آخر 10 مشاركات
سينابون(91) ج2 -قلوب شرقية -للمبدعة: نرمين نحمدالله(مميزة)-{كاملة&الروابط} (الكاتـب : نرمين نحمدالله - )           »          94 - أنين الساقية - اليزابيث غراهام - ع.ق (الكاتـب : pink moon - )           »          لست بريئة (6) *مميزة & مكتملة*... سلسلة قلوب منكسرة (الكاتـب : هند صابر - )           »          قلبه لا يراني (130) للكاتبة: Kim Lawrence *كاملة مع الروابط عيدية عيد الفطر المبارك* (الكاتـب : Gege86 - )           »          منصة_كروكي_عمان_أول_منصة_شامله_لكل_ما_يختص_بالxxxx ات (الكاتـب : الشهاب القاتم - )           »          تبكيك أوراق الخريف (4) *مميزة ومكتملة*.. سلسلة للعشق فصول !! (الكاتـب : blue me - )           »          دين العذراء (158) للكاتبة : Abby Green الفصل الثالث (الكاتـب : nagwa_ahmed5 - )           »          للتحميل كتاب الشفاء بتدليك القدمين - دنيس لامبولاى...العلاج بالريفوكسولوجى (الكاتـب : Dalyia - )           »          قلوب مشتعلة (1) .. *مميزة و مكتملة* سلسلة الروح وما تهوى (الكاتـب : jasmine - )           »          آلام قلب (70) للكاتبة: كيم لورانس .. كاملة .. (الكاتـب : * فوفو * - )


العودة   شبكة روايتي الثقافية > قسم الروايات > منتدى قصص من وحي الاعضاء

Like Tree18581Likes

إضافة رد
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 29-03-20, 11:26 PM   #2301

bella vida
 
الصورة الرمزية bella vida

? العضوٌ?ھہ » 336887
?  التسِجيلٌ » Feb 2015
? مشَارَ?اتْي » 392
?  نُقآطِيْ » bella vida is on a distinguished road
افتراضي


الفصل٢٩
كالعاده انبهاري واعجابي بيكي بيزداد كل يوم كانسانه بتستخدم قلمها لإحياء قيمه أو توعيه إذا كان الجزء الاول من شظايا ملئ بالأمراض المجتمعيه المتقحيه إلا أن الجزء التاني علاج لكل ما سبق علاج أساسه علاقات دم لا انفصام فيها العلاقات الاسريه كانت الداعم والساعد والقوى لترميم كل جروح وندوب الماضي
علاقات اخويه وعائليه حقيقيه وليست مجرد علاقات زائفة.
هناء ومريم
علاقه روحيه خالصه أساسها الحب والاخلاص كلاهما كانت طوق نجاه الاخره في أزمتها .
الحياة قصيره والموت ليس له ناقوس الموت يأتي ولانستطيع أن نوقفه فالماضي أما ننمحه غفرانا أو نطويه بلارجعه .
فكان ندم مريم على عدم الغفران وندم هناء على منحها غفران لنفسها و لاهدار حياتها وحياة أسرتها الصغيره.
نزار الهوى
إدراكه ان انتماء واحتواء الأم ليس له أي بديل مهما كان رونقه ولمعانه وأن حنان وسماح الأم لاينضب أبدا.
جوان ونضال
علاقه مرت بالكثير من الصعود والانحدار ولكن أساس تقويم العلاقه كان بدايه من الإعلان عن والزواج والاندماج مع أسرة نضال اندماج كان نواه لتحرر جوان من كل إثم الماضي و ويلاته أسرة احتوت الكنه كابنه حبا للابن وسعيا لجعل السعاده عنوان لحياته.
إيهاب وممدوح
حميه إيهاب لأهله كانت الدافع لمساعده ممدوح كنوع لمحاوله مساعدته وحمايه لأسرته الصغيره من اي ألم أو حزن .
لورين
والبداية من جديد مع أسرتها المحبه والمحتويه لكل ماضيهم وآلامهم والبدايه مع شريك قوي متفهم ومحتوي ولكن الماضي كان بالمرصاد لكل اللحظات السعيده


bella vida غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 29-03-20, 11:37 PM   #2302

moon00

? العضوٌ?ھہ » 462838
?  التسِجيلٌ » Mar 2020
? مشَارَ?اتْي » 9
?  نُقآطِيْ » moon00 is on a distinguished road
Elk

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته شـكــ وبارك الله فيك ـــرا لك ... لك مني أجمل تحية . موفق بإذن الله ... لك مني أجمل تحية .

moon00 غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 29-03-20, 11:41 PM   #2303

aber alhya
 
الصورة الرمزية aber alhya

? العضوٌ?ھہ » 456141
?  التسِجيلٌ » Oct 2019
? مشَارَ?اتْي » 351
?  نُقآطِيْ » aber alhya is on a distinguished road
افتراضي

مبدعه حبيبتي تسلم ايدك⁦❤️⁩⁦❤️⁩⁦❤️⁩

aber alhya غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 29-03-20, 11:56 PM   #2304

moon00

? العضوٌ?ھہ » 462838
?  التسِجيلٌ » Mar 2020
? مشَارَ?اتْي » 9
?  نُقآطِيْ » moon00 is on a distinguished road
افتراضي

رااااااااااااائعة[/U]

moon00 غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 30-03-20, 12:04 AM   #2305

Um-ali

? العضوٌ?ھہ » 456412
?  التسِجيلٌ » Oct 2019
? مشَارَ?اتْي » 41
?  نُقآطِيْ » Um-ali is on a distinguished road
افتراضي

تسلم ايدك يا نوارة الفصل جميل

Um-ali غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 30-03-20, 02:07 AM   #2306

Ayaomar

? العضوٌ?ھہ » 424413
?  التسِجيلٌ » May 2018
? مشَارَ?اتْي » 66
?  نُقآطِيْ » Ayaomar is on a distinguished road
افتراضي

#شظايا_القلوب
#الفصل_الثامن_و_العشرون
#بدور_اياب
ملكه الفصل كله كل مشاهدها مع اياب كل حركه كل كلمه بتقولها ليها صدي في قلوبنا كلنا
أم تشعر بالغربه مع ابنها الذي كبر وتربي بعيد عنها ليأتي ولايعرفها فقط مجرد امراه يراها تبكي من غير سبب تتدفق مشاعرها فقط له تحتضنه حضن قوي وكانها تعتصره تشم رائحته التي افتقدتها طوال هذه الفتره وهو يقف غريب لايأتي برد فعل سوي البكاء لكي ان تتخيلي مدي الالم والوجع من ان يكون ابنك بين يديك وفي حضنك ولكن لايعرفك لايشعر بك لاينطق بابسط كلمه وهي ماما بل يقولها لشخص اخر استأثر بهذه الكلمه لها فقط بدور عاشت لحظات من الوجع بمجرد رؤيتها لابنها مشاعرها امتزجت بين الفرحه بعودته الي حضنها وبين الوجع والانكسار من عدم معرفتها حتي ومحاولاتها المستمره ليتقبلها الا ان رؤيه بكاؤه ونطقه لماما لتعود اليه اقصي درجات العقاب لها بدور اتعاقبت كتير من بدايه خيانه راشد لطلاقه لخطف ابنها من احضانها حتي هذه اللحظه التي لاتساوي من العقاب شئ لعلها تسامح فيما حدث في السابق الا ان تري ابنها وهو لايعلم عنها شئ فهو اقصي عقوبه تواجهها وذلك ماجعل رد فعلها مع راشد ولولا ابنها لما ذهبت اليه لما التقت به ولكن ارادت ان تشعره ان مافعله بها هو عقاب لاتتحمله أم حتي وان كانت افعالها ضرت الاخرين قبل نفسها
#سبنتي
عادت من جديد واصبحت بروح اقوي واثبتت للعائلع انها لم تنكسر ولم تهتز لمجرد كلمات كانت لها كالسيف ولما لاتفعل وهي ابنه راشد الذي لايرضي بالهزيمه سبنتي عادت وهى قادره علي مواجهه كل من مسها بكلمه او بنظره لم تكن تستحقها موقفها مع بدور لانها تشعر ان اياب فعلا يستحق امه وهي لاتريده ان يعيش مثلما عاشت بدون حضن ولذلك صممت انها تقدم اقصي المساعده ليتعرف عليها ويعرف انها امه بالتدريج
مواجههتها مع خالد لم تكن بالسهل هي اارادت الهروب من المواجهه ولكن كان لابد منها في يوم هي لم تتوقع ان تكون قريبه هكذا ولكن وقوفها امامه بشخصيه اخري فاجاته بها كانت لها صداها في نفسها ونفسه هي تعلم جيدا انها تحبه ولكن عليها ان تشعره انها خسرها ثم يحاول محاولاته من اجلها ستجعله يتذكر وعوده وكيف اخلفها وكيف لم يستطع التحمل كيفما فعلت
#سبنتي_شيماء
صداقه بل اخوات جعلت منهم لايفترقا حتي ولو بعدت المسافات بينهم استطاعت شيماء بمساعده سبنتي ان تجعل من نفسها هدف وطموح تصل اليه حتي حققته لم تجعل اعاقتها هزيمه لها سبنتي كانت هي الجدار التي استطاعت ان تستند عليه لتقف مره ثانيه
نور تسلم ايدك علي كل مشهد وكل كلمه اثرت فينا وجعلت مشاعرنا تتأرجح مابين الفرحه والحزن
انا بعتبر شظايا مش محرد روايه بتكتبيها وخلاص لأ هي ملحمه حقيقه جعلتنا نقف امامها بكل احترام وتقدير لابداعك وتألقك فيها


Ayaomar غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 30-03-20, 03:45 AM   #2307

Nor BLack
 
الصورة الرمزية Nor BLack

? العضوٌ?ھہ » 455746
?  التسِجيلٌ » Oct 2019
? مشَارَ?اتْي » 360
? الًجنِس »
? دولتي » دولتي Egypt
?  نُقآطِيْ » Nor BLack has a reputation beyond reputeNor BLack has a reputation beyond reputeNor BLack has a reputation beyond reputeNor BLack has a reputation beyond reputeNor BLack has a reputation beyond reputeNor BLack has a reputation beyond reputeNor BLack has a reputation beyond reputeNor BLack has a reputation beyond reputeNor BLack has a reputation beyond reputeNor BLack has a reputation beyond reputeNor BLack has a reputation beyond repute
¬» مشروبك   star-box
Rewitysmile7

الفصل الثلاثون ج1



إذهبْ..

إذا يوماً مللتَ منّي.. واتهمِ الأقدارَ واتّهمني..

أما أنا فإني.. سأكتفي بدمعي وحزني..

فالصمتُ كبرياءُ والحزنُ كبرياءُ

إذهبْ.. إذا أتعبكَ البقاءُ..

فالأرضُ فيها العطرُ والنساءُ.. والأعين الخضراء والسوداء

....................................

"هل يمكنك أن تحتضنني، دون أن تسأل عن ما حدث بالأمس القريب ؟!"

ابتسم بحنان وهو يفسح لها مكان بجانبه فاتحاً ذراعيه قائلا "وهل يمكنكِ أن تكفي عن محاولة أن تجعليني أراكِ فتاة كبيرة؟!"

اندفعت تجلس بجانبه سامحة لرأسها أن تميل متخذة من صدره سنداً ثم قالت بهدوء "أنتَ الوحيد الذي أريده أن يستمر في رؤيتي كبقة صغيرة بابا!"

أخذ نفساً عميقاً ويداه تربت على شعرها بحنو ثم سأل بهدوء "هل تعتقدين أني ظلمتكِ مرة أخرى بعودتكِ إلى هنا؟!"

ابتلعت ريقها بصعوبة قبل أن تقول برتابة "نعم، أنتَ فعلت هذه المرة، ولكن في الماضي لم تظلمنى لقد كان القرار حينها سليماً جداً يا أبي"

زفر بتعب وهو يقول "ولكنكِ ما زلتِ تعتقدين أني ظلمتها هي؟!"

اغرورقت عيناها بالدموع قبل أن تقول "لو رأيتها وهي تتوسل إياب بأن يسمح لها فقط بلمسه والتعرف عليه، تترجاه بانكسار أن يتقبلها، وقتها فقط ستفهم أنك جنيت علي كلاهما؟!"

"سَبنتي!!" قال معترضاً

وفهمت دون أن يتفوه بالمزيد، عندما ردّت بصوتٍ مكتوم "لم أقل أنك أخطأت في إبعادي وهو عن ذلك الهواء المسموم، أعلم جيداً أنها لم تكن لتصلح لتربية إياب في تلك الفترة، ولكن هي أم وما فعلته كان قاسياً جداً!"

"بدور ليست جوان يا سَبنتي!"

"ولكنها أم فُصِل عنها رضيعها رغماً عن إرادتها، تعلم جيداً أن ولائي الكامل لك، إلا في هذه النقطة.. سنظل أنا وأنت متضادين تماماً"

لا فائدة من مجادلتها، فرأسها اليابس لا يُقدم تنازل عن قناعاتها، لذا ما كان منه إلا أن يترك النقاش في أمر "زوجته السابقة" ويسألها مباشرة "يبدو أنكِ رأيتِ الأحمق، هل هذا سر اضطرابكِ بالأمس؟!"

شعر بتقبض أصابعها على ساعده بتشنج وتصلب جسدها بالرفض والغضب، قبل أن تهدأ سريعاً كأن شيء لم يكن وهي تقول بقسوة "أي واحد تقصد، إذ أني لا أتذكر أي أحمق قادر على أن يصيبني بالتوتر؟!"

حاوط جسدها بذراعيه أكثر ضاممها إليه بقوة معتذرة ثم قال بيقين "أنت تكذبين..؟!"

رفعت وجهها لأعلى تنظر لعينيه بقوة نمرة صغيرة وبأس شابة صنعت من رماد مراهقتها كيان جديد قبل أن تقول "الكذب على النفس في شؤون القلب يعني أن هناك جرح ما زال يئن واعتراف بأني ما زلت أحب... ورؤيته معها لم تؤلمني... أنا ما عدت موجوعة يا راشد، بالتأكيد هذا يعني أني تخطيته وبنجاح.. فأنا لم أكِنّ المشاعر لهذا الشاب يوماً!"

ابتسم في وجهها بتندر رافعا حاجبيه في علامة ساخرة، تعلم يقينا أنها غير موجهة إليها بالمعنى المفهوم، ولكنها تحوي بينها الكثير مما تعايشه معها، تمتمت وهي تعود لتستكين بين يديه "أنا وعدت نفسي قبل أي أحد منكم... خالد لن يكون جزء في قصتي أبداً"

أغلقت عينيها مانعة ارتجافة عنيفة زلزلت ما يسكن بين أضلعها في محاولة مستميتة لمحو إحساسها بأصابعه وباطن كفه التي ما زالت تشعر بها تحتضن وجهها، مذكرها بحضن يتيم متردد تخطى به الحواجز قديماً عندما أخبرها أنها نصفه الآخر الذي سيتوحد به ليعود لطبيعته الإنسانية.. دعسوقة بريئة وغبية وصدقته بطفوليتكِ.. ها هو قد وجد نصفه الحقيقي الذي اختاره له أبوه، نصفه الذي يشبهه وسيسانده, امرأة تستحقه كما أخبركِ ياسر الراوي وأنتِ في منفاكِ!!

لانا حميدة...

لم تشعر بتلك الدمعة التي شقت جفنيها المطبقين، متذكرة صمودها أمام انقلاب كيانه في حضرتها، قوتها أمام صدمته وهي تلقي سؤالها الميت عن هويته، الغبي هل كان يتوقع منها أن تأخذه بالأحضان, أن تتوسله، وتلاحقه كما كانت تفعل بطفولية في الماضي، هل اعتقد خالد الراوي بأنه لن يُمحى من حياتها ببساطة... وما فائدة أي من تساؤلها أو حتى ذهوله هو إذ من كان منحها الإجابة لم يكن هو مطلقاً، بل خطيبته الهادئة العاقلة التي تقدمت منهما تسحب يده من على وجنتها وتشبك أصابعه مع أناملها التي حملت حلقته الذهبية، ثم قالت بهدوء وابتسامة ناعمة رغم ذلك الجرح العميق الذي كانت تراه ينزف داخل حدقتيها "أخوكِ، هل هناك فتاة تجهل أخاها الذي تربت معه في منزل واحد؟!"

كادت تضحك منقلبة على ظهرها من وجه خالد الذي نظر إلى وجه لانا فجأة وبدون إنذار، وكأنه كان مستغرقا داخل حلم طويل، واستيقظ دفعة واحدة على كابوس أسود داخل واقعه...

أومأت ببساطة شديدة وهي تبتسم في وجه لانا ثم قالت "اعتذر منكِ لوقاحتي لانا، ولكن أنا ليس لديّ أخوة، وإلا ما كان تم محو كل ذكراه كما هيئته من عقلي؟!"

ابتلع خالد ريقه بعنف بينما بدا متخبطا وهو يقلب نظراته بينهما، وهي لم تكن لتبقى سامحة بإهانة نفسها بل همّت بمغادرة كليهما وتركهما وراء ظهرها... ولكنه أوقفها وكأنه يتحرر في سطوة حضرتها بقسوة فراقها من جديد، ليجد صوتاً يعبر به عن نفسه "سَبنتي انتظري... أنا....!"

كانت تشعر بيده التي تجرأت لتمتد ناهشة كتفها من جديد، بنبرة صوته التي خبأت التوسل بين طياتها كنغمة موسيقية حزينة تلعن الفراق من بين حروفها... دفعت نفسها دفعا للتقدم والبعد غير سامحة له بأي تماس... ولا لم يكن لها هي الرد الحاسم الرادع تلك المرة بل لتلك الزوجة الكاملة، التي اختارها دون أي ضغط كما علمت وارتبط بها بإرادته الحرة كما توقن "خالد يريد الاعتذار منكِ يا سَبنتي، سامحيه لم يقصد التطاول، ربما هي فقط صدمة اللقاء بعد طول غربة؟!"

كانت قد وصلت عند الباب الكبير، عندما التفت من وراء كتفها تنظر لكليهما باستخفاف وقالت "ليست أنا من تحتاج للاقتناع بهذا، صدقيني لانا كلاكما كالماء البارد بالنسبة لي.. طابت ليلتكِ يا طبيبة"

وبابتسامة رقيقة متمكنة كانت تركب السيارة وتغادر تاركة وراءها كومة رماد تعبث بها رياح أشجار حديقة آل الراوي... رماد فارسهم الذي احترق لتوه دون أن تمسها نيرانه كما كانت تتوهم...

دخل نضال إلى صالة التدريب التي افتتحها عقب تخليه عن عالمه القديم في أعمال الحراسة، مبتعداً تماماً عن المجال، مكتفيا بذلك العمل الذي يدرب فيه من يريد تعلم حماية نفسه أو يساعد النشء الذين يؤهلون لتلك المسابقات الكبيرة في المصارعة أو الملاكمة، بمجرد دخوله كانت عيناه تبحث سريعاً عنه عالِماً بتواجده من خلال سيارته المركونة في الشارع...

خلع معطفه وعلقه.. نظر لأحد موظفيه وسأله بهدوء "منذ متى وهو هنا؟!"

هز الشاب كتفيه في تعجب ثم قال "لقد وجدته قبل أن افتح المكان، وهو لم ينزح عن كيس الملاكمة منذ ساعة على الأقل!"

تنهد بتعب وهو يومئ برأسه مقتربا من خالد بتثاقل لاعناً حظه الأسود الذي دائماً ما يدفعه في تلك الدوامة، رافضاً على ما يبدو خلعه من عائلة الراوي كما كان يتعشم، ظهر أمامه دون مقدمات ماسكاً الكيس من الأعلى مثبته أمامه, فرفع خالد رأسه يرمقه من بين قسمات وجهه المتعرق ودون أدنى كلمة كان يعود ليفرغ غضبه في ذلك الكيس بيديه العاريتين... استمر الصمت دقائق لا يسمع إلا تنفسه العنيف المرافق لتلك اللكمات الحادة، حتى قال نضال أخيراً بهدوء "أليس لديك عمل في هذه الساعة؟!"

ارتفع طرف فمه بتهكم بينما يقول "لا لم يعد لديّ، لقد عاد النمر، وقد منحه الأسد العجوز كل شيء حتى وهو بين تراب القبر!"

لم يبدو أي علامات للصدمة على وجه نضال مما دفع خالد أن يضرب الكيس لكمة عنيفة بعض الشيء مرفقة بصراخه "أليس لديك أي مشاعر مساندة لصديق نسيَ نفسه ليمنح والده ما يريد... أي تعاطف يا نضال؟!!"

قال نضال بهدوء وهو يبعد وجهه عن مرماه "لا.. إذ أنه تصرف نمطي من والدك!"

قال من بين أنفاسه "بالطبع هو كذلك، وأنا المغفل الذي اعتقدت أني منحته كفايته وطمأنته على وريثه؟!"

قال نضال "تعلم جيداً أنه لم يرك هكذا ولا يحق لك محاسبته لخوفه على إرث عائلته، لا تأخذ كلامي بمحمل الإهانة يا خالد ولكن المنطق يقول أنك لست مستعد لتحمل تلك المسؤولية بمفردك!"

قال بخشونة "لماذا طاردني إذن لأعوام... لما حمّلني كل الأمر وانسحب منذ انسحاب راشد تاركا كل شيء على عاتقي وحدي؟!"

قال بهدوء "ربما هذا صحيح، ولكنه كان يساندك في الخفاء، ويظهر علانية عندما تحتاجه، كان أبوك يحتاج خط دفاع آخر ليحمي ظهرك, إذ أنه على يقين أنه عقب موته ستظهر كل الحيتان الشرسة للفتك بك.. أنت رجل أعمال الآن وتفهم جيداً أن هذا العالم لا يرحم؟!"

ضربه أخرى منهكة كان يوجهها لهذا الكيس قبل أن يقول بضحكة مشحونة "هذا أن قَبِل راشد بالوصية.. لقد أعلن رفضه من اللحظة الأولى!"

ابتعد نضال ووقف في مواجهته عاقداً ذراعيه على صدره محدق فيه بتفرس قبل أن يقول "أنتَ هنا من أجل شيء آخر يرهقك، ولا يمت لذلك الإرث بأي صلة؟!"

تخلى عن ضرب ذلك الشيء أخيراً راحمه من عنفه، ثم ابتعد خطوة وكتفاه تتهدلان بألم قبل أن يقول بنبرة خالية من الحياة "كيف تستطيع أن تتجول متنقل بجسدك وعقلك تطارد المنطق وما يستوجبه عليك تفكيرك السليم، لتكتشف فجأة وبعد مرور الأعوام أن روحك ما تزال عالقة في سجن صنعته بيديك؟!"

قال نضال بنبرة ذلك الصديق المتفهم دون أن يحاول أن يلومه أو يجلده بعِظَم ذنبه "سجن يعود لجنية عابثة بنفسجية العينين؟!"

لقد كان متوتراً كما لم يره من قبل، محاصراً كما لم يكشف نفسه أبداً، عندما رفع يديه يفرك بها وجهه المتعرق كما جسده من أثر مجهوده الذي بذله ثم غمغم أخيراً بعصبية "كنت أعتقد أني نسيت، تحررت من أسرها لي وضربت بكل وعودي عرض الحائط بعدما تيقنت أنها غدرت هي الأخرى بوعودها.. لأجدني أقع في حفرة ليس لها قرار من جديد عندما لمحتها بعد طول فراق!"

صمت لبرهة قبل أن يقول بتهكم مرير "لقد ادّعت جهلها بي، بأني مجرد ماء بارد لا يعنيها، لقد رأت يد لانا تتشابك مع يدي كما كانت تفعل هي قديماً ولم يرف لها جفن واحد وكأنّ الأمر لا يعنيها!"

رمقه نضال بطرف عينه قبل أن يتوجه لجهاز حديدي يجلس على مقعده ببطء، ثم قال "هناك سؤال وجب عليك الآن إجابتي عليه؟"

فرك خالد رأسه بتعب ثم قال "لماذا ارتبطت بلانا، أليس كذلك؟!"

قال نضال "أنا لم أسألك أبداً واحترمت رغبتك وقرارك عندما أتيت تخبرني، لم تأخذ برأي صديق مقرب ولكن الآن وجب عليّ أن أفهم لأستطيع منحك إجابة مريحة؟!"

جلس خالد على جهاز آخر مقابلا له، قبل أن يقول ساخراً من نفسه "أردت تخطي الماضي بكل عثراته مع إنسانة أعلم أنها تحبني، فتاة جميلة من أسرة عريقة، تجمعها بعائلتي علاقة طيبة، كما أن والدها وقف بجانبنا في أزمتنا!"

قال نضال بجفاء "إجابة نمطية لا تعجبني، كما أن والدها وقف بجانبك بمقابل، ولم يفعله مجاني بدافع الشفقة!"

أغلق خالد عينيه بقهر لثوانٍ قبل أن يقول بنبرة مكتومة "الإجابة الأخرى لن تعجبك يا نضال... إذ أني أردت أن أنسى كل شيء، ان أؤسس أسرة أرغب بها .. بيت مستقر وأطفال امتداد لاسم عائلتي مع امرأة تعفّني من كل المغريات التي اتعرض لها يومياً مزينة لي الخطيئة حولي كرؤوس الشياطين!"

أطرق نضال برأسه لبرهة قبل أن يقول "أردت أن تمنحك سكن طيب، كما ستمنحها أنت زوج محب ومخلص؟!"

تغضن وجهه ببعض اليأس ثم قال بخشونة "نعم، رغبت في هذا بكل كياني"

"وما الذي جدّ إذن.. ماضي قديم ظهر أمامك، وأنت تبجحت أنه لم يكن ذو قيمة في قلبك من الأساس؟!"

قال من بين أسنانه "لم أخبرك مطلقاً أنها بغير قيمة، بل غدرت بعهدها"

قال نضال ببرود مستفز "ليست هي من تم خطبتها وعلى وشك الزواج يا خالد؟!"

قال بصوت أجش "توقف يا نضال!"

قال بصرامة "أنت تريد أن تهرب من الحقيقة، كما تفضلت وقلت سَبنتي تختطك بالفعل بينما الأخرى تتشبث بك، وتريد ظلمها بتخبطك هذا"

أخذ نفساً عميقاً عله يكبح ذلك الغضب الأعمى الذي كان يجتاحه كلما تذكر فعله الأرعن وكأنه كان رجل آخر يسيطر عليه في حضرتها.. حتى قال أخيراً بصوت مكتوم "أنا لست متخبط, ربما فقط هو عنصر المفاجأة كما قالت لانا عندما رأتني وأنا...؟!"

صمت مغلقا عينيه بقوة.. يا الله لقد جرحها, بل قتلها بتصرفه غير المحسوب، طعنها للأعماق من أجل خاطر فتاة لا تذكره حتى كما ادّعت!

تلاشت الصرامة من عيني نضال ثم قال "أنا أفهم يا خالد, أعلم كيف هي مرارة الحب دون أمل، ولكن خطيبتك ليس لها ذنب في دوامتك تلك؟!"

رفع ذراعيه لأعلى رأسه ثم أسند جبهته بكلا كفيه ثم صاح بعنف "توقف يا نضال، أخبرتك أنا لا أحب سَبنتي!"

لم يجفله عنفه غير المألوف بل ظلّ يحدق فيه بنظرة العارف، بصمته المغيظ، وكأنه بطريقة ما يضعه تحت ضغط نفسي ليخرج كل ما في صدره ولقد أفلح عندما قال بعصبية مفرطة فضحتها يداه اللتان تضغطان على عينيه وصدغيه من الجانبين "كيف تستطيع أن تعيش بين طيف عينيّ أخرى، أن تلمس روحها في كل تفصيلة حولك، أن تحتفظ ببقايا عطرها الطفولي داخل أنفك، أن تحمل يداك رغم مرور السنين ملمسها، أن تشتاق ذراعاك لضمة تخطيت بها كل حدودك لتزرعها بين ضلوعك مرات ومرات دون أن تتركها، كيف تقنع قلب عاصي أنها لم تكن صاحبته أبداً، بينما هو بالأصل سرق منك بفعلتك أنت وحبسته مع قلبها هي في أقصى منفى بالكون؟!"

اتسعت عينا نضال بينما يحدق فيه عاجز هذه المرة عن إجابته أو حتى سجاله، وانهار كل تصلب خالد وودّع كل غضبه في لحظة بينما يكمل بتعب "كيف تقنع عقلك بأنها ليست حلالك, بأن أمل التقرب منها مباح، رغم أنك ترفضه بكل كيانك مع غيرها.. كارثتي الحقيقية يا نضال أنه حتى ضعفي بالأمس أو ضعفي السابق معها لم اعتبره يوماً ذنب وجرم عليّ التوبة عنه وتكفيره, فدائماً ما كنت أشعر أن سَبنتي حقي وحدي، ملكاً لي.. فكيف لها أن تفارقني وتنساني؟!"

همس نضال شاعراً بالجزع داخله على كليهما "خالد هل تستمع لنفسك، إن سمحت لكل هذا بأن يطفو ستدمر كل شيء وأولهم...أنتَ"

وقف خالد من مكانه بنوع من الوحشية وسريعا كان يضع على وجهه ذلك القناع الجديد المخيف، قناع يعلم نضال حقيقة زيفه وكأنه بطريقة أو أخرى عبر إفراغه كل إحباطه وتخبطه عاد ليوازن نفسه ليفكر بنفس المنطق الذي اتبعه منذ ما يقارب الأربعة أعوام.. قاطعا كل شكوكه بيقينه عندما قال بنبرة غريبة "ومن قال أني سأسمح بهذا، أنا قطعت وعد لامرأة أخرى بالزواج ولن أطارد مطلقاً غيرها.. أنا لن أخون لانا، لن أؤذيها أو أحرجها أبداً مرة أخرى.. أنا لست ياسر الراوي يا صديقي!"

وقفت بدور على باب غرفة المعيشة ودسّت كفيها في جيوب سترتها السوداء الأنيقة وهي تراقب نوة التي تجلس مفترشة الأرض تلاعب إياب بمرح حتى قالت أخيراً بخفوت "هل يتوجب عليكِ حقاً المغادرة الليلة أنتِ وشذى؟!"

لم ترفع نوة رأسها بل استمرت في تركيب قطع البازل متسابقة مع ابنها المنهمك بتركيز.. ثم قالت "لو تعلمين كم هذا كريه على قلبي، ولكن كلتانا لن تستطيع أن تترك بيتها وأولادها أكثر من هذا، البنات يحتجنني وقد طالت غيبتي"

تجرأت واقتربت وجلست على الأرض طاوية ساقيها تحتها ثم مدّت يدها نحو إياب الذي اندفع مبعداً نفسه عنها بينما ينظر لها بعينين غاضبتين كالعادة، فضمّت كفها بألم بينما تقول "أنا أريد أن أشارك كالخالة نوة يا إياب, ألن تسمح لي حبيبي؟!"

هز رأسه رافضاً بتزمت وهو يلملم لعبته بعيداً، ثم يسرع في الابتعاد عنهما جالسًا على أحد المقاعد وهو يصيح "أريد ماما، لِمَا لم تأتي إلى الآن؟!"

أطرقت بدور بوجهها تبعد عنه دموع عينيها المحترقة بينما تهمس لنوة "أخبريني كيف أقنعه بأني تلك الماما التي تهفو روحه إليها... بأني هنا أموت ألف مرة في حضرته كما غيابه, ليسكن على صدري مانحني ترياق الحياة؟!"

ربتت نوة على ظهرها في مساندة ثم قالت برفق "امنحيه الوقت هو فقط يحتاج للثقة كي يعرف بهدوء، حتى لا تجرحي طفولته"

رفعت رأسها ترمق وليدها بتعب ثم قالت "وكيف سأفعل هذا، هل سأستمر في أسره لديّ واختطافه كما يعتقد.. أنا أراقبه وهو يتألم لفراق ذلك.. ال..!"

صمتت لبرهة وهي تغلق جفنيها مهدئة انفعالها قبل أن تقول "لفراق أبيه، معتقداً أني اختطفته وحرمته من أسرته السعيدة تلك"

ضغطت نوة على شفتيها باضطراب وهي تحدق فيها بنوع من التردد، وكأنها تخشى إخبارها بالحل الوحيد والمنطقي وسط كل هذا العبث، ثم حسمت أمرها وهي تقول "بالأمس أنتِ قلتِ أن عدم المصارحة والمواجهة بالماضي كانت سبب رئيسي في دمار أسرتنا!"

سألت بهدوء "ماذا تعنين يا نوة؟!"

قالت نوة بحرص "إياب طفل ذكي، اجتماعي من الدرجة الأولى، إذ أنه تقبل الجميع برحابة صدر ما عدا أنتِ!"

قالت بتهكم "وكأني احتاج لتذكيري بأن ابني لا ينفر إلا مني؟!"

أخذت نوة نفس عميق، وهي ترمق الصغير الذي يجلس مواجهاً لهما رامقهما بتجهم وسخط شديد موجهاً لأمه التي يعتقد على ما يبدو أنها أفسدت لعبته معها ثم عادت تنظر لوجه بدور وهي تهمس بحسم "كما فهمنا، راشد من أرسله إليكِ، هو من دفعه لأن يتقبل مشاعركِ دون ذعر يمليه عليه سنه، إذاً يا بدور الحل الوحيد عنده، يجب أن تجدي معه طريقاً تتفقان فيه، ليعرف إياب الحقيقة مبكرا!"

لحسن الحظ لم تغضب ولم تصب عليها وابلا من السباب والرفض، بل رفعت عيناها نحو ابنها تتشرب تفاصيله كما كل مرة تقع نظراتها عليه.. وكأنها لا تكتفي منه أبداً، حتى قالت بخفوت "هذا صعب على نفسي يا نوة, أن أمنح أي بوادر سلام مع الرجل الذي حرمني منه"

استغلت نوة ارتخاء كل دروعها في حضرة إياب ثم قالت "إن محاربتكِ لرفض الصغير لكِ لن تأتي إلا بمزيد من الكره، أنتِ تحتاجين أن تقدمي تنازلاً لابنكِ نفسه حتى تكسبيه لصفكِ، إياب مجرد طفل يا بدور وبالقليل من ذكائكِ الأمومي ستكسبين كل ولائه"

قالت باختناق "إن كل ما يريده هو أبيه وسبنتي!"

لمست كفها برقة ثم قالت "أحياناً كل ما تحتاجيه أن تتركي العنان لجناحي فرخكِ الصغير ليعود لعشكِ راضياً و مطالباً بأن ينعم بدفئكِ"

أطلقت ضحكة قصيرة متهكمة وهي تقول "لا تكوني متأكدة من هذا, إذ أن إياب لا يعرف من دفئي شيئاً بالأصل!"

:-" بالفعل إنه يعرف دفء وحنان أخرى، وأنتِ خسرتِ تعاطفها معكِ كما اتضح لنا، أنتِ ليس لديكِ حل آخر!"

هزت كتفيها دون اهتمام ثم قالت "أنا فعلت ما كان يتوجب عليّ، ربما الأمر غير منصف ولكن خالد كان يستحقه!"

قالت نوة بنظرة بعيدة "كان مقصدكِ إبعاد لانا وحتى اللحظة لا أفهم حقاً سر كرهك لها؟!"

قالت بدور بحزم "أنا لا أكرهها، ولكني لا أحب المتطفلات, إذ أنها تعلم جيداً انتمائه لأخرى ورغم هذا لم تتورع عن الاقتراب"

قالت نوة بدون مقدمات أو مراعاة "لانا ليست نادين يا بدور وخالد لم يكن يوماً يشبه راشد!"

أخذت نفساً حاداً قبل أن تقول "أنا لا أُسقط قصتي على أحد يا نوة، أردت بسط الحقائق أمام ثلاثتهم، وللحقيقة أخوكِ لم يصدمني, بل كلا الفتاتين.. إحداهن اكتسبت احترامي وإعجابي الكامل أما الأخرى لم تأخذ من جانبي إلا الاحتقار وسأترك لكِ حرية تخمين من هي؟!"

"لأنكِ ما زلتِ تصرين على رؤية الأمور من داخل فقاعتكِ، قد تكونين تغيرتِ يا بدور ولكنكِ ما زلتِ رافضة لتذوق الحياة بحقيقتها المؤلمة وعدم عدالتها في منحكِ غايتكِ، الدنيا لا تمشي على وتيرة واحدة تسيرها رغباتنا!"

قالت بهدوء "لا أنكر أن كل شيء توقف عند نقطة واحدة لذا لم أعد أفرق بين الدفء والبرد، بين الحب والكره، بين أمل الربيع وجفاف ووحشة الشتاء، كل المشاعر أصبحت لا معنى لها، إذ أني ما عدت أميز مذاقها... ولكن رغم كل هذا أنا أعلم يقيناً أن خالد يحب سَبنتي بكل كيانه, كما هي لن ترى من العالم غيره"

قالت نوة برؤيتها المعقدة للأمور "لا تكوني واثقة يا بدور، إذ أنه يصعب عليّ إخباركِ بأني أرى أن الصغيرة هي الدخيلة بهذه الحكاية... لانا فتاة وُعِدْت لشاب ذهب إليها برغبته ومنحها وعده دون ضغط أحد عليه.. إذاً أي محاولة أخرى لسبنتي ستضعها هي في خانة السارقة لسعادة غيرها!"

"بحق الله أنا لا أدافع عنها ولا أريد دفعها في ذلك الأمر ولكني أعرف كم هي موجعة كسرة الروح والنفس.. إن حبها له لن ينتهي ولن يمحى بل ستظل مكانها ثابتة فاقدة توازنها، لن تهنأ أبداً يا نوة إن لم يحسم هذا الأمر بعدل!"

هتفت نوة فاقدة أعصابها "وأي عدلٍ تريدين تحقيقه بجنونكِ.. أن تظل مكانها تطارد أملاً زائفاً، أن لا تتخطى مجرد مجرم آخر قد دعس فؤادها, إن الوقوف مكانكِ دون التحرك لا يحل شيئاً، لا أنتِ تتخطينه ولا تسمحين له بالاقتراب ليصلح ما فسد بينكما.. إن كانت تلك خطتكِ فأنت جربتها قبلاً ولم تفلح كما نرى وانظري ها هي النتيجة!" أشارت بحدة نحو الطفل الذي فزع والتصق بزاوية الأريكة، ثم قالت بغضب "ضحية أخرى، كما كنا نحن وكما كانت أختكِ غير الشقيقة، إنه سلسال من العقد والوجع.. صورة مبهرة من الخارج بمثاليتها بينما من الداخل فجميعنا يئن من جرحٍ غائرٍ يستنزفه.. وحتى من نجا منّا مثلي أنا وشذى فنعيش في ذعر أن يأتي اليوم الذي سنكون مجبرين فيه على مواجهة شبح الخيانة!"

قست عينا بدور بينما تلك الدمعة العالقة فيهما كما كانت دائماً تطل عليها من بعيد بعتاب المتألم!

وقفت من مكانها دون أي كلمة تتوجه نحو ابنها في محاولة يائسة تعلم فشلها قبل أن تقوم بها حتى، لكنها ركعت أمامه مادة يدها محاولة منحه الشعور بالأمان ورفضها كما كانت تجزم، فجعلها تلتفت مرة أخرى من على كتفها نحو نوة ثم قالت أخيراً بصوت أجش "سَبنتي لن تكون يوماً طاووس الراوي يا نوة، إذ أنها تملك فؤاداً أصلب مني!"

"صدقتِ!" نطقت سَبنتي وهي تدخل عليهما تخلع معطفها ثم ترميه على الأرض دون اهتمام ..ناقلة نظراتها بينهن بحيرة قطعها إياب الذي اندفع يهتف مهلل بعودة والدته إليه، مالت ضاحكة متناسية كلتاهما، لتحرر ساقيها من ذراعيه الصغيرين الملتفين حولها ككماشة ورفعته نحوها، تداعب نحره بأصابعها لتنطلق ضحكاته المنعشة كاسرة حدة التوتر، ماحية كل الألم والغضب!

"لقد تأخرتِ وتلك السيدة قالت أنكِ ربما لن تأتي" قالها من بين ضحكاته بتذمر منعش..

لم تحاول أن تنظر إلى إحداهما ثم تقدمت حاملة إياه لتجلس على أول مقعد مستمرة في مداعبته وهي تقول بلؤم "تلك السيدة المسكينة لا تعرف أنه لا يوجد سبب في العالم قادر على أن يمنع "أم" من رؤية صغيرها، أنت تعلم بأني سأتخطى خنادق النار من أجلك صحيح؟!"

قفز بين يديها يحاوط عنقها بكفيه بقوة، بينما يمطر وجهها بقبلات صغيرة منعشة وهو يقول "إياب يحب ماما السحرية"

أبعدته قليلاً ليجلس على حجرها ثم سألته ببطء خبيث "أنا أم طاووس قصتك؟!"

فكر وهو يضع يده على ذقنه، ثم قال بعد برهة "ماما أكثر، فأنا أحبكِ مئة والطاووس واحد فقط!"

ضمته لصدرها مرة أخرى ثم طبعت قبلة على رأسه سامحة لعينيها أن تواجه الاحتراق كمداً في عيني بدور حتى قالت أخيراً بقسوة "رغم جهلي بسبب ما قلته للتو، ولكنكِ صدقتِ يا بدور أنا لا أشبهكِ، لا في تصرفاتي ولا في ردّ فعلي لذا نصيحة أخيرة لكِ.. إياكِ وأن تحاولي اللعب معي مرة أخرى إذ إني قادرة على أن أحرقكِ!"

"لماذا لم أجدك هنا؟؟" سأل راشد من بين أسنانه وهو يمنح ظهره لذلك الشريك الذي يرمقه بتأهب وكأنه يستعد لمعركة لإثبات الذات معه..

قال خالد بهدوء "لا أعتقد أن لتواجدي تلك الأهمية وأنت هناك بالفعل"

لم يبالي بما يقول ونطق بصرامة "أمامك ربع ساعة لا أكثر وتكون أمامي.. فنحن لا نلعب هنا يا خالد، بحق الله أي نجاح حققته هذا وأنت ما زلت بنفس العقلية المشتتة؟!"

"راشد...."

لم يهتم لأن يسمع باقي جملته وهو يغلق الهاتف.. ثم استدار بخطى ثابتة ليجلس على رأس طاولة الاجتماعات مواجهاً ذلك الشريك الذي سأله بحنق.. "هل يمكنني معرفة ما دورك هنا تحديداً؟!"

سحب راشد سيجاراً من علبة فضية ثم أشعلها وهو يضيق ما بين عينيه ويقول ببرود "أسهمك في الشركة لا تتيح لك طرح هذا السؤال ولكن أنا سأكون كريماً معك وأخبرك أني رئيس مجلس الإدارة الجديد"

رمقه تميم بطرف عينه العميقة الغامضة قبل أن يقول بهدوء مبالغ فيه "لقد علمتني الحياة جيداً أن المثل الذي يقول (أن المركب ذات الرئيسين تغرق) صحيح جداً، فما بالك بمؤسسة كهذه سيد راشد؟!"

وضع راشد كلا ساعديه على الطاولة بأريحية ثم قال بصرامة "ما يحدث داخل العائلة لا يعنيك مطلقاً، أنت لك إجابات محددة تخص العمل فقط"

قلب تميم بعض الأوراق أمامه مدعياً عدم الاكتراث قبل أن يقول بخبث "وربما أنا أنتمي للعائلة بطريقة أو بأخرى ولكن بما أني أعرف جيداً أن هذا الأمر لا يعنيك, سأقول بهدوء أني من حقي أن أعلم كيف لك أن ترأس هذا المكان وهو لديه بالفعل رؤساء أعني السيد خالد و.. بدور"

تعمد نطق اسمها دون لقب يسبقه، قاصداً الدفء والحميمية بنطقه..

استفزاز رجل كراشد لم يكن سهلا على الإطلاق إذ قال بابتسامة بالغة الهدوء "كانا قبل وفاة عمي، من الآن أعتقد أن كل تعاملك سيصبح معي حتى أقرر أنا منح القيادة لخالد مرة أخرى!"

قال تميم بفظاظة "نحن لا نتحدث هنا عن إدارة مؤسسة خيرية يتنازل الأفراد فيما بينهم عن منصبه، لقد قدمت اليوم لنضع النقاط على الحروف بموجب عقود وقعتها شركات الراوي معي!"

عقد راشد حاجبيه ثم قال بمكر "هل أنت خائف سيد تميم.. هل سبب الزيارة ذعرك من أن يُدفع بك بعيداً بعد وفاة عمي؟!"

شحب وجهه كما توقع راشد بالضبط فوجوده لن يكون سهلا مطلقاً على مخططات تميم، إذ أن الرجل لا يتورع عن الانقضاض مكشوفاً على من يحاول أن ينافسه في مكانه.. ولكنه لن يكون تميم الخطيب إن هُزِم من أول جولة إذ قال ببرود "ومن هذا الذي يقدر على إبعادي، شخص انسحب في الماضي تاركاً عائلته تواجه ورطة وسقوط محقق في سوق لا يرحم؟!"

أخذ راشد نفس عميق من سيجاره ثم قال بتربص مفترس "لا أنكر أن تاريخك في صناعة اسمك من اللاشيء يعجبني سيد تميم, مما يجعلني لا أستخف بك مطلقاً إن كان هذا ما تريد سماعه, ولكن دعني أيضاً أخبرك أن لا تحاول اللعب مع رجل تربى على كيفية صدّ هجوم أي فهد يقترب من عائلته، تستطيع القول أن هناك أدوار مرسومة بدقة على مر أجيال طويلة، بالطبع نحن بشر نخفق أحياناً، تتلبسنا الأنانية أحيانا أخرى كثيرة، ولكن عند استلام الراية من الفرد الذي يسبقنا نتلبس دوره بكل أريحية موجهين كل أسلحتنا لحماية أي فرد يحمل نفس الدماء"

يكره الاعتراف بالأمر.. يكره ذلك الحدس الذي يخبره أن معركته لن تكون سهلة.. لقد بدأ الرجل يصارعه وسيجهز عليه دون أن يحرك فيه ذرة غضب واحدة، مما جعله للحظة يتساءل.. كيف تحملت امرأة كبدور أن تبقى زوجة لهذا الرجل الذي تفوح من كل ذرة فيه الوحشية والبرية التي تهدد بالانقضاض فاتكة بعدوه بدم بارد لخمس أعوام كاملة؟!... ولكن بالنهاية ألا يعرف أن هذا ما فعله بالضبط معها قبل أن يتركها محطمة؟!

قال تميم بقوة بعد لحظات طويلة من الصمت "إعجابك آخر شيء أريده، ولكن أن أحمي عملي وشركتي هذا بالضبط ما لن أتهاون فيه.. لذا منذ اللحظة أنا أطالب باطلاعي على كل المجريات، حتى يعود كل شيء لنصابه الصحيح.. بك، بالسيد خالد، أو ببدور!"

أومأ راشد ببساطة، قبل أن يقف من مكانه معلناً انتهاء ذلك اللقاء وهو يقول "لك هذا، ليس لأنك طلبت بل لأنني أردت"

وقف تميم هو الآخر ينظر إليه بجمود، جمود يخفي تحته الكثير من الوعيد أن حربهم لم تنتهي، وسيثبت له أن الغابة لا تتحمل أكثر من ملك واحد مفترس فيها وإن كان على أحدهم أن ينهزم، فمؤكد أنه لن يكون هو بأي طريقة أو وسيلة مباحة أو غير مباحة...

جلس خالد أمام راشد، لقاء خلا هذه المرة من عنف مواجهتهما السابقة، إذ أنه تمحور حول ما هو أهم من وجهة نظر راشد الذي قال بهدوء ما يسبق العاصفة "هل هناك تفسير منطقيّ لما حدث اليوم؟!"

فقال خالد "وهل هناك تفسير لمعنى تقبلك الوصية دون أن يعلم الطرف الآخر بها حتى؟!"

مؤكد أنه لن يخبر خالد الآن ولا في أي يوم آخر عن الجزء المخفي من وصية عمه الذي وكّل إليه وحده حرية البوح به...

"اسمع يا خالد إن لعب الأطفال هذا لن ينفع هنا، هذا المكان مكانك وحدك، لم تأخذه كإرث مسبق بل صنعت مكانتك فيه بيديك، كونك تعود لتخبطك مرة أخرى ضارباً بعرض الحائط كل شيء فذلك ينفي أي حس للمسؤولية لديك!"

قال خالد من بين أسنانه "أنا لستُ طفلا يا راشد ينتظر محاضرتك العقيمة وأعرف جيداً ما أفعله.. كون أن أترك لك المجال لتحدد أنت دورك في لعبة أبي الذي يرفض أن ينهيها حتى وهو يغادرنا، ذلك لا يعني أني أتخلى عن مسؤوليتي تجاه أخواتي وأمي!"

قال راشد "ممتاز ها قد عدنا لطريقنا ونستطيع التحدث كالكبار هنا، ليحدد كل واحد فينا أولوياته، وأولها أن لا تحاول التلاعب مطلقاً بالمجموعة، وأن لا تتخلى أبداً عن إرثك حتى لي أنا بحجة وصية عقيمة!"



أصدر صوت تهكمي وهو يقول "دروس وألغاز, حكم ونصائح لا تنتهي، وبالنهاية أنت من يخفق فيها.. أنتَ وحدك من تترك خلفك نيرانك ليحترق فيها الجميع دون أن تبالي"

أغمض عينيه للحظات بقوة مسيطراً على أعصابه وهو يقول "نعم هذا أنا بالضبط، رجل مخادع، خائن، خاطف أطفال، مفرق أحبة وأخيراً غادر بصديقي الشاب، لذا دعنا من تلك الأيقونات الباهتة ونركز على العمل فقط إذ أنه هو كل يهمني الآن"

اعتدل خالد آخذ الأمر بجدية شديدة وهو يقول "لماذا تُولي العمل كل هذه الأهمية حد أنك ستتخلى عن كل ما حسمت به قرارك منذ يومين؟! لماذا ستخضع لوصية أبي يا راشد؟!"

ضم قبضته وهو يستدير بمقعده مبتعداً عنه علّه يحجب ذلك الألم المخفي فيهما ثم قال بهدوء "لأن هذا هو ما أبرع فيه يا خالد دون إخفاق، أنا رجل غير صالح لأي شيء آخر.. لقد حاولت مرارًا صدقني ولم افلح.. إلا بالطبع عملي وأبوتي لطفليّ.. لذا ببساطة سأقبل بدوري في المؤسسة، وسأقف بجانبك حتى تقف على قدميك وتنتهي حاجتك إليّ، ثم سأبتعد مرة أخرى ببساطة كما فعلت من قبل مع والدك، ولكن هذه المرة سأحرص جيداً أن أخلصك من أي فك مفترس قد يريد الفتك بك"

لن ينكر أنه تلمس بطريقة ما وجع عميق خلفته بقايا حرب لم تحمل إلا الانهزام لكل أطرافها، ورغم تفهمه هذا لم يملك إلا أن يقول بجدية شديدة "وهي.. ألا يحق لها أن ترفض أو تقبل هذا الأمر؟!"

استدار بوجهه وهو يعود ليسيطر على كل انفعالاته، ثم قال ببرود "أخشى إخبارك أني لا أهتم برأيها مطلقاً، تريدها أن تعلم تفضل، لن أمنعك!"

عبس خالد وهو يقول متأففا "الأمر ليس فيه عند أو حرب ستخوضها، إن قبلت بأن تعود لتقود شركات الراوي يستلزم عليك أن تنفذ الطرف الآخر من الوصية، والذي يستوجب موافقتها هي!"

رفع راشد يديه لأعلى وهو يسترخي في مقعده ثم قال بلوم "اذهب وأخبرها إذاً، ودعنا ننهي تلك اللعبة، ما الذي يمنعك؟!"

فتح خالد عيناه بنظرة رعب خالصة، دافعة إياه لأن يضحك على مظهره بينما يسمعه يقول "إن طلبت مني أن أقيّد أطرافي وأرمي نفسي من على جرفٍ عالٍ يطلّ على المحيط الأطلنطي لن أراجعك، ولكن أن أقف أمام بدور وأخبرها أن عليها أن ترتبط بك مرة أخرى لتنقذ المجموعة, هذا في أحلامك فقط!"

******......





كانتا تضحكان متبادلات الهمس بينهن، بينما يجلسن متقاربتين جداً من بعضهن على أول الدرج داخل المنزل.. كما كانتا قديماً متذكرتين طفولتهن المتقاربة منذ زمن بدا بعيداً، دمعت عينا منى بتأثر وهي تراقب شيماء التي تراها أخيراً تضحك بصفاء خالي من الهموم بصدق دون زيف قناعها الذي ترسمه في وجهها مجاملة..

"يقولون بأنكِ تغيرتِ؟!"

قالت سَبنتي ضاحكة "وأنتِ ما رأيكِ هل هم صادقون؟!"

هزت كتفها وهي تهمس "لا أبالي بآرائهم التي دائماً تنظر للصورة دون فهم ما تحويه من حقيقة بداخلها"

أخذت سَبنتي نفسا عميقا ثم قالت بلا مقدمات "إن السيدة هناء نفت عودة نزار، إذن شعوركِ بالأمس كان كاذب شيماء!"

ارتبكت وهي تقول باهتزاز متذكرة انهيارها عندما ذهب لسبنتى مخبره إياها عن شعورها الغريب بل يقينها انه عاد يحيطها "ما كان يجب أن تسأليها!"

قالت بهدوء "أختكِ الحمقاء مصيبة في شيء واحد ، علينا أن نأخذ الوضوح طريقاً، وأنا كصديقة لك لن أسمح بأن توقعي نفسكِ في أحلام كاذبة مرة أخرى!"

لبرهة رسمت شيماء دوائر وهمية بعصاها عبثاً أمامها ثم سألت بحزن "لقد حلمت مرة واحدة يا سَبنتي وأيقظني أبي رحمه الله على كابوس مفزع، لذا لقد توقفت منذ أن دفعته بعيداً عن حياتي، فنزار حتى وإن عاد لن أقبل به مهما فعل"

سألتها "لماذا؟! إن كان وفيّ لعهده وأنتِ لن تجدي آخر يتفهمكِ أكثر منه"

قالت شيماء بتهكم "تقصدين معايرته لي بعمى عينيّ وتبجحه بأنه يستحق فتاة أفضل مني، الأمل والأحلام وتلك السعادة التي تهبط آخر المسرحية معلنة أن الأمير تزوج الأميرة وعاشا في هناء إلى الأبد، مجرد أحلام وردية يصدقها الصغار وقد يحصلن عليها المحظوظات، ومن المؤكد نحن بنات الراوي لا ننتمي إليهن!"

قهقهت سَبنتي بضحكة طفولية قديمة مما دفع شيماء لضربها في كتفها وهي تقول بحنق "هل تسخرين من حكمتي بقة هانم؟!"

"لا, بل تذكرت قولنا قديماً نحن بنات الراوي بائسات للغاية"

تنهدت شيماء ببؤس قبل أن تقول "ربما.. وربما بعضٍ منا المحظوظات لتقديمهن المساعدة لغيرهم؟!"

قالت بعبث "إن كنتِ أنتِ قررتِ الرهبنة فانية عمركِ في تلك المدرسة، فأنا مؤكد لن أفعل، فيوماً ما سأجد رجل رائع يحبني كما سأحبه أنا مقدمة له قلبي ونفسي وسعادتي بكل إخلاص"

ابتسمت شيماء بعصبية قليلاً وهي تقول "إنها أحلامكِ القديمة، لم تتخلي عنها؟!"

هزت كتفها بلا اهتمام وهي تقول "ولماذا أفعل؟ هذه طبيعية إنسانية نفني سنون عمرنا باحثين عن ذلك الشريك الذي يُقدم حباً غير مشروط"

"أراكي تبالغين قليلاً في الأمر، إذ أن الحب أناني يا سَبنتي, دائماً يحمل بين طياته جزء من الوجع من الضعف الذي يستغله الشخص الخاطئ ليؤلمكِ"

قالت بشرود "قلتيها بنفسكِ شوشو, إن الشخص الخاطئ دائماً لا يقدم إلا ألماً صافياً وكسرة الروح.. بينما الحب الحقيقي يُبنى دائماً على التضحيات"

"ربما, المهم في الأمر أن يحدد كل شخص من يستحق تلك التضحية.. كما أنتِ دائماً أفكاركِ منقوصة!"

قالها خالد وهو يقف عند الباب المفتوح قلبه يخفق بعنف بين أضلعه كما كل مرة يراها فيها، انتظر مكانه وهو يراها تقف ببطء وتُعدل ملابسها الملونة!! منشغل بلملمة أشياء وهمية حولها ، قبل أن تقول أخيراً "سأذهب للخارج، لأرى إياب واعتذر منه عن رحلة الملاهي التي أجلت للغد.. هل ستأتين معي؟!"

هزت شيماء رأسها سريعاً وهي تمد يدها لتستند عليها ثم ترافقها للخارج متمتمة باعتذار لأخيها، بينما هي لم تعير لتواجده اهتمام البتّة وكأنه مجرد هواء فارغ مر عبرها...!

لم يحاول لحاقهم، أو حتى يعترض على وقاحتها في تجنبه, بل استند على الباب بذراعه علّه يوازن اختلال جسده ، بينما يشعر بحاجة مؤلمة تلسعه بسياطها حتى يهرع إليها ليفهم منها لماذا نسته، لِمَا لم تمنحه أملاً واحداً في عودتها إليه كما كانت تفعل دائماً.. ربما كان.. لعلّه لم يكن يقدم على ارتباطه بأخرى!

"خالد!" انتفض وهو ينظر بحدة نحو اليد التي ربتت على ظهره، ليجد وجه أمه المتشحة بملابس الحداد وتحدق فيه بهدوء.. هدوء لم يخلُ من غضب قديم "أتتهرب من الحديث معي منذ ما حدث؟!"

قال بصوت مكتوم "ربما لأني أعرف ما تريدين قوله وأفهم أن ما أفعله ليس منصفاً لخطيبتي"

قالت منى بجمود "لا لن أخبرك بهذا, بل سأكرر عليك ما قلته لك قبل أن تخطب لانا ، أنت تظلم نفسك وما يحدث معك كلانا يعلم أنه ليس ردّ فعل على رؤية الصغيرة بعد طول غياب"

لم يبدو عليه أنه تأثر بأي مما قصدت قوله، او أنه سيصغي لأي رأي متعقل قد تمنحه إياه، عندما قال من بين أسنانه "إن وجودها حولي يخنقني, يرهق عقلي كما مشاعري، وهذا صعب.. صعب للغاية، إذ أنه يعيد إليّ ذكريات شاب أحمق يصيبني بالضعف وأنا ما عدت أريد أن أكونه يا أمي"

قالت منى بثبات "ربما كل ما تريده فرصة حقيقية يا خالد بعيداً عن كلتيهما، فرصة لتفهم نفسك وما تريده، أنا لا أرغب بأن أراك تتألم بني"

حدّق فيها لبرهة متصلب الوجه، بينما التوتر يعصف بملامحه التي ناقضت الغضب الأهوج داخل عينيه حتى قال "أنا تألمت كثيراً بالماضي، لقد تحطمت وذبحت دون شفقة ولم يلتفت أحد لجرحي هذا، شهر يعقبه آخر.. سنة تأكل سابقتها وأنا أجلس على أمل، ربما.. ربما الجنية العبثية تشعر، تضعف, تفهم، وتمنحني ترياقاً ولكنها لم تفعل قط.. لذا أنا أخبرك الآن أني فهمت بالفعل ما أريده وما أرغبه هو فتاة تمنحني ذلك الحب والتضحيات كما تفضلت وقالت هي من دقائق... أريد امرأة تفهمني أمي وبعد آخر موقف أثبتت لانا تعقلها وتمسكها بي وأنا أوقن أن كفّتها ترجح وبقوة"

"خالد!" هتفت من بين أسنانها بعصبية...

ولكنه لم يبقى ليرد بل انسحب من المكان، دون أن يرى حقيقة ما حوله.. مسبباً ذلك الأذى الدائم لأخرى!

************

دخل خالد المنزل الفخم دقيق الترتيب كان كل شيء في مكانه الصحيح كل قطعة ديكور منتقاه بعناية شديدة لتتوافق مع باقي المنزل دون غلطة .. منزلا أتاه مرتين بالسابق ونفس ملاحظاته لا شيء يتحرك من مكانه لا غلطة تشوب سكانه حتى الخدم كل واحد منهم يرتدى ملابس مماثلة ويتكلف في أداء دوره لقد بدا منزلا كما أصحابه كاملين مثاليين .... وخالين من ذلك الدفء الذى يأتيك بعبثية ليفتعل بكيانك الفوضى !!!!!!!!! ....

" مرحباً بك يا خالد ستسعد لانا كثيراً للزيارة الغير متوقعة"

قالت إبتسام بمجاملة مبالغ فيها وهي تمد يدها نحوه ، فبادلها السلام وهو يقول بأدب " أعتذر عن المفاجأة ولكن كنت أحتاج للتحدث معها ولم أستطع الإنتظار "

قالت إبتسام بمكر " بالطبع بنى أنتَ لا تحتاج إذن هي خطيبتك رسمياً وكما يقولون وعد الزواج نصف الكتاب !"

تصلب وجهه كما خلت كل المشاعر من صوته وهو يقول متقصد " لا تحايل في الشرع سيدة إبتسام أنا لم أعقد قرانى عليها لذا أنا مجبر بالإلتزام بحدود الخطبة!"

قالت إبتسام بلؤم وهي تجلس على المقعد واضعه ساق فوق الأخرى " هذا صحيح ولكن بناء على إتفاقنا عقد القران بعد شهرين من الآن ؟!"

نظر إليها مستنكرا ما خطب هؤلاء الناس تحديداً والده لم يكمل الأسبوعين على وفاته وهي تحاول مناقشته في حفل زفاف !"

إلتزم بهدوئه الشديد وهو يقول " نظراً لحالة الحداد التي فرضت علينا لوفاة والدي أعتقد أن هذا الأمر سابق لأوانه !"

بان بعض الغضب علي محياها ولكنها دارته جيداً وهي تقول " أنا أُقدر بالطبع ما تمرون به ولكن منذ متى عنِىَ الحزن توقف الحياة ؟!ربما إستمرارك في العهد الذى قطعته مع لانا ، أن يمحو الحزن من على قلب والداتك وأخواتك ويدخل الفرح منزلكم مرة أخرى "

أخذ خالد نفسا عميقا ثم قال بتحكم " أعتقد أن هذا الأمر يخصنى ولانا سنحدده سوياً دون تدخل أحد ليملي علينا حياتنا القادمة "

دخلت لانا مرتديه ملابس بسيطة من اللون الأسود كما أخوته ثم وقفت جانبه وهي تقول برقة " خالد محق يا أمى حالة الحداد الذى نعيشها لا تسمح بفتح هذا الأمر الآن "



لم تعجبها الإجابة مطلقاً وهى تقف من مكانها مخبره إياهما ببرود " بالطبع .. سأتركما علي راحتكما "

فور أن خرجت مغلقة الباب خلفها بهدوء ، إعتدلت لانا تقف أمامه مباشرة وهي تقول " لماذا أتيت يا خالد ؟"

مرر أصابعه في شعره بنوع من العصبية وهو يقول

" ألا تريدين رؤيتى ؟!"

زفرت بقوة قبل أن تقول " لقد غبت ليومين كاملين بعد ما حدث !"

ساد صمت ثقيل تخلله صوت أنفاس خالد العنيفه قبل أن يقطعه قائلا " أتيت لأعتذر عن ما بدر منى أنا تسببت في جرحك مع أول إمتحان حقيقي لعلاقتنا "

رفعت رأسها في وجهه ثم قالت بجمود " ليس هذا ما إنتظرت سماعه منك !"

سأل بهدوء " لم تريدين إعتذارى هل ستنسحبين سريعاً يا

لانا ؟!"

قالت بنفس الجمود" لا يا خالد لقد أخفقت مرة أخرى وبقوة .. ما أردت سماعه أنها لم تكن تمثل أي نوع من

الإختبار لرابطنا .. ألم تقل إنها ماضى ولى بغير عودة وأن قلبك لم يعرف يوماً سواي !"

كان يشعر بغليان داخله بحقيقة يريد الجهر بها دون تردد ولكنه سيطر على نفسه بقوة وهو يقول بخشونة " لقد وقفتي منذ ليلتين تدافعين عن حقك في تواجدك جانبي بقوة أصلحتِ صورة كلينا دون تردد لعبتِ دورك الصحيح بتعقل لتأتى الآن تحاسبينى بغوغائية نسائية ؟!"

قالت بعصبية " هل أنت مجنون أم لم ترى حجم فعلتك الحقيقية ؟؟ لقد كنت تلامس فتاة غيرى فاقداً عقلك في وجودها ، متناسيا من الأساس أن لك خطيبة تعجز عن مس يدها يا سيد خالد بالمناسبة وتأتي الآن لتحاسبني على غضبي منك ؟!"

قال سريعاً قاطعا سيل سخطها " مازلتُ أريدكِ أنتِ ، ربما أخفقت وجرحتك بفعلتى لم أسيطر على نفسى ولكن الأمر ليس كما تعتقدين يا لانا ؟!"

هدأت كل إنفعالاتها فجأة ليس لأن رغبته فيها و تمسكه بها أطفئها بل لأنها ببساطة تجيد إستخدام منطقها وعقلها وحكمتها بعيداً عن تأثير ذلك الفؤاد الذى أنّ بوجع عند رؤيته معها بجوارها وقريبة منه يتلمسها كما عجز أن يفعل معها لقد ذبحها خالد من الوريد للوريد وإنتهك كرامة المرأة فيها مشعلا جانب لم تعرفه قط.. ذاك الجانب المسؤول عن غيرة مجنونة أحرقتها كما تمنت أن تحرق كليهما بدلاً منه

" كيف كان إذاً هل يمكنك أن تفهمني؟ حتى أستطيع إصلاح كل تهوراتك تلك عندما نراها مجدداً إذ أنها كما يبدو أصبحت واقع ستفرضه السيدة بدور علينا "

سأل بشك" وما دخل شقيقتي في الأمر ؟!"

سخرت بداخلها بحرقة إذاً رجل شديد الإخلاص لمشاعرها لم يحاول أن يفهم حتى سر هذا اللقاء المرتب مع تلك ال....

أغلقت عينيها في محاولة لكبح لجام نفسها إن رجل كخالد لا يحتاج أبداً للتعامل بالندية ، بالعناد ، ربما قليل من قوة الشخصية والكثير الكثير من التفهم والإحتواء المجاور لسيطرة العقل ، ستجعلها تكسب ذلك الرهان لا محالة خالد الراوى لها شاء أم أبى ،هو خطيبها هي إختارها هي كما تورطت هي فيه ولن تسمح مطلقاً لأي شيء مهما كان أن يجعلها تفقد شاب مثله ، يتشبث بوجودها بحياته عندما

طال ردها كان يقترب منها بهدوء يخبرها برفق " لانا، لقد منحتكِ أنتِ أمام الجميع وعدي بالزواج وأن أُخلص لك دائماً أنا لا أريد أن أجرحك مرة أخرى مازلتُ أريدك بجانبي "

نظرت إليه بعينين غرقتا في الدموع وهي تقول " وماذا إن ظهرت من جديد وستفعل بالتأكيد يا خالد ، ماذا إن أتيت لي يوماً مخبرنى أنك لا تستطيع محوها بأنك تشعر

بالحنين إليها !"

مسح وجهه بكلا كفيه قبل أن يقول بصوت أثار كل حواسها " لقد رأيتها اليوم بالفعل بعيدا عن الضغوط بعيدا عن صدمة أول لقاء ؟!"

سألت بإختناق بينما تشعر بنار الغيرة تحرقها حرقاً دون رحمة " وماذا فعلتْ ؟!"

قال بإبتسامة باهته " أتيت إليكِ مباشرة إذ أنى شعرت أنى

أفتقد الفتاة التي سأبنى حياتى معها !"

منحته هذه المرة إبتسامة حقيقة ... إبتسامة دافئه أشرقت لها حواسه وهو يفخر بإحترازه هدف مباشر معها ثم قالت " لن أتحمل نظرة واحده منك إليها أرجوك خالد لا تجعلنى ألعب هذا الدور إن كنت منحتنى تلك الحقوق فيك وأنى

الأولى وشريكة حياتك الأخيرة إياك بأن تظلمنى بحنينك إليها !"

هز رأسه موافقاً بينما يمد يده ليلامس كفها بتوتر وبتردد ثم قال " لن أفعل كل المشاعر حسمت لصالحك كما حسمها عقلي منذ أشهر !"

إبتسمت برضا شديد وهى تمد يدها الأخرى تلامس حلقتها الفضية في إصبعه ثم قالت برقة شديدة وخجل متوارى وكأنها تكافئه علي نجاحهما سوياً في أول جولة " لم أعتقد أنى سأقولها الآن ولا في أي وقت .. ولكن تذكر .. أنا أحبك يا خالد ..."

رفع رأسه بحدة يحدق في وجهها مجفلاً وكأنه ما كان يتوقع هذا مطلقا بل لم يكن يريد سماعها منها أبداً ، فكيف له أن يأخذ منها ما لن يستطيع أن يبادلها إياه في المستقبل القريب ...

........................

يتبع الان



التعديل الأخير تم بواسطة كاردينيا الغوازي ; 30-03-20 الساعة 04:07 PM
Nor BLack غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 30-03-20, 04:23 AM   #2308

Nor BLack
 
الصورة الرمزية Nor BLack

? العضوٌ?ھہ » 455746
?  التسِجيلٌ » Oct 2019
? مشَارَ?اتْي » 360
? الًجنِس »
? دولتي » دولتي Egypt
?  نُقآطِيْ » Nor BLack has a reputation beyond reputeNor BLack has a reputation beyond reputeNor BLack has a reputation beyond reputeNor BLack has a reputation beyond reputeNor BLack has a reputation beyond reputeNor BLack has a reputation beyond reputeNor BLack has a reputation beyond reputeNor BLack has a reputation beyond reputeNor BLack has a reputation beyond reputeNor BLack has a reputation beyond reputeNor BLack has a reputation beyond repute
¬» مشروبك   star-box
Rewitysmile17

الفصل الثلاثون ج2







أزاح يدها بعنف ورمقها بتلك النظرات الحاده الغاضبة بينما يصيح " سيدة بدور أخبرى إبنتك أنى لا أريد اللعب معها ؟!"

غضبت ليبرتا وهي تدب الأرض بحنق ثم عادت تشد منه اللعبة بتعنت وهي تصرخ " ستلعب معىّ رغماً عنك لا أحد يرفض اللعب مع لوليتا"

تدخل إياس بينهما يأخذ بيد أخته بينما يرمق الفتى الحانق بسخط يخالطه عدم التقبل وهو يقول"لا أحد يريد اللعب معك أنا سآخذ أختى بعيداً؟!"

نظر إليه إياب من تحت حاجبيه المنعقدين وهو يقول " يمكنك أنت أن تشاركينى لكن هي لا..أنا لا أحب الفتيات المتطفلات!"

صاحت فيه بحنق " أنا لست متطفلة أنا جميلة جداً وأنتَ أحمق !"

كانت مريم تضع يدها أسفل ذقنها تنظر إليهم بإستمتاع دون أن تحاول فض الإشتباك الذى ظهرت بوادره منذ تعمدهم

إختلاط توأميها بإبن أختها والذى أوضح من اللحظة الأولى

إنه لا يتقبل إبنتها إطلاقاً ولا يرغب بتواجدها حوله بينما

إبنة أمها كان لها رأى آخر علي ما يبدو ..حتى قالت أخيراً " هل السيدة بدور ستتدخل أم ستتركى إبنك

لإبنتى تفترسه؟!"

تنهدت بإرهاق وهي تحدق فيهم ثم قالت " من الواضح أن

إياب يفترس قبيلة بأكملها كأبيه ...لذا أتركيهم قليلاً ربما يستطع إياس أن يروض عناده !"

قالت مريم ضاحكة " لا أعتقد أنه سيفعل إياس كما هو واضح لديه أسباب تمنعه من حب الوافد الجديد رفضه للوليتا .. وحبك وإهتمامك الذى سُرِق منه "

تنبهت بدور وهمست " لا تقولي هذا إياس مجرد طفل !"

قالت مريم بهدوء "إن الأطفال عزيزتى أكثر من يشعر بالغيرة ، وبروح التنافس على الأحبة و بالفعل ليلة أمس أخبرنى إبنى أنه حزين لأنكِ لم تعودى تحبيه منذ أن قدم ذلك الفتى !"

نظرت إليها بدور للحظات بإندهاش ثم سريعاً أخذ عقلها يعمل لتجد طريقة توازن بها الأمرين بالطبع هي تولي إياب كل إهتمامها ولكن مؤكد لن ترغب في خسارة إياس ..

غمزت مريم وهي تقول بتأمر " إنهم مجرد حفنة من

الأطفال بقليل جداً من التوازن تستطيعين تطويعهم لما تريديه أنتِ "

قالت بدور ساخرة " منذ متى إكتسبت كل هذه الحكمة ، منذ ساعة فقط كنت تتشاجرين مع إبنتك من سيحدث زوجك أولاً "

تنهدت مريم بحالمية مغيظة ومستفزة وهي تقول بفيض من المشاعر المنفجرة التي كادت أن تجعل بدور تبحث عن أي شيء صلب وتضربها علي رأسها

" بالطبع من حبيبي ..قلبي ..روحى وحياتى سيد الرجال ،هااااه كم أحبه ..أحبببه "

وقفت بدور من جانبها وهي تهتف فيها بيأس

" الرحمة ستصيبيني بالشلل "

إمتعضت مريم وهي تقول " هذا لأنك مجنونة جافه عنيدة كإبنك البارد هو الآخر فقط لو تقدرين معنى أن تنعمين بدفء ذراعي رجل كل ليلة !"

دارت بدور حولها كالمجنونة تبحث عن أي شيء لتضربها به بالفعل ويحدث ما يحدث فلم تجد إلا أصيص أزهار صغير رفعته وهي تقول من بين أسنانها " أقسم بالله إن سمعت هذا الفم يتفوه بتلك الحماقة أمامى مرة أخرى لأرسلك لغيبوبة لن تفيقي منها بعد شهر !"

فردت مريم يدها بجانب رأسها الذى هزت يمين ويسار مقلدة إياه بإستهزاء ثم قالت " أنتِ حره إضربي رأسك في الحائط يا معدومة المشاعر والأنوثة!"

فتحت بدور عينيها لآخرهما بينما تتفحص جسدها الفارع عالي الإمكانيات والمرسوم بدقة ريشة فنان روماني للحقيقة ثم قالت بذهول " أنامعدومة الأنوثة !"

قالت مريم بمياعة " الأنوثة لا تعنى المظهر الخارجي فقط ، بل هي سحر خاص بداخلك تستطيعين فيه السيطرة على عقل رجل بنعومتك..برقتك..بتوحشك أحيانا في المكان والوقت الصحيح ليبقى دائماً يراك ويستطعمك كأول مرة !"

جذت بدور عليّ أسنانها بغيظ بينما أصابعها تتشنج مقاومة نفسها بحق أن لا تهجم عليها فاتكه بها ثم صرخت فيها

" إخرسى !"

رفع إياب رأسه يحدق فيها بغربة ثم همس لإياس بتأمر " أخبرتك أن والدتك مجنونة وتختطفني رافضة أن تعيدنى إلى أبي ..أنظر كيف تعنف والدتك الأخرى !"

غضب إياس وهب واقفا من جانبه ساحباً أخته بعيداً ثم

قال

"أنتَ طفل غير مهذب ماما بدور رائعه عيب عليك أن تكذب!"

إستدارت بدور نحوهما وأوقفت إياس مكانه ثم ركعت على ركبتيها وهي تقول " ماذا حدث ألم نتفق أن تصادق إياب "

قال إياس بغضب " لا أريد اللعب معه لديّ أختى كما أنه يقول أنه لا يحبك ماما "

إهتزت عضلة في وجهها معبره عن ذلك الألم الطبيعي الذى أصبحت تتقبله بإستسلام ثم قالت بهدوء " هل تثق بماما وتصدق ما تقوله لك "

هز رأسه سريعاً فقالت بهدوء " تعلم أنى أحبك كثيراً .. كثيراً جداً صحيح "

تجهمت ملامحه بالحزن ثم قال بغيرة طفولية " ولكنك تحبيه هو الآن "

رمقت عينيها إبنها الذى كان ينظر إليهما بلا اكتراث أو اهتمام علي الإطلاق ، بتقربها أو إحتضانه غيره ثم قالت بوجع مخفي " أحبه هو الآخر إذ أنه إبنى مثلك يا إياس لذا أن كنت تحب ماما بدور بحق ستصادقه من أجلي "

حدق فيها بغضب لم يزل ثم قال بحنق " يقول

أنك إختطفتيه من والده وبأنه لا يحبك "

لمعت دموع ساخنه كانت تغرق في عسل عينيها وهي تقول بإبتسامة بائسه " هناك أشياء تخص الكبار أنتَ وهو لن تفهماها الآن هو إبنى يا إياس ولكنه لا يعلم كم أحبه كما تعرف أنتَ "

هزكتفيه بلا معنى فقالت بهدوء وهي تمنحه حضن قوى لتثبت مشاعرها بدفئه مع إعترافها " سأظل أحبك دائماً

أنتَ أفضل إبن في العالم ولكن أنتَ رجل كبير وستفهم عندما أخبرك أن لديك والدتان تحبانك جداً بينما إياب ليس لديه أي ماما تحبه وتهتم به غيرى !"قال بتبرم أخير "إن لديه ماما تجلس مع خالتي شوشو !"

أبعدته قليلاً لتستطيع النظر لوجه ثم قالت باسمه " تلك أخته التي تحميه وتحبه كما تحمى أنتَ لوليتا "

بتردد قليل جداً وبتفهم كانت تعرف أنها ستجده عند

ولد أبيه كان يقول " حسناً سألعب معه ولن أغضب منه من أجلك مرة أخرى ولكن بشرط !"

قالت مدعية الجدية " كل شروطك ستنفذ سيد إياس "

رمق لوليتا التي كانت قد إندست بين ذراعي مريم تحدق بغضب في الفتى الغير مهتم بما يجرى حوله ثم قال " إن حاول إغضاب لوليتا مرة أخرى سأضربه !"

" مرحباً من سيضرب من " دخلت سبنتى مع شيماء للحجرة الزجاجية ثم تركتها وهي تتوجه نحو إياب تفترش الأرض جالسة فانتقل إليها سريعاً يجلس فوق حجرها وهو يقول مشيراً نحوهم " ذلك الفتى يريد ضربي من أجل تلك الفتاة لأنى أرفض اللعب معها !"

إفتعلت سَبنتى الغضب وهي ترفع إصبعها نحو إياس ثم قالت " جرب أن تقترب منه وأنا من ستضربك أنت وتلك المدللة"

قال إياس" إن فعلتِ سينعتك الناس بالمجنونة التي تضرب الأطفال"

أمسك إياب يدها مانعها من إفتعال الشجار ثم همس وهو يندس في صدرها " لا تغضبى ماما تلك السيدة أخبرته أنها تحبنى أعتقد أنها لن تسمح لأحد بالإقتراب منىّ "

تحركت بدور نحوه علي ركبتيها ثم لمست وجهه بحنان وحرص وهي تقول بإختناق " سأحميك بروحى يا كل روحى أنت ضيّ عيني "

عدلته سَبنتى ليواجه بدور ثم قالت ببطء وتروي " هل رأيت أنى صادقه فيما أخبرتك إياه إن تلك السيدة اللطيفة تحبك للغاية كماما بالضبط وإن سمحت لها بصداقتك قليلاً فقط ستفعل كل ما تريده "

نقل نظراته العنيدة بينهن للحظات طويلة دون أن يسعفه عقله ويجد ما قد يرد به مما دفع سبنتى أن ترفعه بحرص من بين ذراعيها مقدمة إياه نحو حضن بدور المتأهب ، لثوان فقط كاد أن يستسلم كاد أن يشبع الفراغ الشرس الذى ينهك صدرها المحروم وعبرت عنه يدها التي إلتفت حول قامته الصغيرة في لهفه وترقب لضمه إليها مرة أخرى

" لا أريدها انا لا أحبها !"

أزاح يدها التي تهدلت جانبها بإحباط ثم عاد ليلف نفسه علي صدر سبنتى ممسكاً كتفيها بكلا ذراعيه دافناً رأسه بشدة علي قلبها ثم بدأ في البكاء النزق الطفولي وهو يردد

" لا أحبها ولا أحبك أنتِ الأخرى سبنتى،أنا أريد بابا ..أريده أن يأتي ويأخذنى "

تراجعت بدور تلقي بحملها علي الأرض بإنهزام بينما تحدق بألم إلى ظهره الذى إلتفت حوله يد أخرى مانحه إياه العطف والأمان الذى حرمها أن تعطيه له لمست سبنتى يدها لتجعلها ترفع عينيها الخاوية من الروح الممتلأه بالوجع ثم قالت بأسى

" أنا أسفه تحملي فقط قليلاً من الوقت "

تشبثت بيدها بقوة وكأنها تريد أن تسمح لها أن تشعر أكثر بما تعانى ثم قالت وشهقة بكاء تخرج منها متمردة علي كتمان الوجع

" أخشى أنى ما عاد بي طاقة ولا صبر لإنتظار حب كان حق مكتسب لي ونزعتوه منىّ !"

***********************

تاريخها الحافل معه لم يكن يخفى علي أحد ، ورأته في أعين بعض الموظفين الذين يرموقنها بحرص يخالطه الخوف !

وهي تخطو بين المكاتب حتى وصلت لحجرة الإجتماعات ، وفور دخولها كانت ترمق محامى والدها الذى إعتدل متأهباً للفرار بنزق ، بينما هو..... حسناً إنها لم تحاول أن تلقي أي نظرة عليه بأي طريقة ..سحبت مقعدها بهدوء مفتعل ثم جلست تضع ساق فوق أخرى وهي تشبك يدها فوق الطاولة راسمة إبتسامة عملية رزينه مبالغ فيها بالحقيقة ثم قالت

أخيراً ببرود دون أن تنظر إليه

" هل يمكننى أن أفهم سبب تواجدك هنا "

لم يحاول الإصطدام معها مطلقاً ورد بلا إهتمام

" أنتِ أيضاً هنا لهذا السبب لتفهمى يا سيدتي !"

" سيدتي ؟!" المستفز كإبنه لم تعلق بل ما جذب إنتباهها هو إنسحاب خالد بهدوء ليقف بعيداً في الزاوية كأنه يحمى نفسه من شيء ما ..فغرت فاها بذهول وهي تحدق فيه بعدم فهم بينما تنحنح المحامى وهو ينظر إليها بينما يقول بجدية

" بما أن كل الأطراف المعنين مجتمعين أستطيع أن أبدأ ولكن قبل كل شيء أنا مجرد قارئ للوصية وأياً ما تحويها ليس ليس لي فيه دخل علي الإطلاق !"

رفعت حاجبها وهي ترمقه بترفع ما خطبهم لماذا تشعر أن الجميع يتعامل معها أنها فاقدة الأهلية متوحشة ستنقض عليهم في أي لحظة .. بحق الله هل هي مجنونة فعلا كما يقول صغيرها ..!"

" تفضل " نطق راشد بجمود خالي من مشاعر

سمى المحامى باسم الله ثم شرع في القول الهادئ ظاهرياً

" لقد أوصى المرحوم أن الإرث سيقسم علي جميع أبنائه

بالعدل وأضاف إسم مريم الراوى كأبنه شرعية له ، كما جميعكم "

قال خالد بهدوء " وإن لم يفعل فجميعناً نتفق أن لديها الحق فيه مثلنا "

تنحنح المحامى مرة أخرى ثم قال بحرص

" شرط أن ينفذ دون إخلال مما سيأتي"

إستطاع جذب إهتمامها وتأهبت كل حواسها وهي تنظر إليه بترقب بينما يقول بتوتر " تؤول إدارة المجموعة للسيد خالد ياسر الراوى ، والسيدة بدور الراوى إدارة مشتركة شرط أن يشغل منصب رئيس مجلس الإدارة السيد راشد الراوى "

إنفجرت فيهم علي الفور كالبركان الخامل منذ سنين ثم قرر أن يلقي جحيم حممه دون إنذار على ما حوله

" ماذا؟؟ هل سيعين إبن أخيه مرة أخرى واصياً علينا ؟ هل جن مؤكد كان في عقله شيئاً فليحلم هو وأنت وأى أحد يعتقد أنه قادر علي أن يخطو هنا !"

أخرج المحامى منديله يمسح عرقه الذى تصبب بينما يقول بتوتر

" سيدة بدور من فضلك لم أنتهي بعد "

وجهت إليها عينيها التي جُنت في محجريها بينما تهس في وجهه

" وأي جنون قد تقول بعد هذا "

إلتفت المحامى للرجال المتواجدين معه وهو يقول بنوع من التوسل

" سأرحب بأي مساعدة هنا "

رفع خالد يديه علامة علي المستحيل بينما مد راشد وجهه

للأمام دون أن يظهر علي وجهه أى إنفعال إلتفت إليها المحامي وهو يقول ببطء

" الجزء الأهم ليتم كل هذا عليكِ أنتِ والسيد راشد أن .. أن "

قالت بصوت مخيف وهي تقف تشرف عليه بطولها الفارع وكأنها تحاول تهديده جسدياً محذره إياه أن ينطق بما

إستشعرته

" أن ماذا؟ "

أغلق المحامى الملف ثم وضعه في حقيبته وأغلقها بإحكام ثم أولها إهتمامه مرة أخرى وهو يحاول أن يستعيد كل سيطرته أمامها ثم قال بقوة " أن تعودى إليه "

" لا .. لا تلك خدعة رخيصة أنا لن أصدقها "

قال المحامى بحسم وهو يقف مواجها لها

" نحن لا نلعب هنا ، هذه وصية المرحوم أنتِ والسيد راشد عليكما الزواج مجدداً وان٨ يبقي إياب راشد الراوى بينكما ، لا أهتم كيف ولا تعنينى الطريقة أمامك أسبوع لتقررى

أو سأكون بعدها مجبراً على الإشراف علي تفكيك ذلك الصرح العظيم وأمنح كل واحد نصيبه مالاً سائلا "

قالت بنبرة ميته " هذا الجنون بعينه لا أصدق مطلقاً إنه تجرأ وترك هذا خلفه "

" هذا ما لدي .. إلى لقاء قريب " ثم تحرك مغادراً ببساطة

فار دمها والكلمات تدور مترددة صاخبة وبشعة...بشعة للغاية على أذنيها ،كان هناك غليان يحرقها حرقاً معبره عنه بعدم سيطرة مطلقة وهي تتحرك بعشوائية تصرخ بجنون مطلق غير مباليه بذلك البارد الذى يحدق فيها بنفس هدوءه ، بينما هي تضرب الحائط بقدميها تارة ثم تلتفت لتزيح كل شيء ليسقط مدويا علي الأرض الرخامية

" علي جثتى أنا لن أفعل هذا تحت أي ضغط "

كانت تتنفس بحدة شاعره بأنها عادت مجرد كرة يركلها أبيها دون أي إعتبار لكرامتها ، لحريتها ، لمشاعرها وقلبها الذى أُنهك من كل ما يحدث حولها لماذا هي دائماً من يظلمها

ألا يحق لها مرة واحده أن تقف علي قدميها بعيداً عن عثراتها ممهدين الطريق أمامها لتمضى ..أيعقل أنه كتب عليها أن تبقي ثابته ، تدور كنجمة بمدار راشد دون قدرة علي الشرود بعيداً عن مجرته علها تنجو أو حتى تنفجر وتموت أي شيء..أي مصير سيكون عليها أهون من أن تنجذب لحلقته النارية مرة أخرى "

إلتفتت إليه وهي تقول بجحيم " أى ظالم هذا الذى يقرر أن أعود لمجرم قتلني لحيوان بلا قلب حرمني من إبنى سنين ، سأقتلك كما كان يجب أن أفعل قبلا لن أسمح لك بالإقتراب منىّ "

وقف راشد أخيراً ينظر إليها بسخرية ثم قال أخيراً بتهكم" دائماً الأمر يدور حولك عن ما تعانى أو عن ما تشعرى ، وما تريدى ألم يخطر في عقلك الجبار أن كُرهِى يضاهي كرهك حتى أن تنفس نفس الهواء الذى تتنفسينه يجعلنى أشعر بالغثيان كل لحظة "

أمسكت بعلبة فضية ثم ألقتها نحوه بتهور ودون تفكير وهي تهتف

" اللعنة عليك من تظن نفسك لتقف متبجحاً أمامى

فلتذهب للجحيم أنت وأبي في قبره "

إصطدمت العلبة بكفه وهو يصدها مبعدها عن منطقة حيوية في جسده كتم تأوه وكأنه لم يكن ثم قال من بين أسنانه

" أنا من لا أريدك ولو كنتِ آخر إمرأة في العالم ، متى ستفهمين أن العالم لا يدور حولك "

رفعت يديها لأعلى ثم صرخت بقهر

" ومن قال أنى أريده أن يدور ، تباً تباً لكل هذا ، لماذا لا يحق لي أن أتحرر من كل شيء أخيراً "

زفر نفساً طويلاً وهو ينظر لغضبها الذى لأول مرة لم يكن يرى فيه رغم إهتياجها الكذب أو التكبر بل كان هناك شيء آخر ، شيئا دامياً لقوة صدقه " لا أستطيع الإقدام علي هذا ، نحن قصة وإنتهت بغير عودة ، كل ما أرغبه إياب ... إبنى فقط "

أشاح بوجهه بعيداً ثم قال

" لن يجبرك أحد علي ما لا تطيقين "

هتفت في وجهه بشرر " فلتذهب إلى الجحيم ، ومن ينتظر رأيك بالأساس "

تقدم خالد أخيراً. وهو يقول بحزم

" إن كان ذلك العرض إنتهي ،نحن في موقف خطر وجدي ويجب أن يجلس ثلاثتنا للتفكير في حله "

إختطفت حقيبتها ثم قالت بصوت مرتجف من شدة الغضب والقهر " فلتجد حل مع وصيك الجديد ..بموتي أن أجلس معه على طاولة واحده أو أنفذ تلك الهرطقة من رجل يبدو أنه أصيب بالخرف في آخر أيام عمره "

هتف خالد فيها محذراً " بدور كُفِي عن لعب دور الفتاة السيئة الغاضبة من تهينيه هو والدك "

كانت تنظر له بلا تركيز حقيقى من قوة ما تعانى ، حتى سمعت الأخير يقول بتهكم

" هي ليست فتاة سيئة ، بدور إمرأة لم تلقى أي نوع من التربية كما أخبرتها من قبل "

إندفعت كالطلقة نحوه متخليه عن كل جانبها الراقي ليطفو علي السطح ذلك الجانب الغجرى الغير مروض فيها ، وجهها الحقيقي الذى لم يعانى منه سواه ، لقد صدق من قبل أن وجود هذا الثنائي بجانب بعضهما يظهر أسوء ما فيهما ولكن للغرابة ذلك الجانب بالذات كان مريحاً للغاية..راحه توحى بأن كليهما بشر أحياء وليس كما يدعون أنهم مجرد أشخاص بلا روح ينفذون أدوار كتبت عليهم

ضربته مرة أخرى علي صدره بحقيبتها وهي تهسس من بين أنفاسها

" إياك أن تحاول اللعب بي مرة أخرى، لم أعد تلك المرأة الصغيرة المفجوعة فيك ، إن إقتربت...إن حاولت بأى طريقة تسيير مصيرى على أهوائك ، سأنهشك حياً يا راشد كما كان يجب أن أفعل منذ عاد إياب إلى دون أن يعرفنى "

سمح لنفسه أن يحدق في ملامحها يتشربها كما هي تنظر إليه بعسل عينيها الغاضب بنفس لمعة الدموع التي تهدد بالسقوط دون أن تسمح لها ، بنفس العتاب الكسير الموجوع بأمومتها

" أنت لا تعرف الجحيم الذى أعانيه لا تستوعب ما أنا أفكر فيه كل لحظة ينفر منى إياب فيها إن كنت رأيت منى غضب خيانتك ، فصدقنى لا شيء يقارن البته بجحيم حرمانى منه وهو علي بُعد شعره منى دون أن أستطيع أن

أضمه إلى صدري "

كما يضمها هي الآن دون أن تشعر أو تتأثر اللعنة ، متى

إلتفت ذراعيه حول خصرها مانعها في الظاهر من أن تتهور أكثر ومتنعم للحظة مسروقه بدفئها ..لقد كان كل ما في بدور دافئًا رقيقًا ووحشياً نارياً ، يسيطر علي قلبه الذى تجمد مشعلا فيه نار الحياة ولكن متى إعترف أحد منهم ومن بالأساس فيهما قد يسمح أن يُحيي حكاية قد طويت علي ورق بردي وإحترق !

أطال النظر داخل عينيها للحظات مأخوذا بذلك الجانب البري الذى إدعو أنه تم ترويضه فيها وحده فقط من كان يعرف أن ذلك الجانب الوحشى جزء منها ومهما إجتهد أحد أو حاولت هي ، لن يُمحى منها أبداً إذ أنه كان كل ما يمثلها .. نطق أخيراً بصوت أجش متحكم حاسم صراعه

" أنا من لا يريدك يا بدور إن إقتنعت بهذا ستهدأ كل نيرانك ، إفتحى عينيكِ جيداً لتدركِ أن العالم يدور أيضاً حول رغبات غيرك ، ولا يقتصر علي نظرتك المحدودة "

مصفوعة بما قاله مصدومة بعمى بصيرتها التي لم تعي لوجودها بين ذراعيه مضمومة إلى صدره ، كانت تزيح نفسها مرتجفه تحدق فيه بلا إستيعاب بلا إتزان حتى همست أخيراً

" حسم القرار إذاً ستفكك المجموعة لقد قال النمر الندل كلمته "

شمخ برأسه وهو يضع كلا كفيه في جيبي بنطاله حاجبا إرتجافه وتأثره هو الآخر بعيداً عنها متغاضيا تماما عن إهانتها بل كان يرمقها بتهكمه الشهير بهدوء شديد وهي تستجمع كل قوتها كى تتمكن من التحرك بعيداً عنه نحو الباب وتغادر .

حرك راشد وجهه أخيراً نحو خالد الذى كان ينظر إليه بغضب مروض ثم قال " توقعت تدخلك "

قال خالد بهدوء " كدتُ أن أحطم وجههك وأصفعها لأول مرة فاصلا بينكما ولكن حكمة قديمة ترددت في عقلي منعتنى "

ضيق بين عينيه بعدم فهم فقال خالد بنبرة غامضة

" بدور لم تعد أختاً بل صديقة ، صديقة أراها ميته منذ ما يقرب لأربع أعوام ، وبطريقة ما دبت فيها الحياة اليوم وأنا لن أقف في وجه إنعاشها مرة أخرى حتى وإن عنى هذا موتك أنت بالبطئ أمامى "

" أنانية آل الراوى الشهيرة " قال راشد ساخرا

رد خالد بهدوء " بل حماية منى ولو علي حساب شظايا قلوب أناس اخرين كما فعلت أنت ، أرأيت أنا آخذ حكمك بجدية ولن أنسى درس واحد مما علمتنى إياه بالطريقة الصعبة

***********

عندما دخل راشد إلى المنزل ، وجد سبنتى في إنتظاره علي غير العادة إذ أنها تعود في وقت متأخر من عند إياب ..

ومن ملامح وجهها عرف دون كلام أنها ستشتبك معه ... زفز بإرهاق وهو يحل أول أزرار قميصة ثم قال

" هاتى ما عندك دون مقدمات "

" أريد أن أعود لجورجيا ، لدارستى يا راشد كما وعدتنى"

قال بصبر " دورك لم ينتهي هنا إياب مازال يحتاجك "

كانت عبراتها تخنقها وهى تقول " إذاً سأخذه معى "

قال بهدوء " وماذا عن حسك بالعدل عن أمه التي ترغبين في أن يعرفها ويتربى معها "

عينيها البنفسجيتين كانتا شديدتا التشتت وكأنها بطريقة ما عادت لتلك الفترة التي ضعفت فيها وضاعت منه دون توازن " لا أستطيع أن أبقى إن ظللت هنا سأفقد كل شيء "

قال بمكر قاصدا أن يجعلها تفرغ بعض من ضغطها

" علي أساس أنك نسيته وأنك لا تهتمين بتواجده من عدمه "

احمر وجهها وهي تنظر إليه بإرتباك ثم أنكرت ببساطة ومراوغة معرفتها لمقصده وهي تقول

" لا أعلم عما تتحدث لقد قلت إنك لن تجبرنى علي قرارتك مرة أخرى وأنى حرة في إختيار مصيرى ، وأنا إخترت وأرغب في العودة لبيتى هناك لدراستى وأصدقائي يا راشد "

آخر ما كان يخطط له راشد أن يصطدم معها مرة أخرى في الوقت الحالي ولكنه إستسلم تمامًا لما سيصدر عنها وهو يقول

" ذلك الوعد شمل عودتى معك وبما أنى لن أستطيع ترك هنا في الوقت الحالي فستبقين معى أنا لن أكرر أخطاء غيرى وأرسل إبنتى لتعيش وحدها بالخارج "

قالت بحدة " ما الذى يعنيه هذا ألا تثق بي "

أمسك يدها ساحبها لتقف قابلته ثم قال " بل أثق بابنتى جيداً ، أثق فيما ربيتك عليه ، ولكن صغيرتى إن تجارب الغير تعلمنا دروس صعبة للغاية والذكى هو من يتجنب الوقوع فيها "

إرتجف فمها بقهر وهي تقول

" قل إنك تخاف أن تكرر إبنة جوان ..."

نهرها سريعاً دب في قلبها الخوف من حزمه الأبوى البحت " إخرسى لا تلتفى وتدورى متخذة من هذا السبب الملعون حجة تعلمين أنه لن يخطر هذا ببالي يوماً مطلقاً... أنا أثق فيك يا سَبنتى ، لكنى أبداً لم أثق في نوع البشر الذي قد يحوم حولك "

تراجعت وهي تفصل نفسها عنه بحده ثم قالت " تعلم إنك لن تفرض عليّ أمراً لا أريده أنا لن أبقى هنا لن أسمح لنفسى أن أكون مجرد قطعة تتقاذفوها في أحجيتكم الصعبة التي لن تُحل أبداً.. ربما أحمل إسم الراوى ولكنى لا أُشبهكم وأنت تعرف هذا جيداً ..أنا لن أتبع نفس الخطوات لألقي نفس المصير القاتم يا راشد"

قال بجمود " نعم ..أعرف إلا أنكِ لا تملكين حريتك المزعومة تلك يا سَبنتى ، سأحميكِ رغم أنفك وأنف أي أحد يحاول أن يؤذيك أو يقترب منك .. وبالطبع خروجك من تحت جناحي بعيدا عن مجاورتى في أحلامك فقط إذ أنه لي حرية التصرف دون إمتلاك حق قول لا "

حدقت فيه بغضب بسخط وجرح مؤلم ينهكها دون قدرة لها علي البوح متحملة الوجع الأليم وحدها لا لن تسمح أبداً حتى لراشد أن يعرف أنها تموت من شدة الوجع بكل لحظة تلتقط عينيها طيفه ، لقد عجزت حتى اللحظة عن الإقتراب من كلبها ،خوفاً من ان تتلمس طيف ذلك الكاذب فيه ."

.........................

ألقي راشد بجسده علي أقرب مقعد يحدق في أثرها ، متذكرا بيأس الوصية الأخرى التي لم يطَّلع عليها أحدُ غيره ، إذ أنه كان يعرف أن من المستحيل أن يترك ياسر الراوى كل شيء عالقاً هكذا مضحياً بما عاش عمره يحميه وخطى علي أبنائه في طريقه من أجل إمبراطورية عائلتهم وإسم أجداده .. ولكن كيف يخبرهما بما جاء فيها ..بالكلمات

الأخيرة لعمه و الذي كان يعرف طريقه قبل أن يصل إليه

خالد؟! كما أتى في الوصية لقد أدرك مكانه قبل الجميع وبطريقة ما كان يعلم جيداً أنه سيعود فور مغادرته هو لذا ترك كل الحمل ملقيه على عاتقه كما كان مخطط دائما

تنفس بتعب وهو يغطى عينيه بساعده ، يفكر في سطور الرسالة التي تركها مع الوصية الحقيقية لم يفقد عمه ثقته في إبنه كما أعتقد خالد بل كان يعرف أن رجل الأعمال الشاب كان قادرا علي وضع الحمل كله علي عاتقيه ولكن أيضاً رجل الأعمال الصلب كان يعرف أن خالد بشخصيته الغير مصقولة التي ينقصها الكثير من الخبرة لن ينجو وحده أمام حيتان شرسه ستحاول الدخول له من أي ثغرة والفتك به للأسف لن يدرك خالد أن عالم المال خالي من المشاعر ربما يقطع كل أوصال الرحم وأن حتى من يعتقد أنهم سيساندوه مثل ذلك التميم أو حتى حماه ذلك الحميدة سيطيحوا به دون تردد وسيتربصون به دائماً ليسيطروا علي كل شيء ،

إن إبن عمه فقط يحتاج لمزيد من الوقت لحائط يستند إليه لوجه شرس تحسب له تلك الغيلان ألف حساب .. وهو يجد نفسه رغمًا عنه يريد أن يقوم بهذا الدور ربما تكفيرا عن ظلمه لخالد عندما تركه وراء ظهره وغادر....

همس متغاضياً عن تفسير ياسر لسبب وضعه شرط زواجه من بدور إذ أنه علي كل حال لن ينفذه وإن بقي طوال حياته بدون إمرأة تدفئ ذلك البرد الذى يغلف كيانه ، مفتقداً تلك النيران التي لم تستطع أي إمرأة قط إشعالها فيه

إلا هي .. لقد أصدر حكمه وأنتهي منذ أعوام أنهما قصة حزينة منتهيه..روحين علقا داخل ليلة حزينة إنتهت بذبح حبهما و طعنته هي دون رحمه .. لقد أصبحت قصة النمر

والطاووس مجرد ذكرى من سراب يكررها علي مسامع ابنه بنهاية كريهة لن تُمحى أو تتغير أبداً..

..................................................



الأيام تأكل بعضها سريعاً والوقت مجرد عد تنازلي يسرق أرواحهم وإستقرارهم النفسى والعقلي داخل طاحونته ..

وها هي تجد نفسها مرة أخرى داخل مكتب إجتماع والدها ، بنفس الجلسة..بنفس الحقد والنيران التي لم تنطفئ ..بنفس الخذلان وقلة الحيلة والتخبط وهي لا تعرف ما الحل لتحمي أخيها ، ومؤسسه قد أفنت عمراً فيها من خسارة أضحت واقع محتمل ...

كان راشد يترأس طاولة الإجتماعات كما الماضي وكأن أبيها يصر علي إعادة الماضى بنفس دوامته وأوهامه ولكن ما تغير أنها مطلقاً لن تسمح لروحها التي أخرجتها من بين الركام بصعوبة أن تعود لذلك الإعصار ، كان خالد يجلس في مقابلتها ، ولكن ما إختلف مجاورة تميم الخطيب الذى عُقد هذا الإجتماع بناء علي طلب منه ... إذ بدأ في الحديث بعملية وهو يقول

" آسف لعدم مراعتى ، حزنكم والمشاكل الداخلية بينكم ، ولكن أسهم المجموعة تنخفض مما يمنحنى الحق للقول متى يعود كل شيء لسابق عهده ؟ نحن لن نتحمل أي خسارة حالياً"

قال راشد بهدوء " بالطبع حقك أن تقلق ، ولكن من قال أننا نعاني من أي تخبط ، هي فقط فترة لململة أوراق ، وفرد ملفات شخصية ، توسم طابع كل فرد منا في مكانه الجديد "

تلاعب تميم بكرة مطاطية بين يديه وهو ينقل نظراته بينهم بخبث ثم أغلق ملفه وهو يقول

" حسناً ، بعيداً عن الأعمال أريد أن أقول شيئاً بصفة صديق لبدور والسيد ياسر يا خالد "

أرجع راشد ظهره للوراء ثم نظر لبدور بإستخفاف

" صديق للسيدة بدور؟! "

نظرت بدور لتميم بسخط محذرة .. ولكنه لم يبالي إلا بنبرة خالد الجافة وهو يقول " بالطبع ، لك حرية الحديث "

ضغط تميم علي تلك الكرة بقوة للحظة ثم وضعها داخل جيب سترته الداخلى وهو يقول بجدية

" أنا أعلم بشأن الوصية ، وبالطبع أخبرت السيد راشد من قبل أن أهتم جداً بالرجل الذى سأتعامل معه والذى اتضح أنه هو .. وكما أشرت أن المجموعة لم تعد تحتمل نزاع رؤسائها فيما بينهم لذلك..."

قاطعة خالد بحدة وهو يرمق بدور بعبوس والتي كانت تجهل حقيقية ما يتحدث عنه " سيد تميم راشد أخبرك من قبل أن أمرنا الداخلي لا يُعنيك إطلاقا "

هتف تميم دون إنذار " عندما يهدد إخفاق وسقوط محقق كما كان الحال عندما دخلتها قبل ثلاث أعوام ، يصبح يعنينى "

تدخل راشد وهو يقول بنبرة مميتة

" سيد تميم ، هل تعلم أن أسهمك التي تتبجح بها وتأخذها ذريعة ، لتتدخل في شئوننا مراراً ، أنا قادر بفرقعة إصبع أن أدمرها تماما مخرجك منها "

إن إعتقد راشد أن تميم لقمة سهلة يمكنه أن يمضغها دون أن تقف في حلقه خانقه إياه فهو واهم إذ قال ببرود " لا تستطيع فعل هذا أنت لا تتحدث مع مجرد فتى مدلل ورث من والده السلطة أو المال ، بل رجل نحت في الصخر ، واضعا إسمه ونفسه بين كل الوحوش بحرب ضارية خرج فيها ظافراً "

غضباً خفياً إشتعل في عيني راشد وهو يقول

" جرب إذاً وراقبنى أفعل .. تلك العقود مع عمى بسهولة أستطيع تغييرها بصفتى المتصرف الأوحد الجديد "

أشاح تميم وجه بعيداً عن راشد وخالد ونظر لبدور الصامته ثم قال بجفاء " ليست إن وقفت هي كالشوكة في ظهرك إذ أن كل قرارتك يجب أن تحمل موافقتها كما موافقة السيد خالد والذى أعرف دون أن يخبرنى أنه للأسف سيتبع أي قرار تقوله أنت "

قال خالد بحزم " هل تحاول تهميشى هنا ؟ وماذا إن علمت أن إخراجك من هنا هو رغبتى أنا فقط "

إبتسم تميم في وجهه إبتسامة مخيفة وهو يقول " أعرف

ولقد أخذت إحتياطاتى جيداً ليوم كهذا "

لم يكن تميم بالرجل السهل علي الإطلاق ، هي تعرف هذا جيداً وتدرك أنه من الصعب جداً كسبه كعدو في تلك المرحلة لذا تدخلت وهي تقول بهدوء

" لا أحد يتحدث عن تغيير أي شيء هنا المجموعة ستستمر كما تركها والدى جميعنا نعرف أننا نحتاج للتكاتف من أجل مصلحتنا "

سأل تميم ببطء " هل يعنى هذا تنفيذ جانبك "

أغلقت جفنيها بقوة وهي تضم كفيها محاولة أن تسيطر علي جانبها النارى في وجود تميم ثم قالت

" أخشى إخبارك، أن بالفعل قرارى لا يخصك "

تنهد وهو يدعي الإستسلام ثم قال بصوت أجش

" أي أمر يخصك يهمنى يا بدور "

رباه لا ترمى في طريقي غبي آخر سيبعد فرصتى مع إبنى أميال ربما هندام راشد الحضاري وجلوسه بركيزة متحكما مسيطرا يوحى أنه لا يهتم ولكنها تعلم بالطريقة الصعبه أن آخر ما ترغبه هو إستفزاره

" سيد تميم من فضلك "

قال تميم بهدوء شديد " أنا سأستغل تواجد خالد هنا ، وسأخبرك أمامه بإتفاقنا المؤجل يا بدور إذ أن كل الأسباب التي منعتك تنافت الآن .. كما أنه سيمنحك وخالد خروج مناسب من تلك الورطة "

جحظت عينيها وهي تقول " عن أي إتفاق تتحدث يا تميم "

قاطعها خالد بحسم تخلله الغضب " دعيه يكمل حديثه "

وقف تميم يواجه كليهما بجسده الضخم ثم قال مباشرة وبثقة قاطعة " كنت أطلبها للزواج منذ عام وأكثر وكانت دائماً حجتها الوحيدة عودة إبنها وبما أنه هنا الآن لا أرى أي مانع بعقد قرانى عليها ذلك سيمنح الجميع حجة شرعية ، أمام وصية والدك ، لتمحيها تماماً وبهذا تحصل أنتَ علي إدارة المجموعة دون سلطة أحد عليك "

" رباه .. لا لا لا " هتف صوت مذعور بداخلها ، بينما تحدق في وجه خالد الغاضب بيأس وبصعوبة شديدة إستطاعت أن تنظر إليه هو.. كانت عيناه قد خلت من الإستهزاء و السخرية ليحل مكانها مرارة صافية وغضب .. غضب أحمر يلون سواد حدقتيه حاجبا الرؤية أمامه فشحب وجهها في التو..لا لم يكن يعنيها غضبه كرجل بل رعباً صافيًا أن يحرمها منه مرة أخرى..وما الذى قد يمنعه وقد فعلها من قبل دون أن يرف له جفن واحد..هزت رأسها برفض وضعف عصف بكيانها دون قدرة لها علي مداراته بينما وقف هو ببطء شديد ، مسيطرا علي نفسه بصعوبة وعلي جحيمه بقوة تحتاج لمئة رجل للتحكم فيها ثم مد يده بملف مغلق أمامها وهو يهمس " من فيه داء عضال لا يشفي منه ... أنتِ لن تتغيرى أبداً ؟!"



وبدون أن يلتفت إليها كان يرحل ..يبتعد .. مختفيا من أمامها .. "رباه "

إنصهرت حرفيًا في مقعدها وهي تنظر لوجه تميم المتجهم ثم قالت بلا تركيز

" من منحك الحق لتزوير الحقائق عن لسانى؟ أنا لم أعدك بشئ يا تميم .. لقد أخبرتك في آخر لقاء بيننا أن ليس لدى ما أقدمه لك او٥ لغيرك ، إذ أن ابنى ووالده من قبل قد أخذا كل شيء"

وقف خالد من مكانه ، ولم يحتاج ليستفهم منها أكثر إذ قال بلهجة لاذعة خالية من أي ذوق ولهجة باردة لا تعرف الرحمة

" أنت وقعت لتوك علي صك دمارك هذه المرة أنا من سأخبرك إياه إن اقتربت من أي فرد داخل عائلتى يا تميم ، ذلك الفارس الذى تستهين بوجوده هو من سيحرقك دون أن يرف له جفن "

" تحدث علي قدر حجمك أنا لا أدعي بل أحاول حمايتها من تسليمها لرجل ترغب أنت ووالدك في إدخاله حياتها رغم التاريخ المخذي الذى يعرفه الجميع "

وأنتهى كل تعقل أو رقي تحيطه بدله رسميه غالية الثمن يرتديها كلاهما إذ وبدون تردد كان خالد يوجه قبضته في منتصف وجهه

" أنت تخطيت كل حدودك "

تراجع تميم للوراء خطوات ممسد مكان قبضته ببرود ثم قال وهو ينسحب

" عرضى قدمته لك يا بدور وأنتِ تعلمين جيداً أن أي جحيم وهمى ستعانى منه معى ، أرحم من جنة آخر كل همه أن يعيد أمجاده القديمة بترأس المكان "

*********

ساعات مضت وهي جالسة على طرف الفراش تحدق في ذلك الملف بلا إستيعاب يذكر تنظر لبعض الحقائق فيه دون أن تفهم إلا شيء واحد ، شيء جرحها بقوة وإستنزفها ملقيها تتخبط في بحر أسود بلا قرار لا موجه يبتلعها عله يريحها من عذابها ولا هو يلقيها علي شاطئه ربما تتلمس النجاة ..

شعرت بيد خالد الذى دخل منذ وقت يربت علي كتفها ثم جلس جانبها وهو يقول

" لا أهتم بما يقول أو يدعيه أي أحد أنا أُصدقك وأثق فيك يا بدور "

إلتفتت إليه سامحه لدموع غزيزة أن تغرق وجهها وهي تقول " لقد بدأت أؤمن أن العيب فىَّ أنا إذ دائماً ما

يلاحقنى الحظ السئ "

زفر وهو يمسح دموعها بحنان ثم قال

" لن ننكر أنك مجنونة متهورة ولكنك أيضاً جميلة قوية وعنيدة إمرأة تجذب بسهولة إنتباه كل صالح وطالح لطلب ودها "

قالت بألم " لم أعد أريد لعب هذا الدور يا خالد أرغب بشدة أن ينسانى الجميع تاركين لي المساحة لأرمم نفسى لأكسب حب إبنى "

فتح ذراعيه في دعوة أن يمنحها شعور أنه سيبقي بجانبها جسر آمن يوصلها لبر الأمان فإندفعت متقبله إياه تضم نفسها اليه بقوة

" "دائماً ما يخطو والدك ليفسد كل شيء لماذا دفعنى لهذا مرة أخرى ويترك روحى معلقه بين يديه "

قال خالد وهو يتذكر ما قرآه سوياً في الملف الذى تركه راشد وكان ينوى إشهاره لولا ما قاله ذلك الخبيث

" لا أعرف يا بدور ربما حجته أنه يريد منحك فرصة أن ينهى وجعك الذي تعايش معه هو الحقيقة "

قالت بجمود " وربما كل ما أراده هو ترك إرثه من الألم وليس المال كما نعتقد ، والدنا يصر علي وجعى علي إرتباطى برجل مثله لا يتورع في الدعس علي مشاعر أي بشر أمام رغباته هو "

" تتحاملين عليه قليلاً ، لا أظن أن هذا ما قصده "

إبتعدت عن ذراعي أخيها قليلاً ثم قالت بإستهزاز

" بالطبع يترك مصيرى معلق في يد راشد إنه يلاعبنى بك

أنتَ وإبنى إذ أنه يعلم أنكما أكثر شخصين تهمانى في الحياة ،مؤكد هذا لصالحي تماماً وليس فيه أي أضغان شخصية "

لا فائدة من إقناعها ليس الآن علي الأقل ، بهدوء سحب الملف من جوارها ثم وقف من مكانه ، وهو ينظر لإياب الذى يتظاهر بالنوم بجانبهما وقال باسماً

" أهتمى أنتِ بذلك الاذعر وغداً لنا حديث سنرتب فيه أوراقنا من جديد أنا وأنتِ فقط ، بعد تخلصنا من كل المشاعر السلبية "

ألقت نظرة علي إياب قبل أن تهز رأسها موافقه، إنحنى خالد مرة أخرى ثم همس " هل يمكننى أخذ قبلة صغيرة ، دون أن تغضب "

رفع إبهامه وهو يضغط علي جفنيه بشدة ثم همس " أنا نائم الآن يمكنك تقبيلى لن أعرف "

نكش شعره بمشاغبة ثم قبله وهو يقول بنبرة متآمرة

" غداً ستجد مع جدتك ألوان جديدة وكراسة رسم مكافأة على القبلة التي لم تعرف بشأنها "

رفع إبهامه مرة أخرى موافقه ثم تحرك وإقترب يقبل جبهة بدور وغادر

لم تكن غيرت ملابسها ولم ترغب في فعلها بالأساس إذ كانت تشعر بإرهاق شديد ، لذا تحركت تفرد جسدها بجانب إبنها تضع كلا كفيها تحت وجنتها وهي تنظر إليه ، بنفس الوجع الذى لا يغادرها وأى ما كانت تفكر فيه لم يكن يحوى أن يقترب منها إياب بجسده الصغير مقلصا المسافة التي يحتفظ هو بها بينهما ثم يرفع يده الرقيقة مسندها علي صدرها وهو يهمس دون أن يفتح عيناه

" لا تبكى "

ضحكت من بين دموعها بعدم تصديق ثم همست

"لماذا أنتَ لا تحبنى لذا يفترض أن تسعد أنى أبكى مثلك

الآن "

زم شفتيه بقوة ثم قال بنبرة طفولية حنونة " توقفي عن البكاء وأنا سأحبك "

قالت بنبرة مرتجفه " إن قبلت أن أضمك اليّ دون أن تكرهنى سأتوقف "

" أمممم وضع أصبعه علي خده كأنه يقيم الأمر ثم قال ببراءة أنا نائم ولن أصحو قريباً لذا يمكنك ضمى وتقبيلى أيضاً ولن أكرهك "

كانت تشعر بالذهول بينما تمد يدها تحت جسده ترفعه إليها ثم تعانقه بقوة رحيمة تدفن أنفها مستنشقه رائحته الطفولية كأنه مخدر يمحو كل آلالمها كل مشاعرها ولا يبقي إلا إحساسها به هو " أنا أحبك جداً يا إياب "

قال بمشاغبة حلوه بينما يمرر يده علي شعرها الطويل المستريح علي كتفها مستمعا بملمسه وكأنها دون أن يدرك معنى ما يفعل يحاول إستكشافها كما هي تحفر كل إنش منه داخل ضلوعها

" أنا أنام الآن مرى عليّ غداً ربما أستطيع أن أحبك "

تبخر كل همها دفعه واحده ثم أبعدته قليلاً دون أن تتخلي عليّ إحتضانه ثم قالت

" ما رأيك إن صحوت الآن وأحبتتنى مرة واحدة فقط مثل طاووسك سأشترى لك المثلجات "

فتح عينيه علي الفور بفرحه سريعاً انمحت وهو يزم فمه بحزن ونظر إليها من تحت جفنيه بتذمر .. قالت برقة حزينة" هل وجهى يزعجك لهذا الحد إياب "

هز رأسه سريعا برفض ثم قال " لا ، أنا أحب شكلك ولكن "

إستطاع أن يرسم الإبتسامة علي وجهها مرة أخرى ثم سألته

" ولكن ماذا أخبرنى تستطيع الثقة بي "

" أنا إشتقت لبابا هو من يأخذنى دائماً لأكل المثلجات في الخارج ثم يحملنى علي كتفيه وأطير هكذا ...قام سريعاً واقفا علي قدميه وفرد يديه محلقا بهما كى يمنحها صورة واضحة لما يقصد

إعتدلت تجلس ثم سحبته من خصرة تجلسه علي حجرها وهي تقول " يمكننى فعل هذا منحك كل ما تريده "

" ولكن أنتِ لست بابا " قال بحزن

سألت بخفوت " هل تشتاق إليه ؟!"

أومأ وهو يقول " جداً سأخبرك سر لن تقوليه لماما"

إهتزت ملامحها متحمله منادته لغيرها بلقب من حقها ثم قالت " لن أخبر أحد أبداً أعدك "

نظر إليها بنوع من الذنب ثم قال بطفولية غير مرتبه " أنا أبكى دائماً لأنى أريد أن أراه ولكن سبنتى وهو يقولا

إن عليّ لا أفعل لأن هذا سيزعجك وأنه لديه عمل كثير لذا لا أستطيع أن أطالب به .. بابا لم يبتعد عنى أبداً أبداً من قبل سيدة بدور "

إرتجفت شفتيها من تعبيراته التي رغم بساطتها أصابتها في داخل قلبها ثم قالت " هل تشتاق إليه جداً ، ألا يمكنك البقاء معى قليلاً ، أنا الأخرى أحتاجك معى حبيبي "

فكر مرة أخرى قبل أن يقول معبراً عن نفسه صادما إياها

بإنتقاء كلماته

" عندما أبكى هنا يوجعنى جداً ، ولا أستطيع أن أتنفس هكذا وهذا يزعجنى أيضاً"

حدقت في يده المشيرة نحو قلبه وفي فمه الذى يمثل

إلهاث بتسارع ثم قالت ببهوت

" وهل إن رأيته سيتوقف هنا عن إيلامك"

هز رأسه سريعاً وهو يقول " أختى دائماً تقول عندما تبكى أننا إن رأينا الأشخاص الذين نحبهم سيزول الألم ... أختى أيضاً كانت تبكى كثيراً واضعه يدها هنا "

كبحت بدور شهقة الألم وهي تضمه إليها بقوة ثم همست

" أو ربما رؤياهم لن تجلب لنا إلا مزيد من الوجع يا صغيرى "

إبتعد عنها رافعا وجهه نحوها دون نزقِه المعهود

هذه المرة .. ثم قال

" إن أعدتينى لبابا أعدك أن أحبك جداً وأن لا أرفض اللعب معك مرة أخرى "

أغمضت عيناها بحرقة ثم قالت

" ولكنى سأفتقدك أنا أريدك أن تبقي معى "

أزاحها ووقف مبتعدا عنها ثم جلس هناك في طرفه البعيد

الآمن يضم ركبتيه بذراعيه ثم بدأت دموعه في الهبوط وهو يقول

" إذاً أنا لن أحبك أبداً .. أبداً "

زحفت نحوه تمد يدها إليه في محاولة لإعادة سلامها معها فأشاح بوجهه بعيداً رافضاً ... عنيداً كحجر الصوان ، مثلها ... إبنها لن يقبل بها إلا بشروطه ، بتنازلها هي لكسبه وأمام إعادته إليها وأن يعرف أنها أولي به من الجميع ستفعل أي شيء ..وكل شيء ، ألم تعد نفسها كل ليلة بهذا ، أثناء غيابه

.................................................. .



كان الوقت قد تخطى منتصف الليل عندما كان يصدح صوت الهاتف الداخلي مراراً ، إلتقطه من جانبه بقلق وهو يجيب الحارس الجديد الذى قال " أعتذر .."

قاطعه بعصبية " ليس وقت إعتذار ماذا هناك"

هناك سيدة ترفض فتح باب سيارتها وتريد الدخول "

" إسمح لها أياً من كانت "

إستبد القلق به وهو يقفز من علي الفراش ..غير مُعنى بأن يغير منامته الرياضية بل إندفع سريعاً نحو الباب ، الخارجي وأثار النعاس لم تغادر عينيه ..

توقف مكانه بذهول وهو يراها تستند إلى السيارة حامله إياب الذى أخذ يصرخ مهللا لرؤياه إقترب منها وإلتقطه بعفوية ، يقبله بقوة بإشتياق مبادلا إبنه صخبه وفرحته دقائق طويلة إستغرقاها مع بعضهما وهي تراقب إبنها يحتضنه تاره يقبله تاره ثم يهمس له بأشياء داخل أذنه وهو كل ما يفعله أن يبادله متقبلا منه شغبه الطفولي بصبر ، بحنان.. بحب لا ينافس هل رأت أبوة راشد لسبنتى وحسدتها بحسرة عليها من قبل ..أياً ما كانت تراه الآن لم يكن يمت لعلاقته بإياب بصله إذ أنه ما كان يلمع في عينيه لم يكن حب فقط بل شيء أشبه بالهوس ..دقائق فقط دقائق قليلة جداً شعرت فيها بكل هذا فما باله وهو من حاوطه رضيعاً ..

مدت يدها تمسح دموع عينيها في محاولة مستميتة أن لا يلتقطها ...

ولكنه فعل عندما وضع إياب أرضا وتوجه إليها أخيراً ينظر إليها بسعادة !! بعدم فهم وفسرها وهو يقول

" لماذا؟ لقد أردتِ فرصتك معه ؟!"

لم تعرف بدور أن تحلل شعورها الآن بكلمات ولكنها أخذت مبدأ إبنها طريق وهي تهمس بإرتجاف

" أنا لا أريدك بحق يا راشد كما لا أريد تميم ولا غيره أنا لا أعرف حتى عن أي وعود يتحدث في بعاد أياب عنى أنا كنت ميتة وحتى يعترف بى انا لن أحياء "

إقترب منها خطوة ثم أبعد خصلة من شعرها كان الهواء قد حركها لتخفي ملامحها ثم همس بصوت أجش تكدست فيه عاطفة عاصفة .." أن تأتى أنتِ الي ... أن تتنازلى أنتِ هذا يعنى الكثير ، يفسر الكثير ... أثبت أن كل ما تقولين ..صادق جداً يا بدر البدور "

إغرورقت عيناها بالدموع قبل أن تقول بصوت إهتز من شدة القهر " فليذهب للجحيم كل ما تظنه وكأن يهمنى تصديقك من عدمه ..... أنا كل ما أريده إياب ....لذا أرجوك بقلب أب يعرف كيف هو حب الأبناء أن تقتنع من يحدثك في تلك اللحظة هو قلب الأم فقط ..أريد حب إبنى يا راشد وأنا مستعدة لفعل كل شيء لإكتسابه إلا زواجى منك ؟!"

تنهد مفلتاً ضحكة عفوية ثم قال بخشونة " لا شيء يقدم مجاني إن أوصلتك بنفسي إلى قلبه جاعله يعترف بك مثلي .. ماذا ستقدمين أنتِ لي ؟!"



انتهي قراءة سعيدة






التعديل الأخير تم بواسطة كاردينيا الغوازي ; 30-03-20 الساعة 04:08 PM
Nor BLack غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 30-03-20, 04:51 AM   #2309

Nor BLack
 
الصورة الرمزية Nor BLack

? العضوٌ?ھہ » 455746
?  التسِجيلٌ » Oct 2019
? مشَارَ?اتْي » 360
? الًجنِس »
? دولتي » دولتي Egypt
?  نُقآطِيْ » Nor BLack has a reputation beyond reputeNor BLack has a reputation beyond reputeNor BLack has a reputation beyond reputeNor BLack has a reputation beyond reputeNor BLack has a reputation beyond reputeNor BLack has a reputation beyond reputeNor BLack has a reputation beyond reputeNor BLack has a reputation beyond reputeNor BLack has a reputation beyond reputeNor BLack has a reputation beyond reputeNor BLack has a reputation beyond repute
¬» مشروبك   star-box
Rewitysmile17

الفصل الواحد والثلاثون ج1



وفي خفايا القلب أحدثك

أيها الغائب وكأن عيني تراك..

وما بين ليلي وفجري..

أذكرك وكأني أشكوك لهواك

خاطرة بقلم "نور شمس الصباح "


*********



تنهد مفلتاً ضحكة عفوية ثم قال بخشونة "لا شيء يقدم مجاني إن أوصلتك بنفسي إلى قلبه جاعله يعترف بكِ مثلي.. ماذا ستقدمين أنتِ لي؟!"

تصلب فكها بعنف بينما هذا الجزء الذي لم يمحى من شخصيتها قط تحفز مطلق نيرانه عندما هسّت من بين شفتيها بغضب "هل تساومني على عودة ابني لي.. حبّه الذي سرقته مني كما حرمته هو من الشعور بحناني؟!"

أفلت يد إياب وأخذ خطوة أخرى نحوها حاشرها حشراً بين جسده وسيارتها ثم دون مقدمات وضع يده على فمها مانعها من مواصلة بداية ثورتها، وهو يقول "انعدام الثقة بيننا هو ما يحرككِ لذا لا تطلقي أحكام بتهور، إن كنتِ أتيتِ من أجله فأول خطوة سنفعلها سوياً هو أن تنحي مشاكلنا جانباً!"

أرجعت رأسها للوراء دون أن يؤثر بها تلامسهما الوشيك، دون أن ينتفض جسدها شوقاً ورهبة كما كان في الماضي يفعل بها قربه الأفاعيل.. ثم تمتمت بغيظ "ماذا تقصد إذاً؟"

ابتسم!! هل ابتسم البارد المستفز رداً على حرقتها؟!

نظراته تنحت نحو ابنها متوسع العينين الذي يرصدهم بفضول.. ثم عاد بكامل انتباهه إليها وهو يقول بهدوء "سأمنحكِ فكرة لتخمني ما أريده وهو كثير بالمناسبة، وأول ثمن هو عشاء يجمع ثلاثتنا!"

أجفلت وهي تنظر إليه بحدة، سرعان ما انمحت ليحل مكانها عدم الاستيعاب، تنهد وأكمل بهدوء "الأيام الماضية لم تكن جيدة بالنسبة لي، أنا لا أذكر حتى متى تناولت آخر وجبة، والآن بعد رؤيتكم هنا, أشعر بجوع غريب ينهش معدتي!"

رمشت بعينيها غير مصدقة تفاهة ما يقول "هل هناك جن من النوع الأهبل يسكنك يا راشد؟!"

قهقه وهو ينظر لابنه الذي بادله الضحك رداً على سعادة والده حتى وهو لا يفهم حقيقة ما يجري، ثم قال "لكِ حرية القبول أو الرفض، ولكن العرض مغري ولا يُرفض، سأطبخ لكم بنفسي!"

ازدردت ريقها وهي تنقل نظراتها بينه وبين ابنها بتخبط، حتى استقرت أخيراً على وجه إياب الضاحك لها، دون نفوره أو حزنه الدائم.. لتسقط كل أسلحتها دفعة واحدة، ويغزوها ذلك الضعف المعتاد أمام ذلك الكيان الصغير النقي ابنها ..ثم تسللت إليها أخيراً ابتسامته وقالت بحلاوة "أوافق.. فقط لو سمح لي إياب، بحضن آخر دون أن يكرهني!"

‎بهتت ملامحه وتصلبت مع طاقة عنيفة من الألم شعرت بها تتسلل منه عبرها مما دفعها أن تعود لتحدق فيه مرة أخرى لثوانٍ لدقائق أو لفترة طويلة من الزمن فقط, تحديق صامت بحرية تامة متشرباً كل واحد فيهم ملامح الآخر بوجع يُغزَل من خيوط متينة لا تُحل ولا تُبلى مغزل من الجرح الصافي...

‎"ابني يكرهني, لا يسمح لي بالاقتراب منه هل لديك علم بهذا؟!"

‎قال بصوت رخيم "لم أتوقع هذا أبداً يا بدور.. اعتقدت أنه ورث قلبك البكر القديم.. بأنه أبداً لن يعرف كيف يكره أو يحقد!"

‎همست بصوت أجش "على يديك تعلمت كل المشاعر السلبية التي دمرتني!"

‎اخشنّ صوته كما تحفزت كل عضلة في جذعه وهو يقول بصوت أجش "هل هذا عتاب؟ هل سنعود من مكان ما توقفنا؟!"

‎رفعت وجهها بتصلب أمام رأسه المنحني عليها ثم قالت بصوت لا حياة فيه "لا.. نحن لم نتوقف بل انتهينا، وما عاد شيء يستطيع أن يصلح ما كان، أنت لن تملك يوماً ما يقدر على محو أوجاعي"

‎قال بخشونة "إجابة جيدة"

‎ابتعد عنها أخيراً سامحا لها أن تتنفس بحرية، أن تبتعد عن سطوة تهديده، بأن تفخر بأن ما عاد هناك ما يملكه هذا الرجل ليؤثر فيها.. "اعتقدت أنك ستساومني به, بأنك تملك ورقته لتهددني؟!"

‎توقف أمام ابنه الذي رفع إليه ذراعيه ليحمله داسه على قلبه ثم قال بصوت رخيم "حبّ ابنكِ حق فطري لا أحد يملك القدرة أن يسيطر عليكِ به.. صدقي أم لا يا بدور.. أنا أريد لابني أن ينافس حبكِ في قلبه حبه لي"

‎قطع خطوة للإمام نحو باب المنزل، ثم أحسّ بعدم تقدمها مما دفعه ينظر إليها مستفسر وهو يقول مشاكساً "لدينا سلمون جاهز للطهي والكثير من الزيتون المُرّ كما لسانكِ، ألن تعيدي التفكير في الأمر؟! "

‎جحظت عيناها بصدمة ثم قالت ببرود "أليس لديك زيتون أسود كاليوم الذي عرفتك وأحببتك فيه؟!"

‎تشدّد جسده كما لو أنه بحالة من الترقب والدفاع أو كأنها صدعت شيئاً من دفاعاته ثم ما لبث أن قال بفك متصلب "كاليوم الذي كنتِ تتوهمين أنكِ أحببتني فيه يا بدور!"

‎أطلقت شيئاً شبيه بضحكة مختنقة ربما تبدد بها ذلك الشعور الجامح الذي يسيطر على عقلها ويخبرها بأن الرد الوحيد السليم على كذبه أن تضربه، تصفعه، وتنهش وجهه بأظافرها حتى تتفجر الدماء منه ربما تُهدأ بعضاً من توترها وتشفي غليلها... رفع إياب رأسه ينظر من خلف كتف أبيه ثم قال بمساومة حلوة وكأنه يتضامن معه في تليين رأسها لتضعف نحوهم "أنتِ سيدة لطيفة، وإن تناولتِ الطعام معي سأمنحكِ قبلة"

‎نقلت نظراتها نحو ابنها وكالسحر كان كل تفكيرها السوداوي يتبدد..

‎كيف لها أن تفكر في أي شيء.. أن تركز على أي أعاصير بداخلها.. أن تقاوم أمام كتلة البراءة، والذكاء هذه.. قطعت الخطوات بينهم حتى وقفت خلف ظهره تماماً ثم مدت يدها, تلمس رأسه, تقبل يديه الممدودة نحوها، وهي تقول بنبرة خنقتها العاطفة "يمكنك منحي قبلتي الآن، وأعود لمنزلي كما وعدتني قبل أن نأتي إلى هنا"

‎عقد حاجبيه ونظر إليها بحنقه المعتاد ثم قال ببساطة صادمة "لا أريدكِ أن تغادري، أنتِ تبكين كثيراً هناك، كما كنت أفعل أنا"

‎بهتت مرتبكة ولحسن الحظ أن راشد يمنحها حق المجادلة الذي لن يستوعبها ابنه إذ أنه مد كفه يقبض على يدها بتشدد رفيق ثم قال مكرراً بخفة "تعالي معي... فأنتِ تبكين كثيراً هناك، ربما ما يحاول أن يقوله إياب أن وجودكِ معه لأول مرة على طاولة واحدة دون مشاعر غضبه ورفضه نحوكِ ستطبب قلبكِ"

‎"نحن لسنا أطفال.. اترك يدي"

‎قال ببرود وهو يتحرك بالفعل نحو الأمام "أحسنتِ, نحن أب وأم يحاولان اكتساب طفلهما العنيد كأمه الصوانة.. لذا سنتصرف بقليل من النضج والكثير من التنازلات حتى وإن أجبرنا أن نتناول شيء من يد شخص نتمنى احتراقه بنيزك تائه في المجرة!"

‎تنهدت بنفَس مفتعل وهي تقول بتضرع "لَكَم تمنيت هذا كل ليلة, ولكن يبدو أن النيزك طلب بعيدٌ عن أحلامي"

‎تبسم وهو يقول مازحًا بجدية مفتعلة "ربما عليكِ تغيير الدعوى الخيالية بشيء واقعي أكثر"

‎تساءلت سريعاً باهتمام "ماذا ترشح.. أريد شيء مبتكر ومؤلم يحرقه ويقتله ويفتته وفي نفس الوقت لا يمنحه حتى دقيقة لقول الشهادتين أو طلب الغفران"

‎"يبدو أنكِ استغرقتِ كثيراً في تخيل المشهد"

‎"أوووه لن تتخيل مطلقاً لكم كان مجرد التخيل مفرح ومريح في الآن ذاته"

‎توقف أخيراً في حجرة الاستقبال ثم زفر مطلقاً ضحكة بائسة والتفت إليها وهو يقول برزانة "مرحباً بكِ في منزلي لأول مرة يا طائر السنونو"

‎للحظات كانت عيناها تجري سريعاً على أثاث المنزل, على هيئته وتأسيسه.. مما جلب قفزة معذبة بين أضلعها وهي تتبين الديكور المستنسخ من شقة زواجهم المشؤومة والتي كانا قد اختارا كل قطعة فيها سوياً، ازداد وجه بدور امتقاع وهي تقول بصوت باهت "لدي أسماء كثيرة عندك.. مما يجعلني أتساءل أيهم أبشع في معانيه المخفية؟؟!"

‎**********

هل سمعت من قبل عن شعلة النار في باطن الأرض تحت جبل من الجليد القاسي في القطب الشمال...

كلاهما مدمر...

كلاهما يهدد بعضه بقتل شموخ الآخر، دعسه تكبره والإطاحة بغروره، أو ربما تأمل الطبيعية يوماً أن يتحدا متنازلين عن صلابتهما، مستسلمين لأقدارهما..

لتحول تلك الشعلة جبل الجليد لبحيرة من الماء العذب تمنح الحياة والدفء, ترقرق بقطرات ناشرة السلام في وقت القحط ثم تنطفئ.. جميعهم يأمل.. جميعهم يريد.. ولكن الشيء المؤكد، والمتوقع أن يوماً ما.. قريباً أو بعيداً ستشتد تلك الشعلة وتلتهم الجليد منفجرة بكل المشاعر التي تنحت جانباً..!

‎وهكذا كانا هما وكأنها اتفقا ضمنياً دون اتفاق معنياً..

*********

"أنتِ لم تعودي شريرة، أعدكِ أن أحبكِ، بعد أن أعدتني لبابا" قال إياب مبدد حدة الصمت التي غرق فيها كلاهما وكأن كل منهما قد نفذ أو ربما هما لم يعودا يجيدان فن الحوارٍ من أي نوع بعد كل تلك القطيعة وعذاب الهجر..

‎همست مستسلمة "وأنا أحبك وسأحبك دائماً"

‎"هل ترغبين باللعب معي؟!"

‎قالت "أُرحب بهذا، ما هي لعبتك المفضلة؟!"

‎كان فعلياً أول حوار يتجاذبه معها ابنها، جالب إلى صدرها الكثير من المشاعر المختلطة مما دفعها لتذكر كلمات نوة.. ابنها مجرد طفل ينسى سريعاً، يكره أسرع، ويحب قلبه الطاهر بسهولة دون خبث ، ودون احتياج للالتفاف!

‎"البازل" قال راشد وإياب في صوت واحد

‎قالت بتلقائية "يحب تركيب الحاجيات، حمداً لله أنه لم يرث عنك حب الشطرنج وتحريك كل القطع في لعبتك بقوانينك"

‎كان منهمك في تجهيز الطعام بهدوء وسلاسة تامة, يتحرك هنا وهناك برشاقة لا تناسب جسده الضخم مطلقاً.. غضت بصرها سريعاً رافضة و جابرة عقلها على التشتت بعيداً عن تأثيره... السنون لم تغير براشد شيء... ربما زاد وسامة خشنة بوحشية ملامح غير مصقولة... وربما نضج أكثر مما كان عليه وكأن الأربع أعوام غيرت فيه الكثير من الداخل والذي عكسه على خارجه... بالطبع إن تغاضت عن الشعيرات البيضاء التي غدت فضية اللون تمنحه جاذبية... تباً وكأنه يحتاجها بالأساس... لطالما كان راشد يحمل سحرًا خاص لا يقاوم, شيء يجذب ضحاياه في شباكه دون أدنى مجهود منه..

"لن أدخل حرب كلامية معكِ.. ربما أسمح بها داخل العمل، لكن هنا ومع ابني أنا رجل مسالم تماماً" قال مازحاً مُصِرّ على ما يبدو على أن يزيح كل التوتر جانباً, أن يجعلها أكثر ارتياحاً للوضع الذي أدخلت نفسها فيه!

‎أطرقت برأسها وهي تحرك كلا كفيها داخل شعرها بنوع من التوتر والعصبية وهي تتمتم "ربما, سأفعل مثلك"

‎أتاها صوته الجاد قريباً جداً يسأل باهتمام "هل أنتِ بخير؟!"

‎لم تحاول النظر إليه وهي تقول بخفوت "صداع، من قلة النوم ربما"

‎"لدي بعض المسكن"

‎قاطعته بطبيعية "لن يؤثر سأعود للمنزل وآخذ دواء يساعدني على ساعات من النوم "

‎إن استفسر عن حاجتها لهذا سيكون سؤال سخيف لا معنى له, إذ أنه هو الآخر يلجأ حتى اليوم لهذا الطريق المسموم..

‎عاد مرة أخرى، يلتقط بعض الأطباق من رف علوي، ثم جهز الطاولة أمامهم متحرك بسلاسة، ثم وزع الطعام بينهم بالتساوي، متخلل تحركاته مناغشات منعشة بينه وبين إياب الذي يقف على المقعد، يثرثر بكل الأحداث الشيقة التي حدثت في منزلهم وبالطبع لم يغفل ابنها عن جلدها بتذكيرها كم اشتاق إلى والده في الوقت الذي يعتقد أنها منعته هي عنه.. سمعته يقول وهو يعود للطاولة أخيراً بإبريق عصير طازج "أولاً, أنا من طلبت منها أن تبقيكَ معها، لأنها تهتم بك مثلي وسبنتي ثانياً"

‎أفرغ يديه والتقط الصغير على ذراعه ، ثم بدأ زغزغته بفمه ليطلق ابنها ضحكات أبهجتها وهي تراقبهم بعينين لامعتين تختلط فيهما الأحاسيس المتخبطة..

"ثانياً يا بطل، هي ليست سيدة بل صديقة عزيزة تفتقد إياب جداً جداً.. لذا أنت لن تناديها بسيدتي مرة أخرى"

‎عبس وهو يقول "هي كبيرة، ماذا أناديها؟!"

‎ماما.. ناديني ماما لمرة وحده أستطعمها منك, أشعر بمعانيها من قلبك يا صغيري، أحس أنك عدت إليّ حقيقة روحاً وكياناً وليس مجرد جسد خالي من الروح التي منحتك إياها... توسلت, انهارت، وانكسرت ألف قطعة دون أن تجرأ على الصراخ بها..

‎ابتلع راشد ريقه وتوقف الزمن للحظة بينهما، كلاهما ينظر للآخر.. دون أن يجدا الإجابة المريحة، وإن كانا اتفقا مرة أخرى أن لا يقلبا عالم ابنهما مرة واحدة ويهزا كيانه عديم الفهم..

‎"بدور، أنا أوافق أن تناديني باسمي كبداية لصداقةٍ بيننا"

‎"أمممم" أصدر صوته التقييمي المعتاد وهو يضع إصبعه على ذقنه بتفكر ثم مد يديه نحوها في دعوة للجوء إليها!

‎نهتت دون صوت, وانهارت دون انفعال، متمسكة بصمودها أمامه، وقفت من مكانها والتقطته من أبيه الذي منحه إليها برأفة مذكرها على حين غرة بأول مرة وضعه بين ذراعيها فور أن فاقت من غيبوبتها وإدراكها أنه غادر أحشائها "ليته كان ينفع بقائك بجوار كبدي دائماً!"

‎اغرورقت عيناها بدموع تلقائية بينما تشعر به يحرك يديه الصغيرتين على وجهها ثم يطبع قبلة عميقة جداً على وجنتها وهتف صاخباً "أنا أحبكِ, أنتِ طيبة يا بدور صحيح؟!"

‎هي انتهت وبدأت، دُمّرَت وبُنيَت...

‎ماذا قد تعبر أو تقول أمام بساطته، أو سلطته التي تجلدها، تُميتها وتُحييها، همست مختنقة "وأنت خلقت بداخل قلبي قلبا آخر، صديقي الجديد الطيب"

‎صفّق مهللاً، وكأنه أنهى أعظم صفقاته قبل أن يخبرها "أريد أن آكل الآن، فأنا لم أحب طعامكِ"

‎لم تتذمر أو تحزن بل أدخل لقلبها السرور وهى تسايره "وأخيراً اتفقنا في أمر واحد، أنا أيضاً لا أحب طعامي"

‎أجلسته على مقعد مجاور لها مقربة إياه جداً منها حد الالتصاق.. بينما عاد راشد يجذب انتباها وهو يقول برتابة "إياب يحب عصير الجريب فروت أيضاً" صمت لبرهة أمام ارتباك ملامحها ثم أضاف موضحاً ما تفكر فيه بالفعل "ربما لم أملك رفاهية أن أعيده إليكِ... أو أخبره عنكِ.. ولكن حاولت دون أن أدرك حتى أن أجعله يتشرب كل تفاصيلكِ"

‎هذا كثير لتستطيع التعامل معه في يوم واحد ...أغمضت عينيها بتعب وبزهد في مقارعته أو حتى لومه وعتابه لا هو ما عاد يستحق ..

ربت على يدها جابرها على أن تفتح عينان تقدحان شراراً وهتفت فيه على الفور "توقف عن لمسي وكأنك تملك كل الحق"

‎ابتسم بتلك الطريقة المتندرة ثم أحنى رأسه وقال بتفكه "لقد رفضتِ أن تمنحيه لوقت طويل لغيري, وهذا إن عنى شيء فهو حقي بامتلاك الكثير بكِ"

‎تهكمت "وربما وصية عمك تتيح لك ما لم تستوعب أنك لن تشتم عطره"

‎حرك كتفه وهو يرفع شوكة الطعام نحو فم ابنه ثم قال بصوته العميق هذا إن نفذتها بالأساس يا بدور!"

‎انسجام كليهما كان يقلب كل شيء فيها كالأعاصير.. فلم تسيطر على نبرتها التي خرجت أجشة "هل تريد لعب دور البطولة معي؟!"

‎عاد يمنحها نظرة بلا معنى, يغلف نفسه داخل جدار من العزلة, حتي قال أخيراً مربكها "لا أحتاج لأن أشتم عطر امرأة يختلط بدمي يا سنونو..."

‎صمت أمام حدة تنفسها وهي تحدق فيه بعينين ذاهلتين وضائعتيّ المشاعر, ثم أكمل "تناولي طعامكِ يا بدور لأوصلكِ مع ابنكِ لمنزلكِ قبل أن يكتشف أحد غيابكِ"

ثم شرعاً أخيراً في تناول الوجبة.. وجبة ضمت ثلاثتهم لأول مرة دون تخطيط مسبق، دون توقع أو أن يخطر على بال أحدهم عندما غادرا مقر الشركة نهاراً متوقعين الفتك ببعضهما، نزال آخر لن ينتهي إلا بتدمير أحدهما الآخر على الأقل من جانبها... وجبة عنت الكثير بالنسبة إليه أنعشت دواخله، وجلبت لقلبه اضطراب غير محتمل عبّر عنه بالقول الصبور, كأنه لن يكتفي أبداً من سماع ردها من بين تلك الشفتين التي يمنع نفسه بمعجزة عن تذكر مذاق عسلهم المخلوط بمرار الزيتون المعتق كما هي في قلبه... رباه, ألا نهاية لهذا الالم؟؟!

‎"والآن دوري أن اشكركِ لإعادة شيء زهيد من حقوق إياب علينا.. هذا ثمن لن أستطيع أن أُوفيكِ حقه يا سنونو"

‎وجهها الشاحب كان يعكس بوضوح تلك الدمعة العالقة بين أهدابها إلى ما لا نهاية، لامس فيهما الألم والحزن وهي تسأل بصوت مهتز "ما الذي ذكرك بلقبي قديم؟"

‎برقت عيناه بشكل عنيف.. بشيء مخيف هدد كل دروعها ثم قال مباشرة دون تلاعب دون التفاف "هناك شيء تغير أمر مُحي من داخلكِ, معيد تلك المراهقة، البريئة و القوية المصرة على إرضاخ أعتى القلوب في حضرتها.. ربما المرارة موجودة.. التجربة ما زالت منقوصة ولكن ما زال يقبع ذاك السنونو بصمود ليخرج للعالم هذه المرة بالطريقة الصحيحة دون أن يؤثر فيه سهام صياد جامح ومتهور"

‎أطلقت ضحكة متهكمة بينما تهبط دموعها جارية على خديها سامحة له برؤيتهم دون زيف التستر "وأنت ما زلت كما أنتَ.. تحب التلاعب بالمعاني الغامضة"

‎لم يتردد أن يسمح لنفسه أن يميل نحوها ماداً أنامله برقة ماسحاً دموعها ثم قال بحسرة "معكِ لم أكن غامضاً.. أنتِ التي لم تحاول أن تفهم أو تستمع لي أبداً"

‎تهكمت مرة أخرى "بالطبع أنا الأنانية المجرمة وأنت الضحية!"

‎أطلق زفرة أخرى متعبة ثم قال "لا, بل أنا من ارتكبت جرماً في حقك أدرك أنه لن أستطيع التكفير عنه.. أنا كسرت شيء بداخلك لن يُجبر أبداً.."

هزت رأسها سريعاً دون أن تحاول إبعاد كفه عنها ثم قالت بجمود من بين جفونها التي أغلقت "لا تبدأ، إياك أن تجرؤ وتفعل، نحن هنا من أجل ابني... نحن انتهينا"

اعتدل تاركها تلملم نفسها المبعثرة، ثم قال بنبرة خلت من المشاعر "ومن قال أني سأبدأ ، بالأساس ما عاد يجمعنا شيء يمكن أن يقال"

***********

لقد انتهى كل شيء قبل أن يبدأ!!

كل أحلامها الراغبة في حياة جديدة وأمل كان يتراقص بين الضلوع، دافعها إلى طيّ صفحات الماضي الكئيب تحول لكابوس بشع صعب الإفاقة منه... لقد حول كل شيء بوجوده هنا إلى "أمل أسود"

لماذا أتى وكيف عاد ولما تذكرها... ومن عديم الرحمة والإنسانية الذي أوصله اليهم... بل السؤال الوحيد الذي يدور في عقلها المضطرب المفجوع برؤياه "ما الذي يريده منها بعد كل هذه السنين... هل تذكرها فجأة بعد أن دمرها، بعد أن زهد كونها زوجته... ألم يخبرها في آخر لقاء محطم بينهما أنها لم ولن تكون زوجته أبداً... ألم يطلقها؟؟؟ بلى لقد طلقها، فهو من قطع تلك الورقة التي تربطهما أمام عينيها، ذبحها مرتين.. مرة باغتصابها وهو ينظر لجسدها الدامي وكأنها قمامة ثم نحرها مرة أخرى بيمين الطلاق... بأنها لا شيء وكأنها مجرد.. مجرد....

"رباااه، لماذا عاد؟!"

جلس أيوب بهامة محطمة في غرفة مغلقة بعد أن تفرق الجمع, ما بين فَرِح ومحبط، حزين لما آل إليه أول فرح حقيقي يدخل منزله المليء بالجراح...

حرك بصره ينظر لابنته التي تجلس بفستان خطوبتها، منزوية بعيدًا في أحد المقاعد ودست رأسها بين كفيها وكأنها لم تفق بعد من صدمة وجوده أو لم تستوعبها إذ أنها لم تنطق بكلمة واحدة.. حتى أنه جرها تقريباً لتدخل معهم إلى هذه الغرفة...

بينما... حسناً...

يقف الرجلان بتحفز وعلى استعداد تام لنزال قد يفتك فيه أحدهما بالآخر، كما كادا أن يفعلا لولا تدخله وفض الاشتباك بينهما...

أخيراً استطاع أن ينطق هو مبدد حدة سكون الصمت القاتل فيما بينهم وهو يقول بهدوء "اجلسا لنستطيع التحدث، ويشرح لنا السيد ممدوح سبب قدومه الليلة بالذات وقول ما قاله؟!"

اومأ طه برأسه باحترام ثم تحرك بغضب مكبوت يجلس في مقعد مجاور للورين وهو يقول بنبرة مظلمة "لا أعتقد أن هناك مزيد من الشرح عماه، لقد قلتها بنفسك هذا الغريب قد أتى خصيصاً ليحطم ما تبقى منها!"

أطلق ممدوح غمغمة شابهت ضحكة مستهزئة ثم قال وهو ينظر نحو أيوب "إن كنت تقصد أني فعلتها بمؤامرة مقصودة فأنت مخطئ، أنا لم أتخيل في أكثر أحلامي سوداوية أن أجدها بعد كل هذه المدة من هروبها المتعمد وهي تتزوج برجل غيري!"

تماسك أيوب بهدوء يجبره عليه رجاحة عقله وسنه، بعد كل هذه الخبرة التي اكتسبها من المصائب التي لم تترك جراحه قط تتماثل للالتئام ثم ما لبث أن قال بحزم "أنتَ طلقتها بناءً على ما أخبرتني إياه، وعودتنا لبلادنا لم تكن مخفية قط عن أحد، لذا لا تدّعي أمراً لم يحدث أمامي"

نظر إليه بعينين حملت الغضب ممزوجا بالإحباط ثم كرر ما قاله في الزفاف عندما لاحظ الأعين التي نظرت إليها بتقليل واستهانة بل واتهام واضح وضوح النهار بأنها مجرد امرأة منحلة، لا يمنعها رابط مقدس لتترك زوج وراءها وترتبط بآخر بمنتهى الوقاحة مما دفع تأنيب الضمير أن ينهشه ويصلح صورة حطمها وجوده في هذا المشهد الذي وجد نفسه فيه دون أن يسعى إليه حتى.. إذ أنه دفع طه الذي كان على وشك أن يضربه ويدفعه بعيدا وصرخ بصوت جهوري بأنه ردها إليه دون أن تعلم ...وأنه بالفعل طلقها ثم ندم ولكنها كانت قد اختفت فوجد نفسه يردها إليه غيابياً حتى يجدها... إن لورين قد استحقت منه أن يفرض حماية لسمعتها وتطهير ثوبها قبل أن يلوث حتى لو عنى هذا أن تُلطخ صورته هو...

قال أخيراً محتفظاً لها بحقيقة ما جرى "ربما رميت اليمين بعد شجار حاد بيننا ولم أكن أعي فيه ما أفعله.. ولكني رددتها أمام نفس الشيخ الذي زوجنا وبعض الشهود في المجمع الإسلامي هناك.. إن أردت تستطيع التأكد والتحقق بنفسك... لأني أشهرته بالفعل سيد أيوب!"

وقف طه بغضب وهتف فيه دون تردد "لقد أخبرتني كل شيء عنك، أنت مجرد متلاعب لعين لا تحترم شرع ولا عادات وتقاليد.. لقد مزقت الورقة التي تربطكما منكراً حدوث الزواج بالأصل، فأي دليل قد تكون زورته ببعض المال العفن!"

الغضب تصاعد مرة أخرى شيئاً فشيئا بداخله حتى كاد أن يعميه، لا.. لم يحاول أن يتوجه للخطيب الشهم، الرجل الذي تتمسك به الآن محاولة تهدئته، بل بكل جنونه القديم الذي كان يتراقص في عينيه توجه إليها ليفصلها بعيداً عنه ثم أمسكها من ذراعيها وهزها بعنف صارخاً فيها "اللعنة عليكِ، أين ذهب لسانكِ السليط.. أين تبخرت قوتكِ في الرد.. إلى أي حد يعرف هذا الرجل عنا؟؟؟

انطقي.. دافعي عن نفسكِ، تنكّري للحقيقة أو اثبتيها؟!"

تراجع طه خطوة نحوهم ثم دون تردد كان يوجه قبضته في منتصف وجه ممدوح ليفصله عنها جبراً وهو يصرخ فيه "إن حاولت لمسها مرة أخرى سأقطعك إرباً وأصلبك على رأس الحارة، جاعلك عبرة لكل أجنبي لعين"

اعتدل ممدوح ناوياً هو الآخر رد ضربته ولكن كان لأيوب سرعة التدخل مرة أخرى والفصل بينهما فوقف حائلا وهو يهتف فيهما بقوة "إن لم تحترما وجودي، فكلاكما سيخرج من هنا دون عودة أبداً"

بينما هي رفعت وجهها أخيراً لتنظر إليه وحده من خلف ظهر أبيها، لتخرج من حالة الانفصام التي أدخلت نفسها فيها، تحدق في ملامحه عن كثب، بهيئته التي اختلفت من الخارج ولكنها لن تصدق أبداً أنه قد يتغير من الداخل... إن نفس الظلام يسكن هناك في العينين الخضراوين ..نفس الظلام المتربص في الظل كالأفعى السامة لتقوم بلدغه لكل كائن يحاول النجاة... نفس التلاعب، القسوة.. شكوكها كلها قد ذوت مرة واحدة لتدرك أنها لم تكن تحلم، ولم يكن كابوس بل هو واقع محمل بالكثير من المرارة و الوجع.. من الخوف إذا كان صادقاً.. و إذا عرف بوجود وشمها الذي زرعه بداخلها ليذكرها دائماً بالدب الذي قتل كل شيء فيها.. رباه.. لا.. لماذا.. لماذا..

"إن كنت صادق وهذا ضرب من الخيال، فابتعادك لأربع أعوام يمنحها الحق للتحرر وإسقاط ذلك العقد، إن القوانين تقول هذا" نطق طه من بين أسنانه..

لم يبعد ممدوح عينيه عنها وهو يقول بثقة ممزوجة بالكثير من التهكم "أي قانون تقصد ولأي بلد ينتمي، وحدها تعرف أني وهي روحين شريدتين لم ننتمي لأي وطن يوماً، وحدها تدرك بأننا مجرد شخصين ولدا من رحم الألم وزُرِعا في أرض لم تكن يوماً لنا"

فتح طه ذراعيه باستهجان ثم نظر إليها بغيظ وهو يقول "لم تخبريني أن هذا الأجنبي فيلسوف أيضاً!"

هسّ ممدوح من بين شفتيه بلكنته العربية الركيكة "أنا لست أجنبياً بل عربياً مسلماً مثلكم, فلا تعاملني بعنصرية العرب الشهيرة لمن دونهم!"

نظر إليه طه وقال بصوت شابه طلقات الرصاص "عربية كنت تتنكر لها، نحن لسنا عنصريين يا سيد بل البلد الذي جئت منه والذي يقتل إخوتنا بكل بلد عربي كما يحرق أولادنا، وأسرنا على الضفة الأخرى!"

"اللعنة.. أنا هنا من أجل زوجتي ولم آتي لأتناقش معك في مدى وطنية كل منا!"

تلبس طه أخيراً بعض التعقل ثم أمسك بيدها مما دفعها للحظة واحدة للنظر إليه مجفلة بهلع غير مفسر وهو يقول "أصبت، وأنا أخبرك بيقين أنك رجل لا يحترم عرف ولا دين ولا تحمل ملامحنا... بحق الله أي شرع تتحدث عنه وتريد منا تصديقه وأنت حتى لا تستطيع النطق بلغتنا بطريقة صحيحة!!"

رغم الغيرة الحارقة التي نهشته وحطمته، بضربة ملتهبة أصابت دواخله أجبر نفسه على التغاضي عن هذا الرجل, عن رؤيته يساندها وهي متقبلة رغم نفورها الواضح من رؤيته هو، عاد ليخاطب أيوب "إنها زوجتي، أنا لا أكذب ولديّ أسباب تخصني وهي، تستطيع القول أن الطلاق لم يقع من الأساس ورغم هذا قمت بردها لأحمي علاقتي بها معتقداً أني قد أجدها في وقت قريب!"

صمت لبرهة ينظر لوجهها الممتقع، لجسدها الذي انسل بعيداً عن طه ثم قال بصوت عكس كل المشاعر العنيفة التي تتصارع بداخله حتى كادت تنفجر وتحطم أضلعه "لقد بحثتُ عنكِ في كل مكان ولم أجدكِ، تذللت لأبويكِ بالتبني كل ليلة وكل يوم.. طاردتهما كل أسبوع وكل شهر.. حتى باتت معاملتهما لي بقرف لاتهامي أني من حرمتهما من ابنتهما وطردي كمتسول أجرب أمر روتيني لم يعد يؤثر بي.. أنا لم أتخلى عنكِ يا لورين ولم يأتي لعقلي الذي كان مريضاً ملوثاً وناقصاً لكثير من الوعي كي يدرك أنكِ نزحتِ بعيداً!"

كانت تنظر إليه أخيراً متحررة من كل القيود التي كبلتها وتقترب منه دون حتى أن تدرك ما تفعله، تسمع اعترافه كلمة كلمة دون أن تستطعمه.. دون نية في إخباره أنها كانت تعلم ذلك, فعلاقتها بأبويها لم تنقطع أبداً.. وأنها بالفعل كانت توافق على ما يفعلاه..هو صفحة مريرة قطعت من دفترها قطعاً وليس مجرد قلبها ..إذ أنها رغبت بكل كيانها أن تمحوه من دنياها وكأنه لم يتواجد في قصتها أبداً.. لقد اكتفت، وهي مصرة أن ترمم أنوثتها التي حطمها، أن تحفظ كرامتها التي دعسها متعمداً، أليس من حقها أن تتخطى هذا المغتصب؟!

وعندما وقفت أمامه أخيراً متخطية ظهر والدها الذي يقف حائلا بينهما, وقفت مواجهة إياه واستدار هو إليها يحدق فيها، فتوقف العالم كله ومحي كل إنسان شاركهم مواجهتهما ولم يتبقى إلا هو وهي فقط وأطلال من سراب لقصة لم تخلف في روح كليهما إلا ألم لا يقاس بشيء تحمله الدنيا بأسرها لتستطيع تشبيهه... وآخر ما كان يتخيله هو أو تتوقعه هي في نفسها أن ترد على وجوده بصفعة... صفعة مدوية انهالت على وجهه بكل حقد وغضب تواجد فيها... صفعة استحقها عن جدارة.. صفعة رنت في أرجاء الغرفة وكأنها ألف وألف رصاصة خرجت من فوهة مدفع عاصف ومدمر، جعلت الجميع يتجمد بمكانه و حل صمت مدوي لم يقطعه إلا صراخها المقهور، المرتعش وهي تقول "لم يكن هناك زواج لتردني، ألم يكن هذا قولك وأنتَ تمزق تلك الورقة لتحولني لشظايا منثورة تحت قدميك معها.. كيف تملك من التبجح أن تأتي لتتهمني بشيء لم يكن، اللعنة عليك وعليّ يوم كنت عمياء البصيرة لأدرك كم القذارة التي تمتلكها ولأعرف المستقبل الذي ينتظرني معك، نحن لم يربطنا شيء من الأساس!"

غضبه لم يقل عنفاً، لم يتزعزع ولم يسيطر على عقله أيضاً ليرد صفعتها، لم يهتم بما تقوله وما تعنيه بل عاد ليقبض على ذراعيها وهو يقول من بين أسنانه "إلى أي حد يعرف هذا الشخص ما بيننا؟؟ هل أخبرته يا طبيبة القلوب بكل شيء بيننا؟ بكيف أسدل الستار على قصة لم يكن يجب أن تبدأ من الأساس؟!"

قالت من بين أسنانها "بالضبط لم يكن لها أن تبدأ لذا أنا تخلصت من كل ذيولها دون ندم ومحوتها من حياتي"

صمتت لبرهة قبل أن تبتلع ريقها الجاف ثم تصرخ فيه بلا تعقل "كيف تجرؤ لتعود إلى حياتي.. لقد أبعدتك لأميال؟!"

جذبها بحدة نحوه حتى ما بات بينهما أي مساحة آمنة، ونظر إليها بحدقتين حاقدتين فانقلب لونهما الأخضر المشع لسواد صافٍ "لقد هربتِ بعد أن حطمتني، بعد أن حولتني لمجرد حيوان أليف تنازلتِ عن ملكيته لأخرى حتى وإن كانت شقيقتي، بعد أن حطمتِ كرامتي وكياني وكأني لا أرقى لمستوى البشر، ناظرة بأعين معمية لترميم جراحكِ أنتِ ولإصلاح ما رغبتيه في ماضيكِ مع أبيكِ.. كيف أجرؤ.. بل كيف تجرأتِ أنتِ على تلبس دور الضحية المفجوعة؟!"

أحنت رأسها تنظر لوجهه من الأسفل بملامح متصلبة وهتفت فيه بخشونة متبعة طبيعته الساخرة "هل قطعت كل تلك المسافة لتأتي متلبساً أمامي ثوب الشاة المسكينة؟!"

قال ببساطة حازمة "ربما كنت في الماضي لأفعل، ولكني ما عدت أحتاج لهذا الدور يا لورين بعد، لأني أصر بكل جنون وتعنت أن لا يرتديه أحد غيركِ.. إن كنتِ اعتقدتِ ببلاهة طوال تلك المدة أني أريد التكفير عن خطاياي في حقكِ فهذا أصبح درب من الخيال، إذ أنكِ وحدكِ من تحتاجين لدفع ثمن ما فعلته بي، و تعترفي أن جرم كلينا كان متساوياً"

شحب وجهها حتى قارب لون جدران الغرفة ثم قالت بهستيرية وكأنها لا تجد ما ترد به توحش قوله "أنتَ لا تملك أي حقوق لديّ، نحن انتهينا منذ أن سلمتك لإسراء ومنذ أن أخبرتك أمي أن تتابع حياتك لأني ما عدت أراك، أي غباء تلبس روحك العقيمة لتطاردني.. اللعنة، كيف وصلت إليّ.. لقد أوهمتك خوانا على مرار أعوام أني ما زلت هناك؟!"

الآن كان الشحوب من نصيبه ورأسه يرتد للوراء بصدمة متخليا عن اقترابها منه وإمساكه بها وهو يهمس بمرارة "أكنتِ تعلمين ببحثي عنكِ؟!"

حدّقت فيه بلهاث مضطربة شاعرة أنها حشرت نفسها في الزاوية، ثم قالت مدافعة بصوت قميء "نعم، كنت أعلم، ولذا أملك حجة قوية لأخبرك أنك كاذب، إن كنت رددتني لم تكن لتتردد في إخبارهما، والدي أيوب محق، أنت أتيت هنا في هذه الليلة لتنتقم مني!"

لم يرد على اتهامها غير المنصف على الإطلاق، فمنذ متى رأته لورين بعين الكمال أو بعين العدل؟!

في هذه اللحظة أتاه صوت طه المساند يخبره "أعتقد بأنك يجب أن تتمتع ببعض الكرامة وتنسحب سامحاً لنا أن نرمم ما فعلته!"

وببساطة كان يشعل روحه الهمجية مرة أخرى إذ أنه اندفع كالإعصار نحوه رافع قدمه العرجاء قاصداً ضربه في بطنه دون تردد فتدخل أيوب مرة أخرى ليفصل بينهما، مزيحاً ممدوح بعيداً، ثم دفع طه المتجمر أيضاً ووقف بينهما وهو يهتف فيهما بصوته الجهوري القاطع "كلاكما سترحلان من بيتي حالاً!"

قال طه بوحشية "أنا لن أتخلى عن وقوفي بجانبها"

زفر أيوب بعنف ثم نظر لابنته بنوع من المعاناة ولوم أصبح يدركه إذ أنه فهم من تراشقها بالكلام مع ممدوح أن هناك أشياء كثيرة منقوصة لم تصارحه بها ثم قال أخيراً بتعقل "أنتَ لا تملك حقوق يا طه، خاتمك ستخلعه لورين الآن وحتى إشعار آخر!"

قال طه "لن تفعل، أنتَ قرأت معي الفاتحة عماه ووافقت علي زواجنا كولي لأمرها، وظهور هذا الرجل لن يغير شيء من قراراتي"

قال أيوب بحزم "بل أنتَ ستخرج من هنا، وهذا الرجل الذي يدّعي بأنها زوجته أيضاً سيفارقنا، وإن كان صادق فيما يقوله سيطلقها وننتهي من تلك القصة"

قال ممدوح بصوت أجش "أنا لم أعلق حياتي كلها على إيجادها لأطلقها بعد كل هذه الأعوام، هي زوجتي وستبقى حتى تعترف ب...!"

قطع جملته وهو يغلق عينيه بعنف رافضاً أن يفصح عن تفاصيل من الواضح أن لا أحد يعرفها، رغم كل شيء هو لن يشوه صورتها بما فعلته فيه ولن يهين كيانها بما كان منه..

صرخت فيه لورين وهي تدفعه نحو الباب دون تفكير "اخرج من هنا، غادر ولا تعد, أنا لست زوجتك.. لست زوجتك.. لقد طلقتني ولن أعترف بغير هذا!"

لم يفكر أيضاً وهو يستجيب لكل غرائز المحارب الذي تلبسه بكل كيانه خلال هذه الأعوام مجهزاً نفسه ليوم يجدها فيه، فَيُكَفِّر عن جريمته في حقها ثم يعيدها إليه بأمل رغم سواده ولكن كان عنده شيء من الثقة واليقين.. جذبها نحوه مرة أخرى بعنف حتى ارتطمت بصدره ملتصقة به، ثم مال دون مقدمات يهس من بين شفتيه بشرر داخل أذنها "طلاق لم يقع بالأصل يا لورين.. صدقي أم لا ذلك المحطم الجاهل تغير وبدأ من جديد عند نقطة الحضيض التي أعدته فيها بعد أن انتشلته منها... هل تذكرين يوم أن اتفقنا على العودة لأصولنا على البحث عن دين نحمله اسماً فقط.. حسناً يبدو أني فعلت وحدي لأقف أمامكِ الآن أخبركِ بتبجح أنكِ لم تطلقي مني .. أذ انك كنتِ تحملين رائحة وأثار مضاجعتنا الصاخبة وقتها كما أنا كنت أحمل صراخكِ المنحور بالرفض"

اهتزت بعمق وانتفضت برعب كما انهارت في لحظة والمشهد الموجع الوحشي يمر أمام عينيها ممزقها بمشرط حادّ...

حاول طه التقدم.. ولكن أيوب منعه ببساطة.. إذا كان هناك ذرة شك واحدة باستمرار زواجهما فهو لن يغامر بها ويوقع ابنته في الخطيئة...

حاربت لإبعاده بهستيرية ولكنه رفض أن يرحمها، وسيخبرها وحدها بالحقيقة التي بات يتمسك بها، عندما عرفها صدفة وهو يتعمق في الناحية الشرعية بالذات ربما يجد مخرج أو أمل لزواجها منه, بالطبع بجانب صدقه في ردّها إليه..

"لم تخبري أحد باغتصاب زوجكِ لكِ, صحيح؟! هل هذا كان حفظ ماء الوجه أم تمسك بكرامة وكبرياء لعين يا لوسيرو؟!"

كل ذرة تعقل طارت في الهواء وهي تحاول إبعاد ذراعيه الفولاذية عنها بينما تهمس "اخرج من هنا، كنت على ثقة أنك مجرد نذل حقير, لن يتغير أبداً!"

رغم سيوفها الحادة التي أدمت روحه كما ذبحته من الوريد للوريد كان يقول بخفوت متصلب "ربما هذا حقيقياً كما حقيقة أنه لم يكن هناك طلاق من الأساس، كما حقيقة أني أمّنت نفسي ورددتك في لحظة تهور مجنونة, فكوني فتاة عاقلة وصدقي ولا تجبريني على إخبار أيوب بكل ما جرى!"

قالت بقهر "يا ليتك تفعلها، وتدعه يقتلك مريقاً دمائك دون دية!"

حررها منه سامحاً لها بأن ترى التواء فكه بشيء أشبه بابتسامة ساخرة ثم قال بنبرة عالية لم يهتم إذا سمعها أحد "أي دماء لتراق هذه وابنته قد امتصت آخر قطرة فىّ كما آخر رمق للحياة والأمل بداخلي.. أنتِ نفذتِ جريمتكِ منذ أربع أعوام وانتهينا يا لوسيرو"

ثم دون تردد كان يفتح الباب ليغادرهم مكتفياً بهذا القدر حتى إشعار آخر... ولكنه لم يملك تلك الرفاهية أيضاً إذ أنه للمرة الثانية تصطدم ساقيه بتلك الصاروخ الصاخب، خضراء العينين مجبرة إياه على التوقف يحدق في وجهها الضاحك الصبوح بمشاعر اختلطت داخله ما بين اهتزاز فؤاده بعنف وبين انشطار جزء منه واقع بين يديها دون أن يفهم السبب..

"لقد أتيت لك بسيارتي المفضلة!"

لم يرد.. ليس لعدم رغبة لديه، ولكنه لم يتعامل مع طفل من قبل مطلقاً، لم يميل حتى للنظر إليهم ويعجز بالطبع عن معرفة الطريق الصحيح ليتبعه، لذا حاول بكل ما يملك من قوة أن يخرج صوته هادئ ولكنه فشل فحدثها وكأنه يتكلم مع أحد الناضجين "ابتعدي، يا فتاة أنا لا أعرفك حتى!"

لم يدرك أن خلف ظهره المتصلب كانت لورين تقف مصدومة تغطي فمها بكلا كفيها وهي تحدق فيه بجزع، ثم استدارت ببطء نحو أيوب وطه تحدق فيهما بتوسل، أن يتدخلا و يبعدا ابنتها عنه، رباه لقد أخطأت.. أخطأت مرة أخرى بجريمة لن تغفرها لنفسها إن عرف ممدوح ما تعلمه أمل يقيناً.. ليتها لم تريها صورته.. ليتها لم تحفظ ابنتها أسمها الكامل!

حررته الصغيرة متراجعة للخلف، خطوتين تنظر إليه بعينين غشتهما الدموع ثم احتضنت لعبتها بقوة داخل صدرها وهي تقول بجرح خلفته طفولتها المرفوضة "ألم تعد للعب معي؟!"

وتوقفت الصورة مرة أخرى بين أربعتهم، وبين أمل التي أخذت في التراجع كما اهتز كتفاها ببكاء تناغم مع دمعات ندية بللت وجهها الصغير الجذاب وقبل أن تنطق بشيء آخر كانت تظهر مرح مرة أخرى من بين اللاشيء تخطفها خطفاً من أمامه ثم تحميها بقوة على صدرها فهمست أمل وهي تدفن وجهها في كتف مرح "لقد رفض اللعب معي, هو لا يحبني، لماذا جاء إذاً؟!"

كالتائه كان ينقل عينيه ليصدم بانفعال كل واحد فيهم, يشتم رائحة الخوف بينهم ويقارنها بفرض ذلك الكائن الصغير عليه منذ ظهوره بلهفتها وسعادتها غير المفهومة وهي تراه يدخل المنزل خلف أيوب ثم تمنعها التوأمتان من التقدم إليه، ويهرعان بها بعيدًا عنه.. خاطر انطلق في عقلة كالألعاب النارية، مع تقلص قلبه بطريقة غير مسبوقة وفكرة مزعجة... مزعجة للغاية ومؤذية مرت على عقله كالصاروخ، بسؤال لم يملك الوقت لطرحه، إن كانت الطفلة تنتمي إليهم .. "ابنة من هي، ولماذا تتحدث عني وكأنها عرفتني طوال عمرها، وتنتظر لقائي؟!"

لم يشعر حتى أن السؤال العصبي خرج بنبرة عالية وبأن كل عضلة فيه تتشنج منتظرة الإجابة.. حتى ردت مرح بتهور لاهث "ابنتي، أمل أيوب خليل... ابنتي لقد أخذت اسم أبي"

عبس بشدة مع انقلاب ملامحه وهو يقول "أنتِ غير متزوجة، وإن فعلتها هنا بالمنطق والعقل تلك الطفلة أكبر من أن تنتمي إليكِ!"

نظراتها تخطت ظهره محدقة في لورين بصلابة، بحماية وميثاق أخوة بُنيَ بينهما منذ أن أجبرتها لتداري جريمة هذا الحقير في حق أختها.. لم تتردد أن تقول بفظاظة فجة وبقوة غير مبالية بوجود طه بينهم، عارفة أن أباها يفهم جنونها في حماية أخواتها ولن يجرح من قولها "إن كنت قد نسيت أنا تربيت في دولة لا أحتاج فيها لرابط زواج حتى أحصل على طفل.. أمل ابنتي وأخذت اسم أبي كما يحدث كثيرا هناك"

حرك رأسه بنوع من الرفض لتصديق ما تقوله، بينما نظراته لم تترك مجال ليرى غير وجه الطفلة المجروح برفضه!!

حتى أتاه صوت أيوب أخيراً يقول بنبرة غامضة "اخرج من هنا، ولا تعد إلا عندما تكون مستعد لمواجهتي وحدي كرجل وننهي هذا الأمر!"

***********

انسحبت سَبنتي ببطء متخلية عن فكرة الانضمام إليهم، حتى وإن كانت وقعت عيناها في عينيّ بدور التي نظرت إليها ببعض التوتر وكأنها قبضت عليها بجرم مشهود ما كان لأحد أن يعرفه، فردّت عليها هي بابتسامة بسيطة وغمزة مشاكسة وهي ترفع ابهاميها في علامة تشجيع بأنها تفعل الصالح لإياب...

وإن كان راشد لا يشعر بالعالم حوله كما تلمست في سابقة من نوعها، مؤكد أنها لن تضع نفسها عزولا مزعجا بينهم..

وصلت لباب غرفتها ثم خلعت مئزرها ملقية إياه بعيداً لتبقى ببجامتها الطفولية برسوم الدعسوقة.. إذ أنها بينها وبين نفسها ما زالت تتمسك ببعض مراهقتها وتحتفظ بجزء قديم منها وإن كانت حتى تداريه بإصرار عن الجميع.. يكفيها أنها توقن أنه ما زال يعيش بداخلها..

"كما أشياء كثيرة يا غبية, كان يجب أن تكوني تخطيتها من الداخل كما الخارج"

برقت عيناها بسخط موجه إليها وجلست مربعة ساقيها، ساحبة حاسوبها على قدميها في محاولة لأن تشتت تفكيرها بعيداً بأمرٍ أهم ...في معلومة التقطتها من ثرثرة ابنة مريم عن "نزار قباني، الذي لعب معها في بيت الخالة هناء.."

ترى لماذا كذبتِ عليّ؟! ولما أنكرتِ وجوده؟!

لطالما أجادت هي رغم صغر عمرها الاعتناء بصديقتها وحمايتها من الجحور التي كانت تهدد خطواتها بالسقوط، لذا لن تتردد بعد رؤية اهتزاز شيماء عندما ارتمت بين ذراعيها تخبرها مرتعشة بأنه عاد، وأنها تلمست طيفه حولها..

يجب أن تفهم، أن تتأكد.. لا بل يجب أن تتحدث معه هو شخصياً مباشرة.. وبحصولها على اسم أبيه وهويته ومنصبه الشهير لن يكون البحث عن الأحمق الأشقر صعباً...

لكم تعشق التكنولوجيا ووسائل الاتصال الحديثة، تجذبها وتفهم في أدق تفاصيلها..

سخرت "ألم يكن أولى بها أن تدرس شيئاً خاص بعلم الحاسوب بدلاً عن دراسة الصيدلة التي أعادت تربيتها حرفياً من جديد، بمعادلاتها ومصطلحاتها الصعبة.. تباً فلتمت الصيدلة التي جعلتها تؤمن أن التعليم لم يكن للإناث وأن الفتاة العاقلة يجب أن تتزوج وتجلس في البيت تراعي صغارها الذين ستأتي بهم..

الله لا يرحمك يا قاسم أمين، أنتَ من جلبت للمجتمع كل هذا الكم من المصائب، بمطالبك الحمقاء في حقوقنا للتعلم والعمل!"

همست لنفسها مرة أخرى وهي تلمس الشاشة مدخلة اسم البروفسيور جوشوا هابر "اهدئي سَبنتي, الرجل مات بالفعل، فالتدعى عليه فقط بالتفحم في جهنم مع أحدهم "

هزت رأسها مرة أخرى في محاولة مستميتة لنفض أفكارها الإجرامية بعيدًا وهي تحاول العثور على صفحة الرجل التي وجدتها بسهولة ويسر... قلبت في منشوراته قليلاً ببعض الإعجاب.. بحوث كثيرة عن علم الفضاء، وشرح وافي عن المجرات ثم تحدثه عن إعجاز الخالق في صنع هذا العالم الدقيق.. منشورات أخرى حوارية عن الدين، آراء ومجادلات على ما يبدو بينه وبين أشخاص.. حسناً, هي لن تدّعي الفهم فمعظم تلك المجادلات باللغة السويدية وهي لا تجيد إلا الإنجليزية والعربية ولغة جورجيا المحلية.

تابعت البحث، لتجد أخيراً غايتها المنشودة، في منشور آخر يجمعه مع أسرته ..إذ أن الشبه بينهم كبير، والآن وجدت تفسير آخر جيني بحت عن سبب الشبه القوي بينه وبين ابنه!

لحسن الحظ أنه بالفعل مشير إليه لذا ضغطت على الاسم لتجد نفسها في صفحته "نزار هابر" لقد توقعت أنه قد يطلق على نفسه اسم مستفز وأحمق مثل " الأمير الوسيم ملك الغاب؟!"

.. تباً يبدو أنه قد حصل على بعض النضج بالفعل...

أخذت نفساً عميقاً وبدون تضييع مزيد من الوقت كانت ترسل إليه رسالة مختصرة "أقبل طلب الصداقة.. أريد الحديث معك في أمر هام وعاجل"

لن تتوقع منه رد الآن إذ أن الوقت متأخر.. لذا خرجت من صفحته، وبدأت في تقليب صفحتها ببعض الملل علها تجبر نفسها على التشتت أو تمنع أناملها من الدخول لصفحته هو كما كانت تفعل لسنوات وهي تراقب دون أن يعرفها، دون أن يعلم بأن كل صورة مع الأخرى في مناسبات هامة وهي تجاوره بتعمد كانت تصلها، حتى كان يوم خطبته عندما شاركته الأخرى صورتهما وهي تعلن باستحياء بين الكلمات حد عشقها وسعادتها بارتباطهما أخيراً..

أزاحت الحاسوب بعيداً وكأنه تحول لكتلة من لهب، أحرقتها محولة إياها لرماد، تقاوم بقوة ارتعاش يديها، تحاول السيطرة على وجع كسر كل عظامها كالمطارق الحادة، لوهلة.. لدقيقة لم تعرف ماذا تفعل؟ كيف تهدئ ذلك الشعور المؤلم الذي اعتقدت بأنها بالفعل تتحكم فيه؟ تراجعت تسطح جسدها على الفراش، ثم جذبت الغطاء فوق رأسها تثبته بكلا كفيها على عينيها وفمها..من الخارج

"لا تبكي.. إياكِ أن تذرفي دمعة واحدة عليه، هو لم يعد في قلبكِ يا سَبنتي.. أنتِ توهمين نفسكِ بهذا الألم.. خالد لم يكن لكِ يوماً، لقد سمعتها بأذنيكِ، لانا هي الفتاة التي يحب ويريد..."

تذكرت صوته متضامنة مع صورتهما الفرحة سوياً يوم حفلهما، نهشها بخطفات حادة ظهرت من العدم، لتسحبها ببطء داخل قعر جهنم القديمة تلك التي كانت تهيئها لها أشباحها، فتتشبث بكل قوتها في الحياة لتحتمي تحت الغطاء ثم تهمس بآيات قرآنية محاولة أن تعتمد على قوتها في إقناع نفسها أن كل ذلك خيال وبأنها مجرد أوهام.. ولكن هذه المرة وتحت كل الضغط الهائل الذي تتعرض له دون قدرة لها على البوح والتنازل عن آخر شيء تملكه من كبريائها.. هذه المرة أرادت بكل قوتها أن تستسلم لهم أن تغوص وتغوص لأسفل وهي تضغط أكثر على فمها، وعيناها التي انفجرت منها الدموع كأمواج عاتية كاسحة كما خرجت من بين شفتيها صرخة مهتزة مطعونة تضمنت كلمة واحدة "آاااااااااااااه"

هل تشفي آهات المريض آلامه المبرحة؟! هل تسكنه حتى وان تناول العلاج ؟؟!

هي تعرف الإجابة المحملة بالنفي يقيناً.. ولكنها لا تملك غيرها للتعبير عن عمق جرحها، لقد رهنت نفسها له، لقد تحدت ياسر به ولكنه خذلها.. ومنذ متى قدم لها خالد شيئاً إلا الأذى والخذلان..

"حمقاء, طفولية, كان يجب أن تنضجي على جرحه لتفهمي الدنيا بكل شرورها أخيراً.. لتعرفي أن من مثلكِ لا يحق له أبداً أن ينسى حقيقته كما لن ينسها أحد... لايجب ان يأمل أن يحصل على حقه كأبناء الحلال"

***********

"ماذا تريدين في هذا الصباح الباكر يا مجنونة؟!" قالت هناء بغضب وهي تلف حجابها كما اتفق، واضعة الهاتف على أذنها..

ردت الأخرى بامتعاض "ألستِ عمتي وفي مكان أمي، إذاً لما التبرم والغضب من طلبي البريء؟!"

قالت هناء بسخط "بريء؟! بحق الله أي امرأة مسؤولة أنتِ لترغبي في شيء كهذا؟!"

قالت مي محايلة "أرجوكِ عمتي، ليس لديّ ملجأ غيركِ.. تلك المغيظة الرقيقة مريم رفضت بشكل قاطع بل وادّعت الاشمئزاز مني، بينما جاسر هدد بتعليقي بالسقف إن فعلتها، ووالدته حسناً هي غسلت يديها مني منذ زمن طويل"

جزّت هناء على أسنانها بعنف وهي تقول "طالما المجنون مثلكِ هدد بهذا، فأنا اتشبث برفضي!"

"عمتي أرجوكِ.. أرجوكِ مرة وحدة!"

صرخت فيها "لا تعني لا، انضجي وتعقلي أنتِ أم لطفلين، وحامل بالثالث الذي تريدين التخلص منه على ما يبدو بوحمكِ المقرف!"

قالت ببرود مستفز "كنت أعرف أنه لا على فكرة، حسناً سأحاول أن أبحث عن بقعة من الطين النظيف وحدي"

دارت هناء في مكانها بغيظ وهي تقول "مي هذا الجنون بعينه.. أي وحم هذا بالله عليكِ، الذي تريدين تناوله، هذه سابقة غبية من نوعها!"

سمعت طرقعة شيء ففهمت أنها تحشو نفسها كالعادة بالطعام ثم قالت بلا مبالاة "الغباء سمة أصيلة في تلك العائلة والآن دعكِ مني ومن ابن جاسر وشهيته المريبة كوالده، وأخبريني كيف هي الأحوال مع بروفيسور القلوب العاشق الولهان؟"

أنهت جملتها بتنهيدة حالمة مغيظة مما دفع هناء لتقول "ورب العباد إن لم تحترمي نفسكِ، لأخبر جاسر بأنكِ تتغزلين بغيره"

امتعضت مرة أخرى وهي تقول "جاسر يعرف وأخبرني حرفياً بأنه رغم حبه الشديد لكِ واحترامه الكبير إلا أنه يرى أنكِ حمقاء عاطفياً مثلي، تزوجي الرجل أو أعيديه لبلاده بغير عودة, الأمر أصبح ممل عمتي"

أومأت هناء برأسها قبل أن تقول "لا, أنا سأفعل أمر آخر أكثر عقلانية"

هتفت مي سريعاً بفرحة "ماذا، هل ستتزوجين الأمير أخيراً وتدخلينا للعائلة المالكة رسمياً!"

"لا بل سأحجبكِ أنتِ من حياتي حتى تهبط هرموناتكِ، وتتوقفي عن إزعاجي"

"مهلاً عمتي لا....."

أخفضت هناء الهاتف ودون تردد كانت تضعها في القائمة السوداء تأديباً لها.. حسناً فلتعترف قد تطير الأفيال يوماً ولكن أن تكف مي عن جنونها هذا هو المحال بعينه... كما لن يكف جوشوا عن مطاردتها.

"صبرني يا الله!" همست بسخط بينما تتوجه نحو الباب الذي أعلن عن وصول زائر ومن قد يكون غيره... ربما هي أصرت أن لا يبيت مرة أخرى في منزلها وأن تدفعه ليفقد الأمل فيها.. ولكن العنيد يصر بكل صلابة أن يفرض وجوده ولا يغيب عن منزلها إلا سواد الليل فقط..

"صباح الخير سيدتي التي تزداد جمالاً كل يوم عن سابقه"

توردت وجنتيها لغزله الصريح الذي لا يتوقف، كما دق قلبها بعنف بين أضلعها، وشيء من أنوثة أهملتها وأنكرتها منذ زمن بعيد تعود لتزدهر فيها، لتذكرها بأنها لم تحظى بدفء شريك حياة، لم تعرف معنى عاطفة إنسانية تميل دائماً وأبداً لإيجاد سند وسكن.. ولكنها سيطرت على نفسها وهي تهتف فيه بخشونة مدارية تأثرها "متى ستتعقل يا رجل وتكف عن أفعال المراهقين؟!"

عبست ملامحه لأول مرة وأسدل قناع من الجمود وهو ينظر إليها ثم قال بجدية شديدة "أنا تعبت، إن استمررتِ في رفضي بهذا الشكل المهين فأنا سأعلن انسحابي!"

تبدد اللون الوردي من على وجنتيها ليحل مكانه الشحوب والصدمة، هل اهتزت هناء؟ هل خافت من فراقه؟ ألن تغلق الباب وتتمنى ذهابه بلا عودة؟

انتعش الأمل بداخله لتلاعبه البسيط ..بينما هي تقول باندفاع "هل مللت سريعاً؟ وماذا عن تكفيرك عن ذنبك في حقي باقي عمري؟!"

ضيق جوش ما بين عينيه ثم قال بغيظ مردداً "مللت سريعاً؟! أتسمين ثلاثة وعشرون عاماً سريعاً.. أتطلقين على تحايلي عليكِ أربعة أعوام متواصلة سريعاً؟!!"

ارتبكت بعض الشيء فعبرت عن هذا بتلبس قناع العقل والرزانة وهي تقول برأس شامخ لأعلى, ولكم تمنى في تلك اللحظة أن يقبض عليه بين يديه ليحطم تحجره في عرض الحائط أو ربما يشتبك معها في حرب قبلات مجنونة جائعة وشرهة حتى تسلم له جميع راياتها وبالطبع لن ينكر أنه إن ملك فعل هذا سيختار التقبيل دون تردد...

"من فضلك سيد جوش أن تعود أدراجك، لا رغبة لي اليوم في السجال معك"

تقبضت يديه بعنف جانبه كابحاً غيظه منها، ثم قال أخيراً بجفاء "لم أتي لرؤيتكِ، أريد التحدث مع نزار على انفراد، ثم سأغادر"

قالت بفضول متوتر "لماذا تريده، لا تقل أن والدتك عادت تضغط عليك لتسحبه لهناك؟!"

قال بحنق "وإن كانت الإجابة نعم يا ترى, لماذا تخاف السيدة هناء على فراق حمار أمه، أم ربما أتعشم بحالمية مني أنكِ تقلقين على فراقي أنا!"

قالت ببرود شديد "ومن أنت، لتهتز شعرة واحدة في رأسي لفراقك؟!"

هذه اللوح عديمة الإحساس، تختبر آخر نقطة في صبره وقوة تحمله إذ قال من بين أسنانه "ومنذ متى كانت والدتي تستطيع الضغط عليّ أو التأثير بي، وهنا نصل لنقطة أخرى حماركِ يشبهكِ في صلابة رأسه عديم الفهم، لذا لا تقلقي"

توسعت عيناها بصدمة ولم تركز إلا على كلمة واحدة فقط إذ هتفت فيه "أنا حمارة؟!"

سخر بداخله "الحمير إن عرفوا بأني أشبهكِ وابنكِ بهم، سيرفعون عليّ دعوى رسمية لإهانتهم..!"

تنهد بتعب ثم عاد لمهادنتها وهو يقول "بل أنتِ ست النساء جميعهن"

عادت ترفع وجهها بكبرياء في وجهه مع ثقة مكتسبة من غزله.. فابتسم هو ثم قال مشاكساً "بالمناسبة هل ما زال شعركِ أسود كجناح الليل يغطي ذراعيكِ حتى أسفل ظهركِ عندما تطلقين له الحرية ليتلاعب بقلب متيم مسكين سحرته ملكته الفرعونية؟!"

"رباااه... توقف.." هتفت بحنق وهي تترك الباب مفتوحاً ثم تنسحب على الفور لتوقظ ابنها، إذ أنه الوحيد الذي يستطيع أن يحجم لسان أبيه...

*********

بعد الإفطار الذي أصرت عليه هناء كالعادة مقيمة مائدة ضخمة لم تتوقف عنها منذ أن قَدِمَ إليها ابنها, حتى شعر جوشوا بأن نزار أتى من مجاعة أو ربما قررت هي بينها وبين نفسها تسمينه وذبحة على العيد.. كتم ضحكة عفوية وتلبس قناع الجدية في استعداد لحربه التي قرر خوضها علانية إذ أن كل هذا العبث يجب أن يتوقف، هو يريدها أن تعود إليه وهي تارة تأخذ ابنها حجة وتارة تخبره أنها تحبه ولكنها لن تغفر له الماضي.

حسناً وهو ببساطة شديدة سئم من كل هذا وعمره لم يعد فيه بقية ليخوض تلك الألعاب الصبيانية.. هو يحتاج إليها سكناً, كما هي تحتاج إليه عله يعوضها عن شبابها الذي هُدر دون شريك يؤنس وحدتها، ويحنو على قلبها، إن جوشوا يدرك أن كل امرأة مهما ادّعت الصمود والقوة، وزهدها في الرجال إلا أنها تحتاج وبقوة ليد قوية ولشريك يدعمها ويخبرها عقب كل نهار أنه بجانبها، وأنها أحسنت عملا مهما كانت تفاهة هذا العمل وبساطته.

"في ماذا أردت محادثتي؟!" سأل نزار باهتمام..

فقال جوش بهدوء "اغلق الباب من فضلك, لا أريد لوالدتك أن تسمع ما سأقوله"

أصابه بعض القلق وهو يمتثل لأمره دون نقاش ثم قال على الفور "لا تقل بأن طلبي الذي قدمته للتدريس في الجامعة قد رُفِض؟!"

تنهد جوش وهو يجلس على أقرب مقعد ثم قال "لم يصلني أي شيء بعد من الرجل الذي طلبت منه التدخل يا نزار، وإن كنت أثق بأن شهادتك وحدها كفيلة بتوفير تلك الفرصة دون الحاجة , لذا لآخر مرة أريد أن أسألك.. هل أنتَ واثق من تأسيس حياتك هنا وعدم العودة لبلدك؟!"

تخلل نزار شعره ببعض التوتر ثم قال "لا أقصد الإهانة يا أبي، ولكنِ السويد ليست بلدي.. أنا تربيت هنا وارتبطت بهذه الأرض كما أمي، لذا لن أخدع نفسي بانتمائي لشيء لا يشبهني!"

هز جوش رأسه بتفهم ثم قال "أنتَ نضجت كفاية لتجعلني أثق في كل قرارتك رغم أن عمك وجدتك ما زالا يأملان بعودتك!"

ابتسم وهو يقول "لم أقل أني سأتوقف عن زيارتهم وجميلهم معي لن أنساه قط ولكن..!"

قاطعه جوش وهو يقول "ما فعلته أسرتك معك لم يكن جميل بل حقك علينا جميعًا، إنهم يدركون جيداً أن جرمي في حق أمك هو ما دفعها لتخطفك بعيدًا عنا، عن بيت كان يجب أن تترعرع فيه بينهم!"

أطرق بوجهه بتفهم دون أن يعلق... ثم قال "هل هذا هو الحديث السري الذي لا تريد لهناء سماعه؟!"

شبك جوشوا يديه مع بعضها ثم رمقه بنظرة غريبة مليئة بالاضطراب مما جعل كل حواس نزار تتأهب "ستخبرني شيء يجعلنا نتشاجر مرة أخرى, صحيح؟!"

رفع جوش حاجبيه بحيرة ثم قال "بما أني أعرف أنك مجرد حمار أحمق أتوقع هذا!"

امتعض "هيا هات ما عندك"

قال جوش بتلقائية "انظر بني أنتَ بتّ رجل ناضج الآن لتدرك أن الحياة التي خلقها رب العباد في أول صورها تعتمد على المشاركة، لذا إن نظرت لقيمة كل شيء حولك بتمعن ستجد أنه خلق من كل شيء اثنان ذكر وأنثى، وهذا بالطبع ليس للتناسل واستمرارية الحياة فقط بل لأننا دائماً ما نحتاج لشريك نستند عليه ونفني أعمارنا بجواره، وهنا تتجلى قدرته تعالى على خلق كل شيء وعكسه كالليل والنهار.. الحر والبرد.. كالمرض والشفاء.. وكالشقاء والسعادة، التي يحتاجها الإنسان بشدة كحق مكتسب لعمره الذي أفناه بين الضلال والهدى!"

فتح نزار فمه بنوع من البلاهة يحاول أن يلاحق كلمات والده المتسارعة وغير المترابطة على الإطلاق ليفهم مقصده ثم قال "مهلاً.. مهلاً، ما علاقة كل هذا بما تريده مني؟!"

تضرع جوش بعمق أن لا يجن ولده وهو يقول بتردد "أنا الآخر قررت اعتزال التدريس والاستقرار هنا ولكن أيضاً أنا تعبت من الوحدة وأريد شريك يؤنسني!"

عقله لمع بما يقصده ولكنه رفض بشدة التصديق وهو يقول من بين أسنانه "لا مشكلة, إن أردتني الانتقال معك سأفعل بطيب خاطر!"

هل ضربه الآن يعد جوراً على حقوق الطفل... الأبله...

لم يتردد بأن يهتف فيه بحنق "وماذا أفعل بجانبك تحديداً، ما أرغبه مؤكد أن طبيعة نوعك لن تناسبه على الإطلاق"

توحشت ملامح ابنه على الفور وتراقص الجنون الأحمق مع غيرة حارقة في عينيه المشابهة له وهو يقول بنبرة تلمس التحذير والوعيد فيها "ماذا تريد إذاً، عروس.. حسناً.. سأبحث لك بنفسي عن فتاة جميلة يا سيادة الأمير المبجل؟!"

همس جوش داخلياً "حاول أن تتماسك يا جوشوا، هل انقلبت الآية؟! تباً لجنونكِ يا هناء لتوصليني لتلك النقطة أن أطلب يدكِ من ابني محدود العقل؟!"

هتف جوشوا أخيراً ببرود "بل أنتَ تعلم بأني لا أرغب إلا في امرأة واحدة!"

"لا" هتف نزار بدون تردد

وقف جوش من مكانه وهو يقول بنبرة آمرة وليست طالبة "نزار، أنا أريد أن أتزوج والدتك!"

"لا، لا.. أمي لن تتزوج أحد.."

هادنه مجبراً وهو يقول "بني اهدأ وتعقّل.. إنها زوجتي بالأساس فأنا لستُ زوج أمك يا أحمق بل أبوك!"

صرخ فيه "ليست زوجتك!"

قال بصبر "حسناً.. هي ليست كذلك ولكنك رجل كبير وعاقل لتدرك احتياج كلانا للرجوع مرة أخرى!"

أياً ما كان يتوقعه لم يكن أن يتقافز ابنه على ساق واحدة كالأحمق فاقد العقل مشابه ذلك القط في الرسوم الكرتونية عندما يسقط فوق رأسه شيء حديدي ملتف حول نفسه بهوس ودخان غير مرئي يخرج من أذنيه ورأسه ثم قال بنبرة ذاهلة أخيراً "أجننت.. هل تريد أن تتزوج أمي أنا؟ زواج بمعنى زواج؟! لماذا تريد أن تتزوج أمي؟!"

عد جوشوا على يديه كم مرة ذكر ابنه كلمة زواج ثم قال أخيراً بتهكم "أريد الزواج منها لأني أدمن لعبة الورق وهي تحتاج لشركاء.. أو ربما لتشاركني بلعب الشطرنج إذ أنه يحتاج للاعب آخر.. اممم.. دعني أفكر ربما أريد أن أتزوجها لأني أحتاج لأحد آخر يشاركني شرب القهوة صباحاً ونحن نرتدي مئزري نوم متشابهين ونناقش أحوال الطقس أو آخر أخبار السياسة لبلاد العالم ثم نشذب الأحداث قليلاً دون أن نهتم بالمساهمة بأي رد فعل إيجابي... ثم نتشاجر ليلاً بحنق وضيق خلق كبار السن عن من منا أكل زبادي العشاء كله بأنانية مفرطة، وخلط طقم الأسنان خاصته مع طقم أسنان الآخر ...أرأيت كل أسبابي بريئة ومسالمة تماماً يا حماري الأبيض، مؤكد أني لا أريد أن أتزوج أمك لأفعل معها أمور عار عليّ البوح بها!"

وجن كما توقع تماماً وهو يقفز في مكانه وصرخ فيه بصدمة من تلقى الخيانة من أعز أصدقائه "أيها الخائن, لقد اعتبرتك أبي الذي يخاف على عرضي وآمنتك على بيتي وأمي!"

احنى جوش رأسه ثم قال بفظاظة مستفزة "أرى أنك تبالغ قليلاً أو ربما أنتَ أبله حقاً, ولا تدرك كيف أتت بك أمك للحياة عن طريقي، هل تريد مني الشرح وجرح براءتك؟!"

جز على أسنانه وهو يقول "لا تستفزني يا أبي!"

قال جوش "جيد أنك تعرف بأني أبوك, والآن إن طلبت الحديث معك كرجل وليس مجرد مراهق أحمق يغار على والدته، شئت أم أبيت هناء تحتاجني كما أنا أهفو إليها بكل كياني، وأنتَ مهما رغبت هي في عودتك إليها سيأتي اليوم الذي ستتزوج فيه وتلتهي مع زوجتك وأسرتك وأطفالك!"

قال بغضب "لن أفعل.. أمي ستبقى معي دائماً!"

نفخ جوش بغيظ وهو يقول "لا تدفعني للسخرية منك مرة أخرى، رجاء توقف عن الأنانية ورؤية ما تريده وترغبه أنتَ دون الالتفات لما يريده غيرك"

قال نزار بتهكم "إن فعلت فأنا لم أتي بهذا من الخارج.. من شابه أباه بروفيسور!"

"أنت محق, أنا كنت كذلك، ولكن كل طرف من هذه العلاقة دفع الثمن غالياً وهذب من نفسه، لذا نستحق فرصة أخيرة نحارب فيها للحصول على سعادتنا"

"لا، لن يحدث هذا وبما أنك قدمت إليّ محاولا أن تقنعني فهذا يدل أنها ما زالت ترفضك، وإلا ما كنت طلبت مساعدتي متخفياً.. أليس هذا ما تريده يا أبي أن أقنعها؟!"

أخذ جوشوا نفس عميق قبل أن يقول بتثاقل "أنتَ غير منصف, كما هي بالضبط بني"

ثم انسحب من أمامه ببساطة شديدة وفتح الباب ناوياً المغادرة.. لم يتعجب من رؤية وجهها الشاحب وهي تقف هناك بنوع من الهلع، مؤكد انجذبت لصوت شجارهما، وصراخ ابنها الأحمق.

"هل جننت جوشوا لتقدم على تلك الفعلة؟!"

تهكم بمرارة وهو يقول بهدوء "بل تعقلت، أنتِ محقة سيدتي يجب أن أراعي سني ومكانتي وأقتنع أن لا خاصتكِ تعني لا قاطعة وتجبرني على التوقف"

ارتد وجهها للوراء وهي تقول بتشنج "بمعنى؟!"

قال بسلاسة باردة "يعني أني استوعبت آخر دروسكِ يا هناء, أنا سأرحل ولن أزعجكِ أبداً مرة أخرى.. وداعاً"

تحرك تاركها بمكانها غير قادرة على القيام بأي رد فعل.. تنظر لظهره المنصرف بألم، الألم مشابه ليوم انسحابها من بين ذراعيه ناوية هجرانه والتحرر من أسره.. مودعة جسده الخامل الذي تعشم بأنه أخيراً روضها ..

" أمي.. أنا آسف.. لم أقصد مطلقًا أن..."

رفعت يديها توقفه وهي تقول بجمود "بل فعلت ما يتوجب عليك فإياك أن تندم، كان يجب لهذا الجنون أن يتوقف عند نقطة ما.."

هناء تكذب... هو استطاع الآن بكل وضوح أن يرى الصورة كاملة وأن يفهم أنها أرادت العودة إليه ولكن ماضيهما المؤلم هو ما يمنعها.." لقد أردت فقط ، مخرج!" تباً.. ماذا فعل؟!

***********



يتبع



التعديل الأخير تم بواسطة كاردينيا الغوازي ; 30-03-20 الساعة 04:10 PM
Nor BLack غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 30-03-20, 04:57 AM   #2310

Nor BLack
 
الصورة الرمزية Nor BLack

? العضوٌ?ھہ » 455746
?  التسِجيلٌ » Oct 2019
? مشَارَ?اتْي » 360
? الًجنِس »
? دولتي » دولتي Egypt
?  نُقآطِيْ » Nor BLack has a reputation beyond reputeNor BLack has a reputation beyond reputeNor BLack has a reputation beyond reputeNor BLack has a reputation beyond reputeNor BLack has a reputation beyond reputeNor BLack has a reputation beyond reputeNor BLack has a reputation beyond reputeNor BLack has a reputation beyond reputeNor BLack has a reputation beyond reputeNor BLack has a reputation beyond reputeNor BLack has a reputation beyond repute
¬» مشروبك   star-box
Rewitysmile17

الفصل الواحد والثلاثون ج2

‏أرفض غيابك
كما أنني أيضًا لا أنتظر حضورك
لستُ عاشقـًا
ولستُ بليدًا
أنا الماء الذي يتمرد على الساقي
وأنتِي النصّ الذي أخاف نشره
والسر الذي بحت به للشعر فقتلني خاطرة مها خليل
.................................................................................. ...
لم تنم ليلتها، بل ظلت ساهرة حتى مطلع الصباح تضم صغيرتها على صدرها بجزع... إن عرف ممدوح بوجود أمل لن يرحمها، لن يرأف بأي شيء ولن يتردد أن ينتزعها منها انتزاعاً فقط لينتقم منها، رباه هل كانت مخطئة عندما اكتشفت حملها وإصرارها على عدم التخلص منه حتى لا تعالج مصيبتها بجريمة أكبر؟

لا.. لا.. شددت على ضم ابنتها بقوة رافضة أن يتسلل ذلك الشيطان إلى عقلها، فهي لم تجرم عندما اختارت منح ابنتها حقها في الحياة ،فكل ما حدث وقتها لم يكن جريمتها بل هي وحدها المذنبة عندما أصرت على زواجها منه وعلى سير الطريق معه للنهاية رغم أنه حذرها مِراراً ..نبهها عديم الضمير وهي من لم تستمع بغباء أنثى عشقت..

إنها لم تُذنِب عندما اختارت الحياة عن الموت والأمل عن اليأس.. هي لم تذنب عندما قررت أن تنسب ابنتها لأبيها، وأن تخبرها عنه، مفطرة إياها على هويتها الحقيقية، لا لم تكن لتجرؤ وترتكب الجرم الذي فعلوه بهم في بلاد المهجر ونزع هوياتهم الحقيقية منهم.. كان يجب أن تفهم أمل أن لها أب مسافر بعيدًا, ولكن كيف ستمنعها الآن وتكفكف دمعها، وتجبر فؤادها الصغير الذي اعتقد أنه لا يحبها، أو أنه لا يرغب في اللعب معها كبابا أيوب.." كيف تفهم تلك البراءة ... وحل عالم الكبار المعقد ؟!

"لماذا عدت؟ لماذا وجدتني؟ كيف ارتكبت خوانا ذلك الخطأ؟ ومنحتك أول الخيط؟!"

"هل استيقظتِ لورين؟!"

اعتدلت بالفراش واضعة جسد صغيرتها برفق، ثم مسحت دموعها وهي تحاول السيطرة على نبرتها التي خرجت أجشة من البكاء "نعم يا أبي, تفضل"

فتح أيوب الباب ثم تقدم ليجلس بجانبها، ومد يده يمسد على رأس ابنتها برفق وهو يقول "كانت ليلة صعبة على الجميع، ولكن لأكون صريحاً معك، أمل هي من تقلقني!"

قالت باختناق "ما كان يجب أن تراه، فقط لو كان ظهر بعيداً لاستطعنا إخفائها عنه"

أطرق أيوب بوجهه ينظر للأرض ثم قال بهدوء "هل يعني هذا أنكِ ما زلتِ على غيّكِ؟!"

ضجيج هو ما كان يسيطر على عقلها وهي تهمس بارتجاف دافعه الغضب "ماذا؟!"

لم يحاول النظر إليها وهو يقول بنفس النبرة المتعقلة "غيّكِ.. ألا تعرفين صغيرتي معنى الكلمة.. إن لم تفهمي دعيني أذكركِ أني قد توسلت إليكِ تقريباً لأن تخبريه عنها, إذ أنه لم يكن من العدل ولا الشرع إخفاؤها عنه!"

كان صدرها يعلو ويهبط بسرعة تناغمت مع عنف أنفاسها وهي تقول باضطراب "ليس له شيء فيها، أخبرتك أنه لم يرد الإنجاب حتى"

"أنتِ كاذبة يا لورين ..كذبتِ عليّ في سبب انفصالكِ عنه، إن خوفكِ وذعركِ من رؤياه.. كلامه المتواري وهمسه الساخط حريصاً أن لا يسمعه سواكِ.. جزعه هو الآخر وصدمته وهو يسألكِ إلى أي حد بوحتِ بسركما، يجعلني أدرك دون حاجة للشرح أن هناك أمر عظيم ومخيف قد خبأته عني!"

لم تشعر بنفسها وهي تنتفض من مكانها هاتفة في وجهه بحدة "أنتَ لا تملك الحق في سؤالي"

وقف أيوب أمامها يهتف بتسلط وحزم أبوي "بل أملك كل الحقوق، إياكِ أن تتجرئي يا ابنة نسرين وأن تتحديني، بالتستر وراء ماضي تعلمين يقيناً أني قد ظُلِمتَ فيه مثلكم تماماً"

ارتجفت بقهر وهي تنظر إليه عاجزة عن مقارعته، ثم تنبهت لاستيقاظ ابنتها النكد وهي تنظر إليهما بفزع، تقدمت لورين تحاول أن تضمها إليها مهدئة إياها ولكن أبوها كان الأقرب فرفعها يضمها إليه ثم ربت على ظهرها بمشاعر انقلبت تماما للحنان الصافي.

"امنحني إياها لأطمئنها"

رفع أيوب عيناه الحادتان كالنسر ثم قال بجمود "لن تلمسيها قبل أن نتحدث"

ثم تحرك نحو الباب منادياً لمرح التي هرعت إليه سريعاً فمنحها إياها وهو يقول "خذي ابنة أختكِ من هنا، لا أريدها أن تتعرض للتوتر مرة أخرى"

أومأت على الفور وهي تنظر للورين بتعاطف عاجزة عن تقديم أي مساعدة..

أغلق أيوب الباب بإحكام ثم عاد إليها مرة أخرى وهو يقول بجفاء "أريد الحقيقة يا لورين"

اغرورقت عيناها بالدموع وهي تقول بمرارة "صعب يا أبي أن أخبرك إياها، أنا لم أتعمد الكذب عليك ولكنها أبشع من أن تذكر"

ابتلع أيوب ريقه في محاولة مستميتة لأن يسيطر على أعصابه، ثم قال "أبشع مما عرفته عندما وجدت أخواتكِ، أم أبشع من أول لقاء بيننا ومعرفتي أنكِ تخطيتنا متعمدة، جاعلة والدتكِ تموت بحسرتها وهي تتمنى لقائكِ يا حمامة أيوب ومفتاح قصته؟!"

بكت بقوة مخرجة صوتها المرتعش بشهقات متألمة وهي تنظر إليه بوجع ثم قالت "أبشع من أن اعترف بما فعلته يداي به وما جلبته على نفسي.. لا أستطيع أرجوك.. أرجوك"

تحرك رأسه يميناً ويساراً بيأس موجع ثم قال "هل هناك شك ولو واحد بالمئة أن هذا الرجل صادق فيما ادّعاه؟"

هتفت بخشونة "لا أعرف.. لا أعرف"

قال بحزم "إذن حتى تعرفي أنا لن أتردد في إخباره الحقيقة، لن أخاطر وأجعل من أمل ابنة أيوب أخرى مسلوبة هويتها وجاهلة بأبيها!"

اندفعت سريعاً تتمسك في ذراعه وهي تهتف بجزع "لا، لن تفعل, لن تخبره عنه ، أنتَ مدين لي بهذا، لن تفجعني في ابنتي كما فجعتني في طفولتي بفراقي عن أمي!"

"لا تستغلي ضعفي نحوكِ مرة أخرى، لقد قلتِ أنه لا يهتم بكِ ولن يعترف بابنته من الأصل، لكن خيبتِ أملي بكذبكِ، أنه يبحث عنكِ وأنتِ من اخترتِ كالعادة تخطيه وكأنه لا حق له عليكِ حتى بتوضيح الأمر!"

قالت سريعاً "لا تخدعك المظاهر، أنتَ لا تعرف كم هو أناني مؤذي وغير صالح بالأساس للأبوة.. إن ممدوح لا يستحقها يا أبي"

قال أيوب بجفاء "ولا أنتِ تستحقينها"

هبطت دموعها أكثر وهي تنظر إليه بضعف نهش دواخله. لورين لا تتنازل أبداً، إنها لم تحاول لمرة واحدة أن تتعامل معه بمشاعر حقيقية دائماً كانت صلبة, قوية، تسانده كما أخواتها دون أن تفصح عن مشاعرها..

"سيأخذها بعيداً ويحاربني بها، لن يتردد في استخدامها كسلاح ينتقم به مني.. إذ أنه يعلم جيداً كل نقاط ضعفي، كل الماضي البشع خاصتي, كما يعرف أنك أحد أهم أسباب وجعي"

أغمض أيوب عينيه للحظة مبتلعاً حزنه الطاغي ثم قال بتهكم "وأنتِ ماذا تفعلين الآن يا لورين.. أليس نفس الشيء الذى ترتعبين من أن يفعله بكِ؟!"

قالت ببهوت "لا.. لا.. أنا أريد حماية أمل"

"بظلمها.. في إبعادها عن أبيها الذي تعتقد أنه يرفضها ولا يحبها"

صمت قبل أن يتابع أمام عينيها التي تنظر إليه بفاجعة "بظلمه هو كما أنا ظُلِمتَ بحرماني منكم؟!"

شحب وجهها وهي تقول مدافعة "الإنسان لا يفتقد ما لا يعرفه من الأساس يا أبي.. هو سيمضي فور أن يدرك بأني لا أقبل اعتذاره، بأني وجدت حياتي مع إنسان اخترته بالطريقة الصحيحة هذه المرة"

قال أيوب بصوت جامد خلا من المشاعر "وأمل، ماذا ستخبرينها عنه؟!"

هزت كتفيها بيأس وهي تقول "بأنه ليس هو، أمل صغيرة وستصدق أي شيء!"

قسا وجه أيوب وهو يقول "أو الأفضل أن نخبرها أن أباها قد مات في رحلته الطويلة ولن يعود أبداً، أليس تلك الكذبة مقنعة بشكل أفضل؟!"

انتفضت بشكل بشع وهي تحرر يديها تبتعد عنه وهي تنظر إليه بفزع كمن رأى أبشع أشباحه "لا، إنه حيّ يرزق، سليم معافى وأصبح يمشي على قدميه.. لقد حققت نجاحي معه، لقد انتصرت على يأسه رغم أنفه"

ضيّق أيوب ما بين عينيه وهو يحدق فيها محاولاً أن يسبر أغوارها ثم قال "أنا لم أسألكِ عن حالته يا لورين، بل عن إخبار ابنتكِ كذبة مقنعة، سريعاً ما ستكتشفها عندما تكبر، وتعلم بجريمتكِ في حقها"

قالت بلؤم "لما تفعل هذا؟ لقد وعدت بحمايتي دائماً ومساندتي وتعويضي عن فقداني لك، ألا أستحق منك هذا كفرح ومرح يا أبي؟!"

اقترب منها أيوب ثم مدّ يده يحاوط وجهها بحنان وهو يقول "كل ما يريده أبوكِ هو أن لا ترتكبي أخطاء الماضي، وأن لا تعيديه بصورته البشعة، أن تعيشي بسلام, مطمئنة لا ظالمة ولا مظلومة.. وأنتِ بما تفعلينه الآن ظالمة يا صغيرتي!"

نظرت إليه بعينين مستعطفتين ثم قالت "أمل كانت حقي يا أبي بعد أن دمر المتبقي مني.. هي أملي وحدي كما منحتنا جميعاً الأمل في الحياة التي ظلمتنا.. إن حرمني ممدوح منها وأخذها مني سأموت يا أبي.. والله إني سأموت, إذ أنها آخر شيء يمنحني القوة حتى لا أستسلم"

اغرورقت عينا أيوب بالدموع وجذبها لتدفن رأسها في كتفه، مودعة إياه كل دموع ضعفها وتخبطها، عالماً أن الصدمة كانت أكبر من أن تستوعبها ثم همس ببؤس "إن كان بإمكان والدك أن يأخذ كل ألمكِ, ماحياً همكِ لن يتردد للحظة، إذ أنه هو فقط من يضحي بحياته فداكِ.. وأمل تستحق يا صغيرتي أب يشعر هكذا نحوها.. إن أثبت لي عكس ما تدّعيه أنتِ عليه"

تشبثت يديها في قميصه من الخلف تبكي بقوة أكبر وهي تهمس "أرجوك أن لا تخبره, ودعه يرحل دون أن يمس صغيرتي أرجوك.. أرجوك.."

"اهدئي وتمالكي نفسكِ، أبوكِ هنا أخيراً ولن يدعكِ لترمي نفسكِ في النار مرة أخرى"

**********

نهضت من المقعد تلملم أشياءها ببطء ورقة معتادة، جزء لا ينفصل عنها, ترتب حاسوبها.. كتاب القراءة خاصتها بطريقة بريل كما هاتفها وكل ما تملكه بدقة شديدة وتنظيم عجيب، لقد تعلمت منذ زمن أن لا تترك أبداً أشياء للصدف أو العبث.. وضعت سماعة الأذن وهي تزيح شعرها الكثيف خلف ظهرها محركة رأسها للوراء فينساب معها فاعلا الأعاجيب بعاشق متيم يراقبها من خلف الجدار، كما يفعل بانتظام منذ أسابيع وهو يتمتم "ترفقي يا عصفورة بقلب عاشقك الأرعن الذي يتمنى اختطافكِ وإبعادكِ عن الدنيا التي حطمت فيكِ وفيه الكثير، دون ذنب ارتكبتماه!"

*****

"أين أنتِ أحاول محادثتكِ منذ الصباح؟!" قالت شيماء بتبرم فور أن ردّت عليها سَبنتي بصوتها الناعس بحنق "أقوم بحاجة بشرية بحتة ترفضينها أنتِ وراشد من أجل مصلحتكما الخاصة!"

ضحكت بخفوت وهي تقول بتآمر "نائمة، وأنا من قلت أنكِ ستخبرينني ماذا فعل الأحمقان ليلة الأمس؟!"

قالت ممتعضة "طالما عرفتِ بأنها كانت عندنا, هذا يدل على أن الليلة لم تنتهي بقتل أحدهما للآخر كما توقعت"

قالت شيماء "الجميع في حالة من الصدمة, إذ أنها عندما عادت معه أخبرتنا بكل وضوح وبرود أنها قضت ليلتها مع والد طفلها.. أجد الأمر مريباً!"

اعتدلت سَبنتي من الفراش بتثاقل كما تثاقل جفنيها المنتفخين ثم قالت بصوت مبحوح "أنتِ لن تفهميها شوشو لأنكِ لم تجربي الألم الذي تعيشه بدور.. ولكن أنا أجدني لأول مرة أوافقها على قرار اتخذته، إياب ليس سهل على الإطلاق اكتسابه.. وإن اعتمدت عليّ فقط لم تكن تصل إليه حتى بعد أعوام"

تنهدت شيماء وهي تحرك عصاها ملقية تحية جميلة على العاملين في المركز وهي تغادر كزهرة عطرة تجلب البهجة لقلب كل من يلمس طيفها بينهم ثم تتركهم على اشتياق للقاء قريب.

"دعينا منهما.. كنت أحاول مشاكستكِ لا أكثر، ما به صوتكِ لا يعجبني وكأنكِ قضيتِ ليلتكِ تبكين!"

"أنتِ تتوهمين.. أخبرتكِ أني أفقت على اتصالكِ المزعج"

"لا تكذبي عليّ.. أنا أشعر بكِ دون الحاجة لرؤيتكِ"

حاولت الالتفاف بسخريتها العابثة وهي تقول "لا تعتمدي على حدسكِ كثيراً إذ أنه مشتت بما هو أهم مني!"

ارتبكت وهي تقول "ليس هناك شخص بالعالم أهم منكِ، لا تتهربي"

قالت بنبرة غير مألوفة "أنا بخير، لم أكن أبداً من قبل أحسن حالاً كما الآن، إن كنت غير هذا مؤكد أنتِ ستكونين أول العارفين!"

شاب صوت شيماء بعض الحزن وهي تقول "هي من فرضت نفسها, وأنا أثق أنه لم يجد خيار آخر مع غيابك"

اندفعت وهي تقول بانفعال "إياكِ.. إياكِ أن تحاولي، أنتِ وحدكِ من تعلمين الحقيقة، تدركين أني لم أتركه خلف ظهري كما يدّعي، بل أبوكِ هو من...!"

صمتت تبتلع غصتها المؤلمة لتتبدل نبرتها تماماً لشيء دافئ مألوف "فقط توقفي، الماضي انتهى، وكل منّا حدد أولوياته وطريقه واختار ما يناسبه، إن كنتِ تحبين بالفعل استغلي هذا الأمر إلى النهاية، لا أحد يجب أن يعلم لمصلحة الجميع، بما نعرفه أنا وأنتِ وأبوك الراحل فقط ..شيماء راشد يجب أن لا يعلم.. أرجوكِ"

"أنتِ أخطأتِ عندما صمتِّ!"

قالت بمرارة "لم أستطع أن أكون نذير شؤم، وأدمرهم مرة أخرى"

"سَبنتي؟!" هتفت شيماء ودموعها تهبط على خديها وجعاً على صديقتها.

قالت الأخرى بحنان "أنا تربية راشد الراوي، لا تخافي عليّ، أنا أقوى من الجميع"

"تلك الثقة الملعونة ستقضي عليكِ، أنتِ مجرد روح تحتاج لأن تتألم مثل الجميع، لا تستمعي لهم، من حقكِ أن تصرخي!"

كررت بحزم " أنا بخير شوشو.. في الواقع سأترككِ الآن وأذهب لأبي وأخبره أني أوافق على تحويل أوراق دراستي للجامعة التي اختارها!"

سألت بلهفة "هل ستبقين حقاً؟!"

قالت بتصلب بينما بنفسج عينيها يشتعل بوهج الإصرار "نعم، راشد يحتاجني ومن حقه عليّ أن أمنحه شيء هزيل مما منحه هو لي طوال حياتي، حتى وإن كان يرفض الاعتراف..."

صمتت قبل أن تضيف بتردد "كما أن هناك هدف آخر لي يجب أن أبحث عنه وأكفر له عن كل ما لاقاه من أوجه الألم في حياته حتى وإن اضطررت لأن أقف في وجه نمر الراوي وأصارعه!"

قالت شيماء بتوجس "على ماذا تنوين؟!"

تصنعت المزاح وهي تقول "إن أخبرتكِ لن يبقى سراً، كما وعدت نفسي"

"سآتي إليكِ"

"لا لن تفعلي، شوشو هانم لديّ مستقبل سأشرع في تأسيسه هنا، إلى اللقاء"

"سَبنتي، أيتها الشريرة.. هل أغلقتِ الهاتف في وجهي؟!"

لم يأتيها الرد، ابتسمت وهي تخلع تلك السماعة من أذنها ثم تضعها في جيب معطفها ببطء وهي تبتسم مرة أخرى غير متعجبة من فعلها الذي أصبح مألوفاً...

******

سحبت سَبنتي الحاسوب مرة أخرى ودخلت لرسائل موقع التواصل الاجتماعي سريعاً فلم تجد رد منه على ما أرسلته, مما دفعها أن تضغط على زر الاتصال دون تردد حتى تلفت انتباهه..

دقيقة مرت قبل أن يرفض الاتصال ويخبرها المؤشر عن رؤية الرسالة.. ثم أتاها رده "من أنتِ؟!"

بعثت بتهكم "معجبة بجمال طلتكِ!"

"هل هذا أسلوب فرض نفس جديد، للأسف لقد اخترتِ الشخص الخطأ!"

كتبت بدون تردد "بالطبع أنتَ الشخص الخطأ، لأي بني آدم يحمل ذرة عقل أيها الأشقر الأحمق"

اعتدل نزار واشتعلت كل حواسه وهو يركز في الصورة الشخصية لذلك الاسم المريب والتي كانت تمثل غصن أخضر تتسلق عليه حشرة الدعسوقة.

"سَبنتي.. هل هذه أنتِ حقاً؟!"

كتبت مع وضع وجه ممتعض "بكل الأسف!"

"ولكن أنا لأول مرة أكون سعيد للتصادم معكِ" أرسل مع وجه ضاحك

أرسلت "دعنا من تبادل أشواق نعلم كلانا زيفها.. أريد التحدث معك "

أرسل "أنتِ لن تتغيري أبداً!"

أرسلت "مع سارق صديقتي الوحيدة, بالطبع سأظل دائماً أكرهك!"

"لم أعد سارقها، لقد نفرتني بعيداً منذ زمن معلنة أني لا أليق بها"

أرسلت "هل أنتَ أحمق، يا نزار.. حقاً أسألك ببراءة ولا أحاول أن أسخر منك... هل تمتلك العائلة المالكة عم أهبل أم أنك تحتكر كل الغباء لنفسك؟!"

"تأدبي بقة"

"أحمق!"

"مجنونة!"

أرسلت بصبر "حسناً, وقت مستقطع.. لنؤجل الآن رغبة كلينا في قتل بعضنا ودعني أسألك وتجيبني بصدق.. أين أنتَ في هذه اللحظة تحديداً؟!"

لدقيقة لم يأتيها رده إذ كانت عيناه الخضراوين تحدق فيها محاولا أن يعبق أنفاسه من الهواء النقي العبق برائحتها ويطبع كل حركة صادرة عنها داخل عقله، يتشرب طيفها المرتبك والباحث في محيطها وكأنها تشعر به.. هل يخدع نفسه ويصدق أنها ما زالت تهواه وتشعر بكيانه الذي عاد ليحرسها.

"هل أستطيع التخمين بأنك في مكان مخفي تراقبها؟"

زفر بحرقة وهو يقرأ الرسالة ثم كتب "وكأن الماضي يعيد نفسه.. أها أنا معلق خلف شجرة كالقرد الكسلان، كما وصفتني لها يوماً فاغراً فمي ببلاهة وأنا أتأملها دون أن أجرؤ وأتهور مرة أخرى واقترب مهدداً عالمها"

"حسناً!"

لم ترسل غيرها مما جعله يتوجس خيفة وهو يرسل "حسناً فقط.. سَبنتي هل ستجنين مرة أخرى، وتخرجين سرنا لحارسكِ الغبي؟!"

ارتعش شيء فيها مع طعنة حادة شطرتها دون رحمة وهي تفهم من يقصد ثم أرسلت بوضوح "لا تخف, هناك الكثير قد تغير وأنا... أنا لم يعد لي حراس, لقد كبرت وعرفت كيف أجيد العناية بنفسي.. كما سأحمي أختي منك"

"أنا لا أريد أذيتها" أرسل بصدق

"سنرى عندما تقابلني أولاً.. هل تغيرت أنتَ الآخر أم ما زلت مجرد سليط لسان متهور, لن نجني من ورائه إلا الوجع؟"

"ماذا تعنين؟ هل تقصدين أنك ستساعدينني؟!"

أرسلت بخبث متسلٍ "أساعدك! في أحلامك يا أشقر، كل ما أريده هو الحماية لشوشو، أما أنتَ أممم...."

تركت الرسالة معلقة، ولم تحاول الرد على سيل رسائله المترجية مرة والشارحة لنفسه مرات، حسناً فلتدعه يتلظى بنيرانه القلقة لبعض الوقت...

***********

"سأفتح أنا، ربما طه أتى لرؤيتي لأني لم أذهب للعمل منذ يومين "

رمقتها مرح بنظرة عتاب ثم قالت "لا أريد التدخل يا لورين ولكن كما قال والدي يجب أن يبتعد طه لبعض الوقت حتى تعرفي وضعكِ الصحيح"

قالت بهدوء "أحتاج للتحدث معه قبل أن أخبره بقرار أبينا"

"كما تفضلين"

تحركت تفتح الباب بتعجل لتشتعل كل انفعالاتها في لحظة وهي تهتف دون تردد "لماذا عُدت إلى هنا أيها ال..."

ضغط ممدوح على أسنانه بعنف وهو يقول محذراً "جربي أن تنطقي بأي قذارة أخرى وسترين من الجنون ما لن تستطيعي تحمله"

وقفت مرح وراء أختها على الفور وهي تهتف في وجهه بوقاحة "ولك عين أيها الوقح المغتصب أن تأتي إلى بيتنا؟!"

قال بنزق "رغم معرفتي القليلة بكِ ولكنكِ تعجبيني يا مرح, إذ أنكِ واضحة وصريحة ومباشرة، ولا تجيدين التلوي"

"غادر من هنا" هتفت وهي تحاول التقدم محاولة دفعه..

"لن أفعل حتى أتحدث معها وحدنا"

أوقفت لورين مرح صادة إياها بذراعها ثم قالت ببهوت "أنا بخير يا مرح، وهو محق يجب أن نتحدث حتى نضع حد لهذه المهزلة"

قالت مرح بنزق "بالله عليكِ هل جننتِ؟ هو حتى لم يحترم ما قاله والدي بأن لا يأتي إلى هنا إلا إن استطاع أن يكون رجل ويتحدث معه!"

مد ممدوح وجهه ببرود وهو يقول "اسمعي يا شعلة, اقسم إن حاولتِ التطاول مرة أخرى عليّ لأصدم وجهكِ في أقرب حائط"

"أنا شعلة؟!"

قبض على يديه بغيظ قبل أن يعود للورين بكامل تركيزه وهو يقول "الآن يا لورين وعلى انفراد، لأن هذه آخر فرصة لكِ معي"

تراجعت لورين للوراء خطوة سامحة له أن يعرج أمامها لغرفة الضيوف التي عرف طريقها في المرة السابقة.. بينما عيناها تشرد بخوف نحو صغيرتها التي قدمت كالطلقة محاولة الوصول إليه.. ولكن سريعاً كانت مرح تتقدم لتضع يدها على فمها ثم تستغل عدم انتباهه وتختفي بها بعيداً...

تنفست بعدم راحة بينما تتبعه وفور أن أصبحت في الغرفة دفعها أمامه ببطش ثم أغلق بابها واضعاً المفتاح في جيبه.

"هل تعتقد بأنك تخيفني هكذا؟!"

ارتفع فمه بتهكم وهو يقول "لم أعد أحمق ومغيب في محاولتي المجنونة لإبقائكِ بجانبي وكسبكِ.. لذا اطمئني, بتّ أعلم أي مخادعة كاذبة أنتِ!"

تصلب فكها وهي تسأل بجمود "ماذا تريد مني يا ممدوح؟"

قال بصوت مكتوم "وماذا قد يريد رجل من زوجته بعد طول غياب؟!"

تراجعت خطوة وهي تنظر إليه بذهول ثم همست لاهثة "لا، أنتَ..."

قاطعها وهو يقول بحرقة "أنا ماذا.. مغتصب لعين دهس على ملاك الرحمة التي أنقذت حياته كما ساقيه.. إذا لماذا التعجب في أني أريد فعل هذا بكِ مرة أخرى، أليس هذا بالنهاية الشيء الوحيد الذي أجيده؟؟!"

اصطكت أسنانها ببعضها وهي تقول بذعر "لا يمكن, لقد كنت تتغنى لوالديّ لأعوام بأنك تغيرت!"

أطلق ضحكة عميقة خشنة لامست فيها بوضوح الاستهجان والألم ثم قطعها فجأة كما بدأها وهو يقول "حقاً.. أتثقين بهذا الآن.. إذا لما أنتِ وهذا المتبجح وقفتما أمامي جازمين بعدم توبتي؟؟!"

قالت من بين أسنانها "لأنك أثبت بكل الطرق أن الخسة جزء متأصل من نفسك"

أغلق عينيه بقوة وهو يهمس لنفسه "اهدأ، أنتَ لم ترد هذا معها، لم تبحث عنها موقفاً حياتك وطريق توبتك على غفرانها لتعيد الماضي بحذافيره"

وكأن شيء لم يتغير فيها عندما نطقت باستفزاز متهور "كان يجب عليك أن تمتلك بعض من حس الكرامة وتنسحب على الفور، بعد أن عرفت أني لم أعد أريدك أو حتى أتذكرك، بأني شرعت في بناء حياتي مع رجل يستحقني"

وإن كان للغباء أن يتجسد مؤكد فهو كان يتشكل على هيئتها، اللعنة على كل شيء إذاً, وكالرياح العاتية كان ممدوح يكتسح كل ما يعيق الطريق إليها حتى قبضت يده على نحرها يلصقها في أقرب جدار وهو يقول بنبرة خفيضة مرعبة "غبية كما أنتِ، متعالية ومتكبرة.. هل اعتقدتِ أن ذلك الحقير هو من أوقفني المرة الماضية عن قتلكِ وقتله، وأنتِ تتمسكِين بيده بوقاحة أمامي؟!"

قاومته بعنف وكل عضلة فيها تتشنج بين يديه وهي تقول باختناق غير متنازلة عن مقارعته "هيا افعلها إذاً وأرحني من الندم الذي ينهشني كل لحظة وأنا أتذكر فداحة ما فعلته بنفسي وتلويث نفسي بك"

تراخت يده قليلاً فقط عن نحرها ولكنه لم يتركها وهو يقول بفم متصلب "أنا تأكدت أن أيوب لم يعرف الحقيقة.. لذا أجبينني الآن وكُفِّي عن التلوي.. من غير مرح يعلم بما فعلتيه بي ولما هربتِ مني؟!"

لم تنتبه وسط جحيم غضبها وانفلات أعصابها جزمه بمعرفة والدها و هتفت فيه بسخط "كما توقعت، أنتَ مصر على لعب دور الضحية.. ما فعلته بك... وماذا عن تحطيمك لي وعن انتقامك النجس مني، لقد حطمتني، أنا ما زلت أعجز عن... رباه... ابتعد عني"

قال بنبرة ميتة "تعجزين عن ماذا؟ لقد رأيتكِ بعينيّ تقدمين على الزواج من آخر بكل حب وسعادة"

هزت رأسها برفض غير مفهوم، ثم قالت "لم أخبره بشيء، لم أتحمل قص ما حدث على أحد... لا أستطيع"

أغلق عينيه يبتلع حرقته داخل جوفه محاول أن يهدئ تلك النيران التي تصهره ليخرج في وجهها وحش غير آدمي لا يرحم يضخ في أوردته شيء واحد لا غير... قتلها.. إراقة دمائها لسماحها لنفسها بأن تقترب من آخر.

وبعدها.. بعدها ربما يستطيع أن يحجم مرارته ويقنع عقله كما كان يفعل طيلة أعوام أنها إحدى ضحاياه.. ثم يقدم ولائه إليها ويمضي عمراً محاولا أن يعوضها ويعتذر منها...

عندما لم يرد عليها... وجدت نفسها تقول بدفاعية "أنا لست مدينة لك بشيء، لم تملك الحق في محاسبتي إذ أني اخترت أن أمضي في حياتي، وأختار شريك يناسبني"

قال بصوت مكتوم "وماذا عني؟!"

صرخت فيه "اللعنة... أنت لا تعنيني... لماذا لا تستطيع الفهم أني تخطيتك يا رجل؟!"

ارتسم الألم ممزوجا بالمرارة على وجهه وهو يقول بخشونة "لماذا أطحتِ بكل وعودكِ لي.. لما يا لورين سلبتني كل ما كنت أملكه دون أن يرف لكِ جفن؟!"

أحست بالدموع تحرق عينيها وهي تقول "كنت أرغب في مساعدتك, لم أرى أمامي إلا هدف واحد أن أخلصك من عجزك، أن أجعلك رجلا كاملا حتى وإن عنى هذا خسارتي لك!"

لا هي لن تضعف وتخبره أنها كانت معمية بحبه.. مراهنة على عشقه لها وأنه سيغفر!

قال بجفاف "رجل كامل؟! ، كما طه، تلك الحقيقة التي بِتّ منوطة بالاعتراف بها، لذا دعكِ لورين من تلبس دور الضحية التي أقنعت أنا نفسي بها بغباء شديد معمياً بحبي لكِ، أنتِ مذنبة مثلي تماماً، لقد مزقتني إرباً أولاً.. رفضتني مشمئزة كزوج.. رفعتِ عليّ قضية.. سلبتني إرادتي، ثم كتفتني ملقية بي دون حول ولا قوة على طاولة جراحية, وبالنهاية دمرتِ كل شيء، دستِ على رجولتي وأنت تهينيني أمام أختي وزوجها والتي لم تتورع هي الأخرى عن استخدام طريقتكِ كسلاح لترويضي!"

كان صوته يرتفع شيئاً فشيئاً فاخشوشن بالنهاية بالغضب الأحمر الذي لون عينيه فحوله لقنبلة موقوتة ستنفجر في أي وقت بوجهها...

هتفت في وجهه دون تردد "ونجحنا, ها أنتَ تمشي على قدميك دون أن ترمى في القمامة كما وجدتك أول مرة... ها أنتَ تعتمد على ذاتك يا بشمهندس وتأسس أخيراً حياة بعيداً عن ظلامك"

رأت وجهه يتصلب كما عادت يديه تضغط على عنقها بعنف، شاعرة بجسده الطويل يتوحش ضاغطاً على كل إنش فيها دون رادع "اللعنة على تجبركِ، وعنادكِ، من أخبركِ بأني تخلصت من شيء..من قال انك نجحت ..لقد قتلتينى .. قتلتينى بفعلتك.،؟

وبغباء عشقك كل حياتي قد تعلقت بوجودكِ أنت والتكفير عن ما فعلته بكِ متناسى ، نفسى ؟! ...

قالت بصوت أجش وهي تستغل ارتخاء دروعه واضعة يدها على كفه التي تحيط عنقها لتجعله يحررها قليلاً "أيها الطفل المظلوم المدلل.. هل اعتقدت أن هناك أي فعل قد تقوم به يقدر على منحك غفراني لاغتصابك لي بوحشية؟!"

صرخ فيها مجفلها "كان يجب عليّ عقابكِ، وقتها كنت معمياً بحقدي, بصدمتي فيكِ، اللعنة.. اللعنة, إن هذا هو الشيء الوحيد الذي كنت أعرفه وأجيده كعقاب مؤلم.. كنت قليل التفكير, معدم الحيل والتخطيط الدامي الذي ينحر ويقتل دون دماء مثلكِ!"

"ها!" سخرت، ثم أضافت وهي تبصق كلماتها في وجهه بأعين واقفة غير مهزوزة أو حتى خائفة "والآن أنتَ بتّ رجل كامل، تجيد الحيل، حسناً إن كنت فأثبت ذلك... وطلقني"

قال من بين أسنانه "هل اعترفتِ الآن بأني صادق يا لورين وأنكِ ما زلتِ زوجتي؟!"

هست من بين أنفاسها "لا، ولكن لن أترك فرصة واحدة للتأويل، طلّق الآن وأثبت تكفيرك هذا، وارحل من هنا بغير عودة... ربما اقتنع بتوبتك هذه"

حررها منه أخيراً راحمها من سلطته، راقبت كيف لكل عضلة في صدره ترتعش بغضبه المكتوم وهو يقول بصوت لا حياة فيه "عندما قَدِمتُ إلى هنا كان كل ما يشغل عقلي أني يجب أن أجبركِ على مسامحتي، أن تغفري زلتي، ولكن بعد كل ما وجدته هنا وبعد معرفتي أنكِ مطلقاً لم تتغيري.. أنا أريد حقي منكِ يا لورين... يجب أن تندمي مثلي وتعترفي بجريمتكِ اللاأخلاقية بغشي وخداعي!"

هتفت فيه بخشونة معمية بحقدها "أنا لم أفعل شيء إلا تبديل مصير رجل تائه في مرارته, لقد منحتك حياة لم تقدمها لك قمامة عائلتك, لن أعترف بجرم لم ارتكبه... طلقني وارحل يا ممدوح، ودعنا ننتهى من هذا الرابط المقرف"

عاد إليها بكل جنونه يضرب الحائط بجانب رأسها مهدداً بعنف أجفلها ثم قال "أطلّق لتحصلي على فرصتكِ مع رجلكِ الكامل المناسب، ذلك الذي تنوين أن تقدمي له ما هو لي دون أن تنفريه.. صحيح؟!"

لن تتنازل حتى وإن أقدم على أذيتها، لن تنحني أو تجعله يرى أي لمحة ضعف توهمه أنها قد تخشى محاربته.. هي لن تمنح ممدوح أي أمل...

"نعم، بالضبط رجل كامل، بماضي ناصع يحميني، يساندني.. لست أنا من تحارب ضعفه، نؤسس معاً حياة سوية دون عقد طفولية سخيفة نورثها لأطفالنا الذين رفضت أن أمنحك أنتَ إياهم"

إن وقفت أمام الوحش لا تلم إلا نفسك..

وهو كان قد اكتفى من تلبس ثوب الحضارة لذا لم يتردد لحظة واحدة في أن يصفعها بشدة, طار جسدها معها منحنية للجانب الآخر ثم أمسكها عادلاً إياها لتواجهه بينما هي تنظر إليه بذهول غير مستوعبة ما فعله "أنتِ شيطانة، وضيعة!"

توقفت أنفاسها وهي تحدق فيه بعينين انكسر شيء فيهما أخيراً ثم همست بتوهان وكأنها ترفض تصديق ضربه إياها "كما فريال عقدتك الأبدية!"

ضحك بمرارة رد على جملتها وصدمتها قائلا "لا, لم تعد النساء بمقياسها أو أمي في نظري... بل شيطانة أعماها الحب والحقد والغل لترى أبعد من أنفها.. شيطانة لا تدرك من العشق إلا جانبه المؤذي كما فعلتِ بنا.. أنتِ من بدأت، لماذا.. لماذا أوصلتني لهذا.. اللعنة عليكِ، فقط لو تدركين.. لو تفهمين ما كنتِ تمثلينه بالنسبة لي؟!"

المرارة في نبرته، الخشونة في انفعاله جعلتها تلمس شيء من هوسها القديم به، وتنقشع غمامتها السوداء معبرة عنها بدموع هبطت مدراراً على خديها "اخرج من هنا، ولا تعد" همست وكأنها تحاول حماية جدارها العازل من أن يحفره وجوده ويتسلل إليها...

أطرق بوجهه مشيحا عينيه بعيداً عنها، حتى لا تلمس الضعف والتوسل فيهما أو أن تفهم وتدرك.. ثم قال في تغطية لما يعاني صادمها بسؤاله "إلى أي حد وصلت علاقتكِ بذاك الخاطب؟!"

همست مصدومة "ما.. ماذا؟!"

رفع وجهه بعينين حارقتين قبل أن يقول بحرقة مجنونة دافعها الغيرة البحتة "أنا أعرفكِ جيداً حين تتهورين يا لورين.. إلى أي حد تلاعبتِ بشرفي؟!"

"شرفك؟! هل جننت؟!"

"جننت من يوم معرفتي بكِ، من يوم تسليم نفسي لكِ بضعف وثقتي فيك] ..انطقي إلى أي حد وصلتِ معه.. فأنا وحدي من جرب معنى عشق السيدة لورين خليل وتجاوزها لكل مبادئها وهي تحتضن رجل في بيتها وتسمح له بلمسها وتقبيلها قبل عقده عليها"

"أيها الحقير القذر كيف تجرؤ... أيها ال..."

لم تكمل جملتها ولم تستطع إذ أنها في لحظة واحدة وجدته ينحني دون تردد ويقبلها...

***********

وضعت مريم بعض المعجنات على أرض غرفة المعيشة ثم قالت مازحة "يمكنكِ التناول منها، فإيهاب أنقذكِ تقريباً وأرسلها مع عامل التوصيل!"

مدت شيماء يدها على الفور وهي تقول بامتنان "فليعش إيهاب الذي يقدر جيداً بشاعة طعامكِ وخطره على البشرية"

ضحكت وهي تقول "ما سر زيارتكِ اليوم على غير العادة؟!"

اعتدلت شيماء بعيداً عن مشاركة أولاد أختها الرسم ثم قالت "البيت كئيب بشكل غير محتمل، وسبنتي مشغولة في تقديم أوراق جماعتها، فلم أجد غيركِ وطفليكِ للترويح عن نفسي"

لم تحاول مريم أن تخوض معها أي نقاش نحو حزنها الشديد على أبيها، ربما حماية لنفسها هي من أن تعود لنقطة الندم الذي يجلدها، وربما أرادت أن تخفف عن شيماء وجع الفقد، إذ أنها لو اختارتها لتبتعد عن كل هذا الحزن هي لن تمنحهما إلا ساعتين خاليتين من الهموم.

"هل تريدين سماع فيلم، سأشرح لكِ المشاهد بين الأبطال بطيب خاطر"

ابتسمت شيماء وهي تقول "لا.. وجودكِ معي وتجاذب أي حديث فارغ يحقق البهجة المطلوبة"

جلست بجانبها ولفّت ذراعها نحوها في تآمر أخوي وهي تقول بشقاوة "بالأمس قررت أن أتعلم الدجاج المحشيّ!"

تصنعت شيماء الرعب وهي تقول "يااا لَ حظ المسكينة التعيسة!"

قالت بمرح مداعب "بل قولي حظ المسكين زوجي عندما قدمتها له وهي رافعة أجنحتها وأرجلها حرفياً نحو السماء وكأنها تدعو علينا, ناهيكِ عن الغرز الكثيرة التي أخذتها في محاولة مني لترميم تهتكها"

"سأبكي حقاً على الفقيدة، أيتها المتوحشة!"

قالت بفخر "عندما بكيت، تناولها وهو صامت دون اعتراض, المسكين لم ينم ليلاً من وجع بطنه!"

قالت شيماء بجدية شديدة "أتعلمين يا مريم لو كنت مكانه لكنت طلقتك بالثلاثة.. ارحمي الرجل يا مفترية!"

أطلقت ضحكة صاخبة وهي تقول "فلنحمد الله أنكِ لستِ رجل وأنكِ أختي أيضاً، على كل حال أنا لم أكن أنظر لغيره قط، كما هو لم يرى من النساء غيري!"

قالت شيماء بفتور "مريم، أنا لست بدور لتحاولي استفزازي"

"حسناً.. سأتوقف والآن دوركِ, ألديكِ أي شيء تافه تريدين إخباري به؟!"

"لا حياتي الرتيبة المملة كالعادة. عادى طبعاً عن أطفالي وأخواتي في المدرسة خاصتي"

"أنا معجبة بكِ شوشو, ليتني أمتلك قوة قلبكِ الأبيض وعزيمتكِ في مساعدة الآخرين"

قالت برقة "ستفعلين، ألم تخبريني أنكِ تطوعتِ في هذا المركز لتوعية المجتمع بحق النساء.. ماذا كان اسمه؟!"

تنبهت مريم للمربية التي تشير لها دون صوت بوجوب قدومها وقفت من مكانها وهي تقول "نعم زرقاء اليمامة.. اممم إن أردتِ سآخذكِ معي للتعرف على صديقتي الجديدة متيبسة الرأس!"

"إلى أين ستذهبين؟" سألت شيماء عندما شعرت بخلو جانبها..

قالت وهي تنظر للمربية بتعجب "دقيقة واحدة حبيبتي وسأعود"

أغلقت الباب الجرار خلفها وهي تسأل على الفور "ماذا هناك سحر؟!"

"هناك رجل على الباب يطلب الإذن للدخول، وسيد إيهاب نبه بأن لا أسمح لأحد إلا السيد خالد.. أنا لا أعرف حتى كيف تخطى الحراس!"

عقدت حاجبيها وهي تتقدم نحو الباب بقلق سريعا ما تصاعد، لم تتردد للحظة وهي تدفعه للخارج وتقول "ماذا تفعل هنا؟!"

"أريد التحدث معك" قال بهدوء وهو يزيح يدها بعيداً..

قالت بغلظة "اذهب الآن، وأنا سآتي للمنزل بنفسي"

قال بإصرار وهو يتخطى عتبة المنزل رغم أنفها "بل الآن يا مريم"

قالت بدفاع مهدد "إن لم تخرج سأخبر إيهاب، وهناء يا نزار.. ابتعد عن أختي يكفيها ما نالته منكم جميعاً!"

تحرك صدره بانفعال لأعلى وأسفل كاتم كل المشاعر التي تجمعت بداخله "هي هنا إذن؟!"

"لا تدّعي الجهل، مؤكد أنتَ تعلم.. أرجوك أخرج.. شيماء في حالة نفسية سيئة بسبب فقدان أبيها بالفعل... ولا تحتاج للمزيد"

قال بصلابة "لا تكوني مثلهم، لقد وثقت أنكِ وحدكِ من ستتفهمني، أنا لن أؤذيها يا مريم!"

توترت وهي تنظر إليه ببعض التعاطف, إنها بالفعل أكثر من يفهم نزار بحكم صداقتهما، إنها اكثر من استمع إليه عقب عودته والمطالبة بوصالها "أرجوكِ!"

"لا أستطيع، إذ أني لا أعرف كيف سيؤثر بها لقائك!"

قال بترجي "تلك الفرصة لن تتوفر لي مرة أخرى للقائها.. أنا أنوي أن أصلح ما أفسدته"

هزت رأسها رافضة الاستماع إليه والتأثر بتحايله..

أطرق رأسه بأسى، وهو يحاول أن يقنع عقله بالتنازل والاستسلام وينسحب.. حتى فتح إياس الباب، وهو يندفع إليها فور أن رآه "خالي ن...."

"أصمت" هتفت مريم بتحذير شرس جعل ولدها يمتثل لأمرها على الفور وإن كان نظر إليها بحزن لائم.. لحسن الحظ أن ليبرتا الفضيحة لم تنتبه وتتبع أخاها بعد..

ولكن عبر شق الباب البسيط كانت تراقب توتر شيماء العجيب وهي تبحث عن عصاها بنوع من الضياع ثم ترتكز عليها بتخبط، وتتقدم نحوها وهي تقول بشحوب "هل خالد هنا؟!"

وقفت مريم أمام نزار ثم قالت "لا عزيزتي، إنه أحد أصدقاء إيهاب وسيغادر"

كانت تنتفض وهي تتقدم نحوها, تكاد تقسم أنها تتلمس كيانه كما عبق عطره الذي لم يتغير, ثم ما لبثت أن همست بضياع "من هو، إيهاب لا يسمح لأي رجل بدخول هذا الباب وهو ليس هنا؟!"

لم ترد مريم بل أغلقت جفنيها باستسلام عاجزة عن الوقوف حائل بينهما أكثر بينما سمعت صوت أختها المختنق يقول "حسناً.. لا بأس، كنت سأغادر الآن على كل حال، أراكِ في وقت لاحق.." صمتت قبل أن تصحح بتهكم بائس "أو تريني أنتِ بما أني عمياء البصر ولا أستطيع رؤية ما يحدث حولي كما قال أحدهم يوماً!"

"شوشو، لا تقولي هذا"

ارتسم الألم على وجهها وهي تشق طريقها بحرص نحو الباب، بجسد أخذ في الاهتزاز في الانتقاض كلما اقترب خطوة أكثر نحو ذلك الذي لم يقل انهياره من تلمسها وسماع صوتها عنها..

"تحرك الآن يا حمار، قدم شيء يسير يداوي جرحها" سب بقهر وهو يجد نفسه متجمد في مكانه عاجز عن أي رد فعل..

كان يراقبها تكاد تصل إلى الباب، لتسرق منه قبس نور وتغرب كما غربة شمس النهار..

"شيماء!" هتف أخيراً بصوت رخيم عنيف عميق بالمشاعر التي تجمعت فيه..

"يا إلهي.. يا إلهي" التفتت بحدة برأسها ناشرة شعرها معها لينزاح مرفرف حولها في حالة من القدسية..

تجمدت لوهلة وهي تحاول أن تستوعب الصوت الذي نضج دون أن تتغير بصمته المميزة.. تاهت بالفعل.. إنها تاهت وفقدت بوصلتها الحامية، غير قادرة على تحديد طريقها للخروج أو العودة، وعندما تحركت كانت تصطدم في أرجل أحد الطاولات لتقع على الأرض فاقدة عصاها.. كانت تحاول إنكار ما سمعته للتو وهي تركع على قدميها ويديها تبحث عن عصاها بضياع بينما عينيها تذرف دموع أغرقت وجنتيها دون أن تخرج صوت.. فلحقها سريعاً هابطاً على ركبتيه يمسك العصا ثم يمسك ساعديها ليعدلها من انحنائها، أمسك بأناملها الرقيقة ووضعها بين يديها فحاوطتها بكلا كفيها تضمها إلى صدرها ..ثم توقف الزمن للحظة، فقط تواجه بعينين باكيتين وكلها ينتفض كما أصبح هو الآن..

"كنت أعرف، كنت أشعر بك وأوهموني أني مجرد عمياء تعيش في الخيال"

ملمس يديها الناعمتين.. جيدها الهش الذي كان يرتعش فيبث ذبذبات مؤلمة كانت تتركه ضعيفاً عاجزا عن التحكم بهدير فؤاده بين أضلعه حتى صم أذنيه بدمائه التي تضخ داخل أوردته.. لقد كانت تفعل به الأفاعيل، هو لم يتوهم يوماً حبها، لم يتخلى أبداً عن عشق صاحبة البحرين "لقد علمتني أن البصر لم يكن أبداً يتعلق بالرؤية يا عصفورة، بل ببصيرة القلب التي كنا جميعاً نفتقدها ما عادكِ!"

"نزار هذا أنت بالفعل.. رباه" همست بشهقة موجعة, ببراءة لم تغادر روحها الطيبة..

"لقد رحلتُ بعيداً كما طلبتِ, وبحثت عن طيف يسكنني كما قلتِ، ولم ترى عيناي سواكِ، كما لم تلمس بصيرة قلبي إلا أميرة واحدة تحبس نفسها خلف أسوار بيت الراوي"

***********

كان صراعها وهي تتلوى ومحاولتها للتخلص منه مليء بالذعر البحت، الاضطراب وشيء من الغضب الذي أجج جحيماً فيه لا يحتاجه، لكنه أخذها نقطة لصالحه ليغوص فيها أكثر مسيطراً عليها بتهور، تجرع كؤوس الخمر من بين شفتيها بملمس حرير الشوكولاتة، حتى فقد بوصلته وحواسه، إن ذعرها مفهوم ولكن غضبه يمنحه أمل على استحياء أنه ما زال يؤثر فيها... تلك الكاذبة العنيدة المتجبرة لم تنساه كما ادّعت، إن عراكهما وزمجرتها في فمه التي ترتد في جوفه أججت فيه رغبة وحشية لتمحو رغبته في قبلة تأديبية وتحولها إلى أخرى يشبع فيها فؤاده الجائع إليها، كان عقله يصرخ فيه أن ما يفعله خاطئ، إن أجبرها على تقبله مرة أخرى بتلك الطريقة لن يوصله معها لشيء ولكنه كان يعجز عن التركيز لينفصل عنها بينما جسدها الطري يموج تحت صلابة صدره، مشعلا فيه رغبة رجل كان قد دفنها بغير عودة فور أن افترقا..

كانت يديها تضرب كتفيه بتمرد كالإعصار وقدمها تضغط على ساقه العجراء دون تردد، فأبى أن يتركها معمقاً قبلته أكثر وهو يدفن رأسه في شعرها مثبتها مانعا إياها عن الابتعاد، بينما يده الأخرى قد حاوطت خصرها متحكم فيها ومعدلها في الوضع الذي يرغب.. وضاع بعدها كل شيء اختلط وما عاد يفرق بين غضبه، وحرقته، واشتياقه.. ملتهماً كل ما يستطيع أن يحصل عليه من تلك الشفتين العصية أسكره و ذهب بعقله..

بينما هي أخيراً استسلمت بدافع الصدمة، تنتفض بين يديه كحمامة قُصّت أجنحتها وما عادت قادرة على التحليق وتركه..

حتى قرر أخيراً أمام سكونها أن يرحمها.. مفترقاً عنها بنفس العنف الذي قبّلها به.. شهقت وهي تنظر إليه بذهول بينما أنفاسه الصاخبة لم تهدأ بعد.. عينا كليهما تحدق في الآخر بشعور قديم يتوارى خلف ستار الاتهام... رافضاً أن يخرج للعلن، رافضة هي أن تخفض أشرعتها وتجعله يعبر لبرها مرة أخرى..

كان هو البادئ أخيراً برد فعل عندما أغلق جفنيه، مشيحاً بوجهه عنها ثم قال بنبرته التي سيطرت عليها مشاعره المحمومة "أنتِ ما زلتِ زوجتي يا لورين، أنا لم أترك مجالاً للصدفة، سواء وقع الطلاق أم لا، فأنا رددتكِ لعصمتي وحتى إشعار آخر بالفراق من عدمه، إن رأيت أي رجل يحوم حولكِ سأقتلكِ وأرسلكِ لأخيكِ على الضفة الأخرى محققاً حلمكِ بتراب الوطن أخيراً.. حبيبتي!"

فغرت شفتيها على آخرهما وهي تنظر إلى ظهره بوجهها التي هربت منه كل الدماء ليس لتهديده، بل ليقينه بمكان عيسى!

*******

انصرف تاركها خلف ظهره، ثم أغلق الباب بمنتهى الهدوء المبالغ فيه وأخذ دقيقة أخرى يحاول أن يتعاطى مع كل ما حدث.. هو لم يرغب أن يتطور الأمر لهذا الحد لقد وعد أيوب بالأمس في لقائهم المخفي أنه لن يؤذيها مرة أخرى وها هي تجبره مرة أخرى على إخراج اسوأ ما فيه بعد أن اعتقد أنه أماته دون عودة..

"لماذا لا تحبني؟!" تحرك ببطء شديد، ينظر لذلك الكائن الصغير التي لا يعلم سر إصرارها العجيب على التقرب منه، ربما الآن فقط يستطيع أن ينتبه إليها، أن يجعلها تشتت ببراءتها بعض من هشيم كيانه..

ازدرد ريقه وهو يقول بسيطرة "لقد أخبرتكِ أني لا أعرفكِ حتى يا فتاة، فكيف لي بكرهكِ أو حبكِ؟!"

اقتربت بعفرتة شقية ثم احتضنت ساقه بأحد ذراعيها بينما ترفع يدها الأخرى نحو فمها داسة إبهامها بين شفتيها، ثم رفعت وجهها نحو ملامحه التي تحدق فيها بدهشة وقالت "أنا اعرفك، وأحبك كثيراً كثيراً، لا, لا, ربما قليل بهذا الحجم، إذ أني أحب بابا أيوب أكثر من أي أحد"

أخفض نظره نحوها يحدق فيها بينما ذلك الألم المبهم بشعور جديد كلياً يعود لينهش فؤاده, مهدداً بفقدانه كما أول مرة رآها فيها ثم ما لبث أن قال بنبرة مهتزة "تعرفينني وتحبينني أيضاً، نحن لم نلتقي إلا أول أمس!!"

ضيقت عينيها الخضراوين وهي تنظر إليه بتقييم أو عجز تفرضه عليها طفولتها التي مؤكد لن تملك القدرة على مجاراته.. ثم قالت "هل تريد اللعب معي الآن، لا تسافر مرة أخرى؟!"

تجمدت الدماء في عروقه، وهو يحدق داخل عينيها بنوع من الهلع، العينان... لطالما كانت عيون البشر نقطة ضعفه وعينا الصغيرة شابهت مرآه.. لا، لا يمكن... أنت تتوهم...

انحنى يبعدها عنه، فاغرورقت عيناها الخضراوان على الفور بالدموع وهي تدفع يديه في محاولة للتعلق به مرة أخرى...

انحنى على ركبتيه أمامها ثم اقترب منها مراضيها وهو يقول "ما اسمكِ؟!"

نظرت إليه من بين ملامحها الفاتنة الطفولية بعبوس.. عبوس وجه كشر يعرفه يقين

"أنتَ بلا عقل" هتفت دون تردد في وجهه في شيء أشبه بإجابة على سؤاله الوقح الذي جرح أنوثتها..

تلقائياً تسللت إليه ابتسامة لا يعرف كيف سكنته حتى، ثم حرك يديه على وجنتها وهو يقول "أنا كذلك بالفعل, لذا هل تساعديني يا أمل.. اسمكِ أمل صحيح؟!"

أخيراً.. أخيراً استطاع أن يمحو ذلك الحزن والعبوس، ليشرق وجه أمل بالأمل في فهمه أخيراً "هل تريد أن تأكل، لدينا طعام كثير كثير، ولكن أنتَ ستطعمني بنفسك كما يفعل بابا أيوب"

نظر إليها مرة أخرى يقيم تلك القامة التي لا تتخطى طول ذراعه حتى متعجباً كيف لها في برهة أن تبدد كل مشاعره و تنسيه نفسه "ربما مرة أخرى, أنا يجب أن أذهب الآن!"

اندفعت العفريتة داخل صدره تتشبث في قميصه بقوة وهي تقول "لا تسافر, ابقى معي، أعدك أن أتوقف عن ضرب أولاد الجيران، والتسبب في المشاكل لماما ولولو.."

تصاعد تنفسه بشكل مؤلم بينما كله يزرع في مكانه وكأنه مجرد شجرة تهزها الرياح العاتية دون أن تقتلعها، تحفر فيها الأطفال دون أن تحرك فيها ساكن.. هو فقط كان عاجز عن الفهم والتعاطي ليفسر سر هذا الشعور الذي مزقه لشظايا..

أمسك ذراعيها يبعدها عنه يحدق في عينيها من جديد وفي ملامحها المألوفة الحبيبة... ثم هتف في وجهها دون سيطرة بينما ذلك الرعب الطاغي يعود ليحتل كل حواسه "من أنا يا أمل.. كيف لكِ أن تعرفيني يا صغيرة؟!"

عندما فتحت فمها، كان يراقب تلك الشفتين بذعر وكأنها تشرع في وجهه سلاح قد يقتل ما تبقى منه، أو ربما تُحييه...

***********

انتهى

قراءة سعيدة







التعديل الأخير تم بواسطة كاردينيا الغوازي ; 30-03-20 الساعة 04:11 PM
Nor BLack غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

الكلمات الدلالية (Tags)
#شظايا القلوب ... رومانسية .. اجتماعية .. درامية

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة

الانتقال السريع


الساعة الآن 01:29 PM



Powered by vBulletin® Version 3.8.9
Copyright ©2000 - 2020, vBulletin Solutions, Inc.