شبكة روايتي الثقافية

شبكة روايتي الثقافية (https://www.rewity.com/forum/index.php)
-   الروايات الطويلة المكتملة ضمن سلاسل (وحي الاعضاء) (https://www.rewity.com/forum/f394/)
-   -   صك غفران (2) .. سلسلة وصال النهرين *مميزة ومكتملة * (https://www.rewity.com/forum/t459009.html)

وفاء حمدان 05-10-19 09:52 PM

صك غفران (2) .. سلسلة وصال النهرين *مميزة ومكتملة *
 

https://upload.rewity.com/uploads/154089255098181.gif

صك غفران
https://upload.rewity.com/uploads/157045537603011.jpg



بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين
سعيدة بعودتي لمشاركتكم الجزء الثاني من سلسلة وصال النهرين و اللي هايكون بعنوان "صك غفران" بإذن الله.. احنا ارتحلنا بالجزء الأول " سهام عشق" مع سهام و أمجد و نزار و أحمد و إيمان و صار لازم نكمل الحكاية.. أتمنى لكم متابعة ممتعة عزيزاتي...


بحب أنوه إن الفصول هاتكون يومي الاحد و الخميس في الثامنة مساء بتوقيت القاهرة بإذن الله..


روابط الفصول

الفصل الأول .... المشاركة التالية
الفصل الثاني
الفصل الثالث
الفصل الرابع
الفصل الخامس
الفصل السادس
الفصل السابع
الفصل الثامن
الفصل التاسع
الفصل العاشر
الفصل الحادي عشر
الفصل الثاني عشر
الفصل الثالث عشر
الفصل الرابع عشر والخامس عشر نفس الصفحة
الفصل السادس عشر
الفصل السابع عشر
الفصل الثامن عشر
الفصل التاسع عشر
الفصل العشرون والحادي والعشرون نفس الصفحة
الفصل الثاني والعشرون
الفصل 23، 24 نفس الصفحة
الفصل الخامس والعشرون
الفصل السادس والعشرون
الفصل السابع والعشرون
الفصل الثامن والعشرون
الفصل التاسع والعشرون
الفصل الثلاثون
الفصل الحادي والثلاثون
الفصل الأخير



وفاء حمدان 05-10-19 09:54 PM

الفصل الأول
 

الفصل الأول:
نفضت لحافها عن جسدها المتعرق وجلاً لتنهض عن السرير و تتجه نحو النافذة فتفتحها على وسعها تعبُ من نسيم الليل الساكن و قد أمعن في دجنته.. ارتكزت بمرفقيها على حافة النافذة السفلية تتطلع للقمر و النجوم و السيارات المركونة في الأسفل.. لا يوجد بشر إلا القلة في هذا التوقيت.. لا شيء يرقى لأن يلهيها عن أفكارها، يجافيها النوم منذ أن بدأ ذاك الحلم ينغص سباتها حتى باتت تخشى النوم جزعاً من رؤياه.. تشعر به كما أنياب الذئب التي تنهش عقلها المغيب تحرمه سلوى الراحة.. في صغرها كلما جزعت من كابوس تذهب لوالدتها فتقصص عليها الأمر لينقطع عنها.. استطاعت والدتها أن تطرد الأحلام التي تزعجها ( فكرت متفكهة في نفسها ) لكن ما معنى هذا الحلم و لما يأتيها بتلك الصورة الواقعية حتى تشعر أنها تعيشه بالفعل؟ إن صدق الحلم و كان بالفعل رؤيا فهذا يعني أنها على شفير حدث سيقلب موازين استقرارها و يهد الأعمدة التي تسند حياتها الموحشة ( و هل يضير؟ ) تساءلت.. في أحيان قد يكون علينا أن نقلب حياتنا رأساً على عقب و نهد المعبد فوق رأسنا كما يقولون و بأيدينا كي نشعر بأننا نعيش و لسنا مجرد أرواح باهتة تعيش داخل أجساد تعمل بآلية مقيتة، تنهدت بسأم من تصارع الأفكار داخل رأسها و تمددت بجذعها على السرير تحاول استجلاب خدر النوم لعلَها تنام فيرتاح الفكر الهنيهة.

" بسم الله الرحمن الرحيم.. الحمدلله رب العالمين * الرحمن الرحيم * مالك يوم الدين * إياك نعبد و إياك نستعين * إهدنا الصراط المستقيم * صراط الذين أنعمت عليهم * غير المغضوب عليهم * ولا الضالين ".
مسحت وجهها براحتيها قبل أن تنحني و تستند بركبتيها على التراب لتنظف بيديها الحشائش الضارة و تغرس بعض شتلات الورد الزاهي و لسانها يلهج لهما بالدعاء بالرحمة و المغفرة.. ليس لهما الآن إلا الولد الصالح ليدعو لهما، جلست في المسافة الضيقة الفاصلة بين القبرين و هي تنفث أنفاسها الحارة بأسى.. قد أعيتها الوحدة.. و أسقمها التوق.. ليس لها للبكاء من سبيل فقد جفت المآقي منذ سنة كريتة و قبلها سنة اعتصرت عيناها كل ما فيها من دمع.. سنتان قد انقضيتا على فراق الأب و الحامي و الصديق.. سنتان كظيمتان تدثرت فيهن بدثار الحزن لا تخلعه.. كيف لها بنفضه عنها و قد استحالت حياتها لصحراء جرداء ممتدة لا غيث فيها و لا فيء.. هي لم تعي وفاة والدتها إذ كانت من العمر القصير لئلا تتذكر أي من تفاصيلها.. مع هذا كانت تأتي لقبرها كل حين تدعو لها و تحادثها و تخبرها كيف مضت عليها الأيام.. أما الآن فهي تكاد أن تحرث طريق المقبرة من كثر زياراتها.. لا تقوى على الفراق و لا على البعد.. كما كان يقول لها والدها دوما
" إن في الاشتياق شقاء " و قد صدق، شرعت تحدثهما و تخبرهما تفاصيل أيامها من آخر زيارة لها منذ أيام.. سردت و اشتكت.. تنهدت و هزأت ثم خصت والدتها بالحديث و هي تحدثها عن الحلم الذي يشج مأمن منامها منذ عدة ليال مضت و كل ليلة من حينها.. تأمل أن يحدث ما حدث كما السابق و ينقطع الحلم ما أن تسرده على والدتها..تحدثت حتى أنهكها الحديث فآثرت أن تشارك القبور صمتها، لم تعي على نفسها حتى التقطت عيناها حارس المقبرة لتوقن أن الشمس قد أوشكت على المغيب.. هذه عادته يتركها تختلي بالأموات حتى يقترب الغسق فيظهر نفسه بإشارة أن قد حان وقت المضي، نهضت عن مقامها و نفضت ثوبها لتتجه إليه و خيال ابتسامة يتشكل على ثغرها.. تشكره اهتمامه و تنقده بعض المال ليبالغ في الاعتناء بالزرع حول القبرين.. فالأموات يسلمون بالزرع.

قادت سيارتها باتجاه سكن الطالبات الذي تقيم فيه منذ سنة و نصف.. صمدت ستة أشهر في منزلها مع ذكرياتها و والدها و قاومت و حاربت وساوس الحزن دون جدوى و بالرغم من إلحاح عمها نزار للإقامة لديهم لكنها رفضت بشكل قاطع.. لن تكون عبئاً على أحد.. تعلم أن صديق والدها و أخيه في الدنيا لن يعدها عبئاً لكنها لم تكن لتستطيع أن تشعر بشعور أهل الدار لا الضيف.. مهما كان لن يكون بيتها و هو لا يربطه بها رابط الدم حتى لو كانت متهدلة في زمننا هذا.. فاختارت المكوث في إحدى الشقق السكنية لدى بناية الطالبات المغتربات كحل مهادن، ترجلت من سيارتها لتلج من مدخل البناية و منها إلى المصعد فشقتها المتواضعة.. أغلقت الباب بإحكام قبل أن ترمي المفاتيح بلا مبالاة للمنضدة المجاورة للباب و من ثم كان الاستحمام هو أجمل الحلول لنفض غبار الوهن عن جسدها.
استقرت على فراشها الوثير و هي تموضع الحاسب المحمول على ساقيها الممدودتان و شرعت تقلب بالصفحات على شبكة التواصل الاجتماعي ( الفيس بوك ) بسأم حتى التقطت عيناها صفحة مخصصة للمشاكل الاجتماعية و التي يسرد فيها الشخص مشكلته بشكل سري دون إظهار شخصيته الحقيقية و للمفارقة فقد كانت الصفحة تختص بالغالب بمشاكل الشعب المصري.. أمضت قرابة الثلاث ساعات و هي تقلب بالمشاكل تقرؤها بصمت تارة و بتعليق لاذع أو مواسٍ تارة أخرى حتى أكل منها التعب مأكله لتحرك رقبتها تفك تشنجها المقيء قبل أن ترمي برأسها للخلف ساندةً إياه على وسادتها الموضوعة بشكل قائم و شرعت تفكر بحياتها و وحدتها مرة أخرى.. دخولها لهذه الصفحة ما كان إلا اشتياقاً لحياة و عائلة لم تعرفهم قط.. هم من تبقى من أهلها لكن... و آآآه من تلك الـ لكن.. هناك جدران عازلة و سياج صاعقة تمنعها من الاقتراب من تلك المنطقة المحرمة " أهل والدتها " الذين تنكروا لوالدتها بعد أن اختارت أن تعيش.. فقط تعيش.
عادت تحدق بشاشة الحاسب و هي تبث المزيد من مشاكل الأعضاء تقرؤها بشرود و فكرة واحدة تلوح بأعلامها في ذهنها.. و في لحظة شجاعة منها أجلت رهبتها و ارتدت عباءة الإقدام لتنقر بأناملها على الحروف مشكلة منها مشاركة على تلك الصفحة.



مضت الأيام بروتينية معتادة بين دوامها في المصرف و اعتزالها الأنام في الركن الصغير في شقتها الذي خصصته لكتبها.. تقرأ و تنهم الكلمات و الأفكار.. تجد فيها خلاصة الحياة و ارتقاء الروح.. ثم تحادث صديقتها بيان و التي هي بمنزلة الأخت وقد ابتدأت صداقتهما في المرحلة الإعدادية لتمتد و تشتد كما الوتد حتى أنهوا المرحلة الجامعية سوية و قد تخرجا من نفس التخصص.. علاقة أخوة لا تتكرر كثيرا في هذا الزمن و هي تحمد ربها دوما على وجودها في حياتها.. و كما هي العادة هاتفت نور صديقتها تبثها حزنها و تقصص عليها ما فعلت في تلك الليلة أمام شاشة الحاسب و بالتالي قرارها الذي اتخذته لتؤازرها بيان بالرغم من بعض الخوف و التوجس لكنها تعلم أن صديقتها لابد لها أن تهزم أشباح الماضي و تحاول التعرف على أهلها ففي نهاية المطاف هذه هي الحقيقة الساطعة كما الشمس.. هم أهلها، و كعادة كل يوم جمعة هاي هي ترتشف كوب الشاي في منزل عمها نزار بعد وجبة غداء عامرة من صنع يدي زوجته سارة.
يناظرها بتحسر.. فتاة في عمر الزهر تذوي أمام عينيه دون حول منه لانتشالها من عزلتها و هوان روحها عليها.. روحها التي جفت و احترقت بعد وفاة والدها و من قبله جديها لتذروها الرياح رماداً في كل اتجاه.. تنهد يستجمع قوته ليعيد على مسامعها نفس السؤال المكرر:
- لمتى يا نور حبيبتي؟
رفعت كلا حاجبيها و ابتسامة متعبة شكلتها شفتيها لتجيب سؤاله بسؤال:
- ما مليت من هالسؤال عمي؟
حافظ على ثبات قسمات وجهه و نظراته و هو يجيبها بحزم:
- ما راح أمل يا نور.. هاي وصية أبوكي إلك إنك ما تغرقي بالحزن.. إنتي هيك بتعذبيه بقبره مش معنى إنه الأموات مش عنا بطلوا يحسوا فينا.. أقل ما فيها أوفي بوصيته و ما تدفني حالك بالحزن، بعدين تعالي جاي.. إنتي حتى جيزة رافضة تتجوزي و الأسبوع الماضي رفضتي العريس اللي أبصر شو رقمه.. لمتى يعني هالحالة؟
أسندت كوب الشاي إلى المنضدة و همت أن ترد على هجومه ليقاطعها بإشاحة باترة من يده مردفاً:
- لا تعيديلي اسطوانتك المحروقة إنه لو همي متعبك و الا لو متضايق من وجودي بحياتك ببعد و الخرابيط هاي.. إنتي بنتي و بخاف عليك زي ما بخاف على أولادي.. فالله يرضى عليك يا بنتي هونيها و افتحي قلبك خلي النور يدخله.
أسندت رأسها للخلف تناظر السقف بشرود و لم تشعر بسارة التي جاورتهم بجلستهم و بعد ثوانٍ صامتة نطقت بآخر شيء توقع في جحيم كوابيسه أن تنطق به:
- بصراحة انا صارلي مدة بفكر أروح أزور أهل أمي في مصر.
هب نزار واقفا و عيناه قد جحظتا بشكل مخيف ليهدر بها موبخاً:
- انتي انجنيتي.. أنا بقولك إعقلي و شوفي حياتك اتزوجي و جيبي أولاد و عيشي حياة طبيعية و بالأخير جاي تقولي بدي أروح عند اهل أمي؟!! إنتي بتعرفي إنهم أهدروا دم أمك و اتبروا منها.. كيف بدك تروحيلهم و شو متوقعة تلاقي عندهم غير الطرد و قلة القيمة.
ضرب الكف بالكف و هو يتلفظ بكلمات تدل على قلة حيلته و طلبه العون من الله لإقامة عقل صغيرته الذي حاد عن طريق التعقل، التفت إليها بعينين ترسلان شرارات اسودت من شدة احتراقها ليقول محتدا:
- بتعرفي يا نور انتي عاملة زي شو؟ عاملة زي اللي كفر بالنعمة.. جحد بالجنة بعد ما نفسه سولتله إنه بالضفة التانية في جنة أجمل و هو عارف إنه في احتمال جدا قوي ما يلاقي غير الجحيم لكن شو بدك تقولي بنفس البني آدم.. ما بيرضى بنصيبه!!
عقدت حاجبيها و هي تنظر له باستنكار من الهجوم الذي شنه عليها لتقول بتأنيب:
- أنا كافرة بالنعيم يا عمي؟؟ هاد رأيك فيي!! لعلمك مرات الصبر على النعيم بيكون أشد و أصعب من الصبر على القحط.. ثانيا شو هاد النعيم اللي بتحكي عنه؟! أنا بدي يكون إلي أهل و عزوة ليش أحرم حالي منهم و هم موجودين .. المنطق بيحكي انه الواحد المفروض يخوض التجربة حتى لو فشل فيها بالأخير مشان يطلع من خطية حاله و لا إنه يمضي فيه العمر لحد ما يتمنى يرجع فيه و يعمل اللي كان نفسه فيه...و ما تفهمني غلط يا عمي إنت بمقام الوالد صحيح بس كمان في حسرة بقلبي إنه إلي أهل و مش قادرة أقرب منهم.. اللي إنت خايف منه اندفن من زمان و الزمن كفيل إنه ينسي الناس أحقادهم و أنا عم براهن على هاد الإشي.
لم تخبره عن مشاركتها قصتها ضمن صفحة مشاكل على الفيس بوك.. ببساطة هو لن يفهم.. هي بحاجة لمشورة موضوعية من أناس خارج إطار الصورة أما عمها نزار فشهادته ستكون مجروحة و ضغائنه القديمة هي ما ستحركه لتحجب عنه رؤيا تصدع روحها الجافة و التي تبتغي ارتواءً لن يكون هو أهل له للأسف، قد قصت عليهم الحكاية ابتداءً من والدتها و اجبارها على الزواج الذي هربت منه لحياة من اختيارها و أنهتها بتعبيرها عن مشاعر الوحدة التي تتلبسها لتأتيها أغلب الردود أن إذهبي لأهلك حتى لو صدوكِ أول مرة و ثاني مرة.. هم أهلك أولا و آخرا و انت دمهم و عرضهم.. بالنهاية سيرضون و لا تتخاذلي حتى يمضي بك العمر و تتمنين لو أنك أخذتي تلك الخطوة من قبل و تندمين على الوقت الذي فات دونهم بالنهاية لست أنت الملامة على ما حدث بالماضي، إلا أن بعض الردود كانت تجحم عزيمتها و هم يحذرونها من الذهاب فقد يقتصون من فعلة والدتها بشخصها هي و حتى إن لم يفعلوا.. هم لن يتقبلوها أبداً لكن بالنهاية هي حسمت أمرها.. هي مستعدة للمجازفة و دخول غمار الحرب لتقتنص حقها في حياة سوية في كنف عائلتها ، كانت غارقة في تفكيرها غافلة عن نزار الذي يراقب توتر خلجات وجهها ليجفلها من سرحانها بقوله:
- شكلك مبيتة الموضوع من زمان و ماخدة قرارك .. طب لشو جاي تساليني؟ و الا بتبلغيني رفع عتب؟!
نظرت بحب ترافقها ابتسامة حنونة لتقول تحاول استدرار عطفه:
- ما عشت و لا كنت يا عمي.. إنت تاج فوق راسي و كلمتك سيف على رقبتي.. بس بدي تفهمني أنا في جواتي شوق مش قادرة أفسره لأي شي من ريحة أمي.. بحياة والدي فتحت الموضوع مرة معه و كان رده رادع شديد اللهجة بس الموضوع ما غادر بالي و لهلأ و هي أمنية حابة أحققها بغض النظر عن نتائجها.
كان التدخل هذه المرة من نصيب سارة التي قالت من وجهة نظر موضوعية غير متحيزة:
- و الله يا حبيبتي أنا بقدر أستوعب اللي بتحكيه و إذا هالموضوع عم بيلف و يدور براسك خلص روحي و جربي مشان يرتاح بالك و نقلع هالموضوع من شروشه.. و يا عالم يمكن فعلا يتقبلوك و يعوضوا فيكي فراق بنتهم.
قالت كلماتها و هي تنظر لزوجها ترسل له رسالة مخفية " أن لا تخسرها بتعنتك ".. زفر نزار أنفاسه بصوت مسموع قبل أن يتسغفر ربه و يلتفت لنور و يقول ببتر:
- " خلص حبيبتي.. إذا إنك مصممة بنروح أنا و اياكي على مصر و بنزور أهلك و بنشوف شو ميتهم ( مياههم ) بس ( شدد على الكلمة ) مشان يرتاح مخك من التفكير و بلكن تغيرت نفسيتك و طلعتي من جو الحزن اللي دافنيتلي حالك فيه.
ابتسمت نور باتساع و هي تغمزه بشقاوة قبل أن تلتقط طبق الحلويات من أمامها و تقطع منه بالشوكة و تقدمها لعمها ليحرك رأسه للجانبين بقلة حيلة مفوضاً الأمر لله قبل أن يتلقف اللقمة بفمه.. و ما أن تأكدت نور أن فمه أصبح ممتلئاً .. ألقت بما تبقى في جعبتها:
- عمي أنا بدي أروح لحالي.. مش حابة يحسوا إني متخوفة منهم فجبت وصي علي.. غير هيك أنا بعرفك راسك حامي و ما راح تتحمل منهم كلمة لكن انا بالي واسع.. فتوكل على الله و خلي المركب يمشي.
انتابته نوبة سعال بعد أن كاد أن يغص بلقمته لتسارع نحوه زوجته بكأس من الماء و تنحني بجذعها مقربةً شفتيها من أذنه تسرَه :
- شوي شوي عالبنت ما صدقنا متى بلشت تبتسم و تحكي من قلبها.. خلص خليها براحتها و احكي مع احمد يتابعها.
غمزت له ليبتسم لها بحب و امتنان.. يشكر الله دوما أنه رزقه حبها و السكن إليها.. زوجته قرة عينه و المنارة التي ترشده سواء السبيل حين يشعر أنه على أعتاب أرض الظلمات.
وزع نظراته بين وردتيه قبل أن يثبتها على الوردة الذابلة ليقول قوله الأخير:
- ماشي أنا مش راح أضغط عليكي.. بس مش معناته إني أتهاون كثير يعني من الآخر إذا بدك تروحي على مصر بتروحي بالأول عند عمك أحمد هناك و بتقعدي عندهم و أنا بحكي معه مشان يجيبلك عنوان أهلك و بخليه يتابعك .. و بالله عليكي يا بنتي إسمعي كلمته و ما تشتغلي من شور راسك أي حركة بدك تعمليها بتبلغينا فيها بالأول و بتشاورينا.. و هاد آخر حكي عندي.
طوال حديثه كانت تكتم هي ضحكاتها من حمائيته الشديدة عليها.. ليته كان عمها بحق لكانت ارتمت في التو في أحضانه تنشد حنانه الوافر.. أومأت له بركازة و هي تشير بإبهامها على عينيها برسالة ( من عيوني ) ثم وضعت كفها على رأسها لتختم بـ ( كلامك على راسي من فوق ).
و بهذا قد كان لها ما أرادت.

قبل رحيلها توجهت بزيارة وعد باللقاء لقبري والديها.. وعدت والدها بالحكمة و الصبر و تأسفت لكسر وصيته بالابتعاد عن ذاك الطريق وتأملت تفهمه كما سابق عهدها به.. لتنقل بصرها لقبر والدتها و هي تعدها أن توصل سلامها و حنينها الذي استمر معها لآخر نفس في صدرها.

تجلس في المقهى المخصص للمغادرين في المطار بانتظار إقلاع الطائرة للأراضي المصرية.. تبتسم كل حين حتى بدت كمن مسه طيف من الجنون للناظرين و هي تتذكر تمسك عمها نزار بيدها لا يبتغي إفلاتها حتى اضطر إبنه أمجد و الذي يصغرها بعامين أن يفك تشابك الأيدي بالقوة ليتسنى لها المغادرة.. تذكر توصياته و كلماته المحذرة و نصائحه و تأكيده أن تتصل به لدى أي مشكلة تواجهها ليحجز على أول طائرة مغادرة إليها على الفور.. كم هي محظوظة بوجودهم في حياتها.. بالرغم أن لا صلة دم تجمعهم لكن وصل الأرواح و الزمن المشترك مع أبيها أكثر غلظة من وصل الدم.. قد كان " أخ دنيا " بحق لوالدها.
ارتشفت القليل من مشروب النسكافيه الذي طلبته و أخذت تقلب بصفحات دفتر قديم بين يديها " مذكرات والدتها " كانت والدتها حريصة أن تكتب كل تفاصيل حياتها بعد ان اكتشفت مرضها.. و أصرت أن تنهي معظمه قبل أن يشتد سقمها فلا يتبقى لها من كتابة سوى خطوط النهاية.. أخبرتها عن طفولتها.. بلدتها .. أهلها .. جامعتها.. لقاؤها بوالدها و رسائله إليها التي أودعتها داخل المذكرات يحتضنها شريط قرمزي باهي اللون وقتما لم يكن يمثل لوالدتها سوى عاشق مجهول.. حبهما السرمدي الذي تحدى المستحيل ليثمر عنها " نور".. أمها انتقت الإسم لتكون طفلتهما منارة لوالدها و هي متيقنة أنه سيخطو نحو الظلام ليلفه السواد برحيلها و قد أكد لها ذلك بأكثر من مناسبة حين كان يحثها أن تحارب لتبقى من أجله معترفاً أنه و بكل فخر أناني في حبها.. لكن ليس لنا من أمر الله شيء فلتكن ابنتهما النور الذي ينتشله من هلاك الروح قبل الجسد.
أسندت خدها على قبضتها المضمومة و كوع ذراعها يستند إلى الطاولة و الذكريات تسحبها للبعيد.. لسنوات عمرها الأربع و العشرون أو لنقل من الوقت الذي بدأت تعي فيه الأمور من حولها و تختزن بذاكرتها مشاهد الحياة.. طفولتها في كنف والدها و جديها رحمهم الله.. كم كانوا رحماء بها و أغدقوا عليها بالحب و الدلال.. أباها الذي اعتزل النساء و فكرة الزواج من بعد والدتها مكتفيا بذكراها تؤنسه في لياليه الموحشة.. كدَ و اجتهد حتى أصبح من أرقى جراحي الدماغ و الأعصاب في الأردن.. حياته كانت طفلته و والداه و عمله.. حتى اختارهما الله تباعاً كأن قدر فراق الأحبة هو نصيبه من الدنيا.. لكنها كانت هناك تشد عضده و تقيم هامته ما أن تلحظ انحناءها.. تشتاقه و لا تعلم كيف ستمضي بعزيمة رغم نصل التوق المغروس في فؤادها.. هطلت عبراتها برقة من عينيها الزرقاوين كما والدها و هي تتذكر كيف كان دوما يناكفها في صغرها بأنها قد سرقت عيناه فيركض خلفها مرعباً إياها أنه سيسترد عيناه منها لتتلقفها احضان جدتها الرؤوم و هي تنهر ولدها عن إخافته إياها.. تنهدت بحسرة على أيام لن تعود.. فالحمدلله على الذكرى لتكون ونيسنا حين يشتد صقيع الحزن بقلوبنا.
تفاصيل الحلم عادت تهاجم وعيها بضراوة.. تقف على حافة هاوية سحيقة تنظر للأسفل المظلم لتخطو بكامل إرادتها لما بعد الحافة و من بعدها يأتي السقوط الذي لا يكتمل و تلك اليد تقبض على كفها تبتغي انتشالها دون أن تتبين صاحبها.. استغفرت ربها بسرها تحاول نفض ذكرى الحلم عن ذهنها لما يتركه من أثر قاسٍ في روحها، هل يعقل أنها رؤيا لما هو قادم و ما ينتظرها لدى اهلها في مصر؟! أليس قد مات ما فات؟ ربما لا ( فكرت مستهزئة ببراءة أفكارها ) السواد الأعظم من البشر لو ماتوا مئة مرة فكل مرة يبعثون فيها سينقبون خلف أحقادهم الآزلة.. ينشدون الثأر و يطلبون القصاص لا يقربهم طيف النسيان.. صدق من قال (الأسى لا ينتسى) يتشدق البشر بالرحمة و يمننون بها و يستسهلون القسوة و يغالون بها.
هل تعيب أو تلوم والدتها على فعلتها.. تتذبذب بين الصوتين.. صوت يخبرها أنها قد خانت عهدها مع أهلها و دفست رؤوسهم في التراب كما النعام لا يرجون من بعد مقترفها ضياء شمس.. و صوت يصر أن أحيانا في الهروب الخلاص.. الهروب قد يحتاج إلى شجاعة تفوق المواجهة بمرات.. ألا يقولون ( الهريبة ثلثين المراجل ) خاصة و هي كانت بين خيارين أحلاهما علقم و الآخر شوك من زقوم.. أن تطأطئ رأسها و هي تقف على حافة البئر السحيق تنتظر أهلها و عزوتها ليركلوها لغياهب الجب أم تختض و تزأر نافضةً عباءة الخنوع و ثوب الجواري لتبعد الجميع عن دربها و تطلق ساقيها للريح العتية تبتغي حياة كريمة حتى لو انتقصت منها قرب أهلها.. ربما لو كانت مكانها لمضت في نفس الدرب و لو كان فيها فراق الأهل.. لا تعلم ربما!!
أمامها مهمة مستحيلة.. لا تعلم لأي حال أصبح جدها.. هل ما زال حيا.. فظاً غليظ القلب كما سمعت عنه أم قد طوعت قلبه السنون ليشق نور الرأفة عنفوانه؟! الله المستعان على ما هو آت.

وصل لمسمعها التنبيه بالتوجه نحو البوابة المخصصة للمغادرين إلى جمهورية مصر العربية.. التقطت حقيبتها الصغيرة بيدها و بيدها الأخرى تقبض على ذكريات والدتها المخطوطة لتمضي نحو بوابة الطائرة بخطوات متحمسة و رهبة باردة تدغدغ حواسها فتشعر أنها على وشك أن تبدأ مغامرة من نوع جديد.. ربما بداية جديدة ستكتب في كتاب حياتها.. أو الأروع نهاية لحكاية غضب و حقد قديمة قد آن الوقت أن تكتب كلمات النهاية لها.



غدا يوم اخر 06-10-19 07:24 AM

تحمست علي القصه هل تقابل شخص يمنعها من الذهاب الي اهل والدها ام شخص يعتني بها وهي فاقده الذاكرة فالسواد حق مجهول
ومتشوقه لمتابعة التكمله

وفاء حمدان 06-10-19 08:14 AM

اقتباس:

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة غدا يوم اخر (المشاركة 14524560)
تحمست علي القصه هل تقابل شخص يمنعها من الذهاب الي اهل والدها ام شخص يعتني بها وهي فاقده الذاكرة فالسواد حق مجهول
ومتشوقه لمتابعة التكمله

حبيبتي ما هاتفقد الذاكرة.. الجزء الأول قصة والدة نور اللي هربت من اهلها بعد ما كانوا بدهم يزوجوا لوأد الثأر و اتزوجت اللي بتحبه الطالب الاردني و سافرت معه الاردن و اهلها اتبروا منها و حكوا انها ماتت.. بهاد الجزء هانشوف قصة بنتهم و كيف هاتوصل لأهل امها و شو العقبات.. جزيل الشكر عزيزتي

غدا يوم اخر 06-10-19 08:35 AM

اعرف ان سهام امها بس يمكن يصيرها حادث ويستغلها اهل امها مذا
والله الموقف صعب لما يقولو بنتهم ماتت وتطلع لها بنت بيطلع فضيحة في الصعيد

حنان الرزقي 06-10-19 08:57 AM

السلام عليكم احداث حزينة ومربكة ومشوقة للمتابعة ممكن رابط الجزء الاول من فضلك

وفاء حمدان 06-10-19 09:38 AM

اقتباس:

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة غدا يوم اخر (المشاركة 14524606)
اعرف ان سهام امها بس يمكن يصيرها حادث ويستغلها اهل امها مذا
والله الموقف صعب لما يقولو بنتهم ماتت وتطلع لها بنت بيطلع فضيحة في الصعيد

فعلا هاتكون فضيحة بس المشكلة ما هاتكون بس بالفضيحة.. انتظري المزيد من التشويق

وفاء حمدان 06-10-19 09:40 AM

اقتباس:

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة حنان الرزقي (المشاركة 14524623)
السلام عليكم احداث حزينة ومربكة ومشوقة للمتابعة ممكن رابط الجزء الاول من فضلك

من عيوني..
https://www.rewity.com/forum/t432532.html

modyblue 06-10-19 12:54 PM

في أحيان قد يكون علينا أن نقلب حياتنا رأساً على عقب و نهد المعبد فوق رأسنا كما يقولون و بأيدينا كي نشعر بأننا نعيش و لسنا مجرد أرواح باهتة تعيش داخل أجساد تعمل بآلية مقيتة،

modyblue 06-10-19 01:24 PM

إن في الاشتياق شقاء


الساعة الآن 10:03 PM

Powered by vBulletin® Version 3.8.9
Copyright ©2000 - 2020, vBulletin Solutions, Inc.