آخر 10 مشاركات
معذبتي الحمراء (151) للكاتبة: Kim Lawrence *الفصل الخامس عشر* (الكاتـب : Gege86 - )           »          [تحميل]غرامك يالخفوق ذبحني هآت حضنك يحتويني،للكاتبة/ كلارينت ( Pdf ـ docx) (الكاتـب : فيتامين سي - )           »          ديمي, حب أول / للكاتب د. محمد الحضيف ، فصحى ،مكتملة (الكاتـب : لامارا - )           »          كمـا رحيـل سهيـل ، للكاتبة الرااائعه/ لولوه بنت عبدالله "مميزه" (الكاتـب : فيتامين سي - )           »          عشق من قلـب الصوارم * مميزة * (الكاتـب : عاشقةديرتها - )           »          تملكني الغرور " مكتملة " (الكاتـب : @سوسو@@ - )           »          الوصــــــيِّــــــة * مميزة ومكتملة * (الكاتـب : البارونة - )           »          صغيرتي الغالية ..."مكتملة" (الكاتـب : هند88 - )           »          حارس الرياح (13) للكاتبة: Anna Hackett .. كاملة مع الروابط (الكاتـب : nagwa_ahmed5 - )           »          بقايـ همس ـا -ج1 من سلسلة أسياد الغرام- للكاتبة المبدعة: عبير قائد (بيرو) *مكتملة* (الكاتـب : noor1984 - )


العودة   شبكة روايتي الثقافية > قسم الروايات > منتدى قصص من وحي الاعضاء > الروايات الطويلة المكتملة المنفردة ( وحي الأعضاء )

Like Tree207Likes

إضافة رد
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 29-10-20, 03:31 PM   #61

ابوجمال123

? العضوٌ?ھہ » 448513
?  التسِجيلٌ » Jul 2019
? مشَارَ?اتْي » 111
?  نُقآطِيْ » ابوجمال123 is on a distinguished road
B18


السسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
heba nada likes this.

ابوجمال123 غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 31-10-20, 10:18 PM   #62

heba nada

? العضوٌ?ھہ » 460821
?  التسِجيلٌ » Jan 2020
? مشَارَ?اتْي » 69
?  نُقآطِيْ » heba nada is on a distinguished road
افتراضي




الفصل السادس والعشرون

بين الثقة والخذلان تتأرجح القلوب

**
ـ خطيبتي زعلانة وبصالحها
نظرات رعب لمى وهي تهز رأسها نفيًا بينما نسمة تتقدم من لؤي بغضب من كذبته الساذجة منحتها الإذن بالتصرف، اقتربت من لؤي تعيد كلمته بسخرية:
ـ خطيبتك!
ـ يالا يا لمى
لم تنتظر نسمة رده، مدت كفها تسحب يد لمى التي حررها لؤي جزئيًا عندما التفت مخفضًا إحدى ذراعيه بينما الأخرى لازالت مستندة على الحائط جوار رأسها، سارت لمى معها بطاعة عندما حدجت نسمة لؤي بنظرة متوعدة والآخر يبادلها نظرة مستهترة ويرفع صوته مخاطبًا لمى حين ابتعدتا قليلًا:
ـ هستنى تليفونك يا لمى

قادت نسمة الشابة الصغيرة حتى توارتا عن أنظار الآخر ثم توقفت تواجهها بتساؤل:
ـ إيه اللي شفته ده؟
انفجرت لمى في البكاء تهز رأسها يمينًا ويسارًا وقد باتت بوضع المتهمة وكلماتها تنفي:
ـ والله يا طنط ما عملت حاجة غلط
رق قلب نسمة لبكاء الصغيرة لكن حكمة الأم تطالبها بتفسير:
ـ مين ده وإزاي يتجرأ عليكِ كدة؟
رفعت لها لمى عينين باكيتين تخبرها بإيجاز:
ـ لؤي كان صاحبي في النادي القديم
تجاوزت نسمة تعبير الصغيرة فحدسها يخبرها أن المشكلة أكبر من أن تُحل بمحاضرة تعريفية عن ضوابط الزمالة بين الجنسين وما زاد فضولها لمى التي أكملت:
ـ والله أنا عملت له بلوك من كل حاجة
ثم عادت لبكائها قهرًا تُخفي فمها بكفيها، امتدت كف نسمة تُنزل كفي الصغيرة تحثها على الثقة بها رغم بُعد المسافات:
ـ لو ما قلتيش الحقيقة مش هقدر أساعدك
رغم تشكك نظرات الصغيرة لكن كفها امتدت تُخرج هاتفها المحمول بقلة حيلة من حُشر بالزاوية فهي إن لم تُقدم تفسيرًا شافيًا الآن لمن أمامها فلا عجب إن أخبرت والدها بما رأت وحينها ستصبح هي بموقف لا تُحسد عليه، فتحت أحد برامج المحادثات وقدمت الهاتف إلى نسمة بتردد:
ـ من يومين بعتلي من أكونت تاني
التقطت نسمة الهاتف وطالعت المحادثة التي فتحتها لمى لتجحظ عيناها ذهولًا مما رأت، فلمى تجمعها بالشاب عدة صور في ما يبدو أنه بيت الأخير بعضها عادي والآخر بأوضاع مُخجلة يندى لها الجبين، مسحت لمى بعض دمعاتها الفارة وهي تكمل دفاعها عن نفسها:
ـ والله يا طنط مش أنا
وكانت تقصد من بالأوضاع المُخلة لكن الأخرى هي بالتأكيد، واصلت نسمة قراءة المحادثة فاللعين يهدد الصغيرة بنشر الصور على صفحتها الشخصية وصفحات صديقاتها وإرسالها لكل من يعرفها إن لم تستجب لطلباته ورد الفتاة يثبت براءتها فالصور التي تخصها التقطت معه بالفعل ولكن بالنادي وليس البيت أما الأخرى فهي فقط تماثلها بلون الشعر والحجم ووجهها غير واضح لكن الآخر يهدد بفضيحة ولترى من يصدقها إن دافعت عن نفسها، رفعت نسمة رأسها للصغيرة تمنحها بعض الأمان ولمى تسألها بوجل:
ـ حضرتك هتقولي لبابي؟
ربتت نسمة على كتفها مطمئنة:
ـ إنتِ اللي هتقوليله
هزت لمى رأسها نفيًا ودموعها لا زالت تتساقط قهرًا:
ـ هيزعل مني تاني
رفعت نسمة كفها تربت على وجنة لمى بدعم ورأسها تنفي هاجس الفتاة:
ـ لو ما قلتيلوش هيزعل منك
أخرجت نسمة محرمة قدمتها إلى لمى التي التقطتها تُجفف دموعها ونسمة تكمل مشجعة:
ـ لا أنا ولا إنتِ هنعرف نتصرف معاه
ولمى وإن تسرب لها بعض الاطمئنان بتصديق نسمة على براءتها لا زالت تقاوم ترددها:
ـ بس...
قاطعتها نسمة تبتر حيرتها بسؤال:
ـ إنتِ عملتي حاجة غلط
هزت لمى رأسها نفيًا بقوة لتكمل نسمة طمأنتها:
ـ يبقى متخافيش
أومأت لمى برأسها إيجابًا ونسمة اقتربت تحتوي كتفيها بحنان وتقودها حتى الطاولة وهي تملي ما يتوجب عليها فعله:
ـ هنقضي اليوم عادي وأول ما تروحي تفتحي لبابا الشات
لم تحصل سوى على إيماءة صامتة من الفتاة لتكمل برعاية أم:
ـ وأنا بالليل هتصل أطمن عليكِ
***
مر يومها ككل يوم رغم صمتها الذي لاحظه والدها ولم يُعقب، دلفا للبيت مساءً وهي بين خجلها وحيرتها، دلفت غرفتها فبدلت ملابسها وهي تقاوم التردد، ماذا إن تراجعت عن إعلام والدها حينها ستظل تحت رحمة الآخر والأكيد أن نسمة لن تصمت وستُعلم والدها بما حدث وفي تلك الحالة سيكون موقفها ضعيف أمامه، قاومت ترددها والتقطت الهاتف تسير بخطوات وجلة نحو غرفة والدها، طرقت الباب برفق فأتاها صوت فارس الحنون يمنحها الإذن، دلفت تخفض رأسها بخجل وتتقدم منه ببطء، ابتلعت لعابها وفارس يتطلع إلى تلعثمها بصبر:
ـ عايزة أقول لحضرتك على حاجة
أشار لها فارس بالاقتراب ففعلت ليُجلسها جواره على طرف الفراش ويحتوي كتفيها في ضمة مشجعة وهي أطاعت حدسها الذي أخبرها أن والدها لم يخذلها من قبل في أي موقف، قاومت خوفها وفتحت هاتفها على المحادثة المنشودة وقدمته إلى والدها دون قدرة على النطق وفارس التقط الهاتف بهدوء يطالع المحادثة التي أججت دماءه بأوردته، قبض كفه على الهاتف يعتصره بغيظ والأخرى تضغط كتف ابنته بحمائية آلمتها وبثت الرعب بنفسها قبل أن يسحب والدها رأسها يقبلها ثم يدسها فوق صدره بضمة أودعها خوفه وفرحته بآن واحد، همست لمى بين أحضانه تتأكد مما وصلها:
ـ حضرتك مش زعلان مني
أبعد فارس رأسها عن صدره قليلًا يطالع عينيها ببسمة مطمئنة:
ـ أنا فرحان بيكِ
نظرات دهشة لمى جعلته يكمل توضيحه:
ـ فرحان إنك جيتِ لي
ابتسمت لمى براحة وهي تعيد التأكيد على براءتها:
ـ أنا ما عملتش حاجة غلط
توسعت بسمة فارس بحنان وهو يعيد ابنته إلى صدره يمنحها أمانه الذي لم يبخل به يومًا:
ـ حتى لو غلطتي تيجي تقولي لي ونصلح مع بعض
أغمضت لمى عينيها براحة تنعم بدعم والدها وهمست بتساؤل يؤرقها:
ـ طيب هنعمل إيه معاه
أبعدها فارس لينهض ويربت على وجنتها مطمئنًا:
ـ ما تشغليش بالك
طالعته لمى وهو يعيد ارتداء ملابسه مرة أخرى تسأله بدهشة:
ـ حضرتك هتنزل تاني؟

التقط فارس هاتفه وهاتف ابنته يدسهما بجيبه وهو يوضح:
ـ هاخد موبايلك لحد الصبح
اقترب منها يربت على عضديها ويقبل رأسها مرة أخرى:
ـ نامي ولو احتاجتي حاجة كلميني من الأرضي
وانصرف نحو مهمته الواجبة فالوغد منحه طرف الحبل الذي سيحيط به عنقه دون جهد يُذكر.
***
أنهت يومها الطويل وعادت بصحبة طفليها إلى بيتها، دلف الطفلين يستعدان للنوم بينما السيدة زينب استقبلت نسمة بحديث كانت تتوقعه الأخرى:
ـ إنتِ موافقة على اللي أخوكِ عايز يعمله؟
زفرت نسمة يأسًا من إصرار والدتها وأجابت:
ـ وموافقش ليه؟
ضاقت السيدة زينب ذرعًا بهما وقد فقدت قدرتها على تحمل تمردهما فأضافت باستنكار:
ـ موافقة إن أخوكِ الصغير يتجوز واحدة قدك!
جلست نسمة على الأريكة بتعب تعيد ترتيب كلمات والدتها:
ـ موافقة إنه يتجوز الإنسانة اللي اختارها
همت السيدة زينب بالاعتراض فقاطعتها نسمة مؤكدة:
ـ رائد مش صغير وعارف مصلحته كويس
ونهضت تتجه إلى غرفتها باترة ما تبقى من حديث فوالدتها لن تكُف حتى ينصاع شقيقها لإرادتها وهو ما تراه مستحيلًا.
دلفت غرفتها تمنح نفسها حمامًا دافئًا علّها تستطيع الاستغناء عن أقراص المنوم التي لجأت إليها منذ فترة ليست بالوجيزة بعد ما فشلت لأيام في الحصول على قسط من النوم رغم ما تبذله من جهد طوال يومها، طالما عمدت إلى شغل وقتها بالعمل ومسئوليات طفليها حتى تتمكن من مقاومة الاشتياق للمساته الذي يصحبها كلما دلفت غرفتها ويسلبها سلامها، ارتدت ثيابها واستلقت على الفراش الخاوي منه تستدعي راحة باتت عسيرة عليها، حاولت استدعاء النوم ففشلت ككل يوم التفتت تواجه الفراغ والوحدة تطبق على صدرها تمتص رحيق شبابها، نهضت وقد غص قلبها بالحاجة إليه، فتحت نافذة غرفتها تطالع حلكة السماء تملأ رئتيها بنسمات الساعات الأولى للصباح، تذكرت تلك المراهقة التي سقطت في براثن كلبٍ ضال فالتقطت هاتفها تطلب رقم الصغيرة بعدما تجاوزت ترددها مدفوعة بقلقها عليها، سمعت صوت الرنين حتى فوجئت بصوت فارس يجيب الاتصال فهمست باسمه ذهولًا وهو اندهش من كونها تطلب ابنته في ساعة كتلك حتى عاجلته هي بسؤال قلِق:
ـ لمى كويسة؟
طمأنها فارس وعبّر عن دهشته لتوضح هي سبب الاتصال بسؤال مبهم:
ـ هي قالت لك؟
أتاها صوته مؤكدًا ولم يخفِ سعادته من كونها تهتم لأمر ابنته:
ـ إنتِ عرفتي؟
وهي أكدت كونها علمت مصادفة وسألت باهتمام لا تدعيه:
ـ هتعمل إيه؟
عندها ظهر غضبه المكبوت جليًا بصوته وهو يؤكد بصرامة:
ـ اعتبري الموضوع خلص
ودعته وقد اطمأنت أن الصغيرة قد استجابت لنصحها، عادت للفراش تلتقط قرص الدواء وتبتلعه لتغط بعد دقائق في نوم إجباري سيطرت فيه حاجتها على أحلامها تعود بها إلى أحد لياليها مع زوجها يدللها ويروي عطش أنوثتها بلمساته المحبة يرتفع بها فوق سماء العشق وإن توارت ملامحه، شهقت تُفرج عينيها تنهت بانفعال مما عاشته وكاد أن يكون حقيقيًا وجسدها يتصبب عرقًا، نهضت تبتلع بعض الماء في محاولة للسيطرة على لهاثها ودلفت دورة المياه تغمر جسدها بالماء مرة أخرى وقد علمت أنها لن يُغمض لها جفن ثانية تلك الليلة وربما لليال أخرى لا تستطيع عدها.
***
خلال طريقه كان قد أجرى اتصالاته بأحد زملائه بإدارة مكافحة الجرائم الالكترونية الذي أكد عليه الحفاظ على الاتصال مع ذلك الوغد حتى يتمكن من إثبات التهمة عليه وهو ما كان يدركه فارس جيدًا عندما وصلت رسالته الجديدة هاتف لمى يلومها على تأخر ردها ليبادله فارس الحديث وكأنه هي يطمئنه بالاستجابة لطلباته والآخر ابتلع الطعم جيدًا يطلب من الصغيرة فتح كاميرا الهاتف فاعتذر فارس نيابة عنها كون "بابي" جوارها ولن تستطيع الآن، دقائق وكان الهاتف بيد زملائه يتتبعون مرسل التهديدات، قضى فارس الليل بمكتب مباحث الإنترنت وقد تابع سير المحضر الذي حرره نيابة عن ابنته القاصر حتى صدور إذن النيابة صباحًا بضبط وإحضار المدعو لؤي موافي الذي تفاجأ بقوة تطرق باب بيته وسط شهقات والدته التي رأتهم يسحبون ابنها من فوق فراشه الوثير ويقتادونه مكبلًا حتى عربة الشرطة بضع من ساعة وكان أحد الجنود يزج به أسفل قدمي فارس المُنتظر على أحر من جمر يجلس بنصف جلسة أعلى المكتب وأحد قدميه مرتكزة على الأرض يضم كفيه وشرارات توعده تحرق من دُفع ليسقط أمامه، أشار فارس للجندي فساعد لؤي على النهوض ومن ثم فك وثاقه عندها أنزل فارس قدمه الأخرى عن المكتب وتقدم منه ببطء وما إن واجهه حتى عاجله بلكمة بفكه من يمناه بينما يسراه تمسك بقبة قميصه تمنعه السقوط لتُكيل يمناه المزيد من اللكمات أتبعها بعدة صفعات على مؤخرة عنقه ألقت بلؤي أرضًا كخرقة بالية وفارس يكيل له السباب ويتبعه بركلات ببطنه وظهره عندها تقدم أحد الضباط يحيط جسده بذراعيه يبعده عن لؤي المنكفئ أرضًا وهو يصرخ به:
ـ كفاية يا فارس باشا
حاول فارس التملص من ذراعي زميله وقد فقد السيطرة على أفعاله تمامًا يصرخ بلهاث:
ـ الكلب بيلعب ببنتي
أحكم الضابط ذراعيه حوله وأشار لجنديين بأخذ لؤي الذي لم يقو على النهوض معهما فسحباه من ذراعيه بينما قدماه تسير خطوة وتتعثر أخريات وعندما اختفى خارج المكتب حرر الضابط فارس وهو يعتذر عن تصرفه دون مراعاه لفارق الرتبة بينهما:
ـ آسف يا باشا بس كنت هتودي نفسك في داهية
اعتدل فارس وألقى بجسده فوق أحد المقاعد يلهث:
ـ كنت سيبني أخلص عليه
تقدم الضابط يُحضر زجاجة مياه ويمنحها لفارس وهو يضيف:
ـ ده عيل ولا يسوى توسخ إيدك بيه
التقط فارس الزجاجة يتجرع منها في محاولة لاستعادة رباطة جأشه والآخر اتخذ مقعده خلف مكتبه يطمئنه:
ـ هياخد جزاؤه يا باشا وهرميهولك في الحجز كام يوم لحد ما اللي في وشه يخف
التفت له فارس ولازال صدره يعلو ويهبط انفعالًا وهو يؤكد:
ـ ما المحامي بتاعه لو شافه كده ما هيصدق ويوجع دماغنا
أومأ فارس برأسه إيجابًا وهو ينهض يصافح زميله:
ـ هتابع معاك
والآخر بادله المصافحة يؤكد له ما تم من إجراءات لن يُفلت منها الوغد:
ـ اطمن مش هيخرج منها
زفر فارس براحة وانصرف عائدًا إلى منزله بعد ليلة عصيبة وصل بيته ظهرًا فاستقبلته لمى قلقة من غيابه فلم تتوقع قضاءه الليل كاملًا وجزء من النهار بالخارج:
ـ اتأخرت يا بابي
ربت على كتفها وأخرج هاتفها يعيده إليها مرة أخرى ويطبع قبله على رأسها:
ـ مش هيضايقك تاني
وهي تبعته حتى غرفته تطالع ارهاقه البادي للعيان وهو يُفكك أزرار قميصه ويخلع حذاءه ويتخلص من حزام بنطاله ملقيًا بجسده فوق الفراش دون قدرة على تبديل ملابسه، تقدمت لمى فخلعت عنه جوربه وسألت باهتمام:
ـ أساعد حضرتك؟
هز فارس رأسه نفيًا:
ـ عايز أنام بس
أومأت لمى برأسها إيجابًا وامتدت كفها إلى جهاز التحكم بمكيف الهواء تفتحه وتنصرف مغلقة باب الغرفة.
***
صباح يوم جديد كانت خلف مكتبها ككل يوم وقد بدد رفضها بالأمس يمنحها فرصة جديدة لوضع ثقتها به وإن خذلها الجميع، دلف مكتبها يمنحها بعض ملفات العمل ونظرته تمنحها الأمان، جلس على غير عادته يطالعها بينما تقوم بإدخال البيانات على الحاسب الآلي، ارتباكها وهروب عينيها من ملاقاة عينيه بات يأسره، صفاء ملامحها وإن شابها الحزن والقلق يدغدغ حواسه همس باسمها:
ـ هند
كانت تحاول تجاهل وجوده الذي بات يربكها لكن همسته أعادت أسرها مرة أخرى، رفعت نظرها عن الحاسب استجابة له وهو يسأل بلين بات يخصها هي فقط:
ـ هسمع ردك إمتى؟
أخفضت هند نظراتها خجلًا دون رد ومحمود استغل الفرصة ليضيف:
ـ أنا ممكن اعتبر السكوت علامة الرضا
ومن قال أنها غير راضية، هي تتأرجح بين صوت ينادي بالرضا وقبول رسائل أمانه وآخر خائف يتمسك بثباتٍ واهٍ تحياه، رفعت عينيها له بتردد لا تستطيع نُصرة أحد الصوتين على الآخر وهو نصر أحدهما:
ـ هنحدد كتب الكتاب إمتى؟
جحظت عيناها دهشة من مفاجأته وهو ضحك ملئ شدقيه لدهشتها وتحدث من بين ضحكاته:
ـ ما هو أنا مليش في الخطوبة والحوارات دي
أشار بسبابته إليها موضحًا:
ـ زي ما قلتلك هننزل نشتري أوضة نوم والشقة تقريبا اتوضبت اخواتي عاملين ورادي عليها
عاد بظهره يستند إلى مقعده وهي غرقت بضحكاته والراحة التي يمنحها لها حديثه وهو يضيف بفكاهة:
ـ واضح إنهم ما صدقوا يخلصوا مني
لاحظ صمتها وإن بدى الارتياح على وجهها وعلامات قبول حديثه لا ينكرها عاقل استند بساعده لطرف المكتب يميل ناحيتها قليلًا:
ـ اتكلمي يا هند سامعك
وهي تلعثمت الحروف بين شفتيها لا تدري ما يتوجب عليها قوله فهمست بهاجس يطاردها:
ـ خايفة
وهو ابتسم بحنان يبدد خوفها بالثقة التي تمنحها لها نظراته وتصلها واضحة:
ـ ما تخافيش
هزة رأس مترددة منحته موافقتها فنهض ينقر على المكتب بسبابته ويضيف بسعاده:
ـ هنتفق على معاد علشان تتعرفي على إخواتي
انحنى قليلًا للأمام وهي تعلقت عيناها به وهو يهمس:
ـ وبالمرة نشتري الدبل
وتركها وانصرف ولا زال الصوتين داخلها يتصارعان أحدهما يرقص فرحًا بين ضلوعها والآخر متوجس خوفًا من القادم.
***
وما نيل المطالب بالتمني
ولكن تؤخذ الدنيا غلابا
أحمد شوفي
وهو قرر نيل مطلبه غلابًا، ظل يحادثها صباح مساء وفي كل مرة يُصر على سماع موافقتها التي ضنت بها عليه عدة مرات ومنحتها له أخيرًا لينهي مكالمتها دون سلام ويطلب رقم السيد رفعت محددًا موعد زيارته الرسمية لهم وقد كان له ما أراد، حضر لبيتهم بصحبة شقيقته وطفليها والسيدة زينب التي حضرت مضطرة رغم عدم رضاها لكن ما كان لها أن تفقد ولدها الوحيد بسبب زيجة تُعوِل على فشلها وكان في استقبالهم السيد رفعت والسيدة رقية وكعادة رائد أضفى على الجلسة التي جمعت ريم وهند بعض المرح وإن شابه بعض الجدية:
ـ دلوقت أنا جاي أقرا الفاتحة وأحدد معاد الفرح
ضحك السيد رفعت:
ـ ده إنت مستعجل بقى يا عريس
حل رائد زر حلته الوحيد وتقدم للأمام قليلًا يوضح:
ـ الشقة جاهزة على الديكورات النهائية والفرش وده مش هياخد كام شهر يبقى نستنى ليه
أومأ السيد رفعت برأسه إيجابًا وحدج ابنته بنظرة جانبية ملاحظًا سعادتها البادية:
ـ طيب مش نسأل العروسة يمكن عايزة تعرفك أكتر
منح رائد ريم الصامتة غمزة عابثة لم تخف على الموجودين وهو يضيف بمرح:
ـ سيبلي العروسة يا عمي أنا هقنعها
ضرب السيد رفعت كفًا بكف ينهره بلطف:
ـ إيه سيبلي العروسة دي يا ولد
استعاد رائد بعض جديته وهو يناظر السيد رفعت باحترام مُستحق:
ـ قصدي يعني بعد الخطوبة هقنعها نعجل بالفرح
شبك كفيه يحاول التخلي عن دعابته:
ـ طب نقول الخطوبة الخميس الجاي؟
تقدم السيد رفعت يستند بساعده إلى ركبته ويشير إلى رائد بكفه يسأله:
ـ إنت يا ابني حد بيجري وراك؟
هم رائد بالاعتراض فالتقطت نسمة طرف الحديث:
ـ أسبوع قليل قوي يا رائد
التفت رائد إلى شقيقته مستفسرًا باستنكار:
ـ قليل على إيه دي خطوبة بس
رفعت نسمه كفيها تعد على أصابعها:
ـ لسة نشتري الشبكة ونفصل فساتين للعروسة ولينا
ضرب رائد كفًا بكف فتلك تفاصيل نسائية لا تهم في شيء ولا داعي لتأجيل خطبته بسببها لكنه رضخ فبالنهاية تلك النسوة هن الأحب إلى قلبه:
ـ يبقى أسبوعين واشتروا فساتين جاهزة
هز السيد رفعت رأسه بتفهم وأضاف بسعادة:
ـ على خيرة الله الخميس بعد الجاي تكون خطوبة ريم وكتب كتاب هند
وهنا انطلقت زغرودة السيدة رقية تصدح في المنزل معلنة قرب إقامة الأفراح به.




الفصل السابع والعشرون

ما أسعد البدايات حين يفاجئنا بها القدر

***
بعض البدايات مبهرة وأخرى أضواءها خافتة، وبدايتها يشوبها الخوف من غدٍ لا تعلم ما يدخره لها قدرها فيه لكن صوت داخلها يدفعها للحلم، للتصديق والثقة في من عرفته لأشهر ومد لها يديه يمنحها الأمان وها هو يبسط طريق الثقة بينهما عندما فاجأها بطلبه من نسمة مرافقتها في لقائها مع شقيقاته؛ هل وصلته وحدتها فحاول تخفيفها أم هي مراعاته للشكل الاجتماعي فقط بغياب أي من أهلها عن الصورة، أي كان سببه فهي شاكرة له صنيعه فوجود صديقتها خفف من حدة توترها وسط شقيقاته اللائي تراهن للمرة الأولى؛ أكبرهن تقاربه سنًا وعلاقة صداقة بينهما واضحة للعيان ورعايتها التي تحيط بها الجميع تضعها بمرتبة أم، الوسطى تكبر هند بقليل وهدوءها يضفي عليها وقارًا لا تدعيه أما أصغرهن فهي مدللة الجميع عامة وهو خاصة تحدجه بنظرات ابنة أكدتها كلماتها وهي تحاول تخفيف خجل هند الصامتة:
ـ حودة ده يبقى بابا مش أخويا
ابتسمت هند بود لغِنى ورفعت نظرها إلى محمود الذى لام الأخرى بنظراته على نطق لفظ تدليله أمام الجميع لتهمس هند:
ـ ربنا يخليه ليكِ
اقتربت حلا من هند تربت على كتفها:
ـ ويخليه ليكِ إنتِ كمان
وجهت نظرها نحو زجاج العرض تحثها على الاختيار من بين الحلقات الذهبية:
ـ يالا يا عروسة نقي اللي يعجبك
تدخلت نسمة بروح أخت وهي تطلب من البائع الحلقات الذهبية وتناول أحداها لهند حتى استقرت على اختيار واحدة بعدها طلب محمود من البائع بعض الخواتم والأساور الذهبية لتقوم هند بالاختيار من بينها في النهاية وجه محمود كلماته للبائع:
ـ خلاص كدة شوف الحساب كام
لتبادر هنا بالتدخل تسأل البائع:
ـ هي الأسورة دي ليها سلسلة
أجاب البائع هنا متناولًا السلسلة المطلوبة ليعرضها عليها بينما محمود سحب حلا من ذراعها يهمس لها بعيدًا عنهم:
ـ إيه اللي أختك بتعمله ده إنتِ عارفة إن الفلوس مش هتكفي
ربتت حلا على كفه الممسكة بعضدها تهدئه بابتسامه:
ـ دي هديتنا لعروستك
وتركته وعادت لهن وقد انتهى البائع من كتابة الفاتورة لتقوم حلا بمنحه النقود التي كان محمود يحتفظ بها معها إضافة لما أضفنه كهدية.
عقب انتهائهم دعا محمود الجميع لتناول العشاء بأحد المطاعم في جلسه سادها الترحاب من جانب محمود وشقيقاته وصمت متوجس من جانب هند فيما هي مقبلة عليه، ابتسمت هنا توجه حديثها إلى هند في محاولة لكسر الصمت ولم تستطع إخفاء علامات الاستفهام التي تدور بخلدها:
ـ أمال فين والدتك يا هند؟
ضمت هند كفها أمام فمها تتنحنح في محاولة للسيطرة على ارتباكها وإيجاد إجابة بينما نسمة مدت كفها تمسك بركبة هند من أسفل الطاولة تطمئنها دون أن يلحظها أحد وتجيب نيابة عنها:
ـ والد هند تعبان وطنط ما قدرتش تسيبه
تنفست هند الصعداء عندما هزت هنا رأسها دون اقتناع، مدت كفها تعدل من وضع حجابها وتضيف:
ـ إن شاء الله هتحضر كتب الكتاب
وهو ما عزمت عليه مضطرة لحفظ ماء وجهها أمامهن ،بضع من ساعة وأعلنت هند عن رغبتها في الانصراف ووافقتها نسمة لتغادرا مع وعد من حلا بمقابلة أخرى مع هند لشراء ثوب العرس الذي رغبت هند برفضه في البداية لكنها رضخت بالأخير لرغبة حلا، عقب انصرافهما التفتت نسمة بسعادة إلى صديقتها تسألها:
ـ إيه رأيك في اخواته؟
شردت هند أمامها تجاهد خوفها الذي يدعوها للفِرار متمسكة بخيطٍ واهٍ من الأمل داخلها وهمست بحيرة:
ـ تفتكري هيقبلوني بينهم
أومأت نسمة برأسها إيجابًا وهي تتخذ مقعد القيادة وصوتها يطمئن هند التي استقلت السيارة جوارها:
ـ أنا شيفاهم فرحانين
ألقت هند برأسها على ظهر المقعد تطالع الطريق من خلال النافذة وصورته وسط شقيقاته تداعب خيالها؛ تلك الأسرة التي إن بحثت عن وصف لها فسيكون الدفء هو العنوان وهي طالما حلمت بمثلها بحنان أخ ورعاية أب مثل ما رأته منه بين شقيقاته والآن يمنحها قدرها الفرصة لتكون فردًا منها فهل سيحدث هذا أم ستظل طوال عمرها هي الدخيلة التي لا تمتلك أي حق بتقرير حياتها.
أخرجها من شرودها صوت نسمة وقد صفّت السيارة أسفل منزل عائلة ريم:
ـ بلغي الدكتورة اللي فوق بالميعاد علشان نشوف فساتينا إحنا كمان
هزت هند رأسها بابتسامة وهي تودع صديقتها التي انطلقت بسيارتها عائدة إلى بيتها، دلفت للمنزل وقد نال منها الارهاق مبلغه، استندت بظهرها إلى الباب تحل حجاب رأسها لتجذب كف نور ملابسها فتخفض نظرها للصغير الذي سألها بتأنيب:
ـ جبتي الطيارة اللي بتطير؟
هزت نسمة رأسها نفيًا تربت على رأس الصغير معتذرة:
ـ حاضر هجيبهالك
وتركته متجهة حيث غرفتها لتقابل نادين بالردهة والصغيرة تعلن عن طلبها:
ـ عايزة فستان جديد لخطوبة رائد
أومأت نسمة برأسها إيجابًا وهمست بإرهاق:
ـ حاضر
قبل أن تدلف غرفتها أتاها صوت والدتها يناديها فتوقفت لتتبع السيدة زينب:
ـ حماتك كلمت الولاد النهاردة وعايزة تشوفهم
شهقت نسمة فملأت صدرها بالهواء في محاولة لاستدعاء بعض الهدوء قبل أن تنطق بقلة حيلة:
ـ حاضر
ثم دلفت غرفتها هروبًا تغلقها خلفها تلقي برأسها إلى الباب المغلق مغمضة عينيها بتعب، هذا الدور الذي لعبته مجبرة وأكملت طريقها به اختيارًا يستنزف المتبقي منها رويدًا رويدًا ويحولها رغمًا عنها إلى أخرى لم ترغبها يومًا.
***
مرت الأيام واليوم الذي انتظرنه طويلًا حل بعدما أنهى شقيقهن عزوفه عن الزواج، وضعن اللمسات النهائية على منزل العائلة الذي بات عش الزوجية لشقيقهن ثم استعدين جميعًا بملابس السهرة وساعدن محمود في ارتداء حلته، التقطت حلا زجاجة العطر الرجالي ونثرتها على سترة محمود السوداء بينما هنا أزاحتها تُعدل من وضع رباط عنقه وتسأل بحيرة:
ـ هو كتب الكتاب في بيت مين يا أبيه؟
جاهد محمود حتى يخفي ارتباكه وهو يثبت نظره على رباط عنقه الذي أنهت هنا تعديله وأجاب بصوت حيادي:
ـ ناس قرايب هند وخطوبة بنتهم معانا
أزاحت غِنى شقيقتها لتلقي برأسها فوق صدر أخيها تدفن وجهها به وهو احتواها بحنان أب حين أعربت عن غيرتها التي تحاول التغلب عليها:
ـ هو أنا قلت مش هبقى عمتو الحرباية قوي يعني؟
ضحك الجميع منها وربت محمود على ظهرها يدرك ما تعانيه فطفلته الأولى لم تعرف أبًا غيره منذ كانت بالتاسعة، طالعت حلا هاتفها الذي يعلن عن اتصال زوجها لترفع صوتها تحث الجميع على التحرك:
ـ يالا كلهم مستنيين تحت
ببيت ريم ارتفعت أغاني العرس مع خيوط النور التي زينت البناية، باقات الزهور التي انتشرت بأرجاء البيت مع حضور صديقات ريم التي تولت تعريفهما بعائلتها:
ـ ولاء وهدير زمايلي في الجامعة
رحبت السيدة رقية بالفتاتين مع إطلاق أحد زغاريدها السعيدة التي لم تتوقف طوال اليوم وتركتهن ترافقن ريم حتى غرفتها، تولت ولاء مهمة تزيين هند لفت حجابها الأبيض وأحاطت جبينها بطوق من الزهور البيضاء ليحتضن رأسها برقة بينما هدير كانت مهمتها تزيين شعر ريم بدبابيس على شكل ماسات فضية رفعت خصلاتها من الجانب الأيمن بينما انسدل باقي الشعر على كتفها وجانب وجهها الأيسر، أنهت الفتاتان لمساتهما الساحرة ثم بدأتا في التقاط الصور لريم وهند ورفعها على مواقع التواصل الاجتماعي مع عبارات الحب والمباركة، ارتفعت مرة أخرى زغاريد السيدة رقية لتنطلق ولاء تنظر من شِق الباب وتعلن:
ـ العرسان وصلوا
لاحظت دخول رائد برفقة والدته و نسمة وأبنائها، وضعت كفها على وجنتها وعيناها تهيم عشقًا هامسة:
ـ يا بختك يا ريم
أزاحتها ريم تضربها بكتفها وتقف مكانها تطالع هيئته الساحرة بحلته السوداء ورباط عنقه بلون النبيذ كما طلبت منه ليطابق لون ثوبها، قمحيته المحببة وعظام وجنتيه التي تبرز عندما يكز على أسنانه في انفعال لاحظت تكراره مرارًا عندما يكبح غضبه، حاجبيه الكثان الذين يضيقا وينفرجا تبعًا لتأثره وخصلاته السوداء الحالكة التي تضفي عليه جاذبية رجولية باتت تداعب خيالها ولأول مرة تلحظ تقارب الشبه الكبير بينهما الذي تعدى الصفات المشتركة، بعدما مر لاحظت حضور محمود وسط شقيقاته وعائلاتهن لتعلن موجهة حديثها لهند:
ـ محمود واخواته وصلوا
زاحمت هدير ريم تتطلع من شق الباب، ضمت كفيها أمام صدرها وهمست بهيام:
ـ إيه الدقن دي
أخفضت هند نظرها أرضًا بابتسامة خجلة تعلم مدى جاذبية زوجها المستقبلي ثم رفعتها على صوت هدير الذي انطلق بذهول تسأل باهتمام:
ـ مين القمر اللي هل علينا ده
زاحمتها ولاء مرة أخرى تطالع فارس بطوله الفارع وحلته الرمادية التي علت قميصه الأبيض دون رباط عنق ونطقت بهيام:
ـ عريس يا بوي
ألقت ريم نظرة على من تتحدث عنه الفتاتان ووضحت:
ـ ده فارس قريب رائد
ومدت كفها تغلق الباب بوجههما وتتخصر تطالع ولاء بدعابة:
ـ للأسف محجوز
ادعت ولاء الامتعاض بينما هدير طالعت طلاء أظافرها دون اهتمام معلنة اكتفائها بخاطبها:
ـ حسام برقبتهم
على ذكر الاسم انتفضت هند لتضرب ريم جبهتها توضع ما حدث من التباس:
ـ خطيب هدير اسمه حسام
هزت هند رأسها بابتسامة متفهمة لترتفع طرقات خافته على باب الغرفة لتفتح ريم تواجه والدتها:
ـ أخو هند برة ومامتها عايزة تشوفها
هزت ريم رأسها إيجابًا وأفسحت الطريق للسيدة فتحية حتى تمر لتواجه هند الجالسة، اقتربت السيدة من ابنتها ببطء وتوقفت أمامها تفرك كفيها ببعضهما وتهمس:
ـ سامحيني يا بنتي
تعترف داخلها بما عانته ابنتها دون ذنب ولا تدري ما السبيل أمامها لتخفيف معاناتها غير اعتذار لن يجدي، رفعت هند نظرها إلى والدتها التي تعلم ما تكبدته طوال عمرها من شقاء مع من يُدعى والدها ربما لم تجد الفرصة للهرب مثلما وجدتها هي والأكيد أنها إن لم يلفظها زوجها السابق خارج عالمه لظلت حبيسته للباقي من عمرها، همست تحاول التخفيف من إحساس والدتها بالذنب:
ـ ربنا يسامحنا كلنا
انحنت السيدة فتحية تمسك بكتفي ابنتها وتطبع قبلة أعلى رأسها معربة عن سعادتها:
ـ إنتِ زي القمر
عندها دلفت السيدة رقية وهي مستمرة بإطلاق الزغاريد معلنة بسعادة:
ـ يالا يا بنات المأذون وصل
نهضت هند تقف لتعدل من وضع حرملة ثوبها التي تحتضن أعلى جسدها تغطي الظهر والصدر وتحوي أكمام تخفي عري الثوب الذي يحتضن جسدها من الصدر وينسدل ملاصقًا له مزينًا بالدانتيل الأبيض حتى الخصر ليظهر من أسفله قماش الشيفون الذي ينسدل من الخصر يحتضن ردفيها ويضيق ليتسع أعلى الركبتين بقليل في دوران طفيف بينما الحرملة تحيط كتفيها بوردات من الدانتيل وتتسع من أسفلها لتغطي ظهر الثوب بالكامل وتمتد قليلًا خلفه تضفي عليه مزيدًا من الرقة، تقدمت هند بخجل تخرج بين الحضور حتى جاورت محمود الذي ابتسم لرؤيتها بتلك الهيئة الملائكية تبعتها ريم التي ارتدت ثوب بلون النبيذ الذي حوى صدر وظهر من الشيفون يعكس قمحية بشرتها أسفله وتمتد ثلاثة شرائط مطرزة من الرقبة حتى الصدر وبداية الأكمام لينسدل الثوب يحتضن جسدها في رقي وينشق بداية من ركبتيها ليسمح بالحركة مظهرًا ساقها الممتلئة قليلًا وحذاءها ذو الكعب المرتفع بلون الثوب، من الوسط كان ينسدل خلف الثوب ذيل بذات اللون يخفي ضيقه عند الأرداف ويطول قليلًا عنه مضفيًا مزيدًا من الرقي والوقار لصاحبته، تقدمت ريم لتجلس جوار رائد الذي اختطف الثوب وصاحبته نظره جلست لتُظهر فتحة ثوبها أسفل ساقيها بسخاء، ثبّت رائد عينيه على فتحة الثوب عاقدًا حاجبيه الكثين دون كلمة حيث بدأ المأذون بطلب بطاقات الشهود وهو كان أحدهما بينما السيد رفعت هو الشاهد الآخر على عقد قران محمود وهند التي تولى شقيقها الولاية عنها، انتهى المأذون من عمله مع ارتفاع زغاريد السيدة رقية التي احتضنت هند بمباركة أم، عقب تلقي هند للمباركات من ريم ونسمة وباقي الحضور ارتفع صوت المأذون:
ـ العقد التاني يا جماعة
وهنا جلس السيد رفعت يمين المأذون ورائد يساره وسط دهشة جميع الحضور، حدج رائد ريم بنظرة عابثة ووالدها يمنح المأذون بطاقته وبطاقتها معًا بينما رائد يوجه حديثه إلى فارس ومحمود شهود عقده:
ـ ممكن تسألوا العروسة إذا كانت موافقة ولا لأ
توجه كلٌ من فارس ومحمود إلى ريم الذاهلة وهي فاغرة فاهها تُثبت نظرها على رائد المستمتع بمفاجأته، حانت منها نظرة تردد نحو والدها الذي أغمض عينيه يهز رأسه مطمئنًا فلو لم يكن يثق برائد ما وافقه على مفاجأة كتلك ولكنه يعلم رغبة ابنته به زوجًا ويعفيها عناء الخوف، جذب انتباهها صوت فارس يسأل:
ـ موافقة يا عروسة
وجهت نظرها إلى فارس ولا تزال على ذهولها ليكرر فارس سؤاله وهو يخفي ابتسامته فمن بين الحضور كان أحد العالمين بالسر مع والدها والمأذون فقط بينما ريم أخفضت نظرها خجلًا عندما لاحظت أنها أطالت النظر إلى فارس وهزت رأسها إيجابًا ليتبع محمود بالسؤال التالي:
ـ وكلتي مين؟
همست ريم من بين خجلها:
ـ بابا
ليعودا للمأذون الذي باشر عقد القران بينما نسمة جلست جوار ريم تحتضنها بمباركة والأخرى تسألها بلوم:
ـ كنتِ عارفة؟
هزت نسمة رأسها نفيًا تؤكد على مفاجأتها:
ـ كانت أحلى مفاجأة
ثم نهضت تخلي المقعد لشقيقها وتعود لمقعدها وهي تلاحظ نظرات والدتها غير الراضية عن مفاجأة شقيقها، اقتربت لمى بثوبها المبهج تجاور نسمة وتناديها:
ـ طنط نسمة
التفتت نسمة للشابة الصغيرة مبتسمة لتتبع لمى:
ـ شكرًا
احتوت نسمة كتفيها بحنان أم وهي تمنح الصغيرة ثقتها:
ـ أنا ما عملتش حاجة إنتِ اتصرفتي صح لما قلتي لبابا
هزت لمى رأسها إيجابًا بينما نسمة تضيف:
ـ ولو حبيتي تتكلمي معايا أي وقت أنا موجودة
من بعيد كان فارس يلاحظهما ولا يستطيع غير رؤية أم وابنتها، تلك التي كان من المفترض أن تكون أم أبنائه تأتي اليوم لتمنح ابنته ما فشلت أمها البيولوجية في منحه لها وهي التفتت لتصطدم بعينيه المتأملة وقد أخجلها تطلعه بها الذي لم يتوانَ عن إظهاره للجميع وهي تعترف بفشلها في ردعه وقد بات يعتبر قربها حقًا أصيلًا له، نحّت نظرها عنه تواري خجلها وتلتفت إلى شقيقها الذي عاد جوار زوجته ووقف كلاهما يتلقيان المباركات بعقد قرانهما، جلسا لتعود فتحة الثوب التي أرّقته إلى إظهار ساقيّ زوجته بسخاء، مال للجانب يهمس بأذن ريم:
ـ مفيش فتحات من دي تاني هتتلبس
رفعت ريم أحد حاجبيها بتحدٍ متلاعب وهمت بالنطق ليمنعها رائد بإشارة:
ـ إنتِ دلوقت المدام
لم تستطع ريم الصمت أكثر، حاولت خفض صوتها قدر الإمكان حتى لا يصل لغيره وأكملت تحديها:
ـ يعني إيه بقى يا أستاذ
مط رائد شفتيه بقلة صبر، مد كفه يلتقط كفها وينهض لتنهض معه بالتبعية وتسير خلفه عندما توجه إلى والدها يستأذنه باحترام:
ـ بعد إذن حضرتك عازم المدام على العشا
ابتسم السيد رفعت يرفع ذراعه ويمنحه إذنه:
ـ اتفضل يا سيدي محدش هيعرف يتكلم معاك بعد كدة
صافح رائد محمود وفارس وانطلق بخطوات سريعة متجاهلًا باقي الحضور وريم خلفه تحاول اللحاق بخطواته بينما حذاءها وضيق الثوب يعيقان حركتها لتعلن عقب خروجهما من باب البيت ورائد لا زال متمسكًا بكفها:
ـ بالراحة مش عارفة أمشي
التفت رائد يمر بعينيه على ثوبها من أعلى لأسفل، كز على أسنانه فبرزت عظمتي وجنتيه ثم زفر بضيق:
ـ ماشي هعديها النهاردة
وأكمل طريقه وقد أبطأ خطواته قليلًا حتى فتح لها باب سيارته لتركب ويتخذ هو مقعد السائق ينطلق في شوارع القاهرة، بينما ريم تعلن اعتراضها:
ـ هو احنا هنبدأ تحكمات من أولها
حدجها رائد بنظرة جانبيه ثم أكمل النظر للطريق بصمت وهي تكمل بتأنيب:
ـ ثم إزاي تاخد قرار زي كتب الكتاب من غير موافقتي
رفع رائد أحد حاجبيه بتعجب يجيبها بعبث:
ـ ما إنتِ مضيتي وبصمتي كمان
رفعت ريم أنفها باعتراض واهٍ:
ـ حضرتك أحرجتني قدام الناس
عقدت ذراعيها أمام صدرها وأكملت:
ـ كنت عايزني أنزّل كلمة بابا الأرض وهو قاعد جنب المأذون ومديله بطاقته
أخفضت نظرها تكمل ثرثرتها الجوفاء فهي تعلم قبله أن كل هذا ما هو إلا بدافع مشاكسته التي تجيدها:
ـ أنا كان من حقي وقت أفكر
كان رائد يستمع إلى ثرثرتها المحببة بينما يلتزم الصمت، دخل بسيارته أحد الشوارع الجانبية الهادئة نسبيًا وأبطأ حركة السيارة قليلًا على الجانب يفاجئ ريم بابتلاع باقي كلماتها في قبلة أولى لكليهما وريم التي بُهتت لتصرفه المباغت صمتت بين خجلها وقشعريرة محببة سرت بسائر جسدها عند تطابق الشفاه، الشعور الذي تختبره للمرة الأولى يدغدغ قلبها الغض وخجلها يدفعها للفرار، كفيها تدفع صدره بوهن وتهمس باسمه بين شفتيه، أبعد شفتيه قليلًا يهمس أمام شفتيها ولا زال محتجزًا جسدها بين جسده والمقعد:
ـ فكرتي؟
أغمضت عينيها وقد ارتفعت دماء الخجل لتُكسب وجنتيها حمرة محببة لا تعلم كيف تفر من حصاره ولا تجد ما تستطيع التفوه به فهمست:
ـ علشان كدة كتبت الكتاب؟
أخيرًا سمح لها بالتقاط أنفاسها عندما اعتدل بظهره يمنحها غمزته العابثة بمرح:
ـ علشان أقنعك
وعاد ينطلق بالسيارة وقد أعلن ملكيته لها وللحق هي لا تمانع.
***
ببيت ريم كان محمود يمسك بكف زوجته ويصافح الحضور قبل الانصراف، اقتربت هند من السيدة رقية التي كانت تحمل ضياء وترعاه طوال يومها كما اعتادت منذ مولده تحتضنها عرفانًا بجميلها، همت هند بحمل ضياء فاعترضت السيدة رقية:
ـ خليه بايت معايا النهاردة
أخفضت هند كفيها وقد أدركت ما تقصده السيدة رقية في تفهم بينما الصغير الذي اقترب عامه الأول من الاكتمال رفع ذراعيه نحو والدته رغبة في أحضانها وهند ترددت بينه وبين المنطق بتركه ولو لليلة واحدة بينما محمود الذي كان يلاحظ ما يحدث مد ذراعيه يحمل الصغير ويعفي والدته من حرجها:
ـ ضياء هييجي معانا
اقتربت السيدة رقية تقبل الصغير وتعيد مباركتها لهند وقد اطمأنت أنها اختارت الرجل المناسب لها ولصغيرها معربة عن محبتها لمن اعتبرتها بمثابة ابنة لما يقارب العام:
ـ هتوحشيني إنتِ وضياء
ربتت هند على كف السيدة رقية تطمئنها:
ـ لا أنا ولا ضياء نستغنى عنك يا ماما هتلاقينا عندك كل يوم
اقتربت هند من السيد رفعت تصافحه، رفعت كفه إلى شفتيها تطبع قبلة عرفان بجميل رجل كان لها أبًا في أشد أوقاتها قسوة:
ـ اللي حضرتك عملته معايا مفيش حد بيعمله دلوقت
ربت السيد رفعت على كتفها مطمئنًا:
ـ البيت ده هيفضل مفتوح ليكِ طول العمر يا بنتي
ثم وجه نظره إلى محمود يوصيه بها خيرًا:
ـ خد بالك منها يا ابني إنتَ معاك جوهرة
صافح محمود السيد رفعت مودعًا:
ـ حضرتك ما تقلقش عليها
بعدها صافحت هند والدتها وشقيقها في سلام فاتر يعكس علاقتها المضطربة بهما وانصرفت مع زوجها.
دقائق وكان محمود يفتح باب منزله الذي طلبت هند أن تدخله لأول مرة عندما تكون زوجته شرعًا، قادها محمود حتى غرفة الأطفال التي تحوي فراشين، وضعت ضياء الذي غفا خلال الطريق بأحضانها على أحدهما وجاورته بعدة وسائد تحمية من السقوط وتبعت محمود حتى غرفة نومهما، وقفت أمام المرآة تخلع طوق الورد عن جبينها وتحل حجابها لينسدل شعرها البني الطويل خلف ظهرها يخطف نظر محمود الذي تخلص من سترته واقترب يمسك بكتفيها من الخلف ويطبع قبلة على خصلاتها الآسرة يطالع عينيها بالمرآة:
ـ مبروك
همست هند بردها الخجل بينما محمود لاحظ زر الحرملة عند عنقها، أزاح خصلاتها بكفه للجانب وحله يساعدها في خلعها لتظل بثوب عرسها العاري أسفله حتى منتصف ظهرها، أدارها محمود بين يديه وقد غرقت بخجلها والصدر العاري يبدي بياض بشرتها بسخاء أرهقه لينحني يطبع قبلة صغيرة على وجنتها أغمضت لها عينيها ولحيته تداعب بشرتها الناعمة ثم يبتعد عنها وينطق بمجاهدة:
ـ غيري هدومك علشان نصلي
وفر من أمامها يمنحها الفرصة لالتقاط أنفاسها، دقائق وكان يطرق باب الغرفة ويدلف عقب إذنها الهامس ليجدها وقد ارتدت اسدال الصلاة، صلى بها صلاتهما الأولى في خشوع ثم التفت يمسك جبينها ويتلو دعاء الزواج وهي أغمضت عينيها تستمتع بدفء كفه فوق جبينها وصوته الداعي في خشوع ليأتيها صوت بكاء ضياء بالغرفة الأخرى ويزيد ليرتفع معلنًا عن حاجته لها، فركت كفيها بتوتر موضحة:
ـ من يوم ما اتولد بينام في حضني
رفعت نظراتها المعتذرة إلى محمود تكمل:
ـ ومن بعد العملية ارتباطه بيَ زاد
ربت محمود على كتفها يبتسم بتفهم:
ـ روحيله
نهضت هند تجيب نداء طفلها وقلبها يشكره بينما هو استلقى على فراشه وحيدًا يكمل صومه عن النساء فعلى ما يبدو لم يحن موعد إفطاره بعد
نهاية الفصل السابع والعشرون
قراءة ممتعة❤








heba nada غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 01-11-20, 01:51 AM   #63

موضى و راكان

نجم روايتي

alkap ~
 
الصورة الرمزية موضى و راكان

? العضوٌ?ھہ » 314098
?  التسِجيلٌ » Mar 2014
? مشَارَ?اتْي » 4,282
? الًجنِس »
? دولتي » دولتي Egypt
? مزاجي » مزاجي
?  نُقآطِيْ » موضى و راكان has a reputation beyond reputeموضى و راكان has a reputation beyond reputeموضى و راكان has a reputation beyond reputeموضى و راكان has a reputation beyond reputeموضى و راكان has a reputation beyond reputeموضى و راكان has a reputation beyond reputeموضى و راكان has a reputation beyond reputeموضى و راكان has a reputation beyond reputeموضى و راكان has a reputation beyond reputeموضى و راكان has a reputation beyond reputeموضى و راكان has a reputation beyond repute
¬» مشروبك   cola
¬» قناتك max
?? ??? ~
سبحان الله وبحمده .. سبحان الله العظيم
?? ??? ~
My Mms ~
افتراضي

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 29 ( الأعضاء 12 والزوار 17)

‏موضى و راكان, ‏mango20103, ‏الضوءالناعم, ‏ايمان صفي, ‏Alaa96, ‏Hayet doc, ‏أمل و ترقب, ‏توتى على, ‏raghad jawabra, ‏دنيا المصريه, ‏همس البدر, ‏Shadwa.Dy


مبدعة يا هبة بجد فصلين ممتعين
موفقة بإذن الله ... لك مني أجمل تحية .

heba nada likes this.

موضى و راكان غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 02-11-20, 09:06 PM   #64

heba nada

? العضوٌ?ھہ » 460821
?  التسِجيلٌ » Jan 2020
? مشَارَ?اتْي » 69
?  نُقآطِيْ » heba nada is on a distinguished road
افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة موضى و راكان مشاهدة المشاركة
الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 29 ( الأعضاء 12 والزوار 17)

‏موضى و راكان, ‏mango20103, ‏الضوءالناعم, ‏ايمان صفي, ‏alaa96, ‏hayet doc, ‏أمل و ترقب, ‏توتى على, ‏raghad jawabra, ‏دنيا المصريه, ‏همس البدر, ‏shadwa.dy


مبدعة يا هبة بجد فصلين ممتعين
موفقة بإذن الله ... لك مني أجمل تحية .
تسلمي يارب ان شاء الله الخاتمة تعجبك


heba nada غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 07-11-20, 09:37 PM   #65

heba nada

? العضوٌ?ھہ » 460821
?  التسِجيلٌ » Jan 2020
? مشَارَ?اتْي » 69
?  نُقآطِيْ » heba nada is on a distinguished road
افتراضي



الفصل الثامن والعشرون

الحب فعل ميزانه الثقة
مثقاله الأمان
يُرفع بالاحتواء
وغير قابل للجر

***
أسبوع قضته ببيته وهي زوجته شرعًا، سبعة أيام كاملة عاشتها في كنفه وهو مكتفٍ منها بقبلة أو احتضان عابر، سبعة ليالٍ كلما حاولت الفكاك من صغيرها تمسك بها أكثر والآخر لم يتذمر، حاولت تكييف طفلها على الوضع المستجد، لآخر ثلاثة ليالٍ كانت تنتظره حتى يغط في النوم ثم تُكمل ليلتها بالفراش الآخر حتى اطمأنت لاعتياد الصغير على غيابها لبعض الوقت، وفي الليلة الثامنة لزواجها تسللت بخفة بعدما غطَّ ضياء في النوم، دلفت غرفة نومهما وقد تشبعت باحتوائه لكل ما مرت به حتى الآن، أسر قلبها بلطف فقررت أن تخطو أولى خطواتها نحوه، دللت نفسها بحمام دافئ قبيل موعد عودته واختارت من خزانتها غلالة من الستان الأبيض تحتضن جسدها حتى ركبتيها وترتفع لتشكل قلبًا من الدانتيل عند الصدر، نثرت ذرات العطر الذي اختاره بنفسه لها وارتدت المئزر المصاحب للغلالة في محاولة للتغلب على توترها، سمعت صوت مفتاحه يدور بمغلاق الباب ويدلف على أطراف أصابعه كما اعتاد في الأيام السابقة، كان قد تخلص من قميصه قبل الوصول لغرفته، تمهل قليلًا عند الباب عندما لاحظها جالسة على حافة الفراش تضم كفيها فوق ساقيها تفركهما بارتباك،
حضوره مُهلك يبعثر كيانها بنظرة و يعيد لملمته بهمسة، أغلق باب الغرفة في خلوتهما الأولى منذ عُقد القران واقترب بهدوء يتأملها ببسمة حنون طالما منحتها رسالة أمان، وهي رغم معايشتها للموقف سابقًا أخفضت نظراتها خجلًا في محاولة فاشلة للفكاك من حصاره، جاورها وضم جسدها إليه يحيط خصرها بذراعه وبأنامل كفه الأخرى يرفع ذقنها لتقابل احتواء نظراته و صوته يدغدغ مسامعها:
ـ لو مش مستعدة...
يهدهد خجلها و يمنحها حرية الفِرار وهي لم تسمح له بتكملة؛ أغمضت جفنيها وهزة رأسها الخجول تمنحه شارة البدء هي لن تُثقل عليه أكثر وتستغل تفهمه فتسلبه حقه وهو كمن كان ينتظر إشارتها لتنطلق شرارات عشقه تلهبهما معًا، لثم شفتيها في قبلة مبتدئ شغوف وعنها فأناملها امتدت تستكشف لحيته وترتفع معه فوق غيوم الحب، لمساته الغير خبيرة تمنحها نشوة خاصة لم تختبرها قبلًا رغم سنوات زواجها تقابلها لمساتها المرتبكة، يُعلمها أبجديات عشقه ويصك جسدها ببصماته مزيلًا آثار آخر؛ وعنها كانت روحها تنصهر بلهيبه وتتشكل من جديد مدركة لحقيقة ما تعايشه للمرة الأولى، يسقيها ولعه بها فتطيب نفسها البِكر وتفيض بالرضا، نهضت تعيد ارتداء مئزرها وهي غارقة بخجلها، توجهت نحو نافذة الغرفة المظلمة تتطلع إلى النجوم المتلألئة بالسماء وضوء القمر يتسلل خلال الزجاج ورغمًا عنها انعقدت المقارنة بعقلها بين ما اختبرته لثمانِ سنوات وما عاشته توًا، لاحظ محمود شرودها فاقترب يحتضنها من الخلف ينحني ليستند بذقنه إلى كتفها ويهمس جوار أذنها:
ـ سرحانة في إيه؟
وهي ابتسمت برضا لن تستطيع إفساد لحظته تلك وجرحه بكونها قارنته برجل آخر وإن كانت المقارنة حُسمت لصالحة بجدارة، دارت بين ذراعيه فأسندت رأسها إلى صدره وأحاطت خصره بذراعيها مغمضة عينيها براحة وقد أدركت للمرة الأولى أنها ولثمان سنوات كانت زوجة لرجل منقوص الذكورة وللتو بدأت حياتها كزوجة حقيقية.
***
لأسبوع صارت خطيبة برتبة زوجة، تستمتع بدلاله وتبذل قصارى جهدها في مشاكسته، يجيد حصارها وهي تتقن ادعاء الهرب، اعتادت مقاطعته لطريقها مثلما تراه الآن بعد خروجها من عملها مستندًا بنصف جلسة إلى مقدمة سيارته التي صفها خلف سيارتها، تقدمت منه بابتسامة تربع ذراعيها أمام صدرها:
ـ خير يا باشمهندس
وهو اعتدل في وقفته يدس كفيه بجيبي بنطاله:
ـ عازمك على الغدا
ضربت ريم كفًا بكف وهي تسأله:
ـ وما قلتش ليه كنت جيت من غير العربية؟
وهو ألقى بنظرة إلى سيارتها وعاد إليها يجيب ببساطة:
ـ ما كنتش مقرر
ثم استطرد وهو يدور حول سيارته استعدادًا للركوب:
ـ أمري لله همشي وراكِ لحد البيت تركنيها وتيجي معايا
وكعادتها اعترضت وهي تهم بركوب سيارتها:
ـ ما تقول رايحين فين بدل اللفة دي
وهو هز رأسه نفيًا يمنحها غمزة بطرف العين وابتسامة متلاعبة:
ـ مفاجأة
ولم يمنحها الفرصة لمزيد من الاعتراض، استقل سيارته وأشار لها بالانطلاق ليسير خلفها تارة ويجاورها بسيارته تارة أخرى وصوت فيروز يصدح من مشغل اسطوانات سيارته
سلملي عليه
وقله إني بسلم عليه
بوسلي عينيه
وقله إني ببوس عينيه
ويصلها بوضوح لترتسم ابتسامتها السعيدة على وجهها، توقفت بإحدى إشارات المرور ليجاورها بسيارته ويرفع من صوت الأغنية
إنت ياللي بتفهم عليه
سلملي عليه سلم
يثبت عينيه عليها بنظراته العاشقة التي أربكتها تحاول تجاهلها وتثبيت نظرها للأمام ثم تعود لتختطف منه نظرة والصوت الشجي يدغدغ قلبها بلطف
قِله عيونه مش فجأة بينتسو
وضحكات عيونه ثابتين ما بينقصو
تصطدم بعينيه التي تحيطها بعشق فتُخفض نظراتها سريعًا ملتفتة للجهة الأخرى حتى لاحظ رجل المرور ما يدور فنهض يشير إلى رائد ببداية غضب ليرفع رائد يده مظهرًا حلقته الفضية بوضوح ويعود الرجل بنظراته إلى ريم التي رفعت هي الأخرى كفها مظهرة حلقتها الذهبية وعادت إلى رائد بنظرة لوم أنقذه منها تحول الإشارة إلى الأخضر وانطلاقها بسيارتها وهو انطلق خلفها ولايزال الصوت يصلها
مدري شو بو وبعرف شو بو
مطبوعة بذاكرته ما تبحثو عم تبحثو
سلملي عليه وقله إني بسلم عليه
بوسلي عينيه وقله إني ببوس عينيه
وصلا حيث منزلها فصفت سيارتها ثم جاورته بابتسامة والأغنية التي ما تلبث تنتهي حتي يعيد تشغيلها تكمل رسالته لها
هيدا حبيبي اللي اسمي بيهمسو
تعبان على سكوتو ودارسو
واضح شو بو ما تقول شو بو
عامل حالك مش عارف ما تحرأسو بتحرأسو
سلملي عليه سلم وقله إني بسلم عليه
ويردد بصوته معها مختلسًا النظرات لمجاورته المستمتعة بالصحبة
بوسّلي عينيه هو ومفتحهن عينيه
وبوسو بخدو طوللي عليه فهمت عليّ إيه وسلم
سلملي عليه
اختطف قبلة من وجنتها وهي توردت خجلا ولاحظت الطريق غير المألوف الذي اتخذه لتسأل:
ـ إحنا رايحين فين؟
منحها إحدى نظراته المتلاعبة متجاهلًا الإجابة، امتدت كفه إلى الجيب الخلفي لمقعدها ومنحها مسطرة ألوان موضحًا:
ـ اختاري درجات الدهان لحد ما نوصل
التقطتها تشرد بخيالها لتقرر اللون المناسب لكل غرفة بينما رائد يحتضن يسراها بيمناه حتى شعرت بتوقف السيارة فرفعت رأسها تستكشف الحي الشعبي ورائد صف سيارته في الزحام بمعجزة، نزل من السيارة وريم تبعته لترفع نظرها تطالع وجهتهما التي اتضحت لها وارتفع صوتها الضاحك من اختياره:
ـ البرنس!
التقط كفها ودلفا إلى المطعم الشهير، اختار رائد طاولة جانبية لتتجول ريم بنظرها في المكان وتعود إليه بسؤال:
ـ وهناكل إيه بقى؟
ابتسم رائد بخبث وأجاب دون أن يرضي فضولها:
ـ هتعرفي، أنا عامل الأوردر من بدري
دقائق وكان النادل يقدم طواجن الطعام وأبخرة اللهب تتصاعد منها ورائد يصف طلبه بحماس:
ـ طاجن عكاوي، طاجن كوارع، ورقة لحمة وملوخية
ازدردت ريم لعابها تحاول التماسك أمام تلك الأصناف، هزت رأسها بتفهم وامتدت يدها إلى صينية اللحم تقربها إليها بهدوء وتوضح:
ـ أنا هاخد اللحمة وإنت براحتك بقى
امتدت كف رائد تسحب الصينية ناحيته ونهض يلتف حول الطاولة ليجاورها، دس ملعقة بطاجن العكاوي ووضع بعضه بصحنها لتنظر إليها ريم شذرًا وهو يشجعها:
ـ جربي
التقطت الشوكة تحاول استخلاص قطعة اللحم من بين العظام وتذوقتها بشك، فاجأها المذاق المحبب فهزت رأسها إيجابًا لرائد الذي أخذ قطعة مماثلة بصحنه ثم التقطها بأصابعه يلتهمها باستمتاع ويتبع:
ـ بإيدك بقى ما تضحكيش الناس علينا
ابتسمت وشاركته متعته بمتعة مماثلة تستمتع بوجبتها الجديدة عليها، دس الملعقة بالطاجن الآخر واستخلص قطعة داخلية من الكوارع يقدمها إليها وهي تنظر لها مطبقة شفتيها بقوة وتعلن اعتراضها:
ـ لأ دي لأ
ورائد لا يعترف برفض:
ـ المدام لازم تشاركني اهتماماتي
أحاط عنقها بذراعه يثبت رأسها بقوة وبكف يده الأخرى يقرب القطعة من فمها وريم مستمرة على هز رأسها رفضًا:
ـ دي بتلعب
انتهز رائد فرصة حديثها ليدس القطعة بين شفتيها تلوكها بتوتر حتى ابتلعتها:
ـ طيب معقولة بس خليني أنا في العكاوي
حرر رائد رأسها وعاد لصحنه يستمتع بوجبته:
ـ إنتِ الخسرانة
أنهيا وجبتهما واتخذا طريق العودة إلى منزل ريم وتلك المرة كان مشغل الاسطوانات يصدح بأحد أغاني المهرجانات، ضربت ريم كفًا بكف وهي تضحك وتشاكسه:
ـ فيروز وبعدين مهرجانات طب إزاي
منحها رائد نظرة جانبية وعينيه تبتسم لضحكها، عاد بنظره إلى الطريق وهو يوضح من بين ضحكاته:
ـ ما هو بصراحة الأكلة دي دماغ مهرجانات
ضحكت ريم باستمتاع فوقتها معه يمضي بيسر بينما هو يتسلل إلى خلاياها بخفة، وصلا أسفل منزلها وقد حل الليل، قبيل نزولها من السيارة التفت رائد يؤكد عليها:
ـ أكدي على طنط معاد بكرة
هزت ريم رأسها إيجابًا وهي تودعه على وعد بلقاء لم تعد تطيق انتظاره.
***
صباح جديد أشرقت به شمس حياتها وقد تذوقت للدنيا مذاقًا جديدًا مزاجه الأمان الذي اختبرته منذ دلفت بيته زوجة له، قضت نصف نهارها برفقة طفلها، عاد هو لعمله بينما هي فضلت القيام بدور العروس لوقت أطول، ومع انتصاف النهار عاد لبيته ينعم بدفء الأسرة الذي افتقده منذ زواج غنى، أنهى وجبته الساخنة برفقة زوجته وطفل سكن قلبه وإن لم يكن من صلبه، بعدها كان جرس الباب يدق ليفتح محمود ويطالع غنى التي امتنعت عن استخدام المفتاح الذي تمتلكه حفاظًا على خصوصيتهما وهو جذبها للداخل يقبل رأسها فمنذ عُقد قرانه اكتفت شقيقاته بمهاتفته مانحين له خلوة مستحقة مع عروسه لكنه يعلم أن غنى خاصة هي من ستبدأ بكسر ذاك الاتفاق الغير معلن بينهن وهو ما أعلنته شقيقته عندما تعلقت بعنقه شوقًا:
ـ وحشتني يا حوده
ومحمود احتوى كتفيها وهو يغلق الباب ويسير بها نحو صالة البيت حيث صافحت هند معتذرة عن الحضور:
ـ آسفة إني جيت فجأة
وهند ابتسمت بود ترحب بها:
ـ البيت بيتك
وتركتهما لتدلف إلى المطبخ تعد واجب الضيافة بينما غنى وضعت حقيبة حاسوبها النقال على المنضدة، قبلت رأس الصغير الجالس أرضًا والذي ابتسم لها ببراءة وجاورت محمود تروي شوقها لجلسته، دقائق تجاذبت فيها أطراف الحديث مع شقيقها تخبره بكل ما حدث خلال أيامها الماضية كما اعتادت، التفتت لتُفاجأ بضياء الذي زحف بمقعدته جلوسًا حتى الطاولة يجذب حزام حقيبة الحاسوب المتدلي حتى كاد يسقط فوقه فانتفضت بذعر نحوه تمسك بالحزام لتجذبه من يد الصغير وصوتها ارتفع دون إرادة:
ـ لأ..لأ
والصغير بكى فزعًا لنهرها بينما هند تخرج من المطبخ لتصطدم ببكاء صغيرها، أسرعت خطواتها فوضعت الصينية التي كانت تحملها على المنضدة وانحنت تحمل ضياء تضمه وتقبل رأسه وتهمس باعتذار مقتضب:
ـ آسفين
ثم أسرعت حيث غرفتها تاركة غنى التي ذُهلت لرد فعلها تلاقي نظرات محمود وتبرر:
ـ والله يا أبيه ما أقصد أنا خفت يقع عليه
نهض محمود يتوجه إلى شقيقته التي يثق بسلامة نيتها ويعلم عفوية فعلها، قبّل رأسها ومنحها ثقته وتبريره:
ـ عارف بس هي بتخاف عليه زيادة علشان ظروفه
هزت غنى رأسها إيجابًا وحملت حقيبتها تستأذن بالانصراف ومحمود شعر بحزنها فحاول التمسك ببقائها:
ـ لسة ما شبعتش منك
وهي رفعت جسدها على أطراف أصابعها تطبع قبلة على وجنته وتجيب:
ـ مستعجلة علشان العيادة
أومأ موافقًا وودعها لدى الباب وعاد يبحث عن الأخرى وجد ضياء قد استسلم للقيلولة بغرفته وهي تزرع غرفتهما بتوتر، دلف مغلقًا بابها وعلامات غضبه بدأت بالزحف إلى قسمات وجهه اقترب خطوتين منها وهي توقفت تواجهه عندما سأل بصوت حازم:
ـ ممكن أفهم إيه اللي حصل؟
فركت كفيها ببعضهما بتوتر وأجابت مدافعة عن نفسها:
ـ ما أنا اعتذرت
اقترب محمود أكثر وقد بدأ صوته في الارتفاع قليلًا:
ـ عن إيه؟ ممكن أعرف إيه اللي خلاكي تاخدي الولد وتدخلي كدة واختي تمشي زعلانه؟
أشاحت بوجهها للجانب الآخر تجيب بارتباك:
ـ خدته ودخلت علشان منزعجهاش
انطلقت زعقته المستنكرة بوجهها:
ـ ومين قالك إنها منزعجة؟
اقترب أكثر يلوح بذراعه في الهواء وقد بُهت لتفسيرها الملتوي لرد فعل شقيقته، يضع معها النقاط فوق الحروف فقِصر فترة تعارفها بشقيقاته ربما هي السبب:
ـ من يوم ما قررت أتجوزك اعتبرتك إنتِ وضياء جزء من عيلتي
صوته المرتفع بانفعال صم أذنيها عن كلماته وهو يكمل:
ـ لكن لو هتفضلي معتبرة إنكم كيان منفصل مش هقدر أجبر أخواتي يتعاملوا معاكِ على الاعتبار ده
وهي لم تكن تعي شيئًا سوى اقترابه المنفعل وكفه التي يلوح بها وتنتظرها لتهوي على وجهها، انكمشت بخوف تغمض عينيها وترفع ذراعيها أمام وجهها في حركة دفاعية صُدم محمود لرؤيتها، صمت واقترب يرفع كفه يلمس كتفها برفق فانتفضت مبتعدة للمسته ليتأكد توقعه، تجمدت كفه في الهواء قليلًا ثم سحبها يضم قبضته جوار جسده بانفعال، لاحظت صمته ففرجت جفنيها بشك لتقابلها نظراته المتألمة قبل أن يقطر صوته حزنًا يصفعها بالحقيقة:
ـ لما تعرفي إنتِ مرات مين دلوقت نبقى نكمل كلامنا
والتفت يغادر، فتح الباب وتوقف يوليها ظهره:
ـ هستناكم تحت علشان أوصلكم الجلسة
وعنها فقد سقطت جالسة فوق الفراش وقد أدركت أنها لازالت أسيرة أشباح ماضيها التي تحرمها رؤية ما باتت تمتلكه، طالعت ساعة هاتفها فوجدت إن جلسة معالجة ضياء الفيزيائية لم يتبقَ عليها الكثير، بدلت ملابسها وانتقلت تُعد الصغير وترجلت لتجده بانتظارها بأحد سيارات الأجرة جوار سائقها فاستقلتها هي وطفلها دون كلمة، وصلا للمركز فدلفت مع الصغير ومحمود انصرف وبعد ساعتين كان بانتظارهما مرة أخرى ليعودوا إلى المنزل في صمت، دلف محمود غرفة النوم، بينما هند دلفت غرفة الأطفال حتى غطّ ضياء في النوم وتسللت بخفة تعود لزوجها، اندست جواره في الفراش واحتضنته من الخلف تستند برأسها إلى رأسه وتهمس معتذرة:
ـ آسفة
شعرت بتصلب جسده وعينيه المثبتتان أمامه فلفت وجهها تطبع قبلة على منابت لحيته وتعيد اعتذارها:
ـ ما تزعلش مني
التف ينام على ظهره ويحيطها بذراعه لتستقر رأسها فوق صدره يؤكد لها حقيقة:
ـ أنا عمري ما مديت إيدي على واحدة ست
دفنت وجهها بصدره تؤكد لنفسها حقيقة واقعها الجديد، تتمسك بما تمتلكه بالفعل وتحاول التخلص من ماضيها الذي يُفسد عليها حاضرها ومحمود طبع قبلة حنون على منابت شعرها وقد أدرك أنها كانت ضحية لحياة سابقة لن تستطيع تجاوزها بسهولة، ملأ صدره بالهواء يعيد عليها أمنيته:
ـ أنا كان عندي تلاتة هم أغلى حاجة عندي دلوقت بقوا أربعة
رفعت هند رأسها قليلًا تطالعه على ضوء القمر الخافت وهو أكمل:
ـ عايزك تعتبريبهم عيلتك
أومأت هند برأسها إيجابًا تطمئنه:
ـ بكرة هكلم غنى وأصالحها
ابتسم براحة يوضح لها:
ـ غنى بالذات بنتي؛ أنا اللي كنت بوصلها المدرسة وأرجعها ولو حد زعلها تيجي جري تشتكيلي
شرد وابتسم بسمة حنين لذكرياته مع الصغيرة التي تربت في كنفه:
ـ في حفلة تخرجها لما نزلت من المسرح جري عليَ حسيت بحاجة عمري ما حسيتها مع أخواتها
عاد بنظره إلى هند يكمل بوحه:
ـ يوم فرحها كنت عايز أخطفها وما اسيبوش ياخدها بس سكت علشان عارف إنها بتحبه
ابتسمت هند لحنانة وعادت برأسها فوق صدره تضم جسدها إليه، أي رجل هذا الذي منحها قدرها إياه ويجب عليها الحفاظ عليه.

***
باليوم التالي كانا على موعد جديد هي والسيدة رقية ورائد ووالدته في جولة بمحافظة دمياط لاختيار أثاث منزلهما، تنقلا بين المحال حتى اتفق العروسان على اختيار غرفة النوم بينما لم ترق لهما أي من غرف المعيشة، دلف أربعتهم إلى محل جديد وقد انتصف النهار لتجلس السيدة رقية على أقرب مقعد وقد أرهقتها الرحلة تنادي السيدة زينب للجلوس جوارها:
ـ تعالي نرتاح احنا شوية
والأخرى نال منها التعب فجاورتها بصمت بينما السيدة رقية توجه كلماتها إلى رائد وريم مضيفة:
ـ اتفرجوا انتو ولما حاجة تعجبكم نادولنا
هزت ريم رأسها إيجابًا والتفتت إلى رائد:
ـ تعالى نشوف أوض الأطفال
مطت السيدة زينب شفتيها ووجهت كلماتها إليها:
ـ ولزومها إيه بس
والنظرة واضحة والمعنى وصل بدقة وسهمها أصاب هدفه في مقتل لتلتفت إليها السيدة رقية مستفسرة بنبرة حادة:
ـ قصدك إيه؟
والأخرى تراجعت بارتباك تستدرك ما صدر عنها بتوضيح لم يرُق للجميع:
ـ أقصد يعني لما ربنا يكرم يجيبوا اللي نفسهم فيه
ورائد حسم الموقف أحاط كتفي ريم بذراعه يدفعها للسير معه وهو ينهي حديث والدته:
ـ لأ هنجيبها دلوقت
قادها بين غرف العرض وهي صامتة بينما كلمة والدته تتردد بعقلها مئات المرات وشيطانها يزيد عليها، ورائد وصله صمتها وجرحها جيدًا يحتضن كفها وهو يناقشها في الغرف المعروضة وهي مكتفية بهزة رأس رافضة، رافقا البائع وهما يشاهدان إحدى الغرف كان ظهر أحد الفراشين على شكل شخصية "سبونج بوب" بينما ظهر الفراش الآخر على شكل "بسيط" بألوانهما الطفولية المحببة والخزانة بلون سفينة وكل باب منها يحوي رسمة نافذة يظهر منها الموج، توقف رائد أمام الغرفة يحيط خصرها بذراعه يضمها إليه ويعلن:
ـ بس هي دي إيه رأيك؟
ابتعدت ريم عن احتضانه خطوة بخجل وهو اقترب تلك الخطوة يحيط كتفيها تلك المرة ويستفهم بنظرة عن رأيها لتهمس:
ـ حلوة
ابتسم رائد يشاركها خياله ولا يزال محتويًا لكتفيها بذراع ويلوح بالأخرى:
ـ وهرسم لهم موج على الحيطة علشان يعيشوا في قاع الهامور
ابتسمت ريم وشردت بخيالها تتخيل شكل الغرفة بمنزلهما بينما غصة لازالت عالقة بحلقها.
أوشكت الشمس على المغيب وقد نال التعب من الجميع فقرروا العودة للقاهرة، ساعات من السفر وكان رائد يودع والدته أسفل منزل نسمة والسيدة زينب تسأل:
ـ هتوصلهم وترجع
وهو أشار برأسه نفيًا وأكد:
ـ تعبان من السواقة هروّح
دقائق وكانوا أسفل منزل عائلة ريم، والسيدة رقية تدعو رائد للصعود:
ـ تعالى يا حبيبي كُل لقمة علشان تروّح تنام على طول
ورائد كان يتحين الفرصة للصعود رغبة في الاختلاء بتلك الصامتة، دلفو للمنزل وبعد السلام على السيد رفعت كان يجاورها بصالون بيتها، يتأمل صمتها وشرودها وهي كانت قد استسلمت لشيطان أفكارها الذي غرس مخالبه بقلبها طوال طريق عودتهم، يزلزل ثوابتها ويرسم أمامها مستقبلًا مظلمًا محفوف بالمخاطر، قطع رائد الصمت بسؤاله:
ـ ساكتة ليه؟
نهضت تتجه إلى نافذة الغرفة وقرارها يتردد بعقلها دون توقف حتى همست باختناق:
ـ طلقني يا رائد
وهو قطع المسافة الفاصلة بينهما في خطوتين يجذب عضدها بعنف يديرها إليه لتواجهه ويستنكر بانفعال:
ـ إنتِ اتجننتي؟
أخفضت نظرها بحزن تريد إعفاءه مما صوره لها خيالها تهز رأسها نفيا وصوتها يئن:
ـ إيه يجبرك تتجوز واحدة...
قطع جملتها بشفتيه يلتهم حروفها يخرس حماقاتها التي يعلم أنها ستتفوه بها، أغمضت عينيها تستمتع بمذاق شفتيه الذي يروي أنوثتها العطشة وهو غاب معها حتى ذاق ملوحة دموعها، فرّج جفنيه وابتعد ليواجه عينيها الدامعتين ويهمس أمام شفتيها بلومه:
ـ ما كنتش أعرف إنك ضعيفة كدة
وهي نطقت من بين دموعها:
ـ ضعيفه!
ضم رائد جسدها إليه أكثر بذراع وبالأخرى يمسح بإبهامه خط دموعها عن وجنتها:
ـ كنت متخيل إنك هتدافعي عن حقك فيَ مش تتنازلي عني
وريم شعرت بخذلانها له هي لم ترغب بالتخلي عنه وإنما منحه فرصة أفضل من تمزق تراه بينها وبين والدته وعنه فقد قرأ أفكارها ويعلم ما الذي أجج نيران قلبها:
ـ احنا منقدرش نغير أفكار متوارثة لكن نقدر أننا ما نسمحش للأفكار دي تتحكم في حياتنا
تلجلجت الكلمات على لسانها وهمست بارتباك:
ـ أنا...
أكمل رائد جملتها وهو ينحني ليطبع قبلة مطولة على وجنتها:
ـ إنتِ مجنونة بس أنا بحبك
والكلمة انطلقت من بين شفتيه تستقر بقلبها الغض فتزهر ربيعًا طال انتظاره، ملأت صدرها بالهواء تستمتع باستسلامها بين يديه وهو يضم رأسها إلى صدره تغمض عينيها لتنهل من الأمان الذي تمنحها لها نبضاته، انتفضت بذعر خجِل تبتعد عنه عندما سمعت صوت أمها:
ـ يا ابني اصبر لما تبقى في بيتك
وهو تراجع خطوة بارتباك سرعان ما تداركه وانحنى يلتقط هاتفه وسلسلة مفاتيحه عن الطاولة ويعلن انصرافه والسيدة رقية تدعوه للطعام الذي تحمله عندما مر جوارها يختطف قبلة من وجنتها هي الأخرى معتذرًا:
ـ تسلم إيدك يا جميل
وضعت السيدة رقية صينية الطعام وهي تحاول السيطرة على ضحكها، تضم أصابعها أمام ذقنها مندهشة:
ـ الواد بياكل بعقلي حلاوة علشان قفشته
كان رائد قد وصل عند الباب عندما التفت يمنح ريم المتوردة خجلًا غمزة عابثة قبيل انصرافه.
***
عام ونصف منذ غادرها، ثمانية عشر شهرًا مرت عليها بدلتها لأخرى لا تعرفها، الحياة التي سحقت روحها بين رحاها ولا تزال تُكبل عنقها بأغلال المسئولية التي لن يتحملها غيرها شاءت أم أبت رغم كاهلها الذي ناء بحمله إلا أنها لا زالت صامدة تشد قدميها بالأرض لتصل بطفليها حتى نهاية الطريق الذي تراه، تعلم صعوبة خيارها وتأمل الاستمرار به مكتفية بانهيارها وحيدة تارة وتغلبها على وحدتها كثيرًا بمضادات الاكتئاب التي باتت رفيقة دربها لتبدأ يومها من جديد كجبل راسخ لا ينحني أمام رياح الدنيا، واليوم كانت على موعد مع أحد واجباتها التي لن يؤديها غيرها، اصطحبت طفليها إلى بيت السيدة درية، فتحت باب البيت بمفتاحها بطلب من جدة طفليها الملازمة لفراشها معظم الوقت، رفعت صوتها تنادي السيدة عقب دلوفها ليأتيها الصوت الحنون من غرفة النوم ينادي الطفلين اللذين انطلقا إلى أحضان جدتهما، غمرتهما بقبلاتها تُقبل رأس نادين تارة وتارة أخرى تتشمم عبق الصغير الذي يتحول إلى نسخة مطابقة عن والده بمرور الزمن:
ـ ريحته فيك يا حبيبي
ونور ينهل من حنانها كعادته ونسمة تقدمت تُقبل رأس السيدة درية وتجلس على المقعد المجاور تعتذر عن تقصير غير مقصود:
ـ آسفة إني انشغلت عنك شوية بالشغل والولاد
والسيدة الحنون ابتسمت بتفهم:
ـ ربنا يعينك
والتفتت إلى نادين تربت على كفها وتحدثها:
ـ قومي يا حبيبتي خدي أخوكي وفي فاكهة في التلاجة طلعوا وكلوا
ونسمة حاولت الاعتذار لكن نظرة السيدة درية أخبرتها أنها تريدها بعيدًا عن سمع الأطفال، عقب خروجهما التفتت السيدة درية لنسمة وبصوت حنون:
ـ أنا ليَ عندك طلب يا بنتي
استطاعت الحصول على اهتمام نسمة وهي تكمل:
ـ بيت نادر وشركته يفضلوا لولاده بس
ضيقت نسمة حاجبيها بعدم فهم لتوضح السيدة درية ببعض خجل:
ـ قصدي يعني لو في يوم فكرتي في الجواز
ابتسمت نسمة بتفهم وامتدت كفها تربت على كف السيدة درية مطمئنة:
ـ ما بفكرش في الجواز
ربتت السيدة درية على كف نسمة بكفها الأخرى تؤكد:
ـ متعرفيش بكرة في إيه بس طلب كان نفسي فيه
منحتها نسمة كلمتها فحتى هي لن تستطيع السماح لآخر بوضع قدم بمكان بذل نادر عمره من أجله.
***
ثلاثة أشهر مرت وهي تصارع أشباح ماضيها فتنتصر عليها تارة وتهزمها تارة أخرى، تقاوم هواجسها التي تطاردها كل يوم وتسلبها متعة واقعها الجديد، ملت توقع الأسوأ الذي لم يأتّ حتى الآن وحاولت مرارًا التمسك بصوت داخلها يخبرها أن ذلك الأسوأ موجود فقط بأفكارها، حتى ذلك التوقع الذي تجاهلته طويلًا شكًا وخوفًا من المجهول لكن بعد غياب عادتها الذي طال لم تستطع سوى قطع شكها باليقين، أجرت الاختبار وانتظرت دقائق حتى أعلن عن جنين يسكن رحمها، قبضت على المستطيل الأبيض بكفها واختلاط مشاعرها يربكها، هي التي ظلت لسنوات تحلم بطفل حتى منّ الله عليها بضيائها ثم...، ثم لأجله لم ترغب بسواه، جلست على حافة المغسلة وقد أُسقط في يدها فها هو أحد أشباحها يعود ليطارد واقعها، رغمًا عنها سالت دموع خوفها، ألقت بالاختبار بسلة المهملات وخرجت لتجد محمود بوجهها وقد استرعت دموعها انتباهه ليستفسر عن سببها وهي همست بتيه:
ـ أنا حامل
انشرح صدره وأقبل يضمها إليه بسعادة ويردد مباركته لتُخرجها سعادته من تيهها ترفع نظرها إليه وقد زادت دموعها بعد سيطرة أسوأ هواجسها عليها، تخشى على طفلها من تبدل معاملته ولا تستطيع رفض آخر هو قطعة منها فتردد سؤالها:
ـ وضياء؟
فهم محمود هاجسها فابتسم مطمئنًا يدلك عضديها وصوته السعيد يجيب:
ـ بدل ما في اتنين بياخدوا بالهم منه هيبقوا تلاته
أومأت إيجابًا رغم خوفها الذي همست به:
ـ خايفة
للمرة الثانية تعلن خوفها وهو يطمئنها وتلك المرة ضم رأسها إلى صدره بكفه وذراعه الأخرى تحيط خصرها يمنحها أمانه الذي لم يبخل به:
ـ ما تخافيش
وهي أغمضت عينيها تستسلم لهدهدته تتمسك بظنها به الذي لم يخِب حتى الآن وتعلم أن الزمن فقط كفيل بطرد المتبقي من أشباح ماضيها.


خاتمة

شمالًا أو جنوبًا كلُ يروي غرسه
تنبُت بذرة اليوم وكلٌ يحصد حرثه


***
بالشمال عبر البحر المتوسط وبأحد نهارات صيف جينيف الدافئ كانت حديقة السفارة المصرية مزينة بالزهور البيضاء في كل جانب وعلى الطاولات المنتشرة تجاور كؤوس المشروبات وقطع الشيكولا السويسرية الفاخرة، بصدر الحديقة كانت العروس وسط أصدقاءها بثوب عرسها اللافت على شكل حلة قفز من الشيفون بطانته على شكل ثوب سباحة من قطعتين ويعلوه فروع أشجار من الدانتيل الأبيض تتناثر عليها بعض زهرات صغيرة باللون الوردي تغطي الثوب من أعلى منتهية عند الصدر لتكشف كامل الكتفين دون كم أيسر بينما تمتد الفروع تغطي الكم الأيمن للثوب وتسير على الحلة بطول الساق اليسرى لتنتهي أعلى الحذاء الفضي المرتفع بينما تترك الساق اليمنى مكتفية ببعض فروع أسفل الركبة ومظهرة بشرة صاحبته بسخاء، من الوسط كان يلتصق بالثوب تنورة من الدانتيل على جانب واحد من الأمام تنتهي أعلى الفخذ الأيمن بينما تمتد من الخلف بطول الحلة، تركت العروس صديقاتها وتوجهت حيث ماهر الذي كان يتوسط والدها وبعض رجال السفارة تجذب ساعده:
ـ ماريو تعالى أعرفك على أصحابي
استأذن ماهر من مرافقيه بإيماءة رأس وابتسامة وأحاط خصر سيليا بذراعه والكف الأخرى يمسك بكأس مشروبه الكحولي يسير معها حيث تجمع أصدقاءها من الجنسين، تولت سيليا مهمة التعريف بدأت بالفتيات
ـ آنّا، ريا، مادلين
تقدمت كل فتاة تمنح مباركتها لماهر وتبادله القبلات المهنئة بالعرس ثم انتقلت سيليا للشباب مكملة:
ـ جاكوب، ماركوس، ستيف
حرر ماهر خصر سيليا وصافح الشباب ثم عاد ذراعه يُلصقها بجسده ويطبع قبلة على وجنتها، بعدها كان منظم الحفل يدعوا العروسين لتقطيع قالب الحلوى الكبير الذي توسط الحديقة، أمسكت سيليًا بالسكين الكبير بينما ماهر يمسك بكفها ليمررانه في قالب الحلوى إيذانًا ببدء توزيعها على المدعوين، بعدها التفت ماهر يلتهم شفتي سيليا في قبلة مطولة أحاطت فيها عنقه بكفيها وارتفع لها تصفيق الحضور وصافراتهم وتلك كانت بداية لقصة أخرى.


***
لأشهر اكتفى بمراقبتها عن بعد، يتتبع أخبارها، نجاحاتها وثباتها بالسوق تلك التي زلزلت مفاهيمه بتناقضاتها، بعثرت كيانه وتركته بقسوة لا يلومها عليها لذا اكتفى برؤيتها بعد أن حُرم قربها وطُرد من جنته التي تخيلها بين يديها، حفظ أماكن ترددها عن ظهر قلب ومواعيد تدريبات طفليها التي بات مداومًا عليها أكثر منها لا يُفلت موعدًا لمراقبتها بين الخضرة لساعتين أو أكثر دون أن يسمح لها بملاحظة وجوده كما هو حاله الآن، يقف متوارٍ خلف أحد الأشجار مما يسمح له بمتابعتها على طاولتها القريبة، شعر بكف صغيرة تحط على ساقه فأخفض نظره ليواجه الوجه الملائكي البريء، جلس على ركبة ونصف ليكون بمستوى أقرب للوجه الدائري الممتلئ، ابتسم الصغير ببراءة فاحمرت وجنتيه البيضاء بصفاء طفولي ليبادله حسام البسمة بعفوية، سمع صوت نسائي ينادي الطفل ويقترب:
ـ ضياء...
رفع حسام رأسه ليطالع هند وقد انتفخ بروز بطنها تتقدم ببطء من الصغير ليسألها:
ـ ضياء؟
أومأت برأسها إيجابًا تزدرد لعابها للمفاجأة، امتدت يدها تُمسك بكف الصغير ويد حسام امتدت ترفع كف ضياء الأخرى ليطبع قبلة عليها ابتسم لها ضياء مجددًا قبل أن تصحبه هند وتسير باتجاه الطاولة تحت أنظار الآخر الذي تعلقت عينيه بخصلات الصغير السوداء المتراقصة مع خطواته.
نهض منصرفًا ليصطدم بإحداهن عندما التفتت فجأة، تراجع خطوة معتذرًا يطالع الأخرى مرتدية بنطال من الجينز الأسود الضيق يُفصل ردفين ممتلئين باعتدال وخصر نحيف يعلوه قميص من الشيفون الأصفر يُظهر أسفله بلوزة باللون الأسود ملتصقة بجسدها تماما لتُظهر الصدر والظهر حتى المنتصف وتعكس بياض بشرة صاحبتها، ارتفع بصره لوجه ذلك الجسد المثالي ليواجه شفتين ممتلئتين بإغواء وعينين بلون البحر يُقسم أنهما عدستين لاصقتين وشعر مصبوغ باحتراف بين الأشقر والبني، ضيّق حاجبيه يحاول تذكر الوجه المألوف لتبادر هي بمد كفها تصافحه بسؤال:
ـ حسام القناوي؟
مد كفه بالمقابل يصافحها ويستفسر:
ـ أنا شفت حضرتك فين قبل كدة؟
ابتسمت تُعدل من خصلاتها وتذكره بنفسها:
ـ قوت
والاسم كان كافٍ تمامًا فتلك التي تصغره بأربعة أعوام كانت حديث الجامعة يومًا ما.
***
قضى عمره الفائت بين عمل ودراسة بحثًا عن مجهول لم يكن يدرك كنهه حتى اقترب منها ووجد اكتماله معها، تسللت إليه في غفلة منه كأخت ولم يدرك تشبع ذراته بحبها إلا عندما صارت بين ذراعيه زوجة فعرف معنى السكن عندما سكنت أحضانه واليوم موعد توحدهما الذي انتظره منذ عزم على الاقتران بها، ارتدى حلة العرس السوداء مع رباط عنق أسود يناقض بياض قميصه المتماشي مع زهرة تيوليب بيضاء وحيدة زينت جيب سترته العلوي، ترك غرفته بالفندق الفاخر المقام به العرس وسار بالرواق المؤدي إلى جناح العروس، طرق باب الغرفة فتأخر الرد، بالداخل كانت الفتاة المكلفة بتزيين العروس قد وضعت اللمسات النهائية لريم، سمعن طرق الباب فتحدثت هدير المرافقة لريم:
ـ دي أكيد ولاء مكلماني من ساعة وقايلة جاية
طُرق الباب مرة أخرى فتوجهت هدير لفتحه وهي تتوعد صديقتها للتأخير لتواجه رائد، ابتسمت بود وخرجت تسحب باب الغرفة خلفها بشبه انغلاق تمنعه عن رؤية عروسه بالداخل وهو اعترض لفعلها:
ـ عايز أشوف ريم
والشابة ترفع كفها أمامه وتتمسك بالباب معترضة طريقه:
ـ ما ينفعش دلوقت
ورائد لا يُجدي معه رفض ثبّت نظره على نقطة وهمية خلفها على الحائط وأشار لها بعدم الحركة وكأنه رأى شيئًا، صوته المتحدث بهمس أثار الريبة بنفس هدير وهو يخبرها:
ـ صرصار بيطير أوعي تتحركي
والصغيرة انتفضت مبتعدة بذعر ليضحك رائد ويدلف للغرفة مغلقًا الباب خلفه ويشير بأصابعه للمخدوعة بعد أن اكتشفت مكيدته التي سقطت بها كأي فتاة غرة، دلف رائد يطالع ريم التي وقفت تواجهه عندما سمعت صوته، ذُهل لهيئتها الملكية فالثوب الستان بلون العاج يحتضن جسدها برقي ويعلوه خيوط من التطريز الفضي المطعم بأفرع أشجار تمتد على طول الثوب من أسفله حتى تتفرع على الصدر والأكمام المصنوعة من الشيفون ليعكس قمحية بشرتها أسفله، الثوب الذي ينسدل حتى القدمين بشكل ملاصق لجسدها ويحوي تنورة خلفية تبدأ من الوسط وتتسع بتموجات حوله لتمتد للخلف بطول متر تمنحه مظهرًا أسطوريًا زاده تاج من أفرع الأشجار الفضية زين رأسها وانسدلت منه طرحة العرس القصيرة التي زادتها رقة ووقارًا، تقدم رائد بأعين مشدوهة يُمتع نفسه بما يرى وريم أخفضت نظرها خجلًا عندما أمسك رائد بكلتا كفيها يرفعهما إلى شفتيه فيطبع قبلة رقيقة على كل منهما:
ـ يا بختي بقى
رفعت ريم نظرها بسعادة وهو رفع ذراعها يديرها دورة كاملة حول نفسها ليشاهد الثوب بالكامل ليتوقف بصره على ظهر الثوب المصنوع بالكامل من الشيفون مكتفيًا بأفرع الأشجار المطرزة التي تحتضنه من الجانبين وصف من الأزرار بلون العاج بالمنتصف لينطلق اعتراضه:
ـ يا خبر أسود
صُدمت ريم وتوقفت تواجهه وتُضيق حاجبيها بغيظ وهدير التي دلفت مجددًا تدخلت في محاولة لإنقاذ الموقف:
ـ ماله يا باشمهندس بس
التفت إليها رائد وهو يكبح غيظه بصعوبة يكز على أسنانه فتبرز عظام وجنتيه:
ـ ماله! إيه الضهر ده
ثم التفت إلى ريم ولم يستطع التخلي عن عبثه الذي فهمته وحدها:
ـ وأيه كل الزراير دي؟
ابتلعت خجلها وردت ببعض تحد لم تعد تجيده أمامه:
ـ الفستان عجبني
مط رائد شفتيه بعدم رضا يعترف أن الثوب ملكي ويليق بها لكنه غير راضٍ:
ـ يعني إنتِ تقفلي الشبابيك قدام تفتحي المنور
وريم لم تتمالك نفسها من الضحك على كلمته بينما هو دس كفيه بجيبي بنطاله وأصدر أمره:
ـ مش هتنزلي كده
صدمت ريم لما تفوه به وعاد اعتراضها للطفو:
ـ يعني إيه وهعمل إيه دلوقت
رفع رائد كتفيه بعدم اهتمام وأجاب:
ـ معرفش اتصرفوا وغطوا الضهر ده
تقدمت هدير تحاول علاج الموقف باقتراح:
ـ ممكن نطول الطرحة تغطي الضهر
وهنا تدخلت الفتاة المختصة بالزينة باعتراض:
ـ ما ينفعش يا آنسة الفستان بديل الطرحة المفروض لحد الكتاف أو نص الضهر بالكتير
أمسكت هدير بكف ريم تعيدها لتجلس أمام المرآه وتؤكد:
ـ هنطولها لحد الوسط مش مشكله
ورائد قطع اعتراض الفتاة الأخرى التي ودت بالحديث فابتلعت كلماتها:
ـ أعملي اللي قالت عليه من سكات
حلت طرحة العرس وأعادت وضعها بشكل أطول مع الحفاظ على تموجاتها، ألقى رائد نظرة رضا نهائية ثم منح ريم ساعده لتتعلق كفها به:
ـ يالا على السيشن
تعلقت ريم بساعده والتفتت إلى هدير مستفسرة:
ـ ولاء اتأخرت قوي
والأخرى كانت بالأسفل بمدخل الفندق على موعد مع اصطدام على حين غرة عندما حاولت الدلوف إلى المصعد بينما كان أحدهم يحمل الكثير من الحقائب ويخرج دون انتباه لتصطدم به وينزلق كعب حذائها الرفيع في الفراغ بين المصعد والحائط كادت تسقط لينتبه الآخر يحيط بخصرها في دعم سريعًا ما تراجع عنه عندما نهرته:
ـ إيدك
رفع كفه باعتراض وهي حاولت استعادة توازنها وسحب حذاءها ليخرج دون كعبه الذي سقط إلى غير رجعة، أخفضت ولاء نظرها تطالع حذاءها الذي فسد وأفسد يومها ثم عادت بغضب للآخر الذي كان يلملم حقائبه المتناثرة بفعل الاصطدام:
ـ عاجبَك كدة!
ألقى الرجل نظرة إلى الحذاء ثم عاد إليها معتذرًا:
ـ آسف
والأخرى لم تعد تعرف كيفية التصرف بينما لا تستطيع السير بحذاء ونصف فصبت غضبها على من أمامها:
ـ هعمل إيه بأسفك؟ هحضر الفرح إزاي دلوقت ده أنا مش عارفة أمشي خطوة
تنحنح الرجل الذي لم يجد ما يستطيع تقديمه سوى عرض المساعدة:
ـ عربيتي قدام الأوتيل ممكن نروح نشتري واحدة تانية
تخصرت ولاء بكف وأشارت نحوه بسبابتها بغصب أكبر:
ـ عايزني أركب معاك العربية!
ـ إنتَ فاكرني إيه
والرجل لا يجد ما يقدمه أكثر أضاف بتوضيح:
ـ أنا قصدي بس أصلح اللي حصل
طالعته ولاء بشك، هيئته المحترمة لا تشي بشاب عابث، خصلات بنية قصيرة وعينين بلون البن يظهران أسفل عوينات طبية أكسبته وقارًا مع حلته الكحلي، هي لا تجد ما يمكنها فعله غير الاستعانة به فأومأت إيجابًا وسارت معه بعد إشارته المشجعة، وضع الأكياس التي يحملها بحقيبة السيارة وانتقل لمقعد السائق يشير للواقفة جوارها بتوجس للركوب وولاء بعد تردد فتحت باب السيارة الخلفي لتركب تحت دهشته لكنه لم يعترض، وصلا لأقرب محل أحذية فهمّ بالنزول ليمنعه صوتها:
ـ استني؛ إنتَ فاكرني هخليك تشتري ليَ
توقف وعاد لمقعده وهي نزلت تعرج حتى المحل، دقائق وكانت تنتعل آخر وتسير بثقة بثوب سهرتها الكلاسيكي عائدة إلى مقعد السيارة الخلفي ليعودا حيث الفندق ويصف سيارته ويترجل سريعًا يلحق بالهاربة نحو بوابة الفندق يستوقفها:
ـ متعرفناش
مد كفه يصافحها بأدب:
ـ رائف
وهي نقلت نظرها بين وجهه وكفه بعدم رضا وتركته ودلفت للفندق تلحق بصديقتيها فقد تأخرت عليهما بسببه والآخر خلفها ينادي:
ـ يا آنسة، اسمك طيب، يا سندريلا
***
بقاعة العرس كان صوت صابر الرباعي يصدح
الليلة دي أنا ملكت الكون بحاله
وياك إنت حبيبي أنا
ورائد يمسك بخصر ريم التي تستند بكفيها إلى كتفيه يتمايلان مع أنغامها الساحرة
م اللحظة دي أنا هتتغير حياتي
وهتبقى أحلى مع حبنا
يفرد ذراعه ممسكًا بكفها لتفرد هي الأخرى ذراعها وتدور لتعود بأحضانه مرة أخرى
حبيبي إنت وأنا بقينا قلب واحد
عقل واحد روحين في روح
يرفع ذراعه ممسكًا بذراع ريم للأعلى فتدور حول نفسها دورة كاملة ثم تعود بين ذراعيه مرة أخرى
حبيبي كل يوم هقولك يا حبيبي
هتفضل حبيبي مليون سنة
يلصق جبينه بجبينها وهو يأسر عينيها هامسًا بالكلمات التي اختارها بنفسه
خدني حبيبي لعالم تاني بعيد
في حياة وجديد أفضل معاك على طول
إنت اللي عشت حياتي منايا ألاقيه ومنايا أراضيه
طول الحياة وفي هواه مشغول
يحملها من خصرها باحتضان ويدور دورة كاملة حول نفسه ثم ينزلها طابعًا قبلة على جبينها.
في طاولة جانبية كانت نسمة تجلس وحيدة تشاهد الحفل وقلبها يرقص معهما، اقترب فارس بخطوات متمهلة ليجاورها وكلمات الأغنية التي تتردد وتعبر عنه تدفعه دفعًا ربما نال ما عاش طويلًا يتمناه، ألقى بنظرة نحو لمى التي جاورت نادين ونور جوار المسرح الذي توسط القاعة واعتلاه ريم ورائد وعاد بنظره إلى مالكة عقله وروحة وهي طالعته بفهم لمغزى نظراته، تشفق عليه من حب لا ترى جدواه له بينما هو متمسك بأمل يراه وحده دونها، همست بإجابة سؤاله الذي طرحته نظرته عليها:
ـ القرار صعب
ابتسم فارس بتشجيع يكمل:
ـ لكن مش مستحيل
هزت نسمة رأسها يأسًا منه:
ـ مش هقدر آخده
نظرات حنانه التي لا يكف عن إرسالها أربكتها وهو يؤكد:
ـ هستناكِ لحد ما تاخديه
ملأت صدرها بالهواء وزفرته في محاولة لاستدعاء صبرها، لماذا لا ييأس منها فقط ويتركها:
ـ ما أقدرش أوعدك
ومن عاش بحب يئس منه طويلًا لن ييأس الآن وإن كانت تُجدد عدم قبولها في كل مرة:
ـ كفاية عليَ أكون قريب منك
صمتت وعادت لتشرد في رقصة شقيقها وصديقتها، فبين حاجة لمن تستند إليه للمتبقي من عمرها وعدم قدرتها على استبدال من لم تعرف غيره زوجًا تبقى هي ممزقة ولا تمتلك إجابة طلبه وحده الزمن قادر على ترجيح أي من الكفتين.





تمت بحمد الله
الرواية التي بدأت كفكرة وكُتب أول مشاهدها في رمضان ١٤٣٧
يونيو ٢٠١٦
لتظل حبيسة رأسي حتى نُشر أول فصولها في
١٨ ديسمبر ٢٠١٩
وكُتبت آخر كلماتها في يوم الجمعة
١٨ سبتمبر ٢٠٢٠
٨ مساءً

كلمة
عن نسمة؛ نسمة لم تكن تلك البطلة التي خلقتها لأمنحها فرصة أخرى وإن تمنيت بداخلي أن أمنحها إياها ولكن نسمة هي كل امرأة معيلة سحقتها الحياة بين رحاها وأجبرتها على لعب دورًا لم يكن يومًا لها وهي كانت على قدر المسئولية رغم ما تتكبده لقاء ذلك
نسمة هي بائعة الخضروات التي نمر عليها كثيرًا دون معرفة القصة خلفها، هي ربة البيت التي انحنت خلف ماكينة حياكة، هي الموظفة التي خرجت لتعيل أبناءها أي كان السبب، فإن التقيتم بإحداهن يومًا فاتركوا لهن القرار فكل نسمة منهن وحدها من تملك حق تقرير مصيرها فلن يحيا أحدٌ كان حياتها ليقرر عنها حتى أنا







في النهاية
قارئي العزيز
بين يديك قطعة أودعت بها جزءً من روحي أرجوا أن تتقبلها بقبول حسن
هبة ندا
وإلى اللقاء في
بذور الماضي





heba nada غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 08-11-20, 12:42 AM   #66

موضى و راكان

نجم روايتي

alkap ~
 
الصورة الرمزية موضى و راكان

? العضوٌ?ھہ » 314098
?  التسِجيلٌ » Mar 2014
? مشَارَ?اتْي » 4,282
? الًجنِس »
? دولتي » دولتي Egypt
? مزاجي » مزاجي
?  نُقآطِيْ » موضى و راكان has a reputation beyond reputeموضى و راكان has a reputation beyond reputeموضى و راكان has a reputation beyond reputeموضى و راكان has a reputation beyond reputeموضى و راكان has a reputation beyond reputeموضى و راكان has a reputation beyond reputeموضى و راكان has a reputation beyond reputeموضى و راكان has a reputation beyond reputeموضى و راكان has a reputation beyond reputeموضى و راكان has a reputation beyond reputeموضى و راكان has a reputation beyond repute
¬» مشروبك   cola
¬» قناتك max
?? ??? ~
سبحان الله وبحمده .. سبحان الله العظيم
?? ??? ~
My Mms ~
Rewitysmile25

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 50 ( الأعضاء 10 والزوار 40)






‏موضى و راكان, ‏نوراااا, ‏منو6, ‏نهاد رو, ‏Varan, ‏سهير99, ‏mango20103, ‏OsamaRageh, ‏هارت دوو, ‏نهله صالح





مبدعة يا هبة رواية شيقة و ممتعة تسلم أفكارك

فى أنتظار جديدك بشوق يا جميلة دمتى بكل خير


موضى و راكان غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 08-11-20, 03:00 AM   #67

hanaa85

? العضوٌ?ھہ » 55639
?  التسِجيلٌ » Oct 2008
? مشَارَ?اتْي » 1,101
?  نُقآطِيْ » hanaa85 is on a distinguished road
افتراضي

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته بسم الله الرحمن الرحيم شـكــ وبارك الله فيك ـــرا لك ... لك مني أجمل تحية . موفق بإذن الله ... لك مني أجمل تحية .

hanaa85 غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 09-11-20, 07:59 AM   #68

أمل سند

? العضوٌ?ھہ » 479314
?  التسِجيلٌ » Oct 2020
? مشَارَ?اتْي » 10
?  نُقآطِيْ » أمل سند is on a distinguished road
افتراضي

الرواية رررائعة تحكى عن سيدات تعيش نفس الحياة فعلا رواية حقيقة تسلم ايديكى الرواية تحفة وفى انتظار الجديد

الفصل الثامن والعشرون

الحب فعل ميزانه الثقة
مثقاله الأمان
يُرفع بالاحتواء
وغير قابل للجر

***
أسبوع قضته ببيته وهي زوجته شرعًا، سبعة أيام كاملة عاشتها في كنفه وهو مكتفٍ منها بقبلة أو احتضان عابر، سبعة ليالٍ كلما حاولت الفكاك من صغيرها تمسك بها أكثر والآخر لم يتذمر، حاولت تكييف طفلها على الوضع المستجد، لآخر ثلاثة ليالٍ كانت تنتظره حتى يغط في النوم ثم تُكمل ليلتها بالفراش الآخر حتى اطمأنت لاعتياد الصغير على غيابها لبعض الوقت، وفي الليلة الثامنة لزواجها تسللت بخفة بعدما غطَّ ضياء في النوم، دلفت غرفة نومهما وقد تشبعت باحتوائه لكل ما مرت به حتى الآن، أسر قلبها بلطف فقررت أن تخطو أولى خطواتها نحوه، دللت نفسها بحمام دافئ قبيل موعد عودته واختارت من خزانتها غلالة من الستان الأبيض تحتضن جسدها حتى ركبتيها وترتفع لتشكل قلبًا من الدانتيل عند الصدر، نثرت ذرات العطر الذي اختاره بنفسه لها وارتدت المئزر المصاحب للغلالة في محاولة للتغلب على توترها، سمعت صوت مفتاحه يدور بمغلاق الباب ويدلف على أطراف أصابعه كما اعتاد في الأيام السابقة، كان قد تخلص من قميصه قبل الوصول لغرفته، تمهل قليلًا عند الباب عندما لاحظها جالسة على حافة الفراش تضم كفيها فوق ساقيها تفركهما بارتباك،
حضوره مُهلك يبعثر كيانها بنظرة و يعيد لملمته بهمسة، أغلق باب الغرفة في خلوتهما الأولى منذ عُقد القران واقترب بهدوء يتأملها ببسمة حنون طالما منحتها رسالة أمان، وهي رغم معايشتها للموقف سابقًا أخفضت نظراتها خجلًا في محاولة فاشلة للفكاك من حصاره، جاورها وضم جسدها إليه يحيط خصرها بذراعه وبأنامل كفه الأخرى يرفع ذقنها لتقابل احتواء نظراته و صوته يدغدغ مسامعها:
ـ لو مش مستعدة...
يهدهد خجلها و يمنحها حرية الفِرار وهي لم تسمح له بتكملة؛ أغمضت جفنيها وهزة رأسها الخجول تمنحه شارة البدء هي لن تُثقل عليه أكثر وتستغل تفهمه فتسلبه حقه وهو كمن كان ينتظر إشارتها لتنطلق شرارات عشقه تلهبهما معًا، لثم شفتيها في قبلة مبتدئ شغوف وعنها فأناملها امتدت تستكشف لحيته وترتفع معه فوق غيوم الحب، لمساته الغير خبيرة تمنحها نشوة خاصة لم تختبرها قبلًا رغم سنوات زواجها تقابلها لمساتها المرتبكة، يُعلمها أبجديات عشقه ويصك جسدها ببصماته مزيلًا آثار آخر؛ وعنها كانت روحها تنصهر بلهيبه وتتشكل من جديد مدركة لحقيقة ما تعايشه للمرة الأولى، يسقيها ولعه بها فتطيب نفسها البِكر وتفيض بالرضا، نهضت تعيد ارتداء مئزرها وهي غارقة بخجلها، توجهت نحو نافذة الغرفة المظلمة تتطلع إلى النجوم المتلألئة بالسماء وضوء القمر يتسلل خلال الزجاج ورغمًا عنها انعقدت المقارنة بعقلها بين ما اختبرته لثمانِ سنوات وما عاشته توًا، لاحظ محمود شرودها فاقترب يحتضنها من الخلف ينحني ليستند بذقنه إلى كتفها ويهمس جوار أذنها:
ـ سرحانة في إيه؟
وهي ابتسمت برضا لن تستطيع إفساد لحظته تلك وجرحه بكونها قارنته برجل آخر وإن كانت المقارنة حُسمت لصالحة بجدارة، دارت بين ذراعيه فأسندت رأسها إلى صدره وأحاطت خصره بذراعيها مغمضة عينيها براحة وقد أدركت للمرة الأولى أنها ولثمان سنوات كانت زوجة لرجل منقوص الذكورة وللتو بدأت حياتها كزوجة حقيقية.
***
لأسبوع صارت خطيبة برتبة زوجة، تستمتع بدلاله وتبذل قصارى جهدها في مشاكسته، يجيد حصارها وهي تتقن ادعاء الهرب، اعتادت مقاطعته لطريقها مثلما تراه الآن بعد خروجها من عملها مستندًا بنصف جلسة إلى مقدمة سيارته التي صفها خلف سيارتها، تقدمت منه بابتسامة تربع ذراعيها أمام صدرها:
ـ خير يا باشمهندس
وهو اعتدل في وقفته يدس كفيه بجيبي بنطاله:
ـ عازمك على الغدا
ضربت ريم كفًا بكف وهي تسأله:
ـ وما قلتش ليه كنت جيت من غير العربية؟
وهو ألقى بنظرة إلى سيارتها وعاد إليها يجيب ببساطة:
ـ ما كنتش مقرر
ثم استطرد وهو يدور حول سيارته استعدادًا للركوب:
ـ أمري لله همشي وراكِ لحد البيت تركنيها وتيجي معايا
وكعادتها اعترضت وهي تهم بركوب سيارتها:
ـ ما تقول رايحين فين بدل اللفة دي
وهو هز رأسه نفيًا يمنحها غمزة بطرف العين وابتسامة متلاعبة:
ـ مفاجأة
ولم يمنحها الفرصة لمزيد من الاعتراض، استقل سيارته وأشار لها بالانطلاق ليسير خلفها تارة ويجاورها بسيارته تارة أخرى وصوت فيروز يصدح من مشغل اسطوانات سيارته
سلملي عليه
وقله إني بسلم عليه
بوسلي عينيه
وقله إني ببوس عينيه
ويصلها بوضوح لترتسم ابتسامتها السعيدة على وجهها، توقفت بإحدى إشارات المرور ليجاورها بسيارته ويرفع من صوت الأغنية
إنت ياللي بتفهم عليه
سلملي عليه سلم
يثبت عينيه عليها بنظراته العاشقة التي أربكتها تحاول تجاهلها وتثبيت نظرها للأمام ثم تعود لتختطف منه نظرة والصوت الشجي يدغدغ قلبها بلطف
قِله عيونه مش فجأة بينتسو
وضحكات عيونه ثابتين ما بينقصو
تصطدم بعينيه التي تحيطها بعشق فتُخفض نظراتها سريعًا ملتفتة للجهة الأخرى حتى لاحظ رجل المرور ما يدور فنهض يشير إلى رائد ببداية غضب ليرفع رائد يده مظهرًا حلقته الفضية بوضوح ويعود الرجل بنظراته إلى ريم التي رفعت هي الأخرى كفها مظهرة حلقتها الذهبية وعادت إلى رائد بنظرة لوم أنقذه منها تحول الإشارة إلى الأخضر وانطلاقها بسيارتها وهو انطلق خلفها ولايزال الصوت يصلها
مدري شو بو وبعرف شو بو
مطبوعة بذاكرته ما تبحثو عم تبحثو
سلملي عليه وقله إني بسلم عليه
بوسلي عينيه وقله إني ببوس عينيه
وصلا حيث منزلها فصفت سيارتها ثم جاورته بابتسامة والأغنية التي ما تلبث تنتهي حتي يعيد تشغيلها تكمل رسالته لها
هيدا حبيبي اللي اسمي بيهمسو
تعبان على سكوتو ودارسو
واضح شو بو ما تقول شو بو
عامل حالك مش عارف ما تحرأسو بتحرأسو
سلملي عليه سلم وقله إني بسلم عليه
ويردد بصوته معها مختلسًا النظرات لمجاورته المستمتعة بالصحبة
بوسّلي عينيه هو ومفتحهن عينيه
وبوسو بخدو طوللي عليه فهمت عليّ إيه وسلم
سلملي عليه
اختطف قبلة من وجنتها وهي توردت خجلا ولاحظت الطريق غير المألوف الذي اتخذه لتسأل:
ـ إحنا رايحين فين؟
منحها إحدى نظراته المتلاعبة متجاهلًا الإجابة، امتدت كفه إلى الجيب الخلفي لمقعدها ومنحها مسطرة ألوان موضحًا:
ـ اختاري درجات الدهان لحد ما نوصل
التقطتها تشرد بخيالها لتقرر اللون المناسب لكل غرفة بينما رائد يحتضن يسراها بيمناه حتى شعرت بتوقف السيارة فرفعت رأسها تستكشف الحي الشعبي ورائد صف سيارته في الزحام بمعجزة، نزل من السيارة وريم تبعته لترفع نظرها تطالع وجهتهما التي اتضحت لها وارتفع صوتها الضاحك من اختياره:
ـ البرنس!
التقط كفها ودلفا إلى المطعم الشهير، اختار رائد طاولة جانبية لتتجول ريم بنظرها في المكان وتعود إليه بسؤال:
ـ وهناكل إيه بقى؟
ابتسم رائد بخبث وأجاب دون أن يرضي فضولها:
ـ هتعرفي، أنا عامل الأوردر من بدري
دقائق وكان النادل يقدم طواجن الطعام وأبخرة اللهب تتصاعد منها ورائد يصف طلبه بحماس:
ـ طاجن عكاوي، طاجن كوارع، ورقة لحمة وملوخية
ازدردت ريم لعابها تحاول التماسك أمام تلك الأصناف، هزت رأسها بتفهم وامتدت يدها إلى صينية اللحم تقربها إليها بهدوء وتوضح:
ـ أنا هاخد اللحمة وإنت براحتك بقى
امتدت كف رائد تسحب الصينية ناحيته ونهض يلتف حول الطاولة ليجاورها، دس ملعقة بطاجن العكاوي ووضع بعضه بصحنها لتنظر إليها ريم شذرًا وهو يشجعها:
ـ جربي
التقطت الشوكة تحاول استخلاص قطعة اللحم من بين العظام وتذوقتها بشك، فاجأها المذاق المحبب فهزت رأسها إيجابًا لرائد الذي أخذ قطعة مماثلة بصحنه ثم التقطها بأصابعه يلتهمها باستمتاع ويتبع:
ـ بإيدك بقى ما تضحكيش الناس علينا
ابتسمت وشاركته متعته بمتعة مماثلة تستمتع بوجبتها الجديدة عليها، دس الملعقة بالطاجن الآخر واستخلص قطعة داخلية من الكوارع يقدمها إليها وهي تنظر لها مطبقة شفتيها بقوة وتعلن اعتراضها:
ـ لأ دي لأ
ورائد لا يعترف برفض:
ـ المدام لازم تشاركني اهتماماتي
أحاط عنقها بذراعه يثبت رأسها بقوة وبكف يده الأخرى يقرب القطعة من فمها وريم مستمرة على هز رأسها رفضًا:
ـ دي بتلعب
انتهز رائد فرصة حديثها ليدس القطعة بين شفتيها تلوكها بتوتر حتى ابتلعتها:
ـ طيب معقولة بس خليني أنا في العكاوي
حرر رائد رأسها وعاد لصحنه يستمتع بوجبته:
ـ إنتِ الخسرانة
أنهيا وجبتهما واتخذا طريق العودة إلى منزل ريم وتلك المرة كان مشغل الاسطوانات يصدح بأحد أغاني المهرجانات، ضربت ريم كفًا بكف وهي تضحك وتشاكسه:
ـ فيروز وبعدين مهرجانات طب إزاي
منحها رائد نظرة جانبية وعينيه تبتسم لضحكها، عاد بنظره إلى الطريق وهو يوضح من بين ضحكاته:
ـ ما هو بصراحة الأكلة دي دماغ مهرجانات
ضحكت ريم باستمتاع فوقتها معه يمضي بيسر بينما هو يتسلل إلى خلاياها بخفة، وصلا أسفل منزلها وقد حل الليل، قبيل نزولها من السيارة التفت رائد يؤكد عليها:
ـ أكدي على طنط معاد بكرة
هزت ريم رأسها إيجابًا وهي تودعه على وعد بلقاء لم تعد تطيق انتظاره.
***
صباح جديد أشرقت به شمس حياتها وقد تذوقت للدنيا مذاقًا جديدًا مزاجه الأمان الذي اختبرته منذ دلفت بيته زوجة له، قضت نصف نهارها برفقة طفلها، عاد هو لعمله بينما هي فضلت القيام بدور العروس لوقت أطول، ومع انتصاف النهار عاد لبيته ينعم بدفء الأسرة الذي افتقده منذ زواج غنى، أنهى وجبته الساخنة برفقة زوجته وطفل سكن قلبه وإن لم يكن من صلبه، بعدها كان جرس الباب يدق ليفتح محمود ويطالع غنى التي امتنعت عن استخدام المفتاح الذي تمتلكه حفاظًا على خصوصيتهما وهو جذبها للداخل يقبل رأسها فمنذ عُقد قرانه اكتفت شقيقاته بمهاتفته مانحين له خلوة مستحقة مع عروسه لكنه يعلم أن غنى خاصة هي من ستبدأ بكسر ذاك الاتفاق الغير معلن بينهن وهو ما أعلنته شقيقته عندما تعلقت بعنقه شوقًا:
ـ وحشتني يا حوده
ومحمود احتوى كتفيها وهو يغلق الباب ويسير بها نحو صالة البيت حيث صافحت هند معتذرة عن الحضور:
ـ آسفة إني جيت فجأة
وهند ابتسمت بود ترحب بها:
ـ البيت بيتك
وتركتهما لتدلف إلى المطبخ تعد واجب الضيافة بينما غنى وضعت حقيبة حاسوبها النقال على المنضدة، قبلت رأس الصغير الجالس أرضًا والذي ابتسم لها ببراءة وجاورت محمود تروي شوقها لجلسته، دقائق تجاذبت فيها أطراف الحديث مع شقيقها تخبره بكل ما حدث خلال أيامها الماضية كما اعتادت، التفتت لتُفاجأ بضياء الذي زحف بمقعدته جلوسًا حتى الطاولة يجذب حزام حقيبة الحاسوب المتدلي حتى كاد يسقط فوقه فانتفضت بذعر نحوه تمسك بالحزام لتجذبه من يد الصغير وصوتها ارتفع دون إرادة:
ـ لأ..لأ
والصغير بكى فزعًا لنهرها بينما هند تخرج من المطبخ لتصطدم ببكاء صغيرها، أسرعت خطواتها فوضعت الصينية التي كانت تحملها على المنضدة وانحنت تحمل ضياء تضمه وتقبل رأسه وتهمس باعتذار مقتضب:
ـ آسفين
ثم أسرعت حيث غرفتها تاركة غنى التي ذُهلت لرد فعلها تلاقي نظرات محمود وتبرر:
ـ والله يا أبيه ما أقصد أنا خفت يقع عليه
نهض محمود يتوجه إلى شقيقته التي يثق بسلامة نيتها ويعلم عفوية فعلها، قبّل رأسها ومنحها ثقته وتبريره:
ـ عارف بس هي بتخاف عليه زيادة علشان ظروفه
هزت غنى رأسها إيجابًا وحملت حقيبتها تستأذن بالانصراف ومحمود شعر بحزنها فحاول التمسك ببقائها:
ـ لسة ما شبعتش منك
وهي رفعت جسدها على أطراف أصابعها تطبع قبلة على وجنته وتجيب:
ـ مستعجلة علشان العيادة
أومأ موافقًا وودعها لدى الباب وعاد يبحث عن الأخرى وجد ضياء قد استسلم للقيلولة بغرفته وهي تزرع غرفتهما بتوتر، دلف مغلقًا بابها وعلامات غضبه بدأت بالزحف إلى قسمات وجهه اقترب خطوتين منها وهي توقفت تواجهه عندما سأل بصوت حازم:
ـ ممكن أفهم إيه اللي حصل؟
فركت كفيها ببعضهما بتوتر وأجابت مدافعة عن نفسها:
ـ ما أنا اعتذرت
اقترب محمود أكثر وقد بدأ صوته في الارتفاع قليلًا:
ـ عن إيه؟ ممكن أعرف إيه اللي خلاكي تاخدي الولد وتدخلي كدة واختي تمشي زعلانه؟
أشاحت بوجهها للجانب الآخر تجيب بارتباك:
ـ خدته ودخلت علشان منزعجهاش
انطلقت زعقته المستنكرة بوجهها:
ـ ومين قالك إنها منزعجة؟
اقترب أكثر يلوح بذراعه في الهواء وقد بُهت لتفسيرها الملتوي لرد فعل شقيقته، يضع معها النقاط فوق الحروف فقِصر فترة تعارفها بشقيقاته ربما هي السبب:
ـ من يوم ما قررت أتجوزك اعتبرتك إنتِ وضياء جزء من عيلتي
صوته المرتفع بانفعال صم أذنيها عن كلماته وهو يكمل:
ـ لكن لو هتفضلي معتبرة إنكم كيان منفصل مش هقدر أجبر أخواتي يتعاملوا معاكِ على الاعتبار ده
وهي لم تكن تعي شيئًا سوى اقترابه المنفعل وكفه التي يلوح بها وتنتظرها لتهوي على وجهها، انكمشت بخوف تغمض عينيها وترفع ذراعيها أمام وجهها في حركة دفاعية صُدم محمود لرؤيتها، صمت واقترب يرفع كفه يلمس كتفها برفق فانتفضت مبتعدة للمسته ليتأكد توقعه، تجمدت كفه في الهواء قليلًا ثم سحبها يضم قبضته جوار جسده بانفعال، لاحظت صمته ففرجت جفنيها بشك لتقابلها نظراته المتألمة قبل أن يقطر صوته حزنًا يصفعها بالحقيقة:
ـ لما تعرفي إنتِ مرات مين دلوقت نبقى نكمل كلامنا
والتفت يغادر، فتح الباب وتوقف يوليها ظهره:
ـ هستناكم تحت علشان أوصلكم الجلسة
وعنها فقد سقطت جالسة فوق الفراش وقد أدركت أنها لازالت أسيرة أشباح ماضيها التي تحرمها رؤية ما باتت تمتلكه، طالعت ساعة هاتفها فوجدت إن جلسة معالجة ضياء الفيزيائية لم يتبقَ عليها الكثير، بدلت ملابسها وانتقلت تُعد الصغير وترجلت لتجده بانتظارها بأحد سيارات الأجرة جوار سائقها فاستقلتها هي وطفلها دون كلمة، وصلا للمركز فدلفت مع الصغير ومحمود انصرف وبعد ساعتين كان بانتظارهما مرة أخرى ليعودوا إلى المنزل في صمت، دلف محمود غرفة النوم، بينما هند دلفت غرفة الأطفال حتى غطّ ضياء في النوم وتسللت بخفة تعود لزوجها، اندست جواره في الفراش واحتضنته من الخلف تستند برأسها إلى رأسه وتهمس معتذرة:
ـ آسفة
شعرت بتصلب جسده وعينيه المثبتتان أمامه فلفت وجهها تطبع قبلة على منابت لحيته وتعيد اعتذارها:
ـ ما تزعلش مني
التف ينام على ظهره ويحيطها بذراعه لتستقر رأسها فوق صدره يؤكد لها حقيقة:
ـ أنا عمري ما مديت إيدي على واحدة ست
دفنت وجهها بصدره تؤكد لنفسها حقيقة واقعها الجديد، تتمسك بما تمتلكه بالفعل وتحاول التخلص من ماضيها الذي يُفسد عليها حاضرها ومحمود طبع قبلة حنون على منابت شعرها وقد أدرك أنها كانت ضحية لحياة سابقة لن تستطيع تجاوزها بسهولة، ملأ صدره بالهواء يعيد عليها أمنيته:
ـ أنا كان عندي تلاتة هم أغلى حاجة عندي دلوقت بقوا أربعة
رفعت هند رأسها قليلًا تطالعه على ضوء القمر الخافت وهو أكمل:
ـ عايزك تعتبريبهم عيلتك
أومأت هند برأسها إيجابًا تطمئنه:
ـ بكرة هكلم غنى وأصالحها
ابتسم براحة يوضح لها:
ـ غنى بالذات بنتي؛ أنا اللي كنت بوصلها المدرسة وأرجعها ولو حد زعلها تيجي جري تشتكيلي
شرد وابتسم بسمة حنين لذكرياته مع الصغيرة التي تربت في كنفه:
ـ في حفلة تخرجها لما نزلت من المسرح جري عليَ حسيت بحاجة عمري ما حسيتها مع أخواتها
عاد بنظره إلى هند يكمل بوحه:
ـ يوم فرحها كنت عايز أخطفها وما اسيبوش ياخدها بس سكت علشان عارف إنها بتحبه
ابتسمت هند لحنانة وعادت برأسها فوق صدره تضم جسدها إليه، أي رجل هذا الذي منحها قدرها إياه ويجب عليها الحفاظ عليه.

***
باليوم التالي كانا على موعد جديد هي والسيدة رقية ورائد ووالدته في جولة بمحافظة دمياط لاختيار أثاث منزلهما، تنقلا بين المحال حتى اتفق العروسان على اختيار غرفة النوم بينما لم ترق لهما أي من غرف المعيشة، دلف أربعتهم إلى محل جديد وقد انتصف النهار لتجلس السيدة رقية على أقرب مقعد وقد أرهقتها الرحلة تنادي السيدة زينب للجلوس جوارها:
ـ تعالي نرتاح احنا شوية
والأخرى نال منها التعب فجاورتها بصمت بينما السيدة رقية توجه كلماتها إلى رائد وريم مضيفة:
ـ اتفرجوا انتو ولما حاجة تعجبكم نادولنا
هزت ريم رأسها إيجابًا والتفتت إلى رائد:
ـ تعالى نشوف أوض الأطفال
مطت السيدة زينب شفتيها ووجهت كلماتها إليها:
ـ ولزومها إيه بس
والنظرة واضحة والمعنى وصل بدقة وسهمها أصاب هدفه في مقتل لتلتفت إليها السيدة رقية مستفسرة بنبرة حادة:
ـ قصدك إيه؟
والأخرى تراجعت بارتباك تستدرك ما صدر عنها بتوضيح لم يرُق للجميع:
ـ أقصد يعني لما ربنا يكرم يجيبوا اللي نفسهم فيه
ورائد حسم الموقف أحاط كتفي ريم بذراعه يدفعها للسير معه وهو ينهي حديث والدته:
ـ لأ هنجيبها دلوقت
قادها بين غرف العرض وهي صامتة بينما كلمة والدته تتردد بعقلها مئات المرات وشيطانها يزيد عليها، ورائد وصله صمتها وجرحها جيدًا يحتضن كفها وهو يناقشها في الغرف المعروضة وهي مكتفية بهزة رأس رافضة، رافقا البائع وهما يشاهدان إحدى الغرف كان ظهر أحد الفراشين على شكل شخصية "سبونج بوب" بينما ظهر الفراش الآخر على شكل "بسيط" بألوانهما الطفولية المحببة والخزانة بلون سفينة وكل باب منها يحوي رسمة نافذة يظهر منها الموج، توقف رائد أمام الغرفة يحيط خصرها بذراعه يضمها إليه ويعلن:
ـ بس هي دي إيه رأيك؟
ابتعدت ريم عن احتضانه خطوة بخجل وهو اقترب تلك الخطوة يحيط كتفيها تلك المرة ويستفهم بنظرة عن رأيها لتهمس:
ـ حلوة
ابتسم رائد يشاركها خياله ولا يزال محتويًا لكتفيها بذراع ويلوح بالأخرى:
ـ وهرسم لهم موج على الحيطة علشان يعيشوا في قاع الهامور
ابتسمت ريم وشردت بخيالها تتخيل شكل الغرفة بمنزلهما بينما غصة لازالت عالقة بحلقها.
أوشكت الشمس على المغيب وقد نال التعب من الجميع فقرروا العودة للقاهرة، ساعات من السفر وكان رائد يودع والدته أسفل منزل نسمة والسيدة زينب تسأل:
ـ هتوصلهم وترجع
وهو أشار برأسه نفيًا وأكد:
ـ تعبان من السواقة هروّح
دقائق وكانوا أسفل منزل عائلة ريم، والسيدة رقية تدعو رائد للصعود:
ـ تعالى يا حبيبي كُل لقمة علشان تروّح تنام على طول
ورائد كان يتحين الفرصة للصعود رغبة في الاختلاء بتلك الصامتة، دلفو للمنزل وبعد السلام على السيد رفعت كان يجاورها بصالون بيتها، يتأمل صمتها وشرودها وهي كانت قد استسلمت لشيطان أفكارها الذي غرس مخالبه بقلبها طوال طريق عودتهم، يزلزل ثوابتها ويرسم أمامها مستقبلًا مظلمًا محفوف بالمخاطر، قطع رائد الصمت بسؤاله:
ـ ساكتة ليه؟
نهضت تتجه إلى نافذة الغرفة وقرارها يتردد بعقلها دون توقف حتى همست باختناق:
ـ طلقني يا رائد
وهو قطع المسافة الفاصلة بينهما في خطوتين يجذب عضدها بعنف يديرها إليه لتواجهه ويستنكر بانفعال:
ـ إنتِ اتجننتي؟
أخفضت نظرها بحزن تريد إعفاءه مما صوره لها خيالها تهز رأسها نفيا وصوتها يئن:
ـ إيه يجبرك تتجوز واحدة...
قطع جملتها بشفتيه يلتهم حروفها يخرس حماقاتها التي يعلم أنها ستتفوه بها، أغمضت عينيها تستمتع بمذاق شفتيه الذي يروي أنوثتها العطشة وهو غاب معها حتى ذاق ملوحة دموعها، فرّج جفنيه وابتعد ليواجه عينيها الدامعتين ويهمس أمام شفتيها بلومه:
ـ ما كنتش أعرف إنك ضعيفة كدة
وهي نطقت من بين دموعها:
ـ ضعيفه!
ضم رائد جسدها إليه أكثر بذراع وبالأخرى يمسح بإبهامه خط دموعها عن وجنتها:
ـ كنت متخيل إنك هتدافعي عن حقك فيَ مش تتنازلي عني
وريم شعرت بخذلانها له هي لم ترغب بالتخلي عنه وإنما منحه فرصة أفضل من تمزق تراه بينها وبين والدته وعنه فقد قرأ أفكارها ويعلم ما الذي أجج نيران قلبها:
ـ احنا منقدرش نغير أفكار متوارثة لكن نقدر أننا ما نسمحش للأفكار دي تتحكم في حياتنا
تلجلجت الكلمات على لسانها وهمست بارتباك:
ـ أنا...
أكمل رائد جملتها وهو ينحني ليطبع قبلة مطولة على وجنتها:
ـ إنتِ مجنونة بس أنا بحبك
والكلمة انطلقت من بين شفتيه تستقر بقلبها الغض فتزهر ربيعًا طال انتظاره، ملأت صدرها بالهواء تستمتع باستسلامها بين يديه وهو يضم رأسها إلى صدره تغمض عينيها لتنهل من الأمان الذي تمنحها لها نبضاته، انتفضت بذعر خجِل تبتعد عنه عندما سمعت صوت أمها:
ـ يا ابني اصبر لما تبقى في بيتك
وهو تراجع خطوة بارتباك سرعان ما تداركه وانحنى يلتقط هاتفه وسلسلة مفاتيحه عن الطاولة ويعلن انصرافه والسيدة رقية تدعوه للطعام الذي تحمله عندما مر جوارها يختطف قبلة من وجنتها هي الأخرى معتذرًا:
ـ تسلم إيدك يا جميل
وضعت السيدة رقية صينية الطعام وهي تحاول السيطرة على ضحكها، تضم أصابعها أمام ذقنها مندهشة:
ـ الواد بياكل بعقلي حلاوة علشان قفشته
كان رائد قد وصل عند الباب عندما التفت يمنح ريم المتوردة خجلًا غمزة عابثة قبيل انصرافه.
***
عام ونصف منذ غادرها، ثمانية عشر شهرًا مرت عليها بدلتها لأخرى لا تعرفها، الحياة التي سحقت روحها بين رحاها ولا تزال تُكبل عنقها بأغلال المسئولية التي لن يتحملها غيرها شاءت أم أبت رغم كاهلها الذي ناء بحمله إلا أنها لا زالت صامدة تشد قدميها بالأرض لتصل بطفليها حتى نهاية الطريق الذي تراه، تعلم صعوبة خيارها وتأمل الاستمرار به مكتفية بانهيارها وحيدة تارة وتغلبها على وحدتها كثيرًا بمضادات الاكتئاب التي باتت رفيقة دربها لتبدأ يومها من جديد كجبل راسخ لا ينحني أمام رياح الدنيا، واليوم كانت على موعد مع أحد واجباتها التي لن يؤديها غيرها، اصطحبت طفليها إلى بيت السيدة درية، فتحت باب البيت بمفتاحها بطلب من جدة طفليها الملازمة لفراشها معظم الوقت، رفعت صوتها تنادي السيدة عقب دلوفها ليأتيها الصوت الحنون من غرفة النوم ينادي الطفلين اللذين انطلقا إلى أحضان جدتهما، غمرتهما بقبلاتها تُقبل رأس نادين تارة وتارة أخرى تتشمم عبق الصغير الذي يتحول إلى نسخة مطابقة عن والده بمرور الزمن:
ـ ريحته فيك يا حبيبي
ونور ينهل من حنانها كعادته ونسمة تقدمت تُقبل رأس السيدة درية وتجلس على المقعد المجاور تعتذر عن تقصير غير مقصود:
ـ آسفة إني انشغلت عنك شوية بالشغل والولاد
والسيدة الحنون ابتسمت بتفهم:
ـ ربنا يعينك
والتفتت إلى نادين تربت على كفها وتحدثها:
ـ قومي يا حبيبتي خدي أخوكي وفي فاكهة في التلاجة طلعوا وكلوا
ونسمة حاولت الاعتذار لكن نظرة السيدة درية أخبرتها أنها تريدها بعيدًا عن سمع الأطفال، عقب خروجهما التفتت السيدة درية لنسمة وبصوت حنون:
ـ أنا ليَ عندك طلب يا بنتي
استطاعت الحصول على اهتمام نسمة وهي تكمل:
ـ بيت نادر وشركته يفضلوا لولاده بس
ضيقت نسمة حاجبيها بعدم فهم لتوضح السيدة درية ببعض خجل:
ـ قصدي يعني لو في يوم فكرتي في الجواز
ابتسمت نسمة بتفهم وامتدت كفها تربت على كف السيدة درية مطمئنة:
ـ ما بفكرش في الجواز
ربتت السيدة درية على كف نسمة بكفها الأخرى تؤكد:
ـ متعرفيش بكرة في إيه بس طلب كان نفسي فيه
منحتها نسمة كلمتها فحتى هي لن تستطيع السماح لآخر بوضع قدم بمكان بذل نادر عمره من أجله.
***
ثلاثة أشهر مرت وهي تصارع أشباح ماضيها فتنتصر عليها تارة وتهزمها تارة أخرى، تقاوم هواجسها التي تطاردها كل يوم وتسلبها متعة واقعها الجديد، ملت توقع الأسوأ الذي لم يأتّ حتى الآن وحاولت مرارًا التمسك بصوت داخلها يخبرها أن ذلك الأسوأ موجود فقط بأفكارها، حتى ذلك التوقع الذي تجاهلته طويلًا شكًا وخوفًا من المجهول لكن بعد غياب عادتها الذي طال لم تستطع سوى قطع شكها باليقين، أجرت الاختبار وانتظرت دقائق حتى أعلن عن جنين يسكن رحمها، قبضت على المستطيل الأبيض بكفها واختلاط مشاعرها يربكها، هي التي ظلت لسنوات تحلم بطفل حتى منّ الله عليها بضيائها ثم...، ثم لأجله لم ترغب بسواه، جلست على حافة المغسلة وقد أُسقط في يدها فها هو أحد أشباحها يعود ليطارد واقعها، رغمًا عنها سالت دموع خوفها، ألقت بالاختبار بسلة المهملات وخرجت لتجد محمود بوجهها وقد استرعت دموعها انتباهه ليستفسر عن سببها وهي همست بتيه:
ـ أنا حامل
انشرح صدره وأقبل يضمها إليه بسعادة ويردد مباركته لتُخرجها سعادته من تيهها ترفع نظرها إليه وقد زادت دموعها بعد سيطرة أسوأ هواجسها عليها، تخشى على طفلها من تبدل معاملته ولا تستطيع رفض آخر هو قطعة منها فتردد سؤالها:
ـ وضياء؟
فهم محمود هاجسها فابتسم مطمئنًا يدلك عضديها وصوته السعيد يجيب:
ـ بدل ما في اتنين بياخدوا بالهم منه هيبقوا تلاته
أومأت إيجابًا رغم خوفها الذي همست به:
ـ خايفة
للمرة الثانية تعلن خوفها وهو يطمئنها وتلك المرة ضم رأسها إلى صدره بكفه وذراعه الأخرى تحيط خصرها يمنحها أمانه الذي لم يبخل به:
ـ ما تخافيش
وهي أغمضت عينيها تستسلم لهدهدته تتمسك بظنها به الذي لم يخِب حتى الآن وتعلم أن الزمن فقط كفيل بطرد المتبقي من أشباح ماضيها.


خاتمة

شمالًا أو جنوبًا كلُ يروي غرسه
تنبُت بذرة اليوم وكلٌ يحصد حرثه


***
بالشمال عبر البحر المتوسط وبأحد نهارات صيف جينيف الدافئ كانت حديقة السفارة المصرية مزينة بالزهور البيضاء في كل جانب وعلى الطاولات المنتشرة تجاور كؤوس المشروبات وقطع الشيكولا السويسرية الفاخرة، بصدر الحديقة كانت العروس وسط أصدقاءها بثوب عرسها اللافت على شكل حلة قفز من الشيفون بطانته على شكل ثوب سباحة من قطعتين ويعلوه فروع أشجار من الدانتيل الأبيض تتناثر عليها بعض زهرات صغيرة باللون الوردي تغطي الثوب من أعلى منتهية عند الصدر لتكشف كامل الكتفين دون كم أيسر بينما تمتد الفروع تغطي الكم الأيمن للثوب وتسير على الحلة بطول الساق اليسرى لتنتهي أعلى الحذاء الفضي المرتفع بينما تترك الساق اليمنى مكتفية ببعض فروع أسفل الركبة ومظهرة بشرة صاحبته بسخاء، من الوسط كان يلتصق بالثوب تنورة من الدانتيل على جانب واحد من الأمام تنتهي أعلى الفخذ الأيمن بينما تمتد من الخلف بطول الحلة، تركت العروس صديقاتها وتوجهت حيث ماهر الذي كان يتوسط والدها وبعض رجال السفارة تجذب ساعده:
ـ ماريو تعالى أعرفك على أصحابي
استأذن ماهر من مرافقيه بإيماءة رأس وابتسامة وأحاط خصر سيليا بذراعه والكف الأخرى يمسك بكأس مشروبه الكحولي يسير معها حيث تجمع أصدقاءها من الجنسين، تولت سيليا مهمة التعريف بدأت بالفتيات
ـ آنّا، ريا، مادلين
تقدمت كل فتاة تمنح مباركتها لماهر وتبادله القبلات المهنئة بالعرس ثم انتقلت سيليا للشباب مكملة:
ـ جاكوب، ماركوس، ستيف
حرر ماهر خصر سيليا وصافح الشباب ثم عاد ذراعه يُلصقها بجسده ويطبع قبلة على وجنتها، بعدها كان منظم الحفل يدعوا العروسين لتقطيع قالب الحلوى الكبير الذي توسط الحديقة، أمسكت سيليًا بالسكين الكبير بينما ماهر يمسك بكفها ليمررانه في قالب الحلوى إيذانًا ببدء توزيعها على المدعوين، بعدها التفت ماهر يلتهم شفتي سيليا في قبلة مطولة أحاطت فيها عنقه بكفيها وارتفع لها تصفيق الحضور وصافراتهم وتلك كانت بداية لقصة أخرى.


***
لأشهر اكتفى بمراقبتها عن بعد، يتتبع أخبارها، نجاحاتها وثباتها بالسوق تلك التي زلزلت مفاهيمه بتناقضاتها، بعثرت كيانه وتركته بقسوة لا يلومها عليها لذا اكتفى برؤيتها بعد أن حُرم قربها وطُرد من جنته التي تخيلها بين يديها، حفظ أماكن ترددها عن ظهر قلب ومواعيد تدريبات طفليها التي بات مداومًا عليها أكثر منها لا يُفلت موعدًا لمراقبتها بين الخضرة لساعتين أو أكثر دون أن يسمح لها بملاحظة وجوده كما هو حاله الآن، يقف متوارٍ خلف أحد الأشجار مما يسمح له بمتابعتها على طاولتها القريبة، شعر بكف صغيرة تحط على ساقه فأخفض نظره ليواجه الوجه الملائكي البريء، جلس على ركبة ونصف ليكون بمستوى أقرب للوجه الدائري الممتلئ، ابتسم الصغير ببراءة فاحمرت وجنتيه البيضاء بصفاء طفولي ليبادله حسام البسمة بعفوية، سمع صوت نسائي ينادي الطفل ويقترب:
ـ ضياء...
رفع حسام رأسه ليطالع هند وقد انتفخ بروز بطنها تتقدم ببطء من الصغير ليسألها:
ـ ضياء؟
أومأت برأسها إيجابًا تزدرد لعابها للمفاجأة، امتدت يدها تُمسك بكف الصغير ويد حسام امتدت ترفع كف ضياء الأخرى ليطبع قبلة عليها ابتسم لها ضياء مجددًا قبل أن تصحبه هند وتسير باتجاه الطاولة تحت أنظار الآخر الذي تعلقت عينيه بخصلات الصغير السوداء المتراقصة مع خطواته.
نهض منصرفًا ليصطدم بإحداهن عندما التفتت فجأة، تراجع خطوة معتذرًا يطالع الأخرى مرتدية بنطال من الجينز الأسود الضيق يُفصل ردفين ممتلئين باعتدال وخصر نحيف يعلوه قميص من الشيفون الأصفر يُظهر أسفله بلوزة باللون الأسود ملتصقة بجسدها تماما لتُظهر الصدر والظهر حتى المنتصف وتعكس بياض بشرة صاحبتها، ارتفع بصره لوجه ذلك الجسد المثالي ليواجه شفتين ممتلئتين بإغواء وعينين بلون البحر يُقسم أنهما عدستين لاصقتين وشعر مصبوغ باحتراف بين الأشقر والبني، ضيّق حاجبيه يحاول تذكر الوجه المألوف لتبادر هي بمد كفها تصافحه بسؤال:
ـ حسام القناوي؟
مد كفه بالمقابل يصافحها ويستفسر:
ـ أنا شفت حضرتك فين قبل كدة؟
ابتسمت تُعدل من خصلاتها وتذكره بنفسها:
ـ قوت
والاسم كان كافٍ تمامًا فتلك التي تصغره بأربعة أعوام كانت حديث الجامعة يومًا ما.
***
قضى عمره الفائت بين عمل ودراسة بحثًا عن مجهول لم يكن يدرك كنهه حتى اقترب منها ووجد اكتماله معها، تسللت إليه في غفلة منه كأخت ولم يدرك تشبع ذراته بحبها إلا عندما صارت بين ذراعيه زوجة فعرف معنى السكن عندما سكنت أحضانه واليوم موعد توحدهما الذي انتظره منذ عزم على الاقتران بها، ارتدى حلة العرس السوداء مع رباط عنق أسود يناقض بياض قميصه المتماشي مع زهرة تيوليب بيضاء وحيدة زينت جيب سترته العلوي، ترك غرفته بالفندق الفاخر المقام به العرس وسار بالرواق المؤدي إلى جناح العروس، طرق باب الغرفة فتأخر الرد، بالداخل كانت الفتاة المكلفة بتزيين العروس قد وضعت اللمسات النهائية لريم، سمعن طرق الباب فتحدثت هدير المرافقة لريم:
ـ دي أكيد ولاء مكلماني من ساعة وقايلة جاية
طُرق الباب مرة أخرى فتوجهت هدير لفتحه وهي تتوعد صديقتها للتأخير لتواجه رائد، ابتسمت بود وخرجت تسحب باب الغرفة خلفها بشبه انغلاق تمنعه عن رؤية عروسه بالداخل وهو اعترض لفعلها:
ـ عايز أشوف ريم
والشابة ترفع كفها أمامه وتتمسك بالباب معترضة طريقه:
ـ ما ينفعش دلوقت
ورائد لا يُجدي معه رفض ثبّت نظره على نقطة وهمية خلفها على الحائط وأشار لها بعدم الحركة وكأنه رأى شيئًا، صوته المتحدث بهمس أثار الريبة بنفس هدير وهو يخبرها:
ـ صرصار بيطير أوعي تتحركي
والصغيرة انتفضت مبتعدة بذعر ليضحك رائد ويدلف للغرفة مغلقًا الباب خلفه ويشير بأصابعه للمخدوعة بعد أن اكتشفت مكيدته التي سقطت بها كأي فتاة غرة، دلف رائد يطالع ريم التي وقفت تواجهه عندما سمعت صوته، ذُهل لهيئتها الملكية فالثوب الستان بلون العاج يحتضن جسدها برقي ويعلوه خيوط من التطريز الفضي المطعم بأفرع أشجار تمتد على طول الثوب من أسفله حتى تتفرع على الصدر والأكمام المصنوعة من الشيفون ليعكس قمحية بشرتها أسفله، الثوب الذي ينسدل حتى القدمين بشكل ملاصق لجسدها ويحوي تنورة خلفية تبدأ من الوسط وتتسع بتموجات حوله لتمتد للخلف بطول متر تمنحه مظهرًا أسطوريًا زاده تاج من أفرع الأشجار الفضية زين رأسها وانسدلت منه طرحة العرس القصيرة التي زادتها رقة ووقارًا، تقدم رائد بأعين مشدوهة يُمتع نفسه بما يرى وريم أخفضت نظرها خجلًا عندما أمسك رائد بكلتا كفيها يرفعهما إلى شفتيه فيطبع قبلة رقيقة على كل منهما:
ـ يا بختي بقى
رفعت ريم نظرها بسعادة وهو رفع ذراعها يديرها دورة كاملة حول نفسها ليشاهد الثوب بالكامل ليتوقف بصره على ظهر الثوب المصنوع بالكامل من الشيفون مكتفيًا بأفرع الأشجار المطرزة التي تحتضنه من الجانبين وصف من الأزرار بلون العاج بالمنتصف لينطلق اعتراضه:
ـ يا خبر أسود
صُدمت ريم وتوقفت تواجهه وتُضيق حاجبيها بغيظ وهدير التي دلفت مجددًا تدخلت في محاولة لإنقاذ الموقف:
ـ ماله يا باشمهندس بس
التفت إليها رائد وهو يكبح غيظه بصعوبة يكز على أسنانه فتبرز عظام وجنتيه:
ـ ماله! إيه الضهر ده
ثم التفت إلى ريم ولم يستطع التخلي عن عبثه الذي فهمته وحدها:
ـ وأيه كل الزراير دي؟
ابتلعت خجلها وردت ببعض تحد لم تعد تجيده أمامه:
ـ الفستان عجبني
مط رائد شفتيه بعدم رضا يعترف أن الثوب ملكي ويليق بها لكنه غير راضٍ:
ـ يعني إنتِ تقفلي الشبابيك قدام تفتحي المنور
وريم لم تتمالك نفسها من الضحك على كلمته بينما هو دس كفيه بجيبي بنطاله وأصدر أمره:
ـ مش هتنزلي كده
صدمت ريم لما تفوه به وعاد اعتراضها للطفو:
ـ يعني إيه وهعمل إيه دلوقت
رفع رائد كتفيه بعدم اهتمام وأجاب:
ـ معرفش اتصرفوا وغطوا الضهر ده
تقدمت هدير تحاول علاج الموقف باقتراح:
ـ ممكن نطول الطرحة تغطي الضهر
وهنا تدخلت الفتاة المختصة بالزينة باعتراض:
ـ ما ينفعش يا آنسة الفستان بديل الطرحة المفروض لحد الكتاف أو نص الضهر بالكتير
أمسكت هدير بكف ريم تعيدها لتجلس أمام المرآه وتؤكد:
ـ هنطولها لحد الوسط مش مشكله
ورائد قطع اعتراض الفتاة الأخرى التي ودت بالحديث فابتلعت كلماتها:
ـ أعملي اللي قالت عليه من سكات
حلت طرحة العرس وأعادت وضعها بشكل أطول مع الحفاظ على تموجاتها، ألقى رائد نظرة رضا نهائية ثم منح ريم ساعده لتتعلق كفها به:
ـ يالا على السيشن
تعلقت ريم بساعده والتفتت إلى هدير مستفسرة:
ـ ولاء اتأخرت قوي
والأخرى كانت بالأسفل بمدخل الفندق على موعد مع اصطدام على حين غرة عندما حاولت الدلوف إلى المصعد بينما كان أحدهم يحمل الكثير من الحقائب ويخرج دون انتباه لتصطدم به وينزلق كعب حذائها الرفيع في الفراغ بين المصعد والحائط كادت تسقط لينتبه الآخر يحيط بخصرها في دعم سريعًا ما تراجع عنه عندما نهرته:
ـ إيدك
رفع كفه باعتراض وهي حاولت استعادة توازنها وسحب حذاءها ليخرج دون كعبه الذي سقط إلى غير رجعة، أخفضت ولاء نظرها تطالع حذاءها الذي فسد وأفسد يومها ثم عادت بغضب للآخر الذي كان يلملم حقائبه المتناثرة بفعل الاصطدام:
ـ عاجبَك كدة!
ألقى الرجل نظرة إلى الحذاء ثم عاد إليها معتذرًا:
ـ آسف
والأخرى لم تعد تعرف كيفية التصرف بينما لا تستطيع السير بحذاء ونصف فصبت غضبها على من أمامها:
ـ هعمل إيه بأسفك؟ هحضر الفرح إزاي دلوقت ده أنا مش عارفة أمشي خطوة
تنحنح الرجل الذي لم يجد ما يستطيع تقديمه سوى عرض المساعدة:
ـ عربيتي قدام الأوتيل ممكن نروح نشتري واحدة تانية
تخصرت ولاء بكف وأشارت نحوه بسبابتها بغصب أكبر:
ـ عايزني أركب معاك العربية!
ـ إنتَ فاكرني إيه
والرجل لا يجد ما يقدمه أكثر أضاف بتوضيح:
ـ أنا قصدي بس أصلح اللي حصل
طالعته ولاء بشك، هيئته المحترمة لا تشي بشاب عابث، خصلات بنية قصيرة وعينين بلون البن يظهران أسفل عوينات طبية أكسبته وقارًا مع حلته الكحلي، هي لا تجد ما يمكنها فعله غير الاستعانة به فأومأت إيجابًا وسارت معه بعد إشارته المشجعة، وضع الأكياس التي يحملها بحقيبة السيارة وانتقل لمقعد السائق يشير للواقفة جوارها بتوجس للركوب وولاء بعد تردد فتحت باب السيارة الخلفي لتركب تحت دهشته لكنه لم يعترض، وصلا لأقرب محل أحذية فهمّ بالنزول ليمنعه صوتها:
ـ استني؛ إنتَ فاكرني هخليك تشتري ليَ
توقف وعاد لمقعده وهي نزلت تعرج حتى المحل، دقائق وكانت تنتعل آخر وتسير بثقة بثوب سهرتها الكلاسيكي عائدة إلى مقعد السيارة الخلفي ليعودا حيث الفندق ويصف سيارته ويترجل سريعًا يلحق بالهاربة نحو بوابة الفندق يستوقفها:
ـ متعرفناش
مد كفه يصافحها بأدب:
ـ رائف
وهي نقلت نظرها بين وجهه وكفه بعدم رضا وتركته ودلفت للفندق تلحق بصديقتيها فقد تأخرت عليهما بسببه والآخر خلفها ينادي:
ـ يا آنسة، اسمك طيب، يا سندريلا
***
بقاعة العرس كان صوت صابر الرباعي يصدح
الليلة دي أنا ملكت الكون بحاله
وياك إنت حبيبي أنا
ورائد يمسك بخصر ريم التي تستند بكفيها إلى كتفيه يتمايلان مع أنغامها الساحرة
م اللحظة دي أنا هتتغير حياتي
وهتبقى أحلى مع حبنا
يفرد ذراعه ممسكًا بكفها لتفرد هي الأخرى ذراعها وتدور لتعود بأحضانه مرة أخرى
حبيبي إنت وأنا بقينا قلب واحد
عقل واحد روحين في روح
يرفع ذراعه ممسكًا بذراع ريم للأعلى فتدور حول نفسها دورة كاملة ثم تعود بين ذراعيه مرة أخرى
حبيبي كل يوم هقولك يا حبيبي
هتفضل حبيبي مليون سنة
يلصق جبينه بجبينها وهو يأسر عينيها هامسًا بالكلمات التي اختارها بنفسه
خدني حبيبي لعالم تاني بعيد
في حياة وجديد أفضل معاك على طول
إنت اللي عشت حياتي منايا ألاقيه ومنايا أراضيه
طول الحياة وفي هواه مشغول
يحملها من خصرها باحتضان ويدور دورة كاملة حول نفسه ثم ينزلها طابعًا قبلة على جبينها.
في طاولة جانبية كانت نسمة تجلس وحيدة تشاهد الحفل وقلبها يرقص معهما، اقترب فارس بخطوات متمهلة ليجاورها وكلمات الأغنية التي تتردد وتعبر عنه تدفعه دفعًا ربما نال ما عاش طويلًا يتمناه، ألقى بنظرة نحو لمى التي جاورت نادين ونور جوار المسرح الذي توسط القاعة واعتلاه ريم ورائد وعاد بنظره إلى مالكة عقله وروحة وهي طالعته بفهم لمغزى نظراته، تشفق عليه من حب لا ترى جدواه له بينما هو متمسك بأمل يراه وحده دونها، همست بإجابة سؤاله الذي طرحته نظرته عليها:
ـ القرار صعب
ابتسم فارس بتشجيع يكمل:
ـ لكن مش مستحيل
هزت نسمة رأسها يأسًا منه:
ـ مش هقدر آخده
نظرات حنانه التي لا يكف عن إرسالها أربكتها وهو يؤكد:
ـ هستناكِ لحد ما تاخديه
ملأت صدرها بالهواء وزفرته في محاولة لاستدعاء صبرها، لماذا لا ييأس منها فقط ويتركها:
ـ ما أقدرش أوعدك
ومن عاش بحب يئس منه طويلًا لن ييأس الآن وإن كانت تُجدد عدم قبولها في كل مرة:
ـ كفاية عليَ أكون قريب منك
صمتت وعادت لتشرد في رقصة شقيقها وصديقتها، فبين حاجة لمن تستند إليه للمتبقي من عمرها وعدم قدرتها على استبدال من لم تعرف غيره زوجًا تبقى هي ممزقة ولا تمتلك إجابة طلبه وحده الزمن قادر على ترجيح أي من الكفتين.





تمت بحمد الله
الرواية التي بدأت كفكرة وكُتب أول مشاهدها في رمضان ١٤٣٧
يونيو ٢٠١٦
لتظل حبيسة رأسي حتى نُشر أول فصولها في
١٨ ديسمبر ٢٠١٩
وكُتبت آخر كلماتها في يوم الجمعة
١٨ سبتمبر ٢٠٢٠
٨ مساءً

كلمة
عن نسمة؛ نسمة لم تكن تلك البطلة التي خلقتها لأمنحها فرصة أخرى وإن تمنيت بداخلي أن أمنحها إياها ولكن نسمة هي كل امرأة معيلة سحقتها الحياة بين رحاها وأجبرتها على لعب دورًا لم يكن يومًا لها وهي كانت على قدر المسئولية رغم ما تتكبده لقاء ذلك
نسمة هي بائعة الخضروات التي نمر عليها كثيرًا دون معرفة القصة خلفها، هي ربة البيت التي انحنت خلف ماكينة حياكة، هي الموظفة التي خرجت لتعيل أبناءها أي كان السبب، فإن التقيتم بإحداهن يومًا فاتركوا لهن القرار فكل نسمة منهن وحدها من تملك حق تقرير مصيرها فلن يحيا أحدٌ كان حياتها ليقرر عنها حتى أنا







في النهاية
قارئي العزيز
بين يديك قطعة أودعت بها جزءً من روحي أرجوا أن تتقبلها بقبول حسن
هبة ندا
وإلى اللقاء في
بذور الماضي



[/size][/center][/QUOTE]


أمل سند غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 09-11-20, 01:03 PM   #69

ميار111

? العضوٌ?ھہ » 323620
?  التسِجيلٌ » Aug 2014
? مشَارَ?اتْي » 1,139
?  نُقآطِيْ » ميار111 has a reputation beyond reputeميار111 has a reputation beyond reputeميار111 has a reputation beyond reputeميار111 has a reputation beyond reputeميار111 has a reputation beyond reputeميار111 has a reputation beyond reputeميار111 has a reputation beyond reputeميار111 has a reputation beyond reputeميار111 has a reputation beyond reputeميار111 has a reputation beyond reputeميار111 has a reputation beyond repute
افتراضي

ووواووو مبين روايه مميزة جدا
يسلمووووا يا عسل


ميار111 غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 14-11-20, 08:37 PM   #70

سعادة العزادين

? العضوٌ?ھہ » 478921
?  التسِجيلٌ » Oct 2020
? مشَارَ?اتْي » 87
?  نُقآطِيْ » سعادة العزادين is on a distinguished road
افتراضي 🧁🧁🧁🧁🧁🧁🧁🧁🧁🧁🧁🧁🧁🧁🧁🧁🧁🧁🧁🧁🧁🧁🧁🧁🧁🧁🧁㊓

🍒🍒🍒🍒🍒🍒🍒🍒🍒🍒🍒🍒🍒🍒🍒🍒🍒🍒🍒🍒🍒🍒🍒🍒🍒🍒🍒🍒🍒🍒🍒🍒🍒🍒🍒🍒🍒🍒🍒🍒🍒🍒🍒🍒🍒🍒🍒🍒🍒🍒 🍒🍒🍒🍒🍒🍒🍒🍒🍒🍒🍒🍒🍒🍒🍒🍒🍒🍒🍒🍒🍒🍒🍒🍒🍒🍒🍒🍒🍒🍒🍒🍒🍒🍒🍒🍒🍒🍒🍒🍒🍒🍒🍒🍒🍒🍒🍒🍒🍒🍒 🍒🍒🍒🍒🍒🍒🍒🍒🍒🍒🍒🍒🍒🍒🍒🍒🍒🍒🍒🍒🍒🍒🍒🍒🍒🍒🍒🍒🍒🍒🍒🍒🍒🍒🍒🍒🍒🍒🍒🍒🍒🍒🍒🍒🍒🍒🍒🍒🍒🍒 🍒🍒🍒🍒🍒🍒🍒🍒🍒🍒🍒🍒🍒🍒🍒🍒🍒🍒🍒🍒🍒🍒🍒🍒🍒🍒🍒🍒🍒🍒🍒🍒🍒🍒🍒🍒🍒🍒🍒🍒🍒🍒🍒🍒🍒🍒🍒🍒🍒🍒 🍒

سعادة العزادين غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

الكلمات الدلالية (Tags)
رواية غصون متأرجحة

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة

الانتقال السريع


الساعة الآن 04:52 AM



Powered by vBulletin® Version 3.8.9
Copyright ©2000 - 2020, vBulletin Solutions, Inc.