آخر 10 مشاركات
وخُلقتِ مِن ضِلعي الأعوجُا=خذني بقايا جروح ارجوك داويني* مميزة * (الكاتـب : قال الزهر آآآه - )           »          "في لحظة " 🌺 مساحة للتعبير 🌺 (الكاتـب : Reem1997 - )           »          معذبتي الحمراء (151) للكاتبة: Kim Lawrence *الفصل الأول* (الكاتـب : Gege86 - )           »          حارس العروس (17) للكاتبة : Brenda Harlen....كامله..تم إنزال الرابط (الكاتـب : فراشه وردى - )           »          مشاعر من نار (65) للكاتبة: لين غراهام (الجزء الثانى من سلسلة عرائس متمردات)×كاملة× (الكاتـب : Dalyia - )           »          عن الحكيم إذا هوى (1) *مميزة و مكتملة*.. سلسلة في الغرام قصاصا (الكاتـب : blue me - )           »          شظايا القلوب(3) سلسلة قلوب معلقة*مميزة* (الكاتـب : Nor BLack - )           »          زوبعة الزفاف (16) للكاتبة: Lilian Darcy .. كاملة .. (الكاتـب : * فوفو * - )           »          احتفالية سجن الخواطر 1 (الكاتـب : سما 23 - )           »          شببت غجرية ج2 -شرقية زائرة- للكاتبة الرائعة: مروى شيحه *كاملة &الروابط* (الكاتـب : مروى شيحه - )


العودة   شبكة روايتي الثقافية > قسم الروايات > منتدى قصص من وحي الاعضاء

Like Tree189Likes

إضافة رد
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 23-08-20, 01:08 AM   #21

heba nada

? العضوٌ?ھہ » 460821
?  التسِجيلٌ » Jan 2020
? مشَارَ?اتْي » 66
?  نُقآطِيْ » heba nada is on a distinguished road
افتراضي


الفصل السادس


إن الإنسان لا يموت دفعة واحدة
و إنما يموت بطريقة الأجزاء
كلما رحل صديق مات جزء
و كلما غادرنا حبيب مات جزء
و كلما قُتل حلم من أحلامنا مات جزء
فيأتي الموت الأكبر ليجد كل الأجزاء ميتة
فيحملها و يرحل

جبران خليل جبران
فور انصراف صديقتها تركت طفليها بصحبة والدتها و أخيها و دلفت غرفتها في خلوة مع كلماته الأخيرة التي بعث بها إليها، جلست على الفراش و قربت الخطاب من أنفها تتنسم بقايا عطره الذي لايزال عالقًا به، فضت المظروف بيد مرتعشة و قرع خافقها خلف ضلوعها يتسارع لهفة و خوفًا :وبشفتين مرتعشتين التهمت الأحرف أمامها

حبيبتي و نصف روحي
لا أدري إن كان هذا الخطاب سيصلك يومًا ما أم لا
ربما عدتُ بعد ساعات، أيام أو ربما سنوات للمحامي ،فاستعدته و مزقته فلن يصلك قط
لكن إن قُدّر له الوصول ليديكِ و في حال كنتِ تقرأينه .الآن فهذا يعني أنني قد غادرت إلى دار الحق

عند هذه اللحظة توقفت عيناها على الكلمات و منعتها غلالة الدموع رؤية ما بعدها، تساقطت القطرات تبلل أحرفه التي خطها بغفلة عما تفعله بروحها، أجبرت جفنيها على الانفراج توقًا لكلماته القادمة

حبيبتي، كنتِ لي نعم الزوجة، نعم الصديقة و دائمًا و أبدًا نعم السند و الآن قد حاولت بوصيتي أن أُبلغك شكري ،الذي لن تفي به كلمات
عُشنا الذي طالما كان دافئًا بروحك، وملأت السعادة ربوع قلبي بين ذراعيك فيه هو حق خالص لكِ و دين كان .بعنقي قد تأخرتُ بسداده فعذرًا مالكة قلبي
أعلم أيضًا أنني بوصيتي قد وضعت على كتفيك حِملًا أنت له أهل، أثق تمام الثقة أنك ستؤدين الأمانة كما أردتَها و زيادة وغفرانًا أعلم أني سأحصل عليه إن أثقلتُ كاهلك .فلا ثقة لي بغيرك حبيبتي
.وختامًا رفقًا بقلبك الغض فلا يليق به سوى سعادة يستحقها
المحب لآخر أنفاسه: نادر
أنهت خطابه و ضمته لصدرها عله يطفئ نار شوقها لصاحبه استلقت على فراشها و البرودة تزحف من أطرافها فتتملك سائر جسدها، قلبها يقرع بهلع علّه يعيد ضخ الدماء الهاربة بعروقها مرة أخرى دون جدوى، دار بها الفراش و ضاقت أنفاسها مع ارتعاش جسدها، جذبت سترة منامته المجاورة لها و ارتدتها فوق منامتها تعيد بث الدفء بنفسها و عبقه يتسلل لها فيمنح روحها السكينة، غطت في نوم عميق .جافاها وهو يحتويها بأحلامها فيعيد الهدوء لنابضها المُتعب
في الصباح نهضت باكرًا عازمة على تلبية رغبته، استقبلتها السيدة زينب ببسمة حنون و قد أعدت طعام الإفطار للصغار، جلس نور يتناول إفطاره أمام قنوات الكرتون بينما نادين صامتة تلوك ببطء ما تقيم به جسدها بالكاد، تطلعت إليها والدتها بدهشة فملابسها الرسمية السوداء بالكامل تنم :عن عزمها الخروج فلم تخفي دهشتها
ـ على فين بدري كده؟
:ملأت نسمة صدرها بالهواء
ـ رايحة الشركة
تطلعت إلى صغيرتها الشاردة تعيدها لعالمهم الذي انفصلت عنه بإرادتها تدرك عمق ألمها فقد خبرته سابقًا عند فقد والدها و إن كانت أكبر عمرًا لكنه يبقى ندبة بالروح تشفق على صغيرتها من أثرها، عزمت على إخراجها من عزلتها فلا :سبيل لعناد القدر
ـ كلمي زمايلك شوفي اللي فاتك
:ثم أشارت لها و شقيقها مكملة
ـ من يوم الحد هترجعوا المدرسة
و التفتت تلتقط سلسلة مفاتيحها و تغادر باترة اعتراض ،الصغيرة الذي لاحظته
استقلت سيارتها و الذكرى حاضرة بقوة يوم منحها مفاتيحها :مفصحًا عنها كإحدى هداياه
ـ بس أنا من يوم ما سبت الشغل ما بخرجش غير معاك تقريبًا
:احتوى كتفيها بذراعه كعادته
ـ أفرضي ما كنتش موجود و احتاجتي حاجة أنت أو الولاد
و أشار لنفسه بغرور هو أبعد ما يكون عنه مكملًا
ـ و بعدين مدام نادر الكيال ما ينفعش تركب تاكسي
فرت دمعة وحيدة من عينها مسحتها فورًا و هي تنطلق .بسيارتها حيث تبدأ أولى خطواتها بحياتها الجديدة
دلفت مكتبه بعد طريق قطعته بخطوات واثقة و قلب يرتجف خوفًا من القادم وسط ترحاب الموظفين و عزاءهم، طالعت المقعد الجلدي خلف المكتب و طيفه الجالس هناك يراودها تقدمت بوجل تتحسس المقعد قبل أن تجلس فخطف نظرها صورة عائلتها التي وضعها لتواجهه حيث كانت تجلس عن يساره يحيط كتفيها بذراعه، يحتضن نور المستريح على ساقه بذراعه الأخرى و نادين خلفه تحيط عنقه بذراعيها في احتضان و تلصق وجنتها بوجنته ببسمة رائقة سعيدة لا تعلم أتستطيع إعادتها لابنتها مرة أخرى أم لا؟ و كيف السبيل .بعد فقدانها لفارسها الأول و الأوحد
طرق خافت على باب المكتب دلف بعده محمود ليخرجها من شرودها، تقدم برزانته المعهودة و جلس على المقعد أمام المكتب و بيده العديد من الملفات التي وضعها أمامها وهو :يوضح
ـ دي آخر عمليات للشركة عايزك تدرسي الملفات دي كويس
:اختار أحد الملفات ووضعه جانبًا قبل أن يكمل
ـ ده ملف آخر و أهم مناقصة
:أشار لباقي الملفات و هو يدرك ارتباكها و حيرتها
ـ لو ما فهمتيش حاجة أنا موجود ما تقلقيش
أومأت برأسها إيجابًا براحة لوجوده فهي على مدار سنوات زواجها لم تكن سوى زوجة وأم، رغم أن نادر كان كثيرًا ما يحدثها عن عمله، تفاصيله، صفقاته، علاقاته، وحتى خسائره التي تكبدها ببداية حياته إلا أن ذلك لا يصنع منها سيدة أعمال بديلًا عن سيدة منزل بين ليلة وضحاها، تعلم ثقة نادر بمحمود لكن كلماته أنها لا يجب أن تثق بأحد سوى :نفسها لازالت تؤرقها، تنحنحت قبل أن تقول
ـ شكرًا يا باشمهندس
ابتسم محمود بحبور و نظرته تمنحها مزيدًا من اطمئنان قبل أن :يضيف
ـ أنا بعتت إيميلات لكل الموردين بتوعنا أبلغهم أن النظام هيستمر زي الأول و بعد إذنك مضيت باسمك كمدير و صاحب للشركة
:رفعت حاجبيها دهشة مما فعل و هو يضيف بابتسامة
ـ و الموردين الرئيسيين بتوع آخر مناقصة بالذات بلغتهم أن أول دفعة ممكن تتأخر بسبب إجراءات بنكية مش أكتر
أخفضت رأسها تريد أن تثق بحديثه و أفعاله و تخشى القادم :في الوقت ذاته
ـ أنا سألت أستاذ فتحي و قال إن الإجراءات ممكن تاخد أسبوع أو عشر أيام
:منحها نظرة موافقة و هو يتفهم ما تقول و يؤكد
ـ و أنا طمنتهم أن الدفعة موجودة والتحويل مسألة وقت
:ضرب بكفه على المكتب و هو ينهض يمنحها بعض الحرية
ـ أسيبك مع الشغل و أنا في مكتبي
أغلق الباب خلفه و تركها تطالع ما منحها إياه
***
عالم الأحلام ممتع خاصةً حين ترى حلمك يقترب رويدًا و إن كان لايزال صعبًا لكنه ليس بمستحيل، هو رجل الحلم و .السعي حتى الوصول مهما طال طريقه
طرق باب مكتبها برفق قبل أن يدلف عقب سماع إذنها بالدخول، وجدها خلف مكتبها تجمع خصلاتها خلف رأسها ملابسها الرسمية و عويناتها الطبية أضفت عليها مزيدًا من :الوقار، تقدم برشاقة و جلس أمام مكتبها يقدم ما بيده
ـ تاسك العملي اللي طلبتيه يا دكتور
تناولت ريم الملف من يده و فتحته تطالع ما به قبل أن تقول :بجدية تواجه بها نظراته المربكة
ـ أنا شايفة نشاط كويس
:مدت يدها بمظروف أعدته مسبقًا
ـ ده التاسك الجديد
تناول المظروف و تلامست الأنامل بعفوية أرسلت رعشة :بجسدها أجادت إخفاءها خلف نبرتها
ـ شد حيلك يا دكتور دي آخر فرصك للدكتوراة
دس المظروف بجيب حلته و امتدت يده ترفع إحدى :خصلاته عن جبهته وعيناه المحيرتان مركزة بعمق خاصتها
ـ أنا مطمن لأن المرة دي حضرتك المشرفة
أخفضت نظراتها تستعيد رباطة جأشها، لأول مرة و على امتداد سنوات عملها يربكها أحدهم و يشتت تركيزها بعيدًا عن عملها، نهض يطلب الإذن بالانصراف و هو ما منحته له محاولة تملك زمام أمرها مرة أخرى، تنهر نفسها تارة على ارتباكها و تذكرها تارة أخرى أنه يصغرها سنًا و دماثته ما .هي إلا احترام من طالب تجاه المشرف
تركها خلفه و عاد للغرفة الخاصة به و زميله عصام، قابله :الآخر ببسمة مستفهمة
ـ إيه الأخبار
:جلس ماهر خلف مكتبه و رفع نظره إليه يرد سؤاله بآخر
ـ أخبار إيه؟
ـ الدكتوراة
أخرج ماهر المظروف من جيب حلته و فضه استعدادًا لتنفيذ :المطلوب و هو يجيب الآخر بعملية
ـ آديني شغال بكل جهدي
:حك الآخر ذقنه بسبابته و إبهامه و نبرته الخبيثة تشي بنيته
ـ طب و الدكتورة؟
:عاد ماهر إليه بنظرة محذرة و شرارات الغضب تنتشر بالغرفة
ـ قصدك إيه؟
:دار عصام حول مكتبه برويه وهو يفصل كلماته ببطء مغيظ
ـ أنا... ملاحظ.... نظرات...ابتسامات
نهض ماهر بعنف عن كرسيه يشهر سبابته بوجه الآخر يمنعه :الاسترسال
ـ إيه اللي بتقوله ده، دكتورة ريم فوق مستوى الشبهات
ضم قبضته بغضب يكظم غيظه محاولًا عدم رفع صوته حتى لا يصل لمن بالخارج:
ـ دكتورة ريم المشرفة بتاعتي أي كلمة زيادة عن كده هعرف أرد عليك بس برة المكان ده
اتجه للخارج وسط نظرات الآخر المستخفة به وقبل أن يفتح :الباب التفت يطالعه بنظرة مُحتقرة
ـ مش علشان خايف منك لأ
ـ علشان هي متستاهلش سمعتها تتلوث بلسان واحد زيك
و صفع الباب خلفه و رأسه يغلي غضبًا
***
طفلة هي حائرة بين الجميع تندفع برعونة نحو أنوثتها، تبحث بتخبط عمن يشبع حاجاتها المفقودة، بعد مدرستها توجهت للنادي الذي بات بديلها الدائم، ارتدت زي التدريب و نزلت أرض الملعب تضرب الكرة مرة فتُخرج غضبها المكبوت و أخرى تبحث عن مرشد و ثالثة تسب واقعها الذي فُرض عليها، أنهت مباراتها و انتبهت على تصفيقه وصافرته المنطلقة من المدرجات، لؤي بات رفيقها الدائم رغم فارق السن بينهما فقد أتم عامه العشرين منذ أيام، يدرس بالسنة الثانية بأحد المعاهد الخاصة، يعلم دائمًا أين يجدها و كيف يُسرّي عنها وقت حزنها و يمنح شفتيها البسمة التي تفتقدها، التقطت بعض أنفاسها و تناولت منشفتها تجفف عرقها المتساقط، جلست جواره بمنتصف المدرجات الفارغة تستند بمرفقيها لمقعدها و تمد ساقيها على ظهر المقعد الآخر أمامها، مر بصره على ساقيها المشدودتين بعضلات ظاهرة و مفاتنها التي بدأت في الظهور على استحياء رغم نحافة جسدها، مد ذراعه يستند لظهر مقعدها فتلامست مع مرفقيها، اعتدلت في جلستها و نظرتها تؤنبه عكست أشعة الشمس عسل عينيه الفاتح مع دكنة بؤبؤه فمنحته نظرة ثعلب صحراء، امتدت كفه الأخرى تعدل من وضع خصلاته السوداء التي استطالت فجمعها خلف رأسه في ذيل حصان ثم أخرج علبة سجائره و أشعل تبغه ينفسه في :الهواء ببطء، مد كفه لها بالعلبة
ـ سيجارة؟
:طالعت العلبة بيده و أشارت برأسها نفيا
ـ عندي بطولة قريب
:أغلق العلبة و دسها بجيب قميصه
ـ و إيه يعني دي واحدة
وجهت بصرها تجاه الملعب بشرود و هي تهمس لنفسها و :كأنه غير موجود
ـ ولا واحدة، أنا معنديش غير التنس
:قطع شرودها صوت هاتفها فالتقطته تتلقى مكالمة والدها
ـ ألو بابي
:أتاها صوت فارس بحنو يسألها عن مكانها فأجابت
ـ في النادي
و بعد حديث قصير أجابت بتردد و عيناها تتلفت حولها بحثًا :عنه
ـ خلصت وقاعدة مع أصحابي
اطمأنت عندما أتاها صوته يؤكد أنه لايزال في طريقه إليها دقائق و كان ينتظرها بسيارته أمام بوابة النادي، ودعت صديقها و التقت بفارس الذي انطلق بالسيارة دون أن تعلم وجهته لكنها لاحظت اتخاذه الطريق تجاه منزل والدتها فسألت
ـ أحنا رايحين فين؟
:التفت لها بطرف عينه بنظرة خاطفة وهو يجيب
ـ هروحك
:انتفضت بملل تسأله باستنكار
!ـ دلوقتِ؟
رفع كفه عن المقود يلوح به و نظراته تتنقل بينها و بين :الطريق أمامه
ـ أيوة دلوقت أمال أنتِ بتروحي أمتى؟
عقدت ذراعيها أمام صدرها بنزق و التفتت للجهة الأخرى تطالع الطريق دون إجابة، راقب فارس سكناتها فصف :السيارة على جانب الطريق و اعتدل بجسده يواجهها
ـ مش عايزة تروحي دلوقت ليه
التفتت تواجهه لا تجد إجابة سوى الصمت الذي زاد من :قلقه
ـ في حد بيضايقك هناك؟
أخفضت نظراتها للأرض فلم يجد سوى الإفصاح صراحة عن :خوفه لعلها تؤكده
ـ حسن عملك حاجه؟
اتسعت عيناها هلعًا و قد فهمت ما وصل إليه تفكيره، :هزت رأسها نفيًا وهي تؤكد
ـ أنكل حسن عمره ما عملي حاجة
كانت تنفي عنه تهمة الإيذاء الجسدي و كلماتها تؤكد بنفسها على تجاهله لوجودها بالبيت طيلة الوقت وما تلاقيه من أذى التهميش لكن ما وصل لفارس هو راحة من أفكار أرقته طويلًا رغم أنه لازال لا يستطيع الوصول لسبب هروب :ابنته الدائم
ـ طيب قوليلي إيه اللي مضايقك
:لانت نبرته و هو يحاول حثها على البوح
ـ أتكلمي يا لمى لو في مشكلة ندور على الحل
ترددت الصغيرة فعلى مدار أعوامها القليلة لم تجرب البوح لأحد والديها، تعلم وضعها جيدًا وما قرراه عنها ولا تجد بدًا من تمرير الأيام كيفما كان فما جدوى الحديث عن بيت لا تملكه، أسرة تفتقدها و كل منهما بات بواديه المستقل اختلقت أسبابًا تعلم كم هي واهية في محاولةٍ لمواراة أسبابها :الحقيقية
ـ محمود و مصطفى و سها على طول عاملين دوشة و خناقات وأنا بزهق من البيت
مال برأسه للجانب قليلًا لا يقتنع بسببها قيد أنملة لكنه :جاراها
ـ دول اخواتك يعني المفروض تلعبي معاهم و تاخدي بالك منهم
:تذمرت لمى تلوح بكفها و هي تجيب باستنكار
ـ ألعب معاهم إيه يا بابي دول أطفال
:ضحك فارس في محاولة لتلطيف الحوار
ـ يا ستي تلاعبيهم أنت أختهم الكبيرة يعني مثلهم الأعلى
عبث بخصلاتها في مرح محاولًا رسم بسمة على وجهها و هو :يخبرها بلا مجال للنقاش
ـ هروحك دلوقت ووعد كل يوم فاضي عندي بعد الشغل نقضيه مع بعض
ابتسمت الصغيرة بخفوت تستجيب لوالدها الذي أدار محرك السيارة مرة أخرى وودعها حيث تسكن والدتها.
***
قاسية تلك الأيام تسلب الأم ابنها البار، تُفقد المرأة زوجها و تُيتم صغارها في ساعة خاطفة من عمر الزمان، و معهم فقد أخٍ أكبر طالما اعتز به كرجل وصديق دون اعتبار كونه زوج شقيقته، أغلق الهاتف مع فارس الذي أبلغه على مضض بغلق محضر الحادث دون عقاب للمُتسبب المجهول، ظالمة تلك الدنيا التي تسمح للجاني بالفِرار ولا عزاء للمُتضرر، أنهى عمله و استقل سيارته قاصدًا بيت أخته الذي بات وجهته اليومية، منذ الحادث، والدته تقيم بصحبتها وهو يقضي معهم نصف يومه، يبيت ليلته ببيت أسرته و صباحًا يتجه لعمله و منه لبيت أخته و اليوم عزم على الترويح عن الصغيرة الفاقدة للروح وهي على قيد الحياة بناءً على طلب نسمة التي تعلم قرب شقيقها الوحيد من طفليها وحبهما اللامحدود له، يعلم أن طريقه شاق فالصغيرة منفصلة تمامًا عن عالمهم منذ الحادث، نظراتها زائغة و كأنها تبحث عن رجلها الأول بينهم دون جدوى، تجيبهم بالكاد وبكلمات مقتضبة تكاد لا تُسمع، بالأمس لاحظ خروجها من غرفة والديها تحمل معطفًا يخص نادر ودسته بخزانة ملابسها مسكينة تلك الصغيرة التي تلقت أقسى صفعات الحياة باكرًا، وصل وجهته وصف سيارته أسفل البناية، صعد سريعًا يعود لسابق عهده في طرق الباب بطرقات سريعة منغمة يحفظها الصغار وإن آلمه قلبه و امتنع عن فعلته في الأيام السابقة مكتفيًا بجرس الباب المعتاد من خلف الباب سمع نداء نور باسمه قبل أن يفتحه، رفع رائد الصغير على كتفه ورأسه تتدلى خلف ظهره كعادته مع تعالي ضحكات نور، طبع قبلة على وجنة الصغير وهو يُنزله أرضًا ووجه حديثه :لوالدته
ـ فين نسمة و نادين؟
:وجهت السيدة زينب بصرها تجاه غرفة الصغار وردت بأسى
ـ نسمة لسة ما رجعتش و نادين ما خرجتش من أوضتها من الصبح
ضاق صدر رائد حزنًا و هو يخفض رأسه ويتجه للصغيرة المنعزلة، طرق على الباب المفتوح فلم تجبه، دلف والغرفة تغرق بالظلام رغم انتصاف النهار، امتدت يده تفتح الستائر فسمح لضوء الشمس بالدخول، انقبضت جفني نادين بفعل الضوء المباغت، وضعت كفها أمام عينيها فرأت رائد الذى استند بظهره إلى مكتبها وعقد ذراعيه أمام صدره يناظرها بتحدٍ، تجاهلته نادين والتفتت بجسدها للجهة الأخرى تسحب الغطاء على وجهها، قطع المسافة بخطوة و بحركة :واحدة رفع الغطاء عن كامل جسدها متزامنًا مع زعقتها
ـ سيبني يا رائد عايزة أنام
لاحظ معطف نادر جوارها و مسبحته الخاصة براحة يدها :فكتم ألمه و هو يجيبها
ـ قومي عايزك في مشوار
:طالعته بدهشة لا تقوى على تفريج جفنيها المنتفخين
ـ مشوار إيه أنا مش هخرج
تجاهل اعتراضها و فتح خزانة ملابسها فأخرج بنطال من الجينز وبلوزة بلون القهوة مع معطفها الصوفي ووضعهم جوارها وهو يجذب كفها يجبرها على الوقوف ويشير :للملابس
ـ مفيش اعتراض
دبت بقدمها الأرض غضبًا و دموعها التي لم تتوقف عادت :تعلن بقوة عن وجودها
ـ قلت مش عايزة
:وكأنها لم تعترض توجه نحو باب الغرفة وقبل أن يخرج ويغلقه
ـ خمس دقايق و هدخل تاني لو ملبستيش أنت حرة
:رفع كفيه بمحاذاة كتفيه
ـ أنا مش مسئول عن اللي هيحصل ساعتها ولا عن محاضرات نسمة عن الخصوصية و مكافحة التحرش
حصل على بسمة باهتة لم تتعد شفتيها و مع غلقه للباب استسلمت على مضض وبدلت ملابسها، جمعت شعرها دون ترتيب وخرجت ليستقبلها رائد الواقف جوار باب غرفتها بحركة مسرحية ينحني بجذعه وأحد ذراعيه خلف ظهره :و الأخرى تمتد تلتقط كفها
ـ my princess
منحته كفها فعلقها بذراعه متجهًا للخارج حيث أوقفهما نور
ـ أنتو خارجين؟ خدوني معاكم
:جلس رائد على ركبتيه بمحاذاة الصغير يخبره بجدية
ـ دي خروجة بنات
:ضم كفه و رفعها للصغير الذي قابلها بكفه المضمومة
ـ ليك عندي خروجة رجالة
:رمقه نور و أضاف ببديهية
ـ هي خروجة بنات أنت خارج ليه؟
:كتم رائد ضحكته المتسلية و حافظ على جديته
ـ أنا هوصلها بس علشان ما تركبش تاكس
:ضيق نور عينيه و ربت بسبابته على ذقنه بتفكير
ـ و أحنا هنخرج أمتى؟
ـ بكرة
:سارع رائد بالإجابة و أضاف
ـ فكر عايز تروح فين و أنا موافق
:رفع الصغير سبابته بسعادة
ـ نروح نلعب كورة
منحه رائد موافقته ورفع كفه في الهواء تلاقي كف الصغير علامة على الاتفاق، عاد رائد يلتقط كف نادين و يصحبها :خارج المنزل و هو يهمس
ـ خلصنا من اللمض
ضحكت نادين بخفوت، فتح رائد باب السيارة فركبت وهو ينحني مجددًا ناعتها بأميرتي، انطلق بالسيارة لأحد مطاعم العاصمة فتناول بصحبتها وجبة الغداء التي تناولتها نادين بشهية متوسطة، بعدها اصطحبها لأحد المجمعات التجارية :الكُبرى بالعاصمة
ـ my princess
تسمحلي أعزمها على السينما
ابتسمت نادين بصدق لمحاولاته التسرية عنها و أومأت برأسها إيجابًا، اختارت فيلم عن عصر الديناصورات بقاعة السينما ذات الأبعاد التسعة، ابتاع رائد علبتين من حبات الفُشار الساخنة وأخذ كل منهما مقعده ومع بداية العرض كانت الحبات تتطاير على ملابسهما مع تحرك المقاعد وتطاير رذاذ الماء المصاحب للفيلم، صدحت ضحكة نادين وهي تحاول السيطرة على علبة الفُشار دون جدوى ورائد كذلك، انتهى العرض الممتع ولاتزال ضحكاتها مرتسمة على :وجهها، احتوى رائد كتفيها بحنان و تعلقت عيناه ببسمتها
ـ ربنا يخلي لنا ضحكتك يا نودي
بعدها أصر رائد على شراء ملابس تنكرية لها، كانت تود :اختيار شخصية )سندريلا( لكن رائد رفض بشكل قاطع
ـ الأميرة لازم تلبس أميرة
التمعت عينا نادين و هو يختار الزي الخاص بشخصية)رابنزل( الذي أحبته خاصة ذلك الشعر المستعار .المجدول في ضفيرة تكاد تلامس الأرض
في نهاية اليوم أقلها للبيت في ساعة متأخرة من الليل وهو :يمازحها
ـ نسمة كده هتطردنا من على السلم
تركها بعد أن احتواها بين ذراعيه في ضمة حنون و طبعت :هي قبلة على وجنته مع همستها بأذنه
ـ شكرًا
***

حين تختبر الحرمان لسنوات ثم تجد الفرصة لتعويض بعضٌ مما فاتك فهل تتردد؟
الإجابة حتمًا بالنفي خاصة و إن كان التعويض مُقدم على طبق من فضة وهو ما تلاقى به مع هند التي أعدت مائدة عامرة بالطعام والفاكهة، جلس يلتهم قطع الدجاج بنهم و هي تشاركه بسعادة افتقدتها لشهور منذ آخر لقاء به :لاحظت إنهاءه لصحنه فسألت
ـ أجيبلك بيكاتا تاني؟
جلجلت ضحكته بالمنزل وهو يصفق بكفيه المفرودين :مصدرًا ضجيج
ـ بقيتي تطبخي زي الباشوات و تتكلمي زيهم
:ضحكت بينما تلملم الصحون و تنقلها للمطبخ ونبرتها تؤكد
ـ ما أنا بقيت منهم

استلقى على الأريكة باسترخاء يمسك بجهاز التحكم عن بعد :و يقلب بقنوات التلفاز
ـ والله وعيشتك ارتاحت يا هند
جلست جواره فاعتدل يحيط كتفيها بذراعه يمسك بإحدى خصلاتها يلفها على سبابته تطلعت إليه بشرود تتذكر معاناتها :و ما تكبدته لسنوات
ـ العيشة دي أنا دافعة تمنها غالي قوي
:نظر إليها بلامبالاة و هو يؤكد بسبابته
ـ مهما كان التمن بس نفدتي من الفقر
:ابتسمت بحنان تربت على كفه الحرة
ـ تعرف، أنت اللي مصبرني على العيشة دي
ارتفع رنين هاتفها الجوال معلنًا عن اتصال من زوجها، :أمسكت بالهاتف تشير للآخر بالصمت
ـ مش عايزة نفس
استجاب واضعًا كفه على فمه يكتم ضحكته الساخرة بينما :هند تنهي مكالمة زوجها سريعًا و ألقت بالهاتف بملل
ـ هقوم أجيبلك أم علي تحلي
دلفت للمطبخ بينما هيثم يتجول بالبيت، وقع نظره على حافظة النقود بحقيبتها المفتوحة، امتدت يده تحصي ما وجد من نقود و دس بعضها بجيبه، في طريقها إليه تحمل طاجن الحلو الذي أعدته قبلًا لاحظت ما فعل فأخفضت نظرها سريعًا تخفي ملاحظتها، قدمت له الحلو الذي التهمه عن آخره بتلذذ قبل أن يهم بالانصراف و عند الباب انحنى يطبع :قبلة على وجنتها
ـ طالما جوزك مسافر هجيلك بكرة تاني
:ربتت على كتفه بسعادة و هي تحذره
ـ بس خد بالك لا البواب يشوفك










الفصل السابع


حين تتلقى من الدنيا ضربة قاسمة
فإما الانكسار أو النجاة.
وهي تلقت أقوى الضربات على حين غرة، انقلب عالمها رأسًا على عقب بين ليلة وضحاها ولا سبيل أمامها سوى النجاة بنفسها وأولادها، استلمت دفة القيادة بأسرتها قسرًا و اتشحت بقوة وإن ادعتها، تبدأ يومها في السادسة صباحًا، تودع صغارها إلى مدرستهم ثم تستعد لعملها، لأيام قضتها خلف مكتبه الذي بات يخصها تراقب الجميع، تدرس ما سبق من أعمال وتفهم كل ما يدور حولها بصمت، الحق يقال فمحمود هو من يدير الشركة فعليًا بحضورها، أيام قلائل و أدركت أنه كان أهلًا لثقة نادر و إن حذرها من الجميع، ارتفع رنين هاتف مكتبها الداخلي لتجيب فيأتيها صوت سكرتيرتها أروى:
ـ أستاذ حسام الشوباشي طالب يقابل حضرتِك
رغم دهشتها من الزيارة منحته الإذن بالدخول، دلف بعد طرقات خافتة، لأول مرة تلحظ هيئته فالمرة الأولى التي قام بتعزيتها فيها لم تكن بحال يسمح لها بالتحقق منه، أربعيني بخصلات قصيرة سوداء ناسبت دكنة عينيه، بشرة حنطية مائلة للبياض، حلة سوداء ورباط للعنق ناسب هيئة رجل أعمال شاب، جلس أمام مكتبها واضعًا حقيبته على المنضدة الصغيرة أمامه:
ـ أنا آسف إني جاي من غير معاد
ابتسمت بخفوت مرحبة رغم توجسها من الزيارة:
ـ تشرب إيه يا باشمهندس
ابتسم بعملية يحل زر حلته:
ـ قهوة مظبوط
ضغطت زر الهاتف الداخلي تلبي طلبه ثم عادت إليه بنظرة مستفهمة فهمها فأوضح:
ـ عارف أنك مستغربة الزيارة
اعتدل في جلسته و أكمل:
ـ لكن لما عرفت أنك نزلتي الشركة كان لازم آجي يمكن تحتاجي مساعدة
إجابته لم تبدد دهشتها و إنما زادت منها فعبرت عنها:
ـ و حضرتك عرفت منين إني نزلت الشركة؟
جلجلت ضحكته رغمًا عنه، وضع كفه على فمه يكتمها معتذرًا:
ـ آسف، بس مفيش حاجة بتستخبى في السوق
تقدم من حافة مكتبها يتكئ بمرفقه:
ـ أنا عارف أن معندكيش خبرة علشان كده حقيقي نفسي أساعدك
أدركت سذاجة سؤالها من الوهلة الأولى وعمدت إلى مواراة ذلك، يبدو أنها بحاجة لتعلم اللعب بالكلمات:
ـ شكرًا لعرضك يا باشمهندس
أخرج بطاقة هواتفه ووضعها أمامها على المكتب و هو يوضح:
ـ دي كل تليفوناتي
ـ صحيح شركتي شغالة في الأثاث لكن أقدر أخدمك
نهض يحكم زر حلته و هو يكمل:
ـ لو احتاجتي أي مساعدة متتردديش في طلبها
لوح بكفه و التفت مودعا:
ـ القهوة هشربها المرة الجاية
و أنصرف بثقة من عودته مرة أخرى، تلك الهرة التي جلست بمكان يكبرها بكثير ولم تتعلم الخمش بعد حتمًا بحاجة لحماية من نوع خاص لا يدركها إلا من كان مثله، براءة ملامحها وارتباكها الواضح بموقعها لمسا جزءً خفيًا بنفسه.
على الجانب الآخر كانت تمسك ببطاقته تقلبها بين كفيها و تستدعي محمود الذي بات مرشدها وما إن دلف حتى بادرت:
ـ تعرف حد اسمه حسام الشوباشي؟
عصف محمود ذهنه قبل أن ينفي، صمتت برهة قلبت خلالها البطاقة مرة أخرى:
ـ شركة الأثاث الحديث
أومأ محمود برأسه يجيبها:
ـ أسمع عنها بس مفيش تعامل بيننا
هزت نسمة برأسها و أكملت:
ـ بيقول أنه كان يعرف نادر من السوق
دهش محمود وأضاف:
ـ يجوز يعرفه بس أنا معرفوش
لم يستطع إخفاء دهشته و هو يستوضح:
ـ مين ده و كان عايز إيه؟
أكملت نسمة تفحص البطاقة علها تفصح عن هوية صاحبها:
ـ كل اللي أعرفه اسمه
ـ و اللي متأكدة منه أنه جوز صاحبتي
أكملت بشرود:
ـ بيقول أنه صاحب نادر و جاي يعرض مساعدته
التقط محمود البطاقة من يدها يناظرها بتوجس:
ـ جوز صاحبتك ماشي، صاحب نادر جايز
مال برأسه يقرأ معلوماته المدونة ببطاقته:
ـ جاي يساعد! المية تكدب الغطاس
رفعت حاجبها دهشة من منطقه فأكمل و هو يشير بسبابته كأحد دروسه لها:
ـ اتعلمي تشتري من الناس و ماتبيعيش
اتشحت ملامحة بالجدية كمعلم يسقي تلميذته النجيبة خلاصة علمه:
ـ خدي من اللي قدامك اللي تقدري عليه و متديش غير اللي عايزة تديه
وضع البطاقة جانبًا بحافظة البطاقات و هو يكمل:
ـ عمومًا مش محتاجين مساعدة بس السوق يجبرنا نشتري منه
فهمت نسمة منطقه بإعجاب، فإن كان حسام صادقًا بالمساعدة استفادت منه و إن كان لديه غرضًا آخر فمراقبة أفعاله ستمكنها من اكتشافه.
***
عندما يغادرك شطر من روحك تفقد حساب الزمن و تتحول الأيام لساعات من حزن تقضيها في انتظار اللقاء مجهول الموعد، تساوت لديها الأيام بالكاد تقتات ما تقيم به جسدها فصغيرها الأثير الذي رعته طفلًا فمراهقًا لا يخلو من بعض التهور ثم شابًا مندفعًا للحياة حتى صار رجلًا ملئ الأبصار فإذا بالدنيا تضن عليها به، أخرجها من شرودها صوت باب شقتها الذي فُتح لحظات وكان بكرها يقترب بخطواته من غرفتها التي تلازم فراشها منذ الحادث ولا تتركه إلا للصلاة، اقترب مدحت وانحنى يقبلها بود ثم جلس على مقعد مجاور للفراش، بعد السلام المعتاد لم يستطع كبح لومه لأمه:
ـ أنا مش موافق على اللي عملتيه يا أمي
حدجته درية بنظرة خبيرة بنفسه، تحفظ ولديها عن ظهر قلب و يكاد قلبها يجزم أن وصية صغيرها بسبب خوفه على صغاره من نفس أخيه ومن خلفه زوجته الأمارة بالسوء، فبعد جلسة المحامي واسترجاعها للحديث أدركت أن وصية نادر كانت في اليوم التالي لزيارته لها، ملأت صدرها بالهواء تجيبه:
ـ أنا مش هاخد من الدنيا قد اللي خدته
حولت نظرها عنه تشرد بأسى:
ـ بس ولاد أخوك لسه العمر قدامهم
مال بجسده ناحيتها و هو يؤكد:
ـ ما هو علشان ولاد أخويا مكانش ينفع تعملي كده
التفتت إليه مستفهمة تحاول استنباط صدق نيته:
ـ قصدك إيه؟
كز على أسنانه يؤكد على كلماته برفق:
ـ قصدي أن نسمة بكرة تنسى و مش بعيد تتجوز
استند بظهره للمقعد يكمل بث سمومه:
ـ ساعتها يبقى بيت نادر وولاده و فلوسه راحوا لواحد غريب
انقبض قلبها لفكرة أن يحل آخر محل ولدها ببيته و بين زوجته و أولاده، تهدج صوتها بحزن تحاول نفي تخوفه:
ـ نسمة عاقلة و أخوك كان واثق فيها
مط شفتيه امتعاضًا يجادلها بالمنطق:
ـ كان واثق فيها لما كانت مراته لكن دلوقت....
نهض يتجول بالغرفة و هو يكمل:
ـ هتصبر قد إيه سنة، اتنين، تلاتة
التفت لأمه يلوح بذراعه في الهواء بنفاد صبر:
ـ لو قالت هتجوز ما حدش هيقدر يعارضها
طرحت درية ظهرها للخلف تستند لفراشها و أغمضت عينيها ألمًا:
ـ ما تسبقش الأحداث
فتحت عينيها و الكلمات تكاد تخنق روحها:
ـ حتى لو اتجوزت في يوم، فدي فلوس ولادها ما حدش هيخاف عليهم زيها
جلس مرة أخرى جوار الفراش و نبرته تستعطف أمه في محاولة لأقناعها:
ـ بس لو كان ليكِ نصيب في الفلوس دي ساعتها نقدر نحمي فلوس الولاد
التفتت إليه بملل من حديثه فقد وصل لبيت القصيد، المال:
ـ فات أوان الكلام ده أنا خلاص اتنازلت للولاد
أمسك مدحت بكف أمه برفق يربت عليه و يمنحها الأمل الذي جاء من أجله:
ـ اتنازلتي عن نصيبك كهبة للولاد و من حقك ترجعي فيها
سحبت كفها من يده بعنف حانقة على تفكير ولدها، كيف تحول لذلك الخبيث و كيف أنجب رحمها مثله فولديها أبلغ تعبير عن المثل الشائع "البطن قلابة"، أشاحت بنظرها عنه تجيبه بحسم:
ـ أنا مش هرجع في حاجة و آخر مرة تتكلم في الموضوع ده
ود بجدالها مرة أخرى فأشارت له بسبابتها محذرة:
ـ لو هتتكلم في نفس الموضوع هعتبر ولادي الأتنين ماتوا
وانخرطت في البكاء فما يتحمله قلبها العليل يفوق طاقته بمراحل.
لان قلبه لبكائها وانتقل لجوارها يحتضنها مربتًا برفق و يهمس بأسفه:
ـ خلاص طالما دي رغبتك
***
الأب هو رجل ابنته الأول، حبها و أول فارس لأحلامها و فارسها كان دومًا الغائب الحاضر و إن اقترب أكثر في عامها الأخير بفعل انتقال عمله للقاهرة بعد سنوات اغتراب قضاها بعيدًا عنها، قرب عدته متأخرًا فقد كيفت حياتها وحيدة ووجدت بدائلها و إن لم تضاهيه قربًا وحبًا، كانت كعادتها بعد تدريبها تجلس مع صديقها المُقرب الذي بات الأوحد، و في نفس موعده تماما بعد نهاية عمله هاتفها:
ـ ألو بابي خارجة أهو
أتاها صوت فارس الحنون يطلب منها عدم الخروج
ـ أنا في النادي قلت نتغدى مع بعض
سمعت كلمته فحملت حقيبتها مهرولة خارج المدرجات الفارغة، قابلها فارس عند بوابة الملعب فاحتواها مقبلًا وجنتيها بلطف، دار بنظره في الملعب فلم يجد سوى أحدهم جالسًا بالمدرجات، أمعن النظر فأدرك أنه ليس المدرب فسألها:
ـ خلصتي من أمتى؟
لاحظ ارتباك صغيرته، تركها تجيب و لم يعلق:
ـ من شوية
عاد بنظره للشاب بالمدرجات و سألها صراحة:
ـ مين ده؟
نظرت صوب لؤي و من ثم عادت بنظرها لوالدها بارتباك:
ـ لؤي زميلي
لم تقنعه إجابتها لكنه آثر الصمت و التحقق فيما بعد بطريقته الخاصة:
ـ طب يالا نتغدى
دلفا مطعم النادي و بعد طلب الطعام تطلع فارس لصغيرته، حالها لا يرضيه، حياتها مرتبكة، ساعاتها الطويلة التي تقضيها خارج المنزل تؤرقه دون قدرة على معرفة السبب:
ـ لمى ممكن تعتبريني صاحبك مش بابا
رفعت لمى نظرها لفارس، لأول مرة تشعر بقربه لهذه الدرجة:
ـ أكيد يا بابي
مد كفيه يحتوي كفيها يربت عليهما بحنان:
ـ يبقى تفتحيلي قلبك
ضم كفيها أكثر يشدد عليهما بدعم حقيقي:
ـ ما بتحبيش تروَحي ليه؟
أخفضت نظرها دون إجابة بينما هو يكمل:
ـ قوليلي السبب الحقيقي اللي يخلي بنت زيك تهرب من بيتها بالساعات
انفجرت الصغيرة بالبكاء فجأة فانخلع قلب فارس، انتقل للمقعد المجاور لها و سحب رأسها لصدره، وهي نطقت من بين شهقاتها:
ـ مش بيتي يا بابي
أبعد رأسها قليلًا ينظر بعمق عينيها:
ـ ده بيت مامتك يعني بيتك
هزت لمى رأسها نفيًا وأكملت بصوت متقطع:
ـ ده بيت أنكل حسن وولاده
زاد بكاؤها و هي تتذكر البيت الوحيد الذي اعتبرته ملكًا لها:
ـ بيتي هو اللي كنت عايشة فيه و أنا صغيرة
شردت قليلًا تسترجع تلك التفاصيل التي افتقدتها:
ـ سريري و لعبي و حياتي مع مامي، أجازتك اللي كنت بعرف أحسبها قبل ما أتعلم الأيام
أعاد الصغيرة لحضنه مرة أخرى، يؤنب نفسه على غفلته عن معاناتها كل تلك السنوات:
ـ ليه مقلتيش الكلام ده قبل كده؟
مسحت لمى الدموع عن إحدى وجنتيها و هي تجيب بحسم:
ـ حضرتك كنت مسافر
صغيرته محقة، أين كان طوال تلك السنوات، بعمله وما النفع إن أضاع أجمل سنوات عمرها و هو غائب:
ـ البيت ده لسة موجود و هيفضل بيتك طول عمرك
أعادها لمقعدها و احتوى رأسها بين كفيه يمسح دموعها بأنامله مطمئنًا:
ـ اللي يريحك هو اللي هيحصل
أنهيا وجبة الغداء ثم استقلا السيارة في طريق عودتهم، انحرف فارس في اتجاه منزله بينما يخبر لمى بهدوء:
ـ كلمي ماما قوليلها أنك هتباتي عندي النهاردة
أطاعته الصغيرة و هاتفت أمها التي ارتفع صوتها على الطرف الآخر ليصل فارس الذي جذب الهاتف من يد لمى وأخبرها بحسم:
ـ لمى هتبات معايا النهاردة
اعترضت أحلام بانزعاج فعاجلها فارس:
ـ بنتي و ليَ حق فيها زيك و أكتر
ثم أغلق الخط بوجهها دون أن يترك فرصة لردها، التفتت لمى لفارس تناديه برفق:
ـ بابي
منحها نظرة مستفهمة ثم عاد إلى الطريق أمامه لتوضح:
ـ أنا مش معايا هدوم أبات فيها
ابتسم فارس بحنان و مد يده يعبث بخصلاتها:
ـ ولا يهمك نعدي نشتري أحلى بيجامة
نفذ فارس ما عزم عليه وما إن دلفا للمنزل حتى تدفقت ذكريات الصغيرة مرة أخرى، دلفت غرفتها السابقة و جلست على الفراش الصغير الذي ضاق على جسدها تتحسسه بشوق لأيام عاشتها سابقًا، لاحظها فارس فمازحها:
ـ كبرتي على السرير يا لومي
ـ محتاجين نشتري غرفة أميرات بدل الأطفال دي
ضحكت لمى بسعادة حقيقية:
ـ بس دي أنا بحبها
تقدم فارس منها يطبع قبلة على جبينها بحب:
ـ وأنا معنديش أغلى منك
تركها تبدل ملابسها و دلف يعد بعض الشطائر للعشاء، طرق باب الغرفة بخفوت فلم ترد، دلف فوجدها قد انكمشت بالفراش الصغير تغط في نوم عميق، وضع ما بيده جانبًا و دثرها جيدًا و من ثم حمل صينية العشاء و خرج مغلقًا الباب و هو ينوي ألا تعود صغيرته لبيت تكرهه مرة أخرى.
***

هي مزيج من قوة و ضعف
عبق الماضي و سحر الحاضر
انثى حظيت من كل فضيلة بنصيب
وضعت هدفها صوب عينيها و خطت نحوه بثبات، أنهت محاضرتها للفرقة الثانية و تركت المدرج في طريقها لمكتبها، وجدته بانتظارها خارج المكتب بهيئته التي باتت تداعب خيالها فتنهره على فعلته، ابتسم بوقار يحييها فردت تحيته بمثلها:
ـ دكتور ماهر في ملاحظات كتير على جزء الرسالة اللي حضرتك سلمته
انحنى قليلًا و هو يجيبها:
ـ طيب اسمحيلي أعزمك على فنجان قهوة و نتكلم في الملاحظات
فتحت باب مكتبها هروبًا من نظراته المربكة لكيانها:
ـ هطلب القهوة في مكتبي
دلف خلفها غرفة المكتب وهو يكمل عرضه:
ـ هنشربها على حسابي
جلست خلف مكتبها تذكر نفسها بموقعها و بالمسافات الآمنة التي أحاطت بها قلبها طوال سنوات عملها و لم تعقب على عرضه، بعثت بطلب القهوة ثم فتحت أحد الأدراج تخرج رسالة الدكتوراة الخاصة به، جلس ماهر أمام المكتب باحترام حقيقي يستمع لملاحظاتها، تارة ينظر حيث تشير في الأوراق ثم تخونه عيناه فتغرق بخصلاتها التي جمعتها خلف رأسها برسمية بحته تارة أخرى، أكملت ما تقول و رفعت عيناها فاصطدمت بخاصته المتفحصة تأسرهما في نظرة خاصة لم تواجهها قبلًا، أخفضت نظراتها تفر من أسر عينيه و أكملت بعملية تجيد التمسك بها:
ـ دي كل الملاحظات، اشتغل عليهم
التقط الملف من يدها و أكمل ارتشاف قهوته ثم انصرف بهدوء، تنفست الصعداء وكأنه بانصرافه قد أطلق سراح روحها، فلملمت حاجياتها وانصرفت تنهي يومها.
بموقف السيارات الخاص بأعضاء هيئة التدريس لمحته مرة أخرى يهم بركوب سيارته، تجاهلت وجوده واستقلت سيارتها التي ارتفع صوت محركها بعد أن فشلت في إدارته، اقترب ماهر يستوضح ما يحدث، أشار لها بفتح زجاج السيارة فاستجابت وحين علم بتعطلها قدم عرضه:
ـ اتفضلي يا دكتورة أوصلك
نفت بهزة رأس معتذرة بلباقة:
ـ شكرًا يا دكتور هطلب أوبر
و أخرجت هاتفها تطلب عربة تُقلها، دقائق و كان السائق بانتظارها، قبل انصرافها طلب منها بلباقة:
ـ دكتورة ممكن مفتاح العربية؟
التفتت مستفهمة عن السبب فأوضح:
ـ هروح أجيب ميكانيكي يشوفها
استجابت بخجل لعرضه وضعت المفتاح بيده وهي تؤكد:
ـ شكرًا يا دكتور، بعد إذنك التكاليف عليا
التقط المفتاح و دسه بجيب بنطاله وهو يمنحها إحدى ابتساماته الساحرة:
ـ مش هنختلف يا دكتورة
ثم انصرفت وتركته قد عقد العزم على خطوته القادمة.
***

العائلة بحياة البعض نعمة لا تُقدر بثمن و بحياة آخر قد تكون أعظم نكباته، وهو طالما كره بيت عائلته و لولا حاجته لإمضاء والده على أوراق هامة لانتظر حتى يلقاه باليوم التالي.
دلف للفيلا التي تسكنها عائلته فقابلته شقيقته نيروز أو ناني كما تفضل أن يناديها الجميع صافح شقيقته الجالسة بصالون الفيلا باسترخاء تعبث بهاتفها بلامبالاة للأصوات المرتفعة بمكتب والدها، أتاهما صوت والدتهما واضحًا:
ـ مش كل مرة هسكت على نزواتك
تعالى صوت والدهم بوضوح:
ـ أنت شاغلة دماغك بيَ ليه
أشار لغرفة المكتب بنفاد صبر و سأل شقيقته:
ـ بيتخانقوا من أمتى؟
عادت لاسترخائها على الأريكة تعبث بخصلات شعرها المصبوغة بالأشقر:
ـ شهيرة هانم اكتشفت صديقة جديدة للوالد امبارح
حدجت باب المكتب المفتوح بلا اهتمام:
ـ بس المواجهة سخنت الصبح
وصلهما صوت ضحكة شهيرة هانم تصدح بالفيلا بينما توبخ والدهما:
ـ أنا شاغلة نفسي ببريستيجي
جلست على أحد الأرائك ترفع ساقًا فوق أخرى و تكمل:
ـ شكلي يبقى إيه لما يعرفوا أن مهران بيه جوز شهيرة هانم مصاحب بنت local
هدأ صوت مهران مهادنًا:
ـ ما تقلقيش ياهانم ما حدش هيعرف
رفعت أنفها عاليًا و هي تحذره بسبابتها:
ـ لو زودتها أنا أقدر أنهيك و أرجعك شحات زي ما عملتك بفلوسي
لم يتحمل حسام الاستماع لباقي الشريط الذي حفظه عن ظهر قلب فشجاراتهما لازالت على حالها لسنوات، دلف لحجرة المكتب يقطع حديثهما:
ـ آسف أني هعطلكم
مد يده بالأوراق التي يرغب بإمضاء والده عليها، فوصلته سخرية شهيرة:
ـ طبعا جاي تنقذه ما أنت كمان بتحب ال local
أكملت سخريتها و هي تناظره من أعلى لأسفل:
ـ بدل ما تروح تناسب الباشوات رحت جبتلنا بنت فقيرة معرفش جبتها منين.
أنهى مهران إمضاء الأوراق فلملمها حسام بعجالة في حقيبته بينما مهران يسأله:
ـ أنت رجعت من السفر أمتى كان قدامك يومين
أجابه حسام بهدوء و هو يستعد للرحيل:
ـ خلصت شغلي و رجعت من 3 ساعات
حمل حقيبة أوراقه و عند باب المكتب التفت لوالدته:
ـ آسف يا شهيره هانم ما عنديش وقت أسمع محاضراتك
وانصرف بعجالة كارهًا المكان بمن فيه، هو يكره تسلط والدته على والده و ضعف والده الدائم أمامها، يتعجب إن كانت والدته لا تستطيع تجاوز حقيقة أن والده كان موظف لدى والدها قبل أن يتقدم لخطبتها، إن كانت تعمد لتذكيره دائمًا بفضلها وأنه لولا مال عائلتها لما استطاع الحياة بين رجال الأعمال، لمَ وافقت من الأساس على الزواج منه طالما تعمد لإهانته، لقد عاهد نفسه منذ الصغر ألا يسمح لها بالوقوف موقف ضعف مهما كانت الأسباب، تسلح بالقوة، المال الذي أنماه والده لسنوات ووطد علاقاته بأصحاب النفوذ، حتى حينما رغب بالزواج اختار من تقل عنه بكل شيء حتى تظل له الأفضلية دائمًا.
أنهى عمله و عاد لمنزله، فتح باب البيت بهدوء و دلف ببطء ليصله صوت ضحكات رجولية بصالة البيت، وقف قليلًا يستمع للحديث فأتاه الصوت بوضوح:
ـ أنت هتولدي أمتى؟
ثم صوت زوجته يرد بارتياح:
ـ قدامي شهرين و نص تقريبًا
تقدم بخطوات متمهلة يطرق السمع لصخبهما و الغضب يعصف بكيانه، وقف خلفهما و هما متجاوران على الأريكة، يتناولان حبات الفُشار أمام أحد الأفلام الكوميدية غافلان عن البركان المتفجر برأسه، استند بكفيه لظهر الأريكة و بهدوء ما قبل العاصفة نطق:
ـ مساء الخير
قراءة ممتعة


heba nada غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 25-08-20, 12:32 AM   #22

samar hemdan

? العضوٌ?ھہ » 461744
?  التسِجيلٌ » Jan 2020
? مشَارَ?اتْي » 174
?  نُقآطِيْ » samar hemdan is on a distinguished road
افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة heba nada مشاهدة المشاركة
الفصل السادس


إن الإنسان لا يموت دفعة واحدة
و إنما يموت بطريقة الأجزاء
كلما رحل صديق مات جزء
و كلما غادرنا حبيب مات جزء
و كلما قُتل حلم من أحلامنا مات جزء
فيأتي الموت الأكبر ليجد كل الأجزاء ميتة
فيحملها و يرحل

جبران خليل جبران
فور انصراف صديقتها تركت طفليها بصحبة والدتها و أخيها و دلفت غرفتها في خلوة مع كلماته الأخيرة التي بعث بها إليها، جلست على الفراش و قربت الخطاب من أنفها تتنسم بقايا عطره الذي لايزال عالقًا به، فضت المظروف بيد مرتعشة و قرع خافقها خلف ضلوعها يتسارع لهفة و خوفًا :وبشفتين مرتعشتين التهمت الأحرف أمامها

حبيبتي و نصف روحي
لا أدري إن كان هذا الخطاب سيصلك يومًا ما أم لا
ربما عدتُ بعد ساعات، أيام أو ربما سنوات للمحامي ،فاستعدته و مزقته فلن يصلك قط
لكن إن قُدّر له الوصول ليديكِ و في حال كنتِ تقرأينه .الآن فهذا يعني أنني قد غادرت إلى دار الحق

عند هذه اللحظة توقفت عيناها على الكلمات و منعتها غلالة الدموع رؤية ما بعدها، تساقطت القطرات تبلل أحرفه التي خطها بغفلة عما تفعله بروحها، أجبرت جفنيها على الانفراج توقًا لكلماته القادمة

حبيبتي، كنتِ لي نعم الزوجة، نعم الصديقة و دائمًا و أبدًا نعم السند و الآن قد حاولت بوصيتي أن أُبلغك شكري ،الذي لن تفي به كلمات
عُشنا الذي طالما كان دافئًا بروحك، وملأت السعادة ربوع قلبي بين ذراعيك فيه هو حق خالص لكِ و دين كان .بعنقي قد تأخرتُ بسداده فعذرًا مالكة قلبي
أعلم أيضًا أنني بوصيتي قد وضعت على كتفيك حِملًا أنت له أهل، أثق تمام الثقة أنك ستؤدين الأمانة كما أردتَها و زيادة وغفرانًا أعلم أني سأحصل عليه إن أثقلتُ كاهلك .فلا ثقة لي بغيرك حبيبتي
.وختامًا رفقًا بقلبك الغض فلا يليق به سوى سعادة يستحقها
المحب لآخر أنفاسه: نادر
أنهت خطابه و ضمته لصدرها عله يطفئ نار شوقها لصاحبه استلقت على فراشها و البرودة تزحف من أطرافها فتتملك سائر جسدها، قلبها يقرع بهلع علّه يعيد ضخ الدماء الهاربة بعروقها مرة أخرى دون جدوى، دار بها الفراش و ضاقت أنفاسها مع ارتعاش جسدها، جذبت سترة منامته المجاورة لها و ارتدتها فوق منامتها تعيد بث الدفء بنفسها و عبقه يتسلل لها فيمنح روحها السكينة، غطت في نوم عميق .جافاها وهو يحتويها بأحلامها فيعيد الهدوء لنابضها المُتعب
في الصباح نهضت باكرًا عازمة على تلبية رغبته، استقبلتها السيدة زينب ببسمة حنون و قد أعدت طعام الإفطار للصغار، جلس نور يتناول إفطاره أمام قنوات الكرتون بينما نادين صامتة تلوك ببطء ما تقيم به جسدها بالكاد، تطلعت إليها والدتها بدهشة فملابسها الرسمية السوداء بالكامل تنم :عن عزمها الخروج فلم تخفي دهشتها
ـ على فين بدري كده؟
:ملأت نسمة صدرها بالهواء
ـ رايحة الشركة
تطلعت إلى صغيرتها الشاردة تعيدها لعالمهم الذي انفصلت عنه بإرادتها تدرك عمق ألمها فقد خبرته سابقًا عند فقد والدها و إن كانت أكبر عمرًا لكنه يبقى ندبة بالروح تشفق على صغيرتها من أثرها، عزمت على إخراجها من عزلتها فلا :سبيل لعناد القدر
ـ كلمي زمايلك شوفي اللي فاتك
:ثم أشارت لها و شقيقها مكملة
ـ من يوم الحد هترجعوا المدرسة
و التفتت تلتقط سلسلة مفاتيحها و تغادر باترة اعتراض ،الصغيرة الذي لاحظته
استقلت سيارتها و الذكرى حاضرة بقوة يوم منحها مفاتيحها :مفصحًا عنها كإحدى هداياه
ـ بس أنا من يوم ما سبت الشغل ما بخرجش غير معاك تقريبًا
:احتوى كتفيها بذراعه كعادته
ـ أفرضي ما كنتش موجود و احتاجتي حاجة أنت أو الولاد
و أشار لنفسه بغرور هو أبعد ما يكون عنه مكملًا
ـ و بعدين مدام نادر الكيال ما ينفعش تركب تاكسي
فرت دمعة وحيدة من عينها مسحتها فورًا و هي تنطلق .بسيارتها حيث تبدأ أولى خطواتها بحياتها الجديدة
دلفت مكتبه بعد طريق قطعته بخطوات واثقة و قلب يرتجف خوفًا من القادم وسط ترحاب الموظفين و عزاءهم، طالعت المقعد الجلدي خلف المكتب و طيفه الجالس هناك يراودها تقدمت بوجل تتحسس المقعد قبل أن تجلس فخطف نظرها صورة عائلتها التي وضعها لتواجهه حيث كانت تجلس عن يساره يحيط كتفيها بذراعه، يحتضن نور المستريح على ساقه بذراعه الأخرى و نادين خلفه تحيط عنقه بذراعيها في احتضان و تلصق وجنتها بوجنته ببسمة رائقة سعيدة لا تعلم أتستطيع إعادتها لابنتها مرة أخرى أم لا؟ و كيف السبيل .بعد فقدانها لفارسها الأول و الأوحد
طرق خافت على باب المكتب دلف بعده محمود ليخرجها من شرودها، تقدم برزانته المعهودة و جلس على المقعد أمام المكتب و بيده العديد من الملفات التي وضعها أمامها وهو :يوضح
ـ دي آخر عمليات للشركة عايزك تدرسي الملفات دي كويس
:اختار أحد الملفات ووضعه جانبًا قبل أن يكمل
ـ ده ملف آخر و أهم مناقصة
:أشار لباقي الملفات و هو يدرك ارتباكها و حيرتها
ـ لو ما فهمتيش حاجة أنا موجود ما تقلقيش
أومأت برأسها إيجابًا براحة لوجوده فهي على مدار سنوات زواجها لم تكن سوى زوجة وأم، رغم أن نادر كان كثيرًا ما يحدثها عن عمله، تفاصيله، صفقاته، علاقاته، وحتى خسائره التي تكبدها ببداية حياته إلا أن ذلك لا يصنع منها سيدة أعمال بديلًا عن سيدة منزل بين ليلة وضحاها، تعلم ثقة نادر بمحمود لكن كلماته أنها لا يجب أن تثق بأحد سوى :نفسها لازالت تؤرقها، تنحنحت قبل أن تقول
ـ شكرًا يا باشمهندس
ابتسم محمود بحبور و نظرته تمنحها مزيدًا من اطمئنان قبل أن :يضيف
ـ أنا بعتت إيميلات لكل الموردين بتوعنا أبلغهم أن النظام هيستمر زي الأول و بعد إذنك مضيت باسمك كمدير و صاحب للشركة
:رفعت حاجبيها دهشة مما فعل و هو يضيف بابتسامة
ـ و الموردين الرئيسيين بتوع آخر مناقصة بالذات بلغتهم أن أول دفعة ممكن تتأخر بسبب إجراءات بنكية مش أكتر
أخفضت رأسها تريد أن تثق بحديثه و أفعاله و تخشى القادم :في الوقت ذاته
ـ أنا سألت أستاذ فتحي و قال إن الإجراءات ممكن تاخد أسبوع أو عشر أيام
:منحها نظرة موافقة و هو يتفهم ما تقول و يؤكد
ـ و أنا طمنتهم أن الدفعة موجودة والتحويل مسألة وقت
:ضرب بكفه على المكتب و هو ينهض يمنحها بعض الحرية
ـ أسيبك مع الشغل و أنا في مكتبي
أغلق الباب خلفه و تركها تطالع ما منحها إياه
***
عالم الأحلام ممتع خاصةً حين ترى حلمك يقترب رويدًا و إن كان لايزال صعبًا لكنه ليس بمستحيل، هو رجل الحلم و .السعي حتى الوصول مهما طال طريقه
طرق باب مكتبها برفق قبل أن يدلف عقب سماع إذنها بالدخول، وجدها خلف مكتبها تجمع خصلاتها خلف رأسها ملابسها الرسمية و عويناتها الطبية أضفت عليها مزيدًا من :الوقار، تقدم برشاقة و جلس أمام مكتبها يقدم ما بيده
ـ تاسك العملي اللي طلبتيه يا دكتور
تناولت ريم الملف من يده و فتحته تطالع ما به قبل أن تقول :بجدية تواجه بها نظراته المربكة
ـ أنا شايفة نشاط كويس
:مدت يدها بمظروف أعدته مسبقًا
ـ ده التاسك الجديد
تناول المظروف و تلامست الأنامل بعفوية أرسلت رعشة :بجسدها أجادت إخفاءها خلف نبرتها
ـ شد حيلك يا دكتور دي آخر فرصك للدكتوراة
دس المظروف بجيب حلته و امتدت يده ترفع إحدى :خصلاته عن جبهته وعيناه المحيرتان مركزة بعمق خاصتها
ـ أنا مطمن لأن المرة دي حضرتك المشرفة
أخفضت نظراتها تستعيد رباطة جأشها، لأول مرة و على امتداد سنوات عملها يربكها أحدهم و يشتت تركيزها بعيدًا عن عملها، نهض يطلب الإذن بالانصراف و هو ما منحته له محاولة تملك زمام أمرها مرة أخرى، تنهر نفسها تارة على ارتباكها و تذكرها تارة أخرى أنه يصغرها سنًا و دماثته ما .هي إلا احترام من طالب تجاه المشرف
تركها خلفه و عاد للغرفة الخاصة به و زميله عصام، قابله :الآخر ببسمة مستفهمة
ـ إيه الأخبار
:جلس ماهر خلف مكتبه و رفع نظره إليه يرد سؤاله بآخر
ـ أخبار إيه؟
ـ الدكتوراة
أخرج ماهر المظروف من جيب حلته و فضه استعدادًا لتنفيذ :المطلوب و هو يجيب الآخر بعملية
ـ آديني شغال بكل جهدي
:حك الآخر ذقنه بسبابته و إبهامه و نبرته الخبيثة تشي بنيته
ـ طب و الدكتورة؟
:عاد ماهر إليه بنظرة محذرة و شرارات الغضب تنتشر بالغرفة
ـ قصدك إيه؟
:دار عصام حول مكتبه برويه وهو يفصل كلماته ببطء مغيظ
ـ أنا... ملاحظ.... نظرات...ابتسامات
نهض ماهر بعنف عن كرسيه يشهر سبابته بوجه الآخر يمنعه :الاسترسال
ـ إيه اللي بتقوله ده، دكتورة ريم فوق مستوى الشبهات
ضم قبضته بغضب يكظم غيظه محاولًا عدم رفع صوته حتى لا يصل لمن بالخارج:
ـ دكتورة ريم المشرفة بتاعتي أي كلمة زيادة عن كده هعرف أرد عليك بس برة المكان ده
اتجه للخارج وسط نظرات الآخر المستخفة به وقبل أن يفتح :الباب التفت يطالعه بنظرة مُحتقرة
ـ مش علشان خايف منك لأ
ـ علشان هي متستاهلش سمعتها تتلوث بلسان واحد زيك
و صفع الباب خلفه و رأسه يغلي غضبًا
***
طفلة هي حائرة بين الجميع تندفع برعونة نحو أنوثتها، تبحث بتخبط عمن يشبع حاجاتها المفقودة، بعد مدرستها توجهت للنادي الذي بات بديلها الدائم، ارتدت زي التدريب و نزلت أرض الملعب تضرب الكرة مرة فتُخرج غضبها المكبوت و أخرى تبحث عن مرشد و ثالثة تسب واقعها الذي فُرض عليها، أنهت مباراتها و انتبهت على تصفيقه وصافرته المنطلقة من المدرجات، لؤي بات رفيقها الدائم رغم فارق السن بينهما فقد أتم عامه العشرين منذ أيام، يدرس بالسنة الثانية بأحد المعاهد الخاصة، يعلم دائمًا أين يجدها و كيف يُسرّي عنها وقت حزنها و يمنح شفتيها البسمة التي تفتقدها، التقطت بعض أنفاسها و تناولت منشفتها تجفف عرقها المتساقط، جلست جواره بمنتصف المدرجات الفارغة تستند بمرفقيها لمقعدها و تمد ساقيها على ظهر المقعد الآخر أمامها، مر بصره على ساقيها المشدودتين بعضلات ظاهرة و مفاتنها التي بدأت في الظهور على استحياء رغم نحافة جسدها، مد ذراعه يستند لظهر مقعدها فتلامست مع مرفقيها، اعتدلت في جلستها و نظرتها تؤنبه عكست أشعة الشمس عسل عينيه الفاتح مع دكنة بؤبؤه فمنحته نظرة ثعلب صحراء، امتدت كفه الأخرى تعدل من وضع خصلاته السوداء التي استطالت فجمعها خلف رأسه في ذيل حصان ثم أخرج علبة سجائره و أشعل تبغه ينفسه في :الهواء ببطء، مد كفه لها بالعلبة
ـ سيجارة؟
:طالعت العلبة بيده و أشارت برأسها نفيا
ـ عندي بطولة قريب
:أغلق العلبة و دسها بجيب قميصه
ـ و إيه يعني دي واحدة
وجهت بصرها تجاه الملعب بشرود و هي تهمس لنفسها و :كأنه غير موجود
ـ ولا واحدة، أنا معنديش غير التنس
:قطع شرودها صوت هاتفها فالتقطته تتلقى مكالمة والدها
ـ ألو بابي
:أتاها صوت فارس بحنو يسألها عن مكانها فأجابت
ـ في النادي
و بعد حديث قصير أجابت بتردد و عيناها تتلفت حولها بحثًا :عنه
ـ خلصت وقاعدة مع أصحابي
اطمأنت عندما أتاها صوته يؤكد أنه لايزال في طريقه إليها دقائق و كان ينتظرها بسيارته أمام بوابة النادي، ودعت صديقها و التقت بفارس الذي انطلق بالسيارة دون أن تعلم وجهته لكنها لاحظت اتخاذه الطريق تجاه منزل والدتها فسألت
ـ أحنا رايحين فين؟
:التفت لها بطرف عينه بنظرة خاطفة وهو يجيب
ـ هروحك
:انتفضت بملل تسأله باستنكار
!ـ دلوقتِ؟
رفع كفه عن المقود يلوح به و نظراته تتنقل بينها و بين :الطريق أمامه
ـ أيوة دلوقت أمال أنتِ بتروحي أمتى؟
عقدت ذراعيها أمام صدرها بنزق و التفتت للجهة الأخرى تطالع الطريق دون إجابة، راقب فارس سكناتها فصف :السيارة على جانب الطريق و اعتدل بجسده يواجهها
ـ مش عايزة تروحي دلوقت ليه
التفتت تواجهه لا تجد إجابة سوى الصمت الذي زاد من :قلقه
ـ في حد بيضايقك هناك؟
أخفضت نظراتها للأرض فلم يجد سوى الإفصاح صراحة عن :خوفه لعلها تؤكده
ـ حسن عملك حاجه؟
اتسعت عيناها هلعًا و قد فهمت ما وصل إليه تفكيره، :هزت رأسها نفيًا وهي تؤكد
ـ أنكل حسن عمره ما عملي حاجة
كانت تنفي عنه تهمة الإيذاء الجسدي و كلماتها تؤكد بنفسها على تجاهله لوجودها بالبيت طيلة الوقت وما تلاقيه من أذى التهميش لكن ما وصل لفارس هو راحة من أفكار أرقته طويلًا رغم أنه لازال لا يستطيع الوصول لسبب هروب :ابنته الدائم
ـ طيب قوليلي إيه اللي مضايقك
:لانت نبرته و هو يحاول حثها على البوح
ـ أتكلمي يا لمى لو في مشكلة ندور على الحل
ترددت الصغيرة فعلى مدار أعوامها القليلة لم تجرب البوح لأحد والديها، تعلم وضعها جيدًا وما قرراه عنها ولا تجد بدًا من تمرير الأيام كيفما كان فما جدوى الحديث عن بيت لا تملكه، أسرة تفتقدها و كل منهما بات بواديه المستقل اختلقت أسبابًا تعلم كم هي واهية في محاولةٍ لمواراة أسبابها :الحقيقية
ـ محمود و مصطفى و سها على طول عاملين دوشة و خناقات وأنا بزهق من البيت
مال برأسه للجانب قليلًا لا يقتنع بسببها قيد أنملة لكنه :جاراها
ـ دول اخواتك يعني المفروض تلعبي معاهم و تاخدي بالك منهم
:تذمرت لمى تلوح بكفها و هي تجيب باستنكار
ـ ألعب معاهم إيه يا بابي دول أطفال
:ضحك فارس في محاولة لتلطيف الحوار
ـ يا ستي تلاعبيهم أنت أختهم الكبيرة يعني مثلهم الأعلى
عبث بخصلاتها في مرح محاولًا رسم بسمة على وجهها و هو :يخبرها بلا مجال للنقاش
ـ هروحك دلوقت ووعد كل يوم فاضي عندي بعد الشغل نقضيه مع بعض
ابتسمت الصغيرة بخفوت تستجيب لوالدها الذي أدار محرك السيارة مرة أخرى وودعها حيث تسكن والدتها.
***
قاسية تلك الأيام تسلب الأم ابنها البار، تُفقد المرأة زوجها و تُيتم صغارها في ساعة خاطفة من عمر الزمان، و معهم فقد أخٍ أكبر طالما اعتز به كرجل وصديق دون اعتبار كونه زوج شقيقته، أغلق الهاتف مع فارس الذي أبلغه على مضض بغلق محضر الحادث دون عقاب للمُتسبب المجهول، ظالمة تلك الدنيا التي تسمح للجاني بالفِرار ولا عزاء للمُتضرر، أنهى عمله و استقل سيارته قاصدًا بيت أخته الذي بات وجهته اليومية، منذ الحادث، والدته تقيم بصحبتها وهو يقضي معهم نصف يومه، يبيت ليلته ببيت أسرته و صباحًا يتجه لعمله و منه لبيت أخته و اليوم عزم على الترويح عن الصغيرة الفاقدة للروح وهي على قيد الحياة بناءً على طلب نسمة التي تعلم قرب شقيقها الوحيد من طفليها وحبهما اللامحدود له، يعلم أن طريقه شاق فالصغيرة منفصلة تمامًا عن عالمهم منذ الحادث، نظراتها زائغة و كأنها تبحث عن رجلها الأول بينهم دون جدوى، تجيبهم بالكاد وبكلمات مقتضبة تكاد لا تُسمع، بالأمس لاحظ خروجها من غرفة والديها تحمل معطفًا يخص نادر ودسته بخزانة ملابسها مسكينة تلك الصغيرة التي تلقت أقسى صفعات الحياة باكرًا، وصل وجهته وصف سيارته أسفل البناية، صعد سريعًا يعود لسابق عهده في طرق الباب بطرقات سريعة منغمة يحفظها الصغار وإن آلمه قلبه و امتنع عن فعلته في الأيام السابقة مكتفيًا بجرس الباب المعتاد من خلف الباب سمع نداء نور باسمه قبل أن يفتحه، رفع رائد الصغير على كتفه ورأسه تتدلى خلف ظهره كعادته مع تعالي ضحكات نور، طبع قبلة على وجنة الصغير وهو يُنزله أرضًا ووجه حديثه :لوالدته
ـ فين نسمة و نادين؟
:وجهت السيدة زينب بصرها تجاه غرفة الصغار وردت بأسى
ـ نسمة لسة ما رجعتش و نادين ما خرجتش من أوضتها من الصبح
ضاق صدر رائد حزنًا و هو يخفض رأسه ويتجه للصغيرة المنعزلة، طرق على الباب المفتوح فلم تجبه، دلف والغرفة تغرق بالظلام رغم انتصاف النهار، امتدت يده تفتح الستائر فسمح لضوء الشمس بالدخول، انقبضت جفني نادين بفعل الضوء المباغت، وضعت كفها أمام عينيها فرأت رائد الذى استند بظهره إلى مكتبها وعقد ذراعيه أمام صدره يناظرها بتحدٍ، تجاهلته نادين والتفتت بجسدها للجهة الأخرى تسحب الغطاء على وجهها، قطع المسافة بخطوة و بحركة :واحدة رفع الغطاء عن كامل جسدها متزامنًا مع زعقتها
ـ سيبني يا رائد عايزة أنام
لاحظ معطف نادر جوارها و مسبحته الخاصة براحة يدها :فكتم ألمه و هو يجيبها
ـ قومي عايزك في مشوار
:طالعته بدهشة لا تقوى على تفريج جفنيها المنتفخين
ـ مشوار إيه أنا مش هخرج
تجاهل اعتراضها و فتح خزانة ملابسها فأخرج بنطال من الجينز وبلوزة بلون القهوة مع معطفها الصوفي ووضعهم جوارها وهو يجذب كفها يجبرها على الوقوف ويشير :للملابس
ـ مفيش اعتراض
دبت بقدمها الأرض غضبًا و دموعها التي لم تتوقف عادت :تعلن بقوة عن وجودها
ـ قلت مش عايزة
:وكأنها لم تعترض توجه نحو باب الغرفة وقبل أن يخرج ويغلقه
ـ خمس دقايق و هدخل تاني لو ملبستيش أنت حرة
:رفع كفيه بمحاذاة كتفيه
ـ أنا مش مسئول عن اللي هيحصل ساعتها ولا عن محاضرات نسمة عن الخصوصية و مكافحة التحرش
حصل على بسمة باهتة لم تتعد شفتيها و مع غلقه للباب استسلمت على مضض وبدلت ملابسها، جمعت شعرها دون ترتيب وخرجت ليستقبلها رائد الواقف جوار باب غرفتها بحركة مسرحية ينحني بجذعه وأحد ذراعيه خلف ظهره :و الأخرى تمتد تلتقط كفها
ـ my princess
منحته كفها فعلقها بذراعه متجهًا للخارج حيث أوقفهما نور
ـ أنتو خارجين؟ خدوني معاكم
:جلس رائد على ركبتيه بمحاذاة الصغير يخبره بجدية
ـ دي خروجة بنات
:ضم كفه و رفعها للصغير الذي قابلها بكفه المضمومة
ـ ليك عندي خروجة رجالة
:رمقه نور و أضاف ببديهية
ـ هي خروجة بنات أنت خارج ليه؟
:كتم رائد ضحكته المتسلية و حافظ على جديته
ـ أنا هوصلها بس علشان ما تركبش تاكس
:ضيق نور عينيه و ربت بسبابته على ذقنه بتفكير
ـ و أحنا هنخرج أمتى؟
ـ بكرة
:سارع رائد بالإجابة و أضاف
ـ فكر عايز تروح فين و أنا موافق
:رفع الصغير سبابته بسعادة
ـ نروح نلعب كورة
منحه رائد موافقته ورفع كفه في الهواء تلاقي كف الصغير علامة على الاتفاق، عاد رائد يلتقط كف نادين و يصحبها :خارج المنزل و هو يهمس
ـ خلصنا من اللمض
ضحكت نادين بخفوت، فتح رائد باب السيارة فركبت وهو ينحني مجددًا ناعتها بأميرتي، انطلق بالسيارة لأحد مطاعم العاصمة فتناول بصحبتها وجبة الغداء التي تناولتها نادين بشهية متوسطة، بعدها اصطحبها لأحد المجمعات التجارية :الكُبرى بالعاصمة
ـ my princess
تسمحلي أعزمها على السينما
ابتسمت نادين بصدق لمحاولاته التسرية عنها و أومأت برأسها إيجابًا، اختارت فيلم عن عصر الديناصورات بقاعة السينما ذات الأبعاد التسعة، ابتاع رائد علبتين من حبات الفُشار الساخنة وأخذ كل منهما مقعده ومع بداية العرض كانت الحبات تتطاير على ملابسهما مع تحرك المقاعد وتطاير رذاذ الماء المصاحب للفيلم، صدحت ضحكة نادين وهي تحاول السيطرة على علبة الفُشار دون جدوى ورائد كذلك، انتهى العرض الممتع ولاتزال ضحكاتها مرتسمة على :وجهها، احتوى رائد كتفيها بحنان و تعلقت عيناه ببسمتها
ـ ربنا يخلي لنا ضحكتك يا نودي
بعدها أصر رائد على شراء ملابس تنكرية لها، كانت تود :اختيار شخصية )سندريلا( لكن رائد رفض بشكل قاطع
ـ الأميرة لازم تلبس أميرة
التمعت عينا نادين و هو يختار الزي الخاص بشخصية)رابنزل( الذي أحبته خاصة ذلك الشعر المستعار .المجدول في ضفيرة تكاد تلامس الأرض
في نهاية اليوم أقلها للبيت في ساعة متأخرة من الليل وهو :يمازحها
ـ نسمة كده هتطردنا من على السلم
تركها بعد أن احتواها بين ذراعيه في ضمة حنون و طبعت :هي قبلة على وجنته مع همستها بأذنه
ـ شكرًا
***

حين تختبر الحرمان لسنوات ثم تجد الفرصة لتعويض بعضٌ مما فاتك فهل تتردد؟
الإجابة حتمًا بالنفي خاصة و إن كان التعويض مُقدم على طبق من فضة وهو ما تلاقى به مع هند التي أعدت مائدة عامرة بالطعام والفاكهة، جلس يلتهم قطع الدجاج بنهم و هي تشاركه بسعادة افتقدتها لشهور منذ آخر لقاء به :لاحظت إنهاءه لصحنه فسألت
ـ أجيبلك بيكاتا تاني؟
جلجلت ضحكته بالمنزل وهو يصفق بكفيه المفرودين :مصدرًا ضجيج
ـ بقيتي تطبخي زي الباشوات و تتكلمي زيهم
:ضحكت بينما تلملم الصحون و تنقلها للمطبخ ونبرتها تؤكد
ـ ما أنا بقيت منهم

استلقى على الأريكة باسترخاء يمسك بجهاز التحكم عن بعد :و يقلب بقنوات التلفاز
ـ والله وعيشتك ارتاحت يا هند
جلست جواره فاعتدل يحيط كتفيها بذراعه يمسك بإحدى خصلاتها يلفها على سبابته تطلعت إليه بشرود تتذكر معاناتها :و ما تكبدته لسنوات
ـ العيشة دي أنا دافعة تمنها غالي قوي
:نظر إليها بلامبالاة و هو يؤكد بسبابته
ـ مهما كان التمن بس نفدتي من الفقر
:ابتسمت بحنان تربت على كفه الحرة
ـ تعرف، أنت اللي مصبرني على العيشة دي
ارتفع رنين هاتفها الجوال معلنًا عن اتصال من زوجها، :أمسكت بالهاتف تشير للآخر بالصمت
ـ مش عايزة نفس
استجاب واضعًا كفه على فمه يكتم ضحكته الساخرة بينما :هند تنهي مكالمة زوجها سريعًا و ألقت بالهاتف بملل
ـ هقوم أجيبلك أم علي تحلي
دلفت للمطبخ بينما هيثم يتجول بالبيت، وقع نظره على حافظة النقود بحقيبتها المفتوحة، امتدت يده تحصي ما وجد من نقود و دس بعضها بجيبه، في طريقها إليه تحمل طاجن الحلو الذي أعدته قبلًا لاحظت ما فعل فأخفضت نظرها سريعًا تخفي ملاحظتها، قدمت له الحلو الذي التهمه عن آخره بتلذذ قبل أن يهم بالانصراف و عند الباب انحنى يطبع :قبلة على وجنتها
ـ طالما جوزك مسافر هجيلك بكرة تاني
:ربتت على كتفه بسعادة و هي تحذره
ـ بس خد بالك لا البواب يشوفك










الفصل السابع


حين تتلقى من الدنيا ضربة قاسمة
فإما الانكسار أو النجاة.
وهي تلقت أقوى الضربات على حين غرة، انقلب عالمها رأسًا على عقب بين ليلة وضحاها ولا سبيل أمامها سوى النجاة بنفسها وأولادها، استلمت دفة القيادة بأسرتها قسرًا و اتشحت بقوة وإن ادعتها، تبدأ يومها في السادسة صباحًا، تودع صغارها إلى مدرستهم ثم تستعد لعملها، لأيام قضتها خلف مكتبه الذي بات يخصها تراقب الجميع، تدرس ما سبق من أعمال وتفهم كل ما يدور حولها بصمت، الحق يقال فمحمود هو من يدير الشركة فعليًا بحضورها، أيام قلائل و أدركت أنه كان أهلًا لثقة نادر و إن حذرها من الجميع، ارتفع رنين هاتف مكتبها الداخلي لتجيب فيأتيها صوت سكرتيرتها أروى:
ـ أستاذ حسام الشوباشي طالب يقابل حضرتِك
رغم دهشتها من الزيارة منحته الإذن بالدخول، دلف بعد طرقات خافتة، لأول مرة تلحظ هيئته فالمرة الأولى التي قام بتعزيتها فيها لم تكن بحال يسمح لها بالتحقق منه، أربعيني بخصلات قصيرة سوداء ناسبت دكنة عينيه، بشرة حنطية مائلة للبياض، حلة سوداء ورباط للعنق ناسب هيئة رجل أعمال شاب، جلس أمام مكتبها واضعًا حقيبته على المنضدة الصغيرة أمامه:
ـ أنا آسف إني جاي من غير معاد
ابتسمت بخفوت مرحبة رغم توجسها من الزيارة:
ـ تشرب إيه يا باشمهندس
ابتسم بعملية يحل زر حلته:
ـ قهوة مظبوط
ضغطت زر الهاتف الداخلي تلبي طلبه ثم عادت إليه بنظرة مستفهمة فهمها فأوضح:
ـ عارف أنك مستغربة الزيارة
اعتدل في جلسته و أكمل:
ـ لكن لما عرفت أنك نزلتي الشركة كان لازم آجي يمكن تحتاجي مساعدة
إجابته لم تبدد دهشتها و إنما زادت منها فعبرت عنها:
ـ و حضرتك عرفت منين إني نزلت الشركة؟
جلجلت ضحكته رغمًا عنه، وضع كفه على فمه يكتمها معتذرًا:
ـ آسف، بس مفيش حاجة بتستخبى في السوق
تقدم من حافة مكتبها يتكئ بمرفقه:
ـ أنا عارف أن معندكيش خبرة علشان كده حقيقي نفسي أساعدك
أدركت سذاجة سؤالها من الوهلة الأولى وعمدت إلى مواراة ذلك، يبدو أنها بحاجة لتعلم اللعب بالكلمات:
ـ شكرًا لعرضك يا باشمهندس
أخرج بطاقة هواتفه ووضعها أمامها على المكتب و هو يوضح:
ـ دي كل تليفوناتي
ـ صحيح شركتي شغالة في الأثاث لكن أقدر أخدمك
نهض يحكم زر حلته و هو يكمل:
ـ لو احتاجتي أي مساعدة متتردديش في طلبها
لوح بكفه و التفت مودعا:
ـ القهوة هشربها المرة الجاية
و أنصرف بثقة من عودته مرة أخرى، تلك الهرة التي جلست بمكان يكبرها بكثير ولم تتعلم الخمش بعد حتمًا بحاجة لحماية من نوع خاص لا يدركها إلا من كان مثله، براءة ملامحها وارتباكها الواضح بموقعها لمسا جزءً خفيًا بنفسه.
على الجانب الآخر كانت تمسك ببطاقته تقلبها بين كفيها و تستدعي محمود الذي بات مرشدها وما إن دلف حتى بادرت:
ـ تعرف حد اسمه حسام الشوباشي؟
عصف محمود ذهنه قبل أن ينفي، صمتت برهة قلبت خلالها البطاقة مرة أخرى:
ـ شركة الأثاث الحديث
أومأ محمود برأسه يجيبها:
ـ أسمع عنها بس مفيش تعامل بيننا
هزت نسمة برأسها و أكملت:
ـ بيقول أنه كان يعرف نادر من السوق
دهش محمود وأضاف:
ـ يجوز يعرفه بس أنا معرفوش
لم يستطع إخفاء دهشته و هو يستوضح:
ـ مين ده و كان عايز إيه؟
أكملت نسمة تفحص البطاقة علها تفصح عن هوية صاحبها:
ـ كل اللي أعرفه اسمه
ـ و اللي متأكدة منه أنه جوز صاحبتي
أكملت بشرود:
ـ بيقول أنه صاحب نادر و جاي يعرض مساعدته
التقط محمود البطاقة من يدها يناظرها بتوجس:
ـ جوز صاحبتك ماشي، صاحب نادر جايز
مال برأسه يقرأ معلوماته المدونة ببطاقته:
ـ جاي يساعد! المية تكدب الغطاس
رفعت حاجبها دهشة من منطقه فأكمل و هو يشير بسبابته كأحد دروسه لها:
ـ اتعلمي تشتري من الناس و ماتبيعيش
اتشحت ملامحة بالجدية كمعلم يسقي تلميذته النجيبة خلاصة علمه:
ـ خدي من اللي قدامك اللي تقدري عليه و متديش غير اللي عايزة تديه
وضع البطاقة جانبًا بحافظة البطاقات و هو يكمل:
ـ عمومًا مش محتاجين مساعدة بس السوق يجبرنا نشتري منه
فهمت نسمة منطقه بإعجاب، فإن كان حسام صادقًا بالمساعدة استفادت منه و إن كان لديه غرضًا آخر فمراقبة أفعاله ستمكنها من اكتشافه.
***
عندما يغادرك شطر من روحك تفقد حساب الزمن و تتحول الأيام لساعات من حزن تقضيها في انتظار اللقاء مجهول الموعد، تساوت لديها الأيام بالكاد تقتات ما تقيم به جسدها فصغيرها الأثير الذي رعته طفلًا فمراهقًا لا يخلو من بعض التهور ثم شابًا مندفعًا للحياة حتى صار رجلًا ملئ الأبصار فإذا بالدنيا تضن عليها به، أخرجها من شرودها صوت باب شقتها الذي فُتح لحظات وكان بكرها يقترب بخطواته من غرفتها التي تلازم فراشها منذ الحادث ولا تتركه إلا للصلاة، اقترب مدحت وانحنى يقبلها بود ثم جلس على مقعد مجاور للفراش، بعد السلام المعتاد لم يستطع كبح لومه لأمه:
ـ أنا مش موافق على اللي عملتيه يا أمي
حدجته درية بنظرة خبيرة بنفسه، تحفظ ولديها عن ظهر قلب و يكاد قلبها يجزم أن وصية صغيرها بسبب خوفه على صغاره من نفس أخيه ومن خلفه زوجته الأمارة بالسوء، فبعد جلسة المحامي واسترجاعها للحديث أدركت أن وصية نادر كانت في اليوم التالي لزيارته لها، ملأت صدرها بالهواء تجيبه:
ـ أنا مش هاخد من الدنيا قد اللي خدته
حولت نظرها عنه تشرد بأسى:
ـ بس ولاد أخوك لسه العمر قدامهم
مال بجسده ناحيتها و هو يؤكد:
ـ ما هو علشان ولاد أخويا مكانش ينفع تعملي كده
التفتت إليه مستفهمة تحاول استنباط صدق نيته:
ـ قصدك إيه؟
كز على أسنانه يؤكد على كلماته برفق:
ـ قصدي أن نسمة بكرة تنسى و مش بعيد تتجوز
استند بظهره للمقعد يكمل بث سمومه:
ـ ساعتها يبقى بيت نادر وولاده و فلوسه راحوا لواحد غريب
انقبض قلبها لفكرة أن يحل آخر محل ولدها ببيته و بين زوجته و أولاده، تهدج صوتها بحزن تحاول نفي تخوفه:
ـ نسمة عاقلة و أخوك كان واثق فيها
مط شفتيه امتعاضًا يجادلها بالمنطق:
ـ كان واثق فيها لما كانت مراته لكن دلوقت....
نهض يتجول بالغرفة و هو يكمل:
ـ هتصبر قد إيه سنة، اتنين، تلاتة
التفت لأمه يلوح بذراعه في الهواء بنفاد صبر:
ـ لو قالت هتجوز ما حدش هيقدر يعارضها
طرحت درية ظهرها للخلف تستند لفراشها و أغمضت عينيها ألمًا:
ـ ما تسبقش الأحداث
فتحت عينيها و الكلمات تكاد تخنق روحها:
ـ حتى لو اتجوزت في يوم، فدي فلوس ولادها ما حدش هيخاف عليهم زيها
جلس مرة أخرى جوار الفراش و نبرته تستعطف أمه في محاولة لأقناعها:
ـ بس لو كان ليكِ نصيب في الفلوس دي ساعتها نقدر نحمي فلوس الولاد
التفتت إليه بملل من حديثه فقد وصل لبيت القصيد، المال:
ـ فات أوان الكلام ده أنا خلاص اتنازلت للولاد
أمسك مدحت بكف أمه برفق يربت عليه و يمنحها الأمل الذي جاء من أجله:
ـ اتنازلتي عن نصيبك كهبة للولاد و من حقك ترجعي فيها
سحبت كفها من يده بعنف حانقة على تفكير ولدها، كيف تحول لذلك الخبيث و كيف أنجب رحمها مثله فولديها أبلغ تعبير عن المثل الشائع "البطن قلابة"، أشاحت بنظرها عنه تجيبه بحسم:
ـ أنا مش هرجع في حاجة و آخر مرة تتكلم في الموضوع ده
ود بجدالها مرة أخرى فأشارت له بسبابتها محذرة:
ـ لو هتتكلم في نفس الموضوع هعتبر ولادي الأتنين ماتوا
وانخرطت في البكاء فما يتحمله قلبها العليل يفوق طاقته بمراحل.
لان قلبه لبكائها وانتقل لجوارها يحتضنها مربتًا برفق و يهمس بأسفه:
ـ خلاص طالما دي رغبتك
***
الأب هو رجل ابنته الأول، حبها و أول فارس لأحلامها و فارسها كان دومًا الغائب الحاضر و إن اقترب أكثر في عامها الأخير بفعل انتقال عمله للقاهرة بعد سنوات اغتراب قضاها بعيدًا عنها، قرب عدته متأخرًا فقد كيفت حياتها وحيدة ووجدت بدائلها و إن لم تضاهيه قربًا وحبًا، كانت كعادتها بعد تدريبها تجلس مع صديقها المُقرب الذي بات الأوحد، و في نفس موعده تماما بعد نهاية عمله هاتفها:
ـ ألو بابي خارجة أهو
أتاها صوت فارس الحنون يطلب منها عدم الخروج
ـ أنا في النادي قلت نتغدى مع بعض
سمعت كلمته فحملت حقيبتها مهرولة خارج المدرجات الفارغة، قابلها فارس عند بوابة الملعب فاحتواها مقبلًا وجنتيها بلطف، دار بنظره في الملعب فلم يجد سوى أحدهم جالسًا بالمدرجات، أمعن النظر فأدرك أنه ليس المدرب فسألها:
ـ خلصتي من أمتى؟
لاحظ ارتباك صغيرته، تركها تجيب و لم يعلق:
ـ من شوية
عاد بنظره للشاب بالمدرجات و سألها صراحة:
ـ مين ده؟
نظرت صوب لؤي و من ثم عادت بنظرها لوالدها بارتباك:
ـ لؤي زميلي
لم تقنعه إجابتها لكنه آثر الصمت و التحقق فيما بعد بطريقته الخاصة:
ـ طب يالا نتغدى
دلفا مطعم النادي و بعد طلب الطعام تطلع فارس لصغيرته، حالها لا يرضيه، حياتها مرتبكة، ساعاتها الطويلة التي تقضيها خارج المنزل تؤرقه دون قدرة على معرفة السبب:
ـ لمى ممكن تعتبريني صاحبك مش بابا
رفعت لمى نظرها لفارس، لأول مرة تشعر بقربه لهذه الدرجة:
ـ أكيد يا بابي
مد كفيه يحتوي كفيها يربت عليهما بحنان:
ـ يبقى تفتحيلي قلبك
ضم كفيها أكثر يشدد عليهما بدعم حقيقي:
ـ ما بتحبيش تروَحي ليه؟
أخفضت نظرها دون إجابة بينما هو يكمل:
ـ قوليلي السبب الحقيقي اللي يخلي بنت زيك تهرب من بيتها بالساعات
انفجرت الصغيرة بالبكاء فجأة فانخلع قلب فارس، انتقل للمقعد المجاور لها و سحب رأسها لصدره، وهي نطقت من بين شهقاتها:
ـ مش بيتي يا بابي
أبعد رأسها قليلًا ينظر بعمق عينيها:
ـ ده بيت مامتك يعني بيتك
هزت لمى رأسها نفيًا وأكملت بصوت متقطع:
ـ ده بيت أنكل حسن وولاده
زاد بكاؤها و هي تتذكر البيت الوحيد الذي اعتبرته ملكًا لها:
ـ بيتي هو اللي كنت عايشة فيه و أنا صغيرة
شردت قليلًا تسترجع تلك التفاصيل التي افتقدتها:
ـ سريري و لعبي و حياتي مع مامي، أجازتك اللي كنت بعرف أحسبها قبل ما أتعلم الأيام
أعاد الصغيرة لحضنه مرة أخرى، يؤنب نفسه على غفلته عن معاناتها كل تلك السنوات:
ـ ليه مقلتيش الكلام ده قبل كده؟
مسحت لمى الدموع عن إحدى وجنتيها و هي تجيب بحسم:
ـ حضرتك كنت مسافر
صغيرته محقة، أين كان طوال تلك السنوات، بعمله وما النفع إن أضاع أجمل سنوات عمرها و هو غائب:
ـ البيت ده لسة موجود و هيفضل بيتك طول عمرك
أعادها لمقعدها و احتوى رأسها بين كفيه يمسح دموعها بأنامله مطمئنًا:
ـ اللي يريحك هو اللي هيحصل
أنهيا وجبة الغداء ثم استقلا السيارة في طريق عودتهم، انحرف فارس في اتجاه منزله بينما يخبر لمى بهدوء:
ـ كلمي ماما قوليلها أنك هتباتي عندي النهاردة
أطاعته الصغيرة و هاتفت أمها التي ارتفع صوتها على الطرف الآخر ليصل فارس الذي جذب الهاتف من يد لمى وأخبرها بحسم:
ـ لمى هتبات معايا النهاردة
اعترضت أحلام بانزعاج فعاجلها فارس:
ـ بنتي و ليَ حق فيها زيك و أكتر
ثم أغلق الخط بوجهها دون أن يترك فرصة لردها، التفتت لمى لفارس تناديه برفق:
ـ بابي
منحها نظرة مستفهمة ثم عاد إلى الطريق أمامه لتوضح:
ـ أنا مش معايا هدوم أبات فيها
ابتسم فارس بحنان و مد يده يعبث بخصلاتها:
ـ ولا يهمك نعدي نشتري أحلى بيجامة
نفذ فارس ما عزم عليه وما إن دلفا للمنزل حتى تدفقت ذكريات الصغيرة مرة أخرى، دلفت غرفتها السابقة و جلست على الفراش الصغير الذي ضاق على جسدها تتحسسه بشوق لأيام عاشتها سابقًا، لاحظها فارس فمازحها:
ـ كبرتي على السرير يا لومي
ـ محتاجين نشتري غرفة أميرات بدل الأطفال دي
ضحكت لمى بسعادة حقيقية:
ـ بس دي أنا بحبها
تقدم فارس منها يطبع قبلة على جبينها بحب:
ـ وأنا معنديش أغلى منك
تركها تبدل ملابسها و دلف يعد بعض الشطائر للعشاء، طرق باب الغرفة بخفوت فلم ترد، دلف فوجدها قد انكمشت بالفراش الصغير تغط في نوم عميق، وضع ما بيده جانبًا و دثرها جيدًا و من ثم حمل صينية العشاء و خرج مغلقًا الباب و هو ينوي ألا تعود صغيرته لبيت تكرهه مرة أخرى.
***

هي مزيج من قوة و ضعف
عبق الماضي و سحر الحاضر
انثى حظيت من كل فضيلة بنصيب
وضعت هدفها صوب عينيها و خطت نحوه بثبات، أنهت محاضرتها للفرقة الثانية و تركت المدرج في طريقها لمكتبها، وجدته بانتظارها خارج المكتب بهيئته التي باتت تداعب خيالها فتنهره على فعلته، ابتسم بوقار يحييها فردت تحيته بمثلها:
ـ دكتور ماهر في ملاحظات كتير على جزء الرسالة اللي حضرتك سلمته
انحنى قليلًا و هو يجيبها:
ـ طيب اسمحيلي أعزمك على فنجان قهوة و نتكلم في الملاحظات
فتحت باب مكتبها هروبًا من نظراته المربكة لكيانها:
ـ هطلب القهوة في مكتبي
دلف خلفها غرفة المكتب وهو يكمل عرضه:
ـ هنشربها على حسابي
جلست خلف مكتبها تذكر نفسها بموقعها و بالمسافات الآمنة التي أحاطت بها قلبها طوال سنوات عملها و لم تعقب على عرضه، بعثت بطلب القهوة ثم فتحت أحد الأدراج تخرج رسالة الدكتوراة الخاصة به، جلس ماهر أمام المكتب باحترام حقيقي يستمع لملاحظاتها، تارة ينظر حيث تشير في الأوراق ثم تخونه عيناه فتغرق بخصلاتها التي جمعتها خلف رأسها برسمية بحته تارة أخرى، أكملت ما تقول و رفعت عيناها فاصطدمت بخاصته المتفحصة تأسرهما في نظرة خاصة لم تواجهها قبلًا، أخفضت نظراتها تفر من أسر عينيه و أكملت بعملية تجيد التمسك بها:
ـ دي كل الملاحظات، اشتغل عليهم
التقط الملف من يدها و أكمل ارتشاف قهوته ثم انصرف بهدوء، تنفست الصعداء وكأنه بانصرافه قد أطلق سراح روحها، فلملمت حاجياتها وانصرفت تنهي يومها.
بموقف السيارات الخاص بأعضاء هيئة التدريس لمحته مرة أخرى يهم بركوب سيارته، تجاهلت وجوده واستقلت سيارتها التي ارتفع صوت محركها بعد أن فشلت في إدارته، اقترب ماهر يستوضح ما يحدث، أشار لها بفتح زجاج السيارة فاستجابت وحين علم بتعطلها قدم عرضه:
ـ اتفضلي يا دكتورة أوصلك
نفت بهزة رأس معتذرة بلباقة:
ـ شكرًا يا دكتور هطلب أوبر
و أخرجت هاتفها تطلب عربة تُقلها، دقائق و كان السائق بانتظارها، قبل انصرافها طلب منها بلباقة:
ـ دكتورة ممكن مفتاح العربية؟
التفتت مستفهمة عن السبب فأوضح:
ـ هروح أجيب ميكانيكي يشوفها
استجابت بخجل لعرضه وضعت المفتاح بيده وهي تؤكد:
ـ شكرًا يا دكتور، بعد إذنك التكاليف عليا
التقط المفتاح و دسه بجيب بنطاله وهو يمنحها إحدى ابتساماته الساحرة:
ـ مش هنختلف يا دكتورة
ثم انصرفت وتركته قد عقد العزم على خطوته القادمة.
***

العائلة بحياة البعض نعمة لا تُقدر بثمن و بحياة آخر قد تكون أعظم نكباته، وهو طالما كره بيت عائلته و لولا حاجته لإمضاء والده على أوراق هامة لانتظر حتى يلقاه باليوم التالي.
دلف للفيلا التي تسكنها عائلته فقابلته شقيقته نيروز أو ناني كما تفضل أن يناديها الجميع صافح شقيقته الجالسة بصالون الفيلا باسترخاء تعبث بهاتفها بلامبالاة للأصوات المرتفعة بمكتب والدها، أتاهما صوت والدتهما واضحًا:
ـ مش كل مرة هسكت على نزواتك
تعالى صوت والدهم بوضوح:
ـ أنت شاغلة دماغك بيَ ليه
أشار لغرفة المكتب بنفاد صبر و سأل شقيقته:
ـ بيتخانقوا من أمتى؟
عادت لاسترخائها على الأريكة تعبث بخصلات شعرها المصبوغة بالأشقر:
ـ شهيرة هانم اكتشفت صديقة جديدة للوالد امبارح
حدجت باب المكتب المفتوح بلا اهتمام:
ـ بس المواجهة سخنت الصبح
وصلهما صوت ضحكة شهيرة هانم تصدح بالفيلا بينما توبخ والدهما:
ـ أنا شاغلة نفسي ببريستيجي
جلست على أحد الأرائك ترفع ساقًا فوق أخرى و تكمل:
ـ شكلي يبقى إيه لما يعرفوا أن مهران بيه جوز شهيرة هانم مصاحب بنت local
هدأ صوت مهران مهادنًا:
ـ ما تقلقيش ياهانم ما حدش هيعرف
رفعت أنفها عاليًا و هي تحذره بسبابتها:
ـ لو زودتها أنا أقدر أنهيك و أرجعك شحات زي ما عملتك بفلوسي
لم يتحمل حسام الاستماع لباقي الشريط الذي حفظه عن ظهر قلب فشجاراتهما لازالت على حالها لسنوات، دلف لحجرة المكتب يقطع حديثهما:
ـ آسف أني هعطلكم
مد يده بالأوراق التي يرغب بإمضاء والده عليها، فوصلته سخرية شهيرة:
ـ طبعا جاي تنقذه ما أنت كمان بتحب ال local
أكملت سخريتها و هي تناظره من أعلى لأسفل:
ـ بدل ما تروح تناسب الباشوات رحت جبتلنا بنت فقيرة معرفش جبتها منين.
أنهى مهران إمضاء الأوراق فلملمها حسام بعجالة في حقيبته بينما مهران يسأله:
ـ أنت رجعت من السفر أمتى كان قدامك يومين
أجابه حسام بهدوء و هو يستعد للرحيل:
ـ خلصت شغلي و رجعت من 3 ساعات
حمل حقيبة أوراقه و عند باب المكتب التفت لوالدته:
ـ آسف يا شهيره هانم ما عنديش وقت أسمع محاضراتك
وانصرف بعجالة كارهًا المكان بمن فيه، هو يكره تسلط والدته على والده و ضعف والده الدائم أمامها، يتعجب إن كانت والدته لا تستطيع تجاوز حقيقة أن والده كان موظف لدى والدها قبل أن يتقدم لخطبتها، إن كانت تعمد لتذكيره دائمًا بفضلها وأنه لولا مال عائلتها لما استطاع الحياة بين رجال الأعمال، لمَ وافقت من الأساس على الزواج منه طالما تعمد لإهانته، لقد عاهد نفسه منذ الصغر ألا يسمح لها بالوقوف موقف ضعف مهما كانت الأسباب، تسلح بالقوة، المال الذي أنماه والده لسنوات ووطد علاقاته بأصحاب النفوذ، حتى حينما رغب بالزواج اختار من تقل عنه بكل شيء حتى تظل له الأفضلية دائمًا.
أنهى عمله و عاد لمنزله، فتح باب البيت بهدوء و دلف ببطء ليصله صوت ضحكات رجولية بصالة البيت، وقف قليلًا يستمع للحديث فأتاه الصوت بوضوح:
ـ أنت هتولدي أمتى؟
ثم صوت زوجته يرد بارتياح:
ـ قدامي شهرين و نص تقريبًا
تقدم بخطوات متمهلة يطرق السمع لصخبهما و الغضب يعصف بكيانه، وقف خلفهما و هما متجاوران على الأريكة، يتناولان حبات الفُشار أمام أحد الأفلام الكوميدية غافلان عن البركان المتفجر برأسه، استند بكفيه لظهر الأريكة و بهدوء ما قبل العاصفة نطق:
ـ مساء الخير
قراءة ممتعة
اهل حسام هما سبب ازمته منهم لله بجد


samar hemdan غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 29-08-20, 01:31 AM   #23

م ام زياد

مشرفة منتدى قلوب أحلام

 
الصورة الرمزية م ام زياد

? العضوٌ?ھہ » 389344
?  التسِجيلٌ » Dec 2016
? مشَارَ?اتْي » 2,332
?  نُقآطِيْ » م ام زياد has a reputation beyond reputeم ام زياد has a reputation beyond reputeم ام زياد has a reputation beyond reputeم ام زياد has a reputation beyond reputeم ام زياد has a reputation beyond reputeم ام زياد has a reputation beyond reputeم ام زياد has a reputation beyond reputeم ام زياد has a reputation beyond reputeم ام زياد has a reputation beyond reputeم ام زياد has a reputation beyond reputeم ام زياد has a reputation beyond repute
افتراضي

يا هبه مش كده يا هبه بتقهرينا على الراجل تاني 😭
بس راجل نادر فعلا 🥺
لقد فقدت الزوجه المصريه رجل من أعظم الرجال، من اخلص الرجال 😒
ومنك لله يا هبه 😂
بقى تموتي نادر وتسيبي حسام 🤨


م ام زياد غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 29-08-20, 02:24 AM   #24

heba nada

? العضوٌ?ھہ » 460821
?  التسِجيلٌ » Jan 2020
? مشَارَ?اتْي » 66
?  نُقآطِيْ » heba nada is on a distinguished road
افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة م ام زياد مشاهدة المشاركة
يا هبه مش كده يا هبه بتقهرينا على الراجل تاني 😭
بس راجل نادر فعلا 🥺
لقد فقدت الزوجه المصريه رجل من أعظم الرجال، من اخلص الرجال 😒
ومنك لله يا هبه 😂
بقى تموتي نادر وتسيبي حسام 🤨
حسام لسة عايزينه في الرواية😂😂😂
نادر الله يرحمه بقى ويحسن إليه كان راجل طيب والطيبين ملهمش نصيب في الدنيا💁


heba nada غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 29-08-20, 08:51 PM   #25

heba nada

? العضوٌ?ھہ » 460821
?  التسِجيلٌ » Jan 2020
? مشَارَ?اتْي » 66
?  نُقآطِيْ » heba nada is on a distinguished road
افتراضي


الفصل الثامن


ونسير في طريقنا دون هدى
نسعى آملين ألا يضيع سعينا سدى
غافلين عما يخبئه القدر لنا

***




ـ مساء الخير....
انتفض كلاهما عند سماع الصوت، وقفا يواجهانه، مد هيثم يده مصافحًا بارتباك واضح و هو ينطق بتردد:
ـ حمد لله على السلامة
عقد حسام كفيه خلف ظهره و رفع رأسه يناظره بشموخ صامت زاد من ارتباكه، سحب هيثم كفه خائبة ثم استأذن بالانصراف ودون رد من كليهما خرج وهو يلقي بنظراته المشفقة تجاه هند التي وقفت محتضنة جنينها بذراعيها وكأنها تحميه مما تتوقعه من ثورة، التفت حسام بنظره لهند التي وقفت مطأطئة رأسها دون قدرة على مواجهته، نطق بعد ثوانٍ صامتة هوى بها قلبها بين قدميها:
ـ أنا مش قلت الواد الصايع ده ميدخلش البيت تاني؟
رفعت نظراتها الخائفة فقابلتها شراراته الغاضبة، عادت بنظرها مرة أخرى للأرض دون رد فعاجلها بزعقته:
ـ ما تردي يا هانم
انتفضت إثر زعقته و أغمضت عينيها تتلقى باقي ثورته بجلد تسلحت به طوال سنوات عشرتها معه و هو يكمل:
ـ ولا علشان مسافر فكلامي يتكسر
لوح بذراعيه يدور بصالة البيت و شبح ضعف أبيه يطارده:
ـ يا ترى إيه تاني بيحصل من وريا و أنا مش عارف
عاد إليها يمسك بذراعيها بكفيه يهز جسدها ليجبرها على مواجهته:
ـ انطقي
رفعت عينيها الزائغتين مجبرة تواجهه بضعف و انفرجت شفتاها ببطء:
ـ ده أخويا
دفع كتفيها فأجبرها على الجلوس مرة أخرى يكمل تقريعه:
ـ صايع و تربية شوارع
بصوت مهزوز سبقته دموعها دافعت عما تجده حقها:
ـ مش من حقك تمنعني عن أهلي
انحنى بجذعه يستند بكفيه إلى ظهر الأريكة يحاصرها بجسده:
ـ أهلك ما يشرفوش حد يا مدام
انكمشت على نفسها تلتصق بظهر الأريكة فِرارًا من فحيحه الذي أكمله دون رحمة:
ـ طول ما أنتِ في بيتي تلتزمي بقوانيني
استقام بظهره يمنحها آخر نظراته المحذرة ويشير بسبابته:
ـ ده آخر إنذار ليكِ
و تركها خلفه وقد دفنت وجهها بين كفيها تذرف دموع ضعفها وحيدة، خرج مرة أخرى صافعًا باب المنزل و قد تأججت بداخله كل المشاعر التي يكرهها، هو رجل خط لنفسه طريقًا لن يحيد عنه مهما كان الثمن.
استقل سيارته بالطرقات دون وجهة حقيقية يقصدها، لحظات ووجد نفسه أسفل منزل الأخرى، تلك التي لا يعلم كيف و متى تقاطعت طرقهما، ولمَ الآن تقوده الصدفة مجددًا لطريقها، صف سيارته يسار الطريق و عيناه لا تحيد عن بوابة المنزل الذي حضر له للمرة الأولى معزيًا وها هو ذا للمرة الثانية قد آتى ولا يعلم السبب، لحظات وكانت تصف سيارتها أمام بوابة المنزل وتترجل في ثوبها الأسود بنعومة وقوة لا يعلم كيف لأنثى الجمع بينهما، دلفت لبوابة المنزل فكاد أن يتبعها قبل أن تخرج مرة أخرى بصحبة حارس الxxxx، فتحت حقيبة سيارتها وبدأت مع الحارس في إخراج أكياس البقالة، حملت بعض الأكياس وأغلقت سيارتها ودلفت للxxxx مرة أخرى والإرهاق قد بدى جليًا على محياها، تعلقت عيناه بأثرها في الفراغ وتلك البؤرة السحيقة التي لمستها بكيانه تتعاظم، أدار محرك سيارته مرة أخرى وانطلق بها يعيد نفسه لطريقه ويستعيد السيطرة على زمام أموره كما اعتاد دومًا.
***
قالوا يومًا أن تنجب طفلًا يعني أن تسمح لقلبك بالسير على قدمين، تراقبه في كل حركاته وسكناته، ترتفع روحك لعنان السماء مع ضحكاته وتسقط لقاع الجحيم إن مسه سوء، وطفلته أنارت بيته مرة أخرى بضحكاتها منذ الصباح لم تكن وحدها بحاجة لبيتها ولكنه كان أشد حاجة لبراءتها تنير وحشة وحدته، صوتها الذي يصدح بين جنبات البيت بأغانٍ لا يعلم متى ظهرت و من مطربها و إن ساءه اللحن و الكلمات معًا لكنه بدد صمت البيت الذي اكتشف أنه كان يهرب منه أيضًا للعمل و ليست طفلته فقط من كانت تفر من وحدتها، و اليوم تتنقل بحرية بين غرفات البيت، تدخل المطبخ تعد لنفسها شطيرة من الجبن المذاب وكوب من القهوة سريعة الذوبان و صوتها يدندن بذات الأغاني العجيبة:
ـ سكر محلي محطوط عليه كريمة
كعبك محني و العود عليه القيمة
و تجيني تلاقيني لسة بخيري
مش هتبقى لغيري
أيوة أنا غيري مفيش
ـ إيه الكلام ده، و إية اللحن اللي ملوش ملامح ده
كانت كلمات فارس الممتعضة التي قطعت استرسالها بأغنيتها، نظرت لمى لوالدها بينما تضع طبق الشطائر و الكوب بصينية وهو يسأل بدهشة:
ـ مين اللي بيغني الكلام الفارغ ده؟
حملت صينية إفطارها و هي تجيبه ببساطه
ـ حسن شاكوش
انتفض فارس الذي كان يتكئ على حافة باب المطبخ يلحق بلمى التي مرت جواره و هو يعيد كلمتها بسخرية:
ـ حسن إيه!
التفتت لوالدها تميل برأسها قليلًا للجانب تمعن النظر إليه:
ـ بابي أنت آخر معلوماتك في المطربين مين
تقدم منها خطوتين بتمهل و قال بفخر:
ـ كاظم الساهر
فغرت الصغيرة فاهها مندهشة:
ـ حضرتك مسمعتش عن عمرو دياب
فتدارك الفجوة سريعًا و هو يؤكد:
ـ سمعت طبعًا، عمرو مطرب شاب لكن كاظم طربي
ضيقت لمى عينيها يأسًا و هي تجيب:
ـ شاب مين يا بابي ده عدى الستين
وضعت صينية الطعام على المنضدة و جلست تلتهم أحد الشطائر، لاكت أولى قطعها و رفعت نظرها لوالدها و كأنها تختبر معلوماته:
ـ متعرفش تامر حسني و حماقي بقى
جلس على المقعد المقابل لها و قد اعتلى وجهه علامات الاستهزاء ونطق بسخرية:
ـ تامر حسني! كده دخلنا في العيال السيس
غصت لمى بمشروبها و هي تضحك لامتعاض والدها، التقطت أنفاسها و قالت من بين ضحكتها:
ـ أنت قديم قوي يا بابي
سرح فارس في ضحكات ابنته و راحة ملامحها منذ دخولها للبيت:
ـ نورتي بيتك يا حبيبتي
قطع حديثهم صوت هاتف لمى الجوال، انتبه للصوت قائلًا:
ـ لو مامي هاتيها
طالعت لمى الهاتف بارتباك حاولت تداركه و هي تضغط زر رفض المكالمة و تجيبه:
ـ لأ مش مامي
لاحظ ارتباك ابنته ووضعها لهاتفها على الوضع الصامت ولم يعقب و سأل:
ـ مين؟
عادت لمى لشطائرها تلتهمها تفر بعينيها من والدها و هي تجيب:
ـ واحدة صاحبتي مش بكلمها
ابتلع إجابتها على مضض و هو يراقب هروبها، يعلم أن طريقه لايزال طويلًا و هو بالكاد خطى أولى خطواته نحو ابنته التي رفعت نظرها لوالدها تسأله:
ـ هو حضرتك مش رايح الشغل النهاردة
استند بظهره إلى مقعده و عقد كفيه خلف رأسه مجيبًا:
ـ خدت النهاردة اجازة علشان خاطرك
ثم واصل الغوص في تفاصيل ابنته التي فاتته لسنوات؛ نظراتها، حركاتها، مزاحها و حتى عبثها الذي لا يعلم لأي مدى وصل و أين توقف، تقدم مرة أخرى من حافة المنضدة يستند بمرفقه لها و يريح وجنته على قبضة يده و هو يعيدها للحديث:
ـ أخبار الدراسة إيه
كانت لمى قد انتهت من شطائرها، تمسك بكوب قهوتها بيد ترتشف منه ببطء، لوحت بيدها الحرة بلامبالاة و نفخت بالأبخرة المتصاعدة من كوبها تعبث بها و هي تجيب:
ـ مفيش عمار بينا
رفع حاجبيه دهشة من تصريح صغيرته التي أضافت دون حاجة للسؤال:
ـ الدراسة أصلا مش طموحي
ضم شفتيه تعجبًا فها هو يتعرف على وجه جديد من وجوه ابنته التي لا يعلمها و هو يسألها بمنطقية:
ـ ويا ترى إيه طموح آنسة لمى
رفعت لمى رأسها شموخًا و هي تجيب بفخر و عيناها تلتمع بالحلم:
ـ ويمبلدون
نالت نظرة إعجاب من فارس، لا يستطيع إنكار أنه سعد بوضعها هدف لنفسها تسعى له بكد وإن كانت تحتاج لمن يضبط مسار طريقها نحو الهدف وقد عزم على ضبط هذا المسار.
***
أنت لا تعرف مدى قوتك حتى تجد نفسك في موقف ليس أمامك فيه سوى أن تكون قويًا
أرنستو جيفارا

اقترب رحيله على الشهر، لا تعلم كيف استطاعت تخطيه رغم الجرح النازف بقلبها، كيف استطاعت أن تستدعي أنثى أخرى لم تعلم بوجودها داخلها يومًا لكن هكذا الحياة تلقينا بموقدها فتصهر أرواحنا وتصنع منا آخرون أكثر جلدًا لنليق بتقلباتها.
أنهت عملها ككل يوم و عادت لبيتها الذي بات خاويًا بغيابه وإن كثر ساكنيه، دلفت فاستقبلتها أمها السيدة زينب بحنو طالما افتقدته من أمها لكنها ومنذ الحادث تغمرها وطفليها برعايتها وهي حقًا ممتنة لوجودها ورائد فلا تعلم كيف كان السبيل لتخطي ما حدث دونهما، ارتمى الصغير بين ذراعيها بشوق لها فساعات غيابها خارج المنزل تزداد يوميًا رغمًا عنها، احتوت الصغير مقبلة إياه وسألت عن ابنتها لتعلم أنها كالعادة بغرفتها، اقتربت والدتها مربتة على كتفها تحثها على الاقتراب من ابنتها:
ـ أدخليلها هي محتاجالك أكتر دلوقت
استجابت لأمها ودلفت لغرقة ابنتها المفتوحة، وجدت الصغيرة تمسك بجهازها اللوحي على غير المُتفق عليه قبلًا، جلست جوارها متجاهلة التعليق واحتوت كتفيها في ضمة حنون تعتذر عن تقصيرها غير المُتعمد:
ـ أنا عارفة إني غبت عنكم كتير الفترة اللي فاتت بس غصب عني
أخفضت نادين رأسها حزنًا و هي تجيب:
ـ عارفة إن حضرتك لازم تنزلي الشغل مكان بابا
شدت ذراعها حول كتف ابنتها تضم جسدها إليها وبكفها الأخرى ضمت كفيها الصغيرة:
ـ بابا كان عامل زي باب الشقة بالنسبة لينا
شردت بنظرها ترتكز على نقطة وهمية بالفراغ وأكملت:
ـ طول ما هو موجود أحنا مطمنين أننا مش مكشوفين لأغراب
عادت بنظرها تحتوي نظرات ابنتها الحزينة:
ـ لكن لما مشي كان لازم حد يقف مكانه ويبقى باب يحميكِ أنت و نور من الدنيا
أغمضت نادين عينيها بألم وهزت رأسها تتفهم منطق أمها التي أخفضت نظراتها للأرض هي الأخرى:
ـ عارفه أن ده ممكن يكون بعدني عنكم، ما بقيتش أشوفكم زي الأول
عادت بنظرها لطفلتها مرة أخرى:
ـ علشان كده عايزاكي تساعديني
لاحظت السؤال بنظرات ابنتها دون بوحها فأكملت:
ـ أنا وأنت ونور لازم نفضل ماسكين في بعض زي بابا ما علمنا
نقلت ذراعها التي تحيط كتفي ابنتها فاحتوت كفيها بكلتا يديها تدعمها وتطالبها بمثيله:
ـ أي واحد فينا يبعد لازم الباقيين يشدوه ناحيتهم
أومأت نادين برأسها إيجابًا دون رد فأكملت نسمة:
ـ أوعديني أني لو بعدت تقربي
نطقت نادين أخيرًا بصوت أقرب للهمس:
ـ وعد
سحبتها نسمة لأحضانها بحنان تربت على ظهرها بدعم تحتاجه الصغيرة:
ـ أنا واثقة فيكِ وعارفة أنك هتحققي حلم بابا بيكِ
مسحت نادين دمعة فارة من عينها وهي تهز رأسها إيجابًا تؤكد على كلمات أمها.
***

تمر أيام طوال تسعى خلالها لحلمك وما إن تقترب حتى يتلاشى الأمل فتعاود السعي مرة أخرى من نقطة البداية علك تصل لمبتغاك، و اليوم يشعر أنه بات قاب قوسين أو أدنى من حلمه، استيقظ في الساعات الأولى من الصباح متجهًا لنقطة التجمع المُتفق عليها بين أعضاء هيئة التدريس، استقل الحافلة التي سوف تقلهم جميعًا إلى مدينة شرم الشيخ لحضور مؤتمر هام، دقائق و كانت ريم تصعد للحافلة بصحبة صديقة أخرى من الجامعة، بعد إلقاء السلام على الجميع جلستا في المقعدين المجاورين لمقعده و زميله عصام، بدأت الحافلة بالتحرك فور اكتمال العدد في طريقها لوجهتها، اختلس بضع نظرات لها فلاحظ هيئتها بزي عملي لأول مرة يراها به خلاف ملابسها الرسمية دومًا، بنطال من الجينز الأزرق، تعلوه كنزة صوفية باللون الرمادي مع سترة جلدية باللون الأسود معلقة بحقيبتها الرياضية احتياطًا من جو نوفمبر الغير مأمون، دقائق أخرى و كان يغط في نوم عميق استغلته هي في التمعن بملامحه الآسرة، خصلاته التي سقطت على جبينه تداعب جبهته، عطره الأخآذ برائحة أعشاب البحر المنعشة للحواس والتي اختلطت بعبقه الرجولي الذي يدغدغ أنوثتها بلطف تفتقده، ساعات قضتها الحافلة في الطريق حتى الوصول للفندق وقد انتصف النهار، ترجل الجميع من الحافلة كلٌ يلتقط حقيبته، التفت ريم حول الحافلة لالتقاط حقيبة ملابسها من الجهة المقابلة لباب الحافلة، تبعها ماهر دون طلب منها، التقطت الحقيبة وحادت للخلف تستقيم بظهرها استعدادًا للسير بينما دراجة نارية قادمة بأقصى سرعتها كادت تصطدم بها لولا أن أسرع ماهر الخطوات ناحية ريم و التقط خصرها بذراعه يدفعها ناحية الحافلة مرة أخرى فتمر الدراجة على بعد سنتيميترات منها، شهقت بفعل المفاجأة و تراجعت تبتعد عن ذراعه التي سحبها فور مرور الدراجة بسلام، التقطت أنفاسها تستوعب ما حدث توًا حتى أدركت أنه أنقذها بالفعل من حادث محقق:
ـ شكرًا
زفر أنفاسه براحة و هو يجيبها:
ـ خلي بالِك بعد كدة
أومأت برأسها دون رد و التفتت تلتقط حقيبتها مرة أخرى و تسير ناحية الفندق.
صباح اليوم التالي كان أول أيام المؤتمر، ترجلت ريم بحلة رسمية بنطال من القماش الأسود و قميص باللون الأبيض و أحاطت عنقها بوشاح باللون الأحمر تناغم مع سترة حلتها السوداء التي أحكمت أزرارها و جمعت شعرها خلف رأسها في ذيل حصان فبدت في قمة أناقتها، أنهت كلمتها خلال المؤتمر و ترجلت عن المنصة تعود لمقعدها بين صديقتها و ماهر وسط تصفيق حاد من الحضور:
ـ هايلة يا دكتورة
منحته بسمة خافته مع همستها الشاكرة و جلست تتابع ما يدور بالقاعة تفر بعينيها منه و تنأى بروحها عن حضوره الذي بات يفرض نفسه على كيانها دون إرادة منها.
بمنتصف النهار انتقل الحضور لتناول الغداء بمطعم الفندق، تناولت ريم لقيمات قليلة وهربت إلى شرفة المطعم المطل على شاطئ البحر الأحمر تفر من نظراته التي باتت تحاصرها في كل حركة، تبعها ماهر بهدوء وجاورها بالشرفة يستند بجذعه للسور و يتمعن بتفاصيلها، التفتت برأسها فجأة إليه تود أن تنهره فقد تجاوز حدوده، هبت رياح فالتف ذيل حصانها يغطي إحدى عينيها، أبعدت خصلاتها بكفها بعنف و همت بتعنيفه قبل أن ينطق:
ـ عايز يتحرر
حدجته بنظرات مغتاظة لا تفهم مقصده:
ـ هو إيه؟
سرحت عيناه نحو خصلاتها المأسورة خلف رأسها و هو يهمس:
ـ شعرك
ـ أفندم!
كانت زعقتها التي حاولت جاهدة ألا يرتفع بها صوتها حتى لا يصل لباقي الحضور وقبل أن تكمل تقريعها له صدمها بكلمته التي عقدت لسانها:
ـ تتجوزيني؟









الفصل التاسع


ويحدث أن تفاجئك الحياة بغتة
فلا تدري أحقًا ابتسمت بعد طول عبوس أم لم تزل بوجهك .متجهمة


***
ـ تتجوزيني؟
ابتلعت باقي كلماتها تأثرًا بمفاجأته غير المتوقعة، أخفضت نظراتها خجلًا تفر من عينيه بوجهها للجانب الآخر تبحث عن رد ولا تجده، ابتلع لعابه يتابع نظراتها الشاردة بارتباك :واضح وهمس باسمها مجردًا لأول مرة منذ عرفها
ـ ريم
خرجت حروفه من بين شفتيه كوقع موسيقى تعزف على أوتار قلبها الغض، التقطت بعض أنفاسها تحاول استعادة وقارها الضائع بفعل صدمتها، أحكمت السيطرة على خصلاتها المتطايرة بفعل هواء البحر وعادت إليه بنظرات :جامدة
ـ لأ
عقد حاجبيه بتجهم فانعكست أشعة شمس المغيب على عينيه ليكتسب خطها البني ضوءً مميزًا زادها حيرة مع برونزية بشرته وصوته الذي باتت نبرته تدغدغ حواسها دون دراية :منها
ـ ممكن أفهم السبب
حافظت على جدية نظرتها واستعانت بقناع من جليد تجيد :التمسك به عند الحاجة
ـ علشان حضرتك تُعتبر طالب عندي
و كمان أصغر مني
قاطع استرسالها بأسبابها التي يراها واهية، يشيح بكفه و :يتسلح بإصرار
ـ مش شايفة أنك مكبرة الموضوع
رفعت حاجبيها دهشة من مقاطعته تبادله بمثلها مع انفلات :نبرة صوتها علوًا
!ـ مكبراه
أكمل مرافعته في قضية باتت قضية حياة والفوز فيها واجب :ولن يرضى عنه بديلًا
ـ آه مكبراه، الدكتوراه كلها كام شهر وآخدها ومعتقدش أن فرق سنة في السن هو اللي هيقف في طريقنا
لانت نبرته وهو يميل برأسه ناحيتها قليلًا يقلص فارق الطول :و يمنحها نظرة لوم تبِعت لوم كلماته
ـ أعتقد أن مكانتنا العلمية وفكرنا يخلينا منفكرش في النقطة دي من الأساس
شردت بنظرها تجاه البحر تسبح بفكرها بين زرقة أمواجه :المتتابعة بينما هو يكمل لومه
ـ لو فكرنا بالطريقة دي يبقى سيبنا إيه للناس الجاهلة
منحته نظرة مبهمة وقد أفحمتها حجته، تعلم صحة منطقه لكنها لاتزال تحت تأثير المفاجأة، التفت هو الآخر بجسده :ليواجه اتساع البحر على طول نظره بينما ينهي جدالًا مؤقتًا
ـ من حقك فرصة تفكري
:عاد بنظره إليها يأسر نظرتها إصرار حنون
ـ ومن حقي أدافع عن فرصتنا مع بعض
دار بنظره في المكان فخالجه شعور أنهما أصبحا في مرمى :الأنظار قبل أن يعود لها
ـ هنكمل كلامنا لما أزوركم في البيت
وتركها تطالع موج البحر يضرب الشاطئ فيزلزل أفكارها
موجة؛ اثبتي فمكانتك لا تسمح
ثانية؛ منطقه صحيح وما العيب
ثالثة؛ والقلب تدغدغه الرغبة
وأخرى؛ خاب من لم يقتنص من الحياة فرصته
وقرص الشمس الذي أوشك على الغرق ،يخبرها أن حان .أوان وحدتها أن تغرب
اشتدت برودة الجو مع اقتراب إسدال الليل لأستاره، دثرت نفسها بمعطفها جيدًا و عادت لغرفتها بالفندق متخطية الجمع المتسامر، و لثلاث أيام باقية هي مدة المؤتمر كانت تتحاشى اللقاء به و إن أُجبرت عليه، تهرب بنظرها من متابعته التي باتت واضحة لها دون مواربة، ظله يحيط بها في .كل مكان تذهب إليه وبروية يتسلل لكيانها
***

ويحدث أن تمنحك الحياة فرصتك مرة أخرى فيعود بعضك .إليك ويمنحك سعادة كنت غافلًا عنها
ليومين قضتهما ابنته معه شعر أنه عاد مرة أخرى لنفسه القديمة التي وأدها بالعمل لسنوات، اليوم الأول قضاه بالكامل مع ابنته يتعرف عليها وكأنها المرة الأولى، و اليوم الثاني كان عليه العودة للعمل وابنته إلى مدرستها، لم يخبرها بعد أنه قرر إقامتها معه بشكل دائم لكنه اتفق على لقائها بالنادي عقب نهاية تدريبها بعد المدرسة ومنه قد قرر أن يصحبها إلى بيت والدتها فلابد له من جلسة مطولة مع زوجته السابقة لن يتنازل فيها عن حقه مرة أخرى، أنهى عمله وتوجه للنادي حيث موعد نهاية التدريب، صف سيارته بالمرأب وتوجه حيث ملعب التنس، وعلى بوابة الملعب الخالي تسمرت قدماه بفعل ما رأى؛ ابنته تجلس بأحد مقاعد المدرجات الخاوية إلا منها وصديقها الذي يحجب جسده عنه رؤية جسد ابنته إلا من ساقيها المتحركتي، ذراعاه تحيطان بجسد ابنته رأسه تهتز وكأنه يقبلها، على الجانب الآخر كانت الصغيرة المتهورة تدفع بصدر لؤي الذي أحكم سيطرته على كتفيها تفر بوجهها من أنفاسه وتحاول تفادي قبلته التي يصر على اقتناصها من فمها، قاومت اقترابه الخطِر بكل قوتها حتى شعرت بجسده يبتعد فجأة ويُلقى بعيدًا وأدركت بعد وهلة أن ما حدث كان بفعل لكمة :والدها بوجهه، رفعت نظرها مستغيثة بوالدها
ـ بابي
فأخرسها بصفعة مدوية أجبرتها على ابتلاع باقي كلماتها و هي ترى والدها لأول مرة في فورة غضبه وقد انتفخت :أوداجه وجحظت عيناه بثورة واضحة، هدر بها زاعقًا
ـ قدامي
حملت حقيبتها مرتعدة تطيع أمره و قد انهمرت دموعها أنهارًا، جاورته بالسيارة تتنفس من بين شهقاتها وهو اتخذ مقعد القيادة دون كلمة، يقبض على المقود بكفيه و قد ابيضت سلامياتهما من فرط ضغطه، اتخذ طريقه تجاه منزل والدتها الذي عرفته فزادت دموعها انهمارًا دون قدرة على الدفاع عن نفسها، صف فارس السيارة أسفل المنزل، ثبت :نظره أمامه بنقطة وحمية وأصدر أوامره لها بحسم
ـ هتطلعي تلمي كل هدومك وكتبك وتيجي معايا
رغم غضبه الواضح منها وعدم قدرتها على الرد وقع أمره براحة عليها فهو ما كانت ترغبه بالفعل وها هو والدها يبدد :خوفها الذي اعتراها فور اتخاذهم لذلك الطريق بينما يكمل هو بذات الحسم
ـ هطلع معاكِ أستنى على السلم و هتبلغي والدتك باللي قلته
التفت يشير لها بعينيه أن تترجل من السيارة ففعلت، تقدمته بخطوات وجلة تحاول اختلاس النظر إليه بين فينة وأخرى فيقابلها تجهم وجهه وصل المصعد حيث شقة والدتها و قبل :أن تدلف أمرها
ـ امسحي وشك
وهي فعلت بعجالة ثم استجابت لإشارة عينه وفتحت باب المنزل، دلفت لمى للبيت تاركةً بابه مفتوحًا و منه حيث غرفتها، حملت حقيبة سفر كبيرة وبدأت بجمع كل متعلقاتها بعجالة، دلفت أحلام خلفها تشاهد ما تفعله وسألتها بدهشة
ـ بتعملي إيه؟
رفعت لمى نظرها لوالدتها بتردد ثم أخفضته بارتباك تكمل :جمع أغراضها وهي تجيبها بعجالة
ـ هروح أعيش مع بابي
:تقدمت أحلام من ابنتها خطوتين متفاجئة تهتف بغضب
ـ ومين سمحلك بكده؟
فرت لمى بنظرها من مواجهة أمها متشاغلة بحقيبتها التي أغلقت سحابها ثم حملتها لتخرج متجهة لباب المنزل متخطية :أحلام وهي تجيب
ـ بابي اللي قالي كده
طوت أحلام المسافة بينها و بين ابنتها تجذبها من ذراعها :لتواجها
ـ وهو فين بابي؟، وإزاي من غير موافقتي؟
سمع فارس المنتظِر جوار باب البيت دون أن يُظهر جسده :الجدال الدائر بالداخل فرفع صوته يعلن عن وجوده
ـ خلصتي يا لمى؟
التفتت أحلام تجاه الصوت، ارتدت غطاء رأسها وخرجت :تواجهه
ـ أنت جاي تاخد بنتي؟
تقدم فارس خطوة فظهر بوضوح على باب البيت مجيبًا بتقرير
ـ جاي آخد بنتي
:واجهته أحلام بغضب جلي ترفع صوتها بكلماتها
ـ من غير ما تاخد إذني؟
:كز على أسنانه يكظم غيظه منها ويقرر
ـ بصلح وضع غلط
!ـ غلط
:هتفت بها ثم أكملت
ـ بعد ما عاشت معايا السنين دي كلها و أنتَ متعرفش عنها حاجة جاي تقولي كان غلط؟
ارتسمت نصف ابتسامة ساخرة على طرف شفتيه وهو :يستجمع كل هدوء ممكن
ـ لما سمحت أنها تعيش معاكِ كنت بفكر في مصلحتها
:أشار بسبابته للأرض بحزم
ـ و دلوقت باخدها علشان مصلحتها إذني انتهى لحد كده
ضيقت أحلام عينيها استغرابًا مما يقول، لأول مرة منذ انفصالهما تصطدم به هكذا صدام، تحاول الدفاع عما تراه :حقها
ـ البنت في حضانتي يا فارس
وعندها تعالت ضحكته الساخرة، عقد ذراعيه أمام صدره :ورفع صوته يصفعها بالحقيقة التي أنكرتها لسنوات
ـ حضانتك سقطت بجوازك يا هانم؛ ده لو عايزة تمشيها بالمحاكم
ألقى بنظره تجاه الصغيرة المرتعدة وهي تتابع السجال الدائر :ثم عاد لوالدتها يشير بسبابته وقد انفلت عقال صوته
ـ أنا من أول يوم كنت بتعامل بتحضر لكن لو تحبي نتعامل رسمي معنديش مانع
ومع انفلات غضبه ظهر من كان يقف مراقبًا عن بعد، احتل المساحة بين فارس وأحلام في مواجهة فارس الذي أهداه :نظرة ساخرة قبل أن يعقد حسن كفيه خلف ظهره ينطق ضاغطًا حروف كلماته
ـ حضرتك جاي تزعق لمراتي و تهددها في بيتي؟
:ارتسمت بسمة هازئة على وجه فارس و هو يشير لابنته
ـ مراتك عندك، يالا يا لمى
أطاعته الصغيرة تتخطى أمها وحسن تسحب حقيبتها التي حملها عنها فارس فور أن وصلت إليه بكف ويحيط كتف الصغيرة بكفه الأخرى وقبل أن يستقلا المصعد التفتت للمراقبيَن:
ـ لما بنتِك توحشك يا مدام أنت عارفة رقم تليفونها
فور أن دلفا لمنزله وضع فارس الحقيبة وبحزم يكظم بركان غضبه:
ـ ادخلي أوضتك مش عايز أشوف وشك
التفتت الصغيرة لوالدها و قد عادت دموعها مرة أخرى للانهمار تود الدفاع عن نفسها:
ـ با....
قطع كلمتها بزعقته الثائرة:
ـ على أوضتك
أخفضت رأسها أرضًا و سحبت حقيبتها تستجيب لوالدها وعند باب الغرفة أوقفتها كلمته:
ـ استني، هاتي موبايلك
التفتت تواجهه، مد كفه لها فمنحته هاتفها الجوال بيد مرتعشة وهو يسأل بوجه جامد:
ـ ليه باسوورد؟
هزت رأسها نفيًا فالتقطه منها وأشار بعينيه ففرت داخل غرفتها، أغلقت الباب وضمت جسدها بفراشها الصغير بوضع الجنين تبكي هاوية كادت تسقط بها، موقفًا تجبُن عن الدفاع عن نفسها فيه ونظرة خذلان رأتها بعين أبيها الذي جلس بصالة البيت يطالع باب الغرفة المغلق بألم، تظن الصغيرة أنه يعاقبها على خطئها ولا تدري أنها هي من تعاقبه على ما اقترفه تجاهها دون قصد، كان يظن أنه أدرك تقصيره ويسعى لرأب صدع علاقته بطفلته ولم يكن يعلم أنه تأخر أكثر من اللازم طالع ،هاتفها بيده وقلبه يقرع بين جنبيه مما قد يلاقيه فتح أحد برامج المحادثات يتجول بين محادثاتها المختلفة تارة مع صديقات المدرسة وأخرى مع صديقه بعينها تتبادلان النكات وروابط سماع الأغاني حتى وصل لمحادثته؛ ذلك الوقح الذي يرغب بإزالته عن الوجود؛ فتح المحادثة وقلبه يُسرع الضربات، رسائل حب قابلتها ابنته بملصق وجه خجِل، رسائل مزاح غير عفيف لم تستطع صغيرته فهم مقصده وأخرى فهمتها فأجابته بملصق وجه غاضب، عاد بالمحادثة للتاريخ الأقدم حتى وصل لبدايتها قبل ستة أشهر إذًا فعلاقة ذلك الوغد بابنته لم تتعد تلك الأشهر، ما منح قلبه القليل من الراحة أن ابنته لا تبدو متجاوبة مع وقاحته ولم تبادله بمثلها، وضع الرقم على لائحة الرفض واستلقى على الأريكة يفكر في خطوته القادمة لإعادة ترتيب حياة ابنته التي أهملها لسنوات.
***
ويحدث أن تجبرك الدنيا على التعايش مع ما ترفضه، فقط لأنك لا تمتلك الأفضل
ثوب كلاسيكي أسود صُنع خصيصًا ببيت أزياء شهير ليناسب انتفاخ بطنها الذي تحدد دورانه من أعلى بتطريز .فضي اللون ناسب حجابها الفضي
حضرت للحفل الصاخب تكمل الصورة كزوجة لابن العائلة الأكبر، فمدللة العائلة أكملت عامها الثامن والعشرين وكعادة كل عام يقام على شرفها حفل فاخر يحضره كبار رجال الأعمال وبعض من رجالات الدولة الذين تربطهم علاقات العمل والمصلحة بوالدها، بالإضافة لصديقاتها و أصدقائها الذين يملؤون حديقة الفيلا وعلى طول محيط مسبحها الخاص، غريبة هي وسط هكذا جمع من المتصنعين نأت بنفسها عن صخب الحفل بمقعد جانبي بالحديقة تتابع عن بعد ادعاء الود كما تسميه؛ زوجها و أبيه على رأس طاولة دائرية كبيرة بامتداد الحديقة عند ذيل المسبح مع بعض رجال الأعمال وأحد الوزراء الحاليين المنتفخ بعظمته الفارغة و آخر سابق يُحاول الحفاظ على مكانته المتناقصة .بخروجه من منصبه
حماتها العزيزة شهيرة هانم في ثوب سهرة متصابي لا يليق بعمرها الذي تخطى الستين عامًا و شعرها القصير المصبوغ بلون النبيذ وسط جمع آخر من زوجات رجال الاعمال المتصابيات.
و أخيرًا المدللة بخصلاتها الشقراء المتطايرة وثوبها البنفسجي الملتصق بجسدها والمنتهي فوق ركبتيها عند رأس المسبح وسط أصدقائها من الجنسين يتراقصون على أنغام الموسيقى الصاخبة وأمام الطاولة المستطيلة الممتدة بعرض المسبح وعامرة بكافة أنواع الأطعمة والمشروبات يتوسطها كعكة عيد الميلاد الكبيرة بارتفاع سبعة أدوار، برّاقة حياتهم للناظر عن بعد لكنها تثير الاشمئزاز للمتغلغل داخلها كما فعلت هي، ابتسامات مرسومة في مواجهة بعضهم بعضًا ونميمة عن الغرف المغلقة لا تترك شاردة دون ذكرها، وِد مصطنع وتبادل احتضان وأنت متأكد أن من يحتويك الآن لن يترك .فرصته لطعنك من الخلف إن كان في ذلك مصلحة يبتغيها
اشتد البرد مع امتداد الحفل لمنتصف الليل وبدأ جنينها يأن جوعًا، قامت بلطف متوجهة لمائدة الطعام فلازال للسهرة بقية لا تعلم مداها، التقطت أحد الأطباق ووضعت به قطعة من كعكة عيد الميلاد والتفت تعود لركنها البعيد، ومع التفاتها كانت نيروز تدور برقصتها تمد ذراعها على طوله مع شريكها في الرقص لتلفه مرة أخرى وتعود إليه فاصطدمت بالصحن ليتلطخ ثوبها بالكعك، صرخت بهند المتفاجئة بما حدث:
ـ أنتِ غبية؟
رفعت هند نظرها مصدومة من زعقتها وقد توقف الجميع عن الرقص يتابعون ما يحدث وهمست من بين اختناقها:
ـ ما قصدش
كان حسام قد لاحظ المشادة بين زوجته و شقيقته، استأذن بلباقة يسرع باحتواء الموقف حتى يحافظ على هدوء الحفل وبقاء شقيقته كنجمة للحفل الذي يُعقد خلاله الكثير من الصفقات والاتفاقيات كل عام، توجه إليهما يستطلع الأمر :ليصله صوت شقيقته وهي تواصل زعقها
ـ أنتِ قاصدة تحرجيني وسط أصحابي
جاورهما حسام ينظر لشقيقته المنفعلة وهند تخفض نظرها إحراجًا بينما الأخرى تواصل شكواها لشقيقها مدعية الرغبة بالبكاء تشير لثوبها المتسخ:
ـ شايف عمَلت إيه؟ قاصدة تبوظ بارتي عيد ميلادي
وجه حسام نظره لهند يضع حدًا للجدال قائلًا بهدوء:
ـ اعتذري
رفعت هند نظرتها الخائبة لزوجها وأخفضتها مرة أخرى تهمس وقد ترقرقت العبرات بين جفنيها تمنعها من الهطول حفاظًا على المتبقي من كرامتها المبعثرة:
ـ آسفة
:اقترب حسام من شقيقته يقبل أعلى رأسها
ـ اطلعي غيري هدومك
انصرفت تُلقي بنظرتها المُحقرة ناحية هند وتتمتم بصوت قصدت أن يكون مسموعًا:
ـ local, rabish
:التفت حسام لزوجته يمنحها مفتاح سيارته
ـ استني في العربية
وهو ما حمدت ربها عليه فبعد ما حدث لن تستطيع تحمل دقيقة أخرى وسط هؤلاء.
***
ويحدث أن يختبرك القدر بما لم تتوقع، وحين تظن بنفسك .قرب النجاح يعيد كرته فيشتد عودك قوة أو يُكسر
لشهرين و نصف هم مدة امتلاكها لزمام أمورها وتحملها لما أُلقي على عاتقها، خاضت خلالهما الكثير، التحدي الأول كان بتنظيم حياة طفليها كما كانت سابقًا بين الدراسة وتدريباتهما التي كان والدهما يحرص عليها و هو ما نجحت به وإن بقيت غصة الفقد بقلوب ثلاثتهم، التحدي الثاني كان بتوفير الدفعة المقدمة التي نجحت بسدادها بمساعدة محمود ومحاسب الشركة الذين بذلا مجهودًا جبارًا لتحصيلها نقدًا من عملاء الشركة دون اللجوء للإجراءات البنكية التي طالت و ،كادت أن تتسبب بأزمة لولا سرعة استباقهم للأحداث والثالث كان بتعويض صغيريها فقد والدهما وإن تعلم أن ذلك دربًا من المستحيل، استيقظت كعادتها تُعد الصغيرين لمدرستهما، انتهيا من ارتداء الزي الدراسي و عند الباب تفاجأ الصغير بكيس من الحلوى بسيارته الكهربائية كما كان يفعل والده، التقط الكيس بدهشة فرحة ونظر بعينين تغمرهما السعادة وهو يسأل والدته:
ـ بابا جابهم هنا إزاي؟
جلست نسمة على ركبتيها بمحاذاة الصغير تغلق سحاب سترته وهي تجيب بكذب تعلم أنه سينكشف يومًا:
ـ بعتهم مع الملايكة
مثّل الصغير الاقتناع وهو يلتقط إحداهم من الكيس يدسها بحقيبته وينصرف مع أخته، فور خروجهما رفع نظره لشقيقته يخبرها بجدية لا تناسب براءته:
ـ أنا عارف إن الملايكة ما بتجيبش حلويات بس ما رضيتش أزعل ماما
ابتسمت نادين لشقيقها الماكر، تعلم ذكائه وتحترمه:
ـ بشوفها باليل و هي داخلة أوضتنا لابسة بيجامة بابا و بشم البرفيوم بتاعه في الأوضة
هز الصغير رأسه إيجابًا وهو يضيف:
ـ وهي اللي حطتلي الحلويات في العربية زي بابا ما كان بيعمل
قطع حديثهما وصول حافلة المدرسة صعدت نادين أولًا ثم أمسكت بكف شقيقها تعينه على الصعود.
على الجانب الآخر كانت نسمة تستعد للعمل، أنهت بعض أعمالها المنزلية الضرورية وكانت خلف مكتبها في تمام التاسعة تتابع كافة معاملاتها فبالأمس وصلت الشُحنة المُنتظرة للميناء وهم الآن بانتظار الإفراج عنها لتستكمل تحديها بتوريدها حسب الموعد المُتفق عليه دون توقيع غرامات لن تستطيع شركتهم تحملها.
طرقتان متعجلتان على باب المكتب لم ينتظر صاحبهما إذنها ليندفع محمود للداخل بوجه استنفرت الدماء به، ألقى بجسده على المقعد المقابل لمكتبها وهي تابعت دخوله بتوجس تحول لعبوس عندما نطق الآخر:
ـ البضاعة محجوزة في الجمارك
حاولت استنباط المزيد من المعلومات، عقدت حاجبيها بعدم فهم و هي تسأل:
ـ يعني إيه؟ وليه؟
انحنى بجذعه يستند إلى ركبتيه بمرفقيه ويضم رأسه بين كفيه بحيرة:
ـ مش عارف ده حصل إزاي هتجنن
رفع نظرته الخائبة لها وزفر أنفاسه الغاضبه يصفعها بالحقيقة كاملة:
ـ المستخلص بيقولي إن الفاتورة اللي إحنا مقدمينها غير مطابقة لبوليصة الشحن ومش بعيد يتعملنا قضية
وكأنها كانت على موعد مع تحديها الجديد.

نهاية الفصل التاسع
قراءة ممتعة


heba nada غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 05-09-20, 06:49 PM   #26

م ام زياد

مشرفة منتدى قلوب أحلام

 
الصورة الرمزية م ام زياد

? العضوٌ?ھہ » 389344
?  التسِجيلٌ » Dec 2016
? مشَارَ?اتْي » 2,332
?  نُقآطِيْ » م ام زياد has a reputation beyond reputeم ام زياد has a reputation beyond reputeم ام زياد has a reputation beyond reputeم ام زياد has a reputation beyond reputeم ام زياد has a reputation beyond reputeم ام زياد has a reputation beyond reputeم ام زياد has a reputation beyond reputeم ام زياد has a reputation beyond reputeم ام زياد has a reputation beyond reputeم ام زياد has a reputation beyond reputeم ام زياد has a reputation beyond repute
افتراضي

منك لله يا حسام واللهي ما تكسب يا أخي 😒الت لو عقلت كده واتهديت وبقيت كويس

بس ان شاء الله هتفضل كده مش هتلاقي اي حد يحس بيك يا معفن 😒


م ام زياد غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 05-09-20, 11:15 PM   #27

heba nada

? العضوٌ?ھہ » 460821
?  التسِجيلٌ » Jan 2020
? مشَارَ?اتْي » 66
?  نُقآطِيْ » heba nada is on a distinguished road
افتراضي



الفصل العاشر

هي غصن ضعيف انكسر عن فرعه بغتة فسقط في المحيط تلطمه الأمواج من كل صوب ويلتحف بالسماء وعليه لعب دور القارب لينجو بمن فيه.
***

لسنوات عاشت بقوقعتها جدران منزلها تحدها من كل جانب وهي ممتنة لها، أقصى ما وصلت له قدماها نزهة مع زوجها أو سفرة بين حين وآخر ولم تضجر بذلك يومًا حتى تفتحت عيناها على الواقع التعس، أُلقيت ببحر الحياة عنوة و عليها السباحة رغم جهلها،
ولأن المصائب لا تأتي فرادى، حملت الأنباء الآتية من ميناء دمياط مزيجًا من التوتر والارتباك، فصورة الفاتورة التي بعث بها المستخلص إلى محمود تخالف تمامًا تلك الأصلية التي كانت بحوزته وحصل بموجبها على كافة الموافقات اللازمة للاستيراد مما يعني أن تلاعبًا قد حدث خلال رحلة الفاتورة من مكتبه إلى يد المستخلص الأمر الذي يشي بوجود جاسوس بينهم لا يعلمون هويته وإن كان يستطيع الجزم بهوية من يعمل لصالحهم هذا بالإضافة لتعنت موظفين الجمارك الواضح ضد شركتهم و كأن يدًا عليا تعبث بكل شيء للوقوف ضد محاولاتهم للنجاة،
غرفة عمل كونها منذ الصباح جمعته بنسمة المدعية للتماسك رغم انهياراتها الداخلية التي باتت لا تُحصى وخط اتصال مفتوح مع المستخلص وآخر مع الموردين بالخارج حتى يستطيع الحصول على فاتورة أخرى أصلية كتلك التي اختفت ولا يعلم كيف وأين؟ الأمر الذي قد يستغرق خمسة أيام على أقل تقدير، هم بحاجة فقط لتجميد الوضع لتلك المهلة حتى يتسنى لهم تقديم الفاتورة الجديدة بديلًا عن تلك المزورة، ومع تعنت الموظفين بات عدم تحريك دعوى التهرب الجمركي ضدهم ضربًا من الخيال، عبث محمود بحافظة البطاقات بحثًا عن وسيط ربما استطاع مساعدتهم لتسقط أمامها تلك البطاقة التي أهملتها منذ زيارة صاحبها، التقطتها تعيد قراءة بياناته بينما محمود يجري اتصالات عدة بأناس تجهلهم جميعا.
انتبهت على زفرته الغاضبة يضرب الحائط بقبضته يأسًا، رفعت نظرها إليه تستفسر:
ـ في إيه؟
التفت يواجهها والعجز عن مساعدتها يكبله:
ـ اتصلت بكل اللي ممكن يساعدونا
تهدلت كتفاه بقنوط وألقى بجسده على المقعد أمام مكتبها:
ـ مفيش حد قِبل، اللي اعتذر إنه ميعرفش حد واللي قالها صراحة مقدرش أدّخل اسمي في مشاكل
هكذا يخبرها أنهم باتوا بين مطرقة التهرب الجمركي وسندان غرامات عدم التوريد، يكمل رسم الصورة القاتمة لما ينتظرهم:
ـ البضاعة دي لو مخرجتش من الجمرك فيها نهايتنا
تطلعت إليه بذهول و أخفضت نظرها تجاه البطاقة تهمس بحيرة:
ـ تفتكر ممكن يساعدنا؟
انتبه للبطاقة التي تحملها وجذبها يعيد قراءتها مرة أخرى قبل أن يضيف:
ـ مفيش قدامنا غير إننا نحاول في كل الطرق
مد كفه يعيد البطاقة إليها:
ـ كلميه
التقطت البطاقة بارتباك وكفها تمتد للهاتف تضغط الرقم بينما محمود مد كفه يمسك بالهاتف قبل أن يجيب الآخر:
ـ افتحي ال speaker
وهي استجابت تتعلق بقشة نجاتها حين أتاها صوته الأجش على الطرف الآخر تنطق بما يمليه عليها محمود كتابة أمامها فتشرح له الوضع بدقة محاولة الحفاظ على ثبات صوتها رغم ارتعاشتها، والآخر كان مُرحبًا رغم مفاجأة الاتصال يؤكد قدرته على حل المعضلة:
ـ ما تقلقيش، أنا كنت مسافر بكرة، ابعتيلي رقم المستخلص وأنا ليَ معارفي هناك
تسلل بعض الأمل إليها و قرأت سريعًا ما خطه محمود:
ـ شكرًا يا باشمهندس
ثم اتبعت بتقرير؛ عيناها تسأل محمود و هو يجيبها بسبابته أن نفذي:
ـ باشمهندس محمود كمان مسافر بكرة و هيقابلك هناك
زفرت أنفاسها المحتبسة بعد أن أنهت الاتصال تتطلع إلى محمود بتساؤل:
ـ أنت فعلا هتسافر؟
التفت إليها يجيبها بمنطقية:
ـ لازم؛ مش معنى إنه وافق يساعدنا أننا نفوضه في كل حاجة
التقط مفاتيحه عن المنضدة وهم بالمغادرة:
ـ ألحق استعد للسفر هكون معاه خطوة بخطوة
وتركها خلفه تسأل الله النجاة من مأزقها، تُفكر بماهية الجاسوس بينهم، من يكون وإلى أي مدى يستطيع الإضرار بمصلحتهم وكيف السبيل لاكتشافه،
على الجانب الآخر كان حسام لا يزال غير مصدق أنها طلبت عونه، تلك التي لا يعلم لمَ هي بالتحديد قادرة على الوصول لمنطقة لم تطأها غيرها، صوتها المرتعش رغم ثباته، اهتزاز كلماتها رغم قوتها تثير داخله النزعة لمساعدتها وهو ما عزم عليه حتى دون طلبها، من الآن فصاعدًا سيبسط شراع حمايته فيظللها وشركتها
***

هي زهرة كانت تنتظر نسمات الربيع لتتفتح، منذ داعب أنوثتها بطلبه ونفسها تهفو لحلم أجلته طويلًا، عادت من سفرتها بعد تجنب لقاءه للأيام المتبقية، اعتزلت الجميع بغرفتها ليومين في إجازة بين كتبها وأبحاثها متجاهلة الرد على اتصالاته ورسائله التي لم يكف فيها عن طلب موعد مع والدها وهي بعد استجماع أفكارها كانت تحتاج لحكمة مرشدها الأول، دلفت غرفة أبيها الذي وجدته يتصفح إحدى الجرائد مرتديًا عويناته الخاصة بالقراءة، اقتربت منه تجلس على حافة الفراش المجاور لمقعده وهو طوى الجريدة خالعًا عويناته ورفع نظره لها مبتسمًا بحنان، لاحظ ترددها في البوح وهو ما لم يعتده بابنته فبدأها بالحديث:
ـ يا ترى إيه الموضوع اللي خلى الدكتورة مترددة كده؟
رفعت عينيها لأبيها الذي يفهمها كعادته دون كلمات و صرحت بوضوح:
ـ في واحد زميلي عايز يتقدملي
أمعن السيد رفعت النظر بابنته يسبر أغوارها في محاولة لاكتشاف سر ترددها:
ـ ده خبر كويس، كملي سبب قلقك
ضحكت بخجل تضرب كفها بالأخرى عجبًا من والدها القادر على كشف خباياها:
ـ أصغر مني بسنة و أنا المشرفة على رسالة الدكتوراه بتاعته
انتقل والدها إلى جوارها يحيط كتفيها بذراعه ويساعدها على ترتيب أفكارها بدعمه كعادته دومًا:
ـ بنتي اللي رفضت عرسان ميتعدوش وسمعت تلقيح وكلام مالوش لازمة بعدد شعر راسها مش ده اللي يقف قصادها
رفعت نظرها لوالدها فأكمل بحكمته:
ـ لو قلتي ليَ إنك رافضة لأنه مش مناسب أو إنك مش مرتاحة للشخص كزوج هقولك حقك
هزت رأسها إيجابًا تعلم صواب منطقه وتحتاج لخبرته:
ـ رأي حضرتك إيه؟
ربت بكفه الأخرى على وجنتها وهو يمنحها ما أتت تطلبه:
ـ أقعدي معاه و احكمي على الشخص نفسه بدون أي اعتبارات تانية
وعنها فقد طابت نفسها بعد أن أعاد والدها ترتيب فوضى أفكارها، دلفت غرفتها وبعثت برسالة نصية للمنتظر بلهفة كانت تحوي شيئًا واحدًا؛ رقم والدها.
وبعد يومين كان ماهر يدق باب بيتها في زيارة تعارف أولى بينه و عائلتها، دلف يحمل باقة كبيرة من زهور الأوركيدا البيضاء وعلبة فاخرة من الشيكولا، استقبله والدها بوقار في جلسة عائلية جمعتهما مع ريم ووالدتها، تنحنح ماهر يجلي صوته وهو يوجه كلماته للسيد رفعت بإكبار:
ـ أنا يشرفني أطلب من حضرتك إيد دكتورة ريم
عقد أصابع كفيه ينحني للأمام قليلًا ولم تحد عيناه عن السيد رفعت يكمل كلماته باحترام:
ـ أنا عندي الشقة وحضرتك عارف طبعًا شغلي لكن حابب أوضح باقي ظروفي
التقط السيد رفعت طرف الحديث:
ـ اتفضل يا دكتور
أكمل ماهر وكلماته تشي بتقديره الحقيقي لمن أمامه:
ـ بالنسبة للجواز للأسف مش قبل سنه، أنا كل إمكانياتي حاليًا موجهة للدكتوراه وعلشان أكون جدير بالجواز من الدكتورة محتاج وقت
هنا تدخلت والدة ريم فالحديث بدأ في اتخاذ منحى لا يروقها:
ـ طيب يا دكتور طالما حضرتك مش جاهز ليه تتقدم دلوقت؟
نظرة اختطفها سريعًا من ريم المراقبة للحديث قبل أن يلتفت إلى والدتها:
ـ أنا وريم بنتعامل يوميًا مع بعض و الحقيقة ما كانش ينفع أول ما حسيت بإعجابي بيها إني أتأخر عن كده
عاد بنظره للسيد رفعت يوضح مقصده:
ـ وضعنا بين زمايلنا والطلبة كان يحتم عليَ إني أخلي ارتباطنا رسمي بأسرع وقت، ده بعد موافقة حضرتك طبعا
ابتسم السيد رفعت بإعجاب واضح قبل أن يجيبه:
ـ كبرت في نظري يا دكتور لكن الرأي النهائي لريم
ونهض يستأذن منه لبعض الوقت مشيرًا إلى زوجته أن تتبعه يسمح له ببعض الخصوصية مع تلك الصامتة التي التفت لها يحتويها بنظرة خاصة جديدة عليها تمامًا، يتأملها بحرية أخجلتها فأخفضت نظرها بينما هو يقرر:
ـ من النهاردة من حقي أبص لك براحتي
منحته رفعة حاجب مندهشة من جرأته الجديدة عليها:
ـ ليه أنا بالتحديد؟
عاد بظهره يستند إلى ظهر الأريكة ولم يفلت عينيها من أسر نظرته:
ـ ما اعتقدش إنك محتاجة إجابة وردية
إجاباته دائمًا غير متوقعة لها وهو ما يزيد فضولها للقرب أكثر لكنها حافظت على صمتها وهو يكمل:
ـ ما انكرش إني معجب بشخصيتك وحاسس إن هيكون بينا تفاهم لكن الأهم إني بكون مرتاح و أنا معاكِ
مالت برأسها لليمين قليلًا تعيد كلماته بنفسها، ماهر هو في التسلل إلى عقلها و قلبها معًا، يجيد خطواته بدقة يُحسد عليها:
ـ ولو قلت موافقة..
صمتت تمنحه الأمل و تسمح له بإكمال ما بدأ وهو لم يتأخر:
ـ من بكرة نشتري الدبل، عايز الناس كلها تعرف إنك تخصيني
وهنا أخفضت نظرها خجلًا تبتسم بنعومة وكانت تلك البداية...
***
إن لم تكن من الذئاب فعليك بمكر الثعالب لتأمن غدرهم
بعد انصراف محمود مبكرًا جلست تسترجع كل ما مر عليها منذ استلمت العمل بالشركة، انصرف باقي الموظفين تباعًا و كانت أُخراهم سكرتيرتها أروى التي دلفت تطلب الإذن بالمغادرة:
ـ روحي أنت يا أروى أنا قدامي شوية
ودعتها أروى بعملية لتبقى وحيدة بالشركة كما عزمت منذ الصباح، هاتفت أخاها تدعوه للحضور وهو لم يتأخر، بعد نصف الساعة كان أمامها بمكتبها لأول مرة ولا يعلم ما تريده، وهي لم تتأخر في الإفصاح عن هدفها:
ـ في حد بدل فاتورة لينا بواحدة تانية مزورة
اقتربت من أخيها تستجديه العون:
ـ الحد ده أكيد من جوة الشركة و لازم أعرف هو مين
التفتت تفتح الحاسوب وتدير شاشته ليراها رائد:
ـ نادر مركب كاميرات في كل حته بس أنا ما بفهمش في الحاجات دي
اقترب رائد من الحاسوب وقد فهم ما تريده شقيقته:
ـ وعايزة ترجعي تسجيل الكاميرات علشان تعرفي مين الخاين
فرقعت نسمة بأصابعها وقد علمت أن رائد أفضل من يعينها في تلك اللحظة ليس فقط لأنه شقيقها و لن تثق في شخص مثل ثقتها به ولكن لأنه أحد أفضل مُبرمجي الحاسب الآلي بشركته متعددة الجنسيات فشقيقها الذي يصغرها بثلاث سنوات عبقري حقيقي في مجاله مما منحه الفرصة للترقي في فترة قصيرة وتقلُد منصب نائب رئيس فرع الشركة بمصر، انتبهت على صوت شقيقها يسألها:
ـ الملف كان فين وامتى تقريبا
أشارت على الشاشة حيث يقع مكتب محمود و هي توضح:
ـ كان في المكتب ده، اتسلم للمستخلص من ثلاث أيام
ضغط رائد أزرار الحاسب يعيد التسجيل لما قبل تلك الثلاث أيام، عاد بالشريط المسجل حتى أسبوع مضى ولا شيء غير طبيعي يحدث في المكتب أو في الرواق المؤدي إليه، التفت لنسمة بعد ساعات من مراجعة التسجيل:
ـ إيه اللي خلاكي متأكدة أنها اتبدلت هنا؟
طالعته نسمة باستفهام بعد أن أرهقها هي الأخرى متابعة التسجيلات الرتيبة:
ـ قصدك إيه؟
عاد رائد بظهره للخلف يطيل عضلاته بعد تيبسها طويلًا أمام الحاسب:
ـ لية ما تكونش اتبدلت عند المستخلص؟
بادلته نسمة سؤال بآخر:
ـ و إيه مصلحته؟
مسح رائد وجهه بكفيه في محاولة لاستعادة تركيزه:
ـ مش لازم يكون ليه مصلحة، ممكن يكون الجاسوس في مكتبه مش هنا
هزت نسمة رأسها إيجابًا و قد تملكها اليأس من معرفة الخائن، انتبهت على انتفاضة رائد الذي اقترب من الحاسب يعيد أحد المقاطع مرارًا حتى يتأكد مما وجده، تطلعت نسمة للمقطع الرتيب دون فهم لما قد يمثله من أهمية حتى أشار رائد للتوقيت أسفل الشاشة وهي لم تدرك مقصده:
ـ مش فاهمة!
أعاد رائد المقطع مجددًا وهو يشرح لها ما وجد:
ـ ركزي في التوقيت؛ التسجيل بيتخطى نص ساعة
التفتت نسمة لشقيقها بعد أن لاحظت ما أشار له و لازالت غير قادرة على فهم أهميته:
ـ وده معناه ايه؟
نقر على سطح المكتب بأصابعه يُحيي نفسه على ما وجده:
ـ معناه إن الكاميرات اتقفلت نص ساعة و اشتغلت تاني ودي فترة كافية لتبديل الفاتورة
التفت إليها وهو يحاول حصر الشك أكثر:
ـ وده معناه أن الخاين هنا وعارف إن في كاميرات مراقبة
حدجته بذهول عندما ضربها منطقه، ما توصل له لا يحصر الشك فقط بعدة أشخاص، انقبض قلبها لما توصلت إليه نتيجة لاستنتاج شقيقها الذي أكمل تأكيد شكوكها بسؤاله:
ـ مين عارف بالكاميرات دي غيرك
و الجواب ينحصر بمعدودين على الأصابع هي و نادر وآخر وحيد كان آخِر من تتوقع خيانته لكن لا متهم أمامها غيره بعد ما توصلت إليه كيف استطاع ادعاء دور المخلص بل كيف استطاع خداع نادر طوال تلك السنوات، رفعت نظرها لرائد بألم و هي تخبره بالاسم:
ـ محمود
***

ذنوب الماضي لا تسقط بالتقادم و الثمن واجب الدفع وإن تاب العاصي
نصف يوم قضاه على الأريكة بصالة بيته منذ حضر وابنته، لم يُغمض له جفن وهو يعيد على نفسه شريط ذكرياته مع طفلته منذ يوم ميلادها بل منذ اختار أمها زوجة، مرورًا بسنوات طفولتها الأولى بمنزله والأيام القليلة التي كان يقضيها معها وسط خلافات لا تنتهي مع زوجته وصولًا لانفصاله وأمها وتباعده قهرًا عنها؛ مرة بسبب طلاقه ومرات بسبب ظروف عمله حتى تحسن الوضع قليلًا في عامه الأخير بعودة عمله للقاهرة و تقاربه أكثر من ابنته إلى أن رآها بذاك الوضع المخجِل و كأنها قد غرست خنجرها بقلبه انتقامًا لكل لحظة من عمرها أهمل وجوده بحياتها، يعلم أن الصغيرة لا تتحمل اللوم وحدها وربما كان هو الجاني الأول وعليه تجرع نصيبه من العقاب.
أزاح ذراعه عن عينيه فغشيهم ضوء الشمس المتسلل من النافذة، تطلع بصعوبة لساعة الحائط فوجدها تشير للثالثة عصرًا، تحرك بتثاقل يجر قدميه حيث المطبخ وصنع بعض الشطائر لتلك الصغيرة التي لم يرَها منذ نهرها مساءً، حمل صينية الطعام و دلف غرفتها فوجدها بذات الملابس تحتضن ساقيها بوضع الجنين وجفنيها متورمين من أثر البكاء فليلتها لم تكن بأفضل من خاصته، زاد ألمه لهيئتها وإن أبى عقله التراجع عما عزم عليه، وضع صينية الطعام على المنضدة القريبة واتجه يزيح الستائر عن نافذة الغرفة وهو يخبرها باقتضاب:
ـ قومي كلي
فتحت جفنيها بصعوبة تتطلع إلى ظهر أبيها ترغب بالدفاع عن نفسها ولا تجرؤ؛ أتخبره أن الآخر مجرد صديق يملأ فراغ أيامها أم تقول أنها تفاجأت برغبته ولم يكن خيالها يصل حد أن يفرض الآخر نفسه عليها بتلك الفجاجة، أتراه سيصدقها إن أخبرته أنها كانت تقاومه وتحاول الهرب عندما حضر هو وأنقذها أم سيعتقد بسقوطها معه، تحركت ببطء ناحيته تحاول الاعتذار، رفعت كفها تلمس ذراع والدها وتهمس بخوف:
ـ بابي
التفت فارس يواجهها بألم وقد تحول بياض عينيه للأحمر، شياطينه تتراقص أمامه وقلبه يئن لدموعها التي لم تتوقف، أمسك عضدها بقسوة يسألها وقد أوشك صبره على النفاد:
ـ حصل إيه بينك و بينه؟
هزت الصغيرة رأسها نفيًا بعنف ونطقت من بين انهيارها:
ـ ما حصلش حاجة
نفض ذراعها وعاد يواجه النافذة وهو يلقي بأول قراراته:
ـ النادي ده مش هتدخليه تاني
صرخت لمى قهرًا تتعلق بذراع والدها ترجوه العفو:
ـ لأ يا بابي علشان خاطري
تعلقت كفاها بقميصه تتوسله عدم حرمانها من حلم تعيش له:
ـ أنا مستعدة لأي عقاب بس سيبني ألعب تنس
طالعها فارس بقناع جامد تمسّك به رغم قلبه الذي يدعوه لغمرها بأحضانه في هاته اللحظة، لكنه عزم على إكمال ما بدأ:
ـ رقمك هيتغير و لو اتصلتي بالصايع ده هعرف
هزت لمى رأسها موافقة وهو يكمل:
ـ مفيش خروج من البيت بعد كده غير معايا
أكملت الصغيرة هز رأسها إيجابًا، هي لن تعترض على أي قرار يتخذه والدها بخلاف تخليها عن حلمها:
ـ بس ألعب تنس يا بابي أرجوك
زفر فارس أنفاسه المحتبسة وابتعد ناحية باب الغرفة دون رد، توقف قليلًا قبل أن يخرج يكبح نفسه عن النظر ناحيتها حتى لا يفوز قلبه على عقله في معركته فيتراجع:
ـ أنا خارج و مش هتأخر
وأغلق باب غرفتها تاركًا المنزل بأكمله وأبوته تجلده لتلك القسوة التي يمارسها لأول مرة، بعض الشِدة ضرورية لتدرك الصغيرة حجم ما اقترفته من خطأ وعنها فقد واصلت انهيارها خوفًا من ضياع حلم وحيد كانت تعيش للوصول إليه، وحيدة هي تحمل على كتفيها الصغيرتين ذنوب لا قِبل لها بها، تتأرجح بين أبوين كلٌ في ناحية وحين ظنت أنها اقتربت من نيل بعض الحرية بالعيش مع والدها باتت مهددة بضياع حلمها، جلست على الفراش تضم ساقيها لصدرها و تهتز للأمام و الخلف في محاولة للسيطرة على غضبها دون طائل، لمحت الطعام ولم تستطع أن تقربه فما جدواه إن لم تقوى على اللعب مرة أخرى، عبثت بحقيبتها تخرج محتوياتها دون ترتيب حتى وجدت مبتغاها.
بعد ساعتين عاد للمنزل و قد عزم على إنهاء عقابه، يكفي صغيرته ما نالته منه حتى الآن وعليه احتواءها، وضع وجبة الطعام التي أحضرها ويعلم أن لمى تفضلها على المائدة وبدل ملابسه ثم عاد يطرق باب غرفتها دون رد، دلف فلاحظ الشطائر التي أعدها لم تُمس والصغيرة على الفراش، يبدو أنها قد نامت بعد ليلة بكاء، رق قلبه لحالها وعزم على إيقاظها لكنه تجمد حين اقترب من الفراش ولاحظ قطرات الدماء المتساقطة من قطعين بمعصمها.




الفصل الحادي عشر


وكم من جرح ترك ندبته بقلبك دون أن يمس جسدك
***

تجمد للحظات و هو يرى صغيرته الغافية وما أحدثته من جروح بمعصمها، انتابه الهلع مما قد تقدم عليه في غفلة منه، تقدم يجلس جوارها واحتضن معصمها براحة يده، قلبه ينزف وعيناه تتابع ملاءة الفراش الملطخة بدمائها، فتحت لمى عينيها بوهن تناظره بين غفو وإفاقة وعنه فقد بادلها بنظرة حزينة وصوته يقطر ألمًا يسألها برفق:
ـ من إمتى بتعملي cutting
ارتبكت الصغيرة عندما تسلل إليها الاستيعاب وألقت بنظرها على يد والدها التي تحتضن جروحها، علمت ألا مجال أمامها للكذب والحقيقة أنها لم يعد بها طاقة للمناورة:
ـ مش من زمان
يعلم أن شيئًا كهذا انتشر بين جيلها كوباء، تقليد أعمى أحيانًا أو رغبة في الانتقام من أنفسهم أو ذويهم لا فارق وربما محاولة لجذب الأنظار الأكيد أن صغيرته تعاني في صمت وعليه الانتباه من الآن فصاعدًا حتى لا يتحول الأمر إلى سلوك إدماني، تهدج صوته بحزنه يسألها مجددًا:
ـ ليه؟
سحبت معصمها من كف والدها واعتدلت تجلس مستندة إلى ظهر الفراش، شردت قليلًا بجروحها و أجابته بكلمة واحدة:
ـ برتاح
هز رأسه يحاول استيعاب ما تمر به صغيرته من ضغط و هو بكل قسوة زاده، نهض يغيب خارج الغرفة قليلًا ثم عاد ليحتل مكانه مجددًا، مد كفه إليها بمغلف علمت أنه خط جديد لهاتفها ثم منحها ورقة مطوية لم تفهم محتواها إلا حينما أوضح هو:
ـ دي مواعيد تدريبات التنس بتاعتك في نادي الشمس
فغرت لمى فاهها وطالعت والدها بأعين مشدوهة بمفاجأتها حين أكمل توضيح موقفه:
ـ أنا لما قلت إنك مش هتروحي النادي ده تاني ما كانش قصدي أحرمك من التنس
ترقرقت غلالة الدموع بعينيها تطالع والدها وهي لا تكاد تصدق ما تفوه به:
ـ بجد يا بابي
ربت فارس بكفيه على عضديها يهدهد خوفها ويؤكد على حلمها الذي بات يخصه منذ علمه منها:
ـ ما فكرتش أبعدك عن حلمك لحظة بس كنت زعلان منك يا لمى
اندفعت لمى تتعلق برقبة والدها وغمرته بقبلاتها تهمس بشكرها وأسفها وقد تساقطت دموعها لا تدري أدموع فرح لعودة حلمها أم حزن لما سببته لوالدها من ألم، ابتعدت قليلًا و أخفضت نظرها خجلًا وهي تنطق من بين دموعها ترغب في تبرئة ساحتها عله يغفر لها:
ـ أنا كنت ببعده لما حضرتك جيت، ما كنتش متوقعه إنه يعمل كده
تعلقت مرة أخرى برقبته وهي تشهق بدموعها وتهمس:
ـ آسفة
أحاطها فارس بذراعيه يضمها في دعم يمنحه لها واحتياج لضمتها التي حُرم منها شدد من ذراعيه حول جسدها رغبة في حمايتها يربت على ظهرها بحنان اعتذارًا عما اقترفه بحقها، هو لن يُحمل صغيرته مزيدًا من اللوم فهو أحق به وأمها حيث تركاها فريسة لوحدتها ولنذل علم كيف يستغل ذلك في التسلل لها:
ـ مصدقك
مسح على شعرها بلطف يبعد رأسها قليلًا فيحتوي عينيها و بإبهامه يمسح دمعة فارة عن وجنتها:
ـ بس عايزك توعديني وعد
انتبهت لما سيقوله ونظرتها تخبره بموافقتها المقدمة:
ـ أوعديني ما تأذيش نفسك تاني و أي وقت أنت مضايقة تتكلمي معايا وأكيد هنلاقي حل يريحك
هزت الصغيرة رأسها إيجابًا وابتسمت من بين دموعها وهي تؤكد:
ـ وعد
ربت فارس بكلتا كفيه على وجنتيها وأعاد مسح المتبقي من دموعها وهو يجذبها لتنهض معه:
ـ أنا ما كلتش من امبارح يالا ناكل
أطاعته الصغيرة بسعادة و جلست جواره تلتهم شرائح البيتزا وهو كان يطالعها وقد عادت بسمتها البراقة تضيء أيامه من جديد ليقسم أن يبذل ما بقي من عمره حفاظًا على تلك البسمة.
***
هل يجوز لأنثى أن تصبح كالنواة يدور في فلكها منجذبًا دون إرادة، كيف تجيد المزج بين قوة وضعف مغلف بالحزن وبسمة مرتسمة على الشفاه، لقد ضبط نفسه متلبسًا بحساب عدتها التي انتهت منذ أيام هل يود التأكد من وفائها لزوجها الراحل كأنه كان يراهن نفسه على احتفاظها بملابس الحداد كما يراها الآن أم رغبة داخله لا يعلم مصدرها تجبره على معرفة كل ما يخصها، أنّى لها بجمع كل تلك المتناقضات وإثارة مثلها بنفسه بمجرد رؤيتها.
منذ دلف مكتبها برفقة محمود بعد إنهاء مهمتهم الناجحة وهو مشدوه بكل ما يصدر عنها؛ همستها الشاكرة له بعد أن أرجع محمود الفضل لعلاقاته في تجميد الإجراءات حتى تقديمهم للفاتورة البديلة، التفاتاتها وحتى نظراتها لمحمود التي اختلفت وأثارت في نفسه الريبة، أنهى قدح قهوته وطالعها بهدوء يناقض زحام أفكاره حولها:
ـ شكرًا إنك فكرتِ تستعيني بيَ لما واجهتِ مشكلة
بادلته نسمة نظرة امتنان حقيقية بعد أن اطمأنت لنهاية الأزمة:
ـ الشكر ليك يا باشمهندس جميلك مش هنساه
نهض حسام يستأذن بالانصراف يحييها بلباقة:
ـ تليفوني معاكِ أي حاجة تحتاجيها ما تتردديش
ودعته نسمة بعرفان بجميله الذي طوّق عنقها، كان هو قشة نجاتها التي تعلقت بها للخروج من أزمتها ولم يخذلها، التفتت تتابع حديث محمود بتوجس وهو يوضح:
ـ علاقاته بالناس هناك قوية جدا، الكل بيعمل له حساب وده اللي نفعتنا
طالعته بصمت غير قادرة على تحديد خطوتها القادمة معه، منذ وفاة نادر وهو يبدي إخلاص حقيقي لم تشك به لحظة رغم تحذير نادر لها بعدم الثقة المطلقة بأي شخص، لا يوجد أمامها متهم غيره بعد ما توصل له رائد، كانت تنوي إنهاء عمله بالشركة لكنها فضلت الانتظار علها تتوصل لمن يعمل لحسابهم ويرغبون بالإيقاع بها، لعبة خطرة قررت خوضها بأن تحوي ثعبانًا ببيتها بغية أن تأمن سمه، تابع الآخر حديثه غافلًا عما يدور بعقلها:
ـ الشحنة قدامها يومين و تخرج هتصل بالعميل أحدد معاد للتوريد في أقرب وقت
ونهض متجهًا حيث مكتبه تاركًا الأخرى خلفه وقد بدأت متابعة كل تحركاته على الشاشة جوارها علها تمسك بطرف الخيط، تابعته حتى وصل مكتبه وطالع أحد الملفات بتركيز، مكالمة هاتفية أجراها سريعًا ثم أخرى واردة أغلق خلالها الملف بحوزته و فتح آخر يقلب في الأوراق حتى وصل لإحداها تتحرك أصابعه على الأسطر و كأنه يقرأ لطرف المكالمة الآخر، أنهى مكالمته والتقط صورة بالهاتف للصفحة أمامه التي لم تستطع تبين محتواها ثم وضع الملف جانبُا وعلى ما يبدو أرسل بالصورة المُلتقطة لشخص ما، هل تملك النجاة من لدغة الأفعى لمجرد معرفتها بها أم أن الأفعى قادرة على الالتفاف حول عنقها بنعومة حتى إذا ما واتتها الفرصة أزهقت روحها بغتة.
***
بأحد ليالي الشتاء الدافئة كانت على موعد مع يوم علمت أنه سيكون نقطة تحول بحياتها فمنذ أعلنت موافقتها على طلبه توقفت عن عد المرات التي أدهشها فيها، فبعد يومين كانت على موعد مع زيارة عائلته المكونة من والديه و شقيقة وحيدة تصغره، الزيارة التي كانت تتخوف منها و خاصة تقبل حماتها المستقبلية لها كزوجة لنجلها وهو ما بددته الأخرى بلقائها الودود، ويومان كان يفاجئها بمحبس نُقش عليه حروف اسمه ليبدو واضحًا من الخارج وسلسلة من الذهب الخالص يتدلى منها شكل قلب يحوي الحروف الأولى من اسميهما صنعت خصيصًا بطلب منه ليقدمها لها كهدية للخطبة يخبرها أنه يريد أن يعلن للجميع أنها باتت تخصه وحده، أيام قلائل أدهشها خلالها بحفظه لتفاصيلها عن ظهر قلب، نوع الشيكولا التي تفضلها ويجلبها يوميًا، كيف تحب قهوتها الصباحية وعدد ملاعق السكر التي تضيفها إلى كوب الشاي حين تلجأ إليه عقب محاضراتها؛ اكتشفت خلالها أنه بات يهتم بكل ما يخصها و اليوم كان ما حدده مع والدها للخطبة الرسمية؛ تزين بيتها بباقات الزهور في كل ركن وتصدرها باقة كبيرة من صديقتها نسمة التي اعتذرت عن الحضور متمنية لها السعادة مع وعد بحضور الزفاف، مكالمة صباحية تلقتها من هند التي اعتذرت أيضًا عن الحضور متعللة بتعب الحمل بينما ريم تعلم أنها تتجنب أي احتكاك مع زوجها لا تأمن عواقبه، صوت شادية يصدح بجنبات البيت من مُشغل الاسطوانات فرغم مئات الأغاني التي اشتهرت للخطبة والزفاف كان سماع أغنية شادية الشهيرة أمنية لها ولوالدتها التي ما تلبث أن تُقبلها حتى تعود فتحتضنها بسعادة غامرة، حضر ماهر مع بعض أفراد من عائلته بحلة كلاسيكية سوداء وقميص باللون الأبيض مع رباط للعنق باللون الأزرق الداكن؛ دلف وسط ترحيب أفراد عائلة ريم في انتظار العروس التي طلت بثوب باللون الأزرق الملكي يحتضن جسدها في رقي ينسدل فيضيق عند ركبتيها ويتسع في دوران رقيق، تتناثر على محيط الصدر حبات من اللؤلؤ الفضي تشكل جناحي طائر يلتقيان بمثلهما على الظهر ليرتفع على باقي الصدر والظهر قماش بذات اللون الأزرق من الشيفون يظهر قمحية بشرتها، شعرها رُفع لأعلى إلا من بعض الخصلات تنتشر على محيط جبهتها و عنقها وجُمع ليحيط به تاج صغير مكون من صف من اللآلئ الفضية منحتها إطلالة ملكة تتقدم في خجل وقور تتفقد الرعية، اقتربت بتمهل وسط مراقبة الحضور وعينيه التي تعلم أنها تلتهمها الآن وتهرب من ملاقاتهما، جلست جواره بعد مصافحة سريعة وتبريكات الأهل، تقدمت شقيقته تحمل ذهب الخطبة، نهض كل منهما فمد ماهر كفه يلتقط سلساله فيحيط به رقبتها، أتبعه بسوار من الذهب أعقبها بوضع محبسه في بنصرها و هي بادلته بوضع محبسه، التقط كفها يرفعها لشفتيه يطبع عليهما قبلة مطولة وهمس دون أن يصل صوته للحضور:
ـ مبروك عليَ

سحبت كفها سريعًا وتوردت وجنتاها خجلًا تخفض نظراتها لتفر من حصاره.
في اليوم التالي كان يجاورها بين زملائهم يتلقيان التبريكات بالخطبة ويوزعان قطع الشيكولا على أصدقائهم ابتهاجًا بارتباطهما، انصرف جموع المهنئين كلٌ إلى وجهته وهو أوصلها حتى مكتبها وانصرف إلى وجهته، في الرواق المؤدي لمكتبه التقى زميله عصام الذي قابله بابتسامة سمجة ومباركة مبطنة بالسخرية:
ـ مبروك، ضربة معلم
ضيق ماهر حاجبيه في غضب جلي و هو يستوضح مقصده أكثر:
ـ قصدك إيه؟
أشار الآخر بعينيه حيث باب مكتب ريم المغلق يكمل بث سمومه:
ـ لعبت على الوتر الحساس
لم يكمل جملته حتى وصله رد ماهر متمثلًا في قبضة يده تطيح بفكه مخلفة جرحًا بزاوية شفتيه:
ـ آخر مرة تجيب سيرة اللي هتكون مراتي على لسانك
أشار بسبابته وهو يحاول التقاط أنفاسه الغاضبة من بين كلماته:
ـ ده آخر تحذير ليك
وانصرف تشيعه نظرات الآخر الحاقدة وهو يمسح خط الدماء عن شفتيه.
***

رغم ما تلاقيه أقسمت أن تستمر حياة طفليها كما كانت في وجود أبيهما، تصحبهما ليومين في الأسبوع لتدريباتهما كما كان يفعل؛ فالصغير من هواة التايكوندو أما طفلتها فتعلم أنها ستكون أحد بطلات الاسكواش عما قريب، اتخذت أحد المقاعد بالنادي تمضي الوقت بقراءة رواية في محاولة للعودة لما تحبه حتى ينتهي الصغيران من تدريباتهما.
على بعد طاولتين كان هو على موعد غير متوقع مع حلم قديم عاد يراوده من جديد حيث وجدها تجلس منفصلة عما حولها تتوحد مع تلك الرواية التي تطالعها بكل تركيز تمتد يدها فتلتقط كوب عصير الليمون من أمامها فترتشف القليل دون أن تحيد عيناها عن السطور، وشاحها الأسود أحاط وجهها فزاد من جمال ملامحها وكأنه إطار للوحة بديعة من النعومة والحزن، قلبه يدفعه دفعًا للاقتراب عله يتمكن من طرق باب جنتها، قدماه استجابتا لنداء قلبه فتحرك كالمُسير نحوها، اقترب فتبين له عنوان الرواية التي تحتضنها بين أناملها "فاي" وتلك الجملة التي كُتبت تحته وهزت روحه "البعض يستحق أن يموت بآثامه، والبعض يستحق أن يحيا بها" وقلبه مُحمل بما يكفي من الآثام التي يحيا بها لسنوات، هل يمكن أن تصفح عما ارتكبه بحقها قديمًا فتحرر قلبه أم كُتب عليه أن يحيا ليتجرع ثمن ما اقرفه ويموت به، وصل أمام الطاولة فوقف بهدوء يناقض ثورة مشاعره وهو يلقي السلام:
ـ سلام عليكم
رفعت عينيها تطالعه بنظرات مبهمة سريعًا ما تعرفت على هويته رغم سنوات عدم اللقاء لكنه لم يختلف كثيرًا عما مضى، تراجعت منابت شعره البني قليلًا من الجانبين وانتشرت شعيرات بيضاء على استحياء بفوديه، قمحية بشرته ازدادت دكنة لتزيد من وضوح زيتون عينيه ورغم تقدم العمر لازال يحتفظ برشاقة جسده الرياضي، ابتسامة فاترة رسمتها على شفتيها وهي تجيب السلام:
ـ وعليكم السلام
وعنه فلحظة التقاء نظرته بخاصتها سقطت بقلبه فزادت من أسره الذي لم يتحرر منه منذ زمن:
ـ البقاء لله
أغلقت الكتاب ووضعته على الطاولة وهي تجيبه، ذكرياتها البعيدة عنه تلاشت بفعل الزمن، حتى جرحها القديم الذي تسبب به و عانت أثره لعدة أعوام تالية تحول إلى حدث مشوش فشلت حتى بالعثور على ندبته، لو سألها الآن لشكرته لذلك الخطأ فلولاه ما التقت نادر وما جب كل ما قبله، دعته بإشارة منها للجلوس فهو الآن مجرد قريب ككثيرين غيره رغم علمها بطلاقه منذ سنوات إلا أن تلك المعلومة لم تشكل فارقًا حينها أو الآن، أتاها صوته الهادئ بسؤاله:
ـ بتيجي النادي كتير؟
أشاحت بنظرها عنه تتذكر ما كان وبحة الحزن بصوتها تخبره بما تخفي:
ـ دلوقت بقيت أنا اللي بجيب الولاد للتدريب
اختناق صوتها بكلماتها كبل قلبه حزنًا لها و عليها رغم احتراقه بغيرته لسنوات.
قطع حديثهم صوت لمى التي أنهت تدريبها ووقفت جوار مقعد فارس الذي لف ذراعه حول خصرها يتولى مهمة التعريف:
ـ لمى؛ بنتي
ـ طنط نسمة؛ قريبتي
صافحت الصغيرة نسمة والأخرى بادلتها مصافحتها ببسمة حنون حين حضر طفليها فتولت هي تلك المرة مهمة التعريف، قطع فارس المصافحات المتبادلة بين الصغار وهو يدعو الجميع للطعام:
ـ أنا ولمى متفقين نتغدى في النادي فرصة تتغدوا معانا
ابتسمت نسمة بود تعتذر برغبة للعودة إلى قوقعتها التي عاشت بها هانئة لسنوات ولا تجد الراحة خلال يومها إلا بدخول غرفتها حيث رائحته تنتشر بكل ما تطاله يدها:
ـ فرصة تانية يادوب نروح علشان مدرسة الولاد بكرة
واصطحبت طفليها وضاع معها ما كان متبقي له من النبضات.
***
رواق مشفى استثماري كبير يحفه السكون وأشعة الشمس المتسللة عبر الزجاج تفشل في إذابة جليد روحه، ثلاث ساعات قضاهم يتجول دون هدف بعد ما علمه من الطبيب، الكلمات التي لم يسمع بقيتها وكثير من التفاصيل التي لا تشكل فارقًا يُذكر، ثورته على الطبيب ودفاع الآخر عن نفسه باتت دون قيمة، حتى أمواله الطائلة التي طالما منحته القوة لن تغير بواقعه شيئًا، لسنوات حارب ضعفه في كل موضع ولم يسمح لنفسه بغير موطن القوي والآن من كان ينتظره ليزيد من قوته أصبح مصدرًا جديدًا لضعفه، كيف يستطيع القبول بما كان يفر منه طوال عمره
دلف غرفة المشفى حيث زوجته لازالت تحت تأثير المسكنات عقب جراحتها، لقد اختارها بعناية من بين كثيرات حتى لا تكون يومًا بموضع قوة أمامه، لم ينبض قلبه لها قط ولم يسمح للشفقة عليها بالتسلل لنفسه يحارب من خلالها أشباحه متسلحًا بكل ما معه والآن بعد تلك السنوات و كأنها تصفعه بحقيقة أن حتى تلك الضعيفة تستطيع إهداءك مزيدًا من الضعف وليس كما تصورت، راقبها وهي تحرك رأسها متأوهة في محاولة للصحو، لقد استنفدت كل وقتها معه ولا داعي للاحتفاظ بها أكثر، سيخطو متجاهلًا ما حدث فلا سبيل آخر له، فتحت عينيها في شبه استفاقة وطالعت ما حولها، اقترب يقف بمحاذاة الفراش وقد قرر بترها تمامًا ومواصلة حياته و كأنها لم تكن، نظراتها الواهنة قابلت جمود نظرته التي غامت بالسواد وصوته الذي نطق بقراره دون تردد:
ـ أنتِ طالق


نهاية الفصل الحادي عشر
قراءة ممتعة


heba nada غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 05-09-20, 11:32 PM   #28

heba nada

? العضوٌ?ھہ » 460821
?  التسِجيلٌ » Jan 2020
? مشَارَ?اتْي » 66
?  نُقآطِيْ » heba nada is on a distinguished road
افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة م ام زياد مشاهدة المشاركة
منك لله يا حسام واللهي ما تكسب يا أخي 😒الت لو عقلت كده واتهديت وبقيت كويس

بس ان شاء الله هتفضل كده مش هتلاقي اي حد يحس بيك يا معفن 😒
طب اقري الفصلين الجداد علشان تدعي بضمير😂


heba nada غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 13-09-20, 12:24 AM   #29

heba nada

? العضوٌ?ھہ » 460821
?  التسِجيلٌ » Jan 2020
? مشَارَ?اتْي » 66
?  نُقآطِيْ » heba nada is on a distinguished road
افتراضي




الفصل الثاني عشر

استشارة طبية
د. رحاب أبو المعاطي

***
أنتِ ظل متواري خلف الجميع
أنتِ هامش خارج دائرة الملاحظة
أنتِ في خانة المفعول به ولا يليق بكِ دور الفاعل

***

بين صحو و إفاقة تأتيها الأصوات المتداخلة وكأنها غاصت في بئر سحيق تفرق جفنيها بوهن فترى الوجوه المحيطة مشوشة؛ وجه أمها، وجه صديقتها البشوش وصوتها الحنون يحمد الله على سلامتها، ووجهه الجامد ونظرته التي حملت انفعالًا غامضًا لم تختبره قبلًا رغم طول عشرتها معه، ثم تعود فتغلق جفنيها مستسلمة للمخدر الذي يسري بعروقها، تبدو نائمة لكنها تشعر بهم، تسمعهم دون قدرة على التفاعل معهم فقط وعي مشوش، ومع انسحاب أثر المخدر بدأ الاحساس بآلام جسدها المبرحة، فرقت جفنيها مرة أخرى وتلك المرة طلبت الماء فعطشها بلغ منتهاه، امتدت كف ريم إليها بمشروب دافئ، ساعدتها على رفع رأسها قليلًا ودست الماصة بين شفتيها رشفة فأخرى وسحبته منها بأمر الطبيب دون أن ترتوي، دارت بنظرها بين الوجوه وتلك المرة ببداية استعادة وعي؛ أمها واجمة، أبيها غائب وعلى كل حال لم تتوقع حضوره، وريم نظرتها حنون وإن كان يعتريها بعض من قلق غير مفسر وصولًا إليه وذات النظرة الجامدة التي ارسلت قشعريرة باردة إلى سائر جسدها والكلمات التي خرجت من بين شفتيه حادة كنصل سكين بارد:
ـ إنتِ طالق
هل لازالت تحت تأثير المخدر وتعاني من هلاوس أم أن عقلها الباطن يصرخ بأمنية لم تقوَ على التصريح بها:
ـ إنتِ طالق
نطقها صريحة، سريعة كطلقة رصاص تنطلق في الفراغ، نطقها والتفت منصرفًا بذات الجمود حتى اختفى عن ناظريها، شهقة أمها وأنينها بالبكاء وكف ريم التي احتضنت كفها بدعم حنون أخبرتاها أنها في عالم الواقع، تلقت رصاصته بصدرها تخترق قلبها باحتراق ليس لفراقه لكن لما قد يدفعه لذلك الفعل في مثل هكذا توقيت، سيطرت أسوأ كوابيسها على عقلها فظهر الرعب بنظرتها المتسائلة لريم وهمستها المرتجفة خوفًا من الإجابة:
ـ ابني
ربتت ريم على كفها واحتوته بكفها الآخر في دعم وابتسامتها المطمئنة تجيبها:
ـ بخير اطمني
نظرتها وإن كانت داعمة مطمئنة إلا أنها تخفي مجهولًا تخشاه، لسانها ترجم خوفها:
ـ هو فين؟
وتلك المرة بدا ارتباك ريم واضحًا وإن حاولت مواراته خلف نبرتها الهادئة:
ـ في الحضّانة؛ هيطمنوا عليه و يخرج
لم يهديها الجواب طمأنينة بقدر ما منحها من قلق، التفتت نحو أمها التي كفكفت دموعها واقتربت من الفراش تربت على كفها الآخر بحنو، هيئتها زادت من اضطرابها فصرحت بتقرير:
ـ عايزة أشوفه
والإجابة أيضا من ريم التي أجبرت نظرها على العودة إليها مرة أخرى:
ـ أول ما تقدري تتحركي هتشوفيه
والنظرة حنون مطمئنة لم تجد سبيلًا سوى التمسك بها وإن نخر سوس القلق عظام صدرها.
***
إنتِ طالق
نطقها وتولى عنها؛ مر حيث قسم حسابات المشفى ودفع كامل مستحقات الإقامة مقدمًا وذلك آخر عهده بها، بهما، قاد سيارته بأقصى سرعة يفر من واقع لا يقوىَ على مواجهته ممزِقًا تلك الصفحة من قاموس حياته، وصل أعلى نقطة بهضبة المقطم وترجل يشاهد القاهرة من علوٍ وكلمات الطبيب تضرب رأسه مجددًا تزلزل ثباته وكل ما رسمه لصغير كان ينتظره ليشّدُد به أزره،
صغيرك ضعيف
أنت ضعيف
قلبه يئن
واتهام بتقصير
دفاع عن النفس فما باليد حيلة
لن يحمل ابنك رايتك يوما
ثورة غير مُبررة
والجواب قدر
و شمس الشفق التي تحولت للحمرة أوشكت على الاختفاء وكأنها تؤكد على ضعفه أمام القدر
أنتَ ضعيف مهما ادعيت القوة
مرغم مهما امتلكت من خيارات
مسير ولا سبيل لديك سوى الخضوع للقدر
صرخة عجز خرجت منه وهو يخر على ركبتيه يتطلع إلى السماء وكأنه يتوسلها البوح؛ لمَ!
ألقى بجسده على الأرض الصلبة وتعلقت عيناه بالغيوم، والسؤال الذي لا يعلم جوابه يذيقه مرارة القهر لأول مرة، دمعة وحيدة فرت من عينيه وانتهت عند فوديه قبل أن يقتل أخريات بعزم على عدم الخضوع، نهض ينفض تراب الأرض عن ملابسه واتخذ مقعد القيادة وثبات عينيه تمحو ذلك اليوم من تاريخه، هو لن يخضع
لن يضعف
لن ينحني مهما كان الثمن.
***
فور أن سمح لها الطبيب بالحركة، اتكأت على كف ريم وبخطوات متمهلة تقاوم الألم توجهت إليه؛ وخارج غرفة الرعاية المركزة للمواليد استندت بكفها للزجاج تبحث عن صغيرها بين صغار اجتمعوا في الألم، هل تستطيع اكتشافه بقلبها فقط؛ كيف وكل صغير منهم يختطف نبضة رغما عنها؛ لاحظتها الممرضة من الداخل فرفعت صوتها تسألها عن اسمها؛ أجابتها لتشير إلى أحد الصغار داخل كبسولته الشفافة؛ تعلقت عيناها بجسده النحيل الذي يغوص في حفاض يكبره وتلك اللاصقة اللعينة تغلق عينيه فتحجبهما عنها، وجهه الصغير أسفل نصف كرة من البلاستيك الشفاف لا تعلم ماهيتها، وإبرة التغذية غرست بجانب عنقه، ترقرقت غلالة الدموع بعينيها وهي ترى صغيرها بهكذا وضع، انتبهت على الطبيبة القادمة تهم بالدخول إلى غرفة العناية، نادتها فالتفتت الأخرى و بخطوات متمهلة اقتربت هند من الطبيبة تتعلق بساعدها وتعود عيناها لتتعلق بصغيرها و تشير إليه:
ـ هو عامل إيه؟
ربتت الطبيبة على كفها وتبادلت نظرة مع ريم فهمت مغزاها قبل أن تجيب بنصف حقيقة:
ـ حالتة مستقرة؛ اطمني
اشارت هند إلى نصف الكرة المحيط لرأس الصغير تكمل استفسارها:
ـ ليه؟
ابتسمت الطبيبة بود تشرح وضع طبي ببساطة:
ـ هو مولود بعدم انتظام في التنفس وده جهاز بيحافظ على نسبة الأكسجين حواليه
عادت عينا هند تتعلق بصغيرها فاتبعت الطبيبة شرحها تمنح بعض الطمأنينة لأم متلهفة:
ـ إحنا عملنا كل الفحوصات اللازمة، نطمن على انتظام النفس و يبقى في حضنك
عادت هند تتعلق بكلمات الطبيبة المطمئنة والأخرى ابتسمت بود:
ـ ما قلتيش هتسميه إيه
ابتسمت هند للصغير الذي تمنته منذ زمن ليضيء ظلام أيامها وهمست:
ـ ضياء
ودعتها الطبيبة ببسمة أخرى وهي تفتح باب الغرفة وقبل أن تغلقه:
ـ هنحتاج منك شوية لبن في بيبرونة يا أم ضياء لحد ما ضياء يرجع لحضنك؛ ممكن؟
أومأت هند إيجابًا وعادت تتعلق بالصغير الغافي دون دراية بما حوله، هو ضياؤها في طريقها الموحش الذي طالما انتظرته.
***
بين الواقع وعالم الأحلام خيط فاصل يقف عليه بثبات فهو بات قاب قوسين من تحقيق حلمه، دلف مكتبها بعد استئذان، قابلته ببسمة مرحبة ثم نهضت تدور حول مكتبها تصافحه، رفع كفها يقبل ظاهره وهي سحبته تفر من أسر عينيه بخجل عمدت إلى مواراته وهي تلتقط الملف الخاص به عن مكتبها:
ـ الجزء ده محتاج تعديلات يا دكتور أنا حددتهم لك
اقترب يلتقط الملف من بين يديها ويلقي به على المكتب مرة أخرى ثم يلتقط كفيها وينحني يقلص فارق الطول بينهما:
ـ طب ما تذاكري لي
نظرته العابثة بلطف دغدغت حواسها فابتسمت ترفع حاجبيها بمشاكسة تكتشفها بنفسها لأول مرة وهو يكمل عبثه:
ـ أنا طالب مجتهد مش هتعبك
رفعت سبابتها تربت على ذقنها مدعية التفكير ثم رفعت كتفيها بملل متسلي:
ـ أجرب
ضحك ماهر باستمتاع لمرحها الذي يختبره للمرة الأولى خلاف وجهها الجاد سابقًا، سحب كفها يجلسها على المقعد أمام المكتب ويجلس في مواجهتها ونبرته تعود لجديتها:
ـ نتكلم جد بقى
انتبهت ريم له تومئ برأسها إيجابًا:
ـ نتكلم جد
ـ مالِك
رفعت ريم نظرها إليه وزفرت متخلصة من أنفاسها المحتبسة، بالأيام الماضية كان هو المنفذ الوحيد لغضبها مما تمر به صديقتها ومن الوغد زوجها ومن خنوع صديقتها الدائم، خرجت كلماتها مهمومة:
ـ هند هتخرج النهاردة من المستشفى
علم منها الكثير عن صديقتها ولا ينكر تعاطفه معها:
ـ هي عرفت؟
هزت رأسها نفيًا، لقد حرصت على تأجيل الحقيقة حتى تتعافى صديقتها قليلًا لكن الآن لا مفر منها كل ما تستطيعه أن تكون جوارها لدعمها، تذكرت ذلك الوغد الذي كان من المفترض أن يكون هو الداعم، غضبها منه بلغ منتهاه ولم تستطع مداراة كرهها له:
ـ جوزها ده.....
كتمت سبتها رغمًا عنها وهو لاحظ غضبها، يعلم بانفصال صديقتها عن زوجها وإن كان يستطيع استنتاج السبب لكنه يلوم على الآخر توقيته:
ـ مش الطفل اللي خلاه يطلقها
نظرة مندهشة نالها من ريم قبل أن يكمل:
ـ من كلامك عنهم هم مفيش حاجة بينهم تخليهم يكملوا مع بعض، تقدري تقولي الطفل كان القشة
أومأت برأسها إيجابًا وكلماتها تؤمن على كلماته:
ـ في دي معاك حق
عادت كلماته مرة أخرى تحتوي غضبها كالأيام السابقة:
ـ تحبي آجي معاكِ
نفت بهزة رأس:
ـ خليني أكون معاها لوحدي
ابتسم بدعم وهو يلتقط الملف الخاص به مرة أخرى وينهض:
ـ طيب ألحق أعمل التعديلات بتاعتي
انحنى يستند إلى مسند مقعدها و نظرته العابثة تشاكسها:
ـ أصل المشرفة بتاعتي شديدة قوي و أنا عايز اخلص الدكتوراه بسرعه
ضحكت باستمتاع وهو يتجه حيث الباب وقبل أن ينصرف منحها قبلة لسبابته ووسطاه:
ـ هكلمك لما تروحي
وتركها غارقة فيه دون رغبة في النجاة
***
هي ربان سفينة حياتها تقودها بثبات وإن تخبطت بين الأمواج، بالأمس وصلت شحنة الأجهزة المُنتظرة بالكامل إلى مخازن الشركة ورغم جهلها بتصنيفات تلك الأجهزة عمدت إلى استلامها ومطابقتها بفاتورة الشراء بنفسها، الأمر الذي أرهقها واستهلك كثير من طاقتها لكن ما باليد حيلة بعدما فقدت الثقة بكل من حولها.
طرقات على باب مكتبها دلف بعدها محمود يحمل ملف الصفقة بالكامل، لم يجلس وأخبرها على عجالة أن سيارة النقل تقوم بتحميل الأجهزة الآن من مخازنهم:
ـ أنا رايح أورد دلوقت لو اتأخرت هروح وأجيب الشيكات بكرة وأنا جاي
عقدت حاجبيها بتوجس ولم تخفي أفكارها:
ـ ما بلغتنيش ليه بمعاد التوريد
اندهش محمود لنبرتها الجديدة معه منذ أيام وهو يلحظ تغير بمعاملتها وإن لم تصرح بشيء:
ـ أنا قلت لك إني هحدد أقرب معاد ويادوب خدت المعاد أمبارح بعد وصول الشحنة
أمعنت النظر فيه هي لم تقتنع بالجواب ولا تستطيع الإمساك بدليل آخر على خيانته، ترى ألهذه الدرجة يجيد الخداع، التقطت حقيبتها وسلسلة مفاتيحها نهضت تعرب عن قرارها دون ترك فرصة للمعارضة:
ـ أنا جاية معاك
تحركت تسبقه على باب المكتب بينما هو ثابت مكانه يطالعها بدهشة لم يستطع إخفاءها هذه المرة:
ـ غريبة؛ من إمتى بتطلعي شغل برة الشركة
التفتت تحدجه بنظرة متلاعبة جديدة عليها تمامًا، التوى ثغرها ببسمة ساخرة ظهر أثرها بكلماتها وإن حملت معنىً آخر:
ـ تلميذتك؛ مش قلت إني لازم أعرف كل حاجة
وتلك المرة ارتفع حاجباه إعجابًا بحماسها فتلميذته النجيبة يبدو أنها في طريقها للتفوق على أستاذها، أشار بكفه على طول ذراعه حتى تتقدمه واعتلت ثغره بسمة سعيدة، ترجل كلاهما فركب محمود جوار سائق النقل يوجهه حيث المصنع وهي تبعته بسيارتها الصغيرة.
بعد إجراءات التسليم وقّعت على استلام مستحقاتها كاملة؛ شيك واجب الدفع فورًا كدفعه تسليم الشحنة ومجموعة أخرى كدفعات مؤجلة لباقي المبلغ، أوصلها محمود حيث سيارتها وهو يبارك لها اكتمال الصفقة:
ـ مبروك؛ لو تحبي تجيبي الشيكات أوديهم البنك قبل ما أروح الشركة الصبح
كانت قد اتخذت مقعد السائق، أخفضت زجاج سيارتها تحدثه بتوجس لم تعد قادرة على مداراته:
ـ شكرًا، أنا هعدي ع البنك قبل ما آجي الشركة بكرة
وانطلقت بسيارتها وتركته حائرًا يبحث عن سبب لهذا التغير دون أن يجد.
***
تركته خلفها وقد عزمت على إنهاء عمله بالشركة في أقرب وقت فلم تعد تحتمل الشك، ملت دور القط المراقب لحية قد تلدغه في أية لحظة فتقضي عليه، مرت بمنزلها فتركت الأوراق الهامة واصطحبت طفليها، في طريقها ابتاعت وجبة شهية وبعض الفاكهة وتوجهت حيث وجهتها، صعدت مع طفليها درجات البيت العتيق وضربت جرس الباب بانتظار فتحه، وما إن ظهرت السيدة خلف الباب حتى اندفع نور يحتضن خصرها بقوة فتراجعت خطوة للخلف تستعيد توازنها المختل بفعل اندفاع الصغير وهي تضمه بذراعها:
ـ دودو وحشتيني
اندفعت نسمة تجذب نور وتنهره على اندفاعه:
ـ مش قلنا بشويش يا نور
انحنت السيدة درية تقبل الصغير وتجذب نادين فتحتويها بذراعها الآخر وهي تحادث نسمة:
ـ سيبيه براحته
ابتسمت نسمة بحبور وهي تشاهد حماتها تغمر طفليها بقبلاتها وانطلقت كلماتها مداعبة:
ـ واضح إني مليش نصيب
تداركت درية الأمر وهي تفلت نادين وتجذب نسمة لأحضانها بحب ظاهر:
ـ إنتِ الخير والبركة
دعتهم جميعًا للدخول، وضعت نسمة أكياس الطعام على المائدة وشرعت بإخراج الأطعمة وهي تقول:
ـ إحنا ما كلناش قلنا نيجي نتغدى معاكِ
التف الجميع حول المائدة وهمست درية بصوت غير مسموع عندما رأت ما أحضرته نسمة:
ـ كفتة وشيش طاووك
ترقرقت الدموع بعينيها تتذكر آخر لقاء بولدها الراحل، تملي عينيها برؤية طفليه وهذا الصغير الذي يحمل نسخته الكاملة، امتدت كفها للطعام تلتقط بعضه وتطعم الصغير بينما نسمة تعلق:
ـ كلي إنتِ يا ماما هو بياكل لوحده
منحتها نظرة حنون وعادت للصغير الذي التصق بها ينهل من حنانها:
ـ أنا بحب أأكله
عقب الطعام اجتمعوا حول كوبين من الشاي المطعم بحبات القرنفل لنسمة وحماتها وحبات اليوسفي و الجوافة للصغيرين اللذين منحا المنزل حياة بصخبهما، التفتت درية إلى نسمة تسألها عن أحوالها:
ـ عاملة إيه يا بنتي
همست نسمة بالحمد وهي ترتشف من كوب الشاي بتلذذ:
ـ كنت محتاجة كوباية زي دي من الصبح
ربتت درية على كتفها وهي ترى الارهاق البادي عليها:
ـ عاملة إيه في الشغل؟
بادلتها نسمة بسمة ممتنة لاهتمامها:
ـ ماشي كويس الحمد لله
ثم أتبعت باعتذار واجب:
ـ أنا آسفة إني مكنتش باجي قبل كده، بس مكنتش بخرج غير للشغل
أشفقت عليها من ذكر السبب الذي منعها لكنها أتبعت:
ـ بس بعد كدة إن شاء الله هنكرر اليوم ده باستمرار
قطع حديثهم باب البيت الذي فُتح حيث دلف مدحت المتفاجئ بوجودهم، انحنى على أمه مقبلًا ثم التفت إلى نور و نادين يقبلهما بود بينما الطفلان بادلاه تحية باردة لم تقل برودة عن تلك التي تبادلها مع نسمة التي شعرت بانسحاب الهواء فجأة من البيت بحضوره، تلهي نفسها بمتابعة طفليها متجاهلة حديثه الدائر مع أمه ونظراته التي تشعر بها تخترقها دون سبب، منذ عرفت نادر وهي لا تشعر بالراحة في وجود شقيقه لكنه كان حاجزًا منيعًا بينهما زاد عدم ارتياحها ذلك بعد ما علمت عنه من افتعال للمشكلات مع نادر وحتى مع أمه الطيبة، تطلعت إلى ساعة يدها وتذرعت بالوقت حتى تنهي هذا اللقاء الثقيل، نهضت تستأذن بالانصراف بينما ابتسامته السمجة تلاحقها:
ـ هو إذا حضرت الشياطين ولا إيه؟
توجهت نسمة تصافح السيدة درية وهي تجيب بخفوت:
ـ أبدا بس الولاد بتنام بدري
نهض مدحت مستعدًا للانصراف وهو يقرر:
ـ خلاص هوصلكم
التقطت نسمة كف نور وبذراعها الأخرى احتوت كتفي نادين وهي تؤكد:
ـ شكرا معايا العربية
وانصرفت مع طفليها هروبًا قبل أن يزيد كلمة.
***
بعد يومين قضتهما تتطلع إلى صغيرها عبر الزجاج الشفاف كانت على موعد مع لحظة طالما تمنتها، منتظرة خارج باب الرعاية، منحت الممرضة ملابسه ووقفت تراقبها من خلال الزجاج وهي تلبسها له قطعة قطعة، ثم حملته وبيدها الأخرى بعض أوراق طلبت منها توقيعها باستلام صغيرها، وقعت على عجالة فلو طُلب منها في هاته اللحظة عمرها ستدفعه طائعة نظير احتواء طفلها بين ذراعيها، قشعريرة سرت بجسدها وهي ترفع الغطاء عن وجهه المنمنم تتشبع بملامحه لأول مرة، تحسست بشرته الرقيقة بأناملها وملأت صدرها برائحته المميزة، شحوب وجهه آلم قلبها فارتجفت تضمه لصدرها، اقتربت ريم منها تربت على ظهرها وتعرض المساعدة:
ـ لو مش قادرة تشيليه هاتي أشيله
هزة رأس نافية هي ما صدرت عنها وعيناها لاتزال متعلقة بوجه طفلها، حتى أمها اقتربت تتحسسه وتقبل رأسه بحنو:
ـ أنت تعبانة هاتي أشيله لحد العربية
تلك المرة نفيها كان حاسمًا:
ـ ما حدش هيشيله غيري
انصاعا أمام إصرارها، سارو جميعًا على مهل حتى سيارة ريم التي اتخذت طريقها حيث منزل عائلة هند التي لم تتحدث منذ لقاءها مع الطبيبة قبل استلامها لطفلها، عيناها لم تغفل عن وجهه تعيد استرجاع حديث الطبيبة المقلق المطمئن في آن واحد؛ فالصغير من أصحاب متلازمة "داون" هكذا بدأت الطبيبة مشجعة هند على اتخاذ الطريق الصحيح نحو تربية ملاك مثله، ارتباك اعتراها لا تنكر لكنه طفلها وستفعل أي شيء في صالحه، ثم الخبر الثاني فالملاك قلبه يئن حيث حجراته الأربع دون حاجز؛ هل يجوز لها أن تمنحه قلبها يحيا به، و وصفة طبية بلبن صناعي للرضع فجسد الصغير الضعيف بحاجة للغذاء السهل دون جهد الرضاعة الطبيعية، وفي النهاية توصية بالمتابعة مع طبيب متخصص بقلب الأطفال حتى تحديد موعد للجراحة، تحسست وجنته الرقيقة بظاهر أصابعها فالتوى ثغره بشبه ابتسامة سقطت بقلبها لتختطفه كاملًا من ألمه، وصلن لوجهتهن فصفت ريم سيارتها أسفل المنزل، حملت الرضيع حتى تتمكن هند من الترجل فلاتزال غير قادرة على الحركة الكاملة، ترجلت هند ثم عادت تحتوي ضياءها مرة أخرى، صعدن الدرج حيث فتحت أمها باب البيت ودلفت وعند الباب أتاها صوت والدها من الداخل:
ـ على فين؟
اقتربت أمها منه بارتباك واضح تحاول جذبه للداخل حتى تتمكن هند من الدخول لكنه نفض يدها عنه مكملا كلامه للواقفة بوجوم على باب البيت:
ـ اللي على ايدك ده ليه أب يصرف عليه
همت أمها بالحديث مرة أخرى:
ـ سيبها تدخل يومين لحد ما نصالحها على جوزها
تجاهل حديث زوجته مكملًا توجيه رصاصاته القاتلة للصامتة عند الباب:
ـ روحي وديه لأبوه لو عايزة تدخلي البيت ده
جذبت أمها ذراعه مرة أخرى تثنيه عما يفعل:
ـ إزاي بس ده لسة مولود
وجه شرارات غضبه تجاه زوجته تلك المرة يعلنها بوضوح:
ـ لو مش عاجبك اتفضلي حصليها
حقد، لو بحثت داخلها عن شعورها نحو والدها فمسمى الكره يتضاءل هنا، غضبها نحوه تجاوز كل حد ممكن فهو سبب كل شرور حياتها، ليته لم يكن بل ليتها لم تولد لهكذا أب هو سبب المأساة التي تحياها منذ تفتحت عيناها بهذه الدنيا، التفتت منصرفة تترجل مرة أخرى حتى الطريق وقد شل تفكيرها تماما،
هي بلا مأوى
بلا عمل
بلا أهل
بلا زوج
فقط هي و صغير بقلب ضعيف
في مواجهة المجهول














الفصل الثالث عشر


لم يُشتق لفظ صديق من الصدق اعتباطًا وإنما لأنه من يصدقك الحب، الحديث وقبل كل ذلك .العون دون مصلحة يربو إليها
***
وقفت بنهر الطريق تضم طفلها إلى صدرها بكلتا يديها وزوايا العالم تضيق حولها وكأنه تحول إلى ،حائط سد لا يحوي ثقبًا كإبرة يسعها وصغيرها انتبهت على كف ريم تحط على ظهرها تحثها على السير معها حتى السيارة؛ رفعت نظراتها الزائغة :إليها وهي تسأل بتيه
ـ هروح فين؟
فتحت ريم باب السيارة وهي تربت على ظهرها بحنان وابتسامتها البشوش تمنحها الأمل وسط :اليأس
ـ عندي؛ يالا كلهم مستنيينك إنتِ وضياء
أغلقت باب السيارة مع نهاية كلمتها والتفت تتخذ مقعد السائق، ريم التي هاتفت والدها بغفلة من هند تخبره سريعًا بما حدث وهي أكيدة من أنه لن يمانع استضافتها بالبيت، دقائق وكانت تفتح باب البيت تضع حقيبة الطفل جانبًا وخلفها هند منكسة الرأس خجلًا مما هي فيه، رفعت رأسها على :صوت السيد رفعت يرحب بها
ـ نورتي بيتك يا هند
:ابتسمت بخجل والكلمات تخرج منها على استحياء
ـ منور بأصحابه
تقدم السيد رفعت منها يربت على كتفها ويحثها :على التقدم
ـ أنت اصحابه يا بنتي وإحنا ضيوفك
التقطت السيدة رقية الحديث من زوجها وهي :تحتوي كتفي هند وتقودها حيث غرفة ريم
ـ حمد لله على سلامتك إنتِ وضياء
على ذكر ضياء عادت عينا هند تتعلق بوجهه البريء الغافل عن شرور العالم، أجلستها على الفراش المقابل لفراش ريم وهي تكمل حديثها :الودود
ـ خدي راحتك يا بنتي على ما أجيبلك الأكل
وتركتها مع ريم التي ابتسمت بترحاب وهي تجمع كتبها وحاسبها المحمول وتنقلهم إلى خارج الغرفة :وتوضح
ـ علشان معملش قلق للأستاذ ضياء وأنا بشتغل
:أخفضت هند نظراتها خجلًا وهي توضح بأسى
ـ هلخبط لك نظامك
:اندفعت ريم إلى صديقتها تحتويها بقوة وهي تؤكد
ـ أنت عبيطة صح، هو أنا أطول تقعدي معايا ونرجّع رغي زمان اللي ما بيخلصش
ابتسمت هند بخجل وريم تبتعد عنها قليلًا تكمل :حديثها بصدق
ـ وبعدين يا بنتي إنتِ عارفة إنك عندي زي رنا
ورنا هي شقيقة ريم الصغرى التي هاجرت مع زوجها لأحد البلاد الأوروبية منذ أكثر من خمس سنوات ومن وقتها أصبح اللقاء الوحيد بينها .وبين عائلتها يتم عبر مكالمات الفيديو
قطع حديثهما دخول السيدة رقية تحمل صينية :الطعام التي وضعتها جانبًا وهي توضح
ـ عملتلك فرخة مسلوقة وشوربة خضار تخلصيها كلها
ضحكت ريم فوالدتها وجدت غيرها تغمره بأمومتها المُفرطة، ارتفع صوت ضياء بالبكاء فاندفعت السيدة رقية تحمله وهي تذكر اسم الله، هدهدت الصغير فهدأ بحضنها، همت هند بأخذه فاعترضت :الأخرى وهي تنظر إلى وجه ضياء
ـ سيبيه معايا لحد ما تاكلي ولا خايفة عليه
:اخفضت هند كفيها سريعًا وهي تؤكد
ـ أكيد لأ يا طنط بس مش عايزة أتعب حضرتك
عادت نظرات رقية تتعلق بوجه الصغير الذي أسر :لبها من أول وهلة
ـ وهو القمر ده يتعب حد عقبال ما أشوف ولاد ريم يارب
،ابتسمت ريم بمرح وهي تدفع هند ناحية الطعام والدتها وجدت أخيرًا من يعوضها عن أحفادها من رنا التي لم تحضر أي من ولاداتهم ولم ترهم إلا من خلال الصور، تعلقت عينا هند بطفلها الذي اطمأن بين أحضان والدة ريم وكأنه يدرك بفطرته النقية أي قلب يمنحه الأمان وهي ابتلعت غصتها مع طعامها فمن بين العالم أجمع وجدت حنان الأم ،بغير أمها والأب الذي طالما تمنت مثله لا يخصها رجعت عيناها التي تترقرق بهما الدموع نحو ريم؛ هكذا قلب نتاج لتلك الأسرة الحنون تسأل الله أن .يمنحها ما تستحقه من سعادة
***

وسط تخبط يعانيه وقناع قوة يتشبث به قادته قدماه إليها، يتوق إلى جاذبيتها التي لا يعلم سرها، تلك الهالة المحيطة بها وتمنحه شعورًا لم يختبره قبلًا، يشتاق لذلك الآخر الذي يكونه في حضرتها، هي امرأة المتناقضات وهو؛ من هو! ألا يزال ذلك الطفل الباحث عن الحنان، أم المراهق مفتقد القدوة أم ذلك الأربعيني الذي أضحاه ولم يعلم طريقه بعد، أبلغ سكرتيرتها برغبته في مقابلتها وهي أبلغتها بدورها فمنحتها الإذن :بدخوله، رحبت به نسمة بود حقيقي
ـ منور يا باشمهندس حسام
:بادلها تحيتها بحبور
ـ أنا قلت آجي أطمن، أخبار الشغل معاكِ إيه
رفعت سماعة الهاتف الداخلي تطلب قدحين من :القهوة وعادت إليه ببسمة ممتنة
ـ الحمد لله موقف الشركة دلوقت مطمئن وده بفضل مساعدتك
استند بظهره إلى مقعده وهو يشبع عينيه :بتفاصيلها
ـ أنا معملتش حاجة
دلف العامل فوضع قدحين القهوة أحدهما أمامه والآخر أمامها، التقط فنجانه يرتشف على مهل :وعيناه لم تحيدا عنها وهو يكمل
ـ إن شاء الله قريب هيكون في مشاريع مشتركة بينا
رغم جهلها بماهية المشروع الذي قد يجمع شركتها ذات الطابع الهندسي بخاصته المتخصصة :بالأثاث إلا أنها أكدت كلماته بلباقة
ـ ده يشرفني طبعًا يا باشمهندس
قطع حديثهما صوت هاتفها الداخلي حيث أتاها صوت أروى تخبرها أن الأستاذ مدحت ينتظر إذنها بالدخول، انقبض قلبها عند ذكر الاسم :وانعكس على تجهم وجهها وهي تجيب
ـ خليه ينتظر لحد المقابلة اللي عندي ما تخلص
لاحظ الآخر تغير ملامحها، وتبدل ذلك البريق :بعينيها ليحل محله القلق فسأل باهتمام لا يدعيه
ـ في مشكلة ولا إيه؟
نفت بهزة رأس ولملمت شتاتها سريعًا وهي :تجيب
ـ لا أبدًا؛ بس في معاد كنت نسياه
فهم مغزى كلماتها ونهض يستأذن بالانصراف :وهو يؤكد
ـ مش محتاج أقول لك إن أي مشكلة تواجهك أنا مستعد أحلها
:ودعته ببسمة تعترف بفضله وتؤكد كلماته
ـ متأكدة يا باشمهندس
في طريقه قابل مدحت المنتظر بمكتب السكرتيرة تبادل معه نظرة لا مبالية من حسام بأخرى غاضبة من مدحت الذي اندفع إلى مكتب نسمة دون انتظار إذن، أجفلت نسمة لدخوله وإن كانت لا تتوقع أي لياقة منه كعادته والآخر اتخذ المقعد أمامها وبسمته الثعلبية تخنق أنفاسها، تنحنح يبدأ :حديثه بود مصطنع
ـ أنا جايلك النهاردة في موضوع مهم
قبضة اعتصرت قلبها فمهما كان ما سيتفوه به فلا تظنه خيرًا على الاطلاق لكنها تمسكت بثباتها :أمامه
ـ ياريت بسرعة علشان عندي شغل
انفلتت نظرته إلى باب المكتب حيث خرج حسام :وسخريته انطلقت رغمًا عنه
ـ ما هو الشغل واضح
!ـ نعم
خرجت منها حادة معترضة على تلميح لم تتقبله :وهو تراجع سريعًا يعود لما أتى من أجله
ـ خلينا في موضوعنا
ـ ياريت
:ردت بملل بينما هو يبدأ مقدمته المدعية
ـ دلوقت متآخذينيش إنتِ أرملة ولسة صغيرة وولادك صغيرين
حدجته نسمة بنظرة مغتاظة في انتظار باقي حديثه :الذي لن يروقها بالتأكيد وهو لم يتأخر
ـ ده يخليكي مطمع لكلاب كتير
:اعتدل في جلسته ونبرته تلين بمداهنة واضحة
ـ إنتِ محتاجة حماية علشان تقدري تواجهي المجتمع
التوى ثغرها ببسمة ساخرة، ذلك المدعي لا يعلم أن جميع كلماته لا تزن جناح بعوضة بالنسبة لها :ورغمًا عنها خرجت نبرتها بسخرية لاذعة
ـ وهتقدر تحميني إزاي بقى؟
أخفض رأسه وعيناه مرتكزة عليها وهو يوضح :برفق
ـ بعقد جواز بينا
اعتدلت في جلستها وانعقد حاجباها بغضب لم يقل :عن غضب زعقتها
!ـ أفندم
ـ جواز صوري
:أتبع بتوضيح يلف خيوط عنكبوته حولها
ـ ورقة حماية تبقى معاكِ
نهضت عن كرسيها بعنف وسبابتها تشير إلى باب :المكتب
ـ اطلع برة
عادت سبابتها تشير إليه وهي تحاول السيطرة :على تسارع أنفاسها الغاضبة
ـ لولا إن دمك ده نفس دم نادر وإني عاملة حساب للست الطيبة والدتك كان ردي هيكون مختلف
نهض يحاول الحديث واحتواء غضبها لكنها لم :تمنحه الفرصة تعيد كلماتها
ـ برة بدل ما أطلب الأمن ييجي يرميك والشركة دي متعتبهاش تاني
نظراته المتوعدة التي مرت عليها من أسفل قدميها نهاية بعينيها أخبرتها أن الأمر لم ينتهي بعد، خرج وتركها تلهث غضبًا من مجرد تفكيره بها كزوجة كيف استطاع تخيلها بل وكيف جرؤ على هذا الطلب، عبراتها المتساقطة رغمًا عنها أخبرتها كم تفتقده وتتوق لحمايته الحقيقية التي كانت تنعم بها في كنفه وفقدتها للأبد، جففت :دموعها ورفعت هاتفها الداخلي مخاطبة أروى
ـ بلغي الأمن إن الأستاذ مدحت ميدخلش الشركة تاني حتى لو اضطروا يطلبوا البوليس.
***
معه تتحول لأخرى مفعمة بالحيوية يدغدغ أنوثتها بلطف ويتسلل بروية يحتل كيانها كله، ساعات قضتها في مراجعة رسالته كاملة حتى تأكدت من ،جاهزيتها تمامًا للمناقشة وكأنها رسالتها هي فرحة الإنجاز تزورها للمرة الثانية وتلك المرة بمذاق عشق بات يعلن عن وجوده بعينيها كلما ظهر بمحيطها كما يحدث الآن بطلته الكلاسيكية الحديثة ولون عينيه المحير الذي باتت تسبح بهما بين أحلامها التي بنتها وهو بطلها، امتدت كفها إليه بالملف وصوتها لا يخفي ما بنفسها من :سعادة
ـ الرسالة كدة تمام، مش فاضل غير تحديد معاد للمناقشة
تناول الملف ووضعه على المكتب وهو يتخذ أمامه :بسعادة غامرة
ـ أخيرًا الدكتورة رضيت عني
:ضحكت باستمتاع لمزاحه وأضافت
ـ نتكلم جد بقى محتاجين نحدد المعاد ونراسل external الدكتور ال
:أومأ برأسه بحركة مسرحية وهو يجيب
ـ أوامر معاليك يا دكتور
:نهضت تناظر ساعة يدها وهي تخبره على عجالة
ـ طيب مضطرة أمشي دلوقت
:التقط كفها يوقفها
ـ على فين؟
عادت تناظر الساعة وهي تجيبه سريعًا وتأخذ :طريقها للخارج وهو جوارها
ـ رايحة أحجز معاد لضياء عند الدكتور وعايزة ألحق العيادة قبل ما تقفل
أولاها نظرة جانبية داعمة وهو يسير معها حتى :سيارتها ويقرر عنها
ـ هاتي العنوان هروح أحجز أنا وروحي
ابتسمت بحب تستمتع باهتمامه وتمنحه البطاقة :الخاصة بالطبيب وهو التقطها ببسمة حنون
ـ هبلغك بالمعاد، هم عاملين إيه دلوقت؟
هزت رأسها بأسى تتذكر صديقتها وما تعانيه من :تيه منذ حضرت لمنزلها
ـ مش عارفة، هند زي ما تكون تايهة
ربت على ساعدها بدعم وكلماته تمنحها المزيد :منه
ـ طبيعي تكون كدة، محتاجة فترة علشان تقدر تستوعب وضعها الجديد
هزت رأسها إيجابًا وهو فتح باب سيارتها يحثها :على الركوب
ـ يالا علشان ألحق الدكتور
وهي أطاعته متوجهة لمنزلها وقبل وصولها بدقائق كانت رسالته تصلها بموعد الطفل لدى الطبيب، دلفت ريم دون جلبة فوصلتها رائحة طعام أمها الشهي تبعتها إلى المطبخ وكما توقعت :وجدت أمها قد أعدت ما لذ وطاب من الطعام
ـ إيه ده كله يا ست الكل؟
امتد كف ريم مع كلماتها تلتقط قطعه من صدور الدجاج المشوية، ضربتها والدتها على كفها :لتتركها وهي توضح
ـ ده مش ليكِ أكلِك في الفرن
ناظرت ريم والدتها التي حملت صينية الطعام من :أمامها متوجهة للغرفة وهي تمازحها
ـ إيه المعاملة دي
وتبعتها إلى الغرفة فوجدتها تهدهد ضياء كعادتها :وتحث هند على الأكل وهي توضح
ـ حسيت إنك زهقتي من المسلوق عملتها مشوي
:ثم اتبعت بحنان أمومي
ـ شدي حيلك شوية وأنا أدوقك كل اللي نفسك فيه
:التقطت ريم كلماتها تثني على طعام والدتها
ـ الحاجة أكلها محصلش أظن باين عليَ
في إشارة مداعِبة لامتلاء جسدها قليلًا وهند :ابتسمت بحبور
ـ ربنا يخليها ليكِ
نهضت السيدة رقية وهي تحمل ضياء وتخبرهما :بتقرير
ـ هاخد حبيبي أحميه وأغيرله وآجي
وهند تعلقت عيناها بهما هل الأمومة الفطرية التي تتمتع بها تلك المرأة لم تزر أمها يومًا كباقي النساء فتدفعها لحماية صغارها مثلما يجب، انتبهت على ريم التي انتقلت إلى جوارها وهي تخبرها بموعد الصغير عند الطبيب، نكست رأسها خجلا فهي لا تملك ثمن الكشف حتى لبن الأطفال ريم من ابتاعته، إلى متى ستظل عالة عليها، :رفعت رأسها بحزن تخبر ريم بما يجول بخاطرها
ـ أنا لازم اشتغل
احتوت ريم كفيها بين يديها بدعم وابتسامتها :السعيدة لم تخف على الأخرى
ـ كده بتفكري صح؛ بس مش وقته
:استفهام عينيها وصل ريم فأكملت
ـ إنتِ لسة والدة مفيش كام يوم لما تشدي حيلك نفكر
التردد بدى واضحًا على هند التي عبرت عنه :بتردد كلماتها
...ـ بس
:منعتها ريم بحنان وهي تربت على كفيها
ـ مفيش بس؛ أنا عارفة بتفكري في إيه، ضياء ابني
اخفضت هند نظراتها وجميل صديقتها يطوق :عنقها
ـ مش عارفة هرد جميلك إزاي
:ضربت ريم كتف الأخرى بقبضة يدها وهي تمزح
ـ جميل إيه؟ أهم حاجة دلوقت صحتك وصحة ضياء
وتلك هي الحياة حين تظن أن الجميع قد تخلى .عنك تمنحك شعلة الأمل التي تكمل بها الطريق

***
دروس الحياة قاسية تلقنك تعاليمها بأسوأ طريقة ممكنة تدفعك لما لا تتوقعه وربما حولتك لآخر لا .تعرفه
بمكتبها عزمت على تنفيذ القرار الذي اتخذته دون تأخير، استدعت محمود الذي جلس أمامها غافلًا عما تريده، تنحنحت وبوجه جامد ألقت بكلماتها :تباعًا بوجهه
ـ أنا مضطرة أنهي شغلك معانا يا باشمهندس، تقدر تعدي على الحسابات تآخد مكافئتك أنا بلغتهم يحضروها
صُعق محمود لما سمعه، ابتلع لعابه فتحركت تفاحة آدم خاصته وهو يستفسر بهدوء متجاهلًا :غصته
ـ ممكن أعرف سبب القرار ده إيه؟
:تحاشت نسمة النظر لعينيه مباشرة وهي توضح
ـ ملف الصفقة كان مسئولية حضرتك والفاتورة اتبدلت وده يقول إنك مش قد المسئولية
أخفض محمود نظره قليلًا يعلم أن الأمر لا يبرئه :من الاهمال
ـ أنا عارف إن الملف كان مسئوليتي بس ده معناه إن في دخيل بينا وأنا بحاول أعرف
التوت شفتيها ببسمة جانبية ساخرة وهي تراه يدعي الإخلاص لآخر مدى قبل أن تبصق آخر ما :تعرفه بوجهه
ـ الدخيل هو حضرتك يا بشمهندس
اتسعت عيناه بصدمة حقيقية غفلت عنها وهي :تكمل
ـ الكاميرات اتقفلت نص ساعة لحد الفاتورة ما اتبدلت واشتغلت تاني
أحنت رأسها للجانب تكمل اتهامها بنظراتها قبل :كلماتها
ـ مفيش حد في الشركة غيرك يعرف بوجود الكاميرات أساسًا يبقى مين الدخيل؟
:رفع نظراته المطعونة يواجهها بألم
!ـ يعني بتتهميني بالخيانة مش مجرد إهمال
صمتت، فقد انتهت ما بجعبتها بينما هو يكمل ما :غفلته هي
ـ من تسع سنين جه زميلي يقولي إنه فتح شركة خاصة وعايزني معاه ما اترددتش لحظة وسبت شغلي
عاد بظهره يستند إلى المقعد ونظراته تسبح للأعلى يتذكر كيف بدأ مع نادر تأسيس تلك :الشركة
ـ قعدنا أكتر من تلات سنين مفيش غيرنا في الشركة إحنا السكرتارية والحسابات، المبيعات وخدمة العملا والصيانه كلها إحنا اللي بنعملها
:رفع كفيه يناظرهما بحزن
ـ الكوبايات إحنا اللي كنا بنغسلها وأرض الشركة دي بنمسحها بإيدينا
:وجه نظراته لعمق عينيها يسألها
ـ عارفة ليه؟
:لم ينتظر الإجابة وأكمل
ـ علشان الشركة مكانتش تقدر تدفع مرتب عامل
:واصل أسئلته التي لا ينتظر إجابتها
ـ تفتكري واحد زيي بعد كل ده يقدر يخون؟
:رفع سبابته يشير إلى صدره بقهر
ـ من يوم ما نادر مات تفتكري كان في كام فرصة الشركة دي ممكن تنهار فيها ولو أنا عايز كنت نهيتها ومن غير خيانة
نهض واقفًا وتعلقت عيناها بشموخه المتألم وقد :وصلتها صدق كلماته وهو يكمل
ـ معملتش ده مش بس علشان الشركة دي اتبنت على كتافي لكن علشان نادر ليه ديون كتير في رقبتي إنتِ متعرفيش عنها حاجة
ضاق صدرها حزنًا وقد أيقنت أنها كانت ضحية لتخبطها وسوء ظنها والآخر انحنى يستند بكفيه إلى مكتبها ينهي مرافعته وصوته رغم قوته :يرسل ذبذبات متألمة
ـ وعلشان الجمايل دي هقولك إني مش لوحدي اللي أعرف بوجود الكاميرات
توسعت عيناها بدهشة وعقد الحزن لسانها وهو :يشير للمتهم الحقيقي
ـ المهندس اللي ركب الكاميرات شغال معانا “بارت تايم” بييجي كل شهر يشوف الكاميرات ولو في مشكلة بنكلمه
استقام بظهره يتجه إلى خارج المكتب وهو ينهي :كلماته

ـ المكافأة أنا متنازل عنها، أتمنى إنك تكوني اتعلمتي كل حاجة الفترة اللي فاتت
وصفق الباب خلفه متجاهلًا نداءها المتألم وقد .أيقنت وقوعه فريسة لظلمها
***
عقب انصراف محمود متجاهلًا اعتذارها الواهي خزيًا مما فعلت جلست وقد احتوت رأسها بين كفيها تضرب رأسها تارة وتنزل بقبضتها على مكتبها غضبًا تارة أخرى، كيف تركت سوس الشك ينخر رأسها فترمي أكثرهم إخلاصًا بمثل تلك التهمة البشعة، كل ما قاله محمود لم يكن بالجديد عليها فهي عاشت مع زوجها تلك الأيام التي كان يصل بها الليل بالنهار من أجل تلك الشركة، تعلم أن محمود كان كتفًا بكتف معه فكيف تغفل عن كل ذلك لمجرد شك، أمسكت هاتفها الجوال تطلب أخيها فقد شُل تفكيرها تمامًا وهو لم يتأخر وكان أمامها يراجع من جديد الكاميرات ولكن تلك المرة في الرواق المؤدي لمكتبها فيظهر جليًا شخص يتسلل إلى المكتب في غفلة من الجميع وإن ارتدى قبعة تخفي وجهه عن الكاميرا التي يعلم بمكانها وفي الثانية التالية وبعد تخطي التوقيت لنصف الساعة يظهر ذات الشخص وهو يخرج من المكتب، رفع رائد نظره إلى شقيقته :يؤكد على خطأ تفكيرهما السابق
ـ كان لازم نستبعد محمود
ضمت نسمة حاجبيها بضيق من نفسها وهو يؤكد
ـ ببساطة الملف كان تحت إيده طول الوقت بشكل طبيعي مش محتاج يقفل الكاميرات علشان يبدل الفاتورة
ضربها المنطق مرة أخرى رجعت برأسها للخلف تغمض عينيها فلا تعلم كيفية اصلاح ما أفسدته بتهورها، امتدت كف رائد تحتضن كفها بدعم :مطمئن
ـ محمود ليه حق عرب عندنا بس أنا متأكد إنه مش هيكسفنا
عادت عيناها من جديد تتعلق بالأمل الذي يمنحها إياه بكلماته حينما ارتفع رنين هاتفها الداخلي لتبلغها أروى أن صديقتها ريم تريد مقابلتها الأمر الذي أبهجها فنسيت للحظات ما تعانيه وهي تستقبل صديقتها باحتضان دافئ وتجلس جوارها والأخرى ابتسمت بمداعبة لرائد الذي تعتبره كأخ :صغير
ـ كبرت يا رائد من زمان ما شفتكش
اتكأ رائد بنصف جلسة على المكتب وهو يبادلها :الدعابة
ـ بس أنت زي ما إنتِ ما بتكبريش
ضحكت ريم باستمتاع وبادلتها نسمة الضحك :وهي تسألها عن سر الزيارة
ـ ياترى إيه سر زيارة الدكتورة النهاردة
شهقت ريم فملأت صدرها بالهواء تستجمع :كلماتها
ـ موضوع مهم ما كانش ينفع في التليفون
:قطع حديثهما صوت رائد
ـ طيب استأذن أنا بقى
:نظرت له ريم بود
ـ الموضوع مش سر
:ونسمة التي لازالت بحاجة لوجوده أكدت كلماتها
ـ أنا عايزاك في مشوار بعد ما نخلص
استجاب رائد لهما يرفع سماعة الهاتف الداخلي يطلب قدحًا من القهوة ويسألهما عن طلبهما ليستقرا على عصير الليمون قبل أن يلتف يجلس :على مكتب نسمة
ـ طيب هقعد أشرب قهوتي واعتبروني مش موجود
ابتسمت كل منهما قبل أن يأخذهما حديث ريم التي قصت سريعًا على نسمة ما حدث مع هند وعن طلاق زوجها الوغد لها وحالة طفلها والأقسى موقف والدها، تغضن جبين نسمة بالحزن لما آل إليه حال صديقتها لا تستطيع استيعاب كيف لشهم مثل حسام أن يكون بذلك الظلم كما تصوره صديقتها؛ تجاهلت التفكير في ذلك الأمر فلابد من وجود حلقة مفقودة لا تعلم عنها شيئًا قبل أن :تلتفت لريم
ـ وهي عاملة إية دلوقت
:زفرت ريم أنفاسها بيأس وهي تخبرها
ـ تايهه ومحتاجة شغل علشان كده جيت لك النهاردة
:انتبهت نسمة لكلماتها قبل أن تكمل موضحة
ـ هند معندهاش خبرة في أي حاجة ومش سهل تلاقي وظيفة
ـ أنا أجلت الموضوع معاها لأنها لسة والدة وفي كل الأحوال مش هتقدر تنزل دلوقت
:استندت برأسها للخلف وهي تكمل
ـ قلت آجي أكلمك من غير ما تعرف لو تقدري تشغليها
:هزت نسمة رأسها بفهم وقد قدّرت الموقف
ـ أروى مبلغاني إن قدامها تلات شهور وتسافر لجوزها كنا هنعمل إعلان نطلب سكرتيرة جديدة
:ربتت على كف ريم تطمئنها
ـ لما تشد حيلها شوية تيجي تقعد معاها وهي تفهمها الشغل قبل ما تمشي
ابتسمت ريم بارتياح كانت تعلم أن صديقتها لن .تتأخر عن دعم الأخرى فهكذا كن سويًا وسيبقين

ارتفع رنين هاتف نسمة يعلن عن ورود اتصال فاستأذنت ريم بالانصراف، احتضنت صديقتها بحب وودعت رائد ببسمة لطيفة، فور انصرافها استقبلت نسمة اتصال حماتها بصوت حنون لتأتيها أنفاس الأخرى لاهثة؛
تحاول النطق بكلمات غير مفهومة، حاولت نسمة :استخلاص أي منها فلم تفهم سوى كلمة واحدة
ـ سامحيني
وبعدها انقطع الصوت دون انقطاع الخط
نهض رائد من مقعده على صوت صرخة شقيقته :المذعورة
ـ ماما
نهاية الفصل الثالث عشر
قراءة ممتعة


heba nada غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 13-09-20, 07:48 PM   #30

م ام زياد

مشرفة منتدى قلوب أحلام

 
الصورة الرمزية م ام زياد

? العضوٌ?ھہ » 389344
?  التسِجيلٌ » Dec 2016
? مشَارَ?اتْي » 2,332
?  نُقآطِيْ » م ام زياد has a reputation beyond reputeم ام زياد has a reputation beyond reputeم ام زياد has a reputation beyond reputeم ام زياد has a reputation beyond reputeم ام زياد has a reputation beyond reputeم ام زياد has a reputation beyond reputeم ام زياد has a reputation beyond reputeم ام زياد has a reputation beyond reputeم ام زياد has a reputation beyond reputeم ام زياد has a reputation beyond reputeم ام زياد has a reputation beyond repute
افتراضي

يادهوي يا هبه انت وزمر 🥴عليكوا قفلات
بسمه كانت مشتته ومتلغبطه عاوزه تجد الخاين وخلاص وده خلاها تجاهلت كل العلامات ايلي بتبرأ محمود
المصيبه انها ما قدرتش تستعين بصديق 😂

حسام ضايع ومحروم وفاكر نفسه هيبني لنفسه قوه وعزوه وسند وبدايتها كانت ابنه ايلي هيخليها زي ما هوه عاوز بس تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن

يادهوي يا دهوي على القفله ام نادر النادر عملت عمله سوده 🥴
يهدك يا مدحت


م ام زياد غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

الكلمات الدلالية (Tags)
رواية غصون متأرجحة

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة

الانتقال السريع


الساعة الآن 01:22 AM



Powered by vBulletin® Version 3.8.9
Copyright ©2000 - 2020, vBulletin Solutions, Inc.