آخر 10 مشاركات
طلب تصميم غلاف أو توقيع شخصي (الكاتـب : قصص من وحي الاعضاء - )           »          لورا والدوق الأسباني (12) للكاتبة: ماري روك .. كاملة .. اعادة تنزيل (الكاتـب : monaaa - )           »          جنون الرغبة (15) للكاتبة: ساره مورغان .. كاملة ..(اعادة تنزيل) (الكاتـب : مستكاوى - )           »          و آن للروح ان تستكين (1) .. سلسلة صالة مغادرة (الكاتـب : shymaa abou bakr - )           »          60 - أنت لي - هيلين بيانشن - ع.ق ( كتابة فريق الرومانسية المكتوبة / كاملة & الروابط) (الكاتـب : فيروز علي - )           »          دموع بلا خطايا (91) للكاتبة: لين جراهام ....كاملة.. (الكاتـب : *ايمي* - )           »          رفقاً بقلبي (1)*مميزة ومكتملة* .. سلسلة قلوب تحكي (الكاتـب : كاردينيا الغوازي - )           »          [تحميل] ما وراء الغيوم...." للكاتبة / رشا الخيالية "مميزة" (جميع الصيغ) (الكاتـب : فيتامين سي - )           »          وخُلقتِ مِن ضِلعي الأعوجُا=خذني بقايا جروح ارجوك داويني* مميزة * (الكاتـب : قال الزهر آآآه - )           »          أجمل الأسرار (8) للكاتبة: ميلاني ميلبورن.. كاملة .. (الكاتـب : monaaa - )


العودة   شبكة روايتي الثقافية > قسم الروايات > منتدى قصص من وحي الاعضاء > الروايات الطويلة المكتملة المنفردة ( وحي الأعضاء )

مشاهدة نتائج الإستطلاع: اي قصة من قصص الأخوة الثلاث بالرواية جذبتك تفاصيلها؟
هيام 12 30.00%
جالا 22 55.00%
راجي 6 15.00%
المصوتون: 40. أنت لم تصوت في هذا الإستطلاع

Like Tree2709Likes

إضافة رد
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 03-09-19, 08:47 PM   #1

Hya ssin

? العضوٌ?ھہ » 450526
?  التسِجيلٌ » Jul 2019
? مشَارَ?اتْي » 942
?  نُقآطِيْ » Hya ssin is on a distinguished road
Rewitysmile9 علاقات متغيرة *مكتملة *


بسم الله الرحمن الرحيم
سجلت بالمنتدى حديثا وأسم المستخدم الي هتعامل معه هيا سين....
دخلت دوامة الكتابة وجربت أن اكتب فعليا من أشهر قليلة... لذا أنا لست إلا مبتدئة هاوية.. لكن طبعا سأحاول أن ابذل قصارى جهدي لأقدم محتوى جيد ومقبول..

"علاقات متغيرة" اسم روايتي.. هتكون رواية اجتماعية ورومانسية.. وقصصها واقعية نوعا ما.. ولن أنكر أنها مُستفزة..

كل ابطال الرواية انبثقت حكاياتهم من رحم أخطاء الماضي.. والجميع سيواجه مشاكل عصيبة بعلاقتهم سواء مع شريك الحياة او مع فرد من أفراد عائلته.. وكلها إثر قرارتهم بالماضي أيضا..
مشاكلهم لن يتم حلها إلا من خلال الصبر والاقدام على الشيء الصحيح الذي يؤمن به الفرد من داخله بعيدا عن الرغبات..


التواقيع.... شكر خاص للمصممة أماني عز




















روابط الفصول

المقدمة .... المشاركة التالية
الفصل الأول والثاني والثالث .... بالأسفل
الفصل الرابع .... بالأسفل

الفصل الخامس والسادس نفس الصفحة
الفصل السابع
الفصل الثامن
الفصل التاسع
الفصل العاشر
الفصل الحادي عشر
الفصل الثاني عشر
الفصل الثالث عشر
الفصل الرابع عشر
الفصل الخامس عشر
الفصل السادس عشر
الفصل السابع عشر
الفصل الثامن عشر
الفصل التاسع عشر
الفصل العشرون
الفصل الحادي والعشرون
الفصل الثاني والعشرون
الفصل الثالث والعشرون
الفصل الرابع والعشرون
الفصل الخامس والعشرون
الفصل السادس والعشرون
الفصل السابع والعشرون
الفصل الثامن والعشرون
الفصل التاسع والعشرون
الفصل الثلاثون
الفصل الحادي والثلاثون
الفصل الثاني والثلاثون
الفصل الثالث والثلاثون
الفصل الرابع والثلاثون
الفصل الخامس والثلاثون
الفصل السادس والثلاثون
الفصل السابع والثلاثون
الفصل الثامن والثلاثون
الفصل التاسع والثلاثون
الفصل الأربعون
الفصل الحادي والأربعون
الفصل الثاني والأربعون
الفصل الثالث والأربعون
الفصل الرابع والأربعون
الفصل الخامس والأربعون
الفصل السادس والاربعون
الفصل السابع والأربعون ج1
الفصل السابع والأربعون ج2 تنزيل جديد
الفصل الثامن والأربعون ج1
الفصل الثامن والأربعون ج2
الفصل التاسع والأربعون ج1
الفصل التاسع والأربعون ج2
الفصل الخمسون ج1

الفصل الخمسون ج2

الفصل الحادي والخمسون ج1

الفصل الحادي والخمسون ج2
الفصل الثاني والخمسون
الفصل الثالث والخمسون
الفصل الرابع والخمسون
الفصل الخامس والخمسون
الفصل السادس والخمسون الأخير ج1
الفصل السادس والخمسون الأخير ج2
الفصل السادس والخمسون الأخير ج3






التعديل الأخير تم بواسطة ebti ; 22-07-20 الساعة 08:50 PM
Hya ssin غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 03-09-19, 08:51 PM   #2

Hya ssin

? العضوٌ?ھہ » 450526
?  التسِجيلٌ » Jul 2019
? مشَارَ?اتْي » 942
?  نُقآطِيْ » Hya ssin is on a distinguished road
افتراضي

المقدمة

كان بإحدى المحلات بالمول التجاري.. يمسك بقائمة المشتريات بيده ويلقي عليها نظرات بعينيه الزرقاوين كل حين.. ويلتقط بيده الأخرى المشتريات ويضعها بالسلة وهو يشعر بالضجر من رويتنه المعتاد..
تنهد وهو يمرر أصابعه بشعره الأسود الليلي ليعيده للخلف.. هل سيمضي حياته لأخر لحظة على هذا المنوال؟
احمد الآن رجل ناضج في الثانية والثلاثين من عمره.. بنيته أصبحت أضخم عما سبق وكان به ببداية شبابه..
كان خارجا وهو يحمل أكياس مشترياته قبل أن يلفت نظره تجمع لعدد قليل من الأشخاص بالقرب منه.. فضوله الطفيف جعله يحدق بهم قليلا قبل أن تتسع عينيه على وسعهما.. يكاد لا يصدق ما يرى..
هل يمكن أن تكون هي؟ وفجاءة بعد كل هذه السنين؟ بشعرها العسلي الكثيف الذي ازداد طولا عن أخر مرة رآها فيه قبل سنوات..
كانت خارجة من إحدى المقاهي ممسكه بكوب من القهوة مسرعة في خطواتها وكأنها تريد اللحاق بموعد مهم.. وبشكل مفاجئ اصطدمت بها إحدى المارة وسكب كوب قهوتها الساخنة على قميصها.. وضعت الامرأة شاهقة يديها على فمها لا تعرف ماذا تفعل بالرغم من انه لم يكن خطأها..
كان متيبس بمكانه.. بينما يرى صاحبة الشعر العسلي تنتفض فورا من جراء سخونة القهوة التي لطخت قميصها ولسعت جلدها.. فحاولت أبعاد القميص عن جسدها قدر الإمكان.. لكن وبكل عفوية رفعت نظرها إليها واصطنعت ابتسامة عقب أن قالت بتلقائية بصوت لطالما كان له أثرا آسر عليه
(لا بأس لم يحدث شيء، كان خطئي أنا)
استدارت لتسابق خطواتها تهم للخروج من المكان بسرعة وعلى عجل.. فما كان من الواقف الملجوم إلا أن حرك رأسه وكأنه يستفيق من شروده قبل أن يعلو صوت أحد الأشخاص
(السيدة أسقطت المحفظة من حقيبتها.. أين ذهبت بسرعة؟)
أسقط الأكياس التي اشتراها من يده أرضا وهو يهرول نحو الرجل ليأخذ المحفظة منه عنوة أجفلته بينما يقول له وبصوت أجش من جراء ما استحضرته ذاكرته من مشاعر مدفونة
(سألحق بها لأعطيها إياها!)
وانطلق راكضا وراءها خارجاً من بوابة المول متقدما نحو الشارع الرئيسي وهو يلتفت برأسه يمينا وشمالا يبحث عنها قبل أن يلمحها بنهاية الشارع تشغل سيارتها لتقودها مبتعدة.. فبدء يركض بأقصى سرعته على قدميه ليلحق بسيارتها وهو ينادي باسمها بأعلى صوته حتى ابتعدت وأصبحت المسافات بينهما تتضاعف أكثر لتصبح غير مرئية له على الطريق..
فبدأت خطواته تتباطأ تدريجيا وهو يحاول تتدارك أنفاسه السريعة كأنه انتهى توا من سباق ماراثوني.. فركع وهو يضع كفيه على ركبتيه ثم استقام بعدما هدأت أنفاسه ليلتقط نفسا عميقا جدا ويزفره ببطء..
كان هذا أكثر ما يخشاه.. أن يفترقا مرة أخرى إذا ما جمعتهم الأقدار بصدفة أخرى.. فقط صدفة.. موعد غير مدبر من قبل أحد.. لقاء حبيبته بعد طول فراق.. وبعد سيل من الأشواق.. يعيش بهذه اللحظات لحظة تُرسم أحداثها في لوحة ربيع العمر.. لحظة يزاد فيها نبض القلب.. وتتجمد المشاعر من فرح القلوب.. لحظة فيها من الحب ما يروي الأحاسيس بداخله..
اخفض أنظاره للمحفظة بيده.. فتحها لتتجمد نظراته بدون أي تعابير على وجهه حتى اهتزت حدقتيه بمجرد رؤية صورتها الموضوعة بإحدى جيوب محفظتها.. أنها هي.. هيام.. هيام قلبه.. إذا ما شك أن رؤيتها اليوم وقبل دقائق كانت حلم فهذه الصورة إثبات له..
حدق بالصورة الملتقطة حديثا لها على ما يبدو فشدّت قلبه ليتذكر ذكرياتهم بالماضي ويبتسم بتلقائيه لبرهة من الزمن قبل أن تزحف ملامح التوتر الواضحة على محياه.. ويشعر بتوتر غير مرغوب به.. فيزفر بضيق وهو يحول أنظاره لخاتم بنصر يده اليسرى..
عاد من حيث خرج راكضا يحمل ذيول خيبته.. توجه للمقهى الذي خرجت منه.. وتقدم يسأل أحد الموظفين عن التي سكبت القهوة عليها.. فأجابه الموظف بحبور
(نعم سيدي.. إن الأنسة تدعى هيام.. تزوره بشكل أسبوعي مع صديقاتها)
رفع احمد حاجبيه بدهشة وسعادة من الكلام الذي يسمعه قبل أن يعطي محفظتها للموظف قائلا
(الأنسة أسقطت محفظتها بغير قصد، حاولت لحاقها وإعطائها إياها ولكن لم أستطع.. أتمنى أن تعيدها لها حالما تأتي هنا مرة أخرى)
استلم الموظف منه المحفظة مؤكدا له انه سيسلم الأمانة لصاحبتها..
أومأ له احمد بشكر قبل أن يخرج بخطوات متباطئة للخارج.. كأنه لا يصدق اللقاء وما حدث قبل أقل من ساعة..


*****


وقبل ظهيرة اليوم التالي بقليل.. ذهبت تمارا والدة سهر لمقابلة صديقتها بكامل أناقتها وزينتها كأي لقاء عادي بين أي صديقتين..

وكأنه لم يحدث وأن هربت ابنتها أمس وقبل زفافها بقليل لتختفي بلا أثر مخلفة ورائها فضيحة ستزغرد لها النسوة ولن تعتقها الألسن الراقية حولها لسنوات..

بالمرة الأولى عندما هربت من خطبة عماد تم تدارك الأمر.. لكن هذه المرة فهي تشك بذلك مع عائلة الدال..

ارتجلت تمارا من سيارتها بعد أن فتح سائقها الشخصي باب السيارة لها.. وخطت خطواتها على مهل ورقي وهي ترتدي كعادتها إحدى كعوبها الفخمة من إحدى الماركات المعروفة بالرغم من كبر عمرها..

وما أن فتحت تمارا باب المقهى الراقي وخطت للداخل حتى وقعت عينيها على ابنتها سهر الجالسة بمفردها على إحدى كراسي طاولة موضوعة بزاوية المطعم..

فتحت تمارا عينيها على اتساعهما وهي تمد يدها على فمها تشهق لا إراديا.. ثم ما لبثت برهة حتى أسرعت لتتقدم لطاولة سهر بتساؤل هامس مصدوم
(سهر.. لقد بحثت أنا ووالدك عنك كثيرا.. أين أمضيتِ ليلتك بالأمس أيتها العروس الهاربة؟)

رفعت سهر رأسها لأعلى تحدق بوجه أمها بجمود.. وبلا أي تعابير.. فبادلتها والدتها النظرات المدققة والمتفحصة لهيئتها.. كانت ابنتها بحالة مزرية.. محياها بدا مرهقا منهكاً.. عينيها متعبتان..

ترتدي كل قطعة من منامة منزلية مختلفة عن الأخرى كالمتشردين وبذوق لا يتناسب مع فخامة المكان.. نظرت لقدمها لتراها ترتدي خف بلاستيكي بشكل كارثي..

أسبلت سهر أهدابها وهي تدلك ما بين حاجبيها بأصابعها وتجيب بهمس مرهق
(تتحدثين يا أمي وكأنك لست أنتِ من دفع النقود أمس لرأفت مقابل ألا يتهور ويتزوجني ويتركني وحيدة ويهرب مني)

زفرت والدتها هي الأخرى بإرهاق مماثل لتنهار جالسة بالمقعد المجاور لسهر..

بعد لحظات مرت عليهما بقيت سهر تتجاهل وجود والدتها شدت كوب القهوة أمامها لترتشف آخره وبصوت مسموع بينما تكتم والدتها غيظها وغضبها من طريقة شربها بهذه الطريقة الغوغائية حتى أكثر من فكرة هربها بنفس يوم زفافها..

لكن سهر استمرت تحافظ على برودها أمام والدتها باستفزاز.. لتهتف تمارا وهي تكز على أسنانها
(أيتها الغبية بعدما نبذك ذلك الأحمق رأفت بناء على طلبي فقدت إثرك نهائيا.. تواصلت مع كل صديقاتك ولم تعرف إحداهن بمكانك.. أين كنتِ يا سهر! عليك أن تتوقفي عن هذه الأفعال الرعناء فأنتِ شابة من عائلة محترم ولها اسمها)

خرجت من سهر ضحكة خافتة لتجيبها بسخرية مريرة
(ربما يا أمي لو كان تعاملك مع سها وعائلتها بالماضي تعامل خالٍ من التحقير والتعالي على مستواهم الاجتماعي والمادي لأخبرتك سُها عند اتصالك أمس بها أني بالفعل تسللت لبيتها وأنام بغرفتها وعلى سريرها رغما عنها.. تخيلي أنها فضلت أن تتحمل وجودي وليلة كاملة ببيتها وبغرفتها وعلى سريرها بينما تنام هي على الأرضية على أن تفوت فرصة التشفي بك وأنت تبحثين عني بلا جدوة! للأسف يا أمي.. ما دمت تتعالين على الكل بهذه الطريقة.. فلن تجد أحد عونا لك وقت الحاجة)

ثم كتمت بصعوبة ما تبقى من ضحكتها حتى لا تغضب أمها أكثر.. لترد أمها تؤنبها بسلاسة
(اصمتي يا سهر.. أنا أفعل دائما ما هو لمصلحتك.. لا يمكنك تكوين صداقات مع أي أحد.. عليك مرافقة الناجحين حتى تكون فرص نجاحك أكبر.. كما عليك انتقاء أصدقائك بعناية.. رافقي فقط من هم أكثر منك تميزا.. اختاري شركاء أحسن منك سلوكا.. لتجدي نفسك تلقائيا منجرفة نحو الأفضل)

أرادت سهر أن تكمل وصلة سخريتها على كل كلمة خرجت من فم والدتها ولكنها تراجعت لتشرد كوب قهوتها الفارغ إلا من بقايا القهوة..

حدقت والدتها بها مرة أخرى وبتمعن أدق..

وجه سهر يبدو بالفعل ذابلا ومرهقا جداً.. كأنه يكشف عن كل خلية تتصارع الآن بداخلها..

لا شك أنها نادمة على الهرب من زفافها وترك مراد الدال لغيرها وتبكي خيبتها وخيبة اختياراتها.. لكن قوتها التي تتخلخل ملامحها ترفض فضحها..

تنهدت تمارا بضيق لتشرد هي الأخرى أمامها للحظات قبل أن تنتبه على صوت هاتفها فترفعه وتنظر إلى شاشته بخواء..

ثم تجيب بهدوء على صديقتها التي تعتذر لها على الخط بحرج عن تأخرها فتنشغل كلتاهما بالحديث..

بينما عقل سهر شارد بأحداث بدأت مع حفل خطوبتها.. الحق يقال.. مراد لم يقصر نحو طلباتها أو طلبات أمها بأي شيء.. وهي أيضا كانت تقوم بدورها بشكل طبيعي بحفل خطبتها.. حتى رأت رأفت بكاميرته لأول مرة بحياتها.. ووقعت بحبه من النظرة الأولى بتلك اللحظة..

ماذا عساها تفعل؟ هي بالفعل أعجبت بمراد بالبداية.. لكن رأفت هو أول رجل منذ قدومها لهذه المدينة لفت انتباها من اللحظة الأولى التي رأته بها.. ليشغفها إعجابا.. ثم عشقا..

لا تعرف كيف.. كل شيء حدث بثوانٍ وبسرعة.. أسرع من أن تستطيع مواكبته..

تذكرت آنذاك حفل خطوبتها لمراد قبل شهرين بنفس الفندق الذي كان من المفترض أن يُقام زفافهما أيضا..

رأت هناك رأفت الذي كان يقوم بمهمة تصوير الحفل فطلبت مقابلته بعد حفل الخطوبة مباشرة..

تبادلا أرقام بعضهما وتحدثت معه خلال فترة خطوبتها.. لكن عندما طلبت منه أن يتزوجا قبل أن تعقد قرانها بمراد أنهى علاقته بها فورا.. فاستمرت بخطوبتها المزعجة مع مراد..

لكنها أصرت على الشركة التي تعاقدت معها أن يكون رأفت من ضمن طاقم التصوير لحفل زفافها أو تفسخ العقد معهم..

وهكذا قابلته مرة أخرى صباح يوم الزفاف واستطاعت إقناعه أن يتزوجا عقب أن يترك معداته وزملائه هنا.. والهرب معها قبل موعد حفل زفافها بساعات الذي بُذل عليه الكثير ليكون أسطوريا..

بعد أن أنهت والدتها مكالمتها.. خرج صوتها الساخط المتحسر ليخرجها من دوّامة أفكارها المربكة
(لم هربت يا سهر؟ ما الذي لم يعجبك بمراد لتتركيه؟ مراد وسيم ومثقف وابن رجل ذو مكانة اجتماعية ومادية ممتازة.. الم تخبريني أنك أحببته أيضا؟)

هزت سهر كتفها وهي تقول ببساطة
(لا أدرى يا أمي.. بالبداية قارنته مع عماد فكان مراد أفضل منه بأشواط كثيرة.. لقد وجدت أن مراد مناسب لي ولكني أظن أني لم أحبه)

نظرت إلى وجه أمها الشرس والتي كانت على وشك الافتراس بها.. فتسلل بعض الغضب إلى وجه سهر لتردف بلا مبالاة ظاهرة أكبر وهي تحاول شرح موقفها
(أمي.. أفهميني.. في البداية كان تفكيري مضطربا بسبب ما حدث معي بخطبتي السابقة مع عماد.. فكنت أريد شابا بسيط أحيى معه حياة بسيطة.. لكن وقبل فوات الأوان اكتشفت أن الحياة مع مراد ستكون بسيطة أكثر من أن يناسبني.. لذا أنا لست نادمة ع هروبي)

زفرت تمارا بضيق.. ثم قالت بنفاذ صبر
(لو هربتِ يا سهر مع شخص أخر أفضل من مراد أو على الأقل يوازيه بالمميزات فأقسم أني لم أكن لانزعج منك أنا ووالدك كما الأن.. لكن أنت بغبائك ضيعتي مراد من يديك لأجل شخص باعك بأرخص الأثمان)

رمقت سهر والدتها بضيق ثم أشاحت ببصرها عنها وكأنها لا ترغب بسماع المزيد عن نفس الموضوع.. لكن والدتها استرسلت بسخرية
(لحسن الحظ المغازلة كانت واضحة بينك وبين ذلك المصور الخسيس أثناء تصوير الفيديو التحضيري للزفاف.. وعندما تركتي لنا تلك الرسالة التي تخبرينا فيها أنك سترحلين وتتزوجين من رجل آخر.. تنبأت بسهولة هوية الشاب الذي ستهربين معه واستطعت تدبير رقمه)

تنهدت تمارا ببؤس لتردف وكأنها لا تزال لا تصدق ما تتحدث به
(تخيلي يا سهر! ما إن اتصلت به لأعرض عليه مبلغا زهيدا مقابل ألا يتهور ويتزوجك.. وافق بسرعة حتى بدون أن يفاصل بالمبلغ الذي عرضته عليه.. مع أنه يعرف تحديدا ابنة من أنت.. ويعرف تماما كم تبلغ ثروة والدك!)

تمللت سهر من مقعدها وقد بدا أن كلام أمها شدها أخيرا.. لتبتلع ريقها.. كانت حدقتيها تهتز عندما اقترب برأسها من أمها وهي تسألها بتردد
(إذن.. وكم عرضتي عليه من النقود حتى يتركني؟)

أجابت ببساطة
(نفس المبلغ الذي دفعتيه ثمن هدية عيد ميلاد كلب صديقتك)

همست سهر بنبرة متهدّجة ومقلتيها تتلألأ بالدموع السخية
(يا إلهي يا أمي.. لا أستطيع تصديق قسوتك..)

قاطعتها تمارا بجدية وبنبرة اعلى وغير مسموعة بنفس الوقت لمن حولها حتى لا تجلب أي انتباه وحاجباها ينعقدان
(أنا لست قاسية يا سهر.. لو كنت قاسية عليك فعلا لأخبرتك بالتفصيل عن ردة فعله.. وبأن الفتى كان على استعداد أن يدفع هو بنفسه المال لنا حتى نخلصه منك)

انزلقت دموع سهر بصمت.. لترد ونار الغضب تشب أكثر في عينيها
(أمي.. أنا قصدتك أنت يا أمي بالقسوة.. بما أنك عرفتي بعلاقتي السرية معه إذن فمن المؤكد أنك تعرفين كل شيء عنه.. تعرفين أن عائلته فقيرة وهو المعيل الوحيد لهم.. وعمله لا يكفي لسد شيئا من التزاماته.. لذلك هو يعمل كمصور بدوام جزئي.. وهو بحاجة لكل قرش ليعين امه المريضة وإخوته الصغار.. كان عليك أن تعرضي عليه مبلغا كبيرا مقابل تركي.. لم اعد أتحمل قسوتك وعدم إحساسك بالناس الأقل حظا بالحياة)

جحظت عينا تمارا واتسعتا وهي تفغر فمها أمام سهر.. لحظات حتى استوعبت منظرها لتهز رأسها.. ثم تكز على أسنانها هامسة بغير تصديق على اتهام ابنتها
(أخر ما أتوقعه منك أن تحاضريني الأن.. أيتها المغفلة لا أزلت لا أصدق أنك تركت مراد وهو الصيد الثمين لتستبدليه بمصور حفلات فاشل حقير قبل على نفسه أن يتحدث ويهرب مع فتاة مرتبطة برجل غيره وتخونه معه!)

استندت تمارا بظهرها على الكرسي لتقول وهي تهز رأسها ببؤس
(ماذا سيقول عنا الناس؟ العروس وقعت في حب المصور من أول نظره وهربت معه من زفافها.. المرة السابقة عندما هربت من حفل خطوبتك بعماد تم تداري الأمر وانتهى بمحله.. أما الأن كل من يعرفنا أو لا يعرفنا عرف بهروبك أمس)

غضبت سهر من سيرة عماد لتقول بحنق وهي تصحح لوالدتها وهي ترفع سبابتها أمامها
(أنا لم اهرب يا أمي من عماد بالمرة الأولى بل غادرت الحفل أمامهم بلا خجل.. خطوبتي لعماد كانت كلها خاطئة.. في البداية لم يكن لدي مشكلة أنه يشرب فنحن نشرب بالمناسبات أيضا.. لكن أن يشرب حتى الثمالة في حفلنا ويتصرف كالمهرجين أمام جميع المدعوين هو ما أفقدني عقلي خلال الحفلة.. لا تغضبي علي يا أمي فأنا حاولت تمالك أعصابي إلى أن قام مع أصدقاءه بالقفز في مسبح الصالة.. صحيح أن أهله تدخلوا وحاولوا إرضائي بجميع الطرق لكن لم أستطع أن أكمل.. عاهدت نفسي وقتها أني لن أتزوج من شخص قد سبق له وشرب شرب قطرة كحول لأنه لا ينقصني مدمنين فشلة.. حتى ربما ما أعجبني بمراد بالبداية تدينه وشخصيته المتزنة البعيدة عن العبث والتهور..)

قاطعتها تمارا وهي تقترب منها وتمسح أثار دموعها بمنديلها الأبيض.. ومن ثم تمسك يدها بين كفيها هامسة
(حتى ولو يا سهر.. لم يكن يجدر بك أن تستسلمي وتتركيهم مهما بدا الأمر لا يطاق.. سهر.. سألتني مرة لما مزقت جميع صور زفافي وأنا لم أجيبك.. الأن.. هل تريدين أن أخبرك السبب؟)

بقيت سهر تنظر لوالدتها بجمود لتجيب تمارا بدون أن تنتظر ردة فعل منها وبشكل متتالي وبدون توقف
(السبب باختصار لأني كرهت حفل زفافي.. زينتي كانت قبيحة.. لم أكن أشبه نفسي.. ووالدكِ السكير قد تركني وحدي جالسة لمدة نصف ساعة وتركني أقضي وقتي في الحمام وهو يشرب زجاجة ويسكي كي يتقبل حقيقة أنه يُقدم على خطوة جدية كهذه في الثانية والعشرين من عمره.. أي بعمرك أنت.. كما كانت هناك الكثير من المشاكل ابتداءً من الاتفاق على القائمة وعدد المدعوين وانتهاءً بقائمة الطعام والموسيقى وكمية الورد.. لكن تقبلت الأمر وها أنا أمامك ما زلت متزوجة وأعيش مع والدك حياة مرفهة بماله.. ومهما بقي على بعض صفاته القديمة القميئة ولكنه على الأقل ناجح بعمله ويدير علينا الكثير من النقود)

سحبت سهر يدها بعنف من كفي والدتها وأشاحت برأسها عنها.. فهي أدرى الناس بحياة أمها الغير مريحة والتعيسة مهما كابرت والدتها وتظاهرت بالعكس..
ثم عاودت تمسك كوب قهوتها الفارغ والشرود به بحسرة على نفاده..
فزفرت تمارا بتوتر وعصبية خارجة عن طبيعتها وبالكاد تسيطر على أعصابها بهذا المكان العام عندما همست لنفسها بتذمر
(ياللفضيحة! احمدي الله أنه وجد عروس بديلة لك من داخل عائلتهم والا لكنا تورطنا مع عائلة محمد الدال!)

هذا المرة شعرت سهر بالضيق لتقول بعنف وغضب وهي تنظر لأمها وتلوح بكفها
(أمي.. أعيدُ لهم الذهب الذي اشتروه لي وثمن كل قرش دفعوه للفندق ودفوع لأجل حفل الخطوبة والزفاف.. وادفعوا لهم حتى ثمن شهر عسل إضافي يقضيه مع عروسه.. وليس لهم عنا أي شيء بعد ذلك)

كانت أمها تقلب عينيها للأعلى بسأم أثناء حديث سهر.. وكأنها هي من ستدفع النقود.. لتنظر أخيرا لها هادرة
(لا تقلقي يا حبيبتي.. لقد عرضنا عليهم كل هذا بالفعل.. وأخذو الذهب منا وألبسوه لعروس مراد.. ولكن لم يقبلوا أخذ أي نقود مقابل أي شيء على ألا ترييهم وجهك أنت يا سهر لأخر العمر هذا إذا أردت أن يحتفظ السيد محمد الدال بشراكته مع والدك)

رفعت تمارا كفها تمسد ما بين عينيها هاتفة وهل تلوح بيدها لباب المقهى
(ستصل صديقتي الأن بأي لحظة.. لا أريد منها أن تراك بهذا المنظر المخزي فتشبعك أسئلة عن ليلة أمس فضولا.. فأنت بعد فعلتك أمس أصبحت نجمة الأحاديث أيتها العروسة الهاربة.. هيا.. هيا اذهبي بسرعة للمنزل.. ولا تجعلي أحدا يلمحك.. هل تفهمين؟)

هزت رأسها بطاعة وهي تقود
(حسنا.. اتصلي على السائق ليقلني للمنزل وادفعي ثمن ما طلبته للنادل.. أنا مفلسة وبالكاد قبلت سها أن تعطيني منامتها هذه لأنام بها وثمن سيارة أجرة لهنا)

شعرت تمارا بأن عقلها سينفجر وهي تهتف لسهر بعصبية
(أيتها الحمقاء.. كيف تدخلين إلى هنا وأنت مفلسة.. ماذا لو لم أراك؟ كيف كنت ستدبرين أمرك؟)

هزت كتفيها ببساطة لتقول
(اهدئي أمي.. صاحب المقهى يعرفك ويعرف أني ابنتك.. كما أني لا أستطيع احتساء قهوة من أي مكان فقط!)

وقبل أن تقف سهر مسكتها والدتها من ذراعها لتقول آمرة
(سهر عودي الأن إلى البيت وضعي بعض الأقنعة الطبيعية على وجهك.. بشرتك مجهدة ومتعبة جدا.. لا تستهيني بالاهتمام بنفسك فقط لأنك الأن صغيرة وجميلة.. العمر يمضي بسرعة وستكبرين.. وانا لن اسمح لك أن تبقي عازبة لمدة أطول.. الأنثى تقل قيمتها مع مرور السنين..)

زفرت سهر بغيظ وهي تقف على قدميها لتقول بشراسة متدفقة لأمها
(إذن أمي بالنظر لعمرك فأنتِ وكلامك تقريبا بلا قيمة.. إلى اللقاء)

تأوهات تمارا بقهر وهي ترفع يديها وتهمس لنفسها
(أيتها الغبية.. أنا متزوجة لذا لا يهم عمري)

ثم راقبت تمارا ابنتها وهي تخرج خارج المقهى وتجلس على الرصيف كأنها متشردة تنتظرها لتتصل على السائق ويأخذها حتى بدون اهتمام من أن يعراها أحد يعرفها..

زفرت بضيق وهي تراها خالية من أي رقي سبق وأن دأبت طوال سنين عمرها وهي ترسخه بها..


*****


داخل بيت سارا الكبير.. كانت صوت همهمات راجي المستيقظة من النوم تخرج منه بينما يفتح عينيه بتشوش.. وعقله المصدوم يأخذ عدة صور قبيحة ليلة الأمس أخذت تومض بشكل متتابع أمامه..

مد كفه لرأسه التي تكاد تنفجر وهو يحاول تذكر ما أصابه.. حاول فتح عينيه بشكل كلي لتدخل أشعة الشمس القوية عليهما فيسارع بغلقهما وهو يتأفف منها.. حتى بالرغم من أن جسده النائم كان يتعرض لها طوال فترة نومه التي امتدت لساعات طويلة حتى دخل لعصر اليوم التالي.. دلك عينيه بأصابعه ليفحمها وهو ينهض بضيق من على فراشه المفروض على الأرض ليغلق الستائر السوداء ويمنع أشعة الشمس من المرور عبر النافذة الكبيرة..

ما إن نظر خلال النافذة التي يريد غلق ستائرها على الحي المطل عليه حتى فتح عينيه على اتساعهما بصدمة وهو يمرر نظراته حول كل الحي يستكشفه.. ثم يستدير لينظر بالغرفة التي هو فيها.. أستغرق الامر منه لحظات قبل أن يهمس بصدمة
(تبا.. أين أنا؟)

أحاط نظراته بكل زاوية بالغرفة.. هذه الغرفة والتي هي باللون الغامق والأثاث المذهب لم يسبق له وإن رآها بحياته..

عاد يهرع يستدير ينظر من خلال للنافذة.. أين هذا الحي.. ألا.. ألا يشبه حي سارا؟ نعم هذا هو حيها الذي وخصوصا بالفترة الأخيرة كان يصر هو بنفسه على إيصالها بما أنها لا تحمل رخصة قيادة حقيقية..

بدأ يلتفت يمينا وشمالا لا يعرف شيئا مما يدور من حوله.. حتى لمح ملابسه المتكومة قرب الباب.. لينتبه على أنه تقريبا عاري الجذع ولا يرتدي إلا سروال داخلي.. وعضلات صدره ظاهرة مع القليل من شعر صدره الباهت عليه..

اقترب من الباب يلبس ملابسه على عجالة حتى جفل على صوت بكاء فتاة.. بدا وكأنه صوت سارا.. نفس الصوت الملتاع الذي كان يظهر بكوابيسه أثناء نومه ولكن بصوت أعلى.. ربما الصوت الذي كان السبب بنهوضه من سباته الشتوي هذا..

خطى متقدما عتبة الباب لينظر لأخر الممر.. كانت تنام فعلا بأخر الممر ومتكورة على نفسها وجسدها يهتز بأنين خافت.. كان فوقها غطاء رقيق لا يسترها جيدا فيظهر معظم جسدها متفجر الأنوثة..

هلعه منظرها وطل من عينيه وهو يحاول أن يتذكر أي شيء حدث بليلة أمس.. أقترب منها وهو ينزل نفسه لمستواها.. ثم يمد كفيه بارتجاف شديد وببطء ليمسك كتفيها ويهزها بعينيه اللتان تحترقان كالجمر ليتساءل بلهفة هاتفا
(سارا.. انهضي هيا.. لماذا تبكين؟ هل فعلت شيئا؟ ماذا حصل بالأمس؟)

سؤال بعد سؤال يسأله إياها كان صوته يرتفع أعلى وأعلى.. ثم شعر بغضب مكبوت وهو يراها لا تجيبه وتستمر بالبكاء مع أنه وعلى ما يبدو أن الغضب ليس من حقه.. لكنه مد كفه ليرفع رأسها له وينظر لعينيها المتورمتين من البكاء ووجهها الأحمر.. كأنها كانت تبكي من ساعات..

وجدها تدفع كفه عنها وهي ترفع ذقنها بكبرياء وتحدي وهي تنظر إليه.. بقيت للحظات تنظر له مرت عليه كساعات.. بنظراتها كانت له باردة.. جليدية.. وكأنها تنظر لجلادها.. نظراتها أربكته ودبت الرعب فيه ليجد نفسه يبتعد عنه وهو يفتح فمه يجاهد نفسه ويحاول أن ينطق أي شيء يتوسلها فيه على أن تخبره ماذا حدث.. فصاحت به فجاءة
(ألا تعرف أيها الحقير؟ لقد سكرت حد الثمالة بالأمس وانتهكت براءتي.. نعم.. لقد خسرت عذريتي بسببك!)

كان راجي يهز رأسه بنفي لا يصدق حرفا من كلامها.. كيف ولماذا ومتى! لا يعرف.. لكنه متأكد أنه من المستحيل أن يكون فعل كما تقول! فكانت ردة فعله أخر ما توقعته سارا.. لتراه يصيح بغضب بعينيه الجاحظتين وهو يمسك بكتفها بقوة
(كاذبة.. انت كاذبة.. هيا قولي ماذا حدث؟ قولي الحقيقة.. فقط الحقيقة)

تخلصت من قبضته بعنف لتخبره بشراسة وكأن الضعيفة التي كانت تأن قبل ثوانٍ لا تمت لها بأي صلة
(مهما أنكرت يا راجي فهذا ما حدث وهذه هي الحقيقة.. لقد كنت مغفلة وصدقتك كلامك بأنك من المستحيل أن تقرب الخمر.. لكن ما حدث أنك شربت بنفسك كأسا ضخمة.. وعندما حاولت أن أساعدك وأجعلك تقر بعنوان منزل ليوصلك السائق لم تجيب.. وبدلا من أن ادعك تنام بالشارع تطوعت لأدعك تنام بمنزلي ولم أكن أتصور وحشيتك.. أيها الحقير.. بمجرد أن اغلق الباب خلفنا تهجمت عليّ بوحشية.. دليل عذريتي لا يزال على الفراش الموضوع بجانب فراشك الذي نمت عليه.. إذا كنت تريد التحقق من صحة كلامي فهيا اذهب وتأكد.. أذهب.. أذهب)

كانت تصيح به بهستيريا وتشير برأسها وبيدها نحو الغرفة التي كان ينام بها على الفراش أرضا.. لكنه كان ينظر بنفس مستوى نظراته لها وهو ما زال مصدوما ويستنكر ما تقوله.. فصرخ بها
(حتى ولو فعلت هذا.. فمن المستحيل أن أقوم بهذا رغما عنك.. يبدو أنك اغويتني لأفعل هذا.. أيتها الغبية كيف سمحت لك نفسك بإغوائي؟ ألم تجدي أي أحمق غيري لتغويه)

كان ينظر لها بنظرات قاتلة ومتهمة وكأنه هو الضحية لا هي.. فتحولت ملامح وجهها لشكل مختلف كليا بعيدا عن الضعف والذي على ما يبدو كانت تدعيه! فقالت باستفزاز لا يصلح لوضعها
(راجي أنت تعرف أني بالذات لا احتاج لإغواء أحد وكلامك هذا يجرح مشاعري.. أنا أعذرك على انتهاكي ولن أتسبب بسجنك لأنه على ما يبدو أنك فعلا لا تتذكر ما حدث بالأمس ولا تتذكر أي شيء من البارحة وكانت هذه أول مرة تشرب فيها الخمر.. لكن كيف ستصلح غلطتك؟ هذا ما يهمني معرفته الأن؟)

عقد حاجبيه وهو يفكر بكلامها.. يصلح غلطته؟ ماذا تقصد؟ وكيف سيصلحه؟ هل تقصد أنها تريده أن يتزوجها؟ احتدت نظراته تجاهها وإشتعلت بغضب.. تمعن النظرات بملابسها الرقيقة ليجدها ترتدي قميص أبيض مثير بحمالات رفيعة تدلى إحداها على كَتِفها بينما شعرها الكثيف الطويل المصبوغ بخصل شقراء ومفرود بغوغائية ملتفا حول وجهها مما أكسِبها المزيد من الإغراء..

أغلق راجي جفنيه لبرهة بغضب.. الاحمق بماذا يفكر وهو واقع بهكذا مصيبة! ثم وجد راجي نفسه يبتسم بسخرية وهي يتساءل باشمئزاز منها
(هل يمكن أن توضحي لي كيف قمت بانتهاكك بوحشية ورغما عنك وبنفس الوقت فراشك الموضوع عليه دليل عذريتك المزعومة موجود بجانب فراشي؟)

فتحت فاها بصدمة.. شعرت بتخبط ولم تعد تعرف ما ترد عليه.. لترد بأي رد نجح من كذبتها
(أنها بالفعل دماء عذريتي.. ربما لم تراها عندما استيقظت.. اذهب الأن وتأكد!)

زفر بيأس من إصرارها على إلصاق تهمتها عليه.. لكن تبدلت ملامح وجهه كاملة ليقول بهدوء يحاول افتعاله وهو ينظر لها
(اذهبي يا سارا وخذي حماما وألبسي شيئا وبعدها سنتحدث)

ثم وقف من مكانه ونظراته الغاضبة لا تزال مسلطة عليها لتخبره ببساطة أنها ستأخذ حماما بحمام غرفتها وأشارت بيدها على مكان حمام الضيوف بمنزلها بحالة إذا قرر أن يأخذ حماما هو الأخر..

دقائق وكان راجي واقفا تحت الماء الحار لساعات يفرك جسده يزيل رائحة الخمر الكريهة العالقة به من الأمس.. وكم ود لو يستطيع البقاء لساعات وساعات أخرى تحته.. وبعد أن خرج لم يجد غير ملابسه السابقة من صباح الأمس ليلبسها وكأن رائحة الخمر تُصر على ألا تفارقه عقابا له..

وبعد أن أنهى ارتداء ملابسه جلس على إحدى الأرائك الموجودة بالصالة وعينيه الميتتان مركزة على البلاط اللامع أمامه بشرود.. يستوعب كل ما يدور حوله.. فعلى ما يبدو أن كأس العصير الذي شربها بالأمس كان يحوي على الكثير من الكحول حد أنه جعله ينام أكثر خمس عشرة ساعة..

وبالنسبة لما تدعيه سارا فهو متأكد أنه لم يقم بأي علاقة غير شرعية معها.. صحيح أنه لم يكن واعي ولكنه ليس ساذج حد أن يصدق ما تقوله ويكذب جسده.. فمن ينتشي خمرا ربما ينسى عنوان منزله لكن أن يصل حد ألا يتذكر شيء عن أول علاقة يقوم بها بحياته؟

لكن القليل من الخوف يتسرب له من كون بعض كلمات سارا صحيحة.. لكن.. حتى لو فعل لها شيء فمن المستحيل أن يكون فعله ضد إرادتها.. أساسا شكلها وتصرفاتها لا تشبه شكل وتصرفات الضحية.. حتى تلميحها له بموضوع الزواج يؤكد له أنها مكيدة وفخ منها.. هل يمكن أن يخرج كل هذا من إبنة الثامنة عشر؟ بأي عالم يعيشونه!
تنهد بإرهاق وهو يدفن رأسه بكفيه.. حتى ولو أخطأ بحقها فعلا.. بالنهاية كان كل شيء بمفعول الخمر وليس بإرادته.. هو كان يشرب العصير بدون أي علم مسبق أنها تحتوي الخطر.. فعلا هو شربها هو لا يعلم أن فيها خمر فلما قد يكون عليه إثم أو حد؟ نعم.. شربه جاهلاً أنها تحوي خمر ولم يكن ذلك بتفريط منه لذلك فهو معذور..

ضحك بخفوت.. من يخدع؟ هو مذنب.. فهو يعرف أن بقائه بالحفل لنهايتها كان خاطئا.. بل كان عليه من البداية اجتِنابهم بمجرد أن عرف ورأى طبيعة الاحتفال بدلا البقاء وإظهار الرضا بما يفعلونه.. فصحبة السوء لا تأتي إلاَّ بالشَّرّ..

رفع راجي رأسه عندما شعر بها تدخل الصالة بعد أن اخذت حماما دافئا ولبست إحدى بيجاماتها الانثوية ذات اللون الوردي وتضع منشفة على رأسها وتمسك بكل يد كوب قهوة..

وضعت كوبا على الطاولة أمامه ثم جلست على الاريكة المقابلة له وهي تضع قدما فوق قدم وترتشف من قهوتها باستمتاع ونظراتها مسلطة عليه تراقبه.. نظر لكوب القهوة أمام وودّ فعلا ارتشاف القليل من القهوة ولكنه كان يشعر بتعب شديد وجسده كأنه أُهلك والألم ينشر برقعه عليه.. فبدأ يمسد رأسه بعد أن شعر بصداع رأسه الذي يفتك به يزداد وكأن خلايا مخه ستنفجر.. تبا لها.. لم يشعر بكل هذا إلا لان برؤيتها..

كانت تنظر له وقد بدا الألم عليه واضحا لها.. فسألته هادرة برقة ذائبة
(لم لا ترتشف القهوة لتتنشط؟ أعددتها لك لعل مفعول الكحول عليك.. هل تريد أن أحضر لك قرص دواء أيضا؟)

صوتها الناعم زاد من استفزازه.. فأرسل لها نظراته الحانقة والغاضبة وحاجبيه المعقودين وكأنها هي آخر شخص يود رؤيته.. لتشعر بالضيق منه.. فقررت معاندته وزيادة كمية استفزازها له لتقول
(إذن.. هيا أخبرني.. إلى ماذا توصلت؟ كيف ستصلح غلطتك؟)

هنا كان قد وصله حده بالتحمل.. فانتفض من مكانه بغضب.. ومسحة من الجزع والقلق ظهرت على محياه لم يستطع إخفائهما.. لكنه توسل لها قائلا
(سارا.. أريحي عقلي الجزع أرجوك وأخبرني أني لم افعل لك شيئا.. أخبريني هيا.. لا تبديني كضحية تعرضت للانتهاك)

بقيت تنظر له بهدوء.. ثم أجابت ببرود وهي لا تبالي بالقلق الظاهر عليه أبدا
(راجي.. كون أن أبدو قوية كعاتي ولم أنهار لما حدث لي فهذا لا ينفي أنك دمرتني ودرمت مستقبلي.. والان إذا قرر والدي أن اتزوج من رجل من هذه البلاد لن أستطيع الزواج أبدا بسببك!)

مهما افتعلت الهدوء إلا انه لاحظ حلقها وكأنه يتشنج من الترقب.. كأنه بانتظار مدى تأثير ما ادعته عليه.. فزفر راجي بحنق وهو يهدر لها بصوت عالي.. وقاسي
(سارا.. بعد التفكير.. لقد توصلت أنك سبق وأقمت علاقة مع غيري وسلمته شرفك.. والان تريدين أن تبليني لأصلح غلطته هو.. لكن لا بأس.. سافعل ما تتمنين وسأتزوجك طمعا في أجر ستر مسلمة وأتمنى من أعماق قلبي أن ما سافعله سيكون فرصة جديدة لك لبدء حياة نظيفة تلتزمين فيها بتعاليم دينك وتراعين تقاليد المجتمع الذي نعيش به)

بالرغم من أن هناك إبتسامة عابثة لاحت على جانب شفتيها ساخرة من كلامه إلا أنها لم تقدر أيضا أن تخفي عليه اختلاج تلك العضلة في جانب وجهها من التوتر والخوف داخلها.. فاقترب راجي بخطى واثقة منها يجلس على نفس الأريكة الطويلة التي تجلس هي فيها..

مع كل ثانية تمر وهو بقربها يسمع دقات قلبها المرتعب فيشعر أن الندم والقلق والخوف الذي يعايشه هو يقل.. حتى أنه سمع صوت حلقها وهي تبلع ريقها بخوف فارتسمت ابتسامة واسعة على محياه جراء تلذذه بتوترها.. قرب رأسه منها فانكمشت ملامحها للحظة وهو يخبرها بصوت كالفحيح عقب أن جمد ملامح وجهه
(كما أخبرتك يا سارا.. أنا موافق أن أتزوجك.. أخبريني التفاصيل فيما بعد وبعد أن تجدي طريقة لإقناع والدك أو شقيقك بالموافقة على زواج مدللته الوحيدة من شاب لا يتجاوز العشرين من عمره ولا يملك وظيفة ولا يزال يأخذ مصروفه من أمه وأبيه وبعدها صدقيني سأتزوجك)

وعقب أن وقف وتجاوزها نحو الباب وهو يتفحص من وجود محفظته داخل سرواله الجينز وصله سؤالها بارتباك
(إذا كنت متفرغا لنعقد قرانا غدا وننتهي)

بالرغم من اندهاشه الشديد لما قالت إلا أنه كان لا يزال على نفس ابتسامته.. إذن تلك الصغيرة إبنة الثامنة عشر ليست هينة بل هي داهية.. وإذا كانت تتوقع أنه غرٌ ساذج فهي مخطئة كليا.. على كل حال الأيام طويلة بينهما وليحقق أمنيتها وليتزوجا غدا.. ويعرف بعدها كيف سيتصرف معها.. فوصلها صوته هاتفا بثبات حاول التسلح به
(حسنا.. فكري إذن أخبريني الليلة بالتفاصيل على الهاتف.. وسنتزوج بصباح الغد)

وأردف بلئم وهو يستدير لها ويرفع سبابته أمامها مهددا
(وليكن بعلمك.. ولا أي فرد من عائلتي سيعرف بزواجي منك لأن سبب زواجنا سينكشف وقتها.. ولن يكون شيئا أتشرف فيه أمام الجميع.. سيستمر لعدة أشهر وسأطلقك بعدها)

وقفت سارا والضهر والغضب واضح عليها من كلامه.. أهانها كما لم يجرؤ أحد على إهانتاها.. استمرت تحدث به وهي تراه يهرع بلبس حذائه الموضوع عند الباب ثم يفتح الباب بعنف ليخرج.. فهتفت له بصوت عالي مهتز
(أنت تظلمني يا راجي.. وستندم لمعاملتي هكذا مع أني أنا الضحية هنا)

لحظة واحد ثم سمعت صوت الباب يُصفق من وراءه.. فعادت تسقط نفسها على الأريكة بقوة وهي تزفر بغضب وترفع عينيها الغارقة بدموعها للسقف وتفكر بقهر.. لم تكن تتصور يوما أنها ستغرم بشخص ليضطرها بأن تقوم بكل هذا.. بعد أن كان الصبيان بمدرستها هم من يحفون لنظرة منها ليأتي هذا الراجي ويعاملها هكذا.. لكن فليصبر حتى يتزوجها رسميا وستعرف حينها كيف تجعله يذوب بحبها.. ستقيده وتختم قلبه بصك عشقها إلى الأبد..
********


كان مراد يقف بالضبط أمام بيت والدة جالا.. يشعر بقلبه يخفق باضطراب قوي.. يتبعثر داخله بلا قدرة له على تهدئته..

كانت رياح هذا اليوم ناعمة تهب عليه لتبعثر مقدمة شعره الفاتح عن جبينه..

تقوم بتحريك الأزهار والأعشاب في حديقة منزلهم وتجعل أغصان أشجار الزيتون تتمايل..

تنهد مراد قبل أن يهم بتوتر لرفع يده نحو جرس المنزل.. لكنه وقبل أن يفعل ذلك ألتفت للخلف على صوت فيصل والد جالا الذي كانت يهتف قائلا بينما يتقدم نحوه بخُطَى موزونة

(لقد رأيت سيارتك تمر من شرفتي وقدمت حالا هنا)

ابتسم مراد له بتهذيب وبداخله ينوي بالفعل أن ينسى كل ما قد سبق وقيل أو حدث بينهم.. خصوصا ما قاله فيصل لوالده عنه..

ثم قال له بهدوء وهو يمرر أنامله على رأسه لعله يستطيع أن يجعل إحساسه المتشائم الذي يشعر به يتلاشى

(أهلا بك يا عم.. هل جالا جاهزة؟ لو أن خط هاتفها مفتوح لكنت اتصلت بها قبل أن أتحدث.. لكن..)

تنهد فيصل بحيرة فراجي لم يرد له أي خبر عن موافقة جالا.. لكنه هز رأسه بينما يخاطبه وهو يضغط على جرس المنزل

(نعم.. فقط انتظر قليلا لأخبرها أن تتجهز)

فُتح باب المنزل بقوة لتظهر سميحة وهي تضع حول رأسها وشاحا مرتخي لبسته بشكل سريع..

رشقت الاثنين أمامها بنظرات متجهمة وهي تقول

(فيصل.. مراد)

فغر مراد فاهه ينوي سؤال حماته عن حالها بهدوء ولطف.. فهو ينوي فعلا أن يطوي كل خلافات الماضي وحتى الإساءات التي تم توجيهها له بصفحات النسيات..

لكن قاطعه فيصل الذي تحدث بصوت قوي

(لا نريد الدخول.. فقط أخبري ابنتك أن تحزم أغراضها فورا فزوجها يريد أن يأخذها الأن)

راحت سميحة ترشق مراد بحقد للحظات مما جعله يشيح نظره عنها.. قبل أن تهدر ببغض وصلابة لفيصل

(لقد سبق وأخبرتك أنها تريد الطلاق ولا تريد العودة له.. هل هناك كلمة بهذه الجملة يصعب عليك فهمها؟ جالا لا تريد من زوجها هذا الذي يقف هنا أي شيء إلا ورقة طلاقها التي تأخر بها)

لم يقدر مراد على لوم والدة جالا على تعاملها معه بهذه الطريقة الحادة..

ولكن مع ذلك.. فهي الأخرى آذته فلماذا لا يضعون كل هذا خلف ظهورهم ويبدؤون من جديد؟

بينما صاح فيصل الذي بدأ الغضب يتصاعد له بعصبية ليقول بينما يرفع يده ليدفع الباب بعيدا حتى يستطيع دخول البيت بقوة

(أي طلاق هذا الذي تريده مدللتك العنيدة؟ على جثتي أن اسمح لها بأن تطلق)

اتسعت عينا مراد بصدمة على طريقة فيصل الهمجية بالدخول للمنزل بينما شهقت سميحة بفزع وهي تقول له باستنكار غير مصدقة تصرفه

(إلى أين تسمح لنفسك بالدخول هكذا؟)

لم يأبه فيصل لأي شيء وهو يتحرك نحو غرفة جالا يصيح باسمها بصوت عالي

(جالااااااا)

فتحت جالا باب غرفتها ثم تراجعت للخلف تقف مقابل والدها بثبات ظاهر وهي تكتف ذراعيها أمام صدرها بينما ترشقه بنظرات حادّة وهي تقول بصوت منخفض

(نعم أبي)

تطلع فيصل لها مزمجرا

(لست بحاجة لإن تحزمي أي شيء من ملابسك.. هيا أذهبي مع زوجك الأن)

وعندما بقيت جالا على وقفتها بدون أن تبدي أي شيء إلا أن تشيح بوجهها عنه وكأنها ترفض ما يقوله ولا رغبه لديها بأن تدخل بجدال معه..

عاد يهتف بها والدها بخشونة

(هيا بسرعة.. ألا تسمعين؟)

عادت جالا تنظر له وهي ترشقه بعناد وإصرار وهي تقول له

(لا أريد يا أبي أن أعود له.. أنا مصرة على طلب الطلاقِ.. فهذه حياتي أنا ولا أحد يملكُ أن يفرضَ عليّ أمرًا لا أرغبه)

لم يستطع فيصل أن يمنع نفسه من الصراخ في وجهها بانفعال

(حياتك أنتِ؟ من علمك هذه الترهات؟ هل تظنين نفسك ما زلتي مراهقة؟ كفي عن عنادك ودلالك.. فأنتِ امرأة متزوجة الآن)

فكت جالا ذراعيها وهي تتنهد بمرارة لتهمس له باختناق وعيناها تترقرق بالدموع من صراخ أبيها عليها ومراد بالخارج قد يسمع محادثتهما

(ألا ترى يا أبي بوضوحٍ أني تعبت ِبحياتي معه؟ أخبر مراد بالخارج أني لا أريد العودة له.. أساسا يُفترض أن تكون مشاعري وصلته بعدما فعله بي هو وأمه.. لذا لا تحاول يا أبي أن تفرضه عليّ)

قيّد والدها معصمها بعصبية وزمجر بتهديد خشن وهو يقرب وجهه منها

(قلت لك ستعودين له الآن.. ورغما عنك.. هيا البسي أي شيء فوق ملابسك ورافقيه الآن ولا تدعيه ينتظر سيادتك أكثر.. لا أريدك أن تبقي هنا)

والدها يرفضها.. الكل يرفضها فيما يبدو.. يريدون إرجاعها لمراد حتى مع رفضها الأمر بصراحة..

لا يستوعبون أنها أصبحت تكرهه ولا تريد العيش معه بل لا تطيق حتى التفكير بالرجوع عنده والعودة لمخالطة والدته أو يارا..

عندما شدد والدها قيده لمعصمها تأوهت جالا ببكاء وهي تدفن وجهها بكفها الأخر ولكن ذلك لم يؤثر بغضب وإصرار والدها قيد أنملة..

بل جعله يتركها بقوة وهو يفتح دولاب ملابسها ليخرج منه معطفا طويلا منه ووشاحا أسود ثم يرميهم على سريرها يأمرها أن تلبسه..

شهقت بينما تمسح دموعها وترتدي المعطف فوق ملابسها البيتية ثم تضع الوشاح حولها بإهمال أمام أعين والدها الغاضبة ووالدتها المشفقة عليها والحانقة على والدها..

وعندما خرج فيصل من غرفتها استدار للخلف يراها واقفة بمكانها ونظرها مرتخي للأسفل وكأنها عادت لعنادها ترفض الخروج..

فعاد الغضب يشتعل بعينيه وهو يعود لغرفتها يسحبها من معصمها ويضغط عليها بقوة لتئن بوجع وقهر بينما يقول لها

(جالا طلاقك بالنسبة لي سيمثل وصمة عار.. بل سيحط من قدري ويمرغ أنفي في التراب أمام من حولي لو تطلقت بعد عدة أشهر من زواجك.. هل تفهمين؟)

تجاهلت كلامه وهي تحاول أن تحرّر معصمها من قبضته دون أن تقدر..

أوقفها والدها بقسوة ونظراته الحادة يوجهها لها وهو يهمس لها بهسيس وتهديد

(والله يا جالا إذا لم تذهبي الآن معه سأضربك أمامه دون أن يرّف لي جفن وأنا الذي لم يسبق وأن لمست احدى بناتي طوال حياتي.. هل ستحبين أن تجري نفسك لتتعرضي للإهانة أمامه؟)

انكمشت جالا على نفسها لتبكي بصوتٍ عالٍ من كلامه.. فزفر فيصل وهو يهتف بضيق مكررا

(كفي عن البكاء.. لا تبكي)

عضّت جالا شفتها السفلى وأغمضت عينيها بأسى مستسلمة له لتهز رأسها وتطيعه مغمغمه ببكاء

(حسنا)

نظرت سميحة إليها ولدموعها التي تسيل على خدّيها بينما ترى فيصل يجبر ابنتها بعنف فشعرت بأنها تريد أن تلكم فيصل بوجهه..

ولكنها كانت تعرف بأنه لن تقدر عليه.. وخصوصا أن راجي الذي خيب ظنها فيه ليس هنا ليوقفه عند حده ويمنعه من إجبارها..

فأغمضت عينيها وهي تشعر بعجز ثم فتحتهما وهي لا تجد أمامها إلا أن تقول وهي تقترب منهما باقتضاب متمتمه من بين أسنان مطبقة

(كيف تسمح لابنتك أن تعود لعائلة زوجها الذين تحدثوا عن شرفها بسوء بهذه البساطة؟)

تشدق فيصل لسميحة بتهكم وهو يقول لها بنظرات شراسة

(قلنا انه كان سوء تفاهم وانتهى.. لماذا تكبرون الموضوع هكذا؟ ثم ألا تعرفين أن ابنتك هي السبب بتفكيرهم هذا وسوء ظنهم بها؟)

شدد فيصل على معصم جالا الذي يمسكه بقوة بينما يقول

(اذهبي هيا يا جالا لن أكرر كلامي.. لا طلاق عندي.. هل تفهمين؟ وإذا لم تعلمك والدتك كيف تحترمين زوجك وتطيعينه وتلزمين بيتك فدعي زوجك يعلمك ويعيد تربيتك)

قال جملته الأخيرة بصوت عالي وهو يجرها من معصمها نحو باب المنزل الذي لا يزال يقف عنده مراد..

مراد الظاهر على وجهه ضيق شديد بينما عيناه شاردتان بالأمام كان يتكئ على الباب وساعديه على صدره بينما ساقاه مائلة للأمام..

وما إن سمع صوت فيصل العالي يصرخ على جالا حتى شعر بخلاياه تنتفض.. وكأن هناك لهيب يسعر بداخله..

فرفع رأسه وهو يعتدل بوقفته فتبرق عيناه بشوق لرؤية جالا أخيرا بعد أكثر من شهر من ابتعادها عنه..

لكن وكم ألمه وأهتز قلبه وجعا عليها وهو يراها تبكي بوهن..

لكم أراد أن يتخلى عن وقوفه هنا وبروده ويضمها ليتأسف عن كل شيء أخطأ به هو أو عائلتها بحقها..

كل ما فيه كان يهوي بينما صدره يئنّ ألما.. لكن عقله فجأة ابتدأ بالاحتجاج..

ألا يجب عليه أن يمنع أن يتم إهانتها بهذا الشكل حتى ولو كان من يقوم بذلك هو والدها؟

وقف فيصل أمامه عند الباب وجالا التي سحبها من معصمها ليهتف لها وهو يلقي عليها نظرة تشع شررًا بهدوء لا يخلو من الصرامة أمام مراد

(لو تجرأت يا جالا وجئت هنا لبيتي أو بيت والدتك فلن أتردد بكسر قدميك.. هل تفهمين؟ فقط عليك أن تطيع زوجك وتلزمي.. أجيبِ هل تفهمين؟)

كان يتعمد فيصل إلقاء كلماته عليها أمام مراد الذي نكس نظره للأسفل وهو يشد على كفه المقبوض ويحاول بصعوبة شديدة لجم انفعاله حتى لا يعقد الأمور أكثر..

لحظات ثم رفع مراد نظره ليمسك معصم جالا بعد أن نزعها من فيصل بهدوء رغم نظراته التي تكاد أن تفتك به..

وللعجب لم تمانع جالا مسكه لها وهي ترضخ له ببساطة بعد أن كسرها والدها أمامه بهذه الطريقة المهينة وبمنتهى الذل الهوان..

وكم كرهت أبيها بهذا الموقف.. كرها يضاف لكره سابق.. وكأنها كتلة لا تحمل بداخلها إلا الكره لكل شخص ولكل شيء..

سمع مراد فيصل يوجه له الكلام

(إياك أن تأبه أو ترد على كلامها عن الطلاق يا مراد مهما طلبته.. أنت زوجها وأنا أثق بك وأترك لك مسؤوليتها كاملة)

أمسك مراد نفسه عن الغضب وعدم انفلات أعصابه والذي بدا وشيكا لو سمعه يؤذي أو يهين زوجته مرة أخرى وهو يهز رأسه له..

ثم استدار للخلف يخطو نحو سيارته بسرعة وغضب لا زال يسكنه من كلام عمه فيصل وهو يمسك جالا من معصمها النحيل فتسير خلفه ونظرها منخفض للأسفل وهي لا تزال تذرف الدموع على وجنتي وجهها المحمر..

فتح مراد باب سيارته الأمامي لجالا إلا أنها وبعناد تجاهلته وهي تفتح الباب الخلفي وتجلس بالداخل وهي تغطي وجهها بكفيها وتنتحب بصوت مكتوم..

تنهد مراد بألم وكم تمنى لو يجلس بجانبها ليمسح دموعها التي تغمر وجهها بشكل مؤلم..

أغلق باب سيارته وهو يسير حولها ليركب بمقعده خلف المقود..

بقي نحيب جالا المرتعش مستمرا طوال الطريق كنار مستعرة تنهش بقلبه..

ألمه بشدة أن يراها بهذا الضعف فقلبه لم ولن يرضى أن يشهد عليها هذا الهوان..

ركن مراد سيارته أمام منزله ما أن وصل لتفتح جالا فورا الباب وتنزل منها مسرعة نحو الشقة.. هتف مرا لها بصوت عالي

(انتظري.. فالمفتاح معي)

توقفت مكانها لتستدير للخلف وتخطو نحوه لتأخذ المفتاح منه بعنف بينما تعود لتتحرك سريعا نحو شقتهما بالطابق الثاني من هذه البناية وكأنها تهرب من مواجهته أو مواجهة أحد من عائلته..

بعد دقائق دخل مراد شقته من خلال الباب الذي كان مفتوحا من الأساس وهو يتطلع بنظره لغرفة نومهما..

كان صوت بكاء جالا عاليا.. لا بد أن عيناها الآن متورمتان من كمية الدموع التي ذرفتها اليوم فقط..

اتجه نحو الغرفة ورفع قبضته ليطرق الباب إلا أن توقف وهو يشعر بقليل من التوتر..

لا يريد أن يدخل لها ويضغط عليها.. يريدها أن تهدأ قبل أن يتحدثا بأي شيء..

ولا بد أنها ستستصعب أن تجعله يراها بهذا الشكل..

رن هاتفه فأخفض يده وهو يخرج هاتفه من جيبه يجيب عليه ليصله صوت والده

(سمعت وقع أقدام على الدرج.. لقد وصلتما صحيح؟)

أجابه مراد ببرود

(نعم أبي وصلنا)

فسارع والده يخاطبه بحزم

(مراد.. لا تعطي للنساء وجه.. كل ما شعرت أنك تريدها وحالك واقف عليها ستزيد.. إياك أن تقول لي الآن أنها تريد المزيد من الوقت.. كل هذا دلال وكلام فارغ.. ثم هل زوجناك طفلة صاحبة خمس سنوات لتربيها ونحن لا ندري؟ هل اقسم لك أن العمر ليس لعبة حتى يضيع بهذه التوافه؟)

قاطعه مراد بغضب

(أبي مهلا توقف.. على رسلك بالكلام حتى استوعب ما تقوله)

رفض والده التوقف وهو يصرخ به قائلا بإصرار

(مراد أريد منك الآن أن تخبرها الآن أن تكون زوجة وتعود لك أو تطلقها فورا وتبحث عن سعادتك بلا أي تضييع للوقت.. وحكاية أنها لم تعتاد بعد عليك فقد اكتفيت ولا أريد سماع المزيد منها.. جعلنا منها حكاية ألف ليلة وليلة..)

استشاط مراد غضبا من والده فصرخ به وهو يفرغ كل المشاعر السلبية التي مر بها قبل قليل به

(أبي أنا حقا لا أعرف بماذا كنت تفكر وأنت تتصل بي.. هذا أمر خاص بي وبزوجتي فلا تدخل به لا أنت ولا أمي لأني لن أسكت بعد الأن)

لقد قضى فترة طويلة من الإرهاق والعذاب النفسي والمعنوي بما فيه الكفاية..

سواء من الأخرين من حوله أو من والده الذي بقي يعامله بفتور وقسوة..

كأنه هو ابنه الوحيد انتهى كرجل بالنسبة له وأن قيمته نقصت عنده كثيرا كزوج عاجز عن تلبية احتياجات زوجته.. بالنسبة له..

وهو ليس مستعدا ليعود ويمر بكل هذا مجددا أمامهم..

فأغلق مراد الهاتف على أبيه فورا وهو يرميه على الأريكة بعنف شديد..

بينما كان محمد يفتح عيناه على اتساعهما لا يصدق تصرف ابنه..

فمن المستحيل أن يجرؤ مراد على الصراخ بوجهه بعدم احترام أو أغلاق الهاتف عليه بهذه الطريقة..

وجد نفسه بغضب وبأسلوب تهكمي يهتف بزوجته التي تقف أمامه وتنظر له بوجوم

(أنجبتِ يا روعة فعلا.. هل سمعتي ما قاله ابنك لي؟ هل بعد كل ما سمعتيه يقوله ستبقين على إصرارك بتزويجه مرة أخرى؟ لن أقسم بالله لكني متأكد أن العيب منه هو)

سارعت روعة تدافع عن ابنها بخوف

(لا تقول عنه ذلك.. ربما تحججت ابنة سميحة أمامه مرة أخرى.. كان عليه تطليقها والتزوج من أخرى)

إلا أن محمد صرخ بغضب مستعر وهو يرمي ما تطاله يده على الطاولة الموضوعة أمامه وهو يقول

(اغربي من أمام وجهي حالا.. يبدو أني سأعود لهجر البيت كله بلا رجعة.. وأنتِ الأخرى بدلا من البحث عن زوجة أخرى لابنك علميه كيف يكون رجلا مع زوجته الحالية.. ليتني زوجته فتاة من الشارع ولم أزوجه ابنة فيصل)

قالت روعة متبرمة بصوت منخفض وهي تبتعد عنه ببطء خوفا من ردة فعله

(ألم أخبرك يا محمد من البداية ألا تزوجها له.. لكن كالعادة تتجاهل كلامي وبعد ذلك تأتي متذمرا تشكو من النتيجة..)

كلام روعة جعل غضبه يزيد ليصرخ بها بصوت أعلى

(أخرسي واغربي من أمام وجهي.. لم أعيد أطيق رؤيتك أو رؤية ابنك.. فلتذهبوا جميعا للجحيم)

بينما كان مراد بالأعلى يجلس بتوتر وهو يهز قدمه.. فبكاءها ونحيبها المستمر يمزق نياط قلبه..

تنهد وهو يقوم من مكانه ليحاول أن يفتح عليها الباب بحذر شديد إلا أنه صدم من كونها أغلقته عليها بالمفتاح..

فوجد نفسه يسألها بصوت حنون وهامس

(جالا حبيبتي هل أنتِ بخير؟)

كانت جالا بالداخل تستلقي على سريها منكمشة على نفسها وتدفن وجهها في الوسادة..

تشعر بالقهر الشديد ويتملكها الحزن والتعب الشديدين هذه المرة ورأسها مليء بالأفكار الحزينة والسيئة..

لم يلقَ مراد منها أي ردا..

فلم يجد ما يفعله إلا أن يبتعد عن الغرفة ويتركها على راحتها فهو لا يريد أي شيء إلا أن يطمئن عليها..

صحيح أنه كان يفكر طوال المدة الماضية يفكر كيف تعود لحياته.. ولكن أبدا لم يرد أن تعود له رغما عنها بهذه الطريقة المهينة..

*****



التعديل الأخير تم بواسطة **منى لطيفي (نصر الدين )** ; 06-02-20 الساعة 12:45 AM
Hya ssin غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 03-09-19, 09:02 PM   #3

قصص من وحي الاعضاء

اشراف القسم

 
الصورة الرمزية قصص من وحي الاعضاء

? العضوٌ?ھہ » 168130
?  التسِجيلٌ » Apr 2011
? مشَارَ?اتْي » 1,938
?  نُقآطِيْ » قصص من وحي الاعضاء has a reputation beyond reputeقصص من وحي الاعضاء has a reputation beyond reputeقصص من وحي الاعضاء has a reputation beyond reputeقصص من وحي الاعضاء has a reputation beyond reputeقصص من وحي الاعضاء has a reputation beyond reputeقصص من وحي الاعضاء has a reputation beyond reputeقصص من وحي الاعضاء has a reputation beyond reputeقصص من وحي الاعضاء has a reputation beyond reputeقصص من وحي الاعضاء has a reputation beyond reputeقصص من وحي الاعضاء has a reputation beyond reputeقصص من وحي الاعضاء has a reputation beyond repute
افتراضي

اهلاً وسهلاً بك بيننا في منتدى قصص من وحي الأعضاء ان شاء الله تجدين مايرضيك موفقة بإذن الله تعالى ...

للضرورة ارجو منكِ التفضل هنا لمعرفة قوانين المنتدى والتقيد بها
https://www.rewity.com/forum/t285382.html

كما ارجو منك التنبيه عندما تقومين بتنزيل الفصول على هذا الرابط
https://www.rewity.com/forum/t313401.html

رابط لطرح اي استفسار او ملاحظات لديك
https://www.rewity.com/forum/t6466.html



واي موضوع له علاقة بروايتك يمكنك ارسال رسالة خاصة لاحدى المشرفات ...

(rontii ، um soso ، كاردينيا73, rola2065 ، رغيدا ، **منى لطيفي (نصر الدين )** ، ebti )



اشراف وحي الاعضاء




قصص من وحي الاعضاء غير متواجد حالياً  
التوقيع
جروب القسم على الفيسبوك

https://www.facebook.com/groups/491842117836072/

رد مع اقتباس
قديم 04-09-19, 02:18 PM   #4

Hya ssin

? العضوٌ?ھہ » 450526
?  التسِجيلٌ » Jul 2019
? مشَارَ?اتْي » 942
?  نُقآطِيْ » Hya ssin is on a distinguished road
Rewitysmile9


الفصل الأول

كانت إشراقة شمس اليوم بداية مرحلة جديدة من حياة هيام.. الحياة الجامعية، مرحلة تبدأ بعد انتهاء مشوار اثني عشرة سنة دراسة في المدرسة.. مرحلة ستكون مختلفة كثيرا عما يسبقها في رحلة التعليم..
كيوم أول لها.. شكّل نوعاً من الخوف في داخلها، ونوعا من الانبهار بالوقت ذاته.. فهناك الكثير من الاكتظاظ في الجامعة خصوصا خلال اليوم الأول، وهناك الآف الطلاب ستمر بجانبها.. طلاب بشكل عام حضروا من أماكن مختلفة وثقافات مختلفة..
بالرغم من أن قلة كبيرة من الفتيات بقريتها يخترنّ الدراسة بدلا من الزواج خصوصا أيامها.. أيام التسعينات.. لكن تأثير والدتها سميحة كان له الأثر الأكبر عليها.. فهي دائما ما تنصها باتخاذ الشهادة كأولوية لها قبل كل شيء..
استيقظت هيام في تمام السادسة.. أنهت من استحمامها ثم بدأت تلبس ثيابها، التي كانت عباره عن سروال جينز باللون الرمادي، وقميص اسود مع ستره من نفس لون الجينز، ثم ارتدت حذائها الرياضي.. لقد حذرتها عبير ابنة خالتها التي تكبرها بسنة بأنها ستمشي مسافات طويلة..
سرحت شعرها وتركته بانسيابيه على كتفيها.. ومن ثم أخذت حقيبتها تحملها لتضعها على طاولة المطبخ لتعد إفطارها.. لم تضع مساحيق التجميل، فجمالها طبيعي وهادئ لا يحتاج لشيء يظهره..
والدتها وإخوتها راجي وجالا نائمون في هذا الوقت.. لا يلزمهم النهوض قبل ساعة من الآن على عكسها هي.. عليها النهوض مع آذان الفجر تلاحق نفسها لتتجهز وتصل بالوقت المحدد لجامعتها.. كانت قد أنهت كل شيء لتخرج مهرولة للمكان الذي اتفقت فيه أن تلتقي عبير..
لم يتحمس أحد من والديها ليومها هذا بما فيه الكفاية لينهض معها ويشاركها في كل خطوة للاستعداد اليوم بالرغم من أنها أكبر إخوتها بسنوات وأول فرحتهم وأول من سيخوض منهم هذه التجربة..
بالرغم من طلاق والديها.. وتزوج أبيها مرة ثانية وإنجابه أربع فتيات من الأخرى.. إلا أن والدها سكن بنفس الحي التي تسكن فيه هي مع إخوتها وأمها لذا لم تشعر مجملا بافتقاد والدها.. كانت تزوره بشكل يومي وتجلس عنده بالساعات.. لكن الآن ومع دخولها مرحلة أخرى بحياتها لا بد أنها ستكون مشغولة وستكتفي برؤية أبيها نهاية الأسبوع فقط..
اكتفى والدها الأسبوع الماضي بمرافقتها من اجل استكمال أمور التسجيل، والتجوال بين الكليات والممرات قليلا للتعرف على قاعات المحاضرات وأماكنها..
خرجت من البيت وأغلقت الباب خلفها.. لن تنكر مدى التوتر والخوف والرهبة التي تنتابها في هذا اليوم.. خاصة وأنها ستنتقل من مجتمع المدرسة الصغير إلى مجتمع أضخم وأكبر.. ولن تكون على دراية بمن هم برفقتها كالمراحل السابقة.. ولكن رهبتها قلت عندما وعدتها عبير بانها سترافقها وتلازمها بأول أسبوع لها حتى تعتاد الذهاب لوحدها، وتجد الرفقة المناسبة لها.. عبير بالإضافة إلى أنها تكبرها بسنة.. فهي فتاة جريئة ومندفعة وواثقة بنفسها..
والدتها اكتفت ببعض النصائح التقليدية على سفرة العشاء العائلية بالليلة السابقة مثل الذهاب إلى الجامعة باكراً فالمُحاضرون يفضلون الطلبة المجتهدين، طلبت منها الابتعاد عن تجمعات الفتيات والشلل المشبوهة والمشكوك بها قدر الإمكان..

*****

وصلت الحافلة التي تُقِل الفتاتين لصرح الجامعة، لينزل جميع الطلاب منها ويدخلوا من البوابة الرئيسية المخصصة لهم، يرفعون هوياتهم الجامعية الورقية للحراس إذا ما طلب منهم..
تأملت كل ما حولها.. منبهرة بجمالية وضخامة مركز جامعتها بالرغم من أنها ذهبت إليها الأسبوع الماضي...
سألتها عبير ما إذا كانت متوترة خصوصا وأنها ستنصدم في اليوم الأول لها بكم هائل من الطلاب، لكن هيام نفت بغير تأكيد، ثم أضافت مبتسمة
(ربما أنا منبهرة يا عبير.. رؤيتي للكثير من الطلاب واختلاف الثقافات كلها لا تخيفني.. بل انظر إليها كعالم جديد، متحمسة لأمضيه وأعيشه)
بادلتها عبير الابتسامة لتقول
(وفي حال كان في المحاضرة مئة طالب وطالبة على سبيل المثال.. أنت لست مجبرة بمعرفتهم، وأسمائهم لا تعنيك، وهم زملاء معك في المحاضرة لا أكثر.. عندما كنتُ بسنتي الأولى.. كنت في أول أسبوع احضره أعيش في رعب شديد من الحياة الجامعية وما اسمعه عنها وكنت اشعر بأنني سأكون ضائعة في وسط الأعداد الكبيرة جدا بالجامعة فالفارق كبير بين المدرسة والجامعة.. الآن عندما أتذكر تلك الأيام اضحك على نفسي)
استمرا بالمشي مرورا بالبوابة الضخمة.. ثم حدقت عبير بنظراتها نحو الشجرة الضخمة التي أمامها فتوقفت لتومئ بعينيها لهيام لتنظر إلى علو وشهاقه الشجرة.. ثم طلبت منها أن تجلسا معا على العشب ويستضلا تحت ظلها.. استرخيتا وهم جالستان وتتأمل كلتاهما الأجواء من حولهما.. بقيا على هذا الوضع لدقائق.. فمن فرط نشاط وحماس هيام، جعلتها تذهب معها باكرا لتصل الجامعة وما يزال هناك متسع من الوقت وأكثر من نصف ساعة قبل أن تبدأ أولى محاضراتهن..
تنحنحت هيام بصوت عالي وهي تتطلع لعبير بوجه ساخر ولهجة عابثة
(تبدين سعيدة جدا اليوم ومتحمسة يا عبير.. ظننت أنك ستكونين تعيسة مع بدء العام الدراسي الجديد والعودة لمقاعد الدراسة خصوصا وأنك لست مستجدة متحمسة ساذجة مثلي)
ردت عبير على الفور بحاجبين معقودين وهي تحاول أن تمنع نفسها من أن تبتسم بلا فائدة
(أنا دائما سعيدة.. ربما اليوم فرحتي وابتهاجي زائدة بالرغم من انتهاء إجازتي، لأني أخير سألتقي بصديقاتي بعد غياب أشهر.. اشتقت لهن كثيرا.. تعرفين أغلبهن لسن من مدينتنا.. ولا يمكنني أن التقيهن وجها لوجه بالإجازة)
غمزت لها هيام بعينها اليسرى وهي تبتسم بنفس العبث مضيفة
(الست أيضا مبتهجة للقاء شخص معين على وجه الخصوص؟)
غطت فاها بيدها ثم مالت لها هامسة
(حمستني للقاء هذا الإياد أكثر منك.. لم تريه منذ أشهر.. صحيح؟)
ضربت عبير بيدها كتف هيام بخفة وهي تحافظ على ابتسامتها التي تتسع رغما عنها..
عم الهدوء بينهما لدقائق.. كان عيون عبير ذاهبة كأن ذهنها شارد بمكان أخر قبل أن تلتفت لهيام تخبرها بإماءة
(لدى إياد شقيق يصغره بثلاث سنين أي هو بعمرك، ربما يكبرك ببضع أشهر)
ذهلت هيام منها، يبدو أن علاقتهم جدية لحد أن عبير تعرف كل شيء عن إياد وعائلته وحتى أدق التفصيل.. استرسلت عبير
(إياد من عائلة متوسط الحال، تقريبا مثلنا أو اقل بقليل.. وبالرغد من أن والديه غير متعلمان إلا انهما حرصا على توفير كل شيء لخلق بيئة مناسبة لتربيتهما وتنشئتهما كما يريد أي أهل بالدنيا.. هم فخوران بما حققاه كل من إياد وشقيقه احمد.. هما لم يجبرا إياد على دخول تخصص معين، أو حتى الانتساب للجامعة من الأساس.. أنا حقا أحب شخصية إياد، ليس كغيره من الشباب المدللين الفاسدين الذين رأيتهم بحياتي، لكن أحزن عليه أحيانا.. أخبرني انه يريد أن يعمل ليساعد والده بالمصروف ولكنه لا يستطيع.. لأنه لن يوفق بين دراسته وعمله.. لذلك أحيانا يشعر بانه عبء على والديه.. كان يفكر بان يدرس لسنة ويأجل سنة دراسية فيعمل بها ويدخر لرسوم الساعات)
كانت تلاحظ عبير أن إياد يلبس دائما نفس البدل الجامعية وعدد قليل من القمصان والأحذية.. فلم يكن صعبا عليها الاستنتاج انه متوسط الحال تقريبا.. لكن أردفت بفخر وبنبرة شديدة الاقتناع
(أنا لا يهمني حتى لو لا قدر الله لم يكتب له إكمال دراسته، لن انظر له بأقل مما سبق.. هل تعتقدين أنه من يوفق من زملائه ويكمل للنهاية سيكون أفضل منه أو اعقل منه ونحوها؟ لا طبعا فعقل الإنسان ومواهبه لا تقاس بكرسي يقبع فيه بين أربع جدران واسعة بل بهمته وطموحه وحسن ظنه بربه.. فأياد كما يقولون رجل رجله في الثرى وهامة همته في الثريا)
ابتلعت هيام ابتسامة دهشة أثناء إصغاءها لعبير وهي تضع يدها في جيوب بناطلها وعيونها تارة تنظر أمامها بالمارة على الطريق وتارة تنظر لعبير.. يبدو انه علاقتها وتفكيرها به جدية جدا.. بعد لحظات.. تصنعت عبير التفكير قليلا قبل أن تعود لطبيعتها المرحة وهي تخبر هيام
(هيام اعرف أن ظاهرة العلاقات بين الشباب والفتيات ستستدعي اهتمامك، فهي تمثل لك للوهلة الأولى الحب وجو رومانسي حيث يجلس كل اثنين متشابكي الأيدي.. تتلاقى نظراتهما بحب لبعضهما.. لكن هذا الأمر غير صحيح.. صدقيني بعيدا عن كلامنا الآن.. لكن صدقيني طوال سنتي الماضية.. أنا بالكاد تحدثت والتقيت بإياد خارج محاضراتنا.. كما أن أخي عمروا يعرفه وإياد معجب به.. عدا عن ذلك أنا لم اجلس أو امشي معه منفردا.. كل ما بيننا مجرد أحاديث دراسية وأخرى رسمية جدا، إنه يعرف أخي عمرو وقد دعاه لوجبة غذاء في منزل عائلته وطلب مني مرافقته إذا استطعت)
شعرت هيام بالحرج من كلام عبير وتخبطت لا تعلم بما ترد عليها.. صحيح أنها من قرية صغيرة ولم تجرب الاختلاط والسفر كثيرا.. ولكن ليس كأنها متحمسة لفكرة دخول الجامعة لأنها تتمنى العثور على الحب داخل أسوارها، حتى ولو سمعت قليلا عن قصص الحب في الجامعة.. وترى بداخلها بعض الثنائيات.. لا تعرف إذا كان هذا حب حقيقي أم مجرد تسلية.. ولن تعرف إلا إذا عاشت الجو بنفسها.. ولكنها تكرر على نفسها.. والديها أرسلاها هنا للدراسة لا لشيء أخر وهي ليست من النوع التي ستخاطر وتضيع الثقة الموضوعة فيها لأي سبب ولأجل من كان..
التفتت لها وهي تطالعها بهدوء وابتسامة عذبة على شفتيها لتهتف لها
(حسنا يا عزيزتي وبعيدا عن الحديث عن الحب والغرام.. فالحياة الجامعية جميلة جدا، وحياتك قبل الجامعة لن تكون هي ذاتها حياتك بعد الجامعة، ستتغير كثيرا.. إلا إذا لم تقومي بأداء شيء في الجامعة، سوى حضور المحاضرات)
رفعت هيام احدى حاجبيها لترد عليها بنفس السخرية
(لما تحدثيني كأني الفتاة المجتهدة بيننا.. بالكاد استطاع معدلي بالثانوية العامية أن يسمح لي بان أتخصص بالرياضيات.. لطالما كان التخصص المستقبلي لي هو السؤال الأكثر إلحاحاً الذي تراود لذهني ولا أُلام على ذلك حقيقة..)
نظرت عبير لها متوجسة
(لماذا تتحدثين كأنك اخترت التخصص مرغمة أو بغير اقتناع؟)
ضحكت هيام بخفوت قبل أن تستلقي بجسمها كاملا على العشب، تضع ذراعيها تحت رأسها غير آبها لمظهرها وخصوصا أنها بأول نهار لأول يوم دوام رسمي لها، أغمضت جفنيها وسحبت نفسا عميقا تضخم لها صدرها ثم أطلقته وهي تقول بجدية
(الأمر ليس كذلك، لكن أنا لا أريد حقا أن أصبح معلمة، لطالما كنت أنا وصديقاتي بالمدرسة نسيء ونسخر منهن كثيرا.. لم نترك أنشأ واحد فيهن من دون تعليق لاذع عليه، غير نشر الإشاعات الكاذبة والصحيحة.. لكن الآن اشعر بالندم، أكره أني لن أستطيع العمل بشهادتي إلا كمعلمة، لا أريد أن أصبح معلمة وان يرد اللي كل ما قمت بفعله مع غيري)
أومأت عبير رأسها بتفهم لها لتقول بهمس متهكم عقب رقودها الأخرى مستلقية بجوار هيام
(كما يقولون الدنيا دوارة)
بقي الصمت ساكن بينهم لفترة، يستمعون ل تغاريد العصافير على الشجرة التي يتمتعون بظلها قبل أن تتنهد هيام براحه وتسألها والابتسامة لا تفارق وجهها
(إذن لم يسبق وان أخبرتني لماذا دخلتي الطب؟ هل بسبب حصولك على معدل مرتفع؟ أم لحبك للتخصص نفسه؟)
ردت عبير بتلقائية
(لا هذا ولا ذاك، إنما لأن والدي وأخي الذي يكبرني قد سلكوا هذا المسلك قبلي كما تعلمين وأصبحوا أطباء.. فقررت ألا أكون أقل منهم)
رفعت هيام رأسها قليلا تنظر لعبير بحنق وهي تقول لها بتعابير جادة للغاية
(إذا كنت تشعرين أن الطب غير مناسب لك، قومي بالتحويل الآن، هذه حياتك وأنتِ من ستعيشها لا عائلتك.. كما أنه مع التقدم بالمواد ومتطلبات التخصص سيصبح التخصص أصعب.. وإذا لم تكن ميولك مع الطب فلن تتحمسي لإكمال الدراسة.. لطالما تحدث والدك بقلق أمامنا عن انعدام حماسك ومعاناتك والصعوبات الكثيرة التي واجهتيها منذ أن درستِ الطب)
ابتسمت عبير لها باستخفاف قبل أن ترد مؤكدة
(مواجهتي صعوبة في بعض مواد ليست مؤشر كافٍ بأن الطب لا يناسبني، فكل التخصصات تحتوي على مواد تصعب على الجميع.. كما أن انعدام الحماسة الكافية للدراسة لا دخل بعدم توافق ميولي مع الطب.. السبب كان هو فقط ضغط الدراسة علي.. وانا لن اسمح للضغوط أن تسبب لي تشوش في الحكم، فأبني عليها قرارات مصيرية لحياتي)
أكملت وهي تعاود إغلاق عيونها وتضيع يديها تحت رأسها وتقول بصوت ناعس
(كنت معتادة من صغري أن أكون المميزة بكل مكان اذهب إليه.. لكن الذي حدث أن دخولي للطب وتفوق الكثير من طلاب دفعتي علي في بعض المواد، وامتلاك الكثير منهم قدرات أفضل مني في نواحي عديدة جعلني سلبية قليلة.. ولكن الآن أنا بسنة جديدة وصفحة جديدة، سأحاول أن أتعلم من أخطائي السابقة وأتأقلم أكثر)
هتفت هيام ببساطة
(معك حق، خصوصا صعوبة الاستيقاظ من النوم سنجده في أغلب التخصصات..)
فابتسمت وهي تكز عبير قبل أن تنتفض واقفة وتنفض الغبار عن نفسها وهي تغمز لعبير قائلة لها بشقاوة
(ربما شقيق إياد سيحضر معي احدى المحاضرات والتقي وأتعرف به)
ضحكت الفتاتان معا قبل أن ينهضا سويا يستعدان ليومهم الحافل والذي سينتهي بإرهاق تام وتعب ومواصلات مزدحمة متأخرة تجعل كلتهما يعيدان النظر بموضوع إكمال تعليمهم.. فبالنهاية الحياة الجامعية ليست هي الحياة النهائية للإنسان وبدونها تتحطم حياته.. بل العكس أغلب المكتشفين والعباقرة لم يتخصصوا في الجامعة.

*****

كانت تهرول هيام وتسابق خطواتها للوصول لقاعة محاضرتها الأولى بالوقت المحدد.. لا تصدق تصرف عبير اللئيم تجاهها.. اليوم هو أول يوم بأسبوعها الثاني.. فقط لأنها تأخرت قليلا عليها رفضت عبير انتظارها وسبقتها للجامعة.. هذا أول يوم لها تذهب لوحدها.. تاهت كثيرا وضاعت عن كليتها فداهمها الكثير من الوقت وربما ستتأخر عن محاضرتها..
أخيرا وصلت للمكان المخصص ودخلت لتجلس بإحدى المقاعد..
تنهدت بهدوء ونظرت للطلاب حولها، هي فعلا تحاول أن تتكيف مع وضعها الجديد، الآن هي بالجامعة.. الكافتيريا.. المدرجات الدراسية.. الموعد الجديد.. المحاضرات.. عدم الالتزام باللباس التقليدي.. ابتسمت.. فقد كان تلهفها هو الأكبر من بين كل هذه المشاعر.. نعم هي متلهفة لكل شيء مع بداية هذا الترم الدراسي...
مرت أكثر من ثلث ساعة حتى تنبهت لاحد الطلاب يقول بصوت عال للحاضرين انه يحق لهم الخروج من القاعة إذا ما تأخر المحاضر أكثر من هذا الوقت، فما كان منها إلا التقاط دفترها ووضعه في حقيبتها بحنق وهي تتطلع إلى باقي الطلاب المتذمرين.. كان عليه أن يعتذر ولا يتغيب بشكل مفاجئ تحديدا بمحاضرة الصباح فهل هناك أسوء وأصعب من النهوض مبكرا لأجل لا شيء..
قامت هيام من مقعدها لتخرج من القاعة..
ما أن وقع نظرها بشكل عفوي على رقم القاعة التي خرجت منها حتى صعقت عندما عرفت أنها دخلت القاعة الخطأ.. استدارت تركض بسرعة لقاعتها الصحيحة..
وصلت حتى نظرت إلى شباك الباب الشفاف بلهفة لترى ما إذا وصل المحاضر أم لا، استطاعت أن ترى الحضور ببداية القاعة فقط.. رأت الطلاب بالداخل جميعهم جالسين على المقاعد وهادئين، تأكدت أن المحاضر موجود، ربما هو يجلس في أخر القاعة، وربما يطردها لو دخلت متأخرة، الأفضل أن تذهب ولا تحرج نفسها، ما أن همت أن تستدير حتى لاحظت أحد الطلاب بالمقدمة يقف ذاهبا للنافذة بجواره يتأمل من خلالها... فكرت أن المُحاضر على الأغلب لم يصل بالرغم من أن الوقت قارب على الانتهاء..
فخرجت من شرودها وهي تستقيم بتثاقل وتلقي نظرة على مظهرها البسيط بمرآتها الصغيرة، لا بد انه قد فسد بعد هذا الركض..
أخيرا فتحت الباب بدون أن تطرقه حتى.. ابتلعت ريقها توجسا ينقبض قلبها خوفا وهي تتطلع إلى هيئات الطلاب المألوفة والغريبة عنها في نفس الوقت..
مرة أخرى لهذا اليوم تكره أن تكون المتأخرة الملفتة للانتباه.. لا تعرف كيف جاءتها الجرأة لتغمغم السلام وتجلس على احدى المقاعد وتعاود الاستغراب من هذا الهدوء..
كان المحاضر يقف بأخر القاعة كما لم يخطر على بالها.. كان يتابع بنظراته لهيام من وقت دخولها حتى جلوسها، رد عليها بامتعاض وبصوت عال (وعليكم السلام.. لا تتأخري مرة أخرى.. لقد كنا نتحدث عن مقدمة مقدمتنا وقد انتهينا تقريبا)
التفتت إليهم هيام بصدمة وحرج.. وأومأت بطاعة كرد عليه.. خطى المحاضر حتى جلس أمام طاولته ببداية القاعة معلنا على انتهاء المحاضرة ومخرجا أوراق الحضور وبدأ ينادي الأسماء بالترتيب تبعا للأرقام الجامعية، حتى وصل عند اسم هيام.. عندما قالت نعم، مسح بنظراته المتفحصة صفحة وجهها المتشنج ليطلب بهدوء أن تحضر لمكتبه بعد المحاضرة..
أجابت بالقبول لينهي تسجيل حضور بقية الأسماء.. وسامحا للطلاب بالخروج مؤكدا انهم خرجوا اليوم باكرا لأنهم ما زالوا ببداية الفصل الدراسي.. وما زال لم يدخل إلى عمق المادة وما زال بمحضرات تعريفية.. ولكن بباقي المحاضرات سيلتزم بمدتها المحددة ولا خروج قبل ذلك..

*****

تنفست بقوة وهي تهز رأسها بيأس لا تقدر على تصديق هذا اليوم السيء من بدايته.. حاولت أن تهدئ نفسها مرة أثناء سيرها لمكتب المحاضر...متوترة من الموقف المحرج الذي حدث، ولكن لا بأس هي لم تقم بجريمة، طرقت الباب بهدوء، ودخلت ما أن سمح لها..
ما أن نظر الهيا حتى أعطاها ورقة قائلا وهو يعيد النظر إلى ملفه المشغول فيها
(هذه الورقة المطبوعة هي خطة سير المادة التي ستلتزم بها أن شاء الله، لما احضر ورق كفاية لكل الحاضرين لذا لم يكفي لك لأنك تأخرتِ)
زفرت براحة وهي تعاود الاسترخاء وتتناول الورقة منه شاكرة، أخبرها أن يمكنها المغادرة، لتقول مدعية احتراما زائد
(من بعدك دكتور)
لم يرد عليها فبقيت ساكنة بمكانها.. بقي ينظر إلى أوراقه قليلا، قبل أن يضيف مازحا
(هيام أنا لدي محاضرة بعد ساعتين وسأحضرها بوقتها.. إذا أردت الانتظار حتى اخرج، فأرجوكِ اجلسي على احدى الكراسي وخذي قسطا من الراحة..)
نحنحت بحرج وهي تقب قائلة بإحراج وأسف
(أوه المعذرة.. شكرا لك.. إلى اللقاء)
وانصرفت من غرفة مكتبه وما أن أغلقت الباب عليه.. مرت لحظات عليها حتى تلتها ضحكات تخرج منها على ملئ اتساع فمها.. تسخر من نفسها ومن غبائها... هذا كله ولم يمر إلا أسبوع واحد.. متحمسة هي بالفعل لما ينتظرها بالأربع سنين القادمة..

*****

همّ احمد بالجلوس بإحدى مقاعد المكتبة مجاورا لشقيقه الأكبر إياد حتى زفر بتعب.. حمل طوال الوقت كتب كليته الكبيرة، بعد أن تجول مع إياد بعدة أماكن ليطلع ويتعرف على جامعته الجديدة وبعد ذلك تناولا وجبة فطور شهية.. فتح حقيبة الظهر حتى يخرج دفتره الذي رسم عليه خريطة تقريبية للجامعة يستدل بها كل مكان ذهب إليهم حتى يعتاد ويحفظ طرق الوصول إليهم..
تطلع لأياد الجالس بجانبه.. الماكر! جعله يمشي ساعة بأكملها بحجة انه سيأخذ من شقيقة دكتور يعرفه أوراق منها تخص الدراسة.. وما أن وصلا للمكان.. حتى مرت دقائق قبل أن تصل شقيقة الدكتور هي وابنة خالتها الجريئة.. نعم جريئة.. لم يرى فتاة بجرأتها.. كانت تنظر إليه بالتحديد بلا خجل أو حياء وتتفحصه بأكمله كأنها خاطبة وتريد أن تخطبه لأحدى الفتيات فتتأكد ما إذا كان مناسب لمعاييرهن.. لقد خجل من نظراتها لدرجة أن اطرق رأسه للأسفل.. لأول مرة يرى نظرات عابثة جريئة من فتاة.. بدت مليئة بالغرور.. ابتسم بعمق وهو غارق بالتفكير فيها حتى الآن..
انتفض احمد فجاءة عندما ربت إياد على ذراعه وكتفه بينما هو يغوص بأفكار مقيتة جميعها خصت تلك الحسناء الجريئة التي رآها قبل قليل.. فنظر بتوجس لإياد الذي تحدث معه بتهكم
(بما أنت شارد هكذا؟)
زم احمد شفتيه وهو يبادله النظر ولكن بحنق فضحك إياد بخفوت حتى لا يزعج الطلاب الذين يدرسون حوله هادرا لشقيقه المتزمت
(دُنيا عجيبة يا احمد.. بالأمس كنت بالحضانة تشكي لي الطفل الذي سرق عُلبة عصيرك.. ثم مررت بالابتدائية وأتذكر بكاءك لي من الأستاذ الذي خفض علامة امتحان لك ظُلماَ.. والإعدادية وأول عِراك لك خضته مع أصدقائك وشكوتني لوالدي لأني لم أتدخل وأساندك وادخل نفسي بعراك أصدقاء شخصي.. ومن ثم أيام الثانوية.. كُلها هذه الذكريات تمر وتجري في ذهني وأمام عيني الآن)
أشاح احمد وجهه مبتعدا بناظريه عن إياد وغضبه يمنعه من حتى التفكير في التحدث إليه.. فسخر إياد من قسمات وجهه العابس.. ثوانٍ وسرعان ما تغيرت ملامح وجه احمد ليضرب براحته ظهر شقيقه قائلا بدون أن ينظر له
(رباه.. أنا مُقبل على طريق جديد.. كلية الطِب البشري ستُأويني الآن.. لا أزال اصدق أني سأصبح طبيبا أن شاء الله)
همّ إياد يجمع كتبه وأوراقه ليبدأ بالدراسة بشكل جدي قائلا لشقيقه دون أن ينظر له
(فقط تذكر يا احمد أن تأخذ الأمور بروية.. وصدقني السنة القادمة ستمشي بالجامعة كأنها بيتك.. والان أريد أن أذاكر عدة أشياء)
مرت ساعتين وهم على وضعهم يدرسون.. عيونهم وأذهانهم لا تركز على أي شيء إلا الكتب والأوراق أمامهم.. حتى اخرج احمد منديلا من حقيبته الظهرية ليمسح جبينه الذي تصفد بالعرق.. زفر بضيق والتعب يرهقه ويثقل كتفيه ليتهدل ويظهر على وجهه بشكل كبير.. ارجع كرسيه للخلف حتى يقف مما جعل أياد يلتفت للأعلى إليهم وهو يعقد حاجبيه ويسأله باهتمام
(أأنت بخير؟)
أومأ بحذر هامسا وهو يفرك عينيه
(لا اشعر أني أستطيع الرؤية جيدا.. لقد تعبت قليلا)
هز أياد رأسه بغير رضى قبل أن يقف وهو يمسك كتف أخيه
(ارتاح قليلا وتوقف عن إرهاق نفسك.. ما زالت ببداية الفصل.. لا داعي للمبالغة بالدراسة من الآن)
رد عليه بحنق وهو يحرك يديه بتذمر
(لا.. لقد تعبت من المشي والطقس لا يساعد.. كما أن الجامعة كبيرة.. اشعر أنها ارض عسكرية.. كأننا بوسط صحراء قاحلة.. يبدو أني تلقيت ضربة شمس)
هز كتفيه بلا اهتمام وهو يجيب عادا على أصابعه
(فقط احفظ كيفية ترتيب كليتك التي تدرس بها معظم موادك ...مثلاً كل غرفه وقاعه مرتبه على الأرقام فلتستكشف كيف يتزايد هذا الرقم من اليمين إلى الشمال أو العكس لكيلا تتوه كثيراً.. احفظ مداخل ومخارج الكلية جميعاً مكان للطباعة والكافتيريا حتى تعرف كيف تصل بأقصر وقت عند التأخر حتى لا تعرض نفسك لموقف مضحك وسخرية من هم أكبر منه)
حدقّ احمد به بلا ملامح لمدة وهو يرفع احدى حاجبيه.. الحقيقة لا يظن أنه سيعاني كثيرا.. ليس كأنه من النوع الاجتماعي.. سيتفرغ للدراسة وحسب.. فقط للدراسة ولا شيء غيرها.. ولكن هدر له بالنهاية وبامتعاض
(لا تتوقع أن أصادق أحداً لا اعرفه منذ أول يوم.. قد أتكلم مع زميل حديث عادي.. وربما بعد أسابيع.. لا تقلق سأجرب كل شيء.. قد أتصرف بحماقة لكن لا يهم فأنا جديد هنا ومعذور مهما افعل)
مد إياد يده للأمام ليدل احمد على مكان دورة المياه ليغتسل ويعيد نشاط دورته الدموية.. ثم هدر إليها مشجعا إياه
(لا يجب عليك يا احمد أن تبقى على طبعك هذا، كن نشيطا أكثر.. عندما تذهب لمكتبه الكلية هذه بالأيام القادمة من دوني.. كون معارف عامه واتخذ منهم أصدقاء محبين للعلم والتعليم شغوفين به.. ستصبح لك شبكه علاقات كبيره.. ستتعلم معنى العطاء.. بالإضافة لتقويه مهارات كالتحدث أمام الآخرين تبادل الأفكار)
أومأ احمد براسه وهو يخطوا وينظر للأمام أثناء إصغائه لكلام أخيه الذي بدأ يتشجع للعمل به.. يريد فعلا أن يخرج من دائرة نفسه ويعيش حياته ببساطه.. وربما لينضم لنشاط طلابي قوي..
تشبث احمد بصمته ليضيف أياد
(كلية الطب البشري هذه كتبت للتمويه فقط يجب تسميتها كلية التأهيل النفسي الصعب.. حسنا لن أصيبك بالهلع لما ستلاقيه في كلية الطب.. ستفهمني لاحقا.. الآن استمتع بلحظاتك الأخيرة من الحرية لأنك ستبدأ قريبا.. ها هي دورة المياه المخصصة للذكور.. ادخل وسأعود لمقاعدنا فورا لأنتبه على أشيائنا التي تركناها هناك)
أومأ احمد بهدوء وهو يدخل دورة المياه بخطى مهتزة ومباشرة يفتح الصنبور لتنزل المياه على اتساع راحتيه ليرش وجهه بالماء فورا.. نظر لنفسه بالمرآة.. لا يجب أن يراه أحد بلك الحالة المزرية.. وجنتيه تشتعلان بالحمرة.. لقد اخذ ضربه شمس جراء مشيه الطويل مع إياد.. والأحمق كان يريده أن يمشي مجددا.. غسل وجهه أكثر من مرة بالماء عله يخفف من إرهاقه، بالكاد نام عدة ساعات أمس، لقد تأخره بزيارة أحد أصدقائه.. سهرات الأصدقاء لا يجب أن تكون إلا بنهاية الأسبوع..
استند على الرخام المقابل للمرآه.. لقد مشى كثيرا من الصباح ولا يزال اليوم بأوله.. فتح وأغمض عينيه عدة مرات.. كم يريد النوم الآن، ويشعر بالأسي لأنه لا يستطيع ذلك.. يشعر بانها ليست على ما يرام..
عاد إلى مقعده بالمكتبة.. وما أن سحب الكرسي حتى يجلس عليه وقع ناظريه على الحسناء الجميلة الجريئة فضيق احمد عينيه بنظره ثاقبة تكاد تخترقها لمدة.. كأنهن كنا عند طاولته عند إياد وغادرن قبل أن يأتي هو.. نهره إياد فجاءة
(توقف أيها الأحمق! لا تمعن وتطيل النظر إليهنّ لهذه الدرجة.. سينتبهن عليك)
عقد حاجبيه وهو ينادي على إياد، فغمغم إياد بحنق طالبا إياه أن يصمت حتى يخرجن من باب المكتبة الواسعة على الأقل..
ما أن خرجن حتى نظر إياد له مبتسما منه هاتفا بوجه بشوش
(لقد استعارت عبير كتابا من هناك ورأينا بعضنا صدفة فتقدمت باتجاهي، سلمت عليّ وتحدثنا قليلا ثم ذهبت.. الآن اخفض صوتك ودعنا لا نتحدث ابدا.. أمين المكتبة كان يصلي الضحى وعاد الآن لمكتبه وما أن يسمع همسا منا حتى يوبخنا بإحراج أمام الجميع)
أومأ له احمد طائعا.. وما أن صمت أياد قليلا حتى نادى على احمد لينظر إليه بعيونه.. شيء ما تسلسل لعيونه كان فاضحا.. فتابع هدره بصوت أجش..
(دعوت الدكتور عمرو وشقيقته لمنزلنا بوقت لاحق للغذاء.. الدكتور عمرو هو مثلي الأعلى.. لا اصدق انه قبل بكل تواضح ليزور منزلنا.. سأطلب من أمي أن تجهز مائدة طعام شهية تليق بزيارته.. أخبرتني عبير بأنها ستحضر أيضا مع أخيها)
أمال شفتيه بـتهكم رأسه وهو يبعد أنظاره عنه لـيعود لقهوته من جديد بتفكير..
عاد نظر إياد لكتبه.. بدء يتصفح كتبه بدون تركيز أو وعي.. صحيح انه لا يختلط كثيرا بالفتيات.. ولكن يستطيع التأكد أن عبير مختلفة بالنسبة له.. عبير هي الفتاة الوحيدة التي يمكن أن يرجف قلبه حباً بها.. إذن.. هل هو مجنون؟
لما يمضي على تعارفه بها إلا سنة واحدة.. حتى أنهما لا يحضران معا أي محاضرات.. عرفها عن طريق الدكتور عمرو.. كان يراها بكل مرة يأتي إلى مكتبه.. تحدثا صدفة بمرة من المرات عندما تشاركا بنشاط بالكلية.. بعدها دائما ما يلتقون ليتحدثا على الأقل مرة أو مرتين بالأسبوع.. كما واتفقا أن يحضرا سويا المتطلبات الجامعية ومعا.. بما انه مواد المتطلبات الجامعية يمكن أن يتم أخذها بأي موعد وبأي فصل يوداه..
وقع بالحب في هواها من أوائل لقائته معها وحتى هذه اللحظة.. هي بالإضافة لذلك جميلة وقد استطاعت اختراق دفاعاته وتغللت مساماته وصولا لشرايينه حتى احتلت قلبه.. مثير للسخرية كيف تربعت على عرش قلبه بوقت وجيز وبدون لقاءات كثيرة.. يحب رقتها وخجلها عندما تتحدث إليه.. يحب إذا ما حدث والتقيت عيونهم ببعضها تصبح نظراتها كالسهام.. قوة سحرهما لا يراهما إلا خبير بلغة العيون.. صوتها ناعم كنغمة موسيقية مميزة.. كلها صفات تدفع ليحلم بل يطمع بامتلاكها وعيش السعادة بجانبها.. ثم بألم استطرد التفكير.. هل يتخطى ويتجاوز هو خطوط أحلامه عند التفكير فيها كحبيبة؟
ماذا ينقصه؟ ولم قد يردُّ مرفوضاً.. ربما خلفية عائلته ووضعهم الاجتماعي ليس كعائلتها.. وضعهم المادي متوسط ولكنه هو أيضا ابن حسب ونسب.. وسيصبح طبيب مرموق بالمستقبل لا يقل شيئا عن غيره من الأطباء.. فلا داعي أن يصل حده للقلق والهواجس..
أما احمد فعاد من بين القراءة للغرق بالتفكير بتلك الجريئة.. كأنه يشعر بشيء يشده نحوها لذا لم يستطع إلا أن يدير وجهه لأخيه ويقطع أفكاره بسؤال
(تلك التي ترافقها هي ابنة خالتها؟)
أعطاه إياد إيماءة بنعم.. تلاشت تعابير محياه ليتحول للوجوم فحرك رأسه بمعنى ما بها؟
لوى احمد فمه ورفع كتفيه بلامبالاة مزيفة مجيبا
(لا شيء.. ابدا.. مجرد سؤال.. هل تدرس الطب أيضا؟ مع أنها مستجدة مثلي ولكن لم أراها سابقا)
حرك إياد راسها نافيا ثم قال وهو يستقيم من مقعده ويلكز ظهر أخيه
(هيا لنعود للبيت)
وعندما لم يجد رد فعلا لشقيقه خطف كتبه كتابه المفتوح أمامه بسرعة خاطفة ليركض فيها للخارج، فما لبث إلا أن انتفض احمد عندما أدرك ما فعله شقيقه ليقوم بتجميع ملحقاته من على الطاولة والركض خلفه..

*****

دخل احمد القاعة ونظره شاخص نحو المقاعد الأخيرة التي تحتلها قريبة عبير.. تلك الجريئة.. اكتشف أنها تحضر معه هذا المتطلب الجامعي.. طوال الشهر الماضي كان يراها ثلاث مرات بالأسبوع في هذه المحاضرة.. ربما لن تشاركه بأي متطلب أخر بعد هذا الفصل.. لم يسبق له وان تحدث أبدا إليها.. فقط يلمحها ومن بعيد بنظرات طوال المحاضرة.. لكن اليوم شعر بضعف اجبره يود أن يتبع قدميه اللتان تأخذانه إلى المقعد الأمامي للمقعد المعتادة هي على الجلوس فيه..
وما أن قدمت للقاعة برفقة صديقتها التي تعرفت عليها حتى انتبهت للجالس أمامها.. اتسعت عيناها ولم تخفي ملامح التعجب.. هل قصد أن يجلس أمامها أم انه لا يتذكرها أساسا؟ فهي لا تنكر أنها عرفته من أول محاضرة أخذتها معه..
كان ينظر للجريئة المتقدمة نحو مقعدها خلفه بكل هدوء ترتدي اليوم على غير كعادتها.. ثوب قطني طويل ساتر.. ملامح وجهها صارمة على غير العادة، وعينيها متألقتين بمرح واندفاع..
عند بدأ المحاضرة وحضور المحاضر الملزم بشرح هذا المساق لاحظت هيام أن رفيقتها الجالسة بجوارها وعلى غير العادة قررت أن تزيد من درجة المزاج والضحك أكثر من المحاضرات السابقة.. فبدأت تتحدث وتضحك وتمزح أثناء المحاضرة.. ولطبيعة هيام الساخرة لم تقدر ألا تبادلها مزاحها وتضحك على نكاتها وسخريتها.. وهو وبكل استغراب لم يستطع ألا يدع حديثهما التافه يستحوذ على اهتمامه ولا يركز بأي كلمة تخص المحاضرة مما أثار حنقه.. يمكن لأي أحد أن يشاهد تغيرات تعبيراته من الغضب للضيق للانفعال للابتسام رغما عنه..
لا يصدق انهما ومنذ بدء المحاضرة وهنَّ يتحدثان ويتهامسان.. حتى أن صديقتها بدأت تعرض عليها أن تشارك معها خفية تناول بعض الوجبات الخفيفة الموجود على حضنها حيث لا يقدر أن يراها أحد كونهما بالمقعد الخلفي داخل قاعة واسعة تضم مئات الطلاب.. صحيح أن مادة المحاضرة ليست بهذه الصعوبة ولكنه ليس عذر كافي ولا يوجد مبرر لاستهتارهم الكبير برأي احمد فهو يكره المستهترين بشكل كبير..
فتح دفتره بغضب وبدأ يخط بقلمه بعنف ويكتب.. جفل فجاءة وتلاش الغضب من وجهه عندما قامت هيام بلكز كتفه بورقة تخبره أن يتفضل بأخذها..
بقي للحظات متسمر بوضعه حتى قال بحنق
(لا شكرا لا أريد.. تناولت فطوري قبل أن آتي)
لم تمر ثانية حتى شهقت الفتاتين وراءه من شدة الضحك دون اهتمام بنظرات وانزعاج بعض أنظار الجالسين بقربهم..
تعجب واستدار احمد للخلف باستغراب حتى استوعب عقله أنها قصدت انه تعطيه ورقة الحضور التي طلب المحاضر أن تلف على جميع الطلاب بالقاعة بالترتيب لتسجيل حضورهم.. نظر ل هيام بالذات بغيظ شديد..
وهي ما أن لمحت النظرات الظاهرة في عينيه حتى سكتت ضحكاتهن تدريجيا وبدأت بالخفوت حتى صمتن تماما قبل أن تنزلا رأسهما إحراجا منه..
رفعت راسها بخفوت لتجده ما يزال ينظر إليها بالتحديد مع نفس نظراته فنفخت خديها ضيقا من استمراره بالنظر إليها فشغلت عيونها بالنظر لسقف القاعة..
(الطالب بالمقعد الأخير انظر للأمام)
كان صوت المحاضر يعلو يخاطبه.. فعاد يستدير للأمام وهو يفكر انه لا يريد إلا أن يحطم راس ثقيلة الدم صاحبة الشعر البني الجريئة.. مبدئيا لا يعرف إذا سيكون قادرا أن يحضر مرة أخرى لهذه المحاضرة..
بنهاية المحاضرة، طلب المحاضر من الطلاب كتابة تقرير عن موضوع وتسليمه بالمحاضرة القادمة منبها انه سيختار عشوائيا بعض طلاب للتقدم أمام الجميع وقراءة تقاريرهم.. وهناك درجات على طريقة الألقاء والتحدث بالثقة..

*****

ببداية الأسبوع وبداية المحاضرة كانت هيام ورفيقتها مها التي تجلس بجوارها متجهمات.. حان وقت الجد ولا مزيد للاستهتار.. انتهى وقت الضحك والمرح والان تكاد كلتاهما يغمى عليها من فرط التوتر.. أخبرهم المحاضر أنه سيختار عشوائيا عدد من الطلاب ليلقوا التقرير الذي كلفهم بكتابته على مسامع كل من في القاعة.. ومن ثم سيأخذ التقارير من باقي الطلاب.. وها هو المُحاضر ينظر بتفحص منذ دقيقتين على ورقة قائمة الأسماء جميعها ليختار اسم أحد الطلاب..
سوء الحظ يأتي معناه حرفيا عندما يهتف المحاضر عاليا على أسمها ليقع الاختيار عليها ومن بين أكثر من مئة وخمسين طالب
(هيام فيصل.. أين هيام فيصل؟ تفضلِ هنا)
انتفضت هيام لتقف بسرعة من مقعدها وهي تجيب بأحراج وبصوت مهتز
(نعم دكتور.. ها أنا)
بقيت متجمدة بمكانها فأشار المحاضر بيديه لها لتتقدم أمام الطلبة جميعهم وتقرأ تقريرها.. وبخطوات أخف مما عهدته على نفسها بدأت تخطو للأمام.. وهذا ما دفع احمد ليرفع ناظريه ويراها تتقدم للمنصة وتشد خطواتها على استيحاء من الأعين المحدقة بها...لـتصل لـها.. بالواقع لا يوجد شيء يثير التوتر.. كل ما عليه أن تقرأ ما كتبت فلتهدئ ولا داعي للقلق..
كانت قد جهزت تقريرا في ثلاث ورقات عن الكتاب الذي قرأته.. لكن.. ما أن وصلت المنصة حتى اكتشفت أنها نسيت على مقعدها ورقتين من التقرير ولم تحضر ألا أول ورقة كتبتها.. مع أن المحاضر شدد على أن يكتبوا ثلاث ورقات على الأقل.. أغمضت عينيها وعضت شفتها السفلية بقهر.. من سابع المستحيلات أن تعود لإحضار الورقتين وتعريض نفسها للحرج أمام الجميع.. فازدردت ريقها واستمدت شجاعتها لتتجاهل كل شيء وترفع ورقتها أمامها وتبدأ قراءة بحثها بكل ثقة.. بكف مشدود ورأس مرفوع.. ظاهريا.. لكن داخليا من شدة الإحراج تشعر بنيران واللهبة أمام وجهها..
سكتت بعد أن أتمت قراءة صفحتها كاملة.. عمّ الهدوء الأجواء فشجعها المحاضر المشغول بتصفح وترتيب أوراق أخرى بحقيبته لتكمل وهو يهز رأسه وبدون أن ينظر لها
(أحسنت يا هيام.. هيا اكملِ.. هيا)
تجمدت قليلا ثم شعرت بالتوتر يزحف إلى أوصالها لتأخذ نفسا عميقا.. هي بالفعل أنهت قراءة الصفحة التي معها..
ومن دون أن تشعر أسقطت عيونها على الصفحة التي بيدها مرة أخرى وما كان منها ألا أن أعادت قراءة الورقة مرة ثانية وثالثة وربما.. وربما مرة رابعة، لا تذكر جيدا.. كانت بكل مرة تقرأ سطر وتفوت قراءة السطر التالي وهكذا..
لم يلاحظ أحد أو يفقه مما قرأت توا.. وما أن انتهت حتى صفق المحاضر بيديه لها ثانياً على تقريرها وشاركه باقي من في القاعة التصفيق لها..
هزت رأسها بنصف ابتسامة للمُحاضر شاكرةً لتعود لمقعدها.. من الضغط والأحراج كانت تسمع جميع العمليات البيولوجية في جسمها من ضخ دم لنبضات القلب لكل شيء..
التقت عيونها بعيونه للحظة قبل أن تجلس خلفه.. شعرت بخفقات سريعة بـصدرها.. وبأن روحها توشك الآن على الهرب..
من بين المئة والخمسين طالب كان واحد فقط من يصفق بابتسامة تهكم جانبية.. كان الوحيد المنتبه للهراء الذي تقوله.. كان يحدق بوجهها الأحمر كليا كوردة الجوري ونظراته المركزة عليها تتابعها حتى خطت لتعود لمقعدها خلفه.. لكن لا بأس بالنسبة لها.. فالحياة لا تخلو أيضا من المواقف المحزنة أحيانا والمحرجة غالبا.. فكثير يتعرضوا لمواقف أقل ما توصف به أنها سخيفة ومحرجة في وقتها.. لكن بعد مرور بفترة.. فجل ما ستفعله عند تذكر تلك المواقف هو الابتسام والسخرية مما حدث ورد الفعل الذي غالباً ما يكون غير متوقعة..
لكن ما حصل بالأسبوع التالي كان مستفز بالنسبة له وبشكل كبير وهو يستلم درجة تقريره الذي كتبه.. رأسه كأنه ينفث الدخان من أذنيه وانفه من شدة الغضب.. ولأول مرة منذ وقعت عينيه على هيام حتى الأن تجرأ ليستدير خلفها ويتحدث إليها ويسألها
(هيام.. كم درجة حصلتِ عليها؟)
رفعت رأسها تنظر أليه بفم فاغر.. لا تصدق! هل هو يتحدث الأن إليها وكأنه يعرفها أو كأنها صديقة قديمة بالنسبة له! فهزت رأسها لتركز قبل أن تبتسم بشموخ.. هي متأكدة أنه لا يتوقع منها الكثير.. لتقول بنبرة انتقامية حراقة لذيذة وهي تعي خيبة الأمل
(حصلت على تسعة عشر من عشرين للأسف.. وأنت؟)
ارتفع حاجبيه بصدمة وهو لا يصدق الدرجة التي تخبره إياه.. وبعنف سحب ورقة تقريرها من يديها وفتح عينيه على مدى اتساعهما على درجتها ليتأكد مما يراه.. لم يلبث ألا أن ضغط على قبضة يديه قبل أن يفتحها ويجعلك الورقة ويكورها ويرميها أمامها ساحبا حقيبته ليلبسها على كتف واحد مغادرا القاعة كلها بخطوات عنيفة وهو يكاد ينفجر من الغضب..
أما هي فتركها مصدومة تنظر كالبلهاء أمامها كأنها لا تعي لما قد حصل توا.. لقد رآها بأم عينيه هي وزميلتها قبل المحاضرة وهما تنقلان من احدى الكتب تقريرهما.. رآها تفتح على صفحة عشوائية وتنقل حرفيا الكلام على ورقاتها مع أن المحاضر نبّه انه لا يريد نقل حرفي بل تلخيص لما يحوي الكتاب المقروء..
ومن جهة أخرى هو بالكاد وصل علامة النجاح "عشرة من عشرين" بدرجة تقريره بالرغم من انه أمضى بالمكتبة ساعات وهو يقرأ ويلخص ما قرأه.. قمة الظلم.. لكان سرعان ما انفجر ضاحكا على ما حدث..

*****

في هذه الأوقات.. مساءا بنهاية الأسبوع.. كانت تقضي نهى وأبنتها عند جيرانها عائلة هيام.. كانت نهى محجبة وتتمتع بقدر كبير من الجمال..
في المطبخ كانت تقف هيام جانبا مع نهى التي تنظر للقهوة المعدة بنفس العيون اللامعة لهيام..
كانت نهى قد أحبت شاب وربط بينهما قصة حب.. لكن أهلها رفضوه لعدة أسباب.. لكن مع كل هذه التحفظات التي أوردها الجميع والتي وقفت وراء رفضهم للشاب الذي أحبته.. أصرت على الارتباط به.. وتزوجا.. وقبل أن يمر عام على زواجهما كانت ورقة الطلاق في يديها..
فقد تعامل معها على أنها إنسانة رخيصة، لم يقدر ما فعلته من أجله، والمعاناة التي عاشتها بسبب زواجها رغماً عن أهلها.. وكذلك وفاة أمها وهي غير راضية عنها.. لقد طلقها وتركها تواجه الحياة بمفردها، فلا هي قادرة على استرضاء أهلها، ولا هي قادرة على تجاوز محنتها النفسية.. ناهيك عن نظرة أهل زوجها لها، فهم لا يحترمون زوجة ابنهم التي تزوجت رغماً عن أهلها، وينظرون إليها نظرة دونية..
أخرجها صوت هيام من الماضي وهي تكلم طفلتها هاتفةً لها بحلاوة
(اذهبي للوعاء الموضوع على الطاولة وتناولي حلواك المفضلة.. جهزته لك)
راقبت هيام عينيّ الطفلة اللامعتين بأنفاس متسارعة تخرج من رئتيها كدغدغات تكاد تدفعها للضحك من فرط فرحها..
كانت نهى في قمة التأثر باللحظة الراهنة وقد نسيت كل ما حدث من مآسي بماضيها.. تخيلت نفسها مكان طفلتها.. كم تحن لأيام الطفولة عندما كانت بلا مشاكل وهموم.. قطعة حلوى تسعدها وتودي بها لعالم أخر جميل..
ثم أخذت ترسم بعيني خيالها صورة أخرى للماضي.. أنها لم تتزوج من تحب إلا بموافقة أهلها وبعد أن تدرس أخلاقه ودينه وإذا ما كان الرجل الصالح الذي يستحق أن تحارب للحصول عليه.. ثم تتزوج به ويقيم لها عرسا يحضره أهلها وأقاربها ويرقصون لها فرحاً وسعادة..
خنقتها غصة وهي تحت تأثير هذه الصورة التي رسمت تفاصيلها.. حسرة لا سبيل للتخلص منه.. تود لو كان بإمكانها أن تمحو ما تريد وتعيد تشكيل أحداث الماضي.. تود لو تختفي الأحداث التي لا تتمناها.. الألآم التي لا تنساها..
ولكن هذا هو الماضي.. لا تستطيع تغييره أو تعديله أو تجميله.. كل ما تقدر عليه هو أن تتقبله..

*****


Hya ssin غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 04-09-19, 09:08 PM   #5

Hya ssin

? العضوٌ?ھہ » 450526
?  التسِجيلٌ » Jul 2019
? مشَارَ?اتْي » 942
?  نُقآطِيْ » Hya ssin is on a distinguished road
افتراضي

الفصل الثاني
في شرفة منزلهم الواسعة عصرا، كانت هيام تضع الماء داخل قفص عصافيرها.. ثم جلست على حافة السياج وساقيها متدليتين للأسفل وهي تهزهما بطفولية وتتأمل جمال الأراضي أمامها.. من مميزات العيش بقرية هي تأمل هذه المناظر الخلابة بالرغم من بدء تساقط أوراق اغلب الأشجار بهذا الوقت نظرا لاقتراب فصل الشتاء..
سمعت طرقا على خشب باب منزلهم.. وبتلقائية خرجت شقيقتها جالا صاحبة الثمانية سنوات لتفتح الباب للطارق..
ما أن فتحت حتى وجدت عبير تلوح بيدها لها وبجانبها شقيقها عمرو مبتسما لها ابتسامة تعرفها.. فظهر فجأة الحنق على جالا لتهتف لهم بخفوت وعبوس
(سأنادي أمي الأن لتستقبلكم)
ما أن استدارت جالا للمطبخ حتى انتفضت فجاءة على إثر أحد يمسك ذراعها.. فأبعدت يده عنها بعنف صارخة بوجهه
(ابتعد عني عمرو.. أكره أن يلمسني أحد)
انصدمت عبير بريبة من غضبها.. نظرت لعيون شقيقها لبرهة بملامح متجمدة.. وما لبث للحظات حتى انفجر هو ضاحكا لردة فعل جالا المبالغ بها.. بينما علا صراخ والدتها القادمة من المطبخ عليها توبخها
(تأدبي جالا.. ابن خالك يكبرك بعشرين عاما.. أساسا يجب أن تخجلي من أن تنادي اسمه هكذا)
تجاهلت جالا كلام أمها وهي تلوي فاها باشمئزاز ثم هرولت متجاهلة للجميع بسرعة لغرفتها لتغلق خلفها الباب بعنف.. كانت ردة فعلها غريبة حتى لهيام الخارجة من الشرفة والتي كانت تنظر بتوجس.. إلا أن عمرو ضحك مرة أخرى من ليزيل التوتر بينهم..
تقدمت عبير للصالة مكتفة يديها على صدرها وسألت هيام بانزعاج
(ما بال أختك كأن العفاريت تستلبسها! كانت تتفاخر قبل سنين بخيلاء بكونها الوحيدة التي تحظى من بين جميعنا باهتمام أخي عمرو... حتى أكثر مني.. والان تتصرف أمامنا كأننا غير مُرحب بنا هنا)
فحركت هيام كتفيها بدرامية مضحكة
(إنها مزاجية وعنيفة وتصيبها نوبات جنون أحيانا.. اعتدنا عليها.. أمي منعتها من اللعب مع الصبيان خارجا حتى لا تتأثر بطباعهم أكثر)
بهذه الأثناء تبسمت سميحة والدة هيام وهي ترى عمرو يتقدم إليها بعد أن وضع الأكياس والهدايا التي جلبها على الأرض معانقا فرحبت به ثم قبلته معاتبة إياه على عدم إعلامها بزيارتهم قبل القدوم.. لكن أجاب عمروا بتلقائية واضحة
(صدقيني يا خالتي لم نرد تكليفك وإتعابك بتجهيز أي شيء لنا.. نريد أن نكون زوار خفيفين.. سنغادر بعد ساعتين)
قاطعته هيام بعنف عابسة وهي تمد يديها لتحيط عبير باستيلاء كأنها تخاف أن يسرقها أحد منها
(أنت تحلم.. يمكنك الرحيل وحدك.. أما عبير اتركها لتنام عندنا.. نحن بنهاية الأسبوع دعنا نشبع من بعضنا.. أنا لا التقي بها كثيرا بالجامعة)
ضحك الكل على طفولية وغضب هيام.. فقال عمرو مبتسما قبل أن ينسحب لغرفة جالا ممسكا بعدة أكياس هدايا
(إذن استمتعا معا ودعوا لي مهمة إرضاء مدللتي الصغيرة.. لا أحد غيري يعرف كيف يرضيها.. لا بد أنها اشتاقت إليّ فأنا لم أزركم منذ أشهر)
بينما سحبت هيام يد عبير للشرفة ليقضيا بعض الوقت ريثما تنهي والدتها من إعداد الغذاء
قالت هيام وهي تسحب كرسيا لعبير لتجلس عليه
(الجو ليس باردا.. اجلسي هنا ريثما أحضر القهوة لنا)
هزت عبير رأسها لها شاكرة.. وما أن دلف هيام للصالة حتى شعرت عبير نفسها وبدون سبب تبتسم بكل السعادة التي تتفجر في قلبها عندما تتذكر زيارتها مع أخيها لبيت عائلة إياد..
والحق أنها أعجبت بهؤلاء الناس المكافحين.. بعد أن روى لها أبو إياد كيف جاءوا إلى المدينة من إحدى القرى منذ أن كان إياد طفلا صغيرا.. وكيف حصل على وظيفة موظف في البلدية.. وكيف استطاع الحصول على هذه الأرض وبنى عليها هذه الدار البسيطة.. وقال لشقيقها عمرو أن آماله كلها مبنية على ولديه الاثنين الذي حرص على استمرارهم في الدراسة متحملا في سبيل ذلك صعوبات ومشاق لا تخطر ببال.. وها هو إياد ابنه الأكبر يخطو أولى خطواته ليصبح طبيبا وآنذاك.. عندما يتخرج إياد سيتقاعد هو ويرتاح من هذا العناء وسيترك له احمد أمانة عنده حتى ينهي هو الأخر دراسته..
شقيقها عمرو أكبر في الأب المكافح هذا الطموح النبيل.. لا سيما ليس كأن الوالد ترك أبناء صغار كثر لإياد ليهتم بهم حتى يكبروا ويظلم إياد على حسابهم.. فأحمد قريب من عمر إياد.. كما أنها لمست من تصرفات احمد أن آمال الأب كانت في محلها.. وأن الله عز وجل حرمه من نعمة الغنى والراحة ولكنه عوضه بهاذين الولدين الملتزمين المتفوقين..
وضعت هيام كوبان قهوة على الطاولة الصغيرة وجلست على كرسيها بجانب عبير وعينيها لا تفارقان ملامح وجه عبير المستكينة لتقاطع جوها
(إذن.. هل زرت منزل إياد أمس؟)
جفلت عبير من صوت هيام.. كانت تود إخبار ما بينها لهيام لكنها أثرت أن تحتفظ لنفسها كل مشاعرها خصوصا بالمواضيع الخاصة بها.. هي من النوع الكتوم حتى لأقرب الناس إليها.. لتهز رأسها مصطنعة اللامبالاة قائلة
(نعم.. وأنهينا الزيارة أمس بوقت متأخر.. وما إن رجعت للبيت حتى غرقت بنوم عميق من شدة التعب.. ولا أدري كيف حضرت اليوم إلى الجامعة ومن ثم لزيارتكم مع عمرو على التوالي.. الأن حتى لو رفض عمرو فلن أستطيع من شدة تعبي أن أعود للمنزل وسأبقى هنا لأنام عندكم.. لكن غدا أنا فعلا مجبرة للعودة للبيت فأنا لم احضر كل كتبي واحتاج أن ادرس بهذه العطلة جيدا وبتركيز كما تعلمين.. إذن المهم.. أين راجي.. لما لا أراه)
رفعت هيام حاجبيها وهزت رأسها متفهمة أن عبير لا تود أن تتحدث بخصوصياتها فاحترمت وجهة رغبتها.. لكن عند سؤالها عن راجي طبعت على ملامحها لمسة شفقة لتقول بصوت أجش
(راجي مع جدتي.. بالرغم من أن عزاء زوجة والدي انتهى قبل عدة أيام لكن ما يزال بيت والدي لا يخلو من زيارة المعزين.. رحمها الله.. والدها هو عم والدي وهو صاحب مكانة ومعروف جدا.. ومؤكد أن الجميع سيسارعون ليؤدوا واجبهم تجاهه.. الأن جدتي هي من تستقبل المعزيين وأصرت على اخذ راجي معها)
صمتت قليلا لتأخذ رشفة من كوبها قبل أن تردف بنفس نبرة الحزن
(أنا حزينة حقا من أجل أخواتي.. ما زلنّ صغيرات ليفقدن أمهن.. الحقيقة أن العمر غير مهم.. فمهما كبرت لا أتخيل نفسي من دون وجود أمي بحياتي)
لكن سرعان ما أزالت ملامح الحزن على وجهها لتقول بابتسامة عفوية وعيون تشوبها لمعة امل ومرح
(إذن.. لنستغل اليوم بقضاء أوقات ممتعة معا أنا وأنت.. لنعتبرها حفلة مبيت للفتيات)
ابتسمت عبير بعد أن رشفت هي الأخرى من كوب قهوتها ثم قالت متفحصة نبرات هيام
(لطالما كنت مرحة.. ولكن اليوم ومؤخرا أراك أصبحت أكثر مرحا.. تغيرت شخصيتك كثيرا وأصبحت أجد فيها بعض النضج)
كتفت هيام يديها على صدرها لتقول بفخر
(نعم أنتِ محقة.. لم يمر ألا شهرين على تسجيلي بالجامعة واشعر أن شخصيتي تغيرت تماما.. بدأت أتعلم كيفية الاعتماد على ذاتي بعد أن عشت هذان الشهران معتمدة على نفسي في أدائي الدراسي.. بعد كل امتحان اخضع له اشعر أني أتعلم أساليب المذاكرة الناجحة التي لم أستطع تعلمها في سنوات المدرسة التلقيني.. كما بدأت تعلم طرق بناء العلاقات مع الآخرين مع كل الأشكال المختلفة والقاعات المختلفة.. في كل قاعة أجد صديقة جديدة مميزة.. أحب أن أقيم ببعض المشاريع معهن واعمل عمل جماعي نبث فيه روح التعاون..)
وضعت عبير كوبها على الطاولة قبل أن تضع يديها على صدرها أيضا متعجبة من ابنة خالتها.. ظننتها ساذجة ولن تقدر على التكيف بهذه السرعة خصوصا أنها لا تعرف غيرها.. فقالت بإعجاب
(واو لا اصدق فرط الحماس بداخلك.. لدرجة أن يكون لك صديقة في كل مادة)
هزت هيام كتفيها بخيلاء وهي تقول بتلقائية
(نعم حبيبتي عبير.. يجب أن يكون لديك صديق في كل مادة، حتى إذا ما غبت يوماً.. تعطيكِ ملاحظاتها باليوم القادم وتخبرك ما فاتك)
وقفت عبير من كرسيها وهي تخصر ذراعيها قائلة بغرور تميل للمزاح معها
(واو.. هل أصبحت أنت الأن من تسدين النصائح لي.)
نهضت هيام أيضا وهي تقلد عبير بحركته رادّة بمرح
(ولما لا.. لقد برزت مواهبي الاجتماعية أكثر منك)
شهقت هيام ما أن تذكر ما كانت تود إخباره لعبير.. فقالت بمتعة
(أه صحيح.. لقد سجلت بأغلب النواد التي أتيحت لي.. لقد سجلت بنادٍ للقراءة، وللشعر، وللمسرح أيضا)
ثم أردفت كلامها وهو يحوي عتب مبطن
(أردت إخبارك لحظة تسجيلي بهم.. لكن أصبحت نادرا ما أراك.. بعد أن توقفت على التنازل صباحاً وانتظاري قليلا لنذهب معا للجامعة.. ولكن لا بأس تعرفت على صديقة من نفس تخصصي وبدأنا نتشارك كل أوقاتنا وكل شيء تقريبا)
أنهت هيام كلامها بفرحة وهي تتحدث عن صديقاتها الجديدات.. بالرغم من المدة القصير التي تعرفت بها عليهن إلا أنها تشعر أنهن بالغالب سيكن صديقات الحياة..
رفعت عبير احدى حاجبيه ثم قالت بصدمة جدية
(لكن هيام.. يا ألهى.. متى سجلتي بكل هذا؟ إذن متى تجيدين وقت لحضور المحاضرات أو للدراسة؟)
أجابت بثقة غبية وهي تعبر بيديها بسخافة
(لا تخافي.. أستطيع تدبر امري.. المهم انهم قبلوا انتسابي لهم مع أنى ما زلت مستجدة وتأخرت بطلب التسجيل)
حركت عبير رأسها باستغراب.. ترى هيام بدأت ترسم شخصيتها.. كل ما تمر به الأن سيؤثر عليها لبقية الحياة.. لأنها تعيش أهم سنوات عمرها في هذه الأروقة حتى تشكلت شخصيتها..
التفتت هيام لتسمع نداء أمها لها.. فأخبرت عبير أن تنتظرها بالصالة ريثما تجيب أمها..
أما عبير كانت على صدمتها.. صدمتها من كلام هيام لا هيام نفسها.. تفكر بأنها لا بد مستمتعة بحياتها وتعيشها كما يجب بدون أن تضيع ثانية منها..
محظوظة هيام.. بدأت عبير تتمنى لو أنها دخلت تخصصا أخر يحتاج تعب ومجهود اقل.. لكن.. لا.. أن تكون طبيبة بالنهاية يستحق منها كل ما تبذل من تعب وكل ما تتخلى عنه من راحة ومتعة..
أخبر عمرو الجميع أنه طرأ عليه موعد هام وهو بحاجة للمغادرة وسيأتي غدا مجددا ليعيد عبير للبيت.. وبعد مغادرته بدقائق تقدمت جالا لعبير.. كان وضعها كارثي.. خديها محمرين.. عينيها ذابلتين كأنها بكت لساعات.. و.. شعرها غير مرتب.. كأن هناك شيئا مريب حصل معها
همست جالا بـصوت منخفض
(عبير أريد أن أخذ حماما دافئا وسأبقى بالداخل لساعات.. ولا أريد الخروج قبل ذلك.. لذا جهزي سفرة الطعام مع هيام وأنا لن اساعدكم)
فهزت عبير رأسها بإيجاب ووجوم.. هذه الفتاة لا تبدو طبيعية..
تقدمت لتجهز المائدة وأثناء ذلك سمعت طرقات على الباب لتأتي هيام مسرعة للصالة وتفتح باب المنزل قبل أن تجفل لرؤية أبيها الذي سرعان ما سألها بوجوم وبدون أي مقدمات
(هل لديكم زوار الأن؟ أريد التحدث لأمك على انفراد)
توجهت أنظار عبير وهيام فجاءة إلى صوت سميحة الواقفة على باب المطبخ
(هل عاد عمرو؟)
وما أن لمحت مُطلقها القابع عند باب المنزل.. حتى زالت أي تعابير عن وجهها وتقدمت أكثر.. بثبات.. وبصوت هادئ موجهة عيونها له.. وقفت بشكل مقابل له.. وكل منهما يبادل الأخر بوجها الخال من التعابير.. ونظرات عيونهما تطلق شرارات.. شرارات من الماضي.. حقد دفين يتفجر من عيون كل منهما.. إلى متى ستكتفي هي؟ وإلى متى هو قادر على التحمل؟
قالت بهدوء له
(بداية.. عظم الله أجركم)
كانت سميحة قد حضرت أول يوم عزاء لزوجته المتوفاة عندما طلبت منها حماتها أن تحضر راجي لها وقدمت واجب العزاء لمدة قصيرة قبل أن تغادر.. بعيدا عن كل شيء حدث وما زال يحدث بينهما.. فللميت حرمته..
فبالرغم من أنها تعيش مع أولادها بالقرب من منزل والدهم إلا إنها نادرا جدا ما تراه.. ومع ذلك نوَّت نقل أحر التعازي له شخصيا بوفاتها بأول مصادفة تراه والتي تصادف أنها الأن..
لحظات صمت تمر حتى يهز فيصل رأسه مغمغما
(شكر الله سعيكم)
وهو يحافظ على ثباته.. قسماته لا تزال جامدة.. عيونه تزداد قتامة.. لتردف هي بإصرار وبابتسامه بارده
(تفضل ادخل.. هذه عبير ابنة أختي وهي ليست غريبة.. يمكنك مشاركتنا طعام الغذاء والتحدث أمامنا.. لا داعي للانفراد)
روحها العميقة تتلاشى قوتها بعض كأنها ستحترق.. ولكن لا.. الأن وبهذا المرحلة من عمرها لن تسمح أن تتشبث بها أي فكرة يمكن أن تجعلها تنهار وتسقط...
هي قوية.. تعلمت كيف تعيش لنفسها وأولادها.. وكيف لا تسلم مفتاح سعادتها لأحد أخر غير نفسها.. هي قوية لدرجة أن تنظر لعينيه بدون أن يتجمع فيها أي دموع ضعف.. وصوتها خرج واثقا خالي من فوضى المشاعر بكلماتها المتماسكة أمامه.. شدت الهمة والتماسك ما أن سمعت صوته الرخيم يتذبذب بلوم عميق لها..

*****

دخلت سميحة غرفتها وأغلقت الباب بعنف وراءها.. رفعت الغطاء لتضعه على جسدها بعد أن الـقت بنفسها على سريرها الواسع القريب من النافذة..
زفرة ضيق خرجت منها بصعوبة.. أغمضت عينيها بتعب من بعد مواجهة حتمية وشجار ونقاش استمر لأكثر من ساعتين بينها وبين والد بناتها..
لم يصلا فيه لأي نتيجة تذكر.. فقط صراخ واتهامات متبادلة.. وماضي يعاد إحياؤه.. ماضي محرق لم تطوى صفحته.. لكن لا يهم الماضي ما دام الحاضر ملك يديها.. لن تعود كما كانت.. مهمشة.. ناقصة.. مملوءة بالعيوب.. لأنها باختصار ليست كذلك.. وستكمل حياتها الأن.. بنفس الوتيرة ولن تتعثر بعثرات الماضي..
كانت عبير تجلس بعيدا عنهم بنهاية الصالة.. كأنها لا تريد التدخل بما لا يعنيها وتريد أن تعطيهم مساحتهم لخاصة وبنفس الوقت فضولها لم يمنعها من الشرود بكلامهم مع التركيز بكل حرف..
موقفها أفضل بكثير من موقف ابنتها المصونة هيام التي جرحتها بتدخلاتها بنقاشهم.. كل ما كان يصدر عن هيام كان بصف والدها بصورة ملحوظة.. عدا عن كلامها المبطن الحامل بين طياته اتهامات لها..
ظهرت لها صور من الماضي لتهز رأسها بعنف وهي تهمس
(من المستحيل أن أعود لك يا فيصل.. بأحلامك)
الأحمق! ما زال غاضبا لأنها بالماضي طلبت الطلاق بعد زواجه من أخرى مع أن الغضب هو حقها.. حاول ثنيها عن الطلاق بالحسنى واللين وذكرها بالعشرة بينهما.. العشرة التي لم يحفظها هو.. وعندما لم تقبل تركها وطلقها ظانا أنها ستشعر بالذنب والندم فيما بعد وترجوه للعودة إليه.. ظن أن الشوق سيذبحها.. وظن أنها ستشعر بالغيرة لأنها أفضت الساحة لغيرها.. وخاب ظنه..
ما يريح قلبها.. أنها استطاعت أن ترد الطعنة له بعدها وبوقت قصير.. وبوجع أكبر..
ابتسامة كبيرة شقت لوجها قبل أن تغمض عينيها وتغفو لوقت قليل..
فتحت عينيها بعد مرور بعض الوقت من القيلولة التي كانت فيها غائبة وعقلها يعمل دون توقف..
أزالت الغطاء من على جسدها لتنزل قدميها وتلامس أصابعها الأرض وتنهض.. اقتربت من الطاولة لتأخذ كوب ماء ترتشف القليل منه ليرطب حلقيها بعد أن شعرت بصوتها يبح بعد كمية الصراخ الذي خرج من منه..
وقعت عينيها على صورة راجي أصغر أطفالها الموضوعة بـطاولة قريبه من الباب.. فابتسمت لا إراديا.. هذا الصغير أجمل هدية من الله.. تعشق بناتها ولطالما ربتهن على أنهن إناث متميزات ولسن اقل من الذكور بشيء.. كل ما اكتسبته برحلتها من الحياة من قوة.. كرسته ببناتها لينشأن قويات وواثقات من أنفسهن مثلها.. ولكن لا تنكر أنها سعيدة ولا تتخيل عالمها بدون وجود راجي فيه ولمساته الطفولية بحياتها.. الوريث الوحيد لعائلته..
سمعت طرقات خفيفة على الباب.. كانت عبير وهيام يريدان الدخول..
زفرت بـضيق وهي تمسح لها بالدخول بصوت متعب..
فتحت عبير الباب وحركت قدميها للأمام لتجلس على السرير مبتسمة لخالتها وهيام خلفها تجلس بوجوم..
جلست سميحة مقابلهم على السرير وهمست بصوت واثق وهي تعتدل وتجلس بهدوء
(لننسى كل ما سمعتموه ودار بيننا يا بنات.. وأنتِ هيام! أزيلي هذه الملامح البائسة عليك ولا تتدخلي من الأن وصاعدا بمشاكل الكبار.. ما زلت صغيرة للخوض بهذه الأمور)
أخفضت هيام عينيها للأرض وردت بخفوت وهي تلوي فمها
(أنا لست صغيرة يا أمي.. أساسا أنجبتني قبل أن تصل لعمري هذا)
التفتت عبير لهيام وهي تضيق عيونها لتوجه لها بحزم
(نعم.. هذا بأيام خالتي.. لكن أنت انهِ من الدراسة أولا قبل أن تفكري بالزواج)
ابتسمت سميحة برقه وهي تشاهد عبير ابنة أختها فتاة ناضجه أمامها مليئة بالثقة والعنفوان.. لكن قاطعتها هيام بغضب
(عبير قصدت أن أقول إني كبيرة ولا خطأ بالمساعدة لحل مشاكل أبي وأمي.. أمي طلبت الطلاق لأن أبي تزوج.. والان توفيت زوجته.. لا افهم لما أمي مصِرّة على عنادها وترفض طلبه بالعودة إليه.. لما لا تعود له ونعود لشملنا كعائلة سعيدة.. لا أفهمك أمي.. اشعر أنك لا تحبين زوجة أبي)
ردت سميحة باقتضاب واستغراب
(ولما عليّ أن أحبها؟ أتعرفين ماذا نسمي زوجة والدك الثانية يا هيام.. ضرة.. كلمة مشتقة من الضرر.. بمعنى أن اسمها مقترن بالضرر لي)
احتقنت عينيها بدموع لكنها أبت أن تطلق سراحها.. فدبت الرجفة بِمفاصلها قبل أن تسترسل
(وبعد أن تزوجها.. كان بالنسبة لي إحساس صعب أن اشعر أني تحولت إلى رقم إثنين.. ففي الواقع زوجته الثانية ليست هي الثانية في المرتبة بل الأولى في الحب والرعاية.. وأصبحت أنا الزوجة الثانية بعد سنين تفانيت فيهم في خدمته.. هي الأن بديار الحق ولا أريد أن اذكرها بشيء أخر.. بالنهاية أصبح كل ما حدث ماضي وقدر وإرادة الله وليس لي أي اعتراض.. الحمد الله دائما)
أغمضت عينيها.. الخوض والحديث بأمور الماضي لا يجلب لها إلا الوجع.. تذكرت كيف في بداية زواجه الثاني كانت تخشى مواجهة الناس.. ترى في نظراتهم الشفقة.. وبداخلها تختلط مشاعر الفشل مع مشاعر الإهانة.. فلم تستطع إلا أن تطلب الطلاق مع أنها اكتشفت أنها حامل..
يوم زواجه كان بنفس يوم إنجابها لجالا.. أحست بالشفقة عليها وعلى هيام.. خصوصا وان الأغلب كان ينقلون لها بأن زوجته الثانية حامل بذكر.. قبل أن تخيب ظنونه ويرزق بفتاة.. وفتاة أخرى.. وأخرى.. وأخرى.. حتى أمرته والدته أن يطلب من زوجته التوقف عن الإنجاب لأنه من الواضح أن نسائه هو بالذات لا ينجبن إلا إناث..
بدت عبير نزقة لأول مرة من كلام هيام.. فتكلمت مما زاد من غضب هيام كثيراً
(أنا التي لا افهم والدك لما أراد الزواج.. من اجل التناسل؟ أم من اجل المولود الذكر؟ لمَ إنجاب العديد من البنات وعدم العدل في الصرف عليهم وحسن تربيتهم! لو أنه اكتفى بك وبجالا.. وأحسن تربيت بناته ومعاملتهن وجعلهن ينشأن على حب الله وطاعته والعيش تحت سقف واحد يجمع أباهم مع أمهم دون أخرى.. ألن يكون أفضل له ولكم)
بدت هيام وكأنها تخرج عن سيطرتها ولم تعد تتحمل سماع المزيد من كلام عبير.. لكن عبير أردفت وهي تقول لها بانفعال
(ما الفائدة التي جناها عندما تزوج من ابنة عمه.. حتى لو أنها فُرضت عليه لم يكن عليه الزواج بها.. كانت تحرض بناتها وأباكم عليكم عدا عن تشويه صورتكن في نظر بناتها وأنشأت عداوة من نفس العائلة وفصيلة الدم.. لا تلومي والدتك ع طلب الطلاق من البداية لتريح نفسها من الكثير من المشاكل)
عقدت هيام حاجبيها ولم يعجبها أسلوب عبير معها لترد عليها بهدوء
(زوجة والدي لم تكن سيئة.. عبير لا تدخلي بما تجهلينه.. لم تحرض زوجة والدي بناتها علينا.. أحيانا تحدث بينهن وبين جالا مشاكل ومشاكسات صغار وسرعان ما يتصالحن ويعدنّ للعب مع بعضهن)
ضربت سميحة على الحائط بجانبها بكفها هاتفة بانفعال يتزايد
(هيام.. المشكلة أني لا أتقبل العودة له.. ليس بيدي أن أبقى على حبه.. لا أقدر على حب رجل أناني ولا يفكر إلا في نفسه.. الرجل الذي لا يقدر العشرة ليس جديرا بأن يُقدر.. وان كان الله قد كتب بزوجة ثانية لوالدك كنت سأتقبل بذلك حفاظا على راحة واستقراركم وإن كان على حساب راحتي النفسية.. ولكن بما أني اعمل وأستطيع كفايتكم ماديا بحالة ما قصًر والدك.. ولان الله لا يكلف نفسا إلا وسعها.. عزفت عن والدك ولم اعد أتقبله.. ولم أجد ضررا عليّ أو عليكم إذا طلبت الطلاق دام انه الطلاق لا يختلف عن الانفصال.. أنتم بالفعل تقضون عنده وقتا كبيرا وبشكل يومي)
احتدّت أنفاس هيام واشتعلت مقلتاها.. جمد جسدها بصلابة من جديد قبل أن تشير غاضبة
(أمي.. لقد ضغطت عليه جدتي للزواج منها.. والدي أخبرني بوضوح انه تزوجها أيضا من باب انه قريبها ولها حق عليه.. والدي امتلك المال الكافي للزواج والنفقة على زوجتين.. لا أدرى لما رفضت يا أمي البقاء معه.. كما انه.. يبدو انه ما يزال يحبك)
تغيرت تعابير سميحة للحظة كمن باغتها امر لم تحسب حسابه ثم تمالكت نفسها سريعا لتقول بانفعال ساخر
(لو احبني والدك من البداية لن يقبل أن يستجيب تحت ضغط والدته)
الأمر أصبح مزعجاً لعبير لتدعم وترد على خالتها وعيونها على هيام
(خالتي معك حق.. عندما تزوجا والديّ الاثنين اشترطت أمي عليه طلاقها بحالة زواجه من أخرى.. أخبرته أن يطلقها فورا ومن دون أن يعلّ قلبها وبلا أي مبررات أو حجج.. لكن الأن وبعد العشرة تقول دائما لنا.. ولما يطلقها أساسا؟ ستقتله قبل أن يفكر بغيرها..)
عمّ الهدوء الغرفة بينما استغرق الجميع بصمت.. عادت سميحة تستلقي على سريرها وجلست عبير على طرف السرير.. بينما جلست هيام على أريكة موجودة بزاوية الغرفة وبدأت بالتفكير وكأنها تقلب الأمور من كل أوجهها..
تعود بذاكرتها للماضي.. عندما قال والدها أمام أمها وبوجودها هي بنفس المكان.. بأنه سيتزوج ابنة عمه بعد أن عرضها عمه عليه للزواج.. وانه أساسا كان يفكر بالزواج من أخرى ليحظى بالوريث الذكر..
لقد يأس من أمها التي لا تنجب إلا بنات.. بل بكل محاولات حمل كنّ يمتن بعد سويعات من الولادة باستثناء هيام..
لكن أمها اختارت الطلاق على أن تبقى معه بعد الزواج بالرغم من معرفتها فيما بعد أنها حامل بجالا.. وانتهت عدتها بولادة جالا..
كانت وقت طلاقهما طفلة صغيرة قريبة من عمر جالا الأن.. إلا أنها انزعجت من قرار أمها الأناني بالطلاق..
أما بالنسبة لوالدها.. كانت متعلقة به بشكل كبير منذ صغرها.. ومنذ الطلاق زاد التعلق وأصبحت تقضي معه وقت مضاعف عن السابق وتلتصق به أكثر خوفا من فقدانه بعد زواجه بالرغم من حنق زوجة والدها قليلا وانزعاجها.. حتى بليلة زواجه لم تفارقه ورقصت وغنت معه..
وهي تريد الآن تتمنى أن يعودا لعلها تستعيد القليل من فرحة وسعادة الماضي..
عادت للحاضر بعد أن انتبهت لجالا تفتح الباب فجاءة تنظر نحو أمها المستلقية على فراشها والتي سرعان ما قفزت بسرعة لتعتدل بجلوسها والابتسامة الباهتة ترتسم على وجها قائلة بدفيء لا تريد من صغيرتها أن تعي مشاكلهم من حولها
(جالا حبيبتي أين كنتِ؟ تناولي الغداء.. ما زال موضوعا على السفرة بالصالة)
لكن جالا لم ترد.. بقيت واقفة جامدة بمكانها حتى شرحت لها بكل ما تملك من دهاء رغم صغر سنها وهي تتقدم بخطواتها الصغيرة من أمها
(أمي أنا لست جاهلة وسمعت كل شيء.. أنا أكره أبي.. التمست فيه الموت من اجل أن تعودي له.. لكن مع ذلك لا تقبلي واقهريه أكثر)
كان جمود الغضب يسيطر على هيام بينما تهتف بغضب من بين أسنانها وهي توجه نظرها نحو جالا
(يا إلهي جالا اصمتي.. لم تكملي العاشرة ولسانك أطول منك.. أمي لا تدعي هذه العصفورة الصغيرة الحقودة تحرضك على أبي)
لكن جالا أضافت وكأنها لم تسمع شيئا من كلامها.. وقلبها خلف أضلعها يتمزق إربا إرباً لتقول ببحة
(أمي أنا أحب أخواتي لكني أكره أبي.. انه لا يحبك ويفضل زوجته عليك لأنها ابنة عمه وغنية)
بنظرة غامضة ضيقت هيام عينيها.. جالا تسمع كثيرا من أحاديثهم وشجاراهم الدائم.. فتحفظ الكلام بعقلها وتبرمج نفسها عليه.. فتقدمت لوالدتها قائلة بتشفي عن جالا
(من الواضح أنها تحب أخواتنا يا أمي كما قالت.. لكن.. أنا لم أخبرك قبلا أنها انتزعت سلسلة الذهب من عنق لينا عنوة ورمته بالبئر.. وهذه ليست أول مرة.. لكن السلسة هذه كانت غالية جدا على قلب المسكينة لأنها من والدتها)
كتفت جالا يديها وهي تقول بعناد
(لا بل كانت مهداة من أبي.. لطالما كان أبي هو من يحضر الهدايا لهن وخفية عنّا حتى لا نعاتبه)
توقفت أهداب هيام لـثواني مع كلام جالا الصحيح والموجع.. لا تنكر هيام أنها شعرت بغصة بقلبها من كلام جالا عن والدها.. فحتى تزوج والدها كانت هي صغيرته ومدللته..
لكن بعد مرور سنوات على زوجها بدأت تلاحظ نفسها تبتعد تدريجيا عن والدها وتقضي وقت اقل عنده.. بالرغم من انه لم يرزق إلا بمواليد إناث من زوجة والدها إلا أن التمييز كان واضح لصالح بناته الأخريات أكثر منها هي وجالا.. والدتهن لم تقصر بشيء معهن على حسب استطاعتها.. لكن لا تنكر أن والدها لم يكن عادلا مع بناته الغير شقيقات.. كان يدلل بنات احدى زوجتيه أكثر عن الأخرى.. مع أن والدها ووالدتها وزوجة والدها كلهم من نفس العائلة.. لكن كان يتحجج انه يدلل متحججا أن طبقة زوجته الأخرى اعلى وأرقى وتقاليد عائلتها تختلف عن تقاليد عائلة أمها..
هزت رأسها لتعود لمشادتها مع جالا مكملة توبيخها فلا مبرر لخطئها
(غير صحيح.. بل من والدتها.. هذا العقد غالي ومنذ عقود كان يتم توريثه من أم لابنتها.. الآن لن تتمكن لينا من إعطائه بالمستقبل لابنتها لأنك رميت السلسلة بالبئر)
وضعت جالا يدها على فمها لتقول بصدمة وببراءة مصطنعة
(هل هو حقا مُهدى من والدتها؟ لقد ظننته انه أبي هو من أعطاه لها.. هل اقسم لك؟)
شبح ابتسامة خفية ظهر على محياها لم تستطيع منعه وهي تستطرد
(وكما تعرفين.. أباها هو أبي.. وكل ما يحضره لها هو ملكي.. هذا هو قانوني الجديد بما أن الدلال والهدايا كلها لهن ونحن لا شيء لنا)
أنهت حديثها وهي تقف متوجه لخارج الغرفة تقاوم عبره ستسقط بين ثانيه وثانيه.. لكن نداء والدتها لها باسمها أوقفها.. لتتجمد مكانها دون أن تستدير لهن.. فأردفت والدتها
(جالا متى ستتوقفين عن شقاوتك.. ماذا تريدين بسلسلة الفتاة؟ وقبلها قمت بحرق يدها بجمرة فحم.. الم يكفيك العقاب وقتها)
وفجاءة تحولت عيون جالا الطفولية الممتلئة بالدموع.. لتصبح ممتلئة بظلم وانكسار موجع وانتهاكات.. من ظلمين.. وكلاهما من أقرب الناس إليها.. أسوء شيء بالنسبة لها.. أنها لا تستطيع البوح بالظلم الثاني أمام أحد.. إلا أمام شخص واحد.. وحتى هو.. يريدون فصله عنها.. هزت رأسها لتزيح كل شيء يدور بداخلة لتصرخ بهم عندما تتذكر اتهاماتهم
(لم اقصد حينها.. كلكم تهجمتم عليّ بلا سبب لأني أوقعت الفحم بلا قصد عليها)
بتلك الكلمات أنهت جالا جملتها.. لتنهض هيام من على مكانها وتأخذ شعر جالا من الخلف فتصرخ كلتاهما.. وعبير وسميحة تحاولان إبعاد يد هيام نحو شقيقتها.. لكن هيام كانت تشد بكل قوتها وتغلغل فيها بلا هوادة لتردف بينما صوت جالا يعلو ألماً..
(كاذبة.. اقسم أني رايتك بأم عيني وأنت تتعمدين وضع الفحم على رقبتها.. بلا قصد وحرقتيها مرتين متتاليتين على رقبتها ومن ثم على يدها.. كيف لو كان بقصد.. أمي امنعيها من الذهاب لبيتهم واحبسيها وحيدة بالبيت لتتعلم الأدب)
أخيرا استطعن أن ينفضن جالا عن يدي هيام لتقع أرضا لتقع راكعة على ركبتيها تسد يديها إلى الأرض باكية.. تأففت عبير بصوت عالي وغادرت الغرفة بينما هيام عادت لمكانها وسط حدية والدتها ونظراتها المسمومة غضبا.. لتقول سميحة بتلقائية معاندة لها
(لا لن امنعها من زيارة أخواتها ووالدها.. سيظن أهل والدك أني احرضها عليهم لتكرههم)
قالتها.. لتركز جالا بنظراتها باتجاه هيام بقهر وعجز بينما تشعر داخلها بحزن وقلة حيلة طفلة.. لكان سرعان ما شبت النار في صدرها أكثر من قبل على إثر ما حدث قبل برهة لتصيح بهيام مرة أخرى قائلة بسخط
(أول مرة وقعت مني الجمرة على يدها بغير قصد كما أقسمت.. لكن المرة الثانية تعمدتها.. نعم تعمدت أن ارميها على رقبتها.. حتى لا يكون عقابي وقع عليّ هدرا وظلما)
وقفت جالا من مكانها وبكلتا كفيها قلبتهما بالهواء قائلة
(أنا التي لا أريد أن أزورهم بعد الآن.. لكن بالمقابل اسمحوا لي أن العب مع كارم بالخارج)
قالت جالا كلماتها لتخرج من الغرفة وهو تنفخ وتتمتم بشتائم ممتعضة ممن تعلمتها من اللعب خارجا بالحي.. قبل أن تتوقف مكانها عندما سمعت رد أمها عليها بحنق
(لا جالا لن تلعبي مع الصبيان بعد الآن.. والدك وجدتك وعائلتهم سيتحدثون عنك بسوء ويشككون بتربتي.. لقد كبرتي ولم تعودي صغيرة على اللعب مع الجنس الأخر)
شعرت هيام بالغيظ.. وقطبت حاجبيها لتقول بنبرة هادئة وهي تتنهد
(أمي لما تكرهين كل عائلة أبي.. لما تلومينهم على زواج أبي منذ أكثر من عقد)
هتفت سميحة بحنق
(لا اللوم أحد.. علاقتي معهم رسمية وحسب.. لأني أريد راحة بالي.. هل أخطأت؟)
ثم صرخت باتجاه الباب حيث جالا لا تزال واقفة لتسمعها
(وأنت جالا.. لن أكرر كلامي.. إياك أن تؤذي أخواتك أو أي أحد أخر أيا كان ومهما يكن)
وسمعت الأخرى ليكسوها حزن شفاف قبل أن تصرخ من مكانها بغيض
(أمي لا داعي لدفاعك عنهن.. فوالدي لوحده أكثر من كافي)
شعرت سميحة بدوار عميق ينتزعها بقوه من مكانها..
تعرف أن الوضع اشد على جالا من هيام لذا تحاول ألا توبخها بقسوة.. وان تتعامل معها بلين ولطف.. ربما لأنه ومنذ ولادتها لجالا.. لم تحظَ بدلال والدها.. ولا على الأقل مثل هيام بصغرها..
ومنذ أن منعتها هي أن تلعب بالخارج مع كارم ومراد، كانت تقضي بمنزل والدها وقت أكبر بحجة اللعب مع أخواتها.. لكن عندما تعود للبيت، تعود غاضبة وهي تدرك أكثر الفرق بينها وبينهن من دلال ورفاهية..
لذا ومع صغر سن ابنتها.. تؤكد دائما على نفسها أن تتعامل معها بأسلوب خاص يليق بحساسيتها.. بالرغم من تصرفاتها وطباعها العنيف وأفعالها الغير مبررة.. خصوصا مع تصرفاتها تجاه أبيها وعنادها الدائم له.. حتى أنها أحيانا عندما تراه تشيح وجهها عنه حتى لا تكرهه أكثر..
تعرف أن والدها ليس مقصر من الناحية المادية ابدا.. ولكنه دائما ما يلبي طلبات أخواتها لأجل والدتهم ويتملل من طلبات جالا والتي لا تنكر أحيانا أنها تطلب طلبات متكلفة وغير منطقية..
ربما بالنهاية زوجته الثانية كسبت كل شيء وهي خسرت.. لكن على الأقل عاشت هي وحتى الآن هادئة ومرتاحة من داخل قلبها.. اختارت أن تبعد نفسها عن كل ما يمكن أن يؤثر على حالتها النفسية والصحية واختارت السلام الداخلي.. هو أكثر ما كانت بحاجته حتى تستطيع أن تربي أولادها وتعوض عليهم كل نقص من زواج والدهم وبعد أن أصبح بالنسبة إليهن نصف أب ومال كثيرا لبناته الأخريات.. وهي لن تكون قادرة على تعويضهن من كل نقص من دون صحتها وسلامها الداخلي..
جفلت سميحة على صوت عبير القادمة من الصالة
(هيام هيا.. سيبدأ الآن فلم مخيف ولكنه يبدو مشوق)
لكن هيام وقفت من مكانها لتقول أخيرا
(أريد الذهاب للدراسة)
عقدت عبير حاجبيها وزفرت بهدوء
(الم تقولي إنه لا يجب علينا الدراسة بنهاية الأسبوع وعلينا أن نتسلى معا بكل ثانية منه)
لكن هيام تجاهلتها وهي تسرع الخطى نحو غرفتها والألم بداخلها لا يخفت..
بينما عبير نظرت بحنق لخالتها وشعرت بالندم من بقائها هنا وعدم ذهابها مع أخيها للبيت.. لتهمس خالتها مخففة عنها
(سأشاهده معك يا عبير.. هل أعددتِ الفوشار؟)

*****

يوم جديد.. كانت عيون هيام ترفرف تكاد تموت من الشعور بالنعاس.. الأسابيع الماضية كان الجو متوترا بالمنزل.. خصوصا بعد ذلك اليوم الذي تشاجرت فيه مع والدتها.. ما زال يحدث بينهما بعض الخلافات والمشادات كل عدة أيام وهذا يؤثر على دراستها.. لكن ولسبب تجهله هي لم تنم.. مازالت عالقة بأهداب الماضي تفكر بمشاكل والديها وتفكر بدراستها.. تشعر أنها ستبقى حبيسة ثرثرة ومشاكل داخلية ولن تخرج منها..
جفلت وفتحت عينيها على مها التي تجلس بعنف على الكرسي المقابل لها بالكافتيريا.. وهي تضع الشطائر التي طلباها
وبينما مها تقدم لها الشطيرة التي تحملها بيد وباليد الأخرى ترفع شطيرتها وتأخذ قضمه كبيرة.. وضعت مها الشطيرة فوق المقعد الخشبي ونظرت لهيام بهدوء والتي طال بها الوقت وهي تلتفت برأسها نحو شاب يقف على زاوية الكافتيريا..... فضربت مها على الطاولة لتنبه هيام على الشطيرة لتأخذها..
فعقدت هيام حاجبيها بجدية تسألها
(ماذا حدث معك يا مها؟ ومن ذاك الشاب الذي كان ينظر إليك بغرابة؟)
شهقت مها ووضعت يدها على صدرها قائلة
(هل كان واضحا أنه ينظر لي؟)
نظرت هيام للشاب الذي كان ينظر حول الأخرين.. ثم أعادت نظرها لمها لترد بشكوك أجابها وهو تبدأ بالقضم من شطيرتها
(لا.. لكنه كان يحدق بك طوال وقوفك بانتظار الشطائر.. لا تعجبني نظراته)
أخذت مها نفسا عميق وزفرت بضجر.. ثم أراحت جسدها على أخر الكرسي قائلة بتململ
(قصة طويلة سخيفة.. لا داعي أن أحكيها لك)
تحدثت هيام من زاوية فمها قائلة بامتعاض ساخط
(لا طبعا أحكيها لي.. تعرفين أني فضولية)
رفعت مها كفيها قائلة باستسلام
(حسنا كنت كعادتي.. أتجاهل حضور محاضرة الساعة الواحدة، بالرغم من تجاوزي العدد المسموح للغياب، لكن كله يهون لأجل أن البي نداء معدتي.. فوجبة الغذاء مهمة جدا لي، وجزء لا يتجزأ من حياتي اليومية.. لكن الحقيقة أن الطعام هو الشيء الوحيد الذي يخفف على متاعب المواصلات الصباحية.. وتحمل الاستماع لشرح المُحاضرين الممل.. لذا ذهبت للكافتيريا هذه.. أووه)
ضربت هيام يدها لتدخل بالموضوع مباشر فأردفت
(حسنا.. حسنا.. المهم.. دفعت النقود للمحاسب لأطلب ما أريد تناوله.. أخذت فاتورة وعليها رقم دوري.. أردت أن أعطي الفاتورة للرجل المعني ولكنها وقعت رغما عني.. وذاك الشاب المفتول العضلات كان بجانبي عندما سقطت الورقة)
فتحت هيام علبة البطاطا لتبدأ الأكل وهي تهمهم بحماس لمها.. فاسترسلت
(عندها حاول كلينا النزول لالتقاطها.. فارتطمت رؤوسنا ببعضها.. وتجمدنا لنتبادل سحر النظرات بعيوننا بمشهد لا يمكنني أن أصفه ابدا)
نقلت هيام عيونها لذاك الشاب.. كان يهم المغادرة خارج الكافتيريا.. الحقيقة انه عدا عن شكله الهمجي وملابسة الممزقة تبعا للموضة ومظهره الذي لا يشبه أي مظهر شخص محترم.. وعمره الذي يبدو أكبر من أن يكون طالب.. إلا انه يبدو وسيما وجذابا بعضلاته.. أعادت نظراتها لمها لتطلب منها أن تردف.. فأردفت
(ثم اعتذرت منه.. ليخبرني أن اجلس على احدى الطاولات وهو سيحضر طلبي إلى طاولتي.. فوافقت وشكرته ممتنة، وذهبت لأجلس عند صديقاتي.. كانت دقائق حتى وصل لطاولتي، سلمني الطلب وطلب أن يجلس معي)
شهقت هيام بصدمة سائلة
(إياك أن تقولي إنك وافقتِ!)
هزت مها كتفيها بندم قائلة
(رفضت بالبداية.. لكنه أخبرني أنه يريد أن يتحدث بموضوع خاص جدا وحساس فوافقت.. أخبرني أني أشبه حبيبته السابقة التي توفيت بحادث سيارة.. أخبرني كيف كان يعاني لأشهر كثيرة من فقدانها حتى رآني وذكرته بها وفتحت كل جروحه.. كما انه لاحظ أنى أتردد كل يوم هنا لأتناول طعامي مثلها تماما.. اغرب شيء أن رقم دوري على الفاتورة هو نفس رقم تاريخ وفاتها.. والحقيقة تأثرت كثيرا.. التقينا عدة مرات هنا.. وكان دائما يطلب مني أن انتبه على نفسي.. فهو لن يتحمل أن يفقدني أنا الأخرى أيضا)
عادت هيام لفتح شطيرتها والبدء بتناولها وهي تقول بتوجس وتأثر شديد
(نعم.. أكملي وماذا حدث الآن)
فتحت هي الأخرى العلبة لتبدأ بإخراج شطيرتها والتوى ثغرها بتأففٍ واضح وهي تُجيب
(كان الوضع من الممكن أن يستمر أكثر من ذلك حتى الآن لو أن رفيقتي لم تخبرني أن السيناريو نفسه قد تكرر معها ومع أخريات أيضا.. لا يوجد حب.. الحب الوحيد هو للمطبخ فقط)
ابتسمت هيام بحب وهي تذكر شخص ما.. هو مختلف عن الكل.. لكان تصنعت الحزن وهي تسمع مها تتذمر
(النذل الخائن، كنت أريد أن ابحث فورا على عروض ملفتة لصالات الأفراح.. وكعكة الزفاف كنت سأجعلها على نفس شكل الطلب الذي طلبته، واكتب عليها رقم الطلب)
فضحكت هيام على كلامه بخفوت وهي تهز رأسها بيأس من مها..
ما أن انهو الطعام حتى مشيا سويا للخارج نحو محاضراتهم.. وبالطريق سألت مها هيام بفضول إذا كان وسبق أن أحبت.. فعضت هيام شفتيها بخجل وهي تهز رأسها إيجابا.. انصدمت مها فسألتها عن التفاصيل لتمط هيام شفتيها ثم تجيب
(حبنا بدء صدفة.. عندما سمعت شخص خلفي يطلبها مع جبنة.. فدفعني فضولي لأخبر الرجل أمامي أنى أريد وجبتي مع الجبنة أيضا.. رد علي ب "تكرمي" وجهزها وأعطاها لي بعد أن حاسبته.. ويمكن القول انه من لحظتها أصبحت حب حياتي)
زفرت مها متذمر من سخرية لهيام.. لكان سرعان ما أزالت ملامحها لتسأل بفضول كأنها تحقق معها
(هيام أنت لست مخطوبة.. ولكن هل أنت محجوزة.. يعني هل هناك أحد من عائلتك طلبك للزواج بعد الدراسة)
نفت هيام وهي تقول
(لا.. لدي عم وحيد لديه ابن وهو أخي بنفس الوقت.. مممم.. من جهة والدتي.. فأولاد خالي بسن والدي.. لدي أربعة خالات.. أولاد خالتي الأولى جميعهم مرتبطون بعلاقات حب.. أولاد خالتي الثانية يعيشون في الخارج وانا لن اقبل إلا ابن بلدي بفخر.. خالتي الثالثة كل أولادها ناصعين البياض بأعين ملونة.. أولاد خالتي الرابعة لا يوجد عند أي أحد منهم مقومات الزواج.. وللصراحة أنا أريد الزواج)
هزت مها رأسها بتفهم لتسترسل هيام
(في الحقيقة أحب كل أقربائي.. لكن الحكمة تقول إذا أحببت شخص وحرصت على بقاء علاقتك به بسلام، لا ترتبط به باي علاقة.. وقد أثمرت محاولات أمي وإقناعي بشكل مستمر أن أحذر من الارتباط أو إقراض المال لمن أحب حتى لا تنتهي علاقتي بأبشع صورة ممكنة.. لذا لن أتزوج من أقاربنا)
توقفت قبل أن تستطرد
(حسنا مها لقد تأخرت.. سأسرع المشي لألحق محاضرتي.. إلى اللقاء)
وسلمت عليها بكفها وهي تبتعد مسرعة الخطى.. وعلى الجانب الآخر من الساحة.. كان هو يسير نحو كليته ليراها صدفة.. فتوقف وعيونه تلحقها وهي تخطو طريقها بهرولة.. رغما عنه ابتسم بعفوية رغم أن هذا اليوم متعب من بدايته.. لكن.. هل هو يملك زمام العين.. أو زمام القلب؟
ما كان منه إلى يضع يديه بجيوب سرواله الجينز ويتبعها بكل خطوة تخطوها دون تفكير ويسير بسرعة على سرعتها.. وبسرية تامة كي لا ترى عيناها الفاتنة ذلّ شاب بالكاد تعرفت وها هو يلاحقها بلهفة..
قارب هذا الترم الدراسي على الانتهاء.. وبدأت التعاسة تتسلل لداخله.. لا يدري من أين سيجد أي حجة ليراها بعد أن يتوقف عن اخذ تلك المحاضرة اليتيمة الوحيدة معها.. لا يهم المكان أو الزمان بل تكفيه رؤيتها من بعيد ليشبع فضوله..
كان يسخر من إياد الذي لطالما تمنى أن ينهي دراسته بسرعة حتى يُكوِن نفسه ويتزوج مِن التي ملكت قلبه.. والان هو يفكر نفس الشيء.. ولكن.. يريد أن يطمئن بانها ما زالت متاحة له حتى يستعد.. فهما من نفس العمر.. بهذه اللحظة وجد نفسه يصارع ذلك الألم المصاحب للرفض والعجز..
هل هو الآن يبدو سخيف كمتيم مهووس؟ وما هي نظرتها عنه؟ يرى إعجاب طفيف بعينيها تجاهه إذا ما تلاقت عيونهما صدفة..
توقف فجاءة عن الحركة ما أن رآها تدخل مبنى الكلية.. ذهبت من أمام ناظريه.. يريد أن يتركها ويذهب لمحاضرته التي تأخر عليها.. ولكن.. ما أن يضعف حتى يشتاق لرؤيتها ويود لو يتجاهل كل شيء ويذهب أينما تذهب أو يكون بنفس المكان معها.. يتمنى لو يقدر أن يحدق بها قليلا من دون أن تنتبه فتتهمه بالتحرش..
فرغم جرأتها وإقدامها معه.. إلا أنها تتمتع بشموخ أنثوي رهيب.. يحب هذا الشعور المنعش الغارق به تجاهها.. يشعره بالتحرر لعالم أخر.. عالم مخيف لكن مذهل.. وهو وسط كل ما يحدث بينهما.. يطفو في إحساس اقوى من أي شيء مر به.. نظره وحيدة ينظرها له.. ويستطيع أن يعرف أن هيام فيصل الصادق له.. ويقسم على ذلك.. يشعر بإحساس مخيف لمستقبله.. ولكن مهما كانت ظروفه ومهما كان ما سيمر به.. فستكون له.. يمتلكه الغضب قليلا لانفلات مشاعره من بين تحكمه.. لكن لا يخجل أن يعري مشاعره.. على الأقل أمام نفسه..

*****

دموعها تسيل مدرارا وهي تضرب بقدمها السرير.. الارتعاشات تتوالى على جسدها لكن لن يوقفها شيء عن الاستمرار بالضرب بقدمها رغم الألم الذي تشعر به مع كل ضربة.. تريد أن تعلن غضبها حتى ولو على حساب أذية نفسها..
وعلى إثر صراخها المستمر الذي تمقته والدتها صرخت عليها بصوت عالي تتوقف.. فتهدج صوتها بالبكاء قائلة بصوت خافت جريح كطفلة بعمرها
(أريد الخروج لرؤية كارم.. انه ينتظرني خارجا)
وبتلويحه غاضبة من يدها أمام وجه جالا قالت
(أخبرته أنك مريضة ولن تخرجي.. لا مزيد من اللعب خارجا مع الصبيان.. ولن تخرجي لبيت والدك لأنك تثيرين المزيد من المشاكل.. اهتمي بدراستك)
عادت لتقف بدورها لتزيد من استفزاز أمها وهي تضع يديها على خصرها
(إذن سأطلب منه أن يساعدني بالدراسة.. أوه.. أيضا مراد اقترح عليّ المساعدة إذا احتجته بشيء ما في الدراسة..)
قالت سميحة بفقدان أعصاب
(يا إلهي يا جالا! سأفقد بسببك ما تبقى من ذرات عقلي.. لم أنتِ عنيدة هكذا! أخبرتك أنك كبرتي على الاختلاط بالجنس الأخر)
لتخرج غاضبة من الغرفة.. بينما أخذت أنفاس جالا تتسارع بغضب من نوع أخر..

*****


Hya ssin غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 06-09-19, 11:24 AM   #6

Hya ssin

? العضوٌ?ھہ » 450526
?  التسِجيلٌ » Jul 2019
? مشَارَ?اتْي » 942
?  نُقآطِيْ » Hya ssin is on a distinguished road
افتراضي


الفصل الثالث
اليوم هو أخر يوم دراسي لهذا الفصل.. وبعد أسبوعين ستبدأ الامتحانات النهائية..
بعد أن خرج المُحاضر من القاعة.. التقطت هيام كتبها وحقيبتها بيديها.. قبل أن يحركها قلبها بعمق الخجل والكبت.. بلذة التقدم وجنونه لتتجرأ وتنادي بحروف اسمه "احمد".. فجفل بعينين مفتوحتين على اتساعهما وتجمد.. لكن التفت للواقفة خلفه على بعد خطوتين وتقبض على حقيبتها الصغيرة بشدة كأنها متوترة.. وبصوت مرتبك قالت وهي لا تدري الكلمات التي ستخرج من فمها..
(أنا اسفه لتدخلي.. لكن.. لم.. لم شعرت أنك تلتف للخلف لي بغضب.. وبدون سبب لأكثر من مرة ومن قبل بدأ المحاضرة حتى)
حاول أن يتظاهر بتدفئة كفيه المتجمدتين بهذا الصقيع وهم على أعتاب سنة جديد.. كان شعوره من الداخل بمنتهى الغضب.. ليس بسبب صوتها المرتفع أو تمتماتها المزعجة مع صديقتها مها.. فهو معتاد عليهما منذ بداية الترم.. لكن مناداتها باسم أخر هو ما شبّ النار بقلبه.. هل هو مجنون؟ هي وحتى الآن مجرد زميلة له.. لا يحق له حتى بالتفكير بها.. فلما يغار وكأنه تخصه وملكه؟
ثم قال بصوت مرتبك لا يقل عنها ارتباكاً وهو يشيح بنظره للغارق بنوم عميق على بعد عدة مقاعد من مقعد هيام بالصف الأخير
(لا.. لم اقصد شيئا.. لكن كنتِ تنادين على أحدهم بصوت عال.. ولم أستطع التركيز بالمحاضرة.. لم اقصد شيئا.. يا.. هيام)
شعر بضربات قلبه تزداد عند نطقه لاسمها.. يشعر بالغرابة حتى من جرأته بنطقه..
الصمت المرتبك خيم من جديد بينهما.. لتردف أخيرا بابتسامة عفوية وهي تنظر للنائم
(أوه أنت تقصد طارق؟ ناديت عليه بصوت عال قليل لعله ينهض وينتبه أكثر ع المحاضرة بما أنها مهمة والأخيرة)
مسحت ملامح المرح من على وجهها لتشعر بخجل وارتباك أمامه لا تعرف سببه.. لكان سرعان ما تحدثت معه بمشاغبة وابتسامة عريضة
(طارق يدرس معي بنفس التخصص لذا أنا أعرفه.. يمكنك القول إن النوم في المحاضرات من أكثر المواقف التي يتعرض لها طارق.. عدا عن نومه الدائم داخل المدرجات.. احضر أحد الطلاب كاميرا تعمل بالنيجاتيف والتقط له صورة في أكثر من مناسبة لتوثيق عدد المرات التي نام فيها في محاضرة في أيام مختلفة.. حتى أن أستاذ المادة طلب من زملائه إيقاظه، وبعد فشل محاولاتهم تحدث أستاذه في الميكرفون وناداه باسمه لإيقاظه في أكثر المواقف إحراجاً التي يمكن أن تتصورها)
عقد حاجبا منزعجا.. منزعجا من كونها تعرف الكثير عن هذا الطارق.. أكثر مما يجب عليها أن تعرف من مجرد زميل.. فتحدث بحزم شديد كأن له سلطة عليها ليأمرها
(أتمنى أن لا تقتربي من طارق أو غيره وأن لا تتحدثي مع أي شخص بهذه الطريقة الغير رسمية.. يا هيام)
مجددا.. همس بأخر كلمة بوتيرة خاصة.. ليشعل بـروحها شيء غريب يتحرك جعلها متجمدة وتحدق بعينين متسعتان.. شعرت بفعل سرى في عروقها..
ازدردت ريقها لتسأله بابتسامة عفوية وهي تحاول سرقة حجج أكثر لتتقرب منه
(ما رأيك أن نتمشى قليلا بالساحة؟ لقد أنهينا هذه المحاضرة مبكرا)
صدم من طلبها المفاجئ.. لكن هزّ رأسه موافقا.. لم يجن بعد ليضيع فرصة أتته على طبق من ذهب ليتقرب ويتعرف عليها أكثر..
وسارا سويا للخارج بهدوء وبمسافة تفصل بينهما.. شعر بارتجاف شديد يعتري أوصاله.. وهي كانت كذلك.. كأن هناك شرارات بينهما تنقل رجفته لها فترجف هي أيضا.. كان ينظر هنا وهناك وهو يمشي من شدة الارتباك..
وجدته يرفع رأسه لشاب مر من أمامه، يغمغم السلام له فيعبس الأخر بوجهه ويرد عليه السلام من دون أن ينظر له متابعا خطواته بعبوس.. كأنه كاره للصدفة التي جعلت طرقهما تتلاقى..
تعجبت هيام.. حاولت الصمت وعدم الثرثرة والتدخل بما لا يعنيها حتى لو كانت عينيها تفضح تفاجئها من تصرف ذاك الشاب.. لكن فشلت في الصمت لـتسأله وهي تدير برأسها باتجاهه
(من ذاك الشاب؟ يبدو من مظهره انه دكتور.. صحيح؟)
ارتفعت عينه بتهكم لها.. من المدة القصير التي تعرف عليها استطاع أن يفهم الكثير عن شخصيتها.. أهمها أنها فضولية وتحب معرفة كل شيء حتى لو لم يهمها الشخص الذي أمامها.. فعقد حاجبيه بتلقائية وقال بسخريه وهو يتذكر واحد من أطرف المواقف وأكثرها إحراجاً قد تعرض عليها في فترة حياته
(نعم دكتور.. واحضر عنده مادة مساق مهمة.. حصل بيننا سوء تفاهم وهو إلى الأن يحقد ويرمي نظرات كره تجاهي بالرغم من محاولاتي الحثيثة بالتقرب إليه من بداية الفصل..)
لمح تفاصيل الاستغراب ومن ثم ابتسامة مائله على شفتيها وهي تكتم ضحكتها.. تضحك حتى قبل أن تسمع قصته.. ليردف
(يومها كان يلبس بدلة قريبة من بدلة إياد.. إياد شقيقي.. تعرفينه صحيح؟)
هزت رأسها إيجابا خطرت على بالها عبير.. فقد زارتهم مرة أخرى ببيتهم وقد اعتذرت هيام منها على أخر شجار حضرته عبير بين والديها بما فيها تصرفاتها وتجاهلها لها.. فقد كانت متوترة من أجواء المنزل.. وقبلت عبير اعتذارها بصدر رحب..
أعادت تركيزها لأحمد وهو يكمل
(ما حدث يومها أنه كان يلبس بدلة قريبة من بدلة إياد وكان يجلس على الدرج.. فظننته إياد وأردت أن أمازحه كما فعل معي بإحدى المرات.. فاقتربت منه وأخذت دفتره وهربت بأقصى سرعتي.. حتى سمعت الذي يركض خلفي يصيح ب "لص.. لص".. فتوقفت مصدوما.. ازدردت ريقي وانا أستدير ببطء ومرتعب من النظر لمن خلفي.. كان هذا الدكتور هو من أخذت دفتره لا إياد.. وكأن القطة أكلت لساني.. لم أكن اعرف كيف سأشرح له ما حدث وكيف أفسر الأمر.. لكن بالنهاية.. انتهى الأمر على خير ما يرام.. مع انه ادعى انه الدفتر يحتوي أسئلة امتحانات المساق)
صمت قليلا وابتسامة تعلو محياه ليردف بعد ثواني معدودة
(نعم.. تحدث بعض المناوشات والمشاحنات بين الطلبة والدكاترة.. انه عبارة مسلسل غير قابل للانتهاء.. اذكر أن أحد أصدقائي اصطدم مع احدى الفتيات القصيرات وحدثت بينهما مشاحنه وقام بشتمها وأسمعها كلام قاسي قبل أن يدخل على القاعة ليتفاجأ أنها دكتورة المادة)
ضحكت هيام بعمق سلب عقله وروحه.. تذكرت هي أيضا احدى المواقف المحرجة الذي مر بها أحد زملائها بعد قيامه بمعاكسة إحدى الفتيات في الكلية بخفة ظل.. وتوجه لمحاضرة ليُفاجئ أن الفتاة التي قام بمعاكستها هي نفسها معيدة المادة.. رغبة شجعتها لتتجرأ وتأخذ معه بالكلام أكثر.. فأخبرته القصة التي تذكرتها وأنهت حديثها قائلة
(لا أدري بماذا أخبرك.. لكن انتهى الأمر بينهما عندما دخلت القاعة وسألته عن اسمه لتضحك.. ومن ثم أصبحا أصدقاء.. مجملا عليك أن تحذر من الفتيات القصيرات.. فمرة بامتحان احدى المساقات.. كانت أمامي صديقتان يغشان مع بعضهما بإحدى الامتحانات.. وفجأة نظرت الفتاة الجالسة أمامهم لهما بغضب.. تأففت صديقتي وأخبرتها أن تستدير وتنظر للأمام وبعد أن ينتهوا سيعطونها الأجوبة.. ثم بوم.. وقفت تلك الفتاة الغاضبة من مقعدها لنجد أن لا ورقة أسئلة أمامها أساسا.. لأنها هي مراقبة)
ما إن انتهت كلامها حتى غرق في ضحكه صاخبه.. لا يدري إن كان يضحك على طريقتها بالحديث أو على قصتها..
أما هي بادلته الضحك أكثر بينما هي غارقة به.. لأول مره تشعر بأن الحب يتدفق كنهر عذب من روحها..
بينما هو كان يتغلغل بسحرها أكثر.. كلامها.. طريقة حديثها.. خفة دمها.. جمالها.. كله يجذبه لها..
بعد برهة من الزمن ومن المشي.. ابتسمت هيام بنعومة على الحديث الذي دار بينهما فرفعت رأسها للسماء لتستقبل أشعة الشمس اللطيفة.. والنسمات الخفيفة تداعب خصلات شعرها المتناثر على كتفيها بنعومة فتزيده سحرها عليه..
هذه الأشهر كانت صعبة عليها نفسيا بسبب مشاكل عائلتها التي سببت لها ندبة عميقة من وقت حدوثها حتى الأن.. لكن ومع هذه اللحظات المسروقة التي تقضيها مع احمد تشعر بها كدواء نادر الوجود وقوي المفعول على ندبتها لتماثل للشفاء..
وهو أيضا كان بحاجة لتمضية مثل هكذا وقت ولو كان قصيرا.. خاصة بعد اقتراب امتحانات نهاية الترم الدراسي لإضفاء مناخ من البهجة والمرح إلى نفسه..
صمت الاثنين لمدة طالت.. توقفت قدماه عن المشي قليلا.. لا يدري بما يشعر.. ربما يشعر بـتخبط في داخله.. فتوقفت هي الأخرى ما أن أحست به يقف خلفها بمكانه لتستدير وتنظر إليه بارتباك..
بعد مدة صمت.. همس بهدوء وهو يطالع عينيها البنيتين
(لقد استمتعت بالحديث معك كثيرا يا هيام.. مع أننا لم نتحدث كثيرا.. ربما اقل من ساعة)
صمت هادئ من طرف هيام.. رباه ما اللذّ حروف اسمها من فمه.. لم ينطق اسمها إلا مرات محدودة جدا.. فهمست
(وانا أيضا استمتعت معك.. للأسف لا أظن أننا سنحظى بالترم القادم بمحاضرة أخرى نأخذها معا)
عقد حاجبيه قائلا
(وهل من ضروري أن نأخذ محاضرة سويا لنرى بعضنا.. يمكننا أن تلتقي ليوم أو يومين بالأسبوع سويا باستراحة تتوافق مع وقت كلينا)
من ثم أردف برقه متناهيه
(لقد اعتدت على لسانك الثرثار لا يتوقف عن الحديث خلفي بشكل مزعج.. ولن أتحمل أن افتقدك وبشكل مفاجئ)
لا تدري إذا كان يسخر منها أو يمتدحها.. لكن شعرت بالخجل يطفو لوجهها لتخفض عينيها أرضا.. أبعدت خصلات غرتها المتناثرة عن جبينها وخديها لتضعها خلف أذنيها.. لم تردف بكلمه.. مازالت صامته.. تميل للارتجاف قليلاً.. ليهتف اسمها مناديا من جديد.. فترتفع عينيها له لتهمس له
(ماذا؟)
بقت عينيه تنظر لها بهدوء.. ليقول بنبرة أمرة تكسوها بعض الغضب
(حاولي أن تضعي حدود بينك وبين أي شاب أخر.. أو حتى فتاة.. حتى صديقتك مها لا أحبها.. إنها جريئة بشكل كبير)
كادت عيني هيام تخرج من مكانها من الدهشة.. بل لم تستطع تدقيق النظر من حالة التوهج الذي صدمت بها عينيها.. من جهة انه يحفظ حتى اسم صديقتها المقربة التي ما تجلس بجانبها دائما ووراءه.. ومن جهة أخرى أنه يتحدث لها وكأنهما مقربين بالفعل.. ويعرفان بعضمها منذ وقت طويل..
عندما بقيت على حالها لا تجيب.. شعر هو بالمبالغة بكلامه وبنبرته.. فتنحنح بهدوء.. لكنها همست بهدوء مبالغ منها ورقة مصطنعة وكأنها تريد أن تعيش دور الأنثى الحبيبة
(حسنا كما تريد.. فلتأمر يا حبيبي)
فجاءة جفلا الاثنين من الكلمة الأخيرة التي نطقتها.. حاولت أن تفتح فاها لتصحح سوء الفهم ولكن كانت عاجزة عن إخراج أي حرف منها.. ابتسم رغما عنه وكان يريد أن يشير لكلمتها بخبث.. لكلمة شعر بسببها بكمية كبيرة من السعادة وهو يتلقاها بوقت غير متوقع أبداً ومنها.. بالذات منها هي.. مع أنه شعر بإعجابها به الذي يفضحها..
ولكن ما أن نظر إليها نظرات متفحصة حتى شفق عليها.. وجدها مطاطاه الرأس.. تشد على قبضتيها ووجها يكاد ينفجر حُمرة من الخجل.. فتراجع وببديهية منه حاول أن يتخطى الموضوع فقال بصوت منخفض متردد لا يخلو من الارتباك وهو يشير للكتاب الذي يحمله
(إذن.. حسنا.. سأذهب لمحاضرتي.. الأن إلى اللقاء.. على ما اعتقد.. لقاءنا القادم سيكون بنفس يوم الامتحان النهائي لهذا المساق)
هزت راسها موافقة بدون أن تنظر اليه ثم ودعته وهي تبتعد عنه بأحراج مستسلم..
وما أن ذهب من أمام ناظريها.. حتى أكملت الطريق إلى محاضرتها التالية بـخجل وهي تمسك بأطراف فستانها الطويل المحتشم بقوة وكأنه ما زال أمامها..
لعنت تهورها بداخلها الذي أوقعها الأن في الإحراج.. لم قالتها؟ بل كيف خرجت من فمها.. نعم كان نطقها لتلك الكلمة وتفاجئه منه من ثم هرب كلاهما من هذا الموقف ضربا من جنون.. إذن.. كيف ستكون لقاءتهما التالية يا ترى؟
لطالما شعرت من أول نظرة له بمشاعر نحوه.. ومن بعد عدة لقاءات فقط.. والان وبعد الحديث هذا القصير الذي دار بينهما الغير عميق.. بدأت تشعر بالحب.. ولكن كجرعات متفاوتة..
بدأت تشعر بالحب تجاهه وبأنها فعلا تحبه.. وهذا الحب بات يتخلخل لروحها دفعة واحدة بعد حديثهم هذا.. وبعد امتلاك زمام قيود مشاعرها نحوه سابقا.. أصبحت بلا قيود فجأة.. أو ربما.. هكذا تظن.. ربما هي فقط واقعة تحت تأثير اللحظة.. بالفعل لا تدري..

*****

دخلوا بسنة جديدة وانتهى الترم الدراسي الأول، لتبدأ عطلة ما بين الفصلين القصير ويبدأ بعدها بداية الترم الثاني وتمر أيام الدراسة سريعا حتى يقبل الربيع ويقترب الترم الثاني على مشارف نهايته..
كانت هيام كعادتها منذ بداية هذا الترم تذهب لحديقة قريبة من الجامعة للدراسة مع احمد.. كانت من أجمل حدائق المدينة والتي لا تتوقف عن تأملها بانبهار.. كان قد دلها احمد عليها واعتادا لأيام كثيرة المجيء إلى تلك الحديقة الجميلة وأصبحا من روادها الدائمين.. طبيعة موادهم مختلفة اختلاف الشرق عن الغرب.. ولكنهم يستمتعون بالدراسة معا وهما بنفس المكان وعلى نفس الطاولة الموجودة بالحديقة..
وفي ظهر أحد الأيام وقبيل الامتحانات.. كان الجو حارا في الحديقة.. كانت هيام تشعر بالضجر والنعاس.. فاستلقت تحت ظلال أحد الأشجار.. تشعر بالنشوة وهي تستنشق عبير الزهور حولها.. أغمضت عينيها بسكينة وهي تسمع لتغريد الطيور..
لحظات قليلة وقد اقبل احمد لشجرتها.. وتحت أنظاره رآها مستغرقة بنوم خفيف.. اتكأ على مرفقيه ينظر لها وبكل شبر من ملامحها.. ابتسامة علت شفتيه وهو يحدق بعمق بوجهها الطفولي كما تصرفاتها.. لطالما كانت تمسكه متلبسا بكل مرة ينسى نفسه ويحدق بها.. فتبتسم وتحمر وجنتيها خجلا.. لن ينكر بعد الآن، هي جزء لا يتجزأ من حياته.. يعشق شعور النقاء التي يكتنفه وهو معها.. يعشق المرح الذي تضيفه على حياته وهو صاحب الشخصية الرتيبة الهادئة المملة.. يعشق نظرة البراءة والعفوية التي ترسمها ملامحها.. والأكثر يعشق مرحها وعنفوانها للحياة..
كان يود لو يبقى محدق بها للأبد.. لكن عوضا عن ذلك.. وقف وضرب جذع الشجر بعنف أجفلها لتفتح عينيها على اتساعها وما أن أبصرته حتى نهضت وعدلت من طريقة استلقائها..
رفعت رأسها وهي تغمض احدى عينيها لتنظر اليه بتوجس.. لقد نحف قليلا عن قبل عدة أسابيع.. نظرًا لكثرة التوتر والضغط الذي يعتريه بأوقات الامتحانات.. هتفت تسأله بابتسامة هادئة
(لماذا تأخرت بالمجيء؟)
أشار لها بيدها لتلحقه وتجلس قربه على أحد المقاعد الخشبية بالحديقة الموضوعة تحت مظلة كبيرة.. تنهد ثم قال بحزم وبصوت مسموع وهو يفرغ حقيبته من كل الكتب لتسقط على طاولة المقعد
(هيام لم يبقى شيء على الامتحانات أريد أن استغل كل ثانية بالدراسة.. وأنت أيضا كوني جدية أكثر واهتمي بدراستك.. درجاتك سيئة)
اقتربت منه متخصرة كفتاة صغيرة.. أمالت راسها وهي تقول لتستدرجه بشقاوة إعتادتها معه مع مرور الأيام..
(حبيبي.. بالعكس أنا أتوقع بمعدل أفضل هذا الترم.. والفضل لك.. لولاك لم أكن لأصل لهذه الدرجات السيئة بنظرك حتى.. فأنا أرى أن توجيهاتك وأوامرك المزعجة أتت بثمارها.. أشعر أنك والدي أو أستاذي الصارم لا حبيبي وصديقي المفضل)
سعيد جدا لأن كليهما اعترف بحبه للأخر من دون كلام.. وبعفوية يتعاملان مع بعضهما بملكية..
ابتسم وهو يعتدل بجلوسه.. ويشير لها أن تأتي للجلوس مقابله.. فتسير أمام عينيه الغارقة بحبها.. ويشد أطراف فستانها الوردي الطويل أوراق الشجر المنثور على الأرض فتنخفض قليلاً لترفع أطراف فستانها فتزداد فتنة أمامه.. وبالمقابل جلست بجانبه على بعد عدة أذرع.. نظرت اليه لتبتسم بعذوبه له.. اعترفت رسميا لنفسها.. تعشقه.. تحبه.. تذوب ذوبان به.. تكنّ له كل الحب العذري البريء.. قالت له وهي تبدو للذي تنظر باتجاهه لا تُقاوم
(ألا يمكن أن نلعب التنس الآن.. وندرس بالمنزل.. أنا لا التقِ بك كثيرا.. وإذا التقينا تتحدث قليلا لتنشغل عني بدراستك.. بت اشتاق اليك حتى وأنت موجود)
لم يكن كعادته اليوم.. فقد كان جامدا يغلب عليه الصمت والعزوف عن الحديث أكثر.. فتراجع للوراء يمرر يده على شعره يبعثره.. نهض وهو يبتسم ولا يريد أبعاد عينيه عنها
(الجو حار جدا اليوم وليس مناسب للتنس.. ولا رغبة لي أو لك فيما يبدو للدراسة.. أرجو أن تقبلي دعوتي للغداء في المطعم القريب من هنا، ثم نعود إلى الحديقة عصرا ريثما تخف هذه الحرارة الشديدة.. ولن يكون لك وقتها عذرا لعدم الدراسة)
أشرق وجه هيام وهي تتدارك نفسها بابتسامة واسعة رجت منها لتقف بسرعة وبفرح.. فلم تجد سببا يدعوها لرفض دعوته.. فخرجا من الحديقة وسارا يتمشيا إلى المطعم القريب..
أصبح احمد بالنسبة لهيام وبفترة قصير جدا كتؤامها.. تحب فيه كل شيء وتراه كاملا بالنسبة لها.. له تأثير إيجابي عليها.. وجوده بجانبها دائما ما يمدها بحماس يشعل روحها بتلقائية وبطاقة إيجابية تتسلل ببطء لها..
وأثناء تناولهما وجبة طعام خفيفة سألته بتلقائية بدون أن تنظر اليه
(لما كنت غاضب عندما وصلت الحديقة؟ هل حدث شيء ما معك؟)
نظر اليها باستياء وهو يتذكر ما حدث.. ثم قال وهو يضع العصير على الطاولة بعنف
(لا لم يحدث شيء.. كنت غاضب من نفسي بسبب موقف غبي ومحرج حدث لي صباحا.. نادرا ما أتعرض لموقف مثله.. لذا لا أستطيع نسيانه وتجاهله بسرعة ويؤثر على يومي كاملا)
ثم أكمل وهو ينظر لهيام الذاهلة ما جعل قلبها يخفق بجنون
(لكن بفضل رؤيتك الآن وروحك المرحة.. اشعر بالتحسن.. لا يجب أن عليّ التفكير مطولا بالتفاهات)
وما أن رأى ملامحها المستفسر لسماع ما حدث حتى ابتسم بعفوية ليسترسل وهو يسخر من نفسه
(كما أخبرتك.. ليس شيئا جلل.. هو فقط موقف محرج جدا حدث لي صباحا.. كنت في المختبر.. من المفترض أني كنت أقوم بتجربة ما.. وكنت انتظر ردة الفعل التي ستظهر بنهاية الأنبوب.. كان اللون من المفترض أن يكون "بربل" كما قال الدكتور.. المشكلة أني لم أكن اعرف هذا اللون.. عندما تقدم مني الدكتور ليرى نتائج تجربتي.. أخبرته بإحباط أني أعدته أكثر من مرة، وفي كل مرة يظهر لون بنفسجي بدل اللون "البربل" الذي قلت عنه.. يكفي لحد الآن.. لا داعي لأخبرك عن نظرة الدكتور.. سبق وأن حضرت عنده قبلا.. المصيبة أني كنت دائما ما اجلس في الصف الأول في المدرج في مواجهته مباشرة.. حسنا.. يكفي.. لقد اكتفيت من استعادة هذا القدر من الذكريات المحرجة)
أنهى كلامه وهو يغمض عينيه بإحراج لما حدث ويغطي وجهه بباطن كفيه.. لكن هز رأسه بسرعة ليبعد الأفكار عن رأسه ويعود لوضعه المريح.. لا باس.. فهو الآن يقضي أغلب أوقاتهم في المعمل.. أحيانا لإجراء تجارب مختلفة.. تواجدهم في المعمل كثيراً يجعلهم عرضة للمواقف المحرجة.. وبمحاولة يائسة من هيام للتخفيف عنه قالت
(لا بأس.. وانا صباحا وخلال توجهي لحضور أولى محاضراتي وأنا متأخرة عن ميعادها.. توجهت سريعاً للصعود عبر السلالم.. ففقدت توازني وتدحرجت مما عرضني لسخرية زملائي الذكور خاصة منهم.. وها أنا نسيت الموقف ولم أكن سأذكره حتى حديثنا الآن)
ظهر الاستياء عليه.. لا تتوقف عن إيقاع نفسها بحماقتها.. وكأنها تحتاج لشيء آخر للفت الانتباه.. فقال حانقا
(يا إلهي هيام.. لماذا تتأخرين أساسا! إلا تستطيعين استخدام أي منبه بالبيت.. هل تعلمين ماذا؟ ليس لك أي حق بالعتب على عبير.. بل ومعها كل الحق بعد ذهابها معك صباحا.. لأنك ستأخرين نفسك وتأخرينها.. وأحسنت.. تبدعين كل مرة باختيار أفضل الطرق لجذب اهتمام من حولك.. خصوصا الذكور)
غضبت من كلامه.. فأخذت نفسا عميقا لتهدأ فتسيطر على نفسها من جديد.. ثم قالت وهي تنظر في عينيه وتقول بجديه وبعض من إحساس أنثى تدلل يتسرب لنبرة صوتها وهي ترد عليه بحنق مماثل
(احمد.. توقف.. أخبرتك أني وقعت.. كان عليك أن تطمئن على سلامتي بدلا من لومي.. ماذا إذا أصابني مكروه وقتها وكسرت قدمي مثلا؟ أساسا كان عقلي بالدراسة فعلا وكان ذهني مشتت ما بين الامتحانات النهائية قريبة وما بين أخر امتحانات منتصف الفصل)
بدا كأنه قد تذكر شيئا ما فرفع رأسه لها يسألها
(صحيح ذكرتني.. كيف كان اختبارك اليوم؟)
تشتغل حدقة عينيها وهي تتذكر لتقول
(إذا كنت تظن أن صباحك سيء فلن تصدق ما تعرَّضت أنا اليه اليوم.. عندما دخلت إلى قاعة الاختبار بعد المراجعة السريعة للمنهج قبلها بمدة.. تفاجأت بعد توزيع أوراق الامتحان علينا بأنَّ الأسئلة مطابقة تمامًا لما راجعته قبل دخولي القاعة.. حرفيا مطابقة.. كان زميل لنا كان نبهنا أن نركز على هذه النقاط.. وكلامه كان صحيح.. كأنه هو من كتب الأسئلة)
اشتعل من أخمص قدميه حتى شعر رأسه عندما سمع كلمة "زميل".. لكن أكمل بهدوء
(مذهل.. وكيف أبليت إذن بالامتحان؟)
أجابت بمرح وهي تضيق عينيها
(لم أتمالك نفسي عندما رأيت الأسئلة.. حيث انتابتني نوبة ضحك، لدرجة أنَّ جميع من في القاعة من طالبات ومشرفات أصبحن يضحكن أيضًا.. بسبب ضحكي غير المبرر بالنسبة لهنَّ)
هزّ رأسها وهو يضحك وقال
(أنتِ حرفيا ميؤوس منك..)
ثم تنهد بإحباط وهو يطالعها بهدوء غريب لتردف
(أنت لم ترَ شيئا عن حياتي الدراسية.. بالترم السابق وقبيل أحد امتحاناتي وعندما كنت أذاكر لأحدى مساقاتي.. قمت بالانتهاء من أكثر من فصلين من المادَّة.. وقبل أن أكمل.. اكتشفت عن طريق الصدفة أنَّني أذاكر الكتاب الخطأ.. حيث تم تغيير الطبعة.. بينما أنا ذاكرت من طبعة قديمة تختلف في محتواها عن الجديدة بشكل كبير.. وذهبت للامتحان كما درست.. لم أستطع أن اطلب من أبي أو أمي أن يبحثوا لي عن الطبعة الحديثة ويشتروها لي حالا.. بل قررت الصمت وعدم إخبارهم.. تفاديًا للتوبيخ واتهامي بالإهمال)

لوهلة بدا لها كأنه يراها مجنونة.. فأخذت تطالعه بتوجس عاقدة حاجبيها.. لكن مع ذلك استمر قلبها يقرع بعنف.. ستبذل جهدها لتجتهد أكثر كما يريد احمد.. ما يحفزها للدراسة والاجتهاد هو أن تنال أعجابه ورضاه أيضا.. قبل أن يكون لها..
أمها فعلا تهتم بها ودائما ما تحثها على الدراسة بكل لحظة في البيت.. ولكن الأمر ليس مجدي معها كما هو الآن.. فقط احمد هو من أن يعتني بدراستها.. تشعر بصدقه وهو يهتم بدراستها ومصلحتها.. وآه على جمال هذا الشعور..
أن تعلم أنها مهما ضاقت عليها الأرض بما رحبت فصدر من يهتم بها سيسعها للأبد.. تريد أن تشعر بنفسها عادت طفلة تركض نحو مصدر أمانها كما كانت بصغرها لا يزيد عمرها عن بضع سنوات وهي تركض لصدر أبيها..
فجاءة جفلت على وقوف احمد وهو يتجه إلى أصيص زرع كان يزين أحد جوانب المطعم حيث التقط زهرة منه ليعود إليها ويمنحها إياها برقة.. فالتقطتها بسعادة منه.. قربتها لأنفها لتشم شداها وهي تهتف بسعادة
(سأحتفظ بها.. أول شيء سأقوم به عندما أصل للبيت أن اخذ وريقاتها واضعها بين ورقات دفتر مذكراتي.. سأضعها بنفس الصفحة التي وضعت فيها صورتك وثبتها باللاصق)
صمت قليلا وهو يشرد في ملامحها السعيدة قبل أن يقول باستسلام وبابتسامة متعجبة مستسلمة
(لا اصدق أنك رفضتي أن تعيدي صورتي الشخصية لي حتى تلصقيها بدفتر مذكرات وردي سخيف.. لا افهم ما الفائدة من وضع وريقات وردة ذابلة بدفتر)
ضحكت هيام ضحكة صغيرة قبل أن تقول بصوت مخفض
(هذه الوردة هي أول هدية من حبيبي.. وحتى احتفظ بها للأبد أريد أن أجففها بين صفحات الدفتر.. لا يهم.. أنسى ما قلت.. فلن تفهم أمور الفتيات.. منذ متى والذكور يأبهون لمثل هذه الأشياء.. لكن يوما ما.. سأخبر الجميع بأن هناك رجل يدعى احمد يحبني وسيتزوجني ما أن ننهى كلانا دراستنا الجامعية.. وصورتك الشخصية ستكون إثبات.. سأسجنك لو حاولت التهرب.. لقد علقت معي وانتهى أمرك)
أنهت كلامها بغمزة من عينيها.. هو يحب مرحها المتداخل بحديثها معه هو من بين الكل.. أراد أن يسايرها خصوصا مع إحساسه بالاستمتاع وهو يحاورها.. لكن اكتست الجدية ملامحه وهو يقول لها
(بعيدا عن المزاح.. ادرسي بجدية هيام.. يجب أن تحظى الدراسة بوقت وجزء كبير من وقتك واهتمامك)
ابتسمت هيام بشقاوة وهي تشير بإصبعها أمام وجهه هاتفة
(صدقني.. اقسم لك أني طموحة.. واملك الكثير مما أريد تحقيقه.. لكن المشكلة بعقلي.. يرفض أن يأخذ الدراسة على محمل الجدية)
ابتسم بقسوة وهو يرد عليها ساخرا
(اعرف أن لديك طموح.. لكن للأسف ليس لديك دم.. وهذه مشكلة كبير)
عقدت حاجبيها قبل أن تقول وهي تغمزه مجددا تلك الغمزة التي تضعفه أمامها
(احمد أنت أكثر من مثالي.. لا تقلق طالما أنت موجود معي فلن أفقد العزم والهمة)
رفع حاجبيه لها ودقات قلبه تتراقص بصخب ليتساءل بدهشة وخبث
(ألهذه الدرجة أنا مهم لك؟)
رفعت أكتافها وهي تقول مبتسمة وان كانت نبرتها جدية وحازمة
(إياك أن تغتر)
رمقها احمد بعدم تصديق وهو يضيق عينيه بشك قبل رفعه لاحد حاجبيه وهو يتساءل ببطء متحدي وهو لم يتخيل نفسه بأن قلبه يمكن أن يكون عاطفيا ولا بأي مرحلة من حياته..
(ألا يحق لي أن اسمع مديح من محبوبتي)
ابتسمت وهي تقف لتغادر وتسبقه بخطواتها ابتسامة تعلو شفتيها لا يستطيع أن يراها.. هي تحبه وتعشقه ومن تستطيع ألا تفعل هذا وأمامها شاب فيه كل ما يُحب ويُعشق.. نعم هي بالفعل بدأت تدمن لقياه كل يوم وأخر.. طوال الأسبوع.. وطوال فترة الدوام الجامعي.. بدأت بالفعل تشعر بنفسها واقعة بغرامه.. بدأت تعشقه لدرجة أنها تبكي كل ليلةٍ وهي تتخيل أنها من الممكن أن تتركه.. مجرد التخيل يجعلها مدمرة داخليا.. فما بالها إن حدث الأمر.. ربما ستموت.. يبدو الأمر مثيرا للضحك بشكل هستيري لمن يسمع.. لكنه ومنذ دخل حياته أصبح الأمر هكذا.. فهو دخل حياتها بمرحلة هي اشد ما كانت بحاجة لشخص مثله..
أسرع بخطواتها ليوازي مشيها.. قبل أن يقول بابتسامه وهو ينظر لها
(ادرسي جيدا وأطمحي للدراسات العليا.. فأنا لن أقبل على نفسي أن أتزوج مجرد معلمة)
ردت بحنق غاضب طفولي
(يا إلهي! هل أنت جاد؟ وهل مهنة معلمة لا تناسب مقامك يا حضرة الدكتور)
هز كتفية وهو يجيب ببساطة
(لا أقلل من مهنة المعلمة.. لكن.. كل أصدقائي هكذا يخططون أيضا.. وأنا لا ينقصني شيء عنهم حتى لا أتزوج من دكتورة.. لا أخبرك أن تعيدي اختبار الثانوية وأن تصبحي طبيبة.. لكن فكري بجدية بالدراسات العليا.. ربما سترجعين إلى نفس جامعتنا لتدرسي بها.. سيكون لك مكتب ولوحة مذهبة موجودة إلى جانب الباب باسم "دكتورة هيام".. ألن يكون الأمر مثيرا؟)
تعرف أن مقصد كلامه أن يشجعها على الاجتهاد أكتر وأن يعلي من سقف طموحها.. ولكن هل يمكنها أن تحقق هذا؟
تنهدت في سرها وعيونها تلمع كالنجوم وهي تتخيل نفسها في يوم ما مُحاضرة وأساتذة جامعية في هذه الجامعة.. وستكون حرم الدكتور احمد.. وببطء بدء يتملكها شعور السعادة والنشوى بالتفكير بالأمر..

*****

تناولت هيام لقمة اقتطعتها من عجّة البيض الموضوعة على مائدة الطعام بصالة بيت جدتها.. كانت الوحيدة من تأكل من تأكل من الطعام الموضوع.. كانت شاردة لكن ظاهريا تدّعي أنها تستمع لما يقول والدها الحانق هو وجدتها.. أمضيا الوقت كله وهما يتحدثان بالقديم والجديد.. ولا يوجد أي تقدم بالموضوع.. تنهيدة فلتت منها بشرود قبل أن يخبرها والدها بأنه ينتظر ردها لتقول
(أبي لقد مر أكثر من سنة على وفاة زوجتك.. الآن أخواتي بحاجة لأم ترعاهم.. جدتي لا تكفي وحدها للاهتمام بهن وكما ترى.. أمي ترفض فكرة العودة إليك مهما تعرضت لضغوط من الجميع أو حتى مني.. لا أظن أنها ستقبل الرجوع.. لذا فلتستسلم وحسب.. واستمع لكلام جدتي.. لا تقلق علينا أنا وجالا.. كنا نعيش مع أمي ونراك ونحن بألف خير وسعادة.. ولن يضرنا بقاء الحال كما هو)
ابعد فيصل عينيه عن مراقبة ابنته حنقا من كلامها المبطن.. يدرك أنها تكنّ العتاب له.. تظن أنه كان يهتم ببيته الثاني أكثر منهن.. لكن لن تفهم لمدى صعوبة التوفيق بين بيتان على الرجل..
بينما الجدة هزت جدتها رأسها وهي تفكر بحسم.. حان الوقت لأن تضع حدا لكل شيء ويجب عليها من الآن أن تبحث على عروس لولدها ولن تنتظر اكثر كما يقول.. أصدرت تهنيده طويلة منها لتضع هيام شوكتها جانبا وهي ترى الجدة تحول أنظارها لها وهي تقول بضيق شديد
(على والدتك أن تحمد الله انه قرر العودة عليها بدل من أن يتزوج بنت بنوت.. تتعالى علينا وترفض بكل عنجهية؟ كان عليها أن تذهب لي بتألق تشكرني لأنه سأعيدها لعصمة فيصل بدلا من أن ترفض وتعاملني بقسوة لأني من زوجته عليها بالماضي.. الزواج حصل وانتهى الأمر وتوفت زوجته.. كان عليها أن تحاول نسيان ما حصل ولا تأنبه.. وأن تساعده بتربية هؤلاء الأيتام بالكلام الطيب والمساندة الرقيقة ولها الأجر.. وهكذا يأمن جانبها على بناته اليتيمات كأي زوجة متفانية مخلصة)
ثم ضيقت الجدة عيناها وهي تردف من بين أسنانها
(لكن إذا أردت رأيي أساسا أنا لست مقتنعة تماما بفكرة رجعوها لوالدك.. لا بل أنا الآن متأكدة بان والدك أحسن العمل عندما طلق والدتك وعاش بسعادة مطلقة مع ابنة عمه)
بفورية ارتفع صوت فيصل باعتراض بينما ينتفض داخليا بقلب كاره لذكريات بالماضي تقض مضجعه دوما..
(أمي.. أنتِ اعلم الناس كيف كانت حياتي مع ابنة عمي.. كوني عشت معها حياة هادئة لا يعني أني كنت سعيدا.. الأمر يقاس فقط بمقدار قناعتك بحياتك.. لقد وجدت أن المرء لأي أن يبدل النساء كلما رأى عيبا بواحدة.. وزوجتي رحمها الله.. فعلا كنت انوي بأكثر من مرة طلاقها ولكن بعد ذلك كنت أسارع للتراجع واستغفر الله.. لكن حياتنا لم تكن سعيدة تماما.. وحتى أنها عرفت منعرجا لا يسر أحد.. فقد كانت امرأة غريبة الطباع.. بين الحين والآخر تخرج علي بتصرفات لا أجد لها تفسيرا.. هل نسيتِ ما أقدمت عليه يوم أنجبت ابنتي البكر قبل سنوات.. لم تكلمني أربعين يوما لكي تنفذ طلب والدتها التي أوصتها بذلك)
قاطعته هيام وقد علا الاستغراب وجهها
(ماذا؟ ولما كانت تهجرك بالكلام؟)
هز كتفيه وهو يجيب بهدوء
(لان هذا التصرف مثل ما أوحي لها.. أنه عادة تجعل الزوج يحب زوجته أكثر ويقدرها.. لقد حاولت إقناعها بأنها عادات بالية لا تغني ولا تسمن من جوع.. لكنها أبت وأعادت الكرة عندما أنجبت ابنتنا الثانية.. والأمر لم يتوقف عند هذا الحد فحسب.. فهي كانت تارة تهجر فراشي في أيام خاصة استجابة للعرف الذي يوجب على المرأة فعل ذلك لكي تمنح الزوج متنفسا من وجودها.. رغم أن هذا التصرف يتنافى مع الشرع فالكل يعلم بأن هذا الفعل محرم في الإسلام.. تصرفات كثيرة لا يمكن حصرها في هذا المقام، فهي أقرب إلى الجنون من كونها عادات وتقاليد مثلما كانت تعتقد.. لذا لا تتصوري أني كنت سعيدا جدا معها)
ردت الجدة بفم متبرم
(بني لا يجوز على الميت سوى الرحمة)
رفع فيصل أحد حاجبية قبل أن يقول بتلقائية
(أمي.. أنا فقط أحببت أن أذكرك بالنعيم الذي عشته سابقا معها.. أخر فترة كانت تحجب عني شعرها بوشاح أسود وقالت أنها لأكثر من مرة راودها في المنام شيخ يشع وجهه نورا.. هذا الأخير طالبها بذلك وهددها بدخول جهنم إن كشفت شعر رأسها أمامي.. أخبرتها أن الأحلام لا يمكن أن تكون طريقا يسير عليه المسلم لكنها رفضت.. مما جعلني أنفر من رؤيتها بذلك الوشاح الذي عَتَم ملامح وجهها فأضحت في نظري كالوحش الكاسر.. فترة مضت علي كان يتسلل الشك إلى عقلي أنها ليست على ما يرام وقد تكون مصابة بمرض نفسي أو خلل عقلي)
زاد تبرم الجدة من فيصل.. تعرف بأنه حياته لم تكون سعيدة جدا.. لكن ولدها نسي كل اللحظات الجيدة له مع زوجته وابنة عمه المتوفاة ولا يذكر الآن إلا التعيسة منها.. فأمعنت النظر لابنها وهي تخبره بصراحة
(لا تأخذ دور الضحية الآن بعد أن انتقلت لرحمة الله.. فأنت لم تكن الزوج المسكين الضحية.. قد كنت شاهدة على معاناة المسكينة معك.. كانت قد شرطت عليك أن تكمل دراستها حتى بعد زواجك منها وأنت وافقت.. لكن بعد الزواج أصبحت تجبرها على أن تغيب كثيرا حتى تأثر مستواها الدراسي بشكل ملحوظ.. ألم يخبرك والدها عندما زوجّها لك أن تراعيها كطفلة نظرا لصغر سنها حينها؟ طلب منك أن تعاملها كما تعامل ابنتك هيام وتعتبرها أخت كبيرة لها.. أنت لم تكن تسمح لهيام أن تغيب عن دراستها بغير عذر بينما لا مشكلة لديك بأن ترغم ابنة عمك أن تغيب إلى حد أسبوعين.. حتى منعتها بالنهاية كليا من الدراسة)
شوح فيصل بيده في حركة نزقة مرهقة وهو يقول
(فعلت هذا حتى تهتم ببناتنا خصوصا وقد أنجبتهم بشكل متتالي)
وبنبرة ساخرة ردت عليه فورا
(الم تكن أنت من اصرّ عليها أن تحمل فورا بعد إنجاب خيبة أنثى في كل مرة.. غاضا النظر عن صغر سنها وجسدها الضعيف؟ لتثبت لك أنها تأخذ هذا الزواج بمسؤولية.. وأنت لم تفعل شيء لتثبت لها أنها مهمة لديك منذ أن تزوجتها.. كيف تريدها أن تتعامل معك وقد تزوجتك وأنت معدد وشديد الطبع؟ تريد فقط كلمة حاضر ونعم.. عدا عن كيفية التعامل مع إهانتك لها؟)
لكن فيصل ردّ بثبات
(كان عليها أن تتذَكُّر أن الحياة قد طُبعت على الابتلاء.. والتعدد خاصة كما هو مشروع لمصالح كثيرة.. فلا يخلو من المتاعب والمنغصات التي لا تخلو منها الحياة من وجود الغيرة والتقصير ونحوهما.. ولذا فمن الواجب عليها أن تهيئ لنفسها من البداية للتعايش معي مع هذه المتاعب بعدم المبالغة في المشاعر والمقارنة وتوقع الأفضل)
ابتسمت والدته بتعاطف رقيق وهي تهمس لنفسها بحنف
(المسكينة توفت وهي حزينة ولم يسبق لها وان رأت يوم سعد معك.. كانت دائما تكتم كل ما بداخلها من أحزان.. حتى بعدما طلقت سميحة.. بقيت هي حذرة من كثرة المطالبة بما يشعرك يا فيصل بكونها عبئاً ثقيلاً عليك.. مع أنها لم تكن كذلك.. حتى أنها لم تكن تجرؤ على الكلام عن سميحة بسوء مهما حدث أمامك.. خوفا من أن تكرهها وتبتعد عنها وتحن لسميحة)
طأطأت هيام راسها وهي تفكر بألم.. على كلام جدتها من جهة.. وحتى حزنا على زوجة ولدها المتوفاة من جهة أخرى.. فهيام وقتها كانت كبيرة كفاية لتعرف بأنه حتى زوجة والدتها لم تكن تعيش بتلك السعادة والراحة الظاهرة أمام الجميع..
فهي تزوجت من والدها فيصل بناءً على أمر من والدها ولم تقدر أن ترفض خصوصا وقد أخبرها بأن فيصل بكل الحالات يريد زوجة أخرى لتنجب له ذكر.. حينها كان فيصل لم يرزق من أمها بغيرها.. وفيما بعد عرفت أمها بحملها بجالا..
رضخت زوجته للأمر بعد أن اقتنعت من وجهة نظرها وبلا شك أنه لم يلجأ إلى التعدد إلا وقد أضمر تحقيق ما يجده من نقص في حياته مع سميحة.. لذا حتى تجذبه لها قامت بأحسن ما يمكنها من التجميل والطاعة وعدم المبالغة في الغيرة والشكوك من بيته الأول.. دعت الله أن تحمل بولي عهده حتى تضمن تفضيله له.. لكن إرادة الله كانت ألا يرزق ألا بنات.. وبالرغم من حبه لكل بناته ألا انه كان ناقما قليلا لأن ولا واحدة منهم جاءت ذكر.. لكن مع ذلك لم تكن حياة زوجة والدها أقل سعادة من حياتها هي مع أمها وإخوتها
وبنبرة مهزوزة تساءلت هيام وهي توجه كلامها لجدتها
(جدتي لما تصوريني حياتها مأساة؟ والدي أساسا كان يعيش مع أخواتي ومعها بمستوى رفاهية أكثر من حياتنا أنا وجالا وأمي)
تعود الجدة لتبرم فاها وهي تقول
(كل ما كنّ يعشنه من رفاهية هو خير والد أمهن قبل أن يكون خير والدك.. صحيح يا فيصل؟)
ارتعشت يد هيام وهي تتحرك على المائدة بينما تقول بهمس محشرج
(ومن ثم يا جدتي ما دخل أمي بكل مشاكلكم وهي كانت بعيدة كل البعد عنكم كليا ولا تتدخل لا من قريب ولا من بعيد! مهما فعلت أمي فلن تكون بنظرك غير أمرأه أنانية وشريرة.. إن العداوة بينكما من طرف واحد.. وهو طرفك)
أشاحت الجدة نظرها لفيصل وهي تخبره
(تربية سميحة تبارك الرحمن.. لسانها أطول منها.. إذا كنت أنا جدتها ولا تحترمني وترد الجواب على كلامي.. فلا تذهل يا فيصل بعد سنوات إذا رفعت صوتها عليك)
رفعت هيام حاجبيها في تحفز وهي ترد باسترسال منفعل
(جدتي أنا أدافع عنا.. ولا أرد الجواب عليك)
تمتمت الجدة بكلام غاضب تعلن عن سخطها من جواب حفيدتها.. كانت تود أن تفرغ كل ما بها من غضب على تعيسة الحظ الجالسة بالغرفة معها بوقت خطأ لا يناسب مزاجها العكر.. لكن هزت رأسها تبعد تفكيرها عن التشتت.. وما أن أبصرت فيصل يحرك رأسه بيأس ليجلس على الكرسي ويخلع نظارته.. ركزت بأفكارها على أن تعود للموضوع الأساسي الذي نوت التحدث عنه مع فيصل..
عاد الصمت ليسود المكان وكل منهم شارد بنفس الموضوع ولكن برؤية مختلفة حسب منظوره الشخصي..
بينما فيصل أغمض عينيه بضيق.. وهو يستعيد كلام أمه عن ابنة عمه المتوفاة.. ولما تزوجها هو أساسا؟ ألم يكن للإنجاب؟ وكأن أمه لم تكن موجود حينها.. فبعد ولادة هيام كانت سميحة تنجب مرة تلو المرة أطفالا إناث وكلهن يمتن بعد الولادة بسويعات قليلة..
يعرف أنه أخل بوعده ومنعها من إكمال تعليمها.. وهذا لأنه بعد الزواج منها.. طلق سميحة وأصبحت هي زوجته الوحيدة.. الأمر أختلف.. وهو يريد من زوجتي الوحيدة أن تهتم به وبأطفاله وببيته بدلا من دراستها.. لم يتزوج ليأخذ دور أستاذ خصوصي لها..
كان قد عاش مع سميحة لسنوات.. لم يكن ينوي أن تسير الأمور هكذا نحو الطلاق عندما نوى الزواج الثاني ولكن هذا ما حصل.. فبالبداية اتفقوا على انفصال بدون طلاق.. ولا يدري ما الذي غيرها لتطلب فجاءة الطلاق.. وإن رفض هو فالخلع.. وحجتها بأن غيرتها شديدة ولا تستطيع أن تعيش مع رجل مع امرأة ثانية خشية أن تخطئ على الثانية أو أن تقصر في حق الزوج أو تسيء له جراء الغيرة..
لم يكن حينها يدري هل يطلقها بناءً على طلبها ولها آنذاك قرابة الشهر في بيت أهلها أم يحسن لها ويصرف عليها وقد تركت هيام عنده؟
بهذه الأوقات هو اخذ هيام واحتواها وبين لهن المشكلة.. كانت تعيش معه وقتها معه براحة واستقرار.. والحق يقال انه عندما أخبر أبنة عمه بالذي حصل، رحبت بهيام عندها.. ربما لأنها علمت أنها سبب غير مباشرة بالموضوع..
مع العلم أنه لطالما كنّ لسميحة من المحبة والميل الشيء الكثير وهي كذلك.. ومعاشرته معها قبل أحداث الفترة الأخيرة كانت بالمعروف فلم يكن لعاناً ولا ضراباً ولا سباباً ولا بخيلاً.. العيب الذي يعترف به بأنه قد انشغل بعمله كطبيعته عن التواجد المستمر لهم، فانشغلت هي ولوحدها بتعليم وبتربية ابنتهم.. وهو أيضا كان قد وفرّ جميع متطلبات الحياة لهما.. ولكن ما تزال حجة سميحة عليه بأنها لا تراه دائماً وتحملت مسئولية تربية هيام وحدها وبعد كل هذا الوفاء يتزوج عليها!
كان يشعر وكأنه بدوامة أفكار وذكريات حتى قطعه صراخ طفولي مرح من راجي ذي الست أعوام المستمتع وهو يهرول بشقاوة نحو جدته وهو يحمل لعبة طائرة يطيرها بيده لتلتقطه الجدة بيديها..
ورغم صعوبة حمله تبعا لنموه وكبر سنه عن قبل إلا أنها حملته ووضعته بحجرها بسعادة تغمرها والبهجة تظهر على محياها.. تدعوا له بتمتمات هامسة وهي تناغش وجنتيه تارة وتارة تلعب بشعره..
مرت دقائق وهي تلاعب راجي أمام عيون فيصل الحاقدة.. الحاقدة على فعلة امه بالماضي.. وعلى طفل صغير بالكاد تجاوز الست سنوات وبلا ذنب له.. إلا أنه ابن زوجته السابقة وأخيه.. نتاج زواج أثنين تم بمساعدة المقربين منه ليغدروا به..
قطعت تفكيره الجدة وهي تسأله بجدية وهي تنظر اليه
(إذن ماذا قلت؟ لقد مرت سنة وسميحة ترفض العودة اليك؟ هل ستترهبن لأخر عمرك؟ وماذا عن بناتك؟ من سيعتني ويهتم بهن؟ أنا لست حمل الاعتناء بأحد بعمري هذا.. بل وبالأيام الأخيرة تركت مسؤولية البنات لأمينة كاملة فقد تعبت.. وأياك أن تلمني)
يتابع بنظراته امه وهي تعود لتحني رأسها باتجاه راجي بحنان طغى عليها بتزايد.. تحادثه ببراءة.. بطريقة تمس القلب.. وبطريقة تجد للغضب طريقا بقلبه.. وهو يراها تعامل راجي كأنه حفيدها الوحيد.. يحظى منها بكل الحب على حساب بناته من كلتا زوجتيه.. تريده أن يحظى بكل أملاك العائلة لوحده..
بل وقد دأبت أمه لفترة طويلة بأقناع والده بأن يكتب أغلب أملاك العائلة باسم راجي الحفيد الذكر الوحيد لهما.. والابن الوحيد لأخيه الأصغر الذي يقطن منذ زمن وللآن بفرنسا مع زوجته الفرنسية.. وبصرخة حانقة لا تناسب الجو الهادئ خرج الصوت عاليا من فيصل وقد عادت لذاكرته غضب من الماضي
(غريب يا أمي.. لا يأتيك التعب إلا مع بناتي.. أما عند يتعلق الأمر بحفيدك الوحيد ففداه الدنيا وما فيها.. صحيح؟)
ارتفعت نظراتها نحوه بذهول وهي تراقب قسامات وجهه القاسية.. ترى فيهم الغضب.. الحقد.. العتاب.. وبتلقائية أحاطت براجي بكلتا يديها وهي تشدد عليه كأنها تحميه من وحش مفترس.. صرخة حنق خرجت منها بلا سيطرة وهي تهتف بغضب
(ابتعد من هنا.. والله بت أخشى على الولد أن يصيبه مكروه من عيونك عليه مع أني لا أغفل يوم عن تحصينه بالدعاء والمعوذات ودائما ما أوصي سميحة بفعل المثل عليه)
بينما أحس راجي بالتوجس من عمه.. يعرف بإحساس الأطفال الذي لا يخيب كلما رأى عمه فيصل أمامه بأنه لا يحبه ولا يستسيغ وجوده ابدا.. فلم يبادله أي شيء من صغره..
نظرت الجدة لراجي المحدق بعمه بغير رضى لتقبل جبينه فتسرق انتباهه قبل أن تهمس ل راجي بسخرية وبصوت مسموح لمن بالغرفة
(والله لولا صلابة عقل والدك المسلوب من قبل الفرنسية.. والا لما سمحت له أن يطلق سميحة بل وأجبرته على ترك تلك الفرنسية الساحرة العقيمة.. لو حدث هذا لكان لك عدة إخوة يؤازروك ويكونوا لك خير سند ومعين)
رفرف فيصل بعينيه بلا تصديق وصوته يعلو
(أمي.. أنا حقا يصعُب عليّ تصديقك.. هل أنت بالفعل تعايريني لأني لم أنجب إلا البنات؟ ألا تشعرين بالندم على غدرك بي بالماضي؟)
ضحكت بسخرية وهي تشير بيدها الحرة حولها قائلة
(أي غدر تتهمني به يا ابني؟ أنت وافقت على طلاق سميحة بك بعد إصرارها.. وكانت قد أنجبت ابنتك الثانية بالفعل.. خشيت من أنها تخطط بعد طلاقها للزواج من أخر.. فتتخلى عن بناتها ويفقدوا حنانها لهن.. أو تربيهن مع رجل غريب.. وبمصادفة عودة أخيك لأرض الوطن بعد سنوات بنفس هذا الوقت.. كان الحل المثالي أن اجعل مطلقتك واخاك يتزوجون.. ربما أنجبت منه أطفال سواء ذكور أو إناث.. المهم أن تربطه بنا ليبقى هنا ويترك الغربة في الخارج.. وأفضل من أن يبقى بلا ذرية لأخر حياته مع زوجة عقيمة.. فعلت هذا لمصلحة الكل كبارا أو صغارا.. وكان على الكل أن يشكرني ويقدر حكمتي)
ومن ثم أردفت بما جلب الشحوب لوجه فيصل الذي اطرق رأسه بعد فورة غضبه
(وفعلت هذا الأمر من أجل مصلحتك أنت خصيصا.. من أول بنت رزقت بها من أبنة عمك أتاني شعور قوي لن يكون نصيبك أن تحظى بمولود ذكر.. على ما يبدو أن العيب عيبك لا عيب زوجاتك.. لذا اعتبر راجي سندك الوحيد عند الكبر ولأخواته ولبنات عمه.. لو كنت ذكيا لبدأت الآن تفكر بزواج راجي من إحدى بنات عمه.. توقف عن السخط وأبدأ بالتفكير والتخطيط كأب حكيم)
خرجت من فيصل ضحكة صغيرة متخاذلة.. وباستهزاء حانق صفق بعصبية دون أن ينتبه على لمعة دموع كانت تبدو في مقلتي هيام التي وعلى ما يبدو نسيا وجودها وهي تسمع حديثهما.. وراجي الذي لا يفهم أي شيء ولكنه ما زال يستشعر الجو المشحون بالمكان.. صوت فيصل ارتفع في تلك اللحظة وهو يقول بهدوء عميق
(كفى أمي.. أنت أول من أقنعتني بأن أتزوج على سميحة لأنها لن تقدر على الأنجاب.. وأنت من ضغطت عليّ بالزواج من ابنة عمي ولم تعطيني مهلة.. وبمجرد زواجي وإصرار سميحة الطلاق.. لم تتردي أن تزويجيها لأخي.. لو كنت علمت بما تخططين له لم أكن لأطيعك منذ البداية..)
يتذكر اليوم الذي عرف زواج سميحة بأخيه.. اشتعل غيرة واحتجاجا وتملكا.. كان يرى الأمر ضرب من ضروب الجنون.. نعم بالفعل كل من حول مصابون بالجنون.. وخصاصا من كانت امرأته يوما.. لما يتوقع الجرأة التي امتلكتها لتتزوج من بعده.. ومن أخيه تحديدا.. أي حقد كانت تكنه له لتصفعه تلك الصفعة.. لم يتوقع بأن عينيها الماكرتين تخبئ هكذا فعل.. آنذاك لو لم تصح له فرصة الذهاب للحج ليريح روحه المرهقة المدمرة المهشمة.. لربما أصابته سكتة قلبية.. صحيح أنه هدء بعد طلاقهم السريع.. لكن ما تزال هناك غصة بقلبه لا تذهب كلما رأى راجي.. ربما لأنه لم يحصر على مولود ذكر مثله.. أو ربما لأن راجي نتاج زواجهم الذي سيذكره به لأخر حياته..
نظرت الجدة لراجي لتحمله وتضعه ليجلس بجانبها قبل أن تنتفض واقفة وهي ترفع صوتها وتلوحه بإبهامها مقاطعتا الهدوء الذي عمّ لبرهة من الزمن لترد عليه بنفس الاشتعال والصراحة
(إياك يا فيصل أن تعود لاتهاماتك السابقة لي.. هل تريد أن احلف على المصحب بأن الأمر لم يكن مخطط له؟ أنا طلبت منك أن تتزوج بأخرى ولم أتوقع أن تطلب سميحة الطلاق حينها وتوافق أنت عليه.. توقعت أن ثورتها ستهدأ بعد مدة كأي امرأة أخرى ولم أكن اعرف أن نهاية الثورة ستكون الطلاق.. الظروف والنصيب هي وراء كل ما حدث.. وإياك الكذب وأن تقول إنك كنت تنوي إرجاعها بعد أن تهدأ.. لان هذا غير صحيح.. لم تحلُ بعيونك إلا بعد زواجها بأخيك.. وبرأيي من حقها أن ترى حياتها مثلك تمام)
أنهت كلامها وصدرهما معا يعلو ويهبط وكأنهما بإحدى جولات نزال عاصف.. نظر أمامه بشرود وهو لا يدري.. حقا لا يدري.. ربما هو فعلا لم يرد أراجعها وأراد إكمال حياته مع الزوجة الجديدة.. أو ربما.. هو أراد أن يكمل حياته وبعد مرور الزمن أن يعود لها.. وهي ستوافق على العودة بعد أن تفكر مليا.. فأن أنجح علاج هو علاج الزمن.. فالزمن كفيلٌ بأن ترجع لرشدها.. وتحكم عقلها.. وتتحدث مع نفسها.. الزمن كفيلٌ بإقناعها.. لن يستطيع أحد أن يقنعها بالرجوع لبيتها لا هو ولا والدها ولا أهلها.. لذلك في البداية وعندما تزوج كان يريد أن يكون انفصال بدون طلاق.. مع استمراره بالإنفاق عليها وعلى ابنتيه، واطمئنانها بأن حقها لن ينقص، وسوف تعدّ لها منزلاً منفصلاً، وتقوم بكامل واجبك تجاهلها..
حتى انه كاتبها برسالةٍ مطولة، وسلمها لها.. على أمل استعدادها للقراءة منفردة سيكون أكثر استجابة من حديثه معها.. ثم أرسل لها من أهلها وأقاربها الذي وقفوا معه بقراره.. على امل أخر أن يكون مجموع هذه الجهود ومع مرور الزمن ستهز موقفها وقناعتها وتجعلها تتراجع رويداً رويداً.. لكن بالنهاية طلبت الطلاق وهو لم يرَ خسارة بطلاقها خصوصا مع أماله بالحصول على الكثير البنين والبنات من زوجته الأخرى..
ووالدته أخبرته حرفيا أنه إذا رأى المصلحة في زواجه من ابنة عمه فعليه أن يقبل عرض عمه ويتزوج على بركة الله وتوفيقه.. أخبرته أن سميحة مصيرها أن ترجع له.. وإذا لم تعد فهي من باعته لا العكس.. والان تخبره أمه أن من حق سميحة الزواج والالتفات بحياتها ببساطة..
قاطعها فيصل بثورة وهو يقف بدوره لينهي هجومهما.. مع أنه يرغب أن يردّ الألم الذي شعر به لوالدته
(أمي أرجوك توقفي عن الحديث.. لا أريد سماع المزيد.. لم يكن عليّ من البداية إثارة هذا الموضوع القديم.. أنا مشغول وأريد الرحيل.. هي هيام حبيبتي اذهبي للمنزل وادرسي.. أشغلتك بلا داع)
بخجل همست وقد ارتجف جسدها فتمسح دموعها وهي تسمع نبرة الحنان باخر كلمات والدها الموجهة اليها قبل أن ترفع رأسها بابتسامة تزيين فيها وجهها له قائلة
(حسنا أبي.. رافقني للطريق لو سمحت)
عندها غمغم فيصل بخفوت
(أنا اعتذر حبيبتي لكن أنا مستعجل.. اذهبي للبيت مع راجي وحدكما)
خطى بخطواته بسرعة لخارج الغرفة كي يتمكن من التقاط أنفاسه بصعوبة إلا أن ضربة أصابت ساقه وجعلته يتوقف لينظر للخلف إلى راجي الذي اقترب منه ليضرب لعبة الطائرة على ساقه المستهدفة بإتقان يعبر عن مشاعره تجاه عمه.. انحنى ليمسك الطائرة في نفس الوقت الذي رأى فيه راجي بطوله الذي لا يتعدى طول ركبته وقد مد يده اليه بنظرات غاضبة مطالبا إياه دون كلام أن يعطيه الكره.. لكن بلؤم حرك فيصل رأسه بالرفض وهو يرفع الطائرة الخفيفة اعلى هامسا
(لن أعيدها لك.. ليس من المناسب أن تلهو وعائلتنا تمر بهذه الأوقات العصيبة)
ثم ابتسم بكيد وهو يضع عقله بعقل الطفل الصغير أمامه.. والتفت ليغادر للخارج..


Hya ssin غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 14-09-19, 02:04 PM   #7

Hya ssin

? العضوٌ?ھہ » 450526
?  التسِجيلٌ » Jul 2019
? مشَارَ?اتْي » 942
?  نُقآطِيْ » Hya ssin is on a distinguished road
افتراضي

الفصل الرابع

دفعت بصعوبة وبمساعدة ابنتها هيام الصندوق الكبير الموضوع بركن زاوية المنزل الذي خصصته له لتضمن فيه ألا تتلف محتوياته بفعل الرطوبة أو قلة التهوية اللازمة له.. كان الصندوق والمصنوع من شجر البلوط بالنسبة لها كمخزن لضم ذكريات الماضي الذي عاشته بطفولتها مع عائلتها.. من ذلك الزمن الذي لا يزال يشكل لها مرحلة جميلة وواحة ظليلة تتفيأ بظلها عندما تضيق عليها هموم الحياة..
وبابتسامة حنين فتحت الصندوق الذي يمثل لها ارث شخصي ستحمله وستنقله لأولادها وأحفادها من بعدها.. كان الصندوق كبيرا وكافي لوضع كنوز ذكرياتها وخصوصياتها بداخله.. كل قطعة ستوضع بداخله تمتاز بتفاصيل وأحداث لها قيمة لا تقدر بثمن نظرا لارتباطها بها..
كان فيه الكثير من النثريات النادرة.. من ضمنها شمعدان نحاسي وكذلك قطع زجاجية مزركشة كانت سميحة تقوم بنقشها منذ صغرها.. والى الآن تحب ممارسة هواياتها.. كما ويحب أولادها كلهم أن يجلسوا إلى جانبها في ساحة البيت يراقبونها ويساعدونها في الزخرفة..
أخرجت هيام ما بداخله كصور لحظة ولادتهم وأعياد ميلادهم وأوراق أخرى.. لتعمل على تهويتها كما تفعل من وقت لأخر وفي نفس الوقت تستعيد ذكريات طفولتها وذكريات أمها وهي تنثرها في مكان مشمس.. عادت للغرفة بعدما انتهت لتجد أمها تهتف لها ببهجة
(انظري يا هيام.. هنا أضع فيه كل شهاداتك المدرسية أنت وجالا وراجي.. وبعض الهدايا القيمة التي تلقيتموها)
تابعت هيام النظر للصندوق للحظات وهي ترى كيف تصبح الذكريات حاضرة بين ناظريها.. تعود لتخرج ما في الصندوق وتقلب أيام طفولتها من خلال أشيائها هي الأخرى الخاصة والحميمة.. بعدها قالت ببهجة
(أمي.. يجب أن تعطيني أنا كل ما بداخله بما أني البكر.. وبدوري سأورثه لأولادي ومن بعدهم أحفادي)
ابتسمت سميحة.. فهي بالتأكيد ستعطيهم لأولادها لتبقى الذكريات تاريخا موثقا ليس فقط في الذاكرة وإنما في الوجدان أيضا.. فهتفت لها وهي تهز رأسها بالإيجاب مبتسمة
(نعم.. وربما سأعطي لجالا محتويات الدولاب الموضوع بالصالة.. فهو يضم العديد من القطع الفنية للقماش المزخرف أيضا.. وفيه الكثير من قطع القماش الفنية المطرزة بأبهى ألوان الخيوط الحريرية التي كانت والدتي تطرزه في شبابها وقبل زواجها وبقيت أنا من بين أخوتي محتفظة بهم حتى الآن منها)
ونبرة مازحة قالت هيام وهي تحتفظ بابتسامتها
(أعطي لراجي محتويات الرف العلوي منه.. فيه مجموعة من نحاسيات الأواني المنزلية مثل الكاسات والملاعق.. سيحتاجهم لزوجته)
لكن سميحة لم تتبادل معها الابتسامة وهي تشعر بغصة قلبها عندما تفكر أنه من الممكن أن يتزوج راجي من إحدى بنات فيصل حتى يضمنوا ألا تأتي غريبة عن العائلة وتشاركهم بورثة وأملاك راجي المكتوبة باسمه.. تكاد تقسم أنها لن تسمح له أن يتزوج من بنات عمه.. وتعرف كيف تمحي هذه الفكرة محياً من أذهانهم..
ابتسمت أخيرا وهي تنظر لهيام قائلة
(لا لن أعطي راجي شيئا منهم.. فجميعهم كانوا من ضمن جهازي.. سأعطيهم لك أو لجالا بإذن الله يا حبيبتي.. بعد أن أزوجكما أفضل شاب غريب عن العائلة يتقدم اليك ولأختك)
ضحكت هيام على كلام أمها وهي تبتسم بعفوية.. تفهم قصد أمها.. لطالما أخبرتها أنها لن تزوجها لا هي ولا جالا من رجال العائلة..
فأمها وأبيها كانا من عائلة واحدة.. وعندما تزوج أبيها وقفت كل عائلتها وعائلته معه ضدها مدعيين أن هذا حقه..
ومن وقتها وهي ترص الكلام بعقل هيام رصا أن الزواج من خارج عائلتها سيكون لمصلحتها.. حتى ما إذا حدثت مشاكل بينها وبين زوجها المستقبلي ستقف عائلتها كلها معها ضد الغريب.. والجميل بالأمر بالنسبة لهيام أن الفكرة تناسبها جدا..
ذهبت سميحة للصالة لتنظيف الدولاب بعد أن أخرجت محتويات الصندوق لتهويتهم.. تجد متعة كبيرة عندما تقوم بتنظيف وتلميع هذه الأواني النحاسية.. بينما هيام تستمر بغسل وتهوية قطع القماش المطرزة التي صنعتها والدتها.. وتتحسر لكونها لم تتعلم في صغرها فن التطريز حيث كانت والدتها تلح عليها لكي تتعلم هذا الفن إلا أنها كانت تكره الخياطة في تلك الفترة وكانت تكتفي بمراقبة والدتها التي كانت تبدع في رسم وحياكة وتطريز أشكال جميلة من الطبيعة.. الآن هي بالجامعة ومن ثم ستعمل وستتزوج ولن تملك وقت لتعلم أي هواية ومهارة في خضم الحياة..
عندما عادت للغرفة واقتربت للصندوق.. وقع نظرها فجأة على صندوق صغير مهدى من والدها لها.. ابتسمت وهي تخبئه بجيب سترتها.. فقد وجدت مكان أخر لتخبئه به.. وتعرف تحديدا متى ستخرجه ولمن ستعطيه..
بعد برهة قطعت الصمت المنتشر بالأجواء لتسأل أمها سؤال مفاجئ بدون مقدمات
(أمي.. ما الذي أعجبك بابي لتوافقي على الزواج به؟)
وفجاءة تحولت تعابير وجه أمها للسخرية وهي ترد عليها بصوت أجش
(تقدم لي والدك.. وهو من أقاربي البعيدين.. اخترته بعناية بسبب دينة وخلقه بعد أن رفضت أبناء عمومتي جميعهم)
توقفت هيام عما تفعل وهي تومئ برأسها متفهمة.. بينما أردفت والدتها من تلقاء نفسها
(حينها.. توقعت أن أبيك هذا هو السعادة بعينها.. كان متدين حازم عنيد جداً.. وصارم في تعامله وقوانينه وكنت أنا في منتهى الطاعة والحب له.. منع عني أمور كثيرة ورضيت بها.. عندما أنجبتك كنت صغيرة بالعمر.. ولكن مع ذلك بذلت أقصى جهدي لأتفرغ لك ولأسرتي الصغيرة التي أحببتها من قلبي.. حرصت على راحة والدك وسعادته من اهتمام بأناقتي وخلقي وبيتي.. وكان يبادلني الشيء ذاته إلا ما يغلب عليه طبعه من صرامة وأوامر.. وحتى جدتك.. كنت أخدمها كما لم اخدم أمي.. وأحضرها والدك بعد فترة علاجها بالمشفى عندي وقبلت وقلت لنفسي ليس لديها إلا ولدين.. أحدهما بالغربة والثاني هو زوجي ولا يوجد غيري لها وكنت أنا أطيعه فيها)
عادت سميحة تلقائيا بذاكرتها إلى ما حدث وقتها.. كانا متزوجان ومتفاهمان.. لكن.. بعد أن أنجبت هيام.. لم تحمل إلا بمولودات إناث يتوفاهن الله بعد سويعات قليلة من موعد الولادة.. وبأخر مرة وبدلا من يواسيها فيصل بمن فقدتها.. أخبرها انه يريد الزواج مرة ثانية خصوصا مع توفر الإمكانيات المادية..
وحتى بعد أن رفضت الموضوع بشدة لم يغير رأيه خصوصا مع دعم والديه الشديد له.. وأن من سيتزوجها هي أبنة عمه وقد أعطى عمه كلمة ولن يتراجع فيها..
فحدثت الكثير من المشاكل بينهما.. أقاربها هم أقاربه وكلهم كانوا مع قراره.. أصبحت أصغر الأشياء تعني الكثير وتكون سببا في مشاكل يومية.. وبعد تراكم هذه المشاكل ورفضها القاطع للزواج الثاني حتى العلاقة الزوجية بينهما أصبحت بدون إحساس فنفر هو بالذات من المعاشرة..
استمر الوضع هكذا.. هو مصّر على الزواج وينال كل الدعم لقراره.. وهي لم تجد من يقف معها..
وبعد العديد من المشاكل وعدم قدرتهما على إدارة الوضع.. قام فيصل بشرح التفاصيل لأهلها وقراره النهائي وتفهموا التفاصيل بدون أي معارضة..
بالنهاية.. اتفق الجميع على انفصالهما مع عدم الطلاق للمحافظة على طفلتها هيام التي كلما ترى أبيها تطير به فرحا وتبكي له وتتشبث به وترفض العودة لها.. فيشغل قلبها عليها.. فهو يعلم أنها نقطة ضعفها..
والطفلة القادمة التي تحملها بأحشائها والذي علمت بوجودها متأخرا.. كل هذا اجبرها أن تنفصل عنه من دون طلاق.. وانتهى بهم الأمر منفصلين وكان هذا أخر ما دمر علاقتها مع فيصل.. ونسف عش الزوجية..
أعطى فيصل الشقة التي تعيش بها لها مع بقائها على ذمته.. وبنى لنفسه البيت الذي سيسكنه مع زوجته الجديدة قريبا من بيتهم..
موعد زواجه من ابنة عمه كان وبالمصادفة بنفس موعد إنجابها لجالا.. كانت تصرخ وتصارع لتخرج ابنتها من رحمها لرحم الحياة.. وبحمد الله كانت بكامل صحتها وعافيتها..
شعرت بغصة في حلقها منعتها من الاسترسال.. لكنها أضافت لهيام بصوت مهتز
(وبعد مرور سنين.. حكم والدك أني لن أنجب أولاد ذكور بل ولم اعد حتى قادرة على إنجاب أنثى بكامل صحتها بعدك.. وأنه قرر الزواج من ابنة عمه الغني.. بذلت جهدي لأمنع زواجه ولكن لا فائدة.. الحقيقة والدك من قبل زواجه الثاني وهو يثير موضوع التعدد متباهياً بكثرة من يشجعونه معنوياً على أن يتزوج بأخرى.. بل إن هناك من يعرضون عليه قريباتهم.. تخيلي؟)
التمعت عيني هيام بعاطفة جياشة.. لأول مرة تعيد سماع قصة والديها من جهة أمها.. كررت هز رأسها بتفهم.. فالمشكلة بطبيعة عمل والدها كانت تدفعه إلى أن يكون في انشغال دائم فلا يجد متسعاً من الوقت حتى يتفرغ لهن ولحياته الاجتماعية.. وكان هذا احدى الأسباب الذي دفع والدتها لأخذ دورة بالأشعة مكنتها بالعمل بالمشفى حتى الآن..
شعرت ببعض التردد وهي ترفع رأسها لتسألها
(أمي.. لم.. لم رفضتي أن تعودي لأبي عندما طلب منك بعدما توفيت ابنة عمه؟ حتى لو انتهت مشاعرك تجاهه.. ولكن.. ألن يكون أكثر راحة لك أن تكملي حياتك مع رجل يقاسمك أمور الحياة؟)
جاء ردة فعل أمها حاسما وقد عادت إليها مشاعر قوية بالماضي.. خصوصا وأنها لا تزال تشعر بالألم يستحضر لواقعها الآن رغما عنها..
(من المستحيل أن أعود له.. ألم تتجاوزي الأمر يا هيام حتى بعدما تزوج والدك للمرة الثالثة؟ ما زالت على كلامي.. لن أعود له ولو رمى نفسه بما تبقى من عمره تحت قدمي.. والدك سبق وأن سقط من عيني وهزني هزة عنيفة أيقظتني قبل سنين طويلة.. وما عدت أثق به إطلاقا..)
جفلت لقسوة أمها بالرد عليها فأغمضت عينيها بألم الدموع تحرقها رغما عنها.. بينما ندمت سميحة على ردة فعلها المبالغ بها بعدما رأت ارتجاف عينيها لتقرب أصابعها وتمسح دموعها مردفه بصوت متأثر وهادئ
(ردا على سؤالك.. فصحيح أن الحياة مع رجل ستكون أكثر راحة وربما أكثر سعادة.. ولكن مع الرجل الصحيح.. ووالدك لم يعد مناسبا لي الآن.. أنا بالكاد أجد وقتا للاهتمام بكم أنتم الثلاثة بعد عملي بالمشفى.. ولست قادرة على حمل عبء أربع فتيات أخريات بسن هن بحاجة فيه للاهتمام الشديد.. أنا حقا لن أستطيع تدبر أمور سبعة أبناء.. لا تنظري الليّ هكذا يا هيام.. أنا لست أنانية.. بل أريد مصلحتي ومصلحتكم ومصلحتهن.. خصوصا جالا وراجي لا أريد أن أقلل من اهتمامي بهم لصالح غيرهم.. كذلك البنات هن يسحقن زوجة أب معطاءة وأفضل منّي)
بالإضافة إلى كل هذا.. فعملها أيضا مهم ولن تستغني عنه.. فبعد طلاقها بمدة أخذت دورة بالأشعة مكنتها العمل بإحدى المستشفيات وبراتب مناسب.. رغم عدم حاجتها الماسة للنقود.. لكن استقلالها المالي سيكون مهما بالمستقبل.. وهي لم تكن ستضحي بوظيفتها من أجله أو من أجل بناته..
أكملت التفكير بسخرية.. فهي لو أخذت الأمور بواقعية بعيدا عن العاطفة.. وتخيلت أنها قررت العودة لفيصل لتعيش سويا مع البنات جمعيهن.. رغما عنها ستشعر بالألم وهي ترى له أطفال من صلبه هو وأخرى غيرها.. بالضبط كما يؤلمه دائما رؤية راجي وهو ابنها من رجل غيره..
أيضا العودة له تعني أنها ستضطر للتخلي عن عيش راجي معها.. فهو ليس من محارم بناته.. وهي لن تقدر أن تتخلى عن ابنها الوحيد المدلل لصالح جدته خصوصا وأنه ما زال صغيرا بسن السابعة.. لا تريد أن تتدخل جدته أكثر بتربيته والتأثير عليه..
كفة الخسارات أثقل بكثير من الكفة المعاكسة..
فجاءة جفلت على صوت هيام التي تناديها.. هزت رأسها لها مستفسرا لتسترسل هيام بارتباك أكبر وهي تتجنب التقاء الأعين
(أمي.. أقصد.. هل تكنين مشاعر لعمي ثائر؟ أقصد..)
عادت لتشرد بثائر شقيق فيصل.. كان ع النقيض منه تماما..
أجابت سميحة قبل أن تتنهد
(أنا ما زلت أجد نفسي ادفع الثمن غالياً لتلك النصائح التي منحتني لقب مطلقة لثاني مرة.. لقد اعترف لي عمك بعظمة لسانه بأنه نادم على الزواج مني وأنه ما زال يحتفظ بزوجته الأولى على ذمته ولم يطلقها كما كذبت جدتك عليّ.. كرر على مسامعي كثيرا أنه أخطأ حين تزوجني بناء على نصيحة وضغوط والدته وأصدقائه)
عقدت هيام حاجبيها حانقة
(كان عليه هو أن يخبرك أنه لم يطلق زوجته)
تشرد مجددا وهي تتذكر أيام زواجها من ثائر.. ذكريات قديمة وشحيحة...وموجعة.. تعتبر نفسها أنها كانت هي الأخرى مشاركة بالأمر.. لقد أرادت الانتقام لنفسها من فيصل.. فقدان إحساسها بأنوثتها كان يقتلها ولا تدري كيف تشبعه.. فتحججت بأنها بحاجة لمن يرعى بناتها لهذا قبلت بزواج منه، ووطئت تحت ضغطهم.. فلكم أصبحت تغريها وتعجبها فكرة أنها مرغوبة.. تجعلها تشعر بالنشوى.. فسارعت بالزواج منه بدون تفكير..
لكن.. كانت هناك استفهامات عديدة أثقلت وأشغلت تفكيرها منذ بداية زواجها من ثائر.. فقد كانت لديه رغبة ملفتة للنظر في إتمام الزواج سريعاً.. إلاّ أنه لم يحاول الاقتراب منها أو ملاطفتها منذ زواجهما.. الأمر الذي أثار مخاوفها وبدد فرحتها بأول أيام زفافها.. فالأيام الذي من المفترض أن تكون من ضمن شهر العسل لم ينالها منها سوى النكد والهجر..
إصرارها على ألا تخرج بزواج أخر خاسرة أجبرها أن تحاول جذبه لها بالبداية حتى استطاعت بالنهاية أن تحظى معه ببضعة أيام كالمتزوجين لتحمل بعدها براجي..
بعدها اعترف لها انه ما زال متزوجا من زوجته ولم يتطلقا وزواجه الآن بها لم يزيده إلاّ حنيناً وشوقاً لزوجته.. وبعدها لم يتردد في تطليقها بناءً على رغبتها.. ليعود لحياته مع زوجته الفرنسية..
أخبرتها حماتها بأنها لم تكن إلاّ مجرد عصا لتأديب الفرنسية فقط حتى تنصاع لرغبتهم ولا تحرمه من الإنجاب أو تطلب الطلاق وتتركه بحال سبيله.. حتى أكدّ ثائر لوالدته أن الأمر ليس مجرد عدم رغبتها.. بل زوجته الفرنسية تعاني مشاكل للأنجاب ولا نية له بالتخلي عنها..
سألتها هيام
(أكانت تجربة صعبة بالنسبة لك يا أمي؟ هل تلومين عمي أو تشعرين بأي مشاعر كره تجاهه إلى الآن؟)
هزت سميحة كتفيها وهي تقول بلا مبالاة حقيقية
(هو ظلمني ظلم كبير بلا شك! لكن.. أحيانا أفكر باني لو لم أتزوجه لم أكن سأرزق بأكبر هدية من رب العالمين.. أخيك راجي.. الحقيقة أنا لا اللوم عمك.. بالرغم من انه هو المسؤول عن قراره وسيد نفسه.. لكن البعض يستغل رخصة التعدد في التشفي والانتقام من الزوجة الأولى أيّا كان خطأها.. وللأسف نجد الكثير ممن ينصحونه ويعينونه على ذلك، بل هم من يستعجلونه ويدعمونه في سبيل إتمام هذا الزواج سريعاً)
بالنهاية زواجها من ثائر لم يكن حراما أو عيب.. قد يبدو تفكيرا مرضيا.. لكنها فعلا خرجت من هذا الزواج براحة نفسية خصوصا بعدما عرفت بحملها.. شعرت كأنها انتقمت أو بردت نار قلبها..
ليست اسفه للوضع النفسي الذي أصاب فيصل بعد زواجها من شقيقة.. فالقهر والألم وحتى طريقة التفكير التي شعر بها لدرجة تلف أعصابه لعدم قدرته على استيعاب أو تخيل زواجها.. هو نفسه ما شعرت به.. لكن هي عاشته لمرات أكثر وأكثر..
القهر الذي عاشه هو نفسه ما أذاقه لها.. مثلما لم يتحمل رؤيتها مع أخر فهي كانت مثله..
هزت رأسها تنفض أفكارها وهي تقف من مكانها لتتابع ما تفعله..
وبعد مرور وقت اخرجوا أخر ما بداخلة الصندوق.. وهو فستان زفاف سميحة الموضوع بحقيبة شفافة لحفظه.. كانت لا تزال تحتفظ به إلى الآن.. وتعتبره قطعة نادرة حيث تملؤه المطرزات بلونيها الأبيض والزهري.. لأن والد سميحة تبرع بان يهديها فستان زفافها بعد أن اختارت هي تصميمه وقد احضر ثلاثة خياطين متخصصين في تفصيل فساتين الزفاف من اجل أن يفصلوا لها الفستان بحسب تصميمها.. وقد احتاج فستان زفافها إلى شهرين في الحياكة والتطريز ليخرج بالشكل النهائي الذي ما زال عليه حتى الآن.. هيام لا تظن بأنها ستلبسه خصوصا وأن تصميمه يختلف عن تصاميم فساتين الزفاف بزمنهم هذا.. لكن ربما تستطيع أمها إقناع جالا بارتدائه..
أغلقنّ الصندوق بعدما انتهينّ من إرجاع أغراضه.. فكما يقال.. نحن نحب الماضي لأنه ذهب ولو عاد لكرهناه.. فذكرياتنا جميلة لأنها أصبحت ذكريات ولو تحولت إلى واقع لحقدنا عليها.. ربما ليست جميعها.. لكن على الأقل ينطبق على الكثير منها..


*****


بعد مرور سنتين..
كانت هيام برفقة احمد بالجامعة يجيبون أبنيتها.. كانت قد طلبت منه أن يرافقها ل تستكمل أمور وأوراق مصدقة تخرجها وهو لم يضيع على نفسه فرصة مشاركتها بالرغم من انشغاله.. فدراستها هي تتطلب أربع سنوات على عكس احمد الذي ما زال له سنتين أخريات للتخرج..
مشاعرها تتبعثر بهذه اللحظات وتعجز عن وصف ما بداخلها.. بالنسبة لهيام قد اقترب حصاد مشوار استمر أربع سنوات من الجهد والتعب والمعاناة والمثابرة.. أيام قليل حتى موعد تخرجها ليعانق الحلم حياتها ويتحول لواقع جميل.. وعلى الرّغم من أنّ التخرّج فرحة لا توازيها فرحة إلا أنّها تشعر باختلاط مشاعرها كلما تتذكر قربه ما بين مشاعر الفرح والقلق والترقّب والأمل بالغد والرغبة بالعمل المحفوفة بالكثير من التفاؤل.. وما بين مشاعر الحزن والحنين إلى ذكريات الدراسة والزملاء والأماكن التي علت فيها ضحكاتها مع صديقاتها..
بالتأكيد أن لحظات الوداع لن تكون للمباني والجمادات بقدر ماهي للأشخاص الذين عاشت معهم طوال السنوات الماضية من عمرها.. وقضت معهم أزهى فترات العمر وكانت زميلة لهن في مقاعد الدراسة.. ودخلت في حوارات جادة مع بعضهن.. وكونت علاقات أخوية عميقة مع البعض الأخر..
رفيقات دربها تعجز عن صياغة مشاعرها لهن.. لهن مكانة محفورة بالقلب.. فمن يقدر على نسيان صديقات قضت معهن من الوقت أكثر مما تمضي مع عائلتها.. قضت معهن وقتاً أكثر مما أمضته مع نفسها.. لكن هكذا هي دائماً لحظات السعادة تمر بسرعة..
لن تنسى كل زاوية من زوايا هذا الصرح الكبير.. لن تنسى احتساء القهوة في ساعات الصباح التي جلست فيها تتسامر وتتبادل الضحكات.. ستفتقد كل المقاعد الذي جلست عليه لتلقي العلم.. ستفتقد الصرح الذي احتواها بكل محبة عندما ضمها إليه خلال سنوات الدراسة التي قضته فيه.. ستفتقد كل شيء.. جميلا كان أم سيئا.. كل ذلك سيصبح مجرد ذكرى.. وأجمل ذكرى.. حتى المحاضرات اللاتي كانت بالنسبة لها ثقيلة ومملة.. اليوم تشعر أنها كانت أخف من النسمة الندية..
لكن رغم كل شيء يبقى لكلّ مرحلة من مراحل العمر فرحتها.. والتخرّج فرحة كبيرة لأنّها تعني النجاح وتحقيق هدف وحلم منتظر..
(احمد لا تلتفت كثيرا وتحرك رأسك بين المباني.. تجنب هذه الحركة حتى لا يعتقد من يرانا أننا مستجدين)
قالتها ممازحة له براحة من حركاته العفوية وهو يبحث على مكان أخر مكان سيقصدونه لأنهاء الإجراءات.. ابتسم لها قائلا
(لا تقلقِ سأسل أحد المارة.. من يسأل لا يضيع)
مدت له يدها تمنعه من التقدم.. لتضيق عينيها هاتفة بجديه وهي تبحث وتنظر في وجوه الطلاب بالأرجاء
(أحذر.. هناك حمقى يستمتعون بإعطائنا اتجاهات خاطئة للمباني.. دعني أنا اختار شخص يبدو عليه الجدية بمساعدتنا)
فحتي سابقا.. كانت هيام دائما ما تحاول الاستدلال بنفسها على قاعات المحاضرات دون السؤال.. فهي ما تزال تتذكر أوّل المقالب التي واجهتها في بداية أيامها بالجامعة من قبل بعض الطلبة القدامى.. عندما سألتهم عن مكان القاعة، حيث قاموا بإرشادها إلى قاعة مغايرة للقاعة المقصودة.. وتبعد مسافة طويلة استغرقت منها ربع ساعة مشيا على الأقدام.. إلا أنها مضطرة الآن للاستفسار لأنها كانت على عجلة من أمرها..
مرت فتيات من أمامها فتقدمت لهن وأخذت تسأل بحرج يملأ وجهها فبدأت الفتيات يوجهنها المكان المطلوب..
المبنى..
وما أن تقدمت للأمام لحق بها أحمد يوازي خطواتها.. فقالت له متبرمة تعلق بسطحية على أحذية الفتيات
(لا افهم كيف تستطيع بعض الفتيات ارتداء هذا الكعب العالي هنا.. أساسا شكله خاطئ جدا مع طريق اللباس.. ومتعب في المشي)
رد عليها حانقا
(يا إلهي هيام! تتحدثين عنهن بسوء بدلا من أن تشكريهن لأنهن دللنك على المبنى)
أزعجها دفاعه عن فتاة غيرها.. فالتفتت برأسها للأمام هاتفة له وهي تمد حقيبتها تعطيه إياها
(أنا لم اتحدت عنهن بسوء أساسا.. امسك حقيبتي عني قليلا إنها ثقيلة)
التقطها منها قائلا بشكل متعجب من ثقلها
(واو.. لم تجلبين معك حقيبة كبيرة)
هزت كتفيها ثم ردت عليه بقهقهة
(حتى أضع عفشي بأكمله هنا)
لوى شفتيه ليقول بلا مبالاة
(معدات الزينة والتجميل مثلا؟)
تنهدت من محاولات إزعاجه لها.. لتقول بهدوء مصطنع خافت وهي تلكزه بالأوراق التي بيدها غاضبة
(احمد.. كف عن المزاح.. أنا لا أبالغ بزينة وجهي.. أضع فقط الكحل وواقي الشمس واحمر الشفاع واحمر الخدود و..)
قاطعها
(وماذا بقي لم تضعيه؟ أنا حقا أحب أن تضعي أي زينة على وجهك.. اكتفي بواقي الشمس)
ابتسمت باستخفاف والسخرية تدل طريقها على بشرة وجهها البيضاء..
وكانت ابتسامتها بعد لحظة غضبها كسهم حب يصيبه.. فابتسم كأنه يسترجع حلاوة شعور
أن تخونه نظراته ونبضاته.. حينما يصورها له قلبه كأنها العالم كله.. الجمال كله.. إن ابتسمت له تبسمت الدنيا في وجهه..
أشترى كأسان من عصير الليمون لكليهما ليشرباه أثناء سيرهما.. وبدون مقدمات التفتت تنظر له قائلة بهدوء مماثل لطبعه
(لماذا تظن أن دراسة الطب النفسي ستكون هي الدراسة الأنسب لك؟)
أجاب بخفوت وتلقائية وهو يهز كتفيه
(اشعر أنى مهتم باستكشاف أعماق النفس البشرية وخصائصها النفسية.. لطالما تساءلت كثيرا في أسباب الاضطرابات النفسية التي قد تحدث للبشر وكانت تستهويني القراءة في أي منها)
أصابتها نوبات فضوليه لا منتهية لأول مرة عن مجال دراسته لتخبره وهي ترتب شعرها الذي تنافرت خصل ضفيرتها منه.. ولم تنتبه إلى نظراته على خصل شعرها الكستنائية التي تحاول أن تجعلها مرتبه
(هناك قريبتي التي أعرفها.. درست علم النفس.. هي تشغر حاليا وظيفة أخصائية نفسية تعليمية في إحدى المدارس.. وسبق أن عملت كأخصائية نفسية عصبية تأهل المرضى العقليين وتساعدهم على التكييف مع مرضهم..)
ابعد الكأس عن فمه ليقول بجديه
(هناك فرق بين الطب النفسي وعلم النفس...صحيح أن كلًا من الطبيب النفسي والمرشد النفسي لهما دورًا كبيرًا في مساعدة الأشخاص في أن يعيشوا بشكل أفضل.. لكن الفرق شاسع بينهما)
استرسلت تسأله
(حقا؟ وما الآفاق الوظيفية لعملك؟ وما خططك للعمل بعد التخرج؟)
شرد وهو يفكر فيما بعد تخرجه.. تخرجه سيكون نقطة الانطلاق نحو باقي أحلامه طموحاته من عمل ودراسات عليا.. لذلك لطالما حرص على أن يكون مميزًا مُلمًا بتخصصه إلمامًا تامًا.. لأنّ مدى مهارته هي التي تحدد مستقبله كاملًا..
أجابها بتلقائية وهو يعاود النظر اليها
(عادة ما يعمل الأطباء النفسيين بشكل مستقل في عياداتهم الخاصة بعد التخرج.. ويعمل أيضاً الكثيرين منهم في المستشفيات الحكومية والخاصة وعيادات الأمراض العقلية وفى الجامعات أيضاً.. سأقضي معظم وقت عملي في التعامل المباشر مع المرضى.. وباقي الوقت يكون عادة في وظائف الاستشارة الطبية أو التدريس أو العمل الإدارة ربما..)
ازدرت ريقها نادمة ما أن بدأ يسرد عليها بشكل ممل.. فهبطت معنوياتها الفضولية.. لتقاطع فورا
(راتب الطبيب النفسي عالي، صحيح؟)
نظر له بعدم فهم لتردف بمرح وهي تحاول إخفاء نظرات عينيها الشقيتان
(لما أنت مستغرب؟ أنا فقط أحاول أن اضمن حياة هنيئة ورفاهية عالية لأولادنا)
ضحك على جملتها لتبتسم بعفوية وهي تنظر أمامها وتستمر بالمشي.. ولم ترى تلك العينين التي تلمع حبا لشقاوتها..
أنه يعيش معها أخر لحظاتهم معا هنا.. وبعدها ستأتي لحظات الوداع.. ما أصعبها من لحظات.. ولكن هذه هي الحياة.. أفراح وأحزان.. لقاء وفراق.. هي الحياة.. نتعلم لنعمل.. ونعمل لنجتهد ونحصد.. وستمر السنتين الباقيتين لدراسته بسرعة البرق ليتخرج هو الأخر ويعمل..

أنهت أخر أوراقها لتستلمها من الموظفة وتخرج من باب المبنى.. جابت برأسها تبحث عنه بالأرجاء حتى وجدته متكئ على البوابة وساعديه على صدره.. ساقيه مائله للأمام.. شارد بما أمامه وعينيه الزرقاوين تزدادان لمعان مع أشعة الشمس الساقطة عليه.. آه من عينيه.. هما سر انجذابها له من أول مرة تراه.. قبل أن تبدأ شيئا فشيء تقع بحب رجولته وشخصيته وكل جزء مما تبقى به.. من الاستحالة أن تنسى كل لحظات الحب والإعجاب التي كنتها له لأخر لحظة بحياتها..
وعلى وجهه ارتمست ابتسامة ما أن لمحها وهو يرفع حاجبيه هاتفا يتقدم لها
(إذن أتممت أخر الإجراءات.. أنت الأن رسميا متخرجة بغض النظر عن الأسبوعين الباقيين لحفل التخريج)
بادلته ابتسامة عفوية لتأسر قلبه وبنفس الوقت تنظر حولها وتتأمل الأماكن.. ليتها لا تتخرج.. ستعيش الم الفراق من الآن.. فراق المكان.. الوجوه.. الأجواء.. كل شيء فيها مختلف.. مختلف تماما.. كانت حياة أخرى تعلمت فيها.. فجامعتها كانت حضنها الدافئ طيلة أربع سنوات مضت.. نهلت منها الكثير والكثير..
أعطته انتباهها ما إن سمعته يردف بإحباط وهو يضع كفيه بجيوب سرواله الجينز
(وانا باقي لي سنتين لأتخرج)
هو بالفعل ما إن بدأ أوّل سنين دراسته حتى بدأ بعدّ الأيام والليالي التي تفصله عن فرحة التخرّج.. بحيث يُصبح فيه مستعدًا للتوجه إلى للعمل والتحوّل من مجرّد شخص يعتمد في مصروفه على أهله إلى شخص منتج قادر على العمل بكفاءة وتميّز.. ولكنه يشعر أن السنتين المتبقيتين ستمران ببطيء شديد عليه من دون رؤيتها..
لكزته بأوراقها بعنف مصطنع هاتفة
(أنا سأبدأ مباشرة بدراسة الماجستير بعد تخرجي.. إذا حدثت أموري كما أتمنى وأريد سأكملها بهذه الجامعة تحديدا.. ربما هكذا أستطيع أن أبقى على تواصل معك.. ولو ليوم واحد ومع اختلاف أوقات دوام كل منا)
ابتسم لها وهو يحاول ألا يقترب منها أمام الأعين الفضولية ليخطفها ويدفنها بين ذراعيه بعناق عميق.. يذكر نفسه أن اللحظة هانت.. عدة سنوات حتى تخرجه.. وسيصبح حينها قادرا على طلبها من أبيها.. وستصبح ملكه.. حلاله.. حقه.. وسيعيشان معا ببيت دافئ وسعادة أبدية.. فليصبر حتى هذه اللحظة..
رد عليها محافظا على ابتسامته
(إذن.. بما أننا انتهينا من الإجراءات مبكرا.. ما رأيك أن نمضي يوما مميزا سويا.. أريده يوما لا ينسى.. كوداع.. وداع غير أخير طبعا)
وداع؟ أي وداع يليق به؟ أي وداع يليق بحلم جميل كالحلم به.. هكذا اللحظات الجميلة تمر بسرعة.. تلك هي سنة الحياة.. والذكرى الجميلة هي أجمل ما خبأته لها الأيام التي مضت من عمرها..
أومأت له ليمشيا سويا.. وشفتيها ترسم شكل ابتسامة جميلة من فرط السعادة التي تشعر بها.. وهو كان يسترق بعينيه الزرقاوين كل فترة لينظر جانبا على تقاسيم محياها..
خرجا معا لإحدى أسواق المدينة.. سارا بالطريق تفصلهما عن بعضهما إنشات قليلة مع ازدحام الشارع.. كل حين يمد يده بجانبها وأمام المارين بحركة ليمنع اصطدامها بأحدهم دون قصد.. كأب يحمي طفلته..
أوقفت أنظارها على قبعة بيضاء جميلة.. وجدت نفسها تبتسم لها بدون قصد لتنظر ناحية احمد وتخبره أن ينتظر قليلا هنا ريثما تشتريها.. لكنه عقد حاجبيه حانقا لها وهو يتقدمها ليدخل المحل التجاري.. شعرت بالحرج وهو يشتريها لها بماله غبر آبه لاعتراضاتها المكررة.. وبخت نفسها بداخلها.. ما كان عليه أن تفكر بشرائها الآن.. لكن ابتسمت فيما بعد وهي تشعر بالسعادة تغمرها.. أعجبها أن تتلقى منه هدية.. وأن يهتم بإهدائها.. كل شيء منه تحتفظ به وتحافظ عليه جيدا..
بعد ذلك دعاها ليأكلا طبق حلويات بإحدى المطاعم المعروفة.. وهي وافقت وقلبها يخفق بسعادة راضية.. تعرف بأن الخروج معه من البداية ومن وراء ظهر عائلتها لا يجوز لا شرعا ولا عرفا.. خصوصا وأن لا شيء رسمي بينهما.. لكن مقاومتها كانت أضعف من أن تمنعها.. تعطي لنفسها حجة أنه عن قريب سيتزوجان..
سمعته يهتف لها
(الم أخبرك أنها ستعجبك؟)
نظرت إليه بعينيها بإيجاب وهي تعاود الأكل بشوكتها من طبقها اللذيذ والشهي..
توقف احمد للحظة عن الأكل وهو ينظر لها عاقد الحاجبين تبحث عن شيء في حقيبتها.. قالت له بصوت منفعل ما إن أخرجت من حقيبتها ساعة رجالية فخمة موضوعة بغلاف ثمين..
(هذه الساعة القديمة أعطاها أبي لي قبل مدة طويلة وخبأتها بصندوق.. وقبل سنتين أخذتها من الصندوق وخبأتها بدولابي.. وأريد أن أعطيها لك الأن)
عقد حاجبيه أكثر بعدم فهم خصوصا وهي تمد الساعة بيدها أمامه وهو متسمر يرفض أن يأخذها من يديها.. فأردفت ببشاشة
(هذه الساعة اشتراها جدي لأبي عند زواجه الثاني.. وأخبره أن يلبسها ومن ثم يعطيها لأبنه عندما يصير شابا.. ولأن أبي لم يرزق بمولود ذكر.. أخبرته جدتي أن يعطيها لراجي عندما يكبر.. فغضب من جدتي وأعطاها لي وأخبرني أن أخبئها لزوجي المستقبلي.. لذا لا أرى ضير من أن تأخذها مني من الآن وتلبسها.. لم يبق كثيرا على تخرجك والتقدم لي..)
وعندما رأت وجهه المتجهم يزداد تجهما كأنه غير مقتنع بكلامها.. أردفت هاتفة بسأم
(لقد أخبرتك كل تفاصيل عائلتي المعقدة مرارا.. فإياك أن تقول أن الأمر ما زال يختلط عليك)
رفع نظره إلى عينيها لعله يجد فيها شيئا يجعله يستوعب أكثر ما تطلب منه أن يأخذه منها.. ثم أخذ ينظر إلى الساعة وهو يتفحصها بيديه قائلا لها بخفوت
(هيام.. هل أنتِ مجنونة؟ تبدو ساعة ثمينة جدا.. جدا.. كيف تهديها لي بدون أي رباط رسمي بيننا؟ لا.. لا لن أخذها)
أجابت بتذمر وهي ترفع صوتها عليه تنسى واقع أنهما بمكان عام
(احمد ما بك؟ وكأنك تشكك بأننا سنتزوج بالنهاية؟)
يعرف بأن أمر عدم زواجهما مستقبلا أمر مستحيل.. من المستحيل أن يفرط هو أو هي بالآخر.. ولكن مع ذلك لا يمكن أن يأخذ هكذا هدية ثمينة ماديا ومعنويا منها.. فرد لها الساعة وهو يقول بحزم وصرامة
(لا.. قلت لا يعني لا.. لن أخذها منك الآن.. ليس لي حق بارتدائها قبل أن أطلبك رسميا من أبيك على الأقل)
لم يبالي لتذمرها وتجهم وجهها وهو يتابع
(أزيلي هذه التعابير من وجهك وأكملي طبقك.. إنك تأكلين كالعصافير)
عاد يأكل من طبقه ببرود يغيظها.. وكأنه لم يسبق وأن اشتدا بالكلام قبل ثوان.. نظرت لكوب الماء بجانبها ومن ثم نظرت اليه بنظرات شريرة.. تمنت أن تضرب الكوب برأسه..
اشتد غضبها فعادت تأكل من طبقها تفرع غضبها فيه.. بدأت تأكل حلواها بسرعة وبشراهة قطعة وراء قطعة وبدون أن تمضغ التي قبلها.. رفع نظراته لها يحدق إلى كيفية أكلها وهي تجلس بالكرسي المقابل له على الطاولة.. وهو يرى فمها ممتلئا بشكل مضحك ليقهقه وما أن سمعته حتى أعطته نظرات حانقة.. فاشتدت قهقهته عليها.. وبدلا من أن يزيد غضبها.. توقفت للحظة تتأمله.. كان يبدو وسيما أكثر مما سبق وكان عليه وهو يضحك من قلبه.. لم تستطيع أن تكتم ضحكتها لتشاركه الضحكات الخافتة.. لكن عضت شفتيها تكتم فيها ضحكتها ما أن وقعت عينيه بعينيها..
اعتدل بجلسته ليقول بصوت جذاب دافئ
(هيام.. حبيبتي.. لا أظن أنه من المناسب أخذ الساعة الآن منك.. سآخذها منك بالوقت المناسب.. وإياك أن تفكري أن تعطيها لراجي.. فقد أصبحت ملكي.. هل تفهمين؟ لن تصدقي مقدار تحمسي لألبس ساعة فخمة مثلها من حبيبتي الجميلة)
أومأت له برأسها وهي تحاول أن تخفف من الحمرة التي انتشرت في وجهها والحرارة التي انتابتها..


*****


بدأت قبل أربع سنوات مشوار طويل.. ومرت الأربع سنوات بلمح البصر.. ووصلت اليوم لحفل التخرج.. اليوم هو يوم مشهود في حياتها.. أصبحت الجامعة جزءا منها وفيها ولكن لا بد من التخرج.. الفراق صعب.. فهي أيام عاشتها.. أيام لم تنساها..
بدأ هذا اليوم بالتدريب والاستعداد من قبل الطلاب وإدارة الجامعة.. لبس فيه الخرّيجون أبهى ما لديهم من ملابس جميلة.. أُعِدّت خصيصاً لهذا اليوم.. فبدت ألوانها جذّابة بهيّة.. كأنّها تنافس بعضها بعضاً في الحسن والجمال بل في الرونق والإبداع.. إضافة إلى الإبداع في تصفيف الشعر وترتيبه وإظهار جماله الفتّان..
بدأت هيام مسيرة شرف امتزجت بها مشاعر الفرح والحزن.. تخللتها دموع الضحكة والابتسامة.. لبست الوشاح والقبعة وتخطت المسيرة بكل ثقة وفخر.. تقاسم وجهها الضحكات.. وترسم شفتها ابتسامة فرح وخجل.. ودمعة فرح ممزوجة بحزن قطرات العين..
كان الأهالي يتراكضون لحجز مقاعدهم في الأماكن المخصصة لهم.. وأنظارهم تتطاول لترى ما يجري.. وترمق كلّ التفاصيل المتعلّقة بذلك الحفل من ترتيب ونظام وسادة قائمين وضيوف شرف كرام.. كلّ هنيهة وأسماعهم تنتظر حدثا مهما ألا وهو اسم ابنهم أو ابنتهم يصدح في سماء الجامعة بعد هذا العناء الطويل.. وكأنهم لأوّل مرة يمتّعون آذانهم بتلك الأغاني التي عشقوها وانتظروها مراراً وتكراراً ألا وهي أغاني التخرّج والنجاح..
تجاوزت هيام المسيرة واستمعت لكلمة التخريج.. وهي ترى الحضور يبدون سعادتهم مترجمة بين ضحكات ورقصات..
وبنهاية الحفل الرسمي وصلت نهاية المطاف إلى الوداع.. وبالرغم من بساطة الحفل.. إلا أن المشاعر كانت كافية لإظهاره بأجمل حلة..
تبادلت فيه مع صديقاتها باقي التذكارات الكثيرة.. التي حتى بدونها ستبقى ذكرى هذا اليوم محفورة في الذاكرة..
لم ترَ احمد ألا لمحات.. كانت متأكدة أنه لن يفوت عليه يوم تخرجها ولكن ولوجود عائلتها لن يبارك لها شخصيا..
أنتشر الأهل والأبناء في حدائق ومرافق الجامعة بعد أن انتهى الحفل.. كانت نظرة والدها لهيام بتخرجها نظرة حبّ واحترام.. تقدم وهو يحمل باقة ورد بعد أن بحث بين جموع الخرّيجين عن ابنته ليمنحها هذه الباقة المعطّرة بحبّه واحترامه لها.. يبحث عن مكان جميل في مرفق بهيّ ليدع المصور يأخذ له صورة تذكاريّة.. وينظر إلى المستقبل المشرق الذي ينتظرها في أعقاب هذا الحفل البهيج..
التقطت الصورة ببهجة مع والدها ومن ثم تقدمت لوالدتها وهي تهديها نظرات الامتنان لتنهمر تلك الدمعات الحبيسة.. والدتها هي من غرست الطموح في نفسها ومن حثتها على الدّراسة والبحث المستمرّ وهي تجتاز عتب السلّم واحدة تلو الأخرى.. إلى أن تخرجت في الثانوية العامة ووصلت إلى الجامعة للوصول بها إلى يوم التخرج..
تقدمت لأمها أكثر لتعانقها بعمق.. وكل من يقربها حولها يتبادل التبريكات والدعوات.. كانت فرحة عظيمة تغمرها.. تقاسمها الم واشتياق إلى تلك اللحظات والذكريات الجميلة التي مضت..
وما هي إلا ساعات قليلة حتى انفضّ الحفل وذهبت بصحبة والديها إلى بيت جدتهم للاحتفال على شرف تخرجها.. أجتمع والدها ووالدتها وزوجة أبيها مع أخيها وأخواتها.. قرر والديها تجاهل كل مشاكلهم والتركيز فقط على فرحة ابنتهم.. وكل منهما يفكّر في المستقبل الحافل والحياة الورديّة التي تنتظرها بعد التخرّج..


*****

بعد مرور عشرة سنوات..

كان بإحدى المحلات بالمول التجاري.. يمسك بقائمة المشتريات بيده ويلقي عليها نظرات بعينيه الزرقاوين كل حين.. ويلتقط بيده الأخرى المشتريات ويضعها بالسلة وهو يشعر بالضجر من رويتنه المعتاد..
تنهد وهو يمرر أصابعه بشعره الأسود الليلي ليعيده للخلف.. هل سيمضي حياته لأخر لحظة على هذا المنوال؟
احمد الآن رجل ناضج في الثانية والثلاثين من عمره.. بنيته أصبحت أضخم عما سبق وكان به ببداية شبابه..
كان خارجا وهو يحمل أكياس مشترياته قبل أن يلفت نظره تجمع لعدد قليل من الأشخاص بالقرب منه.. فضوله الطفيف جعله يحدق بهم قليلا قبل أن تتسع عينيه على وسعهما.. يكاد لا يصدق ما يرى..
هل يمكن أن تكون هي؟ وفجاءة بعد كل هذه السنين؟ بشعرها العسلي الكثيف الذي ازداد طولا عن أخر مرة رآها فيه قبل سنوات..
كانت خارجة من إحدى المقاهي ممسكه بكوب من القهوة مسرعة في خطواتها وكأنها تريد اللحاق بموعد مهم.. وبشكل مفاجئ اصطدمت بها إحدى المارة وسكب كوب قهوتها الساخنة على قميصها.. وضعت الامرأة شاهقة يديها على فمها لا تعرف ماذا تفعل بالرغم من انه لم يكن خطأها..
كان متيبس بمكانه.. بينما يرى صاحبة الشعر العسلي تنتفض فورا من جراء سخونة القهوة التي لطخت قميصها ولسعت جلدها.. فحاولت أبعاد القميص عن جسدها قدر الإمكان.. لكن وبكل عفوية رفعت نظرها إليها واصطنعت ابتسامة عقب أن قالت بتلقائية بصوت لطالما كان له أثرا آسر عليه
(لا بأس لم يحدث شيء، كان خطئي أنا)
استدارت لتسابق خطواتها تهم للخروج من المكان بسرعة وعلى عجل.. فما كان من الواقف الملجوم إلا أن حرك رأسه وكأنه يستفيق من شروده قبل أن يعلو صوت أحد الأشخاص
(السيدة أسقطت المحفظة من حقيبتها.. أين ذهبت بسرعة؟)
أسقط الأكياس التي اشتراها من يده أرضا وهو يهرول نحو الرجل ليأخذ المحفظة منه عنوة أجفلته بينما يقول له وبصوت أجش من جراء ما استحضرته ذاكرته من مشاعر مدفونة
(سألحق بها لأعطيها إياها!)
وانطلق راكضا وراءها خارجاً من بوابة المول متقدما نحو الشارع الرئيسي وهو يلتفت برأسه يمينا وشمالا يبحث عنها قبل أن يلمحها بنهاية الشارع تشغل سيارتها لتقودها مبتعدة.. فبدء يركض بأقصى سرعته على قدميه ليلحق بسيارتها وهو ينادي باسمها بأعلى صوته حتى ابتعدت وأصبحت المسافات بينهما تتضاعف أكثر لتصبح غير مرئية له على الطريق..
فبدأت خطواته تتباطأ تدريجيا وهو يحاول تتدارك أنفاسه السريعة كأنه انتهى توا من سباق ماراثوني.. فركع وهو يضع كفيه على ركبتيه ثم استقام بعدما هدأت أنفاسه ليلتقط نفسا عميقا جدا ويزفره ببطء..
كان هذا أكثر ما يخشاه.. أن يفترقا مرة أخرى إذا ما جمعتهم الأقدار بصدفة أخرى.. فقط صدفة.. موعد غير مدبر من قبل أحد.. لقاء حبيبته بعد طول فراق.. وبعد سيل من الأشواق.. يعيش بهذه اللحظات لحظة تُرسم أحداثها في لوحة ربيع العمر.. لحظة يزاد فيها نبض القلب.. وتتجمد المشاعر من فرح القلوب.. لحظة فيها من الحب ما يروي الأحاسيس بداخله..
اخفض أنظاره للمحفظة بيده.. فتحها لتتجمد نظراته بدون أي تعابير على وجهه حتى اهتزت حدقتيه بمجرد رؤية صورتها الموضوعة بإحدى جيوب محفظتها.. أنها هي.. هيام.. هيام قلبه.. إذا ما شك أن رؤيتها اليوم وقبل دقائق كانت حلم فهذه الصورة إثبات له..
حدق بالصورة الملتقطة حديثا لها على ما يبدو فشدّت قلبه ليتذكر ذكرياتهم بالماضي ويبتسم بتلقائيه لبرهة من الزمن قبل أن تزحف ملامح التوتر الواضحة على محياه.. ويشعر بتوتر غير مرغوب به.. فيزفر بضيق وهو يحول أنظاره لخاتم بنصر يده اليسرى..
عاد من حيث خرج راكضا يحمل ذيول خيبته.. توجه للمقهى الذي خرجت منه.. وتقدم يسأل أحد الموظفين عن التي سكبت القهوة عليها.. فأجابه الموظف بحبور
(نعم سيدي.. إن الأنسة تدعى هيام.. تزوره بشكل أسبوعي مع صديقاتها)
رفع احمد حاجبيه بدهشة وسعادة من الكلام الذي يسمعه قبل أن يعطي محفظتها للموظف قائلا
(الأنسة أسقطت محفظتها بغير قصد، حاولت لحاقها وإعطائها إياها ولكن لم أستطع.. أتمنى أن تعيدها لها حالما تأتي هنا مرة أخرى)
استلم الموظف منه المحفظة مؤكدا له انه سيسلم الأمانة لصاحبتها..
أومأ له احمد بشكر قبل أن يخرج بخطوات متباطئة للخارج.. كأنه لا يصدق اللقاء وما حدث قبل أقل من ساعة..

*****











Hya ssin غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 16-09-19, 11:46 PM   #8

Sm-alamri

? العضوٌ?ھہ » 406966
?  التسِجيلٌ » Aug 2017
? مشَارَ?اتْي » 104
?  نُقآطِيْ » Sm-alamri is on a distinguished road
افتراضي

حبييت الروايه اسلوبكك جداا جميل بداية اعجاب بين شخصين الى حب ووعد بالزواج وتمر السنوات لنكتشف ان قصة حبهم انتهت واتفرقوااا صاار فيني فضوول اعرف وش سبب انفصالهم بانتظار الفصل القادم تمنياتي لك بالتوفيق

Sm-alamri متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 21-09-19, 09:08 PM   #9

Hya ssin

? العضوٌ?ھہ » 450526
?  التسِجيلٌ » Jul 2019
? مشَارَ?اتْي » 942
?  نُقآطِيْ » Hya ssin is on a distinguished road
افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة Sm-alamri مشاهدة المشاركة
حبييت الروايه اسلوبكك جداا جميل بداية اعجاب بين شخصين الى حب ووعد بالزواج وتمر السنوات لنكتشف ان قصة حبهم انتهت واتفرقوااا صاار فيني فضوول اعرف وش سبب انفصالهم بانتظار الفصل القادم تمنياتي لك بالتوفيق

شكراا لك عزيزتي وسعيدة انه بداية الفصول اعجبتك.. راح تظهر الاجابة مع ظهور شخصيات اخرى مع الفصول القادمة..
الفصل القادم يوم الجمعة..


Hya ssin غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 23-09-19, 05:11 AM   #10

غدا يوم اخر

? العضوٌ?ھہ » 5865
?  التسِجيلٌ » Apr 2008
? مشَارَ?اتْي » 385
?  نُقآطِيْ » غدا يوم اخر is on a distinguished road
افتراضي

يسلمو علي البارتات وشكرا علي المجهود
متى وقت تنزيل القصه
ودي اعرف السبب في الانفصال بينهم


غدا يوم اخر متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

الكلمات الدلالية (Tags)
علاقات، متغيرة

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة

الانتقال السريع


الساعة الآن 12:30 PM



Powered by vBulletin® Version 3.8.9
Copyright ©2000 - 2020, vBulletin Solutions, Inc.