آخر 10 مشاركات
كنزي أنا (53) -ج3 من سلسلة زهور الحب الزرقاء- للمبدعة: نرمين نحمدالله *كاملة&الروابط* (الكاتـب : نرمين نحمدالله - )           »          لست بريئة (6) *مميزة & مكتملة*... سلسلة قلوب منكسرة (الكاتـب : هند صابر - )           »          1134-الفاتنة المترددة -لوسي كاين-عبير دار نحاس -شبكة روايتي الثقافية (الكاتـب : Just Faith - )           »          ابن العم (115)-قلوب غربية- للكاتبة المبدعة: رووز(مميزة) *الفصل الحادي عشر* (الكاتـب : رووز - )           »          وشاح من دخان-قلوب شرقية(79)-حصرياً- للكاتبة:داليا الكومي{مميزة}-كاملة&الروابط (الكاتـب : دالياالكومى - )           »          نجم محترق -ج2 من سلسلة زهور الحب الزرقاء- للمبدعة: نرمين نحمدالله [زائرة] *كاملة* (الكاتـب : نرمين نحمدالله - )           »          115 - صراخ الصمت - ساندرا ماراتون (الكاتـب : حبة رمان - )           »          المُحترَم البَرْبَريّ * مكتملة * (الكاتـب : منال سالم - )           »          طفلة في الحب (19) للكاتبة المُذهلة: بيـــــان *كاملة & مميزة* (الكاتـب : تماضر - )           »          شيء من الندم ..* متميزه و مكتملة * (الكاتـب : هند صابر - )


العودة   شبكة روايتي الثقافية > قسم الروايات > منتدى قصص من وحي الاعضاء > القصص القصيرة (وحي الاعضاء)

Like Tree1Likes
  • 1 Post By زهر_بيلسان

إضافة رد
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 17-05-19, 09:30 PM   #1

زهر_بيلسان

? العضوٌ?ھہ » 435933
?  التسِجيلٌ » Nov 2018
? مشَارَ?اتْي » 109
?  نُقآطِيْ » زهر_بيلسان is on a distinguished road
افتراضي مرآة حواء


عزيزتي القارئة.. قبل أن تشرعي بالقراءة إعلمي أنك لن تجدي قصة الحب التي كنت تأملين التحليق في سمائها و لا البطل ذو العضلات المفتولة الذي سيلتهم أحلام يقظتك.. بل إنك لن تجدي قصة من الأساس.. لا قصة مخصوصة لا حبكة تنشد حلاً و لا حتى نهاية عادلة، لكن لربما ستجدين نفسك مختبئة بين السطور.. و إن لم تجديها فعذرا إذ أنه لا وجود لكتاب القصص التي لا نهاية لها في الدنيا.. فقصة حواء باقية ما بقيت الدنيا حتى يأذن الله بزوالها.. لكن لربما تجدين أنثى وجدت في حياتك ركناً مميزاً قد خططت أنا بصدفة مطلقة تفاصيل حكايتها هنا...
هذه الكلمات من أجلك عزيزتي حواء....

مرآة حواء

كان جالساً إلى مكتبه المتهالك في حجرة نومه ينقر بسبابته على سطح الحاسب المحمول خاصته ينتظر الردود على منشور قام بنشره على إحدى صفحات عرض المشاكل الشهيرة و المنتشرة بشدة في هذه الأيام من حساب وهمي قام بإنشائه حديثاً..
" ساعة حب للإيجار " عنوان المنشور و يأتي بعده تفاصيل العرض :
" إلى كل فتاة تفتقر للرومانسية في حياتها.. تبتغي قضاء وقت لطيف بريء مع شاب وسيم لمدة ساعة واحدة فقط قابلة للزيادة حسب الظروف تستمع فيها لأجمل عبارات الغزل العذري و تنهل من نظرات الإعجاب التي تشبع غرورك الأنثوي لتجدي لدي الأذن المصغية و العقل المتفهم.. بالرجاء التواصل معي على رقم هاتف........ عبر تطبيق الواتس آب علماً أن الساعة الواحدة تكلفتها .... كما أن أي مشاركة بنشاطات معينة سيترتب عليها تسعيرة خاصة "

ابتسم بغرور على فكرته المتفردة التي لم يصل لها قبله أحد ( ربما وصلوا لها في الغرب لكن ليس لدى العرب بالتأكيد ) فكر ساخراً، اقتاده فكره لمشاهد عدة.. تارة يجالس فتاة في أحد المقاهي يحادثها و يتغزل بها و تارة يرى نفسه في أحدى الحفلات الصاخبة تتأبط ذراعه فتاة أخرى و تُعرِف عنه بأنه رفيقها للسهرة و تارة و تارة و مشاهد تتوالى دون لجام.. كان ينسج أحلاما و طموحات حتى باتت " شركة ساعة حب للإيجار " صرحاً مهولاً في خياله الجامح.. انتفض عن شروده على صوت رنة تنذر بتعليق أحدهم أو إحداهن على المنشور.. و بلهفة ممزوجة بالتشوق حرك فأرة الحاسب لتضيء الشاشة بعد أن ذهبت لوضع السبات ليأتيه الرد الأول على المنشور
- " هل تهذي يا هذا؟!! ليكن بعلمك سأرسل رقمك إلى مصحة الأمراض العقلية فمكانك هناك ".
تغضن جبينه بضيق حيث لم يتوقع أن يكون أول الردود بهذا الإجحاف.. زفر أنفاسه بحنق و أول طوبة من صرح شركته قد سقط، انتبه بعدها لإنذار بردٍ آخر فأغمض عينيه يدعو الله ان يكون الرد كما يأمل ليفتح عين واحدة أتبعها بالثانية و هو يقترب بوجهه من الحاسب ليتحول وجهه للجمود.. أشاح بوجهه و هو يلعن " قاتلي الطموح " " هادمي الأحلام " و خلال دقائق كان المنشور قد امتلئ بالتعليقات و التي كانت على شاكلة
- أيها الصفيق الـ **** .. تريد أن تضحك على عقول الفتيات بكلام معسول و تسلب ما يمتلكن من نقود!!
- أنت يا هذا ألا تخاف الله؟ أليس لك أخوات تخاف على عرضهن؟!!
- أنت بالتأكيد أحد هؤلاء المختطفين الذين يستدرجون الفتيات لخطفهن و اغتصابهن و بيع أعضائهن.
- يا لتردي الأخلاق الذي نعيشه في هذا الزمن.. تباً لك و لتربيتك القميئة!!
- أي فتاة ستبعث لك هي بالتأكيد منحلة أخلاقيا مثلك تماما.

لتستمر التعليقات السلبية من حد نظره ليضغط هو بكفيه على جانبي رأسه و قد شارف على الانفجار.. صفق شاشة الحاسب للأسفل مقفلاً إياه غير آبه إن أحدث عطباً فيه لقوة الحركة، توجه نحو المطبخ في شقته الصغيرة المتهالكة ليملأ لنفسه كأساً من العصير فيذهب به نحو الشرفة، جلس يطالع المارة يرتشف القليل من العصير و هو يفكر أن فكرته كانت إبداعية فلما لاقت هذا الكم الهائل من الهجوم.. لا بد أنه المجتمع المتخلف الرجعي الذي نعيش به ( على حد فكره ) تبا قد قتلوا أحلامي في مهدها ( فكر حانقاً ).
أمضى قرابة الساعتان في الشرفة يراقب المارة دون اهتمام في الحي الشعبي المتردي الذي يقطن به.. مرَت مجموعة فتيات من أمام شرفته ليلمحنه فتبدأ وصلة القهقهات الجماعية المستترة و الغمزات الخفية تجاهه.. ليبتسم بزهو فهو يعلم أنه وسيم و ذو شخصية آسرة.. يكفي عضلات جسده التي كأنما نحتت على جسده كما تنحت تماثيل آلهة الإغريق قديماً، انتبه أنه أنهى تجرع عصيره لينهض بملل يضع الكأس داخل حوض غسيل الأطباق المتعفن في المطبخ و يحث الخطى تجاه حجرة نومه.. و قبل أن يلتحم بسريره راودته نفسه أن يتفقد المنشور للمرة الأخيرة بينما العقل ينهر و كالعادة الغلبة كانت للنفس و ما سوَلت، رفع الشاشة ببطء متعمد و حرك الفأرة مرة أخرى ليرمش عدة مرات و هو يرى أن المنشور قد لاقى استجابة لما فوق الألفي تعليق و للمفارقة جلَ ما مرت عليه عيناه كان شتائم و تقريع ليغلق الشاشة هذه المرة برفق فهو لن يخاطر مرة أخرى بعطب يصيب جهازه إذ أن شراء حاسب جديد ليس من ضمن مقدرته الحالية.

في الصباح التالي ارتدى بدلته اليتيمة و التي يحرص على أن تبقى نظيفة مكوية كي تضفي على هيئته الجدية و الهيبة.. سكب القهوة التي قام بإعدادها في كوب بلاستيكي مخصص للمشروبات الساخنة ليخرج تجاه الباب الرئيسي لشقته المتواضعة.. أسند الكوب على المنضدة بجانب الباب و التقط أول فردة لحذائه و شرع يلمعه بالاسفنجة المخصصة لهذا.. و فور أن انتهى من الثانية ارتدى الحذاء و أمسك بكوب القهوة دالفاً لخارج الشقة متوجهاً نحو إحدى الشركات التي أعلنت عن حاجتها لموظف لأحد شواغر المحاسبة، و كما العادة ها هو يركب المواصلات العامة و تصيبه الرجفة ما أن يقترب منه أحدهم في ازدحام الحافلة خوفاً أن يطال بدلته أي لطخة.. وصل للشركة ليجد نفسه جالساً بين العشرات من الراغبين بالوظيفة فأخذ يتطلع إليهم ينصت لعباراتهم المتشدقة أحدهم بخبرته و الآخر بكفاءته و غيره بالدورات الحاصل عليها.. لكن الغلبة دوما لمن يتشدق بـ "الواسطة " التي ستضمن له الحصول على الوظيفة أما هو فله الله ( فكر متنهداً ).. مرت أكثر من ساعتين حتى أتاه صوت المساعدة الشخصية للمدير المكلف بإنجاز المقابلات:
- مكرم عبد الحميد.. تفضل دورك.
استقام بوقفته و نفض غباراً وهمياً عن بدلته قبل أن يخطو بخطوات حاول بثها جل الثقة التي تمكن استحضارها و هو يدلف لقاعة المقابلات.

انتهت المقابلات و مقابلته أيضاً ليخرج من الشركة و هو موقن أن الشاغر لن يكون من نصيبه ككل مرة ليقرر أن يعود لشقته سيراً على الأقدام فالعقل قد أُثقلت أحماله و بحاجة للتخفف و الجيب قد أضحى كصحراء قحط تتلاعب فيها الرياح الجافة.

مضى اليومين التاليين بنفس الوتيرة و نفس الروتين من نوم و قراءة تمارين رياضية
و مشاهدة تلفاز إلى قضاء بعض الوقت مع أحد الأصحاب " أبناء الحراثين " كحالته و محادثة عائلته عبر الهاتف ( أبيه و أمه ) العائلة التي تركها خلفه في القرية الصغيرة التي لربما لم يسمع أحدٌ باسمها ليأتي للعاصمة الشامخة أرض الأحلام ممنيا نفسه بتحقيق حلمه في الارتقاء و الثراء و نزع دثار الفقر عن حياته ، لتأتي تلك الليلة.. تلك الليلة التي غيرت مسار حياته المدجج بالحفر و العثرات لينبثق نور الأمل من دجنة العتمة التي طغت على أيامه.. كان حينها يجلس جلسته الكئيبة في شرفة شقته يرتشف من نفس نوع العصير الرخيص الذي اعتاده ليقطب جبينه بحيرة و هو ينتبه أنه قد اتاه رسالة على تطبيق الواتس آب من رقم غريب..فتح الرسالة لتجحظ عيناه بصدمة و يتوسع مبسمه شيئا فشيئا فينتفض عن مقعده يدور برأسه ذات اليمين و ذات الشمال يبحث عن أحد يؤكد له أن ما قرأه هو بحقيقة لكن و بغير العادة كان الشارع حينها خاوياً.. لم يهتم بل جلس مرة أخرى على مقعده و هو يمنح كل تركيزه للهاتف و المراسلة التي بين يديه:
- مرحبا.. هل أنت صاحب المنشور الذي تعرض به خدماتك " ساعة حب للإيجار " إن كنت كذلك فأنا مهتمة باستئجار خدماتك ليوم غد.. الرجاء إبلاغي بردك دون تأخير.
هدأ من أنفاسه الثائرة و هو يأخذ شهيقا فزفيرا.. ليعود مرة أخرى للهاتف و يضع رده:
- أهلا.. نعم انا هو ذا، لكن بالرجاء توضيح طبيعة الخدمة المطلوبة.
انتظر دقيقة فالأخرى و ساقه تتقافز بتوتر حتى أتاه الرد :
- أريدك أن تأتي معي لحفل زفاف و أن تعرف عن نفسك على أنك خطيبي.. لكن قبل أي اتفاق أرسل لي صورة لك لأتأكد من وسامتك التي تباهيت بها على المنشور.
ابتلع ريقه و لعق شفتيه يحاول التأني بالإجابة حتى لا يبدو كالملهوف ليرسل لها صورة ببدلته الرسمية و التي حتماً بتم تعرفونها لتأتيه الإجابة بعد هنيهة:
- حسنا أنت لم تكذب.. سيكون موعدنا غدا الساعة السابعة مساءا أمام مطعم (... ) سأمر عليك بسيارتي و نذهب سوية للحفل.
- لا بأس سأكون بانتظارك في الموعد المحدد لكننا لم نتفق على السعر بعد؟!!
- لا تقلق لن أناقشك بالسعر فقط عليك ان تبدو بأبهى هندام.. سلام إلى حين.

فور أن أنهى المحادثة ولج للأسماء ليضغط على إسم صديقه سفيان ليطلبه أن يأتي إليه على وجه السرعة.. و خلال الساعتان التي تلت كان مكرم و سفيان يرتبان و ينسقان أمور موعد الغد فمكرم لن يغامر بالذهاب دون حماية متخفية فلربما كان الموعد مكيدة لاستدراجه لسرقته أو قتله مثلاً!! اتفق مع صديقه سفيان على أن يكون له ربع الإيراد ليشكلا معاً فريقا متكاملا و جاهزاً لما هو آت.

دخلا للحفل تتأبط ذراعه العضلي و جل الأنظار قد توجهت إليهما.. هو بوسامته و عنفوانه الذي أجاد اصطناعه و هي بلباسها المبهر و خطواتها المتبخترة بخيلاء، اقتربا من العروسان لتقترب "صفاء" من العريس تصافحه بود مصطنع متمنية له حياة سعيدة لتنتقل من بعدها لمصافحة العروس و هي ترمقها بنظرة كسيرة سرعان ما محتها حتى لا يلحظها أحد ..لتقوم حينها بالتعريف عن رفيقها:
- مكرم خطيبي.. رجل أعمال و قريبأ ان شاء الله سنبعث لكم بدعوة الزفاف و التي ستكون بأحد فنادق الخمس نجوم.
تصافح الرجلان أحدهما بحيرة و الآخر بحنق جلي.. ليفترق الجمع و يجلس الضيفان مكرم و صفاء لأحد الطاولات المزينة بالورود يطالعون فقرات الزفاف.. بالطبع لم يخلو الأمر من بعض الرقصات بين المخطوبين المزعومين ( مكرم و صفاء ) و بعض القبل التي وجدت طريقها لكف الخطيبة الخجول بزيف.
كان قد أتقن دوره باحترافية منقطعة النظير.. (رجل الأعمال المدله بحب خطيبته) و لما لا فكل شيء بثمنه و الحق يقال كانت ( الخطيبة ) سخية جداً في عطائها و قبل أن يودعها تلكأ في الخروج من السيارة و هو يناور فضوله بأن يلقي بالسؤال الذي كان يحوم بداخله ليتجرأ أخيراً قائلاً:
- لما كل تلك التمثيلية؟
رفعت حاجباً متهكما و هي ترد على سؤاله بتبجح:
- و ما دخلك أنت؟ قد نلت مرادك و حصلت على نقودك و نصيحة إن كنت تود فعلا الاستمرار بهذا العمل ( قالتها بابتسامة ساخرة ) فلا تتدخل بخصوصيات ليست من شأنك.
ضيق عينيه و روح التحدي تملكت منه ليضغط على الزر الإلكتروني لإغلاق الأبواب بجانبه فيستدير بكامل جسده يواجه و يجلد:
- كل هذا الاحتدام من أجل ذاك السمج! هه لا تخبريني سأحزر بنفسي.. قد رسم لك حياة وردية و ربطك لجانبه لسنوات بوعد بالزواج و حين أزف وقت استقراره تزوج بمن اختارتها له والدته.
أنهى حديثه بابتسامة مستفزة مستهينة سرعان ما اضمحلت و هي تحدق به بمقلتين تغلفهما غلالة من الدموع.. نظراتها كسيرة و تحكي خذلاناً اعتصر الفرح من روحها حتى آخر قطرة و لم يتبقى سوى الألم المطلق، أشاح بوجهه بضيق و العقل يحثه للهرب من هذا الموقف لكن كلماتها التي تلت استوقفته ليعود بنظراته إليها يتأمل اللوحة النازفة أمامه:
- أقسم على حبه فأحببته.. أعلم أني من يُلام فبغباء كل أنثى ألقيت بنفسي طواعية في مصيدة نظرة إعجاب و كلمات عشق تروي عطش العاطفة بداخلي.. أمنت جانبه فأتتني الطعنه من أمانه، لم أخن و لم أحنث بالعهد بل أحببته بكل قوتي.. أطعته و طعنت كرامتي بيدي مرارا و تكرارا لاسترضاء غروره و سطوته الذكورية ليكون جزائي أخيراً أن يجهض حبي و يكشف لي كم كنت حمقاء غافلة، و لا.. فأنت لم تحزر تماما فأمه لم تختر له العروس بل هو من اختارها كحد قوله " صفحة بيضاء " فهو لن يدع بيته و أبنائه أمانة بأيدي فتاة كانت تربطه بها علاقة حتى لو كانت عذرية.. ( عضت على شفتها السفلى بقوة تحاول كبح المزيد من عبراتها فالعين قد طفقت بأحمالها لتكمل جلْد ذاتها) انا الجاني و أنا المجني عليه.. أنا التي خانني قلبي و خنت بالمقابل كرامتي و ما أتاني منه هو قصاص نفسي من نفسي.
بقي يناظرها و قد لامس ألمها قلبه الاجوف..هي لم ترتكب جرما بأن أحبت هي فقط أساءت الاختيار و المعالجة.. أخذ نفساً عميقا ليزفره على مهل ليقول آملا بالمداواة:

- فعلأ قد أخطأتِ عندما استأمنتِ شبه رجل على قلبك و ما أكثرهم في زمننا هذا صدقيني أنا أعلم بهم فأنا من بني جنسهم.. آنستي أرجوك لا تجعلي هذه التجربة تحرق عرش قلبك فهناك ملكاً يستحقه و سيعتليه يوما ما فلا تقنطي و لا تستعجلي نصيبك من الحب بل دعيه يأتي بتمهل ليطبب ما تخثر و تقرح من نزف ولَى و بصراحة أنا لا أعلم لما تبتئسين كونه فضَل الحنوث بوعده لك و قرر الزواج بأخرى.. ألم يرد لخاطرك أنه ربما الله قد أبعده عن طريقك لإنه لا يستحقك و صدقيني سيأتي يوماً يعضُ أصابعه ندما على هجرك كوني واثقة.
جفت مآقيها و ازدانت شفتيها بابتسامة ممتنة بعد أن أتتها كلماته تبعث روحها من بعد أن ووريت الثرى.. افترقا بمصافحة بعد أن أطلعته على نيتها مغادرة الوطن ملتحقةً بأبيها في " دبي " فهي لن تستطيع مداواة جرحها و كل الأماكن حولها تذكرها بحبٍ كاذب، بينما هو اتخذ طريقه نحو أحد أفضل مطاعم المدينة ليجد سفيان ينتظره على البوابة الرئيسية بعد أن كان خابره بوقت سابق ليلتحق به كي يحتفلا بانطلاقة مشروعهم الوليد.

مضت الأيام على مكرم و هو في حالة ذهول مستمر.. قد أثمر مشروعه الافتراضي لتنهال عليه الطلبات من كل حدب و صوب، كان قد خرج في أكثر من موعد بعضها كانت مقابلات لطيفة في مقهى يتقابل فيها مع من قمن باستئجار خدماته ليستمع لهن.. فقط يستمع و هن يتحدثن كأنما يفتقدن لوجود أحد في حياتهن يكلف نفسه عناء الإنصات و التفهم و لا مانع من القليل من المواساة و بث الطاقة الإيجابية.. ( كان يجب أن يدرس الطب النفسي ) فكر متفكهاً، لكن و الحق يقال أن كان هناك لقائين غرضهما لم يكن سوى للسرقة أو التبلي و لله الحمد أن سفيان كان دوما في ظهره و إلا كان أمره انتهى إما بين قضبان السجن أو ملقى بالقرب من إحدى بالوعات الشارع بعد أن يكون قد ناله من الضرب ما تيسر حينها.

اليوم هو يجلس في المقهى المقابل للجامعة يستمع للفتاة و التي علم إسمها بـ " شغف ".. تتحدث و تسرد و تشرح دون كلل أو ملل، خطيبها المبجل يهمشها يتجاهل مشاعرها و لا يروي احتياجها بالاهتمام و حين أتى سؤاله الاعتراضي و المنطقي بـ:
- هل فكرتِ بحل بديل.. مثلاً أن تطالبيه بإظهار مشاعره و الإغداق عليكِ بعبارات الغزل التي تبتغينها و أرجوك ألا تقولي العبارة المعتادة بأن الاهتمام لا يطلب فهو في كثير من الأحيان بالتأكيد يطلب " فذكر إن نفعت الذكرى "؟
أتاه الرد الذي لم ينتقص من استهجانه بشيء و لو طفيف:
- قلت له مرة و أخبرني أنها تفاهة و سخافة و أنه ليس من هؤلاء السمجين اللذين يقضون وقتهم بالحديث المعسول و بالمقابل من المفترض أن تحكي أفعاله عما يضج في قلبه و أنا يتوجب علي التفهم لكنني بالنهاية كأرض قحط مكثت سنين تنتظر هطول غيث يشبعها.. أرض تحتاج ان ترتوي من كلمات العشق ونظرات التوق لذا و بعد تفكير عميق قررت أن أطلب منك معاكستي بوجوده لربما تحرك الجبل و تنفك عقدة لسانه حين يعلم ان هنالك منافسة!!
فرك مقدمة رأسه بالإبهام و السبابة و بوادر سكتة دماغية تلوح بالأفق القريب.. حسنا هذه الفتاة من اللاتي قال عنهن يوماً فارغات عقل و يعانين من تصحر عاطفي، أو لربما هي فقط لا ترى أبعد من أنفها:
- آنسة شغف.. أنا سأعتذر عن هذا الطلب و أرجو منك التفهم كوني لا أريد ان أنتهي مضرجاً بدمائي في أحد المستشفيات بعد ان يرسم خطيبك خريطة العالم على وجهي و باقي المجرة على جسدي.. آنستي خطيبك هو نسخة مكررة من أغلب الرجال الذين يعتبرون وجود الأنثى تحصيل حاصل في حياتهم.. هل هذا خاطئ؟ نعم أقر بذلك.. لكن عليك أن تحاولي مرة و اثنتان و ثلاثة و كما يقول المثل " قدم السبت ليأتيك الأحد " بالنهاية و كما استشفيت من حديثك هو رجل مكافح و يسعى و يجتهد كي يؤمن متطلباتك و متطلبات الزواج و أصدقك القول خطيبك لربما من أفضل النسخ الموجودة في هذا الزمن.. فما نفع الكلمات الوردية إن غاب الأمان الذي من المفترض أن يقدمه لكِ و ما نفع نظرات الهيام في حين يتغافل أن يكون السند حين الحاجة؟!!
كانت تستمع له و عقلها يثني على كلماته بينما النفس تتشكك.. تعثرت العبرات ببعضها البعض و هي تتساقط من مقلتيها.. ارتفعت شهقاتها بما ينبئ بانهيار وشيك، ليتلفت حوله بتوتر قبل أن يقترب برأسه قليلا و يقول بنبرة مهادنة:
- أرجوك توقفي عن البكاء.. حسناً حسناً سأفعل لك ما تريدين فقط توقفي عن بكائك.
انحسرت شهقاتها و هي تطالعه باستغراب.. ألم يصرح قبل قليل بعدم رغبته بتلبية طلبها؟! لتبتسم بغتة كمن أصابه الخبال مما استدعى ارتفاع حاجبيه بتعجب لتقول كمن حلَ سراً كونياً:
- هل تعلم.. لقد اكتشفت الآن ان دموع الأنثى هي السلاح المناسب في مجابهة أعتى الرجال و أغلظهم.
صعق هو من جملتها و أراد إخبارها أن منطقها خاطئ فاستغلال الدموع في كل مشكلة سيجعلها تضحي مبتذلة لكنها لم تمهله بل همت تجمع حاجياتها في حقيبتها بتعثر شاكرةً إياه و تهرول مغادرةً المقهى ليضرب هو الكف بالكف من الحال التي وصل لها.. صدقاً هل هو الآن حلَال مشاكل حواء!! ربما يجب ان يكون طموحه برنامج تلفزيوني كالذي تذيعه " رضوى الشربيني " تنهد بسأم ليغادر أخيراً مكانه و هو يدندن أغنية " إلى تلميذة " بقصد مفتعل..
( قل لي و لو كذباً كلاماً ناعماً .... قد كاد يقتلني بك التمثال ).

في المساء كان يقف أمام خزانته يقلب بيده بين البدلات التي ابتاعها مؤخرا ( لزوم الحرفة الجديدة ) حتى استقر على واحدة سوداء.. اليوم هو يتأنق للقاء كما اللقاء الأول أي دعوة زفاف سيقوم فيها بدور الخطيب المزعوم و الطلب هذه المرة أن يتقمص شخصية " طبيب ".. دلف خارج شقته متوجهاً نحو إحدى شاخصات الطرق و التي تم الاتفاق على اللقاء قربها و بعد دقائق لم تطل أطلت عليه الفتاة المعنية بسيارة من صنع السنة مما جعل لعابه يقطر من فمه تمنياً.. خرجت الفتاة من مقعد السائق لتلتف نحوه و دون أي كلام أو سلام ناولته المفتاح بتلميح صريح أن يقود هو السيارة لينتشل هو المفتاح من بين أصابعها بلهفة و يتحرك نحو مقعد السائق متولياً هو القيادة.. في الطريق حانت منه التفاتة للصامتة بقربه ليجدها فتاة عادية ليست ببارعة الجمال و لا هي أيضا بالشحيحة منه و فوق هذا هي محجبة!!
رفع أكتافه دون اكتراث مستمراً بالقيادة نحو وجهتهم و حتى الآن الفتاة لم تعطه أي تعليمات او أي إرشادات للتصرف داخل الحفل مما استفز حيرته، حال وصولهم لبوابة القاعة ولجا لخارج السيارة و قام بمد ذراعه لها لترفض مبادرته الغير منطوقة و تكتفي بهزة رأس رافضة.
كانت عيناه تجولان في محيط القاعة الفخم.. بذخ واضح في تجهيزات حفل مدته ساعتان و يزيد.. و في خضم لقاءاتهم ببعض من صديقاتها من أيام الجامعة كما تبين من أحاديثهن انجلت كل حيرته و قد تبين له سر الغموض الذي يكتنف هذه الفتاة:
- أوووه سمية هل هذا خطيبك حقاً؟!! أنا منبهرة حقاً لم أتصور بيوم أن تستطيعي اصطياد عريس وسيم كهذا!!
- سمية عزيزتي لم نتقابل منذ أيام الجامعة.. صدقاً لم أصدق حين سمعت أنك قد خطبتي و ممن طبييييب !! يبدو ان النحس قد انفك عنك صديقتي.
- حبيبتي صدقاً كم فرحت لخبر خطوبتك .. من الجيد أنك ارتبطتي لإنه و بصراحة قد شارفتي على الثلاثين و قد اعتقدت ان قطار الزواج قد غادرك لكني يبدو أني كنت مخطئة.. تهاني الحارة عزيزتي.
صداع مهلك فتك برأسه و هو يستمع لتعليقات اللاتي من المفترض أنهن صديقاتها من أيام الجامعة و هن يلغمن التهاني التي يلقونها بوجههم كمن يدس السم بالعسل، علم من همهمات كانت قد وصلته أن رفيقته سمية كان لقبها العانس بينهن.. حانت منه التفاتة إليها يناظرها بينما هي تحادث إحدى صديقتها أو من المفترض أنهن صديقات و علامات التأفف و الضيق جلية للغاية على صفحة وجهها.. ليقرر أن يرحمها مما تعايشه من عذاب فينتشل وردة حمراء من إحدى القوارير الموضوعة على إحدى الطاولات و يخطو نحوها.. مد يده بالوردة أمام وجهها لتبتسم و هي تلتفت له لكن سرعان ما اختفت ابتسامتها حال أن علمت مُقدمها، رسم ابتسامة مزيفة و قد أزعجته حركتها و هو الذي كان يبتغي إنقاذها لكنه سيعمل الخير و يرميه في البحر ليقول بصوت رخيم:
- حبيبتي قد تأخرنا و انتي من الواجب عليك النوم باكرا حيث غدا سنذهب في الصباح الباكر لانتقاء أثاث منزلنا الذي ستنيرينه قريبا بوجودك.
أومأت سمية بامتنان لتلتفت لمن كانت تحادثها تستأذن المغادرة ليتسرب كلاهما نهايةً لخارج القاعة فالسيارة.
عاد الصمت يكتنفهما على طريق العودة.. نفس الطريق و نفس الشوارع التي سلكوها ذهاباً.. كان يلتفت لها كل حين يحاول النطق بشيء ما لكن سرعان ما تموت الكلمات على لسانه قبل أن ينطق بها.. وقفا على إشارة مرورية وقد بلغ لديه السيل الزبى في اعتكافها في محراب صمتها و رثاء ذاتها كما هو موقن.. لتهوي قبضته على مقود السيارة و هو يصيح بها مما جعلها تنتفض بجزع بغتة حتى كادت تصاب بنوبة قلبية:
- أنا حقاً لا أستوعب المبرر خلف تصرفك هذا!! لما قمتي بهذه التمثيلية؟ فقط لتثبتي لحفنة من النساء البغيضات ذوات الوجهين أن القطار لم يفتك بعد!! فليذهبن للجحيم هن و أفكارهن و أقاويلهن و تصنعهن بأنهن يمتلكن الحياة الكاملة المكتملة و أنا أكاد أجزم ان كل واحدة منهن تلعن اليوم الذي تزوجت به و تتمنى لو كان دهسها القطار بدلا من أن تستقله!!! ( هدأ من أنفاسه الثائرة ليكمل بلين منهك ) صدقيني آنسة سمية هؤلاء يردن فقط أن يجدن من هي أتعس منهن لكي لا تبدو لهم حياتهم بتلك الفظاعة التي يعلمونها.. و إن لم يجدن يبدأن بنسج شباك الشر و زرع وساوس النقص في النفس لتبتأسي أنتِ و ينتشين هن كشيطان لا يفرح إلا ببؤس العباد.
تحولت الإشارة المرورية للون الأخضر ليهمَ بالقيادة مرة أخرى و حينها التفت إليها متوجساً يستطلع رد فعلها على إنفجاره التعسفي بحقها ليجدها تبتسم و تبكي بصمت ظنه وليفها! تنهد و قد أصبح على مشارف النقطة التي التقيا عندها في وقت سابق الليلة ليأتيه صوتها المختنق من سجن بكائها:
- أنا أعلم كل ما ذكرت لكن لمرة واحدة.. لمرة واحدة فقط أردت أن أكون أنا من يتطلع إليهن من عليْ و ألا أن أكون مرسى لنظرات الشفقة و الشماتة التي اعتدتها حد السقم.. لمرة واحدة أردت أن أكون غير ناقصة في نظرهن، هل هو من الجرم أن أمنح نفسي تلك الأمنية لليلة واحدة فقط؟!! صدقني أنا أعلم أني لست بحاجة لرجل يكملني.. لدي عملي الذي يدر علي المال الوفير الحمدلله و أهلي دوماً أجدهم في ظهري فلا أجد نفسي أفتقر السند لكن.. لربما هو حلم الأمومة الذي يمر طيفاً كل حين من مخيلتي ليسقط في قلبي فيعتصره حسرةً.
تنهد و قد أثمرت كلماتها بقلبه براعم الشفقة التي تبغضها كما صرحت لينطق بيقين:
- أبداً لم تكن حياتي منصفةً في نظري و مضيت بعمري أحسد غيري من المترفين على ترفهم بينما انا أعاني عسر الحال.. حتى أتى ذاك اليوم من أيام الجامعة حين وجدت زميلي يبكي في ركن منبوذ من الحديقة.. زميلي الغني المرفه و الذي لطالما بغضته لما وجدت فيه من راحة البال و استكانة دون التمزق بين دهاليز الحياة الساحقة لأمثالي.. كان مصاب بمرض الشلل الارتعاشي أو الباركنسون، لا يمكنك تخيل صدمتي لحظتها و هو يشكو و ينتحب.. يقسم بأن والديه مستعدان بالتضحية بجل ثروتهما فقط كي يطيب.. لكن و أسفاً ليس هناك أمل سوى برحمة الله فهذا المرض لا علاج منه و كم عجبت أن هذا المرض يصيب شابا في مقتبل العمر مثله و كما علمت أنه وراثي من جهة أمه. لكن لله حكمته في هذا.. فالمال رزق و الصحة رزق كما الزواج رزق و الله يوزع الأرزاق بيننا عدلا كوني على ثقة ( أدار بوجهه إليها ليردف ناصحاً ) صدقيني قد يكون حبس رزق الزواج حتى الآن هو نعمة من الله ليقيك شرور زوج ليس بصالح و لو علمتِ الغيب لاخترتِ الواقع.. فأرجوك ألا تبتأسي بل تيقني من الله و عدله.
أنهى حديثه الذي أثار الأعاصير داخل روحها المظلمة لتتخبط أحاسيسها و تنقشع الغيوم السوداء عن بصيرتها شيئا فشيئا.. أومئت لتقول الكلمة الأخيرة و التي ستسدل الستار على لقاء الليلة:
- صدقت.
و بعد بضع دقائق كان مكرم يكمل طريقه نحو شقته سيراً و أحداث الأيام المنصرمة تضج في ذهنه كضجيج البحر الهادر .
بالكاد يستطيع فتح عينيه و زعيق جرس الباب الخارجي يقض نومه المتقطع.. نفض فراشه عن جسده لينهض بتثاقل متوجهاً نحو الباب ليجد سفيان يدخل الشقة كما العاصفة الساهجة نحو المطبخ يردد عبارات التأفف من تأخره في فتح الباب.. تركه لهمهماته الساخطة ليدلف للمرحاض يناجي استحماما بالمياه الباردة علَ خلايا دماغه تصاب بصعقة البرودة فتستأنف عملها، و على الطاولة المتواضعة في المطبخ الأكثر تواضعاً اجتمع الصديقان يتناولان طعام الإفطار الذي اتى به سفيان.. تعجب سفيان من صمت صديقه المريب لينطق بتساؤل:
- ما بالك اليوم مكرم؟ لست على طبيعتك!!
زفر مكرم أنفاسه المثقلة باستياء و هو يفكر أنه نفسه لا يعلم ما باله !! تصارعت الأفكار برأسه لتطيح بثوابت ظنَ أنه متيقن منها، تلك الفتيات!! حين شرع بهذا العمل إعتقد ان نوعية الفتيات اللاتي ستطلبن خدماته هن فتيات فارغات العقل يرغبن بملئ فجوة عاطفية بداخلهن .. يعانين من تصحر في المشاعر أو يرغبن بخوض تجربة مستحدثة، لكن ما اكتشفه كان بعيداً كل البعد عن ظنونه فكل واحدة منهن يجثم بداخلها وجع و كسر و شعور مخيف بالنقص و التهميش و كله لم يكن من صنع أيديهن بل من صنع المجتمع المحيط بهن!! يشعر بأنه يسقط في هوة سحيقة من التعاطف الذي يمقته.. لم عليهن ان يكنَ بهذا الضعف بل بهذا الاستسلام و يسعين حتى ولو بطرق ملتوية ليثبتن للغير بأنهن غير مقهروات.. غير كسيرات و غير نازفات ! هو يعلم لما.. لأن المجتمع لا يرحم ضعفهن و لا يقدر قوتهن حين يجهرن بها.. البقاء للأقوى ما دام الأقوى ليس بأنثى!! انعقد حاجبيه حين وصل لتلك النقطة ليؤنب نفسه بقسوة ( هل أصبحت أحد مناصري حقوق المرأة الآن؟!! ) ابتلع المتبقي من لقمته التي كان يلوكها في فمه بغيظ ليستقيم واقفا و يذهب نحو غرفته يشرع بارتداء ثيابه متجاهلاً وجود سفيان من الأساس.

يضع الساق فوق الساق مرخياً جسده على مقعد الحديقة العامة العريض.. يتأمل الأطفال بملل و حرارة الشمس تناوشه و تستحثه الهروب للمنزل اتقاءً للسعاتها ( كيف يسمح الأهل للأطفال أن يلعبوا في مثل هذا الجو الحار؟) فكر بامتعاض و هو يتجرع علبة المياه التي بيده حتى آخرها..
- هل أنت السيد مكرم؟
رفع رأسه مضيقا عينيه يحاول منع القدر الممكن من أشعة الشمس من الدخول لعينيه ليجد إمرأة تبدو من هيئتها في منتصف عقدها الرابع ترتدي ملابس داكنة و تحجب عينيها خلف نظارة شمسية سوداء تكاد تأكل نصف وجهها من ضخامتها.. تنحنح يجلي حنجرته ليجيبها بايجاب:
- نعم أنا هو مكرم.. هل أنت السيدة سوزان؟
اتخذت مجلسها إلى جانبه و هي تتلفت حولها بطريقة مريبة ليقطب هو حاجبيه بتوجس و قبل أن يسأل عن سبب توترها استدارت تواجهه تتحدث بنبرة مهتزة و متلجلجة:
- نعم أنا سوزان.. اسمعني فليس لدي الوقت الوفير، أريد منك أن تتقدم لخطبتي من أخي.. لا تقلق هي فقط خطبة وهمية دون عقد قران و بإذن الله ستنتهي خلال أيام و لك مني ما تطلب من المال فقد بعت ذهبي من أجل هذا الأمر.
ارتفع حاجبيه كما تدلى فكه السفلي بذهول.. تريده أن يخطبها بحق!! هذا بعيد كل البعد عن مجرد ساعة للإيجار تجعدت قسمات وجهه و هو يحاول استساغة مطلبها لكن دون جدوى.. يشعر أن هناك مكيدة سيقع بها إن وافق على ما تطلب منه..
- عفوا سيدتي لكن طلبك و للحق فهو صعب.. بل هو مهول أنا لا أستطيع التقدم لخطبتك بشكل رسمي.. إن ابتغيتي فيمكنني التمثيل بأني خطيبك لبضعة ايام لكن دون أن أذهب لأخيك و أطلب يدك منه فهذا و سامحيني على التعبير يبدو كفخ ينصب لي!
لم يستطع رؤية احمرار مقلتيها من خلف المنظار الشمسي.. لم يرى انكسارها و لا رجاءها.. العينين دوما تنطق حين تختنق الحروف، حركت رأسها تواجه الأطفال يلهون بأرض الملعب..تنهدت تحرر الغصة التي استحكمت بجوفها لتقول بشرود:
- كنت متزوجة و سعيدة بحياتي.. أنجبت طفلتين هما قرتي العينين لتكتمل سعادتنا، لكن لا شيء يدوم سوى وجه الكريم.. جاءني زوجي يوماً بقرار أنه يبتغي الزواج بأخرى.. إمرأة مطلقة تعمل معه في الشركة التي يعمل بها ( ثم التفتت إليه تكمل بهياج ) ما يخنقني هو أني لم ألحظ شيئا قبل ذاك اليوم!! لم أنتبه لغياباته المتكررة و أقتنعت بأعذاره الواهية.. هل تظنني كنت غبية؟!
لم تعطه مجالا للرد بل أكملت كمن يحدث نفسه:
- لأيام أحسستها كما الدهر انتكفت على البكاء و هو يتجاهل و يتبجح أن هذا حقه الشرعي و ليس لي أن أعترض ما دامه لن يقصر بشيء من حقوقي و بناتي.. وددت في تلك اللحظة لو قذفت بشظايا الحياة التي كان يعرضها علي بكل فجر بوجهه و أفترق عنه غير آبهة به و لا بعشرته التي أحرقها و رماها للرياح تذروها أيما كان لكن كيف؟ كيف و أنا لم أكمل تعليمي و لا أمل لي بإيجاد عمل أكفي به نفسي و بناتي!! و حتى إن وجدت هل تظن أن أنياب وحوش البشر التي تُسن حالما تلتقط حواسهم لفظ مطلقة لينشبوا تلك الأنياب بروحها قبل الجسد ستتركني و شأني و أنا لا سند لي من بعد موت والداي!! ( تنهدت بعمق و هي تكمل ) وقتها أخرست نحيبي و كممت فاه كرامتي التي كانت تلفظ أنفاسها الأخيرة لأرجو و أتوسل بل حتى أني قبلت يديه لئلا يهد ما بنيناه سويا لكنه كان قد صم أذنيه كما قلبه، بالنهاية خيرني بين الرضوخ و بين الانفصال و في لحظة حلاوة روح لكبريائي طلبت الانفصال.. ظننته سيرتجع و يرتدع خوفا على مصير بناته على الأقل لكن لا.. طلقني من فوره و أرسلني لبيت أخي (ارتسمت ابتسامة ساخرة على شفتيها مردفة ) أخي الذي بقي لي من بعد وفاة أبي و أمي من يفترض به أن يكون السند حين يخذلني زوجي.. جعلني لقمة سائغة لزوجته تركلني كما الكرة حيثما تشاء دون أن يتدخل أو حتى يهدهد حزني.. لأعلم بعد أيام أن من كان زوجي قد تزوج بالفعل.
كان يصخِ السمع بكامل حواسه.. قصتها أسرته لحد أن أنفاسه احتبست بصدره خوفاً من هدرها يقاطع رنين كلمات تلك المنكوبة.. و حين توقفت عن الحديث استنطقها بسؤاله البغيض حتى على نفسه:
- لما لم تحاولي التحدث مع تلك المرأة التي أراد زوجك الزواج بها وقتما أخبرك بنيته.. لربما ابتعدت عن طريقه؟
خلعت منظارها الشمسي متعمدة كي يرى عيناها الحمروان متوسعتان بتعجب لتضحك بعدها ضحكة صاخبة مريرة تقطر امتهانا حتى ما أن هدأت قالت و آثار الضحك ما زال عالقا بصوتها:
- سيد مكرم هناك قاعدة في الحياة يجب أن تعلمها إن كنت جاهلا لها.. الأنثى لا تستقوي إلا على أنثى مثلها بمعنى آخر الضلع القاصر لا يأتي إلا على ضلع قاصر مثله.. ندُ الانثى ليس الرجل بل هو الأنثى من جنسها لا تسألني لما لربما هي طبيعتنا التي جبلنا عليها أو هو شيء متوارث في عقيدة الإناث لا اعلم.. لكن زوجة طليقي الآن كانت من الوقاحة أن تتصل هي بي و تطلب مني الابتعاد عن طريق سعادتهم.. هل تصدق!!!
مسح وجهه المتعرق بكفه و هو يستغفر بخفوت قبل أن يستفهم عن السبب المتواري خلف طلبها:
- و ماذا ستستفيدين من أن أخطبك من أخيك؟
ارتسم الجمود على ملامحها و نبرة التصميم قد غلفت نبرة صوتها و هي تجيب:
- حين تأتي لخطبتي ستشترط أنك تريدني وحدي.. أي دون بناتي و حينها يأتي دور أخي الذي سيقوم بالاتصال به و إبلاغه بالأمر و هنا يأتي رهاني.
صمتت قليلا كأنها تحاول ترتيب الأفكار و ربما الكلمات دون أن تظهر مهزوزة فتلقى رفضه للفكرة:
- رهاني هو على رفض زوجته الجديدة الاعتناء بطفلتيَ.. حينها سأهاتفه انا و أخيره إما أن يردني لعصمته حتى لو كان بشكل صوري على أن يلتزم بمسكننا و بنفقتي و بناتي و إما أن يأخذ البنات لتربيهن زوجته الجديدة و لربما سينخر وجودهن حياته الوردية معها.. سأضع سمومي في رأسه و أرسم له مستقبلا مثقلا بالخلافات و المشاكل بوجود ابنتاي معهم.
هز مكرم رأسه بحيرة رافضة لترحل نظراته مرة أخرى للأطفال اللاهون عن هموم الدنيا بلعبهم و صخبهم النقي ليقول و هو على حاله الشارد:
- لربما أخذهم بالفعل وقتها ما ستكون ردة فعلك؟
تنهدت بقلة حيلة ترد على تساؤله:
- قلت لك هو رهان له أن يكسب و له أن يخسر.. و في حال الخسارة سنفض اتفاقنا و ينتهي الأمر بي على نفس الحال و لن يكون لي ملجأ سوى المحاكم و البحث عن عمل حتى لو خادمة فقط لأجد مسكنا يأويني و بناتي بعيدا عن تجبر الخلق فينا و لقمة أضعها في جوفهن حتى لو لم أجد لي فضلة من طعامهن.. بناتي هن كل همي.. انكساري هن و خوفي و هلعي عليهن.. أخشى إن كبرن أن يعايرهن الناس بأمهن المطلقة و يبقى باب منزلنا صامتاً دون أن تنبعث منه أصوات طرقات طالبي القرب.. فقط لأن أمهن تحمل لقب
" مطلقة ".
شبك أصابع يديه خلف رأسه يستند عليهما و عيناه لم تحد عن الصغار و مرحهم.. قرابة الربع ساعة مرت حتى أتاها قوله:
- حسنا.. لكِ ما طلبت و دون مقابل هذه المرة.. أريد أن أخدمك هاته الخدمة لعل الله يردها لي يوما ما.
لم تستطع منحه ابتسامة الامتنان التي ودت إهداءها له.. فالابتسامة هنا لا معنى و لا مكان لها.
في المساء كان يجلس في شقة أخيها الذي استقبله بودٍ فائض.. سخر في نفسه و هو يفكر ( لو كان في اخيها ذرة زائدة من الصفاقة لكان اقترح تزويجه إياها الليلة.. و لربما فعلها لوما شهور العدة التي ما زالت قائمة )، دلفت سوزان و هي تحمل بين يديها حامل معدني رصت عليها أكواب العصير المنمقة و قد التحقت بها زوجة أخيها المستفزة.. أغلب حوارات الجلسة كانت بقيادة زوجة الأخ.. تذكر محاسن العروس و جمالها و أدبها و مهارتها في إدارة المنزل.. تبدي الود و الخير و تبطن الكره و الرغبة في التحرر من قيد أخت زوجها المطلقة، بينما هي.. كان رأسها منكساً و دمعتين كلاً تقف على باب عين تنتظر إيذاناً بالسكب، لتنتهي الجلسة بطلبه يدها و إبداؤها الموافقة طبعا بعدما وضع شرطه المتفق عليه ( لا أطفال ).
مرت الأيام بقلتها و هو منشغل بالبحث عن مكتب يناسب إمكانياته ليتأجره و يبدأ مشروعه الصغير ( مكتب محاسبة ).. و في تلك الأيام كانت خطة سوزان تسير كما رادت لها بتيسير من الله ليأتي مكرم إتصالا في أحد الأيام من أخيها يخبره باستحالة المضي في طلبه بالزواج من أخته كون زوجها السابق قد قام بردها إلى عصمته.. أبدى حزنه و أسفه لكنه تنفس ارتياحاً.. لا ينكر أنه في لحظات جنون أو انسياق خلف حمية و نخوة لم يكن يعلم أنه يمتلكها كان يحدث نفسه بالزواج منها فعلا و احتوائها و بناتها.. لكن الآن لا داعي لأي من هذا الحديث.

الموعد الأخير.. هذا كان قراره الذي جاهد نفسه كثيرا للالتزام به، هو اكتفى.. بلى اكتفى من تلقي الصدمات في كل موعد يذهب إليه.. هاتي الفتيات قد شوهن حلمه ليضحي حلماً مجحفا باهتا و ركيكا فالتعقيدات النفسية التي تعانين منها قد انتقلت إليه ليصبح و يمسي على حالة رثاء و بؤس قميء، و بالنهاية هو أصبح يمتلك ما يكفي من المال لبدء مشروعه البسيط و الذي سيزدهر بجهده و توفيق الله و إذنه.
التقط فنجان قهوته ليرتشف منها القليل متطلعا لركود البحر من شرفة المطعم الذي يجلس به، مرت الدقائق و هو ينتظر صاحبة الموعد الأخير ( ترى ما ستكون قصتها ) فكر متحيراً غير متلهف.. بقي يتأمل حركة الموج شاعراً بنفسه كأنه يمتطيه و دون انتباه منه كان يحرك جذعه العلوي كما المنوم مغناطيسيا ذهاباً و إياباً حسب حركة الموج، قاطع لحظات انفصاله عن عالمه ظلٌ أطل عليه ليحرك رأسه تجاهه ليجد فتاة تطل عليه لحظتها فتجحظ عيناه برهبة.. رهبة أحسها جمدت الدم في شرايينه و هو يناظر الفتاة و التي كانت دون مبالغة .. مشوهة!!
رُبط على لسانه فلم ينطق بينما عيناه تتابعانها تحتل المقعد المقابل له لتقابل نظراتها الزجاجية نظراته المذعورة.. ابتلع ريقه بمشقه و افترق ما بين شفتيه يبتغي الكلام لكنها أسكتته بحركة من يدها قبل ان تضع على الطاولة أمامه ورقة مطوية و هي تشير له بعينيها للورقة ذاتها، تحسست أنامله طريق الورقة لينسلخ بصره عن الجاثمه أمامه و تتجه نحو الورقة.. فتحها ببطء غير راغب كأنما سيجد بها خطايا العمر.. انعقد حاجبيه بحيرة و عيناه تتجول بين الكلمات المخطوطة في الورقة.. رفع نظراته الحائرة إليها لتخرج دفترا صغيرا من حقيبتها الصغيرة و تخط بقلمها جملة واحدة ( إقرأ يا ابن آدم ).
كان جسده يرتج بفزع من الموقف.. من وجهها المشوه و نظراتها الميتة و هالة الجثة التي تتلبسها، رمش بأهدابه لعدة مرات و هو يركز نظراته على الكلمات في الورقة التي تقبع بيده.. كافح رجفة يديه كي لا يبدو خوفه ظاهراً لكن رجفة صوته فضحته لتأتي أولى الكلمات:
- أنتِ جميلة.
قرأها ليرفع بعدها بصره نحوها يرى رد فعلها ليجدها مبتسمة بسكينة و يكاد يقسم أن تشوهها قد تضاءل قليلا.. استطرد يقرأ السطور اللاحقة:
- وجودك في هذه الحياة ليس بمحض غلطة فمجيؤك للحياة ما هو إلا قدر الله و رحمة منه لمن ابتغاها.
تابع يقرأ و تقطيبة الجبين كأنما حفرت على جبهته لا تبرحها :
- أنتِ تملكين بداخلك موهبة سيأتي يوم و تظهريها للعيان دون خوف من الاستخفاف و كسر الهمم و لك الحق أن تفتخري بنفسك.
- الحياة لا معنى لها دونك فأنت حواء التي منَ الله بها على آدم تؤنس وحدته بعد أن عافت نفسه الفردوس دون ونيس.. أنتِ حواء من تحمل الأهوال فوق كتفيها ليتمتع من حولك بالراحة.. يُثقَل كاهلك و تظلين صامدة صابرة حتى لو لم تجدي كلمة شكر أو امتنان .

تلكأ قليلا و هو يتفكر بما يقرأ.. لما ترغب بسماع هذه الكلمات! من هي؟ إبنة عقَها أبواها أم زوجة معنفة.. مطلقة كسيرة أم أرملة تتقاذفها زوايا الحياة الموحشة!! أخذ نفساً عميقا ليزفره على مهل و حتى اللحظة لم يتجرأ أن يطرف عينه تجاهها مرة أخرى فأكمل متجاهلا وجيب قلبه المتقافز بين جنبات صدره :
- أنتِ قوية لن تنكسري.. و كل ضربة تسقطك ستنهضين من بعدها أقوى من قبل فالصبر هو ميزة فيك و جهاد الظلم هو قدرك منذ الأزل و ستبقين تمتصين و تجابهين.. إبكِ و لا تظني بالدموع ضعفا و مهانة فدموعك غسل لروحك و سرد لحكاياتك إبكِ و لا تحبسي آهاتك بل حرريها كي لا تتعفن بجوفك حينها ستتحررين من قيود الخوف و تنجلي عن عينيك غشاوة القهر التي تشتت أفكارك.. إبكِ لتضحي أقوى و أصفى ذهناً فلا عيب في بكائك .
- أنتِ القارورة التي تجرحك كلمة و تجبرك أخرى.. سعادتك و شقاؤك منبعهما من داخلك لا من داخل البشر من حولك.
ركى يده القابضة على الورقة إلى الطاولة ليتناول بيده الحرة كأس الماء و يتجرعه على جرعتان متواليتان.. مسح فمه من قطرات الماء التي علقت به بباطن كفه ليعود مرة أخرى للقراءة:
- لستِ حاوية لتتلقف بشع الألفاظ و النعوت.. لستِ عدواً لتتلقي الكدمات فقط لكونك الأضعف بنية و لست جارية تهان و تُجبر على لفظ كرامتها و تقديمها كقربان تحت أرجل من يبغى على حق الله في حفظ كرامتك.. أنت الحرة الأبية.. لك الحق بأبوين يحبانك و يرعانك و الحق بتلقي تعليمك كاملاً و الحق بالزواج من رجل صالح يصونك و يجعلك مليكة متوجة في حياته.
توقف.. تنفس بعمق و تصنم، عيناه تسمرتا عليها و هو يجد أن أغلب تشوهها قد اختفى
( هل هي الكلمات ؟) فكر مستفهما غير مصدق، أكمل القراءة و هذه المرة كان يقرأ الجملة بعينيه ثم ينطقها وهو يواجه عينيها:
- لك الحق بالحق بالضي لا بالظل.. أصرخي و جاهري.. دبي بقدميك الأرض و واجهي كل من يجور على حق من حقوقك.
- لا تبتأسي فغداً سيكون أفضل بإذن الله .. و ما مضى قد مضى و قد جعلك هذه الأنثى الشامخة التي أنتِ عليها الآن فلترسمي عالمك بريشتك منذ الآن.
طوى الورقة دون أن يكمل.. يشعر أن الكلمات تتناسل من فور نطقها فليس لها من نهاية، ابتسم لها لأول مرة منذ التقائهما كانت جميلة كما الرحمة.. تشع بالأمل كما الضياء في خيوط الصباح الأولى، ركز أنظاره عليها ليسألها أحد الأسئلة التي كانت تجول بذهنه:
- هل أنتي خرساء؟
طالعها و هي تخط في دفترها الصغير لتمد يدها به فيقرأ:
- لا لست بخرساء.
- إذن لما لا تنطقين؟!
ابتسمت بألم.. ابتسامة تحكي قهراً و تجاسراً فتجيبه بقلمها :
- هم أخرسوني.
لم يسأل و لم يطلب استفاضة بالشرح.. يشعر أنه إن علم سيسقط أعمق في الجب الذي أوقع نفسه به بكل سذاجة.. عاد للورقة يفتحها ليجد يدها تصده و هي تجثم فوق الورقة تسحبها تجاهها، كتبت في دفترها تبرر فعلتها:
- يكفيني هذا.. فأنا لا أبتغي الكمال، لتبقى بعض الندوب تذكرني بما استبيح و سرق من عمري و إلا سيضحي كل ما مضى بلا معنى أو قيمة.
استوقفها و هو يتباعها تلم حاجياتها تبتغي الرحيل ليقول بلهفة لم يصطنعها:
- انتظري.. لربما إن قرأت أكثر اختفى كل التشوه في وجهك و أصبحت ..
لم تنتظره أن يكمل.. انسحبت بهدوء مخلفةً عقبها أعاصير نارية تحوم حول روحه.. غاصت عيناه في البحر الذي يجاوره يفصل بينهما زجاج النافذة لتسقط دمعة.. فالتالية لينهر الثالثة على سقوطها و يجمح الرابعة لتلتزم مكانها معلقة بين الأهداب، أراح رأسه مائلاً للخلف مسنداً إياه لرأس المقعد و نظراته ما زالت تغرق في زرقة المياه.. عقد جبينه باستغراب و هو يستمع لصوت الأذان.. طالع ساعته ليوقن أنه ليس بوقت صلاة.. ليشعر بجسده يختض كأنه يسقط من علو شاهق فيشهق شهقة شعر بها انقباض الروح ليستيقظ جزعا مستعيذا بالله، مسح وجهه بكفه و هو ينهض عن فراشه متجها نحو المرحاض شارعا بالوضوء ليلتحق للمرة الأولى منذ زمن طال بصلاة الفجر حاضر.
بعد أن أتم صلاته التي خاصمها لفترة ليست بالهينة جلس إلى مكتبه المهترئ يتأمل الورق الأبيض الذي يستفزه بصفائه.. استل ورقة منهن ثم أمسك بقلم أسود يعنون رأس الورقة بـ " مرآة حواء " ثم شرع يكتب و يكتب حتى قارب قلمه على جفاف حبره.. يخط على الورقات البيضاء ما وجده في حواء.. يلطخ نقاءها باللقاءات و التجارب التي مرت عليه بتفاصيلها المريرة.. يريد لهذه الكلمات أن تكون كما المرآة التي تعكس الصورة الحقيقية أو بالأحرى الصور الواقعية لحواء كما رآها و علمها هو.. و بالنهاية تبقى هناك قصص و صور لم يخبرها أو يعهدها.. فإنه إن طفق يذرع البلاد من شرقها لغربها لن تمتلئ جعبته من قصص حواء و لن تنتهي حكاياتها مهما خبر منها و مهما استسقى سيبقى هنالك المزيد.


في المساء كان يجتمع بصديق له يمتهن الكتابة.. سلمه ما خط بيده مشدداً أنها أمانة فليحرص على إيفائها حقها دون زيادة او نقصان.. استحلفه ألا يحوِر و لا يبدل و لا ينتقص و لا يفسر.. ( أسرد فحسب ) كانت كلماته، لتنتهي عندها تجربته الفريدة.. تجربته التي ستغير إيقاع حياته و فكره بما يخص حواء حتى منتهى عمره.


انجوانا likes this.

زهر_بيلسان غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 21-05-19, 12:10 PM   #2

انجوانا

مشرفة منتدى الصور وتسالي مصوره وعضو مميز في القسم الطبي والنفسي ونبض متألق في القسم الأدبي وفراشة الروايات المنقولةوبطلة اتقابلنا فين ؟ومشاركة بمسابقة الرد الأول ومشارك في puzzle star ومحررة بالجر

 
الصورة الرمزية انجوانا

? العضوٌ?ھہ » 359808
?  التسِجيلٌ » Dec 2015
? مشَارَ?اتْي » 11,309
? الًجنِس »
? دولتي » دولتي Syria
?  نُقآطِيْ » انجوانا has a reputation beyond reputeانجوانا has a reputation beyond reputeانجوانا has a reputation beyond reputeانجوانا has a reputation beyond reputeانجوانا has a reputation beyond reputeانجوانا has a reputation beyond reputeانجوانا has a reputation beyond reputeانجوانا has a reputation beyond reputeانجوانا has a reputation beyond reputeانجوانا has a reputation beyond reputeانجوانا has a reputation beyond repute
افتراضي


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
رائعه جدا ومؤثره كثيرا
حواء عالم واسع مليئ بالقصص الحكايا خلف الوجوه لا نعرفها ونجهلها .. احسنتي عزيزتي بالقصه والفكره كلها ممتعه
يعطيك العافية


انجوانا غير متواجد حالياً  
التوقيع





مع الله تضيقُ فجوات الوجع، ويخفت صوت الألم ويعلو الأمل، مع الله تُنار لك الدروب، وينجلي الظٌّلم والظلام الحياة مع الله سعاده وأمان .
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة

الانتقال السريع


الساعة الآن 05:13 AM



Powered by vBulletin® Version 3.8.9
Copyright ©2000 - 2019, vBulletin Solutions, Inc.