آخر 10 مشاركات
[تحميل] بعثرت أروآح عآشقة "،بقلم/ اكراموا سعوديه (جميع الصيغ) (الكاتـب : فيتامين سي - )           »          78 - أجنحة الوهم (الكاتـب : فرح - )           »          لورا والدوق الأسباني (12) للكاتبة: Mary Rock *كاملة+روابط* (الكاتـب : monaaa - )           »          251 - شئ في القلب - اماندا برويننغ - د.ك.ع ( كتابة فريق الروايات المكتوبة / كاملة )** (الكاتـب : بنوته عراقيه - )           »          ياسميـن الشتـاء-قلوب شرقية(26)-[حصرياً]-للكاتبة الرائعة::جود علي(مميزة)*كاملة* (الكاتـب : *جود علي* - )           »          رواية انتكاسة قلب *مميزة و مكتملة* (الكاتـب : هند صابر - )           »          أكتبُ تاريخي .. أنا انثى ! (2) *مميزة ومكتملة * .. سلسلة قلوب تحكي (الكاتـب : كاردينيا الغوازي - )           »          الإغراء المعذب (172) للكاتبة Jennie Lucas الجزء 2 سلسلة إغراء فالكونيرى ..كاملة+روابط (الكاتـب : nagwa_ahmed5 - )           »          وخُلقتِ مِن ضِلعي الأعوجُا=خذني بقايا جروح ارجوك داويني* مميزة * (الكاتـب : قال الزهر آآآه - )           »          لعنتي جنون عشقك *مميزة و مكتملة* (الكاتـب : tamima nabil - )


العودة   شبكة روايتي الثقافية > قسم الروايات > منتدى قصص من وحي الاعضاء

Like Tree168Likes

إضافة رد
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 14-01-21, 11:51 PM   #81

شيماء_يوسف

? العضوٌ?ھہ » 474730
?  التسِجيلٌ » Jul 2020
? مشَارَ?اتْي » 58
?  نُقآطِيْ » شيماء_يوسف is on a distinguished road
افتراضي


الفصل الخامس والثلاثون 🔥❤️

أبلغ عزيزاً فى ثنـايا القلـــــب منزلهُ
أني وإن كنـــــتُ لا ألـقاه ألقـــــــاه
وإن طَرفى مـوصــــــولٌ بـرؤيتـــــــهِ
وإن تبَاعــــــد عن سُـكنايَ سُكنــاه
يا ليته يَعلــــــم أني لــست أَذكــــره
وكيـــــــف أذكره إذ لــستُ أنســــاه
يا مـــــــن توهّم أنى لـــست أذكــره
والله يعلـــــــم أنى لــــست أنســــاه
إن غـــــاب عني فــالـرّوح مسكنــــه
من يسكن الروح كيف القلب ينساه؟
-علي بن الجهم.

يقال إن الخيبة الأولى هي الأكثر إيلامًا، ومن بعدها نتعاد، عن أي اعتياد يتحدثون والهزائم كلها تتساوي في مقدار الألم الذي يصيب صمام القلب، كقاتل محترف متمرس في مهنته، يطعن ولا يبالي فيدرك المنتصف مباشرةً، ثم يفر هاربًا تاركًا المطعون يصارع للبقاء حَيًّا، بينما تظل الندبة محفورة داخل أعماقنا إلى الأبد، وهكذا تستمر الانطفاءات في النيل من روحنا مرة تلو الأخرى حتى يتهتك جدار الروح ويتساقط كأوراق الخريف الذابلة، ولكن تلك المرة كانت الهزيمة أوعر وأشد!!، انسحب الدم من ملامحها تَدْرِيجِيًّا، بالتزامن مع وجع انتفض في كافة خلجاتها، وبارتجاف أصاب دواخلها، همست تسأله في نبرة خفيضة مرتعشة :
-(( يحيي.. أنت مش عارفني؟!... ))..

ناظرها مطولًا يتتبع لمعة مقلتيها في أسى ولسان حاله يُجيبها آني للروح إنكار رفيقتها، ناهيًا حالة التراجع التي خالطت نظراته الجامدة صوت غفران تقول بعد نظرة عابرة بينهم :
-(( علياء.. في حاجة مهمة مكنش ينفع أقولهالك على التليفون لازم تعرفيها ))..

استدارت على مصدر الصوت المجاور لها تتطلع إلى شقيقها الذي تحرك في الحال للوقوف بالقرب منها ومؤازرتها أولًا، قبل أن تتحرك وتسلط عدستيها فوق فم غفران التي وقفت تعض علي طارف شفتها السفلية هامسة في إشفاق :
-(( علياء يحيى عنده فقدان مؤق......... ))..

قاطع نبرتها التي آخذت في التذبذب صوت اندفاع باب الغرفة الخشبي، يليه ظهور جيداء تهتف مدعية السعادة :
-(( يحيى أنت بجد فقت.. الحمد لله أنا مصدقتش لما قالولي تحت في الاستقبال ))..

ضيق أجفانه فوقها محافظًا على نفس الجمود الكاسي ملامحه ولكن شتان ما بين إحساسه الداخلي بالمرأتين، بينما استأنفت غفران قولها دون إعارة حديث الزائرة أي أهمية :
-(( كنا بتقول إيه.. آه يا علياء يحيى الحمد لله مفيهوش أي حاجة عضوية.. بس للأسف لما فاق معرفنيش.. أخر حاجة فاكرها من سنة ٢٠١٥.. وقت ما كان بيدرس في فرنسا ))..

لمعت أعين من تستمع باهتمام إلى الحديث وقد تنبهت كافة حواسها، ثم رفعت رأسها تسألها في نبرة شامتة مقاربة للفحيح :
-(( قصدك أنه مش فاكر حادثة لارا؟! ))..

حركت غفران عدستيها من فوق وجهه علياء الشاحب تتيح لها الفرصة في استيعاب الصدمة إلى وجه الدخيلة الغير مرحب بها، بينما تحدث هو أخيرًا يقول في نبرة رجولية مرهقة متحاملًا على حالة الازدراء التي تعتريه من وجودها معه في نفس الغرفة، والأسوأ اضطراره التعاطي معها :
-(( أنا فاكر حادثة اختفاء لارا كويس.. من بعدها مش فاكر حاجة ))..

عم الصمت المطبق أفواه الجميع كُلًّا يسبح في عالمه وأفكاره الفردية، وخاصةً تلك التي انزوت بجسدها إلى أحد الجوانب تفكر في استغلال الموقف وتفجير مفاجئتها الآن وقبل فوات الأوان.

في وقت سابق من نفس النهار.........
( توقفت قدم غفران عن الهرولة عند مدخل الغرفة وقد اكتملت الفكرة التي تراود عقلها منذ البارحة في مخيلتها، فإما الآن أو أبدًا، وعليه استدارت عائدة بجسدها إلى الراقد فوق الفراش تقول حرجة في تردد واضح ونبرة متراجعة :
-(( يحيى أنا عارفة أن اللي هقوله ده جنون.. وأنا نفسي مش واثقة من نتيجته بس محتاجة منك تمثل أنك فاقد الذاكرة قدام الكل وأولهم الدكتور ))..

لم يكن عقله عاد للعمل بكامل قوته في إلى الآن يعاني من ألم حاد في الرأس مع تشوش الرؤية وانعدام التركيز، ورغم ذلك تحامل على نفسه ليسألها مستنكرًا في خفوت وإرهاق جم :
-(( فاقد الذاكرة؟! ))..

زفرت مطولًا في حيرة بينما أرتفعت يدها إلى رأسها تفرك مؤخرة عنقها في تشتت وكأنها تعاني لإدخال الفكرة إلى رأسها قبل إقناعه بها، وبعد دقيقة من الصمت التام قالت في إصرار قاطع :
-(( ماحنا مقدمناش حل تاني.. أنا بقالي يومين عمالة أفكر أزاي هنخلص من شر أبو المجد لحد ما دماغي هتنفجر ))..

سحبت نفسًا طويلًا حتى امتلأت رئتيها بالهواء، ثم أردفت تقول في حزن :
-(( للأسف أنا مشيت ورا جيداء وراقبتها.. وطلع شكنا صح.. تاني يوم الحادثة بتاعتك راحت شركة المجد.. وبعد ساعة خرجوا هما الاتنين سوا وهما بيضحكوا ويهزروا.. يعني خطفها واللي حصلها تمثيلية.. يحيى فكر معايا بالعقل.. فقدانك الذاكرة انسب طريقة لكشف تورط جيداء ومنه هتريح نادر.. وهتوفرلك غطا حلو تتحرك تحته من غير ما حد منهم يحس.. أنت فرصتنا الوحيدة يا يحيي ))..

كان عقله مشوش بالكامل ويعاني من أثار المخدر مع ألم الجراحة، حتى كلماتها كانت تسبح من حوله كخيالات لم يلتقطها كاملة، وبالطبع كل ما كان يريده هو رؤية زوجته ثم العودة إلى النوم من جديد في سلام، ولكن من أين تأتيه الراحة والطعنة جاءته من أقرب ما له؟!، قاطع أفكاره صوت غفران تقول مستجدية في توسل :
-(( أنا عارفة أنك تعبان ومش حمل كل ده أبدًا.. بس اعذرني ده لمصلحتنا كلنا.. وعشان كده أنا هطلع دلوقتي أبلغ الدكتور بصحيانك وأتمنى تمثل قدامه أنك مش فاكرني وهيصدق لأنه بعد العملية حذرنا من فقدان مؤقت للذاكرة كعرض جانبي.. وحتى لو فكرت في الموضوع بعد ما فقت وركزت ولقيت نفسك مش مرتاح تقدر تتراجع في أي وقت.. بس أرجوك ساعدني نحمي حبايبنا قبل نفسنا...))........

عودة إلى الوقت الحالي........
انتهزت جيداء حالة التخبط التي أصابت الجميع من نبأ فقدانه الذاكرة، وخاصةً زوجته التي شحبت ملامحها وراح شقيقها يحتضنها ويخفف عنها صدمتها، كي تسأل في خبث ونبرة ممطوطة بعدما تلكأت عيناها فوق وجهه :
-(( يعني أنت مش فاكر أننا أطلقنا يا يحيي؟!.. ومش فاكر أنك ردتني بعدها بكام يوم وأني لسه مراتك ))..

أصابت كلماتها الهدف المطلوب إذ احتقنت ملامح يحيى حتى شعر بشعيرات عنقه الدموية على وشك الانفجار من شدة الغيظ، وانتفض جسد علياء من بين ذراع شقيقها في صدمة، بينما شهقت غفران عاليًا في عدم تصديق، في حين هتف جواد يسأل شرزًا :
-(( إيه التهريج اللي بيحصل ده؟!.. مراته مين وردك إزاي وأنتوا اساسًا جوازكم كان على ورق!! ))..

عضت فوق شفتيها متصنعة الخجل، ثم إجابته مبررة في كذب متعمدة التأني في نطق كلماتها :
-(( كان على ورق.. لحد ما في يوم يحيى زارني بعد خطف لارا بنتي وأنا وقتها كنت منهارة.. فلما قرب مني معرفتش..... ))..

تركت جملتها مفتوحة تاركة الخيالات تنهش قلب عالية الهمة، قبل أن تستطرد حبكّ كذبتها مضيفة في ثبات :
-(( وبعدها اتفقنا على الطلاق بطلب مني وفعلًا حصل.. بس بعد فترة قصيرة يحيى بعتلي جواب يقولي أنه ردني لعصمته.. ولحد دلوقتي أنا مراته وده اللي كنت عايزه اوضحه من الأول بس محدش عطاني فرصة ))..

حادت عيناه عنها ينظر إلى غفران الواقفة تتابع الموقف في غليان، يود لو يقفز الآن وينقض على عنقها لإتباعه نصيحتها، وبعد الانتهاء منها يعود إلى تلك الكاذبة وينتقم منها كيفما يصور له خياله الجامح، قاطعًا سيل أفكاره العنيفة جواد يقول في هدوء، رغم الاحتقان الكاسي ملامحه :
-(( حيث كدة احنا ملناش مكان هنا.. حمدلله على السلامة يا دكتور.. بعد اللي سمعناه مش محتاج أعرفك بينا أو أبلغك أن علياء زوجتك اللي طلبتها مني شخصيًا.. ولما تخف ان شاء الله هتشرفنا في بيتنا ننهي المتعلق بينا.. يلا يا علياء ))..

تلك المرة خانته تعابيره وجسده إذ تحرك مسرعًا من فوق الفراش يبتغي بذلك اعتراض طريقها في الرحيل، متفاجئًا بها تقول في شجاعة سمرت حركته :
-(( أنا آسفة يا جواد بس أنا مش هاجي معاك ))..

رفعت رأسها بكبرياء لا يليق سوي بإبنة الجنوب، ثم استطردت تقول في علياء :
-(( أنا كمان مراته ومن حقي أفضل معاه.. ع الأقل لحد ما يرجع لحالته الطبيعية.. دي الأصول ))..

***********************

ركضت خلفه تتبعه محاولة اللحاق به ومجاراة خطواته الواسعة العنيفة، بينما لسانها لا يتوقف عند ترديد اسمه مستجدية تعقله كي يسمعها ولكن هيهيات، فالغضب الكاسي ملامحه والغليان المستعر في خلاياه كان أعتى من أي شعور أخر متنامي قد يجبره على الوقوف إكرامًا له، ولم تكن هي بضعيفة الهمة، أو عاجزة التصرف لذا واصلت الجري من خلفه حتى خطا باب خروج المشفى ووصلا إلى باب سيارته، وقتها قفزت تجلس على مقدمتها قائلة في إصرار من بين أنفاسها الشبهة منقطعة:
-(( جواد أسمعني.. مش هتحرك ولا هسيبك تمشي غير لما تسمع عايزة أقوالك إيه ))..

ركل إطار السيارة بساقه في عنف اختض على أثره جسدها ورغم ذلك لم تتراجع بل على العكس، قفزت مرة ثانية تقف أمامه كحائل يفصل بينه وبين مقعد الركوب، كفارس يحاول ترويض حصانه الجامح، واضعة كفها فوق مقبض باب السائق تمنعه بذلك من الصعود، ومستأنفة توسلها إليه :
-(( متبقاش قفل ودماغك الصعيدي تركبك دلوقتي.. الموقف مش محتاج منك كل العصبية دي ))..

صاح بها مهتاجًا في استنكار ومحاولًا دفع جسدها من أمامه :
-(( قفل!!.. ده واحد ضحك علينا وقالي أنه مجرد كتب كتاب وطلع كان متجوووز.. لا والهانم لسه على ذمته.. وبدل ما الغبية تحافظ على كرامتها اختارت تقعد جنبه زوجة تانية ))..

فاجئته بوضع كفها فوق ذراعه الممدود من خلف ظهرها في حذر لفتح باب السيارة ودفعها، يليه قولها في هدوء عكس البركان الثائر المتدفق داخل أوردته :
-(( لعلمك تصرف علياء كان صح الصح.. يا جواد معقول مفهمتش كل ده أنها بتحبه ))..

لمحت نظرة تعاطف لينة غشت عدستيه، ثم سرعان ما اختفت كشهاب خاطف، وعادت نظراته إلى سيرتها المشتعلة الأولى، بينما استطردت غفران تقول آمرة بعدما فتحت الباب بنفسها وجلست خلف المقود متمسكة به :
-(( أركب خلينا نتكلم زي الناس.. وبعدها قرر هتعمل إيه ))..

حرك رأسه يمينًا ويسارًا وضرب كفيه فوق بعضهم البعض في استسلام، قبل أن يتحرك إلى الجهة الأخرى وقد تراخت ملامحه وهدأت ثورته نسبيًا متخذًا من المقعد المجاور لها مجلسًا له، قائلًا في حدة :
-(( وأديني ركبت يكش تقولي اللي عايزه تقوليه وتحلي عني ))..

رفعت رأسها وشمخت بأنفها قائلة في كبرياء :
-(( مش هحل عنك.. أنت اتبليت بيا خلاص ))..

أجفل جسده واهتز جانب فمه في ارتفاع طفيف وتسمرت نظراته فوق جانب وجهها يكاد يُجزم بشعوره برجفة خاطفة أصابت مضغته من جملتها، بينما استطردت حديثها تسأله مازحة :
-(( مستعد؟.. متخافش بعرف أسوق كويس.. أينعم مجربتش في عربية غالية زي كده من قبل بس لو حصلها حاجة فدايا ))..

أومأ برأسه موافقًا في شرود ثم أشاح بوجهه إلى الطرف الآخر يتابع الطريق أمامه في صمت، فتلك المرأة بكل خصالها الغريبة المجتمعة بها أصبحت تصيبه بالحيرة والارتباك في كل مرة يقف أمامها، والأسوأ شعور عدم الأمان الذي أصبح يداهمه من وقت لأخر في حضرتها، وكأن الأرض أسفل قدميه لم تعد ثابتة كعادتها، وبعد فترة لا يستهان بها توقفت بالعربة إلى جانب أحد رصفان الشاطئ ثم عادت تقول في شيء من الهدوء والحميمية :
-(( لما بكون متعصبة زي حالاتك كده باجي هنا اشم ريحة البحر.. بيساعدني أهدى أعصابي وأفكر بهدوء ))..

تذكر مرتهم الأولى عندما شاركها صدمة معرفتها حملها، كانا يجلسان بالقرب من ذلك المكان، ثم تذكر أيضًا بعد حادثة فقدانها الجنين وفي أحد الأيام بعدما يأس في الوصول إليها حيث كانت تعتزل الجميع، وقتها لمحها مصادفة من داخل سيارته تجلس فوق المقعد الخشبي الموضوع أمام سور البحر كحائط صد يمنع أمواجه الثائرة من الخروج، وفجأة أدرك أن ذلك المكان أصبح ملاذهم السري، وأنه الوحيد الذي يشاركها خلوته وخصويته، مخرجه من غرابة ولذة اكتشافه صوتها الناعم تقول في دعة :
-(( أنا عارفه أنك متعصب وعندك حق.. بس لو فكرت في الأمر من نظرة تانية هتلاقي أنك المفرووض تفرح.. عشان علياء اتمسكت لأول مرة بجوزها عكس الشهور اللي فاتت وده لوحده إنجاز ويثبتلك قد إيه هي بتحبه مش زي ما كانت بتدعي.. غير أني متأكدة أن جيداء بتكدب على الكل وهي لا مراته ولا نيلة ))..

تعمدت التوقف عن تلك الجملة وتركها تأخذ الصدى المطلوب بداخله ويقلبها داخل طيات عقله كيفما شاء قبل أن تُضيف، وبالفعل جاءها رد الفعل المنتظر منه إذ هتف يسأل مستنكرًا في حيرة وقد أختفت المسافة ما بين حاجبيه :
-(( بتكدب؟!.. في حد هيكدب في موضوع زي ده! ))..

قالت مؤكدة في ثقة :
-(( طبعًا بتكدب.. وبعدين مالك مستغرب ليه ومحدش عارف الحقيقة غير يحيى اللي مش فاكر حاجة وهي.. فطبيعي تكدب وهي متأكدة أن محدش هيراجعها.. غير أني واثقة في يحيى جدًا ومتسألنيش أزاي لأنى مش هقدر أجاوبك.. بس يكفي أني عارفة أنه مستحيل يعمل كده ويخبي عليكم حاجة زي دي.. مش ده طبعه وعمره ما هيكون ))..

صمتت قليلًا تطالعه وتنظر داخل مقلتيه تستبين منهما ما يجول داخله، ثم أردفت تقول في ضيق بعدما تنهدت :
-(( جواد.. جيداء تعرف أبو المجد وأنا متأكدة أنهم عملوا تمثيلية سوا عشان يجرجروا يحيى للي حصل كله ))..

أرتفعت نبرتها نسبيًا كأنها بذلك تمنعه من مقاطعتها أو الاعتراض أثناء اتباعها القول في إرهاق :
-(( وقبل ما تدافع هقولك أني راقبتها.. وشفتهم سوا وهما خارجين من شركته.. للأسف معنديش تفاصيل أكتر بس أنا بدور لحد ما أعرف كل حاجة.. وصدقني يا جواد وجود علياء دلوقتي جنب يحيى لحد ما نتأكد مهم جدًا.. مينفعش وهو في الظروف دي نسيبه لوحده مع جيداء ))..

تابعت ارتخاء ملامحه وانطفاء الغضب من عدستيه فأردفت تضيف أخيرًا في توسل :
-(( عشان خاطري لو بتثق فيا أسمع كلامي وأهدي وسبني أتصرف ))..

عاد الرفض يملأ محياه والتأهب يكسى جسده قائلًا في نبرة قاطعة :
-(( مفيش حاجة أسمها تتصرفي دي.. من هنا ورايح تعرفيني هتعملي أيه قبل ما تتحركي ))..

لمح التمرد في نظرتها فأردف ينهي الحديث محذرًا في إصرار والعنف يطل من مقلتيه في نبرة لم يحدثها بها من قبل :
-(( صدقيني يا غفران لو عرفت أنك خطيتي خطوة واحدة في قضية أبو المجد من غيري هتلاقي تصرف مني مش هيعجبك ))..

أرتعش جسدها من عدائية نبرته ووجدت رأسها يتحرك تلقائيًا في إذعان خانها به جسدها، غافلة عمن يقف على الطرف الآخر ويلتقط صورة فوتوغرافية لكل حركة تصدر منهم.

**********************

فى المشفى.....
ظلت تجوب الغرفة ذهابًا وإيابًا بجسد متشنج تدعي الانشغال بترتيب الفراش من حوله تارة، والنظر داخل نشرات دوائه وأشعات جمجمته في تمعن تارة أخرى، ثم التحدث مع الممرضة والطبيب في كل تفتيش دوري لهم تارة أخيرة، بينما جلست شقراء الشعر فوق الفراش الأخر في أريحية شديدة تعبث بهاتفها وتتصفح مواقع التواصل الاجتماعي في لا مبالاة وتجاهل واضح للحالة العصبية التي تمر بها غريمتها، ولم لا وقد وصلت إلى غايتها وحققت هدفها بمنتهى السهولة، في حين اضطجع ثالثهم في فراشه يتابع حركتها من حوله مقاومًا النعاس الغاشي عدستيه وقد فاق شوقه مراقبتها أي شعور أخر حل بجسده، لذا وعلى الرغم من الألم الذي يكاد يشق رأسه نصفين من شدته لم يستسلم لسلطان النوم وإغراء الراحة بل راح يتأملها في شغف مستمتعًا بنظراتها المشتعلة التي ترمقه بها في كل التقاء عابر لأعينهما، لا يكاد يصدق أن تلك الصغيرة المتمردة اختارته بكامل إرادتها الحرة بعد سبعة أشهر من المطاردة والتوسل، حقًا فضلته على الجميع!، فقط لو تعلم كم يبعث ذلك الشعور السرور على قلبه، وما زاد من سعادته هي نظرة الفخر التي لا تبارح مقلتيها، وقد تبدلت نظراتها من التذبذب والتراجع إلى القوة والتحدي، وكأنه غاب عنها لسنوات وليس لثلاث لَيَالٍ، كل ما كان ينقصهم هو التخلص من ذات النظرة المخادعة والتمتع بأحضان حليلته الحقيقة بعيدًا عن الأعين المتطفلة، وعلى عكس غليانه منذ ساعات مضت وجد عقله يستسيغ طلب غفران ويوافقه، بل ويكاد يشكرها على فكرتها التي أتاحت له الفرصة في رؤية علياء الهمة تتمسك به، شعور لا يضاهيه شعور، وكأنه يمسك السماء بين يديه، وبعد فترة من الصمت كانت جيداء هي أول من قطعته قائلة في تأفف :
-(( أنا هنزل أمشي رجلي شوية واشرب حاجة سخنة بدل القاعدة دي.. حد محتاج حاجة؟! ))..

تظاهر يحيى بعدم استماعه لها حتى لا يضطر إلى إجابتها، بينما حركت علياء رأسها رافضة في اقتضاب، ثم أخذت تتابع في امتعاض سير الشقراء أمامها وقد بالغت في المشي بشكل أنثوي يفيض بالإغراء، حتى اختفت من أمام ناظريها وقتها فاجئته تسأل في شرود :
-(( شبهي صح؟! ))..

رفع رأسه في حدة وقد باغتته بسؤالها الغريب الذي نطقت به في بساطة، قبل أن تتوجه نحوه وتجلس على حافة الفراش وتقابله بجسدها، واضعة كلا كفيها أسفل فخذيها وضاغطه فوق شفتيها في تفكر، مستأنفة تمتمتها الخافتة كأنها تتحدث إلى نفسها أقرب من التحدث إليه :
-(( حتى لون العيون قريبة.. تفتكر لو صبغت شعري اللون ده هنبقى واحد؟! ))..

ارتفعت ذراعها تلقائي إلى خصلات شعرها الملساء تمسدها في ترو، بينما قال هو في حذر، يشعر وكأنه يسير داخل حقل ألغام وضعته هي بنفسها وعليه الخطى بتأني حتى لا يدفع حياته ثمنًا لتهوره :
-(( معتقدش.. أنتِ حلوة زي مانتي ))..

حركت رأسها موافقة في هوادة، ثم قالت بعدما رفعت عينيها إليه وتعلقت بزمردتيه الحائرة :
-(( عندك حق.. أنا فعلًا حلوة زي ما أنا ))..

لم تكن نبرتها تحمل أيًا من علامات السخرية بين طياتها كما ظن في بادئ الأمر، حتى نظراتها كانت تنضح بالثقة وتشع بحب الذات، وكأنها تقبلت وتيقنت أخيرًا من حقيقة جمالها الناعم الذي لا يشوبه شائبة، ورغم ذلك لم تتوقف عن الاستفسارات إذ واصلت القول بنفس النبرة المفكرة :
-(( يا ترى أخترتني عشان شبهها، ولا أنقذتها عشان شبههي ))..

انفرج ثغرها بابتسامة واسعة ولامست بأحد أناملها محبس الزواج الخاص بهم، ثم أردفت تقول في حيرة يشوبها بعض الإحباط :
-(( بما أنك فاقد الذاكرة.. ومش فاكر حاجة عني.. اعتقد ده سؤال مش هنعرف اجابته أبدًا ))..

رفعت رأسها تنظر إليه مرةً أخرى بعدسات تلمع حماسة ولمحة من الغموض، قبل أن تقول وكأنها تحاصره بالكلمات فتصيبه بحالة من التوتر هو، العالم بكافة الالاعيب وخبايا النفس البشرية، وكأنه الأدوار قد تبدلت وصار هو مريض مشتت الفكر، مذبذب الأفعال وهي مرشدته :
-(( أو يمكن نعرف ))..

كان مرهقًا إلى أقصى درجة ممكنة، ولم يكن قد استعاد حتى ربع قوته وطاقته، ناهيه عن تشوش الرؤية وألم الرأس الذي يزداد مع مرور الدقائق فيحرمه من لذة مسايرتها وتحليل لغة جسدها وأسئلتها، أو حتى الاستماع إلى صوتها دون تلك المطارق التي تدق جوانب صدغه وتعتصر جوانبه، فقط كل ما يعرفه أن علياءه لم تعد بعلياءه، كل ذلك التقهقر والاستسلام اختفى إلى غير رجعة، وحل محله الإصرار والعزيمة وقبلهم الثقة بالنفس، وكان موقفها في الصباح أمام شقيقها ووقوفها أمامه تدافع عن رغبتها وتتحمل ثورته بذقن مرفوع خير دليل على ما يقوله، بينما شردت هي بنظرها إلى نقطة ما فوق كتفه، تعيد أحداث الصباح داخل عقلها، وتفكر في استنكار كيف تقبلت وجود زوجة أخرى في حياته تشاركها به، ولم لم تنهي كل ما بينهم وترحل يدًا بيد إلى جانب شقيقها فور طلبه، كل ما كانت تعرفه أنها أرادت المحاربة، وكأن هناك أخرى داخلها استنهضت فورًا ووقفت تحارب وتطالب بحقها المشروع به، على الأقل إن خسرت، يكفيها شرف المحاولة، ومع تنهيدة ألم فلتت من شفتيه سارعت بالوقوف والانحناء بجذعها نحوه تساعده على الاستلقاء بجسده فوق الفراش وقد أعياه الألم وأخذ منه مأخذه، قبل أن يتذكر هاتفه، فسألها مستفسرًا في حذر :
-(( أنا أكيد معايا تليفون صح؟!.. يعني قصدي ممكن لما أفتحه يساعدني أفتكر حاجة ))..

ضغطت فوق شفتيها بقوة ثم أجابته معتذرة على مضض :
-(( أحم.. بصراحة عايزة أقولك حاجة.. أنت فعلًا كان معاك تليفون والاستقبال سلمهولي تحت مع باقي هدومك.. بس للأسف من النهاردة الصبح اختفي.. عمالة أدور عليه في كل مكان مش لاقياه ))..

قال يطمئنها في حنو، بينما يده تحتضن كفها الدافئ :
-(( فداكي يا عالية ))..

تسمرت نظراتها فوقه فور سماعها أسمها المدلل منه كما اعتاد مناداتها قبل هتافها تسأله في لهفة مع تهدج صوتها في أخر كلمة :
-(( أنت فاكر ؟! ))..

رفع ذراعه يمسد بسبابته عنقها في حركة محببة إليها تذكرتها على الفور حيث أعادت إلي ذاكرتها الحية أخر تقارب بينهم، قبل أن يقاطعهم ليلتها استنجاد قريبته، أو "زوجته الحالية" إن أعطت للأشياء مسمياتها الصحيحة، فدفعت يده في حدة ترفض لمسته وكأن سيرة منافستها زر تنبيه، بمجرد صدحه داخل عقلها عاد غضبها الكامن منه يندفع إلى السطح من جديد، فيبدو أن طريق محاربتها وعر للغاية، وواهمة لو ظنته ممهد بالورود.


*************************************

كان صوتها بالنسبة إليه كترنيمة سلام، تشدو فوق أشجان روحه فتزهر، كما الأرض بعد الغمام.

استند بجذعه على حافة إطار مدخل المطبخ دون الإعلان عن نفسه، منتهزًا فرصة أنشغالها عنه بالحركة المفرطة أثناء تحضيرها الطعام فلم تنتبه لحضوره في مراقبتها، تتتبع عيناه خطاها أينما حلت قدماها، وخفقاته تتعالى مع كل حركة وميلة عفوية منها صارخة خلاياه اعترافًا بسلطانها على قلبه وهواها، وبعد فترة من تشرب عيناه محياها، لاحظت خيالًا يلقى بظله الطويل على الحائط المقابل لها، فسارعت تلتفت متتبعة مصدره حتى رأته يقف هناك في كسل شديد، ونظراته تلتهمها شوقًا، وقتها هتفت تعاتبه في لين :
-(( طاهر أنت جيت أمتي؟!.. وبعدين قول أي حاجة بدل ما أتخض كده ))..

ببطء شديد أبتعد بجسده عن الإطار الخشبي وانتصب في وقفته ثم بدأ يتقدم نحوها، قائلًا في صوت أجش ونبرة ثقيلة، بينما عيناه لا تحيد عن جسدها بذلك الرداء القطني الخفيف ذو الأكمام القصيرة وفتحة العنق المنخفضة نِسْبِيًّا على غير العادة، أما عن تميمته السحرية فقد رفعته لأعلى على هيئة كعكة بسيطة وتركت عن عمد بعض خصلاته تداعب أسفل عنقها بمقدمة كتفها :
-(( يعني هي دي حمدلله على السلامة اللي المفروض تقابليني بيه بعد يوم طويل شغل ولف وأنا تعبان ))..

توقف خلفها وشابك كلا ذراعيه حول خصرها، ثم أردف يقول وأنفاسه الحارة تهبط على عنقها :
-(( مش كفاية طول اليوم من الشغل لجواد لعلياء لمصطفى ))..

تحولت نبرته إلى السخرية وهو يضيف في تعجب :
-(( ومعرفش ليه حاسس أن أخوكي مش طايقني.. عديت عليه بعد الشغل أشوف لو محتاج حاجة زي ما اتفقنا صمم مساعدهوش.. وقالي هينقل حاجته من بيت غفران واحدة واحدة من غير ما يحتاج لحد ))..

سارع بانتهاز الفرصة ولثم ثغرها فور استدارتها بوجهها جانبًا لمطالعته، ولمفاجئته لم تتهرب أو تتراجع مثل الأيام السابقة، بل شاركته قبلته البسيطة الخاطفة بقدر ما تعلمته منه في اليومين الماضيين في تلقائية قبل أن تسأله في حزن رغم رقة صوتها البالغة وقد أنساها اعترافه بألمه أي حديث آخر :
-(( لسه تعبان؟! ))..

تنهد في حرقة واشتياق ثم قال بعدما شدد من حصار ذراعيه حولها واستند بذقنه فوق كتفها :
-(( تعبان.. بس كدة بكون أحسن ))..

تراقصت ابتسامة سعادة خفيفة فوق فمها، بالتزامن مع تراقص قلبها بين ضلوعها، قائلة في اعتراض واهن وقد عاد خجلها الفطري منه للسيطرة على ردات فعلها وجسدها :
-(( طب كدة هتحرك عشان أتابع الأكل أزاي ؟!.. ))..

تمتم قائلًا في بساطة رغم مشاكسة نظراته المخفية عنها :
-(( مش لازم تتابعيه ))..

هتفت معترضة في قلق :
-(( طب ولما يتحرق وأنت أكيد راجع من برة جعان ))..

شعرت بعضلات جسده تتوتر من حولها، قبل أن تفلت من شفتيها تأوه خفيف عندما شدها إليه أكثر يريد دفنها بداخل صدره غير عابئًا بألم أضلعه الذي راح يعلن عن نفسه في تذكرة وطلب واضح للتريث، ثم قال بصوت خفيض مبحوح أتاها من داخل طيات عنقها حيث دفن وجهه داخله :
-(( أنا أكتر بكتير من جعان ))..

أزداد توترها وأخذ قلبها يقرع داخل صدرها، شاعرة بارتفاع حرارة الغرفة من حولها، ثم همست تقول في ارتباك :
-(( احم.. طب عملت إيه مع مصطفى وعلياء عاملة إيه؟! ))..

رفع وجهه يناظرها ويلثم جانب ثغرها من جديد في نهم. فإن كان محرومًا من قربها الكامل لن يتنازل عن التقرب منها حتى تعتاد على قربه ولمساته، ثم قال بعد أن أتخذ وقته كاملًا في تمرير شفاه فوق بشرتها الناعمة متشربًا رحيقها :
-(( علياء كويسة.. زي ما بلغتك على التليفون يحيى فاق.. رغم أنه مش فاكر أي حد غير قريبته.. بس المهم أنه فاق وهي قررت تفضل جنبه لحد ما يبقى كويس.. والدكتور كمان قال أحتمال كبير يكون فقدان مؤقت.. أما أخوكي فرافض مساعدتي في كل حاجة ))..

استدارت بجسدها تقابله عند اختصاصه شقيقها بالذكر بتلك النبرة الطفولية وكأنه يشكوه إليها، ثم قالت معتذرة :
-(( أنا أسفة لو مصطفى ضايقك بأي حاجة.. بس هو لدلوقتى لسه فاكـــر.... ))..

مطت كلمتها الأخيرة ثم تركتها ناقصة، متيحة المجال لعقله في تكملتها نيابة عنها، فبادر يقول في تفهم :
-(( مصطفى لسه صغير وأنا فاهم موقفه ))..

قرب شفتيه من فمها، تاركًا أنفاسه الحارة تختلط بأنفاسها، قبل أن يضيف مغازلًا :
-(( أنا لو عندي أخت حلوة كده.. مش هسيب حد يخطفها مني أبدًا ))..

عقبت وابتسامتها الخجولة تزداد اتساعًا فوق شفاها، بينما مقلتيها تتحرك في كل مكان هربًا من تأثير نظراته الوقحة التي تتوزع بين ثغرها وعيناها :
-(( يعني أنت معترف أنك خطفتني ))..

يا ويل قلبه من بسمتها وربكتها، من خصلتها المنسدلة على طارف جفنها ومن رمشها الساقط مُسْتَقِرًّا فوق منتصف خدها، بل يا ويله كله عندما تحين لحظة قربهم ووصالها، جمع طاق إليه قلبه منذ أشهر، وبتنهيدة حارقة لا تساوي عشر مقدار الحمم المشتعلة في دمه، قال مصححًا :
-(( ده أنا اللي اختطفت.. ولحد دلوقتي مش لاقى مرسي ))..

تلألأت عينيها بنظرات الحب، كما تزين المجرة المعتمة النجوم اللامعة، ثم قالت ببطء وبنبرة اخترقت صدره :
-(( مرسلك هنا ))..

أشارت بعد النطق جملتها حيث موضع نبضها، فارتفعت كفه تشاغل بعض خصلاتها المنسدلة عندما أحنت رأسه أسفل هاربة منه من اشتعال نظراته، ثم سرعان ما شعرت بشفتيه عند نحرها صعودًا إلى أذنها، قبل أن يقول بهمس خشن محمل بألم الاشتياق :
-(( أنا صبري معاكي قليل.. والله أعلم هينتهي أمتي ))..

شهقت خجلة في خفوت، ثم قالت هاربة، بعدما هرولت مبتعدة عنه :
-(( الأكل هيتحرق ))..

تمتم عاجزًا ومتابعًا ابتعادها عنه بقلة حيلة :
-(( صدقيني أنا اللي بتحرق ))..


****************************

داخل مقر شركة المجد...
جلس خلف مكتبه يراجع في حيرة المستندات الواقعة تحت يديه، فها قد مرت ٤ أيام على استيلائه عليها ولازال يشعر بغرابتها في كل مرة يعاود قراءتها وذلك الهتاف بداخله لا ينفك يخبره بوجود نقص ما، يكاد يجزم بتلاعب ذلك الطبيب به رغم منطقية الأوراق، تنهيدة حسرة حارقة خرجت من داخل جوفه المغتاظ، أجبرت مساعده ومن يجلس قبالته يتفحص معه الأوراق على رفع عينيه وسؤاله في قلق :
-(الباشا ماله؟!.. شكلك يقول مش مرتاح ))..

بعثر الأوراق من أمامه في غل، قبل أن يقول عاجزًا وهو يعود ويتكىء بجذعه فوق مقعده :
-(( مش عارف يا خليل.. بس الأوراق دي ناقصه ))..

هتف مساعده وخادمه الأمين، رفيق ضيق الحال والأيام الصعاب يسأله في استنكار :
-(( ناقصة أزاي يا نادر بيه.. ده هو سلمها للرجالة بنفسه وقت حوار الخطف.. يبقي أزاي ناقصه بس؟! ))..

هتف الأخر يجيبه في حنق بعدما أخرج أحد سجائره المعتادة ودفعها داخل فمه :
-(( متبقاش غبي.. هو لو عطانا حاجة ناقصه هنعرف منين واحنا أصلًا منعرفش هما وصلوا لأيه!!.. بس ربنا ميزنا بالعقل واللي جوة الورق ده عبيط ميخلهمش يكونوا واثقين من نفسهم كده.. لأنه ببساطة مش هيوصلهم لحاجة ))..

حك مساعده جانب وجهه بمؤخرة عنقه، يحرك رأسه وكأنه يقلب الحديث داخله، ثم أردف يسأل في قلة حيلة :
-(( طب والعمل؟!.. هنفضل كده تايهين؟.. لازم نتأكد عشان نطمن ونرجع نلتفت لشغلنا))..

أجابه الأخير بشيء من الارتياح :
-(( الحل مع جيداء.. بتقول أنه فقد الذاكرة والدكتور أكد ده.. يعني مش هياخد حذره مننا.. وخصوصًا من بنت خاله.. مهمتها هي بقي تدخل تعرف لو في أوراق تانية مستخبية هنا ولا هنا.. أنا متأكد أنه مخبيها بنفسه مش مع الست الافوكاتووو ))..

قاطع انغماسهم في الحديث والتفكير دخول سكرتيرته الخاصة تقول في وقار وهي تضع مغلف أبيض أمامه فوق طاولة مكتبه :
-(( نادر بيه.. الظرف ده لسه واصل لحضرتك ))..

صرفها بحركة نفاذ صبر من يده قبل أن يمزق المغلف مغمغمًا في ترقب :
-(( دي المفروض صور مراقبة الهانم النهاردة.. خلينا نشوف فيها حاجة مفيدة زي ما بلغوني على التليفون ولا ))..

تألقت عدستاه وازاداد التماعهما مع كل صورة فوتوغرافية يمرر مقلتيه فوقها، يتابع في انتصار إحدى الصور وهي تركض خلف رجل طويل القامة، وواحدة وهي تقف على بعد خطوة واحدة منه وترمقه بنظرة متوسلة، وأخرى وهي تضع كفها فوق ذراعه في مشهد شبهه حميمي، وأخيرة وهما يجلسان داخل العربة بجوار أحد الشواطئ، وبعد الانتهاء من مشاهدة الصور مرة تلو الأخرى، هتف يقول في حقد :
-(( والله ووقعتي تحت أيدي يا غفران ال*****.. ده أنا هعرفك أن الله حق وأخليكي تيجي تتحايلي عليا أرحمه بس تحلى عني.. صبرك عليا ))..


شيماء_يوسف غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 15-01-21, 05:27 AM   #82

mooogah

? العضوٌ?ھہ » 289098
?  التسِجيلٌ » Feb 2013
? مشَارَ?اتْي » 466
?  نُقآطِيْ » mooogah is on a distinguished road
افتراضي

موفق بإذن الله ... لك مني أجمل تحية .

mooogah غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 21-01-21, 11:21 PM   #83

شيماء_يوسف

? العضوٌ?ھہ » 474730
?  التسِجيلٌ » Jul 2020
? مشَارَ?اتْي » 58
?  نُقآطِيْ » شيماء_يوسف is on a distinguished road
افتراضي

الفصل السادس والثلاثون ❤️🔥

كما ينبت العشب بين مفاصل صخرهْ
وُجدنا غريبين يوما
وكانت سماء الربيع تؤلف نجمًا.. ونجما
وكنت أؤلف فقرة حب..
لعينيكِ ... غنيتها !
أتعلمُ عيناكِ أني انتظرت طويلا
كما انتظرَ الصيفَ طائرْ
ونمتُ... كنوم المهاجرْ
فعينٌ تنام، لتصحوَ عين.. طويلا
وتبكي علي أختها
حبيبان نحن، إلى أن ينام القمر
ونعلم أن العناق، وأن القبل
طعام ليالي الغزل

-درويش.


تنهيدة عجز ملتاعة خرجت من جوفه المحترق بنيران الحيرة، بينما أصابعه ارتفعت تمسد صدغه المتعب حيث لازال المجهود الزائد يؤثر على رأسه ويشوش الرؤية لديه ولكن....
آني له الراحة وعلياءه تعاني!، لا يلومها على قراراتها الطفولية الطائشة، كما يعذر تصرفاتها الهوجاء وفي نفس الوقت يشعر بداخله غصة كلما تذكر ما تفوهت به مُذ ساعات، ففكرة تخليها عنه كانت بمثابة صدمة حقيقة له، وهو من ظن أن أول حاجز بينهم هُدم إلى غير رجعة، ففاجائته بعائق آخر أعلى وأشد!...
الصبر..... هذا ما تمتم به خافتًا يوصي به نفسه الجزعة، فالصبر هو أساس الفضيلة وأيضًا هو مخرجه الوحيد معها، وإن لم يكن هو "المثابر" قادر على إذابة جبال الثلج بينهم، وهد جميع السدود فمن لها؟!، بتلك الفكرة المختالة قرر الخروج من فراشه والبحث عنها فقد أعطاها المهلة الكافية للاختلاء بنفسها، أما وقد حل المساء وحان موعد النوم فلن يسمح لها بالنعاس خارج حدود غرفتهم، من هنا تأتي البداية، ومن تلك العزيمة يولد النجاح...
وبمجرد ما خطت قدماه خارج الغرفة، وجالت عيناه غرفة المعيشة تمشطها، حتى رآها متكومة بجسدها الضئيل فوق الأريكة المنتصفة المكان، وقد نال منها برد الخريف فانكمشت على نفسها في دعة، فكانت حَقًّا كطفلة مشاكسة يبحث عنها والدها وقد نامت متوارية الأنظار عنه بعد أن أعياها كثرة القفز والتجوال، هذا ما فكر به في البداية وأجبر ابتسامة أبوية ناعمة على القفز إلى ثغره، قبل أن يصل إليها ويجثو على ركبته أمامها، ويري عبوس ملامحها حتى وهي نائمة، فاختفت الابتسامة من فوق شفتيه وحل محلها الألم وكأن هناك أشواك من حديد غُرزت داخل صدره، لا طاقة له بتحملها، ولا سبيل إليه بإخراجها، وعلي المتضرر التعايش مع الندم!....
تنهيدة أسي مطولة معبأة بكل ما يحبسه داخل صدره، فلتت من بين شفتيه الغليظة، خاصةً عند وصول أنامله التي امتدت تتلمس وجهها الغافي إلى جفونها المنتفخة، يتذكر حديث غفران في الصباح وقتما أخبرته بحزنها أثناء فترة غيبوبته، وكيف لم تتوقف عن البكاء حتى عاد إليهم، بضعة كلمات بسيطة مختصرة أغدقت روحه بالآمال، وقد عاد صداها الحسن يتردد بداخل طيات عقله الشبه متوقف عن العمل، فتمده بالعزيمة؛ وعليه همس اسمها يوقظها بينما أنامله الحارة تمسد عنقها في حركة معتادة لاحظ معها على الفور انبساط ملامحها المتجهمة، فعاد يهمس اسمها من جديد في نبرة أشد نعومة، ومداعبة أكثر حرارة :
-(( عالية...... ))..

مع النداء الثالث بدأت تستجيب إليه في همهمة ضعيفة خافتة صدرت من داخل حلقها، قبل أن تفتح عينيها الناعسة على مضض وتتفاجيء بوجهه في وضع شبه ملاصق لها، لا يفصل بينهم سوي أنش واحد وقد أحنى رأسه نحوها، حتى أن أنفاسهم اختلطت سَوِيًّا، فلم تعد تعرف أتلك الأنفاس الحارقة قادمة منه أو خارجة منها، بينما استطرد هو يطلب في نبرة حريرية دافئة :
-(( تعالي نامي جوه ))..

فتحت فمها كي تجيبه معترضة بعد استيعابها ما يدور من حولها وقبل اتخاذها أي حركة اندفاعية حادة كما انتوت، وصل إليهم صوت أنثوي حانق يهتف في اشمئزاز :
-(( إيه قلة الذوق دي.. أعتقد أن ليكم أوضه خاصة تعملوا فيها اللي أنتوا عايزينه!!.. اعملوا حساب أنكم مش في البيت لوحدكم ))..

بملامح مكفهرة ومقلتان تكاد تخرج من حجريهما، دفعت علياء صدره تتيح لنفسها مجال أوسع للوقوف دون إفلات أصابعها من فوق ردائه البيتي
إذ تمسكت به بقوة تحافظ على اتزان صاحبه وتسحبه معها للأعلى، ثم ومن بعد أن رفعت رأسها عاليًا ونفضت شعرها فتطايرت خصلاته على وجه يحيى ومن حولها في تعمد، قالت بنبرة ناعسة عذبة، وابتسامة مستفزة :
-(( معلش يا جيداء نسينا وجودك.. يلا يا يحيي ))..

فرغ فاهه وتسمرت قدماه أرضًا وقد أدهشه رد فعلها، حتى أن تعبير الدهشة لم يكن المصطلح الأدق لوصف حالته، فكل ما استطاع فعله هو الابتسام ببلاهة وفخر، بينما عيناه المشعة بالعشق تتبع سيرها نحو غرفتهم وداخله يكاد يرقص فرحًا برد فعلها الغير متوقع وبالنجاح الذي ساهمت قريبته في تحقيقه دون حتى إدراكها، وهو من كان يستعد لجولات عديدة من الشجار والمجادلة!، منهيًا وقوفه الأبله صوتها تسأله بعدما استدارت تنظر إليه :
-(( يا يحيي.. مش هتيجي؟! ))..

حرك رأسه إيجابًا عدة مرات في مبالغة، قبل أن يسير خلفها ويدلف الغرفة من بعدها كالمسحور، وقد قرر بعد إعادة النظر السماح لطليقته في العيش معهم حتى آخر الزمان، تاركها وراءه... ذات الشعر الأشقر تدك الأرض بقدمها غيظًا، بل وتتوعد لهم.

أما بداخل الغرفة، وبعدما تأكدت من إغلاقه الباب خلفهم جيدًا، هتفت تحذره بسبابتها المرفوعة أمام وجهه في عدائية واضحة، وقد آخذ صدرها يعلو ويهبط بعنف تحاول التشبث بقوتها المزيفة، حُبًّا بالله أية قوة وهو يناظرها بتلك الطريقة التي تكاد تُذيب عظامها ولهًا حتى النخاع :
-(( متفتكرش أني موافقة ولا قابلة أنام معاك في مكان واحد.. بس الظروف اضطرتني لكده.. وبرضه متفتكرش أني هسمح لحد يهني في البيت ده وأسكت!! ))..

ضغط فوق شفتيه في علامة على عدم تعقيبه أو اعتراضه، محاولًا بكد كبت ابتسامة مسلية تهدد بالظهور على شفتاه مراعاةً لحالتها العصبية، بينما أردفت هي تقول بعد أن جلست في عنف فوق الفراش وضربت بكفها إحدى الوسائد قبل أن تضعها بطولها كحائل بينهم وتضيف في شراسة :
-(( والمخدة دي هتفضل هنا فاصل بينا.. فاحترم حدودك وياريت متتعدهاش ))..

كانت في نظره تلك اللحظة تحديدًا كجنية مهتاجة، تنسج شباكها حوله وتسحره كلما قدحت نار التمرد من مقلتيها أكثر وأكثر، ألا تعلم تلك الثائرة أن جموحها وانتفاضتها أكثر ما تمناه ويغريه؟!....
بل ويحتاج منه إلى إرادة العالم أجمع ليقاوم لذة انفراده بها وهي بتلك الحالة؟!،
وبينما صدره لازال مهتاجًا بلوعة أفكاره وتمنعها، ارتفعت إحدى زوايا حاجبيها في تأهب تحثه على الإجابة عندما لم يصلها منه أي رد فعل، فسارع يقول في تلذذ وهو يحرك رأسه المضمد على كلا الجانبين بعد أن رفع كفيه أمامها في علامة استسلام :
-(( الوقت أتأخر وأنا مرهق جِدًّا ومعنديش أي استعداد لجدال فتصبحي على خير ))..

تحرك يتسطح على الفراش بالقرب منها، ثم استطرد يضيف في خبث بعد تأكده من خلو الغرفة من آية وسائد إضافية :
-(( بس الدكتور طلب مني أريح راسي على حاجة عالية عشان متعبش ))..

استدارت بجذعها العلوي ناحيته تتطلع إليه متوجسة، ثم تمتمت تسأله في تشوش وهي تبتلع لعابها في صعوبة :
-(( يعني إيه؟! ))..

أجابها في براءة والتسلية تكاد تقفز من داخل عينيه، متعمدًا مط كلمته الأخيرة :
-(( يعني هحتاج أنام على مخدتين مش واحدة.. وإلا...... ))..

صمت لوهلة يضيف لحديثه بعض الخطورة قبل أن يردف كاذبًا دون إشفاق على حالها أو القلق الذي اعتصر مضغتها وراح يطل من حدقتيها فور سماعها التحذير :
-(( وإلا الجرح ممكن يحصل فيه مشاكل ))..

سارعت تقول في لهفة وكفها يسحب وسادتها ويضعها أمام رأسه :
-(( خد بتاعتي مش مشكلة.. هنام من غيرها ))..

زمردتياه الناعسة لا تبارح وجهها فيكاد قلبها يذوب داخلها ويختفي، وخصوصًا بعد تحرك كفه كي تلامس على استحياء كفها في حركة محسوبة من جهته نجح في اظهارها عفوية عابرة، ثم قال في حنان وقلبه ينتفض داخل أضلعه تأثرًا بخوفها عليه :
-(( لا المخدة دي كفاية أوي.. خلي بتاعتك ليكي ))..

أشار بعينه نحو الوسادة التي وضعتها كفاصل بينهم، ثم أخذ يراقب صراعها الداخلي ما بين الاعتراض والقبول، حتى باحت أخيرًا بالموافقة على مضض بينما عدستيها لازالت تحتفظ بالرفض :
-(( تمام.. تصبح على خير ))..

استدارت فور نطقها بالتحية تتكأ على جانبها هاربًا من حصار بحيرته الخضراء، بينما ردد يجيبها بصوته الرجولي العذب :
-(( أكتر من كده خير مش هطلب ))..

تجاهلت جملته وتجاهلت معها الطنين الذي أخذ ينبض في صدغيها، تُرغم في عدم قدرة القطعة الشمالية الحمقاء على العودة إلى دقاتها الرتيبة وتجاوز الحنو الذي غلف روحها مع نبرته، قبل أن يأتيها صوته الأجش يسألها في نبرة غريبة لم تستطع تفسيرها :
-(( عالية.. عندي سؤال محيرني وحاجة محتاج أفهمهالك.. أنا مش من النوع اللي ممكن يتجوز وهو متجوز زي ما جيداء بتقول.. ده ضد مبادئ ولو هموت مش هعملها.. وبرضه مش أنا اللي يتجوز جواز تقليدي من غير مشاعر ولا معرفة.. حتى لو زي ما قلتي عشان ينقذ واحدة.. عندك تفسير لطريقة جوازنا دي ممكن تجاوب على سؤالي؟! ))..

شعر بتشنج جسدها يصل إليه عبر ذرات الهواء المشتركة بينهم، وقد انتظر طويلًا حتى ظن أنها ستمتنع عن إجابة سؤاله، ثم ومن بعد فترة من الصمت أتاه ردها مختصر مضطرب :
-(( معرفش.. بالنسبة للجزء الأول أنت مكلمتنيش عن جيداء أصلًا عشان أعرف الحقيقة فين.. ولو على سؤال جوازنا فغالبًا بابا طلب منك ))..

تمتم معارضَا في إصرار عجيب يحاول إيصال رسالته الخفية علها تلتقطها :
-(( حتى لو.. أنا واثق من نفسي عمري ما أرتبط بحد وأنا أساسًا مرتبط.. ولو صفحة جيداء مكنتش مقفولة بالنسبالي وطلب والدك مكنش على هوايا معتقدش كنت هرضي.. أنا مش قديس ))..

حُبست الأنفاس بداخل صدرها، وخفق قلبها من جديد يكاد من فرط الحماس يحيد عن مكانه، قبل أن تسيطر على فيض المشاعر التي اجتاحتها لوهلة وتُجبر دقاتها على الاستكانة، أما عنه فقد كان الفضول يقتله لرؤية ارتباك عيناها وارتجاف شفتاها في رد فعل أصبح يحفظه كما يحفظ تفاصيل ملامحها حتى الصغيرة المخفية منها....
ومن وسط أمواج التخبط التي تجاهد للنجاة منها سالمة شعرت بكفه تتلمس خصرها فانتفضت خجلة مرتبكة، قبل أن يطلب في توسل :
-(( طب ينفع تخلي أيدي هنا ؟! ))..

وقبل أن يأتيه الرد أو تبادر في الاعتراض أردف يقول مبررًا تعديه على خصوصية جسدها :
-(( أصل أنا نومي وحش أوي.. وأخاف أسيب أيدي تخبط في دماغي ولا حاجة.. لكن وهي عندك أنا مطمن على نفسي ))..

ضغطت فوق شفتيها تعد حتى العاشرة، تحاول السيطرة على رباطة جأشها في صحبته، ثم همست في هدوء تدعي الثبات وعدم التأثر فهو حتمًا لا يشعر بالطبول التي تقرع بداخلها من مجرد لمسته وهذا يكسبها الأفضلية كما همست بداخلها تصبر نفسها :
-(( تقدر تسيبها لحد ما تروح في النوم.. وقتها أنا نفسي هشيلها وأحطها جنبك.. ومتخافش أنا نومي خفيف.. أي حركة ممكن تصحيني.. وبكرة بعد إذنك ممكن نشتري كام مخدة زيادة ))..

تجاهل عامدًا التعقيب على طلبها الأخير، بينما ابتسامته تزادا اتساعًا احتفالًا بانتصاراته الصغيرة التي حققها اليوم، ولو أُتيحت له فرصة مطالعتها لرأي نفس الابتسامة تُزين محياها قبل أن يغفا كلاهما على وقع دقات قلب الأخر المتيمة بعشقه.


*************************

ما بين صعوبة البدايات، وراحة النهايات، هناك مسافة مرهقة، شاقة، مقفرة، يقطعها العاشق بمفرده، تدوس قدماه الأشواك، وتحترق مضغته بالأشواق، حتى يصل إلى مشارف محبوبته، ويرفع في عُقب قلبها رايته، حينها فقط يستطيع تذوق معنى الراحة والسكون! ....
سكون.. يشبهه سكون بحار رست سفينته فوق شط الأمان بعد أن كان سيرها بعاصف الريح مرهون
كـ سكون عابد استظل بظل شجرة عالية فغفا مطمئنًا وهو يعلم أنه في حمى خالقه مأمون..
يستلقي في سعادة كأشباه كل من نجحوا في إيجاد الأشياء بعد فقدانها، تتراخي أجفانه فوق عينيه كما تتراخي كفه فوق يدها، بينما ذراعه الأخر موضوع أسفل رأسه، يفكر في ابتهاج بأنه قد وجد أخيرا سكينته، ولا شيء يستطيع تعكير صفو حياتهم!....
تجعد جبينه في قلق وقد لاح له السر وما أخفي، وكأنه يذكره بوجوده وينقص من فرحته المكتملة، فأخرج من جوفه تنهيدة مختنقة عالية أيقظت ساكنة الفراش جواره من نومتها، فسارع برسم ابتسامة مشرقة فوق محياه، سرعان ما تعمقت إلى عيناه، بعدما استدار بوجهه نحوها وطالعها يقول في نبرة خافتة، مداعبة :
-(( كل صباح وأنتِ أجمل حاجة ببدأ بيها يومي يا مدام رحمة.. طاهر.. المناويشي.. ))..

نطق كلماته المتقطعة في بطء وكأنها يتذوقها، بينما توهجت نظراتها بالحب، وتزينت شفاها المتورمة بابتسامة خجول لم تفارقها مُذ البارحة، ثم غمغمت تحية الصباح في نبرة ناعسة عبثت بثباته :
-(( صباح الخير ))..

سحب ذراعه المطوي من أسفل رأسه، ثم استدار بجذعه العاري يواجهها ويحاصرها بوضع ذراعه خلف ظهرها قبل أن يسحبها إليه ويقربها من صدره رَادًّا تحيتها في نبرة خشنة، مبحوحة، متذمرة :
-(( صباح النور ايه وإحنا بقينا الضهر.. وأنا بقالي ٣ ساعات صاحي مستني تحني عليا وتصحي ))..

امتدت يدها تتلمس بسبابتها وعلى استحياء ونعومة شعيرات ذقنه النابتة، فتحركت تفاحة آدم داخل عنقه صعودًا وهبوطًا في عنف كأنه يعاني لابتلاع ريقه، بينما همست هي تتساءل في عتب :
-(( طب ليه مصحتنيش من بدري؟! ))..

مرر نظراته على مهل فوق جسدها وأجزائه المخفية عنه تحت قميصه الأبيض والذي كان يرتديه منذ ساعات مضت، وكم راقته تلك الفكرة عند التفكير بها صراحةً وأثارت خلجاته، يحجب عنها جنون تفكيره بإسبال أهدابه إلى مقدمة ذقنها، حيث قام بطبع قبلة مطولة فوقه، قبل أن يقول في حنو :
-(( حبيت أسيبك تنامي براحتك ))..

استقبلت مداعبات أصابعه فوق ظهرها والتي تصل إليها عبر قماش قميصه الصيفي الحريري، فتنافس صدرها الذي يعلو ويهبط في جنون، ومع تنهيدة عاشقة فلتت من بين شفتيها، همست اسمه في طفولية :
-(( طاهر.... ))..

همس ملبيًا بصوته الرجولي النداء ومدللًا :
-(( يا ضي عيون طاهر ))..

تنهدت في وله وباطن كفها الصغير يحاوط شطر وجهه في تملك، ثم همست تطلب في دلال :
-(( اممم... المفروض النهاردة يوم مميز.. قولي حاجة تفضل ذكرى افتكرها كل سنة اليوم ده ))..

قال معترضًا يشاكسها، بعدما رفع ذراعيه من حولها واستلقي فوق ظهره معرضًا عنها في عدم الاهتمام :
-(( وأنا لسة هقول... مانا قلت كتير ))..

شهقت انكسار عالية صدحت خارجة من داخل حنجرتها شعرت معها بجرح أصاب أحبالها الصوتية كما خدش فؤادها، وقد باغتها برده الجاف الصادم على عدم توقع منها، وبعد لحظات من الاستيعاب أو عدمه، همست تسأله في نبرة متباينة ما بين عدم التصديق والخيبة :
-(( طاهر.. ده بجد ولا بتهزر؟! ))..

طالعها بجانب عينيه دون الاستدارة إليها، ثم أكد قوله في نبرة خالية مُصِرًّا على النطق بكلماته المغيظة :
-(( ههزر ليه.. مش أنا طلعت عيني لف وراكي من مكان لمكان؟! أكيد زهقتي من كلامي ))..

ضغطت فوق شفتيها الوردية تحاول جاهدة منع دموع الخذلان من الجريان فوق وجنتيها والتماسك أمامه، متمتمة في نبرة مختنقة مليئة بالدموع تهدج صوتها في آخر حروفها وهي تدفع في عصبية الفراش الحريري المنقوش من فوق ساقيها العاريتين تمهيدًا لترك الفراش، فتكشف عنهما :
-(( عندك حق.. مانت فعلًا تعبت ووصلت لكل اللي عايزه تقول ليه.. العيب على الغبية اللي طلبت منك ))..

استدار مسرعًا نحوها وقبل إتمام حركتها كان يباغتها يسحبها إليه من جديد، يعتليها بجسده ويحاصرها بلف ساقيه حول خاصتها، بينما يضع ذراع فوق رأسها، ويقبض بالأخر على خصرها كي يثبتها فوق الفراش غير عابئًا بمقاومتها الضعيفة له، ومُتَسَائِلاً بابتسامة مستمتعة :
-(( رايحة فين بقميصي؟! ))..

لكزته بكفها المتكور في ساعده تعبر عن غضبها منه بتلك الحركة الطفولية، قبل أن تجيبه بجبين عابس وفم ملتوي بحركة ازدراء واضحة :
-(( كل اللي همك قميصك!!!.. متخافش لما حضرتك تسبني أخرج هجيب حاجة من الدولاب واقلع قميصك ))..

أنهت جملتها وأشاحت وجهها المتجهم إلى الجانب الأخر بعيدًا عنه وقد تعمدت مط حرف الياء مطولًا كدلالة على غضبها منه والذي يطل من حدقتيها كما يخرج مع نبرتها، قبل شعورها بجسده يهتز فوقها، فاستدارت بوجهها نحوه مرة أخرى تطالعه في غيظ زاده ابتسامته المكتومة، وقد فشل في السيطرة عليها حتى عندما تحدث خرجت جملته متقطعة بسببها :
-(( أنا عايز قميصي دلوقتي اتصرفي ))..

دفعته تلك المرة بكل ما أوتيت من قوة وقد تحولت لمعت عينيها من الغضب إلى التمرد والمقاومة، ولم يوقف ساقيها عن التحرك تحته، وذراعها عن لكزه سوي صوته الناعم المكتوم الواصل إليها بعدما دفن وجهه في ثنايا عنقها، وراح يطبع قُبل شفتاه فوق جلدها :
-(( رحمة أنتِ طلعتي مجنونة وهخاف اهزر معاكي قدام.. وشكلي بعد ما وقعت في حب عقلك.. هغرق أكتر في جنانك ))..

استكانت حركتها من حوله بالتزامن مع رفع رأسه إليها كي يرى نظرتها المتشككة التي ترمقه بها فأردف يقول هامسًا في وله من بين قبلاته المنثورة على ثغرها وانفلاجة ذقنها وطارف شفاها :
-(( يكفيكي أقوالك أن من وقت ما عرفتك وأنا بقيت بحسب عمري وأربط إنجازي في يومي بيكي؟! ))..

عادت تقطيبة جبينها تظهر من جديد ولكن تلك المرة كانت من أجل المطالبة بالمزيد من التوضيح، فأستطرد يشرح دون توقف في نبرة أذابت غضبها منه :
-(( من وقت ما حبيتك ومن قبل حتى ما أفهم ده.. بقيت لما أحط راسي على المخدة بليل بحدد سعادة يومي بكام مرة شفتك.. وكام مرة ابتسمتيلي أو أيدك لمست أيدي.. النهاردة كنتي فرحانة وأنتِ معايا.. واليوم اللي قبله قضيت معاكي ساعة زيادة.. وفي يوم اتعشينا فيه سوا.. ويوم خدودك الحمرا دي سمحت لشفايفي بلمسها.. وشعرك اللي سحرني ده سمح لعيني بشوفته.. ويوم سهرنا في الجنينة لوحدنا.. وهكذا.. كل ما كنت أعيش معاكي حاجات أكتر.. كل ما بليل بحس بإنجاز أكبر.. باختصار رضايا وسعادتي باليوم اللي اتقضي من عمري.. بقي مرهون بوجودك جنبي ))..

ارتجفت شفتاها وتحركت يداها المرتعشة كحال سائر جسدها تتشبثان بكتفيه، وقد التمعت الدموع داخل مقلتيها تأثرًا بحديثه وجموح عاطفته، تتذكر البارحة وكيف راعي مرتها الأولى، بل وكيف أهتم بمرضها الصدري وحرص تمام الحرص على راحتها وكيف بثها العشق بمختلف لغاته، فتكاد تذوب خجلًا من الذكرى، وسعادة من عشقه الذي بات يتضخم في صدرها بمرور الدقائق وليس الأيام....
تراه فارسها، وعشقها الأوحد، بل وتشعر بالكمال لكونها أصبحت أمراته، والزهو لحمله عشقها بين أضلعه.
بينما أستطرد طاهر يسألها في صوت أجش معبأ بالعاطفة :
-(( عايزة أقول تاني؟!... عندي لعيونك بس كلام يحتاج شهور يتقال فيه ))..

حركت رأسها نافية دون القدرة على التعقيب فقد أصابتها كلماته بالتخمة فلم تقو سوي على البكاء، فسارع يقول مستجديًا وأطراف أصابعه تمسح كل ما يسقط من جفونها :
-(( مكنش قصدي أزعلك.. أنا كنت بهزر معاكي مش أكتر ))..

تمتمت تقول نافية من بين دموعها :
-(( مش بعيط عشان كدة ))..

سألها في ضيق وكف ذراعه الموضوع خلف رأسها يمسد خصلاتها الثائرة من فعل لمساته البارحة :
-(( أومال بتعيطي ليه تاني ))..

قالت معترفة في بساطة :
-(( عشان بحبك ومش عارفة أعبر عن ده زيك ))..

قطم أرنبة أنفها بأسنانه قبل أن يقول في نبرة عابثة :
-(( لو بتحبيني هاتي القميص بتاعي ))..

همست معترضة في نبرة متحشرجة خجلة :
-(( طاهر أنت قليل الأدب.. جدًا ))..

هدر صوته الخشن الأجش يعقب مستمتعًا بضحكاتها الرنانة بفعل مداعبات يده وشفاه :
-(( أحب من على قلبي يا روح قلبي ))..

قطع الطريق على أي اعتراض أو حديث آخر قد يصدر من فمها باقتحامه، دون رأفه بدقات قلبها الهادرة ترقبًا لإعادة اللقاء بينهم، ففي قوانين العشق، الأفعال تساوي الكلام بل وتفوقه لذة.



*****************************

في منزل يحيي........

وقفت خلف نافذة غرفة المعيشة العريضة المحتلة ثلاثة أرباع الحائط تقريبًا، تحتسي مشروبها الصباحي المفضل في هدوء وقد استيقظت صباحًا قبل الجميع، تتطلع إلى المنزل من حولها وعينيها تشع بالعاطفة، نعم فهي تحبه وتشعر نحوه بالحميمية والرضا منذ المرة الأولى التي خطت قدماها داخله، بتفاصيله العصرية وقطع أثاثه البسيطة، وتقارب الغرف من بعضها البعض ولا ينقصه سوي لمسة أنثوية منها هي شَخْصِيًّا، حتى ألوان دهانه ناعمة تبعث على النفس بالراحة....
التوى ثغرها بنصف ابتسامة تسخر من تفكيرها الساذج، فبالطبع ستشعر بالاسترخاء أن كانت تقطن في منزل صاحبه طبيب نفسي....
آه من طبيبها ذاك... لاح أمام عينيها ذكرى استيقاظها في الصباح عندما وجدت نفسها مكبلة بكافة أطرافه وليس فقط يده كما استئذنها بالأمس، أما عن رأسه المُضمدة، فكانت مستلقية فوق ترقوتها في راحة، ولدهشتها لم يصيبها الغضب كما توقعت، بل راحت ابتسامتها المستجمة تزداد اتساعًا خاصةً وأنفاسه الساخنة تقع على الجزء العاري من عنقها الطويل فتثير بداخلها مشاعر عدة تعجز عن توصيفها، ولم يجبرها على تركه والخروج من الفراش سوي تململه في نومته، فسارعت تهرب من الغرفة ككل بعدما حركت رأسه لوضع أكثر راحة تنفي عن نفسها تهمة لم ترتكبها من الأساس، فهو من تجرأ وأقترب منها وليس العكس!...
تنهيدة اشتياق فلتت من ثغرها المنفرج، بالتزامن مع رفعها كفها تسحب الزجاج العاكس جانبًا، تستنشق أكبر قدر من نسيم الصباح الرائق، وتراقب تساقط الأوراق الصفراء الذابلة في إعجاب..
فلطالما أحبت الخريف، وعلى عكس الجميع كانت تراه فصل البدايات، موسم الفرص الجديدة، عصر الشجاعة، فـ به تخلع الأرض ثوب الضعف القديم المتهالك، وترتدي آخر مفعم بالقوة والازدهار، فتُرى هل يهبها فصلها المفضل هي الأخرى فرصة ثانية؟!...

أخرجها من شرود تفكيرها صوت أنثوي حاد أصبحت تعرفه جيدًا، يتساءل من خلفها في استهزاء :
-(( خير إن شاء الله صاحية مبسوطة.. شكلكم كملتوا السهرة فعلًا لوحدكم.. بس بالراحة عليه ده لسه تعبان برضه ))..

استدارت علياء في تأني وبطء، تعد حتى العشرة في مهارة جديدة تعلمتها عند الغضب، تطالع في هدوء الواقفة أمامها برداء قطني قصير يكاد يغطي ركبتيها، ثم إجابتها وهي تتحرك نحو المطبخ كي تضع كوب الشراب بداخل حوض مغسلة الصحون :
-(( أظن دي تفاصيل متخصكيش.. خصوصًا جزء خوفك عليه مش مقنع أبدًا.. يعني أنا مش غبية.. وفكرة أن يحيى يوصل المستشفى من غيرك مع أنكم كنتوا سواء غريب.. كده ولا أيه؟!!!.. ومتحاوليش تنكري لأن المكالمة كلها كنت سمعاها.. واعملي حسابك طول فترة قعادك في بيتي.. اللي هي مؤقتة.. أعرفي أنك هتفضلي تحت عيني.. ولو طنشت تفاصيل الحادثة وأني اتكلم عن اللي عرفاه.. فده كله بمزاجي.. ومش ناوية أكرره.. لأني مش هسمحلك تكوني سبب تاني في أذيته مهما حصل...... ))..

كان صدرها يعلو ويهبط في مزيج من الانفعال والسعادة، لا تكاد تصدق نطقها بما كان يدور في خلدها نحو تلك الشقراء صراحةً وبصوت عالي، تشعر بالحماس والشجاعة تغمرها، وكأنها تعاطت محفز رياضي فجعل الدماء تتدفق إلى كافة خلاياها فيمدها بالقوة.

أما بداخل الغرفة، فقد أنتهز يحيى بعد استيقاظه فرصة انشغال جيداء بالتحدث خارجًا، في التواصل مع رفيقته غفران وقد أعطاه نقاشهم وأصواتهم العالية نِسْبِيًّا، تغطية جيدة حتى لا تستمع قريبته إلى ما يتحدث به، وعليه أخرج هاتفه يتواصل معها ويقول في حيرة :
-(( مش عارف يا غفران.. أنا تعمدت اسيبها تبات في أوضه المكتب وأشوف هتدور على الأوراق زي ما توقعتي ولا لأ.. ))..

هنا هتفت غفران من الطرف الآخر تقول مقترحة :
-(( يحيى أحنا لازم نقفل موضوع الورق ونريح أبو المجد عشان نقدر وقت المحاكمة نطلع بالورق الكامل كله.. غير كده مش هيسكت وهيفضل ورانا.. وأهو وجود جيداء عندك فرصة حلوة نستغلها في توصيل اللي أحنا عايزين نوصله ليه ))..

همس يسألها مستفسرًا وعينيه تلمع في ترقب :
-(( شكل في حاجة في دماغك.. فسري ))..

تنحنحت تنقي حلقها، قبل أن تجيبه شارحة في حذر :
-(( بص أنت تخرج دلوقتي وتعمل نفسك بتكلمني قدامها.. وأنا هسألك على الورق وطبعًا أنت هتجاوب أنك مش فاكر حاجة ولا عارف أنا بتكلم على أيه.. وبعدها تقول بصوت عالي ورق أيه اللي عندك ده.. قصدك عليا يعني.. كده هنضرب عصفورين بحجر.. منه نتأكد لو جيداء وصلت الكلام لأبو المجد فعلًا انها جاسوسة كاملة ليه.. ومنه أبو المجد هيحاول ياخد نسخة الورق الناقصة اللي هحطها في بيتي دلوقتي.. وبكدة يتأكد أن ده المستند الأساسي.. ها قلت موافق؟! ))..

لم يستطع نكران إعجابه بالفكرة، خاصةً وهو يموت يأسًا للتخلص من وجود قريبته في أقرب فترة ممكنة حتى يصارح علياء بالوضع من بدايته، لذا شرع في تنفيذ الخطة؛ لذا وعلى الفور خرج عليهم يقول في صوت عالي، مدعيًا عدم الفهم :
-(( أيه يا غفران!!.. بعتذر منك بس أنا مش فاكر أي حاجة من اللي حكتيه ومش فاكر حتى ورق أيه ده اللي كنا مجمعينه وأنا كنت شايل نسخة منه عندي! ))..

وكما توقع جذب حديثه انتباه جيداء والتمعت مقلتيها في فضول، تستمع بتركيز إلى مخابرته الهاتفية، بينما حركت علياء رأسها تؤكد له صدق رواية غفران، قبل أن تتدخل في الحوار وتخبره قائلة :
-(( يحيي.. أنت فعلًا كان معاك ورق هنا خاص بشخصية ما.. ونزلت بيه تسلمه وقت الحادثة.. بس مقلتش يخص مين ))..

كرر حديثها ينقل الرسالة إلى غفران المنتظرة على الطرف الآخر من الهاتف، ويكمل بذلك أداء دوره المسرحي حتى النهاية، ناهيًا حديثه بما اشتهت قريبته سماعه، وقتما قال في حيرة :
-(( يعني أنتِ يا غفران بتقولي كان في نسختين بس من الورق المهم ده؟.. أنا كان معايا نسخة.. وأنتِ شايلة نسخة!!.. طب على العموم أنا وعالية هندور عليه تاني عشان تكوني مطمنه... رغم أن عالية قالت أنا نزلت بيه.. وأنتِ خلي بالك مادام بتقولي الورق مهم كده شليه في مكان أمان في البيت ))..

تمتم مودعًا ينهي الاتصال ويتابع في انتصار حركة جسد جيداء، بل ويقرأها بسهولة، قبل أن يسير نحوهم، ويحاوط بكلا ذراعيه جانبي جسد علياء التي لازالت واقفة خلف رخامة مغسلة الصحون، يدعي رغبته في غسل يديه، ومنتهزًا فرصة ارتباكها في الاحتكاك بها والهمس جوار أذنها في نبرة خافتة عابثة :
-(( صباح الخير ع اللي هربانة من حضني ))..

شهقة قوية عنيفة خرجت عنها، أدت إلى ابتلاعها لعابها بطريقة خاطئة، فراحت تسعل في يأس، وقد اختنقت بريقها، تحاول جاهدة التخلص من ذلك السعال المزعج، بشرب الماء الذي قدمه لها، بينما زمرديتاه تلمع بمزيج خاص من التسلية والاستمتاع، فهل كان يدعي النوم وقت خروجها من الفراش!، هذا الماكر اللعين، لن تغفر له تلاعبه بها، هذا ما فكرت به حانقة وهي تدفعه بأكفها المرتعشة هاربة من سحر عذوبة ابتسامته، ومن عذاب الشوق لقربه والذي بات لا يتحمل...
أما عن جيداء فقد كانت غافلة عن كل ما يدور حولها، فكل ما يشغلها في تلك اللحظة هو توصيل الأخبار التي سمعتها للتو إلى من يهمه الأمر وينتظر.

وفي الخارج....
بعد ساعة من محاولات التحدث الفاشلة، خرجت جيداء إلى الشارع بحجة التريض، وما أن خطت قدماها عتبة المنزل، حتى سارعت تتواصل مع نادر تسأله في لهفة، ففي ظنها ما نقلته إليه كفيلًا يجعله يوفي بعهده ويجمعها بطفلتها الغائبة :
-(( ها يا نادر.. رسايلي وصلتك؟!.. أنا اضطربت امسحها بسرعة للاحتياط ))..

أجابها في تعقل، يخشى الانخراط في حماسته خلف أمل كاذب :
-(( وصلتني.. أنتِ متأكدة من كلامك ده!!.. لا يكون بيضحك علينا ))..

صاحت معترضة تحاول بث إندفاعها إليه :
-(( يضحك علينا أيييه بس.. بقولك هي اللي كلمته وكانت قلقانة.. وهو مكنش فاكر حاجة وكان تايه خالص ))..

اندفع مستوى الأدرينالين بداخله بالتساوي مع مستوى حماسته، فهتف يقول في توجس :
-(( يعني هي شايلة الأوراق في بيتها دلوقتي ومفيش نسخ تاني؟! ))..

تأففت عدة مرات، قبل أن تجيبه مؤكدة، تُمني نفسها بقرب الخلاص من الجميع :
-(( أيووووة.. بقولك سمعته بودني بيوصيها تخفيهم كويس ))..

قال وقد ابتلع الفخ الذي رُسم لهم كاملًا :
-(( يبقي سبيني أبعت حد لشقتها النهاردة يشوف كلامك صح ولا لأ.. ولو صح.. كل اللي عايزاه هنفذه ))..



************************

شدت من أكمام كنزتها الخريفية، في حركة لا دخل لها ببرودة الطقس من حولها، بل هي عادة قديمة اكتسبتها كلما شعرت بالتوتر والضيق، ومع هبوب ريح ناعمة داعبت غرتها القصيرة رفعت رأسها إلى الأعلى تطالع السماء الغائمة من فوقها في ضيق، فيبدو أنها على موعد مع البكاء الليلة، يا الله كم تمقت ذلك الطقس الكئيب، بغيومه وسكون طرقاته، كل ذلك يثير الحزن في نفسها، هي المحبة للحركة والدفء وشمس الصيف الحارقة، ومنذ انتهاءه وهي تشعر بالوحشة والشجن، توقفت عن السير للحظات وكأنها وجدت ضالتها أخيرًا، فربما ليست العلة في الطقس، بل منها هي، أو لتكن أكثر دقة، هي من تنظر إلى كل ما حولها بعين الكآبة....
خاصةً بعد ذهاب رحمة مع زوجها، وكذلك انتقال شقيقها إلى مسكن خاص به فبات منزلها فارغًا، والأسوأ حالة الطوارئ التي يفرضها عليها والدها بعد رفضها أخر طلب للزيجة، ومن ذا الذي يلومها على موقفها!، أيتوقع والدها منها حَقًّا الزواج في ثلاثة أيام! من غريب لم تلتقيه سوي مرة واحدة، هذا إن كان مبدأ القبول موجود من الأساس، أي درب من الجنون هذا الذي تعيشه، وعن أي زواج يتحدثون وهي تفكـ.......
أرغمت عقلها على التوقف قبل وصوله إلى المنحنى اليومي المعتاد، هي فقط وحيدة ومشوشة وتخشي عليه من تورطه في الأمر، لذا تفكر به كثيرًا، كما تفكر في الكل، وأولهم الخطة التي رسمتها مع يحيى اليوم، وينطبق على الحال على طفلته، تشفق عليها ولا شيء أكثر....
هذا ما تمتمت به مع نفسها في صوت شبهه مسموع، قبل أن يرتفع رنين هاتفها في اتصال قادم منه....
فقفز قلبها داخل صدرها فور رؤيتها أسمه يزين شاشة هاتفها، تحاول تهدئة خفقاتها قبل سماعها صوته يسأل في عتاب :
-(( غفران!.. أنتِ متعمدة مترديش على اتصالاتي؟!.. أنا بكلمك من ساعتين ومفيش رد! ))..

أجابته كاذبة وهي تدلف مدخل البناية القاطنة بها وتتسلق الدرج :
-(( لا أبدًا.. أنا بس كنت في الجمعية وبعد ما خلصت قلت أتمشى شويه أغير جو.. وغالبًا مسمعتش الفون غير دلوقتي ))..

بدا على صوته عدم الاقتناع خصوصًا وقد هتف يسألها في نبرة متشككة :
-(( كنتي في الجمعية فعلًا ولا بتعملي حاجة من ورايا!!.. على فكرة أنا برضه ليا طرقي ولـو.... ))..

سارعت تقاطع تحذيره مؤكدة، بينما يدها الحرة تبحث داخل حقيبة ظهرها عن مفتاح المنزل حتى وجدته ودفعته داخل الثقب الخاص بها :
-(( مفيش لو.. والله كنت في الجمعية.. كان عندي قضية خلع ))..

دوت ضحكته الرجولية عاليًا يسخر منها مشاكسًا، ودوي معها قلبها يكاد يقتلع ضلوعها ويفارقها، ولا قبل لها بمجابهة جنونه الهادر، فكل ما تقو عليه هو التغاضي والتجاهل....
أما في الداخل، فقد تهادى إلى صوت المبعوث المتطفل، الباحث عن الأوراق صوت أنثوي ناعم ممزوج بصوت أقدام توقفت أمام باب المنزل، يليه صوت قلقلة مفاتيح بداخل حاملتها، فسارع يركض باحثًا عن منفذ للخروج في نفس الوقت الذي دلفت به غفران منزلها، وبدلًا من فراره من النافذة أو الاختباء في أحد الغرف، وقف يواجهها في تحدي، مخرجًا من جيبه مطواة حادة أخذ يلوح بها أمام وجهها حتى تبتعد عن طريقه، ويخرج من الباب الرئيسي للمنزل....
فما كان منها إلا أن شرعت في الصراخ مستنجدة بساكني البناية وقد باغتها المعتدي على حين غرة وجواد لازال معها على الطرف الآخر يستمع إلى صرخاتها وقلبه يكاد يهبط إلى قدميه خوفًا وهلعًا عليها،...
ومع نداءه الملهوف علها تجيبه، لم يفكر مرتين، بل تحرك راكضًا إلى سيارته يهب إلى نجدتها، حتى وإن كانت حياته هي الثمن، ففكرة خسارتها لم تكن في قاموسه.


************************

وبداخل شركة المجد...
جلس داخل مقعده الجلدي ذو الظهر العالي يتململ في نفاذ صبر وترقب، بينما عيناه تحيد كل فترة وأخرى عن الهاتف كي تنظر إلى الباب والعكس صحيح، فلو صدقت جيداء في روايتها حَقًّا كما تدعي ونجح في إيجاد النسخة الأخيرة من الأوراق، لأنتهي من كابوس تهديد هذا الثنائي الذي يراوده منذ عام....
صبرًا... صبرًا... زفر في ضيق يناقض نفسه، فمن أين يأتيه الصبر وهو المتعجل في كل شيء، حتى في تكوين ثروته، أتخذ الطريق الأسهل غير مباليًا بعاقبة أموره، يلقى باللوم على جميع من حوله عداه، هل ينظرون منه السير على الطريق المستقيم بينما يخطأ كل من حوله؟!....
فيظل هو في القاع كما كان والده؟ لا يجد حتي اللقمة لإطعام أسرته، ويترك غيره يتمتع برغد العيش!!!،
لا لن يسمح لأحد بهدم إمبراطوريته التي يُجاهد لتكوينها، ولن يثنيه رادع عن مضاعفة ثروته بالطريقة التي يرتئيها...
وبهذا الفكر وتلك العزيمة التي لا تتزعزع، التقط هاتفه فور سطوع شاشته يجيب متلفهًا في عُجالة :
-(( هااااا.. طمني... لقيت الأوراق عندها زي ما بلغتك؟! ))..

أجابه الرجل وهو ينهت من فرط المجهود :
-(( لقيته يا باشا وأنا في طريقي ليك بس حبيت أطمنك لحد ما أوصل ))..

ارتمى بجذعه للخلف، يستند في انتشاء على ظهر مقعده، ويتنهد في راحة قبل أن ينهي حالة الحبور التي اعترته، باقي حديث السارق، حيث هتف يضيف على مضض :
-(( بس ملحقتش أخرج قبل ما ترجع.. دخلت عليا يا باشا فاضطريت اهوشها عشان تخاف وأخرج سليم ))..

هنا صدح صوت أبو المجد المتجهم يهز أركان المكتب في عصبية :
-(( يعني معرفتش تكمل صح للأخر.. ولو عملت محضر تعدي بشكلك أتصرف أزاي أنا دلوقتي ))..

سارع الرجل يدحر قلقه مطمئنًا :
-(( لا يا سيد الناس متخفش.. كنت لابس ماسك مبانش مني الهوا.. حتى البصمات مسبتش حاجة ورايا أطمن ))..

غمغم يقول في شيء من الارتياح :
-(( طب خلص أنا مستنيك في الشـ......))..

-(( يا نادر باشا.. ألحق ))..
كان هذا هو صوت مساعده الذي هتف يستنجد به بعدما دفع باب الغرفة واقتحمها على حين غرة، فهتف الأخير يسأل في تذمر بعدما ألقي هاتفه في عنف فوق سطح مكتبه :
-(( يادي نادر اللي مش مكتوب عليه الراحة شوية.. قول ألحق إيه! ))..

أجابه خليل في تأثر واضح :
-(( الراجل إياه بتاع مجلس الشيوخ ده.. طلع من الناس إياهم بتوع العنف والضرب.. مسك البت اللي بعتنهاله النهاردة بهدلها مرة واتنين لحد ما طلعت من تحت إيده من ساعة خلصانة.. عندها نزيف وحالتها تصعب ع الكافر.. لازم مستشفى الدكتور بتاعنا مش عارف يتصرف معاها جوه العيادة.. وإلا هتروح مننا ))..

أستمع إلى حديثه كاملًا وأركان فكرة ما تكتمل داخل عقله بصورة واضحة ملحة، وبعد فترة من الصمت قال في خبث :
-(( ودوها مستشفى.. وحكومي كمان ))..

جحظت مقلتي مساعده للخارج في دهشة، قبل أن يطلب منه التوضيح مستنكرًا :
-(( مستشفى أزاي يا باشا.. بقولك نزيف وضرب يعني هيصنفوها اغتصاب! ))..

هتف مؤكدًا في صرامة :
-(( وده المطلوب.. خلي الدكتور يشوف بس شغله الأول ويمحي أي حاجة تدل على الجاني الحقيقي.. أنت فاهم قصدي إيه.. وبعد ما تخلص تعمل محضر كمان بس مش بنفسك شوف أي حد بعيد عننا شوية ))..

التفت رجله الأمين ناحية الباب استعدادًا للذهاب وتنفيذ طلبه، قبل أن يوقفه صوت مخدومه للمرة الأخيرة يوصيه قائلًا :
-(( أسمممممع.. اللى يعمل المحضر يخليه بأسم عبد الجواد أنور المناويشي )).


شيماء_يوسف غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 21-01-21, 11:23 PM   #84

شيماء_يوسف

? العضوٌ?ھہ » 474730
?  التسِجيلٌ » Jul 2020
? مشَارَ?اتْي » 58
?  نُقآطِيْ » شيماء_يوسف is on a distinguished road
افتراضي

الفصل السابع والثلاثون ❤️🔥

أحبكٓ في كل يوم ثلاثين عامًا
وأشعر أني أسابق عمري
وأشعر أن الزمان قليل عليكِ
وأن الدقائق تجري
وأني وراء الدقائق أجري
وأشعر أني أوسس شيئًا
وأزرع في رحم الأرض شيئًا
وأشعر حين أحبكِ أني أغير عصري.

-نزار قباني.




بعض الأشياء لا ندرك قيمتها بالوقت، بل حينما يحيطها خطر الفقد!!....

توقفت سيارته أسفل بنايتها في وقت قياسي، بعد أن قطع الطرقات مخالفًا السرعة المحددة في تصرف أهوج ينهر من يقوموا به عادةً، ولكن... للكل استثناء، وكانت هي استثناءه......
حتى وإن لم يدرك تلك الحقيقة بعد، أو أن رفض قلبه الذي يكاد القلق يمزقه إربًا الاعتراف بالخيوط التي تُنسج من حوله، بل وتكاد صورتها تكتمل واضحة أمام عينه،
تظل ضرباته العنيفة دليل ملموس على ما يمر به من تشوش، نكران، وحيرة، وأخيرا الخوف من مواجهة عواطفه...
وبالرغم من تحدثه إليها أكثر من مرة أثناء قيادته إلى منزلها، وسماعها تؤكد على سلامتها بنفسه في كل اتصال، لم يمنع ذلك النبض في صدغيه من التزايد بشكل يثير جنونه، يريد رؤيتها حتى يطمئن قلبه، ويرتاح عقله من هواجسه...
وبكل تلك المشاعر التي تُثقل صدره، ركض يتسلق الدرج ويشق طريقه نحو الجمع المحتشد أمام باب المنزل ومن حولها، ما بين فضولي ومواسي، وأخر مجامل....
يدفع بيده كل ما يحول بين عيناه وجسدها، حتى رأها أخيرًا تقف في المنتصف، قوية، صلبة، لا يرف لها جفن، ولا تنكسر لها قامة، شامخة كعادتها لا تحتاج إلى حماية، وكم بعث ذلك بالفخر على نفسه...
حتى أن الأمر احتاج منه إلى الكثير والكثير من رباطة الجأش والإرادة حتى لا يحيطها بذراعيه مقربًا إياها إلى صدره حتى تستكين خلجاته، ومرت هي بالمثل، حيث هرولت تهمهم في لهفة اسمه وجسدها يميل نحوه، قبل أن تتذكر حدودها، فتتراجع منتصبة في وقفتها، وقائلة في ارتباك ملحوظ :
-(( جواد... قلتلك مكنش في دَاعٍ تيجى.. مجرد حرامي مش أكتر بس أنا اتخضيت أول ما شفته ))..

رمقها بنظرة جامدة ولم يعقب، بينما تدخل مالك البناية يقول موجهًا حديثه لجواد :
-(( حضرتك قريب الأستاذة صح؟.. أحنا طلعنا جرى على صوت الصريخ بس لقيناها كويسه ومن وقتها أنا والرجالة بنحاول نقنعها تعمل محضر وهي رافضة.. أهو كويس أن حد من أهلها جه يمكن يقنعها ))..

هنا أردفت امرأة ستينية بسيطة تقطن في المنزل المقابل لها مضيفة :
-(( الأستاذة دماغها ناشفة يابني.. اتحايلت عليها كثير تدخل تقعد عندي على الأقل لحد ما جسمها يفوق من الخضة بس مش راضية ))..

شاركهم الحديث رجل ثالث من ساكني الحي يقول في حسرة :
-(( ابن اللذينة ده هرب مننا قبل ما حد يلحقه.. على ما سمعنا الدوشة وطلعنا نفهم في أيه كان اختفى.. فص ملح وداب ))..

أستمع جواد إلى حديثهم وقد أثر التزام الصمت، يتابعهم فقط بعينيه ويتفاعل بملامحه مع رواياتهم بينما داخله يمور ويتميز غيظًا لتوقعه هوية السارق، والذي لم يكن بسارق، وتخمينه ما وراء الكواليس الغامضة، وخصوصًا بعدما هتفت هي تطلب فض الجمع المنتشر أمام بابها المفتوح وعلي الدرج بقولها في نبرة يشوبها شيء قليل من الربك وعيناها لا تحيد عن محياه مراقبة :
-(( يا جماعة تعبتكم والله.. مش عارفة أشكركم أزاي.. بس فعلًا الموضوع مش مستاهل.. الحمد لله مفيش أي حاجة اتسرقت.. تلاقيه حرامي غشيم كان بيجرب في بيتي.. آسفة أني أزعجتكم وعن إذنكم الوقت أتأخر ادخل البيت أرتاح ))..

كانت تأمل بحديثها ذلك الموجهه للجميع ظاهزيًا، أما إقناعه بالرحيل كي تستريح، أو على الأقل حثه على الذهاب لتأخر الوقت، ولكنه بدد كل أمالها الهشة عندما تفرق الكل من حولهم كُلًّا عائدًا إلى بيته بعد تفوههم ببعض المجاملات الأخيرة، وبقي هو، يقف أمامها في ملامح متجهمة وجسد مشدود، حتى شعرت بذبذباته المتوترة تنتقل إليها تِلْقَائِيًّا عبر الهواء المشترك بينهم، فسارعت بالدخول إلى المنزل والاحتماء بجدرانه، وتبعها في هدوء، يسأل بعدما أغلق باب المنزل من خلفه عامدًا :
-(( خلصتي تمثيليتك قدامهم ولا لسه؟! ))..

استدارت عنه، تدعي الانشغال بترتيب مفرش طاولة السفرة المبعثر، قائلة في هجوم مندفع تُخفي خلفه توترها من نبرته :
-(( تمثيلية إيه دي.. أنا مبعملش تمثيليات على حد!!.. وبعدين الوقت أتأخر وعدينا نص الليل.. جواد وجودك هنا مش صح..وياريت ترجع تفتح الباب ))..

ارتفعت إحدى زوايا حاجبيه، بالتزامن مع عقد ذراعيه أمام صدره، ومطه شفتاه للأمام، يطيل النظر إلي ظهرها المتشنج، قبل أن يقول في صرامة رغم انخفاض نبرته :
-(( طب ما تلفي يا أستاذة وتقولي الكلمتين دول في وشي.. ولا خايفة أقفش وقتها كدبك! ))..

أثار حفيظتها بحديثه، فما كان منها إلا أن ألتفت تواجهه بعيون تلمع بالغيظ كما أراد، ثم هتفت تقول في حدة :
-(( جواد عيب كده!!.. أحنا مش صغيرين على الاتهامات دي ))..

صاح يسألها في تحدِ وتأنيب :
-(( ولما أحنا مش صغيرين بتخبي عليا الحقيقة ليه؟!.. خايفة؟ ))..

بنفس النبرة المندفعة العالية والنظرة المتأهبة، هتفت تقول مدافعة عن موقفها الضعيف :
-(( هخاف من إيه يعني؟!.. وزي ما قلتلك أنا كويسه.. وشكرًا أنك تعبت نفسك وجيت المسافة دي كلها على الفاضي.. بس ياريت تتفضل تروح ))..

مدفوعًا بكل ما يجيش به صدره ولا يستطيع دحره، وبكل ما يدور في دهاليز عقله ويرفض تسميته، بل بكل ما عايشه مُذ سماعه صراخها حتى وقوفه أمامها، هدر يقول في عدائية :
-(( أنتِ شايفاني عيل قدامك!!.. للدرجة دي مش مالي عينك؟!.. واقفة تكذبي عليا وقدام عيني!.. بتخبي ليه انطقي.. ومتتوقعيش مني امشي.. عشان أنا مش تحرك من مكاني ده لحد ما أسمع الحقيقة كلها.. حتى لو قضيت الليل كله هنا ))..

على عكس توقعه منها بمهاجمته، تفاجئ بجسدها يتراخى وأكتافها تتهدل، حتى نظرة عينيها تبدلت وقد خلعت عنها ثوب القوة، ووقفت أمامه تقول في هشاشة يعلم أنها لن تدوم طويلًا :
-(( عشان أنت متوقع مني إني بتحرك من وراك.. وأخاف أحكيلك أورطك أكتر.. وأخاف محكيش تزعل.. يعني في الحالتين خايفة أخسرك فهمت! ))..

تراخي جسده بالتبعية فور سماعه حديثها ورؤيته تشوشها، ثم قال في هدوء بعدما تحرك نحوها ودفع في خفة ذراعها يحثها بذلك على الجلوس :
-(( مش هتخسريني طول مانا عارف بيحصل إيه.. الخسارة ممكن تيجي لما أكون تايه ومش عارف بتخططي لإيه من ورايا.. غفران أنا قلتلهالك وهفضل أقولها.. مش هسيبك تمشي في الطريق ده لوحدك.. يا نتحرك سوا يا أتحرك من وراكي لوحدي زيك.. اختاري ))..

بدأ الاقتناع والاستسلام يعتلي قسماتها المرهقة، تود لو ينتهي ذلك الكابوس من حياتهم، تبغي الاحتماء بأحد من مخاوفها التي تُحرم عيناها النوم، تريد الاتكاء فوق كتف أحد وتغفو وهي تعلم أنها في أمان، تتمنى التجرد من عباءة شدة البأس التي ترتديها طوال الوقت حتى نسي أو تناسي الجميع مع مرور الأيام آدميتها وحقها في العيش كإنسانة عادية، تفرح وتبكي وتخاف وتنهار مثلهم!، وكم كانت نظراته تُغريها لفعل كل ذلك وقد باغتها يضيف متفهمًا في حنو :
-(( أحكيلي يا غفران وأنا سامعك.. متخافيش ))..

حركت رأسها موافقة بعدما بلعت لعابها في قوة، قائلة على مضض :
-(( أنا كنت عارفة أن في حد هيجي البيت.. بس متوقعتش يكون موجود في ميعاد رجوعي.. خصوصًا يعني إني اعتمدت أتأخر ))..

قطب جبينه واختفت المسافة ما بين حاجبيه وقد بدا عليه التركيز الشديد، بينما أردفت غفران تقول في نبرة عادية :
-(( ده اللي اتفقت مع يحيى عليه ))...

هتف يسأل في دهشة وتعجب :
-(( يحيي!! ))..

فركت كفيها معًا في اضطراب ثم همهمت مؤكدة قبل أن تقول بأنفاس متحشرجة وقد حسمت أمرها :
-(( هحكيلك من الأول بس أوعدني.. اللي هقوله ميطلعش لحد برانا أحنا ال٣.. حتى علياء وصدقني ده لحمايتها ))..



*************************




بداخل منزل الطبيب يحيى....
رفعت كفها تمسد بباطنه مؤخرة عنقها المتشنج من أثار كثرة الانحناء والبحث لساعات طويلة، بينما امتد كفها الأخر كي تُمسك بمقبض الباب وتُديره، قبل أن تدلف الغرفة في عدم تركيز، وترفع رأسها لأعلى بعدما أغلقت الباب من خلفها جيدًا واستدارت نحو الفراش، وقتها تفاجأت به يقف في منتصفها عاري الجذع لا يرتدي سوي بنطال بيتي مريح، بينما ذراعاه ترتفع معًا بالتوازي لإدخال قميصه القطني الخفيف ذو الأكمام القصيرة من رأسه، فسارعت تعتذر هاتفة في تعلثم بعدما أشاحت بوجهها المتورد بحمرة الخجل بعيدًا عنه :
-(( أنا أس... آسفة جِدًّا والله ))..

توقفت ذراعاه المرفوعة في الهواء في منتصف الطريق، متراجعًا عن فكرة ستر الجزء العلوي من جسده بإلقاء القميص بعيدًا فوق الفراش، ثم تحرك في خفة فهد يتقدم من فريسته وقد أحكم حصار شباكه حولها، يداعبها مُتَسَائِلاً في استمتاع وكسل، وقد مد ذراعيه على كلا جانبيها فنجح في حشرها في إحدى الزوايا :
-(( آسفة عن إيه؟! ))..

ارتعش قلبها خلف أضلعها، وامتدت تلك الارتجافة حتى شفتها السفلية، فمهما حاولت لا تستطيع إخفاء أو إنكار تأثرها بوجوده حولها، خاصةً وهو بذلك القرب منها ولا يفصل بينها وبين لمس صدره العاري سوي بسطة ذراع منها، وبعد همهمة ضعيفة خرجت من فمه يحثها على الإجابة، همست تقول في تعثر :
-(( عشان دخلت.. من غير ما.. أخبط ))..

أسبل أهدابه المتعبة، يتابع رجفة شفتها وكأنها تدعوه للاقتراب، ولتحقيق ما فشل عنه منذ عدة ساعات........

في وقت لاحق من منتصف ذلك اليوم......

عكف ثلاثتهم داخل غرفة مكتبه والتي تتخذ جيداء الآن منها مخدعًا ومبيتًا، في البحث عن الأوراق المطلوبة وذلك من أجل إتمام دوره حتى آخره في إقناع طليقته بعدم وجود نسخ أخرى كما اتفق مع غفران في الصباح، ورغم تأففه وضجره من الأمر في بدايته، لم يستطع منع شعور الاستمتاع الذي أخذ يتسلل إلي خلاياه مع مرور الوقت، خاصةً وقد ترك البحث وجلس جوار علياء يتابعها وهي تجلس فوق الأرضية بالقرب منه، محاطة بعدد لا بأس به من الأوراق المنثورة في كل اتجاه من حولها، وكيفية تفاعلها التلقائي مع كل ما تقرأه في عُجالة، فتضم شفتيها تارة، وتعقد جبينها تارةً جديدة، وتزفر في إحباط إلى الأعلى تارة أخيرة كلما تأخر الوقت وتفشل في إيجاد ما تبحث عنه، فتتطاير غرتها على أثر حركتها الطفولية البسيطة، فيتطاير معها تعقله، وجزء لا يستهان به من هدوءه وصبره، جاذبًا انتباهه عنها، وانتباهها من بعده صوت جيداء تهتف في سأم :
-(( لا أنا تعبت خلاص وشكل مفيش ورق فعلًا.. محتاجة أريح عيني شويه.. هقوم أعمل نسكافيه.. وأتحرك رجلي نملت ))..

رفعت علياء رأسها للأعلى تتابع في صمت خروج غريمتها من الغرفة وعيناها تلمع بشيء من الحسد، خصوصًا بعد توقف وانحناء الأخيرة عند مدخل الغرفة كي تلاطف السلحفاة القابعة عند مدخلها في عدم حركة، فيستجيب الزاحف لملامستها الخفيفة بإخفاء رأسه داخل قوقعته الصلدة، ثم يعود ويخرجها بعد لحظات وكأنه يلاعبها الغميضة، تكاد علياء تُجزم برؤية ما يشبهه الابتسامة فوق وجه الزاحف الصغير، قبل أن تستأنف الأخرى سيرها نحو الخارج، فسارع يحيى والذي التقط رمشت جفنيها المتأثرة يقول في فطنة :
-(( من أكتر الحاجات الحلوة في الإنسان أن ربنا ميز كل حد بحاجة.. عندك جيداء مثلًا من زمان بتعرف تتعامل مع الحيوانات وبتظهرلها عاطفة أكتر من البشر.. غيرها العكس ))..

استدارت على الفور تطالعه مستجيبة لحديثه بالإجابة عنه في شموخ رأس ولحظة شجاعة مفرطة :
-(( على فكرة أنا مش بخاف منهم.. أنا بس محتاجة وقت أتعود على وجوده.. ده طبع فيا ))..

حاول كبت ابتسامته، والسيطرة على ردات فعله، ولكنه فشل في كبح نظرته الغير مصدقة، فأردفت تقول وعيونها تفيض بالتمرد :
-(( مش مصدق صح!!.. طب على فكرة أنا ممكن ألمسه دلوقتي حالاً.. زيها ))..

عضت طارف شفاها ندمًا ما أن تفوهت بجملتها، فآية حماقة عابرة تلك التي دفعتها للتفوه بمثل ما قالته، مصرة على تجاهل ذلك الهتاف الداخلي الخافت والذي يخبرها بقدرتها على فعلها حَقًّا وليس لإثارة إعجابه أو إثبات شجاعتها فقط كما تدعي، بينما لم يتمكن هو من إخفاء ابتسامة السعادة التي اعتلت ثغره عند التفكير في انتواءها مجابهة مخاوفها والتنافس من أجله، يرى بداخل عينيها لمعة الإقدام على تنفيذ ما قالته، ويؤكد حدسه لغة جسدها حيث اتخذت وضع الاستعداد فبدت جاهزة للحركة والمخاطرة...
يشعر بالزهو لوقوعه في حبها، ويزداد شعوره تعمقًا كلما أثبتت بتصرفاتها صحة وجهة نظره بها، يراها منذ النظرة الأولى، بل من الهمسة الأولي شريكته التي تليق به، وعند اللزوم جيشه الوحيد المدافع عنه، كما فعلت عند إصابته ووقفت في المشفى شامخة تنتظر إفاقته، وكما تستمر في الفعل كلما جابهت طليقته

فكل ما كانت بحاجته هو التشجيع كي تتبلور ثقتها في نفسها وتُخرج أفضل ما فيها، والآن يمكنه الاسترخاء وقد حقق أول إنجازاته معها، فقط يتبقى الخطوة الأخيرة لدحر مخاوفها...
وعليه تحرك نحو الزاحف يرفعه لأعلى ثم يعود به إليها متمتمًا في نبرة مطمئنة وهو يتخذ من المكان الملاصق لها مجلسًا :
-(( أنا هحطه على الأرض أول حاجة.. وعشان تكوني فاهمة السلاحف عمومًا لازم تشوف أيدك قدامها.. يعني ماينفعش أبدًا تفاجئيها باللمس من غير ما تشوفك.. وقتها هتخاف وممكن تعضك ))..

مالت علياء بجسدها إلى الجانب الأخر تبتعد بقدر المستطاع عن مكان وضع السلحفاة حيث وضعها على بعد انشين منها، تجاهد دون الوقوف والفرار من أمامها، أو الصراخ مستنجدة، بينما استمر يحيى يشرح في هدوء وصبر، يحاول بث الأمان إليها :
-(( أحنا في الخريف وده موسم البيات بتاعهم فتلاقيها دايمًا ساكتة وحركتها تكاد تكون معدومة.. وَعَمَّتَا السلاحف بتحب جِدًّا أنك تدلكي رقبتها من تحت والجنب.. هتسترخي معاكي ))..

توقف عن الحديث لتوضيح تعليماته بشكل عملي، حيث مد سبابته يدلك بطرف عقلته عنق السلحفاة والتي بدت بالفعل مستمتعة بلمساته، بينما رفعت علياء رأسها تنظر نحوه في تشكك فور نطقه بجملته الأخيرة، وقد ذكرها قوله بما يفعله معها شَخْصِيًّا، فاستطرد يقول مبتسمًا ومتجاهلًا عن عمد فهمه اكتشافها ذاك :
-(( ممكن عشان أنتِ أول مرة بس.. تلمسي القوقعة بتاعتها اللي أحنا بنسميه بيتها يعني.. مدى أيدك قدام عينيها زي ما قلتلك وبالراحة خالص مسدي عليه عشان تتعود على لمستك ))..

تجعدت ملامحها، وبدأ التردد والانزعاج يعتلي قسماتها، فمد يحيى ذراعه يحتضن كفها أولاً ويدلك راحتها حتى شعر بقبضتها تتراخي أسفل لمساته، وقتها سحب كفها دون إفلاته، ثم وبهدوء شديد فرد سبابتها فوق ظهر السلحفاة دون تركها، وراح يحرك أصباعيهم سَوِيًّا، وفمه لا يتوقف عن الهمهمة بجوار أذنها في نعومة بثت السكينة بداخلها من جديد :
-(( متخافيش.. صباعي على صباعك.. شايفة راسها لسه برة أزاي.. معناه أنها حبت لمستك.. غير أنها عمرها ما تتحرك أو تتفاعل معاكي غير لو أنتِ بدأت وقربتي منها ))..

استمر في فعلته وتحريك سبابتها ومن فوقه سبابته فوق ظهر الزاحف، حتى استكانت ملامح علياء واعتادت على لمس الكائن الصغير، وقتها حرر كفها وقام بدفع الزاحف بعيدًا عنهم، قبل أن يقول في فخر :
-(( شفتي عرفتي تعمليها أزاي.. الموضوع طلع بسيط ))..

رفعت رأسها تناظره بابتسامة متهللة وعيونها تلمع بمزيج محبب من السعادة والانتصار، ثم قالت في نبرة مختنقة من شدة الاعتزاز :
-(( شفت.. مش قلتلك أقدر ))..

رفع ذراعه يتحسس جانب وجهها وصولًا إلى مؤخرة عنقها، ثم قال في حشرجة بعدما دفع في خفة رأسها نحوه وطبع قبلة مطولة فوق جبينها :
-(( عارف أنك تقدري تعملي كل حاجة ))..

انزلقت عيناه إلى ثغرها المنفرج في ابتسامة واسعة، سرعان ما تحولت إلى رعشة تلقائية فور ملاحظتها تطلعه بها، فما كان منه إلا أن انحني بوجهه أكثر نحوها، يتلمس بشفاه ارتجافها ذلك، مقاطعًا تقاربهم صوت جيداء الناعم، يقول ساخرًا من الخلف :
-(( واضح أنكم ما صدقتم أني خرجت ))..

عودة إلى الوقت الحالي.........

ارتبكت وتشوش عقلها من قربه الشديد منها، فهمست تستجديه في ضعف :
-(( يحيى لو سمحت.. عديني وروح ألبس حاجة ))..

همس يسأل في نبرة حارة ملتاعة :
-(( عالية.. أنا قلتلك قبل كده أن صوتك حلو أوى؟ ))..

حركت رأسها نافية دون تعقيب، بينما أهدابها لا تتوقف عن التحرك كعلامة على شدة توترها، فأردف يقول في بحة رجولية مميزة بعدما أحنى رأسه نحوها :
-(( صوتك موسيقي.. بحسه بيتغلل لحد هنا ))..

قبل أن تعي ما يقول، كان يقبض على كفها، ويضعه فوق مضغته مضيفًا في حلاوة :
-(( والموقف ده كله حاسس أنه مش غريب عليا.. متأكدة أن كان جوازنا على ورق بس؟! ))..

أخذ قلبها يدق في سرعة تفاعلًا مع شعورها بدقاته أسفل راحتها المفرودة فوق صدره، تتعلق نظرتها بزمرديتاه الداكنة من فرط مشاعره في تلك اللحظة، تبحث بداخلهما عما يدفعها للابتعاد عنه، وبدلًا من ذلك لا ترى بهما سوي مشاعره البدائية كعاصفة صحراء تلطمها معًا وتمنع حركتها، فتتمسك به أكثر مسلوبة الإرادة لا تملك سوى الاستسلام لها حتى تنتهي، وداخلها يخشى ألا تخرج منها سالمة....
وبتلك الهواجس التي أخذت تتجمع داخل عقلها، سحبت كفها من تحت قبضته، ثم وقبل أن تتراجع دفعته بعيدًا وهرولت نحو الفراش تحتمي به من جنون قلبها الذي يكاد يترك موضعه ويغادر عائدًا إليه، متمتمة في خفوت، بينما كل خلية بها تنتفض :
-(( تصبح على خير ))..

تابعها بعينيه يحاول السيطرة على النيران المشبوبة بداخله، يوصي نفسه بالمرة التي لا يحصي عددها بالصبر، فمهما كان الصبر عسير، لا بد أن يأتي من بعده التيسير.



*************************




انتهزت فرصة انشغاله عنها بارتداء ملابسه استعدادًا للذهاب إلى الشركة، بالهرولة نحو الأسفل، فالبارحة مَسَاءَا كان موعد عودة مدبرة منزله من قريتها، وعندما أصرت على النزول واستقبالها منعها بحجة تأخر الوقت ثم نجح في إلهاءها عن الجميع بطرقه الخاصة والتي باتت تعشقها
أما الآن وقد أفرج عنها، فأول ما خطر ببالها هو الهبوط لملاقاتها، فقط لو تعلم كم اشتاقت إليها أو كم تود التنعم بحضنها الأمومي الدافئ!...
ومدفوعة بكل تلك المشاعر الخاصة التي تكنها إليها، هرولت تقتحم المطبخ بابتسامة واسعة، هاتفه في اشتياق :
-(( ماما فادية..... حمد لله على السلامة يا أمي ))..

التفتت المرأة المسنة على صوت عزيزتها العذب، تلتهم في وجد قسمات من غابت عن نظرها لأشهر، وقد اكتست عيونها بلمعة خاصة، كتلك التي ترمق بها الأم أطفالها ساعة اللقاء بعد طول بعاد، ثم اندفعت تفتح كلا ذراعيها عن أخرهما كي تستقبل بداخلهما العائدة، ولسانها يردد بلغته الأم :
-(( ووه.. الغالية رجعت.. ست البنات كلها نورت بيتها من تاني.. يا راحة قلبك يا أم الحسن.. يا محلا اسمك يا فادية منها ))..

ألقت رحمة بجسدها الضئيل داخل أحضان عرابتها، كما كانت تطلق عليها بينها وبين نفسها، تاركة دموعها تنهمر فوق كتفها تأثرًا بلمستها الحانية، وربتها الناعم فوق ظهرها، بينما استطردت العجوز تقول في حبور :
-(( الفاتحة كل يوم كنت أسأله تروح ترجعها ميتا يقولي الصبر.. صبر إيه يا مغدور وأنت يجيك نوم وهي غايبه عنك.. بس الحمد لله أهو وعد ووفي ))..

مالت برأسها تتطلع إلى القادم من الأمام بهيئته المعتادة وتوجهه باقي حديثها إليه :
-(( أهو كده أرجع أقول راجل ولد راجل صُح ))..

قهقهه طاهر عاليًا في صخب، لافتًا صوت ضحكته المستمتعة انتباه من كانت تقبع داخل أحضان مدبرة منزله، فالتفت على الفور تتأمله في وله بحلته الرسمية السوداء ودقات قلبها تتسارع مع صوت ضحكاته الرنانة، قبل أن يقول مازحًا في خفة بصوته الأجش :
-(( يعني قبل كده مكنتش راجل ودلوقتي رضيتي عني!! ))..

ارتبكت أم الحسن وظهر هذا الارتباك واضحًا فوق محياها، وقد شعرت بتماديها في الحديث فهتفت تقول هاربة :
-(( لاه ازاي.. طول عمرك سيد الرجالة وأنا أشهد.. عن إذنكم أروح أتصل ع البلد أطمن على الواد وأرجع ))..

راقبت رحمة انسحابها بابتسامة واسعة، بينما تقدم طاهر منها يعقب مداعبًا ويده تمتد نحو خصرها لجذبه وإحاطته :
-(( شفتي باعتني في لحظة أزاي عشانك.. وأنا اللي متربي على أيديها يعتبر ))..

رفعت رحمة أحد ذراعيها كي تعدل في اهتمام من وضع رابطة عنقه، كلمسة نهائية لمظهره المهندم، وهي تقول في حب :
-(( لا متحاولش تاخدها مني.. وبعدين أنت عارف أنا بحبها قد إيه ))..

هز رأسه ورفع إحدى حاجبيه مستنكرًا، قبل أن يقول معاتبًا في غيرة واضحة :
-(( الله.. جت هي وأنا أتنسيت!.. ))..

حركت ذراعها تحتضن براحتها شطر وجهه، تراضيه بالقول الناعم بينما عيونها تختصه بلمعة العشق الخالص :
-(( أنت الأساس.. كلهم ورق نابت من غصن حبك يا طاهر ))..

تنهد في هيام ورأسه تميل نحوها كي يستريح بجبهته فوق جبهتها، هامسًا في لوعة :
-(( هو أنا بعد الكلمتين دول لازم أروح الشغل النهارده؟! ))..

أجابته مؤكدة وثغرها يستجيب تِلْقَائِيًّا لقبلاته الموزعة على منتصفه حتى أطرافه :
-(( أيوة لازم وجدًا كمان.. وعلي فكرة أنا من ساعة ما رجعت معاك منزلتش الشغل.. وكده هيقولوا عليا في المكتب أني مستهترة.. وإن جوزي هو اللي فتحلى الشركة ))..

توقف فمه عن لثم شفاها قائلًا في بساطة يثير غيظها بعدما رفع وجهه عنها :
-(( ما يقولوا.. مانا فعلًا فاتح الشركة عشانك.. إيه الجديد ))..

هتفت تؤنبه في دلال مدعية الحزن :
-(( طاهر! ))..

قال مستسلمًا بعدما أبتعد عنها عدة إنشات بسيطة ونظر في ساعة معصمه :
-(( تمام متزعليش.. بكرة إن شاء الله أنا هوصلك بنفسي.. بس دلوقتي صدقيني أتاخرت ومش هعرف أنزلك وسط البلد وأرجع ومتقوليش أروح لوحدي.. لازم أطمن عليكي ))..

سارعت توقفه مطالبة :
-(( طب تمام.. بس عايزه أروح لمصطفى.. بقالي يومين مشفتهوش ))..

رد موافقًا بشروطه الخاصة بعدما أوقف رنين هاتفه الصادح في الأركان يطالبه بسرعة التحرك :
-(( طيب هخلص شغلي وأجيلك على العصر نروح سوا.. كده ملكيش حجة ))..

صمت لوهلة وقد بدا لها مترددًا على عكس عادته فبادرت بطبع قبلة مشجعة فوق وجنته، قبل أن تسأل في حب :
-(( عايز تقولي حاجة؟ ))..

ابتسم عن مليء فاه مبادلًا قبلتها الخاطفة بأخرى عميقة مطولة، ثم أجابها بأنفاسه اللاهثة :
-(( عمي بيسأل عنك.. ياريت يا رحمة تبقى تزوريه.. متنسيش أنه بيحبك من قبل أي حاجة.. فعشان خاطري بلاش تزعليه ))..

أطرقت بأهدابها أرضًا تُخفي عنه دموع الندم وقد تجمعت فَوْرِيًّا داخل أجفانها، ثم تمتمت مجيبة في خزي :
-(( وأنا كمان بحبه.. حاضر ))..

قطع المسافة الضئيلة التي ابتعدها عنها في خطوة واحدة، ثم عاد يلف ذراعه فوق خصرها بعدما أمال برأسه لها وارتسمت ابتسامة حارة فوق فمه، قائلًا في مرح وملطفًا الأجواء بينهم :
-(( سيبك منهم كلهم وحبيني أنا بس ))..

دفعته بكفها تحثه على الذهاب خصوصًا مع ضوضاء هاتفه الذي لا يتوقف عن الرنين، تجيبه واعدة :
-(( روح وخلص بس شغلك وبعدها حاضر هحبك أنت بس زي مانت عايز.. المهم متتأخرش عليا ))..

هتف مازحًا وهو يهرول نحو الخارج بعدما غمز لها بطارف عينه :
-(( حلو أوى كده.. أفتكري زي مانا عايز دي ))..

قلبها يهدر بداخلها تفاعلًا مع كل كلماته، تراقب انسحابه عنها بنفس متيمة، يا لله، لقد امتلأ قلبها بالعشق حتى فاض من كل مسامه...
تحبه بعدد أنفاسها المهدورة، تشتاقه فور استدارته عنها، وكيف لا تفعل وقد زرع بها شيء أقوى وأعمق من الحب، بل هو اكتمال، اكتفت به دون أن تكتفي منه.

وبعد فترة من متابعة طيفه الراحل أخرجت هاتفها للتواصل مع شقيقها والذي ما أن زين اسمها شاشة هاتفه حتى أجاب مرحبًا في بشاشة :
-(( ريموو.. عامله إيه يبشه ))..

هتفت تُنهره في محبة :
-(( يابني بطل تتكلم معايا ولا كأني واحد صاحبك.. وبعدين قولي أنت في البيت ولا في الجامعة عشان هجيلك ))..

تأخر في الإجابة وقد أنشغل عنها بالتحدث إلى أحد أقرانه يقول في جدية :
-(( لا يا سامر.. الورق ده مصورينه قبل كده.. خليك في الجديد بس ))..

عاد إليها يجيب معترضًا :
-(( لا متجيش دلوقتي.. أنا في الكلية لسة عندي محاضرة هخلصها وبعدين أطلع على البيت عند غفران كنت سايب هناك كام كتاب محتاجهم وبالمرة أسلمها مفتاح الشقة ))..

توقف عن الحديث كأنه يعيد ترتيب جدوله قبل أن يضيف في حيرة :
-(( بصي مش عارف هخلص أمتي.. خليكي بكرة أحسن مش هنزل الكلية عشان عندي امتحان بعد بكرة.. بدل ما تيجي من برج العرب بليل ))..

قالت مقترحة بعدما عقدت حاجبيها معًا :
-(( طيب ماشي.. ولو خلصت مشوارك عند غفران بدري رنلي وأجيلك عشان وحشتني ))..

أنشغل عنها مرة أخرى بالإجابة عن سؤال رفيقته، فأردفت تقول مودعة وموصية :
-(( أنا هقفل عشان معطلكش.. ومتنساش لما تروح البيت تتصل تطمني ))..




*********************




بداخل منزل بدر الدين.......

استيقظت أفنان على صوت اندفاع باب الغرفة وهو يُفتح في عنف، يليه صوت والدته "سامية" تهدر بها في عدائية واضحة بعدما اقتحمت الغرفة دون استئذان وقامت بسحب الستائر الداكنة وفتح النافذة عن أخرها :
-(( قومي يا ست الحسن.. جوزك نزل من بدري بعد ما فطرته.. وأنتِ لسه نايمه بتدلعي ))..

فركت النائمة عينها تطرد منهم أثار النعاس متثابئة في كسل، بينما ارتمت والدته بجسدها على حافة الفراش في قوة متعمدة، فاهتز متأثرًا بثقل جسدها، قبل أن تتشدق ساخرة وثغرها يلتوي في استهانة :
-(( اللي يشوف كده يقول سهرانة طول الليل تراعي ابنها.. قومي ياختي كفاية مياصة.. بقالي أسبوعين بخدم فيكي كفاية كده.. هرجع بيتي ولا أسافر البلد أشوف حالي ))..

تنبهت كافة حواس أفنان فور سماعها حديث حماتها، وقد لقي تلميحها الصدى المطلوب في صدرها، فغاص قلبها بداخل أضلعه توجسًا من القادم، حتى ظهر هذا الرعب جليًا فوق وجهها، وكم أسعد ذلك محدثتها فأردفت تقول مهددة في قوة :
-(( ما آه عشان تكوني فاهمة وعارفة.. صبري مش دايم ولا أنتِ مرات الابن اللي مفيش منها اتنين.. في الأول قلت يتيمة وغلبانة هتعيش تحت طوعه وطوعي.. بس بدل ما تقدري النعمة يا أفنان قلبتي وحيدي عليا.. شوفي بقى ربنا مش عايز يثبت أقدامك في البيت أزي!.. وأنا اللي يرشني بالمياه أرشه بأيـــه!! ))..

اشتد الدوار بالجالسة فوق الفراش حتى شعرت به يهتز من تحتها كالزلزال، فنظرة الإصرار والشماتة المطلة من مقلتي والدته، لا تدع لها مجالًا للراحة، وفجأة ارتعش جسدها وكأن برد الشتاء هاجمها بغتة دون وجود ملاذ تحتمي به من برودته القارصة، وقد لاحظتها سامية بوضوح فارتفعت زوايا فمها بابتسامة انتصار قبل أن تترك الغرفة ككل وترحل، بينما بقي صدى كلماتها يتردد بدهاليز عقل أفنان دون رحمة.



***************************




في زمن اختلطت به المفاهيم حتى صار الخطأ صواب والناصح لئيم، واندثرت الأخلاق وأوشك الدين على الاختفاء، فانقلبت معه كافة الموازين، وأصبح الجاني والذي أمن العقاب يتباهى بخرقه الفج للقوانين، صار لا يتأذى من الانحطاط الاجتماعي سوى الصالحين...

في منتصف اليوم... أسفل البناية القاطنة بها غفران.......

هدر من خلفه يستوقفه صوت أهوج رفيع لصبي لا يتجاوز السابعة عشرة يقول مُسْتَهْزءًا :
-(( أخيرًا ظهرت يا حيلتها.. إيه يا جبان! الستات اللي بتتحامي فيهم سابوك تنزل لوحدك!! ))..

استدار مصطفى على الصوت المزعج يطالع في اشمئزاز ذلك الصبي، المتحرش الصغير والذي اشتبك معه من قبل، وقتما حاول الاعتداء على أحد ضحاياه، يقول في شجاعة :
-(( ولا.. روح شوفلك حاجة تعملها ولا درس تذاكره... أنا مش فاضي ومش هشغل دماغي بعيل أهله كسلوا يربوه زيك!! ))..

بملامح مسودة ونظرات أنتوت الغدر، تقدم الغلام من ضحيته يقول في خبث وقد تمكن شيطانه منه، فأقنعه بالثأر لكرامته وإثبات قوته :
-(الولا ده هيوريك أزاي تقف قدامه بعدين ))..

وقبل أن يعي مصطفى أو ينتبه للخديعة التي تحاك من أجله، كان الصبي وقد تجرد بكل ما يصله بالإنسانية، يُخرج من جيب سترته الداخلية سكين حاد، وبكل ما يحمله في قلبه من غل، وغرور واستهانة بما حرمه الله، أندفع مباغتًا يطعن الماثل أمامه عدة طعنات متتالية، حتى خارت جسد مصطفى وأرتمي أرضًا، وسالت دمائه البريئة النقية فوق الأسفلت أسفله، بينما عيناه شاخصتان للسماء، وقد طُعن بسكين الغدر، وما كان له من ذنب ألا إن وقف ذات مرة في شجاعة ينهي عن المنكر.....





وبعد ما يقارب الساعتين....

وبينما كانت تستعد للخروج بعد أن تواصلت مع طاهر وأخبرته برغبتها الذهاب لمنزل عمه القريب منهم وزيارته كما طلب منها في الصباح، أوقف حركتها رنين هاتفها في اتصال من مجهول، سرعان ما سألتها المتصلة بصوتها الأنثوي الجاد فور استقبالها المكالمة :
-(( ألو.. حضرتك أستاذة رحمة النويري؟! ))..

إجابتها رحمة في توجس وقد أنبئها حدسها الخاص بوجود خطب جلل ما :
-(( أيوة أنا تفضلي ))..

قالت المرأة محافظة على نفس الجدية في حديثها ولكن بنبرة متعاطفة تلك المرة :
-(( بكلم حضرتك من مستشفى ***** العام.. بخصوص الطالب مصطفى عز الدين النويري.. رقمك في طوارئ تليفونه ))..

غاص قلبها وحُبست أنفاسها تتوقع الأسوأ، وكل ما استطاعت إخراجه من حلقها هو همهمة ضعيفة متقطعة، إلى أن جاءها ما يؤكد أظلم كوابيسها وأحلك مخاوفها :
-(( آسفة جدًا.. بس هو وصل من شوية في حادث أعتداء.. البقاء لله ))





*********************





داخل صرح المناويشي..

رفع جواد رأسه المرهق من أمام المستند الهام الذي أنكب على دراسته فور وصوله بِنَاءًا على طلب ملح من رفيقه، يتثاءب في كسل وقد قضي ليلته كاملة برفقة غفران، يراجع معها كافة التفاصيل الخاصة بتلك القضية الشائكة الهامة، وكيف يمكنهم التحرك لمجابهة ذلك المسمى بأبي المجد دون التأذي وبأقل الخسائر الممكنة، ثم انطلق من بعدها عائدًا إلى منزله لتبديل ثيابه قبل الخروج مرة أخرى، لمقابلة والاتفاق مع شركة حراسة خاصة كي تتولى أمر حماية عائلته كافة ومنزل شقيقته وزوجها بالأخص، ثم ركض بعد ذلك مسرعًا إلى مقر شركتهم بعد تلقيه اتصال ملح من قريبه، يطلب منه القدوم في أسرع وقت لمتابعة ملف المناقصة الجديد، وحتى ذلك الوقت لم تذق عيناه طعم النوم وجسده الراحة، فقرر ترك ما يقوم به وتمشية قدماه قليلًا قبل أن يتفاجئ بسكرتيرته الخاصة تدلف مكتبه دون استئذان وقد اربكها الموقف، وتهتف في توتر :
-(( أستاذ جواد.. في قوة من الشرطة طالبة تقابل حض........ ))..

قاطعها دخول الشرطي المترأس المجموعة، يقول في جدية وقد تجاوزها عامدًا :
-(( أنت عبد الجواد أنور المناويشي؟! ))..

أجابه جواد في حيرة وتقطيبة جبينه تزداد عبوسًا :
-(( أيوة أنا.. خير ؟! ))..

قال ضابط الإحضار في عملية وهو يخرج من جيبه ورقة ما :
-(( أتفضل معانا.. في بلاغ متقدم فيك من القاصر نعمة فاروق ناصر.. بتتهمك باغتصابها ))..


شيماء_يوسف غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 24-01-21, 02:57 AM   #85

شيماء_يوسف

? العضوٌ?ھہ » 474730
?  التسِجيلٌ » Jul 2020
? مشَارَ?اتْي » 58
?  نُقآطِيْ » شيماء_يوسف is on a distinguished road
افتراضي

الفصل الثامن والثلاثون ❤️🔥


مررت على المروءة وهي تبكي
فـقلــت عــــــــلام تـنـتـحــب الفتــــــــاة
فقالـت كيف لا ابكي
واهلي جـمــيعـا دون خــــلـــق الله مــــاتــــــــوا..

-السيد عبد المهدي.



هناك لحظة فاصلة في حياة كل إنسان مجبر على المرور بها وكأنها ضريبة وجوده تُسمي بـ "الفراق"، ستة أحرف بسيطة قادرة على زهق روحك حتى الأعماق، وسحب بساط السعادة من أسفل قدميك دون ذرة إشفاق، فتتركنا بين العالمين جثث هامدة منطفئة نتلظى بالشوق إلى من فارقونا بينما صورتهم لا تفارق الأحداق
وليس أمامنا من حل سوي الصبر الجميل حتى وإن كان الألم لا يطاق، على أمل أن ينطوي ذاك الدهر المؤلم ونجتمع من جديد منعمين برضا الخالق وفرحة التلاق....

خيالات...
ترى كل ما حولها خيالات وأشباه وشوش غير قادرة على تحديدها، تنظر دون أن تبصر، وتسمع دون أن تعي، تشعر بالاختناق يفرض سيطرته على رئتيها وكأنها سقطت داخل فجوة عميقة بقلب المحيط المظلم، كلما حاولت الطفو يجذبها التيار إلى الأسفل، فتظل تغوص وتغرق دون أن تلفظ أنفاسها الأخيرة، فترتاح...
بينما قبضته القوية لا تفارق معصمها، يرفعها كلما سقطت، ويسندها كلما تعثرت، يعلم أنها مسألة وقت قبل أن تخور قواها تمامًا وتهوي مستسلمة لغياهب الأحزان...
يرى العجز يرخي سدوله من حوله في شعور لم يختبره مُذ حادثة شقيقه، ممزق ما بين من هلعه على من تقف بين يديه، تناظره بأحداق فارغة، وتمد يدها إليه تتلمسه وكأنها لا تراه، تتمسك به في قوة وكأنها تتوسله بطريقتها الخاصة أن يحمل عنها ما لا تُطيق حمله...
ونصفه الأخر ملتاع على رفيق الطفولة والصديق، يكاد يموت يأسًا للوصول إليه ومؤازرته، فما أن تم إخباره بحادثة شقيق زوجته من قبل مدبرة منزله وركضه مذعورًا إليها، حتى آتاه اتصال أخر مستنجدًا من محامي الشركة، يخبره بالقبض على رفيقه في تهمة اغتصاب، بعد اقتحام قوات الشرطة المبني دون احترام، وما بين الفاجعتين كان عليه اختيار أسوأهم، خصوصًا وقد اطمأن لوصول باقي أفراد العائلة وعلي رأسهم الطبيب "يحيي" إلى مقر استجواب جواد والوقوف جواره ومن قبلهم حاميته المحنكة "غفران"، أما تلك المرتجفة بين يديه، فليس لها سواه....

يشفق عليها مما يحدث ومن ما هو آت، الصدمة، الخوار، الحسرة، والغضب، شعورك بأنك فاقد الحياة بينما أنت مضطر إلى الوقوف والمحاربة، التعايش وحتى فيما يلي الابتسام، كل تلك المشاعر مر بها من قبل
وخاصةً تلك اللحظات المؤلمة، بداية من سماعك مصيبة الخسارة فجأة دون وداع، إلى مشاركة يدك في موارية جسد عزيزك التراب...

أما أسوءهم على الإطلاق، والمشهد الذي يظل محفور في الذاكرة، ويشق الروح حتى الأعماق، هي الرجفة التي تصيب الفؤاد قبل الجسد وقت الوقوف داخل ثلاجة الموتى ورؤية قطعة من قلبك ممده هناك، داخل البرد، فاقدة للحياة.......
اغرورقت عيناه بالدموع وقد عادت ذاكرته الحية تُعيد أمام عينيه كل ما حدث واستغرق منه الطويل من الوقت التعافي، هذا إن استطاع التأكيد بأنه تعافى، مخرجه من شروده صوت صراخ قادمًا من خلفهم وقد وصل باقي أفراد عائلتها من العاصمة وبدأت السيدات في العويل، فشعر على الفور بجسدها يتشنج جواره، وقبضتها الصغيرة تشتد فوق قماش قميصه، خاصةً وقد وقفت زوجة عمها أمامها، تندب الراحل وتولول هاتفه في ارتياع :
-(( آه يا وجع قلبنا عليك يا غالي.. قلبي عندك يا رحمة شيدي حيلك ))..

لم تجيبها كما لم تفعل مع غيرها مُذ وصولهم، وإن كانت حاضرة معهم بجسدها ألا أن فكرها في عالم أخر، تستند بثقل جسدها عليه، بينما بصرها شاخص نحو اللاشيء، حتى أنها لم تذرف الدموع إلى الآن، وقد جفت العبرات داخل مقلتيها المتحجرتين، فقط كان صفير أنفاسها المتزايد هو الدليل الوحيد على بقاءها في عالم الأحياء..
بينما هتف طاهر يَنْهَرهَا في قوة قاطعة :
-(( لو سمحتِ بلاش صريخ.. أنتِ شايفة حالتها مش ناقصه.. ومتنسوش أننا في مستشفى.. أي حد عايز يصرخ يكون برة بعيد عننا ))..

لوت السيدة فمها ممتعضة من حديثه في ضيق، وقبل أن يتدخل شخص أخر في الحوار، ظهر المحامي الأخر للشركة يقول في إشفاق :
-(( يا فندم.. لو الهانم مستعدة محتاجينها تتأكد من.....))..

صمت لوهلة وقد بدا عليه التردد قبل أن يضيف في خفوت، يحاول انتقاء أفضل الكلمات للتعبير عن مطلبه :
-(( المستشفى طالبة منها تأكدلهم أنه الفقيد ))..

شدد طاهر من تمسكه به ومحاوطة ذراعه لجسدها يهتف رافضًا في صرامة :
-(( لأ.. مش هتتحمل.. شوف أي حل تاني ))..

هنا تدخل عمها يسأل في حيرة وانكسار :
-(( هما طالبين إيه يابني أنا مش فاهم ))..

قال المحامي شارحًا على مضض بعدما مسح جبهته في توتر :
-(( لازم حد من عيلة المرحوم يأكد أنه هو نفس الشخص.. فمحتاحين حد يجي معانا التلاجة يشوفه ))..

يبدو أن أحبالها الصوتية قد وجدت أخيرًا طريقها للعمل، فهمست تقول في نبرة هامسة مرتعشة كسائر جسدها ولكن مصرة :
-(( أنا هدخل أشوفه.. ده حقي ))..

صفير أنفاسها أصبح مسموعًا للجميع، وملامحها شاحبة تنذر بالسقوط في آية لحظة، بينما جسدها بأكمله يرتجف كورقة في مهب الريح، أما عن نظرتها فكانت زائغة وكأنها شخص أبكم عاجز يرى أهوال العالم أجمع دون القدرة على الصراخ مستنجدًا، أو الفرار هاربًا، تحاول الصمود في الوقت الذي تأبى رئتيها فيه الانصياع لرغبتها، تشعر بأنها فقدت السيطرة على سائر جسدها، خصوصًا مع حالة الهرج والمرج التي أصابت المكان من حولها وتجمهر العائلة مع سكان الحي والأقارب الغاضبين، كل ذلك أقوى من قدرتها على الاستيعاب أو التحمل...
وقبل أن ينطق طاهر برفضه مسموعًا، كانت تسير بجسد مترنح نحو اللاوجهة، وقد خانتها ساقيها بعد خطوتين كما فعلت رئتيها، ومن قبلهم خذلتها عيناها عندما تحول كل ما حولها إلى السواد الحالك، في علامة واضحة على هبوط كافة مؤشراتها الحيوية، نتيجة لما تمر به من ضغط نفسي يفوق طاقتها، فانسحبت بكامل رغبتها إلى إغماء هادئ مؤقت عله يخفف عنها ما لا تستطيع استيعابه، مستسلمه لسكون، يشبه في ظاهره سكون شقيقها ومن يرقد مفارقًا إلى غير رجعة......



***************************


هناك أُناس، خلقوا في هذه الحياة من أجل المقاومة، لا يُسمح لهم الانكسار، ولا يجوز لهم الانهيار، وكأنهم جبال شامخة، دائمًا مرفوعي الهامات كما القمم العالية، لا يليق بهم الانحناء أو يترك لهم رفاهية البكاء....
مثلها... تمامًا.
أخذت الصدمة الأولى بنفس متقبلة، كل ما فعلته فور سماعها خبر القبض عليه هو الركض إلى مقر التحقيق الكائن به، لمعرفة التفاصيل المبدئية للحادث والوقوف على أدلة الاتهام، وجمع كافة الخيوط معا، وقد بدأ عقلها عمله على الفور في ترتيب أولوياته واتخاذ القرارات الصحيحة..
وأولها هو التنحي عن تلك القضية وإسنادها لمحامي شركته، والاكتفاء بكونها شاهد إثبات، حتى يؤخذ بشهادتها، أما ثانيًا فلديها مهمة البحث عن الجاني الحقيقي وجمع الأدلة، ولفعل ذلك يتوجب عليها مقابلة الضحية، وطبقًا للوضع الحالي لا يحتاج الأمر إلى كثيرًا من التفكير لمعرفة العراقيل التي ستلاقيها في طريقها للوصول إلى المجني عليها، ولكن لن تترك يد الإحباط تتمكن من رقبتها
خاصةً بعد ذلك الاكتشاف المذهل الذي لطمها عند معرفتها ما تورط به بسببها..
نعم هناك شيء يتعدى مفهوم وحدود الصداقة، تكون ثم أخذ يتسع ويأخذ مكانه داخل قلبها دون دراية منها، ولم تستطع فهمه سوي الآن، ومن أجله ستفعل المستحيل، حتى وإن تنازلت عن قضية الملجأ بأكملها ولا يصاب بأذي.....
هذا ما قررته في عناد وهمة مرتفعة وهي واقفة داخل الممر الضيق وأمام الباب المغلق الفاصل بينهم، تنتظر انتهاء التحقيق، والخروج لرؤيته ولو لِثَوَانٍ بسيطة.
أما ما صعقها وشل حركتها، وكاد يوقف نبضها هو نبأ وفاة رفيق الأشهر الماضية ومن اعتبرته شقيقها الأصغر، وكالقشة التي قصمت ظهر البعير، لم تستطع الصمود أكثر، كان ذلك أكبر من قوتها على التحمل، كفيضان جرف كل ما أمامه من قوة وصمود، وادعاء الصلابة، ولم يترك سوي العجز والخوار، فانهارت فوق الأرضية الشبهة بالية، تبكي وتصرخ حتى انقطع صوتها وجُرحت حنجرتها، وجفت العبرات من داخل مقلتاها، وشعرت بذراع حانية تحاوطها وتشاركها البكاء، بينما امتدت أخرى أمام وجهها لرفعها، ولم تكن تلك الأذرع سوي لصديقها "يحيي" وزوجته علياء، وقد أخبرهم طاهر في اتصال هاتفي بكل ما حدث فسارعا بالوصول إليها ومساندتها
وبعد فترة من الانهيار كانت بحاجة ماسة إليها، مسحت وجهها، ومسدت ملابسها ثم قالت في حرقة :
-(( أنا لازم أروح لرحمة.. حق مصطفى مش هيروح لو حتى هموت وراه.. الحيوان ده لازم يتحاكم ))..

مسحت علياء فوق ظهرها في حنو، بينما تحدث يحيى مُتَسَائِلاً في شجن :
-(( محتاجاني معاكي ؟! ))..

حركت رأسها نافية بعدما مسحت أخر الدموع الملطخة وجنتها، قبل أن تقول في إنهاك واضح :
-(( خليك هنا مع جواد.. علياء محتجالك.. غالبًا التحقيق مش هيخلص قبل بليل.. ومش محتاجة أقوالك تهم الاغتصاب بيحصل فيها إيه.. وأنا هروح المستشفى اطمن على رحمة هناك وبعدها هطلع على النيابة أشوف الإجراءات عشان نسرع عملية الدفن ))..

قاطعها معترضًا على مضض :
-(( بس أنتِ عارفة استحالة تاخدي تصريح دفن دلوقتي.. ده قتل يا غفران عن عمد ومع سبق الإصرار والترصد.. يعني في طب شرعي وإعادة تمثيل الواقعة وأدلة وتشريح جثة.. كل ده قبل الدفن.. وخصوصًا أن القضية اتعرفت في الساعتين دول ومش بعيد بكرة ولا بعده تبقى رأي عام ))..

أجفل جسدها بقوة فور سماعها جملة "التشريح" ولكنها سرعان ما تماسكت وقالت في إصرار :
-(( أنا هامشي في كل الإجراءات التي تجيب حقه.. مهما كانت صعبة وطويلة.. ومش هرتاح غير لما اللي عمل فيه كده ياخد جزاءه ))..



*****************************


داخل إحدى المشافي الخاصة والقريبة من المشفى العام.....
وقف طاهر بالقرب من حافة الفراش الطبي، يتابع عمل الطبيب الأربعيني في يقظة تامة، حيث عيناه الحزينة لا تفوت شيء مما يقوم به، وذلك بعدما قام بنقلها عند فقدانها الوعي إلى مشفى خاص، بعيدًا عن فوضى المشافي العامة وما يحدث فيها، حتى تنعم بالرعاية الصحية المطلوبة أولا، وتبتعد عن الضغط العصبي الناتج من كآبة فاجعة شقيقها والجمع المتجمهر ثانيًا....
ويا لها من من أيام ثقال على القلوب بانتظارهم، فقط كل ما يرجوه أن توّفق في تجاوزها كما فعلها هو من قبل
نعم، يعلم جيدًا أنهم على أعتاب دخول نفق مظلم، وعليه المقاومة من أجل إنارة عتمة قلبها والخروج بهم من تلك المحنة سالمين، فالحزن المطلق كما الفرح المطلق لا يدوم، بل هي أيامًا دول، كل ما عليه فعله هو الصبر معها وعليها، كما قال تعالى في كتابه الكريم "وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ" .....
كلمات أوصى نفسه بها قبل أن تفلت من حنجرته تنهيدة أسى مطولة، قاطعها صوت الطبيب يقول في إرهاق واضح :
-(( أحنا عطنالها حقنة مهدأة.. هتنيمها لحد بليل.. ولو فاقت لسه منهارة ههديها واحدة تانية للصبح وهكذا زي ما حضرتك طلبت.. وبالنسبة لجهاز التنفس أظنه ضروري لحد ما التوتر يروح ونفسها ينتظم من نفسه.. ونصيحة أخوية مش من طبيب.. أظن المدام هتحتاج دكتور نفسي لما تفوق ))..

أسبل طاهر أهدابه نحوها، يناظر ذراعها الممدود بجوار جسدها المرخي بلا حول ولا قوة وتلك الإبرة الطبيبة المغروزة بداخل كفها الضعيف، ثم ارتفعت عيناه إلى قناع التنفس الصناعي الخافي أسفله نصف وجهها تقريبًا، قبل أن يقول في غم :
-(( إن شاء الله وشكرًا لنصيحة حضرتك ))..

أومأ الطبيب برأسه مودعًا قبل الخروج من الغرفة، وتبعته الممرضة بعدما انتهت من عملها، وبقي هو وقد أتخذ من حافة الفراش مجلسًا له، ثم أخذ يمسح على وجهها الشاحب، والشبه فاقد لمعالم الحياة، يتذكر منذ نصف ساعة عندما استفاقت من إغماءها صارخة في هيستريا، تظن أنها بداخل كابوس وليس حقيقة، وكم حاول تهدأتها دون فائدة، الأمر الذي أجبره على اقتراح فكرة المنوم من أجلها، فخلال الثلاث ساعات الماضية مرت بأكثر من أربعة نوبات تنفسية، يخشى من رد فعلها عندما تستيقظ ولكنه ينوي الاستمرار في فصلها عن العالم الواقعي على الأقل حتى تنتهي أيام الحداد الأولي...
مقاطعًا شروده صوت رفيقتها "غفران" تهتف في غصة معلنة عن وصولها، وقد جاءته كالنجدة عندما هاتفته منذ قليل تخبره بقرب قدومها إليهم وتطمئن منه على حالة رحمة، فكم تتمزق نفسه لمعرفة ما يحدث مع صديقه ومن هو بمنزلة أخيه :
-(( طاهر... رحمة كويسه ؟! ))..

استدار يواجهها بعدما انتصب واقفًا بجسده المتشنج، ثم قال في شجن :
-(( الدكتور عطاها حقنة مهدئة.. عشان من شويه فاقت منهارة.. بس دلوقتي نايمة وهتفضل كده فترة.. أظن ده أحسن لها ))..

قاومت غفران بشدة نفسها من الانهيار ثانية، ورغم ذلك لم تستطع منع نبرتها من الخروج ممتلئة بالدموع وهي تقول في حسرة بعدما جلست فوق الأريكة الصغيرة الموضوعة بداخل الغرفة :
-(( أنا مش عارفة أستوعب لحد دلوقتي اللي حصل.. عقلي واقف وعاجز عن أني أعمل أي حاجة ))..

هز رأسه مشاركًا إياها إحساس العجز، فهو شَخْصِيًّا يشعر وكأنه مكبل من جميع النواحي، أينما أراد الذهاب تأبى قدماه مسايرته، فسار حتى أتخذ من جوارها فوق الأريكة مقعدًا، ثم قال في هدوء :
-(( أنتِ بالذات مينفعش عقلك يقف.. أومال مين اللي هيخرج جواد ويثبت براءته زي ما عرف يخرج رحمة قبل كده ))..

رفعت رأسها تطالع ابتسامته الباهتة المشجعة في ذهول ولأول مرة ترى نظرات الفخر في عينه، نعم تلك
هي نظرته بها من البداية إلى النهاية، حانت منه التفاتة خاطفة إلى زوجته المسجاة فوق الفراش في سكون، ثم عاد بنظره مجددًا إلى رفيقتها، فكلاهما محاربتان بطريقتهما المختلفة، ويعلم أن غفران قادرة على عبور الأزمة بجواد، كما رحمة قادرة على اجتياز محنتها بمساعدته، بينما سألته غفران في شك :
-(( تفتكر هقدر؟!.. ))..

قال مشجعًا في ثقة :
-(( معنديش ذرة شك.. قوليلي محتاجة إيه وأنا تحت أمرك ))..

مسحت وجهها ثم أجابته مفكرة في عزم، وقد لاقت كلماته الصدى المطلوب بداخلها، فعادت روح المحاربة تتلبسها من جديد :
-(( محتاجة أقعد في هدوء وأعيد ترتيب أفكاري ))..

بلعت لعابها ثم قالت في إقدام وعيناها مسلطة فوق جسد صديقتها :
-(( لازم نكون أقويه عشانها صح.. على الأقل مفيش حاجة تبرد ناري ونارها غير القصاص ))..

فركت جبهتها في عنف وكأنها تستدعي أفكارها وتحثها على الخروج، ثم وبعد دقائق من الصمت همهمت تقول في جمل مدروسة منظمة :
-(( بالنسبة لقضية مصطفى.. في الكام ساعة دول الحادثة غرقت السوشيال ميديا.. يعني مسألة وقت قبل ما النائب العام يتحرك ويحولها لقضية رأي عام.. وبكده هيمنع النشر فيها.. بس لازم عشان نضمن استمرار التحقيق العادل نضغط بالجمهور.. هحتاج هنا مساعدة جنب الجمعية بتاعتنا ))..

أومأ طاهر بعينيه موافقًا فأردفت تقول في فتور غلف نبرتها رغمًا عنها :
-(( للأسف الولد قاصر.. فأقصي عقوبة هتكون الحبس في الإصلاحية.. وده القانون مهما حاولت مش هعرف أغيره.. بس إن شاء الله هياخد أغلظ عقوبة تريح قلوبنا شوية.. وطبعًا الولد أتقبض عليه لأنه نفذ جريمته في وسط النهار.. غير أن الحادثة ليها شهود وكلهم أجمعوا على أسمه وأحتمال كبير يكون سلاح الجريمة ببصماته لأنه مش محترف يعني الجزء ده منتهي.. الموضوع ماهو ألا إجراءات روتينية أنت مريت بيها من قبل وعارفها ومش متوقعة ناخد تصريح دفن دلوقتي خالص.. كل اللي قلقانة منه هو ضغط عيلة الولد للتفاوض أو الفدية وغيره.. بس نيابة عن رحمة وباعتبارها موكلتي أنا مستحيل أرضي بحاجة غير السجن.. ومظنش بنفوذ عيلتك يا طاهر حد ممكن يساومنا هعتمد عليك في الجزء ده ))..

ردد يقول في فخر :
-(( كلهم وراكِ وورا رحمة متقلقيش ))..

همست تعقب في راحة :
-(( عظيم.. وأنا هنزل كمان شوية النيابة أتابع سير القضية من دلوقتى وهحتاج توكيل في أقرب وقت.. نيجي بقي للأصعب ))..

ضرب قلبها داخل أضلعها واختنقت معه نبرتها، قبل أن تقول في قلة حيلة :
-(( أبو المجد لفق قضية الاغتصاب لجواد عشان أبعد عن طريقه وأسكت على اللي بيعمله.. ومفيش قدامنا غير حلين ))..

سألها طاهر في ترقب، وقد ضاقت المسافة ما بين حاجبيه :
-(( إيه هما ؟! ))..

ردت في بساطة :
-(( أديله كل الورق اللي معايا وأبعد عنه.. وده يتنفذ حالًا وساعتها البنت هتتنازل طبعًا وجواد مش هيتعرض للمحاكمة.. يا أحاول أثبت براءته وأخرجه ))..

بدا على طاهر عدم الاقتناع بالفكرة الأولى من رد فعله المبدئي، وأكد ظنها قوله عندما سأل في توجس :
-(( والحل التاني صعب! ))..

زفرت في عجز، ولن تنكر إحساس الخوف المتملك منها منذ سماعها خبر اعتقاله، تخشي حقًا المخاطرة به، فهو دونًا عن الجميع خط أحمر تتراجع عنده كافة مخططاتها في مقابل سلامته :
-(( طاهر.. قضايا الاغتصاب مختلفة.. القانون فيها صارم ومفيهوش تهاون.. والمتهم بيتعرض للمحاكمة على طول من غير إطلاق سراح، يعني لو مشيت في طريق إثبات البراءة جواد هيفضل محبوس لحد يوم المحكمة.. وده اللي أنا مش عارفة أتقبله.. غير أنها بتكون سريعة ووقتها ضيق اخاف ملحقش أجمع أدلة ))..

لم يتجاوز هو الأخر شعور القلق الذي أخذ يتسلل إليه من حديثها، فقد كان يظن أن الأمور أسهل من ذلك بكثير، بينما أردفت تضيف في لوعة :
-(( أنا سبت محامي الشركة اللي وصل معاه يتولى القضية.. وأنا هتابع من غير ما أظهر في الصورة.. أنا عرفت من مصادري أن الواقعة حصلت إمبارح بليل.. في الوقت ده جواد كان عندي وفي كام حد من الجيران شافه وأتكلم معاه.. يعني هكون شاهدة إثبات مع الباقي.. وهحاول أوصل للبنت أقنعها تتنازل.. أظن أنها خايفة من أبو المجد ولو اطمنت ممكن تقولي كل الحقيقة.. غير أني هطالب بعمل تحليل dna عشان نعرف هوية المغتصب ولو طلعت مش مطابقة جواد يخرج.. بس عشان متحطش أمل معرفش هنجح ولا لأ ))..

سألها طاهر في إحباط :
-(( ليه بتقولي كدة.. ما بكلامك واللي فهمته حجة الغياب تقدر تخرجه.. صح ولا أنا غلطان ))..

أجابته في حيرة مقطبة الجبين :
-(( تقدر.. بس قلقانة.. خايفة حاجة تقع مني وتكون حياته التمن يا طاهر.. خايفة أخاطر بيه.. فاهمني ))..

لن يستطيع الإنكار بأنه هو الأخر يراوده نفس الشعور، فيبدو أن القضية مُحكمة التفاصيل كلعبة الشطرنج في نهايتها، وأي حركة خاطئة قد تُكلف الملك حياته؛ لذا بعد فترة لا بأس بها من الصمت كلًا غارق في أفكاره، كان طاهر هو أول من قطعه عندما قال يُنهي حيرتهم :
-(( أنا هسيب القرار لجواد.. في الأخر القضية بتاعته فسبيني أتكلم معاه وأعرف مستعد لإيه ووقتها نرتب أوراقنا. بس أنتِ حاولي تمشي في كل الاتجاهات سوا.. ودلوقتي خليكي مع رحمة هروح اطمن عليه وعلى عمي والعيلة وأشوف المحامي وأرجع.. وكده كده بلغت البلد باللي حصل وعلى أخر اليوم هتلاقيهم واصلي.... ))..

قاطعه رنين هاتفها، فسارعت تجيب في لهفة وتستمع إلى حديث المتصل، ثم وبعدما أغلقت الهاتف همست تبلغه في إكتراب :
-(( التحقيق خلص.. جواد اتحبس ١٤ يوم على ذمة التحقيق.. ويحيي بيقول أنه رفض يديهم حجة غياب.. كل اللي قاله أنه كان في مشوار ضروري لحد الصبح ))..

سألها طاهر في غضب، حيث انتفض من جلسته وراح يذرع الغرفة في تشنج :
-(( مشوار إيه ده اللي كان فيه ومش عايز يقوله ويخرج نفسه ))..

اجابته من بين دموعها المنسكبة :
-(( كان عندي.. إمبارح حصل اعتداء من رجالة أبو المجد على شقتي.. وجواد لما عرف جالي وفضل قاعد معايا للصبح.. أنا الغلطانة وكله بسببي عشان مردتش أبلغ البوليس فهو صمم يقعد معايا ))..

توقف طاهر عن الحركة، ثم أستدار برأسه ينظر إليها قبل أن يقول في دهشة :
-(( عمل كده عشان يحميكي ويساعدك!! ))..



*************************


بعد مرور أسبوع....

بداخل غرفتهم الخاصة بمنزل المناويشي....

انقضت سبعة أيام كاملة وهي بتلك الحالة المزرية، تعتزل مظاهر الحياة وترفض استقبال الجميع ألا من "يحيي" طبيبها القديم والذي حرص على زيارتها يَوْمِيًّا وحثها على الحديث دون كلل أو ملل على الرغم من تجاوبها الشبه معدوم معه، ثم ومن بعد رحيله تعود إلى سيرتها الأولى، غالقة الباب في وجه الجميع حتى مدبرة منزله، وتظل جالسة فوق الفراش، شاخصة البصر، زاهدة في صحبة البشر، صامتة بينما قلبها لا يتوقف عن الذكر والدعاء، تقضي يومها بالتناوب بين الذكر وقراءة القرآن، إلى أن يحين موعد عودته، وقتها تتسلل إلى ذراعيه وتبكي في صمت حتى يغالبها النعاس فتغفي بين يديه وقد بللت دموعها صدره...

وكعادته منذ الحادثتين دلف طاهر أخر الليل الغرفة يجوبها بعينيه بحثًا عنها، حيث يُمضي نهاره ما بين العمل ومتابعة القضيتين، ويعود مَسَاءًا منهك القوى لا يقو سوى على تهويدها بيده وكلماته الحانية حتى تهدأ نوبات بكاءها، فينام هو الأخر ضائق الصدر، معلول الفكر مما أصابهم...
أما الليلة فوجدها جالسة فوق الأرضية مجاورة جانب الفراش وليس فوق أريكتها المفضلة، مستندة بظهرها عليه، فسار حتى وصل إليها وجلس أمامها دون كلام، مخالفًا بذلك العادة، حيث كل مساء ومن بعد عودته وتبديل ملابسه يبدأ في سرد أحداث يومه وأخر مستجداته إليها، فحتى وإن امتنعت عن التعقيب، يكفيه لمعة عينيها المرتاحة التي تضوي ولو لِثَوَانٍ معدودة فور رؤيتها له قبل أن تعود لخمودها مجددًا، وكأنها ترحب به بطريقتها الخاصة، بل وتحثه على مشاركتها الأخبار، أما هذه الأمسية فلم يملك جديد يُذكر ليشاركها إياه؛ لذا اكتفى بالجلوس والتربع أمامها، يتأمل ملامحها الباهتة، وقد اتشحت بالسواد كاملًا ورغم ذلك لم تقل زهوتها في عينيه، بل كانت كالقمر الخاسف، كل ما يحتاجه هو بعض الوقت ليعود سحره اللامع إليه من جديد..
بينما أغلقت هي المصحف فور جلوسه قبالتها، بعدما صدقت وتوقفت عن القراءة ووضعته فوق المنضدة الملاصقة للفراش، ثم وللمرة الأولى منذ أيام تحدثت تسأله في خفوت :
-(( أنت كنت حاسس ناحيتي كده؟! ))..

ناظرها مطولًا يلاحظ مقاومتها للنهوض وتلك اللمعة الخافتة بعيناها وكأن مقلتيها آتون منطفأ تجاهد للاشتعال من جديد، كل ما تحتاجه هو الوقود المناسب، ليس فقط عيناها بل كلها، تحارب للطفو على السطح فيبدو أنها قد سأمت أخيرا من القاع، وبعدما تنهد مطولًا فيما يشبه الارتياح، ومد أحد ذراعيه يحتضن كفها، همس يستفسر في إنهاك :
-(( حاسس بأيه؟! ))..

ضغطت فوق شفتيها في عنف بالتزامن مع تقطيبة جبينها، تمنع سيل دموعها الغير متوقف مُذ إفاقتها من الجريان، وقد تقرح جفناها وتشوشت الرؤية من خلف عدستاها، ثم قالت مفسرة في بكاء مرتعش :
-(( الكره ده كله.. زي مانا حاسة ناحيته ))..

علم على من ترمي بحديثها وهاء الغائب، فحرك رأسه عدة مرات على مضض ولأول مرة تلاحظ بعدما نظرت بداخل عيناه الحزن الكاسي ملامحه، والهالات المحتلة أسفل جفونه من كثرة السهر وقلة الراحة، وأخيرًا إرهاق كلي لا يخفى على ناظر، بينما همس يقول في غصة بعدما ابتلع لعابه في قوة فتحركت على أثرها تفاحة آدم بداخل عنقه :
-(( صدقيني أكتر بكتير.. الكره ده أقل حاجة حسيتها ناحيتك وقتها ))..

أشاح بوجهه بعيدًا عنها، وكأنها بسؤالها البسيط، أعادت إحياء كل تفاصيل اَلْمَاضِي الذي يحاصره منذ وقوع حادثة شقيقها أينما ذهب، ويأبى تركه ألا بعد نفخه الحياة في ألمه المدفون كي يكتوي بنيرانه من جديد.....
وها قد نجح في النهاية، فصور شقيقه المحفورة بذاكرته لا تنفك تومض واحدة وراء الأخرى، ليس فقط صورته وهو مفارق الحياة شاحب الوجه، بل ما قبل ذلك بكثير، طفولتهم ومراهقتهم، أحزانهم قبل أفراحهم، ضحكاتهم وجدهم وهزلهم، كل ذلك عاد يضربه دون رحمة، وبعد دقائق طويلة من الصمت المثقل، صمت نابع من عدم الرغبة في الحياة، همس يقول في حشرجة :
-(( أنتِ عارفة أن لحد دلوقتي مبكتش عليه.. كتمت ناري جوايا وسكتت.. أصل عندنا الراجل مايبكيش.. عودونا وروبونا على كده وأنا مبكتش.. اتاهيت في كرهك.. ومن بعدها اتلهيت في الشغل.. وبعدهم دخلتي غصب عني حياتي ))..

صمت وقد تمكنت الدموع بشكل تام من نبرته، فتوقف حتى يسيطر عليها ويمسح في الخفاء بطارف أصبعه ما يفلت عنوة، قبل أن يضيف بابتسامة ألم :
-(( عارفة.. من الحاجات الغريبة أن عمرو كان دايمًا يقولي ربنا يوعدك بواحدة تلهيك عني.. ومع الأيام وفي عز كرهي ليكي كنت بشوف نفس النظرة اللي خارجة من عيونك دلوقتي.. وكأنك بتقولي أنا آسفة.. أنا عذراك.. كل الكره اللي في قلبك ده من حقك.. حتى لما كنتي بتقفي قصادي صوتك كان يقول حاجة.. ونظرتك مش بتقول غير معلش.. كل ده انشغلت بيه عن فراقه وبعد شهور وأنا ملهى بيكي وليه بتعملي كده اكتشفت أن ده تدبير ربنا عشان الأيام تعدي وأنسى.. فاصبري وادعي ربنا وأكيد هيبعتلك اللي يلهيكي عن الحزن ))..

ارتفعت زاوية فمه بنصف ابتسامة ساخرة، مجيبًا وكأنه يهزأ من حاله :
-(( وفي الأخر واضح أن دعوته اِسْتَجَابَتْ.. كنت فاكر أن قصده اتلهي عنه وعن جنانه وهو جنبي مش وهو تحت التراب ))..

رفعت ذراعها تضغط بكفها فوق موضع قلبه متسائلة من بين دموعها التي لا تتوقف عن السقوط :
-(( ولو اتلهيت.. هنا في أمل يرتاح؟ ))..

حرك رأسه بلا هدف، بينما غصة مؤلمة تحشر الكلمات في حلقه، يحاول ابتلاعها مرات ومرات حتى نجح في النهاية في إخراج نبرة متهدجة مريرة :
-(( الناس في الحزن نوعين.. في اللي بيصرخ ويعيط.. وفي اللي بيكتم ناره جواه.. اصرخي مادام قدامك فرصة.. متبقيش زي طاهر ))..

ومضات اَلْمَاضِي أرهقته واستنزفت روحه عن أخرها وكانت كلماته تلك هي أخر طاقته للحديث فصمت بعدها، أو ربما هو جرح غائر، التأم على تلوثه فلم يشف، بل ظن يئن منتظرًا اللحظة المناسبة للنزف مجددًا، وكأنها شعرت بعجزه عن استئناف الكلام ففتحت ذراعيها على اتساعهما، تدعوه بينما دموعها تتناثر مع ذرات الهواء ولا تدري أتبكي من جرحه أم جرحها، أم تشابهت الجراح فصارت واحدة...
كل ما علمته أنه يحتاج إلى حضنها كما احتاجت كلها إليه، وإما الآن والفرصة قائمة أو سيظل طوال عمره يتلظى بنيران حسرته، فهمست تحثه من بين شهقاتها الملتاعة :
-(( أبكي.. أصرخ ومتبقاش زي طاهر ))..

كانت لحظة غريبة بينهم، شيء عميق يتشاركانه، وكأن إحدهما خلق كي يشد من أزر الأخر، يدعمه ويواسيه وينصهر بداخل حاجته متناسيًا حاله، وعندما استجاب لها وأرح جبينه فوق صدرها وطوقته ذراعاها، انهارت كل حصون مقاومته، وأخذ ينشج في بكاء شديد، بينما جسديهما يهتزان سَوِيًّا في عنف وقد اختلفت الأعين وتماثلت المرارة واختلطت الدموع معًا حتى استكان بين ذراعيها منهك القوى ولكن، يشعر وكأن حمل ثقيل حمله لأشهر، قد انزاح من فوق صدره.


************************


بداخل شركة المجد...
ضربت الباب بقدمها، قبل أن تقبض بكفها المتشنج على مقبضه وتدفعه مقتحمة الغرفة دون استئذان، بينما سكرتيرته الخاصة تركض من خلفها بقدر ما تسمح لها تنورتها الضيقة وحذائها ذو الكعب العالي، هاتفة في نزق :
-(( يا فندم ميصحش كده أبدًا.. على الأقل سبي....... ))

أصمتتها غفران بنظرة نارية محذرة من عينيها قبل أن يفعل هو، ذاك الملقب بأبي المجد، عندما أشار بكفه إلى المساعدة يطلب منها في لامبالاة الانصراف، ثم اتكأ بظهره فوق المقعد المريح يضع ساقًا فوق الأخرى في وقاحة زائدة يتعمد بذلك استفزازها، هي من اندفعت بجسدها تخبط في عنف حافة مكتبه وتصرخ مهتاجة في لهجة تحذير قوية :
-(( طلع جواد من حسبتنا.. وألا.... أقسم بالله هتشوف واحدة تانية غير اللي قدامك.. ويا روح ما بعدك روح.. سامعني! ))..

اتسعت ابتسامته السمجة بالتزامن مع تمرير عيناه فوقها، يعترف بإخطاءه في حقها وانتقاصه من قدرها، ففي البداية كان يراها "أنثى مسترجلة" بشعرها القصير وملابسها الخالية من حُلي النساء المعتاد، أما الآن وبعد بضعة أشهر من الصمود أمامه، يراها محاربة كما الساموراي، تقف مدافعة عن كل عشيرتها دون أن يرف لها جفن، أو تُحني لها هامة، وكم يتمنى امرأة مشابهة في حياته، فقط لو تتعلم عدم حشر أنفها فيما لا يعنيها وتتركه يمارس عمله كيفما ارتأى، أو لو فُتح بينهم باب تفاهم، لحرص بعدها كل الحرص على وصل الود، فمحظوظ من تقع تلك الشُجاعة من قسمته، ويا له من خاسر من يفرط بها بعدما أضحت في عصمته....
وبعد فترة من الصمت انتهى خلالها من تأملها، قال في نبرة ساخرة أجشة :
-(( وهو أستاذ جواد.. بقي الروح! ))..

عزيمتها لا تقل عن نظرتها الثائرة، ولن تتواني في التكشير عن أنيابها والتهامه حَيًّا كما انتوت، وعند تلك الفكرة تذكرت سبب وجودها فقالت في هدوء نسبي ونبرة جدية جامدة :
-(( أنا مش غبية عشان معرفش أنك السبب ورا تهمة الاغتصاب الكيدي.. وإن البنت اللي أنت مخبيها عني عشان معرفش أوصلها كانت من بنات الملجأ.. فلخص وقول عايز إيه مقابل تنازلها عن اتهام جواد ))..

انتفخت أوداجه شاعرًا باقتراب خلاصه؛ لذا قال في اندفاع :
-(( بيقولوا عنك ذكية يا أستاذة.. ومش محتاج أقولك.. إنك تحلى عني وتديني كل نسخ الأوراق اللي جمعتيها ضدي.. مقابل حريته.. لا مقابل أني أنسى وجوده خالص ))..

قالت مماطلة في حنكة :
-(( وإيه يضمنلي أن بعد ما أنفذ اللي طلبته متخلاش بيا.. أضمن منين أنك تتنازل عن البلاغ الكاذب ضده وهيخرج منها قبل المحكمة؟! ))..

أجابها بعدما حك بنصره بجانب وجهه في تفاخر لا يليق به :
-(( أحنا ولاد بلد يا اوستاذة.. وكلمتنا وعد وسيف على رقابينا ))..

صمتت لوهلة ثم قالت مساومة بعدما تفرست ملامحه تقرأها وتستبين نيته الحقيقة :
-(( موافقة بشرط. تقدم الجاني الحقيقي للمحكمة.. وكده عدل ربنا ))..

هتف متراجعًا في ذعر بعدما اعتدل في جلسته ملتاعًا ورفع كلا كفيه أمام وجهها :
-(( لا يا اوستاذة مقددرش.. لحد هنا واستوووب.. ده راجل تقيل ونروح كلنا في داهية لو اتجاب في الرجلين.. ليكي عليا اخرج حبيب القلب.. وبس ))..

حركت لسانها في جوانب فمها مدعية التفكير، ثم ردت متراجعة في ثقة :
-(( كده اتفاقنا ملغي.. ونتقابل في المحكمة.. سلام ))..

استدارت بجسدها عنه سائرة حتى باب الخروج، قبل أن يوقفها صوته يقول ساخرًا :
-(( وماله.. طلعيه لو عرفتي.. بس على حساب سمعتك ))..

التفت برأسها تناظره في توجس، بينما أردف يقول محذرًا إياها بصوته الرجولي الخشن :
-(( أنا مش بتاع لب يا أستاذتنا.. والمحاميين اللي قاعد بدفعلهم بالشيء الفلاني دول مش زينة.. أنا عارف انك هتحاولي تطلعيه بجحة الغياب.. مش الباشا برضه كان بايت عندك ساعة الحادثة ولا إيــه ))..

ضغط فوق حروف كلمته الأخيرة يعطيها الأهمية المطلوبة، قبل أن يضيف في تهكم :
-(( شوفي بقى لما يعترف أنه كان عندك.. والبلد كلها تعرف أن سليل عيلة المناويشي.. كان بيقضي ليلة حلوة مع المحامية المطلقة في بيت مأجراه لوحدها.. خبر حلو مش كده؟!.. أصل أعرف أن عيلة المناويشي دي بيحبوا الحرام أوي.. ماهو ماتلهم واحد قبل كده وهو........ ))..

ترك جملته ناقصة عن قصد، يراقب ملامح وجهها وقد استحالت للصفار، ثم اضاف أخيرًا بعدما اشاح لها بكفه كي تغادر في أزدراء واضح :
-(( قدامك يومين.. يا الأوراق بكل النسخ تكون عندي.. يا نتقابل في المحكمة.. وبعد الفضحية.. سلام يا قطة )).



**************************



بداخل غرفة وكيل النيابة....
وبعدما نجحت في الحصول على تصريح زيارة مشترك، أخذت تذرع الغرفة ذهابًا وإيابًا في عصبية واضحة، وهي تفرك كفيها معًا في توتر وغيظ، بينما وقف طاهر يستند بجسده على حافة المكتب الخشبي يراقب ما يحدث في صمت، وجلس هو "جواد" في لامبالاة، يتابع غضبهم غير المبرر وجهة نظره، غاضض الطرف عن نظراتها البركانية التي ترمقه بها كلما تلاقت أعينهم، حتى يأست من صمته، فصاحت تقول في حنق :
-(( أنت بتعاند معايا ليه!!.. لو مش خايف على نفسك.. أشفق على باباك اللي هيموت نفسه عشانك يا أخي.. أشفق على مامتك وعلياء ومن قبلهم لينة.. ما تقول حاجة يا طاهر أنت كمان!! ))..

حرك طاهر كتفيه في عدم اهتمام كعلامة على عدم نيته المشاركة في الحديث، بينما أجابها جواد في هدوء جعلها تستشيظ غضبًا من برودته :
-(( قلتلك مش هجازف بسُمعتك مهما حصل.. أنا مش عيل وكنت عارف داخل على إيه لما صممت أساعدك.. يبقي مش من أول جولة هنخاف ونرضخ للي عايزه.. ولو قلتي كان معايا أو جبتي بكده شهود هنكر ))..

همست تتوسله وقد اختنقت نبرتها بالدموع يأسة من عناده وصلابة رأسه :
-(( جواد الموضوع مش لعبة.. أبوس أيدك افهمني.. عقوبة الاغتصاب بإعدام أو مؤبد والتقرير الطبي مش في صالحنا بعد ما نجحوا انهم يخفوا أثار الجاني الحقيقي والdna بتاعه.. يعني احنا اتحاصرنا واللي بنتكلم عليها دي روحك.. تفتكر روحك ولا سُمعتي؟ ))..

هنا تدخل طاهر وقد هالته نبرتها الباكية وانتقل إليه تباعًا خوفها الظاهر من توترها وخلف كل حركة صادرة منها :
-(( جواد.. غفران عندها حق.. حياتك مش لعبة.. يا أنا هروح أسلم الأوراق ليه بنفسي يا تسيبها تشوف شغلها وتثبت حجة غيابك بيها وبالشهود وتخرج.. كفاية أنك مرمى هنا من غير ذنب بقالك أسبوع.. وعيلتك برة ربنا العالم بحالتها ))..

صاح جواد يقاطعه في نبرة عدائية واضحة بعدما انتصب واقفًا بجسد متصلب :
-(( والحل إيـــه!!.. اسيبه يتهمها في شرفها!.. أنت عقلك مستوعب اللي لسانك بينطقه! دي بتقولك هددها بحادثة عمرو الله يرحمه وأنه هيفضحها.. وأنا مش هسمح بكده مهما كان التمن.. أكيد في حل تاني.. مش معقول عيلتنا دي كلها مش عارفة تقف قصاده ))..

هتف طاهر من بين أسنانه يعقب في قسوة :
-(( وأنا مش هجازف بيك.. تخرج منها وبعدين نقف قدامه بقوتنا.. مش هتحرك طول ما روحك تحت ايده فااااهم ))..

توقف جواد بجسده أمامه، هاتفًا هو الأخر في عنف وكأنه صراع أسود، يرفض كلاهما التقهقر أو التراجع عن موقفه :
-(( وأنا كلامي مفيهوش رجوع.. غفران برة الحسبة ))..

دائمًا ما كانت تتفاخر بقدرتها على إيجاد الحلول، وإلى الآن وفي أهم المواقف لم يخذلها عقلها في ذلك، حيث اهداها فكرة بسيطة، قادرة على إخراجهم من ذلك المأزق، جريئة نعم ولكن عملية؛ لذا همست تقول في إصرار بعدما سحبت نفسًا عميقًا تستجمع به شجاعتها :
-(( اتجوزني.. دلوقتي وحالًا قبل المحكمة.. وبكده هنحمي سمعتنا أحنا الاتنين ))..


شيماء_يوسف غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 31-01-21, 05:54 PM   #86

شيماء_يوسف

? العضوٌ?ھہ » 474730
?  التسِجيلٌ » Jul 2020
? مشَارَ?اتْي » 58
?  نُقآطِيْ » شيماء_يوسف is on a distinguished road
افتراضي

الفصل التاسع والثلاثون ❤️🔥

يا من يفكر في صمتٍ، ويتركني
في البحر أرفع مرساتي وألقيها
ألا تراني ببحر الحبّ غارقةً
والموج يمضغ آمالي ويرميها
انزل قليلًا عن الأهداب يا رجلًا
ما زال يقتل أحلامي ويحييها.

-نزار قباني.


في هذه الحياة يهب البعض منا القدر ولمرة واحدة في العمر، فرصة لا تقبل التعويض، من ذلك النوع القادر على تغيير مجرى حياتنا نحو الأفضل، ووضع كل شيء في نصابه الصحيح، يقتنصها المجازف فائزًا بها، ويقف مترددًا أمامها الضعيف، ثم يمضي باقي حياته في رثاءها، يتمنى لو يُعاد به الزمن فيحسن وقتها التصريف...

ظل صدى اقتراحها يتردد في الأركان الصامتة من هول الدهشة، كما يتردد صدى القطعة المعدنية وقت ارتطامها بأرضية القاعة الفارغة، لا شيء سوي طنين أخذ في الخفوت حتى تلاشي تمامًا وبقت نظراتهم المستغربة هي العلامة الوحيدة على سماعهم اقتراحها، قبل أن يقرر "طاهر" إنهاء ذلك الوضع المحرج والخروج منه بالحمحمة أولًا، ولن ينكر أبدًا حالة القبول التي سرعان ما انغمس بها كليًا، ثم راح عقله يتخيل رد فعل زوجته وفرحتها بذلك النبأ والذي ربما يُخرجها من حزنها الشديد، مقترحًا بعدها في تفكير :
-(( الفكرة ممتازة وتحل المشكلة فعلًا.. بس ناقصها شوية تظبيط ))..

سألته غفران في حيرة متجنبة النظر إلى ذلك الواقف قبالتها يطالعها في صمت ويجاهد في كبت ابتسامة سرعان ما عانقت ثغره، تزداد اتساعًا في علاقة عكسية مع تراجع شجاعتها بعد تفوهها بفكرتها الحمقاء، وما زاد ارتباكها وجزء لا يُستهان به من ندمها، هو امتناعه حتى الآن عن المشاركة أو التعقيب، بينما أجابها طاهر يقول في فراسة :
-(( أظن ومن الأفضل نخلي كتب الكتاب بعد المحكمة على طول.. لأن ممكن محامي الخصم يطعن في صحة شهادتك بما أنك مراته محدش ضامن ألاعيبهم إيه.. يبقي الأحسن نجهز كل الأوراق حتى التوقيع وتبقى على صيغة عقد القران.. ومتقلقيش يوم المحاكمة الصبح هنزل خبر في كل الجرايد بزواجكم رسمي.. وكده نقطع الطريق على أبو المجد في أي حركة.. كل اللي عليكي بس تطلعيلنا الباشا ده من هنا ))..

أنهى حديثه بالربت على كتف جواد، والذي يبدو بأنه اكتشف أخيرًا الصلة الوطيدة بين اهتزاز أحباله الصوتية وخروج الصوت منها، فهتف يتساءل في اعتراض :
-(( وتفتكر عيلة غفران هتقبل باللي أنت بتقوله ده؟!.. إنهم يجوزوا بنتهم بالطريقة والسرعة دي لواحد محبوس على ذمة قضية اغتصاب!! ))..

انخفض مستوى الحماس بداخل رفيقه قبل أن ينزوي بجسده ممتنعًا عن الرد، بينما هتفت هي تقول في ثقة :
-(( إذا كان وافقوا اتجوز واحد معرفهوش في ٣ أيام وأسافر معاه.. هيعترضوا على سرعتنا ليه؟!!.. ولو على القضية أنا هشرحلهم الوضع.. وبعدين سيب مهمة إقناع بابا عليا ))..

حرك رأسه موافقًا ثم قال في تصميم متوجهًا بكليته إلى قريبه المتكأ بالقرب منه على حافة المكتب :
-(( طاهر تاخد بابا وباقي العيلة وتروح تطلبها من أيد والدها بشكل رسمي.. وبالطلبات اللي يقول عليها.. هعتمد عليك تتصرف كأني أنا موجود.. ولو والدها اعترض متضغطش عليه.. مش عايزه يحس أن بنته وسيلة لخروجي ))..

أومأ طاهر بعينيه يطمئنه، ثم انحني بجذعه نحوه كي يضمه بين ذراعيه في عناق أخوي مطول وكأنه يبثه الموافقة والثقة في تنفيذ رغباته من خلاله، بينما وقفت هي تتابع حالهم بأعين حالمة خصوصًا بعد طلبه الأخير، يكاد صوت دقاتها المتسارعة من فرط الحماس والترقب يصل إليهم، ولحظات هي كامل الزمن الذي عاشته داخل الصورة السعيدة التي نسجها عقلها على الفور عن اجتماع ثلاثتهم سَوِيًّا، قبل أن تعود إلى أرض الواقع وتتذكر الهدف الأساسي من زواجهم المزعوم.


***********************


انكب على أعماله المتراكمة والتي انشغل عنها الفترة الماضية بالركض خلف أمور تلك المحامية المخضرمة ورفيقها الطبيب، حتى أهمل باقي أشغاله، ولم ينتبه لذلك إلا عندما بدأت بعض مناقصات وملفات شركته في الاختفاء والخسارة، وقتها قرر حسم تلك القضية، أو ليكن أكثر دقة الخلاص منها، والالتفات إلى مشاريعه وما هو أهم، مقاطعًا تركيزه بعد فترة طويلة من جلوسه خلف مكتبه، اندفاع الباب يليه ظهور "جيداء" تهتف اسمه في حنق، فرفع رأسه وأماله يمنة ويسري يفك تشنج عنقه، قبل أن يقول شِرْزًا في سخرية :
-(( هو الباب ده ملهوش صاحب ولا إيه.. كل واحدة فيكم تدخلي من غير سلام ولا كلام ولا حتى استئذان!! ))..

حدقته مزدرية، بعدما تأملت هيئته بملابسه التي لا تتناسب مع ملامحه وطريقة حديثه السوقية، تود لو تنقض فوقه وتخنقه بيدها حتى تزهق آخر أنفاسه تحت قبضتها، ورغم ذلك تمالكت نفسها تُذكرها بالأهم، وما أتت من أجله؛ وعليه هتفت تسأله في حدة متجاهلة تعقيبه :
-(( أنا برنلك بقالي يومين مبتردش عليا ليه؟! ))..

ناظرها مطولًا بملامح جامدة، ثم قال في فتور يريد بذلك صرفها عنه بعدما أحنى رأسه مرة ثانية فوق الأوراق التي أمامه :
-(( مش فاضيلك.. ورايا شغل محتاج تركيز ))..

صاحت تعقب في عصبية بعد أن ضربت سطح مكتبه براحة يدها الرقيقة :
-(( نــااااادر.. أنا مش بلعب معاك.. بنتي فين ؟!.. كان اتفاقنا هتبدأ تدور عليها وقت ما تاخد الأوراق من بيت غفران واديك أخدتهم.. ويحيي وأنا دورت بنفسي في بيته مفيش أوراق ولا هو فاكر حاجة عنك أصلًا.. يبقي فاضل إيه ؟! ))..

هتف في حدة بعدما ترك مقعده منتفضًا من داخله وسار حتى وقف أمامها وقبض بيده الغليظة على مرفقها :
-(( قلتلك مش فاضيلك.. الشركة خسرت كام شغل ورا بعض ومحتاجة تركيز مني.. لما يتحكم في قضية جواد وتسلمني كل اللي في أيديها ساعتها هسفر حد مخصوص فرنسا يجبهالك.. لحد وقتها متوجعيش دماغي ))..

دفعها بعنف في اتجاه باب الغرفة بعدما أنهى حديثه، بينما صرخت هي تحذره في اهتياج بعدما نفضت ذراعها من أثر قبضته الوهمية :
-(( أوعي متلمسنيش تاني.. واعمل حسابك.. لو خلفت وعدك معايا أو بنتي مظهرتش هتشوف مني وش مش هيعجبك يا نادر.. مش بعد الصبر ده كله يضحك عليا.. وده أخر تحذير ليك.. أسبوع لو ملقتش أخبار عنها.. استني مني اللي مش هيعجبك ))..

نفضت رأسها في قوة تعدل من هندامها قبل السير بكبريائها المعتاد، ووقف هو يتابع انصرافها وداخله يسب ويلعن بأقبح الألفاظ الزمن الذي ورطه معها، مفكرًا في عجز بخطة بديلة سريعة تمكنه من إيجاد طفلة بنفس ملامح وعمر ابنتها المفقودة، حتى تحل عنه ويتخلص من إلحاحها المتواصل هي الأخرى.


****************************



لو كان للأقدار جسد، لوقفت تضحك ساخرة وهي تراقب خطط البشر واضعة كف فوق معدتها بينما تشير بأصبع الأخر نحو السُذج منهم، ولو كان لها صوت لصاحت تقول "ما الأقدار بالاختيار، بل هي تدابير الجبار، والعبرة بمن سبقكم يا أولى الأبصار"...

ذابلة تمامًا كما الوردة التي اُجتزت من جذورها، وتُركت وحيدة في العراء، تجاهد من أجل البقاء، وقد تكالبت عليها الهموم، وانغمست مستكينة في شعور اليأس والشقاء......
تنتفض من نومتها كلما غفت وحديث حماتها لازال يؤرق مضجعها، ويتردد داخل أذنها فيمنع النوم من الوصول لمخدعها، وكأنها ترقد فوق الأشواك، يزورها طيفها إذا غفت، وتقفز داخل حلمها أن نعست فتحوله إلى كابوس يجبرها على الاستيقاظ، أما عنه فقد ظن جاهلًا أنها هلاوس المخدر مختلطًا بحالتها النفسية السيئة بسبب ما مرت به من فقدان جنينها، لذا تركها تأخذ وقتها الكامل في تماثل الشفاء دون الضغط عليها....
كل ما كان يفعله هو تهويدها عندما تقفز من نومتها صارخة، يمسح بيده فوق سنابلها الذهبية، ويخبرها بصوته الناعس بوجوده جوارها، حتى تهدأ وتستكين بين ذراعيه...
أما الليلة فقد اكتفت حَقًّا من هذا الرعب المتواصل الذي تعيشه وخاصةً بعد معرفتها خبر سفر والدته إلى قريتهم؛ وعليه اندفعت بكل ما تحمله من قلق وحنق نحو غرفة المعيشة حيث يجلس هاتفة في إصرار بعدما ابتلعت لعابها بقوة :
-(( بدر.. أعمل حسابك.. بعد ما الأيام بتاعتي ما تعدي والجرح يقفل أنا عايزة عيل ))..

وضع هاتفه بجواره فوق الأريكة بعدما أطفأ شاشته، ثم سألها في استنكار بملامح وجه عابسة :
-(( عيل إيه يا أفنان أنتِ اتجننتي!!.. ده أنتِ تعتبري خارجة من ولادة مكملتيش أسبوعين.. عيل إيه ده اللي بتفكري فيه من دلوقتى ؟! ))..

صاحت تقول في يأس وعصبية وقد غلبتها دموعها :
-(( ملكش دعوة بيا.. أكمل ولا مكملش انشاله أموت وأرتاح من الحسرة اللي أنا فيها دي ))..

زفر في قلة حيلة، ثم استدار بجسده يطوقها بذراعيه، ويسألها في حنان :
-(( أهدى بس وفهميني.. مين زعلك ))..

تعالت شهقاتها الملتاعة حتى فقدت نصف حروفها وهي تنطق جملتها، ورغم ذلك استطاع التقاط اسم والدته من بين الحديث، فعاد يسأل من جديد في صبر :
-(( مالها بس أمي.. عملت إيه معاكي ))..

أجابته بعدما سيطرت على شلال دموعها المتساقط :
-(( هددتني تروح البلد تشوف عروسة جديدة عشان أنا مش نافعة.. واديها سافرت تنفذ ))..

قهقه عاليًا في استمتاع وهو يعود برأسه للخلف، الأمر الذي زاد من حنقها فصرخت تقول وهي تدفع يده بعيدًا عن جسدها :
-(( بقولك هتشوف عروسة وأنت بتضحك!!.. آه ما واضح أن الموضوع جاي على هواك ))..

انتصبت واقفة بعدما نجحت في الإفلات من قبضته تدك الأرض بقدمها غيظًا غير عابئة بألم جرحها الذي يأن وجعًا، بينما سارع هو بالوقوف خلفها وإعادة ضم ذراعيه لها، هامسًا في عشق :
-(( أحنا مش اتكلمنا في الموضوع ده قبل كده وقلتلك أنتِ أهم عندي من العيال.. يبقي يا عبيطة ليه تسبيها تخوفك ))..

أجابته في دلال بعد أن مسحت بظاهر كفها العبرات التي سالت فوق وجهها :
-(( عشان بحبك ))..

تنهد في إرهاق ثم قال قبل أن يلتهم ثغرها في قبلة مطولة اسكتت كافة هواجسها، ولو بشكل مؤقت :
-(( وأنا عمري ما هسيبك يا أفنان.. أنا اكتفيت بيكي ))..



***********************


فى مساء اليوم التالي.. بداخل منزل عائلة غفران......

في جلسة مهيبة تبعث على النفس بالفخر، توسطها والدها حيث جلس في المنتصف منتفخ الأوداج وجلس على جانبيه كبار عائلة المناويشي بداية من والد العريس الغائب "أنور المناويشي" يليه جميع أبناء عمومته من الجنوب وقد أتوا خصيصًا لمؤازرة قريبهم في محنته نهاية إلى "طاهر"، العضو الأصغر سِنًّا في العائلة منشغلين في التعارف قبل التشاور في مسألة المصاهرة....

أ

ما في الداخل حيث غرفة المطبخ وقفت غفران على حافته تستمع إلى حديثهم في توتر ملحوظ، ووقفت بالقرب منها والدتها تقول بأعين لامعة من شدة السعادة ونبرة مختنقة من فرط الرضا :

-(( اللهم بارك يا غفران.. إيه الفخامة دي.. شفتي العيلة تشرح القلب أزاي؟!.. دي كفاية دخلتهم ولا أسطول العربيات اللي اترصص تحت البيت.. قلبي كان هيقف من الفرحة وأنا سامعة أبوه يقول لأبوكي المهر اللي تطلبه من جنيهه لمليون يكون عندك.. والشبكة والبيت اللي تأشر عليهم تحت أمرك.. صبرتي وربنا عوض صبرنا وصبرك خير يابنتي.. حاسة دموعي هتنزل من الفرحة وأنا بفتكر أم طليقك الزفت وهي بتقول شوفي مين يعبر بنتك بعدنا.. أهو كرم ربنا.. عريس الأحلام.. جاه ومال وتعليم وعيلة تسد عين الشمس ))..

تنهدت غفران في ارتياح، لا تكاد تصدق موافقة والدها المبدئية في صباح البارحة عند مفاتحته في الأمر، بل وقبوله استقبالهم في اليوم التالي دون تأجيل، تشعر بأن الأمور تصب جميعها في صالحها، وقد أرضاها الزمن أخيرًا حتى ولو لفترة معينة، يكاد قلبها الطرب يخرج من بين أضلعها مع كل ضحكة ومسامرة متبادلة بين والدها وعائلته، فقط لو كان هو معهم أو لو كان ذلك الزواج حقيقي لاكتملت فرحتها، ولكن صبرًا، عل الله يُحدث من بعد ذلك أمرا....
مقاطعًا شرودها اللحظي صوت والدتها تسأل في قلق :
-(( بس بجد يا غفران موضوع القضية ده.. ولا بتقولي كده عشان أنتِ ميالة ليه فاحنا نوافق؟! ))..

سارعت تهتف في صدق :
-(( أبدًا والله ما بكذب.. القضية دي أنا اللي ورطته فيها بغبائي.. هو ملهوش ذنب في أي حاجة زي ما حكيتلكم امبارح.. وبعدين أنتِ بنفسك بتقولي أنه عريس لُقْطَة.. يبقي قلقانة ليه! ))..

إجابتها والدتها في تردد، بينما يدها مشغولة بإعداد أطباق الحلوى للضيوف :
-(( بطمن عليكي.. مش عايزه تقعي في واحد ندل زي الأولاني.. عَمَّتَا زي ما أبوكي قالك الضهر.. كتب كتاب بس والجواز مش قبل شهرين.. يكون سأل عليه وأطمن.. وحتى يكون خرج من القضية الزفت دي.. ده شرطه وتلاقيه بيبلغ أبوه بيه دلوقتي.. يكش ربنا يجعل فيه القبول وبعد الجواز يلمك وتبطلي تنطيط وأنتِ دماغك جزمة قديمة ومحدش قادر عليكي ))..

تجعدت ملامحها وتهدلت أكتافها تتذكر اتفاقها معه على صورية الزواج، ثم قالت لوالدتها في إحباط :
-(( متقلقيش.. معتقدش هيعترضوا على الشرط د..... ))..

وقبل أن تنتهي من إتمام جملتها، تهادى إليهم صوت والدها يقول في بشاشة :
-(( مادام وافقتم ع الميعاد يبقي على خيرة الله.. كده متفقين ونقرا الفاتحة ))..

رغم علمها بعدم مصداقية ذلك العرض، ألا أنها لم تستطع منع نفسها من رفع يدها والقراءة معهم، بينما الابتسامة الواسعة لا تفارق محياها، خاصةً عندما ختمت والدتها وشقيقتها الاتفاق "بالزغاريط" والتهليل، يعلنا بذلك بداية الأفراح....


************************

في المساء.. وتحديدًا قبل منتصف الليل...

دلف طاهر الغرفة بعد أن عاد من مهمته وانتهى من تنفيذها على أكمل وجه يجولها بعينيه لحظة وصوله باحثًا عنها، ولم يبذل في ذلك الصدد الكثير من الجهد، حيث رأها بمجرد دخوله تجلس فوق الفراش وتقرأ في المصحف الشريف كما اعتادت مُذ حادثة فراق شقيقها....
لقد بدأت تتحسن تَدْرِيجِيًّا عن ذي قبل ولكنها لازالت تلتزم الصمت في كثيرًا من الأحيان، إلا في حالات نادرة كما الآن، وفور رؤيتها له أغلقت الكتاب ووضعته جانبًا في احترام، ثم سألته في جفاء رغم الاكتراث الواضح في عيناها :
-(( عملتوا إيه.. عرفت تقنع والدها؟!... ))..

سار حتى وصل إليها وجلس قبالتها، ثم أجابها في ارتياح بعدما أنحني ولثم ظاهر كفها :
-(( الحمد لله وافق.. كنا خايفين يعترض.. بس واضح أن غفران كانت مفهماه كل حاجة ومتفقة معاه ع التفاصيل كمان.. هو بس شرط أنه يكون كتب كتاب.. وبعد فترة من التعارف يقدروا يتمموا الزواج ))..

حركت رأسها إيجابًا في استحسان، قبل أن تعود وتسأل مستفسرة في اهتمام :
-(( يعني كده إن شاء الله جواد هيخرج الأسبوع الجاي؟! ))..

تنهد مطولًا يود لو يُجزم لها بذلك فيكفيها القلق على جثة شقيقها القابعة في ثلاجة الموتى إلى الآن ولكن....
كل ما يقوما به مجرد محاولات يتمنى نجاحها ويتحرك بكل طاقته من أجل تحقيقها، أما الكلمة الأخيرة فليست في يده، ورغم ذلك أجابها آملًا :
-(( إن شاء الله يخرج.. غفران بتقول كده وهي واثقة من كلامها.. وأظن أنتِ أقرب حد ليها وعارفاها لما بتصمم على حاجة ))..

أومأت بأهدابها دون تعقيب، ثم ومن بعد أن ازدردت لعابها، عادت تسأله تلك المرة في حشرجة :
-(( طب والولد!!.. في أخبار جديدة؟! ))..

ارتفعت إحدى ذراعيه يمسد بأنامله ما يتمرد ويظهر من خصلاتها أسفل الحجاب الموضوع فوق رأسها، قائلًا في صبر :
-(( أنتِ عارفة هو كمان هيفضل يتجددله لحد ما ينتهوا من جمع كل الأدلة.. بس المحامي بيقول إن شاء الله هناخد تصريح الدفن على أخر الأسبوع ))..

حاولت بأقصى جهدها الانخراط معه في الحديث وألا تستجيب لتلك الرغبة العارمة في الانزواء عنه والاختلاء بنفسها كما اعتادت، تريد مساعدته في إنقاذها، تود الخروج من يأسها، تحاول وتحاول لإخراج الكلمات من فمها، ولكن، يبدو أن الأحرف هي من ترفض مغادرة ثغرها، وفي النهاية انصاعت لرغبتها وعادت تُغلق على نفسها...
قاطعًا هو صمتهم الرتيب يقول بصوته الأجش الخافت، ولو تعلم كم يعاني هو الأخر لتجاوز إحساس العجز الذي يحيطه من كل جانب!، يشعر بأنه يقف على حافة هاوية، يتمسك بيدها محاولًا رفعها إليه بعد أن انزلقت قدماها للأسفل، وأن أغفل عنها برمشه عين، ستترك يده :
-(( شكرًا يا رحمة.. شكرًا على موافقتك أننا ننفذ رغبة جواد ونطلب غفران بشكل رسمي محترم في الظروف دي ))..

نجحت في رفع زاوية ثغرفها فيما يشبه الابتسامة الباهتة التي لا حياة فيها، ثم قالت في صدق :
-(( معتقدش أن اللي عملتوه ده هيأثر في حاجة.. يعني في الأخر اللي راح مش هيرجع.. وده الحل المناسب لجواد.. وغفران تستاهل تتجوز بطريقة تحفظ كرامتها حتى لو بتساعده.. بالعكس شكرًا على اللي أنت عملته عشانهم ))..

أسبل أهدابه في راحة، ثم قال يُبلغها بنبرة هادئة عكس ما يعتمل بداخل صدره :
-(( طيب أنا مضطر أسافر يومين السويس لشغل ضروري.. في العادي جواد كان بيخلص عني الحاجات دي.. بس للأسف دلوقتي مفيش حد ممكن آتمنه يستلم غيري.. إن شاء الله مش هتأخر.. رغم أني مكنتش حابب أبعد عنك في الفترة دي ))..

ممزقة ما بين إحساس القلق كعادة كل يوم مُذ تلك الفاجعة، لا يهدأ لها بال ولا يطبق لها جفن إلا بالاطمئنان على عودته وسماع صوته داخل المنزل، فحتى وإن لم تظهر له ذلك بشكل صريح، فقد أصبح "طاهر" هو كل ما يربطها بتلك الحياة، وما بين رغبتها في الاعتزال، وجدت نفسها تقول في نبرة متباينة تجمع الشعوران معًا :
-(( متقلقش.. روح شوف شغلك واحنا هنا وغفران دايمًا معايا ))..

مال بجذعه نحوها يبغي بذلك تقبيل وجنتها، فتفاجئ بها تدفعه متراجعة للخلف في تصرف عدائي، بعد أن أجفل جسدها فور شعورها بأنفاسه تقترب منها، ثم تمتمت تقول في اضطراب :
-(( أنا آسفة.. بس أنا مش مستعدة لأي حاجة ))..

لن يُنكر حالة الصدمة التي أصابته من صدها له بتلك الطريقة الهجومية المهينة فكل ما كان ينتويه هو طبع قبلة شاكرة فوق وجنتها، ثم سرعان ما سيطر على عبوس ملامحه وضيق نبرته مفسرًا في حرج :
-(( أنا مكنش قصدي أي حاجة.. متقلقيش ))..

رفعت كفها المرتجف تمسح في عنف واضح فوق وجهها، قبل أن تترك الفراش وتركض هاربة داخل الحمام، لا تدري ما الذي يصيبها وقد أصبحت تشعر بالعدائية تجاه الجميع...
أما عنه فقد راقب عزوفها عنه بنفس صابرة، يود فقط لو تُريه الطريق الذي تستحسنه كي يساعدها في تخطي تلك المحنة، قبل أن يقرر هو الأخر التحرك وتحضير حقيبة ملابسه وتركها تأخذ وقتها الكامل في قبول مصيبتها، يكفيه فقط عودة لمعة الحياة لعينيها بدلًا من ذلك الانطفاء الذي يمزق داخله حزنًا...


**************************


بداخل منزل الطبيب.. بعد مرور يومان...

جلس فوق أريكة غرفة المعيشة المقابلة للمطبخ المفتوح يتابعها بعينيه وهي واقفة خلف طاولة تحضير الطعام منشغلة عنه بإعداد وجبة العشاء، صابة كامل تركيزها على تقطيع الخضروات في عبوس لا يتناسب وملامحها الناعمة، وقد أصبحت تولي وجبات الطعام مُذ حادثة القبض على شقيقها جزء كبير من اهتمامها ووقتها، ربما تفعل ذلك كي تُخفي وراء انشغالها الدائم بأبسط الأمور حزنها، أو ربما حالتها الساهمة أكثر من العادة اليوم تحديدًا سببها تلك الزيارة، حيث أصرت على الذهاب معه لرؤية "رحمة" وها هي منذ عودتهم شاردة، تحاول جاهدة منع دموعها اللامعة بداخل مقلتيها من الانهمار، أو ربما كل ذلك الحزن نابع من القلق، إذ اقترب موعد محاكمة أخيها وبالتالي من الطبيعي ازدياد توترها...
مئات التحليلات تصارع خلايا عقله، وكلها تعود إليها حتى شعر بالألم يعتصر صدغيه، فرفع كلا كفيه يمسد جانبي جبهته بأطراف أصابعه، قبل أن يلاحظ كفها الذي أرتفع كي تمسح على عُجالة ما يتساقط من داخل أجفانها...
فسارع بالذهاب إليها والوقوف خلفها وضمها إليه، ثم وبعد أن طبع قبلة مطولة فوق شعرها، قال يطمئنها بصوته الأجش المبحوح :
-(( متقلقيش على جواد.. أنا واثق أن غفران هتقدر تطلعه مادام حركتها بقت هادية كده ))..

استدارت برأسها جانبًا تواجهه، وقد وضع رأسه فوق كتفها فأصبح لا يفصل بينهم سوي أنش واحد على أقصى تقدير، ثم همست تستفسر يائسة، بينما نظرة عيناها مثبتة نحو خاصته تتلمس منه الطمأنينة :
-(( تفتكر هتقدر يا يحيي!.. واضح أن القضية صعبة أوي ومقفولة.. أنا مش هستحمل ست........ ))..

-(( هشششش........ ))..
قاطعها يمنعها من الاسترسال بوضع سبابته فوق شفاها، بينما اقترب بوجهه يمسح بشفاه كل ما تساقط من دموعها قبل أن يضيف بصوته المتحشرج الحاني :
-(( متفكريش كده أبدًا.. تفائلي بالخير ))..

هزت رأسها موافقة في استرخاء حيث شرعت كفه في تدليك أسفل عنقها في حركة أصبحت تترقبها منه كلما شعرت بالحزن، أو التوتر، أو حتى الارتباك، ولو يعلم كم أن حركة بسيطة كتلك تعبث باتزانها، وتصيب وجيف قلبها بحالة من عدم الاستقرار، والأهم.... تُشعرها بالانتماء إليه..
وقبل أن تتفوه أو تأتيها فرصة الشكر أو التعقيب، وصل إليهم ذلك الصوت الأنثوي، والذي بات يتعمد الصدوح والإعلان عن وجوده كلما مرت لحظات هادئة بينهم، تقول تلك المرة في خفوت :
-(( يحيى أنا مسافرة يومين.. محتاجة أغير جو وأريح أعصابي شوية.. هروح أزور عمتو في القاهرة كام يوم وأرجع ))..

أرادت علياء الصراخ في وجهه تطالبه بالقبول، بل أرادت الركوع على ركبتيها وتوسله الموافقة، فبالنسبة إليها طعنها تلك اللحظة أهون من تفوههِ بالرفض، وبالفعل لم يخذلها، إذ قال مباشرةً في نبرة جاهد لإخراجها عادية ووأد حماسها :
-(( آه طبعًا يا جيداء عندك حق.. الجو هنا بقى صعب ويوتر ))..

حركت رأسها تؤكد حديثه، بينما كفيها تتحرك بباطنها فوق بنطالها الجينز العصري وقد بدا عليها الإحباط هي الأخرى أكثر من أي وقتًا مضي، وكأن هناك هالة من اليأس وفقدان الأمل تحيط بها وتشع من عيناها على عكس عادتها، وأكد ظنه نبرتها عندما أجابته قائلة في ذبول :
-(( تمام أنا حجزت القطر على بليل وحضرت شنطتي.. بس معلش الستارة بتاعة الأوضة فيها مشكلة تقريبًا.. يحاول أشدها عشان اقفلها مش راضية من بليل غالبًا معلقة.. ممكن تساعدني عشان مش مرتاحة وهي مفتوحة ومش عارفة أغير في الأوضة طول ما الوضع كده ))..

همهم موافقًا قبل أن يشير إليها بيده كي تتقدمه، بينما ظلت علياء واقفة مكانها تستمع إليهم في صمت، ولن تُنكر أبدًا يد الغيرة التي امتدت تعتصر مهجتها حتى شعرت بالألم يصل إلى فؤادها، تود لو تترك ما بيدها وتركض خلفهم تراقب ما يفعله حتى ينتهي من مساعدة تلك الشقراء ثم تعود به إلى الخارج جوارها حيث منطقة الأمان.....

أما بداخل الغرفة وبعدما نجح يحيى بطوله المناسب في فك تشابك حلقات اَلسِّتَارَة حيث كانت اثنتان منهما عالقتان بداخل بعضهم البعض، وقام بشدها فتحركت معه في سلاسة داخل المجرى المخصص لها، حاجبة بقماشها الثقيل المشهد بالخارج عن أعينهم، همست جيداء تشكره قائلة في عاطفة مشتاقة :
-(( شكرًا يا يحيي.. أنت عارف.. لما سافرتلك باريس حصل موقف مشابه.. واتصلت بيك في نص الليل أنزلك عشان الشباك معلق ولارا مكنتش عارفة تنام من البرد ))..

رفعت أهدابها تفترسه في حيرة بعدما ضيقت أجفانها فوقه مستطردة حديثها بسؤال متعاطف أكثر منه مستنكر :
-(( أنت حقيقي مش قادر تفتكر أي حاجة من دي؟! ))..

حرك رأسه نافيًا في حذر شديد فلا يدري آية الألاعيب تلك التي تمارسها عليه، بينما تحركت هي في خطوات مدروسة تسأله بعدما عضت بأسنانها طارف شفاها :
-(( ولا حتى فاكر دي ))..

قبل أن يعي سؤالها، أو يتوقع حتى حركتها التالية كانت ترتمي بجسدها عليه وتلصق شفاها بشفاه في قبلة مباغتة وفعلة جريئة لم يتوقعها منها على الإطلاق، حتى أن الأمر منه احتاج بعض الثوانِ وإن قلت لاستيعاب حركتها والقيام برد فعل معاكس، وقبل أن تصل كفيه إلى ذراعيها لدفعها بعيدًا عنه، داهمهم صوت أخر يعرفه جيدًا يسأل في جنون غاضب :
-(( أنتوا بتعملوا إيه!! ))..

لم تكن صدمته بأقل منها، ولو عاش على عمره المكتوب أعمارًا مديدة، فلن ينسى النظرة التي رمقته بها قبل أن تركض داخل الغرفة وتغلق الباب بالمفتاح من خلفها، وكأنها نظرة حيوان جريح يلفظ أنفاسه الأخيرة، نظرة ألم قادمة من جرح غائر عميق ناتج عن غدر أقرب ما لديه...

أما عن جيداء فتسمرت هي الأخرى مكانها في حالة من الذهول بينما عقلها يحاول استيعاب ما أقدمت عليه....
لم تكن تنوي فعلها، ظلت تردد أغلط الإيمانات بداخلها أنها أبدًا لم ولن تكن تريد فعلها أو الاقتراب منه، هي فقط تشعر بالوحدة والنبذ، وهيأ لها عقلها في لحظة طائشة إمكانية استعادة الماضي وتذوق حلاوته ويا ليتها لم تفعل!!...
حركت رأسها يمينًا ويسارًا علها تفوق من صدمتها قبل أن يأتيها صوته مزمجرًا بها في غضب :
-(( مبسوطة كده!!.. استفدتي إيه؟!.. ليه بترخصي نفسك في عيني بزيادة! ))..

كانت نظرته المحتقرة أقوى من قدرتها على الاحتمال، خاصةً مع شعورها بحبل الذنب يلتف حول عنقها، ويزيد بنظرته المزدرية تلك من شدته فوقها كأنه يعطيه أمر مباشر بإزهاق أخر ما فيها من احترام لنفسها وأنوثتها، فلم تجد حَلًّا سوى الهروب من كل ذلك؛ وعليه سحبت حقيبتها المعدة سلفًا، ثم دفعته من أمام طريقها بكفها المرتعش وركضت نحو الخارج، بينما اندفع هو الأخر يضرب باب الغرفة بيد، ويحاول تحريك مقبضه بالكف الأخر، ولسانه لا يتوقف عن ترديد اسمها في توسل :
-(( عالية.. عشان خاطري افتحي الباب.. اسمعي مني الأول ))..

لم تلق بطلبه بالًا إذ جلست خلف الباب تستمع إلى توسلاته والألم بداخلها لا يحتمل، نار تحرق قلبها تزامنًا مع احتراق جفناها بدموع الخزلان، أما عن جسدها فكان يرتجف كغصن وحيد يترنح بداخل عاصفة هوجاء تأبى ألا إن تتركه مكسورًا، بعيدًا عن مصدره الأساسي في الحياة.


**************************


فقد القدرة على الصبر، وفقد معه كل ما له علاقة بالثَبَرَ، لقد نسي من هو، وكل ما أوصى به نفسه من تمهيل أو تهويد، لقد امتليء كأس الانتظار حتى فاض، ولم يعد يحتمل منها استمرار السير على نهج الأعراض...
ها هو منذ الصباح للمساء يحاول فقط إقناعها بالخروج إليه والتحدث ولكن هيهات، فطبعها ناري ورأسها يابس أقسى من صخرة صلدة تأبى التشكل تحت مطرقة النحات...
يتحدث ويصرخ، ثم يعود ويتوسل وهي لا تجيب، وكأنها قُدت من حجر وليست من لحم ودم وقلب له يستجيب...
هكذا كان حالهم حتى قرر هو أخيرًا التحرك وإجبارها حتى لو أدى ذلك إلى تفاقم الوضع بينهم، فالحالة التي يمر بها أسوأ من أن يتراجع أو يتركها دون توضيح، لذا صرخ مطالبًا أمام عتبة غرفتهم وكأنه تلبسته حالة من الاختلال :
-(( عـلـيـــاااااااء.. أقسم بالله لو ما طلعتي حالًا هكسر الباب ده.. واللي يحصل يحصل ))..

ابتلع لعابه بعنف معاتبًا نفسه في صمت على ما يفعله، فماذا حدث له، ولم هي الوحيدة التي وصل معها إلى هذا الحد من الجنون وكأنه إنسان بربري لا يعرف للتحضر سبيلا!!، إنه داء العشق وما له من دواء...
انتظر يعد اَلثَّوَانِ ربما يأتيه منها ما يطفأ نار غضبه ولكن دون جدوى، وكأنها حَقًّا تتعمد إخراج أسوأ ما فيه، فعاد يهدر من جديد في إصرار بعدما وضع شفتاه فوق بابها الخشبي المغلق في وجهه :
-(( قدامك ٣ ثواني.. لو مخرجتيش واتكلمتي معايا زي البني أدمين هكسر الباب سمعاني ))..

لم يكن صوته فقط المشحون بذلك الكم من الغضب، بل كامل جسده يكاد يرتعد من فرط العصبية، وبكل تلك الطاقة التي تتكون بداخله اندفع بكتفه يدفع الباب عدة مرات متتالية حتى فُتح على مصراعيه ورآها تقف أمامه متسمرة بأعين متسعة في حالة من الذهول التام، سرعان ما تحولت إلى إعصار، ابتلع في طريقه الجزء الصغير الباقي من تعقله وهدوءها الهش، صارخة بعدها في اهتياج، بينما أطلقت ساقيها نحوه حتى وصلت إليه ودفعته بكل ما أوتيت من قوة :
-(( أنت اتجننت!!.. أنت كائن همجي.. مفيش حد بيحترم حد ممكن يكسر عليه الباب بالطريقة دي! ))..

صاح من بين أنفاسه اللاهثة وصدره الذي يعلو ويهبط من شدة الانفعال :
-(( ومفيش واحدة طبيعية تعمل في إنسان كده!!.. على الأقل أدى فرصة واحدة للبني آدم اللي بقاله ٦ ساعات بيحايل فيكي عشان تسمعيه! ))..

علا صدرها هي الأخرى تحاول جاهدة السيطرة على انفراط عقد أعصابها، ولكن من أين يأتيها الهدوء وكلما نظرت إليه أو سمعت صوته قفزت ذكرى تقبيله أخرى أمام عينيها!، هل يعلم أنه بفعلته تلك ذبحها بسكين بارد؟! ثم الآن يقف متبجحًا أمامها بل ومطالبًا بحقه في نقاش متحضر!...
أطلق هو نفس محترق نابع من نيران غيطه، بينما عيناه تتابع لمحة الحزن التي غشت عدستيها، قبل أن تعود لمعة الغضب وتكسوها من جديد كما كست نبرتها الهادرة به في استهانة واضحة بمشاعره :
-(( وأسمعك ليه وعشان إيه!.. أنا مفيش أي حاجة تربطني بيك.. وهي مسألة وقت وننفصل ))..

لم تكن تفعل شيء بحديثها سوي سكب المزيد من الزيت فوق نيران غضبه المشتعلة، خاصةً وهي تجابهه بكل تلك الشراسة والقوة، فتُثير غضبه ورغبته بها معًا، ولا تدري كم يحترق جوفه وهو يطالعها دون القدرة على التفوه بما يحمله لها، ولا يحتمل عقله فكرة الفراق عنها، وبنفس وعيده الجامح هتف يحذرها :
-(( مسمعش كلمة انفصال منك دي تاني.. طلاق مش هطلق ولو على رقبتي.. كفاية دلع لحد كده ))..

صرخت تقول في عدم تصديق :
-(( دلع!! أنت بتصنف رفضي أنك تبوس واحدة تانية قدام عيني دلع!! ))..

سارع يجيبها في هدوء نسبي بعدما رفع ذراعه وفرك جبهته في عصبية :
-(( مانتي لو قابلة تسمعيلي أو عطيالي فرصة أشرحلك كنتي عرفتي أنك فاهمة غلط.. أنا مقربتش منها هي اللي بمنتهى الإسفاف حاول....... ))..

قاطعته تقول ساخرة :
-(( هي اللي باستك!! ناقص تقول ضحكت عليك كمان وقالتلك تعالي نروح حته ضلمة!!.. عمتًا زي ما قلت أنا ميهمنيش.. أنا أصلًا متعصبة عشان كرامتي قدامها مش عشان أي حاجة تاني.. وأوعي تفكر في يوم أني ممكن أزعل على حد مش عامل لكرامتي دي حساب.. حد أساسًا مش فاكر أنا مين.. وسامح لواحدة تانية تشاركني فيه ))..

ابتسم بطريقة غريبة، ليست ساخرة ولا غاضبة، بل هي أقرب للغموض، أو ربما الاستمتاع لم تستطيع التحديد، ورغم ذلك استفزها، فهبت تعنفه كريح مفاجئة :
-(( احترم كلامي ومتضحكش وأنا بكلمك.. أنت أصلًا إنسان مستفززز.. مش عايز تعمل حاجة عشان تفتكر حد!! فرحان أوي ببوستها ليك؟!.. يا ترى فكرتك بالماضي! ))..

لكزته في صدره وقد عقد ذراعيه معًا أمامه فترنح من قوة ضربتها المفاجئة، ثم سرعان ما لبث واستعاد ثباته، بينما أردفت تقول في حنق :
-(( عدتوا إمجاد الماضي وأنا المغفلة اللي في وسطكم صح.. ولا أنت ذاكرتك دي مش بتفتكر غير قلة الأدب!!.. لو كده أنا كمان ممكن أفكر.......... ))..

عضت فوق شفاها وتراجعت للخلف، إذ أعماها غضبها منه وجعلها تتفوه بكل ما يجول بداخل عقلها دون تنقيح، بينما تقدم منها هو يستفسر في نبرة مبحوحة مترقبة بعدما أنحني بجذعه نحوها :
-(( أنتِ ممكن إيه؟! ))..

رددت مصححة عدة مرات وهي ترمش بأهدابها :
-(( ممكن اسيب البيت ليكم عشان تفتكر.. أنا كمان ممكن أفكر اسيب البيت عشان تفتكر.. ده اللي كان قصدي أقوله ))..

حرك رأسه عدة مرات بلا هدف، شاعرًا فجأة بتبخر كل غضبه منها في الهواء، حالًا محله هدوء من نوع خاص، دفعه ليقول في كلمات متروية مدروسة :
-(( لا مش هقبل تسيبي البيت مهما حصل.. ولو خيروني بين رجوع ذاكرتي وبين وجودك..
هختارك أنتِ ))..

ضيقت جفناها فوقه تفترسه مطولًا حتى بدأت دقات قلبها تستجيب لنظراته الراغبة رغمًا عنها، ثم تمتمت تسأل ورعشة متوترة تخللت صوتها بعدما ابتلعت لعابها في توجس :
-(( ليه ))..

تقدم منها خطوة واحدة، ثم أجابها بصوته الأجش المتحشرج :
-(( عشان بحبك ))..


شيماء_يوسف غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 31-01-21, 05:55 PM   #87

شيماء_يوسف

? العضوٌ?ھہ » 474730
?  التسِجيلٌ » Jul 2020
? مشَارَ?اتْي » 58
?  نُقآطِيْ » شيماء_يوسف is on a distinguished road
افتراضي

الفصل الأربعون 🔥❤️

‏ما استُكمِلتْ لي فيك أولُ نظرة
حتى علمتُ بأنَّ حبّك فاضِحي

أهواهُ حتى العينُ تألفُ سُهدَها
فيه، وتطربُ بالسقامِ جوارحي

-ابن سهل الأندلسي.


قيل قديمًا إن الحب والحرب سواسية، يتشابه فيهما الجندي والفارس، العبد ومن يسكن القصور العالية، فأما يرفعان قدرك، وأما يورداك موارد الهاوية، كما كلاهما قادرين على إحراق روحك بنيراهم الحامية، ولا مفر سوي المحاربة حتى تظفر بما تريد، أو تكن خسارتك هي القاضية...

نطقها وكأنها خاتمة الكلمات وأغلى ما يوده من أمنيات، أخر ما يعرفه من حروفه ومنتهى ما يعلمه من أبجديات، لقد لفظها ولا مجال للتردد فأوان التراجع قد فات، والآن....
وقت المواجهة والبوح بكل ما يحبسه من اعترافات، وأما أن تحييه بقبول ما يقدمه لها، أو ترسله بيدها إلى عالم الأموات....
ودون انتظار ردها أو التعقيب على ما قاله أردف يعيدها، بينما عيناه مثبتة على ملامحها المركزة فوق فمه تترقب منه ما هو آت :
-(( أنا بحبك يا عالية.. في الحقيقة أنا محبتكيش من النهاردة ولا من إمبارح ولا من شهر ولا حتى سبعة... أنتِ بذرة حبك اتزرعت في قلبي من أول تنهيدة خرجت من بين شفايفك.. ومع أول جملة سمعتها من صوتك.. ومن أول لقاء بينا.. متستغربيش كلامي الحب ده حاجة مش بايدينا.. دي قلوب بتبدل بين أيدين ربنا.. وأنا منعت نفسي عنك لما عرفت أنك على ذمة واحد تاني وميأستش.. فضلت صابر لحد ما ربنا عوضني بالحلال ))..

أصابتها حالة من الانتشاء كمن تعاطي جرعة محفزة من المخدر للمرة الأولى في حياته، كل خلاياها ترتجف دَاخِلِيًّا وَخَارِجِيًّا، حتى دمائها تغلى بداخل أوردتها، ويكاد ضجيج ضغط الدم يصم أذنيها وقد فصلها عن سماع كل ما حولها، أما عن حالة القلب، فحدث ولا حرج، كان ينتفض بين أضلعها في هيستريا دون رأفة بجسدها الضعيف الذي أخذ يترنح من هول المفاجأة، فمدت ذراعها على مضض تتلمس منه الدعم، ولم يخيب ظنها، إذ حرك كلا ذراعيه في اتجاهها يسندها، محاوطًا بذلك خصرها، وبعد فترة من التحديق بأحجار عينيه الزمردية، همست تسأله في عدم تصديق ونبرة متقطعة مذهولة :
-(( أنت.. افــتكرررتني!! ))..

ابتسم في إشراق حتى لمعت عيناه، ثم قال في نبرة مشبعة بالعشق :
-(( منستكيش عشان افتكرك ))..

أحنت رأسها تُريحها فوق موضع قلبه شاعرة بدقاته الثائرة أسفل جبهتها، ومن دون تمهيد وجدت الدموع تشق طريقها وتندفع كما الشلال فوق وجنتيها، وكأنها ببكاءها تطرد أخر ما يربطها بالحزن والترقب والحيرة، أشهر وهي تنكوي بعذاب عشقها ذو الطرف الواحد....
والآن ذهب كل ذلك إلى غير رجعة، وكلما عاد يهمس الكلمة بجوار أذنها، كلما شعرت بروحها ترتفع حتى وصلت إلى حدود السماء من فرط سعادتها....
وبعد فترة من النشيج المتواصل وضمه لها في صبر، رفعت رأسها تطالعه بأنفها القرمزي وعينيها الحمراوتين، ثم ومن بعد أن تلاشت نوبة بكاءها تمامًا وقبلت منه المحرمة الورقية التي قدمها لها، همست تقول في هدوء :
-(( في حاجة مهمة أنت لازم تعرفها ))..

لم تنتظر منه رد فعل أو تعقيب، فقط استمرت تقول بنفس النبرة الهادئة الساكنة :
-(( يوم كتب كتابي الفرح متلغاش عشان الصور.. ممكن يكون ده السبب الظاهري.. بس في حاجة تانية محدش يعرفها ))..

همهم يحثها على الاستئناف وعينيه مسلطة فوقها في تركيز تام، فأردفت تقول في توتر :
-(( قبلها أنا طلبت من محمد ننفصل.. مكنتش عايزه أكمل معاه ))..

انفرج ثغرها بابتسامة خجل واسعة، بينما اللون الأحمر يتوغل في زحفه فوق وجنتيها، هامسة في بطء بعدما عضت طارف شفتها السفلية :
-(( عشان لحظتها أول ما غمضت عيني شفتك قصادي مش هو.. ومن وقتها كل ما بغمض عيوني بشوفك قدامي ))..

ازدردت لعابها في قوة دون النظر إليه، وبالرغم من احتراقها شوقًا لرؤية تعابير وجهه كانت تعلم بأنها ستفقد كامل شجاعتها أن تحدثت وهي تناظره، لذا قررت الهروب من زمرديتاه حتى تنتهي من قول ما تريد، وبالفعل ختمته بجملة بسيطة، لخصت بها ما عايشته لشهور :
-(( وبعدين اكتشفت أن ده.. أبسط إشارة عن الحب ))..

رفعت أهدابها تلك اللحظة وقد أرادت فجأة قولها والاعتراف مباشرةً أمام عيناه حتى وإن كلفها ذلك كل شجاعتها :
-(( يحيي.. أنا بحبك ))..

اتسعت عيناه الجائعتين إليها في دهشة، يكاد يفقد السيطرة عن الجزء البسيط الباقي من تعقله، بينما أنفاسهما تتسارع معًا في رتم عنيف، قبل أن يجذبها نحوه في تملك شديد ويلتهم شفاها كرد فعل صريح بعد أن صرخ اسمها في لهفة هزت أركان ثباتها....

وبعد فترة طويلة من التحام ثغريهما معًا، أفلتها كي تلتقط أنفاسها فسارعت تقول مغيظة وهي تبتعد عنه :
-(( حضرتك بقي كنت عامل ناسيني مش كده!!.. وسايب ست جيداء تغيظ فيا ))..

هرول خلفها مَادًّا كلا ذراعيه نحوها يجذبها نحوه مرة أخرى حتى تمكن منها واستطاع حبسها بين ذراعيه قبل حملها والركض بها نحو غرفتهم هاتفًا في إصرار :
-(( لا ورحمة أموات عيلتي واحد واحد.. مفيش بعاد تاني عشان تبقى عارفة.. أنا استويت ))..

أرادت التلاعب به قليلًا ولكن هيهيات، فبمجرد أن دنى منها ورأت غمامة العشق التي غطت عيناه، حتى استسلمت وذابت تحت عبث يداه، بينما شفاه لا تتوقف عن همس اسمها في خشونة، قبل أن يحلقا سَوِيًّا إلى سماء كوكبهم الخاص وكلاهما بات يعرف أن قلب الأخر لا يحتله سواه...


**************************


"يقال بأن المصاب بداء الهوى، ليس له دية ولا دوا".....
ابتسم عن مليء فاه وهو مستلقي جوارها فوق الفراش، وقد قفزت تلك الكلمات فجأة أمام ذاكرته، إذ أخبرته بها عجوز ما مُذ فترة طويلة في إحدى الليالي، عندما جاورته في المقعد ولمحته يجلس مهمومًا في انتظار الحافلة لنقله، وقتها باغتته بتلك القافية ممازحة تحاول مواساته والتخفيف عنه...
أما الآن فيود لو يصادفها مرة ثانية ويخبرها بأنه وجد دواءه وترياقه، وها هو الآن قد أكتمل بوصالهم شفاءه...
وقبل أن ينغمس أكثر في ذكرى اكتمالهم منذ ساعات مضت، والذي كان أكثر بكثير من لقاء بين رجل وزوجته، بل هو أقرب لاتحاد عاشقين طال بهم الشوق حتى أضني روحهم، شعر بها تتململ برأسها الموضوعة فوق صدره، فبادر بالتحرك وشد ذراعه أكثر فوقها، بينما فمه يطبع قبلة ناعمة فوق شعرها فور استماعه لها تغمغم مستنكرة بصوتها الناعس المتحشرج بعد شعورها بالضياء وقد أرخي سدوله من حولهم :
-(( يحيى! أنا نمت كل ده؟!.. ده النهار طلع ))..

تنهد في امتلاء، يشعر بالتخمة كمن وقع على بئر بعد طول جفاف فشرب منه حتى أرتوي، ثم قال بنبرة مبحوحة راضية :
-(( صباح الخير على اللي واخدة قلبي وعقلي بجمالها ورقتها ))..

ضغطت فوق شفتيها معًا في قوة، قبل أن تحرك رأسها وتُخفيها في تجويف عنقه، بينما وجنتيها تتضرج بحمرة الخجل، فأردف يقول مشاكسًا بعدما ملئت الابتسامة الواسعة وجهه :
-(( عرفتي بقي مين هي مراتي الحقيقية ولا نقول كمان ))..

همست تقول من داخل عنقه تستجديه بصوتها المكتوم :
-(( يحيى بجد بطل ))..

تحولت ابتسامته تلك المرة إلي قهقه عالية نِسْبِيًّا، بالتزامن مع رفع ذراعه الحر كي يُبعد وجهها عن عنقه حتى يستطيع رؤيتها، ثم سألها في نبرة حانية متفهمة بعدما تنهد في عشق :
-(( عالية.. أنتِ مكسوفة مني؟! ))..

حركت رأسها مؤكدة، بينما حمرة الخجل تنتشر على طول وجهها حتى وصلت عنقها في تضاد تام مع بعض العلامات التي دمغتها، ثم وبعد أن تأملها مطولًا يلتهم ملامحها همس يسأل في عجز من تيمه الحب :
-(( وأنا قلبي الضعيف هيتحمل أزاي كل البراءة دي ))..

لم تجيبه وقد انشغلت عنه حَقًّا بإسبال أهدابها كي تُخفي عينها عنه، فبعد كل الجنون الذي عاشاه سَوِيًّا لا تقو على مواجهته والنظر إليه، فسارع هو برفع ذقنها إليه مُتَمتمًا في توسل حقيقي :
-(( لا الله يخليكي متبعديهمش عني أنا ما صدقت.. وبعدين عندي كلام مهم لازم تعرفيه ))..

تجاوبت معه برفع أجفانها والنظر نِسْبِيًّا إليه دون تعقيب، وقد ألهاها ولو مؤقتًا عن الخجل منه عندما تحدث يقول في جدية ولكن بنبرة لازالت ناعمة :
-(( أنا كمان محتاج أقولك حاجة وأفهمك حاجات ))..

همست تقول مشجعة في فضول :
-(( سمعاك ))..

حرك ذراعه نحوها يبحث عن كفها حتى وجده وشبك أناملها الصغيرة بفوارغ خاصته، ثم بدأ يقول في سكون :
-(( أول حاجة.. أنا مجتش يوم كتب كتابك لما عرفت بموضوع الصور.. أنا جيت على اتصال من غفران بتطلب مني من غير تفاصيل أني أجيلك لو كان في قلبي حاجة ناحيتك.. اتصالها أحيا في قلبي أمل.. وجريت أسوق بكامل سرعتي يمكن تكون حاجة حصلت وقفت جوازك.. ومتتصوريش إحساسي كان أزاي لما وصلت وسمعتك بتقولي مش عايزاه.. هتفضل من أحلى لحظات حياتي.. وكأني فزت بسباق بعد ما كان نفسي اتقطع من كتر الجري وأخيرًا وصلت لعلامة النهاية ))..

رفعت ذراعها الذي كان مسنود فوق صدره العاري تحتضن براحة يدها شطر وجهه، بينما أذنها تتشرب في ارتياح حديثه وقلبها يهدر في جنون متفاعلًا مع كل حرف ينطق به فمه، بينما استطرد هو يضيف :
-(( يعني محدش طلب مني أتجوزك زي ما قلتي أو خمنتي.. ))..

ابتسم في سخرية هَازِئًا من حالته المتلهفة وقتها، ثم أردف يقول في خفة :
-(( بالعكس ده أنا اللي اتحايلت على والدك وجواد وقتها يجوزوكي ليا زي المجنون.. بعدما شرحتلهم قد إيه بحبك.. وأخدت منهم وعد محدش يقولك الحقيقة لأنك لازم تسمعيها مني وده اللي كنت ناوي عليه يوم فرحنا قبل ما تظهر جيداء ))..

توقف إبهامها عن مداعبة وجنته وتجعدت ملامحها في ضيق فور سماعها الاسم فبادر بلف وجهه إلى راحتها المفرودة فوقه وطبع قبلة راجية بداخلها، قبل أن يردف في نعومة :
-(( أنا عارف أنك مضايقة من سيرتها بس معلش أسمعيني للأخر ))..

أومأت بأهدابها تحسه على الاستئناف فأردف يشرح في استحسان بعدما سحب نفسًا عميقًا :
-(( أنا حكيت لك علاقتي بيها كانت عاملة أزاي وربنا يشهد على صدقي معاكي.. وإني مقلتش غير الحقيقة وبس.. جيداء مش مراتي ولا عمرها كانت حاجة أكتر من مشروع جواز انتهى عند نقطة كتب الكتاب.. لا عمري لمستها ولا ردتها ولا أي حاجة من كل اللي قالته في المستشفى.. غلطتي الوحيدة أني مبلغتكمش بكتب كتابي منها قبل فرحنا.. وده لان جوازنا جه بسرعة وفي الفترة الصغيرة دي مكنش شاغل بالي حاجة غير أنك تكوني حلالي وليا.. يمكن الفرحة أو اللهفة مكنوش مخليني أفكر صح.. بس صدقيني كنت ناوي أبلغك بكل ده أول ما تدخلي بيتي بس محصلش نصيب.. وعشان كده أنا آسف ))..

أنهى حديثه بطبع قبلة معتذرة فوق جبهتها، أما عنها فكانت تستمع إلى نبرته الذكورية الأجشة المتدفقة إلى قوقعة أُذنها في حالة من الهيام، لا يكاد قلبها الصغير يستوعب ما أضحى اثنتيهم عليه، ثم وعن أي اعتذار يتحدث وقد سامحته منذ جملته الأولي، أو ربما قبل ذلك بكثير.....
وبينما هي غارقة في تشرب ملامحه، استطرد يُخرج كل ما في جوفه، وقد قرر البدء معها منذ اللحظة بصفحة جديدة، دون مَاضٍ مؤلم، أو مستقبل مبهم :
-(( أخر حاجة بقي موضوع أبو المجد وغالبًا أنتِ عرفتي تفاصيله.. بس اللي متعرفهوش أني من فترة طويلة اكتشفت أن جيداء متورطة مع رجل أعمال مش كويس.. وللأسف طلع الراجل ده أبو المجد.. وده اللي خلي غفران وقت ما فقت من الحادثة تطلب مني أعمل فاقد الذاكرة عشان تكشف جيداء ونعرف نتحرك براحتنا.. وده السبب اللي خلاني أسكت وقت ما اتبلت عليا بموضوع جوازي منها.. وده غالبًا خطة بينها وبين نادر عشان تعرف تاخد مني معلومات.. وأنا مضطر أعمل نفسي مصدقها ومش عارف حاجة عشان خطتنا تمشي ))..

فتحت علياء فمها للتعقيب، فسارع يقاطعها متوسلًا :
-(( عشان خاطري متقفيش عند النقطة دي وتضيعي حلاوة اللحظة اللي استنها أكتر من سنة.. أنا والله مخبيت عليكي ألا عشان حمايتك.. ولا وافقت من الأصل على طلب غفران ألا عشانك أنتِ.. وأديني حكيتلك كل حاجة حتى لو كنت أتاخرت.. ومستعد أحلفك أني مش مخبي عنك أي حاجة تاني.. وكل اللي طالبه منك تستحملي وجودها شويه كمان ومش كثير لأن إن شاء الله غفران هتخرج جواد وهتدخل نادر مكانه وساعتها هنخلص من كل اللي بيأذينا.. بس لغاية ما الوقت ده يجي لازم نمثل أنك مش عارفة حاجة وإني فاقد الذاكرة ))..

هتفت تسأله في لهفة :
-(( بجد يا يحيي جواد هيخرج ))..

ابتسم على سعادتها التي قفزت إلى عينيها فورًا، ثم رفع ذراعه الذي يحتضن كفها وطبع قبلة مؤكدة فوق ظهره، قبل أن يتمتم مجيبًا في ثقة :
-(( بجد يا روح يحيى ))..

ابتسمت في خجل فطري فور سماعها كلمة التدليل الأولى من فمه، ثم تمتمت تقول في حرج :
-(( ماشي.. بس أنا لسه زعلانة عشان خبيت عني أنك فاكرني.. وسبتني كل الفترة دي بموت من قهرتي وأنا فاكرة أنها مراتك برضه ))..

استدار بجسده يعتليها ويحيطها بكلا ذراعيه وساقيه حتى يمنعها من الهرب، ثم قال بابتسامة عابثة، ووجهه يدنو من وجهها :
-(( لا كده لازم أصالحك وأقنعك لحد ما ترضى عني ))..

صرخت تنطق اسمه من بين ضحكاتها تناشده التوقف وقد بدأت يده في دغدغة جوانب خصرها حيث اكتشف منذ سويعات تحسس بشرتها من لمسته، قبل أن يميل ويلتهم شفاها محلقًا بها في رحلة استكشافية جديدة داخل عالم المشاعر الخاص، حتى تُوثق الأفعال صدق الكلام.

***************************


تستلقي فوق الفراش في صمت وقد جافي مضجعها النوم حتى تقرحت أحداقها....
خمسة أيام مضت منذ سفره، وهي نفس المدة التي حُرمت منها الكري، مهما حاولت يبدو أن أجفانها تأبى الانغلاق على بعضها وقد أعلنت عليها العصيان مطالبة بعودته، وما يزيد الأمر سوءًا هو وخزات ضميرها التي لا تنتهي، بل تزداد حدتها مع مرور الأيام مصرة على سلب راحتها منها......
كيف طاوعها قلبها التعامل معه على ذلك النحو!، وآي شيطان أحمق تلبسها حينها فاندفعت وقتها تصده بكل تلك الكراهية، بينما كل ما تحمله في قلبها إليه هو العشق الخالص!......
تلوت في مرقدها وألالاف الأصوات المعاتبة تهمس بداخلها كعادة كل ليلة، قبل أن ينتصر ذلك الهمس الخافت عليهم جميعًا وينجح في بخ سمه داخل عقلها، وكلما أعطته من تفكيرها قيمة، كلما زاد من بث هواجسه وارتفع صوته، بل وتجسد أمامها كصورة حية تنهش قلبها، وبالرغم من مهاتفته لها يَوْمِيًّا والاعتذار على عدم تمكنه من العودة في الوقت المحدد بسبب تأخير الشحنة المنتظرة، ظل ذلك الهاجس يخبرها بأن السبب الحقيقي وراء غيابه هو زهده بها وعدم رغبته في رؤيتها، ناخرًا بظنونه تلك دواخلها بلا رحمة، كما السوس الخبيث يُفتت كل ما هو صلب....
وبعد فترة من الاستلقاء في الظلام وتأنيب الذات، حركت ذراعها في فتور تسحب هاتفها وتنظر بداخله، فها قد أوشك الفجر على الانبلاج، تُري ما الذي يفعله الآن، لقد وعدها في الصباح بالعودة قبل محاكمة شقيقها، أي ربما تراه في الغد...
وبذلك الأمل فتحت صورته كما تفعل كل مساء عندما يغلبها شوقها إليه، ثم راحت تتحسس بطارف سَبَّابَتهَا من خلف الشاشة المضيئة ملامحه، وعلى العكس تمامًا، لم يهدأ حنينها إليه، بل زاده رؤيته مبتسمًا لها؛ لذا ودون إرادة منها فتحت برنامج المحادثات، ثم طبعت له رسالة مختصرة وانتظرت بقلب خافق استلامه لها، قبل أن يتملك منها الإحباط عندما ظهرت علامة واحدة بجانب رسالتها في إشارة على عدم وصولها إليه...
فقط لو يعود فتخبره كم اشتاقته، وكيف نجح في التسلل واحتلال تفكيرها، ولم يكتف بذلك بل شاغل قلبها وشاركه الحداد على أخيها...
وبعد زفرة ساخنة خرجت من جوفها المشتعل، قررت الخروج من الفراش وأخذ حمامًا ساخنًا عله يهدأ من اضطرابها ولوعتها، وعليه تحركت بالفعل تختفي تحت رذاذ الماء الساخن غافلة عن صوت محرك السيارة الذي توقف داخل حديقة المنزل بعد فترة ليست بطويلة، وعن الجلبة التي أحدثها صرير باب المنزل الخارجي ثم الداخلي، يليه وقع خطواته المرهقة فوق الدرج وداخل الممر المؤدي لجناحهم حتى دلف الغرفة في نفس الوقت الذي انتهت به من حمامها وخرجت تلف جسدها رداء الاستحمام وتتفاجئ به يقف مبتسمًا لها في تردد قرب حافة الباب المفتوح...

ولحظات... هي كامل المدة التي احتاجتها لاستيعاب وجوده أمامها، قبل أن تركض مندفعة نحوه تحتضنه في لهفة وتغمغم من بين دموعها التي سرعان ما وجدت مجراها فوق وجهها :
-(( أنا آسفة.. أنا معرفش أزاي سبتك تمشي من غير ما أسلم عليك وأوصلك.. أنا ندمت.. من وقتها وأنا مش عارفة أنام حتى.. أنـــا......... ))..

ثني ركبتيه قليلًا حتى يصبح في مستوى رأسها ويستطيع ضمها ورفعها إليه بالشكل الصحيح، ثم همس يقاطعها متسائلًا ببشاشة :
-(( خلصتي؟ ))..

حركت رأسها نافية بعدما استقرت داخل أحضانه ولفت ذراعيها حول عنقه، فأردف يقول ملاطفًا يبتغي بذلك إسعادها :
-(( مش مهم.. المهم أنك وحشتيني ))..

ضمته أكثر لها تريح رأسها فوق مقدمة كتفه، بينما يتحرك بها في خفة حتى وصل الفراش وجلس فوق وهو لازال محتفظًا بها بين ذراعيه، مستمعًا إليها تُكمل بصوتها المشبع بالبكاء :
-(( أنت جيت أزاي..كنت ببعتلك من شويه مسج موصلتش..وليه مستنتش للصبح.. طاهر مينفعش تسوق في طريق بليل كده! ))..

أجابها في إرهاق جم وأنامله تمسح كل ما يتساقط من جفنيها :
-(( التليفون فصل مني شحن وأنا في الطريق.. فكسلت اشحنه.. وبعدين سوقت بليل عشان وحشتيني والبيت وحشني وكان لازم ارجع قبل محاكمة جواد بعد بكره.. غير أن صوتك الصبح معجبنيش.. فأول ما شحنت الحاجة على هنا اتحركت وراها.. ودايني قدامك أهو.. كل اللي محتاجه أخذ دش وأنام لأني هلكان تعب ))..

مسحت براحة كفها خصلات شعره وجانب وجهه، ثم قالت في نبرة حانية سمعها للمرة الأولى منذ فاجعة شقيقها :
-(( حمد لله على سلامتك.. قوم خد دش وأنا هحضرلك حاجة تاكلها ))..

امسك معصمها في رفق يمنعها بذلك من الحركة، قبل أن يقول في قلق بعدما تفرسها مطولًا :
-(( مش عايز أكل.. عايزك تبطلي عياط.. وشك تعبان وعيونك على طول محمرة وجفونك منفوخة.. وحتى الأكل مش مهتمة بنفسك.. عايزاني أرتاح أزاي وأنا شايفك قدامي بتدبلي يوم عن يوم بالشكل ده ))..

رفعت كفها تمسح بعض الدمعات العالقة برموشها، ثم قالت في نبرة مختنقة بالبكاء :
-(( غصب عني يا طاهر.. حاسة أني مش عايزه أشوف حد وقافلة على نفسي.. غضبانة من كل الناس من غير سبب وعارفه اني مش سامحه لحد يقرب مني.. حتى زعلتك مني غصب عني ومش عارفة أعمل إيه.. قلقانة على جواد بس مش عارفة أعبر عن ده.. ومبسوطة لغفران وبرضه مش قادرة أظهر كده.. وفوقهم مش عايزاك تبعد عني لحظه عشان وجودك دلوقتي الحاجة الوحيدة اللي بتطمني بس بتصرف عكس كل ده.. حاسة أني بغرق وبستسلم.. معنديش طاقة لأي حاجه في حياتي.. يمكن تعبت من المقاوحة ))..

زفر في ضيق ،ثم قال يهودها بنعومة بعدما تمدد بجسده فوق الفراش وجذبها تتوسد صدره :
-(( متقوليش كده.. أنتِ عمرك ما تستسلمي لليأس.. دي مش طبيعتك.. وبعدين كلنا معاكي ومقدرين.. حزنك هياخد وقته ويروح لأن مفيش حزن بيدوم وأنا أكبر مثال قدامك.. كل اللي طالبه منك متصدنيش.. سبيني أكون معاكي في حزنك زي ما هكون معاكي في فرحك.. وإن شاء الله فترة وتعدي طول ماحنا سوا.. وبعدين بجد فكري ترجعي الشغل لأن هو اللي هيساعدك.. حبستك في البيت هتزيد وجعك ))..

همهمت موافقة قبل أن تقول في استرخاء :
-(( حاضر.. أنت عارف.. أنا منمتش من ساعة ما سافرت.. كل ما بغمض عيني بقوم مفزوعة.. فممكن تخليك جنبي.. حتى لو أنا بعدت شدني تاني.. متسبنيش لوحدي ))..

اخرج صوتًا من حلقه ينم على الموافقة، بينما كفه شقت طريقها نحو كفها لاحتضانها، شاعرة بشفاه تطبع قُبلة مطمئنة فوق شعرها المبلل، قبل أن تغفو في راحة، وقد عاد أخيرًا مصدرها..


************************

بعد مرور يومان.... بداخل قاعة المحكمة..

عجيب هو أمر الوقت، تارة يسير ببطء قاتل، وتارة ينسل من بين أيدينا مثل الرمل...

ساعة....
ربما تزيد أو تقل هي كل ما يفصلها عن أهم حدث في حياتها في الوقت الحالي، ولو أخبرها عاقل أنها ستجلس في إحدى الأيام تترقب الدقائق وتحصر اَلثَّوَانِ كمراهقة تنتظر لحظة اجتماعها بفارس أحلامها رغم علمها بأنه مجرد اجتماع وهمي، لاتهمته بالسفاهة ثم انصرفت برأس مرفوع، ولكنه الحب وسلطته على القلوب...
الحب هو من يجعلها ساهرة منذ ثلاثة أيام تضع الحجج وترتب البراهين لإخراجه، وهو من جعلها تجازف بسمعتها من الأساس فقط من أجل براءته، وهو من جعلها تتوسل من "طاهر" المساعدة في الحصول علي إذن تسجيل من النيابة العامة بواسطة معارف عائلته، وهو من دفعها للذهاب إلى عقر دار ذاك أبي المجد وتسجيل حديثهم كي يقدمه المحامي وقت العرض كإحتراز ثاني يؤكد نقاء سمعته، والحب هو من جعلها تقف كالبلهاء تطلب منه في كل جرأة أن يتزوج بها، وسطوة الهوى هي من تجعلها تجلس الآن داخل قاعة المحكمة ترتجف في توتر لم تشعر به من قبل في انتظار قرار القاضي بعد الاستماع إلى شهادتها مع باقي شهود الإثبات...
جاذبًا انتباهها من شرودها المتواصل اليوم، صوت محامي الشركة والمتولي ظَاهِرِيًّا أمر الدفاع عنه يقول في قوة وصوته الجهوري يرن في كافة أنحاء القاعة فيضيف إليه الثقة وقدرة على الإقناع :
-(( وفي نهاية مرافعتي أود القول بأنه إذا توفر لدي حضراتكم الشك في جرم موكلي كما هو واقع من شهادة الشهود، فعليكم أن تفسروا هذا الشك لمصلحة المتهم الماثل إمامكم وقد بُني هذا الاتهام على مجموعة من التوقعات والاستنتاجات التي وإلى الآن لم نجد لها دليل كتابي او فني يقطع بإدانة موكلي، وعليه أود من حضراتكم الاستماع إلى ذلك التسجيل بعد أخذ إذن النيابة العامة وتوافر الشروط الأربع به طبقًا لنصوص المواد رقم (206) فقرة ثلاثة، والمادة (44) و(45) من الدستور المصري لسنة 1971، وباقي المواد من قانون الإجراءات رقم( 295 و206)، وأخيرًا المادتان (206 و95.. إجراءات)..))..

وبعد فترة ليست بطويلة سحب المحامي المخضرم نفسًا عميقًا بينما حانت من عيناه نظرة خاطفة إلى غفران الجالسة في المقاعد الأولى وعيناها تلمع بدموع الانتصار وقد أدى سماع المحادثة المسجلة بينها وبين أبي المجد وهو يعترف بتلفيق التهمة إلى حالة من الصدمة والهرج والمرج داخل القاعة، الأمر الذي دفع القاضي إلى الصياح بهم مهددًا بالطرد لكل من يتحدث، ثم وبعد أن ساد السكون أركان الجلسة، أردف المحامي مرافعته قائلًا في نبرة ثابتة شبهه منتصرة :
-(( وبعد استماع سيادتكم إلى ما قُدم من أدلة قاطعة لا تحمل مجالًا للشك، ووفقًا للدستور في المادة ال(96) على أن "المتهم بريء حتى تُثبت إدانته في محاكمة قانونية وعادلة تكفل له فيها ضمانات الدفاع عن نفسه" ، فقد دُفع كذلك عمدًا بتلفيق الاتهامات المسندة إلى المتهم من أفراد ما بعينها انتهزت فرصة غفلة موكلي في الزج به في تلك القضية، وعليه فإن كل ما وجه إليه باطل...
واختتم مرافعتي بطلب ضبط وإحضار كُلًّا من المدعو نادر أبو المجد سعيد" .. والقاصر "نعمة فاروق ناصر جريشة" بتهم تضليل العدالة، والإساءة لسمعة موكلي، والتستر على الجاني الحقيقي ))..


*************************

في المساء....
تجلس داخل غرفتها معتزلة الجميع، وقد فرت منهم هاربة وقتما استمعت إلى براءته دون انتظار، فمهما بلغت قوتها أو جراءتها غلبها خجلها الأنثوي الفطري ولم تستطع مجابهة موقف مماثل؛ لذا اكتفت بتوكيل والدها في مسألة عقد القران، ووضع تواقيعها اللازمة فوق الوثائق، ثم أدبرت راكضة من نفسها قبل أي أحدًا أخر، ومنذ ذلك الحين وهي معتكفة داخل مخدعها مدعية الإرهاق، بالرغم من احتراقها شوقًا لرؤيته حُرًّا مرة أخرى أو حتى سماعها صوته ألا أنها اكتفت بالاطمئنان عليه والتأكد من وصوله المنزل من محامي الدفاع الذي تعاونت معه الفترة الأخيرة....
وقبل منتصف الليل بعدة دقائق ارتفع رنين هاتفها معلنًا عن ورود اتصال هاتفي ملح لم يأتي من سواه، تجاهلته وانتوت الاستمرار في فعلتها حتى وصلتها رسالة نصية مختصرة يخبرها من خلالها بأنه أسفل بنايتها، ويود في الحال رؤيتها...
فصرخت فزعة وقفزت من مرقدها تركض في كافة أنحاء الغرفة، تنظر في مرأتها، قبل أن تفتح دولابها وتحاول انتقاء رداء سريع وبسيط ومناسب يبدو طَبِيعِيًّا، ثم تعود وتقف أمام مرأتها تتأكد من مظهرها وتمشط الثائر من خصلاتها للمرة الأخيرة بيد، بينما الأخرى تمسك الهاتف في محاولة للتواصل معه، وبعد الرنة الثانية أتاها صوته الذكوري الخشن يسأل متذمرًا :
-(( مادام التليفون معاكي مبترديش عليا ليه!.. رنتلك كام مرة! ))..

خفق قلبها كعداء تجاوز للتو سباق الثمانمئة متر، ثم أجابته متمتمة في ارتباك :
-(( كنت بعمل حاجة وبعيد عن التليفون ولسه واخدة بالي منه ))..

حمحم عن عدم اقتناع ثم سألها ساخرًا يحشرها في الزاوية :
-(( وهي دي نفس الحاجة اللي خلتني مشوفكيش لما اطلع يا مـراتــي؟! ))..

تعمد الضغط ومط حروف كلمته الأخيرة وكأنه يؤكد ملكيته لها ويذكرها بما تعمدت نسيانه، ثم بعد فترة من الصمت انتظر خلالها ردها الذي غاب، أردف يقول في نبرة خالية :
-(( لو فاضية أنزلي هديكي حاجة.. ومتقلقيش هطلعك على طول بس عيب أخبط على بابكم في الوقت ده ))..

همهمت موافقة دون تعقيب، ثم ركضت نحو الخارج بقلب خافق كما الطفلة المنتظرة هدايا العيد، حيث كان ينتظرها أمام باب البناية الخارجي، يفقد مستندًا بطولة الفارع على جانب سيارته عاقدًا كلا ذراعيه أمام قفصه الصدري، ثم ومن فور رؤيته لها تحرك يعتدل في وقفته في انتظار اقترابها منه، قبل أن يبدأ الحديث مازحًا :
-(( أهلا بالعروسة ))..

ضغطت فوق شفتيها بقوة، وقد تباينت مشاعرها في اللحظة بين السعادة والتوتر والحزن، ثم قالت في خفوت حين غلبها الشعور الأخير :
-(( عروسة لأسباب قضائية بحتة ))..

مال بجذعه نحوها، ثم همس يقول جوار أُذنها في ابتسامة عابثة :
-(( أنا مقلتش انه لأسباب.. أنتِ اللي طلبتي ))..

لم يكن الغباء إحدى عيوبها على الإطلاق، بل على العكس، كان تتسم بمعدل عالي من الذكاء يمكنها من فهم كافة تلميحات من يقابلها دون استثناءات، وكان هو يعلم ذلك تمام العلم؛ لذا ألقى بجملته داخل مياه أحاسيسها الراكضة ثم تركها تُحدث بها بعض الاضطرابات حتى يأتي وقتها، أما عنها فبعدما عقدت حاجبيها ورفرفت بأهدابها، همست تسأله في توجس :
-(( قصدك إيه؟! ))..

قال في غموض والابتسامة المتلاعبة تُزين ثغره بعدما انتصب بعضلات جسده وعاد يعتدل في وقفته :
-(( قصدي قدامنا شهرين قبل أي خطوة.. مش معقول بعد كل اللي عملناه نروح لوالدك بكرة ونقوله شكرًا وعايزين ننفصل.. لازم نديهم وقت.. كده ولا إيه؟! ))..

تهدلت أكتافها وتحولت دقاتها المتسارعة من خفقات الترقب إلى ضربات الإحباط والذي انتقل آليا إلى نبرتها عندما ردت في خفوت :
-(( آه عندك حق ))..

عقب وهو لايزال محافظًا على نفس الابتسامة المراوغة :
-(( وعشان عندي حق.. يبقي تخلي ده في أيدك وميتقلعش ))..

قبل أن تتوقع مقصده، كان قد سحب كفها ودفع خاتم زواج ذهبي بداخل إصبعها، ثم انحني وطبع قبلة ناعمة للغاية بداخل راحتها وفوق جبهتها، ثم انزلقت شفتاه تاركة أنفاسه الحارة تلسع في طريقها كل ما تقابله من بشرتها القرمزية الخجلة، حتى وصل إلى أسفل وجنتها، بالقرب من شفاها فقام بطبع قبلة أخرى صغيرة في تلك المنطقة ثم تمتم في حرارة :
-(( تصبحي على خير يا مراتي العزيزة ))..

غمز لها مشاكسًا بإحدى عينيه قبل أن يقول آمرًا في نبرة جدية :
-(( أطلعي الوقت أتأخر ))..

ابتلعت لعابها في قوة، وقد تسمرت مكانها حيث فقد عقلها القدرة على إعطاء أوامره لباقي أطرافها كي تتحرك، معيدًا إليه قدرته على العمل صوته الذي هتف تلك المرة في صخب مرتفع :
-(( اتحركي مش هتقفي في الشارع طول الليل ))..

نفضت رأسها وحركتها يمنة ويسرة في عدم استيعاب، قبل أن تركض مسحورة، ومصدومة نحو الأعلى ولم تتوقف ألا بعدما أغلقت باب غرفتها عليها، علها بذلك تخرج من تأثيره عليها وتخبطها في حضرته.

***********************


بعد مرور شهر ونصف....
في منزل طاهر المناويشي....

فتحت أهدابها في الصباح شاعره اليوم وعلي غير العادة بحالة غريبة، إحساس بالهدوء يتغمدها بعد الكثير من اَللَّيالِ العصبية الطويلة والصباحات الكئيبة، وكأن روحها قد سأمت حالة الاستسلام التي تنغمس بها،x وقررت أخيرًا نفض رداء الحداد من فوق كاهلها والالتفات لما هو قادم...
ما ينمو بداخلها وتتجاهله، نعم تشعر به مُذ البداية خصوصًا مع تأخر تغيراتها الفسيولوجية الشهرية للمرة الثانية على التوالي، ولكنها لم تملك الطاقة الكافية لمواجهة ذلك الواقع وتقبل تلك الهبة، خاطئة نعم، انهزامية بالتأكيد، جاحدة، لا على الإطلاق، كل ما في الأمر أنها تخشي التعلق به فيتركها ويذهب كما فعل الجميع، لذا حاولت التغافل عنه ولكنه غلبها، بالشعور به تارة، وباضطرابات معدتها التي أصبحت تصيبها كل صباح تارة أخيرة، يصر في فرض وجوده والتمكن من قلبها كما فعل والده من قبل، حتى استسلمت لحبه، بل وقررت النهوض والمقاومة من أجله، يكفيها حزنًا ويكفيها مقاومة، هو طفلها وستبذل كل ما في وسعها منذ اللحظة لحمايته والتمسك به....
حانت منها التفاتة عاشقة بعدما استدارت بوجهها نحو الغافي جوارها ويحيطها بذراعيه كما العادة، رافعة إحدى ذراعيه تحتضن وتضع كفه أسفل منطقة بطنها عله يشعر هو الأخر بما يكبر داخل رحمها، بينما يدها الأخرى راحت تتلمس بظاهر أناملها ذقنه النابتة...
فللقب أحكامه التي لا نقاش بها، هو من يقرر من يمتلكه ومن يلفظه، وبالنسبة إليه اختارته بقلبها وعقلها وكافة حواسها، فبمجرد رؤيته يستلقي بجانبها، وتشعر بأنفاسه تلفح بشرتها، ذلك جنتها المصغرة، ومنتهى أملها...
تنهدت في وله تنتظر استيقاظه حتى تقوم بالفحص المنزلي، إذ نجحت البارحة في التسلل وشراءه دون معرفة أحد، وقد أرادت انتظار اللحظة المناسبة للقيام به رغم تأكدها من إيجابيته ولكنه عائد متأخرًا فقررت تأجيلها حتى الصباح، تترقب في حماس رد فعله على ما ينتظرهم، مبتسمة في بلاهة كلما تذكرت حديثه في أول لقاء حميمي بينهم، وكيف عبر عن أمنيته من بين كلمات الغزل في امتلاء منزلهم بأطفال يحملوا طبعها الهادئ ولون شعرها الحالك، شاعرة به بعد فترة من الوقت يتململ تحت لمستها، قبل أن يتحرك ويدفن وجهه في عنقها مغمغمًا في نبرة ناعسة :
-(( يعني أنا محترم نفسي ومتحرم عليا اللمسة.. وأنتِ مستغلة نومي وبتتحرشي بيا.. مش عدل ده على فكرة ))..

ملئت الابتسامة حتى وإن كانت باهتة نِسْبِيًّا وجهها للمرة الأولى منذ ما يقارب الشهرين، ربما السبب في ذلك هو انتهاءهم من دفن جثة شقيقها، والبقاء على حبس الجاني، أو ربما أتتها حالة الشفاء من داخل ذلك الرحم، الإلهاء الذي تحدث عنه زوجها في تلك الليلة، أو ربما وهو الأرجح الاثنان معًا، وقبل أن تفتح فمها وتجيبه، باغتتها نوبة عاتية من الغثيان، تجاهلتها للمرة الأولى، ولكنها عادت بشكل أقوى مما أجبرها على الركض نحو الحمام، وبعد الانتهاء من إخراج كل ما في جوفها وغسل وجهها وفمها، استغلت الفرصة في عمل الفحص وجلست تنتظر في ترقب النتيجة....
بينما جلس هو فوق حافة الفراش ينتظر في قلق خروجها وكل ظنه منصب نحو إهمالها صحتها وسوء تغذيتها، ناهيًا حالة الهواجس التي أصابت عقله الناعس صوتها تقول في وجل، بعدما خرجت ووقفت أمامه ومدت ذراعها نحوه بجهاز الفحص الإيجابي :
-(( طاهر.. أنا حامل ))..


شيماء_يوسف غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 19-02-21, 09:44 PM   #88

شيماء_يوسف

? العضوٌ?ھہ » 474730
?  التسِجيلٌ » Jul 2020
? مشَارَ?اتْي » 58
?  نُقآطِيْ » شيماء_يوسف is on a distinguished road
افتراضي

الفصل الواحد والأربعون ❤️🔥


يمكن لأي شخص أن يختارك في توهجك، لكني أنا سأختارك حتى حين تنطفىء
تأكد بأني وإن رأيت النور في غيرك سأختار عتمتك.

-شمس الدين التبريزي.


في حياة كل منا هناك سنوات عجاف، تتعاظم على قلبك بها المصائب، وتصارع بها روحك الصعائب، تفقد بها العزيز ويأتيك الغدر من أقرب الأقارب...
ثم تمضي مسيرتك مثقل الكاهل في فترة مرهقة تسمى بـ"الابتلاء"، مليئة بالخير ولا يفوز بها سوي السعداء
وتسمي تلك الهبة بالـ. "العوض"....
العوض هو الشيء الوحيد الذي يستحق الصبر، في الحقيقة هو الشعلة المضيئة في آخر طريقنا المظلم، وهو النفق الذي ينتهي به دربنا المعتم، هو تلك الهبة القادرة على شفاء الروح والأبدان، وصرف كل ما أصابنا من غموم وأشجان، فالله بعباده رحيم، وإن أراد لهم الخير، أغدقهم بكل ما هو عظيم، كل ما يتحتم علينا هو الرضا، حتى يكافئك الغفور الكريم...

نطقتها بابتسامة مرتعشة ثم صمتت في رهبة وكأنها تُجبر عقلها على التصديق رغم علمها المسبق بالنتيجة، ولكن التوقع شيء والتأكد نعيم أخر، ارتجفت ووصلت ذبذبتها إلي أعماق روحه فارتجف في المقابل وقد ألجمته صدمة الخبر المدوية، كل ما راح يفعله هو تمرير عدستيه الزائغة بين وجهها وأسفل بطنها، بينما انفرج فمه في بلاهة حيث قُبضت رئتيه فأخذ يتنفس منه كبديل لإتمام أهم عملياته الفسيولوجية، وحذا حذو رئتيه باقي أعضاء جسده، فحتى عضلات وجهه أخذت تنبسط وتنقبض في عنف دليل على ما يمر به من جنون المشاعر....
بينما ترقرقت عدستاه بدموع الارتياح، يكاد من فرط الانفعال ينهار أرضًا وقد اُستجيبت دعواته حَقًّا!...
رفع رأسه ينظر إلى الأعلى في امتنان غمره من خصلات شعره حتى أخمص قدميه، ومن قبل تغمد روحه وفكره المعذب، وقد أُزيل عن كاهله ما أرّقه لأشهر طويلة والآن عليه الاعتراف بسوء ظنه في خالقه بل والتوبة إليه..
فمع مأساة زواجه الأول وبعد اكتشافه الفخ الذي نُصب له وسار هو إليه بكامل إرادته رفض رافضًا تَامًّا إنجاب أي طفل منها قد تشاركه صفاتها ويحمل طباعها، حتى أنه أخطأ وفي لحظة ضعف دعا الله أن يحرمه الذرية كي لا يربط بينه وبينها أي عامل مشترك، ثم ندم بعد ذلك أشد الندم على حماقته وبقيت ذكرى دعاء السوء تُعذب روحه، وقد تفاقم إحساسه بالقلق والندم بعد اجتماعه ب"رحماه"، وصار كل ما يخشاه أن يُحرم من الأبناء كما تمنى ودعا من قبل، ولكنه رب رحيم، أكرمه ومنّ عليه دون تأخير...
أما بالنسبة إليها وعندما لم يأتيها أي رد فعل منه ومع ملاحظتها تشنج جسده بالكامل، همست تقول اسمه وهي تقطع المسافة الفاصلة بينهم، بينما يدها لازالت تقبض على جهاز اختبار الحمل وكأنه كنزها الثمين :
-(( طاهر؟! ))..

أخفض في بطء رأسه يواجهها بعيون تتلألأ بالعبرات الشفافة، يفتش داخل وجهها عن التأكيد وكأنه غير قادر على التصديق، فهمست من جديد تقول في تفهم ونبرة مشجعة :
-(( حبيبي أنا حامل ومن فترة كمان ))..

مد ذراعه يلصقها به بعدما قبض على قماش منامتها البيتية في قوة كأنها تخفي تحتها ما صار يخصه، ثم وبنعومة بالغة بدأ يتحسس بطنها متسائلًا في مهابة :
-(( أبني.. أنا؟.. في رحمك! ))..

اتسعت ابتسامتها وقد التمعت عدستيها هي الأخرى بالدموع مجيبة في حب، بعدما حاوطت خصره بكلا ذراعيها وأراحت رأسها فوق موضع قلبه الهادر :
-(( ابننا يا طاهر.. أو يمكن بنتنا مش عارفة ))..

لم يشعر بنفسه إلا وهو ينحني نحو فمها ويلتهمه في قبلة جائعة أعادت إليه جزء كبير من استيعابه، خاصةً وقد قابلتها هي بأكثر من مرحبة بعد مرور ما يعادل الشهران من الهجران التام، وبمجرد التحام ثغريهما معًا حتى بدأت ذاكرتها تستعيد حلاوة وجنون ما حدث ويحدث بينهم، قبل أن يتذكر هو حالتها فيبتعد عنها هامسًا في وجل :
-(( لا لازم ترتاحي.. بصي أنتِ نامي هنا وأنا هخلي أم الحسن تشوف كل طلباتك.. خليكي وأنا هنزل اجبلك الفطار وأطلع ))..

جذب كفها يدفعها نحو الفراش يحثها على الجلوس والتمدد فوقه، فسارعت توقفه معترضة من بين ضحكاتها :
-(( طاهر أنا حامل مش عاجزة.. وبعدين أنا حاسة بيه من فترة ))..

أسبلت أهدابها للأسفل تتهرب من النظر إليه وقد غمرها الشعور بالذنب خصوصًا بعد رؤيتها مدى حماسه وسعادته، ثم تمتمت تقول خجلة منه :
-(( من بعد حادثة مصطفى الله يرحمه وأنا حاسة بيه جوايا.. بس مكنتش قادرة أواجه الحقيقة دي وأتقبلها.. أنا آسفة ))..

عضت فوق شفتها السفلية المرتعشة، ثم أردفت تقول في خزي :
-(( كان المفروض أعرفك من وقتها شكوكي وأعمل التحليل.. بس مقدرتش كنت خايفة أتعلق بحاجة جديدة وتروح مني.. بس أوعدك خلاص مفيش هروب تاني.. زي ما قلتلي قبل كده.. هو أكيد عوض ربنا ليا.. لينا ))..

حرك رأسه متفهمًا بالتزامن مع راحة يده التي ارتفعت تمسد في نعومة أسفل بطنها حيث ركع على ركبتيه مقابلًا لها، ثم اقترب يطبع قبلة مطولة فوق قماش منامتها قائلًا في تفهم ونبرة حانية :
-(( رحمة احنا نبقى عيلة ))..

سرت ارتعاشة طفيفة على طول عمودها الفقري وقد وصلت إلى جلدها قبلته عبر ردائها، بينما أردف هو يقول واعدًا في قوة :
-(( متخافيش من حاجة.. وعد عليا هحميكم بروحي ومش هقصر لحظة.. ومادام ربنا عوضنا مستحيل يحرمك.. ممكن نفرح بهدية ربنا لينا ونحاول ننسى الحزن ))..

حركت رأسها موافقة وقد بدأت الدموع تتساقط وتتطاير مع ذرات الهواء تأثرًا بنبرته الحانية ونعومة لمساته، فبادر برفع جذعه وطبع قبلة مهدهدة فوق خصلات شعرها، بينما تمتمت هي طالبة في نبرة طفولية :
-(( ممكن النهاردة متنزلش وتسبني أنام في حضنك شويه؟! ))..

تحرك مستجيبًا لها كي يتمدد جوارها فوق الفراش فسارعت بالإفساح له، ثم استندت برأسها فوق صدره العريض، مستمعة إليه يقول ملاطفًا ويده تداعب وجنتها المبتلة :
-(( لا لو هرمونات الحمل هتخليكي بالحلاوة دي أحنا نعيد التجربة كل ٩ شهور ))..

همهمت موافقة في استرخاء وقد أدت ملامسات أنامله لبشرتها الأثر المطلوب قبل أن تعود وتغفي من جديد في أمان عالمة أن ذراعيه المحاوطة لجسدها ستكون دائمًا متاحة وموجودة فقط من أجلهم.


****************************



جلست فوق أريكة غرفة المعيشة تتكأ بجذعها فوق جذعه وتُريح رأسها فوق كتفه، هناك، بالقرب من ذلك العرق النابض في عنقه، بينما كفها يستند في كسل فوق موضع قلبه، مغمضة العينين في سلام تستمع إلى دقاته الخافقة في تناسق تام مع ضرباتها، وكأنهم قلب واحد صار ينبض في جسدين، تبتسم في بلاهة كلما تذكرت أيامهم الماضية والتصالح الذي غلف علاقتهم بعد اعتراف أحدهما للأخر بعشقه، وكيف حلق بها خلال الشهر ونصف المنصرم فوق السحاب رافضًا حتى الابتعاد عنها في أيامهم الأولى سَوِيًّا، ثم بعد ذلك عندما اضطر العودة إلى عمله وممارسة مهنته، كان يركض سريعًا إليها ويعانقها في اشتياق قبل أن يأخذها في دوامة جديدة من اللقاءات المحمومة التي لا تنتهي، فيثبت لها بما لا يدع مجالاً للشك بأنه توأم روحها، رجلها المثالي، من خُلقت له وعاش لها...
وما زاد من سعادتها هو اختفاء قريبته بعد تورط اسم "أبو المجد" في قضية شقيقها...
كانت تعلم أنها مجرد هدنة قبل ظهورها من جديد نعم، ولكنها تقبلت ذلك الوقت المستقطع بنفس أكثر من راضية.....
وبعد فترة من الصمت الهادئ ارتشف هو خلاله قهوته الداكنة، همست علياء تسأله بعدما رفعت رأسها قليلًا لأعلي حتى تتمكن من رؤية جانب وجهه :
-(( محكتليش النهاردة عملت إيه زي كل يوم.. ولا خلاص زهقت؟ ))..

ارتسمت فوق ثغره ابتسامة واسعة تعبر عن الكثير مما يحمله في قلبه لها، ثم أجابها بعدما أنحني ولثم ثغرها أولًا :
-(( أنا خايف أنك أنتِ اللي تزهقي مني ))..

قاطعته صادقة بعدما اعتدلت في جلستها وأصبحت تقابل وجهه :
-(( مشاركتك ليا تفاصيل يومك أحلى حاجة بالنسبالي.. بعد نظرة عيونك ليا ))..

تنهد وقد التمعت زمرديتاه في الحال بلمعة العشق الجارف، ثم قال في هيام بعدما رفع ذراعه وداعب ووجنتها المرتفعة :
-(( أما أنا بقي.. فكلك على بعضك بالنسبالي أحلى حاجة في حياتي مش بس في يومي ))..

عاود جذبها إليه يحاوطها بكلا ذراعيه، ثم أردف يقول في اهتمام بصوته الأجش :
-(( ما تسيبك مني.. أنا يومي مكنش فيه غير شغل وقوليلي أنتِ عملتي إيه النهاردة؟! ))..

قالت في فتور بعدما امتعضت ملامحها قليلًا :
-(( ولا أي حاجة.. كلمت ماما وبابا وبعدين جواد.. مش عارفة هو ناوي على إيه في موضوع جوازه.. كنت بحاول أقنعه يعمل فرح حتى ولو بسيط بس لقيته مش مهتم.. ولا معرفش مكنش مركز.. قعد يقول حاجات غريبة مش مفهومة عن أنه مش لسه هيشغل دماغه ويرتب ويضيع وقت ))..

أستمع إليها يحيى وابتسامته تزداد شيئًا فشيء، خاصةً وقد قام بفعل المثل البارحة مع صديقته المقربة "غفران"، ووجدها تهمهم هي الأخرى ببعض العبارات الغير مرتبة عن ارتباطهم وقتما سألها عن موعده، ثم أن الأمر لا يحتاج منه إلى كل ذلك التفكير لمعرفة ما أصاب رفيقة السنوات الماضية وبدل حالها هكذا، فقط كل ما يأمله أن يبادلها "جواد" شعورها وإن كان أغلب الظن يسير في ذلك الاتجاه المطمئن
مقاطعًا شروده صوت علياء تضيف في امتنان :
-(( بصراحة مش عارفة جواد ممكن يشكر غفران أزاي على اللي عملته.. لولاها مكنش خرج.. وطبعًا رضا كمان ابن عم بابا لولا وجوده في مجلس الشعب وواسطته مكنتش عرفت تسجل حاجة ولا أبو المجد ده يتورط الحمدلله ))..

صمتت لوهلة فشعر بذبذبات ترددها تصل إليه؛ وعليه همس يسألها مشجعًا بينما أنامله تمشط خصلات شعرها :
-(( كملي كل اللي في دماغك ))..

ابتسمت في خجل، ثم قالت على مضض :
-(( ومكنتش هرتاح من وجود جيداء معانا كل الفترة دي.. آه أنا عارفة أنك طلبت مني أتعامل عادي بس أنا من جوايا نفسي أخنقها بسببك.. وعشان تعاملها مع أبو الزفت ده اللي آذاك أنت وجواد وغفران ))..

ارتفعت زاوية فمه بابتسامة متفهمة، قبل أن يقول في رزانة اعتادتها منه :
-(( مش هقدر أجادلك.. وفاهم كل اللي أنتِ حساه وعذرك فيه.. بس قعادها عند عمتو الفترة دي كلها معناه أنها عاجزة ومش قادرة تعمل حاجة.. وعشان أكون صريح معاكي في جزء مني متعاطف معاها لسه.. عمري ما هنسي قهرة أن البنت ضاعت قدام عنينا وأحنا عاجزين مش عارفين نعمل حاجة.. وكل ده وأنا مش أبوها فما بالك بقي وهي أمها الحقيقية؟ ))..

تنهدت علياء في ضيق ثم قالت تجادله :
-(( يحيى.. مفيش مبرر لتصرفاتها.. مهما كانت دي ساعدت واحد يأذي البنات في الوقت اللي المفروض هي أكتر واحدة تحس بيهم.. وضحكت عليك وكنت هتروح فيها بسبب اتفاقاتها القذرة.. غير جواد وغفران!.. أنا عمري ما هسامحها أو أقبلها ))..

بلعت لعابها في عنف ثم أردفت تقول في عدائية صريحة :
-(( كل اللي مستنياه أن رضا يصدق في وعده ويعرف يقنع النائب العام يقبض على الزفت نادر ده بالورق اللي معاك أنت وغفران.. وكده يبقي أخد جزائه مع اتهام تشويه سمعة جواد وتضليل العدالة.. وجيداء دي كمان تاخد جزائها ومش عايزاها تكون في بيتي مهما حصل ))..

كان جسدها بأكمله يختض أسفل ذراعه من شدة غضبها، فسارع يحرك راحة يده فوق ذراعها لتهدئتها، قائلًا بصوته الحاني :
-(( تمام أحنا بنتناقش مفيش دَاعٍ للعصبية دي كلها.. إن شاء الله مسألة وقت قبل ما نشوف نادر في القفص.. خصوصًا بعد ما أتورط في قضية الاغتصاب دي فالبنات بدأت تتعاون معانا ومستعدين يشهدوا عليه.. ربنا يسهل بس ورضا ابن عمكم ده يخلص بعلاقاته الدنيا.. وبالنسبة لجيداء لو متورطة معاه مش هسمي عليها متقلقيش.. متفكريش بعد كل اللي حصل أن في قلبي حاجة ناحيتها أحنا تكلمنا في الموضوع ده من قبل وخلاص قفلناه ))..

تهدلت أكتافها وقد التقط سبب عصبيتها الخفي، فهمهمت تعترف خجلة :
-(( أنا بغير من سيرتها ))..

قال مبتسمًا في ثقة :
-(( عارف.. ورغم أن غيرتك دي بتفرحني بس ملهاش لازمة ))..

رفع كفها وطبع بداخله عدة قبلات متتالية، قبل أن يقول في نبرة صادقة خرجت من صميم قلبه :
-(( أنا مبحبش غيرك يا علياء ))..

تاهت بين أمواج بحيرته الخضراء تحاول يائسة التقاط أنفاسها وقد اشتعلت كل حواسها تجاوبًا مع نظرته المتعطشة إليها، ثم همست تؤكد في ولع :
-(( وأنا مبحبش غيرك يا يحيي ))..

حرك جسده لوضع أكثر راحة قبل أن يرفعها إليه ويسحبها نحوه فسارعت تسأله في اعتراض واهن، بينما دقات قلبها المترقبة ترتفع وتيرتها وكأن نبضها هو الشيء الوحيد الذي يعمل من أجهزتها الحيوية :
-(( أنت هتعمل إيه ))..

همس في نبرة خافتة خطيرة، قبل أن يجتاح ثغرها الناعم بشفتيه، وبشرتها المنتفضة بيداه :
-(( هاخد حقي قبل ما نتخانق أول خناقة لينا سواء ))..

ضاعت وضاع منها الكلام أو القدرة على الاعتراض، وقد استجاب جسدها وكل حواسها لمطلبه، قبل أن يستسلم قلبها لقربه وأخيرًا عقلها، إذا اتفقا جميعهم على شيء واحد، ألا وهو حبه.



***************************



ما بال قلبها يرتجف كلما قفز اسمه فوق شاشة هاتفها كَغُصْين يواجه منفردًا عاصف الريح، ويتضخم بداخل صدرها الذي لا يكاد يتسعه كلما تدفق إلى قوقعة أُذنها صوته الذكوري المريح، فتتساءل في كل مرة متعجبة، ماذا لو همس لها هذا الصوت بعبارات الغزل الصريح؟!...
تنهدت في ضيق كلما اتخذت أفكارها ذلك المنحنى الخطير، لا تملك سوى الهروب منه علها بذلك تهرب من تأثيره المتزايد عليها، ولكنها تفشل في كل مرة إذ يستمر في محاصرتها بل وملاحقتها يريد معرفة أدق تفاصيل يومها وحركتها..
ولو يعلم ماذا تفعل بها أسئلته المهتمة وكيف تبعث الأمل بداخلها!، أمل مفقود!...
ارتفع رنين هاتفها للمرة الثالثة فأجابت مجبرة بعدما التقطته من فوق سطح المكتب هامسة في تردد :
-(( ألو؟! ))..

زفر في عنف اخترق أذنها بوضوح كتعبير عن حنقه منها، قبل أن يقول مؤنبًا :
-(( نفسي أرن عليكي وتردي من أول مرة!.. حقيقي بقيت بحس أنك متعمدة مترديش عليا.. زي مانتي متعمدة متشوفنيش كل الفترة دي ))..

رفرفرت بأهدابها بعدما ابتلعت لعابها بقوة دون تعقيب، فقط التزمت الصمت تحاول الخروج من هيمنة قوته التي يفرضها حولها في كل تواصل بينهم، حتى وإن كان من خلال الهاتف، بينما أردف هو يقول في غموض :
-(( عَمَّتَا هانت أوي.. من الليلة كل لعب العيال ده هيخلص ))..

تنبهت كافة حواسها فور سماعها جملته، واستقامت في جلستها متأهبة، فمن خلال تاريخهم سَوِيًّا أصبحت تعلم بأنه لا يتفوه بما هو عابر، بل يقصد كل ما ينطقه، لذا همست تسأله مستفسرة في توجس :
-(( قصدك إيه يا جواد؟.. إيه اللي هيخلص ))..

صمت مطولًا حتى تيقنت من تعمده الصمت كل تلك المدة للتلاعب بأعصابها وقد نجح في مقصده إذ همست اسمه متوسلة تحثه على الإجابة، فأردف يقول موضحًا :
-(( قصدي أني كلمت والدك من شويه.. واستأذنته تروحي معايا البيت من الليلة.. واتفقنا بعد ما أمورنا تستقر سوا نعمل حفلة جواز صغيرة في البيت عندنا وهو وافق ))..

تشتت عقلها تمامًا وهدر قلبها بداخل أضلعها، تكاد تشعر بطنين الدماء الساخنة صم أُذنيها وقد انفصلت عن العالم وكل ما له علاقة بالحياة وبقت كلماته تتردد بداخل دهاليز عقلها مرارًا وتكرارًا، وبعد فترة من الضياع والمحاولة البائسة للسيطرة على جسدها وكل ما يمر به، همست تسأله في ارتعاش :
-(( أنت قلت كده لبابا!.. ووافق؟! ))..

في تلك اللحظة كان صوته الحريري الدافئ يداعب دواخلها، كما يداعب النسيم أوراق الشجر، مجيبًا في ثقة :
-(( آه طبعًا وافق. إيه السبب اللي هيخليه يرفض.. أنا قلتله أني محتاجك معايا وخصوصًا الفترة دي عشان لينة.. وبعد ما اقترحت عليه فكرة الحفلة رحب.. فحضري نفسك وبليل همر عليكي أخدك من البيت ))..

هل تحلم؟!.. نظرت حولها في كل اتجاه، ثم ضربت شطر وجهها وقرصت جلدها كي تتأكد من يقظتها!، إذًا أي جنون قد أصابه حتى يتحدث مع والدها في ذلك الشأن وهما من اتفقا مسبقًا على صورية تلك الزيجة!.. ومدفوعة بغضبها من استخفافه بأعصابها ومشاعرها المتنامية، هتفت معترضة في غضب أثار حنقه :
-(( بيت مين وحفلة لايه!!.. جواد أنت اتجننت!.. بيت إيه ده اللي أروحه معاك وبأي مناسبة! ))..

أجابها في نبرة خافتة ولكنها جامدة قاطعة أرسلت قشعريرة باردة إلى جلد ذراعها العاري :
-(( بمناسبة أني جوزك.. ولا نسيتي؟ ))..

لم تعد تحتمل كل هذا الضغط، يكفيها توترها في حضرته وعذابها في غيبته، حَقًّا سأمت واكتفت من تلاعبه بها، فتارة يتعامل معها كما العاشقين ويهمس لها بما يقطع الأنفاس، وتارة يتفوه بقول جاف فيجرحها حتى وإن كان دون قصد، كما الآن، فصاحت ترفض في حدة :
-(( جوزي على الورق وبس.. ولفترة مؤقتة.. وبما أنك فتحت الموضوع ده أنا بليل لما هروح هبلغ بابا أني مش مرتاحة ومش عايزه أكمل.. وكده يبقي خلصنا ))..

صمت مشحون لا يقطعه سوي أنفاسه المثقلة انتقل إليها عبر أثير الهاتف، يليها صوته الغاضب يقول في خشونة أرعبتها :
-(( هنشوف كلام مين اللي هيمشي يا غفران.. ولو وصلت هشيلك غصب من بيتك لبيتي ))..

قبل أن تفتح فمها للاعتراض أو تتيح لها الفرصة في جولة جديدة من الجدال، كان قد أغلق الهاتف في وجهها، فأخذت تلعنه في سرها متوعدة له بأشد أنواع العذاب، ذاك المتبجح المغرور من يظن نفسه؟ هل هو محور الكون وهي تدور في فلكه حتى يأمرها فتطيعه!، أو تنتظر طلبه الأحمق فتركض خلفه!، إن كان هذا ظنه بها فهو حتمًا واهم وسيري من منهم أشد عنادًا وإرادة.


*****************************



في أحد الشقق الفندقية الخاصة.......

جلس يفرك وجهه في توتر وهو يعاود محاولة الاتصال مرة بعد مرة دون رد، الأمر الذي زاد من حنقه وجنونه خاصةً وقد انغلقت كافة السبل أمامه وتخلى عنه الجميع فور تورطه في قضية الاغتصاب، بالكاد استطاع الخروج بكفالة ومراوغة القضاء فيما نسب إليه من تهم، أما الآن كل ما يشغل عقله ويؤرق مضجعه المعلومات التي وصلت إليه عن تحرك أحد نواب مجلس الشعب ضده..
ومع نفض الجميع يدهم عنه وجد نفسه يقف منبوذًا في العراء ينتظر هبوب العاصفة التي ستقتلع جذوره من أرضها إن لم يتحرك سريعًا...
فاندفع يضع في نفاذ صبر شريحة الهاتف الجديد التي ابتاعها من أحد منافذ البيع الغير مرخصة، ثم أخذ يطبع رسالة مهددة قبل أن يضغط سر الإرسال وينتظر النتيجة، وبالفعل ما هي إلا عدة دقائق بسيطة حتى ارتفع رنين هاتفه في اتصال ملح علم هوية الطالب رغم عدم ظهور الرقم، وكرد فعل مبدئي على كل ما لاقاه منه في الأيام الطويلة المنصرمة التي قضاها في محاولة التواصل معه، رفض المكالمة عدة مرات، قبل أن يقرر الإجابة قائلًا في استهزاء :
-(( أخيرًا الباشا أفتكر نادر!.. ولا الخوف بيخلي الواحد يفتكر اللي اتعمد ينساه! ))..

صاح الرجل الهام مجهول الهوية يسأله من الطرف الآخر في ضيق :
-(( خلص يا نادر.. عايز مني إيه بالظبط ))..

هتف يجيبه في عدائية وازدراء :
-(( عايز إيه!!.. بقولك اتورطت في القضية اللي أنت كنت السبب فيها بتعاملك الززفت مع البت إياها واسمي اتجاب في الرجلين والدنيا كلها اطربقت فوق دماغي في لحظة وأنت تقولي عايز إيه!.. عايزك تحللي المشكلة وتخرجني منها عشان ارجع لشغلي ))..

صمت الرجل لوهلة وكأنه ينتقي كلماته قبل أن يقول مراوغًا على مضض :
-(( مانا قلتلك هحاول أخرجك بس اديني فرصة ومتتصلش بيا خالص الفترة دي ))..

قاطعه يهتف في حنق :
-(( مانا سايبك شهر ونص عملت إيه يعني.. سبتني مني لنفسي ولولا علاقاتي اللي بيها عرفت آاجل القضية كان زماني مرمى في الحجز.. وأنت بتتهرب مني.. حتى التليفون مش بترد عليه! ))..

تذبذبت نبرة الرجل وقد ظهرت إمارات القلق جلية في نبرته خصوصًا عندما همس يقول في توسل :
-(( نادر أرجوك أنت عارف وضعي حساس أزاي.. لو أي حد اكتشف علاقتي بيك ولا تورطي في القضية دي سمعتي هتبوظ ومش بعيد اتفصل من المجلس بفضيحة ))..

هنا هتف نادر يقول محذرًا في نبرة جدية قبل أن يغلق الهاتف ناهيًا بذلك النقاش :
-(( يا باشا اللي عندي قلتهولك في الرسالة.. لو وقعت اسمك أول واحد هيتجاب في الرجلين.. وهطلع اللي عندي صوت وصورة وعلي عينك الفضيحة يا تاجر.. مش هعيد كلامي مرتين.. سلام ))..



**************************

في المساء.. بداخل منزل غفران..

عادت إلى منزلها ليلًا مستنفذة الطاقة خائرة القوى، كل ما تريد فعله هو إسكات معدتها التي تزمجر طالبة حصتها من الطعام، ثم ارتداء منامتها القطنية والارتماء فوق فراشها الوثير بعد أخذ حمام دافئ يزيل عن عنقها تشنجه من كثرة الانحناء فوق ملفات موكليها التي لا تنتهي...
وما أن خطت قدماها داخل الممر المؤدي إلى غرفة الاستقبال حتى تهادى إليها صوته العميق يتسامر مع والدها والذي كان يضحك على دعابة ما ألقاها، بالطبع ومن غيره يمكن أن يكون خطيرًا إلى تلك الدرجة بجمعه الجد والهزل، القوة واللين، الصبر والصرامة
أما ما يكلل كل ذلك كالتاج فوق رأس شخصيته هي الشهامة
نفضت رأسها للمرة الأخيرة تود وضع حد لانسياق قلبها خلف رغباته التي تزداد مع مرور الوقت يتمنى صحبته، لا تريد معايشة معاناة الماضي والهجران مرة أخرى، يكفيها عذاب والبداية تأتي من تلك المواجهة، أن أراد مجابهتها فليتحمل منها ما رفضه وهنا، في دارها وأمام والدها...

وبكل تلك المشاعر التي تغلى وتمور بداخلها، اندفعت تقتحم غرفة استقبال الضيوف قبل أن تتسمر مكانها فور رؤيته يحتجز طفلته الصغيرة بين أحضانه والتي ما أن لمحتها حتى قفزت تاركة ذراعي والدها، تركض نحوها في تحيية حافلة استدعت الدموع إلى مقلتيها في الحال، فسارعت تنحني بجسدها وتفتح كلا ذراعيها كي تستقبل الجسد الصغير بداخلهم، والتي كانت تُتمتم بصوتها الطفولي الرائع :
-(( غفران.. بابي قالي أنك هتيجي البيت تعيشي معانا ))..

عادت تنتصب في وقفتها بينما ذراعيها تقبض على الطفلة بداخلهما وكأنها كنزها الثمين وأغلى ما تملك، تحاول جاهدة السيطرة على الدموع التي أوشكت على السقوط في غزارة قبل أن تسألها بصوت مرتعش مليء بالعبرات :
-(( أنتِ عايزانى أجي معاكم؟! ))..

حركت الطفلة رأسها مؤكدة ثم مالت تتكأ برأسها على كتف حاملتها كما طلب منها والدها الفعل وذكرها طوال الطريق....
لم يكن ابتزاز عَاطِفِيًّا... هذا ما برره لنفسه وهو يرى حالة الخضوع التي تمر بها وقد نجحت خطته، كل ما في الأمر أنه رجل أعمال جيد، يعلم مداخل كل شخصية ويعرف جيدًا أن تلك العنيدة الواقفة قبالته لا يمكن السيطرة عليها بالقوة إطلاقًا، بل بالحب
وهذا هو العرض الذي قدمه لها وقبل أن تجد الطريق للسيطرة على مشاعرها، عليه انتهاز فرصة إنزال دفاعاتها والتحرك قبل إعادتها رفع كل حصونها أمام وجهه، لذا تحدث يطلب من والدها في رجاء :
-(( عمي بعد إذنك.. محتاج أتكلم مع غفران دقيقتين بس على انفراد.. مش أكتر من كده ))..

حرك والدها رأسه موافقًا ثم تحرك وتركها بمفردها، تقف قبالته وتراقب بعدستيها اقترابه منها، بينما قبضتها تشتد فوق خصر طفلته كعلامة على عدم انتواءها تركها، فهمس يقول مطمئنًا بصوته العميق المتحشرج :
-(( خلي لينة معاكي.. هما كلمتين بس هقولهملك وبعدها قرارك بإيدك.. أنا مستحيل أغصبك على حاجة أنتِ رفضاها ))..

اتسع بؤبؤ عينيها تفاعلًا معه، الأمر الذي زاد من شجاعتها، إذا همس يقول في تروى متعمدًا ترقيق نبرته ولف ذراعه حول جسد صغيرته وصولًا إلى ظهر زوجته :
-(( أنا مش عايز أنفصل.. عايز فرصة نعيش حياتنا فيها سوا.. احنا ال٣.. كعيلة حقيقية.. مش تمثيل ولا كده وكده.. أنا شاكر للقضية أنها سرعت الأحداث مش أكتر.. لأن من جوايا كنت عارف أن اللحظة دي هتيجي هتيجي.. القضية مش اكتر من سبب للي كنت ناويه ))..

زفر مطولًا قبل أن يضيف في توتر جعل زفيرها يتصاعد في المقابل تجاوبًا معه وتأثرًا به :
-(( خلينا ندى لبعض فرصة زي أي اتنين متجوزين طبيعي ونشوف هيحصل إيه.. من غير تسرع ومن غير غصب.. كل اللي طالبه أنك تيجي تعيشي معايا وتتعودي عليا وعلي لينة وبابا وماما.. وبعدها شوفي قرارك إيه.. واعتبريني هنا العضو الخامل.. اللى تحت أمرك لحد ما أسمع موافقتك واشوفها في عينك.. بس لو موافقة بشكل مبدأي يبقي تعالي روحي معانا النهارده ))..

أنهى جملته بانحناء جذعه، وطبع قبلة عميقة فوق شعر طفلته أولًا، ثم فوق وجنة غفران التي كانت في حالة من عدم الاستيعاب أو ربما الذهول، وختمها بقبلة ناعمة علي طرف شفاها قبل أن يعود إلى موضع وقوفه الأصلي مبتعدًا عنها، ثم قال في ترقب :
-(( مستنين ردك ))..

تعمد إدخال طفلته في المعادلة للضغط عليها، وها قد أحرز هدفه إذ تحركت تضع الصغيرة بين ذراعيه، وعندما عقد حاجبيه معًا في حيرة، همست تقول في نبرة مبحوحة وابتسامة خفيفة :
-(( هروح أحضر شنطتي )).


شيماء_يوسف غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 19-02-21, 09:45 PM   #89

شيماء_يوسف

? العضوٌ?ھہ » 474730
?  التسِجيلٌ » Jul 2020
? مشَارَ?اتْي » 58
?  نُقآطِيْ » شيماء_يوسف is on a distinguished road
افتراضي

الفصل الثانى والأربعون 🔥❤️


وَما في الأَرضِ أشقى من مُحِب
وَإن وُجد الهَوى حلو المَذاق
تَراهُ باكِيًا أَبَدًا حَزينًا
مَخافَةَ فرقه أَو لاِشتِياق
فَيَبكي إِن نَأوا شَوقًا إِلَيهِم
وَيَبكي إِن دَنوا خَوف الفُراق
فَتَسخن عَينه عِند التَنائي
وَتَسخُن عَينُه عِندَ التَلاقي.

-نصيب بن رباح..






كم هو غريب ذلك الشعور الذي يراودها وكأنها شُطَرْت اثنان، نصف خفيف يرفرف عاليًا كجناح فراشة وكل ما يهفو له هو الوصول إلى ذلك الوهج الرائع والتمتع بدفئه حتى وإن كان به فناءه، والنصف الأخر قُد من حجر كتمثال رخامي صلد، أينما توجه ساقيها لا تتبع أمر العقل أو تستجيب لندائه....
وبذلك الشعورين المتناقضين سارت خلفه كفأر صغير يعلم وبأنه قبل الوصول لما تشتهيه أمعاءه سيقع في شرك ما نُصب له ولكن، كان الإغراء أقوى من أن يقاومه حتى وإن عني ذلك هلاكه....
وبمئات الأفكار المتوترة التي تحيط بها من كل جانب وتحشرها في كل زاوية من زوايا المنزل التي تمر بها سارت بجانبه حتى وصلا إلى غرفتهم الخاصة بعد كثير من الترحيب من قبل والدته ووالده وحتى مدبرة المنزل ولن تُنكر سعادتها الداخلية بذلك الاستقبال الحافل والذي ساهم ولو بشكل مؤقت في استرخاءها، أما الآن وقد اقتربا من الوصول لغرفة نومه فقد عاد كل ذلك القلق والترقب يطفو مجددًا إلى السطح، معلنًا عن نفسه بوضوح من خلال قسمات وجهها وحركة جسدها، تريد التراجع ولكن أوان التراجع قد فات
خاصةً وقد امتدت يده نحو ظهرها يدفعها بخفة ويحثها دون حديث على الدخول بعدما فتح باب الغرفة ووقف خلفها ينتظر تقدمها قبله
وبمجرد وقوع عيناها على تفاصيل الغرفة حتى تلاشي كل ما يؤرقها حالًا محله الانبهار بمحتوياتها والتي كانت أقرب لجناح منها لغرفة عادية، ثم راحت تمرر نظرها وتتفحص في ذهول كل ما تقع عيناها عليه بداية من الجدران البيضاء بلونها الحليبي الدافئ، وإطارات الحوائط المتنوعة، ثم الفراش الوثير بخشبه العاجي في تناسق تام مع غطاءه المزخرف بالأزرق الداكن ويتخلله بانسيابية خيوط بسيطة من الذهبي والأبيض....
أما هناك وفي أحد جوانب الغرفة حيث توجد نافذة عريضة تحتل الحائط يكاد ارتفاعها يصل للسقف وتطل مباشرةً على حديقة المنزل الواسعة، وُضع طقم مريح مكون من أريكة متوسطة الحجم زرقاء اللون يناقضها ويُبرز مخملية قماشها الوسائد البيضاء المزركشة والموضوعة فوقها باحترافية، يحيطها من كلا الجانبين مقعدين ذو ذراعين يماثلان وسائد الأريكة في لون القماش ونوعه، وأخيرًا سجادة فارسية تجمع كل ألوان الغرفة مع أخرى مبهجة داخل زخرفتها البسيطة...
باختصار كانت الغرفة مثال حي عن السكينة والهدوء، وفورًا ومن تأثير اللون الأزرق على النفس شعرت بدقات قلبها المتسارعة تتباطأ، واختفى ضجيج ضغط الدم من أذنيها كعلامة على انخفاضه...
ومع تنهيدة حالمة خرجت من شفتيها الناعمة، تحرك "جواد" يقف خلفها ويلاصق بجسده ظهرها قبل أن يسألها في خيلاء، إذ لاحظ على الفور الارتخاء الذي أصاب ملامحها لحظة دخولها الغرفة واللمعة المحببة التي كست عدستيها :
-(( عجبتك الأوضة؟ ))..

انتبه جسدها لقربه على أثر الحرارة المنبعثة من جسده خلفها، قبل انتباه أذنها لصوته، فحاولت يائسة السيطرة على القشعريرة الخفيفة التي ضربت جلد ذراعها فور تدفق ذبذبات صوته العميق إلى عصب أذنها الداخلي، ثم وبمهارة أخفت تأثرها به ورسمت ابتسامة بسيطة فوق ثغرها الوردي، قائلة في صدق :
-(( حلوة جِدًّا.. مريحة للأعصاب بشكل مش طبيعي.. بس شكلها يقول..... ))..

قطمت طارف شفتها السفلية تمنع بذلك فضولها المعتاد من الإفصاح عن نفسه، فانتهز هو الفرصة يكمل عنها حديثها بعدما رمقها بنظرة متفهمة وابتسامة عذبة مع نبرة ناعمة :
-(( قصدك جديدة صح؟! ))..

حركت رأسها موافقة في صمت فأردف يشرح بنفس النبرة المخملية الناعمة التي تتغلغل لعظام ساقيها وتكاد تُذيبها :
-(( هي فعلًا جديدة.. أنا كنت كاره الأوضة القديمة بكل حاجة فيها لدرجة أن الشهور اللي فاتت كلها كنت بنام مع لينة أو في أوضة الضيوف.. لحد ما في فترة قررت أواجه وأغير.. واتواصلت مع مهندس ديكور طلبت منه يغير ملامح الأوضة خالص.. وهو اللي اقترح عليا اللون الأزرق وقالي أنه بيأثر على النفسية وبيخلي الإنسان ينام بشكل أعمق.. وفعلًا طلع عنده حق ألوانها مريحة للعين ))..

صمت لوهلة ابتلع خلالها لعابه وراقب بها رد فعلها ولمعة عيونها، ثم استطرد يضيف في همس مغري بعدما استدار ووقف بجسده قبالتها ثم انحني برأسه إليها فلامس بأنفاسه جبهتها :
-(( ولحظي الحلو استلمتها من شهرين بس.. وقت كتب كتابنا يعني فقررت أسيبها وأكمل نوم مع لينة لحد ما تشرفيني فيها ))..

أسبلت أهدابها للأسفل بالتزامن مع خروج شهقة خفيفة فلتت من حلقها وقد نجح في إلهاءها عن كافة أفكارها القلقة وغمرها بمشاعر خاصة ودفء مدهش سري بمشاعرها قبل جسدها، جعلها تتساءل في صمت متعجب كيف تشعر وكأنه يحتضنها دون حتى ملامسته لخصلة واحدة من شعرها!...
وقبل أن تغرق أكثر في حرارة نظراته هتفت تقول في تعلثم واضح :
-(( جواد لو سمحت.. محتاجة أغير هدومي وأنام.. اليوم كان مرهق النهاردة جِدًّا ))..

حرك رأسه موافقًا، يتفهم موقفها بالكامل ويتقبل خجلها حتى وإن لم يكن هو بـ "رجلها الأول"، كان يشعر بذبذبات الخجل تخرج من كل مسامها وتصل إليه بوضوح، الأمر الذي آثاره بشكل غريب وجعل أنفاسه تتثاقل رغمًا عنه؛ لذا وقبل اندفاعه لتنفيذ ما يحثه عليه عقله قال في جدية بعدما تنحنح لتقنية حلقه وابتعد مسافة كافية عنها :
-(( تمام الشنطة بتاعتك أهي.. وأنا هروح أقول لــ لينة تصبحي على خير عشان متزعلش واستني معاها لحد ما تنام وبعدين هرجع ))..

عاد عقلها للعمل سريعًا بمجرد ابتعاده عنها، ورغم علمها بعدم تجاوزه للحدود المتفق عليها إلا أنها وجدت صوتها ينطق بما يدعم طمأنينتها من خلال طلب مبيت صغيرته معهم، ربما ذلك لم يكن الهدف الأساسي، بل هناك رغبة أهم وأعمق نابعة من داخل قلبها الذي يتوق لقضاء الوقت برفقة طفلته بقدر رغبتها في تمضيته برفقة والدها، وعليه هتفت تقول في ترقب :
-(( طب ممكن لينة تيجي تنام معانا النهاردة.. مش هضايق أبدًا بالعكس ))..

توقفت خطواته والتي كانت بالفعل تسير في الاتجاه المعاكس لها، أي نحو باب الغرفة، بينما أردفت هي تفسر مطلبها في حرج :
-(( قصدي يعني زي ما قلت.. أنت بقالك فترة بتنام معاها.. مش حابه يكون أول انطباع ليا في ذاكرتها أني لما وصلت البيت خدتك منها.. فممكن تنام معانا النهاردة وبعد كده بالتدريج تتنقل لاوضتها لما تتعود ))..

حرك رأسه موافقًا ولم يعقب، حتى أنها حاولت استبيان ردة فعله عن طلبها ولكن ملامحه كانت خالية تمامًا من أي تعبير واضح، فتقبلت انصرافه عنها دون تعليق متخذة هي الأخرى من الحمام ساتر لها تبدل به ملابسها بعدما التقطت من حقيبة سفرها ما يناسب الوضع القائم حتى إشعار آخر.


*************************


بداخل منزل بدر الدين....

وقفت أمام مرأتها بعدما ارتدت أفضل ما تملك من ثياب النوم الحريرية التي اقتنتها منذ زواجهم تتأكد من إظهار الثوب لكافة مفاتنها اللازمة للنجاح فيما تنتوي، قبل أن تأخذ فرشاة الشعر من فوق طاولة الزينة وتضرب خصلاتها الذهبية عدة مرات متتالية حتى وصلت إلى النتيجة المطلوبة، ثم مدت ذراعها ثانية وسحبت زجاجة العطر الأنيقة والتي قد أهداها إليها زوجها العزيز في إحدى أمسياتهم الخاصة، تنثر منها ببذخ فوق مواضع نبضها، مستقيمة بعد ذلك في وقفتها تُقيم في رضا تام مظهرها الأخير والتي أنهته بوضع كمية لا بأس بها من أحمر الشفاه القاني فوق شفاها المكتنزة، فكانت حَقًّا كإحدى تماثيل الإغريق بمنحنياتها المثالية وملامحها المنمقة، الأمر الذي بث الثقة في نفسها قبل أن يُخرجها من انغماسها فيما تفعله صوت باب المنزل يُفتح ثم يُغلق في هدوء كعلامة على وصوله فسارعت ترتدي حذاءها ذو الكعب العالي ثم هرولت بقدر ما سمح لها ردائها المصكوك نحوه، تستقبله بنظرة حالمة، وابتسامة واسعة، ونبرة واعدة، بينما أصابعها تتلمس في دراسة متقنة سترته الخارجية ومنها إلى قميصه الأبيض :
-(( حمد لله على السلامة يا حبيبي.. وحشتني أوي النهاردة ))..

رمش بأهدابه يحاول الخروج من تأثير مظهرها المُهلك على نفسه، محاولًا في صعوبة بالغة ابتلاع لعابه، وكأن هناك حجر عثر يقف في منتصف حلقه، فيمنعه من الحديث أو الازدراد، بينما واصلت هي تَلْمُس أسفل قميصه قبل أن تنحني بابتسامة مهلكة وتطبع بحمرة شفتيها قبلة فوق موضع قلبه الهادر، تاركة علامة ثغرها تقبع هناك فوق بياض ملبسه وتدعوه في صمت إلى المبادرة، فهمس يقول في حشرجة :
-(( أفنان.. أنا على الأقل محتاج أخد دش وأغير هدومي ))..

كان تعلم جيدًا ما تفعله، تعرف مواطن ضعفه، وبواطن قوتها، وستكون ملعونة إن لم تستغلها الآن وتنتهي من فكرة ابتعاده عنها بهدف إراحتها والحرص على سلامتها من حمل جديد، بينما كان هو في صراع أشد وطأة، فزوجته في تلك اللحظة كانت مثال حي للفتنة ولم تكن القداسة إحدى مميزاته في يوم من الأيام، وقبل أن يُهم بالابتعاد عنها سارعت تجذبه بخفة من رابطة عنقه، قائلة في همس مغري وهي تسحبه خلفها نحو غرفتهم :
-(( متقلقش.. أنا محضرالك الحمام وهدومك وكل حاجة جاهزة.. سيبلي نفسك أنت بس الليلة دي خالص ))..

حرك رأسه موافقًا قبل أن يتبعها ويسير وراءها مسلوب الإرادة مسحورًا، فدائمًا ما كان سلاح المرأة في كيدها، وبه تستطيع إخضاع أعتى الجبابرة وجعله يخر على ركبتيه أمام رغباتها مدحورًا.


***********************


رفرفت بأهدابها الناعسة تحاول استبيان موقعها، أين هي ومن أين يأتي ذلك الدفء العجيب مع مزيج من الشعور بالراحة والقسوة وكأن رأسها تستند على صخرة قوية وليست وسادة ناعمة!، وقبل أن تفتح عينيها لرؤية ما حولها مدت ساقها تنفُض عن جسدها النشط ما بقي من خمول، حتى اصطدمت قدمها بساق أخرى، فأجبرت أجفانها على الانفتاح عن أخرهما وتفاجئها بموقع جسدها المحظور، حيث كانت تستريح برأسها فوق كتفه، بينما إحدى ساقيها تتشابك مع خاصته، وإحدى يديها ملفوفة فوق جسد طفلته التي تغفو بنصف جسدها فوق أخر صدره وفُم معدته في المسافة الضئيلة الفاصلة بينه وبينها ، وأخيرًا ذراعه تقبع أسفل خصرها وتحيط بهم سَوِيًّا....
ومن فور استيعابها لوضعهم حتى شهقت في عدم تصديق ودفعت في حدة قوية غير مبررة صدره، مما أدى إلى أجفال جسده قبل أن ينتفض هو الأخر مُفِيقًا من نعاسه على حركتها، ثم سارع يوقفها هامسًا بنبرته الناعسة :
-(( بالراحة.. ده أنا ))..

نطقت بنبرة لاذعة رغم خفوتها حتى لا تُوقظ الصغيرة الغافية :
-(( ولما عارف إن أنت.. ليه نايم جنبي بالطريقة دي وحاطط أيدك هنا!! ))..

انزلقت عيناه التي لم تتخلص من أثار نُعاسها بعد إلى خصرها، ومنه إلى ذراعه الملفوف حوله، قبل أن يجيبها في مبالاة وقد ضغط بساعده على خصرها يقربها منه أكثر، على عكس ما ترغب :
-(( والله أنا معملتش حاجة.. أنا على ما غيرت للينة هدومها وجبتها هنا الأوضة لقيتك في السرير ونايمة.. فحطيتها وسطنا ونمت.. مش ذنبي أنكم أنتوا الاثنين نايمين فوقي.. وبعدين طبيعي يعني لما ألاقيكم كده أيدي تتحرك.. والله الغلط مش عليا ))..

عضت فوق شفتيها في تركيز، بينما حاجبيها يقتربان من بعضهم البعض كأنهم على وشك الالتصاق تحاول تذكر ما حدث أثناء الليل، فأخر ما تتذكره هو خروجها من الحمام بعد تبديل ثيابها ثم ارتماءها فوق الفراش، ثم سرعان ما غطت في نوم عميق ناتج عن إرهاق يومها المشحون، وفي منتصف الليل شعرت بطفلته تتململ بينهم وتأن في خفوت كمن يعاني من كابوس غير محبب فسارعت بضمها إليها وتهويدها حتى هدأت وعادت إلى سُباتها ثانية، أما كيف امتدت ساقها إليه، وكيف تحركت رأسها نحوه، ومتى حاوطها هو بذراعه، هذا ما لم يستطيع عقلها تذكره، فقررت تجاوز كل ذلك الأمر وتجاهله كأنه لم يحدث عندما هتفت تقول في نبرة هامسة كي لا تؤرق مضجع الصغيرة :
-(( خلاص مش مشكلة.. بعد كده نبقى ناخد بالنا ونحط حاجة في النص ))..

أنهت جملتها بتحريك كفها ودفع ذراعه بعيدًا عن خصرها تمهيدًا للخروج من الفراش، فسارع جواد بإحكام لف ذراعه حولها أكثر وتشديد قبضته فوقها، قبل أن يسأل مستنكرًا بحاجب معقود :
-(( إيه ده في إيه.. أنتِ رايحة فين! ))..

أجابته في تلقائية بعدما رمشت بأهدابها :
-(( رايحة الحمام!.. بعد إذنك يعني ))..

راقبت ابتسامة مشاكسة وهي تشق طريقها فوق ثغره، بالتزامن مع انخفاض رأسه إلى فمها، قائلًا في خبث :
-(( أنتِ معندكيش ذوق يا أستاذة ولا إيه.. مش على الأقل تقولي صباح الخير.. ده حتى أول يوم لينا سوا ))..

تأرجحت نظراتها البلهاء بين شفاه المبتسمة وعيناه الناعسة، فلم يكن عقلها يعمل بشكله الصحيح لاستيعاب مطلبه، لا لم يكن هناك شيء بها دَاخِلِيًّا أو خَارِجِيًّا يعمل بكفاءته المعتادة خاصةً وهو بذلك القرب الذي يزهق الأنفاس، وإن كانت ستقضي ما بقي من عمرها بصحبته، فليكن الله في عون قلبها الذي لا يتوقف عن الارتجاف بداخل أضلع صدرها فقط من نبرته... وعندما طال صمتها، بادر هو بالقول العابث :
-(( تمام أقول أنا بدل عنك مفيش مشكلة ))..

وقبل أن تعي جملته وتأخذ مسارها الطبيعي داخل ممرات استيعابها، كان يلتهم ثغرها في قبلة مباغتة محمومة، قاومتها في بادئ الأمر، ثم سرعان ما ارتخت عضلات فمها تحت لمسته وبدأت تبادله إياها في شعور مذهل، وكأنها تختبر ذلك النوع من القرب للمرة الأولى في حياتها، لم تكن قُبلة بقدر ما كانت التحام ناتج عن جذوة صغيرة تشتغل في مضغة أحدهما تجاه الأخر، وتزداد اشتعالًا مع مرور الوقت وفي القريب، والقريب العاجل ستصبح بركان يلتهمها معًا.


************************



تمطي يمد ذراعه الأيمن وكلا ساقيه يمحي بحركته تلك بقايا النعاس من جسده، بينما ذراعه الأخرى لازالت تحاوطها لا يجرؤ على تركها تبعد عنه إنشًا واحدًا، فـ راحة قلبه وقربها صارا مرتبطين لا يمكن الفصل بينهم، مقررًا بعدها فتح عينيه على اتساعهما واستبيان الوقت بحدسه المبدئي الناتج عن سنوات من الخبرة حيث اعتاد لسنون طويلة الاستيقاظ يَوْمِيًّا في ذاك الموعد حتى وإن كان اليوم عطلته، ومن تخمينه الأولى ظنها قد تجاوزت التاسعة، قبل امتداد ذراعه الحرة بعد ذلك نحو الهاتف ينظر في ساعة شاشته، متُفَاجِئًا بها قد أوشكت على العاشرة!...
فرفع كفه يفرك براحة يده وجهه ويزيل عن عيناه عماصها، قبل أن يبدأ في نثر قبلاته فوق وجهها يبغي بذلك إيقاظها، فقد تخطت زوجته الكسولة الاثنا عشر ساعة من النوم المتواصل، حيث عاد مساء أمس في تمام التاسعة فوجدها نائمة، وإلى الآن لازالت تغفو بين ذراعيه كطفلة صغيرة غير عابئة بهموم الدنيا...
بالطبع يعلم أن كثرة نومها ذلك بسبب ما تحمله ويكبر بداخلها ولكنه حَقًّا اشتاقها، فهو يكاد يراها كل بضعة أيام كصدفة، وباقي ساعاتها تقضيها نائمة قريرة العين، وبما أن اليوم هو "الجمعة"، أي عطلته الرسمية فسوف يصر على تقضيه معها؛ لذا استمر في نشر قبلاته فوق وجهها نزولًا إلى عنقها الممشوق، بينما صوته يهمس اسمها مدللًا في اشتياق :
-(( رحمة.. حبيبتي.. يا رحمة القلب.. أصحي كفاية نوم وحشتيني ))..

تململت بين ذراعيه تهمهم في نعاس ممتعض دون فتح عيناها :
-(( حاضر.. حاضر.. بس هنام شويه كمان بس وهقوم ))..

قال معترضًا ويده تشق طريقها أسفل ردائها القطني القصير وصولًا إلى بشرة ظهرها العارية :
-(( لا مفيش شويه كمان.. أنتِ نايمة بقالك ١٣ ساعة يا مفترية حرام عليكي عايز أشوفك ))..

حركت ذراعها تقبض من فوق ردائها على كفه التي تعيث ببشرتها فسادًا أسفله، ثم استأنفت همهمتها المحتجة بعدما تحركت بجسدها تضم نفسها أكثر إليه وتُخفي وجهها داخل طيات عنقه :
-(( طب حاضر.. ساعة كمان بس وهقوم والله ))..

تشدق مهددًا ورافضًا اقتراحها بعدما تحرك بجسده واعتدل في نومته ثم مد كلا ذراعيه واحدًا أسفل خصرها والأخر أسفل ركبتيها استعدادًا لتنفيذ تهديده :
-(( ولا نص ساعة كمان.. قومي أفطري.. وكلي الكريز اللي بقالك ٣ أيام فضحاني ونفسك فيه.. وإلا والله هشيلك وأنزل بيكي تحت المياه عشان تفوقي ))..

قفزت من مرقدها تقابله بأعين مفتوحة على أخرها فور سماعها الكلمة المكونة من ستة أحرف وكأنها كل ما كانت تنتظر سماعه، بل وكأنها هامستر صغير أشتم رائحة طعامه من على بعد فتحضر لالتهامه، تسأله في اشتهاء واضح حيث لعقت بلسانها شفتها السفلية :
-(( بجد يا طاهر جبتهولي.. أنا هموت عليه ))..

سألها بعدما رفع زاوية فمه استياءًا وقوس حاجبيه حنقًا :
-(( هو ده اللي قومك.. طب مفيش صباح الخير؟!.. أو ربنا يخليك ليا.. أو حتى وأنت كمان وحشتني!.. يا مؤمنة ده أنا بشوفك تخاطيف كل يومين تلاته! ))..

عضت فوق أحدها شفتيها في ندم حقيقي، ثم قالت وهي تقترب منه وتطبع قبلة صغيرة فوق جانب فمه :
-(( حقك عليا ))..

لفت كلا ذراعيها حول عنقه تُدنيه بذلك منها أكثر، ثم أردفت تقول بعدما طبعت قبلة مشابهة على الجانب الأخر من فمه :
-(( وحشتني أوي أوي.. ربنا يخليك لينا.. وبعدين هو كل ده بسبب مين.. مش بسبب ابنك اللي مخليني عايشة في مجاعة! ))..

أنهت جملتها بأحتضان كفه، ثم فردتها فوق بطنها فأنفرجت أساريره المتجهمة على الفور، وبُسطت جبهته، قبل أن يقول وقد تحولت نبرته إلى الحارة :
-(( وهو عامل فيكي بس!.. مانا مذلول معاه لحد ما جبت أخرى.. جبت جااز.. عرفاه؟ ))..

قطع بجسده السنتيمرات القليلة الفاصلة بينهم، ثم أستطرد يقول في نبره عابثة بعدما حاوط بكلا ذراعيه جذعها :
-(( طب مفيش شكرًا على تعبك.. أي تصبيره كده حتى! ))..

همست توقفه في اعتراض واهن شجعه أكثر على فعل ما يُريد :
-(( طاهر مينفعش.. الدكتورة قالت ٣ شهور ))..

سألها بصوته المكتوم، إذ دفن وجهه في عنقها وبدأ يداعبها بشفتيه :
-(( طب ماحنا قربنا على ال٣ شهور أهوو... مجتش من مرة.. أرحميني دي جوازة منحوسه حد كان باصصلي فيها ))..

رفعت كفها تدفنه في خصلات شعره التي نمت أطول من المعتاد في الفترة الأخيرة، ثم همست تستوقفه بنبرة أقل اعتراضًا حيث بدأت كافة مقاومتها تتلاشى أسفل اجتياحه :
-(( طاهر مينفعش.. لسه أسبوع على ما أخلص ال٣ شهور الأولي ))..

رفع رأسه يقترب من وجهها بشكل حميمي واشكت أنفاسها معه على الانقطاع، بينما رد هو بنبرته العذبة التي تختفي معها كل سبل التفكير أو الامتناع :
-(( اعتبري الأسبوع خلص ))..

تسارع نبضها يطالبه باستئناف طريقه فيما يفعله، بل تسارعت وتفاعلت كل خلاياها معه رغم علمها بأنه يحاول أغوائها بكافة السبل المتاحة والغير متاحة حتى تستجيب لمطلبه، ولن تكن كاذبة فهي أيضًا كانت تحترق بنيران شوقها إليه كما يفعل وأكثر، وقبل أن تغوص أكثر في رحلة البحث عن تعقلها وإرادتها، كان يسحبها داخل دوامة من المشاعر العاتية، في لقاء طال شوقهم إليه ثلاثة أشهر كاملة.



*****************************



بداخل منزل يحيى...مَسَاءَا...

سار الهويني بأجفان تكاد تنغلق على نفسها من شدة الإرهاق، حيث قضى نهار البارحة كاملًا بالمشفى ثم اتبعه بدوام ليلى طارئ، إذ تفاجئ أمس مَسَاءَا قبل عودته إلى المنزل باتصال ملح من رفيقه يطلب منه العودة للمشفى والمناوبة عنه ليلًا بسبب حالة وفاة في العائلة اضطرته إلى السفر في الحال، فعاد يشغل مكانه بدلًا منه ثم واصل بعدها ساعات عمله النهاري اليوم صباحًا كالمعتاد، وعليه فقد قضى ما يقارب خمس وثلاثون ساعة مستيقظًا وبعيدًا عن زوجته ومخدعه، وهو أبدًا لم يكن من ذلك النوع الذي يستطيع النوم خارج فراشه، والآن وقد شارف على دخول منزله كل ما يطمع به هو حمام دافئ وفراش وثير، وبالطبع رؤية علياءه المحتلة أحلامه ويقظته معًا.....
وفور دلوفه منزله وسيره عدة خطوات بداخله حتى شعر بوجود خطأ ما غير مألوف لعينه، فرفرف بأهدابه عدة مرات متتالية يجبر عدستيه بذلك على التركيز والتقاط ما فاته قبل أن يستوعب ما حوله من تغييرات، إذا امتلأت جدران المنزل بإطارات خشبية ولوحات زاهية جديدة لم تكن موجودة من قبل، ثم انزلقت عيناه إلى الأرضية أسفله وقد جذبته ألوان السجاد الحريري الجديد، قبل أن تعود وترتفع مرة أخرى حيث أريكة غرفة المعيشة وقد تم تبديل وضعها لتواجه بذلك مدخل المطبخ "أي عكس ذي قبل"، وأخيرًا وليس آخرًا انتشار شموع وردية وحمراء اللون مع بعض الأكسسورات الأخرى في المكان ككل، باختصار كان المنزل يشع بلمسة أنثوية واضحة، وكأنها تُعلن لكل من يمر من هنا ملكيتها للمنزل!...
وقبل أن يصدر عنه فمه أو وجهه أي رد فعل رأها تركض نحوه مستقبلة إياه بابتسامة واسعة مشرقة، ثم بادرت بوضع قبلة رقيقة فوق وجنته وهي تُتمتم في اشتياق :
-(( حمدلله على السلامة يا حبيبي.. وحشتني ))..

بادل تحيتها الحارة بقبلة خاطفة طبعها فوق وجنتها المرتفعة، وأخرى عميقة فوق فمها، قبل أن يسألها في استغراب وهو يلف ذراعه فوق خصرها :
-(( الله يسلمك يا حبيبتي.. هو إيه اللي حصل هنا؟! ))..

ازدادت ابتسامتها السعيدة اتساعًا وهي تُلقي برأسها فوق صدره وتعقد ذراعيها خلف خصره، مجيبة عن سؤاله في حماس :
-(( إيه رأيك في التغيير اللي عملته للبيت.. عجبك؟!.. حبيت أغير شويه في ألوانه ))..

بعيدًا عن حجة الألوان وبداخله، كان يُدرك السبب الخفي وراء ذلك التغيير في الوقت الراهن خصوصًا وقد تواصلت معه "جيداء" اليوم الذي يسبق البارحة، وأخبرته برغبتها في العودة إلى "الإسكندرية" والتحدث معه، ولكن الآن لم يكن وقت المجادلة، بل عليه التركيز على ما هو أهم، ثم بعد أخذ قسط من الراحة يمكنهم التحدث مطولًا بهذا الشأن؛ لذا هتف يستفسر في حيرة :
-(( هو غريب بس منكرش أنه حلو.. وبعدين أنا من وقت كتب كتابنا قلتلك شوفي حابه تعملي ديكورات إيه في البيت وأنا معاكي.. بس المهم جبتي الحاجات دي منين؟!.. أنتِ مطلبتيش مني فلوس عشان كل ده! ))..

أجابته مبررة في نعومة وهي لازالت تحافظ على موضع رأسها فوق مضغته :
-(( كنت شايفاهم من فترة على الموقع وعجبوني بس كنت مستنيه أخد رأيك فيهم.. ولما كلمتني وقلتلي أنك مضطر تبات في المستشفى حبيت أعملك مفاجأة وترجع تلاقي البيت متغير فطلبتهم ووصلوا من كام ساعة بس ودفعت بالفيزا ))..

عقد ما بين حاجبيه حتى اختفت المسافة بينهم، ثم عاد يسألها من جديد ولكن تلك المرة في نفاذ صبر :
-(( تمام.. بس دفعتي بالفيزا أزاي وأنا كنت واخد الفيزا معايا؟! ))..

قالت في بساطة بعدما ابتعدت عنه ورفعت رأسها تطالع وجهه دون ارتخاء قبضة ذراعيها من فوق جذعه :
-(( بالفيزا بتاعتي ))..

هتف يستفسر في حدة وقد اكفهرت ملامحه وشعرت بجسده يتشنج أسفل ذراعيها، ناهيها عن عبوس ملامحه :
-(( نعم!!.. فيزة إيه دي بالظبط اللي دفعتي منها عشان أكون فاهم! ))..

مررت ملامحها فوق وجهه في ارتباك، تحاول معرفة سبب جموده وحدة نبرته، وعندما يأست في اكتشاف ما أحل به همست تجيبه في نبرة خافتة مختنقة :
-(( الفيزا بتاعتي يا يحيي.. اللي جواد عملهالي وبتنزل عليها أرباح نصيبي كل شهر.. غير الفلوس اللي بابا كان حطهالي فيها عشان اشتري جهازي وقت الفرح ))..

تلاشى صوتها في جملتها الأخيرة خاصةً بعد سماعها له يزفر مطولًا في عصبية لم تعهدها منه، ثم قال في حنق :
-(( الله!!.. وهو أنتِ اللي هتصرفي على البيت بفلوس عيلتك؟! ))..

زاغت حدقتيها تهبط بها على كل مكان سوى وجهه، وقد هالها رد فعله المندفع والغير مبرر من وجهة نظرها، وما هي إلا ثَوَانٍ قليلة حتى تجمع سيل من العبرات داخل أجفانها الصغيرة ينتظر منه أقل نظرة أو نبرة حتى تفيض مدامعه، ثم همهمت تجيبه مطأطأة الرأس بنبرة مرتعشة وقد أجهشت على البكاء :
-(( لا مش هصرف.. كل الحكاية أني أتجوزت بشنطة هدومي ومجبتش أي حاجة في البيت هنا زي البنات.. وبابا قالي عشان مفيش وقت خدي الفلوس ونقي أنتِ براحتك بعدين.. يعني متوقعتش أن الموضوع يضايقك كده على شويه حاجات بسيطه كنت المفروض أشتريها من الأول ))..

لم تشعر بأنها أخطأت، تَسَرَّعْت نعم ولكن من فرط حماسها مع وجود جزء ضئيل منها كان يريد فرض وجوده في المنزل قبل عودة تلك "الجيداء"، أما فكرة تخطيه أو إزعاجه أو الانتقاص من قوامته كما فهمت من عصبيته لم يخطر ببالها أبدًا، وما أن وصل عقلها إلى الاستنتاج الأخير حتى انخرطت في نوبة قوية من البكاء، فسارع بلف ذراعيه حولها وضمها إليه، ثم أخذ يتمتم معتذرًا في نعومة من بين قبلاته التي راح يطبعها فوق جبهتها وخصلاتها البنية :
-(( تمام.. تمام متعيطيش.. حقك عليا عشان اتعصبت.. بس أنا أضايقت من الموقف ))..

ردت من بين نبرتها المشبعة بالعبرات ودموعها المنهمرة والتي بللت قميصه :
-(( مكنش قصدي أضايقك.. لو كنت عارفة أنك هتزعل كده مكنتش طلبتهم.. خلاص أنا هرجعهم ))..

رفع كلا ذراعيه نحو وجهها، يمسح بأطراف بنانه ما يسقط من دموعها بيد، ويزيح خصلات شعرها التي التصقت بوجنتها المبتلة باليد الأخرى، قبل أن يقول معارضًا في حنو بالغ :
-(( لا مفيش حاجة هترجع.. أنا كمان حبيتهم زيك وعايزهم ))..

رفعت كفها تمسح بظاهره بعض الدموع العالقة بأهدابها، ثم تمتمت تسأله في حيرة :
-(( يعني إيه؟!.. نخليهم أزاي وأنت مضايق أني دفعت؟ ))..

تتبع خط شفاها المبتلة بعدة قبلات صغيرة بدأت من بداية فمها حتى نهايته، ثم قال مدللًا ومبتسمًا :
-(( بسيطة.. هدفع أنا فلوسهم.. بس بعد كده بعد إذنك أي حاجة ليها علاقة بالفلوس بلغيني قبلها.. وأنا هسيبلك الفيزا بالباسورد كلها تحت تصرفك.. حلو كده؟! ))..

حركت رأسها موافقة بابتسامة باهتة دون تعليق، بينما عاد عقلها يتذكر تجربتها السابقة وأول من ارتبطت به وكيف كان يتعمد استغلال أموالها وأموال والدها في بناء بيته، وقتها علمت لما وقعت في حب طبيبهاx ذو البحيرات الزمردية...
أما عنه هو "يحيي"، فبعد فترة قصيرة من الصمت تخللتها بعد القبلات من جهته، سألها ملاطفًا :
-(( ألا قوليلي.. كده دي تعتبر أول خناقة رسمية بينا صح؟! ))..

أجابته وابتسامتها العاشقة تملأ ثغرها وتغلف عدستيها :
-(( لا كنا بنتخانق من كام يوم بسبب زوحلف تقريبًا ))..

قال مصححًا وهو ينحني بجذعه نحوها ويضع ذراعيه خلف ركبتيها تمهيدًا لحملها :
-(( لا دي كانت مناقشة بس عميقة شويه.. لكن النهارده أول خناقة حقيقية بينا.. فلازم يكون ليها طقوس صلح خاصة ))..

تلاشت دموعها وتلاشي معه حزنها، بل كل الأصوات من حولها، ولم يبق في عقله سوي نبرته العابثة والتي صارت تعلم جيدًا ما يأتي خلفها.



**********************************


بعد مرور شهرين....

في المساء...

عاد جواد إلى منزله وداخله ينتوي الليلة المواجهة والانتهاء من حالة الكر والفر التي أصبحت مهيمنة على علاقتهم، فكلما أراد الاقتراب منها تبتعد، وكلما حاول الابتعاد عنها وجدها على استحياء تقترب، أصابت عقله بالتشوش والحيرة في الوقت الذي يشعر بها تتغلغل أكثر إلى أعماقه وتفرض سيطرتها على تفكيره، فبات وأصبح كل ما يود فعله في يومه هو تنفيذ أعماله ثم العودة راكضًا إلى المنزل لقضاء باقي وقته برفقتها هي وطفلته، خصوصًا وقد تطورت العلاقة بينها وبين الصغيرة بشكل ملحوظ حتى أنه صار يشعر وكأنه هو الدخيل بينهم من قوة ارتباطهم ببعضهم البعض، ولم يكن هو بذلك الرجل الذي يرى الأمور من منظار ضيق، أو يخشى تعلق صغيرته بامرأة لم تنجبها، بل كان سعيدًا كل السعادة بحب زوجته لابنته والعكس صحيح، وكلما غمره ذلك الشعور كلما كان يتطلع إلى المستقبل في طمأنينة، فقط ينتظر حتى يكتمل زواجه ويشرعا في إنجاب أطفال آخرين يكتمل بهم بنيان عائلته، لن يستعجلها ولن يضغط عليها ولكنه أيضًا يرى قبولها للمساته الحميمية المباغتة لها من وقت لأخر، ويري كيف تبادله إياها بشغف، وإن كان ما ينقصها هو المواجهة فلها عليه ذلك.. وهذا المساء..
وعليه دلف غرفة نومه في تأهب يعلم بوجودها داخلها، حيث أصوات ضحكاتهم الرنانة تصل إليه بوضوح منذ وطأت قدمه الممر المؤدي إليها....
وفي بادئ الأمر لم تلتقطهم عيناه بل واستغرق بعض الوقت حتى استوعب عقله مكانهم، حيث قامت غفران بنصب خيمة اللعب الزرقاء الصغيرة في جانب الغرفة امتثالًا لطلب الطفلة، ثم جلسا يمرحان بألعابهم الطفولية داخلها....
فاتسعت ابتسامته الراضية وصرخات استمتاعهم تصل إليه، قبل أن يهتف باسم طفلته فسارعت بالخروج من خيمتها الصغيرة تقفز إلى أحضانه، هاتفة اسمه في ترحاب شديد :
-(( بابي.. وحشتني ))..

انحني بجذعه يستقبلها أولاً قبل أن يرفعها إلى مستواه ويحيطها بذراعاه، بينما شفاه تطبع قبل متتالية فوق جبهتها وكفها الصغير، قائلًا في نبرة آجشة :
-(( ممكن أعرف بتعملوا إيه جوا من غيري ))..

أجابته الطفلة وعيونها تشع سعادة وحماس في نفس الوقت الذي خرجت من تبحث عيناه عنها إلي مرمى بصره :
-(( كنا بنخيم أنا وغفرانو عشان نلعب براحتنا ومحدش يزعجنا ))..

همهم موافقًا في خفة، قبل أن يداهم عنق صغيرته ويدغدغها بشفتيه مصدرًا من حنجرته صوتًا ينم عن الاستمتاع بمذاقها وكأنها يلتهمها، بينما تعالت ضحكات الطفلة الصاخبة في المكان حتى انقطعت أنفاسهم معًا فتوقف عما يفعله، ثم قال للصغيرة في جدية بعدما وضعها أرضًا وسلط نظراته فوق من تراقبهم في شغف :
-(( ليلو.. ينفع تروحي لنانا النهاردة وهي هتنيمك معاها عشان محتاج أتكلم مع غفران في حاجة مهمة ))..

نفذت الطفلة مطلبه دون تعقيب، فقط قامت بتقبيل وجنتيه وكذلك فعلت مع والدتها البديلة، ثم انصرفت وتركتهم يقفا في مقابلة بعضهم البعض، بينما الخفقات المتوترة تكاد تصل عنان السماء، قاطعًا جواد الصمت الرتيب الموتر من حولهم عندما قال مباشرةً دون تأجيل :
-(( تعالي يا غفران اقعدي.. محتاج نتكلم سوا شويه ))..

أطاعته وتحركت تجلس على طرف الفراش وعيونها تزداد فضولًا مع مرور الوقت، تترقب وتخشي ما هو قادم، حتى قال بصوته العميق :
-(( أحنا بقالنا ٤ شهور من وقت كتب الكتاب تقريبًا كده.. وشهرين من وقت ما نقلتي البيت هنا.. هل مش حابه التجربة أو بعد عشرتنا مش شايفة أنك عايزه تكملي معانا في البيت.. أو الأهم نافرة مني ومن لمستي؟! ))...

أي نفور يتحدث عنه ذلك الأحمق ذو النبرة الناعمة!، ألم يعلم أن النظرة منه لها تساوي الدنيا وما فيها!، هذا ما أرادت النطق به ولكنها لازمت الصمت وفضّلت تحريك رأسها تنفي ما سأله، ولو رفعت رأسها إليه لرأته يكتم أنفاسه منتظرًا على أحر من الجمر ردها، وما إن آتاه حتى زفر في راحة، ثم أردف يقول في جدية وترو بعدما امتدت كفه كي تحتضن كفها :
-(( عظيم.. يبقي لازم تعرفي كل حاجة ومن بعدها أتعشم نبدأ حياتنا بجد سوا كأي زوجين طبيعيين ونحاول نبني أسرة من أول وجديد ))..

تنحنح لتقنية حلقه ثم شرع يتحدث في صراحة وهدوء :
-(( طبعًا خليكي عارفة أن كلامي اللي هقوله مش الغرض منه أنك تحكيلي في المقابل عن زواجك السابق.. الماضي هيفضل ماضي ومش عايزه ياخد مكان في الحاضر.. ويمكن اللي هقوله دده يضايقك بس أنا راجل واضح وصريح.. ولو مصارحتش شريكتي بكل حاجة وبدأت معاها حياتي على نور هحس أني مخادع وده مش طبعي.. وده اللي حاولت ابنيه مع رنا ومنفعش.. كنت راسم صورة لحياتنا سوا مثالية.. مشاركة وحب واهتمام ورضا.. وقبلهم وفاء بس ملقتش ولا حاجة منهم للأسف..
يمكن بحكم دخولك في قضية قتل رائف توقعتي.. أو خلينا نكون صرحا للأخر فهمتي أن رنا ورائف كان بينهم علاقة قضت عليهم سوا.. بس اللي أنا مقلتهوش لحد ولا حتى ليكي بشكل مباشر أن العلاقة دي كانت من قبل طلاقنا.. يعني كانت عرفاه وهي على ذمتي.. وده سبب الطلاق الأساسي وبُعدها عن أي حاجة تخص حياتي أو حياة لينة....
طبعًا مش سهل على راجل زيي يعترف أنه مكنش مالي عين مراته وأتمنى بالفكرة دي تقدري ليه محكتلكيش قبل دلوقتي ))..

شعر بجسدها يرتجف تحت لمسته تأثرًا، فبماذا تخبره؟!، وماذا تقول له أو تواسيه؟!، بأنها أيضًا ذاقت من نفس الكأس وتعلم طعم المرارة؟، لن تقدم جديد فهو على علم بكل ما مرت به خلال زيجتها الأولى؛ لذا استمرت في الصمت، بينما ضغط هو بقوة على كفها مطمئنًا، ثم أردف يضيف بشيء من الحزن والازدراء :
-(( بعدها كنت زي اللي مضروب على دماغي رغم أني نجحت مبينش حاجة لحد.. كل اللي عملته غذيت نفسي على كرهها وبس.. وقعدت ألوم نفسي كتير على كل اللي عملته معاها وقدمته ليها.. وطبيعي لما حد بيتخدع من حد أول حاجة يعملها يروح يدور على نقيضه..
وده اللي حصل معايا بالظبط.. كنت بدور على نقيض رنا في كل حاجة.. كنت عايز واحدة محجبة عشان هي مكنتش محجبة.. واحدة مش بتسلم على رجاله عشان رنا كانت بتسلم على رجاله.. واحدة أهلي حبوها لأن أهلي كانوا معترضين على جوازي منها من البداية.. واحدة قنوعة بدل رنا الجشعة.. وعلي ده قيسي كل حاجة بقي.. وكان النموذج اللي قدامي واحد بس.. رحمة.. ))..

شهقة خافتة فلتت من فمها الشبه مُغلق وقد فاجئها ما نطقه فرفعت رأسها تناظره في عدم تصديق، فما كان منه إلا أنه أومأ برأسه مؤكدًا ثم استطرد يقول في خزي :
-(( أيوة رحمة.. ما كان ظروف جوازها من طاهر كلها على إيدي وكنت عارف قد إيه هو بيكرهها.. وعارف برضه أنه كان ناوي بعد فترة يطلقها.. والغريب أن في الفترة دي مكنتش شايف عيب أني أُعجب بيها.. لأ وعقلي كان بيبررلي كمان أنه عادي لو بعد ما أنفصلت عن طاهر تتجوزها أنت.. خصوصًا مع اقتناعي أنها بريئة.. طاهر بس هو اللي كان غضبه عاميه عن كل صفاتها الحلوة..
وفي وسط مانا معجب برحمة أتعرفت عليكي.. أو الأصح دخلتي حياتي.. ولقيتك واحدة واحدة بتتسرسبي في تفاصيلي.. حسيت أنك مسؤولة مني.. صديقة عايز أساعدها.. ومن صديقة عايز أساعدها لصاحبة بحب أسمع لها وأقضي يومي معاها.. ومن صاحبة بحب اقضي وقت معاها.. لواحدة جدعه أوي.. بقت جزء مقدرش أستغني عنه من حياتي.. خايف عليه وحاسس بيه.. شبههي وشبهها.. كل ده وأنا معجب برحمة.. متستغربيش من تصرفات راجل مخدوع ))..

ابتسم وكانت ابتسامته بعيدة كل البعد عن المزاح أو السعادة، بل كانت ابتسامة مليئة بالوجع والحسرة، لم تكن حسرة على الخادع بقدر ما كانت مرتبطة بألم المخدوع، ثم أردف يقول في سخرية :
-(( لو قلتي مجنون في سرك دلوقتي مش هستغرب.. ولو قولتيها بصوت عالي مش هزعل..
ومع الأيام خلاص بدأت رحمة تشغل طاهر زي ما شغلتني مع الفرق.. كان هو كل ما يغوص فيها.. أنا بتشد لجنية تانية.. زيي ومني.. بتفهمني من غير كلام وأنا بعرفها من عيونها.. ومعاها رجعت أعرف أن الست المحترمة مش بحجاب والتزام.. وإنها مش لازم تبعد نفسها عن الرجالة عشان تبقى شريفة.. الست اللي بجد.. هي اللي تقف وسط مليون راجل وتجبرهم يحترموها.. الست المحترمة بجد واللي متقلش عن رحمة.. هى "غفران".. اللى صوتها بيقف في المحكمة يجلجل ويجادل ده ويجيب حق ده.. وفي نفس الوقت حاطه بينها وبين الكل وأنا أولهم ألف سور.. وهي دي اللي عرفت تدخل جوة قلبي وتتربع فيه.. عرفت تملكه وترجعله الثقة بكل بساطة ومن غير ما يحس.. واللي عارف أنها مسألة وقت قبل ما تتحكم فيه ويبقى ملك ليها ورهن إشارتها.. زي ما أنا قاعد دلوقتي مستني تقبليه بعد كل اللي قلته ده أو ترفضيه ))..

خفق قلبها بعنف وكأنه يحاول كسر أضلعها والتحرر، بينما زاغت أبصارها ولهثت أنفاسها من هول ما تسمعه، هي!، رحمة!، يريدها هي!، حركت رأسها تنفضه في قوة وكأنها أصابها مس، ثم همست تسأله وهي ترتجف من أعلى رأسها حتى أخمص قدميها :
-(( بس رحمة أختك!!.. أزاي!! ))..

بلع لعابه في صعوبة تحركت على أثرها تفاحة آدم بداخل عنقه، ثم أجابها قائلًا في نبرة لا تحمل مجالًا للشك :
-(( رحمة مش أختي..عمرها ما كانت ))..

*************************

في صباح اليوم التالي....
بداخل صرح عائلة المناويشي... وتحديدًا بغرفة رئيس مجلس الإدارة...

جلس طاهر يفرك عينيه في إرهاق بعد قضاءه ليلة مؤرقة بسبب بعض التشنجات التي أصابت رحماه ولم تنتهي حتى ساعات الصباح الأولى، فقرر حينها وبعد تأكده من انخراطها في النوم الذهاب إلى الشركة وبدأ يومه باكرًا ثم العودة للمنزل في منتصف النهار وها هو قد أوشك على الأنتهاء والذهاب، هذا ما وعد به نفسه مقاطعًا بعد نصف ساعة تدقيقه في بعض الأوراق نقر خفيف فوق باب الغرفة يليه صوت "جواد" يستأذنه في الدخول، فسارع يعطيه الإذن قبل أن يسأله في قلق فور رؤيته :
-(( شكلك غريب كده ليه؟!.. كأنك مش نايم! ))..

ابتسم جواد في سخرية من حال السؤال وحاله، هل يخبره بأنه قضى ليلته ساهرًا بعدما اعترف لزوجته بإعجابه بزوجة قريبه والتي يظنها الجميع شقيقته!، أم يخبره بصدمتها مما سمعته وهجرها مخدعه وإلى الآن لم يلمح لها طرف!، تنهيدة حارقة صدرت من جوفه المشتعل قبل أن يقول كاذبًا :
-(( لا مفيش.. مشربتش قهوة بس فمش عارف أفوق.. المهم أنت إيه الأخبار.. ورحمة والبيبي عاملين إيه.. عرفتوا ولد ولا بنت ولا لسة؟! ))..

تنهد طاهر في إجهاد، ثم عاد واستند بجذعه على ظهر مقعده، قائلًا في تعب :
-(( الحمدلله.. تخيل لسة.. دخلت في الخامس أهو وكل مرة الدكتورة تقول مش باين.. طبعًا رحمة عايزه ولد تسميه مصطفى.. بس أنا أي حاجة بالنسبالي نعمة من ربنا ))..

كان يبتسم في سعادة تسللت إلى فم رفيقه فوجد نفسه يبتسم هو الأخر بالمقابل، قبل أن يقول في حب :
-(( عندك حق.. أي حاجة من ربنا حلوة.. بس بمناسبة مصطفى.. في جديد في القضية؟! ))..

أجابه طاهر في نبرة اعتيادية :
-(( أنت عارف حبال المحاكم طويلة.. كل ده في أول جلسة.. بس التسجيلات والشهود والبصمات كلها ضد الولد.. يعني هيتحاكم هيتحاكم.. أينعم هيدخل الإصلاحية بس مجرد الحكم هيريح قلبها ))..

حرك جواد رأسه موافقًا، ثم سأله في اهتمام :
-(( إن شاء الله.. المهم قولي جبت ورق الأسهم معاك عشان بابا يعيد توزيعه زي ما طلب؟!.. كل يوم يسألني وأقوله الورق في بيت طاهر هيجيبه ))..

قال طاهر معتذرًا :
-(( كلها ربع ساعة بالكتير ويوصل.. كنت فاكر أجيبه معايا الصبح وأنا نازل وانشغلت برحمة ونسيت.. بس من شويه كلمتها ومن حظك طلعت صاحية على غير العادة وقلتلها هبعت عم ماهر السواق تديله أوراق من الخزنة السرية اللي فيx المكتبة بتاعة أوضه المكتب.. وزمان عم ماهر وصل عندها دلوقتي متقلقش ))..

قطب جواد جبينه قبل أن يسأله في استنكار :
-(( هو أنت عرفت رحمة مكان الخزنة اللي في المكتبة!.. لا وكمان عطتها رقمها السري!.. غريبة.. دي أول مرهxتعرفه لحد غيري.. حتى ريم معملتهاش معاها ))..

رفع طاهر رأسه يطالعه في حدة، ثم قال ناهرًا في ضيق :
-(( أنت هتجيب ريم لرحمة!.. وبعدين إذا كنت مأمنها على حياتي كلها وابني اللي جاي في الطريق!.. مش هأمنها على شويه ورق!!.. غير أن الخزنة مفيهاش غير أوراق الأسهم والملكية ومستندات أبو المجد اللي رضا هياخدها والجواب اللي مرات خالها وصلتهو...... ))..

قفز من مقعده فور تذكره لما تحويه تلك الخزنة، قبل أن يضيف وهو يسحب هاتفه في عصبية يحاول التواصل معها وإيقافها :
-(( يا نهار أزرق.. الجواب يا جواد!!.. الجواب مكتوب عليه أسمها محطوط مع الأوراق.. أنا إزاي أنسى حاجة زي دي وأخليها تفتحها! ))..

كان يتحدث وهو يقطع الغرفة ذهابًا وإيابًا بجسد متشنج، بينما يعاود الإتصال بها مرة بعد مرة دون جدوى، وعندما يأس من الوصول إليها عن طريق الهاتف، قال بعدما انحني والتقط سترته ومفاتيحه :
-(( أنا هاخد أي عربية من عربيات الشركة وأروح البيت... إن شاء الله متكونش شافته بس لازم اتأكد واغير مكانه ))..

لم ينتظر رد رفيقه بل أنهى جملته وركض مسرعًا نحو الخارج ومنه إلى مرفأ السيارات، بينما هاتفه لا يتوقف عن محاولة التواصل معها، ولقرب المسافة بين مقر الشركة الجديد ومنزله، لم يستغرق الأمر منه سوى سبعة دقائق وكان يركض من جديد بأنفاسه اللاهثة داخل حديقة منزله ومنها مباشرةً إلى غرفة مكتبه، قبل أن يدلفها ويراها متسمرة مكانها بجوار المكتبة، تقبض بكف مرتعش على الورقة البيضاء الحاملة سرها، وعند شعورها بوجوده رفعت رأسها ببطء تطالعه، هامسة بصوت مرتجف بينما دموعها تتطاير مع ذرات الهواء حولها :
-(( أنا بنت مغتصب! ))..


شيماء_يوسف غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 22-02-21, 07:08 PM   #90

شيماء_يوسف

? العضوٌ?ھہ » 474730
?  التسِجيلٌ » Jul 2020
? مشَارَ?اتْي » 58
?  نُقآطِيْ » شيماء_يوسف is on a distinguished road
افتراضي

الفصل الثالث والأربعون

أُحِبُّك حُبَيْن حُبِّ الْهَوَى
وَحُبًّا لِأَنَّك أَهْلٌ لِذَلِكَ.
قَالُوا الْفِرَاق غدًا لَا شَكَّ قُلْت لَهُمْ
بَل مَوْت نَفْسِى مِنْ قِبَلِ الْفِرَاقِ غدًا
فَفِي ودعينا قَبْل وَشَكّ التَّفَرُّق
فَمَا أَنَا مِنْ يَحْيَا إلَى حينِ نلتقى.

-المتنبي..

من مسلمات الحياة أن الأب هو حامي الفتاة الأول واليد التي تحيل بينها وبين السقوط، كما أنه هو ذاك الفارس والقدوة وواهب العشق غير المشروط...
هو النبراس الذي ترى من خلاله ضوء الحياة، ويمثل لها في مختلف مراحل عمرها طوق النجاة، ربيعها الدائم، وظلها القائم، قاهر الأحزان ورمز الأمان، ولكن ماذا لو.....
أجلسته الفتاة على عرش قلبها، ونصبته ملكًا لفؤادها، ثم استيقظت ذات صباح واكتشفت أن ذلك التمثال العالي الذي ظلت تنحته منذ نعومة أظافرها سقط حطامًا إلى ملايين الأجزاء، ثم أتته ريح عاصف بعثرته هنا وهناك، فأصبحت حتى ذكراه منثورة كالهباء!!.....
يا له من خذلان لا يضاهيه خذلان!!!....
همستها كهلوسة أقرب منها إلى جملة خبرية موجعة، نطقتها بمُقلات زائغة وكأنها تستجديه أن ينفي عنها ما لا يستطيع كاهلها حمله، ومضات وومضات مرت أمام عينيها، عن حمله لها فوق أكتافه والركض بها، عن مواساته عندما سخرت إحدى رفيقاتها من لباسها.....
عن ابتسامته المشجعة عند سقوطها للمرة الأولى من فوق دراجتها، عن ربته المستمر فوق ظهرها، عن ثقته الدائمة بها، مئات، بل الآلاف الذكريات الحية تحولت إلى أظافر دب ينهش روحها، نافذًا بيده أعمق وأعمق وكأنه يرفض الخروج من داخلها، إلا ومضغتها بين براثنه متهالكة.....

بينما وقف "طاهر" على بُعد مسافة ضئيلة منها، يتابع صورتها المرتجفة أمام عيناه بجسد متأهب للوصول لها في أي لحظة، ولم يدري أهي من ترتعش، أم حدقاته فتظهر صورته له بالتبعية مهتزة خائفة!...
وقبل أن يلهمه عقله جملة مفيدة للنطق بها أو الاعتذار، استأنفت هذيانها تقول مبررة :
-(( أنـ... أنا مككنش قصدي.. أنا لقيت أسمى على جواب وأنا برفع الظرف اللي طلبته.. فـ...فكرتك عاملي مفاجأة وقاصد أفـفتح الخزنة وأشوفه.. فأخدته قريته.. وطلع اغتصبها.. أنا بنت أب مغتصب.. أنا بنت حر........... ))..

سقطت الورقة أسفلها عندما ارتخت قبضتها من فوقها وتركتها ترقد هناك تحت أقدامها بازدراء، بينما قاطع كلمتها يد طاهر التي ارتفعت إلى فمها كي يمنعها من النطق بها بعدما قفز الخطوات القليلة الفاصلة بينهم، يقول لها مستجديًا في يأس :
-(( متكمليش.. أنتِ أحسن حد في الدنيا.. أنتِ في عيني أشرف وأطهر من أي واحدة عرفتها.. اللي حصل زمان ميعبكيش ولا ذنبك.. وصدقيني مكنتش عايزك تعرفي.. كنت عايز السر يموت بموتهم سوا.. غيرت تحليل إثبات النسب عشان متعرفيش.. واتحايلت على عمي وجواد يثبتوا نسبك ليهم رغم أنه غلط بس عشان متمريش بالموقف ده.. وكنت مستعد أعمل زيادة.. أخليكي تورثي في عمي من فلوسي.. وأتنازل عن جزء من أسهمي في الشركة على قد نصيبك.. ولولا أن مرات خالك وصلتلي الجواب ده وأمنتني عليكي وعليه كنت قطعته ودفنت الحقيقة معاهم ))..

وكأنه باعترافه عن علمه بكل ما حدث وبل ومشاركته في إخفاءه أعاد إلى عقلها جزء من عمله، والبداية كانت من الغضب، إذ قامت بدفعه من أمامها بقوة، تُبعده عنها بقدر ما سمحت لها قوتها الهزيلة، متمتمة في هياج :
-(( أنت كنت عارف.. كنت عارف أن باب..... ))..

صمتت لوهلة وقد تجهمت ملامحها، بينما اسنانها تضغط فوق شفاها في عنف تحاول تدارك خطأها، قبل أن تستطرد عتابها :
-(( كنت عارف أن عز هو اللي اغتصبها!... وإن أبو رائف بريء من كل حاجة ورغم كده وقفت قدامي تتهمه إن هو اللي كان بيضايقها وحاول يعتدي عليها!!.. ظلمته زي ما هو ظلمه زمان!!.. وكل ده عشان إيه.. عشان خالي رفض يجوزهاله لأنه كان فعلًا مرتبط!!.. أزاي سمح لنفسه يضحك ويلعب بالكل عشان يوصلها!.. يعني أنا دلوقتي مش بس بنت مغتصب.. لا وكمان بنت إنسان ندل وجبان خاين حتى لاصحابه!!.. طب ما طبيعي يحصل فينا كده!... طبيعي كل اللي عمله زمان يتردله.. طبيعي يفلس ويتعب ونخسر فلوسنا وبيتنا! ده أقل عقاب من ربنا على خداعه.. طبيعي رائف يكرهه ويكرهني ومش بعيد يكون اللي عمله فيا كمان عدل.. مش بيقولوا الأبناء بتدفع تمن أخطاء الآباء!......))..

توقفت عن الحديث تسحب نفسًا طويلًا إلى داخل رئتيها لتهدئة انفعالها، وقد نجحت أخيرا بعد خضوعها إلى كثير من جلسات التدريب الخاصة السيطرة على نوبات مرضها أو على الأقل الحد منها، ثم أردفت تختم جملتها في حسرة :
-(( وفي الأخر أنا شايله اسمه مش حد تاني.. يعني رجعت رحمة عز الدين النويري من جديد!.. بس عارف إيه اللي مش طبيعي؟!.. إنها تقبل تتجوزه وتعيش معاه حياة كاملة بعد كل اللي حصلها منه!.. لا وتخلف منه تاني وتوهمنا أننا أسرة سعيدة محترمة! ))..

تهدلت أكتافها وطأطأت رأسها للأسفل، بينما ارتفع ذراعها الأيسر يحاوط بطنها، بعدما سلطت أنظارها فوق الانتفاخ الظاهر أمامها، وكأنها تحميه أو ربما توعده في صمت ألا يلاقي مصيرها، هذا أقل ما تقدمه له، فعلى عكس ما يقال، فاقد الشيء يعطيه بقوة، يعطيه بروحه وبكل جوارحه....
أما عن طاهر فقد أستغل فرصة هدوءها النسبي في الاقتراب منها، وقبل أن تصل يده إليه، كان تصرخ به ناهره في حدة، وقد جدد باقترابه منها شحن طاقتها الغاضبة من والدها ووالدتها، بل ومنه ومن الجميع :
-(( أيدك!... أوعى تفكر تقرب مني.. مش عايزه حد في حياتي.. سامع.. كفاية عليا أبني.. ابعدوا عنني.. محدش يقرب مني.. كلكم كدابين.. أنت كمان كدبت عليا سبني.. سبني وأبعد عني.. أنا تعببببت ))..

حرك رأسه رافضًا في تشنج واضح، بينما ركض بجسده الشبه متخشب نحو باب الغرفة يغلقها بالمفتاح، ثم عاد يقف أمامها يضمها إليه هاتفًا في نبرة حاسمة قاطعة :
-(( مستحيل.. مش بعد كل اللي مرينا بيه تقولي كده.. ازعلي واحزني وصرخي واحنا هنا.. مش هنخرج من الأوضة دي غير واحنا متراضيين.. حتى لو قعدنا فيها مية سنة.. سمعاني ))..

بدأت تلكمه بكلا كفيها في صدره وذراعيه، تحاول إبعاده عنها، في حين صوتها لا يتوقف عن النحيب والصراخ، حتى خارت قواها وأعلنت قدميها عليها العصيان فارتمت بجسدها المتعب والمثقل بحمله فوق كتفه وقد تحول نشيجها إلى همهمة خافتة بفعل يده التي تمسح على ظهرها، وصوته الناعم الذي يهمس مواسيًا ومفسرًا لها، ففي الأخير مهما بذلت من جهد لن تستطيع إخفاء الحقيقة إلى الأبد، بل سيأتي وقت وتفوح به رائحتها معلنة عن وجودها للجميع!.... وهذا ما حدث :
-(( أنا أسف إني خبيت عليكي الحقيقة.. بس وقت ما عرفتها كنت لسه مكتشف وثيقة تاريخ ميلادك الحقيقية ومش عارف راسي من رجلي أو اتصرف ازاي..
ويومها لقيت السكرتيرة داخلة عليا وبتقولي أن في واحد طالب يشوفني ضروري وبيقول أنه ابن خالك شهاب.. وجايلي مخصوص من القليوبية..
استقبلته على طول وبعدها بلغني أنه مرسال من والدته مريضة السرطان.. عندها أمانة تخص ميلادك.. ولازم أجي بنفسي استلمها منها.. طبعًا مكدبتش خبر وسافرت من غير تفكير.. ولما وصلت لقيت مرات خالك حالتها مدهورة.. وحكتلي معاناتها مع الكيماوي وأنها حاسة أن الآجل قرب.. وما صدقت عرفت من عمك أنك اتجوزتي.. وشافت أن الأمانة اللي فريدة والدتك سابتها معاها وحلفتها إنك متعرفيش جواها إيه غير بعد موتها هي وعز ده وقتها.. وطلبت مني أشيل أنا الحمل ده عنها.. ووقت ما أحس أنه الوقت المناسب أقولك الحقيقة وأسلمك الجواب.. بس من فضولي مقدرتش استني وأول ما استلمته فتحته وعرفت اللي فيه ))..

تحرك يجلس بها فوق الأريكة حيث شعر بإرهاقها وخفوت تنفسها الضارب نسيج قميصه، وكان صمتها وقبولها التحرك معه هو خير دليل على خوار قواها، لذا انتهز الفرصة في استئناف حديثه وإخبارها ما حدث والاعتراف لها ربما تهدأ قليلًا من ناحيته إذا علمت بالظروف التي اضطرته إلى الكذب عليها :
-(( صدمتي مكنتش تفرق حاجة عن صدمتك لما عرفت أن والدك خدع الكل.. عمي وأبو رائف وحتى شهاب خالك.. وفي الأول عمل كل التمثيلية دي عشان يوصلها وهو اللي يتجوزها.. بعد ما أتقدم لها وخالك رفض لأنه عرف أنه خاطب بنت خالته هنا في مصر.. ولما عمي عرض يتجوزها ويحميها ملقاش قدامه حلول غير أنه يغتصبها..
وقتها كنت حبيتك.. فخفت عليكي من الصدمة.. واللي شجعني على فكرتي رائف.. ساعتها اتقابلنا وهددني بسرك.. بس هو كان عارف نص اللي أنا وصلتله بس وفاكر أنك بنت عمي.. وجزء مني حب الفكرة دى.. كنت أناني وشفت أني كده بربطك بيا وبحميكي.. يعني مصلحة ثنائية
فـ جريت اعترف لعمي وجواد بحبك.. واتحايلت عليهم يساعدوني نقنعك أنك بنت عمي أنور.. وحلفتهم أن اللي في الجواب واللي هنتفق عليه محدش يعرف بيه..
غلطت ؟!.. اه معترف.. بس غلطي كان بسبب حبك ولو رجع بيا الزمن هكرر غلطتي تاني.. وعليهم هقطع الجواب ده عشان مايوصلش لأيدك ومتحسيش باللي أنتِ حساه دلوقتي ))..

رفعت رأسها من فوق صدره، ثم مسحت ما تبقى من عبراتها العالقة بأهدابها وقد جفت دموعها حَقًّا، بل جفت رغبتها في الحياة من الأساس، ثم همهمت تقول في إعياء :
-(( لو سمحت.. عايزه أقعد مع نفسي شويه ))..

فتح فمه للاعتراض فقاطعه مضيفة في إنهاك واضح :
-(( طاهر من فضلك.. محتاجة ارتاح في سريري.. افتحلي الباب عايزه أروح اوضتي ))..

استسلم لطلبها خاصةً بعد رؤيته زيغ إبصارها، وعليه تحرك يفتح باب الغرفة من جديد ويحررها، بينما سارت هي حتى موضع سقوط الورقة البيضاء وانحنت تلتقطها، قبل أن تستقيم من جديد في وقفتها وتسير بجسد مترنح نحو معزلها، وصدى كلمات والدتها المكتوبة لازالت تتردد في دهاليز عقلها المصدوم، وربما سيظل يتردد إلى الأبد مع باقي الخيبات العالقة هناك.


*************************

( طفلتي الغالية.. رحمة....
إذا كنتِ تقرئين هذا الخطاب الآن فذلك يعني إنني لم أعد بجوارك، وقد أدت "رئيفة" مهمتها بتسليم تلك الأمانة إليك بعد وفاتي بِنَاءَا على وصيتي الخاصة لها.....
في البداية وقبل أن أقص عليك بضع صفحات من الماضي أود أن أطلب منك التمهل والقراءة إلى النهاية، فأنا أعلم طباعك جيدًا عزيزتي، ولن أستبعد مطلقًا إذا القيتي بالخطاب بعيدًا عنكِ وأعرضتي عن استكماله...
كما أعلم بأنك ستثورين وتغضبين، بل وستلومين نفسك على ما لم تجنهِ يداك، وعلي الجُرم الذي لم تشاركي به من الأساس....
وهذا ينقلني إلى الطلب الثاني.... "المغفرة"، لذاتك قبل كل شيء، ثم له ولي، فالحياة ليست أبيض أو أسود كما اعتدتي رؤيتها، بل هي في أغلب الأحيان رمادية كئيبة، وعلي المرء قبولها بكل تقلباتها السيئة قبل الجيدة، فالحزن على ما مضى كما البكاء على اللبن المسكوب، لا يُغني ولا يُسمن من جوع....

وأخيرًا عليك المعرفة أنني أبدًا لم أكن انتوي إخبارك بالحقيقة الموجعة، ولم يكن مقصدي من الكتابة إيلامك، بل على العكس، كنت أود الالتحاق به إلى العالم الآخر وأنا أحمل سرنا الصغير بين طيات صدري، ولكني خشيت عليكِ المستقبل، فالحقيقة مثل مجرى النهر دائمًا ما تشق طريقها وتصل إلى وجهتها الأساسية....
وبعد وفاة والدك ومرضى توجست خيفة من ظهور نصفها فقط، لذا قررت إخطارك بها كاملة، ولأنني دائمًا ما كنت سلبية ضعيفة أتنقل من تبعية شخص إلى آخر دون امتلاك شجاعة المجابهة، قررت عدم مواجهتك كالعادة وإخبارك بها من خلال الحروف ومن خلف السطور، فاقرئي جيدًا عزيزتي الجزء المثير من حياتي والخاص بميلادك....

كنت قد أتممتُ عامي الثامن عشر للتو وحصلت على شهادتي الثانوية في مجال التمريض، مجرد فتاة تملك قدر عالي من الجمال مع صوت عذب اتغني به ليلًا ونهارًا داخل أروقة المنزل والمشفى وقتما كنت خالية البال، وكان الرجال يتنافسون على إرضائي ويتهافتون على الاقتراب مني، وعلى عكس الكثير من بنات جنسي ممن يرونها نعمة، فقد أعتبرها منذ البداية نقمة...
وكما تعرفين فقد توفي والدي في سن مبكر وتولى "شهاب" شقيقي الأكبر مسؤوليتي مُذ نعومة أظافري، وعندما عُرضت علي تلك الوظيفة في إحدى مشافي دول الخليج لم أتردد في قبولها، وشجعني "شهاب" على السفر والانتقال معًا وبدأ صفحة جديدة من حياتنا، ومن هنا حدث ما لم أتوقع حدوثه......

كان "عز الدين" هو أول من تعرفنا عليه في الغُربة، ولن أنكر إعجابي به كما لم يحاول هو إخفاء إعجابه بي في لقاءاتنا القصيرة المتتالية، فقد كان بشوش الوجه، بهي الطلعة، طموح وجاد، إلى جانب صفاته الجسدية الممتازة، باختصار كان نموذج للزوج المثالي، ولم يُخيب توقعي، إذ طلب مني بعد فترة قصيرة الزواج فكنت كالفراشة، أحلق هنا وهناك من شدة سعادتي إلى أن اكتشف شقيقي ارتباطه بابنة خالته في العاصمة.....
وقتها ثارت ثائرتي ورفضته كما فعل خالك ولم نتطرق إلى ذلك الموضوع ثانية، بل كتمت حسرتي وجذوة عشقي بداخلي ولم أبدها لهم.....
ومرت الأيام سريعًا وظهر رجل يدعي "أيمن" في حياتنا كصديق لشهاب ووالد طفل يتيم يُسمى "رائف" ، تعلقت بالصغير وكذلك فعل هو، وعلى الفور تفاجأتُ بوالده يطلبني للزواج، ولأن قلبي مازال مُعلق بما لن يستطع الفوز به، رفضته كما رفضت من قبله......
وتوالت علينا بعدها الكثير من الأحداث والتفاصيل لن أسردها لك اختصارًا للوقت، كل ما في الأمر إنني تعرضت لعدة مضايقات من مجهول، علمنا فيما بعد بأنها صادرة من "أيمن" لأجباري على الزواج به، حتى أن الأمر وصل إلى محاولته اختطافي من خلال ملثمين لم أستطع رؤيتهم "بالطبع هذا ما ظنناه جميعًا في البداية بناءَا على رواية "عز" الذي كنا نثق به ثقة عمياء لما كان يُبديه من الاهتمام بوضعي.....

علي كُلًّا تأزم حالنا وضّيق "أيمن" من حصاره حولنا أكثر حتى قرر شهاب العودة بي إلى مصر، وقتها أقترح والدك على شقيقي أن يتزوجني أحد رفاقه وبذلك ييأس "أيمن" من اقتراني به وننتهي من كابوسه إلى الأبد...
وبرغم رفضي للفكرة ألا أنني كالعادة أفعل دائمًا ما أؤمر به، لذا أُجبرت على الزواج من أحد معارف شقيقي، رجل ميسور الحال ذو شأن ونفوذ استطاع دحر وإنهاء محاولات "أيمن"
كل ذلك مقابل شرط واحد وهو أن يكون ذلك الزواج صوري ولفترة معينة وهي فترة مكوثه في الخليج، ثم تطليقي فور وصولنا العاصمة، ولأنه لم يكن ارتباطًا حَقِيقِيًّا حتى وبمدة محدودة رضخت لطلبه على عكس والدك الذي جن جنونه وفقد جزء كبير من تعقله وظل يطاردني أينما ذهبت ويخبرني بمدى حبه لي واستعداده التخلي عن الجميع من أجلي، وفي أحد الأيام طلب لقائي فوافقت....

كان في حالة من الإعياء والهذيان، كل ما كان ينطق به أنه لن يتركني لغيره، لن يسمح لـ "أنور" بالفوز بي، فأنا ملكه فقط وسيجعلني ملكه بالقوة، حاولت تهدئته ولكن ثورته كانت أكبر من أن أحتويها، وكأنه فقد رشده!..، ثم بعدها بدأ يحاصرني ويخبرني بأنه خطط لكل ذلك واتهم أيمن بما لم يفعله حتى يظفر بي، ولكن "شهاب" خذله ووافق على تزويجي "لأنور" بدلًا منه، وأكد لي مرارًا أن هذا الزواج لن يمنعه عني!....

دفعته وقاومته بكل قوتي، صرخت وتوسلت، طالبته بالابتعاد ولكنه ظل يقترب وينتهك براءتي، ولم يكن الفارق الجسدي في مصلحتي فظفر في النهاية بما أراد....
عدت بعدها إلى القاهرة كمطلقة حاملة سري بداخلي وقد زهدت الحياة وفقدتُ الثقة في الجميعَََ
لم أخبر أحد بما حدث، كنت جبانة وظننت أن إخفاء الأمر هو الحل المثالي حتى اكتشفت حملي بك، وقتها اضطررت إلى أخبار شهاب بالواقعة، وكان رد فعله هو البحث عنه وتزويجي له....
لا تستغربي الأمر عزيزتي، ولكن في بلادنا العربية، المرأة هي دائمًا ما تدفع ثمن الاغتصاب وحدها، وكل اللوم يقع على عاتقها....
وللمرة الثانية تزوجت رغم إرادتي الحرة!.....

أعلم أن ما سأقوله قد ينافي رغبتك ويثير اشمئزازك ولكنني في النهاية استطعتُ مسامحتهَ، صدقيني عزيزتي والدك لم يكن بذلك السوء، وبعد زواجنا ظل يعتذر مني ويحاول تعويضي حتى رضخ قلبي في النهاية وقبله من جديد، وما دفعني إلى نسيان خطأ الماضي هو مدى حبه لي ولك.....
اعتذر منك لأننا لم نكن أباء صالحين ولكن كما قلت لك في البداية، هناك ألوان أخرى في الحياة....
لا تكرهيه رحمة.. فأنا لم أستطع وأتمنى منك فعل المثل... فقط تذكري كل ما فعله من أجلك وامضي في حياتك وارمي وراء ظهرك ما علمتيه عنه وما مررت به معه.....
فهذا قدري الذي تقبلته وأتمنى أن يكون قدرك أفضل مني ومختلف عني....
وفي النهاية لا تنسى الترحم علينا فنحن بين يدي الله الآن، والله هو من يتولى الحساب... )..

قرأت الخطاب مرة، اثنان وعشرة، ظلت تقرأه حتى تاه منها العد، وحفظت كل حرف به عن ظهر قلب، وأخيرًا حتى اعتادت على كل ما مكتوب به وتوقفت مشاعرها عن التفاعل معه، ثم قامت بإحراقه وعادت إلى غرفتها تختبئ بها، وتتكأ برأسها المتعب على وسادتها...
لن تحزن على ما رضت به غيرها، هذا ما قررته ببساطة وهي مستلقية فوق الفراش تُعيد كلمات الخطاب بداخل عقلها وخاصةً الجزئية الأخيرة، فبطريقة ما استطاعت مسامحة والدتها له إطفاء غضبها من ناحيته، أو ربما العكس!!...
كانت غاضبة من صفح والدتها عنه إلى الحد الذي جعلها تفقد شعور التعاطف معها هي الأخرى، فالأسوأ من عدم المقاومة هو إقناع غيرك بالأمر الواقع بل والطلب منه التعايش معه!.....

كان الأمر أقرب إلى تبلد في المشاعر منه إلى أي شيء آخر، وفي الوقت الحالي، كان حنقها من تلاعب طاهر بها، أكبر من سخطها على والديها، الأمر الذي هالها بالتأكيد، بل وسهدها طوال الليل تحاول الوصول إلى إجابة منطقية، فكيف يمكنها الغضب ممن أخفي عنها الحقيقة، أكثر من غضبها على الفاعل نفسه؟!..
وبعد ساعات من التفكير وصلت إلى الاستنتاج التالي....
على قدر الحب يكون الزعل...، وفي اللحظات الحالية كان حبها لزوجها، يتفوق على حبها لأي شخص آخر... وعليه لن تعفو بسهولة.

*********************

في مساء اليوم التالي.....

دائمًا ما كان يؤمن بأن العبث بمشاعر المرء هي أسوأ جريمة يمكن ارتكابها في حق البشرية، فالصدق والوضوح من وجهة نظره هي أول مراحل العشق، فإذا أحببت شخص ما من كل قلبك، فأول ما تود فعله هو تعرية روحك أمامه، والكشف عن عيوبك قبل مميزاتك، أخطاءك قبل نزاهتك....
وإن كان الطرف الأخر يبادلك نفس الشعور، أو على الأقل يكنُ في نفسه إليك بعض الاهتمام، فسيقبل صراحتك ويقدرها، وبالنسبة لقانونه الخاص.... فإن الصدق مع الحبيب حتى وإن كان موجعا، خير من ألف كلمة حب تخرج من فم كاذبا...
قطع رواق المنزل وهو غارقًا في أفكاره تلك قبل أن يتهادى إليه ويُخرجه منها همهمات تَجَمُّع العائلة وعلي رأسهم صوت ضحكات والده قادمة إليه من غرفة الطعام، فرفع ذراعه ينظر في ساعة يده في تعجب إذ تُفَاجِئ بها قد تجاوزت الثامنة!...
هل حَقًّا سار كل ذلك الوقت بمفرده دون الشعور بالوقت؟!، هذا ما فكر به مستنكرًا وهو يشق طريقه إليهم، ففي منتصف اليوم وبعد خروجه من الشركة قرر الترجل قليلًا قبل العودة إلى المنزل، فدائمًا ما كان السير يُحسن من حالته المزاجية ويساعده على التفكير بوضوح، واليوم كان في أشد الحاجة لتنقية أفكاره وتحفيز عقله على فعل التصرف السليم، خاصةً وزوجته لازالت تختبىء في غرفة طفلته وتتعمد عدم رؤيته أو حتى مصادفته في الأنحاء!...
وبقلب مثقل تقدم إلى غرفة الطعام وداخله ينتوي الاعتذار عن مشاركتهم وجبة العشاء ثم البحث عنها والتحدث إليها ووضع حد لذلك الحضور الغياب....

وبينما كان عقله يبحث عن حجة مناسبة للهرب بها، كانت عيناه تمشط الغرفة رغمًا عنه عله يلمحها، وبالفعل آتاه ما تمنى إذ رأها تجلس في المقعد المجاور لطفلته وتحرص على إطعامها بيدها، فسارع يتخذ من المقعد الأخير الشاغر جوارها مجلسًا له، وذلك بعدما تمتم مُلقيًا تحيية المساء على الجميع، ثم قام بطبع قبلة خاطفة فوق شعر صغيرته، وأخرى مماثلة ولكن طويلة وعميقة فوق رأس من يبحث عنها، والتي سرعان ما حاولت تحريكها بعيدًا عن فمه كعلامة رفض صريحة، فابتعد عنها بابتسامة عابثة ارتسمت على ثغره، وازدادت اتساعًا عندما مال بجذعه نحوها، وهمس في خفوت لم يصل إلى سواها :
-(( سلام ع اللي باللقا بخلان ))..

واصلت تحريك ملعقتها والعبث بمحتويات صحنها دون النظر إليه، متجاوزة تلك الرجفة الخفيفة التي أصابت داخلها من عمق نبرته، ثم ردت تجابهه بنفس الخفوت :
-(( وعلى اللي قلبه لغيري مال ))..

ارتفعت زاوية حاجبه الأيمن في عدم تصديق، يحاول كتم ضحكته المستمتعة، فمن غيرها يستطيع مواجهته والوقوف أمامه بكل ذلك الكبرياء!!، وقبل أن يبدأ جولة أخرى من التراشق بالعبارات، قاطعه رنين هاتفه الذي دوى جاذبًا انتباه الجميع، فتنازل مجبرًا عن المجادلة، مُجيبًا بدلًا عنها على اتصال قريبه، ومستفسرًا في فتور :
-(( مساء الخير يا رضا.. كلكم كويسين ؟! ))..

أستمع إلى إجابة قريبه وقد بدأ في جذب انتباهها وانتباه والده على حد سواء رغم اختلاف الأسباب، حيث تبدلت ملامح جواد إلى الجدية، متسائلًا بعد فترة من الصمت في ترقب :
-(( متأكد أنه اتقبض عليه؟! ))..

هنا تدخل والده السيد أنور يسأل في قلق حقيقي :
-(( خير يا جواد!!.. استر يا رب مين اللي اتقبض عليه؟! ))..

رفع إبهامه يطلب من والده الانتظار، ثم قال موجهًا الحديث لقريبه :
-(( لا متكلمش طاهر دلوقتي سيبه.. اقفل وأنا مسافة الطريق وهكون عندك أحسن كده ))..

بلغ القلق ذروته على وجوه المتابعين وأولهم والده الذي هتف يسأل من جديد في نفاذ صبر :
-(( طمني يا جواد.. مين ده اللي اتقبض عليه.. وعشانه هتنزل تقابل رضا؟! ))..

تمتم جواد مطمئنًا وهو يدفع مقعده للخلف وينتصب بجسده استعدادًا للذهاب :
-(( مفيش يا حج متقلقش بالعكس ده خبر حلو.. أبو المجد صدر امر من النائب العام بالقبض عليه ))..

ارتخت ملامح والده، وتمتمت والدته تُحمد خالقها بينما قفزت غفران من مقعدها تقول في جدية :
-(( أنا جاية معاك ))..

الآن تُريد صحبته!، هذا ما هتف به عقله، في حين احتفظت ملامحه بهدوءها وصوته بصمته عدة لحظات مقررًا بعد فترة من التفكير انتهاز العرض والإجابة، وعليه همس يقول في اقتضاب :
-(( تمام.. هاتي شنطتك وتعالي ))..

عبست في استغراب حتى اختفت المسافة ما بين حاجبيها، وهي من كانت تستعد لسماع كلمة لا!...، أما عنه وكأنه قرأ ما يدور في عقلها فعاد يقول ويشتت تفكيرها بابتسامة خافتة :
-(( هتقفي تبصيلي كتير ولا نتحرك عشان نلحق نرجع بدري ))..

حركت رأسها موافقة في لهفة قبل أن تنطلق راكضة إلى الأعلى وقد قررت ترك شكوكها والبحث عن غرضه الفعلي من تلك الموافقة جانبًا، بينما تابع هو هرولتها نحو الدرج بانتصار، فاختلاءه بها ذهابًا وإيابًا كل تلك المسافة يُعطيه الوقت والخصوصية الكاملة للتحدث معها بأريحية، آملًا في إنهاء حالة اللاسلم واللاحرب بينهم الليلة.

وفي الطريق العام....
بعد نصف ساعة من الصمت الكئيب الرتيب الخانق، قرر هو قطعه عندما تحدث يسأل في نبرة تبدو ظَاهِرِيًّا خالية، بينما دَاخِلِيًّا كان يحترق من شوقه انتظارًا للرد :
-(( مش حاسة أنك محتاجة تقولي حاجة؟! ))..

علمت مقصده وما يرمي إليه من نظرة عينه الجانبية لها ونبرة صوته، الأمر الذي جعلها تتساءل في حيرة، متى وأين أصبحت تفهم ما يُريده دون التصريح عنه!، حركت رأسها متجاهلة شق السؤال الخاص بها، ومقررة التلاعب بإجابة سؤاله قليلًا، فقالت تستفسر في نبرة جامدة ساخرة :
-(( أنا طول الوقت ببقي محتاجة أقول حاجة.. ده طبعي وأنت عارفه.. أظن ليه علاقة بكوني محامية ))..

رمت إجابتها في وجهه ثم استدارت برأسها إلى الطرف الأخر تدعي الانشغال بمتابعة الطريق من حولهم، متعمدة بذلك استفزازه، وقد نجحت في مرادها إذ هتف يقول تلك المرة في نبرة أكثر حدة وارتفاعًا :
-(( يعني ممكن تخليكي أكتر تحديد شويه.. وتفتكري أن من يومين كان بينا كلام قطعتيه وسبتيني ومشيتي ))..

جزءًا منها أراد الصراخ في وجهه، وجزء أراد معاقبته، وما بين الإثنين كان قلبها يتذكر عرضه الأخير لها فينتفض حماسة وسعادة، بل ويطالبها بالقبول ولكن هيهات، فرأسها اليابس وطبعها العنيد يأبى التسليم من أول جولة؛ لذا ردت معقبة في هدوء زاد من حنقه :
-(( قصدك أن رحمة طلعت مش بنتكم خالص وأن حصلت حادثة زمان لما اكتشفتوها اضطرتكم تنسبوا اسمها ليكم.. الله يكون في عونها بجد.. أكيد لما تعرف هتتصدم.. أنا مشفقة عليها وعلى طاهر من الحقيقة ))..

ضرب مقود السيارة بيده، قبل أن يضغط على مكابحها ويوقفها على جانب الطريق، ثم صاح يقول في عصبية وقد بلغ انفعاله من مراوغتها له مبلغه :
-(( متخلنيش أسب لطاهر ورحمة دلوقتي!.. أكيد مش قصدي الجزء ده وميهمنيش عرفت ولا معرفتش ولا ده اللي مسهرني بقالي يومين مستني إجابته.. وبعدين بعد كده لما تحبي تعاقبيني بلاش تلعبي عليا لعبة الغباء عشان مش لايقة عليكي.. ولا أنا غبي عشان أصدقها ))..

أجفل جسدها من حدته وملامح وجهه المحتقنة فوجدت أطرافها تنكمش رغمًا عنها في شعور جديد لم تستسيغه إذ كانت تختبره للمرة الأولى ربما، ولذلك أرادت مقاومته بكل ما أوتيت من قوة قبل أن يتغلغل إليها أكثر وعليه هتفت تقول في شراسة :
-(( قصدك جزء أن حضرتك بتحب رحمة!! ))..

سارع ينفي عن نفسه التهمة بالقول الواضح القاطع، الذى لا يفسح أي مجال للتشكيك :
-(( أنا مقلتش أني حبيت رحمة ولا عمرها هتحصل.. أنا كلامي كان واضح وضوح الشمس وصريح.. قلت أني في فترة ما كنت بدور على حد بديل لرنا.. وملقتش قدامي غير رحمة.. أعجبت بطريقة حياتها وعيشتها وشفت أن النموذج ده هو اللي هينفعني بعد التجربة الفاشلة اللي مريت بيها، وأن الالتزام اللي متمثل فيها هو اللي في المرحلة دي كنت بدور عليه.. إعجاب بالأخلاق وأسلوب الحياة.. بس حب مستحيييل.. معترف بغلطي وندمي أني في فترة ما فكرت أن بعد طلاقها من طاهر اقدر ارتبط بيها.. لكن فوقت بسرعة أول ما بدأت أحس بميل طاهر ناحيتها.. صدقيني أنا مش زبالة عشان أبص لمرات صاحبي وأخويا.. دي كان مجرد سقطة مني اعترفت بيها ليكي لأن شفتك الوحيدة اللي عايزها تشاركني كل حاجة حتى تفكيري الغلط.. الوحيدة اللي حبيت أعري نفسي وتفكيري قدامها ))..

مرر لسانه فوق شفاه الجافة يرطبها في عُجالة، ثم أردف يقول من جديد في سخط :
-(( وبعدين أنا حبيت أبدأ معاكي بداية مختلفة عشان أنتِ بالنسبالي مختلفة.. حالة خاصة مش هتتكرر تاني ولا عايزها تتكرر.. أنا حبيتها بكل ما فيها ومش عايز غيرها ولما حكيتلك عن ماضي كان سهل جدًا اخبيه.. حكيتلك عشان اتمنيت تتقبليني بأكتر حاجه عملتها غلط وندمت عليها.. باقي حياتي كتاب مفتوح قدامك ومعروف.. وكان عندي أمل تكون مشاعرك ناحيتي زي مشاعري ناحيتك.. أو على الأقل في أي حاجة في قلبك ليا ممكن تخليكي تعذريني وتقبلي تكملي معايا ))..

زفر مطولًا في عجز، ثم رفع كلا ذراعيه يمسح بعنف قسمات وجهه، قبل أن يُضيف في يأس :
-(( يمكن اتسرعت في كل حاجة.. يمكن كان لازم استني على علاقتنا شويه كمان قبل ما أقول اللي قلته بس مش بأيدي.. الإحساس اللي جوايا ناحيتك عمال يكبر كل يوم وبقي واضح وميتحملش إنكار أو تأجيل ))..

تعالت دقات قلبها وهي تستمع إلى الجزء الأخير من حديثه، يا الله لقد اعتزلته يوم بليلة حتى لا تضعف وتبرر له خطأه وها هو استطاع بعدة كلمات بسيطة إخماد غضبها منه، بينما استطرد هو يقول في حزن :
-(( أنا قلتلك وقتها بقدملك قلبي ومستني تقبليه.. هو ده اللي مستني الرد عليه.. عايزه تزعلي مني تمام.. عايزه تصرخي في وشي موافق.. حابه تفضلي نايمة مع لينة ومتشوفنيش هسيبك براحتك.. هقبل كل ده.. بس الشيء اللي مش هعرف ابلعه أني أقوالك بحبك وملاقيش رد ))..

فرغ فاها واتسعت حدقتاها، بالتزامن مع شهقة خافتة مذبذبة خرجت من بين شفتاها المرتعشة كحال كامل جسدها المتفاعل في عنف محموم مع تصريحه، كان كل شيء بها يثور ألا صوتها، الوحيد الذي رفض الظهور، فعاد جواد يقول في نبرة ناعمة حريرية، بينما يده تمتد نحو كفها يحتضنه ويداعب باطنه :
-(( غفران أنا بحبك.. أنا يمكن مبعرفش أعبر عن حبي زي طاهر.. ولا هتلاقيني في يوم عاشق مجنون ماشي يعلن لكل الناس عن حبه.. بس اللي لازم تتأكدي منه أن اللي حاسة ناحيتك أقوى حتى بكتير من مشاعر الحب.. وكأني بيكي بكتمل..
معرفش أزاي بس نظرة منك ليا بتمحي غدر الماضي وقساوته.. وبترجعي لقلبي شبابه وبحس أنه نفسه يعيش معاكي كل حاجة من أول وجديد..
إحساس غريب بالفخر من ساعة ما بقيتي مراتي وتحت سقف بيتي.. كل الشروط اللي حطيتها عشان ارتبط تاني جيتي أنتِ في لحظة هدتيها.. وخليتي أقصى طموحاتي أن أسمع منك كلمة حلوة.. باختصار أنتِ خطر على قلبي ورجولتي.. وحتى دلوقتي وأنا بعترفلك بكل ده مش عارف ممكن أعمل إيه عشان أكسب قلبك ))..

هطلت دموعها أخيرًا بعد باع طويل من المقاومة، ثم همست تقول في بحة طفولية خافتة :
-(( متعملش ))..

شعر بكلمتها تخترق صدره كالخنجر، وكأنه فقد للتو أعز ما يملك، شعور غريب بالعجز والفقد داهمه وهدم كل أحلامه إلى أن آتاه تفسيرها، تقول في خجل من بين دموعها المتناثرة :
-(( مش محتاج.. هو حبك من غير ما تعمل حاجة ))..

رفع رأسه ينظر إليها في ذهول وعدم تصديق، بينما أردفت تضيف مفسرة :
-(( أنا زعلت عشان خفت تكون بتحبها.. ده اللي وجعني بس مستحيل أزعل منك على غلطة من الماضي.. اللي بيحب حد بيسامحه حتى من قبل ما يطلب.. وده اللي حصلي معاك ))..

ظل يحدق بها في بلاهة فترة من الوقت كالصنم، لا شيء يدل على انتماءه لعالم الأحياء سوي دقات قلبه الهادرة، وتفاحة آدم التي تتحرك صعودًا وهبوطًا داخل عنقه في عنف، هامسًا في توسل بعد فترة من الصمت :
-(( قوليها صراحة.. قولي بحبك بصوت عالي عشان أصدق ))..

ارتفع وجيف نبضها حتى وصل إلى أُذنيها، ثم قالتها بصوت مبحوح يفيض عشقًا من بين أنفاسها اللاهثة :
-(( بحبك يا جواد ))..

لم يحتاج إلى دعوة أكثر صراحة للاقتراب، ودون وعي منه امتدت ذراعيه إلى خصرها يضمها إليها بجرأة رجل خبير يعرف ما يفعله، بينما شفتاه تلتهم خاصتها متذوقًا من فمها حلاوة كلمة العشق، ويختمه بختم رجولته، بل ويوعده بلقاء مكتمل قريب.


**************************


جلست بداخل إحدى العيادات النسائية المشهورة، تنتظر ظهور نتيجة تحليل الدم على أحر من الجمر، وتتابع بعينيها الزرقاء ذوات الأحمال من حولها وداخلها يتمنى أن تُكلل مساعيها بالنجاح وتصل هي الأخرى إلى تلك المرحلة بعد ما عانته في المرات السابقة، فها هي تفعل كل ما بوسعها وتأخذ بكافة الأسباب كي تقطع الطريق على حماتها في تزويجه بأخرى، حتى أنها بحثت على الإنترنت عن أمهر أطباء الحمل والولادة وقررت المتابعة معه بعدما حصلت علي إذن زوجها بالطبع فهي لا تتحرك إلا بموافقته، وها قد جاء موعدها بعد شهر كامل من الانتظار، لم تتذمر من طول الفترة فداخلها يشعر بالأمل والراحة من كثرة ما قرأته عن المعجزات التي يقوم بها هذا الطبيب، لذا تشعر وكأنها في يد أمينة، وقد ظهر هذا واضحًا من فحصه الأولي لها قبل ساعتين، كيف اهتم بها واستمع تاريخها المرضى كاملًا وإلى كافة التفاصيل التي حدثت لها في مرات الحمل السابقة، ثم في النهاية وعندما أخبرته بتأخر عادتها الشهرية سبعة أيام كاملة طلب منها عمل تحليل الدم ثم الانتظار في الخارج حتى ينتهي المعمل من فحص النتيجة وأخباره بها، وإلى الآن لازالت تجلس مترقبة، تتضرع إلى الله في صمت أن يعوض صبرها خير ويكافئها....
وبعد نصف ساعة أخرى من الانتظار المهلك، قضتها في الدعاء صدح صوت مساعدته الخاصة تهتف اسمها في بشاشة وتطلب منها الدخول إلى غرفة الطبيب حيث ينتظرها...
لم تدري كيف حملتها قدميها إلى الداخل، أو كيف سارت حتى وصلت إليه، فكل ما صبت تركيزها نحوه هو فم الطبيب الذي هتف يقول مبشرًا فوق رؤيته لها :
-(( مدام أفنان.. ألف مبروك لحضرتك.. حامل ))..

ارتمت بجسدها فوق المقعد الجلدي المقابل لها وقد خذلتها ساقيها وبدأت ترتجف من فرط السعادة حالها كحال سائر جسدها، بينما أردف الطبيب يخبرها بالمزيد في عملية :
-(( عمر الجنين كمان طبقًا لروايتك حوالي ٤ أسابيع.. يعني الحمل مش لسه في بدايته.. هكتبلك كده على شوية تحاليل كمان عشان نأمن نفسنا ونضمن أن إجهاض المرات السابقة ميتكررش معانا إن شاء الله.. وأهم حاجة الراحة والتغذية وتنفيذ كل التعليمات اللي هطلبها منك ))..

حركت رأسها موافقة في خضوع، في حين تناثرت دموعها هنا وهناك، ثم راح عقلها على الفور ينسج لها مشهد انتقامي وقتما تُخبر حماتها بخبر حملها في تلك المدة القصيرة وكيف ستكون ردة فعلها، ومع انغماسها في المشهد الخيالي أكثر فلتت منها ضحكة خافتة وهي تفكر رضا أن القدر دائمًا ما يبدو في صالحها.


شيماء_يوسف غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

الكلمات الدلالية (Tags)
زواج، حزن، مكيدة، جريمة، غيرة، حب، رومانسية، ألم،انتقام

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة

الانتقال السريع


الساعة الآن 09:27 AM



Powered by vBulletin® Version 3.8.9
Copyright ©2000 - 2021, vBulletin Solutions, Inc.