آخر 10 مشاركات
عشق من قلـب الصوارم * مميزة * (الكاتـب : عاشقةديرتها - )           »          تغزلين للعشق جيوشاً (8).. سلسلة قلوب تحكي (الكاتـب : كاردينيا الغوازي - )           »          وخُلقتِ مِن ضِلعي الأعوجُا=خذني بقايا جروح ارجوك داويني* مميزة * (الكاتـب : قال الزهر آآآه - )           »          في صباح جميل ـ آن هامبسون (الكاتـب : ^RAYAHEEN^ - )           »          زَخّات الحُب والحَصى * مميزة ومكتملة * (الكاتـب : Shammosah - )           »          عرّافة..تراكِ في الفنجان (7) *مميزة ومكتملة*.. سلسلة قلوب تحكي (الكاتـب : كاردينيا الغوازي - )           »          مسابقة " أسمـــ أعضـاء روايتـي ـــاء" الجزء 2 (الكاتـب : أميرة الوفاء - )           »          116 - أريد سجنك ! - آن هامبسون - ع.ق (الكاتـب : angel08 - )           »          يا غير مسجل قل ما تشاء وامض(ـي) أنت لتبقى نبضات قلبك (الكاتـب : محمد العبادله - )           »          آسف مولاتي (2) *مميزة ومكتملة * .. سلسلة إلياذة العاشقين (الكاتـب : كاردينيا الغوازي - )


العودة   شبكة روايتي الثقافية > قسم الروايات > منتدى قصص من وحي الاعضاء

مشاهدة نتائج الإستطلاع: --------------
-------------- 0 0%
------------------ 0 0%
المصوتون: 0. أنت لم تصوت في هذا الإستطلاع

Like Tree60Likes

إضافة رد
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 31-01-21, 12:23 AM   #41

كريستال ساريتا

? العضوٌ?ھہ » 484366
?  التسِجيلٌ » Jan 2021
? مشَارَ?اتْي » 4
?  نُقآطِيْ » كريستال ساريتا is on a distinguished road
افتراضي


اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة اوديفالا مشاهدة المشاركة

مرسي حبيبتي

انا ايضا احب الروايات الغربية ، هاد رواية بقي فيها 16 فصل ، كنت ناوية أكملها بمدة قصيرة لكني تكاسلت haha

لا تتكاسلي أنا متابعة حتى نهاية عزيزتي اوديفالا 💞⁦❤️⁩✨

اوديفالا likes this.

كريستال ساريتا غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 07-02-21, 10:06 PM   #42

اوديفالا
عضو ذهبي
 
الصورة الرمزية اوديفالا

? العضوٌ?ھہ » 481181
?  التسِجيلٌ » Nov 2020
? مشَارَ?اتْي » 62
?  نُقآطِيْ » اوديفالا is on a distinguished road
افتراضي

الفصل 24 / تاماني

أخرجت وجهي من نافذة السيارة تاركة النسيم البارد يداعب بشرتي وشعري ، نظرت إلى المدى القريب ، لأتأمل أشعة الشمس تتدقف على القمم الجبلية البيضاء ، وعلى لحاف العشب الأخضر في القاعدة ، المضاء ببريق قطرات الأمطار ، وإلى السماء المشرقة المنعكسة على البحيرات الصغيرة المتوهجة

أحببت ترك لندن ورائي ، أحببت رؤية هذه اللوحة الطبيعية النابضة بالحياة

لقد كنت أتوق إلى رؤية المروج والمناظر الطبيعية المفتوحة ، والحظائر والأغنام تسير في قطيع

وكذلك رؤية الخيول الرشيقة ، وسماع تغاريد الطيور الجميلة ، إشتقت لكوني جزء من هذا

لطالما شعرت بالحنين لقريتي منذ غادرتها، ولولا أليكس لأصبحت عودتي مجرد حلم يكاد يكون مستحيلا

إعتدلت في جلوسي وسألته ( فيما أنتَ شارد ؟ ) لاحظت كيف ترك السيجارة السادسة من يده بعد إنتهائها

قال بشرود ( لاشيئ ) ثم مد يده لجيبه باحثا عن علبة سجائر جديدة بينما كان يمسك فعلا بالولاعة

( هل منزلكَ قريب ؟ )

قال وعينيه متجمدتان على الطريق ( نعم ) وجد سيجارة فأشعلها وراج يلتهمها بقلق مفرط

منذ خرجنا هذا الصباح وهو هكذا صامت وشارد الذهن ، إن طرحت سؤالا يجيبني عليه بإختصار

يقود السيارة بصمت حيث سبقه تفكيره بأميال ، إنه يقطع هذه الطرق الريفية الفارغة بسرعة مخيفة وكأنه يريد أن يكون هناك خلال دقيقة ، قال ان هناك مشكلة ما تخص أخته ..أعني ماأسوء ماقد يحدث ؟ إنها في الريف في عائلة بسيطة محبة ..أي نوع من المشاكل قد تواجه ؟

ترى هل رسبت في دراستها ؟؟ هذا كل ماقد أتخيل حدوثه ، تنهدت بداخلي حين أكلني الفضول لأعرف مالخطب لأنه يتجنب إخباري مالذي حدث حقا لطالما عرفت أنه يخفي أمرا ما بداخله

لكن ماهو ؟

خطفت السيجارة من فمه ووضعتها بين شفتي ، قبل أن أتنشقها إستعادتها ، لمعت بعينيه نظرة تحذير و علت وجهه تكشيرة جميلة

( أنا متوترة جدا ) شبكت ذراعي لصدري وأخبرته بتردد فهز وجهه متفهما ( أنتِ محقة ، الأمر غريب قليلا أن تقابلي عائلتي )

( هآه ؟ ) لقد وضعني في موضوع أخر تماما ، لقد كنت أقصد أخته ..غريب ؟ ماذاا ؟ ( يالالهول لماذا ؟ )

( لأنكِ ياتاماني أول فتاة أصطحبها لمنزلي ..لهذا السبب ) شعرت أنه بذل جهدا ليبتسم في نهاية جملته ، عاد بسرعة ليشرد في الطريق ، عظيم الأن أنا متوترة لمقابلة عائلته !

قاد في هذا الطريق المستقيم حتى نهايته حين كان هناك طريق ترابي محاط بأشهار صنوبر طويلة وتوقف قائلا بتنهيدة خافتة ( وصلنا يا حبيبتي )

نزل وفتح لي الباب ..مد لي يدي فرفضت أن أمسكه ، شعرت بنبضات قلبي تتسارع فجاة

( هلا أعطيتني دقيقة من فضلكَ ) طلبت منه فأومأ ، جعلته ينتظر لعشرة دقائق ، بدأت أطرافي ترتجف ، لم أستطع التنفس ، أشعر أن المكان يضيق عليا ، وكانني محتجزة بين جدارين يتقاربان بسرعة وسيسحقانني

( تاماني ..أنا حقا مشتاق لرؤية عائلتي ) نظرت له من داخل السيارة و أنا أعاني مشاكل في التنفس لكنه لم يلاحظ لأنه ينظر نحو الجانب الأخر ،

( أنا أتعرض لنوبة هلع .. أنا أهلع ) بالكاد خرجت الحروف من فمي بشكل مفهوم ، أنا أرتعش

إنحنى لي قائلا بنبرة حازمة ( أخرجي من السيارة الان ) فإزداد ذعري وتراكمت الأفكار بداخل رأسي حول عائلته ، ماذا لو لم تحبني أمه ؟ ماذا لو لاحظت أنني فتاة بلهاء ولا أليق به ؟ ماذا لو قالت له أن ينفصل عني ؟

أمسكني من ذراعي وشدني للخارج ، ثم تركني فإنهرت على ركبتاي ، فوق العشب ، أصبح كل جسمي يرتجف بطريقة لم تحدث لي من قبل ،

إن كانت والدتي لم تحبني ..لماذا قد تفعل والدة أليكس .. سيغمى عليا

أخبرته وعيناي تنتفخان ( لا أستطيع مقابلة والدتك ..لا يمكنني حقاً) شعرت أني مقيدة بالحبال لا أستطيع المشي ، لا يمكنني رؤية السيدة ستون

سألني مستغربا بينما إستقرت يده بلطف على وجهي ( لماذا انت خائفة لهذه الدرجة من أمي؟ لقد كنت متحمسة هذا الصباح ؟ )

( صحيح ..كنت متحمسة حتى قلتَ بأن الأمر غريبْ، وأنت محق .. خبر عاجل لك أليكس ..من الواضح أنني لست جيدة كفاية لك .. والدتك لن تأخذني بجدية لأنني أشبه البنات المدللات الغبيات ، كان هذا رأيك بي أيضا ، سوف ترفضني وأنا لن أستطيع تحمل مزيدا من الرفض في حياتي )

قاطع ثرثرتي حين حملني ككتلة متجمدة بين ذراعيه القويتان ،فعانقته و أضلعي ترتجف ، ضغطت بقوة بيدي حول عنقه وهمست ( ماذا لو لم تحبني؟ )

بدأ يمشي بهدوء قائلا بعطف ( لقد إخترتك لأكمل بقية حياتي معك .. كيف تظنين أنك لست مناسبة كفاية لي ؟ حبيبة قلبي أنتِ مثالية لي .. وبالنسبة لأمي.. إنها إمرأة بسيطة وتحترم قراراتي بالمناسبة هي لا تحب المديح ، فلاتحاولي أن تدخلي من ذلك الباب)

( سأكون على طبيعتي ) سكن جسدي فجأة حيث إختفى إرتجافي، وهدأت أنفاسي ، إختفى ضجيج أفكاري فلاحظت مجددا صفاء الطبيعة من حولي

كان يستطيع أن يتركني الأن لأنني هدأت ، لكنه ظل يحملني كأنه قرر أن يستمر حتى باب منزله ( هل تقصدين على طبيعتك كتاماني سيليستيا فيفر ..أو فقط تاماني ؟ )

( أيهما سينفع ؟ ) هلعت مجددا فضاقت عيونه قليلا بينما صعد في هذا التل الصغير قائلا

( فقط كوني الفتاة التي وقعت في حبهاَ )

فوق تل صغير رأيت مساحات شاسعة محيطة بمنزل أرضي صغير ، هناك أشجار فارعة حوله وتغريدات الطيور المتنوعة تملأ المكان ، جعلته يبدو خياليا لكن من الواضح أنه قديم جداً ..جدا جداً

حيث أن رياح عادية سوف تقتلع سقفه

رأيت حديقة صغيرة في الباحة الامامية، مليئة بالورود بأنواع مختلفة أكثر مما أستطيع تسميتها ،عرفت فقط الياسمين الأصفر و الكاميليا والماهونيا والدايزي ، يوجد أيضا أنواع من دلاء النباتات ، وهناك أيضا شجرة صغيرة وكأنها تسند المنزل بجذعها وأغصانها ، الجو عابق هنا برائحة الورود الجميلة .. إنه منزل جميل ، لقد أحببته

وضعني على الأرض و تقدم هو خطوة وأنا بقيت مكاني فمد يده في الهواء لي ( تعالي حبيبتي )

ظل يحمل حقيبتي الصغيرة من الجهة الاخرى وكأنها صارت عادة له فأخذتها منه ، طرق الباب الخشبي المهترئ بهدوء ثم سمع صوت خطوات قادم ، سبقه صوت إمرأة يفيضا حنانا ( مهلا لحظة.... )

فإستدار لي هامسا والدموع تندفع لعينيه ( أمي )

فتح الباب فنظرت بخوف شديد من ردة فعل هذه الأم، حتى أنني إختفيت بهدوء أمام جدار المنزل الصخري ، لقد أسقطت المكنسة من يدها شاهقة وفتحت ذراعيها لتعانق إبنها بشوق وحنان لا مثيل له

إنتحبت غير مصدقة ( إبني عزيزي ، ياقرة عيني ، كم إشتقت إليكَ ياعزيزي )

سالت دموعها على خدها غير مصدقة رؤيته ،رغم ذلك فرحتها لم تكن تسعها ، لم تكن كبيرة في السن لكن يبدو أن ظروفها جعلتها تبدو كذلكَ

هي تملك عينان حنونتان جداً ، كانت تتركه فقط لترى وجهه ثم تعانقه مجدداً ، وهو لم يتركها للحظة ، كان يعانقها بإشتياق أكثر مما إستطعت إستيعابه

ثوبهاَ قديم جداً وممزق من عدة أماكن حيث تبدو الخياطة عليه واضحة وهي الان حافية القدمين في عز هذا البرد

( أمي هذه تاماني ! ) أشار لي أليكس بدون سابق إنذار فإستدارت بوجهها لتنظر لي ، كنت تحت تأثير حبها لإبنها فتقدمت بدون وعيي وعانقتها مثلما عانقها أليكساندر قبل لحظات ، يستحيل أن تملك هذه المرأة الحنونة القدرة على كره أحد أو أذية أحد ، عطفها ومحبتها تتضحان في سمات وجهها الرقيق

ولم تمر ثواني حتى إستقبلتني في حضنها ( أهلا بكِ عزيزتي) لقد ضمتني بقوة بحيث شعرت أنني طفلة مجددا ، لم أعرف هذا الإحساس فوالدتي لم تعانقني أبداً ، إنه إحساس مختلف ، إنه جميل جدا ، يمنح الدفئ والراحة ،ليست أمي لكن عناقها يدل على أنه مهما حدث ستكون دائما هناك ، كانت سريعة البديهة بحيث عرفت من أكون بالنسبة لإبنها

( حتما أنتِ متعبة وجائعة من السفر ياإبنتي )

ياإلهي .. أسمع يوميا والدتي تناديني بإبنتي ..لكنني لم أشعر يوما أنني كذلك ، وكأنه مجرد لقب ديبلوماسي تستعمله ، كيف تمكنت هذه المرأة الغريبة في أول مرة بأن تجعل حبها وحنانها يشعان في قلبي ، الأن أنا أتوق لأصبح إبنتهاَ وأسمعها تناديني " إبنتي " طوال الوقت

لقد جعلني أليكس أهلع بدون فائدة ، كيف ظن أن لقائي بها سيكون غريبا ، إنها ألطف أم في العالم

( أدخلا .. الجو بارد في الخارجْ ) لم تفلتني ..ظلت تحيطني بذراعها طوال الوقت وأعجبني ذلك

مشيت ببطئ داخل المنزل ، هناك غرفة معيشة صغيرة ، تحتوي على أريكتين مزخرفتين بالورود ومائدة دائرية صغيرة فيها مزهرية مليئة بورود بيضاء قطفتها من الحديقة، وكتب وكراريس مدرسية ، وهناك لوحة خشبية لمنظر طبيعي معلقة على الجدار ، ومدفأة حطب صغيرة ينبعث منها دفئ خفيف ، وطاولة بيضاء مستطيلة بجانب الجدار فيها ستة كراسى ، هاذا كل مايوجد ، إنها بسيطة وفارغْة

أنا مذهولة لأنني لم أتخيل أن تكون ظروفه سيئة بهذا القدر

( إجلسي ياإبنتي ) سحبت ذراعها مني لتترك لي الحرية لأجلس ، لذلك جلست عشوائيا على الكنبة المقابلة للمطبخ ، كانت الباب مفتوحة تخرج منها رائحة طعام جميلة ، فجعت فجأة

جلس أليكس بجانبي حيث وضع يده فوق يدي ليقطع الشك باليقين لوالدته ، وكل مافعلته كان الإبتسام بلطف ، أعتقد أنه يريد الجلوس بجانبها لكنه لم يرد أن يتركني لوحدي يعد نوبة هلعي

( هل أنتِ بخير ) أخفض وجهه لي بجاذبية لم أكن مستعدة لها ، تطلبني الأمر لحظة لأستجمع
أنفاسي

( لم أكن يوما أفضل ) قلت وأنا أنظر لأمه لأسيطر على خجلي الذي في غير محله ، لأن إبنها يفقدني عقلي وحبي له ينمو في كل دقيقة ، أود أن أشكرها الأن على إنجابه .. حاولت ان اشتت أفكاري لكي لا أزداد إحمرارا فنقلت بصري عشوائيا للغرفة التي خلفها ..كان الباب مفتوح قليلا وكنت أنا فقط من يرى تلك اليدين المتدليتين من فوق السرير

سمعت السيدة ستون تقول بشوق بعد أن إنتقل أليكس ليجلس بجانبها ( لقد دعوت كل يوم لكي تعود وأراك ، كيف حالكَ ياإبني ؟ ولماذا تأخرت هكذا ؟ )

أخبرها بقلق ( أنا أسف لأني جعلتكم تنتظرون طويلا ياأمي ..أنا أفعل كل مابوسعي ، كيف حالكِ أنتِ ؟ تبدين تعبانة)

لقد ذهب تركيزي كله لتلك الغرفة ، سرعان ما رفعت يدها ، ياإلهـي إنها هي ..إستدارت بوجهها وفتحت عينها فرأتني ، لكنها لم تقم بأي ردة فعل ، ظلت تنظر لي كأنها تحلم ثم فركت عينيهاَ وجلست حين سمعت صوته

( أليكس ) همست بإسمه بدون صوت ، لقد قرأت شفتيها ، رفعت يدي لأنبهه لكنه لا يبدو أنه رآني

لاحظت كيف وقفت بصعوبة وكأنها تجمع عظامها لتقف ، ومشت بخطوات بطيئة .. فتحت الباب وتقدمت خطوة واحدة للخارج وحين رأت أليكساندر همست ( أخي ) ثم إنفجرت بالبكاء

سارت نحوه ربما خطوتان بدون الإستناد على شيئ ثم سقطت على الأرض كأنها لم تستطع تحمل وزنها أكثر من ذلكَ والطريقة التي ركض أليكس إليها جعلت جسدي يقشعر ، جلس على ركبتيه وحملها لحضنه ليعانقها بقوة ، لقد أفزعتني ..إنها ضعيفة جدا وهزيلة ، مجموعة عظام يكسوها جلد شاحب ، لا تبدو كفتاة في السابعة عشر بل أصغر بكثير

قالت من خلال شفتيها المتشققتان ( خفت أن لا أراك مجدداً ) أخبرته وهي تضع أصابعها الرقيقة بضعف على خده

أومأ أليكس وقد غمره الحنين ( أنا هنا ..لقد جئت مثلما وعدتكِ )

( لماذا تأخرت ؟ قلت أنك ستزورني كل شهر ، لقد إنتظرتك كثيراً )

عانقها لصدره مجددا بتأنيب ضمير ( أعرف ..أسف لأنني جعلتك تنتظرين كثيرا ياعزيزتي ) شعرت انه لم يستطع مواجه نظرتها المؤنبة

قالت ماكنزي بأنفس متقطعة ( لابأس ..أنا سعيدة لأنني رأيتك قبل فوات الأوان )

مهلا .. أدركت للتو أن هذه الفتاة تبدو كأنها تحتضر

ياإلهي أمل أن اكون مخطئة

ظهر الوهن في صوته حين قال لها ( لماذا تقولين هذا عزيزتي ؟ و .. لماذا سائت حالتك هكذا ؟ لماذا لا تأخذين دوائك ؟ )

أخذت نفسا مرتجفا لتردد ( هكذا )

نظر إلى جسدها النحيل بشكل مخيف ، ولعظام وجهها البارزة ، هناك هالات سوداء تحت عينيها وكأنها لم تنم لأيام ( لقد اخلفت بوعدك لي ، سأغضب منكِ ماكنزي، هل هكذا تفعلين بي ؟ )

( هكذا أفضـل للجميع ) كم جعلته يشعر بالقلق هذه اللحظة ، لاحظت والدته ذلك أيضاً فتدخلت قائلة ( حسنا ماكنزي لماذا لا تذهبين للنوم ..أنتِ لم تنامي منذ يومين ..أليكساندر سيبقى
اليوم )

لكنها فقط تمسكت بأخوها الذي سألها حائرا ( لماذا لم تنامي منذ يومين ؟)

أغمضت الام عينها للحظة ففهم وأخذها للغرفة و ظل معها حتى نامتْ حقاً ، حين تأكدت بانها نامت وقفت عند باب الغرفة وربعت يدي لصدري أحملق فيهاَ ، قال بانها تنام كل يوم في حضنه وهي قد حرمت منه حين أتى لي ، حرمت من الامان الان ..فطوال الأشهر الماضية كنت أنا أحتجزه عندي

وماذا عنها ؟

( هذه هي حبيبتي الصغيرة ماكنزي وكما ترين ..السر الذي أخفيته عنكِ ..أنظري إليها إنها مصابة بمرض مزمن إنها تعاني من الفشل الكلوي المزمن)

ياإلهي ، لقد شعرت بحرقة بداخلي ولم أستطع التكلم ، أحسست بالذنب فورا

أليكس جاء الى لندن لكي يعمل ويعالجها ..إن ظروفه أصعب مما توقعت ، أنا عاجزة عن التعبير

وبشكل ما شعرت بأن مسؤولية ماكنزي تقع على عاتقي أيضاً

( تعالي..إنها نائمة ) حين قال هذا ذهبت وجلست بجانبه وأمسكت يدها الرقيقة ، مررت أناملي على شعرها القصير ، مرضها لم يمحو جمالها ، هي مثله تملك سحرا خاصا بآل ستون يجعلني أرغب بالتحديق لها طوال الوقت

( لماذا أخفيت الامر عني ؟ ) سألته فصمت وأخفض عينيه لها ( حسناَ ..لا تخبرني لكن ..أريدك أن تعدني بشيئ واحد )

( ماهو ؟ ) وهو يحدثني الان إستغربت كم الحياة غير متوقعة ، أنا إبنة واحدة من أغنى أغنياء أنجلترا ولطالما ظننت أن زوجي سيكون رجل ..مثل جيريمي غرافل تماما، أبله مثلي وغني كما تريده والدتي

لكن القدر جعل مرض ماكنزي سببا ليحضر لي أليكس ..الذي يعيش هنا حياة بسيطة ، إنه ذكي أكثر مما أستطيع وصفه ، وجميل لحد يدوخني ، وحنون القلب بشكل لا يصدق ، لولا مرض أخته لما غادر هذا المكان قط وكيف وضعه القدر في طريقي ليصبح ملاكي الحارس ، ليصبح المعجزة التي كنت أنتظرها

كان يمكن ان لا نلتقي قط ..لولاها .. أنا مدينة لها بسعادتي ، أعتقد أن القدر أحضرني إلى هنا لحكمة ، يجب أن أساعدها ، حتى لو بعت كل مجوهراتي وملابسي ، سأبيع هاتفي لو تطلب الأمر ، أعرف شيئ واحد وهو أنني سأساعدها

( أنا أحب كل من تحبه ياأليكس ، ماكنزي أختي الصغيرة أيضا ..إن كان هناك ماأستطيع فعله لمساعدتها ، عدني أنك ستخبرني بدون تردد ) لم أرد أن أعرض عليه النقود مباشرة لأنه سيغضب

قال بسرعة بنبرة خافتة ( شكرا حبيبتي ، لا تقلقي بشأنها ..أنا أهتم بها )

وبمجرد أن نظرت إليها ..وجدتها تنظر لي بالمقابل ، لم ينتبه لها أليكس فقام وتركني بمفردي معها وكأنه تضايق مما قلته ..وأنا شعرت بالغرابة فرحت أتحدث بسرعة

( مرحبا..لعلكِ تتسائلين الأن من أنا صحيح .. أدعى تاماني ، أنا من لندن ..لكنني ترعرعت هنا قرب محطة الوقود )

فقالت ولم يبدو انها تستمع لثرثرتي ( أنتِ حبيبة أليكساندر ؟)

إبتعلت ريقي وهمست ( نعم ) تخيلت للحظة أنها ستطلب مني الخروج من منزلها لكنها فقط إبتسمت إبتسامة ضعيفة شاحبة وهي بالكاد تفتح عينيها ( أنتِ جميلة )

سمحت لنفسي بإن أمسك يدها مجدداً فسألتني ( ترغبين بمساعدتي ؟ )

( طبعا ياماكنزي ..سنصبح مستقبلا عائلة واحدة .. سأصبح أختك الكبيرة )

كم كانت نظراتها حادة وساخرة حين قالت ( مستقبلا ؟ لا أعرف إن كنت متوفرة.. لكن في الوقت الحالي انا هنا .. ويسرني ذلك )

إنحنيت وعانقتها.. المسكينة هي لا تظن انها ستعيش .. غمرني الذنب حين ضغطت على أصابعي بضعف ، عادت لتنام مجدداً فلاحظت كيف يديها ممتلأتان بثقوب الإبر ، مليئة ببقع بنفسجية مؤلمة ، سوف أساعدها حتى لو كان أخر شيئ أفعله في حياتي ، حتى لو رفض أليكساندر ذلك

( الغذاء جاهز ) نادت أمها فخرجت من الغرفة لأجدها قد وضعت الأكل فوق تلك الطاولة الصغيرة

( عزيزتي تعالي ..لابد وأنك جائعة ) سحبت لي كرسي فجلست ، أنا حقا جائعة ..والرائحة تبدو شهية جداً

جلس أليكس أمامي ليخبرني ( أمي أفضل طباخة في العالم ) وحقا هذا الأرز شهي جداً، بحيث بدأت أكل بدون توقف ..أنا في العادة فتاة خجولة حتى أرى الأكل

( سأوقظ ماكنزي ) كان سيقوم فأوقفته أمه ( دعها تنام ، لم يغمض لها جفن منذ يومين )

إنهال عليها أليكساندر بالأسئلة التي كانت سببا في شروده منذ الأمس ( لكن لماذا ياأمي ؟ مالذي يجري ؟ ولماذا لم يخبرني إمانويل بأن اندرو سيأخذها معه إلى لندن ؟ لماذا توقفت عن العلاج ؟ أخبريني مالذي يجري ؟)

( أخفض صوتك إبني.. سوف توقظهاَ ) طلبت منه فوضع أصابعه فوق عينيه محاولا أن يضبط أعصابه ، وأنا كنت اجلس وسطهما لا اعرف ماذا أفعل ،هل أستمر في الاكل ؟ هل أخرج وأمنحهم بعض الخصوصية ..لكن وقت الأكل أكل !

( أندرو أخذها معه إلى لندن لكي يجري لها بعض التحاليل الغير متوفرة هنا ، هذا كل ما في الأمر ، لا تقلق كل شيئ على مايرامْ)

وقبل ان يتمكن من قول شيئ طرق الباب وسمعت صوت مرح ( إلهي كم أنا جآآآئع )

إبتسم أليكس وإختفى كل الإنزعاج الذي بان عليه للتو ، ذهب وفتح الباب له قبل أن يطرق، لم أعرف أن أخوه سينصدم لدرجة سيظن أن يتخيل ، تراجع للخلف وتجمد مكانه ( مستحييل ياصاح ، أخي هل هذا حقا أنتَ ؟ هنا في المنزل ؟ )

إنه على وشك البكاء ، قلبي لا يستطيع أن يتحمل ذلكَ

( تعال هنا أيها البطل ) فتح له ذراعيه و عانقه بقوة ، لديه بعض الشبه بأليكس ، عدا انه ضئيل الحجم ..ربما لأنه لا يزال مراهق ولم ينضج جسده بعد ، لكنه حتما سيصبح مثل أخوه

ظل متمسكا به ولم يرمش حتى كأنه خائف أن يستيقظ من حلم جميل ( كان عليك إصطحابي معكَ ، هذا المكان غريب بدونكَ )

قبل ان تقع دمعتي مسحتها ورأيت السيدة ستون تبتسم نحوي بحنان قوي لدرجة أنها راحت تربت على شعري

( أتيت لتبقى صحيح ؟ ) كان متفائلا جداً، حيث عانقه مجدداً ،والدموع تملأ عينيه ، عجز أليكس عن إبلاغه أنه لن يبقى فإكتفى بإبتسامة حزينة

( من أنتِ؟ ) إقترب مني حتى صار يقف بجانبي فهلعت وأخبرته كآلة ( أنا تاماني)

( إسم غريب ) من الواضح انه لا يخفي شيئ في قلبه ..من الواضح ان جميعهم هكذاَ يقولون الحقيقة سواء كانت جيدة أو لا ، غسل يديه بسرعة وعاد لينظر لي بإستغراب طريف

( إجلس أرون ) طلبت منه أمه فجلس بجانب أليكس وإستدار كليا له ليحدثه بشوق كبير

( قلت بأن الامر سيكون صعبا في البداية ثم سأعتاد .. لكن الامر يصبح أصعب مع كل يوم يمر ولم أعتد على غيابك ، شعرت بأنني فقدت أبي للمرة الثانية )

أعرف أن إعترافه هذا وقع كالسوط على قلبه لكنه لم يظهر ذلك وإبتسم له ( انت تعرف أن الظروف هي التي أجبرتني بأن أذهب ، أنا لن أتركك مادمت حيا )

( أجل ) هز رأسه وراح ياكل فسأله أليكس ( كيف تسير امور دراستك ؟ كيف أبليت في الإختبارات ؟ )

إكتفى أرون بإبتسامة صغيرة مصطنعة بإمتياز ورفع كلتا إبهاميه فقال أليكس فخورا به ( إستمر هكذاَ )

لماذا لم أفكر بهذه الطريقة يوما ، إنها سهلة ومفعولها يعمل جيدا ، ويمكنني أن اوفر كلماتي لوقت أخر

( أليكساندر قال لي أنك عبقري العائلة ) أخبرته فوضع يده فوق قلبه ممتنا ( هذا شرف لي أنستي )

وإنتظر حتى أخفض اليكس عيونه للصحن فقام لي بإشارة الموت على عنقه لأتوقف عن ذكر الدراسة وعلى غفلة رفع حبيبي يده وضربه من خلف رأسه ( لقد رأيتك )

( ماكان الداعي لذلكَ أخي ؟ ) راح أرون يفرك رأسه من الخلف وأنا أضحك ، لكن أليكس كان جادا حين قال له ( تعرف كم أنا جاد بخصوص الدراسة )

صمت أرون وإستمع جيدا لأليكس وهو يقول موبخا بلهجة أبوية ( إننا نعيش في أوقات مظلمة ودراستك هي سلاحك الوحيد ، أريدك أن تخرج من هذا المستنقع الذي عجزت عن الخروج منه انا )

( هل هي نائمة حقا ؟ ) سأل عن أخته ليغير الموضوع فأومأت أمه ( تريدينني ان أصدق أنها نائمةَ)

( هل يمكنني أن اعرف لماذا انت مستغرب ؟ ) سأله اليكس وهو حتى الأن لم يلمس صحنه قط

( لأنك أخيرا هناَ .. لانك حقا اتيت .. فكيف ستنام ماكنزي وأنت هنا ؟ هي تهذي بإسمك منذ غادرت )

فكر أليكس قليلا ثم ذهب و فتح الباب فكانت مستلقية على بطنها ، تدفن وجهها في الوسادة

( هي نائمة ياإبني ) نبهته أمه ورغم ذلك دخل وإنحنى إليهاَ ( ماكنزي ) همس إسمها ثم جعلها تعتدل في نومها لكي لا تختنق

( ماكنزي أعلم انكِ لست نائمة ) مرر يده على وجهها بحنان ( إفتحي عينيكِ ماكنزي .. أنظري لي)

( أليكساندر ..دع أختك تنام ) نادته السيدة ستون فرفض ، امسكها من كتفيها ثم رفعها وعانقها

( حرارتك عالية عزيزتي.. أنتِ لست نائمةَ، بل تعانين من دواخ الحمى ) وبين لحظة وأخرى هزها بقوة ( ماكنزي ) نطق إسمها بحدة كبيرة فأجفلت وفتحت عيونها بضعف

صرخ وهو يشد على أسنانه بحدة ( أمي ..أحضري كل أدويتها )

همست ماكنزي بوهن ( لا أريد )

كان يمسكها بقوة حيث قال بغضب ( بلا ..ستريدين رغما عنكِ ..كيف ترغبين بالشفاء إذن ؟)

أحضرت له إيرين الدواء فبدأ يقلب فيه حتى وجد مايبحث عنه ( هيا ماكنزي )

أغمضت عينها وهو فقد بدأ يفقد صبره فقال بحدة( قلت هيا ماكنزي.. ماذا يعني أنك لا تريدين تناول دوائك .. الإنتحار ؟)

وقفت بجانبه فنظرت لي لبعض الوقت قبل ان تغمض عينها مجدداً

( ماكنزي ) ساعدتها لكي تجلس فظلت تنظر لي كأنني أساعد في تعذيبهاَ ، كم هي حزينة و وهادئة

حملت كأس الماء وأعطيته لهاَ، لكنها بمجرد ان أمسكته حتى سقط من يدهاَ ، ولا أظن أن أليكس كان مستعدا ليرى أخته عاجزة حتى عن إمساك كأس ماء فخرج ..وأنا لحقته

وجدته يجلس أمام الباب على إحدى الرفوف الصخرية فعانقته ( لابأس ..هي ستتعافى ) ومسحت له دموعه فقال بلحظة يأس ( إنها تحتضر.. أختي تحتضر)

( لاتقل ذلك .. أنت وانا لن ندعها تموت ..سنعتني بها ..ستشفى من هذا المرض، ستكون على مايرام ، أعدكَ )

( أخشى أن يكون الأوان قد فات ) تفاقم ألمي لرؤيته في هذه الحالة ، لطالما كان قويا والأن هو ضعيف جدا لدرجة حطم قلبي ، أنا جد غاضبة لأني لا أستطيع مساعدة فورا ، يتطلب ذلك الوقت والنقود

( أخي) تركته بمجرد ان سمعت صوتها فكانت تتكئ على ذراع أرون لكي لا تقعْ، رؤيتهما يقفان بجانب بعض غمرني بشعور الأخوة نحوهما ، إنهما لطيفان جدا معا ، شعرت بالذنب نحوهما لأنني إستحوذت على أخيهما طوال الأشهر الماضية ، حتى أرون يبدو في حالة يرثى لها ، إنه هزيل جدا وملابسه خفيفة ولا تناسب هذا الفصل البارد ، كلاهما يشبهان أليكس ، عدى أن ملامح ماكنزي أكثر حدة ، ونظرتها أكثر واقعية ، تبدو ذكية جدا حيث يصعب التحايل عليها ..هي تبدو عدوانية وخفيفة الطبع ، عكس أرون الذي يبدو بشوشا ورزينا

( لا تحزن ، هذا ما يجب أن يحدث ..أنت لا تستطيع تغيير شيئ ، لا أحد يستطيعْ ، لفد فعلت مابوسعك والأن أريدك أن ترتاح ..تعبت جدا ياأخي فأتركني لأرتاح )

كور قبضة يده بقوة غاضبا فهمست في أذنه ( إهدأ )

وقف متنهدا بمرارة وفتح ذراعه لها ، إبتسم نحوها لكن مافعلته هي عناق أرون بحزن ( أنا أسفة ياأخي)

ثم قالت لأرون ( خذني لسريري ) وكأنه ليس أخوها الذي يقف هنا ينتظرها أن تأتي إليه .. وأعتقد ان ذلك أذاه قليلا فإلتفت لي قائلا بإبتسامة مختلطة بدموعه الحزينة ( هي تشعر بالغيرة )

( هل تعتقد ذلك ؟ لقد تحدثت معها وبدت أنها مسرورة لنصبح عائلة ..حتى أنها قالت بأنني جميلة )

مد ذراعه وإحتواني في صدره ( أنتِ الوحيدة الان التي تبقيني قوياً ..هيا لندخل ..أحدهم يجب أن يأخذ دوائه )

امسك يدي وعاد لغرفتها فكانت مستلقية وأرون جالس بجانبها يكاد يغفو هو الاخر

( عزيزتي.. أسف لأنني صرخت بوجهكِ ، أنا قلق عليكِ جدا أختي ) قبل يدهاَ فدمعت عيونها

قالت وهي تنظر لعينيه متوسلة ( لا ..لا تغادر )

( كيف سأؤمن لك مصاريف العلاج والأدوية إن بقيت هنا )

( أرجوك أليكس ..ليس عليك أن تبتعد من أجلي )

فأخبرها الحقيقة ( ماكنزي ..سأغادر مساء يوم الأحد )

همست وهي تغمض عينيها برفض قاطع (لا )

بقي ممسكا بيدها يقبلها بين الحين والأخر (لكنني ساتصل بك وسازورك بأقرب وقت ممكن )

هزت وجهها بقوة وبدأت تبكي (لآ )

(بلا ياعزيزتي ) إنحنى ليقبلها على جبينها لكنه توقف وتراجع مقطبا جبينه ( ماهذا ؟ )

أشار لعنقها الأزرق كأن أحدهم حاول خنقهاَ..هناك أثار اصابع واضحة

( من فعل هذا بكِ ؟ ) سألها فرفضت أن تقول شيئا وهو فقط بدأ يفقد اعصابه مجددا

( أرون ؟ ) نظر إليه فكان هذا الاخير شاحب الوجه ، بقي متجمدا مكانه يحاول أن ينطق الكلمات التي شكلها بين شفتيه

فقالت ماكنزي لتخلصه من صراعه ( لقد سقطت )

( أنت تكذبين عزيزتي ) حدثها بهدوء رغم انه سينفجر فأصرت على كلامها ( قلت أنني سقطت )

إسودت عينيه وقال بغضب شديد ( كفى .. منذ متى صرت تكذبين عليا ؟ تذكري ..أنا علمتك الكلام وأعرف متى تماما تكذبين )

( أخبريني ماذا حدث ماكنزي ) حاول معها فوضعت يدها على أذنيها وصرخت ( أنت تــزعـجـنــي )

( حسنا إهدئي .. إهدئي ) بلمسة سحرية من أليكس جعلتها تهدأ كلياَ ..كأنه والدها أكثر من كونه أخوها

أغمضت عينها بإنهاك فطلب منا أن نتركها بمفردها لترتاح وقف في الصالة متوعدا ( إنه إيمانويل صحيح ؟)

فحرك أرون وجهه نفيا ( إيمانويل لن يجرؤ )

( إذن من تجرأ وخنق أختي حتى ترك لها أثاراً زرقاء ) حين صرخ إرتجفت ..علمت أن غضبه خطير لكن ليس لهذه الدرجة ..وأتسائل كيف كان يمسك أعصابه معي

( كفى ، أليكساندر ..أرون .. كفى , أختكما قالت بانها سقطت ، ذلك ماحدث ) الان عصبت أمهما من المطبخ

إرتسمت نظرة ساخطة عليه وصرخ ( أمي لا تجعليني أجن ، تلك أثار خنق .. أنت تحاولين حماية إيمانويل ، لكنك سترين ماذا سأفعل له)

أتى صوت إيرين الحنون من المطبخ منخفضا ( أليكساندر ، فلتبقى بعيدا عنه ، عدني ..عدني أن لا تفتعل أي مشكلة معه )

( حسناً ) رغم كل شيئ هو لم يستطع مخالفة كلام أمه ، لكنه نظر لأرون الذي قال كأنه يعرف مسبقا السؤال

فأخبره ( لا اعرف أين هو إيمانويلْ)

حاول أليكس أن يلهي نفسه فجلس فوق الأريكة وأمسك عبثا بإحدى كراريس أرون فوق المائدة ثم فتحه ، خلال ذلك سقط فم أرون بذعر ، بدى أنه يمر بأعراض الهلع التي أصابتني هاذا الصباح

لم أفهم ماذا حل به حتى وقف أليكس ورمى الدفتر عليه ، صاح بغضب ( أخر تاريخ سجلته كان قبل ثلاث أشهر ، هل تركت المدرسة ؟ )

أصبح يرتجف غضبا حيث تفقد كل كراريسه وكتبه ، إزدادت قتامة نظراته وصار يتنفس بشراسة حيث تهجم على أرون الذي تجمد مكانه ، أمسك وجهه بيده ورفعه ليصرخ بطريقة جعلتني أتراجع خوفا

( كيف تجرأت أن تترك المدرسة أرون ؟ كيف فعلت ذلك بي ؟ هل فقدت عقلك ؟ ماذا حدث ؟ قل شيئاا أرون .. برر لي قبل أن أفقد صوابي ) هو لا يدرك أنه فقد صوابه فعلا ، أشفقت على أرون الذي كان يخفض عينيه طوال الوقت بذنب فضيع للأرض بدون أن ينطق بكلمة

( أعطـنـي سببا ياأخي ، قل شيئا منطقيا لتبرر لي فعلتكَ ..ثلاثة أشهر ؟ ثلاثة أشهر لعينة ؟ )

فقال أرون حين إستجمع أنفاسه ( فعلت ذلك للضرورة القصوى ، لا شيئ أقوله سيجعلك تفهم )

ثم دخل لغرفة ماكنزي وأغلق الباب تاركا أليكس يجن في غرفة المعيشة ، بعد أن لكم الجدار عدة مرات قرر أن يخرج ويركل كل مافي طريقه ..إنه يخيفني الأن

( تعالي تاماني ، لا تبقي بمفردكِ هناك ) نادتني السيدة ستون فركضت إليها وقلبي يخفق بقوة

لم أعرف هذا الجانب الجامح من أليكس حتى الأن ، وأنا متفاجئة قليلا لاني تعودت على هدوئه

كان مطبخها بسيطا يفتقر لكل وسائل الراحة ، لا وجود لغسالة صحون ، ولا لفرن أوتوماتيكي ، لا يوجد حتى ميكرويف ولا خلاط كهربائي ، هي مضطرة لتفعل كل شيئ بنفسها ، لكن كانت لها لمستها حيث جعلته لطيفا ، أحببت جدرانه البيضاء النقية التي تجعله مضيئا ونافذته الكبيرة المطلة على الحديقة ، أحببت الستائر الوردية المطرزة بالكرز والسجادة الزرقاء على الأرض الخشبية ، وديلاء النباتات في الزوايا وفي الرفوف ، وكذلك مزهرية الورود المتنوعة فوق الطاولة ، سحبت كرسي وجلست تقابلني بينما إلتفت نحو النافذة لأرى أليكس يدخن كما لم يفعل يوما ، وهو يسير ذهابا إيابا كأنه لا يستطيع السيطرة على نفسه

( لا تقلقي بشأنه ، سيهدأ لاحقا ) حاولت أن تطمأنني بينما حملت في يدها إبرة وخيط ، وشرعت في خياطة قميص أرون حسب حجمه الصغير

( الدراسة خط أحمر عنده ، لا أعتقد أنه سيمرر الأمر بهذه السهولة ) قلت حسب معرفتي به

فأومأت رأسها لتوافقني الرأي

( طبعا لا ) لاحظت يديها ممتلأتان بندوب خفية ، وخشنتان كأنهما تحكيان عن سنوات قاسية تجاوزتهما ، تذكرت والدتي التي تستعمل أغلى المراهم لتبقى يديها رطبتان وناعمتان رغم أنها لا تلمس بهما شيئ ، كم أتمنى لو أنها فقط كانت تربت على وجنتي بهماَ لأشعر بإهتمامها

( لقد إشتاق لكم كثيرا ) شعرت أني يجب أن أخبرها بذلك ، فثلاثتهم لم يصدقو قدومه اليوم

وكأنهم ظنوا أنه نسيهم ( إبنكِ يحبك كثيرا ياسيدة ستون )

أخفضت عينيها بإبتسامة خافتة وقالت ( إنه أكثر من إبن ، إنه عيناي الذي أرى عبرها هذه الدنيا )

( أخبرني أنه تولى المسؤولية بعد وفاة والده ) قلت بأسى فهزت وجهها بقوة

إنكمش جسدها الهزيل حيث توقفت عن الخياطة للحظات ، ندمت لأني ذكرت زوجها الراحل

قالت بصوت مرتعش ( لقد تحمل المسؤولية منذ كان طفلا ، أتعرفين أنه لم يعش طفولته كباقي أصدقائه ، ولم يستمتع بمراهقته ، هو عاش في حياة البالغين القاسية ،حين يكون أقرانه في أسرتهم الدافئة كان هو يسير في الظلام بحثا عن أي عمل ، وكلما يخرج في ظلام الليل أمسك قلبي خوفا عليه ، بعد وفاة روبرت لم يرحمنا العالم ، لقد طالبنا البعض بتسديد الديون في مدة زمنية قصيرة ، كان يعمل بأي شيئ ، ينظف المنازل ، يساعد المزارعين في حرث الأراضي ، ينظف الإسطبلات ، يغسل السيارات، تساقطت على رأسه الأمطار الباردة و أحرقته الشمس وهو مجرد فتى صغير ، ولم يشتك لي قطْ ، كان يسهر الليالي لينام أخوته ، يجوع هو ليشبعو هم ، أنا أستمد قوتي منه ، لا أعرف ماذا كنت سأفعل بدونه )

حاولت إخماد الدموع في عيني وأكون قوية ، وضعت يدي فوق يدها وأخبرتها ( إنه حنون جدا ، لقد أنجبت ملاكا وأسميته أليكساندر ، صدقيني سيدة ستون ، لم أعرف بشأن ماكنزي حتى اليوم وإلا كنت فكرت بحل ما )

لمعت عينيها بإمتنان ( نادني إيرين ياعزيزتي ، أقدر لك ذلك لكن أليكس لا يقبل المساعدة من أحد ، إنه يتحمل مسؤوليتها بنفسه فقط )

( لكني لست أي أحد ! ) ضغطت على يدها ففعلت المثل لتشعرني بتفهمها

( بعد رحيل روبرت حل أليكس مكانه ، عوضنا عن غيابه بشكل كبير ، لم يردنا أن نشعر أننا نحتاج لغيره ليهتم بنا ، أرادنا أن نعرف بأنه موجود من أجلنا ولن نحتاج لطلب المساعد من أحد .. أتعرفين أن الجميع ينخدعون بإبتسامته ولا يعرفون حقا حياته ، نحن فعلا نشعر بالأمان حقا لوجوده ، نشعر بالإستقرار لأنه لا يدعنا نحتاج للغرباء ، لقد مات زوجي لكنه ترك لي محارباَ ، أنا فخورة جدا به )

غمرتني المشاعر حين ربتت على خدي برقة ( إن قلبه الكبير لا يقدر بثمن ، أنتِ لن تجدي قلبا حنونا نقيا مثله ليحبكِ بتلك الطريقة المخلصة ، أنتِ محظوظة لأن ملاكي إختاركِ ليحبكِ ، إهتمي بإبني فهو أيضا يحتاج لرفيقة مثلك لتؤنسه في وحدته ، إنه مجروح بداخله ولن يعترف بذلك أبدا لي لكي لا يشعرني بالقلق ، أنتِ الوحيدة التي تستطيع المسح على جروحه )

( أعدكِ )

بدأ قلبي يقفز بين أضلاعي حين دخل مجددا للمنزل ، في نفس الوقت الذي خرج أرون من غرفة ماكنزي وإلتقيا في غرفة المعيشة ، فتوهجت عينيه بغضب نحو أرون الذي أخفض وجهه للأرض ودخل إلى المطبخ ، أفرغ الماء في الكأس وشربه دفعة واحدة ، محتميا بأمه تحسبا

صرخ وهو يلوح بسبابته في الهواء ( لا تظن أنك نفذت مني بهذه السهولة ، أمي لا أفهم كيف سمحتِ له أن يترك المدرسة ؟ ) وكان الدخان يخرج من فمه بشراسة

وقفت إيرين ووضعت كلتا يديها فوق صدره لتهدئه ( لا شيئ يحل بالغضب والصراخ ..لمالا تخرج لبعض الوقت وتأخذ تاماني معكَ ، أرها قريتنا الجميلة ، هيا إذهب ياعزيزي )

أخفض صوته إحتراما لأمه بسرعة ( ذلك لا يعني أنكم ستتهربون من الإجابة عن الاسئلة التي لم اجد لها جواب)

أمسك يدي وبدأ يسير بسرعة ولم يكترث لانني أرتدي نصف كعب عالي البتة ، فتح الباب حين وصلنا للسيارة وجعلني أصعد وكانني دمية يتحكم بها بالخيوط ، ثم قاد بسرعة مخلفا زوبعة من الغبار خلفه

أوكاي .. إنه يخيفني ، لا أستطيع التواصل تحت الضغط ، أهلع وأتجمد ، عقلي لا يتعاون معي في الأزمات العائلية

" لكنه حبيبك أيتها الغبية ، هل يعقل شيئ كذلك ، إنه يحتاجكِ لتهدئيه ، أغمريه بحنانك فأنتِ لستِ نبتة صبار ! "

"لكن ماذا لو لم يرد التحدث الأن ؟ لا أريد أن أقاطع تفكيره، هو يلتهم سيجارته مثل الوحش "

"توقفي عن خوض المحادثة التي يجب أن تجريها معه ..مع نفسكِ أيتها الغبية "

"لكن ماذا لو فقد صوابه عليا ؟ وحينها بدأت بالبكاء وبدوت مثل الحمقاء أمامه ؟ "

"تبكين ؟ هل أنتِ في الثالثة ؟ أنت راشدة فتصرفي كواحدة ، إن لم تقفي معه الأن فمتى ستفعلين ؟ "

"لكن ماذا لو كان يتظرني الأن لاتكلم ليفتح موضوع رسوبي .. أقسم أني سأبكي ، لقد حذرتك ، دموعي على حافة رموشي أساسا"

"توقفي عن التحدث مع نفسك وتحدثي معه أيتها البلهاء"

"لكن ماذا سأقول ؟ ماهي أفضل طريقة لأواسيه ، مهلا مهلا أعتقد يجب أن أفتح غوغل لأكون على إطلاع"

"كيف ستقومين بفتح هاتفك هكذا أمامه ، سيعرف أنكِ مثيرة للشفقة ورأسك فارغ "

"لا بأس لا تقلقي ، إعتدت أن أتصفح الإنترنت بجانب لورينس طوال الوقت بدون أن يستطيع رؤية ماأفعله ، بصراحة أنا ماهرة جدا بالحفاظ عى سريتي"

"ماذا لو كان ذلك ماأرادكِ لورينس أن تظنينه ، ماذا لو كان يعرف كل شيئ ، والان أليكس سيعرف أنك حبيبة مريعة لا تستطيع حتى ترتيب جملة لتواسيه"

" لورينس ليس بذلك الذكاء أيتها الغبية .. أو هل هو كذلك ؟ مهلا مـاذا لو .."

" فقط إخرسي وأمسكي يده "

" أفف حسناااا "

إلتفت إليه بجسدي وممدت يدي بهدوء لأضعها فوق يده ( عليكَ ان تهدأ وتفكر جيدا فيما ستفعله تاليا ) سرقت جملة فاني التي تخبرني بها كلما وقعت في مشكلة ، بصراحة فاني هي قاموسي في أوقات الضرورة ، إنها كاتبة وكل كلامها ذات معنى

قطب جبينه ( تاليا ؟ )

اخبرته مالاحظته ( برأيي ماكنزي ترفض تناول الدواء والعلاج لانك بعيد عليهاَ، ربما هي لم تتحمل ذلك فعاقبتك بهذه الطريقة )

( هي تعاقب نفسهاَ اكثر شيئ .. ) غلبه غضبه فراح يضرب المقود ، وأنا إنطويت على نفسي وتراجعت للنافذة ، أنا حرفيا لا أتجاوب مع الأشخاص الغاضبين ، كل ماأعرفه هو الكذب عليهم بخلق سيناريوهات تنقلهم لواقع خاطئ ، ولا يمكنني فعل ذلك بأليكس ، عليه أن يبقى في هذا الواقع الأليم

راح يصرخ عاليا وبالكاد مددت يدي لأمسك يده ( كيف تستطيع فعل ذلك بي ؟ ألا يكفي أنني فقدت أبي ؟ فكيف تظنني سأتحمل فقدانها هي أيضا ؟ لقد نفيت نفسي إلى لندن من أجلها .. إن كنت قد إبتعدت فلأجل مصلحتهاَ )

لا اعرف سوى طريقة واحدة لإسكاته ، سأغامر ..وثبت فوق المقعد وقبلته على غفلة فصمت ليعم الهدوء السيارة ، إبتعدت بسرعة ولا أعرف لماذا أخفيت نصف وجهي بكم سترتي

الان هو يقود مسرعا لكنه ينظر لي بعيون جامحة وهو يعض شفتيه بقوة ، إستجمعت كل شجاعتي

وقلت بحزم ( إستجمع نفسك ياأليكساندر ، ماكنزي حية ، عوضا عن فقدان صوابك فكر فيما ستفعله تاليا ، نحتاج لوضع خطة عاجلة، واضح أنك لا تستطيع الإعتماد على أخوك ولا يمكنك البقاء أيضا ، يجب أن نجد حلا في المنتصف .. دعني أفكر في ذلك فأنت توترني بصراخكَ )

إلتفت بعدها للطريق ووجهي ينفجر إحمرارا ، بينما شعرت بنظراته عليا مستمرة رغم أنه لم يقل شيئا ،لم أعرف الطرقات التي كان يمر بها فجميعها متشابهة

ثم توقف فجأة على جانب الطريق ( سأتوقف لأملأ خزان الوقود)

نزلت لأتنشق الهواء العليل وأفكر بحل، قطفت زهرة بيضاء ودفعتها لأنفي لأشم رائحتها المألوفة، إعتدت أن أصنع منها تاجا وأضعه على رأسي ، رحت أسير وأقطف الأزهار البيضاء التي كانت على حافة الطريق لأصنع واحدا لماكنزي ثم جذبت إنتباهي وردة حمراء متألقة

( أوووه يالك من وردة جميلة هناك ) كانت في الجانب الاخر من الطريق ، كم يسود الهدوء هذه المنطقة ، الجبال أقرب مني أكثر من أي وقت مضى ، والطقس متجمد رغم أشعة الشمس

كم هو يوم مشمش بارد جميل

( سأقطفك وأخذك إلى ماكنزي )

راح أليكس يملأ خزان الوقود فذهبت وقطفت هذه الوردة الحمراء الفاتنة ، كم إن رائحتهاَ جميلة ماكنزي ستسعد بها ، أشعر بالسعادة كأنني كنت هنا من قبل ..لقد كنت أقطف الورود كثيراً

صار قلبي ينبض بقوة حيث رأيت نفس الأشجار قائمة من قريب فمشيت ببطئ ثم نظرت للمد البعيد

( أعرف هذه الطريق ) خلف هذه الأشجار العالية التي تخفي بأغصانها وأوراقها الجانب الأخر من القرية .. يوجد منزلي

( تعالي لنذهبْ ) وضع ذراعيه على كتفي فقلت وقد غمرني الحنين ( إنه هناكَ )

أشرت لذلك المنزل الذي بالكاد يظهر ( هناك كنت أعيش مع جدي )

مرر يده عبر شعري ورسم إبتسامة ناعمة حيث نسي كل غضبه ( لنذهب ونلقي نظرة إذن )

اومأت موافقة وعانقته من ذراعه طوال المسافة، حين أصبحنا في مساحة شاسعة ممتلئة بالورود من مختلف الانواعْ كان منزلي العزيز لايزال مثلما هو ، وكأنني بالأمس كنت هنا ألعب بدميتي أمام الباب

إنه المنزل الذي لم أعتقد أني سأراه مجددا حتى في أحلامي

( تعال ) امسكت يده وركضت مقتربة وحين صرت على الشرفة الخارجية عجزت ان أدخل

إنهمرت دموعي وأحسست بوخزة مؤلمة في قلبي ( أنا أفتقد جدي كثيراً ) أسوء شعور على الإطلاق أن أشتاق إليه وأنا أعرف انني لا أستطيع رؤيته مجددا

وقف بجانبي بهدوء ومسح دموعي برفق ( أعرف ..لمالا تدخلين ، أنا واثق بانك سترتاحين )

لعله محقْ ، كان جدي دوما يحتفظ بمفتاح إحتياطي في مكان سري لا يعرفه سوانا ، كان هناك شق أسفل السلم مغطى بدلو كبير لم يبقى منه سوى تراب يابس ، أخرجت منه المفتاح ودخلت فمرت عليا طفولتي كشريط سريع ، كنت أرتجف وكأنني في حلم يقظة وهو لم يترك يدي قط

أشرت للكنبة الجلدية البنية ( هناك كنا نجلس ونتفرج على التلفاز ) رفعت عيني للتلفاز الموضوع فوق المنضدة الخشبية، وحوله الكثير من اللوحات المعلقة ، بعضها كانت من رسوماتي وضعها جدي في إطارات وعلقها ، إبتسمت ..كنت رسامة مريعة ، مهووسة برسم كل مغامراتي ، أنا وجدي نصطاد السمك ، أنا أهيم في الحقول أحاول إصابة الطيور بمقلاعي ، دميتي تامي ، وجه جدي ..ياإلهي كم إشتقت إليه ، فقط لو يعود الزمن وأعانقه لمرة واحدة لا نهاية لها

نظرت للنافذة وأخبرته ( وهنا كنت أجلس وأتفرج على البجعات يسبحن في البحيرة )

( هل هذا هو جدك ؟ ) حمل كادر كان فوق المنضدة وقلبه لي فرأيت وجه جدي الذي حرمتني والدتي من كل صورة .. رؤيته جعلت قلبي ينفطر مجددا ..الإشتياق كلمة صغيرة مقارنة بما أشعر الان ، صارت أطرافي ترتجف .. حين كنت صغيرة وجاء ليأخذني أنا فرحت جدا لرؤيته ، لم أقل أي شيئ ، أنا فقط عانقته بقوة كافية لأعبر بها عن كل ماأشعر به

( وهذه أنتِ حين كنت صغيرة ) كم إتسعت إبتسامته الان ( سمرائي الجميلة .. لمالا تستعدين لون شعركِ الأصلي ، اود ان أراك طبيعية ، أود رؤية عينيكِ البنية الفاتنة )

إكتفيت بالنظر لصورتي وأنا مجرد طفلة ..كم كبرت لأصبح فتاة مثيرة للشفقة الان ، لطالما أحببت شعري البني ، مثل عدة أمور أخرى أجبرت على التخلي عنه

صعدنا الدرج فكانت الغرفة الاولى لجدي فتجاهلت الدخول إليها لأنني لم اكن مستعدة لكنني دخلت لغرفتي وجلست على سريري ، أشعر أني لم أغادر أبدا ، وكأن السنوات الماضية كانت مجرد كابوس ..ليت ذلك كان صحيحا

( أريد أن أستعيد حياتي القديمة ، أليكس، كنا نقيم بنفس المنطقة لسنوات ، لكن شاء القدر ان يجمعنا في منطقة أخرى .. أعني كيف لم نلتقي في هذه القرية الصغيرة وإلتقينا في لندن

الكبيرة ؟ )

كان يقف في شرفتي ، إبتسمت حين أحسست به يتأملني بصمت ثم إحترقت وجنتاي حين رمى سيجارته و إقترب مني ، قبلني بطريقة خطفت أنفاسي وخدرت شفتاي حتى أبعدت وجهي والحرارة تتصاعد من وجنتي ، بقيت ذراعيه مطويتان حول ظهري وقال بنبرة غاوية ( أشعر أنني تخلصت من قيود كانت تكبل حبي لكِ ، كم أنا سعيد بتواجدك بعيدا عن آل فيفر ، هنا أستطيع أن أحبك بدون خوف ، أحبك مثل المجنون )

دحرجت عيني نحو الباب فتذكرت كيف كان جدي يقف هناك مبتسما ليطمئن عليا

فأخبرته ( أشعر وكأن جدي يراقبني ) وهذا كان كفيل بجعل جسده يقشعر ، كأنني أفسدت لحظته الرومانسية فدفعني فوق السرير ووقف أمام مكتبي بتكشيرة

ياإلهي .. كيف نسيت أنه يخاف من الأموات والأشباح .. سيظن أنني حقا نبتة صبار !

مددت يدي فلمست شيئا تحت الوسادة ، فأمسكته وكم تفاجئت لانها كانت دميتي تامي ، هدية من جدي ظننت ان والدتي تخلصت منها .. لكنها يبدو أنها وضعت كل أشيائي هنا ، أدركت للتو أن غرفتي مبعثرة مثل غرفة المعيشة وكأن أحدهم أراد أن يسرق شيئا

أريتها لأليكس ( هذه تامي ) فإبتعد أكثر بريبة كأنه رأى شبح ما ، إحمر وجهه وتراجع للباب مستعدا ليغادر غرفتي

عانقتها لصدري بقوة ( أسفة يادميتي لأنك بقيت بمفردك .. لقد جئت لأخذك معي الان )

( لا تفعلي ذلك ، أبعديها عنكِ تاماني ) كم أردت أن أنهض وأقربها منه ثم تذكرت جانبه الخطير وغيرت رأيي

خرج من غرفتي كما توقعت فأخفيتها خلف ظهري وتبعته ، مررت على غرفة جدي فوجدته قد فتح الباب ودخل يتجول فيها ثم حمل ورقة ما لينظر لي بإبتسامة جذابة

( كنت تلميذة نجيبة حبيبتي ) أراني إحدى معدلاتي من بعيد لأني بقيت أقف في الرواق لا أملك الشجاعة لأدخل ( أنت الأولى في صفك وهذه تهنئة )

( ألن تدخلي لغرفة جدكِ ؟ ) سألني حين طال إنتظاره لي

( خفت أن أنهار )

( أمسكِ يدي .. فأنا معكِ ) أمسكت يده وخطوت خطوة للداخل ..اكاد أرى جدي يستلقي في الجهة اليمنى من السرير فأركض أنا وأستلقي بجانبه وأسمعه يروي لي قصص مغامراته حين كان صغيرا

لا تزال مثلما هي .. أعتقد أن الامر الوحيد الذي تغير في هذا المنزل هو اناَ

عانقت ذراعه بإمتنان لأن مجرد وجوده هنا يمنحني القوة لكي لا أنهار وخفف من حزني ، أشعر أنني أستطيع أن أمضي في حياتي بجانبه الأن ، وجدي سيبقى حيا في قلبي ، أتمنى لو نبقى أنا وهو هنا إلى الأبد

سألني فجأة ( هل يعقل ان يظل هذا المنزل مهجوراً طوال هذه السنواتْ ؟ )

( أجل أعرف ، لابد أن والدتي نقلته ليصبح واحد من ممتلكاتهاَ، لكنني أستغرب لماذا لم تقم ببيعه فهي لم تحبه يوماً ، آآه أليكس انظر ..كل هذه الشهادات كانت له )

إقتربنا من الجدار ورحت أريه فقال ( اوه إذن حب المحاماة ورثتها عن جدك ؟؟ )

لم أفهم قصده وسألته ( ماذا تعني ؟ جدي كان أستاذ) أشرت لكل شهاداته ليعيد النظر

( هذه الشهادات تقول أنه محامي ويبدو أنه أكمل دراسته حتى أصبح قاضي ) حمل شهادة عبثا من بين كل هذه الكتب والملفات التي بعثرها أحدهم حتى أنه أسقط بعضها

إختلطت عليا الأمور ( كيف ؟ لقد كان أستاذ ، كان يحدثني عن تلاميذه ) لا يعقل أن جدي كان محامي وقاضي ؟

لكن هذه الشهادات تقول عكس ذلكَ

( ريتشارد هاميلتون ) قرأ إحدى شهاداته فقلت بشهقة وقلبي تحرك مكانه ( هذا إسم جدي )

( إذن لابد وأنه كان يدرس في جامعة الحقوق هذا هو التفسير الوحيد ..وهذه الشهادت تؤكد على أنه عمل كقاضي أيضاً ، يجب أن تحتفظين بها في مكان آمن وليس هنا )

( أنت محق ..سأخذها كلها ) فتحت حقيبتي وأخفيت تامي أولا بينما جمع أليكس كل شهاداته ووضعها في ملف واحد ( هذه الشهادات هي شيئ ستفتخرين به مدى حياتك)

ثم حمل أخر ورقة ونظر إليها بصمت دام للحظة ثم سألني مستغربا ( هذا تقرير أخصائي نفسي بإسمكِ )

لم أتركه يكمل كلامه لأني خطفت الورقة من يده ومزقتها لقطع صغيرة ، لم أدرك كل الغضب الذي تملكني فجأة لأني رميتها أرضا ورحت أدوس عليها بعنف ( إياك أن تسألني عن ذلك ..أبداااا )

صرت اتنفس بشراسة ومخالبي مستعدة للتمزيق فأومأ بهدوء لكنه بقي مرتابا ، لا أصدق أنه رآه

كان على جدي التخلص منه ..أنا غاضبة جد الأن ، هل يعقل أنه قرأ ماكتب فيه ؟ أمل لا

نظر للساعة فقال ( هل نعود ..أنا قلق على أختي)

تجنبت النظر لعينيه وهمست ( أجل ..)

وداعا يا منزلي ، حملقت به لبعض الوقت وكنت أكبت دموعي وأنا أعانق دميتي وشهادات جدي وصوره ، سأشتاق لك يامنزلي الجميلْ ، امل أن أعود إليك يوما ما

في طريقنا للسيارة ..تعثرت ودخلت في الطين ( آآآآآآآآآآآآآه لا حــذائي )

( ميمي .. انظري حولك ..لا أحد هناَ غيرنا ) قال بمأساوية ساخرة فنظرت لحذائي الجميل

( هذه المرة ..أحببت حقا هذا الحذاء )

عدنا سيراً حتى محطة الوقود فقال ( إنتظريني في السيارة ..سأشتري شيئا لماكنزي )

توجهت للسيارة وإنتظرته خارجا حتى جاء ومد يده لي ( أحضرت لكي شوكولاطة! )

يااه لقد تذكر انني لن اصمد بدون مخدراتي

( يـااا ألـــيـ .....) رددت إسمه بتدلل حتى سمعت صوت أخر ينطقه بنفس الوقت بنبرة متفاجئة

(.... كـــســانــد ر !! ) توقفت خلفه فتاة بمثل سني وبمجرد أن إستدار حتى وضعت يدها على صدره الصلب وأنزلتها مداعبة عضلاته التي يبرزها قميصه البني الخفيف وسترته الجلدية المفتوحة

وإنتلقت لتمسك بذراعه متغزلة ، لأنها قصيرة جدا فهي وقفت على أصابع قدميها وطبعت قبلة عميقة على خده تاركة أثر أحمر شفاهها ، هذه اللحظة تشابكت نظراتهما فأصبح دمي يغلي في مائة درجة ، شعرت أنني أصحو من حلم سيئ فقمت بالتأحم ليدرك نفسه ، كيف إستطاع بدون فعل أي شيئ أن يوقعها تحت سحره

غمرتني موجة من السخط ، هذه الحقيرة على وشك أن تموت وهي لا تعرف ذلك حتى

لا أصدق أنه يغري البنات بنظراته .. فقط إبتسامته تفي بالغرض

هذه هي سأخرج ملقطي ..فتحت حقيبتي فحسب ، فعلت ذلك بعنف وأنا أنظر إليها ، فشعرت بالخطر وتراجعت قليلا لتنادي ( ماما ..تعالي لتري من يوجد هنا )

نظرت لأليكس الذي ظهرت على وجهه تكشيرة حانقة بينما جائت سيدة ما مكتنزة بمظهر كلاسيكي

( أليكساندر .. هل يعقل أنك عدت من لندن ولم تأتي لتلقي التحية على زوجة عمكَ )

إن كانت هذه زوجة عمه حقا فهذه تكون إبنة عمه ..وكلتاهما تبدوان انيقتان وغنيتان

( لقد وصلت قبل قليل ) اجابها بديبلوماسية شديدة

( انظر لنفسك ..لندن واتتكَ جداً ) وعلى غفلة تقدمت إبنة العم مجددا وفتحت ذراعيها لتعانقه ولم تتوقف هنا ...فهي همست في أذنه ( إشتقت لك )

يالالهول لقد تركتها تعيش لتفعل هذا ، أحترق بداخلي ..أحتـرق

قال بملامح غاضبة ( شكرا لك دارلا )

( ومن تكون هذه الانسة ؟ ) سألته زوجة عمه فاجاب ببرودة ( هذه ميمي .. ميمي هاميلتون)

أقسم بالرب .. قامتا بالنظر لي من أعلى رأسي إلى اخمض قدماي .. الوقـــاحة

قالت هذه السيدة بعد أن إنتهت من تفحصي ( بما أنك هنا ..فتعال لتزور عمكَ، تستطيع أن تمر هذا المساء حين تنتهي والدتك من تنظيف منزلي وهكذا سترجعان معاً )

(ماذا قلتِ ؟ ) تقدم إليهاَ بهمجية فرفعت يدها محاولة أن تدعي أنها راقية ( هناك موضوع نود أن نحدثك بشأنه .. عن أختك ماكنزي .. كن هناكَ ، تعالي دارلا ..لقد تأخرنا على التسوق )

( أراك لاحقا أيها الانيق ! ) مررت يدها على صدره وغادرت تسير بترنح ..أو ربما كانت تريد ان تسير مثل أنسة راقية ومتمدنة

( دارلا!! .. آ داآآآرلأأأأ ؟ أكان من الضروري ان يكون لديك إبنة عمكَ ؟؟ ) فقدت أعصابي ( قبلتك ..لقد قبلللللتك .. ولمستك ..آه ياألهي لقد سمحت لــهاا ..)

إختفى الغضب فجأة من عينيه الأسرتان وحل محلهما الحب حين نظر لي ( أنا أحبكي واأعشقكي أنتي فلماذا الغيرة ؟)

( لانك ملكي ، وممنوع على غيري الإقتراب منكَ .. وميمي هاميلتون ؟ .. لماذا لم تخبرهم بإسمي الحقيقي ؟ أنا تاماني فيفر )

ورغم نبرتي الحادة إلا انه واجهها بإبتسامة محبة وعانقني ( الامر ليس كما تظنين ، أنا أحميك ..أنت لا تعرفين هاتان الإثنتان إنهما أسوء من اللايدي سيليستيا ، أفضل ان تبحثا عن ميمي هاميلتون ولا تجدا أحدا على أن تبحثا عن تاماني فيفر ونصبح في مشكلة لا يحمد عقباها )

( هل عمك غني ؟ ) لاأعرف إن كان من المناسب أن أسأله عن هذا

( أجل ) رد بكلمة واحدة ففهمت أنه لا يريد أن يتحدث بشأنه لكنني سئمت من عدم معرفتي شيئا بخصوص حياته ( هل علاقتك معه جيدة ؟ )

ولأنه ذكي فقد قال من الاخير ( نعم عمي غني لكنه رفض أن يقرضني ولو سنتا واحد لأعالج أختي ..لقد قهر أبي وأنا لم اعد أريد أية علاقة تربط عائلتي به)

ركل عجلة السيارة بقوة ( وأمي .. أمي العزيزة كيف قبلت بان تذل نفسها هكذا ؟ لقد خرجت الامور عن سيطرتي .. فقدت السيطرة على عائلتي )

( إذا إذهب وإستعد السيطرة مجددا ، لنعد للمنزل فأخويك ينتظرانكَ، لا تتأخر عليهما أكثر ، ولا تقسو على أرون فهو مايزال يحتفظ بكتبه فوق المائدة ، لا أظنه ترك المدرسة برضايته ، ولا أظن ماكنزي قادرة في حالتها هذه أن تقرر مصيرها بنفسها ، شيئ يحدث وعليك معرفته اليوم قبل الغد )

( أمسك يدي ..أنا معك ) مددت يدي له فأمسكني بقوة ومضينا في الطريق .



اوديفالا متواجد حالياً  
التوقيع
“I stretch truths where I see fit. I’m a writer”
رد مع اقتباس
قديم 10-02-21, 04:16 PM   #43

اوديفالا
عضو ذهبي
 
الصورة الرمزية اوديفالا

? العضوٌ?ھہ » 481181
?  التسِجيلٌ » Nov 2020
? مشَارَ?اتْي » 62
?  نُقآطِيْ » اوديفالا is on a distinguished road
افتراضي

الـفصل 25 / أليكساندر

قطعت مسافة حديقة المنزل في خطوات واسعة ، فلاحظت أن الباب ليس مغلقا ،وقفت بهدوء خلفه ودفعته قليلا فسمعت صوت أرون من غرفة المعيشة يقول ( فلنفعل ماتراه أمي صائبا .. أتمنى لو أنه لم يأتي ، إنه أفضل حالا في لندن ، وأفضل حالا بدونناَ )

حبست أنفاسي غير مصدقا لماسمعته للتو ، وقربت وجهي أكثر عبر الفتحة الصغيرة لأسمع صوت ماكنزي الكئيب تقول معارضة ( لكنه أخوناَ الكبير وعليه أن يعرف لكي يصحح الأمور ..أمي خائفة جدا و لا تعرف ماهو الصواب بعد الأن )

تنهد أرون وكأنه يحاول بجهد يحثها على الإقتناع ( لا .. سنفعل ماتراه أمي صائباً، إتفقنا ؟ عديني الان ماكنزي ، وأنا ايضاً أخوك وعليكِ أن تنصتي جيدا لماأقوله لكِ، سنترك الامور مثلما هي، أليكس سعيد مع حبيبته ويجب أن نتركه يعتقد أن الأمور بخير )

( لعلك محق ) خرج صوتها مختنقا ، مكسورا ، مخذولا ( سنترك الأمور مثلما هي )

تراجعت خطوة للخلف حيث فجأة كل الأكسجين لم يكن كافيا لي ( أنتِ محقة ، هناك شيئ يخفونه عني) أخبرت تاماني وأنا أفتح أزرار قميصي العلوية ، شعرت أن فمي يلتوي من الغضب

فإلتفت مثل الإعصار ، دفعت الباب بقوة ودخلت متعمدا بوجه عابس

ظل وجه ماكنزي جامدا هادئا ، لم يرف لها جفن حتى ، هي فقط دحرجت عينيها نحوي بتمرد ومنحتني إبتسامة شبحية

عكس أرون الذي شحب وجهه في ثانية ، ثم إحمر بقوة في الثانية التالية ، تبعثرت أنفاسه وصار يتحرك عشوائيا ، وقف ونظر نحوي مبتلعا ريقه ، وعاد ليجلس مجددا بقلق شديد محركا شفتيه لكنه لا ينطق بحرف

صمتا فصمت أيضا و إدعيت بأنني لم أسمع شيئا ، أخواي وأعرفهما ..لن يقولا لي شيئاً وسينكران

جلست بجانب أرون الذي إزداد توترا ووضع يده أوتوماتيكيا خلف رأسه ، يمكنني سماع قلبه يضرب مثل الطبل ..عدت لأنظر إلى ماكنزي المستلقية على الأريكة تاركتا فيها مساحة كبيرة ، تسند رأسها فوق وسادة خفيفة، تأملتها قليلا محاولا أن أتبين ماتخفيه عني ، سأكتفي بنظرة مستغيثة ، سأكتفي بتكشيرة واحدة منها حتى ، لكنها ماكنزي ! تتحكم بمشاعرها بطريقة جبارة مخيفة ، نادرا ماألاحظ ماتشعر به بداخلها ينعكس على تعابير وجهها ، سوى إن كانت غاضبة ، لعل هذه الصفة الوحيدة فيها التي لا تستطيع السيطرة عليها ، غضبها سيئ جدا

أعمق وأقوى مماتستطيع كتمه ، والأن هي ليست غاضبة ، هي تكتفي بالنظر لي بطريقة هادئة كما لو تقبلت كلام أرون أن يبقياني خارج مايحدث

إنحنت إليها تاماني التي أعجبها الحال كثيراً هناَ عكس ماظننته ، وأعطتها تاج أزهار يملك وردة حمراء في منتصفه مثل ألماسة ، حيث تساقط شعرها الذهبي المجدول حول وجهها ( هذا لكِ ياأميرة )

فأمسكتها أختي هامسة ( شكراً ) نقلت بصرها فقط مدة إمساكها لتاج الأزهار التي بقيت تمسكه بدون حتى أن تضع فوق رأسها ، وعادت لتنظر لي بعيون مشتاقة ، وكأنها تريد حفظ تفاصيل وجهي لأخر مرة

( أين تاجي؟ ) تذمر أرون وهو يجدها فرصة لكي ينهض من جانبي ويغير مكانه بجانب ماكنزي فضحكت تاماني وقامت بضربه من خلف رأسه كما فعلت انا هذا الصباح

( أحضرت لكي شيئا أخر ياأختي الصغيرة ) أشرقت إبتسامتها الطفولية بتحمس وهي تخفي شيئا وراء ظهرها وهي تتمايل بحركات راقصة مرحة محاولة أن ترفع معنويات أختي قليلا

( ترآآآ !! ) رفعت فجأة الدمية التي جعلتني أمر بقشعريرة عاليا وراحت تميلها في الهواء لتدور بها على إيقاع نغمات كانت تدندنها بنفسها( أصبحت ملكك منذ الان ..إسمها تامي )

لم أرى إبتسامة ماكنزي ، لم أرى حماس تاماني المفرط ينتقل إليها كما إنتقل لي رغم أني لا أحب الدمى ،هي تصرفت وكان تاماني تجبرها على رفع عينيها عني لتنال إنتباهها ، وكأنها تقوم بالعد العكسي الأن ولا تريد أن تضيع أي ثانية عبر الإهتمام بأي شيئ غيري ، مع ذلك قالت بتهذيب ولباقة كما علمتها دائما ( هذا لطف منكِ ، أنا كبيرة على الدمى لكنني سأحتفظ بهاَ ، سأتذكرك كلما نظرت إليهاَ )

جلست تاماني ملتصقة بي بخفة جعلتني بشكل ما أنتعش ، أخفضت وجهي إليه فرأيت وجنتيها الحمرواين وعينيها المتلألأتان ، سألتها هامسا ( هل أنتِ متأكدة بانك تريدين هذا ؟ أنت تحبين هذه الدمية )

فاومأت وهي تشبك أصابعها بأصابع يدي ( بفضل والدتي إنفصلت عن تامي قبل وقت طويل ..أشعر أن ماكنزي تحتاجها أكثر مني الأن ، حين كنت صغيرة ، لطالما ردد جدي على مسامعي أن أبقي دميتي دوما معي لأنها ستنقذ حياتي ذات يوم ، لتبقى بجانب ماكنزي إذا )

ضغطت على يدها بإمتتان ، همست وانا أضمها لي بذراعي اليمني ( شكرا لك ) وقبلتها من زاوية جبينها ممتنا لأنها أصرت أن ترافقني ، هي تمنحني القوة بوجودها بجانبي

إلتفت نحو أخواي فرأيت أرون يرفع حاجبيه لماكنزي وكأنه أثبت وجهة نظره لها ، و بشكل ما أشاحت بوجهها بعيدا عني نحو اللوحة المعلقة وكأنه قتل أخر أمل لها بأمر متعلق بي ، ضغطت بعنف على تلك الدمية ، لكنها سرعان ماأفلتتها لأن ذلك ماإمتلكت من قوة جسدية ،وسمحت ليدها أن تتدلى على الأرض

إعتراني السخط إتجاه أرون ، إلتفت إليه وعيناي تتأججان غضبا ( أرون .. هل صحيح أن امي تعمل عند بيت عمكَ ؟) سألته على غفلة فتسمر فوق الاريكة

توتر وجهه وتجعد جبينه ( نعمْ لكن كيف عرفت ؟ ) ضغط على يديه بقوة مصدوما من معرفتي للأمر الذي يشكل سرا من الأسرار التي يخفيها عني

( لا يهم كيف ولا أستطيع إرغام نفسي على تصديق ذلك ، المهم أن أمي يجب ان تترك العمل عندهم حالاً ) لاحظت كيف حاول إخفاء إضطرابه عليا ، ومن الناحية الأخرى ماكنزي ماتزال تتجاهل كليا النظر لي

بعد صراع بينه وبين نفسه لينظم جملة يقنعني بها قال ( لن تستقيل .. لا أحد يرغب بتوظيفها غير لينداَ ) فهمت أنه تنبيه غير مباشر لي لكي لا أتدخل

هزيت رأسي بسخط وأشرت نحو المساحة الفارغة أمام غرفة ماكنزي ( ماذا عن أعمال الخياطة ؟ أين هي ماكينة الخياطة الخاصة بها ؟ )

لم أرها في الصالة فذهبت لغرفة ولكن الباب كان موصداً ( منذ متى أمي كانت توصد باب غرفتها؟)

فتح عينيه بإتساع ، وراح يدلك خلفية عنقه بإرتباك لأنه لا يعرف ماذا سيقول لي ، تلون وجهه وهو يسحب نفسا جافا وقال متظاهرا بالعفوية ( آآه ذاك .. لابد وأنها أغلقته بدون قصد )

وقف بعدها متجنبا النظر لي كماكنزي وإتجه نحو الباب ( سأقطع بعض الحطب .. نار المدفأة على وشك ان تخمد)

طيب أرون .. طيب ، فلنرى إلى متى ستصمد أمامي ، تركت تاماني برفقة ماكنزي وخرجت خلفه ، نزعت الفأس من يده ودفعته برفق نحو إحدى الصخور الكبيرة ( إجلس أرون ..أنا سأقوم بذلكَ )

كنا في الباحة الخلفية للمنزل ، فبدأت أقطع أغصان الأشجار والحطب ( كيف يعاملكم إيمانويل في غيابي ؟ ) قسمت أول حطبة بعنف بمجرد أن نطقت إسم إيمانويل

إستدار نحو الأشجار الفارعة ونظر بعيدا ( يـتصـصرف ممثلل العاااددة !! ) إنه يعرف أنني أعرف بانه يكذب ومع ذلك هو يستمر في ذلك

( هل لديك أية فكرة لماذا يريد عمك التحدث معي عن ماكنزي ؟ ) ضربت الحطب بالفأس بقوة جعلت الأجزاء تطير في الهواء

وضع عينيه بعيني لاول مرة بصدق متسائلا بدوره ( حقا ؟ لا أعرف ، ربما أنبه ضميره فجأة ويريد أن يساعدها )

( قلبي ليس مرتاحا قطْ ، أتعرف ماذا سأذهب بعد أن أنتهي لأحضر أمي ..يكفي ذلا ، ليندا إمراة مصنوعة من السم ..أعرف أنها تهينها وتذلها هناك كل يوم)

حرك وجهه معارضا بشدة ( أمي لن تعود معك .. ألم أقل لك أن لا أحد يريد توظيفها غير ليندا )

ثارت ثائرتي فصرخت بقسوة عليه ( أغيب لبضعة أشهر فاعود وأجدك تركت المدرسة وأجد ماكنزي تحتضر وأمي تعمل كخادمة عند ليندا التي تعاملها كعبدة )

طأطأ رأسه هامسا ( أوكي ) توقفت للحظة احاول أن أستوعب أوكي خاصته ، نظرت إليه بتكشيرة حادة مستمرة عمدا وسببت له عدم الراحة لأنه يعترف تحت الضغط ، لكن على غير العادة مصر على التكتم ، إنه مصمم على أن لا يخبرني أياكان مايحدث خلف ظهري

أعرف أنه لا يتحمل رؤيتي غاضبا منه ، لذا إستمررت بعبوسي لعله يغير رأيه ، مارست عليه ضغطا هائلا ، أصبحت راحة يديه تتعرقان وإنكمش فوق تلك الصخرة ، يكاد يفقد الوعي من التوتر لكنه لا يبوح بماحدث ، تحت شعار إنكار حتى الموت

لم يكن هناك أي حواجز بيني وبينه ، إعتاد أن يشاركني كل تفاصيل يومه ، والأن بنى سياجا بيننا

لقد عزلني عنه تماما ، وهذا جعلني أشك أنه غاضب مني ربما ، وضع تلك الأشهر كجدار بيننا وفصلني عن حياته لغيابي الطويل .. ربما هذه هي طريقته في عتابي ولهذا يخفي عني مايخفي

نظرت إليه مجددا فكان ذلك كفيلا بأن يحبس أنفاسه ( أشعر أن ماكنزي تريد أن تخبرني بمايحدث لكن تم إسكاتها )

إبتسم محاولا عبثا أن يتحايل عليا (لا أحد يملك سلطة كهذه على ماكنزي ، إن لم تخبرك شيئا فلأنه ليس هناك ما يقال )

( ماذا عنكَ ؟ وجهك يخبرني أشياءا لم تنطقها ) رفعت الفأس عاليا حيث لمعت نهايته وأنزلته مثل السوط فوق الحطب ، ثم رفعت عيني إليه حين إكتفى بالصمت

هو فقد تنهد ونظر لي بمرارة ، أردت بشدة أن أعانقه وأربت على ظهره لكني سيطرت على شعوري الأبوي إتجاهه ، وبقيت محتفظا بعبوسي

( لماذا تركت المدرسة ؟ ) نظرت إليه بإستفسار ، ولم أعي كم أصبحت نبرة حادة وصارمة

أصبح وجهه مثقلا بالذنب ( للضرورة )

سألته بحزم ( ماهذه الضرورة ؟ لماذا لم تخبرني حين تحدثت معي أخر مرة ؟ )

هبت رياح قوية تلاعبت بشعري ، وبقميصه الأصفر الذي كان على مقاسه تماما قبل أشهر ،والان أصبح فائضا عليه ، قال بإضطراب وقد إحمر خجلا ( لم أرد أن أزعجكَ ، لديك حياتك الخاصة ويكفيك مايشغل بالكَ هناك )

( لا يوجد غيركم في بالي ، لماذا تحادثني وكأني غريب عنكَ ، حقا أرون هل أنت غاضب مني لأني تأخرت في العودة ؟ )

أملت من قلبي أن يقول نعم ، عوضا عن ذلك نظر لي مجددا ببؤس ( لقد فعلت الكثير من أجلنا ، لديك كل الحق بأن تحظى بحياتك الخاصة بعيدا عنا وبعيدا من هنا ، لا تؤاخذ ماكنزي فهي ستفهم عاجلا أم أجلا أنك لست ملزم بنا ، نحن مدينون لك بالكثير حتى الأن ولن نطلب المزيد ، أنت تستحق فرصة أن تستقر وتعيش حياتك ، دوري أنا سأهتم بأمي وماكنزي ) أخفض عينيه بعد أن صمت لكي لا أرى دموعه التي يكبتها بصعوبة

رميت الفأس وقد تلبسني غضب شديد لماسمعته للتو ( ماهذا الكلام الفـارغ الذي تقوله لي ؟لا تقل مجددا هذا الكلام ) صرخت عليه غير مصدق أنه يتحدث معي وكأنني فاعل خير وحرص أن يشكرني كأنه لن يراني مجددا

أرغمت نفسي على الهدوء وسألته ( لماذا تتحدث وكأنني تخليت عنكم ؟ ماذا تقصد بأن أعيش حياتي الخاصة بعيدا عنكم ؟ أنت تعرف أن سبب مغادرتي كان من أجل وظيفة )

( فهمتُ ) مرر يده عبر شعره المحلوق ، حق شعره الذي كان كثيفا ومجعدا ، كان يحب شعره جدا

( لم تفهم غالبا ، مازلت أخوك الكبير ، مازلت المسؤول عنك ، وسأبقى كذلك حتى أموت ، إبتعادي لا يعني أني تخليت عنكم ، أنا لم أنساكم ، أفعل كل ماأفعله من أجلكم )

حرك رأسه مثل الألة هامسا ( طبعا )

( أرون لا تسايرني ، قل مافي بالكَ ، من فضلك أخي ، أخبرني مالذي حدث في غيابي
أخبرني لكي أعرف كيف أصلحه ، يجب أن أعود إلى لندن مساء الأحد ، أخبرني الأن لأفكر بحل )

إنكمش وجهه بتردد ( لا يوجد شيئ تقلق بشأنه أليكس ، إذهب مطمئنا ) دمعت عينيه مجددا لأنه هو الأخر مثل ماكنزي ، يحاول إرسالي من هنا ، حتى لو فطر ذلك قلبه

( لعلمك ، أيا كان ماتخفيه ، أنت تساهم في رمي أختك لحتفها ، هذا بالضبط ماتفعلانه أنت وأمي ، تركتماها بدون علاج ، تركتماها في تلك الغرفة لتموت ) فقدت السيطرة على نبرتي المعاتبة ، إتسعت عينيه بقوة فوقف مصدوما بإعترافي

هاجمته عدة مشاعر بوقت واحد بحيث لم تعد الدنيا تسعه هذه الثانية ، فصرخ بيأس ( ليس كأننا نملك الخيار وبقينا نتفرج عليها ، نحن نحــاول مابوسعنا ، لكن الأمر صعب ..إنني أبذل كل جهدي لكنني لست مثلك )

إقتربت منه وأمسكته من كتفيه متوسلا ( ماذا تقصد ؟ تحدث بوضوح ..ماذا تحاول القول أرون ؟)

تراجع بخطوة ومسح دموعه ، وراح ليجمع الحطب المكسور على الأرض ( إنها أوقات صعبة وسنتجاوزها ، ليس عليك أن تقلق بشأننا ، سوف نتعود على غيابك كما تعودنا على غياب أبي
قد لا أستطيع أن أحل محلك أو محله ، لكني ساكون هنا بجانبهماَ وسأعمل ليلا نهارا كما كنت تفعل أنت )

( أنت تفقدني صوابي الأن أرون ، ماذا يعني أن تتعودو على غيابي ؟ ماذا يعني أن تعمل ليلا نهارا أريدكَ أن تدرس فحسبْ ..ماذا تظنني أفعل في لندن ؟ لماذا تتصرفون كأنني ساترككم ، أو لماذا تريدونني أن أترككم ، إفهم أن ظروفي من أجبرتني أن أطيل غيابي .. ) صمت حين إنقطعت أنفاسي ، يؤلمني رؤيتي أخي الصغيرة مكسور هكذا ، ثلاثتهم يعتقدون أنني تخليت عنهم أو أنني ساتخلى

الأمر لن يتم هكذا ، سوف أجمع ثلاثتهم وأواجههم

حملت ماإستطعت من الحطب المتبقى ووضعت بعضه داخل المدفأة فإشتعلت النيران وشعرت كأنها مشتعلة بصدري ، رفضت أختي تناول أدويتها رغم محاولاتي أنا وتاماني ..وكل مافعلته هو معانقة تلك الدمية والإستلقاء هناك منتظرة موتهاَ

( من الواضح انك تغمرها بحبك وحنانك لدرجة أن محاولاتك لإجبارها لا تؤثر عليها البتة ) أخبرتني تاماني وكانت محقة تماما ..ماكنزي تعرف جيدا أنني مهما صرخت وعصبت فإنني لن استطيع إجبارها على شيئ .. لن أستطيع إرغامها لأنني لن أستطيع رؤيتها تبكي

دموعها تنزل مثل السوط على قلبي .. إنها الأمانة التي تركها لي أبي لأحبها وأهتم بهاَ ، إنها الوحيدة الذي كرر إسمها كثيرا قبل أن يموت ، وهاهي الأن تظنني سأتخلى عنها ، تظن أنها تراني لأخر مرة

( أرون .. لم أرك تحمل كتبك منذ أتيتْ ، لا تظن أنك حقا تركت المدرسة بشكل كلي ، سوف أتحدث غدا مع المدير وستعود ) حين قلت هذا بدأ يضحكْ بعيون دامعة

عانقني بقوة هامسا ( لقد إشتقت إليك حقا ياأخي ، نحن مثل الغرباء في هذا المنزل بدونكَ )

( لماذا تقول هذا ؟ هذا منزلكم ، سواء كنت موجود او لا فأنتم لستم بغرباء هناَ ، ولاتغير الموضوع ..أود أن أراك تدرس ، على الأقل فليحقق واحد منا حلم والدي بالدخول للجامعة ) وضعت يدي حول ظهره فشعرت بعظام عموده الفقري بارزة بحدة مما أثار الذعر في قلبي ، يكاد يصبح مثل ماكنزي ، كأنه يعاني من سوء تعذية ، فقد وزنا أكثر مما يجب

قال بشرود ( أحيانا تحصل أمور ..تغير كل شيئْ )

( أمور مثل ماذا ؟ )

( فقط أقول .. أووه أنا عطشان جداً ) ذهب للمطبخ هاربا مني .. وأنا لاحظت بان الوقت مر بسرعة وسيحل الظلام سريعا

أمسكت تاماني امام الباب وسرقت منها عناق صغيرا لأستمد بعد القوة ( أنا ذاهب لبيت عمي ، هل تبقين هنا أو ترافقينني ؟ )

قالت بغيرة شديدة ( لأرى إبنة عمك تتغزل بك ، لا شكرا سأبقى برفقة ماكنزي، لا أريد أن أقتل أحدا اليوم )

( حسنا ، أمل أن لا أفعل ذلك أيضا ..ساعود بسرعة ، إهتمي بنفسك وبأختك الصغرى )

لم أرد إثارة المزيد من الشكوك فذهبت سيراً، كنت أمشي بخطوات واسعة سريعة متجاوزا مسافات طويلة ، إنطلقت أفكاري الوسواسية إلى مكان لم أستطع العودة منه ، كرهت كل خطوة قمت بها في ملكية لست موضع ترحيب فيها ، أخر مرة أتيت هنا كانت برفقة أبي ، كنا مفعمين بالأمل والتفائل ، وعمي ردنا خائبان .. أغمضت عيني فرأيت وجه أبي المليئ بالذنب يقول أخر كلماته لي ، يخبرني أسف ياإبني .. في طريق عودتنا إنهار أبي عى الأرض ، قلبه لم يتحمل قهر أخيه ، لم يتحمل إنطفاء أخر أمل له في إنقاذ ماكنزي ، لا أصدق أن أمي جعلتني أعود إلى هنا مجددا

قرعت الجرس ففتحت لي وهي تحمل منشفة مسح غبار بيدها بدت الصدمة جلية بعيونهاَ لرؤيتي ( سنتحدث بشأن هذا لاحقا أمي ) كنت أنظر لأبعد منها نحو أندرو

إستقبلني بلباقة وأخذني لغرفة الجلوس التي تغير ديكورها من الصفر ، توجد ثرايا كبيرة مشتعلة في عز ضوء النهار ، وستائر من الحرير تخفي معظم الجدار ، وأثاث فخم جديد ، رأيت بقية العائلة مجتمعين وامي جائت معي خائفة من رد فعلي

رأيت عمي يجلس على كنبة بيضاء مريحة ، مرتديا سترة قطنية دافئة رغم أن الطقس حار جدا بسبب الفرن الكهربائي ويحمل بيده غليونا ، نظر لي بنفور وكأنه يرى أخوه يقف أمامه ، لم يلقي عليا التحية ولم يسأل عن حالي ، لم يطلب مني الجلوس حتى ، بقيت أقف مثل الغريب مثلما أقف في غرفة جلوس آل فيفر

باشرت ليندا تسألني بفضول ( اوه مؤسف لم تحضر معك ميمي هاميلتون .. لقد كان لقبها مألوف جدا لي ، ثم تذكرت ريتشارد هاميلتون القاضي الشهير .. إن منزله يقع قرب محطة الوقود)

( مجرد تشابه في الألقاب ) نفيت ذلك ببرودة ، لم تصدقني طبعا لكنها تركت هذا الموضوع

رأيت إمارات الإحتقار على وجهها حين نظرت لأمي ( هل إنتهيت من تنظيف الحمام ؟ )

أخذت نفس ثقيلا بداخلي ووضعت يدي بقوة فوق كتف أمي التي فكرت بالتوجه حقا لتنظف لها حمامها وسحبتها لتقف بجانبي

أحسست بغضب شديد ، لكني تركت وجهي هادئا

قال عمي فجأة وهو ينظر لي بطرف عينيه ( هناك موضوع مهم أريد أن أحدثك بشأنه كونك الإبن الاكبر ) أرى بوضوح كم تواجدي هنا ثقيل عليه

قلت بثقل ( أنا أستمع ) أريته أنني لست راضيا بدوري لحضوري لمنزله ، ورؤيته بالأخص

فقالت ليندا وهي تمط شفتيها بإمتعاض ( إنه بخصوص ماكنزي ) نطقت إسمها بإستهزاء بالغ

نطقت إسمها بإحتقار كأنها قطعة من الزبالة

رفعت حاجبي بقلة صبر ( ماذا بخصوص ماكنزي ؟ )

قالت ليندا مجددا بنفس النبرة المتطاولة ( جميعنا إتفقنا على ان الحياة في ذلك البيت المتصدع والفقر المدقع لا يناسب فتاة مريضة مثلهاَ)

( المعذرة ؟ ) رغم محاولتي للحفاظ على هدوئي فإن صوتي لم يسعفني

قالت دارلا وهي تمضغ العلكة بسخرية وتنظر لهاتفها الكبير ( أجل أجل ..قريبتي الصغيرة تموت الموتة البطيئة وجميعكم تتفرجون عليهاَ ) اشعل وميضه فجأة إتجاهي فلم أرد أن أفكر أنها تلتقط صورا لي

( هل لي أن أعرف ماهو سبب إهتمامكم المفاجئ بأختي ؟ ) تسائلت بدون أن أنظر لأحد منهم فمؤخرا صرت أفقد أعصابي بسهولة ، ولا أريد أن يحدث ذلك هنا

قالت ليندا وهي بالكاد ترفع رموشها الإصطناعية من التغطرس ( طبعاً، كوني سيدة طيبة وأحب فعل الخير فكرت بعرض سيناسب الطرفين، أتعرف إبني أندور هو الذي كان يتحمل مسؤولية علاجها رغم انه ليس مجبر على ذلكَ )

هل قالت أنه يتحمل مسؤولية علاجها ؟ ألم يأخذ مني النقود ؟؟ عجيب حقا

تابعت كلامها وهي ترفع شفتيها بتكلف ( ولان الحياة غير عادلة ، فرغم كل البناات الراقيات الجميلات المتعلمات اللاتي عرفته عليهن فهو إختار تلك الفتاة النصف ميتة .. مع الأسف لكي يعجب بهاَ )

( المعذرة !! ؟؟ ) إلتفت لأندرو وسألته بدون إستيعاب ( ماذا تقصد أمك ؟ ..هلا شرحت لي ؟ )

إقترب ليقف أمامي و بتفائل وتحمس أخبرني ( أليكساندر .. إيرين لطالما كانت تسيطر عليا قوى غريب بخصوص ماكنزي ..وبعد رحلة الامس للندن .. توضحت مشاعري تجاهها ، أنا احبهاَ وأريد ان أتزوجها .. والسن والوضع الإجتماعي ليسا بمشكلة البتة)

حاولت ربط كلماته مجددا في عقلي لأستوعبها لكني لم أفهم ، ربما لم أرد أن أفهم هذا الهراء الذي تفوه به لتو

إنفجرت أصرخ عليه بقوة ( أيها الوغد إن إكتشفت بانك لمست ولو شعرة منها سوف أقتلكَ )

أمسكتني والدتي لكي لا أهشم وجهه ..وهم جميعا قاموا حيث تراجع أندرو إلى والده الذي قطب جبينه بغضب فوري نحوي ، كان بذلك القرب ليطردني لكنه تمالك نفسه بصعوبة

برر لي أندرو بسرعة ( طبعا لا ..أقسم انني لم أفعل شيئا لهاَ ، أقسم على روحي )

قالت دارلا بسخرية وهي تقلب عينيها ( بحقكَ تلك الهيكل العظمي .. لا أعرفه مايجذبه فيها أصلا ) وعمتني مجددا بوميض هاتفها ، أدركت أنها تتكلم فقط لتنال انتباهي من أجل الصورة

( أنتِ فلتخرسي! وأنتَ يااندرو ..لقد ظننتك مختلف ظننتك تريد حقا مساعدتي ..لكن انظر لنفسك ..أنت كنت تفعل ذلك لأسباب أخرى ،هذا هراء ..امي قولي شيئاً )

أنا على وشك الجنون ، امسكت أمي يدي حيث كانت ترتعش ، وجهها أصبح قاتما ومصدوما ( إبنتي صغيرة على الزواج..أتمنى أن تجد فتاة أخرى مناسبة لك ياأندور )

فقالت ليندا بإحتقار ( ومريضة ! ..هي مريضة جدا ولا مستقبل لها ، فكرو مجدداً ..في الحقيقة لا يعجبني أن أحضر زوجة تحتضر لإبني الطبيب النبيل ، خصوصا وهي إبنتكِ ..وأختكَ ..لكن لابأس ، زوجي سيشرف على علاجها وسيرسلها لأفضل المستشفيات ..ستحضى بحياة)

( قراري النهائي هو مستحيـل .. هيا لنذهب ياأمي ) بمجرد أن تقدمت خطوة حتى اوقفني صوت عمي

قال بنبرة مستفزة وهو يرفع غليونه ( عرفت بأن قرارك سيكون الرفض لذلك إتصلت بصديق لي و احزر ماذا .. هو يعمل في مركز خدمات حماية الطفل وأخبرته عن ماكنزي ..وقال لا مشكلة وضعكم لا يسمح لتلك الفتاة القاصر والتي تعاني من مرض مزمن بان تتعرض للإعتداء والتعنيف ، سيجدون لها منزلا مناسبا .. وأنا سيسرني بان أستقبلها في منزلي كوني عمها والوصي الجديد عليها )

تجمدت مكاني أحدق إليه بعيون مذعورتين بينما رسم إبتسامة بغيضة على شفتيه ( لا يمكنك أن تفعل ذلك ، لا احد منا يسيئ معاملة ماكنزي ..لن اسمح لك )

أنا أشعر بأنه سيغمى عليا الأن

قال واثقا ( لا أحد ؟ أأنت متأكد أليكساندر ؟ )

صارت هنا غشاوة على عيني تمنعني من الرؤية بوضوح ( لو كنت تفكر حقا بمساعدة أختي ، لكنت فعلت ذلك بدون هذه المسرحية قبل أعوام ، فقط أتركنا بحالنا ، أخرج من حياتنا الى الأبد )

بسط ذراعيه في الهواء ليقول بإصرار ( إبني أرادها .. وإنه إبني الوحيد ولا يمكنني أن أرفض له طلب )

إنه يتحدث كأنه سيحضر سيارة .. أو دراجة نارية

( أندور ..قل ان هذه مزحة ، أنت في الثلاثين وهي فقط في السابعة عشر )

قطب جبينه غير متفهما كليا ( السن لا يهم ياأليكساندر ، لقد ظننت ستفرح وستوافق ، لقد كنت صريحا معك وساعدتك طوال المدة الماضية في علاجها ، كنت أنا الوحيد الذي وقف بجانبك )

( وأنا لا انكر ذلك ..لكنك تطلب أمر لا يتقبله العقل )

إنقلب أندرو عليا فقال بنبرة لا تخلو من التهديد ( ياأليكساندر ..ماكنزي سينتهي بها الامر هنا سواء أردت ذلك او لا .. أنت لا تملك خيار ، بيدك فقط عشرة أيام ، إن لم تحضرها بنفسك ، الخدمات الإجتماعية والشرطة سيفعلون )

لم يعد ينفع الكلام معهم ، أمسكت بيدي أمي ومشيت ، حين وصلنا للباب قالت ليندا آمرة

( إيرين ..تعالي باكرا في الغد ، فأنا سأغير ترتيب غرفة نومي )

إلتفت لأخر مرة لأرى وجهها الخبيث وقلت ( إعتمدي على نفسك فأمي إستقالت للتو ! )

أغلقت الباب وشعرت بالدنيا تدور حولي ، لم أستطع التفكير بشيئ عدا .. ماكنزي ..سيأخذونها مناَ

ولا يسعني فعل شيئ حيال ذلك لأنها تحت السن القانونية ..هي لا تستطيع ان تقرر أين ستبقى

أدركت أني أمشي بإستعجال مثل المجنون تاركا أمي خلفي بمسافة كبيرة

فتوقفت ورأيتها تحاول الركض خلفي ، تكدر وجهها حين وصلت لي ، فهزت رأسها بدون كلام واضعة يدها على صدري وعينيها تدمعان

( حتى لو وافقت أنتِ ..أنا مستحيل ان أوافق ، ولو عنى الأمر ان أخفيهاَ حيث لن يجدها أحد )

ربتت على شعري باكية ( مستحيل ان أوافق ..إنها إبنتي ماخطبك انتَ ؟ كيف تظنني سأعطيها لليندا ؟)

رغم أن كل المنافذ سدت في وجهي فأنا سأتفائل ( لنعد للبيت ولنفكر بالامر..حتما سنجد حلاً) الله لن يتركني ، لن أفقد الامل ، مثل كل مرة ..الله سيساعدني وسينقذ أختي

( إذن ماقصة تلك الفتاة من لندن ؟ )

سألتني عن تاماني فجأة محاولة أن تهدئني ( من الواضح أنها بنت لطيفة جداً وحساسة .. هل انت واثق مما تفعله ؟ )

( أجل أمي ..ماكنت لاحضر فتاة لا أتخيل مستقبل معها إلى منزلي ) قلت بإختصار وعقلي يفكر كيف سأنقذ أختي الصغيرة

إبتسمت سعيدة من اجلي ، يفترض أنني من يخفف عليها قساوة الحياة ، وضعت ذراعي حول كتفها بإشتياق ( أتعلمين ياأمي .. لا يوجد أفضل من العودة للمنزل )

حين وصلنا ..سمعت صراخْ آتي من الداخل

( أليكساندر ..أرجوك أضبط أعصابك ) امسكتني بقوة فسحبت يدي وركضت مسافة الحديقة لأفتح الباب ورأيت إيمانويل يصرخ بقسوة

( أنتِ السبب ، لولا مرضك اللعين ، لولا نفقات علاجك الكبيرة ، لكنا نعيش أفضل ! ماكنزي انتِ عبئ كبير علينا جميعاً ) وفي نفس الوقت يشد أرون بعنف من قميصه وكأنه يجعله ينتظر دوره

ذهلت لدرجة لم أصدق عيناي ، نظرت لجانبه فرأيت شخص لم اتوقع رؤيته أبدا في هذا المنزل

جيسيكاَ ؟

جيسيكا التي قالت بنفس النبرة القاسية ( أتفهمين ذلك ؟ أنت أصلا ميتة وتكملين الأيام المتبقية لك وحسب ، إذا إفعلي ذلك بصمت او موتي الان وأريحي الجميع منكِ ..بالإضافة لماذا غرفتي ليست مرتبة كما طلبت منك ..هل تظنين أنني أسمح لك بالبقاء هنا مجانا وفوق ذلك تحضرين ضيوف بدون إذني)

وفي هذه اللحظة نظرت لأختي الصغيرة تقف بكل شجاعة في وجههما وتاماني تقف مذهولة خلفها ،واضعة يدها فوق صدرها وفمها نصف مفتوح يمكنني أن أتخيل كل السيناريوهات التي تخطر على بالها الان بإنهاء جيسيكا

نظرت لأختي مجددا ..رغم أن جسدها خذلها إلا أنها حافظت على وقفتها الدفاعية المائلة ، ونظرتها الحادة الجسارة

ثم رأتني

أعتقد أن رؤيتها لي جعلت أوجاع التي كظمتها خلال كل تلك الأيام التي لم أكن فيها بجانبها لأحميها تستشيط بداخلها فإنفجرت باكية بدموع معبرة عما حل بها من ظلم وقهر في غيابي ، هي لا تتحمل أن تتعرض للظلم من أيا كان ، تتعامل مع ذلك بشكل شخصي لأني ربيتها لتكون نفسها عزيزة عليها ،وكرامتها قبل كل شيئ ، علمتها أن لا تسمح لأحد أن يتنمر عليها حتى لو كان أنا وأن تقاتل لأخر نفس دفاعا على كرامتها وكبريائها

( أخي ) مدت يدها نحوي فدخلت وعانقتها لصدري وربت على شعرها برفق ( لابأس ..أنا هناَ الان)

نظرت لأرون الذي أفلته ودفعه عنه بقوة قائلا ( أووه ..أنظرو من شرفنا .. إنه الإبن الأكبر المثالي أنظر لنفسك كيف واتتك لندن ..واضح من ملابسك أنك لم تعد تنتمي هنا ، لماذا لا تسدينا معروفا وتغرب من هنا )

أشرت لهذه المرأة وصرخت بكل حبالي الصوتية ( ماذا تفعل هذه البائسة هنا في منزلي ؟ وتحدث اختي بهذه الطريقة الفظيعة ؟)

( أنا أعيش هنا ) أجابتني بكل تحدي، شبكت ذراعيها بنظرة مستفزة ووقفت أمام إيمانويل الذي وضع يده حول خصرها

( ماذا ؟ ) ماذا قالت هذه البائسة

رفع إيمانويل ذراعه ليعانق ظهرها لصدرها قائلا ( هذا صحيح .. جيسيكا وأنا تزوجناَ )

كنت مستعدا الان لأفعل مالم أفكر بفعله طوال حياتي ... كسر عظامه داخل جسده ، قتله

لكن ماكنزي رفضت تركي أتحرك فسألته بإنكار ( كيف تسمح لنفسك ولها بالتحدث مع ماكنزي بهذه الطريقة ؟)

قال بقلب متحجر ( أولسنا محقان ؟ في النهاية جميعنا نعاني من اجل سبب واحد ، وهو مرضها وديون علاجها وفوق ذلك هي لا يعجبها الحال )

( إيمانويل هل أنت بوعيك ؟ كيف تستطيع أن تحدث أختك هكذا ؟ ) اخيرا تكلمت أمي

( ماكنزي تعرف أنها في عداد الموتى أصلا ) لا يزال يردد هذه العبارة

عانقت أختي بقوة لاغمرها بحبي خوفا عليها من التأثر بكلامه ( لا اصدق ماأسمع منك بالذات ، لا أصدق انك عديم الضمير لهذا الحد ، ألهذا لم تكن تأخذها للعلاج ، و أخبرت أندرو بانها هي التي رفضت الذهاب ، لقد كنت أرسل إليك مبلغا محترما كل شهر من أجلها ، لقد وثقت بك رغم كل شيئ فانت كنت تحب اختك الصغرى )

( أتعرف ماذا أليكساندر ، والدكَ ماتْ ، وكذلك ستموت ماكنزي ..فلمالا تستسلم وتتركها ترتاح كما تريد ..لاتعذبها أكثر ..دعها تموت بسلام)

( سوف أقاتل من أجلها وستعيشْ رغما عنك وعن جميع من ينتظر موتها )

قالت أمي مصدومة وقد خاب ظنها كثيرا( حتى الان لقد كنت أحميكَ ، لقد تقبلت امر زواجك من هذه المرأة ..لكنك تخطيت حدودك كلها ياإيمانويل، قلت لنا أن أليكس لم يرسل لك المال سوى مرتين ..وكان مبلغا ضئيلا ، لقد قلت أن أخباره إنقطعت وأخر ماقاله أنه سيستقر في لندن مع حبيبته ، الان فهمت ..الزفاف وشهر العسل والملابس وكل شيئ كان كله مال أليكس المخصص لعلاج أختكِ ! كيف فعلت بها ؟ )

( ماذااا ؟ قمت بحشو كل هذه الاكاذيب عني في رؤوسهم ؟) سأفقد عقلي ، تغلغل الغضب بداخلي مثل النار ، أمسكت رأسي ومشيت نحو الباب خوفا أن أرتكب فيه جريمة

سمعته يقول ببوردة كانه يملك حجرة مكان قلب ( لماذا سأصرف الاموال على فتاة ميتة بالأصل )

بعد هذا الإعتراف صفعته أمي بقوة فامسك خده بغضب شديد ، إحمر خجلا أمام زوجته

كأنها أفسدت هيبته أمامها ( لم أسرق ماله ، أنا فقط أخذت حقي ..لا تنسي أنه حرفيا باع كل شيئ كان لدينا من أجل علاجها ، أنظري حولك ماتزال فقط الجدران لم يقم ببيعها )

وضعت أمي يدها فوق قلبها وصرخت مجروحة ( إخرج ..إخرج حالا من منزلي وخذ هذه البائسة معك ، انت لا تستحق أن تكون إبني )

إبتسم بتسلية ( هل تطردينني يا أمي ؟ ) كأنه يعتبر جل الامر لعبة

قالت أمي مكسورة القلب ( أنت لم تترك لي أي خيار .. غادر من هناَ )

وقف في وجهها وقال بنبرة حادة لم يخجل من أن يستعملها أمام المراة التي أنجبته ( فلتعلمي إذن ..هذا المنزل لم يعد ملك لكي أو لأبي .. إنه منزلي الأن )

( ماذا تقول ياإيمانويل ؟) إستند أرون على الجدار لأنه لم يتحمل مايجري الأن ، إنه ليس قويا مثل ماكنزي ، إنه أكثر مثل تاماني قلبه رهيف وحساس

( هذا صحيح .. لقد رهنته من أجل مبلغ من المال بعد مغادرة أليكس ، ثم دفعت قسطه وسجلته على إسمي وإسم جيسيكاَ)

لا أعرف وصلت إليه لأمسكه من قميصه ورفعته لمستواي ( أيها الحقير كيف سمح لك قلبك ، كيف تجرأتَ أن تفعل ذلك بنا ؟ )

قال مبتسما ببغض ( أليكساندر أفضل شيئ قد تفعله الان ، هو أن تنقلع من هنا ، أنت وحبيبتكَ هذه ، أنا لا اريد رؤيتك مجدداً هنا ، اغرب عن وجهي ولا تعد أبداً )

( لا يمكنك أن تطرده من منزل والده) قال أرون وهو على وشك الإنهيار ، شحب وجهه كثيرا ، أما ماكنزي فهي تجمدت مكانها وهي تحرك وجهها معارضة وتاماني تعانقها بصمت ، وأمي تبكي بصمت غير قادرة على تصديق أن الشخص الذي يفعل هذا يكون إبنها ..يكون أخي من لحمي ودمي

إنتفض جسد أرون بقوة فوقف بجانبي وحدث إيمانويل بحدة وهو يرتعش ( لقد أذيتنا بمافيه الكفاية ، لن أسمح لك أن تؤذي أليكس أيضا ، لن أسمح لك أن تطرده من منزله ) ضغطت على كتفه لأهدئه وأطمأنه أني لن أذهب لأي مكان

( إستيقظ ايها الابله ..هذا لم يعد منزل والدكم ، هذا منزلي ومنزل جيسيكاَ .. على كل حال .. ربما عليك أن تغادر معه ..ساحتاج لبعض المساحة فحماتي قادمة لتعيش هنا برفقتنا )

( هل تستقبل حماتك وتطرد أخوك ؟؟ ) نظرت أمي في عينيه متعجبة ، لقد خشيت أن يرافع ضغطها

قالت وهي تقف بين وبين أرون ( أنا لن أسمح لك بطرد ولداي ياإيمانويل )

( راقبيني ، أولا الغرباء ) كان سيمسك تاماني ليلقيها خارجا فوقف ارون في وجهه

( لا تفعل هذاَ ) قال مستعملا جسده كحاجز فدفعه بقوة نحو الباب ( كما قلت ..انت أيضا ستذهب معهما)

( إيمانويـــــل ، عد لرشدك الان ) صرخت عليه أمي مجددا فقال بعصبية ( ياأماه ..أنت تستطيعين البقاء لتعتني بماكنزي فرغم كل شيئ أنا لن أطردها للشارع ، سارحمها بسبب مرضها ..على كل حال ، لدي مشروع جميل يخصها مع أندرو )

( أنت لست ولدي الذي إنجبته ) إنفجرت امي بالبكاء فجاء صوت إمراة من خلفنا جميعاً

تقول ( لا تقلقي ..أنتِ أنجبته ..وانا ربيته ) فنظرنا جميعا للخلف لنرى والدة جيسيكا ومعها حقائبهاَ

( الان اصبح الامر منطقي ) همست تاماني فإتجهت انظار إيمانويل نحوها مجدداً وأعتقد ان ماكنزي عرفت بما كان يفكر فقامت بعانقهاَ ..وحمايتهاَ

( أنا هي سيدة المنزل الان ) نظرت حولها ببعض الإزدراء ( كان يمكن أن يكون أسوء ..لكن بعض الإصلاحات ستفي بالغرض ، إنها منطقة جميلة وقد لطالما كان يملك روبرت ذوقا جميلا ..عدى في إختياره للنساء ! )

ركضت جيسيكا لها وعانقها ( أرأيت ياأمي ..قلت لكي بأن إيمانويل سيوفر لنا مكانا نعيش فيه)

إقترب من حماته المهووسة بأبي حتى وهو ميت وإنحنى ليقبل يدها مكرا بأمي ، ثم فتح لنا الباب على مصراعيه وقال بنبرة مجردة من العاطفة وعينيه تتوهجان كرها ( أخرجو جميعكم من منزلي حالا ..أو ساتصل بالشرطة )

أتقف معه في هذه النقطة ، يكفي حتى الأان ..يكفـــي ، هذا كثيرا على مشاعرهم المجروحة حملت أختي بين ذراعي وقلت ( هيا أمي ..أرون لنذهب )

كانت تاماني تمسك ذراعي محاولة أن تدعمني عاطفيا ، بينما سألتني أمي مرتبكة ( أين ستأخذناَ ؟ ليس لديك مكان لتأخذنا إليه أليكس ، هذا هو منزلنا فكيف سنتركه ؟ )

( أنا لن أدعكم هنا تحت رحمة هاؤلاء السفلة ، هيا إجمعوا أغراضكم )

وقف إيمانويل في طريقي ومد يده نحو ماكنزي التي ترتجف بين ذراعي ( ماكنزي لن تذهب لأي مكان معكَ ..دعهاَ )

نسيت بانه أخي وضربته برأسي فسقط على الأرض لتطرش دماء أنفه ملابسه

( إن كنت تظن انني ساتركها هنا لكي تعطيها لأندور مقابل مبلغ من المال ..فأعد التفكير مجدداً، للأسف مشروعك لن يتم ، عليكم اللعنة جميعاً )

صرنا في الخارج وهو ظل يقف أمام الباب ، شاهدنا برضا جميعا نقف خارج منزلنا وراح يبتسم كأننا أعدائه ثم صفع الباب في أوجهنا تاركا أمه وأخويه متشردين


اوديفالا متواجد حالياً  
التوقيع
“I stretch truths where I see fit. I’m a writer”
رد مع اقتباس
قديم 14-02-21, 04:29 AM   #44

اوديفالا
عضو ذهبي
 
الصورة الرمزية اوديفالا

? العضوٌ?ھہ » 481181
?  التسِجيلٌ » Nov 2020
? مشَارَ?اتْي » 62
?  نُقآطِيْ » اوديفالا is on a distinguished road
افتراضي

الفصل 26 / أليكساندر ~ قراءة ممتــعة


لم يجبرنا إيمانويل على الرحيل من منزل بجدران وسقف فحسب ، بل جعلنا نرحل من ذكرياتنا ، من مكان شيده أبي بيديه واضعا فيه كل سنوات تعبه و كل حبه لنا

قطرات المطر الخفيفة عادت بي سنوات للوراء في طقس مشابه ، كانت أمي تغرس في أزهار اللافيندر التي أحضرها لها أبي كمفاجأة ، بينما كان يبني سياجا خشبيا صغيرا ليصنع لها حديقة في الباحة الامامية للمنزل

كنت أمرر فرشاة الطلاء على اللوحات الخشبية التي ثبتها أبي ، باللون الأبيض ، أورون ذو الخامسة كان يغمس يديه في دلو الطلاء الأزرق الذي إختاره ويضع أصابعه الصغيرة فوق الخشبة البيضاء ، ملوثا ملابسه ووجهه ، بينما كانت ماكنزي تجلس فوق كتفي أبي رافضة النزول تخبرني أن أطلي الخشبة التالية باللون البرتقالي الذي إختارته ، ثم جعلته يضعها أرضا لتعاند أرون وتغمس هي الاخرى يدها وتطبع بصمات أصابعها الصغيرة ، رأيت إبتسامة أبي المغرمة بعائلته الصغيرة ، حيث أجبرته ماكنزي على طبع بصمته أيضا ، وأرون نادى أمي لتفعل مثلهم

حينها نظر لي أبي قائلا ( سعادتنا لا تكتمل بدونك ياولدي ، إختر اللون الذي تريده وضع بصمتك بيننا )

فإخترت اللون الأبيض لاني أردت أن نعيش دائما في سلام مثل تلك اللحظة ، كنا عائلة سعيدة تقيم هنا ، أردنا أن تصبح واجهة منزلنا سعيدة أيضا

سرعان مابدأت زخات قوية من المطر تنزل من السماء ، سارعت لأساعده لحماية السياج بورق بلاستيكي شفاف كبير ، إبتسامته لم تتوقف وهو يهتف ( أدخلو إلى المنزل بسرعة ) ..حمل أرون على رأس عقب عمدا ليجعله يقهقه وهو يضع يده فوق رأس أمي محاولا أن يحمي شعرها من التبلل

وأنا حملت ماكنزي وركضنا إلى داخل المنزل ، المكان الذي بناه أبي لنا لكي يحمينا حتى من قطرات المطر ، المكان الذي أخرجنا منه اليوم إيمانويل الذي لم يشاركنا في تلك اللحظة السعيدة ولا في أي ذكرى أخرى جمعتنا معا لأنه كان يعزل نفسه عنا متذمرا من مستوانا البسيط ويلوم والدي لأنه فقير ولا يستطيع حتى توفير منزل فكان يقضي معظم وقته في معمل الأقمشة مع جيسيكا وأمها

هو لم يرى كيف حرصت أمي أن تعتني كل يوم بكل تلك الأزهار والورود والنباتات الجميلة ، وحافظت عليها طوال هاته السنوات ، لا يعرف أن تلك الحديقة الجميلة هدية من زوجها الراحل وبمجرد تواجدها فيها يخفف عنها إشتياقها له ، وكلما تفتحت بتلة فهي تبتسم بسرور وكأنها واحدة من أولادها ، ولا أنها كل شهر تقطف من أزهار اللافيندر وتضعها على قبر أبي

هو لم يرى كم كان أبي يحبنا و يتعب من أجلنا ، لم يكن غنيا لكنه يعمل أكثر من الأغنياء لكي لا يدعنا نشعر بالحرمان من شيئ ، لقد سخر نفسه لنا فقطْ ، لم يعرف حقا الرجل العظيم روبرت ستون .. الذي رغم هيبته أمام الناس فهو كان خفيف الظل يجعلنا نبتسم حتى في الظلمة
يشعرنا بأن كل شيئ على مايرام بينما كانت الحياة تعصف به من كل صوب

هو لم يرى أرون وماكنزي يكبران أمامه ، لم يسمع كيف نطقا أول كلمة لهما في المطبخ ، لم يرى كيف قاما بأول خطوة لهما في غرفة المعيشة حين سمعا صوت أبي عائدا من العمل ، لم يرى كيف كانا يضحكان في الأرجاء ويختبئان في كل زواياه ، لم يرهما حين يعودان يتسابقان ركضا من المدرسة ، حيث ترمي ماكنزي محفظتها بتمرد على أرون فتسقطه أمام المدخل لتدخل قبله، ثم يدخلان ليملأ صوت أرون غرفة المعيشة شاكيا لأمي سلوكها العدواني ، وهي تكتفي برفع كتفيها بإستفزاز بريئ وتسارع لتشطب في تلك اللوحة بالطبشور تحت إسمها معلنة فوزها مرة أخرى .. لم يكن يعرف بشأن هذا التحدي الذي وضعته أمي في فصل الشتاء لتجعلهما يعودان بسرعة إلى المنزل بعد المدرسة خوفا عليهما من الظلام والطريق الفارغة والكلاب الضالة ، لقد كانا في السابعة فقط وإيمانويل لم يكترث أبدا بإحضارهما

لم يرى كيف كانا يتفاخران أمام أصدقائهما بمنزلهما الجميل الذي يقع أسفل الجبل محاطا بمناظر طبيعية خلابة بينما كان هو يمقته ويتمنى إحتراقه

هو لم يعش تلك اللحظات معنا و لا يعرف إلى أي عمق جرحنا ، رغم إنعزاله عنا و تصرفاته الأنانية فأنا إعتبرته مثل أرون وماكنزي ، لم أجبره على شيئ ، حتى كنت أفرح لانه يعود كل مساء إلينا كنت أكتفى برؤيته بصحة جيدة وبجانبنا

تغافلت عن معاملته السيئة إتجاهنا وبالأخص نحو أمي ، و تجاوزت له كل المصائب التي أصابني بها ، لقد وثقت به لأنه إبن والدي في النهاية ، أنظرو إلى هذا القلب الطيب إلى ماأوصلني ..خيانته هذه لن أسامحه عليها أبدا

حدقت في السياج السعيد الذي مايزال يحتفظ بكل بصماتنا ، وخطوت خطوة كئيبة إلى الأمام حاملا أختي وكأنها ماتزال في الخامسة من عمرها

عدى أن هذه المرة ..إني أخذها إلى المجهول

أشعر بأن أمي قلقة أكثر شيئ على أرون حاليا ، لأنها تمسك بيده لتنبهه على الحفر والصخور أمامه ، لا يبدو أنه يرى أمامه من الصدمة

شعرت بحلقي يتورم من الغضب ، وأن الحرارة تسرق من جسدي ، كنت أسحب الهواء لرئتاي بصعوبة ، وعلى غفلة شعرت بأنامل ناعمة تمسح دمعة لم أحس بنزولها ، لمسة بسيطة جلبت راحة لروحي المتخبطة ، همست تاماني في أذني بتعاطف ( حبيبي.. منزل جدي فارغ ، يمكننا الذهاب هناك )

أخبرتها وأنا أغطي أذن أختي بدون أن تنتبه ( عمي أبلغ خدمات الإجتماعية لحماية الطفل لكي يأخذوا ماكنزي لمكان أفضل ، والأن بعدما إكتشفت أن إيمانويل إتفق مع اندرو فبالتأكيد سيخبره بماحدث ، إن بقينا في منزل جدك سيجدونناَ ..يبدو ان ليندا تعرفه جيداً لأنه مشهور في المنطقة وسيكون أول مكان تبحث علينا فيه ، يجب ان أخرجها من كوتسوولدز الليلة ، لم يبقى لدي حل سوى العودة إلى لندن )

عانقت ماكنزي بقوة في صدري حين وصلت للسيارة وأكدت لها رغم جهلها بالموضوع (لن اتخلى عليك ابدا ، سأحميك كمافعلت دائما)

وضعتها في المقعد الخلفي ففضلت تاماني الجلوس بجانبهاَ وفتحت لها ذراعيها لتحتضنها مثلي

( هيا أرون ) تسمر فوق الأرض وإحمرت عينيه بقوة ، قال وشفتيه ترتعشان ( هذا غير منطقي..يجب أن نعود إلى منزلنا أليكس ، أسمعتني إنه منزلــنا ، قل شيئا ، حياتنا وذكرياتنا هناكْ ، أثار أبي هناك ، قلبـي وروحي هناك )

عانقته قليلا ، مررت يدي على رأسه المحلوق فشعرت بجروح خشنة لم أنتبه لها حتى الأن

شعرت بقلبي يعتصر قهرا وسمحت للغضب بأن يبتلع أخر مشاعر أخوية كنت أكنها لإيمانويل ، همست ببطئ ( المنزل حيث نكون معا ، سأعتني بكم أينما كنا ،هيا يابطلي ) فتحت له الباب الأمامي فصعد مقهورا، إحمر وجهه و كذلك عينيه حمراء محتقنة بالدموع

أيقظت محرك السيارة فسمعت تاماني تقول من الخلف (ستكون الأمور بخير ياعزيزتي )

نظرت في المرآة الأمامية لأرى طيف إبتسامة أختي ( أتمنى )

بعد إحترقت وسط أفكاري باحثا عن حل قررت أن أكتب رسالة الى دوغلاس لأنه لم يبقى لي غيره ، وأخبرته بكل بإختصار شديد اننا طردنا من منزلنا ، لكي لا يسمعوني أقولها علنا وأزيدهم حزنا، فقال أنه سيجد لنا مكان نبقى فيه مؤقتا ، إستمرت بالقيادة طوال ساعتين دون توقف

وقبل ان أدخل إلى لندن إتصل بي وأعطاني العنوان فسألته محتارا ( أليس هذ عنوان منزل كورتيس ؟ ..)

قال بتردد (نعم )

( لا أستطيع القدوم لمنزل كورتيس ، قلت لك انني برفقة عائلتي ، جد لي مكانا أخر بسرعة) قطعت صوتي المتنرفز حين سمعت صوتا رزينا هادئا ( مرحبا أليكساندر ..هذا انا كورتيس وأنا ساكون مسرورا إن جئت واحضرت عائلتكَ )

شعرت بحياء كبير منه الأن فقلت بنبرة ودية ( أنا حقا اشكرك على ذلك لكني لاأريد ان أتعبك معي .. أنت إستقبلتني وإستقبلت دوغلاس )

فقال بإصرار( وسأستقبل عائلتك ، تذكر اني اعيش بمفردي وأعمل طوال اليوم ، فليظلوا في منزلي حتى إشعار أخر ..تعال وإلا أخذت على خاطري ، تعرف جيدا انني أعتبرك مثل إبن لي وعائلتك هم عائلتي ، بالإضافة يصعب إيجاد مكان مناسب في لندن بهذه السرعة ناهيك في الليل ، لا ترهقهم في البحث )

نظرت مجددا لإنعكاس وجه ماكنزي التعبان وللأمطار الغزيرة فإستسلمت (حسناً، انا في طريقي )

( من يكون كورتيس ؟ ) سألني أرون فتمتمت ( إنه صديق طيب جداً، ستكونون بأمان بمنزله)

نصف ساعة وصرت بجانب منزله ، لأني قدت مثل المجنون خوفا أن يتبعني أندرو ، ومعه الشرطة

( هل سنبقى هنا ؟ ) سألتني أمي بحزن فأومأت ( للوقت الراهن)

إستقبلنا كورتيس كأنه حقا يستقبل أفراد عائلته ورأيت كم كان دوغلاس سعيد لرؤيته أختي فتجاهلت ذلك لاني لا املك الان مساحة للمزيد من الغضب

هي الان تغط في نوم عميقْ بين ذراعي لأنها وجدت أخيرا الامان الذي حرمها إيمانويل منه

( أليكس خذها لغرفة إبني ) أرشدني كورتيس لتلك الغرفة التي يطغى عليها الطابع الذكوري

وضعتها بهدوء فوق السرير ومررت أصابعي حول أثار الخنق في عنقها لأهتاج غضبا ، وأغرق في ذنب فضيع ، قبلتها بلطف على جبينها ووضعت عليها اللحاف

نهضت من السرير لأجد كورتيس مازل يقف أمام الباب قائلا بأسف ( لقد اخبرني دوغلاس كل شيئ ، انا أسف جداً ، لكن أريدك ان تعرف أنني هنا وسأساعدك ..ويمكنك ان تعتبر هذا منزلك لكل الوقت الذي تحتاجه )

شعرت بحلقي يتورم مجددا ، والدموع تعتم رؤيتي ، كانت قبضتي مشدودة بغضب ممتزج بخذلان وقهر وذل

هذا ماحاولت أن أجنب عائلتي إياه منذ وفاة أبي ، أن لا يشعرو بالذل

بالإحتياج ، أو بالغربة ..كيف تجرأ أن يجعلنا ان نشعر بكل هذا في يوم واحد ، كيف وضعني في هذا الموقف حيث أنا عاجز أن أرفع عيني حتى خجلا من خيانته ، ظننته أخي وحتى لو وقف الجميع في وجهي هو سيقف بجانبي ، كيف جعلني الأن ألجأ للغريب ليفتح أبواب منزله لعائلتي بينما لديهم منزل فعلا ، لقد عاش أبي حياته متعففا فيما يخصنا وكذلك فعلت أنا ، لم أجرؤ قط أن أمد يدي لأحد طمعا ،ولا حتى إحتياجا من أجل عائلتي ، كنت أعمل لأجنبهم الذل ، كنت أحافظ على كرامتهم ولا أنتظر أي مساعدة ،حتى ولو كانت بنية طيبة مثل كورتيس، إمانويل أهانني وجعلني أنحني بعدما كنت شامخ الرأس

شعرت أنني سانهار ، سأسقط على ركبتي وأبكي وأصرخ بصوت عال حتى أنزف من أنفي ، كل شيئ يتخبط بداخلي لكني وقفت بثبات ، أخبرت نفسي أنني سأنهار يوما لكن ليس اليوم ، عائلتي ينظرون لي الأن كأخر أمل ، سأكون قويا اليوم

أخفضت وجهي للأرض خجلا من كرمه ( لا أعرف كيف أشكرك ) وبنفس الوقت شعرت كذليل رغم نواياه الطيبة

وضع يده على كتفي مبتسما بود ( أنت أعدت الحياة لمنزلي .. على الأقل سيكون هناك أشخاص لأتحدث معهم للأيام القادمة ..أنا الذي أشكرك ياأليكساندر )

وقفنا معا في الرواق فجائت امي لتقول بإمتنان ( أنا جد شاكرة لك لانك فتحت لنا أبواب منزلك ،لن ننسى لك معروفك )

أومأ كورتيس لها بإحترام ( تصرفي كأنك في منزلك ياسيدتي وبمناسبة حضوركم اليوم ، سأطهو ألذ الاكلات التي أعرفهاَ ، هناك طقم من أواني روسية الصنع ، هدية من إحدى تلاميذي بعدما اصبح شاف هناك ، كنت أنتظر لمة جميلة كهذه لأستعملهم ، وضعتهم في المطبخ )

فإبتسمت أمي في وقت ظننت أني لن ارى إبتسامتها مجدداً ( سأساعدك في المطبخْ)

إن الساعة الثامنة مساءا الان ، دخلت للصالة حيث كان يجلس دوغلاس وتاماني متجاهلان بعضهما ، رأيت أرون يجلس بمفرده منعزلا ..شارد في الارض فذهبت إليه ووضعت يدي على كتفه

رسمت إبتسامة على وجهي لأقول ( أيها البطل ..لا تقلق .. سيكون كل شيئ على مايرام )

حرك وجهه بعيون محمرة حتى ظننت أن دماء عروقه الصغيرة إنفجرت ( كيف إستطاع أن يفعل بنا ذلك ؟ بماكنزي ؟ .. بأمي المسكينة ؟ ) تبللت رموشه بالدموع ( لم يعد لدينا منزل ، لم يعد لدينا شيئ )

( أعرف..لكنني أعدك بأنني سأجد حلا ، نحن لن نبقى هكذا ..فلنعتبر بان هذه مرحلة سيئة في حياتنا وسوف تمر قريباً ..حسنا يابطل ؟) ربت على رأسه المحلوق وسألته ( ماذا حل بشعرك الجميل ؟)

طأطأ رأسه ببؤس ( تواجدي في المنزل كان يسبب إزعاجا لجيسيكا ، كانت تشدني منه بأظافرها الحادة طوال الوقت ، فحلقته في لحظة غضب ، لكنها لم تتوقف قط )

أخذت نفسا عميقا محاولا أن أسيطر على قبضتي ولا ألكم شيئا في منزل كورتيس
وسألته ( ولماذا تركت المدرسة ؟) ولاحظت ذهول دوغلاس لمايسمعه

( بدأت أعمل لأساعد أمي في المصاريف ، ايمانويل تركنا للجوع ، أسف لأنني لم أخبرك حتى الان ، لقد صدقنا كذبه و أردناك أن تحظى بفرصة لتكون سعيدا فأنت ضحيت كثيرا من أجلنا)

مسحت كل وجهي لكي لا أشعره أني أمسح دموعي ( سعادتي لا تكتمل بدونكم أرون )

تراجع قليلا ليخبرني بقلق ( اذا يجب أن تعرف هذا أيضا .. لقد حدثت عدة أمور جعلت ماكنزي تستسلم وتتوقف عن أخذ أدويتها ، جيسيكا كانت تسيئ معاملتها و حاولت حقا خنقها ..كانت غلطتي فأنا تركتها بمفردها و خرجت لاحضر الحطب وحين عدت بالكاد أبعدتها عنهاَ وامانويل وضع كل الذنب فيما يحصل له ولنا على مرضها )

( عظيــم جدا ..والان بما أنني صرت أعرف ) ضم دوغلاس قبضة يده بقوة وشدد على أسنانه
( سأقتلهما ، سوف أقتل الحقيرة السافلة ، سأمزق ذلك الوغد اللعين )

حذرته ( لن تفعل شيئاً ، لا أحد سيفعل شيئاً .. يجب أن أفكر بروية وبحذر لخطوتي التالية)

وبعد ساعتين بدأت رائحة شهية تأتي من المطبخ ففكرت أنه يوجد أفضل طباخين هناك واليوم قد تأكل حبيبتي ألذ طبخة في حياتها

هاهي مكتفية بالصمت طوال الوقت متعاطفة معي ، أعرف أن عقلها الأن على وشك الإحترق وهي تفكر كيف تساعدني ، وبمجرد أن نظرت إليها حتى إنتقلت لتجلس بجانبي قائلة ( أليكس .. ربما سيكون من الأفضل ان أذهب للبيتْ)

حضنت يدي فادركت كم إشتقت إليهاَ اليوم، كانت مثل الدفئ المنبعث من أول خيوط أشعة الشمس الدافئة على قلبي المهموم ( أسف .. لقد أهملتكِ ) أغمضت عينيها بإشتياق متبادل وإنحنت لتغمرني بعناق حنون هامسة ( يكفي أن أراك بجانبي )

طوقتها بذراعي فوضعت وجهها على صدري ، وراحت تداعب بأناملها على لحيتي

فهمست شاردا في عينيها الجميلتان ( إبقي معي ، أحتاجك ) شعرت بطوفان من المشاعر السلبية يغرقني عميقا في الظلام وهي منفذي الوحيد لأتنفس

وهكذا بقيت شاردا لوقت طويل ، كانت أفكاري مثل الأمواج المتلاطمة ، لا أعرف ماذا سأفعل تاليا لطالما وضعت كل الإحتمالات السيئة التي قد تحدث وكنت مستعدا لها ، لكن الإحتمال الوحيد الذي لم يخطر ولم يكن سيخطر على بالي قط أنه سيأتي يوم سأطرد من منزلي ..كان الأمر الوحيد الذي لم أقلق بشأنه ..على الاقل كان لدينا سقف يحمينا ، عوضا عن التفكير بخطوتي التالية أنا أفكر بهوس بخيانته لي ، بالطعنة التي أحرقت روحي ، لم أكن لأحزن هكذا لو كان عمي من فعلها ، لكن أن يكون أخي من لحمي ودمي !!

( العشاء جاهزْ ) نادانا كورتيس فنهض أرون مسرعا بعد أن أخبرني ( أنا أتضور جوعاً ) كيف له أن يتركهم للجوع ، والأن تركهم في العراء لولا كرم كورتيس

( هيا حبيبتي ..لابد وأنك جائعة أيضاً، إسبقيني وأنا سأوقظ أختي وأتي ) جعلتها تقف وأرسلتها بعد أن قبلتها للحظة على خدها الناعم

دخلت الغرفة حيث ماكنزي وجلست بجانبها ، هي نائمة بعمق في منتصف السرير ، تحب النوم دائما على بطنهاَ منذ كانت صغيرة ، وتخفي ألمها بقلبها ، مررت أصابعي على أثار الخنق مجددا غير قادر على تجاهل الامر ، أريد أن أحرق أصابع تلك البائسة ، الامر يفطر قلبي فهذه ليست مجرد اخت ..إنها إبنتي ، أشعر أنه تم خنقي بنفس الطريقة اليوم بعد كل الصفات البشعة التي وصفتها بها ليندا وكل كلامها الجارح هي وامانويل .. كلها تخنقني الان

حسنا ، عليا أن اهدأ ولا أفرط في التفكير فيما حدث اليوم ، يجب أن أصوب تفكيري نحو إيجاد الحل فقط

لطالما تقبلت ضربات الحياة كدروس ، وسأفعل نفس الأمر هذه المرة ، سيكون درسا أخر تلقنني إياه الحياة ، سيلتئم هذا الجرح مثل الجروح القديمة ، سأضعه مع بقية الندوب المنحوتة على قلبي و لن أنساه ماحييت

( تعال أليكس ..العشاء جاهز ) رايت دوغلاس يقف هناك قرب الباب وعيونه تتوجهان لها فقط

فتنهدت بسئم ( كم تثير إستفزازي الان وأنت تقف هناك بحجة كهذه لترى أختي )

هز رأسه ناكرا ( طبعا لا ) لكنه تقدم بحذر وهو يشير إليها بقلق ( سيضيق نفسها هكذا ! )

وإنحنى إليها لكي يقلبها على ظهرها لكن ماحدث هو أنها همست ( أليكس )

كانت تشعر بنعاس قوي لدرجة أنها ظنته أنا فعانقته من ذراعه ودفنت وجهها في صدره ، وهذا فاجئه كثيرا لدرجة أنه ظل جامدا مكانه وهمس بذعر ( أنا أسف.. )

كانت صورة أندرو في ذهني هذه اللحظة فأبعدتها عنه وركلته بقدمي ليتراجع ويعرف حدوده

لأنه صديقي الوفي فهو سايرني ( أخبرني أرون بأنها ترفض أن تأخذ دوائهاَ ولا تأكل شيئاً ، هل أن تفرض فتاة صغيرة رأيها عليك بهذه السهولة ؟ )

( الفكرة التي كونتها عنها في مخيلتك لا تشبه كليا الواقع )

تنحنح قليلا يخبرني بتردد ( ماأردت قوله .. بما أن المجنونة تجدني مخيفا ، لن يختلف الأمر مع ماكنزي ، دعني أجرب معهاَ )

هل نادى للتو حبيبتي بمجنونة ؟

حاول إقناعي قائلا ( أنا جاهز لإحتمال أن تكرهني ..لكن لابأس إن كانت ستأخذ دوائها وتتحسن ، ماعليك ان تفهمه هو أنني سأحميها مثلكَ ، أريد مصلحتها فقطْ )

أخفضت عيني إليها لأرى جسدها الهزيل الذي يخيفني فمرت صورة ليندا في رأسي وهي تقول عنها نصف ميتة ، تجمدت مكاني وعانقتها لصدري بقوة ( أنا يائس جدا بحيث أظنك محقا ، لم يعد ينفع الرجاء معها )

ومثلما كان الحال أيقظتها فرفضت أن تأتي وتتعشى معنا وأكملت النوم حتى الساعة العاشرة ليلا

( عزيزتي هاأنتِ ذا أخيرا ) جائت لي تسير بدواخ هامسة ( أريد الماء )

فأخذتها للمطبخ وجعلتها تجلس على مقعد طاولة القهوة الدائرية الصغيرة ، راحت تنظر للمكان كغريبة فقبلتها من أعلى رأسها ثم تراجعت بدون أن تحس عليا

( حسنا إذهب) أعطيت الإذن لدوغلاس ، وقفت خلف الباب اراقبها وبقيت بجانبي تاماني هامسة

( رغم كل شيئ ، دوغلاس مخيف وسيجعلها تأخذ دوائهاَ )

( لاتنخدعي بذلك الوجه الملائكي ، لطالما كان أبي يمزح معها قائلا أنها تملك شيطانة صغيرة بداخلها ، إن أختي ليست سهلة .. هذا الهدوء التي ترينه ليس لأنها عاقلة ، إنها فقط مكتئبة )

لم نرد ان نرغمها على الاكل ، دخل وحمل كأس الحليب الذي ملأه لها حتى الحافة ثم أخذ نفسا عميقا وإقترب منها ، سحب مقعد وجلس قريبا لها أكثر من أي وقت مضى و وضع كأس الحليب على الطاولة

فسمعتها تقول برتابة ( مرحبا ) وتابعت بغيظ ( دوغلاس )

إكتفى بهز رأسه فسألته وهي تنظر للكأس بعدائية لأنها فهمت كل شيئ ( هل تشرب الحليب قبل النوم ؟ ) ثم ضاقت عينيها لتشعره كأنه غريب أطوار

( لا.. أنتِ التي سوف تشربينه ) حدثها بجدية ، وظهرت عليه الخطورة ، بصراحة لم اظنه سيستطيع أن يكون هكذا معها ، لكن من الواضح انه يسعى لمصلحتها ولو عنى الامر ان يدوس على قلبه

( لا ، شكرا ) قالت بهدوء محاولة أن تكون لبقة ، وهي تفرقع أصابع يديها بقوة تحت الطاولة

( بلا ستفعلين .. إنه لذيذ جداً ) أمسك الكأس ووضعه أمامها ، فإرتفع حاجبيها بصرامة ( شكرا ..لا أريد )

( لا يهمني رأيكِ ..تفضلي وإشربيه كله ) شبك يديه فوق الطاولة وإنحنى للأمام وهو يرفع حاجبيه بصرامة مثلها ، ربما كانت هذه فكرة سيئة ، لقد دربت أختي لتمزق أشخاص مثل دوغلاس بدون تردد ، كانت لاتزال بقوتها الجسدية ..خشيت عليها من العالم الخارجي ، علمتها كيف تقاتل ، علمتها كيف تدافع على نفسها تحسبا ، دوغلاس يعتقد أن من تقابله ملاكا بريئا ، هو لا يعرف بعد

( أجبرني، أتحداك أتحـــداك ! ) نزعت نبرتها الودودة الان وإستبدلتها بنبرة التحدي

( أنتِ لست أهلا لتتحديني ) حقا يبدو كأنه سيحطم كل شيئ حوله ، وهي تبدو كأنها ستحطمه ، اردت ايقافه لكن عليها ان تشرب ذلك الحليب

قال بعصبية ( الحليب دافئ ..أشربيه قبل ان يبرد )

فضربت الطاولة بأصابعها ( أنـــت تزعجنــي ) ثم نادتني فتمالكت نفسي لكي لا أدخل

( كفي عن التذمر و أشربي الحليب اللعين الأن قبل أن أفقد أعصابي ) ضرب الطاولة حتى إهتزت فإنتفض جسدها من حركته ، مدت يدها نحو الكأس و صفعته بقوة على الأرض فتناثر لقطع ، ثم شدت قبضة يدها نادمة لأنها لم ترميه على وجهه

قال وهو يبتسم ( حطمي بقدر ماشئت لأنه سيكون هناك كأس واحدا أخر .. وبعدها ستتناولين دوائك طبعا ، كلما أسرعت في فعل ذلك سأدعك وشأنكَ )

فرغ لها كأس جديد ووضعه أمامها ( نستطيع أن نبقى هكذا طوال الليل ، نحدق ببعضنا )

تلك الفكرة أرعبتها لدرجة رفعت الكأس وشربته دفعة واحدة لأخر قطرة ، بسرعة تناولت الدواء ، قبل أن أدرك ركضت نحو نحو الحمام ..تقيأت كل شيئ

ساعدتها لتعود للسرير وهو ظل يقف بجانب الباب وكان أحدهم يعذب روحه الان

وهي ظلت تحملق فيه بإستياء تام ثم إختفت تحت اللحاف ( قل له أنه يذهب أو أقســم ..)

( أحضري كأس حليب أخر لهاَ ) قلت لتاماني فإستغربت قائلة ( أنت متاكد ؟ هي حرفيا أفرغت كل الأمر للتو )

أومأت فذهبتْ ، أما أختي فقد زحفت تحت اللحاف وعانقتني من خصري قائلة ( كفى ..أشعر بالغثيان )

( تفضل ) أمسكت بكأس الحليب وحاولت أن أنزع اللحاف عليها لكنها تمسكت به بقوة

( ماكنزي ..دوغلاس مايزال يقف هنا ، هل تريدينه أن يجلس مكاني الأن ؟ ) لم تصدقني فنزعت اللحاف وإستدارت للباب حيث رأته واقف هناك

اصبحت مرتبكة .. لم ترى سوى شاب لا تعرف عنه سوى انه صديقي وتظن أنه لديه مشكلة معهاَ

لكنني رأيت كيف نظر لها كأنها أغلى إنسانة في حياته

أكدت لها ( هو لا يمزح أبداً في هاته المواضيع )

دوغلاس فقد السيطرة على عاطفته فأظهر ضعفه مباشرة من خلال نظراته ..وتعابير وجهه

( من يكون هذا ليرغمني .. ) قالت مهددة فإبتسم هو ، فلم أعرف إن كان قد أعجب بتمردها او تضايق من صراحتهاَ ، تنهدت بعدها عابسة إتجاهي ( عساك تحاول إخافتي به ! )

( ربما أندرو لديه الحقْ فيماقاله ذلك اليوم في المطعم ) قال فجأة فشحب وجهها كلياَ وبدأت ترتجف حيث أكمل( أنتِ فتاة صعبة المراس ولا تظني أن لا أحد يستطيع أن يروضكِ .. أنا موجود )

لاأعرف لماذا أحضر سيرة أندرو لكنني صمت

( حليبكِ ) قال مرة واحدة فامسكت الكأس وشربته كله بدون نقاشْ ثم عادت لتختبئ تحت اللحاف

فنزعته لها للحظة وقبلتها على خدها الأيمن ثم على خدها الأيسر وقلت لها ( تصبحين على خير يا ملاكي)

لم أغلق الباب لكي يدخل ضوء الرواق إليها ..هي تخاف كثيرا من الظلام

اما دوغلاس فهو غادر المنزل بأكمله

( سيعود فهو لا يستطيع الإبتعاد عن حبيبة قلبه ) أخبرتني تاماني ثم امسكت يدي وأخذتني معهاَ أين تنام أختي قائلة ( هذا المكان غريب عليها ..فلنبقى معها الليلة )

نامت هي بجانبها فخرجت لأجلس في الشرفة الخارجية ، أدخن سيجارة خلف الاخرى باحثا عن حل ، حتى شعرت بتاماني تجلس بجانبي ، عانقت ذراعي ووضعت رأسها على كتفي ، حيث

جافاني النوم ، وهي قاومته لتبقى معي ،سحبت السيجارة من شفتاي وسط شرودي وسألتني

( كيف إلتقى والديكَ ؟ )

فإبتسمت ونظرت للأفق ( أخبرني أبي أنه كان عائدا من العمل ذات مساء فوجد امي تجلس على قارعة الطريق تبكي ، إعتقد أنها سقطت أو أحدهم أذاها ، سارع ليساعدها ، حين إطمئن أنها بخير سألها محتارا مالذي يبكيها ، فأخبرته أن إحدى الفتيات إقتلعت زهرة اللافيندر خاصتها ومزقتها كليا ، ثم أرته بقاياها التي ظلت تعانقها طوال الوقت لصدرها ، فإبتسم أبي تلك اللحظة ووقع في حب قلبها النقي الذي حزن لمجرد فراق زهرة ، أخبرني أنه أصبح كل يوم يرسل لها زهرة لافيندر حتى وقعت في حبه ، ثم وعدها بحديقة مليئة بالورود ، هكذا بدأت قصتهما ..)

شعرت بدفئ أنفاسها على عنقي ( أنت محظوظ لأن والدك أحسن إختيار أمكم ، لكن ماذا حل
بأجدادك؟ )

( جداي من والدي توفيا حين كان طفلا صغيرا ، ولقد سيطر عمي على المنزل لنفسه ، وإستولى على الحقول الزراعية والاموال ، نهب كل شيئ وكتبه على إسمه ، حين كبر أبي واصبح شابا وجد أن حقه سلب منه ، فإضطر ليعتمد على نفسه ، هو لم يحاسبه قط لكنه أجبر حين مرضت أختي أن يطلب فقط بثمن العملية ، جزء بسيط من حقه، حتى أنه لم يقل أعطني ..قال أعرني وسأردهم ، لكن عمي طرده وكأنه يشحذ عنده ، أما جداي من أمي فقصتهما مأساوية ، لقد كان والدها شرطيا ، توفي في عملية سطو قبل أن تولد بشهرين ، تاركا إياها في بطن أمها ، التي نالت نفس المصير ، توفت خلال الولادة فترعرت أمي في الميتم ، حتى إلتقت أبي الذي قدم لها منزلا سعيدا مليئا بالحب وأسرة جميلة وحديقة كما وعدها )

إحتقن صوتي بالغضب ( والان صار منزلنا السعيد وكرا للشياطين )

إستعدت سيجارتي وإنهلت عليها ثم على التي خلفها ،وهي بقيت تعانق ذراعي حتى أشرق ضوء الشمس وجاء يوم جديد

على التاسعة صباحا إتصلت بالسيد غرافل وأخبرته بإختصار عن هذه المشكلة فقال ببساطة أنني لا أستطيع فعل شيئ بذلك الخصوص ، وأني لا املك أي حل سوى توفير منزل لها والرعاية التامة

أخبرت تاماني التي كانت متفائلة ( قال أنه لا يوجد أي حل وأن الشرطة تبحث عنهاَ وربما أنا سأحضى بمشاكل مع القضاء إن إستمريت بإخفائها هكذا )

مع ذلك إستمرت بتفاؤلها ( لا تقلق ..حتما سنجد حلا ، لمالا تتصل بأندرو ربما ستقنعه بان يغير رأيه )

تنهدت بخيبة ( لقد فاجئني لأني ظننته مختلف عن عائلته لكنه مثلهم بالضبط )

قالت مبتسمة وهي تنظر بعيدا ( ربما ياأليكس ، هو ليس مثلهم ، أعني ..ربما نيته صافية إتجاه أختك وهو يحبهاَ حقا ، أتعرف ..أبي يفوق والدتي بأربعة عشر عاماً ، حين تزوجت كانت لا تزال صغيرة ، إنها ليست جريمة إن احبهاَ ، اختك ستبلغ الثامنة عشر قريبا و هي جميلة ومحبوبة ، هي تملك سحر مثلك يجعل الاخرين يحبونها بسهولة وبدون ان تبذل اي مجهود )

تمتمت بخيبة مستمرة ( ذلك لا يعني أن يفعل مافعله الان )

( اجل أنت محق ، رغم ذلك حاول .. إتصل به ..وحاول أن تقنعه على التراجع، هياا هيااا)

( حسنا ..سنرى ) إتصلت به فتفاجت به يصرخ بمجرد ان رد ( هل ظننت أنك ستهرب بهذه البساطة ؟ أليكساندر .. لقد خيبت ظني ، إعتبرتك مثل اخ لي هل هكذا تجازيني ؟)

ضبطت أعصابي بصعوبة ( إهدا اندرو ..لم اتصل لأتشاجر معكَ ) أنا الذي يفترض أن أصرخ وليس هو

قال بقلة صبر ( حسنا ... حسنا ..ماسبب إتصالك إذن ؟ هل غيرت رأيك ؟ )

( في الواقع أملت أن تكون أنت الذي غيرت رأيك )

إرتفع صوته ليصرخ عليا ( هذا سيئ لأني أصبحت أكثر إصرارا من قبل ، أليكساندر أنت تقتل اختك ..اعرف حالتها ، خمن ماذا ..هي في المرحلة الخطيرة من هذا المرض فإما أن توفر لها كلية جديدة او تدفنها عن قريب)

شعرت اطراف تموت ، صار جسدي ثقيلا على تاماني ، قلت بإرتحاف ( اندور انت رجل طيب وساعدتني كثيراً، هلا فكرت لثانية ..لا أستطيع فعل ذلكَ ، أنت تطلب المستحيل ، حتى أختي لا تريدك)

فهددني وكأن التي يتحدث عنها ملكه فعلا ( أنت تستطيع إقناعها بأي شيئ أليكساندر فمن تحاول خداعه هنا ؟ على كل حال ،لقد يئست منك وأبلغت الشرطة ، يستحسن أن تسلم أختك أينما كنت أفضل من أن يزج بك في السجن أنت وعائلتك ..في النهاية ماكنزي ستصبح لي ولاتقلق ..سأعتني بها أفضل منك)

أغلق الخط بوجهي ، غريب كيف تظن أنك تعرف شخصا حق المعرفة وفي لحظة واحدة فقط يسقط رداء الخروف وينكشف الذئب على حقيقته فتشعر بصفعة الحقيقة المؤلمة ، وتعرف أنك تستحقها على الثقة الزائدة والقلب الطيب ، تاماني كانت محقة بشأني ، انا طيب جدا لدرجة أرى الجميع طيبون من حولي

( كنتِ تقولين .... ؟ ) ضغطت على اسناني بغضب فعانقتني بقوة لتعيد التوازن لجسدي ( أنا أسفة ليتني كنت أملك المال لأساعدك ، ..والدتي حين عاقبتني ألغت كل بطاقاتي الإنتمائية)

( لهذا بالضبط لم أخبركِ عنها ، لأنني لا أريد المال منك .. لابأس حبيبتي ..لن أستسلم ، لن يأخذو أختي ولو عنى الأمر أن أعطيها لقطاع الطرق..)

( آآآآه .. ) وقفت وفمها مفتوح على شكل دائرة ( صحيح صحيح صحيح صحيح صحيح )

( هل أنتِ بخير ؟ ) بدأت تقفز كأنها توصلت لشيئ ما ، ثم هدأت لكنها واصلت التحدث بحماس مفرط ( صحيح ..بمناسبة ذكر قطاع الطرق خطرت لي فكرة )

وضعت السيجارة جانبا وأومأت ( أنا أستمع )

أخبرتني وهي بالكاد تلتقط أنفاسها ( ماكنزي ليس لديهاَ أي حل سوى الزواج باندرو ، وإن حدث هذا فهي ستعاني من عائلته كثيراً وهذا مايزعجنا ..هاؤلاء هم المشكلة ، والشرطة ستأخذ ماكنزي منكم بدون أدنى شك )

( ميمي! محال أن يحدث ذلك حتى في أجمل سيناريوهاتكِ ) ربعت ذراعيا ففهمت نفسها وإختصرت الثرثرة

بدأت تقفز مجددا بحماس ( كنت أقول ..إن كان أندرو يستطيع أن ياخذ ماكنزي .. فدوغلاس كذلك يستطيع ، وهذا الاخير صديقك وسينفذ كل ماتراه أنت صائبا .. سيهتم باختك ومن الناحية الإيجابية ..هو يملك والدين طيبان ومنزل ، إنه قاطع الطريق المثالي ، ألست عبقرية ؟ )

وقفت مدهوشا من كلامها فقلت بحدة ( تريدين أن أزوج أختي الصغيرة لدوغلاس ؟ )

اومات عدة مرات بإبتسامة عريضة ( ويستحسن ان تفعل ذلك غداً ...شرطة لندن سريعة جداً )

قلت بحزم ( مالذي تقولينه تاماني ؟ أنا أريد حلا لمشكلة .. وليس حل مشكلة بمشكلة أخرى )

طوقت خصري بذراعها وزرعت عينيها الواسعتان بعيني بإقناع ( هذا هو الحل الوحيد الذي تملكه حاليا ..إما أندرو وعائلته أو صديقك الوفي دوغلاس ، أنا أعرف ماذا أقول أليكس ، سيكون صعبا عليك ويتطلب شجاعة كبيرة ، كن شجاعا من أجل مصلحة ماكنزي )

أفلتتني بعدها وهي تنظر لساعتها ( أنا أعرف ماذا أقول ياحبيبي ، هذا هو الحل الوحيد ، وأنت لن تفكر به قط ، لهذا فكرت بالنيابة عنكَ عليا أن أذهب فوالدتي رغم هوسها بجيريمي فهي رفضت السماح لي أن أقضي وقتا طويلا مع نيكول ، لكنها تتوقع حضورك غدا صباحا وليس اليوم ..إبق مع عائلتك)

هزيت رأسي ببطئ محاولا إستيعاب الحل العجيب الذي أتت به ، قبلتني بقوة وركضت نحو سيارتها ، وذهبت رغما عنها مدعية أنها ستكون بخير بدوني

إن أختي لا تعرف بعد يجب ان تعرف كل شيئ يجري لكي لا تتفاجأ لاحقاً ، ظننتها ستكون نائمة لكنها كانت مستلقية في وسط السرير

( عزيزتي ) صعدت للسرير وجلست بجانبها ( لماذا تبقين وحدك في الغرفة طوال الوقت ؟ )

همست ( هكذا ) رأيت أثار الدموع الجافة على وجنتيها فعانقتها لصدري

( ماكنزي ، هناك شيئ يجب أن أخبرك به ، شيئ يتعلق بك )

( أخبرني ) ربعت ذراعيها لصدرها ..وهي تتنفس بصعوبة

قلت بحنق ( تعلمين أن عمك يريد أن يأخذك )

صمتت ولم تعلق فاكلمت ( وهذا ليس كل شيئ لأن أندرو .. أندرو يريد أن ..أن يتزوجكِ)

( أندرو يحبني ) قالت بدون أي تعابير في وجهها ( أندرو يعتقد أنه يحبني ، لقد اخبرني بذلك عدة مرات في العيادة)

ضغطت على ذراعها بقوة بدون إدراكي ( لماذا ليس لدي علم بذلك ؟ )

إنكمش وجهها ألما ( لأنك ستغضبْ ) فخففت من قبضتي

أغمضت عينها بصمت وإبتعدت عني متأوهة ( عزيزتي مالخطب ؟ )

غمغت وهي تدير ظهرها للجانب الأخر ( لاشيئ ..مرهقة قليلا فحسب )

تفحصت حراراتها فلم تكن مرتفعة جداً ( أنتِ مرهقة لأنك لا تأكلين شيئاً، أنت صائمة عن الاكل فمن أين سيستمد جسدك القوة ؟ )

أخفت وجهها بيدها لتقول بإنتحاب ( أنت تعرف أنني لا أفعل هذ عمداً ..أنا لا أشعر بالرغبة في الاكل ، وأنا أسفة لأنني مريضةْ )

لقد حطمت قلبي فعانقتها بقوة ( أنا لست ألومك لانك مريضة ! لا داعي لتعتذري إطلاقا )

لا أصدق كيف جعلها إمانويل تشعر بالذنب لمرضها ، ذنب لا محل له من الصحة ،لتقول وكأنها إرتكبت إثما ( بلا ..يفترض أن أكل وأتناول دوائي وأذهب للجلسات العلاجية ، أعرف كل ذلكَ .. لكنني لا أستطيع ..لم اعد أستطيع ، إن روحــي تعبت وتريد أن ترتـاح بسلام )

( إياك أن تقولي ذلك مجددا ، أنت سوف تعيشين ، لكن الأن عليك أن تتناولي ادويتك .. ماكنزي ، عليك أن تأكلي شيئا لتصبحي قوية قليلا )

إنتحبت بإرهاق أنهكها ( أنا لا أستطيع )

تركتها على راحتها ، لكني بقيت بجانبها حتى نامت ، طوال اليوم رحت أفكر في خطة تاماني

كانت غير منطقية ، لكن في نفس الوقت منطقية جداً ، أنا فقط أعشق عقلها المبدع المجنون

كان قلبي يميل للموافقة عليه ، إحتجت لرأي حكيم فطرحت الحل على كورتيس وأمي ، وكلاهما وجداه غير منطقيا ، لكنه بشكل ما منطقي جداً ، مدح كورتيس أخلاق دوغلاس ، وأمي بدت لأول مرة مرتاحة بشان ماكنزي ، دوغلاس ترعرع في منزلي ، هي تعامله كواحد منا وتعرف جيدا أنه سيحمي ماكنزي ، لكنها لا تعرف أنه مثل الغبي وقع في حبها ولهذا قطع نفسه عن الزيارة

هذا هو الامر الوحيد الذي يمنعني من الموافقة الكلية ..بقيت أفكر من تلك الناحية

إن كنت أنا شجاعا كفاية لأزوجه ماكنزي، فهل سيكون بنفس الشجاعة لكي يعاملها مثل أخته

إنقضى اليوم بسرعة فوجدت نفسي مجبرا على القبول ، سوف أثق بتاماني وأجازف بهذا الحل

بدأت أمشي في الرواق ..أفكر في أخر اللحظات

ربما أنا مخطئ ، ربما أنا متسرع

ربما ..هناك حل أخر

ربما أعيد التفكير

ماذا كان أبي ليفعل ؟

صادفني كورتيس في هذه الحالة فقال مشجعها ( مالذي تنتظره ؟ الانسة فيفر أعطتك حل مثل المعجزة ..ولو كنت مكانك لفعلت ماقالته بالضبط ) نصحني وهو يعطيني كأس ماء فأمسكته وشربته دفعة واحدة

إن الطقس بارد لكنني أشعر بالحر الشديد والجفاف ، وبشكل ما هو لاحظ

( أخشى أنني أدمر حياة أختي ) أخبرته عن مخاوفي

فوضع يده فوق كتفي وضغط بتوكيد ورضا( على العكس ، أنت تنقذهاَ )

دخلت للصالة حيث الجميع متواجدون ، جلست بجانب ماكنزي التي أيقظتها أمي رغما عنها ، تبدو مرهقة إلى أقصى الحدود لكن على الأقل هي لا تتألم

( ماهو الامر المهم الذي جمعتنا بخصوصه أخي ؟ ) سألتني بعيون مغمضة فدخلت في دوامة أخرى للتفكير

هل أنا أفعل الامر الصواب ؟

(أليكس هل أنتَ بخير ؟ ) سألني أرون فأومات برأسي ، لقد أخبرته أيضا لكي لا يصدم

( كما نعرف جميعا الشرطة تبحث عن ماكنزي ..وتبحث عني ايضاً لانني أخفيهاً وقد لا يكون هناك حل اخر سوى ... سوى )

( تريد أن تزوجني ! ) إستنتجت بنفسها فقلت بتردد ( أجل )

هرب النعاس من عينيها لترمقني بإستنكار ( تريد أن تزوجني بأندرو ؟ بعد أن وعدتني بأن لا تتخلى عني ؟ )

( أريدكِ أن تتزوجي ) قبل ان اكمل كلامي قاطعتني برفض قاطع ( هراااء ،أحترمك أكثر من أي أحد في العالم ، لكني أسمعك تقول هراااءا ياأخي الكبير ) حرصت بكل تأكيد أن تضيف أنني الكبير لتحملني المسؤولية وتشعرني بالخطأ

( لا أريد الإرتباطْ ) ذهبت ووقفت بعيدا عنا بفردها ،ربعت ذراعيها لصدرها بتحدي، تفعل هذا حين تغضب ، كأنها تطلب من خصمها أن يحضر كل مايستطيع للطاولة إن كان يجرؤ ، لأنها قوية بدون أن تحتاج حتى لحماية أمها ،حملقت بي بتعابير غاضبة شرسة والأمر الوحيد الذي يمنعها من رمي تلك المزهريات عليا هو أنها تحبني وتضعني في مقام والدها وتعرف في قرارة نفسها أني مستحيل أن أؤذيها ، هذا جعل الشجاعة تندفع بداخلي لأصبح واثقا من قراري

طوال اليوم كنت قلقا حول الشخص الخطأ ، إنه دوغلاس من يجب أن أقلق عليه منها

( أختي العزيزة ، أنا لا أريد سوى مصلحتكِ ، أتمنى لو كنت املك حلا أخراً لكي أبقيك بجانبي .. أمي قولي شيئاً )

نطقت أمي محاولة ( مايقوله أخوك أليكساندر منطقي ..يجب ان تتزوجي)

راحت تلكم الجدار وتررد بنفس الوقت ( لا أستطيع رؤية المنطق في هذا أمي ..أنا بالسابعة عشر ..أنتم ترتكبون جريمة بحقي ، هذا لن يحدث أبدا فلا تحاولو إقناعي .. )

ومثلما كانت هي تنكر مايحدث ..دوغلاس لم يستطع رفع عينه من الأرض وربما هو ينكر الامر اكثر منها ..لأنه يظن أنها ستتزوج أندرو

( ماكنزي أنت صغيرة جدا لتقرري ماهو الأفضل لكِ، ومن الضروري أن تتزوجي وأنا إخترت الشخص الذي ستتزوجينه ..... دوغلاس )

رفع وجهه لي بصدمة ثم نظر إليها حين قالت وهي تضرب تلكم الطاولة بخشونة ( دوغلااس ؟؟ .. قبل قليل كان أندرو )

(لم أقل قط أندرو ، ستتزوجين دوغلاس)

( لماذا عليا الزواج أساسا ؟ ) تقف بصعوبة وتتحدث بعناد حادة فعلمت أن الامر لن يكون سهلاً، أتمنى لو كانت تاماني هنا لساعدتني بإقناعها

( لأنني أثق به ، وأعلم أنه سيفعل أي شيئ ليحميكِ ..أي شيئ )

إحتجت بسخرية (بهذا الصدد أندرو سيفعل ذلك أيضاً )

تجعد جبيني بإستياء كبير ( أحاول إبعادك عن أندرو الذي غالبا يمر بمجرد نزوة عابرة )

إحتجت مجددا بسخرية لاذعة ( أنت لا تعرف مشاعر دوغلاس أيضاً ..أمس فقط كان يكرهني )

( لا تهم المشاعر مادمت ستكونين بخير، وهو موافق ..صحيح دوغلاس ؟)

أخيرا سيطر على صدمته وقام ..عدل من سترته وإقترب منها قائلا بدون أي مقدمات

( تزوجيني ماكنزي ) ظلت تحملق فيه مثل الصماء الخرساء فتابع كلامه ( سأحميك وأعتني بكِ، أعدكِ إن وافقت فلن ادع أحد يؤذيكِ .. ستكونين بأمان معي )

وعلى غفلة هي رفعت قدمها ورفسته على ركبته بحدة جعلته ينحني من الالم ( أفضل أن أدفن حية ، وسط ألف ثعبان على أن أتزوجك ، إياك أن تعيد هذا الكلام مجددا ..هل اتفق الجميع ان يفقدو صوابهم او ماذا ..)

نظرت لا إراديا لي وصرخت ( لا يمكنك أن تجبرني على الزواج ياأخي ..لأنه امر مصيري ، إنه مختلف جدا عن إجباري على الأكل.. )

وحين كان الصمت جوابي أشارت إلى دوغلاس وقالت بتهديد ( ليس هناك أي طريقة ستجعلني أتزوج هذا )

إنتقلت لتهدده شخصيا ( سأجعل حياتك جحيما حيا .. انت لا تعرفني ..انت لا تعرف الجحيم الذي تورط نفسك به .. أحذرك ..انا لا أحبك حتى )

إستفزته بسهولة حيث قال بغيظ ( ولا تحبين أندرو أيضاَ، لا يوجد هناك فرق )

( أندرو يحبني .. يوجد فرق ) هي تحدثه بعصبية الان وهو يكره أن يحدثه أحد بعصبية فتدخلت وقلت لها ( المشاعر لا تهم ياعزيزتي ، مايهم أنك ستكونين بخير )

لم تيأس بعد حيث أمسكت يده بقوة قامت بلوي اصابعه ( أحذرك .. لا تغامر بحياتك يارجل .. لا تتزوجني ، هذه جريمة بحقي ..سأقاضيكم جميعا )

تركها تلوي أصابعه بقوة للخلف وردد بهدوء ( عليك أن تفهمي خطورة الوضع الأن ياماكنزي )

ثار غضبها الذي أفرغته صراخا عليه ( لا أريد فهم أي شيئ، أنا لا أريدكَ فهل ستجبرني ؟ ..أخبر اخي الان أنك لست موافقا على هذا الزواج الغير منطقي )

فصرخ بصرامة في وجهها العابس ( لن أفعل )

اشتعلت إستياءا لكنها أخفضت نبرتها نحوي ( أفضل الموت على الزواج من رجل العصابات هذا )

إبتعد لا إراديا عنها وجلس على طرف الاريكة ، أخذتها للغرفة حيث اصبحنا بمفردنا

( إجلسي ..إهدئي ..تعلمين بأنني أحبك ؟)

قلبت وجهها بسخرية للجهة الأخرى ( أجل ..تحبني كثيرا لدرجة ستزوجني لصديقك الذي لا اعرف عنه شيئ )

( ماكنزي.. يكفي أنني أعرفه وأثق به ، لاداعي لتعرفيه أنتِ ..)

إحتجت وكانني أبالغ ( كيف تقول هذا ؟ أنا لا أفهم كيف تستطيع أن تزوجني له بهذه البساطة ؟ ماذا أندور وماذا دوغلاس ؟ عصور إخضاع الفتيات قد ولت ياأخي الكبير ! ..لم يكن لدي حبيب من قبل فكيف بزوج ؟ )

ربت على شعرها الخفيف ( ربما أخبرتك بطريقة أخافتكِ ، لكنك لم تسمعي بقية حديثي ، أنت لست مجبرة على أن تكوني زوجة حقيقية له ، سيكون زواجكما على الورق فقط ريثما تبلغين الثامنة عشر ، وحينها سأستعيدكِ ياعزيزتي ، هذا هو الفرق بينهما ، دوغلاس سيعيدكِ لي وأندرو لن يفعل )

هدأت قليلا وسألتني ( إذن هذا الزواج سيكون مؤقت ؟ )

( طبعا ياعزيزتي ، ريثما تنتهي هذه المشكلة، إلى ذلك الحين ستظلين برفقة دوغلاس ..ثقي به هو سيهتم بك ..إنه الحل الوحيد )

سألتني لتتأكد ( و أنت ستعيدني حالما تصلح الامور ؟)

( أعدكِ .. والان عديني أن توافقي وأن تفعلي كل مايراه مناسباً ، ستفعلين مايقوله لك كما تفعلين معي ..حسنا ؟ أنت فتاة عقلانية ياماكنزي وتعرفين أنني محق ، يجب أن تساعديني في هذه الاوقات الصعبة ، أنا مضطر حقا وإلا ماكنت تجرأت )

لمعت عينيها لأول مرة بحزن واضح ، رأيت نظرة الإستسلام وهي تهمس( حسنا ) أفلتت يدي فادركت أن يداي اللتان كانت ترتجفان ، أخفضت عينيها للأرض ووقفت لتبتعد عني ، هذه المرة لم تخفي عني إنكسارها

توجهت له بإستياء وهي تشيح النظر إليه ( حسنا أنا موافقة ، بالمقابل عليك أن تنفذ وعدك )

لم يفهم فخرج للشرفة وأنا لحقته ، سألني وهو يهز رأسه حائرا ( بماذا وعدتها نيابة عني ؟ )

( ماذا كنت تظن دوغلاس ؟ أنني حقا سأزوجك أختي بدون شروط ؟ )

إلتزم الصمت فشرحت له ( أختي قاصر .. ماتزال طفلة ) النظرة على وجهه أخبرني كم تضايق ، لن ألوم فأنا أضعه في أصعب تحدي في حياته

أومأ متفهما فتابعت بجدية ( هذا الزواج سيكون لفترة مؤقتة ، وإلى حين ذلك الوقت ..أنت ستعاملها كأختك .. حتى تبلغ الثامنة عشر ثم سوف أستعيدها )

ضغط بقوة على الدرابزين وأجبر شفتيه على إبتسامة باردة ( طبعا انت محق ، الى ذلك الحين سأعاملها مثل أختي، ثم هي ستقرر )

( لن أناقشك في ذلك ، أختي خط احمر ، دوغلاس انا سأعطيك أعز ماتركه لي أبي )

( سأخفيها بداخل عيني ) وعدني .



اوديفالا متواجد حالياً  
التوقيع
“I stretch truths where I see fit. I’m a writer”
رد مع اقتباس
قديم 24-02-21, 07:47 PM   #45

اوديفالا
عضو ذهبي
 
الصورة الرمزية اوديفالا

? العضوٌ?ھہ » 481181
?  التسِجيلٌ » Nov 2020
? مشَارَ?اتْي » 62
?  نُقآطِيْ » اوديفالا is on a distinguished road
افتراضي



الفصل 27





بروح تائهة
بعقل متعب
وجسد مهلك
لم يرو الراحة منذ أمد
ولم يشعرو بالحياة منذ أدركوا معناها بفترة مريرة
أنا أضيع في كل شيئ
ولا أفهم أي شيئ
حصرتني الفترة والأيام
تعبت وماعدت أقدر على هم الزمان وثقل الايام

أليست الحياة غريبة .. بعد هذه السنوات التي عشتها وسط عائلتي ، أشخاص أتقاسهم معهم نفس الدماء ، أحبهم فطريا ، ألفتهم ، ضحكت معهم، وبكيت على أكتافهم ..

كل ماتطلبه الأمر كان خربشة صغيرة تدعى توقيعا ، ليرتبط مصيري بمصير شخص غريب ، ليأخذني لحياة جديدة لا أعرف عنها شيئا

خربشة خالية من الإحساس حكمت عليا أن أصبح سجينته ، وملزمة بالعيش تحت قوانين ليست بالقوانين التي نشأت عليها ، وأخضع لقرارات لست أنا من يتخذها

أن أستيقظ في الصباح وأرى وجه رجل لا أعرفه بدلا من وجه أمي البهيج ، وإخوتي المحبين

الحيــاة حقا غريبة .. أصبحت ذلك الفرد من العائلة الذي لن يعيش مع عائلته مجددا

لا استطيع تصديق كم أصبح رباط مقدسا كالزواج سطحيا يبدأ وينتهي بلطخة حبر

كان الرحيل صعب بالنسبة لي ، وجدت نفسي أغوص في بحر غير البحر الذي إعتدت عليه
لكنني تحديت البداية الصعبة بعقلي المتعب وجسدي المهلك وروحي التائهة

لأنني فتاة قوية بقلب شجاع ، لا شيئ يخيفني في هذه الحياة مهما بلغت غرابتها

الفصل 27 / قراءة ممتـعة



أجبر قدماي على الإستمرار بحملي في هذا المكان البارد ، أرى نهر وقوارب وجسر ، أرى الغيوم الرمادية تحجب السماء ، وأراه يتحدث في الهاتف منذ ساعة تقريباً ..هو يدور في حلقات وقد شتم كثيراً، بعضهم أغلقوا الخط في وجهه وبعضهم أغلق هو الخط في وجوههم

بعد أن وقعنا على أوراق الزواج ، عثر أندرو علينا في منزل كورتيس فهرب بي هذا الرجل وكأنه يخطفني ، ولم أستطع حتى توديع أليكس أو توديع أمي وأرون

ربما جزء كبير مني رفض ذلك ، لم أستطع تلك اللحظة مواجهة إحتمال أنها قد تكون أخر مرة أراهم فيها ، لم أودعهم فأنا لست قوية عندما يتعلق الامر بأعز الناس على قلبي ..

لم أقبل الزواج من هذا الرجل لأنه مؤقت ، بل لأني رأيت أخي القوي على وشك الإنهيار ، حتى لو أخفى ذلك عن الجميع ، أردت فقط أن أخلصه من مشكلتي التي أثقلت كاهله لدرجة يديه اللتان لطالما أمسكتاني ورفعتاني بشجاعة و مدتاني بالأمل .. كانتا ترتجفان

لطالما أردت أن أريحه من حملي الثقيل ، لكن ليس بهذه الطريقة ، ليس عبر وضعه على عاتق شخص أخر

نظرت مجددا نحو دوغلاس الذي أغلق هاتفه و إقترب مني حتى صار يقف أمامي ، من اللحظة الاولى التي بقيت بمفردي مع هذا الرجل، عرفت في قرارة نفسي أني سأهرب منه ..عاجلا أو أجلا

منذ اللحظة الأولى وأنا بإنتظاره أن يضع إصبعا عليا ..لأفتح عليه باب الجحيم بمصراعيه

إنه أطول مني ، متين الجسم ، عضلات ذراعيه بارزة مثل عضلات حاملي الأثقال ، عيونه بنية فاتحة جدا تحيط بهما أهداب ملتوية للأعلى ، لديه ندبة شاحبة في الجانب الأيمن من وجهه الأسمر ..معجب جدا بنفسه

( هل نحن متشردان ؟ ) لقد وفرت عليه شرح الامر وسهلت مهمته بقول إما نعم أو لا

( الرجل الذي إتفقت معه أن يؤجر لي بيت ، لن يفعل ذلك حتى الغد ، لقد خرجت الامور عن نصابها لأننا لم نتوقع أن يجدنا أندرو بهذه السرعة ) شعرت أنه صوته غاضبا ، ووجهه كان عابسا

كررت مؤكدة بتهكم ( إذا نحن متشردان )

( لا ) نفى بنبرة هادئة ، وشفتيه ترسمان إبتسامة مغرورة ( دبرت مكانا أخر ) أجفلت إزاء لهجته الساخرة ، وتراجعت خطوة للجسر حين شعرت بيده تتمد نحوي

إبتعدت أكثر لكن يده الطويلة إستطاعت الوصول لتستقر على كتفي ، حركته الصغيرة هي ماكنت أنتظرها فصرخت ( بمجرد أنني بمفردي، لايعني أنني لن أستطيع رميك من أعلى الجسر ) وأشرت بسبابتي نحو الجسر والنهر البارد

جرأة مني أن أفكر مجرد التفكير أنني بجسدي الهزيل الضعيف هذا قادرة على إخافته ، والأغبى أنني أتوقع منه أن يخاف ، لكنني فتاة وأستطيع أن أجمع عليه الناس بصرخة واحدة

أشعر بالكره نحوه ، لأنه شارك في هذه المهزلة التي تدعى زواجا مؤقتاً

عوضا أن يفهم نفسه ويحتفظ بحدوده ، هو شعر بالإهانة ، سحب يده مني مشيرا بها إلى الطريق بهدوء ( أردت أن أريك الطريق ، علينا الذهاب ..من هذا الإتجاه )

بدأت أمشي بسرعة بأنفس متقطعة متوسلة جسدي للمقاومة ، أسمع خطواته المتوازنة خلفي ، ثم صوته ( من هذا الإتجاه ) إلتفت لأجده فعلا توقف وهو يشير نحو اليمين ، فتنهدت بداخلي وبدأت أمشي مجددا مسرعة قبله بخطوات عنيفة ، فقط فكرة أنني ذاهبة برفقته تقهرني حتى النخاع

توقف صوت خطواته مجددا ، فتوقفت وإلتفت ، فاضت الحيرة في وجهه من تصرفي ، إختار الصمت وإنحنى جسده قليلا بمأساوية ، أشار بيده كأنه على مسرح ليريني الإتجاه مجددا ، بعصبية مكتومة كأنه يتسائل ماخطبي أتصرف بشكل أرعن ، شبكت ذراعي لصدري وتركته هذه المرة يسبقني ، قبل أن أرميه حقا من الجسر أو ارمي نفسي ، فإختار أن يمشي بجانبي رغم أني كنت أتعمد أن أتأخر عليه بخطوة

كان علينا أن نصعد في الحافلة ، وكانت مكتظة ممايعني أنني سأضطر للوقوف ولا أعرف إن كنت سأصمد حتى أصل لوجهتي المجهولة

إكتفيت بإسناد ظهري على أحد الحدائد ، فجعل جسده كحاجز لكي يمنع الناس من لمسي أيضا ، أشعر بقوة نظراته لي تخترقني مثل شعاع الليزر ، أعرف أنه ينتظر سقوطي ، ولهذا يده متأهبة لإلتقاطي

خيبت ظنه لأني كنت متوازنة أكثر منه ، نزلنا من الحافلة التي وضعتنا في شارع ضيق مؤدي للأسفل كأننا فوق تل ، المنازل ملتصقة ببعضها البعض مسببة لي ضيقا في التنفس وإنتهى بنا الامر في زقاق حزين ومظلم

قال متصنعا إبتسامة ( وصلناَ ) لم أرد ان نصل ، لم أرد أن نتوقف هنا حيث المنازل معتصرة ومتكئة فوق بعضها لتتسع في هذه المساحة الضيقة

( الباب الزرقاء ) همس وهو يبحث عنها وحين وجدها ، أخرج المفتاح الذي كان تحت السجاد المهترئ و فتح الباب ، دخل وأنا تجمدت امام العتبة أسمعه يصرخ ( إبن الحرام ..الحقير خدعني .. لقد اعطيته المال ليجد لي مكانا أفضل من هذاَ.. النصابْ اللعين )

ثم هدأ ، قال وهو يقابلني بظهره العريض ( تعالي ماكنزي )

لم أجبه ولم أتحرك فرفع صوته ( أدخلي ، المكان ليس بذلك السوء ..إنه أفضل من الشارع على كل حالْ)

( هل تراهن ؟ ) تمتمت فإلتفت لي وكأنه سمع ولم يسمع

( أدخلي قبل أن يراكِ أحد ) قال بنبرة باردة فدخلت وأغلقت الباب الحديدي البارد من خلفي ، كانت غرفة معيشة ضيقة ومظلمة فيها مدفأة حجرية صغيرة وكنبة خضراء قديمة ..والكثير من الصور بالأبيض والأسود لأشخاص مريبين

( هنا ستبقين حتى نتأكد أن أندرو لم يعد يبحث عنكِ )

رفعت عيني للسقف المهترئ الذي تتوسطه فتحات صغيرة مظلمة ، وأنزلتهما على الأرضية الخشنة المعفنة بإشمئزاز

لعله لاحظ ردة فعلي فجال بعنيه مثلي حول المكان بسرعة وتوقف عند الشباك الخشبي المفتوح قائلا ( هذا هو البيت الوحيد الذي إستطعت توفيره حاليا ، لكن أنظري للجانب الإيجابي ..هناك غرفة لكِ ..ولدينا موقد لذلك لن تشعري بالبرد و .. نعم سأخرج وأشتري لك شيئا لتأكلي .. أعلم بأنك جائعة)

( لست جائعة ) قطبت جبيني بحدة ، ومشيت نحو تلك الغرفة أجبر نفسي على بضعة خطوات شجاعة

دحرجت عيني حول المكان الصغير لأرى أين سأقضي أخر أيام حياتي ، إنها مدهونة بطلاء أبيض بشع ومقشر ، والسقف منخفض جداً ومصنوع من حطب صار لونه أخضر من التعفن ،زواياه مليئة ببيوت العناكب ، السرير أخذ معظم المساحة ،سرعان ماأغلقت على نفسي داخل هاته الحفرة الشبيهة بقبر دنيوي

الامر يشبه حين يأخذونني للغسيل الكلوي ويضعونني فوق تلك الطاولة مجبرة .. هكذا أشعر الان

ماذا أفعل؟ أسهل طريقة للتكيف هي تقبل الأمر الواقع كماهو .. بدون " يالـيت " ، بدون " أتمنى "

فقط ليكن كماشاء القدر

أحضرت محفضتي كما هي معي، ماتزال الدمية بداخلها ، وعلكة منسية و الملقط الذي أعطته لي تاماني قائلة بأنه سلاح فتاك ويخيف الشبان ، لم أحتج أبدا لسلاح لأجعل ولد يخافني

وجهي اللئيم كان يكفي

إستلقيت على حافة السرير ،أغمضت عيني وسمحت لروحي أن تطفو ، لا أفكار ، لا تخيلات ، لا ندم ، لا غضب ، لا مشـاعر على الإطلاق ، فقط هـدوء وسكـيـنة ، هكذا أنقطع عن الواقع .. في حالة من الصفــاء والسلام الداخلـي

( ماكنزي ) جعلني صوته أسقط في الواقع ، أبقيت عيني مغمضة ، منزعجة من تعكيره لحظة سلامي وسرعان مادخل الغرفة وصعد للسرير بكل جرأة

همس ( هل حقا نمتِ ؟ هكذا لن نتفق .. يجب أن لا تنامي حتى تأكلي شيئا وتتناولي دوائكِ )

وضع يده على ذراعي ليحركني ( أعرف أنكِ لست نائمة .. ماكنزي لو سمحتِ )

شعرت بأنفاسه الدافئة على وجهي بعد صمته ، ففكرت أن أحمل الملقط فقط تحسبا ، وجهي اللئيم لم يرتقي لمستوى كافي ليخيف رجل العصابات هذا

( ماكنزي ! سأعتني بكِ مثلما كان يفعل أليكس او حتى أكثر .. لن أدع مكروها يصيبك فدعي ذلك الشيئ جانبا )

كل مافعلته هو الإستمرار بالتظاهر أنني جثة هامدة ، وهو لم يجادلني أكثر بشأن الاكل

شعرت بجانب السرير يرتفع حين نزل منه ، أعتقد أنه خرج من الغرفة ، لقد ترك وظيفته من أجلي أيضاً، لأن أندرو يعرف أنه يعمل هناكْ

لم تمر بضعة دقائق حتى صار جسدي يطفو فعلا في الهواء ، فتحت عيني شاهقة ، أشعر بيديه تحملانني بسهولة وكأنه يحمل دمية ، كانت مجرد خطوات قصيرة من الغرفة للمطبخ ليضعني فوق كرسي خشبي متشقق

في أبشع طاولة رأيتها في حياتي ، قذرة جدا وأطرافها سوداء، وقد وضع عليها الهمبرغر والعصير

جلس مقابلا لي وكأنه يجلس على الشوك ، بهذا القدر هو ليس مرتاحا بجانبي ( أشربي العصير ) قال آمرا ، شعرت أن ماحدث قبل الأمس سيتكرر ، وكم كنت لطيفة معه تلك اللحظة ، وعادة لست لطيفة لتلك الدرجة ..ولست مطلقا الان ..

فتح أصابعه لثانية ليطبقهما مجددا على ذقنه محتارا ( لم تأكلي شيئ منذ الأمس ..ألست جائعة ؟ )

( لستُ ) ضغطت على أسناني بإستياء ، عيناي تراقبان بدون رمش كل حركة تنتج منه سواء كانت متعمدة أو عفوية وعقلي يترجمها كلها كمحاولة إستفزاز

لا أصدق أنه نجح في إستفزازي ..أنا ذات الأعصاب الباردة .. بهذه البساطة

خلى وجهه من الإهتمام ليردد ( رغم ذلك ، ستشربين هذا العصير لتتناولي أدويتكِ )

( لا رغبة لي بذلك ) أمسكت الملقط بقوة تحت الطاولة وغرزته في راحة يدي لأفرغ غضبي عبره ، حين دفع كأس العصير اتجاهي.

أدار وجهه نحو الحوض المصدي بقلة صبر ( أشربي ماكنزي )

حركت رأسي رافضة بينما إعتدل في جلوسه وزرع إبتسامة باهتة على وجهه راغما نفسه عليها

( حسنا ، سأسايرك قليلا ، سأتوسلك الان .. أرجوك .. أنا أتوسلك من كل قلبي أن تشربي هذا العصير وتأكلي القليل من هذا الهمبرغر ، وإن كنت تعبة ..يسعدني أن أطعمك بنفسي )

( سيسعدني أن تعاملني كراشدة ) أبعدت عني كأس العصير بعنف وعدائية ، رائحته تشعرني بالغثيان

( أتسائل متى سيأتي أخي ) فكرت بصوت عال

( لن يأتي ) أجابني بدون تفكير ، قال برتابة ( والأن يكفي ممطالة ، كـلي )

لاادري كم من الوقت بقيت احملق فيه وأنا أحاول إستيعاب حياتي الجديدة وكذلك هو بقي يحدق فيا بعينيه الخطيرتان بحدة محاولا جعلي انفذ كلامه

شعرت أن الزمن تجمد ، مجرد ان بدأت عيناي تمتلأن بالدموع وأصبح ذلك واضحا حتى زيف

إبتسامة أخرى ( أنا سأخذك إليه )

قمت بدون تفكير وإتجهت للباب ، كانت سرعتي متوسطة لأنني أتألم حين أقوم بنشاط زائد واليوم بذلت مجهودا أكثر مماأستطيع ودفعت نفسي إلى الحدود

فتحت الباب و ركضت ..ركضت بأقصى ماإستطعت في هذا الحي المختنق ، لا اعرف أين انا ذاهبة .. لكنني أعرف أنني لا أريد إمضاء أخر أيامي وكأنني في معتقل ، يتم إجباري على أشياء تزيد في عذابي

وضعت يدي خلف ظهري، وضغطت بقوة فوق كليتي التي شعرت كأن مسمارا يتم تثبيته بداخلها بمطرقة ، وكأن يدا خفية قامت بعصرها ، الالم كان أقوى اعلى ظهري وداخل أضلعي ، إنقطعت أنفاسي من شدته وإنهرت أرضا

قدماي إستسلمتا و تخلتا عني .. جسدي خسر أخر قواه فإنطفأ مثل الألة ، شعري في فوضى عارمة ، عقد منه إلتصقت بوجهي المبلل بالدموع ..لأن صحتي خانتني وأنا في أمس الحاجة إليها

مزق أفكاري بظهوره ، إقترب يسير بخطوات رشيقة مشاغبة ، إنحنى لي وحملني عاليا ، قوة قبضته كانت تفوق قدرتي على التخلص منه

قال وهو ينظر مباشرة في عيني بصرامة ( هذا تصرف راشد جدا منك ياماكنزي )

توجه للبيت وأنا لم أستطع فعل شيئ لانني مقيدة إلى صدره بإحكام ، دخل ودفع الباب بقدمه ليغلق بقوة هزت النوافذ ، إتجه مجددا لتلك الطاولة الخضراء البشعة ووضعني على الكرسي الخشبي القذر

جلس مقابلا لي وشبك يديه فرأيت حروف موشمة على كل اصابعه الخمسة

تغاضى عن محاولة هروبي و، قال بكلل ( أنت لم تنهي عصيرك بعد )

كنت وسط ألم فضيع لأجادله فشربته دفعة واحد لكي أعود لغرفتي ، هو فقط نزل إلى معدتي مثل الحامض وجعلني أغثو

حنجرتي صارت تؤلمني من الألم

( فتاة مطيعة ) خصني بنظرة طريفة كانني مجرد طفلة تحتاج للرعاية ثم أمسكني من يدي متجاهلا نفوري منه ليأخذني للغرفة فإستلقيت وهو جلس بحافة السرير وظل يحدق بآسى على الحال الذي أمسيت إليهـ

( هل تتألميـن ؟ ) تأملني بسكون ، فتسائلت كيف عرف

( أنا بخير ) نكرت ذلك بشجاعة تامة ، أخفيت بإحترافية ألمي عنه كما كنت أخفيه عن أليكس ،لكنه بشكل ما تردد في تصديقي

أزاح شعري عن وجهي فلاحظ الدموع التي أكبتها على حافة عيني ( عليكِ ان تفهمي أنني أخر شخص قد يؤذيكِ ، إنها الحقيقة ، أليكساندر قد يكون مراقب الان لكن حين تتحسن الأمور سيتصل بي وسأخذك لترينه ، ليس عليك أن تقلقي أبدا .. أنا سأهتم بك )

( أريد النوم ..لو سمحت ) بصعوبة تحدثت بدون ان اتأوه واصرخ ، يظنني هربت من أجل ذلك ، والحقيقة أني لا اتخيل أن أقضي بقية أيامي كلها مجبرة على الاكل والدواء وجلسات العلاج

( طبعا .. سأضع الغطاء عليك لكي لا تبردي )

أمسكت يده التي مدها نحوي في الهواء ورميتها له بطريقة جعلته يشعر بالإهانة مرة أخرى

( سأكون في الصالة ) تجاهلته لأن كل تركيزي كان إلى متى سأحصر الألم بداخلي ، فأردف وكأنه مجبر ( إن إحتجتني نادتني .. لا تترددي )

حين أغلق الباب سمحت لألمي بالظهور ، ضغطت على خلفية ظهري بقوة متمنية لو كان الضغط ينفع ، أشعر بعروقي تدق ألما تحت جلدي الشفاف ، أقطع أنفاسي بقدر ماأستطيع ثم ألهث مثل الكلب ..لا يختلف حالي عن المرأة التي تعاني من المخاض ، أشعر البرودة فتبدأ أطرافي بالإرتعاش باحثة عن الدفئ ، أتلوى وأتجمد ..

أنا في ألم شديد ..إنه يؤلم ياربي ..إنه يؤلم

إنحنيت على ركبتاي وضعت رأسي على الأرض أكافح لأتنفس، أمسكت قلبي الذي صرت أسمع ضرباته تتزايد ، واشعر به يتضخم في صدري ، أشعر أن أحدهم ينحت بداخلي ، وكأن هناك وتد مغروس في ظهري ، إنه مؤلم بحيث صارت قدماي تتخبطان وكأنني بين أمواج هائجة أغرق في عمق المحيط

ياربي ساعدني .. ياربي .. ساعدني أرجوك

القوة تركت جسدي ، فقدت حواسي .. لم أعد أسمع ..وتضببت الرؤية كليا ، لا أستطيع التنفس لأن ذلك يزيدني عذابا .. الألم كان الوحيد الذي لازمني معلنا أن جسدي مايزال متشبثا بالحياة ، وروحي تصعد وتنزل عالقة بينه وبين الموت ..

أنا أعيش مع موتي منذ سنوات ، وعدوي الوحيد أصبح الوقت ..والسؤال المطروح هو متى ؟

متى ستتحرر روحي فعلا ؟ أن ينقطع أخر خيط يربطها بهذا الجسد الذي تآكله المرض وبدأ يتحلل قبل أن يصل إلى تحت الأرض

أغمضت عيني وتقبلت الأمر الواقع ، سأتألم حتى أفقد وعيي ولن أصرخ ولن أبكي ، لاأعرف كم من الوقت مر ، لا أعرف ماإن كنت نمت أو فقدت الوعيي ، لكن الألم قد خف وعاد تنفسي لإيقاعه الطبيعي

جلست ببطئ فلاحظت قدماي المنتفختان مثل بالونة ، لم تعد جواربي تخفي ذلك التورم ، بدأ التورم يتسرب ليدي اليسرى ..توقفت عن محاولة إمساك الاشياء بيدي اليسرى فمفاصل أصابعي تؤلمني حين أطويها ..وأحرص أن أخفيها داخل كم قميصي طوال الوقت

سرت بخطوات صامتة وألقيت نظرة على الصالة الضيقة فرأيته جالس على الكنبة يكتنفه الظلام

توجهت بهمس إلى المطبخ وهو لم يشعر بي بعد ، فتحت الحنفية بهدوء شديد ووضعت الكأس ليمتلأ بالماء ..ثم أغلقتهاَ وشربته كله

أردت المزيد فملأت الكأس مجدداً وبمجرد أن إلتفت حتى وجدته يقف هناك يضع يديه في جيوب سرواله بتسلية

( هل أصبحتِ هادئة مؤخرا ؟ أو فقط تحاولين تجنبي ؟ )

إحتفظ وجهي بجموده مثل الجندي ، وضعت كأس الماء على الطاولة وتوجهت للصالة متجاهلة إياه

غيرت قناة التلفاز إلى أحد الأفلام ورحت أتفرجْ وكأنه ليس هناَ

( هل أنتِ بخير ؟ ) أراد أن يطمئن ملاحظا حالتي المثيرة للشفقة ، إن شعري في فوضى عارمةوهذه السترة الصفراء الباهتة تشجع على إظهار شحوب وجهي ، والسواد المحيط حول عيني ، ابدو كأنني هربت من إحدى أفلام تيم بورتون

فقلت بإستخفاف ( عدى الجزء الذي أحتضر فيه .. أنا أعيش الحـلم ! )

رقق صوته ليجعله مأساويا ( هذه أول مرة تنفصلين عن عائلتك ، حدث الامر بسرعة وبشكل مفاجئ لك ..لا تحزني ، قد تشعرين بالتعاسة وبوحشة في يومك الأول ، لكن بعد مرور أيام قليلة ستتعودين هنا ..)

صمت حين قمت بتفجير بالونة العلكة في فمي أدرك أنه يتحدث مع الجدران ،وراقبني أقلب محطات التلفاز خلال الإشهار لأرى مايعرضون في القنوات الأخرى ، امدد ساقاي فوق المائدة الخشبية الداكنة القديمة ، ليس وقاحة مني لكن لأن ركبتاي تؤلمانني حين أطويهما ، أتلاعب بخصلات شعري العابث

( أرى أنكِ تعودت فعلا ) ردد بحيرة فأدرت وجهي اليه وكأنه هو الضيف الذي يشعر بالتعاسة والانكار ، توقفت عن مضغ العلكة ورأيت الاستغراب في نظراته لأنني لم أصب بإنهيار بعد ولست أبكي امام عتبة الباب مطالبة منه إرجاعي لعائلتي

رفعت حاجباي بإستخفاف نحوه ورمقته بنظرة ساخرة ( جديا يارجل؟ ) تقلبت عيناي بعدها بسئم مجددا نحو التلفاز

وضع يده على خده وراح يحدق لي طوال عشرة دقائق، لم ينزع عيونه عني ولو لثانية ظنا منه اني لا اراه ، فتسائلت في قرارة نفسي إن كان قد أدرك أخيرا الامر الذي ورط نفسه به ..

بعد ربع ساعة صار الأمر يزعجني، أجد صعوبة في التركيز على أحداث الفيلم ، لذلك أخفيت جانب وجهي بشعري الأشعث ، ورأيته من زاوية عيني يخفض عينيه بضيق كأنه كان شارد طوال المدة الوقت والان استفاق من كابوس

( رافقيني للمطبخ ..حان وقت العشاء )

بقيت جالسة مكاني أتجاهل وجوده بالكامل فهمس ( حسنا ..سأحضره لك هناَ )

عاد بسرعة ووضع لي فوق المائدة لحم وعصير وتفاح ، في صينية صغيرة ، شعرت بالخجل الشديد لأني أكلفه ماله ، بالإضافة لوقته وجهده

( أشكرك لكن هذا كثير ..لست جائعة ) تنهدت بداخلي محاولة ان اجعل صوتي لطيفا بقدر ماأستطيع

( قولي ذلك لأليكساندر وليس لي ) حمل الشوكة والسكين وراح يقطع اللحم لقطع صغيرة ثم وجه لي الشوكة لفمي ( إنه لذيذ .. ثقي بي)

ليت الامر كان يتعلق بالمذاق !

بقيت أغلق فمي وهو لم ينزل الشوكة وراح يقوم بحركات دائرية بهلوانية بها أمام وجهي ليشعرني مجددا أنني طفلة

( هيا كلي .. يجب أن تتناولي كل شيئ فلا يعقل أن أرمي كل هذا ، لاأحب التبذير )

فتحت فمي لأخذ نفسا فأقحم الشوكة بسرعة قبل أخذ النفس اللعين وحمل قطعة أخرى قبل أن امضغ التي بفمي

أجبرني على الاكل وأنا لا استطيع فشعرت بموجة غضب نحوه ، أمسكت تلك الشوكة ورميتها في الأرض ثم دفعته بقوة بقدمي التي سمعتها تصدر صوت طقطقة

( أف ، أساسا أجلس هنا على أعصابي داخل قبو القتلة المتسلسلين ، ستكون أيام طوال عليا وعليك فلا تضغط عليا ودعني أحظ بالسلام او سوف ازعجك )

إستجمعت انفاسي وسمعته يهددني بحدة خافتة ( إياك أيتها المشاغبة الصغيرة أن ترفعي صوتك عليا مجدداً أو قدمكِ .. إياكِ ، وهذا المكان البائس هو كل مالديك الأن ، فلا تتصرفي وكأنه لك خيارات أخرى متـاحة )

أمسك يدي بقوة وسحبني لأجلس بجانبه ثم حمل قطعة اللحم بالشوكة ووجها لفمي لكني كنت أخف منه فخطفت تلك الشوكة بسهولة ووجهتها لوجهه مستعدة لأنحت له ندبة جديدة لن تاتيه لا على بال ولا على خاطر

( لا تـضغط عليا أيها المزعج ..لا تضغـط ) رميت له يده متعمدة أن أتظاهر بالإشمئزاز ( هل تنحصر شجاعتك بإرغامي على الأكل ؟ هنا تنتهي جرأتك ؟ لمن أقول هذا على كل حال .. فقط دعني أتناول أدويتي اللعينة وأذهب للغرفة البائسة )

أعطاني الدواء مندهشا من طريقة صراخي عليه وتلميحاتي الغامضة ،فتناولته وركضت للغرفة وهو لحقني بعد لحظات

سألني بنبرة ثقيلة ( إذن ماكنزي هل تريدينني أن انام هنا بجانبك؟ أو فوق الكنبة ؟ )

( نم في الجحـيـم ) قلت بعصبية وانا اخفي وجهي تحت الوسادة

ارتفع حاجبيه للاعلى بعصبية ، قال على النقيض بنبرة هادئة ( الكنبة إذا ..إن إحتجت لشيئ ناديني .. لاتخافي من الظلام فأنا قريب منكِ ..ليلة سعيدة )

رفعت وجهي الغاضب وقلت بشراسة ( أساسا من أخبرك أنني أخاف من الظلام .. ماذا أبدو لك هنا طفلة خوافة ، سأجن حقا ! )

أشتعلت بالغضب فصرخت بقوة ( أخررررررج )

حين وصل للباب تركه مفتوحا مثلما كان يفعل أليكس .. ظنا منه انني اخاف من الظلام رغم انه لم المح له باي شكل من الاشكال بذلك

إستلقيت في منتصف السرير ورحت أحدق في السقف بشرود حتى لو كان هناك ضوء فهو خفيف جدا والظلام هو المسيطر

لقد إشتقت لعائلتي

في هذا الوقت إعتاد أرون ان ياتي ليستلقي بجانبي ويحكي لي ماذا حدث خلال اليوم

يحدثني عن أصدقائي الذين لم أرهم مجددا منذ تم فصلي ، وعن أساتذتي المفضلين ، كان يحكي لي حتى عن أساتذتي المستفزين ذو المزاج الغاضب ، وكذلك عن صديقتي ماري ، أحببت أن أسمع أخبارها رغم إنقطاع صداقتنا

كان يحكي لي أيضا عن مايحدث خارج المدرسة ، أي شيئ كان يقوله كان ينال إهتمامي ..حتى عن رامزي البقال ، أكثر عجوز ثرثار في قريتنا ، يملك متجر قديم متواجد هناك منذ أجيال ، عبارة عن غرفة تشبه هذه ، مكدسة بكل ماقد يحتاجه شخص مقيم في الريف من مستلزمات ، ويبيع بأرخص الأسعار ، رامزي ومتجره جزء من حياة الجميع ، ندخل إليه في الأيام الحارة ، والأيام الممطرة وحتى في الثلج ، هو دوما مفتوح من اجلنا ، يعتبره السكان كفرد من العائلة ، كلنا نعرفه من الصغير للكبير ، وهو يعرفنا جميعا ، رامزي لا يفعل أي شيئ سوى الجلوس خارج متجره طوال اليوم ويتبادل أطراف الحديث مع أي أحد يمر على طريقه ، كنت أمر عليه كل يوم لأشتري العلكة فأجده جالسا في الخارج وسط ذروة نقاشه عن موضوع ما ، فيطلب مني أن أخدم نفسي ، أدخل المتجر وأحمل العلكة وأترك النقود ، وأحيانا يكون بمفرده فيحجز لي المقعد الذي بجانبه مصرا عليا أن اجلس واشاركه فنجان شاي، لأجد نفسي أستمع لدوامات ودوامات من الشكاوي المتكررة حول ذهاب زبائنه الغدارين للتسوق من بقالية خصمه لاري ، الذي فتح متجرا راقيا واسعا بسبعة رفوف مليئة بمنتجات من كل الأنواع وبأسعار نارية وكاميرة مراقبة ، وذلك أكثر رجل سمج ، ذات مرة دخلت إليه ماري بنية شراء الشوكولاطة ، فخرجت بعلبة باستا ومكنسة وحفاضات رضع وهي في الرابعة عشر فحسب ، إنه أيضا ماكر جدا في حساب النقود لانه يخاف أن يخطأ ويعيد لك ولو جنيه إضافي، لكنه لا يكترث أبدا حين لا يملك الفكة فيحتفظ بالباقي لنفسه قائلا أنه سيعيدهم لاحقا ، ولاحقا ينكر أنه مدين لأحد !

البقال لاري سرق معظم مصروفي والبقال رامزي سرق وقتي حيث كنت أدخل متأخرة للحصة ، ثم المرض سرق صحتي فلم أرهما منذ سنتين ..

كنت أحب سماع أخبار الجميع حتى المملة منها ، حتى لو كانت نفسها تتكرر كل يوم

احيانا كان أرون يغفو بمنتصف الحديث من التعب

الأن إنتهى بي الامر وحدي .. مع أصوات مريبة تصدر من الخارج ..مثل ..صرخات إمرأة مكتومة ،بكاء أطفال ، غناء الأشخاص السكارى ..ونباح الكلاب الهائج

انا حتما في زقاق القتلة المتسلسلين

مرت أربعة أيام فعلا بدون أن أرى عائلتي ، كل ماحدث لي أنني تعرضت للتعذيب حين أخذني رغما عني للمستشفى وتركني تحت قسوة تلك الالات ، حيث ينخفض ضغط دمي ، أشعر بالغثيان والصداع ، وتشجنات مزعجة ، وأرى أوردتي المتضخمة تظهر بشكل بارز على جلدي ، لأني قمت بعملية جراحية في يدي لأحصل على ناسور لتسهيل غسيل الكلى ، أتجنب النظر ليدي بقدر المستطاع ، واتجنب لمسها لأني أستطيع سماع هرير الدماء ينتقل من الشريان إلى الوريد وذلك يجعلني أقشعر ، لكنه أفضل من تلك المرة التي ركبو قسطرة في عنقي ، كان عذابا لا أتمناه لأحد

ثم يعيدني للمنزل ويتركني في تلك الغرفة حيث أبقى طوال الوقت بمفردي ويخرج

و اجل ..يجبرني على الأكل .. او هذا مايعتقده هو

لقد كرهته لأربعة أيـام وجعلت حياته جحيما حيا والأن أنا راضية على النتائج ، حان الوقت لأرفع حصار غضبي عليه

أعرف أنني أخطأت في حقه ، هو وعدني عدة مرات أنه سيعتني بي وسيحميني

ظنا منه أني أحتاج لشخص ليحميني !

مع ذلك عاملته كأنه خاطف ورجل سيئ ، حتى أنني جعلته يكره هذا المكان لأنني أصرخ وأتذمر طوال الوقت ، وهو سئم ولم يعد يكترث بشأني ولم يعد يحدثني البتة سوى ليخبرني بأن أتناول أدويتي

نهضت باكرا جداً وإتجهت للكنبة حيث ينام هو الان

كم يبدو متمردا حتى حين ينام ، كل هذه الأوشام والندوب على وجهه وذراعيه تخبرانني أنه لم يخسر أبدا قتالا

لقد فكرت كثيرا بشأن إيقاظه ..ثم إنتظرت فحسب هنا حتى فتح عينيه البنيتين وقد فتحهما عليا مباشرة فجلس متوقعا مني نوبة غضب أخرى

( أريد أن أعتذر لأنني صرخت عليك ، دفعتك وركلتك وهددتك ، لا أكرهك و لا أريدك أن تبقى مستاءا مني رغم أنني تعمدت أن أعاملك بطريقة فظة طوال الأربعة أيام الماضية، ماحدث هو جزء مني أراد لومك على هذا الزواج الغير منطقي ،لكنني تجاوزت غضبي الأن وأدرك كليا أنك فقط فاعل خير ، أعني أنت لست مجبر على تحملي حتى ، وأنا أعرف أيضا أن التواجد هنا هو خياري الوحيد المتاح وأعتذر إن جعلتك تظن أنني أطالب بمكان أفضل ، أنا ممتنة جدا لك على كل ماتفعله لي )

فتح ذراعيه هامسا بنبرة ناعسة ( لابأس ) منتظرا مني أن أرتمي في حضنه ، عينيه كانتا شبه مغمضتان ، وأهدابه متلاصقة

شعرت بالإستياء فإرتفع صوتي بدون سيطرة ( لا يعقل ياإلهي ..انا احاول التصالح معك وانت تحاول إستغلال الفرصة )

( إستغلال الفرصة؟! ) كرر بدهشة وكانني اهنته ،فتح عينيه عليا بشدة ليقذفني بنظرة هائجة من الغضب ، شعرت أنه تمثال زيوس بصلابة جسده وقوته
كرهت كم هو قوي وكم انا ضعيفة ..كم يجعلني مجرد وقوفه بقربي ابدو ضعيفة مثل الاوبوسوم

لا أعرف كيف لكن نبرته المستاءة صارت حنونة بكل لا يوصف وهو يقول بصوت خافت ( أنا أفهم أن ماحدث لك غير عادل ، لكن أنت تلقين بكل اللوم عليا كأنني أنا الذي أذيتكِ في حين أنني أرغب بمساعدتك فقط)

( أنت كررت ماقلته لك للتو ) إحتفظت بهدوئي حين وضع أصابعه فوق وجهي ويده الأخرى فوق كتفي

إزدادت قبضته على كتفي ، وراح يداعب وجهي فزدادت خفقات قلبي معلنة حالة طوارئ

قال بإهتمام غريب ( حسنا لم يحدث شيئ ..لا تبكي .. هيا دعيني أرى إبتسامتكِ الجميلة )

جعل غضبي يغلي فقلت بتهكم ( أبكي !! هل أبدو لك مثل طفلة بكاية )

فجأة عادت ملامحه المتمردة لتسيطر على وجهه المغرور (هل تبحثين عن هذا الشيئ ؟ )

رفع ملقطي في الهواء بتحاذق فتراجعت للخلف ووقفت بطريقة دفاعية

صرخت أعلى لدرجة صوتي خدش حلقي ( إن كنت تعتقد الان أني بقيت بدون دفاع عن النفس فأنت مخطأ يارجل .. أقسم بالرب ، سأضربك بشدة لدرجة أوشامك ستختلط ببعضها ..لا تستهن بي ، لدي قبضة حديدية ..سألكمك بقوة على وجهك بحيث ستظن أنني فعلت ذاك بفأس )

عوضا أن يتراجع لمعت عينيه بمتعة ( متوحشتي ) إبتسم بإعجاب لم اجد تفسير له ، ام أنه يسخر مني

لأني تجرأت مجددا على تهديده ، ولأنني أحتفظ بملقط أسوء ماقد أصيبه به هو جرح ورقة

لا أستطيع التصديق أنه يسخر مني

طغى التمرد على وجهه فجأة ( لابأس ..ان كان هذا الشيئ يجعلك تشعرين بالأمان مني ..خذيه )

أمسكت الملقط فأدركت كم كان تافها امام جسده الجبار ، فرميته بعيدا بسخط ( لا أحتاجه لأسقطك أرضا .. أحاول مصالحتك فماخطبك ؟)

( أنت محقة ..أنا أعتذر منك )

أومات بثقل فوضع يده خلف ظهري ودفعني برفق الى المطبخ لأقوم بأول خطوة ، فشعرت به يمشي خلفي بكاريزما طاغية

وبمجرد دخلت حتى قام بإمساك يدي مجددا و جعلني اجلس على هذا الكرسي اللعين كأنها أول مرة أجلس

يا إلهي إمنحني الصبر

حين رأيت العصير والحساء أخبرته بهدوء مزيف ( تصالحنا للتو ، لكن طبعا كان عليك أن تفسد ذلك بنفس الموضوع الذي سنفتح به شجارا جديد أليس كذلك ؟ )

كم يبدو ضخما في هذا المطبخ الصغير ، وضع يده فوق خصره وفتح عينيه بإتسعاه حيث إلتصقت أهدابه بحاجبه ( كيف ستتناولين دوائك ومعدتك فارغة ؟ )

( نصفه فقط ) فاوضته لاني لم اعد في مزاج للمزيد من الشجار .. اشعر بالتعب ، وبنقرات الألم خلف ظهري فخفت من نوبة أخرى

( حسناً ..نصفه إذن ) وافق ولم يضغط عليا مثل العادة .. هو إكتفى بالجلوس بصمت غامض

أخفضت رأسي بإكراه نحو الصحن المليئ بالأرز ورحت أمضع لوقت طويل بدون أن أبتلع ، حين طال صمته أرغمت على إستراق نظرة نحوه لارى فيما هو شارد ، إنه ينظر لي ! .. شعرت بالحر يتصاعد لوجنتاي رغم برودة المطبخ فسحبت شعري على وجهي

أرى الإمتعاض في عينيه ، إنه ينظر لي كأنني من أحضرته هنا وأجبره على أمور معينة لا يريدها

رأيت عينيه تستقران على يدي اليسرى المخبئة داخل كم قميصي فأخفضتها تحت الطاولة ، تعابير وجهه لم تكن مقروءة الأن، رغم ان هذه الطاولة التي تفصلنا إلا أنه غفلني حين وقف وإنحنى لي ، نظر عن قرب لعنقي، ثواني حتى شعرت بأصابعه تمر على جلدي

( أصبتِ بطفح جلدي ) إرتفع حاجبيه بقلق ، تنهدت بداخلي بقوة ( يا رجل العصابات )

( نعم ) رد بعفوية ثم هز وجهه بتفطن متأخر ( ماذا قلتِ ؟)
هزيت وجهي بمأساوية ، ففهم أني إنزعجت من قربه ولمسه لعنقي ، تراجع ليجلس مكانه بوجه لا يخلو من القلق

( إنها لدغة باعوضة غالبا ) كذبت فهز وجهه غير مصدقا ، وهذا أيضا لم يخدعه ، باغتني فامسك بيدي اليسرى ورفع كم قميصي

فذعرت حين قارنها مع يدي اليمنى فكان الفرق واضح جدا ،والإحمرار منتشر على كليهما ، رفع عينيه لي بغضب ( آه منكِ ياماكنزي آآه )

(حسنا ، جسدي يتأكلني ، ليست لدغة باعوضة، هذه طفوح جلدية بسبب مرضي ، وهي منتشرة في يدي ، ظهري وبطني وقريبا ستنتشر في بقية وجهي ايضا )

مسح وجهه بعدم تصديق، هز رأسه بخفة بتعاطف ( آسف جدا ..أنت تعانين بصمت بمفردكِ ) تراجع بالكرسي للخلف كأنه لم يستطع التنفس حزن جدا من أجلي

( لا تشعر بالأسى من أجلي ، أنا لست معارضة على مرضي ، لم أقل أبدا " لماذا أنا" ، لم أشكو أبدا منه ، لا يمكن أن أكون منافقة مع أحد ، فكيف مع الله ، هل لابأس أن يعطيني عيون لأرى بهما ، وساقان لأمشي ، لكن ليس مرض ولا ألم ؟ هذه هي الحياة ، لست أول فتاة ستنتهي حياتها في هذا الوقت المبكر وبهذه الطريقة ، على العكس أنا ممتنة له كثيرا ، أعطاني فرصة لأكون جزء من هذه الدنيا ، ووضعني وسط عائلة محبة ، ومنزل جميل ، أعطاني أخ حارب كثيرا من أجلي ، ليس الجميع محظوظ مثلي ، أعطاني الحب مجانا وإن أراد أن يأخذني ..فلابأس )

أخفض رأسه كليا للأرض ، وقدمه لم تتوقف عن الإهتزاز تحت الطاولة ( أنتِ تحزنينني ) رفع عينيه الحمراوين بحدة ( سوف تعيشين حتى تصبحين مسنة مزعجة )

إبتسمت لأخفف عنه حزنه ، وبعد أن أنهيت نصف الصحن خرجت من المطبخ متجهة الى الغرفة ..فأوقفني صوته قبل أن أدخل

( أنت تحبـسين نفسك طوال اليوم في تلك الغرفة ، تعالي وإجلسي معي ، يعرضون فيلما جميلا الليلة )

لم أرفض الدعوة لأني ضجرت فعلا ، جلست في حافة الكنبة وإغتنمت الفرصة لأسأله ( ألم يتصل بك أخي بعد ؟ )

( لا )

ترى هل هو يقول الحقيقة ( غريب )

( أجل ..وهذا لا يعني أنه نسيك ، إنه يعتمد عليا ويثق بي تماما كما أريدك أن تفعلي )

إقترب مني حتى قطعت أنفاسي ، ولم أستطع التحرك، إلتصقت بظهر الكنبة بينما صار صدره ملتصقا بي ، وذراعه تلتف حول خصري ، شل جسدي عن الحركة فحذرته ( إبتعد عني حالا أو سوف أضربك بقوة بحيث ستخرج يدي من خلفية رأسك ..لا تغامر بوجهك )

إبتعد لا إراديا عني وكانه حقا تلقى الضربة ( أكلتني وبلعتني ، أبحث عن جهاز التحكم فحسب ولا أنوي شيئا مما في بالكِ )

مددت يدي خلفي فوجدت جهاز التحكم فعلا ، هو لم يكن يكذب ، شعرت بالحر مجددا يتصاعد لوجهي ( أريد النوم ) أعطيته الجهاز ووقفت مرتبكة

قال بعصبية ( أنتِ تنامين كثيراً )

( ماذا تريدني أن أفعل مثلا ؟ أغطس في جاكوزي وأغني الراب .. كأنك لا تعرف أنه من تأثير الدواء )

( أعرف .. أسف ) فجأة حدثني بحنان خبيث ( هل تريدين ان أرافقكِ ؟ )

( مثلا إلى اين ؟ المريخ ؟ كلها خطوتان ) كنت وصلت للغرفة حين أنهيت جملتي لأثبت وجهة نظري

ولكنه لحقني .. تسارعت نبضات قلبي حين وقف عند الباب قائلا ( لقد مللت بمفردي ، أرجوك ماكنزي ..تعالي وإجلسي معي)

إقترب و حاول أن يمسك يدي ( مارأيك ان نبقى معا في الصالة..ونتحدث ؟ )

تذمرت بضجر ( نتحدث عن ماذا ؟ )

( عنكِ ..هيا تعالي ) جعلني أقوم بدون أن يبذل أي مجهود وفي الصالة ظل كل شيئ مغلق وحتى التلفاز مطفأ

( أنت تعرف كل شيئ عن حياتي المتواضعة )

( أحقا!؟ ) إبتسم بتمرد أو أيا كان ذلك التعبير الشقي الملتصق دوما بوجهه والذي جعل ماري تعشقه من أول نظرة ( ليس كل شيئ ..أنا لا أعرف بعد ماهي هوايتك المفضلة بالإضافة للنوم )

تخيلت عن حذري وشرعت أحك عنقي بهوس ( أخبرتك أنني أنام بشكل متواصل بسبب تأثيرات الجانبية للادوية التي ترغمني على أخذها )

شرحت له فاومأ متفهما ( نعم ياعزيزتي .. أعرف ذلك ) ونظر مجددا بأسى لعنقي وكيف أكاد أقتلع جلده لانني اكشطه ، أمسك بيدي برفق وأبعدها عن عنقي، ثم إنتبه لقدمي التي احاول حكها على حافة الكنبة بهوس ، خفت أن يرى التورم البارز من خلال جوربي أيضا ،قد يتغاضى عن طفح جلدي لكن تورم في يدي وفي قدمي ، كل مافكرت به هو أنه سيخبر أليكس ، أخر شيئ اريده هو ان يعرف اخي ان جسدي بدأ يمتلأ بالسموم..فشتت تركيزه بصراخي ( من مات وجعلني عزيزتك )

( أأنتِ خجلة مني؟ ) إبتسم بخبث وهو يمرر أنامله فوق عنقي محاولا أن يفرك برقة فوق طفحي الجلدي ، وكأنه يمرر قطنا مكان الحكة وأنا أحتاج لشوكة حادة أو مخالب ذئب.. لكمته على صدره لكمة جعلته ينحني
أخذ نفسا عميقا حيث إبتعد عني ليجلس فوق الكنبة ، لكي لا يؤذيني وبقي يضع يده فوق صدره اين لكمته ..

ليس ذنبي ..أخبرته اني املك قبضة حديدية

هو الذي سأل على ذلك

( إسمعني جيدا ، لا تضغط عليا ولا تلمسني ، أو أقسم أنني سأهرب ولن تجدني أبداً)

فضحك بسخرية ( أود رؤيتك تحاولين)

فتحت عيناي بإتساع غير مصدقة أنه يستهين بي ( جديا .. )

قال بعدما أدرك أنني لست أضحك معه ( إياك ..إن هربت ساجدك بسهولة وسأعاقبكِ )

( تعاقبني أنا !! .. خفت كثيرا .. أود رؤية ماذا ستمنع عني مثلا ، أيها المزعج ) حملت الوسادة الخفيفة ورميتها على وجهه

( مجنون ، مختـــال ، ثعبان أسمر متغطرس ) حملت وسادة أخرى وضربته بها بعنف لأنها ثقيلة وكأن فيها أحجار ( أنت حاول وسترى كيف سأجرك من شعرك مثل الممسحة أمام كل هذا الحي )

( كان لدي هيبة فيما مضى ) تمتم وهو يهز وجهه بإحمرار فضيع من عدد الإهانات التي يتلقاها مني

قلت مهددة ( لست جبانة لأهرب ، ببساطة سوف أطعنك في عينيك )

( كوني فتاة مطيعة وسيكون كل شيئ على مايرام )

لم تمر ثانية حتى مد اصابعه مجددا محاولا ان يمسك بيدي التي اخفيتها داخل كم هذه البلوزة تحسبا ، فعنفته ( قلت لك لا تلمسني ..جديا يارجل ..لا تلمسني )

قال ببؤس كأنه يتصارع مع نفسه ( أنت تعذبينني ماكنزي ..هل تعرفين ذلك حتى ؟ )

( أنا لست أسفة على ذلك ، قلت لك لا تتزوجني ..إنه خطؤك كان يجب أن تتركني عند أخي ..والان تعذب بي )

زم شفتيه ونظر لي بطريقة ساخرة ثم نهض هامسا ( انتِ ليس لديك اي فكرة لعينة عما أتحدث ، وقت الدواء )

( أنت تذمرت للتو بسبب نومي طوال الوقت ..إن أردتني أن أبقى معك فعليك أن تلغي الدواء .. )

راوغته فأمسك بعلبة دوائي قائلا ( هذه تبدو فكرة مغرية ..لكنني أفضل صحتك على كل شيئ أخر ، تفضلي )

تناولت دوائي وأنا أحاول كبت دموعي لانني دوما مرغمة على أشياء لا أريدها .. لطالما أرغمني أليكس بحجة أنني طفلة ولا اعرف مصلحتي والان دوغلاس يواصل مشواره ، حقا جزء مني ممتن له ، جزء مني يرغب بلكمه على كل وجهه

أمسكت بجهاز التحكم وقمت بتشغيل التلفاز ، بقيت أضغط على الزر الاحمر لكنه بقي مطفأ ( لااا ) خفت جدا ان يكون قد احترق نظرا لشكله العتيق

( لاتقلقي ، لعلها الخيوط ، سأتحقق من الكابل ) وقف بجسده المتين أمام الموقد ، وراح يتفقد الخيوط في الخلف ، يبدو لون شعره البني فاتحا وضوء المصباح ينعكس عليه ، رائحته التي مثل نسيم يوم مشمش جميل منعش تستحوذ على حواسي ، وحركاته العصبية تعجبني

فجلست بحذر على حافة الكنبة ، وإغتنمت فرصة أنه يلتفت للتلفاز لأنظر إليه ، إنه كمـا هو ..راكب الدراجة المتمرد الذي عشقته كل فتاة في مدرستي بدون علمه

مازلت اتذكر كل لقب حاز عليه من طرف بنات القرية ، مثل : المتمرد الوسيم ، راكب الدراجة المثير ، الولد السيئ ، آسر القلوب

إعتاد أن يأتي بدراجته النارية التي نسمع صوتها المشاغب قبل وصولها ، فيركضن البنات نحو النوافذ ليراقبنه

وأنا أيضا كنت أسترق النظر إليه كنوع من الفضـول ، كانت عيونه مثيرة مصممة على النظر بشراسة ، تخطف أنفاس البنات ، يتحرك بطريقة متغطرسة وكأنه يعرف أن جسده يربك نبضات البنات ويفقد ثقة الشبان حوله ، كن يتغزلن به بأجمل الكلمات وأكثرها جرأة فيمابينهن ، في الأروقة يحاولن بكل الطرق نيل إنتباهه عن بعد ، حتى أن صديقتي ماري كانت تأتي بتنورة قصيرة يوم الأربعاء وتضع أحمر شفاه فاضح وفي يدها رسالة غرام

لكنه لم يكن يرفع عينه لهن قطْ ، كان يملك هيبة مخيفة لدرجة لا واحدة منهن تجرأت أن تعترف لـه

كان يوم الأربعاء غريبا لي ، لأنه صديق أخي المقرب ، ولم يكن منطقيا لي أن أتغزل به مثلهن، كنت أراه مثل أخي ، وقد كان يعتريني سؤال واحد فحسب ، مالجحيم الذي كان يفعله هناك كل أربعاء

ماري حتما ستموت من الغيرة إن عرفت أني أصبحت زوجة راكب الدراجة المتمرد المثير ، سوف تكتئب

( كنت تتردد إلى مدرستي كل أربعاء ) قلت فدحرج عينيه نحوي غير متأكد أنه سمع صوتي أو تخيله

همس ( صحيح ) وإرتبك بشكل واضح

( هل كنت تترصدني ؟ ) وضعت كلتا قدماي فوق الطاولة بسخرية ، رفع رأسه بحدة ( لا ) وإزداد إرتباكه بغموض

( ماذا كنت تفعل هناك عدى محاولة رؤيتي ؟ ) تفطن أخيرا للسخرية في صوتي ووجهي فشعر بالإستياء ( إلى ماذا تلمحين ؟) سالني بعدائية بريئة

( أنت أدرى ) لم أدرك حتى الان أن ماري كانت محقة حين وصفته ، إنه مثير جدا لدرجة حبس الأنفاس

قال بسلاسة ( كنت أقدم خدمة لقريبي بإيصال الأوراق والحبر ، لم أرك قط هناك )

( رأيتك كل أربعاء ) توترت حين تسمرت عيني على عينيه ولم أستطع النظر لمكان أخر

( لم تأتي أبدا لتلقي التحية ) توقف عن التحرك منتظرا مني جوابا

( لم أجد الفرصة ) كذبت ، كان يتجاهلني مثل الجحيم في كل مكان ، فأريته مستوى جديد من التجاهل ، حتى تلك المرة ..التي تركت في بالي سؤالا لم أجد له جواب بعد

لم أرد مواصلة التحدث في هذا الموضوع فتسللت إلى الغرفة لأتمدد ، لاحقا تلك الليلة كدت أن أغفو حتى سمعته يتحدث على الهاتف

سرت بهمس حتى وصلت للباب ووقفت بهدوء لأسمعه يقول على الهاتف ( ليتك أخبرتها بالحقيقة ياأليكس ، لقد جعلت حياتي صعبة الان )

وبمجرد أن سمعت إسم أخي حتى خرجت إليه ، أحرقني إشياقي لعائلتي ولأخي ،خطفت الهاتف منه بعنف فتسببت بخدشه ، أردت فقط سماع صوت أخي لكنني تجمدت من نظرته الخطيرة حيث وضع أصابعه فوق عنقه ورأى الدماء

حرفيا تجمدت مكاني وبدأت أجراس الحذر تدق في أذني

( دوغلاس هل تسمعني ؟ ) تجاهل الرد على أخي وتقدم لي وهو يقطب جبينه بعنف فسقط الهاتف من يدي

أخذت بضعة خطوات إى الخلف حتى إصطدم ظهري بالجدار ، وإستعدت للقتال

حمل الهاتف وتقدم نحوي حتى حشرني في زاوية الجدار ، عيناه تشتعلان غضبا الان

( أتصل بك في وقت أخر أليكس)أغلق الخط وألقاه على الكنبة وقبل ان يحاول لمسي إتخذت وضعية قتال

( إن لمستني تموت )

لكم الجدار بقوة حيث أحدث فيه ثقباً فشعرت بالألم مكانه ، دموعي كانت تنزل مثل الامطار ليس لأنني سمعت صوت أخي ..بل لأني لست معه الان

( حسنا لا تبكي ) مسح لي دموعي متجاهلا تهديدي كالعادة فضربت يده ودفعته بجسدي

شد قبضته بعنف في الهواء ثم إلتفت وضغط على كتفي برفق ليمنعني من العودة إلى الغرفة ( ظننتك نائمة ولهذا لم أشأ إيقاظكِ .. لاتظني أنني لم أردك أن تكلمي أليكساندر )

( لا تلمسني ) منعته فمسح دموعي ضاربا تحذيري في الجدار( هل تفعل هذا عمدا لتستفزني او انك مجرد غبي ولا تفهم .. إبتعد عني ولا تـ لـ مـ سـ ني )

جعلته يغضب مجددا لحد الإرتعاد فإبتعد عني نحو الكنبة وبقي يدور في حلقات محاولا أن يسيطر على غضبه ، لكن عينه لم تفارقاني ، أرى أسرار تطفو فيهما ، يحاول دفعهم لأعماقه ليخفيهم عن الجميع ، أسرار يجعلونه يشرد طوال الوقت ، هناك مؤامرة تحدث خلف ظهري بينه وبين أخي ، لن يكون إسم ماكنزي إن لم أجعله يعترف الأن

شبكت ذراعي لصدري بتغطرس ، وجهت إليه نظرة مستفزة ( منذ وصولنا هنا ، شعرت أنك تخفي عني سرا ..وتتشوق لتخبرني )

( هل ترغبين أن تعرفي حقا ؟ ) رأيت عيناه تحمران ، إتجه لي كمستذئب هائج ، وأنا كنت مثل القمر المكتمل الذي أصابه بالجنون ، دس أصابعه يده داخل شعري المبعثر، ورفع وجهه له بعنف ، خشيت جدا أن يقول أن أليكس كذب عليا وأن هذا الزواج حقيقي ، سوف أنهار أمامه إن كان أخي حقا تخلى عني في أخر أيام حياتي

ظهر خط صارم بين حاجيه ، وحرارة كبيرة تتصاعد من جسده ، وأصابعه تشد شعري بقوة وتكاد ترفعني أكثر لوجهه

(واضح أنك تحبس أنفاسك شوقا لتخـبرني ) حرضته بطريقة مستفزة ( إعتــرف .. أخـبــرني )

مال بوجهه لليمين فإختفت نصف تقاسيم وجهه في الظلام ، بقي يحدق فيا بعيونه البنية الفاتحة بلون غروب الشمس الدافئ اللتان تهمسان بالكثير من الكلمات

صرخت ( إعــترف )

قضم شفته السفلى بلهفة ودفعني إلى الجدار، بدون أن يفلتني ، ضاقت عينيه كما لو كان يتألم ، وقال ( أحبكِ )

شدني إليه بضعف راغبا أن يضمني ، لكنه تراجع في أخر لحظة فدفعني إلى الجدار مجددا صارخا بإحتراق ( أنا أحبكِ ، اللعنة ! )




التعديل الأخير تم بواسطة ebti ; 24-02-21 الساعة 08:29 PM
اوديفالا متواجد حالياً  
التوقيع
“I stretch truths where I see fit. I’m a writer”
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة

الانتقال السريع


الساعة الآن 10:57 PM



Powered by vBulletin® Version 3.8.9
Copyright ©2000 - 2021, vBulletin Solutions, Inc.