له تعليلأ لرحيلها المفاجىء. وطلبت منه أن يرسل
ممرضة أخرى تحل محلها. ثم طلبت بالتليفون سيارة أجرة . وسارعت بارتداء ثوب
من القطن . أبرز رشاقة قوامها، وقامت بتسوية شعرها، وحزمت حقائبها. وعندما
أصبحت مستعدة للرحيل ، وقفت تنتظر وصول السيارة بفارغ الصبر. وأخيرأ
أقبلت و توقفت أمامها، فسارعت إلى الارتماء على المقعد،وطلبت من السائق أن
يتوجه بها إلى أحد الفنادق فى سوفا. و لم تدهش كثيرأ عندما وجدت نفسها
تجهش بالبكاء، فأخرجت منديلأ، جففت به دموعها. ولكن ليس أمامها الآن وقت
للدموع ويجب عليها أن تتخذ قرارها قبل أن تفقد الشجاعة على تنفيذه .
وكان فندق افينيدا يقع فى شارع هادىء. وقد حجزت فيه غرفة لليلة واحدة . ثم طلبت المطار هاتفيأ وسألت عن إجراءات الحجز إلى لندن . وتناولت
طعامها فى مطعم الفندق . وراحت تفكر فى الطريقة التي يمكنها من الاتصال
ببيير . فهي لم تكن تعرف الفندق الذي يقيم فيه . وهناك عشرات الفنادق
المتناثرة فى أنحاء سوفا. ولمحها موظف الاستعلامات فسألها بأدب :
"هل يضايقك شئ يا آنسة ليندسي ؟.
"لا شئ البتة . شكرأ..
"ولكنني سمعتك تسألين عن ضيف لدى القس. هل حاولت الاتصال بفندق سوفا الجديدة ؟ إن ضيوف القس يقيمون عادة هناك..
بحثت في الدليل حتى استطاعت أن تعرف رقم تليفون فندق سوفا الجديد، وأدارت القرص ، فأجابت عليها العاملة قائلة :
"هل أستطيع أن أحمل إليه رسالة عند عودته ؟
ترددت ربيكا فى الرد. فقد عرفت الآن أين يقيم بيير. وأخيرأ قالت .
" لا...لا...ليس هذا ضروريأ.
"هل أخبره من تكون المتحدثة ؟.
"ليس الأمر هامأ..
ووضعت السماعة . وعندما عادت إلى البهو، أعطت موظف الاستقبال مبلغأ
من المال ، قائلة له :
"أشكرك ...إنني ممتنة لك .
" إنا نحاول تقديم كل مساعدة ممكنة يا آنسة ليندسي.
غادرت ربيكا الفندق في الساعة الثانية بعد الظهر. كانت الشمس محرقة
والشوارع أكثر هدوءأ، فأغلب الناس تهجع في هذه الساعة . أما ربيكا فلم
تستطع أن تتذوق طعم الراحة ، لذلك قررت أن تتجه نحو فندق سوفا الجديد
الذي يقدم أعظم خدمة لعملائه من رجال الأعمال . وصعدت درجاته الرخامية .
واخترقت البهو حتى بلغت موظف الاستقبال . الذي سألها:
" هل من مساعدة اقدمها لك يا سيدتي ؟
" أجل ...سألت منذ قليل هاتفيأ عن السيد سانت كلير فأخبروني أنه مدعو في
الخارج لتناول طعام الغداء. هل عاد الآن ؟
" ما اسمك يا آنستي. سأعرف ما إذا كان السيد سانت كلير موجودأ، أم لا.
"اسمى ليندسي.
" حسنأ يا آنسة ليندسي. استريحي على مقعد. وسأرى إذا كان من الممكن
الاتصال بالسيد سانت كلير.
هزت ربيكا كتفيها. وسارت حتى جلست على مقعد. وبدا لها ان بيير
موجود وإلا لاخبرها الموظف انه ما زال في الخارج . وبعد لحظات قليلة اقبل
الموظف وقال لها.
" السيد سانت كلير سيراك الآن يا آنسة ليندسي، إذا جئت معي؟
نهضت ربيكا وسألته .
"..ألن يأتي السيد سانت كلير إلى هنا؟
" سانت كلير سيراك في جناحه بالطبع !
" بالطبع !!
كانت ربيكا تدرك أن رجالأ أمثال بيير لا يقيمون في غرفة ، وإنما
يشغلون جناحأ، واستقلت المصعد يصحبها الموظف حتى بلغت أحد الطوابق
وغادرته لتسير فى ممر . حتى توقف الموظف أمام باب الغرفة . ثم انحنى و تركها. نظرت إليه حتى رحل عنها، وبإصرار طرقت الباب . وسرعان ما انفتح . ووجدت
بيير أمامها. كان من الواضح أنه وصل لتوه ، إذ بدت ربطة عنقه مفكوكة
وقميصه مفتوحا . تطلع إلى ربيكا في دهشة تراجع إلى الوراء كأنه يدعوها إلى
الدخول . فامتثلت لرغبته . وعندما جالت ببصرها فى الجناح أخذت بجمال وروعة
الأثاث . بينا راح بيير يلف حولها ليملأ عينيه منها بإمعان ، فتوردت وجنتاها.
وعندما قارنت اضطرابها بفرط هدوئه وثقته الزائدة ، أدركت حدود طاقتها على مواجهته ، فأسرعت تقول بحزم :
" أنا...أنا آسفة لحضوري إلى هنا على هذه الصوره . ولكن . بما أني سأرحل عن
فيجي غدأ فقد رأيت ...
ولم تستطع مواصلة كلامها...إذ قاطعها بيير فجأة ، وهو يحدق فيها بعينين
ضيقتين ، متسائلأ:
" تغادرين فيجي غدأ؟
" أجل ...وبالرغم من كل شيء!
" لحظة يا ربيكا. ابدأي الموضوع من البداية . أعني، لماذا ترحلين عن فيجي؟
من الطبيعي أنني أدركت السبب ! لقد رأتنا أديل هذا الصباح . هل انا على صواب ؟ .
" اجل . لقد رأتنا .
" هل فصلتك ؟
" لا. إنني راحلة برغبتي أنا!
" ربي. ماذا حدث إذأ؟
" بيير...أريد أن أعرف ...هل أنت متزوج ؟
" أنت تعرفين أنني متزوج .



شعرت ربيكا بالوهن يدب في ساقيها, وترنحت قليلا. اذا ان امر زواجه حقيقه وان أديل لم تكذب فحملقت فيه بيأس كيف يستطيع ان يقف أمامها هكذا ويصرح لها بحقيقه زواجه؟



وعندما رأى بيير امتقاع وجهها, مد راحة يده ووضعها وراء عنقها وجذبها نحوه وأدنى فمه منها, فأستجابت له ولكن صلابه جسمه نفذت الى أعماق ضميرها فأفاقت من غفوتها, وسحبت جسمها بعيدا عنه, ومسحت شفتيها بيدها, وهزت رأسها قائله:

" لا...لا....الا تفهم؟ انني لم أعرف...انني لم أتخيل أنك متزوج. ظننت أن زوجتك متوفاه! "
" ماذا تعنين انك لم تعرفي بأمر زواجي؟ بالطبع أنت تعرفين. لابد أن أديل أخبرتك بالقصه كامله "
" هل هذا ما أخبرتك به؟ "
واطلقت ضحكة مريره واستطردت تقول:
" إنها ماهره. عرفت كيف تدفع أحدنا للعب بالاخر! "
امسك بيير كتفيها براحته وقال:
" عم تتحدثين! انظري الي يا ربيكا...ما الأمر؟ "
" لقد أخبرتك بأنني لم اعرف أنك متزوج! "
" وهل يعني ذلك شيئا كثيرا بالنسبة إليك! "
" يعني ذلك شيئا بالنسبة إلي؟ يعني الكثير! بيير...بغض النظر عما تظن بي. فإنني لست من نوع الفتيات اللواتي يتورطن في علاقه مع زوج امرأه اخرى "
" ربيكا استمعي الي إن زواجي لا يعني شيئا بالنسبة إلي. الا تفهمين؟ "
" كيف تقول ذلك لي؟ هذا...هذا الصباح رأتنا أديل. ولا اعرف ما الذي رأته. ولكنها شعرت بسعاده بالغه عندما أخبرتني بعدها بكل شيء كنت أريد معرفته عنك "
" أدرك ذلك! "
" يجب أن تفهم تماما ما قالته! "
" انني أعرف جيدا. ان ما تقوله ليس مديحا في شخص. واذا كنت قد أتيت لسماع انكاري لكل ما قالته أخت زوجتي فإنني أخشى أن أكون قد خيبت ظنك "
" الا تأبه لما قالته؟ "
" كلا. فكل ما يهمني كلامك! "
أومأت ربيكا برأسها في يأس وقالت:
" ماذا أقول! أوه بيير...لماذا أنت متزوج؟ "
ترك بيير يده تنزلق على رسغها وأجاب:
" سألت نفسي هذا السؤال عشرات المرات منذ أن قابلتك إنني أعني كل كلمة قلتها لك هذا الصباح يا ربيكا "
شدت يدها من قبضته وقالت:
" لا...لا "
جال ببصره من رأسها حتى قدميها وسألها :
" لا...ماذا؟ "
" أنت متزوج يا بيير. لقد أنتهت العلاقه بيننا "
قال وهو مقطب الجبين:
" أنت لا تؤمنين بما تقولين "
" يجب أن أؤمن بما أقول. أنت لم تطلق زوجتك "
" لم أطلقها لأنه لم يحدث الطلاق بين أفراد أسرتي "
" الان فهمت "
وفجأه أطبقت يده على مؤخره عنقها, وراحت اصابعه تحل عقصة شعرها فاحتواه في راحته, وأمال رأسها فأرتجف جسمها بعنف وأخذ بيير يئن مرددا:
" لا...لا...أنت لا تفهمين...دعيني أخبرك بكل شيء عن زوجتي...عن جنيفر "
أغمضت ربيكا عينيها في ألم وهي عازفه عما بيديه لها من حب رقيق وأخيرا انفلتت من بين يديه وقالت:
" إن أديل أخبرتني بكل شيء عن جنيفر "
" وماذا قالت عني؟ أنت تفضلين تصديق كلامها على كلامي. أليس كذلك؟ "
" وماذا يقال؟ أنت متزوج. كم اتمنى لو كنت لم تأت الى فيجي"
وبدت القسوه على وجهه وكأن ربيكا قد لطمته على رأسه, فسار متجها الى النافذه ووقف أمامها وظهره لربيكا التي هزت رأسها في يأس, وسألت نفسها ما السبب الذي يدفعها الى أن تشعر بأنها مذنبه؟
وأخيرا أدار بيير ظهره وقال بصوت بارد:
" هل قلت...انك راحله؟ "
" أجل "
" الى أين أنت راحله؟ الى انجلترا؟ "
" بالطبع "
ردد كلمتها بلا وعي:
" بالطبع! هل تنوين الالتحاق بوظيفه أخرى؟ "
" في مستشفى اذا أستطعت الحصول على وظيفة فيها "
وخيم الصمت عليهما وبدا كل واحدا غريبا عن الاخر. يتبادلان حديثا تافها. واخيرا قال:
" من المفروض أن اتمنى لك حظا سعيدا. هل تنوين رؤية أديل ثانية؟ "
" لا...سأتحدث الى روزا هاتفيا لتحزم حقائبي وترسلها لي "
سألها بوحشيه:
" أخبريني . هل تهربين دائما من مشاكلك؟ "
ارتجفت ربيكا وتساءلت: ماذا تستطيع أن تقول؟ وكيف يمكنها أن تجيب على مثل هذا الاتهام؟ في أي حال انها الحقيقه التي لا مفر منها. لقد هربت من قبل...من بيتر فلدمان. واستدارت تسير نحو الباب تقول:
" يجب أن ارحل الان "

" اجل اذهبي الان! اخرجي من هنا "




نهايه الفصل الرابع





الفصل الخامس
((وقت خاص للبكاء))

اخترقت ربيكا فناء مستشفى بارثولوميو، التي بنيت حديثا في لندن وتميزت بأروقتها النظيفة الملساء والمروج المحيطة بها.
حيّت ربيكا العاملين بالبهو ثم اتخذت طريقها إلى مكتبها المجاور للعنبر رقم 15 . لتحل محل الأخت آنيت فليمنغ التي ابتسمت لها قائلة:
"كل شيء هادئ في الجناح الغربي.كم أنا سعيدة أنك هنا. إنني متعبة!"
"يجب أن تتوجهي إلى فراشك، بدلا من أن تمضي نصف يومك مع باري موريسون، ألا يعرف أن ممرضات الخدمة الليلية في حاجة إلى النوم؟"
"أجد صعوبة في النوم خلال النهار، مادام جرس التيلفون يواصل الرنين وتثاءبت، ورفعت يدها لتغطي فمها، ثم استطردت تقول:
"أنت تعرفين طبيعته"
التقطت ربيكا من آنيت لوحة تسجيل حالة المريض اليومية، ثم قالت بجفاء:
"لحوح! يجب عليك أن تخبريه بأن يتمسك بأهداب الصبر!"
وضعت آنيت عباءتها على كتفيها، ثم قالت:
"هناك القهوة، إذا كنت ترغبين في احتساء فنجان منها، إن السيد هاليداي أمضى ليلة هادئة. والسيد بورتيوس قادم هذا الصباح لرؤية السيد ويلسون بنفسه".
تجهمت آنيت، وتطلعت إلى ربيكا التي راحت تدون التقارير، ثم استطردت قائلة:
"على فكرة، ذلك الولد دافيد فيليس كان طيّعا هذا الصباح".
"حسنا هل تظنين أن أمه سوف تأتي لرؤيته اليوم؟ ولد مسكين؛ إنها لا تكترث كثيرا لما يحدث له".
"أظن أن أما لأربعة أطفال، وبلا اب يأتي بقطع الحلوى، لا تعتبر حياتها نزهة خلوية".
"إنها حقا ليست نزهة خلوية. ولكن أين يوجد هذا الأب؟"
ابتسمت بمرارة، وقالت:
"لا تسأليني يا عزيزتي، إنه لا يتخذني موضعا لثقته. انسي الأمر. إننا لا نعمل هنا مصلحات اجتماعيات، وإنما ممرضات. بحق السماء! كدت أنسى. لقد جاءتك مكالمة تليفونية قبل أن تدخلي الغرفة".
تطلعت إليها ربيكا لاهثة الأنفاس:
"لا تقولي إن بول فيكتور طلبني ثانية".
"إنه هو!"
وتهاوت ربيكا على المقعد.وسألت:
"لماذا يصر على طلبي بالتليفون؟"
"أظن أنه يحبك!"
"إنني أكبر منه بست سنوات".
"حبيبتي. لا تخبريني بذلك. وإنما قولي له هذا".
"سأخبره، لماذا أسمح لنفسي بالخروج معه؟"
قالت آنيت بصراحة:
"لأنه وسيم...ويحبك!"
"إنه صبي!"
"صدقيني، أنت غبية يا ربيكا. ويجب عليك أن تكوني حازمة. فأنت تتساهلين معه، وتساهلك لا يجدي. ألا ترين ذلك؟"
"إنني معجبة به. هذا كل مافي الأمر. ولكنه جاد قليلا في عاطفته نحوي. في الوقت الذي أدرك فيه الهوة التي تفصل بين عمرينا!"
تحركت آنيت متجهة إلى الباب، وهي تتطلع إلى ربيكا في شك:
"إنها ليست مسألة فارق السن، ولكن هناك شيء آخر هذا الشيء يمنعك من أن تتخذي موقفا إيجابيا تجاه أي رجل يلاحقك".
انحنت ربيكا فوق التقارير، وقالت:
"ما العمل، يا آنيت!"
"لا شيء!إن آجلا أو عاجلا سوف تتخذين قرارك تجاه شخص بجدية!"
"لماذا أتخذ قراري؟"
"أنت ترغبين في الزواج. وفي أن يكون لديك أطفال أليس كذلك؟"
هزت ربيكا كتفيها، وقالت:
"ربما لا أكون من النوع الذي يصلح للزواج؟"
"بالطبع. انت من النوع الذي يصلح للزواج بحق السماء. ألم أرك في صحبة الأطفال الذين يقيمون في عنبر 6؟ أنت تماما من هذا النوع!"
"ألا تنوين الرحيل؟"
ضمت آنيت عباءتها حول جسمها، وقالت:
"أنت دائما ساخطة، هل تعرفين ذلك؟"
ابتسمت ربيكا وقالت:
"أعرف ذلك".
تطلعت آنيت إليها فترة وجيزة، ثم غادرت الغرفة. وبعد رحيلها ذهبت ربيكا لتعد لنفسها فنجانا من القهوة، وبينما هي تحتسي قليلا منها، راحت تفكر في بول فيكتور مرة ثانية. إنه كما قالت آنيت شخص لحوح، وبرغم ان ربيكا معجبة به، إلا أنها كانت تتمنى أن يعرف أنه يبدد وقته معها هباء وفي وسعه أن يلتقط من يشاء من الممرضات وهو يقوم بدراسة الطب هنا في مستشفى بارثولوميو. ولكن لسبب غير مفهوم اختارها هي بالذات. كان طويلا، نحيلا، جذابا، تعرفت إليه من خلال آنيت وباري موريسون الذي كان يكبرها بعدة سنوات، ويعمل مديرا للمستشفى ويعرف بول منذ ايام الدراسة. وكان قد دعاها وآنيت وبول لتناول العشاء معه ذات مساء، وقد حققت الدعوة نجاحا كبيرا في التقارب بينها وبين بول. إذ قبلت دعوته للخروج معه وحدها في ليلة أخرى. وقد أدركت ألا جدوى من الخروج مع أحد. وحاولت أن تؤكد قرارها لبول، فقد أصبحت ببساطة لا تهتم بالرجال، وتتمنى ألا يهتموا بها.
وفي ساعة متأخرة من النهار، رافقت الجراح بورتيوس في جولة بالعنبر عندما التقت ببول فيكتور، كان واقفا مع زملائه طلبة الطب. فلوح لها بحماسة من وراء ظهر بورتيوس، مما أشاع شعورا عاما من المرح بين الطلبة. فضغطت ربيكا على شفتيها ، نافذة الصبر. وقد أدركت أن آنيت كانت على حق عندما أشارت عليها بأن تكون حازمة مع بول، وتخبره بأن يقطع علاقته بها.
وعندما رحل الجراح، وعادت ربيكا إلى مكتبها، وراحت تتحدث إلى هيئة الممرضات، سمعت طرقا على الباب، فتوجهت رئيسة الممرضات جانيت ويليامز لتفتحه، فاتجهت نظراتها إلى ربيكا وقالت لها بارتباك:
"إنه السيد فيكتور".
نهضت ربيكا من مقعدها غاضبة ،وصاحت قائلة:
"بول، يجب أن تتوقف عن هذا المسلك!"
تردد بول، ودخل الغرفة وهو ينظر إلى رئيسة الممرضات ويليامز، ثم قال:
"ربيكا...أريد أن أراك. ألم تبلغك مكالمتي التليفونية؟"
"أجل. بلغتني رسالتك، ولكن الأمر الذي لا تدركه هو أننا هنا في مستشفى وليس في مركز مقابلات".
"رويدك. لا تكوني عنيفة.متى يمكنني رؤيتك؟"
"لقد أخبرتك يا بول. إنني لا أستطيع رؤيتك. ليس لدي الوقت".
امتقع وجهه. كان صبيا وسيما، شعره أسود، وعيناه زرقاوين وأغلب الممرضات كن يرينه شابا مغريا، ولكن ربيكا كانت مجروحة من تجربة سابقة منذ ثلاث سنوات من هذا النوع العاطفي.
سألها:
"لماذا؟ لقد انتهت ورديتك في السابعة والنصف. ألا نتناول سويا شرابا؟"
ووجدت أنه من الصعب عليها أن تتحدث معه أمام جانيت ويليامز.
فتنهدت وقالت له:
"حسنا، حسنا، سنتناول شرابا. سأضطر إلى الرجوع إلى شقتي لأبدل ملابسي وسأقابلك في الغريديرون في الثامنة والنصف".
وأشرق وجهه بالضياء وقال:
"عظيم! سأراك!"
واختفى من الغرفة . وأغلقت جانيت الباب وراءه بحزم. وألقت نظرة على ربيكا. فرأتها تهز رأسها بائسة!
قالت ربيكا:
"ماذا في وسعي أن أفعل؟إنه شخص يصعب التعامل معه!"
تنهدت جانيت وقالت:
"أظن أنه وسيم لماذا لا ترغبين في الخروج معه"
"لا أعرف، أعتقد أننا مختلفان، فضلا عن أنني أكبره سنا!"
"إن السنوات لا تعني شيئا هذه الأيام، إنني لن أدعها تعترض طريقي، ما دمت أميل إلى الشخص".
"ليس الأمر بهذه الصورة، إنني لا أرغب في التورط مع أي شخص!"
"أنت تفعلين ما هو أسوأ، يقولون إن أسرته تعوم في بحر من المال".
مالت ربيكا برأسها، وقالت:
"المال لا يثير اهتمامي!"
"أحقا ما تقولين؟ إنني أتساءل... لماذا؟"
"أوه. بحق السماء، دعينا نغير الموضوع، هل هذا ممكن؟ كفاني الحديث عن بول فيكتور. في الوقت الحاضر!"
كانت شقة ربيكا، تقع بالحي القديم، في الطابق العلوي لأحد المساكن المشيدة على الطراز الفكتوري. وكان الدفء والهدوء يغريانها بأن تقيم فيها بعد يوم كله إجهاد. وباختصار. كان البيت الذي تجد فيه ربيكا نفسها.
وخلال السنوات الثلاث الماضية، كانت في حاجة إلى مرفأ. لقد عرفت في غضونها الكثير عن نفسها. وكانت تحتاج إلى وقت كبير لكي تتغلب على المحنة الأليمة التي مرت بها في فيجي. وأطلت على الماضي، فوجدت أن أديل في حاجة إلى الشفقة. كما أنها تجد من الصعب عليها التفكير في علاقتها ببيير سانت كلير، بأية صورة من الصور. لقد بذلت جهدا لنسيانه وساعدها عملها على ذلك. ومع ذلك، فهي لا تنكر أنها ظلت تكابد آلام المحنة وهي مستلقية على فراشها في الظلام.
وأعدت لنفسها شطيرة خلال الفترة التي كانت تستعد فيها لمقابلة بول.
فحصت ثيابها ولما كانت ليالي أكتوبر باردة فإنها اختارت ثوبا أزرق اللون يتخلل قماشه خيوطا من الصوف يبعث الدفء في جسمها. وأرسلت شعرها الطويل على كتفيها. فبدت أطرافه ملتوية خفيفا إلى أعلى. وكان مكان اللقاء يقع في منتصف المدينة، وبعد واحدا من الفنادق التي تقدم الوجبات السهلة، وعندما دخلت ربيكا إلى البهو، وجدت بول جالسا، ودعاها للجلوس، فامتثلت لأمره وهي تتغاضى عن عينيه الزرقاوين اللتين راحتا تتفرسان فيها من رأسها إلى قدميها. وطلب لها بول شرابا، بينما قالت هي:
"إنني أحب هذا المكان. وأنت؟"
هز بول كتفيه وقال:
"حسنا. وإن كنت أفضل الذهاب إلى برينس إدوارد لتناول الطعام هناك".
"أظن أنك لم تفهم أنني رتبت لقاءك هذا المساء، حتى أستطيع أن أطلب منك على انفراد بعيدا عن مكتبي بالمستشفى بأن تتوقف عن مضايقتي!"
اتكأ بول بمرفقه وارتكز بذقنه على راحته وتأملها مليا، وقال:
"أنت لطيفة للغاية!"
"حسنا. صدقني يا بول. أن تتكلم هاتفيا ست مرات ليلة أمس، وجئت بنفسك هذا الصباح، بدون أن تضع في اعتبارك من من الأشخاص قد يكون موجودا في مكتبي! ماذا كنت تفعل لو كان موجودا السيد بورتينوس أو السيد لاتيمر فضلا عن الدكتور هاردي!"
"كنت سأختلق قصة تتلائم مع أكثر العقول شكا".
ارتشفت ربيكا شرابها، وقالت:
"ألا تهتم كثيرا بما طلبته منك، بألا تقابلني ثانية!"
"لا يهمني كثيرا. إن ما أعرفه الآن هو أنك موجودة الليلة معي".
"بول. أريد أن تعرف شيئا، وهو أنني أكبر منك بست سنوات تقريبا. وليس هناك شيء مشترك يجمع بيننا!"
"هل هذه هي الحقيقة؟"
"حسنا. أريد منك أن تكف عن مطاردتي. إنني معجبة بك. وأظن أنك صبي وسيم. ولا أريد أن تتورط مع أي شخص آخر"
"هذا ما أسمعه دائما. دعينا من هذا وأخبريني. إنهم يقولون أنك خضت تجربة حب غير سعيدة، هل هذا صحيح؟"
"من يكون هم؟"
"الناس. وأغلبهم من الرجال!"
هدأت أنفاس ربيكا، وقالت:
"من المؤسف أن هؤلاء الرجال إذا عجزوا عن فعل شيء، فإنهم يتندرون بالحديث أكثر مما تفعل النساء!"
"بعضهم يفعل، وبعضهم الآخر لا يفعل. ولكني لاحظت أنك لا تنكرين الواقعة".
"ولماذا أنكر؟ إنه أمر لا يخصك. مهما كانت حقيقة الواقعة، فإنني لن أحاول إرضاء فضولك".
"حدثيني عن نفسك. إنني مهتم بك، ولست فضوليا".
"ليس هناك شيء أخبرك به. إن المكان بدأ يزدحم بالوافدين. أليس كذلك؟"
"إذا دعينا نذهب لتناول طعام العشاء".
"لست أنوي الرحيل معك إلى أبعد من باب هذا الفندق!"
تنهد بول وقال:
"لماذا؟ ماذا يعيبني؟"
"لا شيء! ليس هناك عيب فيك. ببساطة، أنت تبدد وقتك هباء معي".
وعندما نطقت بذلك، انتابها إحساس غريب ينذر بالشر، فقد سبق أن قالت هذه الكلمات من قبل. لبيير سانت كلير!
مال بول نحوها وقال:
"دعيني أكون أنا الحكم.ليس هناك رجل آخر في حياتك. أنا أعرف ذلك. دعيني أنعم بصحبتك. ولن أسألك أن تمنحيني شيئا لا ترغبين في إعطائه".
سألت نفسها:لماذا لا تقبل صداقته؟ بعد أن كشفت له عن موقفها بوضوح.
تنهدت وتطلعت عاليا، ثم قالت:
"حسنا. يا بول".
"حسنا. ماذا؟"
"حسنا. سأتناول طعام العشاء معك".
"أحقا ما تقولين؟ هذا رائع".
أمسكت ربيكا بذراعه، وقالت بهدوء:
"فقط بشروطي".
هز بول رأسه، وقال:
"موافق".
أمالت ربيكا رأسها وفكرت. إنها لم ترتكب وزرا، إذا... علام الشعور المنذر بالشر يتزايد في داخلها، إنه مجرد إحساس، ولكنها لا تستطيع أن تجد له سببا. هل يعزى ذلك إلى أنها استعادت أحداث فيجي أمام عينيها؟
ولدهشة ربيكا. حققت صداقتها مع بول نجاحا طيبا. ولم ير أحدهما الآخر في كثير من الأحيان، وإنما تركا مقابلاتهما تبدو طبيعية، وكان هو قارئا مجيدا، وميولهما الأدبية متشابهة. وفي الصيف يمارس التنس والسباحة كما تمارسها هي أيضا، وأخبرها أنه زار مع ابيه أغلب دول العالم واستمتع بدفء الشتاء فيها، في حين أن ربيكا لم تشر في حديثها معه إلى الفترة التي أمضتها في فيجي، وإن كانت هي قد حدثته كثيرا عن نفسها. وكان بول يقوم أحيانا بزيارتها في شقتها وقد حرص كل منهما على تجاهل كل التقولات التي يتغامز بها بعض الزملاء في المستشفى. فيما عدا آنيت فليمنغ، فقد كانت وحدها تعرف حقيقة العلاقة. وشجعتها عليها لأنها كانت تدرك أن بول قد يهز مشاعر ربيكا ويدفعها بعيدا عن حياة العزلة التي تحياها.
وذات ليلة. التقى بها بول في سيارته عقب خروجها من العمل، وكانت أمسية ممطرة من أمسيات نوفمبر. والسماء تنذر بتساقط الثلوج. فاتفقت معه على تناول العشاء قبل أن يتوجها إلى السينما، وأمام طبق من اللحم والبطاطا، قال لها بول:
"اكتشفت اليوم أن ممرضة خالتي تعرفك"
فزعت ربيكا وقالت له:
"ممرضة خالتك! من هي؟"
"شيللا ستيفنز"
وتعجبت ربيكا فلم تتذكر في البداية أنها تلك الفتاة التي شاركتها العيش في شقة واحدة. الفتاة التي كانت ستتزوج بيتر فيلدمان. هزت ربيكا رأسها غير مصدقة، وأفاقت من شرودها. وسألته:
"كيف حالها؟"
"بخير. كنت أتحدث معها عن عملي في المستشفى. وجاء ذكر اسمك في معرض حديثي، وأخبرتني أنها شاركتك المعيشة في شقة واحدة".
ترددت ربيكا قبل أن تقول:
"أجل... اشتركنا سويا في شقة واحدة. أظنها قد تزوجت!"
"لا أعرف تماما. إنني ألتقي بها بين الحين والآخر. إنها فتاة طيبة".
أسندت ربيكا رأسها على راحتها. وقالت:
"هي كذلك. إنه عالم صغير؛ شيللا ستيفنز. كم أود رؤيتها!"
"وهي ترغب في رؤيتك أيضا! أخبرتها بأنني سأرتب هذا اللقاء"
"إنها فكرة طيبة منك".
"إذن من الأفضل أن تحضري إلى بيتي".
حدقت ربيكا في وجهه، وسألت:
"بيتك!"
"طبعا. إن خالتي تعيش معي، ومع أبي، أمي ماتت. لقد أخبرتك بذلك".
"أعرف، ولكن لا يمكنني الحضور إلى بيتك، أعني، شيللا ممرضة خالتك".
"هذا أمر لا يهم".
"إنه يهمني... يا بول، إن لدي شقة، وفي وسعها أن تأتي عندي".
"ألا ترغبين في رؤية بيتي؟"
"لا تكن غبيا. إنني أعرف أن بيتك يقع على بعد أميال كثيرة من الجانب الآخر من لندن".
"وماذا في ذلك؟ لديك بضعة أيام إجازة، يمكنك أن تقضيها بعيدا عن لندن. أنا أحب أن تأتي معي".
رأته ربيكا يهبب بها بألا ترفض طلبه، فتنهدت وقالت:
"صدقني يا بول. ظننت أنك تعرف أن علاقتنا..."
توقفت عن مواصلة الحديث عندما أخرج بول سيكارة أشعلها، وأطلق حلقات الدخان من فمه، قائلا لها:
"إنني أعرف كل شيء. كل ما أريده منك أن تأتي معي. بحق السماء، ما الخطأ في مسألة حضورك؟ أنت تعرفين. بأنني لا أخدعك. إن صديقتك هناك في بيتي!"
ضغطت ربيكا شفتيها. وقالت غير مطمئنة:
"إنني أصدقك، ولكن. إنه...حسنا، أسرتك".
"ستكون هناك خالتي فقط أبي مسافر إنه يمضي أوقاتا قليلة في انكلترا. كما أنني أحب أن تشاهدي البيت الذي اشتراه أبي منذ خمس عشرة سنة. البيت على طراز عصر جورج الخامس. ويعد تحفة فريدة مشيدة على الأرض".
"إنني لا أعرف يا بول. ولكنني سأكره أفراد أسرتك. إذا لاح في عيونهم انطباع خاطئ تجاهنا".
"ولماذا يفعلون ذلك؟"
"لا أعرف. وانما أشعر".
وصمتت قليلا. ثم استطردت تقول:
"لو كنت تعيش في كريكلوود، لما اكترثت كثيرا ،ولكن أن تكون صاحب بيت من طراز جورج الخامس!"

"انتظري يا ربيكا، ماذا أفعل إذا كانت أسرة أبي وأسرة أمي قد حققتا ثروة طائلة من الصناعة؟ إن وجه العملة لا يعنيني كثيرا ولذلك تركت المنزل ونلت شهادة الطب. إن الطبيعة والكيمياء يستهوياني..التحقت بالجامعة. وأنا أرغب في أن أكون طبيبا. وليس مجرد ممارس عام، وإنما أخصائي، أنا مهتم بأمراض الأطفال.أقول لك ذلك حتى تعرفي بأنني أذهب بك إلى سان سوسي لكي أعمي بصرك بثروت وممتلكاتي. أو أحاول اقناعك بالوسائل المادية".
"أنا آسفة، سأذهب بالطبع ولكن سان سوسي، أي بدون متاعب. هذا الاسم غير مألوف!"
ارتشف بول بقية الشراب، ثم قال:
"إنها فكرة أمي. هذا الاسم يماثل تماما وجهة نظرها في الحياة".
أحست ربيكا في صوته وهو يتحدث إليها، وشعرت بالشفقة نحوه. وكان من الواضح أنه يعيش في بيت لا تكتنفه أسباب السعادة برغم توفر أسباب الرفاهية!
بعد أسبوع. استقلا السيارة إلى سان سوسي. وقد خصص إجازة نهاية الأسبوع لكي يمضيها بصحبة ربيكا. ومن المحتمل أنه قد خطط من أجل قضاء الليلة في بيته، ولكن مهما كانت مراميه، فإن ربيكا قد عقدت عزمها على العودة في نفس الليلة، أو إذا اقتضت الظروف فسوف تستأجر غرفة في فندق لتنام فيها ليلتها.
وعندما بلغا قرية لينسلو، سارا في طريق خاص حتى بلغا بابا حديديا مكتوبا عليه خاص، فتوقف بول وغادر السيارة وفتح الباب الحديدي، ثم عاد وقاد السيارة إلى الداخل، وتوقف ثانية ليغلق الباب وراءه. وحينما استقر وراء عجلة القيادة لينطلق بالسيارة في الممر الخاص، قال لربيكا:
"كما ترين. أنا رجل فلاح. دائما أغلق الأبواب ورائي!"
ابتسمت ربيكا. وطفقت تتطلع حولها باهتمام. فرأت آلاف الأفدنة من المراعي على جانبي الممر. وعند نهايته رأت البيت يقوم كالطود أمام عينيها. وقد تميز ببرجيه الشامخين على جانبيه، والأعمدة قد شيدت على طراز كورنثي وتقع عند الدرجات المؤدية إلى مدخل البيت مما أعطى المبنى مظهرا إغريقيا.وقد وقفت أمامه سيارة مرسيدس. سألها بول:
"هل أعجبك المنزل؟"
"إنه يبدو كالهيكل الإغريقي!"
"أعتقد ذلك. عشت فيه طويلا حتى أصبحت لا ألاحظ ذلك!"
أوقف بول سيارته أمام درجات السلم المؤدي إلى المدخل، وغادرت ربيكا السيارة، وجاء ليمسك بيدها ويقود خطواتها، فامتثلت لرغبته، وسارا إلى الداخل.
وعندما بدأ بول يخلع معطفه، ويساعد ربيكا على التخلص من سترتها، ظهر خادم عند باب الصالة.وحياهما بأدب قائلا:
"أسعد الأوقات يا سيدي".
"مرحبا جيليان، أين الآخرون؟"
"خالتك والممرضة ستيفنز في جناحهما يا سيدي. أوه! لقد عاد أبوك من أمستردام".
"هل وصل حقا؟"
"ألم يكن من الأفضل لنا أن نأتي إلى هنا. عندما لا يكون أبوك في البيت؟"

"بحق السماء.لا. لم أكن أتوقع وصوله.هذا كل ما في الأمر. إنني في الواقع سعيد بعودته. فإنني أرغب في أن تقابليه".
"حسنا. هذا إذا كنت أنت متأكد من أنه لن يضيق بوجودي".
"يتضايق! أنت أول فتاة صديقة لي أحضرها إلى هنا!"
تناول جيليان معطفيهما، وسألهما:
"هل تناولتما طعام الغداء يا سيدي؟ أم تحب أن تعد السيدة جيليان لكما وجبة؟"
"لقد تناولنا طعامنا يا جيليان. على فكرة يا ربيكا. إنني أقدم لك جيليان مدير البيت. إن أجداده كانوا يعيشون هنا منذ القرن التاسع عشر. عندما كانوا يخدمون آل هارموندسي. أصحاب القصر الأصليين".
صافحت ربيكا مدير البيت، وأخبره بول بأنه سيصعد إلى الطابق الثاني بصحبة الآنسة ليندسي ليحظى برؤية خالته، ثم سأله:
"أين أبي الآن؟"
"في المكتب. لقد أحضر معه السيد بريانت، وعلى ما أعتقد أنهما يقومان بدراسة المشروع الأسترالي".
أفسح لهما جيليان الطريق حيث اخترقا الردهة وارتقيا درجا حلزونيا يؤدي إلى رواق له سور حديدي.
وتوقف بول أمام باب، وطرق طرقة خفيفة ثم دخل الغرفة وتبعته ربيكا.
كان الصمت مخيما على الغرفة، فصاح بول قائلا:
"خالتي! خالتي أديل. هل أنت موجودة؟"
تجمدت الابتسامة على شفتي ربيكا عندما سمعت صوت مقعد متحرك يدور. وشاهدت امرأة تتحرك نحوها وقد بدا جسمها أكثر نحافة مما تتذكره أن ذاكرتها لا يمكن أن تخطئها؛ إنها أديل سانت كلاود؛ وفي لحظة شعرت ربيكا ببوادر غيبوبة، فالذكريات تجمعت فجأة في رأسها وأصابت عقلها بالشلل، ولكنها تحاملت على نفسها. ورأت أديل تتطلع إليها مليا.
وكان من الواضح أنها كانت تستمتع بسرور بالغ وهي ترى وقع المفاجأة التي أفزعتها، ويبدو أن أديل كانت تعرف مسبقا بقدوم الفتاة. فأخذت تقترب بمقعدها منها، وبادرتها قائلة:
"حسنا. حسنا يا بول. إذن هذه هي الفتاة التي حدثتنا عنها كثيرا!"


نهاية الفصل الخامـــــــــــــس..



الفصل السادس

6- لقاء الأنهار بالبحر

تجمدت ربيكا في مكانها وتطلع بول نحوها بأستغراب وأجاب :
- اجل .

ثم سأل ربيكا بنبرة رقيقة :
- هل انت بخير يا حبيبتي ؟ يبدو على وجهك الشحوب .

كان يريد ان يهدئ من روع ربيكا .
فأمسك مرفقها بيده التي بعثت الدفء والطمأنينه الى قلبها .
ولأول مره شعرت انها في أمس الحاجة اليه . وأخيرا قالت :
- انا مندهشة لمقابلة خالتك . هذا هو كل ما في الأمر . ان كلا منا تعرف الأخرى من قبل يا أنسة سانت كلاود . اليس كذلك ؟
- هل تعرفينها حقا يا خالتي آديل ؟ هل تعرفين ربيكا ؟



قلبت أديل شفتها السفلى ويبدو انها اخذت بمبادرة ربيكا في الهجوم عليها فأجابت أخيرا :
- اجل هذا صحيح . كانت ربيكا ممرضتي في فيجي .

دهش بول بالمفاجأة وقال :
- يا الهي . يالها من مفاجأة لطيفة .

تطلعت اديل الى ربيكا مليا وقالت :
- اجل اليس كذلك ؟ انك مشرقة يا ربيكا وربما كنت نحيلة قليلا .


اخذت آديل تراقب ربيكا بعينين باردتين ، في الوقت الذي كانت تتمنى فيه
ربيكا الفرار. ولم يكن السبب أن آديل أفزعتها، وإنما لأنها كانت
ببساطة لا ترغب في أن يكون لها شأن بأي فرع من فروع هذه العائلة .
قطع بول الصمت المخيم . وسأل :
-«أين شيللا؟ إنها و ربيكا صديقتان منذ عدة سنوات ".
- احقا ما تقول ؟ شيء جميل ! ستعود حالأ. أظن أنها تقوم الآن بجولة مع الكلاب ".
ثم التفتت إلى ربيكا، وقالت لها:
" تعالى يا ربيكا واجلسي إلى جانبي وأخبريني ماذا كنت تفعلين طوال هذه
السنوات ؟
ترددت ربيكا. فلم تكن تحدوها أدني رغبة في الجلوس إلى جوار آديل أمام
بول ، ولكنه شجعها على أن تتقدم إلى الأمام ، فامتثلت لرغبته وجلست على
طرف مقعد إلى جوار آديل . وفى هذه اللحظة خيل لربيكا أن الزمن قد تراجع
ثلاث سنوات إلى الوراء، فانتابتها رجفة هزت كيانها. وأدركت آديل هذه
الرجفة ، فقالت لها:
- هل تشعرين بالبرد يا ربيكا؟ سأطلب من جيليان أن يشعل النار فى
المدفاة ".ورده قايين
"هذا شيء لا يهم ".
وتطلعت إلى بول الذي كان يشعل سيكاره . وتطلعت أديل بدورها الى نحو ابن اختها وسألته :
- أين أبوك ؟
- لم اره بعد . أخبرني جيليان بأنه موجود في مكتبه . سمعت انه احضر معه بريانت .
- أجل . كانا فى أمستردام سويآ".
وحولت رأسها وسلطت عينيها على وجه ربيكا واستطردت تقول :
- يجب أن تخبر أباك بأن ربيكا هنا. أنا متأكدة أنه يرغب في مقابلتها ثانية . لقد
أصبحا صديقين عندما زارا فيجي . انت تذكرين بيير سانت كلير . اليس كذلك
يا ربيكا؟
جحظت عينا ربيكا غير مصدقة ، ورأت الحقد يبرز في عيني اديل
وتساءلت . إن اسم والد بول هو فيكتور وليس سانت كلير. وشخصت
بعينيها نحو بول ، ولكن لسوء حظها كان يتطلع إلى القادم الذي دخل لتوه إلى
الغرفة . وكانت فتاة جذابة ذات شعر أحمر، وترتدى زيأ أبيض بسيطأ، وعلى رأسها
قبعة ، فحياها بحرارة .
" أهلا شيللا. انظري يا ربيكا من التي أتت ".
ولكن ربيكا كانت تشعر بأن ساقيها لا تقويان على حملها، وإغماءة
تغشاها، عندما فكرت في أن بيير سانت كلير هنا، فى هذا المبنى. عليها أن تفر
هاربة . قبل أن تبدو حمقاء في أعين الآخرين .
ولم تدرك شيللا التوتر الذي كان يعتري ربيكا فى هذه اللحظة ،
فاجتازت الغرفة إلى حيث تجلس هي و آديل . وقالت مبتسمة :
: مرحبأ ربيكا. كم هو مفرح أن نلتقي ثانية بعد كل هذه السنوات !
تحاملت ربيكا للوقوف . وابتست ابتسامة واهنة فى وجه شيللا ستيفننز:
" أوه شيللا! عندما أخبرني بول بأنك ممرضة خالته ، لم أصدق ذلك . كيف حالك ؟
قالت ببساطة :
" أنا بخير. إن الآنسة سانت كلاود ليست مريضة متعبة . كما تعرفين بنفسك.
تجهمت ربيكا وقالت :
- أوه . أجل . أنت تعرفين أنني كنت ممرضتها فى فيجي" .
ورده
- أجل .. . أعرف.
ثم انحنت شيللا على مريضتها وراحت تسوي المساند التي تسند عليها
ظهرها. وتسألها إن كانت تشعر بالراحة . ثم انتصبت بقامتها، وأردفت تقول :
- إنني أنا والآنسة سانت كلاود صديقتان . أليس كذلك ؟
ردت آديل :
- أجل ... تمامأ.
تشبثت ربيكا بحزام حقيبتها. وسألت :
- منذ متى وأنت تعملين هنا يا شيللا؟
- منذ ثمانية عشر شهرأ.
وأضاف بول قائلأ:
- عندما ماتت أمي، عادت خالتي آديل إلى انكلترا لتقضي فترة من الوقت
كان ذلك قبل أن تلحق شيللا بالعمل هنا. أليس كذلك يا خالتي؟

ابتلعت ربيكا ريقها بصعوبة ، وبالطبع شاع الاضطراب في تفكيرها. إن
أم بول ماتت ، وإذا كان بيير هو أبوه . وعندئذ ترنحت ربيكا وحاولت أن
تمسك بيدها ظهر المقعد حتى لا تفقد توازنها، ولاحظت شيللا محنتها . فسألتها:
- هل حدث شىء يا ربيكا؟
وفى الحال بدا الاهتمام على بول الذي صاح بدوره قائلأ:
- هل حدث شئ ، يا ربيكا؟
ووضع ذراعه حول كتفيها لمساندتها، واستطرد يقول :
- هيا بنا نخرج لنتنشق الهواء. جو هذه الغرفة اصبح فاسدأ.
هزت ربيكا رأسها موافقة . ولكن آديل تدخلت قائلة:
- ألا تظن أنه من الأفضل يا بول أن تصحب شيللا صديقتها. أنا متأكدة
أن لديهما الشيء الكثير الذي يتجاذبان فيه الحديث . ولا تنسى أن ربيكا قد
أتت لرؤية صديقتها.
تردد بول قليلأ. وتمنت ربيكا أن تجد عذرأ تستطيع به الخروج مع
بول بدلأ من البقاء مع صديقتها شيللا. ولكن تفكيرها لم يهدها إلى هذا
العذر.
سألها بول :
- هل هذا ما ترغبين فيه يا حيبتي؟
- أنا ... أنا أعتقد ذلك.
ثم أرخى ذراعه من حول كتفيها. وتركها وهو يقول :
- أمرك يا خالة آديل . سأذهب لرؤية أبي. ثم نلتقي جميعأ لتناول الشاي سويأ.
ووقع نظر ربيكا على ملابس ثمينة عما اعتادت أن ترتديه شيللا منذ
خمس سنوات خلت ، وتساءلت عما إذا كانت شيللا قد تأثرت بجو الرفاهية
المحيط بها.
جلست ربيكا وقد أحست بأنها استطاعت أن تخفف من عبء جسمها على
ساقيها. بينا راحت شيللا تعد القهوة . وتقول لها:
- أظن أن فنجانأ من القهوة سوف يبعث الانتعاش إلى نفسك . هل صدمت لرؤية
آديل مرة ثانية ؟
مدت ربيكا أصابعها وراحت تتحسس مسند المقعد. وكأنها تبحث عن
. شئ تقوله ، ثم قالت أخيرأ:
- أعتقد أنها كانت صدمة لى.
قالت شيلا:
- كانت فكرة آديل أن تحتفظ بشخصيتها سرأ عليك . وعندما اكتشفت أنني
أعرفك ازداد اهتمامها بالأمر!
ضغطت ربيكا على شفتيها. وفكرت فى أن اديل لابد شعرت بالسعادة

عندما سنحت لها الفرصة لترى ضحيتها مرة أخرى. يا للمفاجأة ! بول ابن
بيير ! برزت هذه الحقيقة أمام عينيها، فحطمت كل الآمال التي تمنت أن تتحقق في المستقبل .
سألتها شيللا:
- ألا تسألين . هل أحب التمريض الخصوصي.
هزت ربيكا رأسها بالايجاب ، فقالت شيلا بحماسة :
- أحبه كثيرأ. كل شخص هنا. حنون . وصديق !
قالت ربيكا وهي تضغط على مخارج الكلمات :
- هل تعرفين والد بول ؟
- بيير؟ طبعأ!
تضرج وجه ربيكا بلون الدم فأن
شيللا قد نطقت اسمه عن عمد
وكأنها واثقة بمعرفتها به ، وكانت شيللا تقود بدراسة كل ما يطرأ على وجه
ربيكا.
قالت ربيكا:
- ظننت أنك متزوجة الآن من بيتر!
- بيترفيلدمان ؟ هل تتصورين أنني يمكن أن أتزوج منه بعد إيماءتك التي أدارت
رأسه إليك . أليس كذلك ؟
- ماذا تقصدين ؟ كنت أظنك تحبين بيتر.
استدارت شيللا لتصب القهوة ، وقالت :
- على الأقل كنت أظن أنني أحبه . لم يدر بخلدك أنك تسخرين من شخصي
أليس كذلك ؟ يا إلهي. إن بيتر ليس من النوع الذي يحب التورط في
العلاقات السرية إذا أبديت له ذلك . كان وجهه دائما يعبر عما يكابده.
و ر د ة ق ا ي ي ن
سيطرت شيللا على ملامح وجهها، و ناولتها فنجانا من القهوة الساخنه .
وسألتها بأدب :
-هل تحتاجين إلى سكر؟
- صدقيني. إنني لا أعرف ماذا أقول . ظننت . كل واحدة منا ظنت.
- أعرف . أعرف . دعينا نترك هذا الموضوع نهائيأ. وسأقبل تصرفك البطولي الذي
أقدمت عليه.
ضغطت ربيكا على شفتيها، وقالت :
- إني اسفة .
- لا داعي للأسف . أنت قدمت لى خدمة ، فقد عرفت بعد ذلك أنني لن أنعم
بالسعادة مع رجل مثل بيتر فيلدمان . إنه رجل سهل القياد. وأنا أفضل رجلأ
يكون سيدأ لبيته.
مالت ربيكا ورشفت قدرأ من القهوة ، وحذت شيللا حذوها.
وعندما سمعتا طرقأ على الباب ، استدارت كل منهما تلقائيأ نحوه في وقت
واحد، ولوهلة خشيت ربيكا أن يكون بيير هو الطارق ، ولكنها وجدت
بول الذي قال لها ببرا،ة :
هل هواجتماع مغلق . أم أنني أستطيع الانضمام إليكما؟
بدا تعبير دافىء على وجه شيللا وهي تقول له :

- هل تحب أن تشرب قليلأ من القهوة يا بول ؟
«لا. إنما كنت أمزح . في الواقع إن الشاي معد في غرفة خالتي آديل . وطلبت مني
ان أحيطكما علمأ بذلك.
ثم تطلع الى ربيكا بحنان . وسألها:
- هل تشعرين بتحسن الآن ؟
كانت ربيكا فى الحقيقة تشعر بأنها على شفا الانهيار، ولكنها حاولت أن تخفف من هذا التوتر فابتسمت قائلة :
- أشعر بتحسن كبير . شكرا لك .

- حسنا .
وعندئذ جذب بول يد ربيكا. فوقفت على قدميها، وعندما وصلا إلى
الغرفة ، قال بول :
- أخبرت أبي أننا وصلنا ولكنه لم يلاحظ لأنه مشغول مع توم في المشروع
الاسترالي.
ابتسمت آديل وقالت :
- لا عليك يا عزيزي، فهناك وقت كثير يمكنك أن تلتقي به فيه . أظن أنكما
ستمكثان لتناول طعام العشاء معنا.
بدأت ربيكا تقول :
- أ وه . .. . لكن .
حينمأ قأطعهأ بول بحزم قائلا :
- أجل . يمكننا البقاء. وفى الواقع إنني أتساءل عما إذا كان من الممكن أن نمضي
إجازة نهاية الأسبوع هنا. ما رأيك يا ربيكا؟
- لا يمكن يا بول !
تطلعت إليها آديل بعينين فاحصتين . وسألتها:
- لماذا؟ بول أخبرني بأنكما قد حصلتا على إجازة نهاية الأسبوع.
تطلعت ربيكا إليه متوسلة أن يتدخل ، وقالت بتلعثم :
- اننا, أوه ... بول .
ولكن بول كان لا يريد مؤازرتها، فترك الأمر معلقأ، وأحست شيللا
بالتوتر، وأرادت أن تخفف من حدة الموقف ، فقالت :
-أظن أنك وجدت صعوبة فى أن تتلاءمي مع الحياة فى انكلترا من جديد بعد
أن عشت فى فيجي؟
تنهدت ربيكا وقالت :
- أعتقد أنني تلاءمت مع جو انكلترا.
قالت آديل ساخرة :
- إنني لا أستطيع فهم سبب قرارك بالرحيل يا ربيكا. ظننت أنك أحببت الحياة
في فيجي.
حاولت ربيكا ان تبدو غاضبة حتى تخفي اضطرابها. وهي تقول :
- لقد تعبت من العيش في مكان محدود .
والتقطت شيللا خيط الحديث ، وقالت :
- لم تسنح لي الفرصة بزيارة جنوب المحيط الهادي. أظن أن الجو هناك رائع !
قالت ربيكا:
- أجل رائع .
وأدار بول دفة الحديث إلى السؤال عن صحة خالته . ثم تطرق إلى دراسته
في مستشفى بارثولوميو، ثم نهض واقفأ وقال :
- ما رأيك يا ربيكا في أن نقوم بجولة في المنطقة المحيطة بالمنزل ؟ لقد بدأ
الظلام يزحف . وأريد أن أريك جانبأ من المكان.
عضت ربيكا شفتيها. فقد كانت تود الرحيل . ولكن بدا واضحأ أن هذا
المكان ليس من النوع الذي يبدي فيه المرء هذه الرغبة . وخاصة أن بول له
حليف مثل خالته آديل ، تؤازره في رغباته ، ولذلك ابتسمت وقالت :
- أجل . أرغب في القيام بجولة .
وسارا في الممر حتى بلغا السلم الحلزوني. عندما خرج رجلان من الباب الذي
يقع تحتهما. فتجمدت ربيكا في مكانها وتراجعت بظهرها إلى الحائط ولم يدرك
بول تراجعها. وإنما أسرع يهبط الدرج . وهو يتوقع أن تتبعه . وعندما بلغ البهو،
شد انتباهه وجود والده فقال له :
- هل فرغت من عملك ؟
و ر د ه
كانت ربيكا قد لمحت بيير سانت كلير وهو يدورعلى عقبيه ، و يبتسم
لابنه ، فقفز قلبها فى صدرها. واهتز كيانها... كان بيير يرتدي ثوبأ أسود، وقد
خط الشيب رأسه وبدا لها جذابأ كسابق عهده ، وإن كان أكثر نحافة . وتذكرت
الماضي عندما اختليا فى غرفتها فى فيجي. وشعرت بصلابة صدره تضغط على
صدرها .
يا إلهي لا تدعه يتطلع إلى أعلى ويراني. يا لحماقتها ففي لحظة سوف يتلفت
بول حوله ليقدمها إلى أبيه ، وعندئذ. كتمت زفرة ندت من صدرها. فمن
الواضح أن بول لم يوضح شخصية رفيقته عندما أخبره . بنبأ وصولهما ولكن
ماذا يهم ستلتقى به وجهأ لوجه آجلأ أو عاجلأ.

رأت من الأفضل لها أن تتمسك بالهدوء، وألا تقبع فى هذا المكان ، وتبدأ فى
الهبوط وعندما شرعت تضع قدميها على درجات السلم رأت بول يلتفت حوله
بحثأ عنهأ. وقال مبتسمأ:
- تعالي يا ربيكا. أريد أن تقابلي أبي مرة ثانية ..
وسواء، ذكر بول لأبيه أنه أحضر الفتاة التي يعرفها أم لم يذكر، لأن
ربيكإ تجهل حقيقة الأمر. إلآ أنها أحست وهي واقفة فى البهو أن عيني بيير مسلطتان عليها. ولم تتطلع إليه حتى أصبحت على مقربة منه فرأت البرود يشوب عينيه . والصرامة تعلو فمه . وأخذ يهز رأسه غير مصدق ما يرى!
ولكن بول جذبها إلى الأمام ، ووضع ذراعه على كتفيها، وقال :
- حسنأ يا أبي. أنت تذكر ربيكا ليندسي . أليس كذلك ؟ .
وجدت ربيكا نفسها مضطرة إلى أن تتطلع إلى بيير، وأحست بصدمة
عندما رأت القسوة واضحة على ملامح وجهه . وأخيرأ قال :
- أجل . أتذكر ممرضة آديل !
مدت يدها لمصافحته ، ولكنها سحبتها بسرعة . كانت لمسته تشيع فى أعماقها
حلاوة تشوبها المرارة . وانتابها التوتر عندما حاولت الكلام عن أول شئ تبادر إلى
ذهنها. قالت :
- لكن اسم فيكتور قرين لاسم بول . وليس سانت كلير.
تكلم بيير قائلأ ببرود:
- اسم ابني بول فيكتور سانت كلير. وعندما التحق بهيئة المستشفى، وجدوا
اسمه طويلأ. فاضطروا لاختصاره . ..
ارتجفت ربيكا من نظرات بيير. وقالت :
- أوه ! نعم ... بدأت أفهم . ..
-
ولم يلاحظ بول رجفة ربيكا إذ تحول يتحدث إلى الرجل الآخر قائلأ:
- ربيكا. دعيني أقدم لك توم بريانت . ساعد أبي الأيمن . توم دعني أقدم لك
ربيكا ليندسي. إنها تعمل أيضأ في المستشفى، وكانت سابقأ ممرضة آديل ، وقد
التقت بأبي عندما كان يقوم بزيارة فيجي . ..
صافحها توم بريانت بحرارة ، وقبض براحته على أصابعها النحيلة ، وعلق
على ذلك ضاحكأ، وتجاوبت مع روحه المرحة بشغف . ولجأت الى ذلك حتى
تتجنب تحليلات بيير النافذة ، ووقفا طويلأ يناقشان عملها في سانت
بارثولوميو وأخيرأ قال بيير:
- اقترح الدخول إلى المكتبة . وتناول بعض الشراب ! . .
قال بول :
- كنت أنوي مصاحبة ربيكا لترى المنطقة المحيطة بالقصر . ..
أبدى بيير ملاحظته ، قائلأ:
- ولكن الظلام يسود المكان . آقترح تآجيل ذلك حتى الصباح . ..
تطلع بول الى ربيكا، وقال :
- اننا نستطيع أن نفعل ذلك في الصباح . ..
أطبقت قبضة يدها، وقالت :
- لقد نسيت يا بول . إنا لن نكون هنا فى الصباح.
تطلع إليها بيير طويلأ وقال :
- بالتأكيد. دعاك ابني لقضاء إجازة نهاية الأسبوع . بالاضافة إلى أن الضباب
أفذ يسود الجو وأصبح من الجنون قيادة السيارة ليلأ في طريق العودة إلى
لندن.
تجمدت شفتا ربيكا. تطلعت إلى بول الذي قال لها ببراءة ملحوظة :
- لا تلوميني. فلست مسؤولأ عن سوء الأحوال الجوية.
- ولكنني غير مستعدة . ألا تستطيع حقأ العودة إلى المدينة ؟.
- ولماذا نعود؟ يوجد هنا العديد من الغرف ..
قال بيير فجأة بنبرة متبرمة :
- أظن أن المناقشة قد انتهت بصدد هذا الموضوع . لا يمكنك الرحيل الليلة وعليك
بقبول دعوة المبيت هنا. والآن هيا با نتناول الشراب ..
ضغطت ربيكا على شفتيها. وساءها أن تجد بول يتخذ هذا الأسلوب
ليحقق رغبته بدون أن يفطن إلى أن بيير يرى أن ربيكا تسلك مسلك
الأطفال . ولم يكن فى وسعها أن تفعل شيئأ. فسمحت لبول بأن يأخذ بيدها.
ويقودها إلى المكتبة وهي تتلوى من غضبها المكبوت .

فتح بيير سانت كلير الباب . وكان عليها أن تمر به أثناء دخولها الغرفة .
وشعرت أثناء مرورها بأن ساقيها لا تقويان على حملها.
أجلسها بول بجوار المدفأة . وقدم لها كأسأ من الشراب ، بينما أعد قدحين أخرين له و لتوم بريانت . أما بيير فأعد لنفسه كوبأ كبيرأ من الشراب . وقد بدا واضحأ أن تماسكه قد اهتز هذا الأصيل .
كانت ربيكا سعيدة بكأسها لأنها أتاحت لها أن تركز اهتمامها فيه.
وأخيرأ قالت :
- لم أكن أتخيل المكتبة على هذه الصورة ..
ابتسم توم وقال:
- إنني من رأيك . فإن مثل هذه المكتبة أصبح نادرأ..
تقدم بيير ليقف إلى جوار المدفأة . وقد أعطى ظهره لها، ثم قال بخشونة:
- قررت أن أبيع المنزل !.
تطلع توم إليه فى دهشة . قائلأ:
- أحقأ اتخذت قرارك ؟ حسنأ. إنك تكلمت عن ذلك كثيرأ..
هز بيير كتفيه قائلأ:
- إنه مبنى كبير قليل النفع باهظ التكاليف . بالاضافة إلى أنني لم أهتم يومأ
بالمكان ..
تطلع بول إلى ربيكا ثم قال:
- ولكن أمى اختارت سان سوسي ، وفي حياتها كانت تقيم الحفلات هنا. كانت
تحب كل أسباب الترفيه . أليس كذلك يا أبي؟.
ألقت ربيكا نظرة سريعة على بيير. وتساءلت كيف يكون رد فعل كلام
بول عليه ، ولكن يبدو أن بيير كانت له وجهة نظر تختلف عن ابنه ،
ووجدت نفسها تفكر في جنيفر سانت كلير.
والتقط توم خيط الحديث مرة ثانية . وراح يتحدث إلى بول . وكانت
ربيكا تشعر أن بيير يرمقها بين الحين والآخر. وتساءلت عما يدور بتفكيره
الآن ، وأي عالم بناه لوجودها هنا، فشعرت فجأة برجفة . وهي تفكر في أمره . ما
دامت جنيفر قد ماتت . فهل ينوي الزواج ثانية ؟ ومهما تكن صورتها في نظره ،
فإنه يبدو واضحأ أن ما شعر به نحوها في فيجي أصبح أمرأ منسيأ، وكل ما
تجنيه الآن . أن تتجرع كأس آلامها!
وقطع حبل تفكيرها صوت طرقات الباب . وعندما قال بيير ادخل دخل الى الغرفة جيليان , ووجه حديثه الى سيده بينما كان يحدق في بول , وقال :
- الغرفة الخضراء معدة يا سيدي . هل السيدة الشابة ستمكث هنا الليلة ؟
- ورده قايين -
تطلعت ربيكا الى بول غاضبة بينما كان بيير يجيب قائلا :
- اجل يا جيليان . ان الأنسة ليندسي ستمضي الليلة هنا . وربما كان من الأفضل ان تريها غرفتها الآن .

نهضت ربيكا على الفور , وكانت لاترغب في البقاء . وأنما تريد ان تبتعد عن الغرفة , ان لم تكن عن البيت كله ولكن هذا الأمر كان مستحيلا بالأضافة الى انها ستبدأ الفرار من جديد .
اخيرا قالت :
- شكرا يا جيليان . احب ان اتوجه الى غرفتي .

بدا القلق على بول وقال :
- ربيكا !

ولكن ربيكا تطلعت اليه بأزدراء وقالت بأيجاز :
- سأراك فيما بعد يا بول . اسمحوا لي .

غادرت الغرفة وتبعها جيليان ثم طلب منها ان تتبعه .
وبذلت جهدا في ان ترسم ابتسامة على شفتيها تحية للخادم المسن . انه لم يكن خطأه , وما ذنبه لكي تعامله بخشونة؟ اخترقا البهو . ومرا خلال باب مصنوع من خشب البلوط ادى بهما الى ممر خلفي , فأدركت ربيكا على الفور انهما في احد البرجين . ثم بدأ جيليان يرتقي السلم الحلزوني وتبعته ربيكا وهي تتوقف بين حين وآخر لتلقي ببصرها عبر النوافذ الضيقة المتناثرة . حتى بلغا منبسط الدرج ووقف جيليان امام احدى الغرف ودفع الباب . وطلب منه ان تتقدمه في الدخول .
.عندما جالت ببصرها . بدأ السرور عليها . فقد كانت غرفة جذابة ومضاءة بمصابيح أعلى الحائط والسجاجيد
المنتشرة في أرجاء الغرفة من اللون الأخضر،
والستائر من القماش المطرز.
راقب جيليان الانطباعات التي ارتسمت على وجهها. وقال:
- حمامك ملحق بهذه الغرفة ، ولحسن الحظ أن الغرف مستقلة الواحدة عن الأخرى.
ولذلك يمكنك أن تعتبري هذا الجزء جناحأ خاصأ بك.

- الغرفة رائعة ، شكرأ.
هز جيليان رأسه قائلأ:
- إنني سعيد بأنها حازت إعجابك يا آنسة . هل تريدين شيئا آخر؟
- لا أظن . ما موعد العشا؟
- عادة . في السابعة والنصف . السيد سانت كلير يتناول كأسأ في المكتبة قبل
أن يتناول طعامه . يمكنك أن تنضمي إلى الأسرة هناك في السابعة والربع .
- هل أسلك الطريق . الذي أتيت منه ؟
- لا ليس ضروريأ. انظري.
قادها عائدأ إلى منبسط الدرج وأشار إلى بابين . وقال :
- هذا باب حمامك ، والباب الآخر يقودك إلى البهو العام ، وهذا هو الطريق المعتاد
سلوكه إلى المبنى الرئيسي .
- أوه . فهمت . شكرأ لك.
هز جيليان رأسه ، وقال مبتسمأ:
- هناك ماء ساخن إذا رغبت في الاستحمام . والآن أتركك .
ابتسمت ربيكا بدورها شاكرة . وعندما غادرها أغلقت الباب ، والقت بنفسها
على الفراش ، ودفنت وجهها بين راحتي يديها. وبعد قليل نهضت و توجهت إلى
الحمام . واغتسلت بالماء الدافىء واستعادت نشاطها. ولم تحاول أن تفكر فيما قد
يحدث في المساء. إنه موقف يتعين عليها مواجهته واجتيازه ، ولا أهمية لما قد ينجم من مأساة .
ورده قايين..
ومع كل هذا لم تستطع أن تمنع نفسها من الفكير في بيير سانت كلير. كان
عذابأ تكابده ، وذهولأ تعاني منه كلما فكرت فيه ، وكلما حاولت أن تكف عن
التفكير فيه، كانت تشعر أنه يعيش في عقلها الباطن . كان الألم يعتصر أحشاءها
بول قال إن أمه قد ماتت ، ومعنى ذلك أن بيير أرمل . وتذكرت قسوة وجهه
وهو يطلع إليها عندما التقت به بعد الظهر. وأدركت أن هذه الحقيقة لا تعني أي
شئ لديه كما تعنيها هي. بل على العكس، لقد عاملها وكأن وجودها في هذا
البيت يعد مأساة .
وتساءلت عما يكون رأية في العلاقة التي تربط بينها و بين ابنه ، كما تساءلت
عن دور آديل ، وهل خططت لكي تكشف لبول عن علاقتها بأبيه ؟ وفزعت
عدما تخيلت الروح المدمرة الي تعربد في أعماق آديل .
عادت إلى غرفها. وفجأة سمعت طرقأ عل الباب ، فقالت :
- من . من بالباب ؟
- آنا بول !
- ماذا تريد ؟
- افتحي الباب أريد أن أراك.
- لا. لم أفرغ بعد من ارتداء ملابسي. سأراك على مائدة العشاء.
- لكنني أريد أن أشرح لك.
- ليس هناك شئ يحتاج إلى شرح . ارحل يا بول .
- أوه ، أرجوك يا ربيكا . أريد أن أراك !
ترددت ربيكا. ثم وقفت ، وارتدت سروالا ثبتت أزراره ، ووضعت شالأ على
كتفيها. ثم توجهت إلى الباب ، وفتحت ، فرات بول أمامها جذابا فى زي
العشاء الأسود. قالت له :
- أنت تعرف أنه ليس لدي ثوب للعشاء،. صدقنى. هل خططت لكل هذا؟
- لم أخطط شيئأ. كيف أخطط لمجئ، الضباب ؟
تنهدت ربيكا وقالت :
- في أي0حال . كنا نستطيع أن نمكث في القرية .
قال بول بجفاء :
- كنت تثيرين الأقاويل علينا.
- لا يهمني كثيرأ.
- لماذا تكرهين البقا، هنا؟ هل هي خالتي؟ أعرف أنها مثيرة للأعصاب في بعض
الأحيان .
- لا. لا. ليس الأمر كذلك . ولكن هل كان أبوك يعرف بقدومي؟
- كيف يعرف ! كان في أمستردام .
- أوه ... صحيح !
- ما الخطأ يا ربيكا؟ يبدو عليك التوتر والحدة منذ لحظة قدومك إلى هنا. هل
هناك خطأ ارتكبته ؟
- بالطبع لا. الساعة الآن السابعة والربع . حان وقت العشاء .

اقترب منها بول ، وقال :
- أنت جميلة . هل تعرفين ذلك ؟
سارت ربيكا نحو الباب ، وقالت :
- بول ، ليس الآن .
- ما عيبي؟ أنت تتجمدين كلما دنوت منك .
- ظننت أن كل واحد منا يفهم الآخر.
- حقأ! ما تقولين ؟ حسنأ يا ربيكا، إنني آسف لقد أفسدت عليك إجازة
نهاية الأسبوع . أليس كذلك ؟
لانت ربيكا بعض الشئ وقالت :
- لا . لا ز لست انت الذي افسدها انما انا .
وردة قايين.
ومدت يدها لتتعلق بذراعه واستطردت تقول :
- هيا بنا ننضم للأخرين .

- نهايه الفصل السادس -


--------------------------------------------------------------------------------




الفصل السابع


7- عودة غير منتظرة...
كانت المكتبة غاصة بالجميع ، وفجأة تحولت ابصارهم لرؤية القادمين.بول وريبيكا اديل ، وشيللا،وتوم بريانت، وبيير وكان وجه توم هو الوحيد المبتسم فأحست ربيكا بسعادة لوجوده.
كانت اديل تجلس على مقعدها المتحرك، وتبدو مستمتعه بسرور دفين يجيش في اعماقها ، أحست ريبيكا بثورة نحوها. ولكن برغم كل شيء كانت عينا ريبيكا مشدودتين الى الرجل الاخر!
كان بيير سانت كلير وسيما في ثوب العشاء الانيق الغالي ويتم كل جزء في كيانه عن رجل ناضج , ودهشت ربيكا لانها مازالت اسيرة نزقها في ان تعامله بالاسلوب الذي انتهجته سابقا. كانت تبدو كالغريبة، برغم انه في يوم ما احتواها بين ذراعيه وبتها عواطفه الملتهبة!
وبدأت اديل الحديث قائلة:
"آه اخيرا اقبلت يا بول . ظننا انك لن تأتي"
وكانت كلماتها تلمح الي ريبيكا التي تضرج وجهها بلون الدم. ولم ينقذها من هذا الموقف الا بيير الذي سأل:
"هل ترغبان في الشراب؟"
فتطلع بول الى ريبيكا رافعا حاجيبيه متسائلا، فطلبت كاسا . ولكن بيير لم يلتفت اليها . وانما اعد الشراب لهما. واسرع بول ليحمل الكأسين من ابيه . وكانت شيللا تحتسي كلآسها ، وهي تتطلع بدهشة الى ريبيكا التي راحت تتساءل عما يدور في خاطر شيللا.
اشعل بيير سيكارا، عندما قال نوم يريانت:
"الضباب يزداد كثافة . هل كان احدكم في الخارج؟"
قال بول باهتمام:
"لا، هل الضباب كثيف حقا؟ اظن انك ستضطر الى البقاء هنا يا توم "
قال بيير وهو يأخذ نفسا عميقا:
"سيبقى توم . كيف تسير الامور في المستشفى يا بول؟ هل اقضيت بالخبر الى هاريسون؟"
"اجل وقد اهتم به ، وتساءل عما اذا كان المشروع عمليا ام لا؟"
اقترب توم بريانت من ريبيكا ، وقدم لها سيكارة ، ثم قال مبتسما:
" يبدو عليك القلق . هل من المحتم عليك ان تعودي الليلة الى المدينة؟"
ثم نظر الى اصابعها وسألها:
"انت لست متزوجة ؟ انه امر يدهشني"
عضت ريبيكا على شفتيها . وقالت:
" الزواج ليس كل شيء".
اوما توم برأسه موافقا ، وقال:
" اجل فانا نفسي لست متزوجا . وعملي يشغلني تماما . وليس من السهل ان اجد امرآه ترضى بحياة الترحال التي اعيشها"
"لن تشعر المرأة بضيق اذا كانت تحيك".
"انت تتكلمين باحساس ، هل هذا نابع من تجربتك الشخصية؟"
" اعتقد ذلك؟"
شعرت ريبيكا بسعادة عندما وجدت الشراب قد بعث الدفء في اوصالها. وراحت تدور باصابعها على حافة الكأس، ثم قالت:
" انت تعرف والد بول منذ فترة طويلة اليس كذالك؟"
" اجل وانت التقيت به منذ فترة ايضا. عندما زار اديل في فيجي اصحيح هذا؟"
" اجل هذا صحيح."
وجالت ببصرها في ارجاء الغرفة . حيث وجدت ان احدا لا يتابع حديثهما . كان بول يتبادل الحديث مع خالته بينما كان بيير يقدم كأسا اخرى الى شيللا ، التي راحت تتطلع اليه بعينين ناعستين استآثرتا ببصره لفترة طويلة. واحست ريبكا بقلها يدق عاليا ، فأشاحت بوجهها بعيدا وفكرت في ان بيير لم يتورط في علاقته مع شيللا ، ومع هذا لم لا يرتبط بها؟ وعلام تدهش؟ انها كانت مجرد ممرضة اديل عندما جذبت انتباهه واغمضت عينيها فترة وجيزة . وعندما فتحتهما رآت توم يتطلع لها باهتمام واضح ويسألها:
" هل انت بخير ؟ لقد با الشحوب على وجهك فجأة هل تشعرين بيضيق ؟"
" شعرت باغماءة خفيفة!"
" هل انت متأكده انك بخير ؟ راودني الظن بانك عانيت من توتر الاعصاب في الفترة الاخيرة ، لعلك بذلت جهدا كبيرا في عملك. انني اتصور ان عملك يتطلب فتاة صغيرة"
" انني اجد التمريض مهنة مجزية احيانا تكون ساعات العمل طويلة ومرهقة، ولكنني لا اشعر بضيق"
"ولكن ما حكاية الحفلات التي تشترك فيها الممرضات؟ فهمت ان هناك العديد من النشطة الاجتماعية داخل المستشفى"
" اخشى ان اقول ان هذه الحفلات لا تجذبني . انني عزوفة واميل إلى الوحدة واحب الاستماع للموسيقى والقراءة
وفي هذه اللحظة اقتربت شيللا من ريبيكا وقالت لها بصوت صاخب
"اوه مهلا" ياربيكا لقد اعتدت على التسلية بالحب وقد اقمنا عشرات الحفلات في الشقه التي عشنا فيها سويا"
" كان ذلك فيما مضى ياشيللا "
" اعرف ذلك ولكن الإنسان لايتغير تماما" وفي فيجي فهمت انك اعتدت على الخروج قليلا"
شخصت ريبيكا ببصرها نحوها لبرهة قصيرة ، ثم حولت نظراتها الى اديل التي دفعت بمقعدها المتحرك لتنضم اليهما قالت ريبيكا:
" اظن انك اخطأت يا شيللا ، انني لم اخرج مطلقا عندما كنت اقوم على تمريض الانسة سانت كلاود".
ضيقت اديل مابين عينيها ، ثم قالت:
" حسنا ، ربما ليس كثيرا ، اليس كذلك يا ريبيكا؟"
ثم تطلعت الى توم واردفت قائلة:
"هذا يتوقف على من يكون الداعي طبعا".
واحست ريبيكا بالموت يداهمها، هل تنوي اديل ان تشير الى اسم بيير في معرض حديثها! وكان بيير نفسه يصب لنفسه كأساا اخرى، وقد بدا وكانه في عالم مختلف عن باقي المجموعة في حين انضم بول اليهم، ووضع ذراعه فوق كتفي ريبيكا مما سبب لها ضيقا كبيرا ، وسأل ببساطة:
"ما الموضوع!"
وخيم صمت غريب استغرق وقتا قصيرا ، وفجأة دوت طرقة على الباب ازعجتهم وكان القادم جليليان، اتي ليخبرهم بأن العشاء قد اعد ، فأطلقت ريبيكا زفيرا عبرت به عن ارتياحها.
تولى بيير امر مقعد اديل فدفعه امامه وغادر المكتبة ولما كان توم مستاثرا بالحديث الى ريبيكا ، فقد وجد بول نفسه مضطرا الى السير مع شيللا ، وكان العشاء معدا على مائدة كبيرة يمكن ان تستوعب ثلاثين ضيفا على الاقل، وقد اضطرت المجموعة لان تحتل جزءا منها حتى يسيل خدمتهم.
كان من الطبيعي ان يجلس بيير على رأس المائدة والى اليسار اديل ، وتوم الى يمينه وجلست ريبيكا الى جوار توم بينما احتل بول مقعدا في مواجهتها بين خالته وممرضتها وادركت ريبيكا ان المكان لم يعجبه فشعرت بشيء من الارتياح.
كان الطعام شعيها . وبرغم الاضطراب العصبي الذي انتاب ريبيكا الا انها راحت تتحدث الى توم ، وتلتهم الطعام بلا وعي. وعقب الانتهاء من تناول الطعام. انتقلوا الى غرفة الجلوس لاحتساء القهوة. وشد انتباه ريبيكا خزانة تحتوي على بعض النفائس ، فسارت نحوها وراحت تتامل باعجاب مجموعة من قطع الشطرنج النادرة ، وعندما احست بان شخصا ما يقف الى جوارها . وكانت تتوقع ان يكون بول او توم. ولكن حين تطلعت اليه. وجدت انه بيير وعلى الفور انتابها التوتر الذي شاع الاضطراب في اوصالها . سألها بصوت بارد
"حسنا ، ما رأيك في منزلي؟"
"انه جميل للغاية"
"هل هذا هو رأيك؟ كنت اتوقع ان يكون انطباعك مختلفا. اخبرنتي ، هل كنت على علم بوجودي في المنزل في اجازة نهاية الاسبوع؟"
" ماذا تقصد؟"
"ماقلته لك ، هل كنت تتوقعين رؤيتي . او كنت تأملين في التأقلم بجو البيت قبل عودتي؟"
ارتعش جفنا. ريبيكا وقالت بصوت غاضب:
"انني لم اكن اعلم انه منزلك حتى قابلت اديل".
" هل تتوقعين ان اصدق كلامك؟هل من المعقول ان ابني بول لم يشر الى اسرته في حديثه معك؟"
"انه اشار بالفعل ولكن ليس بالاسم"
"هل تتوقعين مني ان اصدق انك لاتعرفين من يكون بول!"
"انني لا اكترث كثيرا بما تعتقد!"
"بالطبع انت لاتعرفين شيئا عن هاليداي!"
زوتريبيكا ما بين حاجبيها في حيرة، وسألته:
"هاليداي؟من يكون هاليداي؟"
"دعينا من هذا الان"
ثم راح يجول ببصره بينالحاضرين . وعندما تاكد ان احدا منهم لايتابع حديثهما، استطرد قائلا:
"هل تظنين انك وحدك صاحبة الحق في معاملتي بقسوة؟"
التهبت وجنتا ريبكا لهذه المواجهة . وقالت

ارجو ، لا اعرف سبب كلامك معي بهذه الطريقة جئت الى هنا لمقابلة شيللا هذا هو كل مافي الامر هل كنت تظن انني سوف اتي وانا اعلم بوجود اديل هنا؟"
وراح بيير يتفحصها فترة طويلة ، ثم قال بمرارة:
"انني اجهل لعبتك، ولكنني ارفض ان اصدق ان دوافعك بريئة كما تدعين".
ابتعلت ريبيكا ريقها بصعوبة وتساءلت ...ترى مالذي قالته اديل بعد رحيلها عنها. وقطعت اديل حبل تفكيرها . قائلة:
"بيير، بيير... دفت تسألهمالحديث الذي استآثر بكما؟ ان بول قد نفذ صبره تماما ، اليس كذلك ياعزيزي؟"
سارت ربيكا في تكاسل عبر الغرفة وجلست قرب بول بينما قال بيير "كنا نتحدث عن الشطرنج واخبرت
ربيكا التي كانت مستقرة على ركبتيها بينما انشغل الأخرون بمناقشة موضوع بيع سان سوسي وانتهز بول الفرصة فسألها
"اخبريني ياربيكا إلى اي مدى كانت معرفتكِ بأبي في فيجي"
حدقت ربيكا فيه غير مصدقة وهزت كتفيها قائلة:
"معقولة للغاية"
ثم صمتت قليلا". واردفت تسأله:
"متى ستعود إلى المدينة غدا؟"
"خالتي آديل اخبرتني ان ابي كان يعرف انك تعملين بمستشفى بارتولو ميو هل رأيته منذ ان رحلت عن منزل خالتي آديل؟"
ضمت ربيكا راحتيها بقوة وقالت بصدق
"بالطبع لا"
وصمتت وراحت تتساءل . مالذي تنوي آديل ان تفعله الان؟
قال بول
"اعتقد انه اكتشف الأمر عندما اتصل بالمسؤلين في المستشفى عند بدء تدريبي بها ودهشت عندما تبينت انه لم يحاول رؤيتك على العموم خالتي آديل كانت تقول إنك انت وابي كنتما اصدقاء"
" لن اعبأ بما تقوله خالتك عني . فربما تكون قد شعرت بضيق عندما لستقلت من خدمتها"
"لماذا فعلت ذلك"
"خالتك ليست بالشخصيه السهله التي يمكن ان يتعامل معها الإنسان
ابتسم بول وزال عنه القلق الذي ارتسم على وجهه وقال:
"تساءلت كثيرا" عن السبب وكان من المستحسن ان تخبريني بسابق معرفتها بك
حتى يكون في استطاعتي تحذيرك"
قالت في ارتياب:
آه...اجل"
وحتى لو عرفت ربيكا هل كانت ستأتي؟ إنه احتمال مشكوك فيه ومع كل هذا كيف يتسنى لها ان تعرف
ان والد بول هو بيير سانت كلير؟
وجاءت شيللا لتجلس بجوارها وهي تتطلع إلى ربيكا عن عمد وسألتها:
"هل لديك قميص نوم او بيجاما؟ إنني استطيع ان اعيرك إحداها"
انتاب ربيكا إحساس دفين بأن شيللا تعرف تماما" ماحدث بينها وبين بيير في فيجي فابتسمت قائلة:
"يمكنني ان اتدبر الأمر وشكرا على العرض الذي تقدمت به؟"
"لاداعي للشكر متى تنوي العودة إلى المدينه يابول؟"
"اظن.... سترحل في الصباح ... واشك ان ربيكا سترضى بالبقاء فترة اطول"
قالت ربيكا:
"يجب ان ترحل بأية حال إن نوبتنا تبدأ صباح الإثنين"
قالت شيللا:
"العمل بالمستشفى ... كم هو كريه لااعرف كيف تتحملين العودة إليه ياربيكا إنني لااحب مثل هذا العمل"
قال بيير بصوت ساخر:
"لأنك لاتحبين الأشياء المادية في الحياة"
وجذب صوته نظر ربيكا فتطلعت إلى وجهه ولم تعترض شيللا على كلماته وإنما انفجرت ضاحكة ضحكة رقيقة وقالت:
"فعلا" ولم لا؟ انت تدفع لي راتبا" وجعلتني انغمس في حياة الترف"
ضغطت ربيكا على شفتيها عندما ابتسم بيير لوقاحة شيللا وقال ساخرا"
"استطيع ان احرمك منه"
عندئذ نهضت شيللا وراحت تتطلع إلى وجهه عن قرب شديد وقالت له بدلال:
"ولكنك لن تستطيع هل في وسعك ان تفعل؟"
منحها بيير ابتسامة متراخية وقال:
"لا لن استطيع هل ترغبين في الأشتراك في مباراة بريدج؟ إن مريضتك تصر على الانضمام إليها"
تطلع يير إلى ابنه وربيكا ثم سأل:
"وماذا عنك يابول؟"
لا.... شكرا"
تجهم بيير وقال متلعثما"
" وانت... ياربيكا؟"
قالت وهي تشيح بوجهها عنه:
"إنني لا العب"
"هيا بنا نذهبإلى المكتبة ابي لديه جهاز تسجيل يمكننا ان نستمع إلى بعض الأغاني"
وافقت ربيكا على اقتراحه ونهضت لتغادر معه الغرفه
كان الجو في المكتبة إلى السرور عندما راحت ربيكا تستمتع بالنظر إلى اكوام الاسطوانات
وهي جالسة على الأرض وإلى جوارها بول ولكنها نهضت واقفة عندما حاول ان يدغدغ عنقها بأصابعه
وسارت إلى النافدة ومسحت الرذاذ الذي يكسو الزجاج ورات الضباب يملأ الفضاء في الخارج حتى استحالت
رؤية شجرة كانت قريبة من المنزل كما احست ان الضباب قد وقف حائلاا بينهما وبين الزمان والمكان واصبحا
يسبحان في فضاء بلا هدف او غاية يسعيان إليها
تنهدت ربيكاثم اغلقت الستائر في اللحظة التي رن فيها جرس التلفون توجه بول للرد واستمع للمتحدث الذي افضى اليه برسالة بعدها تبدلت سحنته وتجهم تجهما" شديدا" واخيرا" قال:
"حسنا" حسنا" سأخبره"
ووضع السماعة مكانها وعندئذ رفعت ربيكا حاجبيها متسائلة فهز رأسه عابسا" وقال:
"إنه هارمان ناظر زراعة والدي يخبرنا بوجود حادث تصادم بين سيارة ولوري عند مطلع الطريق بالقرب
من الحدود الشمالية"
تقدمت ربيكا نحوه وقالت :
"امر مريع هل اصيب احد هل استطيع ان اقدم اية مساعدة؟"
"يجب ان اخبر والدي يعتقد هارمان ان احد الرجال قد مات واظن ان ثلاثة اشخاص قد اصيبوا في الحادث"
"سأتي معك"
"لامانع"
وفتح باب المكتبة فوجد ان الجماعة منهمكين في اللعب قال بول:
"هناك حادث تصادم عند مطلع الطريق هل سمعت رنين التيلفون إنه هارمان الذي افضى بالنبأ
ويقول إنهم ارتطموا بالسور ودارت السيارتان عدة دورات فوق الأرض وان احد الرجال مات"
ولم يحتمل بيير المزيد فانتفض واقفا" على قدميه والقى بأوراق اللعب وصاح:
"هيا بنا"
قالت ربيكا:
"سأتي معكم إنني ممرضة وفي وسعي ان اقدم المساعدة"
ونهضت شيللا بدورها وقالت:
"وانا ايضا" ممرضة"
تطلع بيير إلى شيللا فترة طويلة وقال:
" من المؤسف ان تفسدي ثوبك فضلا" عن ان آديل قد تحتاج إليك"
ثم حول بصره إلى ربيكا وقال لها
"هل تحتاجين إلى معطف بول اذهب إلى الخبركمطبخ واطلب بعض المصابيح من جيليان هل اخبرك هارمان بأنه استدعى الاسعاف او رجال الشرطة
"اجل بالطبع استدعاهم قبل ان يتحدث إلينا
"حسنا" هيا بنا ونزلوا درجات السلم المؤدي إلى الساحه الامامية حيث كانت تقف السيارة المرسيدس
وفتح بيير الباب وامر ربيكا بالدخول والجلوس في المقعد المجاور لمقعده فامتثلت لامره وتساءلت عما إذا كان بول سيحتج لجلوسه في المقعد الخلفي ام لا؟
واقبل بول ينزل الدرجات بسرعه لينظم إليهما وفتح الباب الخلفي ليجلس وراءهما
ودبت الحياة في المحرك ودوى عاليا" واتخذت السيارة طريقا" جانبيا" غير الأرض الفضاء وقال بول:
"هذا الطريق كان ممرا" خاصا" بجياد الركوب حتى قام هارمان بتوسيعه بواسطة سيارته اللاندروفر
ركز بيير على قيادة السيارة بينما كانت عينا ربيكا مسلطتين على يديه وهما تقودان وتمنت ان تلمس هاتين اليدين
مرة ثانية وان تضمهما وتتحسسهما برفق ويبدو ان بيير شعر بما يدور في خاطرها فرفع بصره نحوها
وشعرت بسعادة لغياب الضوء في السيارة وإلا لقرأ التعبير الذي ارتسم على وجهها او تورد وجنتيها
واحبت انه بدأ يبطئ في قيادة السيارة عندما قال بول:
"لقد وصلنا تقريبا" هذه هي المنطفة"
واشار هرمان إلى ان السيارتان ارتطمتا بالأشجار
هز بيير رأسه وسأله:
"هل عرفت شخصية الركاب؟"
"اجل ميشيل ميردث وديانا هيوارث"
عض بيير شفته وقال:
"فهمت إنه ميشيل الذي"
"اجل"
"ياإلهي.... هذا الأبله"
" من المحتمل ان يكون قد مات"
"ولكن زوجته لم تمت وهي وحدها التي سوف تتحمل وطأة المصاب اليس كذلك؟"
هز بول رأسه وقال:
"اعتقد ذلك"
من الواضح ان الرجل الميت كان يقف في صحبة امرأة اخرى ليست زوجته
وهذاسبب ضيق بيير وكيف له ان يصدر حكما" بإدانة الرجل الميت
وتسائلت : لماذا لاترضى بديلا" عنه من بين جميع الرجال الذين عرفتهم؟
واقتربت السيارة من نور مصباح السيارة المحطمة وبرز رجل من خلال الضباب واقترب
منهم واجتاز قطعة من الحديد كانت منذ وقت قريب سيارة ميشيل ميردث الفاخرة وغادر بيير سيارته
وحذا رفيقاه حذوه وانضما
"ماذا حدث"
وراح هارمان يروي لهم سائق اللوري يعاني من اضطراب شديد وهو الآن يتناول الشاي الذي قدمه له
ثم اردف يقول
اظن ان ميشيل قتل على الفور"
وراح هارمان يمسح راحته فوق جبينه وكأنه يريد ان يمحو من ذاكرته صورة الدماء التي شاهدها وتقدمت
ربيكا وسألت:
"وماذا عن المرأة هل هي على قيد الحياة"
قال بيير فجأة:
"إن الآنسة ليندسي ممرضة ويمكنها ان تلقي نظرة على ديانا اين هي؟"
"هناك"
وقادها هارمان واجتازا السيارة المهشمة إلى حيث كانت ترقدجثة نصفها على الطريق ونصفها الآخر على الحشائش وقد بلل الضباب ثوبها وكانت ربيكا تعرف جيدا" ان الجسم لابد ان يظل دافئا" حتى تصل عربة الأسعاف وعلى ضوء المشاعل والمصابيح التي احضرها بول استطاعت ربيكا ان ترى امتقاع لون وجهها وعندما ركعت وامسكت بيديها احست بهما مجمدتين صاحت ربيكا في الرجال وقالت:
"اين البطانيات! بيير احضرها من المقعد الخلفي لسيارتك!"
امتثل بيير لطلبها ،بينما اخذت ريبكا تفحص الفتاة فرأت جرحا في رأسها ينزف دما على الارض، وقد برزت عظمة من ذراعها تقع فوق مرفقها تماما. بالاضافة الى بعض الندوب الصغيرة، وانتفاخ بجوار اذنها فقامن ريبكا بمسح الدماء من فوق وجهها بمنديلها ، وحاولت ان تصنع منه ضمادة تضغط بها على الجرح لتمنع النزيف.
وعندئذ عاد بيير بالبطانيات فأخذت تدثرها بها . وهي تأمل ان تأتي سيارة الاسعاف سريعا . وكان من الواضح وجود كسر في ساقها الى جانب بعض الاصابات الداخلية التي لايمكن الكشف عنها في هذا الضباب الكثيف.
وتوجه بيير للتحدث مع السائق اللوري ونهضت ريبيكا وسألت :
"اين يوجد الرجل الاخر؟"
اجاب هارمان بقلق:
"موجود في سيارته يا انسة انت لا ترغبين في رؤيته . اليس كذلك؟ اليس هناك شيء يمكنك ان تفعليه من اجله".
"ربما . ولكن يجب ان اتاكد اولا".
قادها هارمان الى حيث يوجد حطام السيارة والقت عليه ريبيكا نظرة وتركته . عندما تبينت الا جدوى من مساعدتها. وفي هذه الاثناء دوى صوت بوث سيارة تعلن عن قدومها . فانضم اليهم بيير وقال:"
"يبدو ان سيارة الاسعاف قادمة من المستحسن ان يذهب سائق اللوري الى المستشفى انه مضطرب للغاية."
هز هارمان رأسه بأدب وقال
"اجل ياسيدي يمكنك ان تعود الى المنزل ودع الامر لي"
قالت ريبيكا:
الاسعاف قد يحتاج الى مساعدة"
تنهد بول وقال:" هيا بنا ياربيكا انني اتجمد . ليس لدينا شيء اخر يمكن ان نفعله"
تضايق بيير من سلزك ابنه وقال له
"ان شئت ان ترحل . فخذ السيارة وسأعود مع ريبيكا في سيارة هارمان احنى بوك ظهره وقال:
" الجو رهيب ، يمكننا احتساء بعض الشراب حتى يبعث الدفء في اجسادنا"
ضغطت ربيبكا شفتيها وقالت :
" اذهب انت يابول ، وسابقى انا هنا عد الى البيت كما قال ابوك"
"ماذا تريدين ان تؤكديه بوجودك هنا؟ انت عاجزة مثل الاخرى"
توردت وجنتا ريبيكا وقالت:
"لاتكن احمق ، يا بول"
ثم جلست في جوار ديانا هيوراث واردفت تقول:
"لا ارغب في تركها هذا كل مافي الامر!"
تمتم بول بطفولة ، وقال:
" حسنا سوف تتجمدين هنا"
ثم سار نحو السيارة وهو يدمدم، فتطلعت الى وجه بيير القلق فقال "يجب ان اعتذ نيابة عن ابني"
وتركها وذهب ينتظر وصول سيارة الاسعاف وجرت الاحداث سريعا
اذ وصل رجال الشرطة وعندما عرف المفتش شخصية بيير ، اسرع باتمام الاجراءات وجاء رجال المطافي ليرفعوا بقايا جثة ميشيل ميرديث من بين حطام السيارة . وبعد قليل رحلت سيارة الاسعاف بالقتيل والمصابين وكان اللوري غائصا في حفرة تقع على جانب الطريق ، فقام رجال الاطفاء بمساعدة هارمان وبيير على رفعه . ودهشة ريبيكا عندما رأ بيير يسند كتفه الى مؤخرة اللوري ليسهم في دفعه الى الطريق العام ، فالتطقت انفاسها ، ولكنها وقف واجمة عندما رأت بيير يخرج من الحفرة ويدعك كتفه بيده ثم التفت الى هارمان يسأله:
" اين سيارتك اللاندروفر، ساعيدها لك غدا"
قال هارمان باحترام:
"انها تقف هناك ياسيدي ، سابقى حتى ينتهي المسؤولون من مهمنهم وسأوافيك بتقرير كامل في الصباح"
"حسنا ... هيا نرحل ياربيبكا"
سارا في صمت حتى بلغا السيارة واحست انه قد ارهق نفسه في دفع اللوري فثارت الشكوك في علقها سألته:
"هل انت بخير؟"
"بالطبع . ونت هل تشعرين بالبرد؟"
تنهدت وقالت:
"لا ، لا اشعر بالبرد فالمعطف يدفيئني بيير هل انت متأكد من انك بخير؟ يجب ان تخبرني اذا كنت تشكو من الم؟"
"وماذا ستفعلين؟"
"انا ممرضة"
"بالطبع انت ممرضة ! لقد نسيت!"
تنهدت ريبيكا وكان من الواضح ان بيير لن يفضي لها بما يحس من الم.
وتساءلت مالذي يجبرها على الشعور بالضيق على العموم ان شيللا في انتظاره بالبيا ولا ريب انه سوف يستشيرها اذا كان يشعر بأي الم يجب عليها ان تتوقف عن مثل هذا التفكير فهذا يقيدها كثيرا
واوقف السيارة عند البيت ودخل عبر باب يؤدي الى البهو توضع فيه الاحدية وادوات لعب الغولفواجهزة رياضية اخرى.
انتظرت ريبيكا ان يخلع بيير معطفه ولكنه لم يفعل . وانما اشار الى باب يفضي الى الصالة الرئسية وفجأة قال لها :
" واصلي السير"
ضغطت ريبيكا على شفتيها وسارت نحو الباب ، ولكن فجأة ادرات رأسها تنظر وراءها ، وتوقفت انفاسها عندما رأت الالم على وجهه وصاحت بفزع:
"بيير ماهذه البقعة التي تلطخ معطفك؟"
مس شعره براحته مسا رقيقا ثم قال نافذ الصبر:
"بحق السماء اذهبي هل تظنين انني ارغب في ان تريني على هذه الحالة اذهبي!"

نهاية الفصل السابع



الفصل الثامن

الحقيقة الكاملة

تجاهلت ربيكا أمر بيير فتوجهت إليه، ولمست البقعة التي لطخت معطفه، فأحست بسخونة لزجة، وصاحت قائلة:
"بحق السماء. ماذا فعلت؟"
"إنني في غنى عن شفقتك. إنه مجرد جرح. هذا كل ما في الأمر. اللوري اللعين مزق جلدي"
"أرجوك، انزع معطفك، دعني أرى الجرح".
تردد بيير فترة ثم فك أزرار معطفه، وسحب ذراعه السليمة منه وكشف الألم الذي ارتسم على وجهه عن صعوبة سحب ذراعه الأخرى من الكم الآخر.
فزعت ربيكا من كمية الدم المتدفق من الجرح. ولكنها لم تتفوه بكلمة، لأنها أدركت أن أية كلمة تصدرها قد تدفعه إلى منعها من مواصلة علاجه. وأخيرا خلع قميصه، وعيناه تراقبان ملامح وجهها. كان صدره أسمر اللون، نامي العضلات، وحاولت ربيكا ألا تبدو مضطربة أثناء الكشف عن كتفه، ولكن كان من الصعب عليها أن تتماسك عندما أحست بحرارة بشرته.
كان الجرح في الجزء العلوي من ذراعه، وبرغم النزيف الشديد إلا أن الجرح لم يصب الشريان التاجي. وأخيرا قالت ربيكا:
"إنني محتاجة إلى ماء ومطهر وبعض الضمادات. هل يوجد منها شيء في البيت؟ يجب أن يفحصك طبيب".
"هناك خزانة إسعاف موجودة في الحمام. هل يمكنك الذهاب إلى هناك؟"
"أعتقد ذلك".
"أوه. هل أطلب من شيللا أن تفعل لي ذلك؟"
وشعرت بأنه يحرجها وهو في أشد حالات ألمه. ورفع ملابسه ووضعها فوق كتفه السليمة، وأشار عليها بأن تتقدمه في السير عبر البهو، وعندما بلغا سلم البرج قال لها:
"سنسلك هذا الطريق، لا أريد أن ألفت نظر أحد إلي".
"كما تشاء".
سبقته ربيكا في صعود السلم، وهي تجول ببصرها حولها من حين إلى آخر، لتتأكد من خلو الطريق. كان شاحب الوجه ، وعيناه عابستين، وكانت تعلم أنه لا يهتم كثيرا بمساعدتها له، وتساءلت: هل من الممكن الحصول على حقنة للوقاية من التسمم، في الوقت الذي كان لا يهتم هو فيه بشيء. أما هي فكانت حريصة جدا على حياته.
ترنح بيير عندما بلغ آخر درجات السلم، فقالت له:
"غرفة نومي هنا، امكث هنا، وسأذهب لإحضار الضمادات. فقط أخبرني أين أذهب!"
"أشكرك، ولكنني أفضل الذهاب إلى غرفتي".
صمت قليلا وهو يحارب موجات الدوار التي داهمته، ثم استطرد يقول:
"إنها ليست بعيدة!"
نطق ذلك وتهاوى على الأرض. فتوقفت أنفاسها، وركعت بدورها على ركبتيها إلى جواره، فوجدته فاقد الوعي. وكان واضحا أن كمية الدم التي فقدها إلى جانب القوة التي استنفذها في دفع اللوري قد سلبته طاقته لدرجة الغيبوبة.
وأدركت أنها لا تستطيع أن تنقذه وحدها. فعادت تنزل درجات السلم بسرعة،وأخذت تبحث عن المطبخ. ووجدت جيليان فطلبت إليه أن يستدعي طبيب السيد سانت كلير، ثم تعاونا سويا على حمله إلى غرفة النوم التي أعدت خصيصا لربيكا، وأخذت تنظف الجرح حتى يصل الطبيب، وكان جيليان يمتثل لأوامرها، بدون أن يطرح عليها أيةأسئلة، كان متفهما ومتجاوبا ويساعدها مساعدة سريعة وفعالة.
وعندما وصل الطبيب، سألت أديل عما يجري، وخرج بول إلى الصالة وواجه ربيكا بحدة قائلا:
"جيليان يقول أن أبي فاقد الوعي. في غرفتك!"
توردت وجنتا ربيكا، وقالت:
"هذا صحيح! بول. إنها قصة طويلة، لا أستطيع أن أرويها الآن. لقد جرح في الحادث، ثم انهار".
هز بول رأسه، ودفعت اديل مقعدها المتحرك، لتسمع آخر الحوار الذي دار بينهما، ثم الت:
"لماذا لم تخبريني فورا، بدلا من أن تأخذيه بهذه الطريقة المستترة؟ أنت لا شيء في هذا البيت يا آنسة، ولا تعتبرين واحدة من أفراده. فلا تظني أن من حقك إصدار الأوامر هنا".
تنهدت ربيكا، ووصل الطبيب، وودت أن تصحبه لكي تكون موجودة أثناء فحص بيير، وتشرح له ما حدث، قالت:
"لا أريد إزعاجك. كان يساعد الرجال على رفع اللوري من الحفرة، فتمزقت كتفه. وتهاوى وهو يصعد درجات السلم".
قال بول غاضبا:
"إلى غرفتك؟"
"لا. بالطبع لا، بحق السماء. هذا ليس الوقت أو المكان الذي نتجادل فيه حول ما حدث. يجب أن أصعد اسمحوا لي".
كان باب غرفة نومها مفتوحا، ودكتور مورتيمر يفحص الجرح، وكان بيير يتطلع إلى الطبيب.
صاح بيير في اللحظة التي دخلت فيها ربيكا الغرفة:
"يا إلهي. يا مورتيمر. إنك تبدد وقتك هنا. إنني لا أريد طبيبا".
وهنا التفت الطبيب إلى ربيكا، وسألها عما إذا كانت قد ضمدت الجرح، وعن حقيقة ما حدث.
ولكن بيير صاح قائلا:
"لقد أخبرتك بما حدث. إنه جرح في كتفي".
وفي هذه اللحظة وصل بول وشيللا، ووقفا مشدوهين عند باب الغرفة، فضغط بيير على شفتيه وصاح:
"ارحلوا كلكم. إذا كنت محتاجا لطبيب، فإنني في غنى عن جمهور المشاهدين!"
قال بول:
"إنني أتدرب لكي أصبح طبيبا، وشيللا ممرضة".
قال دكتور مورتيمر

من فضلكم. هذه السيدة سوف تساعدني. وسأتحدث معكما فيما بعد".
غضب بول وغادر الغرفة بصحبة شيللا، وصفق الباب وراءهما. والتفت بيير إلى ربيكا وقال:
"يمكنك أن تذهبي أنت أيضا. إنني لا أحتاج إلى ممرضة".
تجاهله دكتور مورتيمر وقال لربيكا:
"ناوليني حقيبتي من فضك. لا تألهي به، بيير ليس بالرجل الذي يرضى بالاعتماد على شخص آخر".
رفع بيير عينيه إلى السماء، ولكن ربيكا شعرت بالارتياح لحديث الطبيب، ومع هذا أحست أن بيير يكرهها. وعندما أنهى الطبيب من مهمته، دفع بيير ساقيه نحو الأرض. وانتصب بقامته تمهيدا لمغادرة الفراش، ولكن ربيكا أدركت من امتقاع وجهه أنه لم يستعد بعد صحته تمامت، بينما وضع دكتور مورتيمر يده بحزم على كتفه السليمة وقال له:
"يجب أن تستريح في الفراش. لقد فقدت كمية كبيرة من الدم، واذا تصرفت بحماقة، فإنني سأحتجزك في المستشفى".
هز بيير رأسه رافضا الامتثال لتعليمات الطبيب، ونهض واقفا على قدميه فترنح قليلا، ثم عاد إلى الرقاد وقال متبرما:
"حسنا. حسنا. سأمتثل لتعليماتك".
التفت الطبيب إلى ربيكا، وقال لها:
"سأراك غدا. هل ستبقين هنا حتى الغد؟"
"يجب أن نعود، بول وأنا، غدا إلى لندن".
"مفهوم. ولكنني غير مستريح لمنظر الجرح، فما رأيك؟"
"ماذا تعني؟"
"ماذا كان يحمل اللوري الذي دفعه بيير؟"
"لا أعرف. ولا أكاد أتذكر الاسم على جانبيه. لا بد أن هارمان يعرف".
"سوف نرى. إن تنظيفك الفوري للجرح بمطهر، ربما حال دون إصابته بتسمم وفي أي حال سأحضر غدا للكشف عليه. كل ما كنت أريده هو أن يظل الجرح تحت بصرك".
"انت تعرف أن الآنسة ستيفنز ممرضة".
"ممرضة آديل؟"
"اجل".
"إذا سألتني عن هذه الشابة، فإنني أقول إنها موجودة هنا لسبب واحد، وهو أن تقتنص الفرصة الكبيرة!"
شعرت ربيكا بالبرودة تنشب أظافرها في أمعائها، وسألته:
"ماذا تقصد؟"
"الأمر واضح. أليس كذلك؟ إنها جاءت إلى هنا بعد وفاة جنيفر، وحيثما يوجد بيير، تكرس جهودها من أجله. وليس لمريضتها. هذا ما لاحظته عندما زرت آديل".
"مفهوم. ومع هذا. يمكنها ان تقدم بعض المساعدة".
ابتسم مورتيمر لأول مرة، وقال:
"انا أخبرتك. سأعود ثانية، حتى أتأكد من أنه معافى تماما".
بعد ان رحل دكتور مورتيمر، دخلت ربيكا إلى غرفة الجلوس لتواجه الآخرين. وكانت تتمنى أن تتجنب هذا الموقف، وتتوجه إلى فراشها مباشرة، ولكن هذا السلوك كان غير معقول، وفي نفس الوقت كانت السيدة جيليان تعيد تنظيف فراشها فرفعت الملاءة الملونة بالدماء وأكياس الوسائد، واستبدلتها بأغطية نظيفة بعد أن وجه بيير إلى غرفته، وساعده جيليان على الرقاد في الفراش.
وجاء الآن دور ربيكا لكي تتلقى الأسئلة، وكانت أديل كعادتها هي التي بدأت بالحديث، قائلة:
"حسنا يا آنسة. نحن في انتظار تفسير لما حدث. قولي لنا ماذا تأملين تحقيقه بإخفاء ما حدث عنا؟ أن تفوزي بفرصة لصالحك مع زوج شقيقتي؟"
تهاوت ربيكا جالسة على مقعد واسع، وهي تشعر بأن ساقيها لا تقويان على حملها، وقد انتابها دوار، ولم تقدر على التطلع إلى بول، وقالت:
"إن كل شيء حدث سريعا".
أشعل بول سيكارة وجذب نفسا عميقا، وقال مقاطعا كلامها:
"هل تقولين إن ما حدث لم يستغرق سوى لحظة قصيرة؟ إنني أريد أن أعرف كيف حدث ذلك؟"
قالت ربيكا وهي تحدق فيه:
"لقد أخبرتك، إن اللوري كانت به شظية معدنية بارزة، مزقت كتف والدك".
وراح بول يحملق في طرف سيكارته، وهو يقول:
"أعتقد أنك ظننت بان وجودك هنا سوف يتيح لك فرصة ثانية لكي تأسريه بعينيك".
صاحت ربيكا وفي صوتها نبرة يائسة:
"بول".
ارتسمت علامات الخجل على وجه بول، وهو يقول:
"حسنا. إذا كان الأمر على هذه الصورة فإنني شغوف لمعرفة مدى علاقتك بأبي في فيجي".
تنهدت ربيكا، ولم تستطع أن تحجب الحيرة التي بدت على وجهها، وتطلعت بوجه غاضب إلى آديل، وتساءلت عما يمكن أن تكون قد قالته عنها في غيبتها، وشعرت بأن شيئا لم يؤذيها بعد كل ما حدث فقالت:
"ولم لا تسأل خالتك؟"
وتقدم توم بريانت إلى الأمام، ولم تلاحظ ربيكا وجوده، إلا عندما قال:
"مهلا يا بول. كف عن هذه الحماقة. أظن أن ربيكا قد أدت واجبها نحو والدك وكما قال دكتور مورتيمر إنه خاط الجرح باثنتي عشرة غرزة، ولا أظن أنك مستاء لعدم استشارتك قبل استدعائه. يا رجل اشكرالسماء، لأن الإصابة لم تكن أخطر من ذلك".
قال بول بلا حياء:
"لا بد أن تتكلم هكذا. يا توم!"
قال توم وقد نفذ صبره:
"أوه كفى، قل لي ماذا حدث؟ لماذا تطالبها بأن تقوم بإبلاغك عقب الحادث مباشرة؟ ماذا كانت ستفعل أكثر مما فعلت ربيكا؟"
قاطعته آديل فجأة:
"إن بول ابن بيير ؟"
"وماذا في ذلك؟"
رفعت آديل كتفيها بعصبية وقالت:
"أنت تحاول أن تجعل من ربيكا بطلة. أليس كذلك يا توم؟"
نظر إليها باستعلاء، وقال بسخرية:
"حسنا. بما أنكم جهة مكونة من ثلاث أشخاص. فلا بد أن يميل ميزان العدل إلى جانبكم. أليس كذلك؟"
احمرت وجنتا آديل خجلا، وقالت:
"حسنا انتهى الامر. وليس أمامنا شيء يمكننا أن نفعله الآن".
وتطلعت إلى ربيكا مليا، وقالت لها:
"سترحلين غدا!"
نهضت ربيكا واقفة. وقالت:
"بل سأرحل الآن!"
وغادرت الغرفة. قبل أن يتفوه أحدهم بكلمة. وعندما بلغت الصالة، أسندت ظهرها إلى الحائط وشعرت بوهن يسري في أوصالها. وكان من الحماقة أن تدع أي شيء تقوله آديل يثير أعصابها. ولكن آديل نجحت في مهمتها!
سارت قليلا في الصالة عندما سمعت بابا يصفق ورائها، وألقت ببصرها سريعا. وتوقعت أن ترى بول، ولكنها رأت توم بريانت، فشعرت بارتياح بالغ. على الأقل كان هو الشخص الوحيد الذي آمن بأن ما فعلته كان صوابا.
قال لها:

"تعالي إلى المكتبة. أنت منزعجة، ولا يمكنك أن تأوي إلى الفراش بهذه الحالة.
يمكننا أن نحتسي شرابا. سيساعدك على الاسترخاء"
ترددت ربيكا قليلا ثم ابتسمت، وقالت:
"لا مانع..شكرا".
أعد توم الشراب، وجلسا على مقعدين متقابلين، وكانت ربيكا تحتسي شرابها، عندما سألها:
"اخبريني ماهي علاقتك ببول بالضبط؟"
"ليس بيننا أية علاقة. إننا مجرد صديقين، هذا كل مافي الأمر".
"مفهوم، وطبعا بول لم يعرف أنك تعرفين أسرته".
"كلا".
"أظن أنك لم تكوني على علاقة طيبة بآديل!"
"كانت الحرب بيننا خفية طوال العام".
"إنها شخصية ليس من السهل التعامل معها. فهي تكن لي العداء ولكل شيء في الحياة، حتى أسرتها. وهي ضد كل شخص يجرؤ على مناقشتها!"
قالت ربيكا ببطء:
"اعتدت أن أشفق عليها، ولكنها لا تريد الشفقة، على الأقل مني!"
"لا. لم تشعر بالشفقة مطلقا. وهي انسانة حقود، ولو أنها تخلصت من حقدها بطريقة صحية، لأصبحت شخصية مختلفة تماما، ولكنها لا تستطيع..إنها لم تغفر لبيير زواجه من جنيفر، كما أنها لم تغفر لجينفر فعلتها. إن أفراد أسرة كلاود لا يهتمون بشيء إلا بأنفسهم فقط!"
"لماذا تخبرني بكل هذا؟"
"لدي إحساس بأنك شغوفة لمعرفة ذلك".
"كنت. ولكنني في الحقيقة أصبحت لا أهتم لشيء. أليس كذلك؟"
"لا، ليس كذلك!"
"ماذا تقصد؟"
"إنني أتذكر بيير منذ ثلاث سنوات، عندما عاد من رحلته التي قام بها إلى باساواسي".
"ماذا حدث؟"
"أجل. شيء ما حدث هناك. لم أكتشف كنهه، ولكن الليلة عندما رآك في الصالة. كل شيء عاد إلى ذاكرتي!"
واعتدل توم في جلسته، بينما ارتجفت ربيكا قليلا، وقالت:
"فهمت".
"إذا كنت تشعرين بالعزاء الآن، فلا بد أنك وجهت له لطمة خفيفة وجميلة هناك. لأنه ظل شهورا يعيش في جحيم. لا يستطيع العمل، والسماء وحدها تعرف كيف عاش حياته بعد ذلك".
"كان متزوجا، أليس كذلك؟"
"متزوجا؟ حسنا. يمكن أن تسميه هكذا. ولكن جنيفر لم تكن زوجة. إذا كان هذا ما تقصدين حقا!"
وقفت ربيكا وقالت له:
"هذا شيء لا يعنيني. منذ متى وأنت تعمل مع والد بول؟".
تنهد توم وقال بتعجب:
"لا أعرف. ربما عشرين سنة. ولكن ما أهمية ذلك؟"
ثم استطرد:
"هل أخبرتك آديل بشيء عن أختها؟"
"أخبرتني بانها كانت تحب بيير، وجاءت جنيفر واختطفته منها!"
"وهل صدقت كلامها؟"
"أليست هذه هي الحقيقة؟"
"طبعا، لا. هل رأيت بيير وآديل معا؟"
"لا أعرف، أعتقد أن آدي كانت أكثر نشاطا عندما كانت شابة".
"فعلا، كانت نشيطة، ولكن ليس إلى الحد الذي تقد فيه صداقات مع الشبان، وكان هذا سبب كراهياتها لشقيقاتها، كن يخرجن دائما في صحبة رجال مختلفين. وكان الأمر قاسيا عليها، لأنها لم تستطع أن تتخذ لنفسها صديقا".
"حسنا، في أية حال، إذا كانت آديل تحب أن تتصور أنها جذبت انتباه بيير ذات مرة، فهل هذا الأمر هام؟"
"إنه هام. مادام كل ما قالته عنه لا يعدو ان يكون سلسلة من الأكاذيب!"
"انظر يا توم. إن ما حدث بيني وبين بيير في فيجي، أمر انقضى من أمد طويل، كنت في حياته مجرد تسلية، واحدة من النسوة العديدات في حياته، على ما أعتقد!"
"هل تعتقدين ذلك؟ إن بيير له أخطاؤه. أنا أعرف ذلك، ولكنه ليس حيوانا!"
رشفت ربيكا شرابها على مهل، وقالت:
"توم، أنت صديقه الأثير، ولكن لا تطلب مني أن أثق برجل يقيم علاقة مع امرأة أخرى، بينما له زوجة تعيش في بيته".
"لا تتسرعي في الحكم عليه. من الواضح أنه ليس لديك أية فكرة عما يجري له".
"حسنا، جنيفر. انجبت له ابنا، أليس كذلك؟"

نهاية الفصل الثامن



الفصل التاسع

9-الشاي يغلي بمرح

استيقظت ريبيكا في صباح اليوم التالي ، وغادرت غرفتها الى البهو الرئيسي، حيث وجدت في الصالة فتاة منهمكة في تنظيف المدفأة وسعدت برؤية شخص غيرها ، ووصلت حيث تقف الفتاة وسألتها:
"من انت؟"
"انا اليزابيث هل تعرفين متى يقدم طعام الافطار؟"
"السيدةجيليان عادة لاتعد طعام الافطار لاحد سوى السيد بيير عندما يكون في المنزل ، الانسة اديل وممرضتها تتناولان الطعام في جناح الانسة اديل اما السيد بول فإنه نادرا ما يهتم بالطعام لانه يفضل الاستغراق في النوم."
"متى يتناول السيد بيير طعامه في الصباح؟"
"السيد بيير لا يستيقظ عادة قبل التاسعة."
"اوه اخبريني ، اين اجد الطباخة؟"
"السيد جيليان؟ انها في المطبخ هل ترغبين في رؤيتها؟"
"اجل هل يمكنك ان تريني الطريق؟"
"اجل يا انسة"
واتبعت ريبيكا ارشادات الفتاة ومرت من باب يؤدي الى ممر يفضي الى المطبخ، وعندما دفعت الباب . وجدت السيدة جيليان منهمكة في اعداد اللحم والسجق فوق الموقد ، فتطلعت المرأة العجوز في هشة عندما رأت ريبيكا امامها ، وقالت:
"انسة ليندسي؟ هل يضايقك شيء؟"
"لا اطلاقا هل يمكنني ان احمل صينية طعام السيد بيير اليه في غرفته؟"
ازدادت دهشة السيدة جيليان ، وتوردت وجنتاها ، وقالت متعلثمة:
"حسنا ، انا ، انا لا ارى اي مانع ، هل تحملينها الان؟"
راحت ريبيكا تراقب السيدة جيليان وهي تعد الصينية وبعد ان انتهت من مهمتها سألت ريبيكا:
" وماذا عن افطارك؟ ماذا تحبين من الوان الطعام"
"انا لا اشعر بالجوع في الصباح ، وسأكتفي بقليل من القهوة عندما اعود.
ثم ابتسمت ريبيكا ، وحملت الصينية والان عليها ان تواجه اللحظة الصعبة
وسألت السيدة جيليان وهي تسير نحو الباب:
" اخبريني ، اين تقع غرف السيد بيير؟"
وبدت الدهشة بوضوح على وجه السيدة جيليان التي كانت تظن ان ريبيكا كانت تشارك بيير النوم في غرفته ، واستطاعت ريبيكا ان تبلغ الغرفة بسهولة تبعا لارشادات السيدة جيليان وطرقت الباب ، ولكنها لم تتلق اية اجابة ، فادرات المقبض ، ودخلت الغرفة ، واغلقت الباب وراءها.
وجدت بيير مازال مستغرقا في النوم ووجهه شاحب اللون ووضعت الصينية وتوجهت لتزيح الستائر جانبا . وتطلعت اليه في فراشه ، فوجدته اكثر شبابا وجاذبية وخفق قلبها حتى كاد يقفز من حلقها . وعرفت انها احبته . ومازالت تحبه.
ازعجه الضوء الخافت الذي سرت اشعته الى الغرفة وتململ في فراشه قبل ان يفتح عينيه ، وعندما رأى ريبيكا ، حملق فيها غير مصدق وصاح بها متسائلا:
"ريبيكا!"
ويبدو انه استعاد وعيه ، فغير من نبرة صوته ، واستطرد يقول :
"بحق السماء ، ماذا تفعلين هنا!"
سارت ريبيكا نحو الفراش ، ولاحظت نقاء الضمادة الموضوعة على ذراعه ، فقالت:
" صباح الخير يا بيير، لقد احضرت لك طعام الافطار . كيف حالك هذا الصباح؟"
ارتفع بيير بجذعه وارتكز على مرفقه فسقطت الاغطية حتى وسطه وقال لها ببرود:
"لماذا قدمت الى هنا؟ انني لا احتاج الى اية نصيحة طبية منك؟"
"انني لم احضر من اجل ان اعطيك اية نصيحة ولكني اريد ان اتحدث معك"
تمتم قائلا:
"اذن ،تكلمي!"
ضغطت ريبيكا على شفتيها ، وقالت متعلثمة:
"انا ، انا اريد ... ان ... اخبرك .. بأنني اعرف كل .. شيء عن جينفر!"
قال بمرارة:
" حقا!"
"اجل اديل اخبرنتي انك . انك كنت عازما على الزواج منها . ولكنك هجرتها وتزوجت اختها جينفر ثم .. ثم ".
حملق بيير في وجهها غاضبا ، وقال:
"صه! هل تظنين انني اكترث بما اخبرتك به اديل؟ لقد قلت لك ذات مرة انني لا اهتم بتقرير اخت زوجتي عني؟"
"ولكن الا ترى انني صدقتها؟"
"اجل ، فعلت . صدقتها ، ولم تستمعي الس . صدقتها لانك كنت جبانة ، وكنت خائفة من التعبير عن عواطفك ، وكنت اسيرة لضيق افقك ، كنت خائفة من الوقوع في الحب ، الا اذا كان محاطا بكل الضمانات والان جئت الى هنا لتقولي لي انك تعتذرين عن كل شيء تفوهت به ، وكل مافعلته . ماذا تتوقعين مني؟ هل اقول لك ريبيكا ، انني غفرت لك؟ هل اقول لك ربيبكا انت بعثت السعادة الى قلبي؟ هل اقول لك ريبيكا ، انا حر الان ، فهل تتزوجينني؟ الجواب لا!"
وانزلق بجسمه وترك الفراش . فرأت انه كان ينام شبه عار فأشاحت بوجهها عنه فتمتم قائلا:
"اترين انك اشحت بوجهك لانك خائفة . صديقيني . لديك كل الاسباب لخوفك!"
ضغطت ريبيكا على راحتيها ، وكان عليها ان تعرف انه لا جدوى من ان تجئ الى هنا ، او ان تشرح لهذا الرجل القاسي انها وقعت فريسة بين يدي تلك المرأة الحقود لتي لم تتمتع باية ثقة بقدرتها على جذبه اليها .
وبخطوات مضطربة ، سارات ريبيكا نحو الباب ، ولكنه اسرع ووقف امامها ، ومنعها من الهروب من هذا الاذلال . وقال بخشونة:
"لحظة اريد ان اقول لك شيئا قبل ان ترحلي ، هل تنوين الاستمرار في رؤية ابتي؟"
"حيث اننا نعمل سويا في نفس المبنى ، ارى انه من المستحيل الا اراه"
"عليك اللعنه . اليس هذا ما اعنيه . وانما اسألك ، هل يحبك؟"
"لا بالطبع "
"لماذا بالبطبع لا؟ انت ... انت دائما امرأة مرغوبة! كم رجلا بثك حبه منذ ان ..."
قاطعته ريبيكا غاضبة.
" كيف ... نجرؤ على ان تقول هذا؟"
ولم يلحظ بيير ثورتها . اذ انشب اصابعه في كتفيها ، وجذبها نحوه وهي تقاومه ، وشعرت بصلابة عضلات صدره ، فحاولت ان تطلق سراح نفسها في يأس مميت. وبعد لحظات تراخت مقاومتها ، وتعلقت به ، ولم تتصور انه قد مضت ثلاث سنوات منذ احتواها بين ذراعيه وكأن ذلك حدث بالامس, وشعرت ان الم العذاب الذي كابدته قد تلاشى عندما بدأ يضمها بعاطفة محمومة.
وبمجهود كبير ، انتزعت نفسها من بين ذراعيه وهي تدرك انها قد المته في جرحه فقد كانت تعي انها في حاجة الى الهروب منه قبل ان يغريها دفئه على الاستسلام له:
وفتحت الباب . بدون ان تجرؤ على النظر وراءها وجرت بجنون عبر الممر المؤدي الى البهو، حيث استطاعت ان تقف وحاولت ان تستعيد بظهرها اليه . كان من الحماقة ان تذهب اليه، بل ان اكبر حماقة ان تسمح له بلمسها ، لو لم تكن معزولة في هذا المكان لاستطاعت ان ترحل على الفور من هذا المنزل ، تعود الى لندن ،
وبدأت ريبيكا تهدئ من روع نفسها . وكانت الساعة قد جاوزت العاشرة ، وحان الوقت لان تبحث عن بول لتعرف منه ماينوي ان يفعله ، وتمنت ان يوافق على الرحيل قبل الظهر ، فهي لا تستطيع ان تقابل بيير ثانية
وعندما نزلت الى الطابق الاول ، وجدت بول في انتظارها فسألها
" هل تناولت طعام الافطار؟
|"لا ، لا اريد اي شيء . هل انت مستعد للرحيل؟"
"انا مستعد ، وانت ؟"
" هل هناك سبب يدعوني الى عدم الرحيل؟"
"ظننت انك مصرة على رؤية أبي قبل رحيلك"
توردت وجنتا ريبيكا بحمرة قانية وقالت:
" اوه لا، لا، هل رأيته انت؟"
هز بول رأسه وقال:
" اجل رأيته"
" كيف ... كيف حاله؟"
"انه يشكو من الم في كتفه. سيطلب من شيللا تضميد جرحه"
احست ريبيكا بطعنة نجلاء تنفذ الى امعائها وقالت:

"هل ينوي ان يفعل ذلك"
" اجل ولم لا ؟ انها ممرضة كف، انك تتصرفين وكأنه مريضك"
"الا نرحل؟"
"الا ترغبين في رؤية شيللا وخالتي، لتقولي لهما وداعا"
"لا"
"حسنا ... السيارة في الخارج على اهبة الاستعداد للرحيل"
سارت السيارة في طريقها وقد تلاشى الضباب . وكانت اشعة الشمس تحاول ان تسلل من بين ثنايا السحب ريبيكا ان الطريق طويل وهما عائدان الى لندن واخترقا القرية . واتخذا سبيلهما تجاه ضواحي لندن، وتوقفا لتناول الطعام في احد المطاعم القائمة على الطريق . وحول مائدة الطعام . قال بول:
" الا تعتقدين انك مدينة لي بتقديم بعض التوضيح؟"
"بالنسبة لاي شيء؟"
"ان خالتي اديل اخبرتني بما تظن انني يجب ان اعرفه"
تماسكت ريبيكا . ومنعت نفسها من الغضب، فهي لن تتيح الفرصة لاديل
لكي تثيرها فسألته:
"وماذا قالت لك؟"
"قالت إنك وابي كنتما عاشقين عندما زار فيجي"
شعرت ربيكا بغضب عارم فكيف تجروء على تشويه سمعتها بهذا الاسلوب المهين؟ وابتلعت ريقها وقالت:
"لا.... لم اكن وابوك عاشقين هل تصدقني؟"
"اجل اصدقك"
"هل تصدقني انا مندهشة"
قال غاضبا"
"لماذا تقولين هذا؟ لقد اخبرتك بأنني اصدقك انا اعرف خالتي إنها تبالغ احيانا"
"تقول إنها تبالغ إن خالتك شخصية حقود مثيرة للمتاعب صدقني إنها الحقيقه"
بدت الحيرة على وجهه وقال:
"إنها لاتقصد الأذى"
"هل تظن ذلك وعلى العموم هناك شيء اريد ان اوضحه لك إنني انا وابوك لم نكن عاشقين
وإنما كان الواحد منا ينجذب إلى الأخر حدث هذا منذ ثلاث سنوات في فيجي"
"لكن ابي كان متزوجا" هل تقصدين بأن هذا الأمر لايعني شيئا بالنسبة اليك... لكل منكما؟"
"بالطبع يعني شيئا" اوه إنها قصة طويلة ولكن بإختصار إن خالتك شجعتنا
وحرصت على ان لاتخبرني بأن والدك بيير كان متزوجا"
هز بول رأسه وقال:
"كنت اعلم انهما ليسا على وفاق وكان هذا شيئا" عاديا" كثيرا" مايحدث ولكنني لم
اظن ولم اتخيل ان يخونها ابي إنك لم تعرفي امي؟"
هزت ربيكا رأسها بالنفي فتنهد بول واستطرد يقول:
"ياله من موقف لاعجب إذن في ان تتحول إلى رجال اخرين"
قالت ربيكا غير مصدقة:
"اكنت تعرف؟"
"اجل هل هناك مزيدا؟"
صاحت قائلة:
"لا لا مزيدا بول دعنا نغير الموضوع لقد انتهى الأمر الآن انتهى منذ ثلاث سنوات امك ماتت وابوك على قيد الحياة دعنا ننفض ايدينا من هذا الامر هل هذا ممكن؟"
"لا استطيع ان ادع الموضوع من هذا الذي اخبرك به؟"
"توم توم بريانت"
"مفهوم"
كان الوقت بعد الظهر عندما وصلت السيارة بهما إلى منزل ربيكا وقالت له:
"لن استطيع ان ادعوك للدخول يابول إنني ارغب في الاستمتاع يليلة هادئة"
"هل اراك غدا"
"لا اظن ذلك يابول"
هزت رأسها في استسلام وقالت:
"حسنا" يمكنك ان تأتي لتناول الشراب معي في المساء إذا احببت"
"شكرا"
وبعد ثلاث ايام اصيبت ربيكا بأنفلونزا وعزت ذلك إلى الطقس في بادئ الأمر ولكن الحقيقة كان الاكتئاب الذي اعتراها هو السبب وما ان اقبل عليها مساء الثلاثاء حتى شعرت بأعراض مرضية تنتابها
انتهت من عملها في الوقت المعتاد وعادت إلى شقنها لتعد وجبتها المسائية لقد تخلصت من بول في الليلة
السابقة ولكنها لم تجد عذرا" يعفيها من مقابلته فقد احست بقشعريرة تهز اوصالها ولم تستطع ان تتحدث هاتفيا" لتعتذر عن استقباله حتى لايظن بها الظنون وتركته يأتي حتى يرى الأمر بنفسه.
وصل بول في التاسعه واستقبلته ربيكا وراى من الدموع المنهمرة من غينيها ووجنتيها الملتهبتين بان مرضا"
قد داهمهما صاح قائلا؟"
"ياإلهي يجب ان تلازمي الفراش الاتدركين ذلك؟"
"اجل ولكنك كنت قادما" ولم ارغب في ان اعتذر لك ثانية؟"
"ادرك ذلك"
ووضع يده على جبينها يتحسس حرارتها واستطرد يقول:
"إلزمي الفراش وسأطلب مانلي الكهل ليأتي لفحصك"
"لا إنه مجرد برد يحتاج إلى ملازمة الفراش... ليس الأمر خطيرا" كما تتصور هل يضايقك ان ترحل؟"
"ربيكا ليس لدي اي دافع للبقاء صدقيني ولكن الافضل ان اراك في فراشك قبل ان ارحل اين المطبخ ؟
سأحضر لك زجاج ماء دافيء وشرابا" ساخنا" هل لديك اي اقراص مسكنة؟"
"بصدق إنني ادبر امري لاتحاول ان تطبف معي اسلوب معاودة المرضى في فراشهم إن لدي بطانية وابريقا"
كهربائيا" استطيع بسهولة استعمالها"
"حسنا" سأذهب ولكنني ساعود غدا" لاتغادري فراشك إلا إذا شعرت بأنك قد عوفيت تماما"
"شكرا" يادكتور فيكتورا"
وعضت ربيكا على شفتيها فقد اعادت الكلمات كل شيء إلى عقلها وإلى وجه بول كما بدا من ملامحه
ورافقته إلى الباب وانتظرت حتى رحل.
وفي صباح الأربعاء ازدادت حالتها سوءا" ووجدت صعوبة في التنفس وكان من الواضح انها تعرضت
للبرد عندما وقفت وسط الضباب ليلة السبت وجاهدت حتى غادرت الفراش وطلبت المستشفى هاتفيا"
وصل الدكتور مانلي وقام بفحصها ووجد كل جزء في جسمها معتلا" يشكو الأوجاع وضربات الألم تنهال على رأسها وتشعر بالدوار كلما حاولت النهوض وقرر ان يحملها إلى جناح العزل في المستشفى وامضت عشرة ايام
بين الحياة والموت فقد تحولت الانفلونزا إلى نزلة شعبية كما توقع دكتور مانلي ولولا العقاقير التي تناولتها
لما بقيت على قيد الحياة ولم تعرف ربيكا مايدور حولها او الوجوه التي زارتها فقد كان شفاؤها هو الذي ينهش وعيها.
وذات صباح استيقظت وشعرت ان الحمى قد زالت عنها وانها لم تعد تسبح في بحر من العرق كما اعتادت
وعندما رفعت رأسها لتنظر حولها احست ان الألم قد زال ايضا" وان جسمها قد اصبح خفيفا" فتناولت قليلا" من الطعام وشعرت انها تستعيد قوتها وفي نهاية الأسبوع الثاني اتى بول لرؤيتها واحضر معه باقة من الورد
فقالت ممرضتها:
"زهور في ديسمبر كم انتِ محظوظة"
ولم يتحدث بول مع ربيكا عن شؤونه وإنما دار الحديث حول مرضها وبعد رحيله جاءت ممرضتها وقالت لها:
"لم اكن اعرف انكش تعرفين بول فيكتورا"
تنهدت ربيكا وقالت:
"لقد خرجت معه عدة مرات"
رفعت الممرضة حاجبيها دهشة وقالت:
"حقا" خرجت معه حقا"؟ والآن؟"
"اظن ان الأمر قد انتهى لماذا تسألين؟"
"إنه لايبدو من النوع الوفي"
"إننا مجرد صديقين"
"إذن كل شيء على مايرام علمت انه امضى سهراته مع صديقة لي عدة مرات "
رفعت ربيكا حاجبيها ودهشت للأرتياح الذي اعتراها عندما سمعت ذلك فحتى هذه اللحظة كانت تظن انه متورط في علاقته بها لدرجة انه لايستطيع الفكاك منها ولكن حديث اللمرضه ازال إحساسها بالذنب نحوه وشعرت بالارتياح لأنها قطعت كل الخيوط التي تربطها بأسرة سانت كلير
مضت اربعة اسابيع قبل ان يسمح لها بالعودة إلى البيت وكان ذلك في منتصف شهر ديسمبر حيث الأيام بارده
والشقة خاوية وخالية من اي انسان يمكن ان تتحدث معه فيما عدا جارتها التي تقطن تحتها والتي جاءت واشعلت لها النار في المدفأة وكانت ربيكا قد احضرت معها بعض الطعام وهي في طريق العودة واحست بالأسترخاء

عندما رأت المقلاة فوق الموقد وغلاية الشاي تصفر بمرح وتمنت الاتعود إلى المستشفى وتساءلت هل هي صادقة في رغبتها ورأت ان من الخير ان تعود فكلما اسرعت بالعودة كان افضل.
وفي منتصف المساء وبينما كانت هي تشاهد التلفزيون رن جرس الباب فتنهدت وتركت مكانها بتراخ
وكانت متعبة من مجهود إعداد الطعام وتمنت ان يكون الطارق جارتها ولكنها عندما فتحت الباب رأت رجلا"
غريبا" يقف امامها" فأجفلت لرؤيته وتشبثت بالباب في عصبية واضحة وتساءلت عمن يكون وهل
يعرف انها تعيش وحدها وتمنت في هذه اللحظة ان تظهر جارتها لتقف إلى جوارها تأملته فوجدته طويلا" نحيلا" متوسط العمر يضع نظارة على عينيه سألها:
"آنسة ليندسي؟"
قدم لها الرجل بطاقة:
"إليك بطاقتي لقد ارسلني السيد سانت كلير"
"السيد سانت كلير"
ثم تطلعت إلى الرسالة وقرات فيها:
دانييل ف. هاليداي
مخبر خصوصي.
تطلعت إلى الرجل بدهشة ثم تحولت حيرتها إلى غضب إذن بيير اطلق التحريات وراءها لقد سألها في سان سوسي إن كانت تعرف هاليداي والآن هاهي قد عرفت من هو فحملقت في الرجل بعينين اغرورقتا بالدموع
كيف يجروء بيير على ان يجري تحرياته عن إنسانة يظن انها لاتناسب ابنه؟
صاحت بغضب:
"ارحل عني لااريد ان اتحدث معك"
والقت البطاقة في وجهه وبدأت تغلق الباب ولكنه قال:
"آنسة ليندسي.... انتظري... إنكش لاتفهمين"
"اذهب بعيدا" عني قبل ان استدعي رجال الشرطة لالقاء القبض عليك "
وبدفعة قوية اغلقت الباب ويسألها ان تفتح حتى يدرك ان مايحاول ان يقوله ل يضيع هباء ويقول لها ان لديه اشيئا" عاجلا"
يريد ان يفضي به إليها وبدلا" من ان تستجيب له دارت على عقبيها وسارت إلى غرفة الجلوس وجعلت صوت التلفزيون عاليا"
ولما يئس الرجل رحل فاعادت الصوت إلى درجته المنخفضة ولكنها اكتشفت انها ترتعد بالغضب والشقاء إذ كيف يجروء على ان يفعل ذلك
ومم يخاف واي اسرار يريد ان يكتشفها بالتأكيد هو يعرف ان بول سوف يتورط بعلاقته مع امراءة لن تستطيع ان تمنحه إلا القليل الايعرف هو ذلك ولم تعد هي بدورها اي شيء
هزت كتفيا وحاولت ان تستغرق في مشاهدة المسرحية التي يعرضها التلفزيون ولكن الأفكار كانت تطارد رأسها
ولم تعد تعرف مايدور حولها فإذا كان بيير قد استخدم مخبرا" خصوصيا" يتحرى عنها فلا بد انه الان قد تلقى كل ماكان يريد معرفته ولابد ان يعرف كل شيء عن شيللا وصديقها بيتر فيلدما هذا إذا لم تكن اديل قد اخبرته بقصة محرفة وحيث شيللا موضوع ثقة اديل فلابد ان يكون الامر سهلا عليهما بأن يصيغا القصة بما يتلائم مع اهوائهما وكان سببا اخر يدعوها إلى احتقارهما.
نهضت ربيكا واقفه في اضطراب واضح فلو انها استمرت في مواصلة التفكير بهذه الطريقة فلاشك انها ستصاب بالجنون فتوجهت إلى المطبخ لاعداد فنجان قهوة وقررت ان تتوجه غدا إلى رئيسة المستشفى وتسألها ان تعود
للعمل فالعمل وحده ولاستغرق فيه يستطيع ان ينقذها من الجنون.

نهاية الفصل التاسع



الفصل العاشر

10- وترقرقت الدموع

في اليوم التالي توجهت ريبيكا الى رئيستها ، وتلقت منها صدمة اخرى، كانت الرئيسة رقيقة وحنونا، ولكنها حازمة قالت وهي تضع مرفقيها على المكتب:
" عزيزتي ريبيكا ، انت شفيت من نزلة شعبة قاسية ، ولا استطيع ان استدمك مرة ثانية حتى تتماثلي للشفاء تماما ، ونصيحتي لك ان تنتظري حتى يأتي العام الجديد انت في اجازة الان ، وتعالي لرؤيتي في اخر شهر يناير/ كانون الثاني"
جحظت عينا ريبيكا غير مصدقة ، وقالت:
" تقولين نهاية شهر يناير/ كانون الثاني؟"
" اجل، لو كان الوقت صيفا لاقترحت عليك ان تمضي شهرا على شاطئ البحر ثم تعودي الينا وكلك نشاط ولكن في مثل هذا الجو البارد القاسي ، فإنني اخشى عليك من الانهيار اذا ما بذلت جهدا . انني لا اقصد ان اكون قاسية معك. وانما اريد ان تكوني في تمام الصحة عند عودتك".
خرجت ريبيكا من غرفة الرئيسة وهي تشعر بالتمزق . وقد تبددت امالها في ان تعود الى حياتها العادية في الوقت الحاضر على الاقل ولاحت الاسابيع امامها خالية من اي عمل سوى ان تعيش في دوامة التفكير وعندما عادت الى شقتها ، انفجرت باكية، واستلقت في فراشها، وهي تحملق غائبة الوعي في سقف الغرفة وتساءلت عما اذا كانت ستعود الى حالتها البيعية مرة اخرى.
وزارتها انيت فليمنغ في المساء ، وكانت صدمة لها عندما رأت مظهر صديقتها ، فصاحت بها قائلة:
" لاتحزني يا ريبيكا هكذا ، لمجرد انك لم تعودي الى عملك. كنت اظن انك ستقدين قيمة الاجازة ، وخاصة خروجك في الصباح في الجو البارد يضر صحتك"
" ولكن ماذا افعل؟ ليست لي اسرة مثلك ، ولاحتى صديق!"
"لماذا لا تأخذين اجازة ؟ يمكنك ان تذهبي في رحلة الى الخارج، ستكون مثيرة لك"
جلست ريبيكا في مقعدها ، وقطبت جبينها. انها فكرة وكما اقترحت انيت ستحملها الرحلة بعيدا عن انكلترا بعض الوقت، وفي اي بلد تزوره ستكون مجرد سائحة مجهولة سألت انيت:
"اين اذهب؟"
"في هذا الوقت من السنة ، يحسن بك ان تذهبي الى شمال افريقيا او البحر الكاريبي. هل ميزانيتك تسمح بالسفر الى هذا المكان البعيد؟"
"لم لا ؟ انا لا اخرج كثيرا، ولا انفق من مالي الا النذر اليسير على ملابسي، بالطبع استطيع السفر".
وعندما رحلت آنيتآراحت ريبيكا ظهرها الى المقعد ، وفجأة انتابها تفكير عميق ، فلو انها سافرت الى الكاريبي ، فإن فرصة مقابلة شخص تعرفه ستكون قليلة . لوهلة تذكرت توم بريانت قد اخبرها ان بيير يمتلك بيتا في جامايكا، لذلك اتخذت قرارا بالا تضعف وتذهب الى هناك.
وخلال الايام القليلة التالية ، جددت جواز سفرها ، وامضت لياليها منهمكة دراسة افضل الاماكن التي يمكن ان ترحل اليها ، ثم بدأت تهتم نفسها فصففت شعرها واشترن بعض الملابس الجديد.
وعند نهاية الاسبوع جاءتها رسالة من مكتب المحامين في لنكولن تفيدها بانها واحد من المستفيدين بالوصية التي تركتها الانسة اديل مارغريت سانت كلاود!
اذهلت الانباء ريبيكا ، ولم تتصور ان اديل ماتت هكذا سريعا ، وبرغم انها لم تكن تحبها الا انها لن تتمن الها الموت حقا، ولم تصدق ان الطاغية المجنونة التي تسببت في شقائها تموت حقا . وقد اخبرها الطبيب الذي يعالج اديل في فيجي بان النوبات ستقضي عليها ذات يوم اذا تعرضت لاي انفعال شديد.
وتحدثت ريبيكا الى مكتب المحامين هاتفيا، وحدد السيد بروم الساعة الحادية عشرة من صباح اليوم التالي موعدا لمقابلتها، وعندما دخلت مكتبه وجدته شابا، وعرفت منه صباح اليوم التالي موعدا لمقابتها، وعندمادخلت مكتبه وجدته شابا ، وعرفت منه بأن والده محامي الانسة سانت كلاود وقد عهد اليه بأتمام الاجراءت الخاصة بهذا الموضوع ، وشكرته ربيبكا وانتظرت بفارغ الصبر ان ينتهي سريعا واخيرا قال:
" كما تعرفين ، الانسة سانت كلاود تمتلك فيللا خارج سوفا بجريزة فيجي واعتقد انك عملت ذات يوم هناك كممرضة للانسة سانت كلاود اليس كذلك؟"
" اجل لمدة سنتين"
" حسنا لدي نسخة من وصية اديل الاخيرة وقد اوصت بترك الفيللا لك ، ومبلغ كاف يمنح لك سنويا"
وتجاهل بروم الدهشة التي ارتسمت على وجه ريبيكا ، واستطرد قائلا:
" واذا ماقررت بيع الفيللا، فأن المنحة السنوية ستتوقف صرفها لك ، وتلوجه الى جهة خيرية!"
"لايمكن ان تكون جادا ، هل تقصد انها تركت الفيللا ... لي؟"
" ولم لا يا انسة ليندسي؟ هذا واضح وضوح الشمس، ولن ادخل في تفصيلات اخرى ، وانما ثقي بان الفيللا اصبحت ملكا لك".
مسحت ريبيكا جبينها يبدها في اضطراب ، وقالت:
" لقد ظننت .. اعني ... انها عاشت في لندن فترة طويلة، وتصورت انها باعتها".
" اوه لا لم تبعها ، وهناك امرأة من فيجي .. على ما اعتقد ترعى شؤون الفيللا"
صاحت:
" روزا! انها روزا! ولكن هل قالت اديل لماذا تركت الفيللا لي؟"
"لايمكنك ان تذهبي الان وتبحثي الامر، ثم عودي غدا . او بعد غد ، واعطيني تعليماتك"
نهضت ريبيكا بعصبية ، فوقعت منها حقيبتها وقفازها ، والتقطتها وهي تدمدم. ثم سارت الى الباب ، وفتحه بروم بدوء فخطت خارجا، توقفت في الطريق وادركت انه من المستحيل ان تتخذ قرارها قبل ان تدرس كل الاحتمالات التي دفعت اديل الى ان تقدم لها الفيللا. وان الامر اشبة بكابوس، واذا هي نحت جانبا حقيقة كراهية اديل لها ، فإنها تركت الفيللا، وهذا يدعوا الى الدهشة والاستغراب، وماذا هي فاعلة لها؟
هناك حلول عديدة يمكن ان تتخذ قيها قراها ، وفي وسعها ان تعود الى المحامي وتخبره بانها ترفض قبول الفيللا، وان يقوم ببيعها ويوجه المال كله إلى الجهة الخيرية ز وفي وسعها أيضاً ان تحتفظ بالفيللا و المال ، وأن تتردد عليها كلما تاقت لزيارتها ز أو تفعل ما فعلته أديل فإن امامها سنوات طويلة فيمكن أن تعيش بعض الوقت في انكلترا ، ثم يستقر بها المقام بعد ذلك في فيجي . إنها لن تعمل . فإن المال الذي تركته ىديل للانفاق على الفيللا وعليها ، سيكفيها . وفي غمكانها أن تعمل عملاً خاصاً أو في مستشفى ، وسوف يساعدها دكتور مانسون في العثور على عمل ، وبدء حياة جديدة .
هناك فكرة واحدة راحت تؤرقها ، وهي ان بيير يعيش في انكلترا ، وستكون الفرصة ضعيفة في ان تلقاه مرة أخرى ، ولكن لماذا تفكر في ان تسنح لها الفرصة ثانية وهو يحتقرها ؟ وحتى لو أنها التقت به ، فغن هذا اللقاء ماهو إلا إذلال لها ولا تظن أنها ستقف أمامه مكتوفة اليدين .
نامت بصعوبة في تلك الليلة ، وأرادت ان تفظي بالأمر لشخص تثق به ، ولكن أين هو هذا الشخص ؟ فكرت في بول ، ولكنها طردت الفكرة من رأسها . فقد بدأ يتخذ حياة جديدة له ، ولا فائدة ترجى من أن تشده اليها مرة أخرى . وهناك أنبت التي تعرف قليلاً عن حياتها الماضية ، ولكنها لا ترغب في أن تعترف بهذا لها .
ظلت ربيكا حائرة في اتخاذ القرار السديد وتساءلت هل من الحماقة ان تلقي بالمال الذي تركته لها آديل لمجرد الانتقام منها أم تقبله ؟ وعندما أشرق الصباح ، رأت أنها لا تستطيع أن تغير الماضي ، وأنه من الغباء أن ترفض

ما قدم لها ، ومهما كانت دوافع آديل ، فإنها لا تستطيع أن تتأكد مما ترمي إليه .
و أبلغت السيد بروم قرارها بقبول الفيللا و المال ، وأنها تنوي ان تطير إلى فيجي في نهاية الأسبوع القادم . قبل حلول عيد الميلاد بثلاثة أيام ، فقد رأت ان تمضيه في بيتها الجديد ، وإن لم تكن قد قررت العيش هناك إلى الأبد ، فهذا الأمر يحتاج منها غلى مزيد من الوقت لتتخذ فيه قرارها النهائي .
وانقلبت ربيكا لتنام على بطنها ، وراحت تحفر رمال الشاطئ [اصابعها ، وتستمتع بحرارة الشمس التي ألقت أشعتها على ظهرها وكتفيها ز وكانت منذ قليل قد سبحت في أعماق المياه الدافئة للمحيط الهادئ وهاهي الآن ترقد على شاطئها ، وخصلات شعرها الحريرية قد شاعت فيها الفوضى ، ولكنها لم تكترث ، فليس هناك أحد يراها سوى روزا .
مضى يومان على وصول ريبكا إلى فيجي ، وغداً عيد الميلاد ز وكانت قد أمضت اليومين في السباحة والاسترخاء في أحضان الشمس ، فلوحت بشرتها بسمرة لامعة ، وكانت روزا قد رحبت بوصولها ، ولم تناقش مع ريبكا أسباب ترك آديل للفيللا لها ، وتركت الأمر إلى وقت آخر. أما الآن فإنهما تتبادلان الضحكات و الطرائف ، وذات يوم كانت ربيكا مستلقية عندما شهدت روزا قادمة نحوها وهي تحمل ملفاً ، فانتصبت بقامتها :
"ماهذا ياروزا ؟"
"إنها رسالة يا آنسة ، وصلت منذ دقائق قليلة ، ورأيت أن أسلمها لك سريعاً فلعل بها أمراً يهمك معرفته ."
ارتجفت ربيكا ، وتناولت المغلف ، وعرفت أنه محول من عنوان منزلها في لندن ، فلم يكن أحد يعرف أنها رحلت عن انكلترا ، سوى جارتها التي تركت لها العنوان الجديد .
عادت روزا إلى الفيللا ، بينما أخذت ربيكا تفض الرسالة ، ولم تتصور من يكون الشخص الذي كتب إليها . ولكنها ابصرت في نهاية الخطاب اسم شيللا ستيفنز . وبدأت تقرأ :
عزيزتي ربيكا .
في الوقت الذي تقرأين فيه رسالتي ، ستسمعين أنك ورثت فيللا آديل ، ولكنني كصديقة ، أرى من واجبي إبلاغك بأن آديل لم تترك لك شيئاً ، بل على العكس ماتت بدون أن تكتب وصية .
ارتجفت أصابع ربيكا ، ولكنها حاولت أن تتماسك ، ثم واصلت القراءة .
في الحقيقة ، إن الفيللا لم تكن تخصها ، وإنما هي ملك بيير سانت كلير فقد اشتراها منها عقب عودتها إلى انكلترا . وهو صاحبها منذ ذلك الحين ، أما سبب أنها آلت إليك ، فهو أن بيير . لسبب ما ، يشعر بالذنب للآسلوب الذي عاملك به ، وقد اختار هذا الحل لراحة ضميره . وربما أحس أنها الوسيلة الوحيدة التي تغادرين بها الوطن وتخرجين من حياته وتفكيره ، وفي أية حال فبوصفي صديقة قديمة لك ، فكرت أن أضع الحقيقة كاملة بين يديك .

المخلصة
شيللا.
ألقت ربيكا الرسالة جانباً ، وراحت تحدق في البحر بلا وعي .
شيللا تعرف تماماً أن ربيكا لن تقبل هدية من بيير ، مهما كانت وافعه ، وكان من المفروض أن تصلها الرسالة قبل رحيلها حتى لا تغادر لندن ، ولكن نظراً للضغط الشديد في الأيام التي تسبق عيد الميلاد ، لإغن الرسالة قد تأخر وصولها . وهكذا وجدت ربيكا نفسها قد انفقت مالها للحضور إلى فيجي ، وكانت هي في غنى عن هذه الرحلة باهظة التكاليف .
نهضت واقفة ، وسارت في طريقها حتى دخلت الفيللا . وراحت تقول لنفسها إنها لطمة قاسية وجهتها شيللا لها ولاعجب فإن الفتاة لم تغفر لها أبداً أنها قد حولت قلب بيتر فيلدمان عنها . أما عن بيير وأسباب أعطائه الفيللا لها ، فإنها لا تفهمها بتاتاً . هذا إذا لم يكن يرغب في أن يزيحها من طريقه كما قالت شيللا في رسالتها .
ارتدت سروالاً من القطن ، وبلوزة بلا أكمام ، ثم توجهت إلى غرفة الجلوس ، وألقت بجسمها على مقعد ، وراحت تقرأ الرسالة ثانة ، وعندما أقبلت روزا ، ناولتها إياها وقالت لها :
"اقرأيها يا روزا ."
مسحت روزا يديها في مئزرها ، ثم التقطت الرسالة ، وبدأت تقرأ في صمت . ولما انتهت منها رفعت وجهها والحيرة بادية على ملامحها ، وسألت :
" ماذا يعني هذا ؟"
" يعني أن الفيللا ليست ملكاً لي ، وإنما ملك السيد بيير سانت كلير ."
" تقصدين ... تقصدين انك لن تعيشي هنا ؟"
" طبعاً ... سأعود إلى لندن بأسرع ما يمكن !"
قالت روزا وقد أصيبت بخيبة أمل :
" آنسة ليندسي ... لماذا تسافرين والفيللا قد أعطيت لك هل يهم من يكون الشخص الذي أعطاك إياها ؟"
" لاأستطيع أن أقبل هدية ... من ، من السيد سانت كلير !"

" هذا شيء رهيب ، غداً عيد الميلاد . ولايمكن أن ترحلي في يوم العيد ."
جمعت ربيكا شتات فكرها ، قد نسيت أن غداً يوم عيد الميلاد وعليها أن تنتظر حتى تتنهي إجازة إلينك . وكان غريباً أن تشعر بالارتياح عندما تلبين ان البنك مغلق ، فقد شعرت أن ترك الفيللا أصبح امراً بغيضاً غلى قلبها . وامضت الليلة تبكي ، وبللت وسادتها بالدموع ، ولم تستطع أن تنكر إغلى أي مدى تحطم قلبها .
وفي صباح عيد الميلاد ، قدمت روزا هدية لربيكا ، وعندما فتحتها وجدت قرطاً مصنوعا من الودع وجميل التصميم ، وأهدتها ربيكا بلوزة أحضرتها من انكلترا ، وفي العشاء أعدت روزا ديكاً لكي تدخل السرور إلى قلب ربيكا التي أصرت أن تشاركها الطعام احتفالاً بالعيد ، وبعد ذلك توجهت ربيكا إلى الشاطئ ، واستلقت فوق الرمال الدافئة وتساءلت ماذا ستفعل عندما تعود إلى لندن ؟ إنها لا تستطيع العودة إلى العمل ، وفي نفس الوقت أنفقت كل أموالها في رحلتها إلى فيجي ، ورأت أن التصرف المعقول هو أن تظل في الفيللا لمدة أسبوعين وكأنها تمضي إجازة حقيقية ولكنها وجدت أنها لا تستطيع ان تفعل ذلك ، فهي لا تقبل أي شيء من بيير ... لا نقوده ... ولا شفقته !
كان الهدوء يسود المكان . إلا من بعض أصوات الموسيقى التي كانت تتردد هناك ، وأدركت أن فريقاً من الناس ممن يسكنون إحدة الفيللات يقيمون حفلاً يتبادلون فيه النخب والحديث والضحكان و الحب ، وترقرقت الدموع في عينيها ولكنها لن تستسلم لها ، ولن تضعف أمام الشفقة على نفسها ، ولن تكون حمقاء مرة أخرى .
وتناهى إلى مسامعها وقع خطوات فوق الحصى ، فانتصبت بقامتها ، فقد كان الظلام يحيط بها ، وحاولت أن تهدئ من روع نفسها . وأنها مخطئة في ظنونها ، ولكن شعورها كان صادقاً ، فعندما جالت ببصرها حولها ، رات رجلاً يخرج من وراء الأشجار ويسير نحوها ، وقفزت واقفة ، ولكنها ثبتت في مكانها عندما ألقى القمر بكامل ضيائه على وجهه ، فكشف عن جاذبية بيير سانت كلير ، وفي الحال أدركت قلة الثياب التي ترتديها ، وشعرها الأشعث ، وكما حدث من قبل ... رآها في وضع غير لائق !
تمتم قائلاً :
"مرحباً ربيكا. إنني آسف أن الوقت متأخر ... هل يمكن ان نتوجه إلى الفيللا ؟"
قالت بخشونة :
" كيف لي أن أدعوك إلى الفيللا وأنت تعرف أنها ملك لك ... وانني لا أملك أن أردك عنها ؟"
" إذن أنت تعرفين ؟"
تحولت ربيكا لتسير نحو الفيللا وهي تقول :
" أجل ... أعرف ."
وحاولت ان يبدو صوتها هادئاً وهي تستطرد قائلة :
" اسمح لي ... أن أذهب لأبدل ثيابي ."
قاطعها قائلاً :
" دقيقة من فضلك ."
أطيقت أصابعه القوية على ذراعها ، وأدار جسمها حتى واجهته ، فرأت الغضب بادياً على وجهه ، وملامحه صارمة ، فظنت أنه يريد ان يصب انتقاماً فوق رأسها .
فقال بقسوة :
" اردت أن أتحدث إليك حديث إنسان متحضر ، بعيداً عن سمع روزا وبصرها ، ولكن حينما بدأت تتكلمين معي بهذا الأسلوب . فقدت صبري معك ."
سألته وهي تبذل جهداً كبيراً في ألا يبدو الاضطراب عليها :
"أخبرني ، لماذا أتيت إلى هنا ؟ هل وافاك مخبرك الخصوصي بتقرير عن أفعال رهيبة ارتكتبتها ؟ أم أنك غيرت رأيك في أن تمنحي الفيللا ؟ لاداعي لأن تقلق ، أنا لن أمكث هنا . أفضل أن أحتفظ باستقلالي ، ولا أقبل مواقف الاحسان ."
" لماذا تفعلين هذا؟ لماذا تتكلمين هكذا كأنك تكرهينني ؟ أنا أعرف أنك تحبينني!"
حاولت ربيكا أن تتخلص من قبضته ، وقالت له :
" كيف عرفت ذلك ؟ هل أخبرك هاليداي ؟"
" رييكا ... اسمعيني ."
" لا ؛ اسمعني أنت ! إنني لا أريد فيللتك أو أحسانك ، او أي شيء يمت لك بصلة . هل تفهم ؟"
حدقبيير في وجهها لحظة ، وفجأة أمسك بها ، وقاومته ربيكا في بادئ الأمر ، ولكن حصون دفاعها تحطمت أمام ضغط ذراعيه . وهي تعرف أن العاطفة قد تكون أبلغ من الكلمات أحياناً ، وليس من السهل عليها أن تتحدى سيطرته ... وسيادته ، واستمرت بين ذراعيه فترة طويلة ، وعندما رفع

التفتت نحوه وقالت :
"ولكنني عرفت . عندما اكتشفت ..."
ضاقت عينا بيير وقال مقاطعاً كلامها :
" لايمكنك اكتشاف الأمر إلاّ بتدخل احدهم . قلت لي انك لن تقبلي الفيللا .
كيف لي أن اؤكد لك بأنه ليست لدي اية دوافع خفية ! وخاصة إنني جئت غلى هنا .
وغضبت منك ثم بثثتك حبي . أنا أعلم انها ليست الطريقة التي تقنعك بأن دوافعي هي حبي لك وغيرتي عليك . هيا بنا نذهب
إلى الفيللا حتى لا تصابي بالبرد . وسنواصل حديثنا ونحن نحتسي الشراب إذا عبرت لي عن كرم ضيافتك ."
" وكيف استطيع ان أرفض طلبك !"
وأسرعت ربيكا تسبقه إلى الفيللا . ودخلت غرفتها وارتدت ثوباً قطنياً يبرز جمال بشرتها الذهبية . وحينما دخلت غرفة الجلوس ، وجدته واقفاً بجوار النافذة ،
فاعدت له شراباً ، وبعد أن ناولته غياه ، قال بهدوء :
" أريد أن أخبرك بأن الممرضة ستيفنز فصلت من وظيفتها قبل وفاة آديل بأسبوع .
تقلصت أصابع يدي ربيكا . وأحجمت عن أن تصب لنفسها شراباً حتى لا يكتشف وقع المفاجأة عليها . وقالت له بلا اكتراث :
"مفهوم !"
سالها بدهشة :
"مفهوم ماذا ؟ ألا تحبين معرفة السبب ؟"
" إذا احببت ان تخبرني به ."
" حدث عندما كنت مريضاً أن تصورت شيللا وهي تضمد جرحي انها ... كيف اصوغ الكلمات ؟ أجل ... إنها مفتونة بي . ولا أدري كيف فتنتها ؟ ومع ذلك ...
كان علي أن أصدها . فأنا أحببت امرأة واحدة ... ولم تكن شيللا ستيفنز هي تلك المرأة ."
" ما زلت لا أرى أن هذا الموضوع له صلة بآديل ."
" ألم تدركي الصلة بعد ؟ ربما لا أكون واضحاً في كلامي ، ولكن يبدو أن الآنسة ستيفنز كانت قد قبلت الوظيفة لأسباب تختلف عما توقعناه . فحينما احست أنها فشلت
في أن تفوز بي ، راحت تتحين الفرصة لكي تثير اليأس في نفس ىديل التي أصبحت لا تحتمل النوبات التي تصيبها ، حتى دهمتها نوبة حادة . لم أجد أمامي سبيلاً إلا ان أطرد
الأنسة ستيفنز في الحال ن وبرغم أننا استطعنا استخدام ممرضة أخرى ، إلا ان الانفعال كان شديد الوقع على آديل ولم تحتمل الاصابة بنوبة أخرى فأودت بحياتها ."
صمت بيير قليلاً ، وأدركت ربيكا خلال صمته أن شيللا لم تبعث لها بالرسالة إلا بهدف أن تحطم سعادتها . وتطلعت إليه فرأته يذرع الغرفة في قلق ، ثم استدار ليقول :
" كان من الطبيعي ان القي اللوم على نفسي ، وأقول لو لم أكن قاسياً على الفتاة التي عاملت آديل برفق ن لو لم اتسبب في رحيلك عن فيجي لتغير الموقف تماماً .وكنت قد تحدثت إلى طبيب آديل .
فأكد لي أن صحتها تدهورت منذ عودتها إلى انكلترا ، ولا يملك احد ان يفعل لها شيئاً ."
" ولماذا عادت آديل إلى انكلترا ! هل طلبت إليها أن تعود ؟"
" بالطبع لا . وإنما هي التي أصرت على العودة لحضور جنازة جنيفر . وتمسكت بالاقامة في البيت . وعندئذ شعرت بحماقتي بالسماح لها بالحضور ."
" يبدو أنها كانت من النوع الذي يسعده ان يمزق سعادة الناس ."
" سعادتك على سبيل المثال ؟"
" إن شؤوني ليست مهمة ."
" ولكنها تهمني أنا ."
دفعت ربيكا شعرها إلى الوراء ، وقالت :
" كيف تقول ذلك ، وأنت قد نسيت وجودي . منذ رحلت عن فيجي ، إلى اليوم الذي قمت أنا فيه بزيارة سان سوسي مع بول ."
" هذا ليس صحيحاً . ألم أسألك وأنت في سان سوسي . هل تعرفين شيئاً عن هاليداي ؟"
قلبت ربيكا شفتيبها و قالت :
"مخبرك الخصوصي ؟"
توجه بيير نحوها وجذبها نحوه حتى وقفت أمامه تماماً . وأمسكت يداه كتفيها بقسوة . وقال لها بخشونة :
" حقاً . يبدو انك لا تقبلين اي تفسير بدون ان تعارضيه . ولذلك يجب ان اكون صريحاً وواضحاً معك واخبرك بأنني ماجئت إلى هنا إلا ودوافعي كلها شريفة .
انا لست وحشاً فتتصورين انه مادام قد فشل في ان ينالك بطريقة ما . ولكن عندما رحلت الى انكلترا وأنت متمسكة بمبادئك الاخلاقية . كرهت تصرفك .
ولم لا ؟ لأنني احببتك ... لأنني اريدك ؟ وكان اثمي الكبير هو انني لم استطع الزواج منك ، اما اثمي الصغير فهو ان جنيفر لم تكن لي زوجة يوماً ما ."
اشاحت بوجهها جانباً وصاحت :
: آوه ، بيير ، اتركني ."
استمر بيير ممسكاً بها وهو يقول :
" آوه ... بيير ! اهذا كل مايمكن ان تقوليه ! انني اريدك ان تعرفي الى اي مدى تسببت في ايلامي . ولهذا السبب لم اتبعك الى انكلترا .لاجبرك على الخضوع لي.
وانما اغرقت نفسي في عملي ، ولنه لم يكن علاجاً شافياً لي ، وكان توم بريانت يدرك ذلك ويمكنك أن تسأليه اذا لم تصدقي كلامي ... لقد نجحت في تحطيمي !"
أغلق عينيه لمدة وجيزة ثم استطرد يقول :
" وكان علي ان اعرف مكانك ، وماذا تعملين . لذلك استخدمت هاليداي ليتحرى اخبارك . وخلال تحرياته ذهب الى المستشفى حيث كانت تعمل الممرضة ستيفنز ،
ويبدو انها استغلته كما استغلها هو اما كيف حدث ذلك ، فدعيني اروي لك ، فحينما ماتت جينفر ، وجاءت آديل الى انكلترا ، نشرنا اعلانا نطلب ممرضة . وفي الحال تقدمت شيللا ، وكانت قصة هاليداي ، ثم حدثت أمور عديدة
بعد ذلك ، لما ماتت زوجتي ، كان من المستحيل أن ابحث عنك ، وعندما اراد بول ان يلتحق بمهنة الطب ، رتبت الامور لكي ينظم الى هيئة اساتذة سانت بارثولومير ، واختلقت سبباً لكي اشترك في شؤونهم ، ولا يمكنك ان
تتصوري مبلغ الفزع الذي انتابني عندما اكتشفت ان ابني تورط في علاقة
مع ممرضة تدعى ربيكا ليندسي ."
وضعت ربيكا راحتها على جبينها ، وقالت :
" اذن كنت تعرف طوال الوقت !"
" طبعاً ... عرفت كل شيء عنك ، وكان هدفي ان اقدم لك حياتي عندما تاتي اللحظة المناسبة ، ولسوء الحظ شاءت الظروف ان تحول دون تحقيق ذلك . وبعد وفاة اديل استطعت ان اجد الوسيلة التي تمكنني من مساعدتك ، ومساعدة نفسي .
كانت الفيللا ملكاً لي اشتريتها من اديل لعد ان عادت منم فيجي ، واردت ان اعطيها لك ، ولم اتصور انني استطيع زيارتك ورؤيتك ، واكشف لك عن ان نواياي لم يكن القصد منها ان تكوني عشيقتي."
" ولكن ..."
" لا تقاطعيني ... انت ستمضين هنا عدة اسابيع حتى تسعيدي صحتك . ولايمكنني لقاؤك وبالأمس كنت في كانبرا وتلقيت رسالة عاجلة بعث بها لي توم من لندن وقال انه اكتشف بطريق المصادفة ان شيللا ستيفنز قد علمت من بول بعزمي على
إهدائك الفيللا ، وانا اعرف نواياها جيداً . وتوقعت ان تحاول من جانبها ان تعكر صفو حياتك . كما فعلت حينما حاولت ان تفسد العلاقة بيني وبينك . فاخبرتني بانك كنت السبب في تحول خطيبها بيتر فليدمان عنها ."
فزعت ربيكا وقالت :
" ولكن لم تكن لي به اي علاقة ؟"
قاطعها بيير وقال مبتسماً:
" اعرف ذلك ، انني ادرك تماما انك تعيشين في سبات عميق عندما يتطرق الحديث الى موضوع ممارسة الحب ."
اشاحت بوجهها خجلاً ، ولكنه جذبها نحوه ، وتمتم قائلاً :
" هل عرفت الان سبب وجودي هنا ! انني اعرف انك لن تسمحي لنفسك بقبول شيء فاخر مني ، وكان لزاماً علي ان آراك واخبرك ."
ومال بجبينه نحو جبينها ، وهو مدرك لشدة اضطرابها وهي ترتجف كالورقة بين يديه . وهمست قائلة بدون ان تجد رباطاً لافكارها .
" والان ؟"
قال بهدوء :
"انت صاحبة الامر ... وضعت كل اوراقي على المائدة . هل ترغبين في ان تأخذينها كلها ؟"
" انت قلت ان بول قد تحدث الى شيللا ... ماذا يعرف عنا ؟"
" كل شيء ... كحان يجب علي ان اخبره ."
" اخبرتك ذات مرة بانني لا استطيع ان احب بدون اي ضمان . فهل هذا سبب تقديمك الفيللا لي ."
تنهد بيير وقال :
" الضمان الوحيد هو الحب ذاته ، وبدونه لايوجد اي ضمان آخر ."
" انني راحلة غداً ."
سألها وهو يراقبها عن كثب ؟
"هل انت عازمة على الرحيل ؟"
" ظننت انك ستشعر بالاسف لرحيلي ."
" اسف ؟ انا احبك ... انا محتاج لك . صدقيني انا لم احب امرأة آخرى ... معك اشعر بانني عدت صغيراً ثانية . انت الانسان
الوحيد الذي اهتم به في عالمي المجنون ، واريد ان تكوني زوجة لي ... تحمل اسمي ... وثروتي ... وتشاركني حياتي بحلوها ومرها ."
التفت ذراعاها حول عنقه وراحت تمتم فرحة .
" انت تعرف انني احبك . اذا استطعت ان تنسى كل الاشياء التي قلتها لك ، فانني لا اطلب اي شيء آخر منك . لكنك خضت زيجة مدمرة .
ولا اريد ان تخاطر مرة اخرى ."
قال لها :
" ليس هناك مخاطرة بالزواج منك . فانا بدونك لا اعدو ان اكون نصف رجل . وقوعة بلا قلب ... او روح ."
" وماذا عن بول ؟"
" سيعتاد على الموقف ، انه مازال شاباً الدنيا امامه . ام نحن فليس لدينا اي وقت نضيعه .
هل تتزوجينني ؟ انا واثق انني استطيع ان ارتب عقد القران بصورة ما ، ثم نقيم بعد ذلك حفلاً لزواجنا يشهده العالم كله . فانا لا استطيع ان احتمل فترة خطوبة طويلة ."
وراحت ربيكا تدفن وجهها في عنقه . وتوالت الافكار على عقلها . وتمثلت امام عينيها مشروعات كثيرة . وفكرت باسف فيما فعلته شيللا معها ، ومحاولتها الفاشلة
لافساد حياتها ، وودت ان تقدم لها الشكر ، لانه لولا تدخلها ، لظلت اسابيع طويلة هائمة بدون ان تنعم سريعاً بالجنة بين ذراعي بيير

تمــــــــــــت





********************

مكفخة خواتهاااا 03-02-09 01:04 AM

اقتباس:

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة qotaiba (المشاركة 757544)

تسلمين
ومشكورة ع مرورك

بنوته عراقيه 05-02-09 06:45 PM

https://www.rewity.com/q/11.gif


الساعة الآن 03:33 AM

Powered by vBulletin®
Copyright ©2000 - 2022, vBulletin Solutions, Inc.