آخر 10 مشاركات
تحميل الرواية النادرة جدا المنبوذ - جورج سيمنون (الكاتـب : ahmad2006771 - )           »          نجوم عشقك لفظتها سمائي (الكاتـب : الكاتبة الزرقاء - )           »          بحجم المسافات(100)-قلوب خيالية للكاتبة Hya Ssin[حصريا]*كاملة ومميزة* (الكاتـب : Hya ssin - )           »          رواية كارمن - بروسبير ميريميه - روايات الجيب (الكاتـب : ahmad2006771 - )           »          حَمَائِمُ ثائرة! * مميزة * (الكاتـب : Lamees othman - )           »          الرواية الثانية بقلمي..أسألك الرحيلا.. *مميزة ومكتملة* (الكاتـب : sweettara - )           »          فِي قَلْبِكَ مَنـْـفَاي (الكاتـب : Hya ssin - )           »          في لهيبكِ احترق (الكاتـب : شيماء_يوسف - )           »          سيمفونية الجليد والنار (117)قلوب غربية -ج3 أسرار خلف أسوار القصور - noor1984*المقدمة* (الكاتـب : noor1984 - )           »          [تحميل]زواج من أجل العودة ،للكاتبة/ صابرين شعبان،مصريه ،فصحى (جميع الصيغ) (الكاتـب : فيتامين سي - )


العودة   شبكة روايتي الثقافية > قسم الروايات > منتدى قصص من وحي الاعضاء

Like Tree254Likes

إضافة رد
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 23-02-21, 01:31 AM   #71

ام زياد محمود
عضو ذهبي
 
الصورة الرمزية ام زياد محمود

? العضوٌ?ھہ » 371798
?  التسِجيلٌ » May 2016
? مشَارَ?اتْي » 5,066
? الًجنِس »
? دولتي » دولتي Egypt
?  نُقآطِيْ » ام زياد محمود has a reputation beyond reputeام زياد محمود has a reputation beyond reputeام زياد محمود has a reputation beyond reputeام زياد محمود has a reputation beyond reputeام زياد محمود has a reputation beyond reputeام زياد محمود has a reputation beyond reputeام زياد محمود has a reputation beyond reputeام زياد محمود has a reputation beyond reputeام زياد محمود has a reputation beyond reputeام زياد محمود has a reputation beyond reputeام زياد محمود has a reputation beyond repute
¬» مشروبك   sprite
¬» قناتك nicklodeon
?? ??? ~
اللهم ان كان هذا الوباء والبلاء بذنب ارتكبناه أو إثم اقترفناه أو وزر جنيناه او ظلم ظلمناه أو فرض تركناه او نفل ضيعناه او عصيان فعلناه او نهي أتيناه أو بصر أطلقناه، فإنا تائبون إليك فتب علينا يارب ولا تطل علينا مداه
افتراضي


ربنا يسامحك يانوشه دا مقلب تعمليه فى جان اللى هيتجنن

احنا ماصدقنا قربنا المسافات وانتى تعملى فى اخوكى كدا

Maryam Tamim likes this.

ام زياد محمود غير متواجد حالياً  
التوقيع

رد مع اقتباس
قديم 23-02-21, 08:56 PM   #72

Mays Alshami

? العضوٌ?ھہ » 458001
?  التسِجيلٌ » Nov 2019
? مشَارَ?اتْي » 53
?  نُقآطِيْ » Mays Alshami is on a distinguished road
افتراضي عانقتني روحها

الفصل الخامس

لروحي يا وليفة الروح بتِّ الحياة
وقلبٌ بين جنباتي صرتِ له دماه
وفي محراب عشقك كنتِ له الصلاة
دعوات وابتهالات ترتلها الشفاه
أن يبتليك الله بما ابتلاه
وأن يتبع هواك في العشق هواه
فإما وصل يحيه أو هجر يكون فيه فناه


***********

في الصباح


أخذ يرمي ثيابه في حقيبته بعجالة ودون ترتيب ..
ليلة البارحة أصابه الأرق ولم يزر النوم عينيه ولا حتى لدقائق .. سيسافر إلى العاصمة هرباً من هذا الجحيم الذي يعيشه .. سيغوص في دراسته التي أهملها وكاد أن يفقد مستقبله .. وكله فقط لأجل وسوسات شيطان نفسه وأهوائها .. سيرجع إلى من أعاذوه من تلك الأهواء ..
لكنه لم يلتفت لهم ..
ومعهم سينسى خيبته التي مني بها ..
أصدقاؤه فقط هم من سيدركون الحريق الملتهب في جوفه ..
معهم ستخمد تلك النيران .. وتتحول إلى رماد سينثره بيده على قارعة العشق فيرتاح ..

دخلت أمه في نفس الوقت لتتفاجأ بما يفعله ..
أمسكت بمرفقه تديره إليها .. فهالتها هيأته المزرية من ذبول ملامحه..
وتورم جفنيه وكأنه قضى طول الليل باكياً ..
وشعره الذي لم تره يوماً إلا مصففاً بعناية وترتيب قد استحال كالصوف المنكوش ..
انقبض قلبها خوفاً وقد اعتقدت أن أمراً جلل قد حدث جعل ابنها بهذه الحالة المزرية ..
فسألته متوجسة :
" لماذا تعد حقيبتك ..؟ إلى أين تذهب ..؟ "
أجابها باقتضاب :
" سأسافر إلى العاصمة أمي "
" لم ..؟ هل حدث شيء لأصدقائك ..؟ "
سألته أمه بوجل ..
التفت يكمل ما كان يفعله .. وأجابها بلا مبالاة :
" لم يحدث شيء .. ولكني شعرت بالملل هنا وسأسافر لهم "
استشاطت أمه غضباً .. وأمسكت بمرفقه مرة أخرى وأدارته لعندها :
" ماذا تعني بأنك ستسافر لهم ..؟ "
كتم تأففه وأجابها بنزق :
" أعني أنني سأسافر بعد قليل أمي .. هل هي أحجية صعبة ..؟ "
صرخت أمه في وجهه بعصبية :
" وماذا عن اتفاقنا ..؟ ماذا عن وعودك التي أطلقتها ..
ثم ماذا عن قسمك ..؟
لقد أقسمت لي بأنك ستفرح قلبي بزواجك ..!
هل نسيت ..؟
هل هان عليك قلبي لتوجعه في كل مرة .. يا ابن قلبي ..؟ "
قالتها ثم هوت على السرير خلفها تبكي بوهن ..
ركع جان على ركبتيه أمامها وقد زادت أمه على أوجاعه وجعاً.. ليس بما تفعله .. أبداً ..
بل لعقوق قلبه ومشاعره لها .. فهو لا يستطيع ولن يستطيع أن ينفذ ما تطلبه منه في هذا الوقت ..
ليس بعد كل ما حصل ..
دناً مقبلاً رأسها تارة .. وكفيها تارة أخرى .. معتذراً يرجو عفوها ورضاها .. وقد أذنبه أن يكون السبب في بكاء أمه وأنينها ..
يتطلع بها برجاء أن تحله من وعده وتبره من قسمه لأمه ..
" أرجوك أماه اغفري لي .. اغفري وسامحيني أرجوك "
أشاحت بوجهها الباكي عنه .. نافضة كله عنها بجفاء .. موقعة إياه إلى الخلف دون رحمتها ..
" رباه "
صرخت نفسه العليلة
" إلا أمي .. إلا أمي "
استقام من وقعته محتضناً أمه .. يكاد يبكي لجفائها الذي يختبره لأول مرة .. يقسم أن قلبه لن يتحمله .. فقال مقراً بذنبه :
" أماه .. لا تقتليني بجفائك .. ولن يكون إلا ما يرضيك .. أقسم "
صرخت تؤنبه :
" لا تقسم إن لن تبر بقسمك .. لا تقسم وأنت كاذب "
" لا أكذب أماه .. وما عهدتني كذلك .. وأنت من ربيتني .. سأطيع ما تريدينه دون تردد "
" أمي .. أمي .. هاتي البشارة يا أماه "
قالتها نوشين مهللة وهي تدلف إلى غرفة أخيها .. وملامحها تشع بهجة وسرور ..
ولكن كل ذلك تبدل في الحال .. وحل محلها الفزع وهي ترى أمها على تلك الحالة .. فهرعت إليها تسأل بخوف :
" لما تبكين أمي .. ؟ ما الذي جرى ..؟ "
" أخوك يحضر نفسه للسفر إلى العاصمة .. والله أعلم متى سيعود مرة أخرى .. وأنا عجزت عن اقناعه بأن يخطب او اخطب له "
نظرت نوشين إليه بغيظ .. فأخوها الأحمق قد قرر الاستسلام بكل جبن .. دون حتى أن يتيقن مما قالته له ..
ثم أمسكت بكفي أمها وقالت ببشاشة :

" لا تحزني أمي .. فقد وجدت من ستفرح قلبه وقلبك معاً "
حدق جان فيها باستغراب .. ينتظر بقية قولها .. ماذا تقصد بكلامها هذا ..؟ من المؤكد أن لوثة أصابت عقلها بخبال ..!
فالبارحة قتلته بالخبر ..
واليوم تدعي بأنها ستفرح قلبه ..!
تهلل وجه أمه وتراقصت الفرحة في حدقتيها .. وكأنها ألقت عليها بتعويذة فرح .. وكأنها ما كانت منهارة منذ لحظات ..
وسألتها بلهفة :
" لماذا صمتي ..؟ تابعي حديثك ولا تتعبي قلبي بدورك "
ابتسمت قائلة :
" لقد وقعت عيني على عروس لا تليق بأخي سواها .. لو رأيتها يا أماه لما تركتها حتى تكون في بيت ولدك .. سبحان من صورها بكل هذا الجمال "
" من هي ..؟ هل أعرفها ..؟ هل هي من قريتنا ..؟-
لتهز رأسها تنفي قولها بنفسها – لا ليست من قريتنا فأنا أعرفهن جميعاً وأنت كذلك .. تكلمي "
أمرتها بإلحاح ..
" هي أخت فرهاد الآغا تعرفينه بالتأكيد ..؟ "
" بلى أعرفه جيداً .. لكني لم أعلم من قبل أن لفرهاد الآغا أخت على مشارف الزواج ..! "
" بلى أماه .. لديه أخت آية في الجمال .. تخرجت حديثاً من كلية الهندسة الزراعية في مدينة حلب .. وكانت تقضي جل سنواتها هناك .. وقلما كانت تأتي إلى القرية .. وفي تلك المرات كانت لا تخرج من بيتها إلا فيما ندر .. لذلك لم تعلمي بشأنها "

لمعت عينا أم جان بظفر .. فالفتاة كما تدعي ابنتها وتصفها مناسبة جداً لولدها .. ولن يلقى أية حجة لرفضها أو التنصل من الأمر كما دأب في كل مرة حين كانت ترشح له إحداهن .. متجاهلة وجود ولدها .. متغاضية عنها وجومه .. أردفت تسأل ابنتها :
" أسمراء هي أم بيضاء ..؟ صفيها لي "
" سأقول لك كل شيء وأصف لك تفاصيلها المبهرة عندما نكون لوحدنا .. فلا يجوز أن أصفها أمام ولدك وهي لا تحل له "
قالتها متعمدة في محاولة منها لتحريك ذلك التمثال الساكن ينظر إليهن بجمود .. وسرعان ما وصلت إلى مأربها .. عندما زجرها بعينيه مؤنباً دون كلام ..
والتفت إلى حقيبته يعبث بملابسه التي كان قد وضعها فيها سابقاً .. مدعياً اللامبالاة وعدم الاهتمام .. ولكن لمعة الفضول الذي رافقت زجرته .. لاحت لعيني أخته المتربصتين به .. فأردفت بمكر:

" بل سأخبرك الآن .. فقد يود عريسنا أن يسمع ما يرضي فضوله عنها ..! هي شقراء بعينين زيتونيتين كزيتون مدينتنا .. وشعر أشقر طويل ينافس قمح أرضنا بلمعانه .. طويلة كشجرة السنديان في حديقتنا .. تبدو على ملامحها البراءة .. جميلة يا أمي جميلة بشكل مبهر "
احباط أصاب ذاك اللاهي بحقيبته .. متصنعاً عدم الإنصات وكأن الأمر لا يهمه .. واختنقت الأنفاس في صدره .. فقد أحيت أخته أملاً كان قد دفنه في قلبه .. وظن أنها كانت تخدعه بالأمس ..
ولكنه سرعان ما وأد هذا الأمل في لحده .. عندما تبدلت سماء عيني من ظنها محبوبته .. بزيتون هذه التي تقول عنها أخته ..
عينيه جحظتا بذهول حتى كادتا تخرجان من محجريهما.. عندما أقرت أمه بما لا جدال فيه:
" اتصلي بصديقتك وأخبريها بأننا سنزورهم غداً لخطبة أخت زوجها "
صرخ جان محتجاً :
" أمي ..! رويدك .. كيف تقررين هكذا لوحدك ..؟ ماذا عني ..؟ "
" ماذا عنك..؟ ألم تقسم وتخبرني منذ لحظات أنك ستفعل ما يرضيني ..؟ "
" نعم أمي صحيح وأنا عند قسمي .. وما زلت عند قولي .. لكن هل يرضيك أن أخطب فتاة دون حتى أن أراها ..؟ ماذا لو لم تعجبني .. هل ستخبرينهم حينها أن ولدك لم تعجبه ابنتهم "
لترد عليه نوشين بحماس :
" بل ستعجبك أخي .. أنا متأكدة "
حدجها جان بغضب .. وعيناه تتوعدانها بشدة .. ونهرها قائلاً:
" اصمتي أنت .. وكفي عن الوسوسة في أذنها "
ردت عليه نوشين بحنق :
" أنا أوسوس يا جان أنا ..؟ "
" اصمتا أنتما الاثنان .. وكفا عن جدالكما الطفولي هذا "
زجرتهما أمهما بسخط .. واستطردت قائلة بحسم :
" سنزورهم غداً لنتعرف عليهم .. وإذا ما أعجبتنا الفتاة سنحدثهم بأمر الخطوبة .. ولن نتحدث في الأمر أكثر من ذلك "
تلجم لسان جان بألم .. وارتسمت الكآبة على ملامحه .. ولم يستطع الاعتراض أو الرفض .. وشعر بنفسه كمن وضع بين المطرقة والسندان ..
لا هو قادر على قول لا لأمه .. ولا على الموافقة على ما يريدون .. لذلك انتفض خارجاً يجر الخيبة واليأس في أذياله ..

بينما شعور بالانتصار يسيطر على أخته لنجاحها في خطتها التي رسمتها للتقريب بين أخيها الوحيد ومحبوبته ..
لقد تألم قلبها لرؤيته بهذا الشكل المزري حقاً .. لكن كان يجب عليها أن تفعل ذلك كي تعيده إلى رشده ..
لقد فقد كل معنى للصبر تجرعه على يدي أبويه منذ الصغر .. وتذبذبت قناعاته .. لطالما كان صبوراً .. قنوعاً .. راضياً .. لكنه أضاع دربه في حبها .. وتاه منه ايمانه .. وكان يجب عليها أن تنبهه من غفلته تلك .. وإلا لكان خسر نفسه بها ..

استلت هاتفها تحدث صديقتها أڤين بشأن زيارتهم ..

********

أغلقت أڤين الهاتف مع صديقتها وقد تهللت أساريرها بالرضى والسعادة .. والتي انتقلت إلى زوجها فرهاد الذي سألها مبتسماً:
" لا حرمك الله من السعادة والرضى .. ماذا أخبرتك صديقتك لتكوني بكل هذه السعادة "
" أسعدك ربي وأرضاك بالمثل يا حبيبي .. والله لو تم الأمر الذي حدثتني به صديقتي .. لازدادت سعادتي وفرحتي أكثر "
اندهش فرهاد لقول زوجته .. وسألها بفضول:
" أثرت فضولي يا امرأة ..!؟ قولي ما عندك دون تلكأ ..!"
اتسعت ابتسامتها قائلة :
" لقد كانت تخبرني أنهم سيزورننا غداً مع عائلتها لخطبة جين "
تفاجأ فرهاد لوهلة .. ثم تهللت أساريره بغبطة وجذل .. عندما تذكر من يكونون ..
فعائلة الشيخ لا تقل عراقة وأصالة عن عائلتهم .. وسمعتهم كالذهب لا يشوبها أي شائبة .. أضف إلى أنه سمع من زوجته على لسان ابنتهم .. عن ولدهم الطبيب .. الذي افتتح عيادة في بلدتهم منذ سنتين .. ولكنه تركها بعد ذلك في عهدة زميل له لكي يكمل دراسته ويحصل على الماجستير .. وكم أعجب حينها بمثابرته وثمن طموحه وقدره ..

وهو للحق لن يجد لأخته زوجاً أفضل منه .. ليسألها مجدداً كي تأكد له ما قالت :
" أمتأكدة أنت ..؟ قد تكونين أسأت السمع ..؟ "
ضحكت أڤين لحماس زوجها الذي لا يقل عن حماسها بشيء .. وهي التي دأبت تدعو الله أن يرزق أخت زوجها بخاطب مثل أخو صديقتها وأجابته مؤكدة بحبور :
" بل سمعت ما قالته جيداً.. سيزوروننا غداً لأجل خطبة جين "

وهذا ما قالته نوشين بالفعل .. فالماكرة تعلم جيداً أن أخاها ما أن يرى العروس التي رشحتها له .. لن يتوانى عن خطبتها في لحظتها .. هذا إن لم يختطفها لنفسه مصراً على عقد القران وزفاف في نفس اللحظة ..

********


طرقت أڤين الباب على جين ودخلت بعد أن سمعتها تأذن لها بالدخول .. فوجدتها على حالها جالسة إلى جوار نافذتها .. تهيم في عالم آخر .. دنت لتجلس جانبها وبادرتها تقول بحذر:
" صديقتي نوشين اتصلت بي لتخبرني أنها ستزورني غداً "
أجابتها جين باستياء وتذمر :
" ومالي ومالها .. ثم ألم تكن البارحة عندنا ..؟ ما الذي سيأتي بها مرة ثانية ..! أم أن أحراجي أرضاها وأعجبها وستحضر لتعيد الكرة "
لم تعر أڤين لتذمرها اهتماماً .. لو كانوا في ظروف أخرى لأنبتها على قولها هذا .. فهم ما اعتادوا على رد أي ضيف يطرق بابهم حتى لو عاد كل ساعة .. لكنها تغاضت عن ذلك وأكملت دون مواربة :
" ولن تأتي وحدها .. بل ستأتي مع عائلتها "
أجابتها جين بنزق مشيحة بوجهها تنظر إلى الخارج عبر النافذة بشرود :
" حتى لو حضرت عشيرتها كلها .. مالي أنا بهم ..؟"
" قد يحضرون عشيرتهم بالفعل .. ولكن بعد أن ينالوا موافقتك بالتأكيد "
ردت عليها أڤين بمكر ..
التفتت جين تعيد نظراتها المندهشة إليها وسألتها بتوجس :
" وما شأني أنا ..؟ وموافقة عن ماذا تلك التي سينالونها..؟ "
" موافقتك على خطبة ولدهم لك "
انتفضت جين من مجلسها تحملق فيها بعبوس وصرخت بعصبية :
" أي ولد ..؟ وأي خطبة ..؟ بماذا تهذين أنت ..؟ "
" اهدئي جين .. واقعدي لأفهمك "
قالتها وأمسكت بمرفق جين في محاولة منها لتهدئتها .. ولكن الأخيرة سحبت مرفقها بقوة .. وأدارت ظهرها لأڤين والاستياء يفور على ملامحها بشدة .. وقد فهمت ما تلمح له زوجة أخيها ..
للمرة الثانية تبتلع أڤين غيظها منها .. وأكملت بإقرار :
" غداً ستاتي صديقتي مع عائلتها لخطبتك لأخيها "
قاطعتها جين قائلة بسخرية :
" مؤكد أن أخاها سيكون بمثل سماجتها وثقل دمها "
تجاهلت أڤين كلامها .. وأعقبت
" لقد أعطاهم أخاك موافقته على ..."
جن جنون جين لما سمعته والتفتت تصرخ في وجهها مقاطعة إياها :
" كيف سمحتم لأنفسكم أن تقرروا أمراً يخصني وحدي حتى دون الرجوع إلي .. ؟ كيف يفعل أخي بي ذلك .. وكأنني شاة لا حول لها ولا قوة ..! "
صوت فرهاد الجهوري انطلق من ورائها قائلاً باستنكار غاضب :
" أنا لم أقرر عنك أمر يخصك .. لم أفعلها سابقاً .. ولن أفعلها لاحقاً ما حييت "
استدارت جين تنظر لأخيها الذي يطالعها بخيبة وضيق .. واستطردت :
" لكنها قالت أنك أعطيتهم موافقتك ..؟ "
" بلى .. ما قالته صحيح .. ولكن ليس كما فهمت أنت .. أنا أعطيت موافقتي على زيارتهم لنا .. وليس على الخطبة "
قالها فرهاد وهو يراقب وجه أخته التي استكانت ملامحه .. لتدنو منه تقول بريبة ودموعها تترقرق في محجرها :
" لم تفعلها أخي أليس كذلك ..؟ "
ربت فرهاد على رأسها بحنو متغاضياً عن تشكيكها بقوله .. وقال مطمئناً لها مشدداً على كل كلمة ينطقها:
" ليست المهندسة جين ابنة حسين الآغا .. وأخت فرهاد الآغا .. من تزوج بهذه الطريقة .. ولن أزوجها إلا لمن ترضاه زوجاً لها ويليق بها .. أنت جوهرة نفيسة أختاه ولن أعطيك إلا لمن يعرف قيمتك بحق "
زفرت جين أنفاسها بارتياح محتضنة أخيها بشدة قائلة :
" شكراً أخي شكراً "
رفع فرهاد يديه يحتضنها بدوره مشدداً عليها في أحضانه .. وقد أثارت تصرفات أخته ريبته وشكوكه .. فهو لأول مرة يرى أخته منفعلة بهذا الشكل بسبب تقدم أحد لخطبتها .. ولكنه نحى شكوكه جانباً .. على أن يبحث فيها لاحقاً .. وأبعدها عن أحضانه .. وأمسك وجهها بين كفيه .. قائلاً برجاء :
" صغيرتي لن تحرجني غداً .. وستستقبل ضيوفنا بترحاب كما تعودت منها .. أليس كذلك ..؟ "
أومأت جين رأسها بموافقة .. ليبتسم في وجهها ويمسح بإبهامه دموعها قائلاً بمشاكسة:
" والآن كفي عن البكاء حتى لا يتورم جفناك .. فيلوذ الخاطب بالفرار جزعاً من هيئتك .. ولن أعرف كيف سأعيده وأقنعه بخطبتك مجدداً .. إذا ما نال استحسانك وموافقتك ..؟ حينها سأحضره مكبلاً ليتزوجك شاء أم أبى "
أخفضت جين برأسها بخجل .. وارتسم الارتياح على وجهها .. فهي كانت تخشى من أن تكون قد ضايقت أخيها أو أثارت استياؤه ..

*******


مساء اليوم الثاني

دخل جان إلى غرفته مستاء بعد أن أمره أباه ليتحضر للذهاب إلى بيت الآغا .. وقد كان يعول على رفض أبيه .. فهو يعرف أباه جيداً .. كان سيغضب ويؤنب أمه لما فعلته .. وكيف أنها تصرفت وقررت مثل هذا الأمر من تلقاء نفسها دون حتى الرجوع إليه .. وهي التي لم تتجرأ على فعلها من قبل أبداً ..

فأبوه رجل يملك مقاليد بيته بيد من حديد .. ولا أحد يجرؤ على فعل أي أمر صغيراً كان أم كبيراً دون الرجوع إليه .. في الوقت الذي يشاورهم في كل أمر بدوره .. وإن لاقى ذلك الأمر استحسان الجميع وموافقتهم مضى فيه .. وينسى من أصله إن لم يقبل الجميع .. هو رب عائلة عادل جداً ..

ليأتي الآن ويرضخ لقرار أمه .. بعد أن علم من تكون العروس المختارة .. بل ويأمره بالإسراع كي لا يتأخروا عن موعدهم ويسبب لهم الإحراج ..

تناول من خزانته أول ما وقعت يده عليه .. فكانت كنزة سوداء قطنية .. وتحتها سروال من الجينز يماثلها في اللون .. رماهم على السرير خلفه مكتفياً بهم .. فهما يناسبان مزاجه المتخبط المظلم .. وعندما هم بنزع ملابسه .. حتى دخلت أمه والبهجة تتقاطر من محياها .. ولكنها ما لبثت أن عبست ونظرت إليه قائلة باستياء:
" هل ستذهب بهذه الثياب ..؟ "
" نعم أمي ما بها إنها جديدة ومناسبة أيضاً "
رفعت أمه إصبعها في وجه ولدها:
" لا تثير حنقي أكثر من ذلك يا جان .. وإلا لن يعجبك ما سأفعله حينها ..! "
دون انتظار رده .. توجهت إلى الخزانة .. وأخرجت بزة مؤلفة من جاكيت سبور من الجوخ الرمادي.. وقميص أبيض ..وتحتهما سروال من الكتان أسود اللون .. وناولتهم إياه وأردفت بما لا يقبل الجدل .. وكأنها تحدث طفل صغير :
" خذ ألبس هذا ولا تتأخر "
وخرجت غير آبهة لتأففه ضاربة اعتراضه عرض الحائط ..

بعد أقل من ساعة كانوا يقفون في بهو بيت فرهاد الآغا .. الذي استقبلهم بترحاب مهللاً ومسهلاً بهم بكل احترام ..
أدخلهم إلى غرفة الضيوف الكبيرة .. وسط نظرات أم جان وابنتها التي تلتمعان بإعجاب .. وتململ جان الذي يشعر باختناق وكأنهم يجرونه إلى المقصلة لإعدامه ..

حضرت بعد قليل أڤين تسلم على أم جان ونوشين التي احتضنتها بفرح .. وانخرط الجميع في حديث تنوعت موضوعاته وتشعبت .. بما فيهم جان الذي نسي لما هو هنا .. واسترخى في جلسته .. يحاور الجالس قبالته بكل أريحية .. وقد أعجب بثقافته وشخصيته ..
لكن صوت أمه التي تسأل عن سبب تأخر العروس أعاد انكماشه واضطرابه ..
قامت أڤين تستعجل جين .. لتدخل بعد هنيهة وجين في أعقابها .. وقد أخفضت رأسها على استحياء .. تمسك بتنورتها بشدة تخفي ارتعاش يديها واضطرابها .. وما أن اقتربت من أم جان حتى قامت من مكانها مهللة تأخذها في أحضانها .. وتقبلها من خديها بمحبة وحبور .. مرددة:
" بسم الله .. ما شاء الله .. تبارك الرحمن فيما خلق "
تضحك نوشين محدثة أمها .. وقد لاحظت تشنج جين واضطرابها في حضن أمها :
" لقد أرعبت الفتاة أمي .. وقد سبقتك بفعلها .. دعي لها الفرصة لتسلم علينا "

أفلتتها أم جان على مضض .. وهي تدعو الله في قلبها أن تكون هذه الفاتنة من نصيب ولدها ..
سلمت جين على نوشين ببرود .. والتفتت إلى الجهة الأخرى حيث وقف أخيها وإلى جانبه وقف رجل بعمر أبيها .. مهيب بوقفته وهيأته ..
منعت عينيها قصراً عن النظر إلى الشاب جانبه .. وكانت ستكتفي بالإيماء لهما لولا أن الرجل قال ممازحاً إياها بكل حنان :
" ألن تسلمي عليّ بنيتي .. أم أن عجوز مثلي لا يستحق أن تسلم عليه فاتنة مثلك "
تشنج جسد جان الواقف إلى يسار أبيه .. عندما سمع تغزل أبيه الصريح بمن سيخطبونها له .. وحمحم بصوت خافت يجلي حلقه .. عندما انتبه لوقع الخطوات المتهادية نحوهم .. حتى وصلت لعند أبيه تسلم عليه .. وقد وصله تهليل أبيه وتسبيحه الخافت لجمالها ..
رفع رأسه الذي أخفضه أول ما دخلت الفتاتان ..
ليتجمد في مكانه فاغراً فمه بذهول .. للتي دنت من أبيه تسلم عليه بخفر .. وقد تخضبت وجنتاها بحمرة الخجل .. جنت جنون نبضاته .. واشتعلت مراجله في صدره ..عندما لمح زرقة عينيها ..
اقترب ملتصقاً بأبيه .. وقشعريرة انتشاء سرت على طول جسده .. التفت بنظراته لأخته مستفهماً .. ليجدها تنظر إليه بمكر أطل من حدقتيها .. رافعتاً له حاجبيها تراقصهما بخبث .. وكأنها تقول له لقد أوقعت بك ..

عاد بنظراته المتلهفة لتلك التي قلبت حاله وقتلته وأحيته بنظرة من عينيها .. يمسك كفيه بصعوبة .. يمنعها من لمسها كي يتأكد أنها حقيقة وليست إحدى أوهامه التي تلاعبت به على مدار أسابيع .. يهمس في قلبه الذي يكاد يقفز من صدره مرتمياً تحت قدميها .. مترجياً عينيها التي تبخل عليه بالنظر
" انظري لي .. انظري لي .. ودعيني أشبع توق قلبي لمرآك "

وكأن همسه المخفي ذاك قد وصلها .. لتلتفت ناظرة إليه .. لتشهق بخفوت ما أن لمحته وخرت أمامه فاقدة لوعيها ..

صراخ وعويل .. وجلبة كبيرة حوله .. وأحدهم يحاول سحبها من بين أحضانه بكل إجحاف وجور.. وذراعيه تتشبثان بها بكل ضراوة تأبيان إفلاتها ..
لولا القبضة التي ضربت كتفه بقوة .. وصراخ أبيه الذي تناهى إلى مسمعها يأمره أن يتركها لأخيها ..
حينها ضرب الادراك عقله .. وانتبه للوضع الذي هو وهي فيه.. فسحب ذراعيه من حولها بتردد ..
في الوقت الذي حملها أخيها بعد أن رمقه بنظرة غاضبة متوعدة .. لو كانت تقتل لأردته قتيلاً في أرضه ..
ظلت عيناه تلاحقان طيفها المتواري في حضن أخيها الذي صعد بها إلى الطابق العلوي بعيداً عنه.. تلحقه زوجته تحدث أحدهم على الهاتف باكية ..
شعر بأن روحه التي عادت إليه برؤياها .. انتزعت منه مجدداً .. لتصعد خلفها لاحقة بها ..
أمسكه والده من مرفقه يديره إليه .. موبخاً إياه بغضب :
" كيف تحتضنها بذلك الشكل ..؟ وهي لا تحل لك بعد يا عديم الأخلاق "
طأطأ جان رأسه أمام توبيخ أبيه له .. يخفي شعوراً بالغبطة في داخله لملمس حضنها الدافئ والذي أوقد في جسده ناراً لم ولن تنطفئ .. محدثاً نفسه بهيام لاهياً عن تعنيف أبيه :

هل هكذا يكون طعم حضنها ..؟
هل مذاقه محرق لتلك الدرجة..؟
ماذا لو كان حضن حقيقي ..؟
حضن عاشقين متيمين ..!
فتبادله حضن بحضن ..
ونبضة بنبضة ..
واحتراق باحتراق ..
.. رباه ..
إنه يشعر بالاحتراق حقاً

انتفض من سرحانه بها على عصا أبيه التي نكزه بها على كتفه.. صارخاً به بخفوت كي لا يعلو صوته في بيوت الناس :
" لم لا تجيبني أيها الأخرق ..؟ "
اقتربت في لحظتها أم جان تربت على ساعد زوجها قائلة بمهادنة :
" هدأ من روعك يا محمد .. دعنا نطمئن على الفتاة الآن .. وأجل تقريعك له إلى حين عودتنا إلى بيتنا .. فالوقت غير مناسب لذلك البتة "
نفخ محمد أنفاسه بسخط .. وجلس على الكرسي خلفه متكئ بيديه على عصاه وهو يحدج ولده بنظرات جامدة .. لخيم الصمت المترقب عليهم بعد ذلك ..

بعد وقت قليل نزل الطبيب الذي صعد منذ برهة .. يرافقه فرهاد وقد ارتسم الحزن على محياه ..
ودع الطبيب وعاد صوبهم .. يعتذر منهم بحرج :
" أرجو أن تعذروننا لما حصل .. وأرجو أن تعذروا تقصيرنا في حقكم "
اقترب منه والد جان يربت على كتفه بتفهم وخاطبه بأبوة :
" لا عليك يا ولدي .. لا داعي لتتأسف بني .. فأنتم لم تقصروا معنا بشيء .. وما حصل قد يحصل لأي منا .. المهم الآن أن تكون أختك بخير وبصحة جيدة "
ابتسم فرهاد بارتياح فقد كان متخوفاً من أن لا يتفهموا ما حصل .. فبادرت والدة جان تسأله بقلق
:
" كيف حالها الآن بني ..؟ وماذا قال الطبيب عن سبب إغمائها ..؟ "
زجرها زوجه بنظراته لكنها لم تلتفت له .. فالوساوس أخذت تتلاعب بعقلها .. عما ألم بالفتاة وعن سبب إغمائها ..
أجابها فرهاد وقد عاوده شعوره بالجزع :
" هي بخير الآن .. الطبيب قال أنه مجرد إعياء وقد أعطاها حقنة مهدئة كي ترتاح .. ونامت على إثرها "
زفرة مشوبة بالقلق ندت عن الواقف بينهم .. جعلت فرهاد يتطلع إليه بامتعاض .. ليتعاظم حنقه منه وتحتد نظراته بتوعد .. كلما تذكر مشهد احتضانه لأخته دون وجه حق .. ولكنه لن يحاسبه عليها وهو في عقر داره .. وأخته طريحة الفراش بلا حول ولا قوة .. ولكنه لن ينسى فعلته ولن يتركه دون عقاب..
بادله جان نظراته بثبات غير آبه بالوعيد المشتعل في عينيه ..
عندما انتبه والد جان للصراع الصامت بين ولده وفرهاد .. استأذن من الأخير للمغادرة .. وغادر هو وعائلته بعد أن وعده بزيارة ثانية ..

*******

جالس في غرفته ممسكاً بقميصه يقربه إلى أنفه يتنشق رائحتها التي علقت به بانتشاء .. فتشتعل أوردته وتغلي الدماء فيها .. حتى تكاد تفجرها كلما تذكر وقوعها على صدره ..
لتخمد فجأة والقلق ينهشه بلا رحمة .. وآلاف التساؤلات تعصف بذهنه بلا هوادة ..
يخشى ما يخشاه أن يكون إغماءها ذاك ما هو إلا هروب ومحاولة منها لتوصل له رفضها .. من أن تكون مجبرة على استقبالهم دون رضاها ..
شياطينه توسوس له بذلك بكل خبث .. تعرض له صور من الأفكار السوداء عن ملاكه البريء .. تحاول تشويه براءتها في قلبه ..
ولكن الروح تتصدى لهم بكل صلابة .. وتجتث تلك الصور من جذورها تمزقها وترميها خارج مدارها .. نفض رأسه بتعب يحاول عدم الانجرار لمستنقع الشك الذي قد يبتلعه .. سيثبت أقدام عشقه على أرض صلبة لا تتأثر بأي عاصفة هوجاء قد تعصف به ..

دخلت نوشين لتجد أخاها على تلك الحالة من التشتت والارتباك .. أنبها ضميرها على فعلتها .. فقد كان بالإمكان تجنب كل هذا لو جرت الأمور بطبيعتها .. لو لم تخدعه وتخفي عنه معرفتها بجين لكان هو والجميع بخير حال ..

رفع جان رأسه عندما شعر بدخول أحدهم .. لينتفض من مكانه والغل يستعر في حدقتيه عندما لمح الواقفة هناك والذنب يتقاطر من هيأتها ..
اقترب منها وأمسك برسغيها يهزها بعنف لم تعهده فيه .. وزأر في وجهها بغضب ينفث نيران جوفه في وجهها :
" هل أنت راضية عن نتائج لعبتك تلك ..؟ أجيبيني .. لم فعلت ذلك لم ..؟ كنت أمامك أكاد أجن وأنا أبحث عن خيط عنكبوت يرشدني إليها .. أنا كنت أذوي أمامك .. لتأتي بكل صلافة وبلا شفقة وتتدعين أنها زوجة لآخر .. سأقتلك لأجل هذه فقط "
أفلتها واستدار يحبس دمعة كادت تفضحه أمامها وأردف متأوهاً :
" آه .. لو تعلمين ما فعلتِ بأخيك .. لتمنيتِ أن شل لسانك قبل أن تنطقيها .. لقد قتلتني بها أختاه .. قتلتني .. وحكمت على روحي بالضياع إلى أن تفنى الخليقة "
اقتربت نوشين تحتضن أخاها .. ودموعها تنسكب على صفحة وجهها الملطخ بذنبها الذي أقرت به .. تطلب صفح وغفران تخشى أن لا تنالهما:
" سامحني أخي سامحني .. أقسم أنني لم أتقصد إيلامك .. ولم أعي أنك تعشقها كل هذا العشق .. اعتقدتُ بغبائي أنه لا ضير من مزحة حمقاء .. مادامت في النهاية هي من كنتَ تنشدها وتتمناها .. لم أدرك حجم ما أقحمتك وجميعنا فيه "

تدارك جان نفسه وهاله أن تشعر أخته بكل هذا الخزي والانكسار .. هو لا يرضاه لها .. حتى لو أخطأت .. وكادت أن توقف قلبه بفعلتها .. وكانت السبب فيما يعانيه .. رفع رأسها المنحني على صدره .. ومسح دموعها وقال بمهادنة :
" حصل ما حصل وانتهى .. فقط ادعو الله أن لا يحصل ما يعكر أو يمنع ارتباطنا .. وإلا سأحطم الدنيا بما فيها على رؤوس الجميع وأولهم أنت –
ثم استطرد قائلاً وقد شعر بجفلتها –وإياك أن تحاولي المزاح مرة أخرى .. فمزاحك سمج مثلك ولا يهضم "
انطلقت ضحكة نوشين وقد استشعرت أن أخيها يحاول التخفيف من شعورها بالذنب بمزاحه ..
في الوقت الذي دخلت أمه وملامحها لا تنبأ بخير .. فنظرت إليهما بجمود وقالت بجفاء:
" أبوك يطلبك فاذهب إليه .. وأريني ابتسامتك هذه بعد ذلك ..!"
وخرجت مثلما دخلت غير مبالية بذهولهما الذي ارتسم على وجهيهما ..
لحقها جان بعد أن رمق أخته بنظرة متوجسة .. بادلته إياها وقلبها يدعو الله أن تمضي الأمور على خير..

****************
في غرفة المعيشة كان أبو جان يجلس على مقعده المعهود .. وعصاه بين يديه يتكأ عليها .. والغيظ والخزي من ولده يفتكان به .. لا يصدق أن ولده الذي رباه على الأخلاق .. واشربه منذ نعومة أظفاره تعاليم دينه .. ومخافة ربه في كل ما يقوم به .. علمه أن لا يتعدى حدود الله فلا يتعدى حرمات الغير ..
كيف سول له شيطانه أن يرتكب إثماً كهذا .. كيف جلب لهم الخزي بفعلته هذه .. ماذا ستقول عنه تلك العائلة وقد استباح حرمة ابنتهم ..
" طلبتني أبي "
رفع رأسه ينظر إلى ولده الواقف مطأطئ الرأس بذل أمامه .. فعلم أن ولده يشعر بذنبه ويقر به ..
" فقط أخبرني ..! كيف استطعت أن تحتضن امرأة لا تحل لك ولم تصبح زوجتك بعد ..! "
" ستصبح "
كلمة واحدة قالها بإقرار لا جدال فيه ..
حدجه أباه بنظرة قاتمة وعانده بالقول :
" لن تكون لك بعد أن فعلت ما فعلت "
التمعت عينا جان بتصميم تعجب له أباه .. وما أثار ريبته وقلقه في نفس الوقت هو ما صرخ به بعزم:
" بل ستكون لي .. ولغيري لن تكون حتى لو مت دونها "
سكت أبو جان مستدعياً رباطة جأشه وحكمته .. متأملاً حال ولده التي ما خبرها يوماً .. فطلب من ولده الجلوس متسائلاً :
" اقعد بني وأخبر أباك ما يجري معك ..؟ يجعلني أكاد لا أعرفك ..! "
جلس جان جواره يرمي بثقل همومه وأوجاع قلبه بين كفيه .. يسرد له حاله منذ أن أوقعته في سحر عينيها دون أن تعلم حتى ..


*********

وعلى الجهة الأخرى وفي غرفة نوم فرهاد تحديداً .. كانت أڤين تسرد لزوجها الوجه الآخر للحكاية ..
" كل هذا يحصل دون علمي ..! كيف تجرأتم على خداعي وإظهاري بمظهر المغفل الذي لا يستطيع إحكام سيطرته على أهل بيته ..؟ ألا ترونني رجل بما يكفي كي تستغفلونني بهذا الشكل المخزي ..؟ "
صرخ فرهاد وهو يدور حول نفسه يطيح بكل ما تطاله يديه أرضاً .. يمسكها عن تلك المنكمشة على السرير ترتجف بهلع ..
أخرجوه عن سيطرته .. هو الحليم الصبور الذي يتحكم بانفعالاته بقدرة هائلة ..
لكن كما يقولون اتق شر الحليم إذا غضب .. فغضبه لن يكون سهل الوقع على الآخرين .. والأفضل لك أن ترتكن إلى نفسك بصمت بعيداً عنه .. حتى يمضي إعصار غضبه وتنجلي غيومها الداكنة ..
وهذا ما فعلته أڤين وهي أكثر من تعرف زوجها .. وتعرف أن الصمت في حرم الغضب إجلال .. ويساوي أثمن المعادن وليس الذهب فقط ..
لكن ما أجج خوفها وأثار حفيظتها .. هو ما سمعته يهذي به بلا وعي :
" ماذا لو أن أحدهم كان قد غرر بها .. ؟ أتراه سبب إغماءها المتكرر .. ؟أيعقل هذا ..؟ كم مرة فعلتها وخرجت دون علمي ..؟- ثم التفت إلى زوجته ينظر إليها والشرر يقدح من عينيه بشر – انطقي كم مرة تسترت عليها .. وهي تتسلل من وراء ظهري لتقابل أحدهم "

رفعت أڤين تنظر إليه بذهول للمنحى الخطير التي ذهبت به أفكاره .. وهزت رأسها باستنكار تفند ادعاءاته بحقها وبحق أخته قبلها .. اقترب يمسك بعضدها يرجها بقوة .. يزعق في وجهها بجنون:
" انطقي .. لا تصمتي الآن .. انطقي"
قالها ورمى بها على السرير يناظرها بغل .. تلجم له لسانها بقهر.. قهر منه وعليه .. ولكنها تمالكت نفسها وأجابته بصدق :
" والله هي تلك المرة فقط لا غير .. ورافقتها فيها .. أقسم لك .. يشهد ربي على ذلك "
ما كان يحتاج قسمها ليصدقها .. فهو يعرف زوجته جيداً والكذب لا يعرف سبيلاً إليها .. ولا هي تعرف طرقه الملتوية .. كما ويعرف أخته أكثر .. وهو من رباها .. ويعلم أن اتهامه لهم مجحف بحقهم ..

ولكنه سيجن ليعرف سبب ما يحصل مع أخته مؤخراً .. ما سبب إغماءها المتكرر ..؟ الطبيب أكد له أنها لا تشكو من أية علة .. يخشى أن يكون مرض لم تكشفه سماعة طبيبهم .. أو أن لا .. بتر الفكرة في لحظتها.. مستحيل فأخته كاملة ولا أحد يستطيع التشكيك بأنوثتها .. وهو لم يلحظ عليها أي سلوك غير سوي..
ولكن ما معنى أن تقع صريعة المرض لأجل فتاة لم تتعرف ملامحها حتى ..!؟ والبارحة تكرر الأمر ولكن أمام ذاك الذي تقدم إلى خطبتها .. لا يجد تفسير لكل ذلك ..!؟ سيجن ويفقد عقله لا محالة إن لم يعرف السبب ..

تهاوى على حافة السرير بوهن .. لأن قدماه ما عادتا قادرتان على حمله .. وعقله لا يسعفه على التفكير بشكل سليم ..
يمسك رأسه بين كفيه يشد شعره بقوة ..علَّ تلك الأفكار التي تداهم عقله بشراسة تتوقف عن بخ سمومها فيه ..
لكنه قرر قرار لا رجعة فيه .. ما أن تتماثل للشفاء من سقطتها الأخيرة .. سيصحبها إلى مدينة حلب ليعرضها على أشهر الأطباء والاختصاصين .. وإن تطلب الأمر سيأخذها إلى العاصمة ..

فجأة تصلب جسده وتجمد .. حين انسلت ذراعاها من خلف ظهره .. وحطت بكفيها على صدره تحتضنه من الخلف ..
شعر بدموعها التي بللت قميصه عندما أراحت بخدها عليه .. تربت بنعومة على موضع قلبه في اعتذار صامت ..
حاول الابتعاد بعيداً كي لا يضعف أمام ضعفها .. ولكن كفاها تشبثتا بصدره بضراوة .. وسمعها تقول ببحة بكائها :
" لا تقتلني بجفائك وهجرك .. فلا قدرة لي لتحملهما .. وأنت الأعلم بذلك "
غمغم بصوت مكتوم وغضب :
" بل لك القدرة لتكذبي علي فقط "
تعال نحيبها وحشرجت أنفاسها في حلقها .. وازدادت تشبثاً به .. تود لو تخترق ظهره وصولاً إلى قلبه تترجاه العفو والمغفرة ..

وقلبه الرحيم .. شعر بها وانتفضت خفقاته تحت كفيها .. تضرب صدره بلا هوادة تأمره أن يترفق بمن سكنت جوفه واختلطت بدمه ..
فرفع يده وقبض على كفها الساكنة على صدره .. وضغط عليها بقوة ما لبثت أن استسلمت لملمسها واستكانت لدفئها .. واستكانت معها عبرات الرابضة وراءه ..

*********

بعد يومين

أغلق الهاتف مع محمد الشيخ والد جان وسط ذهول زوجته .. وسألته مستفهمة :
" لماذا رفضت خطبتهم لأختك ..؟ وكنت متحمساً وتكاد تطير من الفرحة عندما قرروا خطبتها لولدهم ..! "
غصة استحكمت حلقه .. فهو للتو رد خاطب لأخته لن يجد له بين الرجال مثيل .. ولكنه لن يزوجها قبل أن يعرف علتها .. وينفي شكوكه حولها .. وإلا ستكون فضيحة تطالهم حتى أحفاد أحفادهم .. ولن تقوم لهم قائمة بعدها ..
فأجابها محتفظاً بشكوكه تلك لنفسه :
" أخبرتك أنني سآخذها إلى طبيب ليجري لها كل الفحوصات والاجراءات اللازمة كي اطمئن على صحتها .. ولن أفكر بتزويجها في الوقت الراهن "

" فرهاد لا تهول الأمر .. جين لا تشكو من شيء.. هو مجرد إعياء يتعرض له الكثيرون "

" لن أزوجها لتعيا فيعايرها زوجها بمرضها.. وينعي حظه العثر الذي أوقعه بامرأة مريضة طوال الوقت .. فيقهرها بها ويزيدها مرضاً "

تبرمت أڤين وهزت رأسها باستنكار .. رافضة المنطق الذي يتحدث به زوجها .. لكنها اكتفت بالصمت ولم تعقب بكلمة .. واستقامت واقفة تقصد غرفة جين تطمئن عليها ..

طرقت الباب ودخلت .. لتنفرج شفتيها بابتسامة جذلى عندما أبصرت جين مستيقظة .. لاقت ابتسامتها صدى في نفس الجالسة على سريرها .. فبادلتها إياها على استحياء .. وملامحها تشي بالارتياح والهدوء .. اقتربت منها تضمها قائلة بحبور :
" وأخيراً رأيت ابتسامتك .. حمداً لله على سلامتك .. وأهلاً بك في عالمنا "
ضحكت جين على مزاحها .. وشعور بالغبطة يكتنفها ..
ومشاعر أخرى تطفوا على سطح أحاسيسها .. فرح .. نشوة .. ارتياح ..
وأخيراً شعور بالشغف .. شغف يدفعها للتحليق عالياً دون توقف ..
كل تلك المشاعر دفعت الدماء في جسدها ليتورد خداها بحمرة محببة .. ولاحت لعيني أڤين المترقبة باهتمام .. فسألتها بترقب :

" بماذا تفكرين وجعل وجهك كوردة حمراء متفتحة ..؟ "
رفعت جين كتفيها وبرمت شفتها السفلى للخارج في إشارة أنها لا تعلم .. وأردفت قائلة بصدق :
" أنا سعيدة .. سعيدة جداً .. لما وكيف ..؟ لن أتعب رأسي بالتفكير عن السبب.. وسأكتفي بأن أعيشه فقط "
فرحت أڤين لسعادتها ولكن القلق نهش قلبها نهشاً فأخفته عن جين ببراعة.. واستطردت تسألها مناكفة :
" وهل لسعادتك هذه علاقة بذاك الوسيم ذو العينين الخضراوين ..؟ الذي ما أن لمحته حتى وقعت في أحضانه مغمية صريعة وسامته "

تهلل وجه جين والتمعت الإثارة في سماء عينيها .. وردت تهمس بخفوت .. وكأن ما ستقوله سراً لا تريد لأحد سماعه :
" إنه نفس الشاب الذي لمحته في البازار منذ أسابيع "
شهقت أڤين بذهول وسألتها بعدم تصديق :
" تقصدين ذلك الشاب الذي كان يحدق بك باستغراب وأخبرتني عنه ..!؟ يا إلهي لا أصدق هذه الصدفة .. ثم استدركت .. أو أنها غير ذلك ..!؟ "
" ماذا تقصدين بغير ذلك ..؟ "
" لنفكر بها .. هذا الشاب والذي اسمه جان إن كنت لا تعلمين – وغمزتها بعبث – اسماكما مناسبان لبعض جداً هو الروح وأنت الحياة .. يالا الرومانسية "
ضربتها جين على ركبتها باستحياء .. فأكملت أڤين ضاحكة بتسلي :

" لنكمل حكاية الأميرة الدائخة .. أنا اعتقد أنه حين رآك في البازار أعجب بك فسأل وعرف من تكونين .. فأخبر أخته التي ما فتأتُ أدعوها لزيارتي وكانت ترفض في كل مرة .. لتتصل بي فجأة تلح على زيارتي .. ولم ينقضي يوم على زيارتها .. حتى أتت وعائلتها لخطبتك .. إذاً الأمر لا يمت للصدفة بصلة "

أشرق وجه جين واتسعت عيناها بألق قلما زارهما .. وتعالت خفقاتها بصخب .. عندما فكرت بأن جان ما خطبها إلا لأنه أحبها .. أتراه كذلك .. وعند هذه الكلمة أحست بحرارة تسري في دمائها أشعلت فتيل قلبها .. وسألت أڤين برجاء مبطن :
" هل تظنين أن ذلك ما حصل بالفعل ..؟ "
" بل أنا على يقين أن هذا ما حصل .. وكي نتأكد أكثر سأسأل نوشين – ثم ابتسمت بمكر وأردفت متهكمة – نوشين السمجة وأخيها السمج مثلها .. ألم يكن هذا رأيك في وقت سابق ..؟ "
لوت جين فمها بغيظ متجاهلة تهكم زوجة أخيها .. ولكنها هبت بوجل من مكانها عندما أكملت أڤين تقول بجدية :
" لذا لوحت لنوشين برفضك .. فأنا لا يرضيني أن تعيشي مع السمجين ثقيلي الدم "
لتنطلق ضحكاتها عالياً وهي ترى القلق الذي ارتسم على وجه جين .. أمسكت جين الوسادة جانبها وأخذت تضرب أڤين المنهارة على السرير بقهر:
" بل أنت من أصبح مزاحك سخيف وسمج "

*******
بينما كانت جين تهلل وتلعب مع زوجة أخيها بسعادة .. كان الحزن والغضب يأكل من قلب جان.. الذي صرخ دون وعي :
" كيف يرفض فرهاد بعد أن أعطانا موافقته ..؟ كيف ..؟ أليس رجلاً بما يكفي ليكون على قدر كلمته ..؟ أم يظننا لعبة بين يديه..؟ "
أمسكت أمه بمرفقه تربت عليها وهي تقول بقصد :
" الحمد لله أنها أتت من عندهم .. فأنا توجست من حال ابنتهم و الله أعلم ما .. "
" أمي "
" فاطمة "
انطلقت زاجرة ناهرة من فم ولدها وزوجها في نفس اللحظة .. ألجمتها عن متابعة قولها .. فلوت فمها وصمتت بغيظ يتآكلها .. ليقترب أبوه منه قائلاً بحكمة :
" وقد يكون الرفض من عند الفتاة ..! وهذا حقها بلا منازع .. فرهاد لن يجبر أخته على ما لا ترغبه .. حتى لو كان فيها نكث بوعد أعطاه لأحدهم .. يكسر كلمته ولا تكسر أخته .. هذا ما علمته عنه طوال حياته "

تجمدت الدماء في عروقه خوفاً .. وتخشب في وقفته متجهم الوجه معقود الحاجبين في استنكار لما قاله أباه .. وشعر بانقباض قلبه هلعاً .. خشية أن تكون ظنون أبيه حقيقة يرفضها بقوة ..
تهدجت أنفاسه حتى كاد يختنق بها .. أجبر قدميه على التحرك وتراجع راكضاً يخرج من الغرفة لا يألو على شيء ..
ساقته قدماه إلى بيت أخته التي ضربت على صدرها بجزع ما أن أبصرت أخاها مكفهر الوجه بوجوم .. أدخلته إلى غرفة المعيشة في جناحها في بيت حميها .. رفض الجلوس بتعنت .. وظل يلف ويدور حول نفسه .. مزمجراً كنمر شرس حبس قسراً في قفص ليروضوه ..
وقفت تناظره وقلبها يتفتت حزناً عليه .. فقد خابرتها أمها وأطلعتها على ما كان من رفض عائلة الآغا لأخيها ..
وتعجبت لذلك ..! فأڤين لم تشعرها بذلك عندما كانت تتصل بها راضخة لإلحاح أخيها وإصراره لتطمئن على صحة جين وتطمئنه .. فكانت تتصل كل صباح ومساء ..
ولو عاد الأمر لأهوائه لقعدت عند رأس جين .. وما برحت جانبها ..
كانت قد قررت أن تخبر أڤين حكاية أخيها مع جين .. ولكنها أجلت ذلك حتى تتعافى الأخيرة ..
شعور بالندم اكتنفها وهي ترى أخاها على هذه الحال .. ربما لو أنها ما خدعته لكانت الأمور جرت على نحو غير هذا الذي آلت إليه ..
زمجر جان في وجهها على حين بغتة .. وسألها بقهر :
" ألم تقولي لي أن الامور تجري كما أحب وأشتهي ..! وأخبرتني بأن لا أقلق واضطرب ..! هل كنت تدعين وتكذبين كما فعلت سابقاً .؟ - ورفع إصبع السبابة في وجهها محذراً – أقسم لن أسامحك هذه المرة لو كنتِ فعلتها "
أسرعت نوشين تنفي تفند اتهامه لها :
" أقسم يا أخي أنني لا أدعي ولا أكذب .. حتى أنني كنت متأكدة أنها ستبشرني بالخبر قبلكم هذا المساء .. ولا أدري ما الذي حصل لكل هذا اللغط .. ولكنني أعدك أن أعرف ما جرى وأخبرك "
" وأنا لن أقعد وانتظر حتى أخسرها .. بل سأفعل ما لم يفعله أحد من قبل حتى أفوز بها وبروحها قبلها "
قالها بحزم وجبروت عاشق سيحارب كل من في وجه عشقه وقف .. وسينال هواه رغم أنف من أبى واستنكر .. هو جسد فاقد لروحه .. وروحه أسيرة عشقها .. وهو منها لا يريد الفكاك .. فإما قيد يقيدهما للأبد .. أو دونها يكون الهلاك ..



نهاية الفصل الخامس
قراءة ممتعة أتمناها لكم

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ


Mays Alshami غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 24-02-21, 12:51 AM   #73

ام زياد محمود
عضو ذهبي
 
الصورة الرمزية ام زياد محمود

? العضوٌ?ھہ » 371798
?  التسِجيلٌ » May 2016
? مشَارَ?اتْي » 5,066
? الًجنِس »
? دولتي » دولتي Egypt
?  نُقآطِيْ » ام زياد محمود has a reputation beyond reputeام زياد محمود has a reputation beyond reputeام زياد محمود has a reputation beyond reputeام زياد محمود has a reputation beyond reputeام زياد محمود has a reputation beyond reputeام زياد محمود has a reputation beyond reputeام زياد محمود has a reputation beyond reputeام زياد محمود has a reputation beyond reputeام زياد محمود has a reputation beyond reputeام زياد محمود has a reputation beyond reputeام زياد محمود has a reputation beyond repute
¬» مشروبك   sprite
¬» قناتك nicklodeon
?? ??? ~
اللهم ان كان هذا الوباء والبلاء بذنب ارتكبناه أو إثم اقترفناه أو وزر جنيناه او ظلم ظلمناه أو فرض تركناه او نفل ضيعناه او عصيان فعلناه او نهي أتيناه أو بصر أطلقناه، فإنا تائبون إليك فتب علينا يارب ولا تطل علينا مداه
افتراضي

اخيرا جان وصل لجين والوضع كان على صفيح ساخن بإغمائها

عجبنى فرهاد جدا انه مش عايز يخلص من مسئولية اخته وخلاص هو عايزها تكون معززه مكرمه فى بيت زوجها مطمئن البال عليها

ام جان كأى أم اصيله قلقت من اغماء جان الغير طبيعى اول ما شافت ابنها

الفصل فى منتهى الجمال تسلم ايدك


ام زياد محمود غير متواجد حالياً  
التوقيع

رد مع اقتباس
قديم 25-02-21, 09:14 AM   #74

Ektimal yasine

? العضوٌ?ھہ » 449669
?  التسِجيلٌ » Jul 2019
? مشَارَ?اتْي » 869
?  نُقآطِيْ » Ektimal yasine has a reputation beyond reputeEktimal yasine has a reputation beyond reputeEktimal yasine has a reputation beyond reputeEktimal yasine has a reputation beyond reputeEktimal yasine has a reputation beyond reputeEktimal yasine has a reputation beyond reputeEktimal yasine has a reputation beyond reputeEktimal yasine has a reputation beyond reputeEktimal yasine has a reputation beyond reputeEktimal yasine has a reputation beyond reputeEktimal yasine has a reputation beyond repute
افتراضي

صباحوووو الفصل جدا جميل
أخت جان فعلا مزحتها كانت قوية
لكن بالاخير اجتمع جان وجين اللقاء فرح لجان وصدمة لجين
حبيت غيرة فرهاد ومسؤوولية والد جان

فرهاد رفضو نابع من خوفو يعتبر اغماء جان عيب فيها وهاد مابيقبلوا عا اختو و بنفس الوقت أم جان كأي ام عربية راودتها الشكوك بصحة جين هل ممكن يكون هاد عائق
ناطرينك تسلم ايدك يارب


Ektimal yasine متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 01-03-21, 09:39 AM   #75

Maryam Tamim
عضو ذهبي
 
الصورة الرمزية Maryam Tamim

? العضوٌ?ھہ » 435378
?  التسِجيلٌ » Nov 2018
? مشَارَ?اتْي » 1,396
? الًجنِس »
? دولتي » دولتي Iraq
?  نُقآطِيْ » Maryam Tamim has a reputation beyond reputeMaryam Tamim has a reputation beyond reputeMaryam Tamim has a reputation beyond reputeMaryam Tamim has a reputation beyond reputeMaryam Tamim has a reputation beyond reputeMaryam Tamim has a reputation beyond reputeMaryam Tamim has a reputation beyond reputeMaryam Tamim has a reputation beyond reputeMaryam Tamim has a reputation beyond reputeMaryam Tamim has a reputation beyond reputeMaryam Tamim has a reputation beyond repute
¬» مشروبك   freez
¬» قناتك nicklodeon
?? ??? ~
My Mms ~
افتراضي

تسلم ايدك يا ميس
الفصل جميل
فرهاد خوفه مبرر على أخته خاصة و هو يجهل ما الم بها موخرا وحالتها المضطربة دون مبرر واضح له تثير رعبه عليها ..

جان ما صدق يمسك جين بين ايديه فكان التقريع نصيبه من والده لكن هو متمسك بجين لآخر نفس.


Maryam Tamim غير متواجد حالياً  
التوقيع
استغفر الله العظيم واتوب اليه
رد مع اقتباس
قديم 02-03-21, 09:10 PM   #76

Mays Alshami

? العضوٌ?ھہ » 458001
?  التسِجيلٌ » Nov 2019
? مشَارَ?اتْي » 53
?  نُقآطِيْ » Mays Alshami is on a distinguished road
افتراضي عانقتني روحها

مساء الخير للجميع
اليوم سيكون معكم اليوم الفصل الأخير والخاتمة من نوفيلا عانقتني روحها


Mays Alshami غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 02-03-21, 09:14 PM   #77

Mays Alshami

? العضوٌ?ھہ » 458001
?  التسِجيلٌ » Nov 2019
? مشَارَ?اتْي » 53
?  نُقآطِيْ » Mays Alshami is on a distinguished road
افتراضي عانقتني روحها

الفصل السادس

لوعتني بحبها ..
فأمسي أنستني ومَلكةُ حاضري توجتها
كبلتني بعشق لو كتبته لجفت في الأقلام حبرها
هام الفؤاد في الخلاء يبغي وصالها ووصلها
وارتوى في شرياني غليل الهوى حين
عانقتني روحها

*خاطرة بقلم : ايمان أووركيدا

*************



ظل جان يتربص الفرصة المناسبة ليكلمه .. حتى علم أخيراً بأن فرهاد يكون في هذا الوقت عند صوامع القمح ..
فلم يبقى إلا القليل حتى يبدأ موسم الحصاد .. والجميع يعمل كقفير النحل على قدم وساق استعداداً له ..
توجه إلى حيث دله أحدهم على مكانه .. فوجده واقف يتحدث مع بعض الفلاحين ..
اقترب حتى أصبح على مرأى من أنظاره ..
راقبه كيف تجمدت ملامحه حين انتبه له .. وكيف بعدها صرف من كان يكلمهم على عجل .. وعيناه التي تقدحان شرراً لم تبرحا عينيه اللتان فاضتا بتصميم مشتعل ..
جعل كل عضلة في جسد فرهاد تتحفز بتأهب للانقضاض على جان في التو واللحظة ..
ولم يكن الأخير أقل تحفزاً وإصراراً منه .. تقدم يقلص المسافة بينهما حتى أصبح في مواجهته .. وكل منهما قد شحذ كل أسلحته استعداداً لخوض معركته الحاسمة :
" أتيت بكل وقاحة لعندي وسهلت علي عناء الذهاب إليك .. !
لا تظن أني نسيت ما كان منك .. بيننا حساب لم تدفعه بعد ..! "
قالها فرهاد بشراسة وغل تنضح به نبراته ..
ليرد عليه جان بهدوء استدعاه بقوة .. متحكماً بالنار المضرمة في جوفه كي لا تحرقه وتحرق كل ما خطط له :
" وأنا مستعد أن أدفعه على أكمل وجه .. وكما تحب وترضى ..
ولكن قبل ذلك من حقي أن أعرف لما رفضت خطبتي لأختك ..؟ "
استشاط فرهاد غضباً لجرأة هذا المتبجح قبالته.. فقال بحدة وخفوت كي لا يسمعه أحد .. ومن بين أسنانه التي يكز عليها من كثرة الغيظ هدر :
" لا تذكرها على لسانك ..
أحذرك ..
ثم لا حق لك عندي كما تدعي ..
أنت خطبتها ..
ورفضي أوصلته لأبيك ..
وانتهى الأمر ..
أما عن أسبابي فهي من حقي أنا فقط ..
سأحتفظ بها لنفسي ..
وليس لك أن تعلمها "
أمسك جان نفسه كي لا يهجم عليه ويفرغ أنين روحه فيه .. وقال بتصميم صدحت به نبراته التي علت قليلاً :
" وأنا لن أتنازل عن خطبتها .. وسأقوم بذلك في كل مرة حتى آخر أنفاسي ..
ولن يردعني أحد عنها مهما كانت صفته ..! "

توجس فرهاد من التصميم والإصرار الذي يراه في عيني جان ومن نبرة الوعيد المبطنة التي وصلت إلى أسماعه .. والتي أشعلت الظنون في رأسه المشتعل أصلاً .. وعادت الهواجس لتوسوس له بكل خبث ..
جعلته يقبض على مرفق جان ويسحبه إلى داخل مكتبه .. بعيداً عن أنظار الفضوليين وأسماعهم ..
وما أن أغلق الباب خلفه حتى عاجله بلكمة على وجهه .. وضع فيها كل هواجسه وشكوكه .. ولم يعطه الفرصة كي يستفيق من اللكمة حتى قبض على مقدمة ياقته. صارخاً بوجهه :
" من أين تعرف أختي ..؟
حتى تصر بهذا الشكل على خطبتها ..!
ومن أين أتيت بكل تلك وقاحة وانتهكت حرمتها في ذاك اليوم ..
لقد احتضنتها أمامي يا قليل المروءة والنخوة ..
أجبني ماذا بينك وبينها ..؟ "
قالها ورفع يده قاصداً لكمه مرة أخرى ..

لكن جان كان مستعد له هذه المرة .. فأمسك بتلك القبضة بين أصابعه بقوة قبل أن تصل لأنفه الذي ينزف .. ودفعه بعيداً عنه وعن قميصه ..
ووقف يطالعه وقد اتسعت عيناه بذهول .. لم يتوقع أن يكون فرهاد حاقد عليه لهذه الدرجة .. ولا أن توصله ظنونه إلى ما وصل إليه بتفكيره هذا ..!
مسح أنفه بظاهر يده .. وقال من بين أنفاسه اللاهثة:
" ما الذي تهذي به يا هذا ..؟ لم أعرف أختك ولم أحدثها من قبل "
" كاذب "
صرخ بها فرهاد تحت وطأة وساوسه ..
" أقسم لك أنني لم أعرف أختك من قبل "
قالها جان غير كاذب وشيء من الحقيقة يغلف كلامه ..
فهو بحق لم يعرف من تكون تلك الفتاة التي أوقعت روحه صريعة روحها .. لم يعرف ابنة من تكون .. ولم يعرف أنها أخت فرهاد إلا يوم ذهبوا لعندهم .. ثم أردف بتهكم :

" ثم ألا تعرف من هي أختك ..؟ من ربيتها وكبرتها بنفسك كما سمعت ..؟ ألا تعرف أخلاقها ..؟ ألا "
صرخ فرهاد مدافعاً عن أخته بشراسة :

" صه .. قبحك الله .. ولا تأتي على ذكر أختي على لسانك .. فهي أطهر مخلوق على هذه البسيطة .. ولا أشك للحظة في أخلاقها "

" وهذا بالضبط ما يجعلني أصر على خطبتها .. فأنا سمعت عنك وعنها الكثير يدفع للفخر .. جعلني أتشبث بها وأصر عليها "
قالها جان بصدق .. ثم اقترب منه يهادنه .. ويسأله باستفسار :
" أنا لا أعلم ما الذي جرى لتبدل رأيك بعد أن استقبلتنا في بيتك .. وأوحيت لنا أنك موافق بل وراض كل الرضى .. لكن أخشى ما أخشاه أن يكون أحدهم وشى لنا عندك بما ليس فينا .. وأن تكون وشايته أوقعت في نفسك بغض لنا "

أطرق فرهاد رأسه بخزي مما أوقعته ظنونه به .. فها هو يتهمه بأنه رجل يعطي أذنه للناس دون أن يتبين صحة ما يسمعه ..
وإنها لعمري كبيرة في حقه وفي حق رجولته .. وتجلب العار له بين الرجال .. فرجل مثله لا يقال له مثل ذلك ..
هو فرهاد الآغا من عاش طوال عمره وقد عرف عنه الحكمة والتأني والصبر .. لتأتي الآن بضع ظنون تتلاعب بعقله وتجلب له الخزي بهذا الشكل .. لا وربي لن يكون تحت رحمتها بعد الآن ..
لذا رفع رأسه بإباء لا يدعيه .. ونظر إلى جان وعيناه تنضحان بالثبات والقوة .. وقال بصوت تحمل نبرته ثقة وفخر :
" ليس فرهاد من يعطي أذنيه للناس ليثرثروا فيها بما يشاؤون .. دون أن يتبين وجه الحقيقة فيما يقولون .. ولا أحد بقادر على أن يغير رأي بما لا أريد "
أردف جان مؤكداً على الأخير:
" وهذا عهدنا معك .. يكفي أن يذكر اسمك بين الناس وفي أي مجلس حتى يقفوا لك إجلالاً واحتراماً "
دنا فرهاد من جان وقد ملأه حديثه بمزيد من الفخر وقليل من تأنيب الضمير .. فالآخر لا يقل مكانة وقدراً عنه .. وكم كان فخوراً وسعيداً حين علم بأنه ينوي خطبة أخته .. ولكن ما جرى مع أخته .. جعله يتخبط ويضع نفسه في غير موضعها ..
نفض تلك الأفكار من رأسه يدحرها بعيداً كي لا تثنيه عما نوى ..
فهو قد قرر أن يخبره الحقيقة كاملة دون تزييف .. ويترك الأمر بين يديه :
" اجلس جان وسأخبرك بالأمر كله .. ولا تعتقد للحظة أن غفرت عما اقترفته يداك .. حسابي معك لم ينته ..! "

جلس جان مترقباً وقلبه يضرب بين جنباته بهلع خوفاً مما هو قادم ..
سرعان ما تحولت تلك الضربات وبدأت تتقافز ببهجة .. تقيم أعراسها واحتفالاتها بعدما استمعت إلى ما يسرده فرهاد .. ولم تكتف بقلبه فقط بل ضربت جسده كله.. ولاحت حتى في حدقتيه اللتان تهتزان بإثارة.. انفرجت أساريره .. والروح هامت في ملكوت تلك التي يتحدث عنها أخاها..

يخبره بحالها الذي وصلت إليه في عيد النوروز .. ثم بعدها عندما كانوا في السوق .. وكان آخرها يوم كانوا عندهم ..

( أيعقل أن تكون روحها هامت به كما روحه بها قد هامت .. ؟
لا.. لا غير معقول ولا يصدق ..
لقد قرأ مرة مقولة أعجبته وقد كانت صدى لما يؤمن به ( من تشعر به يشعر بك أيضاً .. فلغة الأرواح لا تخطئ أبداً )
لم لا أيها الأبله ألم تقع أنت صريع هواها دون حتى أن تعرفها ..؟
بلى وربي إني أسير لحظها مقيد الروح بها ..
إذاً لا تنغص عليّ فرحتي)
حديثه لنفسه جعل أفكاره تتصارع في رأسه .. ولكنها لم تمنع غبطته التي ارتسمت على وجهه ولاحت لعيني فرهاد الذي أنهى كلامه يتطلع إلى تلك التعابير التي تموج على وجه جان باستغراب .. انتبه جان من شرود وسأل بلا تصديق :
" أحقاً ما قلت ..؟
هل رفضتني لأنك اعتقدت بأن أختك تعاني مرض ما ..؟
لا أصدق مدى حماقتك ..؟ – ثم أردف متجاهلاً زمجرة فرهاد لنعته إياه بالحمق – أنا طبيب يا سيد إن كنت قد نسيت..! تأخذها لطبيب غريب عنها..!؟ وقد كان بالإمكان أن يعالجها زوجها الذي هو أنا بالمناسبة .. لو لم تتصرف بتلك الحماقة "
زمجر فرهاد وعض على نواجذه بغيظ .. يمسك قبضته عن لكمه مرة أخرى .. جراء تبجحه وتطاوله عليه وقال من بين أسنانه:
" ليست زوجتك حتى تدعي ذلك "
" كانت ستكون لولا تعنتك .. أو على الأقل كانت ستكون مخطوبتي في هذا الوقت "
واستطرد مستغلاً الوضع يطرق الحديد وهو ساخن وقال بإرادة عاشق تملكه العشق :
" إن لم يكن لديك أي حجة على شخصي أو على عائلتي .. فأنا أعيد عليك خطبة أختك منك .. ويشرفني أن أحصل على موافقتك ..؟ "
أجابه فرهاد مقراً بنسبه ونسب عائلته :
" نعم الأنسباء أنتم .. ولن أجد لأختي من هو أفضل منك ليصونها ويكرمها .. ولكن .... "
تهلل وجه جان بسعادة .. فوضع يده على مرفق الأخير يمنع استطراده ..
وقام من مقعده يمد كفه الأخرى يبسطها أمام فرهاد بغرض مصافحته ..

استقام فرهاد ينظر إلى كف المقابل له بحيرة .. لا يعلم أيتلقفها أم يرميها ولا يأبه له ..
حيرته التي ارتسمت على وجهه لاحت لذلك الذي انقبضت ملامحه بوجل ..
وثار قلبه وأعلن تمرده واحتجاجه .. يطالبه بالقتال بشراسة لنيل حقه فيها .. لكن ثورته وأدت في مهدها ..
حين مد فرهاد يده مصافحاً إياه بقوة يبثه من خلالها مخاوفه يسألها أن لا يخيب ظنونه فيه ..
يخفي سعادته بصعوبة كل لا تفضحه أمامه ..
ولكنه سرعان ما اتسعت عيناه بذهول عندما باغته جان قائلاً بحسم :
" سنكون عندكم في المساء كي نتفق على كافة التفاصيل .. إلى اللقاء حتى حينها "
والتفت ليغادر يكاد يطير إلى بيته ليبشر والديه .. لكن صوت فرهاد أوقفه عندما قال :
" على رسلك فأنا لم أحصل على رأي أختي بعد .. وقد يكون لها ... "
أدار جان رأسه وقال بنبرة الواثق وعيناه تلمع بالظفر :
" معك حتى المساء لتسألها رأيها .. وستخبرني بموافقتها حين نأتيك وأهلي "
وانصرف دون أن يدع له مجالاً للاعتراض أو لقول المزيد ..

*********



" أمي .. أبي "
خرجت أمه على صياحه مفزوعة وقلبها يرتجف هلعاً ..
ولكنها ما أن لمحته حتى استكانت
..
فولدها قد عاد بحال غير الحال التي خرج بها ..
ما أن دنا منها حتى حملها وأخذ يدور بها والضحكة لا تفارق وجهه .. ضربته على صدره تصرخ به آمرة :
" انزلني أيها الأحمق .. سيغمى علي .. انزلني "
توقف يسندها على قدميها وطبع قبلة اعتذار على رأسها .. سألها بفضول :
" أين أبي ..؟ "
أجابته أمه بتوجس :
" في مجلسه .. ماذا تريد منه ..؟ ولما كل هذه السعادة التي تشع من كل عصب فيك ..؟ "
أمسك بمرفقها يحثها على السير معه إلى حيث يجلس أباه .. وقال يناكفها :
" رافقيني لتعرفي .. وإلا سيضيع عليك سر من الأسرار العظيمة.. ولن تتحملي ذلك صدقيني "
قرصته في كفه التي يمسك بها مرفقها .. فأفلتها ضاحكاً عندما دخل إلى مجلس أبيه .. وتوجه إليه مقبلاً رأسه في عادة رافقته طوال حياته ..
ربت والده على ظهره وسأله بترقب :
" أرى البشرى تنطق على وجهك .. فبشر يا بني "
نضحت نظرات جان فخراً بأبيه .. الذي كان له نعم الأب ونعم الصديق .. ودائماً ما كان يفهمه قبل حتى أن ينطق بحرف .. فأجابه باعتزاز :
" صدقت أبتاه .. أنت خير من يعرفني .. وتعرف أنني لا أسمح لنفسي أو لأحد أن يستهين بنا أو يقلل من شأننا "
سكت مترقباً تعقيب أباه الذي كان ينظر إليه بعمق وكأنه يسبر أغواره .. لكنه لم يحصل منه إلا على إيماءة تحثه على المتابعة..
فأردف يقر أمراً واقعاً :
" وأعلم أنك من الحكمة بأن لا تحكم على الأمور بظواهرها – سكت مبتلعاً ريقه يجلي حلقه – لقد تحدثت إلى فرهاد الآغا.. وحللنا سوء الفهم الذي أوقعنا فيه .. وأخذت منه موعداً لنزورهم هذا المساء "
ما أن أنهى كلامه حتى صرخت أمه تولول بجنون :
" يا ويلي .. كيف تفعل هذا بك وبنا ..؟ كيف تخطب ثانية من رفضتك في الأولى ..؟
ألا كرامة لديك ..؟
أين كبرياؤك الذي لا يتنازل لأي كان ..؟
لا أصدق أن ولدي الطبيب ابن أكبر العائلات وأعرقها .. يذل نفسه بهذا الشكل ..؟
ومن أجل من..؟ من أجل فتاة ..! فتاة قد "
" فاطمة "
صرخ بها زوجها .. بعد أن تركها تنفث غيظها وتولول كما تشاء ..
لكنه لن يسمح لها بالتمادي والتطاول أكثر من ذلك ..
وهي سكتت على مضض..
فزوجته لا تقل حكمة عنه وتعرف متى تنحني كي تمر العاصفة.. وليس من طبعها أن تلوك في سمعة الناس ..
ولكنها ككل أم تغضب وتثور وتصبح كلبوة شرسة ..إذا ما تعرض أحد لأولادها أو أهانه بفعل أو بكلمة – حتى لو كان في ولدها ما يقولون – لكنها ككل أم تنظر لولدها بعين الكمال ولا ترى عيوبه الظاهرة للعيان ..
فكيف بها هي والواقف يمينها يفيض رجولة ووسامة ..
طبيب يشهد له ببراعته ..
يملك من الأخلاق والفضيلة قلما اجتمعتا في رجل مثله ..
يحق لها أن تفخر وتتباهى به ..
وهو لا يقل عنها فخراً واعتزازاً به ..
كما انه يعلم أن ولده يملك من الكبرياء والعناد ما يمنعه عن التنازل لأي كان .. ورثه منه فهو لا يقل كبرياء وعناداً عن ولده ..
ولم يكن ليسمح لولده حتى بالإشارة لم سبق ورفضه ..
كما وأنه يعرف فرهاد جيداً .. ويعرف أن لديه من الكبرياء ما يكفي كي لا يتراجع عن كلمة خرجت من فمه لو على قطع رأسه ..
وقد خمن أن رفضه ما كان إلا لأسباب تخصه وحده ولا تخصهم بشيء .. لذلك خاطب زوجته قائلاً بابتسامة طفيفة :
" دعيني وولدي يا فاطمة فلدينا ما نقوله لبعضنا .. ولا تنسي أن تخبري ابنتك كي تتجهز للذهاب معنا هذا المساء "

أومأت برأسها مرغمة والاستياء يطفر من ملامحها .. وقد أسقط في يدها ..
ولم تستطع من أمرها بشيء ..
فرجال مدينتها وليس زوجها وولدها فقط .. مشهورون بصلابة الرأس وبالعناد .. والكل يعرف أنهم لا يغيرون رأيهم بسهولة .. فعقولهم أصلب من حجر الصوان ..
خرجت دون أن تنتبه لابتسامة الامتنان التي رمقها بها زوجها ..
ما أن خرجت حتى التفت لولده قائلاً :
" اجلس يا ولدي وأخبرني كل ما جرى بينك وبين فرهاد "


************

أنهى فرهاد أعماله على وجه السرعة وعاد بعجالة إلى بيته.. فذلك الأحمق لم يدع له مجالاً للتفكير ..
دخل ليجد أخته وزوجته جالستان تتسامران في غرفة المعيشة .. وما أن لمحته الأخيرة حتى سألته باستغراب :
" لقد عدت باكراً وقد أخبرتني أنك ستتأخر اليوم .. ! عساه خير إن شاء الله "
أجابها متأملاً أخته :
" كل خير إن شاء الله .. هناك من سيأتينا في المساء .. وأردت الحديث مع جين قبل ذلك "
انقلبت ملامح جين فجأة وانتابها القلق .. فهي مازالت تحت وطأة ما حصل .. سألته أڤين مستفهمة:
" من سيأتي في المساء ..؟"
" سأخبركن لكن بعد أن تصنعي لي كوباً من الشاي من يديك الجميلتين يا أڤين "
أومأت أڤين برأسها والتفتت تعد الشاي له .. وقد فهمت إشارة زوجها لها فهو يريد أن يتحدث مع أخته دون وجودها ..
ما ان خرجت حتى ربت فرهاد على الأريكة بجانبه قائلاً بود:
" تعالي إلى جانبي أختي فهناك ما أود أن أحدثك به "
جلست جين حيث أشار .. مطأطئة رأسها .. تضغط على باطن كفها بارتباك.. تنتظر ما سيقوله أخاها بترقب .. لم يطل ترقبها كثيراً حين سألها فرهاد بكل وضوح :
" ما رأيك بالعريس ابن الشيخ يا أختي "
رفعت رأسها تنظر له وقد جحظت عينيها باتساع وسألته بفضول :
" لما تسألني الآن أخي بعد أن رفضته ..؟ "
" لأنه عاد وخطبك من جديد "
جُنَّ وتينها وتسارعت دقاته ..
ما أن سمع الخبر ..
الخبر يحمل البشرى ..
والبشرى تعني الفرح ..
والفرح لاح على قسماتها ..
وتداعى لها كل عصب في جسدها مهللاً ببهجة..
تمالكت جين فرحتها ونظرت لأخيها تحثه بنظراته كي يكمل حديثه ..
" سيأتي هو وأهله اليوم .. لذا أصدقيني القول أختي .. وأخبريني رأيك بكل وضوح وصدق كما عهدي بك "
لقد تعودت جين أن تصارح أخاها بكل صدق إذا ما سألها عن أي أمر يخصها .. ولا تخفي عنه أي شيء فلا أسرار بينهما .. اللهم إلا تلك المرة في عيد النوروز .. كانت ستخبره عنها لولا ما حصل بعدها .. علاقتهما لا تشبه أية علاقة بين أخ وأخته ..
لذلك تنحنحت تجلي حلقها وأجابت على استحياء :
" لقد عودتني أنا أتكلم معك بكل وضوح ودون خوف .. فأنت لطالما ما كنتَ مرآتي التي أرى بها نفسي .. أنت الأخ المحب .. والصديق .. والناصح ..
وقد أخبرتك في السابق أنني أحكم عقلي وقلبي على السواء في أمر الزواج وفي كل أمر يخصني .. وقلتها لك إذا ما أتاني من يلهف له قلبي .. حينها سأسألك لأنك عقلي الذي يفكر معي ويهديني الصواب ..
وفي المرات القليلة التي تحرك بها قلبي نحو أحدهم رفضته لأنك أخبرتني أنه لا يصلح لي – سكتت تجلي حلقها قبل أن تقول دون مواربة –
أما عن قلبي فقد تلهف لابن الشيخ دون غيره .. وأما عن عقلي فهو ينتظر منك أن تدله على الصواب .. فأنا لا أعرف عنه غير ما رأيته في ذلك اليوم .. جعل قلبي تضطرب خفقاته ويهفو له ..
أما عنك فأنت تعلم عنه كل شيء .. فإن توافق ما تقول مع ما يقوله قلبي كان القبول .. أما وإن لم يكن فلن يضر قلبي إن لم يرضى عقلي "
قالت كلماتها الأخيرة وقد أحست بطعم مر كالعلقم في جوفها .. وبألم شديد في قلبها كمن طعن بسكين ثلم ..
ربت فرهاد على كفها الموضوعة جانبه وقال بحبور وفخر :
" بارك الله بك أختاه .. ما علمت عنك إلا رجاحة العقل .. وسداد الرأي .. رزقك الله سعادة القلب و ورضى العقل .. أما عني تالله ما علمت عنه إلا كل خير .. ولم أكن لأرتضي لك زوجاً غيره .. فإن أنتِ رضيتِ رضيتُ .. أما وإن لم ترضي فلا أحد بقادر على أن يجبرك على غير ذلك "
صمت ينتظر ردها الذي لم يتأخر:
" وأنا رضيتُ أخي "
تنهد فرهاد بارتياح واحتضنها قائلاً بأبوة تخصها:
" أرضاك الله ورضي عنك .. مبارك لك أختاه بمن ارتضاه قلبك وعقلك "
تهلل وجه جين وعادت دقات قلبها إلى وتيرتها .. فأخفضت رأسها بحياء غلفها .. فما كان من فرهاد إلا أن احتضنها .. يطبع قبلة حانية على مقدمة رأسها ..
في الوقت الذي دخلت فيه أڤين تحمل صينية رصت عليها أكواب الشاي .. فقالت تخاطب جين متهكمة ما أن رأتهم على تلك الحال :
" أيتها الماكرة ..! دائماً ما تستغلين غيابي كي تحظي بدلاله لوحدك "
ابتسمت جين وأخرجت لسانها تراقصه في محاولة لإغاظتها ..
قهقه فرهاد بسعادة .. واقترب يتناول منها الصينية ليضعها على الطاولة .. ثم أخذ رأسها بين يديه وطبع على مقدمته قبلة وضع كل امتنانه وتقديره فيها .. ثم غمز بعينه ورمق أخته بعبث :
" اطمئني لن يطول الأمر أكثر من ذلك .. وستحظين بدلال زوجك لوحدك ولن ينازعك فيه أحد بعد الآن .. أما هي فليدللها ذلك الأحمق الذي سيتزوجها "
ضربت جين الأرض بقدمها بطفولية ..واقتربت تحتضن أخاها تتمسح به كهريرة صغيرة .. وقالت بدلال يليق بها :
" لن أتنازل عن دلالك لي .. ولن يدللني أحد مثلك أخي .. فقل لزوجتك ألا تحلم بأن يخلو لها الجو لتحظى بدلالك لها وحدها "
تطلعت بهما أڤين بغباء لا تفقه ما يتحدثون عنه :
"هلا أخبرني أحدكما بما حدث لكل هذا الحديث والدلال ..؟ "
" ابن الشيخ سيحضر هذا المساء مع والديه ليخطبها .. لذا قوما بما يجب لاستقبالهم كما يليق بنا وبهم .. أما أنا فسأدخل لارتاح قليلاً ريثما يحضرون "
تركهما وخرج على صراخ زوجته التي احتضنت جين تقفز معها بفرح ..

********

صرخ داغر مهللاً عبر تطبيق الواتس اب :
" أيها المعتوه لقد فعلتها وربي .. مبارك لك يا صديقي .. مبارك لك .. ولكن إياك أن تقيم حفل الخطوبة دون وجودنا .. احذرك "
حشر مهيار رأسه أمام شاشة الهاتف يقول ممازحاً:
" نعم .. نعم .. وإياك أن تذبح الذبائح في غيابنا .. إما إن أجبرت على ذلك فلا تنسى أن تحتفظ لصديقك العبد لله بحصة كبيرة .. لن أسامحك إن نسيت و "
يد امتدت وسحبته بعيداً عن شاشة الهاتف وصوت حيدر يصله
" ابتعد أيها المفجوع الذي لا يهتم سوى لكرشه "
ضحك جان على عبثية أصدقائه ومزاحهم .. وكم تمنى أن كانوا معه هذه الليلة ..
ظهر حيدر يتأرجح أمام الشاشة وقد لاحت له يده التي يدفع بها مهيار بعيداً عنها وقال يهنئه :
" مبارك لك يا صديقي .. لك أن تتخيل كم سعدنا بهذا الخبر "
ابتسم جان وأجابه بصدق :
" أنا على يقين من ذلك يا صديقي "
دخل وجه مهيار عنوة يزاحم وجه حيدر أمام الشاشة بشكل مضحك.. وقال وأنفه يكاد يحتل الشاشة كلها:
" هنيئاً لك باستعادة روحك يا صاحبي .. أتمنى لك السعادة بقربها – ثم أردف قبل أن يختفي مرة أخرى حين سحبه داغر هذه المرة – ولا تنسى ما أوصيتك به "
أما داغر فأمره بكل تعسف :
" والآن ضع الهاتف أمامك على مرأى منك و تراجع إلى الوراء .. لنرى ما تلبسه ونقيمه .. فأنا أعرف أن ذوقك لا يمت للأناقة بشيء "
زأر به جان متهكماً:
" من هذا الذي تتهمه بقلة الأناقة والذوق يا عديم الذوق .. من كان يترجاني كي أرافقه بينما يشتري ثيابه .. وكل ذلك لأن خطيبته أثنت على ذوقه في ثيابي التي استعرتها لتتباهى بها أمامها "
رد عليه داغر مدعياً الحنق:
" كف عن معايرتي بها .. كانت مرة واحدة .. جعلتني أتوب بعدها لكثرة تندرك بها .. وكفاك ثرثرة جوفاء .. ونفذ ما طلبناه منك على الفور .. فعلى ما يبدو لنا أنك لست متحمس لتلحق بموعدك .. وتفضل الحديث معنا عليه "
نظر جان إلى ساعته ليصعق والوقت يداهمه .. ليعقد حاجبيه باستياء وسبة أفلتت من فمه وصلت لأصدقائه الذين تقبلوها بابتسامة محبة .. ليردف داغر قائلاً بغبطة :
" دعنا على الأقل نراك عبر الهاتف كيف تبدو .. لنشعر أننا نشاركك في كل خطوة تخطوها في طريق سعادتك .. كما شاركتنا أنت .. دعنا نفرح معك ونتخيل أننا من ألبسناك حلتك كما فعلت مع كل واحد منا .. ولولا أنني أعلم حميتك .. وأنه أمر لا يجوز لكنت طلبت منك أن نبقى معك على الهاتف ونقرأ الفاتحة معكم "
" بارك اللهم بكم .. ستكونون في حفل الزفاف إن شاء الله "
" بل سنكون في حفل الخطوبة أيضاً .. ولن يشهد أحد سوانا على عقد قرانكما "
قالها داغر مؤكداً .. فابتسم جان بإثارة وقال بمكر:
" أخشى أنني لن أستطيع وعدكم بهذا "
" أيها الماكر إلى ماذا تسعى ..؟ "
قالها داغر وقد أدرك ما يفكر به صديقه ..
تنهد جان بعمق وأجابه بصوت أجش :
" إلى عقد قران يكون في نهاية الأسبوع .. أي بعد ثلاثة أيام من اليوم .. ولا أخفيكم مدى لهفتي لذلك اليوم "
قالها وأغلق الهاتف على صراخهم وتهليلهم .. بعد أن ودعهم على أن يتصل بهم حين عودته .. ويخبرهم بكل التفاصيل .. ضحك جان وهو يغادر غرفته يردد بخفوت
( يا لهم من ثلة تحب الثرثرة وتقصي الأخبار كالنساء )


*********

تأمل جان المكان حيث جلس وأهله .. هي الغرفة ذاتها التي جلسوا فيها في المرة السابقة ..
لماذا إذاً يشعر بأنها مختلفة هذه المرة ..؟
لماذا يشعر أن كل شيء فيها يتراقص فرحاً كتراقص دقات قلبه في هذه اللحظة ..؟
عيناه لم تفارقا الباب ينتظر أن تطل حوريته عبره ..
يشعر أنه من سيفقد الوعي هو هذه المرة ما أن يراها ..
شوقه يستعر بين جنباته حتى يكاد يحرق المقعد تحته بلهيبه المشتعل ..
أخذ يحدث نفسه لاهياً عن الحديث الدائر حوله ( لماذا تأخرت كل هذا ..؟ ألا تدري بتلك النيران التي تأكل أحشائي من فرط لهفتي وتوقي لرؤياها .. ألم تخبرها روحي التي ما بارحتها عن فرط لوعتي واحتراقي )
بتر حديثه لنفسه وانفرجت أساريره .. عندما دخلت ترفل بفستانها الأبيض المزهر بأزهار الربيع .. ووجهها كالشمس يشع على استحياء وسط غيمة شعرها الذهبي ..
وقف مبهوتاً يحملق بجمالها الأخاذ .. يكاد يلتهمها بعينيه ..
مع كل خطوة تخطوها نحوهم .. كان يشعر و كأنها تخطوها على دقات قلبه .. التي أخذت تقرع كالطبول حتى كادت تخترق صدره زحفاً إليها ..
كانت فائقة الحسن والجمال ..
ليحبس أنفاسه عندما وقفت قبالته تمد كفها لتسلم عليه ..
أخذ يتأمل ملامحها القريبة جداً .. غارقاً في بحور عينيها الزرقاوين .. وعطرها الهادئ مثلها يداعب أنفه فأصابته بالخدر ..
كانت مبهرة بحق .. فاقت كل خيالاته عنها .. شارد في وجهها وحسنها ..
رفع كلتا يديه يحتضن كفها الناعمة بين كفيه .. لترتعش أوصاله وتثور دماؤه تقذف بحممها المحرقة في عروقه .. وذلك عندما شعر بارتعاش كفها بين كفيه المرتعشتين ..
ضغط عليها بشدة يرفض إفلاتها عندما حاولت سحبها.. مما دفع الدماء إلى وجهها من شدة الانفعال والخجل .. وتمنت لو تتلاشى من أمامه..
لكن عصا أبيه الغليظة التي ضربت خاصرته وتوبيخه وصله ناهراً:
" تأدب "
أخرجته من تيهه بها وأجبرته على إفلاتها على مضض ..

تراجعت جين حينها بخطوات مرتعشة وجسد يرتجف .. وجلست على المقعد قبالته .. تضع كفيها في حضنها تفركهما بتوتر ظاهر .. مطرقة عينيها عن سهام عينيه التي تكاد تخترقها ..

تنحنح والده بقوة ينبه ذاك الغافل عنهم .. وكم ود لو كانت الضربة على رأسه بدل خاصرته عله يستفيق ويتوقف عما يفعله ..

تمالك جان نفسه بصعوبة .. والتفت إلى ما يقوله أباه وفرهاد الذي ينظر إليه باستنكار وعيناه تقدحان بغضب ..
فتجاهله بكل برود وعنجهية .. فلن يسمح لأحد أو أي شيء أن ينغص عليه بهجته هذا اليوم ..

على المقعد قبالته جلست جين وحالها لا يختلف عن حاله بشيء .. تمسك نفسها كي لا تغيب عن الوعي مرة أخرى من فرط انفعالاتها ..
فهذا بات دأبها في الآونة الأخيرة ..
تقبض بقوة على كفها التي ضاعت بين كفيه الضخمتين .. لتشعر بضياع روحها معها ..

تحاول عبثاً تفسير كل ما يموج في داخلها .. ولا تجد له سبباً سوى الشعور بأنها سبق وقابلته واستكانت له ..
شعور بالإثارة يدغدغ مشاعرها .. وتجعل نبضاتها تتسارع بقوة ..
كلما رفعت عينيها تحاول التمعن في ملامحه .. تقبض عليها عيناه المترقبة لكل حركة منها متلبسة باستراق النظر .. يغمز لها بعبث .. فيرفع بذلك نيران انفعالاتها إلى أقصى درجاتها ..

أخفى جان ابتسامته بصعوبة .. وشعور بالانتشاء يطغى عليه .. وهو يدرك تأثيره عليها .. أعجبه ارتباكها وتلبكها الذي تحاول إخفاءهما عن عينيه المتربصتين لكل التفاتة منها وأشعره ذلك بالامتلاء ..
تململ بعد فترة وهو يشير لوالده برأسه .. يحثه على إنهاء الأمر بسرعة .. فما عاد يصبر أكثر على حديثهم الذي طال كثيراً في تفاصيل لم يلتفت لها ولا تهمه بشيء .. هز أباه رأسه بتفهم ثم التفت إلى فرهاد قائلاً :
" هل نقرأ الفاتحة يا ولدي "
سكت فرهاد لبرهة وهو ينقل نظراته إلى جان الذي ينظر له بترقب مميت ..
أراد أن يرفض فقط كي يغيظه ويستفزه ..
ولكنه تراجع عن ذلك عندما لمح تورد أخته وابتهاجها الجلي لعينيه ..
التقطه بعينيه رغم أنها حاولت إخفاءه عمن حولها .. ولكنه الأعلم بأخته وبكل ما يصدر عنها .. لذلك أومأ برأسه قائلاً بغصة :
" على بركة الله يا عم "
بعدها رفع الجميع أيديهم وتلوا الفاتحة على نية التوفيق والقبول ..
مسح جان على وجهه بعد أن أنهى قراءة الفاتحة بدوره وحمد الله وشكره على فضله ورحمته به ..
لتنطلق زغاريد أمه وأخته تدوي في المكان .. بفرح وسعادة ..

استقام جان متوجهاً إلى حيث وقف فرهاد بدوره .. فسلم عليه وعانقه برجولية رابتاً على ظهره بكلتا يديه بامتنان مباركاً له ولنفسه .. ثم التفت ينحني على يد والده الذي سحبها وأمسك به محتضناً إياه بقوة واعتزاز ..

ابتعد عن والده لتتلقفه أمه إلى أحضانها .. تمسك وجهه بين يديها تقبل جبينه وخديه بحنان .. ودموعها تنساب على خديها من فرط سعادتها وسرورها ..
ثم سلم بعدها على أخته وزوجة أخيها ..

وحان دورها هي .. هي الواقفة مطرقة الرأس بخجل وحياء .. أربك قلبه وكاد أن يسبقه إليها يسكنها جوفه وبين نبضه .. لكن خطواته المتلكئة بخبث جعلتها ترفع عينيها المتسائلتين بترقب ..
فابتسم لعينيها وغمزها خفية ..
ثم التفت وسط ذهولها ووجلها إلى أخيها الذي لا يقل ذهولاً عنها.. ونظر إلى أبيه المجاور للأخير .. يطلب دعمه فيما سيقوله .. ليومئ له أباه برأسه موافقاً ..
فقال بحسم موجهاً كلامه إلى فرهاد :
" أريد أن تكون الخطبة وعقد القران يوم الجمعة "

حدجه فرهاد بحنق .. وهز رأسه رافضاً الفكرة وصاحبها .. فالواقف قبالته يعتقد أنه سيملي عليه رغباته بكل عنجهية وعته .. فقال باستنكار:
" الأمور لا تمضي كما تشتهي أنت وترغب .. ! ثم كيف لقت بأختي أن تتم خطبتها وعقد قرانها بهذه السرعة .. ؟
ماذا عن عاداتنا وتقاليدنا ..؟
لا يمكن أن نتخطاها وأنت أكثر من يعلم بذلك –
ثم أردف بمغزى – يكفي أنني وافقتكم على قراءة الفاتحة متغاضياً عن كل شيء "
ربت والد جان على كتف فرهاد .. رامقاً ولده بنظرة لائمة ومتوعدة لأنه وضعهم موضع مخجل .. وقال له بتفهم مبطن باعتذار :
" ولدي لا يجرؤ على التقليل منك أو من ابنتنا بني .. أنا أعلم أن العادات تقتضي أن يكون معنا كبار عائلتنا ووجهاء البلدة وأعيانها .. وهو ما يليق بك وبعروستنا وبنا أيضاً .. ولا نرضى لكم بغيرها .. لكن لا تظن أننا تغاضينا عنها أو تناسيناها .. أبداً وربي وما قراءة الفاتحة اليوم إلا ميثاق بيننا .. نريح بهما قلبيهما من القلق والاضطراب ..وسنأتيكم يوم الجمعة إن شاء المولى حسب العادات والأصول .. تكون أنت حتى حينها قد دعوت من ترتئيه مناسباً لحضور مناسبة كهذه ..
لكن قبل ذلك لي رجاء عندك أرجو أن توافق عليه ..
أنا أضم صوتي لصوت ولدي فيما يخص عقد القران وقد كان اقتراحي عليه .. فأنا لا ارتضي لهما خطوبة دون عقد شرعي بينهما .. فلا يجوز له أن يجالسها وتجالسه دونه .. وأظنك مثلي لا تحبذ ذلك ..
لذا أرجو منك أن توافق على عقد قران يعقده ابن عمي الشيخ رشيد بحضور الشهود يوم الجمعة .. من ثم نوثقه في المحكمة قبل موعد الزفاف .. فولدي سيسافر الأسبوع القادم إلى العاصمة لإنهاء رسالته كم تعلم وأود أن ينتهي الأمر قبل ذلك .. فما قولك ..؟ "

أطرق فرهاد يدير كلام هذا الرجل الوقور في عقله .. هو كان يفكر بنفس الأمر ولكن كبرياؤه منعه من طلبها .. وما كان حنقه من جان إلا لأنه شعر به يتصرف وكأن أمره نافذ على الكل وواجب عليهم طاعته .. وما داموا سيفعلون ما يليق بأخته .. فلا داعي للمماطلة وتأجيل المحتوم ..
رفع رأسه وابتسم لوجه الرجل المترقب جوابه بفضول .. وأجابه بإجلال :
" تالله لا أردك عماه .. فأنت كبيرنا وأنا أثق بحكمتك وما تقوله مطاع.. وطلبك مجاب بإذن الله "
زفر جان أنفاسه التي حبسها داخل صدره بارتياح .. ونقل أنظاره إلى تلك التي تشع ألقاً وابتهاجاً .. ثم أعاد بنظراته الغامضة إلى فرهاد .. وابتسامة سمجة - كما وصفها فرهاد في نفسه - تلوح على فمه ..
فبادره فرهاد لاوياً فمه بامتعاض:
" ماذا بعد وقد حصلت على ما تريد ..؟ "
رفع جان يده يتخلل شعره باضطراب .. وقال بمواربة :
" لقد سمعتُ بما يسمى بالرؤية الشرعية .. وأنا لم أقم بها بعد ..! "
صرخ فرهاد في وجهه وقد وصل تحمله له إلى منتهاه :
" إذاً ما كان كل هذا ..؟ أنت لم ترفع عينيك عنها مذ جلستْ.. وقد أمسكت نفسي عنك بصعوبة .. لا تظنني كنت غافلاً عنك .. والآن تتبجح بأنك لم تقم بها "
رد عليه باستفزاز :
" وهل تسمي بضعة نظرات استرقتها عنوة منكم برؤية شرعية ..؟ أنا لم أسمع صوتها حتى –
ثم غمزها خفية قبل أن يتابع بعبث – ماذا لو كانت بكماء وتخفون الأمر عني ..! "

استشاط فرهاد غيظاً منه .. وقبض يده يمنعها بصعوبة كي لا يلكمه في وجهه لاستفزازه له .. لكن ما لبثت أن ارتسمت ابتسامة متشفية على فمه ..عندما تولى والد ذلك المستفز القيام بها .. فضربه بقبضته على مؤخرة رأسه .. وهو ينهره بلوم :
" كفاك عبثاً واستهتاراً.. وإلا أنا من سيمنعك عنها .. وأرني حينها ما تستطيع فعله "
رفع جان كفه يمسد رأسه حيث ضربه والده .. مدعياً البؤس ..
ونظر إلى والدته باستعطاف رق له قلبها .. فدنت من فرهاد تستجديه بحنو بينما تشير إلى الشرفة الملحقة بالغرفة :
" اسمح لهما بالجلوس في الشرفة بني .. سيكونان تحت أنظارنا لا تقلق "
أومأ فرهاد على مضض وأشار لأخته الواجمة تحملق بهم باضطراب قائلاً بتشديد :
" رافقي جان إلى الشرفة حبيبتي "
تطلعت جين بأخيها ببلاهة لا تعي ما طلبه منها .. فأشار لها مرة أخرى حتى فقهت مراده ..

حاولت تحريك قدميها المتسمرتين بالأرض .. فلم تستطع فهي ظلت طيلة الوقت واقفة على قدميها حتى تخشبتا .. وزاد عليها عندما علمت أنها ستجلس معه لوحده ..
كيف ستجلس معه لوحدهما حتى لو أنهما سيكونان على مرأى من الجميع ..
لكن الأمر اربكها ورفع من وتيرة انفعالاتها ..
لكزتها أفين بخفة على كتفها عندما وجدتها على هذه الحالة .. وهمست لها بخفوت كي لا يسمعها الباقيين .. تسألها وقلبها متخوف من أن تفقد وعيها من جديد :
" هل أنت بخير ..؟ "
هزت جين برأسها أن نعم .. فتنفست أفين الصعداء وأردفت بخفوت:
" ما بك إذاً تسمرت في مكانك ..؟ الرجل ينتظرك عند باب الشرفة بنفاذ صبر "
نظرت إلى حيث أشارت أڤين .. فوجدته يقف بهيئته الرجولية ووسامته الطاغية .. يتطلع إليها بنظرات جعلتها تود لو تختفي من أمامه..
أطرقت برأسها تحاول كبت تأثرها به .. ثم دفعتها أڤين فتحركت قدماها بلا إرادة منها تأخذها إليه ..
عيناه تكاد تلتهمانها بنظراته .. مدعياً سيطرة لم يعد يملكها في هذه اللحظة ..
يراقب خطواتها المتعثرة .. وخطوط جسدها التي تشي بمدى انفعالها ..
وما أن وصلت لمحاذاته حتى همس يشاكسها بصوت متحشرج أجش :
" أنتِ مدينة لي بإغماءة "
رفعت رأسها باستغراب وصدمة تعلو وجهها .. تبحلق فيه بحيرة بعينيها الزرقاوين التي سلبت لبه .. فأطاحت بكل ثبات كان يدعيه ..

رعشة منتشية سرت في سائر جسده .. ولمعت عيناه بوميض عابث .. عندما رأى تخبطها وحيرتها تلك ..
فأردف مداعباً لامتصاص صدمتها :
" ماذا ..! ألم أسندك عندما أصبت بالإغماء ..؟
عليك إذاً أن ترديها لي .. فأنا أشعر بأنني سأفقد الوعي ..! فهل أنت قادرة على إسنادي يا ترى ..؟ "
قالها غامزاً ..

ليتخضب وجهها بحياء .. في الوقت الذي انفرج ثغرها عن ابتسامة خجول .. أصابت قلبه في مقتل ..
بابتسامة منتشية ومكر أنثى تعرف تأثيرها عليه .. تجاوزته تاركة إياه خلفها يلملم شتات روحه التي بعثرتها ودخلت إلى الشرفة ..
لحق بها قائلاً بنبرة مغرية :
" أما وإن كنت تشعرين بالإغماء ..؟ – وسكت وقد تهدجت أنفاسه لذكرى سابقة ليضيف بدفء وأنفاس ساخنة – فاطمئني سأتلقفك بكل رحابة صدر "

قالها ويده ترتفع إلى موضع قلبه يربت عليه يهدئ خفقاته ..
عندما فعل ذلك أحس بسوارها الرابض هناك .. فأدخل يده يخرجه أمام عينيها المترقبتين .. لتتسع بذهول وهي ترى سوارها الذي أضاعته يتدلى من بين أصابعه ..
فخرجت شهقة من بين شفتيها .. غامت عيناها بدموعها .. وترنحت من تأثير الصدمة .. شعر جان بترنحها فانقبض قلبه جزعاً عليها .. وخاف أن يغمى عليها من جديد ..
فهمَّ ليقترب منها ..
لكنها رآها كيف تمالكت نفسها قبل أن تهمس بشحوب .. والكلمات تتلجلج على شفتيها :
" من أين .. أين .. لك به ..؟ "
دموعها التي تجمعت في حدقتيها أوجعت قلبه وأحرقته ..
فدنا يقول بدفء:
" تعالي لنجلس أولاً .. وسأخبرك بكل شيء "

انصاعت لطلبه وجلست على أقرب كرسي لها .. ليسحب هو بدوره كرسي وقربه من كرسيها ..
في الوقت الذي حضرت أڤين بتحريض من زوجها الممتعض .. تحمل كأسان من العصير وضعتهما على الطاولة أمامهما .. وهي تنقل أنظارها المتوجسة بينهما .. وقد انتبهت لدموع جين الحبيسة خلف جفنيها ..
فسألت بريبة :
" ما الذي يجري هنا ..؟ "
أجابها جان ببرود:
" لا تجزعي هكذا .. فلا شيء يدعوك لذلك .. مجرد سوء فهم وسأحله بطريقتي "
استاءت أفين لبروده وأجابته بخشونة:
" كيف تريدني أن لا أجزع وأنا أراها بهذه الحال ..؟ ماذا فعلت لـها ..؟ ولم تكادا تجلسان – ليلتجم لسانها .. وتجحظ عيناه باندهاش عندما لاحظت ما يمسكه بيده فأردفت مستفهمة – أين عثرت عليه .."
أجابها جان بجدية وهو يحدق بجين يراقب اختلاجها .. يمعن النظر بملامحها الحزينة :
" سأخبر صاحبة الشأن فقط "
" يا له من متكبر "
همست بها أڤين لنفسها قبل أن تتركهما وتدلف إلى الداخل .. وقد وصلها تلميحه الصريح بأن لا شأن لها بما يحدث بينهما ..
لتبتسم بظفر وشماتة ..
فهو لا يدري أن جين لا تخفي عنها شيئاً ..

ما أن ابتعدت حتى سألها جان دون مواربة :
" هذا سوارك أليس كذلك ..؟
هزت جين رأسها موافقة ..
لينظر إليها نظرات غامضة مراقباً كل ردة فعل يظهر على وجهها .. تابع وشعور بالألم لم يختبره من قبل ينخر قلبه :
" لم تأثرت بهذا الشكل عندما رأيته ..؟ هل يعني لك كل هذا ..؟"

ابتلعت جين غصتها .. فهي حتى الآن لا تصدق أنها أخيراً عثرت على السوار الذي أهداه لها والدها ..
كم حزنت وبكت لضياعه ..
فأجابته بشجن غير واعية للنظرات التي يرمقها بها:
" يعني لي الكثير .. أكثر مما تتخيل "
" لما ..؟ "
قالها بخشونة ..
أجفلت جين من نبرته فرفعت عينيها مستغربة خشونته .. لتلمح وجه مقفراً من أي شعور .. وقد عقد حاجبيه بغضب .. ينظر لها بعينيه القاتمتين نظرة صقيعية .. أرجفت قلبها واربكته .. وألجمت لسانها فمنعتها من النطق ..
أمرها بصرامة :
" تحدثي "
أسرعت تقول متأتأة :
" لأنه .. والدي .. هو هدية والدي رحمه الله لي قبل موته "
قالتها وانخرطت في بكاء مرير ..
أما هو فقد زفر أنفاسه التي كادت تخنقه ..
وانفرجت أساريره بارتياح ..
فقال بصوت أجش:
" أقسم أنك كدت ترديني قتيلاً "
توقف نشيجها وقد احتارت في أمره ..
ما باله .. ؟
مزاجه يتقلب بسرعة البرق بين اللحظة والأخرى ..
أتراه دائماً هكذا..؟
سمعته يقول بصدق :

" اعتذر لأني أحزنتك .. لكن عذري أني لم أعلم "
رفعت حدقتيها المحملة بغيوم عينيها تنظر له بحيرة ..
عقلها غير قادر على فهمه .. وتخشى أن يكون عائقاً بينهما ..
لذا نفضت ضعفها الذي سببه لها رؤية السوار ..
تمالكت اتزانها.. ومسحت دموعها بأصابعها ..
هي يجب أن تكون بكامل وعيها وادراكها ..
فهي تقف على مفترق مصير يحدد ما ستكون عليه حياتها القادمة .. والقلب مازال متخبط في مشاعره لا يعرف ما هيتها ..
لذا على عقلها أن يدلها على السبيل الصحيح ..
سألته بجدية تلبستها :
" هلا أفصحت وقلت لي كيف حصلت على سواري من فضلك ..؟
ولم ألمح كل هذا التشكيك في نبرتك ..؟ "
لم يكن يصغي لما تقوله .. فقد كان غارق فيها .. غارق في تفاصيلها المهلكة .. في ملامحها الرقيقة .. في أنوثتها الطاغية .. غارق في أناملها الناعمة التي رفعتها تمسح بها وجهها ..
تأوه يقول في تيه :
" ليتها كانت أصابعي "
هل هو مخبول ..؟
أتراه يعاني مس في عقله ..؟
سؤال طرأ على ذهنها وتوجس له قلبها ..
ليردف وهو مازال على تيهه بها :
" ليتها أصابعي من مسحت دمعاتك .. وحظيت بمذاق الشهد على وجهك .. وبملمس الورد على خديك .. ليتها كانت فتعيد لروحي الحياة "

شهقت ترفع كفيها المرتعشتين تغطي بهما وجهها .. الذي استحال إلى ثمرة خوخ حمراء .. وانكمشت خجلاً .. جراء غزله الجريء بها .. جعل كيانها كله يهتز ويختض له ..

وهو شعور بالنشوة سرى في أوردته وأشعل رغباته ..
وهو يشعر بارتعاشها ..
ود لو أخذها في أحضانه في التو ليوقف ارتعاشها ..
أو يزيده ..!

تطلع إلى كفيها التي تغطيان وجهها ..
فهمس بصوت عميق متحشرج حاول إخراجه بطبيعية :
" أنت تحرضينني بالفعل كي استبدل كفي بكفيك "
أبعدت كفيها بسرعة تنزلهما إلى حضنها تفرك أصابعها بارتباك ..
انفجر ضاحكاً باستمتاع حتى كادت أن تدمع عيناه ..
" كف عن إحراجي لو سمحت "
بالكاد همستها بخفوت .. حتى ظنت أنها لم تصله .. لكنه وصلته وفعلت به الأفاعيل
( ويلك يا جان إن كان صمتها يعذبك .. فصوتها هو الموت نفسه)
همس بها لنفسه ..

ضحكته المستمتعة وصلت لفرهاد الذي كان يراقبهما بضيق .. يرهف السمع جيداً عله يسمع ما يقوله ذلك العابث لأخته .. فلم يصله سوى همهمات خافتة لم يفقه منها شيء ..
لكن ارتباك أخته واحمرار وجهها .. جعله على يقين أن ذلك الأحمق يغازلها أمام عينيه .. مما أشعل حميته وزاد من ضيقه وتململه .. فاستقام بحمائية ناوياً إنهاء جلستهما تلك .. واخفاء أخته عن أنظارهم جميعاً ..
ولو ترك الأمر له لرمى الآخر من الشرفة بلا تردد ..
لكن يد والد جان أمسكت بمرفقه برفق يمنعه عن تحقيق نيته .. وقد أدرك ما يدور في خلد ه .. فقال بهدوء :
" دعهم يا ولدي فهما ما كادا يجلسان .. هي حياة طويلة تلك التي سيقضيانها معاً .. فلا ضير إن اتحنا لهما الفرصة قليلاً .. كي يتعرفا على بعضهما جيداً علَّ دروبهما تتلاقى .. أما إن لم تتوافق سبلهما الآن .. سنكون قد منعنا وقوع مأساة محتمة "
أقنعه كلام الرجل فتراجع ليجلس في مقعده .. رغم رغبته التي تدفعه لخنق جان في هذه اللحظة .. وشعور آخر ينازع رغبته ويدحرها بعيداً ..
وهو أن جان وحده من يستحق أخته ويليق بها ..

لمح جان ما حصل بطارف عينه .. وقد أدرك ما كان ينتويه فرهاد .. فكز على نواجذه غيظاً متجاهلاً إياه ..
ثم التفت إلى قطعة الخوخ التي تجلس بجانبه .. كم ود أن يتلقفها مبتلعاً إياها لجوفه دفعة واحدة .. ليسكنها جوى قلبه .. ويستمتع ويتلذذ بتذوقها قطعة قطعة ..
نفض خيالاته يمنع استرسالها في ذهنه بصلابة .. وإلا فلن يكون مسؤولاً عن جنون ما ستقوم به في الحقيقة .. وسألها مداعباً :
" يبدو أنك ما عدت تريدين معرفة كيف حصلت على السوار "
ردت بلهفة وطفولية :
" بلى .. بلى أريد "
حوقل في قلبه بصمت .. متمالكاً نفسه عنها بصعوبة ..
ثم بدأ بسرد كل ما جرى معه في عيد النوروز حتى الساعة .. يخبرها كيف أنه تنكر في زي فتاة ليبحث بين مئات الفتيات عمن تستكين لها روحي ..
يبثها أنين روحه وهي تهيم في الملكوت بحثاً عنه ..
يحكي لها عن تخبط فؤاده في مشاعر لم يعرفها من قبل ..
يحدثها عن مس اتهم به .. وكيف أنه جن ودرب الجهالة اعتنق ..
روى لها كل ما شعره وكابده منذ أن لمح طرف طيفها ..
ومع كل حرفاً كان ينطقه كانت خفقاتها ترتفع ..
تتماهى مع مشاعره وتنسجم ..
فمشاعرها لم تكن أقل تخبطاً من مشاعره ..
الفرق أنه كان منذ البداية يدرك بأنها فتاة ..
أما هي فكانت تعاني ارباكاً اقعدها طريحة الفراش لفترة ..

صمتَ بعدها يستمع همس عينيها التي أوشت بما بخل به لسانها .. أخبرته بما عانته وكابدته بدورها ..
وهل هناك أصدق من حديث العيون .. ؟
وحديث عينيها متقد ..
ترميه بشهبها الزرقاء .. فتحرق جوفه .. وتضرم نيراناً تأتي على كل خلية في جسده ..
زفر أنفاسه الملتهبة .. وقال بحرارة :
" سبق وسلبت روحي .. وهذا قلبي وضعته بين يديك .. فترفقي بعقلي الذي وصل حد الجنون .. فحسنك يا بهية جنون ما بعده جنون "
هل تندر عليها في وقت سابق ووصفها بالبكماء ..؟
لماذا تشعر إذاً أنها بالفعل أصبحت كذلك ..؟ فهي قد خرست تماماً أمام كل ما يقوله ويفعله.. وسكتت عن الكلام .. فالصمت في حرم العشق عشق ..

و في حضرة صمتهما .. دخلت أڤين ووقفت تتأمل جمودهما في ذهول وكأنهما تمثالين من الشمع .. تنحنحت تنبههما من غفلتهما .. وقالت ممازحة :
" مرحباً يا معشر الهائمين .. أنا هنا إن تنبهتم "
ثم أردفت ما إن تطلعا فيها بغرابة وكأن ما قالته استعصى على عقليهما :
" العشاء جاهز .. ونحن في انتظاركما "
" لست جائع "
" لست جائعة "
خرجت من أفواههما في الآن نفسه ..
فابتسم جان ونظر إليها بوله ..
لتبادله بابتسامة خجول قبل أن تطرق رأسها باستحياء ..
أمسكت أڤين ضحكتها كي لا تطلقها في وجهيهما .. فقد كانت هيأتهما تدفع للضحك بحق .. وقالت بمغزى :
" أرسلني فرهاد كي استعجلكما .. وقد نفذ صبره في انتظاركما "

تطلع جان إلى داخل الغرفة ليجد فرهاد يناظره من بعيد بمكر .. جعله يضغط على أسنانه بغيظ متمتماً بسبة لم تصل لمسامع الجالسة قربه ..
ثم قال لأڤين باستياء:
" أخبريه أننا قادمان .. وقولي له أن جان يقول لك تحلى بالصبر لبضع دقائق أخرى لن يضروك .. فالصبر من شيم الكرام "
أجابته أڤين متهكمة بينما تلتف عائدة من حيث أتت :
" قلها له بنفسك .. فلست على استعداد لتدق عنقي .. ولا تتأخرا فتُدق عنقك أنت "
قالتها مقهقهة باستهزاء ..
استقام جان واقفاً يكتم غيظه عنها كي لا يكدرها .. ورفع السوار الذي كان يمسك به بين أصابعه طوال الوقت ليضعه في جيبه .. فاستوقفه صوتها العذب قائلة بنعومة :
" أعد لي سواري من فضلك "
أنزل كفه وبسطها والسوار في وسطه وقال بمكر :
" هو لك خذيه "
توجست جين من نبرته .. ومدت أصابعها المرتعشة بحذر تتناول السوار منه .. وما أن لامست كفه حتى أطبقت على أصابعها والسوار معاً ..
اختض واختضت ..
وقرع دقات قلبيهما صم الآذان ..
حُبست الأنفاس لثوان ..
ثوان كانت كافية كي تسحب كفها وتطلق قدميها للريح ..
تفر منه ..
من لظى سعيره ..
من كل ما أضرمه في جوفها ..
مخلفة وراءها جسد يحترق في جحيم لمستها .. يفكر إلى متى سيكتفي بفتات اللمسات واللمحات ..






نهاية الفصل السادس

قراءة ممتعة أتمناها لكم


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــ


Mays Alshami غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 02-03-21, 09:35 PM   #78

Mays Alshami

? العضوٌ?ھہ » 458001
?  التسِجيلٌ » Nov 2019
? مشَارَ?اتْي » 53
?  نُقآطِيْ » Mays Alshami is on a distinguished road
افتراضي عانقتني روحها

الخاتمة
فما أحلاه من خمر العناق
أريدك لا أريد سواك حباً
وإن كان الهوى فيه احتراقي
أريدك دائماً أبداً .. وأحيا
على أمل بأن يحلو التلاقي
فأنت محبةٌ تسمو بروحي
وقلبٌ رائعٌ في العشق راقِ
أحبك ما بقى في القلب نبضٌ
وإن يفنى .. ! فعشق الروح باق


*علاء سالم

***************


الجمعة بعد العصر

لفيف من الناس ممن حضروا مع آل الشيخ كجاهة لخطبة جين .. نساء ورجال اجتمعوا في بيت الآغا ..
عدا عن هؤلاء الذين دعاهم فرهاد من طرفه .. ليكونوا حاضرين في مثل هذه المناسبة ..
كما تقتضي عاداتهم وتقاليدهم ..
فالعادات تقول إن اتفقت عائلتان على المصاهرة بينهما .. يقوم أهل الخاطب بدعوة كبار أقاربهم من أعمام وأخوال .. ممن لهم مكانة عالية .. ومعروف لدى الناس ..
وكذلك يدعون من معارفهم من كانت له نفس المكانة ويليق بهم ..
وأهل المخطوبة أيضاً يقومون بنفس الشيء .. وكلما كان عدد من دعوهم أكثر ..
كلما دل على ما تتمتع به العائلتان من السمعة الحسنة والمكانة العالية ..

وآل الشيخ وآل الآغا من أشهر عائلات هذه المدينة وأكبرهم .. وقد ملؤا أطراف مجلس بيت الآغا .. الذي تعدت مساحته أكثر من العشرة أمتار مربعة .. أمامهم رصت مائدة طويلة وضع عليها ما لذ وطاب من الطعام والشراب ..

في الغرفة المجاورة للمجلس .. كان جان يجلس على الأريكة إلى يسار الشيخ رشيد .. يضغط بشدة بكفه على كف فرهاد وكيلاً عن أخته بينما الشيخ يعقد القران ..
ما أن أنهى الشيخ عقد القران .. حتى قام جان وعانق فرهاد عناق أخوي يشد على كتفه بتعاضد بادله إياه فرهاد بتؤدة..

قلب جان يكاد ينفرط من شدة انفعالاته ..
لا يصدق أنه اخيراً امتلك قلبها ولهاً وشرعاً ..
أصبحت له زوجته نصيبه من الحياة بل هي الحياة كلها ..
قمر يضيء ظلمة لياليه ..
وشمس تشرق فوق أيامه القادمة حتى نهاية العمر ..
أقسم أن يغرقها ويغرق معها في بحور العشق .. يعلمها كيف أن الغرق فيه نجاة .. وأن البعد عنه هلاك ..
ينهل من رحيقها حتى يثمل من عبير هواها .. سيجعل من توقهم لحناً يتغنى به ..
ويغزل لها من كلام الهوى لغة جديدة ما لم تسمعه أي من نساء العالم ...
سيطرح الدنيا تحت قدميها ويكون لها الحياة ..
أفاق من أفكاره وأباه يحاوطه مهنئاً بحنان جارف .. وعيناه تلمعان ببريق دموع أبوية ..
فخور مطمئن على وحيده وسنده .. يبارك له بفوزه بمن سلبت لبه وهام بها عشقاً .. فضمه إليه قائلاً :
" مبارك لك ولدي الحبيب .. حفظكما الله وتمم لكما على خير وأنار أيامكما بالسعادة والهناء "
بادله جان حضنه وربت على ظهره بإجلال ومحبة متبادلة وسعادة تطفر من محياه متمتماً بتبجيل :
" اللهم آمين .. وحفظك لي وبارك بك أبي "

انهالت التهاني والمباركات من الجميع عليه .. تلقاها هو بقلب راجف مشتاق للقائها ..
ونفس تتوق لاحتضانها يروي عطش روحه لها ..
ليشبع من نور عينيها ودفئهما ..

نظراته تحيد إلى الباب بين اللحظة والأخرى يرقب دخولها منه.. فهو يعلم أن زوجة أخيها ستأتي بها إلى هنا بعد عقد القران بحكم تقاليدهم .. لتسلم عليه وعلى حميها و ذويها ..
تململ بقلة صبر ..
وكم كره ولعن تقاليدهم وكل ما يتعلق بها في هذه اللحظة المقيتة من الانتظار ..
كيف يريدون منه أن يردع نفسه عنها وهي التي باتت زوجته ..؟
أخذ نفساً حاراً بحرارة ما تعنيه هذه الكلمة من حميمة وشجن .. جعلت جسده يرتعش .. فرفع يده يلهي نفسه ..
يتحسس جيب بذته حيث تقبع هديتها ..
هدية غير تلك التي ستهديها لها أمه ..
لقد أوصى صائغهم الخاص أن يصنعها لها على وجه الخصوص ..
رغم أن أمه أخبرته أنه لا داع ليلبسها أي شيء مادامت هي ستفعل ..
لكنه أصر على ذلك ..
أصر أن يهديها ميثاق عشق أبدي بينهما ..

دخلت أفين ومعها أخته نوشين تسبقانها .. وأصوات زغاريدهما المتواصلة والعالية تهز جدران المكان حولهم .. جعلت كل عصب في جسده يتأهب لدخولها ..
عيناه مصوبة نحو الباب لم تحيد عنه قيد لمحة .. تختطف من نبضه ألف نبضة ونبضة .. بل كل نبضاته اختطفتها .. وتركته بلا حول له منه ولا قوة ..
عندما التقط هيأتها الملائكية ..
شعر وكأن بريقاً كبريق الرعد ضرب قلبه فقسمه نصفين ..
تسمر في مكانه يجاهد أنفاسه المخطوفة بسحر فتنتها.. بطلتها التي خلبت لبه ..
كانت تبرق فتنة بفستانها الذهبي المنسدل بحشمة واتساع حتى لامس الأرض تحتها ..
يخفي عن عيون المتطفلين رشاقة قدها .. يتهادى خلفها بقماش من الشيفون المبطن ذو الخطوط المتشابكة .. مزين بحبات مترامية من اللؤلؤ تماثل بلونها لون الفستان بكمين متسعين على طول ذراعيها وينتهيان كالسوار حول معصمها .. .. يضيق عند خصرها النحيل الملفوف بحزام من المعدن الذهبي اللامع أيضاً ..
كلها بدت لعينيه كسبية من الذهب الخالص ..

سارت صوبهم وحياؤها الذي تنطق به كل خلجاتها يسبقها متهادياً إليه .. يرجوه أن يترفق بها ..
فيتجاهله وهو يكاد يلتهمها بعينيه ..
راقبها وهي تسلم على أبيه الذي مسح على شعرها مقبلاً أعلى جبينها بأبوة وحنان ..
فأخاها الذي أخذها إلى أحضانه .. يحتضنها بقوة .. يخفي دموع أخوته وأبوته عنهم بصلابة ..
ثم رأى أمه وهي تلبسها خاتماً من الذهب الخالص مرصع بحبات من الفيروز ينافس في لونه زرقة عينيها ..
سمعهم يهنئونها ويتمنون لها السعادة والفرح .. وهو واقف بتحفز ينتظرها أن تصل لعنده .. وملامحه المنفرجة تشي بمدى لهفته ..
ليعبس بوجهه فجأة وهو يراها تتجاهله .. ثم تستدير مبتعدة وتقف إلى جانب أفين تناظره بخفر ..
ابتسم لوجهها الحيي بعبث .. وغمزها بطرف عينه متقصداً ارباكها أكثر .. فيزداد توهج خديها واحمراره ..

حبيبته البهية الشهية ترد عليه فعلته السابقة .. لم تسلم عليه ولم تبارك له عقد قرانهما ..
ربما منعها حياؤها من أن تفعلها أمام أبصارهم التي تراقب كل التفاتة منها ..
أو ربما لأنها شعرت بخطورة التقرب منه في هذه اللحظة ..
وقد أصابت بهذا حقاً .. !
فمشاعره في هذه اللحظة من الخطورة ما يقد يجعله ينقض عليها أمامهم ..
ضارباً عرض الحائط كل من يحاول ردعه عن التهامها ..
ليشبع زئير روحه التي تطالبه بها ..
ويبدو أن زئيره قد وصلها فقد فرت من أمامه وخرجت كما دخلت تنجو بنفسها عن أنياب عشقه الحادة ..

****************

بعد برهة وقد نفذ صبره .. تحدث إلى فرهاد قائلاً بصلابة :
" هلا تكرمت وسمحت لي أن أعطي زوجتي هديتها ..؟ "
رد عليه فرهاد بصلابة أكبر:
" أولاً : هي ليست زوجتك بعد .. !
ثم أن أمك سبق وألبستها هدية ثمينة جداً ..
فلا داعي لأن تهديها أنت أخرى ..
ثم وقبل كل ذلك .. ! متى كان في يحق للخاطب أن ينفرد بمخطوبته لوحدها في عرفنا ..!؟ "
مستنكراً ما قاله أجابه جان بثقة مؤكداً على كلمة ينطقها :
" بل زوجتي حتى لو أنكرتَ ذلك .. وقد وقعتَ ميثاقه بيمنيك .. وبارك به الله من عالي سمائه .. أما عن هدية أمي فهي تخصها وحدها .. وأما عن هديتي فهي تخصنا أنا وجين ..
ثم اصغي إلي جيداً وضع ما أقوله في حسبانك احترامي لك ولزوجتي – قالها مشدداً عليها – قبل احترامي لأعرافنا .. يمنعني أن أطلب الانفراد بها لوحدنا .. فتصبح لقمة سائغة لألسن المغرضين والثرثارين .. وهذا ما لا أقبله ولا أرضاه لها تأكد من ذلك "
نظر له فرهاد بفخر لم يخفيه .. لم تخب توقعاته بشأن جان .. فهو قدر أدرك منذ البداية أنه رجل ذو أخلاق قل مثيلها في وقتنا الحاضر .. وعرف أنه سيصون أخته ويحفظها ..
لكن لا ضير من استفزازه قليلاً :
" هات هديتك .. وفيما بعد سأسلمها لها بنفسي "
استشاط جان غيظاً وقد أدرك تلاعب الجالس قبالته بأعصابه .. فرد عليه غيظه بغيظ :
" قد لا تحب زوجتي هذا .. وتود أن أعطيها إياها بنفسي .. وأنت تعلم أن الهدية تكون أجمل إن قدمت بيد صاحبها وليس بيد أخرى "
ثم أردف بتململ :
"والأن هل يمكنني رؤية زوجتي ..؟ أنا حتى لم تسنح لي الفرصة لأبارك لها "
أجابه فرهاد باستسلام .. وهو يجاهد لإخفاء غيرة فطرية على أخته التي صارت حلال هذا الذي يجادله فيها :
" ادخل لهم ولا تتلكأ كثيراً في الداخل .."

تحرك جان باتجاه الغرفة .. لا يشعر بقدميه تدوسان الأرض من تحته .. فهو يكاد يطير إليها .. طاوياً بضعة خطوات في لمح البصر حتى يصل إليها ..
فوقف بعتبة باباها .. يبحث عنها بعيون قلب قتله الجوى .. غير واع لهمزات المراهقات الحاسدة .. وغمزات النساء المشيدات بوسامة العريس وأناقته..
ولا حتى لأمه التي قامت من مكانها تتقدم منه .. تردد من الآيات ما يكفي ابنها شر الحسد والعين ..
فطن جان لإقبال أمه عليه بعيون تلمع بالدمع .. فانحنى مقبلاً رأسها ولسانها يدعو الله أن يحفظه ويبارك لهما ..
قادته أمه نحو مجموعة من النساء تبين بينهم أفين وأخته واقفتان كالحائط في وجه جموحه ..
تبسم لهما سائلاً بصمت عنها .. لتتحرك كلتاهما من مكانهما .. تفتحان المجال لبصره أن يلتقط هيأتها الخجول المتوارية خلفهما ..

جذبته بنظراتها الخجلة ..فاقترب منها كالمنوم بسحر جمالها .. يحاول بصعوبة أن يطفو بنفسه كي لا يغرق في بحور عينيها ..
ود لو يتلمس بأنامله نعومة جدائل شعرها المصفوفة فوق كتفيها وعلى طول ظهرها .. أن يهمس لأذنيها بكل كلمات الحب التي يعرفها ولا يعرفها دون توقف حتى يذوب فيها ويكتمل بها ..
لاقته باستحياء .. مخفضة عينيها أرضاً هرباً .. كي لا يلمح لفحات الصبابة المشتعلة بقلبها إليه .. وقد أخفت كفيها إلى جانبيها لعله لا يلحظ ارتجافهما في حضرته ..
دنا منها متمسكا بمسافة آمنة بينهما وهمس :
"مبارك يا قبلة الروح ومهجة النفس "
تبسمت جين بثغر مرتعش .. ورفعت رأسها إليه بوجه قاني من الخجل .. تنهل من وسامته المدمرة .. قبل أن تمتد يداه لجيب بذته من الداخل .. مخرجاً قطعة من قماش القطيفة الأحمر ..
فرده فوق راحة يده اليسرى كاشفاً عن سوار من الذهب الخالص .. يتدلى منها خمسة قلوب صغيرة .. نقشت على كل واحدة منهم عبارة لتشكل في النهاية جملة لعبت بأوتار قلبها فأخذ يغني بصخب .. يتوسطهم قلب أكبر حفر عليه بزخرفة مبهرة أول حروف اسميهما بالإنجليزية ..
ابتلع جان ريقه بصعوبة بالغة وهو يتناول السوار بكفه الأخرى ليقربها من معصمها قائلاً :
" طلبت من الصائغ أن يصنعه لك خصيصاً .. وفوق كل قلب من قلوبها أفشيت بسر من أسرار جوف قلبي – ثم همس بحرارة وبنبرة مبحوحة يتلو ما كتب عليه – وحدك كنت الحياة لروحي ولقلبي
احفظيه حتى يجمعنا يوماً تخبرك به قبلاتي عن باقي أسراري "
ثم ألبسها السوار بأصابع مرتعشة تحاول قدر الإمكان أن لا تلامس لحم معصمها ..
فهو لن يتحمل ذلك دون أن يرفعه ويطبع على نابضها قبلاته اللاهبة ..
سحب يده قابضاً عليها إلى جانبه يتمالك نفسه بصعوبة عنها ..
تأملت جين السوار بإثارة .. فشهقت بانبهار لجماله.. وشدة خصوصيته حتى دمعت عيناها تأثراً .. فهمست له بصوت مبحوح :
" إنها رائعة للغاية .. شكراً "
ابتلع ريقه بصعوبة ولم يدري ما يفعل .. فأومأ بصمت واستدار يجبر قدميه على التحرك للخارج .. قبل أن يفتعل فضيحة يتحاكى بها الناس لوقت طويل ..


**************

شهران مرا منذ أن عقد قرانه عليها ..
وها هو قد أنهى رسالته وحقق حلمه وحاز على شهادة الماجستير في الطب البشري..
وآن له الأوان أن يحقق حلمه الأكبر وغاية أمنياته ..
حلمه التي كان يغفو على همساتها الدافئة .. تشكو له بخجل اشتياقاً يستعر بين جنباتها ويكاد يحرقها ..
فيغلبها باشتياقه الذي أتى عليه كله وأحاله إلى كومة رماد خامد ..
تخبره عن عشق أغرقها في بحوره ..
فيرد أن عشقه في قاع المحيط غائر ..
تقول أحبكَ فيقول أحبكِ أكثر ..
وكلما احتجت زاد هو عليها وأكثر ..
تأخذه إلى عالم أحلام كانت هي بطلته الأوحد ..
ليصحو على واقع أنها أصبحت ملكه كما هو أصبح كل ملكها..
فيطير إلى رؤيتها كي يختبر الواقع أكثر ..
يمني النفس ويعدها بقبلة منها أو أكثر .. فتأبى هي بدلال وتتمنع أكثر ..
وهو قد فاض به الكيل وأكثر ..
أغلق الهاتف معها متنهداً بإثارة ..
أخبرها أنه قادم بعد أيام ليحدد موعد زفافهما .. ولن ينتظر أكثر من ذلك ..
فالأمر طال أكثر مما قد يتحمله قلبه ..
لو كان الأمر بيده لكانت زوجته قولاً وفعلاً منذ عقد قرانهما ..
لا بل قبل ذلك بعقود ..
فهي كانت ومازالت قدره المحتوم وعطية الرحمن له ..
دخل داغر إلى الغرفة .. ليجده مضجعاً شارد الفكر زائغ العينين .. وابتسامة بلهاء ترتسم على وجهه .. فقال متهكماً:
" من الجيد أن زوجتك لم ترى ابتسامتك البلهاء هذه .. وإلا لفرت خائفة تنجو بنفسها إلى أقصى مكان بعيداً عنك "
لم يفقه من كلام داغر سوى كلمة واحدة .. تفعل به الأفاعيل ما أن تقال أمامه .. لتتسع ابتسامته وهو يردد ساهماً باستمتاع :
" زوجتي .. هل تشعر بمذاق الكلمة كما أشعر بها يا داغر ..؟ تالله لها وقع يرجف قلبي ويوقف نبضي كلما سمعتها "
" هذا ولم تصبح زوجتك بالفعل بعد ..! مازالت حبراً على الورق..! "
قالها داغر بسخرية .. ليرد عليه بتصميم صارم:
" ستكون .. بعد أقل من شهر ستكون حبر قلبي ومداده "
على ذكر الزفاف قال داغر بجدية :
" وهذا ما جئت لأحدثك به .. "
كلمات داغر أخرجته من تيهه فاستقام منتبهاً ومركزاً ذهنه معه.. وقد شعر أن هناك أمراً يستوجب تركيزه كله .. في الوقت الذي دخل فيه حيدر ومهيار الذي قال بحماس ما أن دخل :
" هل أخبرته بما انتويناه..؟ "
" ليس بعد .. كان يجب أن أخرجه من أحلامه أولاً حتى يفقه ما أقول .. فصديقك في الآونة الأخيرة تلبسته حماقة منقطعة النظير "
لكمه جان بخفة على كتفه:
" أهلاً بالحماقة إن كانت عشقاً .. لم تكن أنت ببراء منها يا من تدعي غير ذلك – ثم جال بعينيه بينهم واردف متهكماً موجهاً حديثه إليهم جميعهم – أنتم السابقون في العشق ونحن بكم من اللاحقون ..
وللحماقة كنتم فبتنا لكم غالبون "
طأطأوا رؤوسهم مقرين قوله مدعين البؤس بشكل مضحك .. استطرد حيدر يخاطب جان :
" لقد قررنا نحن الثلاثة أن نقيم عرسنا معاً في حفل واحد .. وجئناك نسألك الانضمام لنا .. فيكون عرسنا نحن الأربعة في يوم وحفل واحد " التمعت عينا جان بحماس ولكنه قال متسائلاً:
" ولكن كيف سيكون ذلك وكل منا يعيش في بلدة تبعد عن الآخر بآلاف الأميال ..؟ وماذا عن أهلنا وأقاربنا ..؟ "
" نقيمه هنا في العاصمة .. أما بالنسبة للأهل والأقارب فمعظمهم يملكون بيوتاً أو أن لهم أقارب يعيشون هنا .. وبعد حفل الزفاف يرجع كل واحد إلى بيته أو إلى بيوتهم "
جادله جان قائلاً:
" وماذا عنا وعن زوجاتنا ..؟ "
" سنقوم بالحجز لنا في إحدى المنتجعات السياحية القريبة من العاصمة .. نقضي فيها عدة أيام ثم يعود كلاً منا إلى بيته "
لاح القبول على وجه جان لكنه رد عليهم بمواربة:
" حسناً .. دعوني لأفكر في الأمر.. وسأخبركم بقراري لاحقاً "
شاكسه مهيار:
" نعم نعم يجب عليك أن تفكر جيداً .. لكن لا تنسى أن تسأل الحياة أولاً فإن قبلت هي ضمنا موافقتك "
رفع جان رأسه للأعلى متأوهاً يقول بوله:
" وهل إن لم ترضى الحياة يكون لحياتي بعدها حياة "
استقام داغر وخرج يلوح بيده مخلفاً كلماته المتهكمة خلفه :
" وأنا خارج لأنجو بحياتي .. قبل أن تبدأ وتصدع رؤوسنا التي ما عادت تتحمل هذيانك هذا .. وكأن ما عرف العشق أحد غيرك –
ثم وجه كلامه لحيدر ومهيار – وأنتما إن أردتما النجاة فالحقا بي وإلا لن أضمن نجاتكما "
قام مهيار وحيدر باللحاق به وهم يركضون بشكل مضحك .. تاركين في أثرهم جان يسبهم بعبارات ساخرة ..

***********

حفل الزفاف
بعد أن حظي الأربعة بموافقة عرائسهم .. ومباركة ودعم ذويهم .. أقاموا حفل زفاف جماعي يضمهم الأربعة وزوجاتهم ..
كانت القاعة التي اختاروها لإقامة الزفاف من أكبر القاعات وأرقاها .. تكاد من وسعها تحسبها ملعب من الملاعب ..
على جانبيها رصت طاولات مدورة الشكل من الخشب الأبيض اللامع المطعم بالفضة .. يتوسطها زجاج شفاف تعلوه مزهريات من الورود البيضاء والحمراء .. أما مقاعدها التي صفت حولها .. فقد كسيت بالكامل بقماش أبيض .. وعلى ظهرها وضع شريط من الفضة على هيئة عقدة من الخلف .. أما سقف القاعة فكان يتلألأ كما النجوم في السماء .. بمصابيح يتدلى منها الكريستال بشكل مبهر ..
يتصدر صدرها أرائك ملكية .. خصصت لجلوس العرسان .. وقد أحيطت من الخلف وعلى الجانبين بمزهريات من الورد الأحمر يتدلى منها الكريستال اللامع ..
على الباب وقف إلى اليمين والدا جان وحيدر .. وقبالتهما وقف والدا داغر ومهيار.. يستقبلون الناس الذين دعوهم للحفل .. مهللين ومرحبين بهم بحفاوة ..
تقدمت فرقة العراضة الشامية ..
تعلن وصول العرسان ..
يقف أعضائها في صفين متقابلين .. يحملون المشاعل المضاءة يشكلون بها أقواساً فيمر من تحتها العرسان .. اللذان وقفا في الصدارة يشاهدان العرض الخلاب والمبهر..
فالعراضة موروث شعبي و تقليد هام من تقاليد حفلات الزفاف ..
حيث يقوم عدد من الشبان الذين يلبسون لباس تقليدي .. بقرع الطبول مرددين الأهازيج والهتافات المتنوعة .. وراء قائدهم الذي يتفنن في إنشادها .. والتي تدعو للفرح والبهجة .. فتنتهي بعرض للمبارزة بالسيف والترس .. ترافقها بعض حركات الرقص بالأيدي والأرجل .. وترتفع وتيرة القرع على الطبول .. فتزداد الحماسة أكثر .. كلما اشتدت المبارزة .. التي تدل على قيم الرجولة والصمود في ساحات القتال .. تنتهي بعناق ودي لإدخال السرور على قلوب الحاضرين ..
ليبدأ بعدها الاحتفال الذي تخلله الكثير من الفقرات الغنائية.. والدبكات التي شارك بها معظم من حضروا.. فكانت أرض القاعة ترتج بقوة تحت وقع أقدامهم المتحمسة .. وكان لكل من حيدر وجان نصيب من الغناء .. وسط غيظ داغر ومهيار ..
غنى حيدر لحبيبته جاهراً بحبه لها على الملأ ..
يضمها إلى صدره .. متغزلاً بغير حياء .. مما يجعلها تضم نفسها إليه .. تخفي خجلها عن الأعين داخل صدره .. فيشدد هو على ضمها .. وصوته يعلو كعلو خفقاته :
لما بضيمك ع صديري .. شو بحس الدنيا صغيرة
حاسس حالي ملكت الكون .. وما في بالعالم غيري
الله والله وما شاء الله
مافي بحالاك والله
عمري بحالاك أتحلا
شايل حبك بعيوني .. وعلى قلبي بتموني
مافيني عيش بدونك .. ولا فيكي تعيشي بدوني
حبك غير حياتي .. اسمك أحلى كلماتي
يوم ال ما بشوف عيونك .. بعلن والله مماتي
الله والله وما شاء الله
ما في بحالك والله .. عمري بحالك أتحلا
لم يكد ينهي أغنيته .. حتى اقترب منه مهيار يسحب منه الميكرفون بغيظ .. يقول بحنق طفولي :
" هاته سأعطيه لجان .. فغناؤك لم يعجبني .. ثم أنني لن اغتاظ من كلمات أغنية جان .. كغيظي من كلمات أغنيتك الوقحة .. فهو سيغنيها بلغته التي لا أفهمها وكم أحمد الله على ذلك .. وإلا سأموت كمداً منكما في ليلتي زفافي "
قالها التفت إلى جان الواقف مع عروسه قربهم ..
فالأربعة ثنائيات استأثروا بالساحة ليراقص كل واحد منهم عروسه على وقع غناء حيدر ..
ثم غناء جان الذي أمسك الميكرفون من مهيار وهو يطالعه بخبث توجس منه الأخير .. لكن سرعان ما استشاط غيظاً من جان أيضاً .. وعرف معنى نظرة الخبث تلك ..
عندما علا صوت جان بأغنية يعرفها ..بل لسوء حظه ..
فهو يحفظها بلغة جان الأم ويفهم معناها حتى ..
تأفف بنزق طفولي وهو يرمي جان بنظرات متوعدة ..
سرعان ما تبدلت إلى أخرى مثيرة مليئة بالعشق عندما التفت إلى عروسه يضمها إلى حضنه يراقصها بشغف ..على أنغام أغنية جان ..
جان الذي ضم جين إلى صدره بحرارة .. يبثها أغنيته بصوته .. بينما شفتيه أخذت تردد لها الأغنية بطريقتها .. فينثر قبلاته على عينيها بعد كل مقطع يغنيه ..
ليختطف قبلة من شفتيها خلسة – في ظل الإضاءة الخافتة – ينهل من شهدهما فلا يشبع ..
لتبعد جين نفسها عنه قسراً ..

ولهيب شفتيه .. يحرقها ..
وسعير حضنه يكويها .. فيشدها أخرى إلى صدره .. يدفئ صقيعه بابتعادها .. ويتابع غناءه متغزلاً :
أنا قربان (فداء) لتلك العينين .. من عينيك تلك لا أشبع
انظري لي بعين واحدة .. فأنا لست بالشاب السيء
أنا قربان لعينيك
يا مدللة أقسم برأسك .. عشقك هذا قد جنني
رحيق كلتا شفتيك .. منهما مهما شربت لن أرتوي
أنا قربان لعينيك
فلا تغتري علي .. فغرورك ذاك يقتلني
هذا العشق تركني .. قتيل تلك العينين
أنا قربان تلك العينين
أنهى غناءه .. وهو يحملها يدور بها بخفة .. جعلتها تتشبث بحضنه أكثر .. حتى كادا يتماهيان معاً ..
**********





انتهى حفل الزفاف عند الثالثة فجراً.. فتوجه كل من العرسان ليستقل سيارته وإلى جانبه عروسه التي تألقت كالشمس في مثل هذا اليوم ..
وصلوا إلى المنتجع بعد أقل من نصف ساعة .. المنتجع الذي كان على هيئة فلل من طابق أو طابقين .. تتخذ شكل دائري يتوسطها حديقة ومسبح .. أوقف الأربعة سياراتهم في مرآب قريب .. وترجلوا من السيارات وكل منهم يساعد عروسه في الهبوط من السيارة ..
وقف الأربعة يهنئون بعضهم في عناق ضمهم سوياً .. ثم اصطحب كل منهم عروسه إلى فيلته التي استأجرها لمدة أسبوع ..



**************
فتح جان باب الفيلا ودعاها للدخول .. ودقات قلبه تكاد تتوقف من الإثارة ..
لكنها تسمرت في مكانها .. والخجل والخوف من رهبة هذه الليلة يرجفان قلبها ويربكانه فيرتعش جسدها بوجل .. عندما لاحظ جان تلكؤها أدرك ما تعانيه.. فقال ممازحاً كي يخفف من ارتباكها :
" يبدو أنك تريدين مني أن أحملك للداخل..! "
إن كان يعتقد أنه بقوله قد خفف من ارتباكها فهو مخطئ .. فقد شهقت مرتدة بخطواتها إلى الوراء حتى كادت أن تقع لولا أنه أمسك بذراعها يمنعها من الوقوع .. وقال يطمئنها متناولاً كفه بين كفيه:
" اهدئي حبيبتي اهدئي لا داعي لكل هذا الهلع –
ثم اردف بترجي وهو يتطلع حوله بخشية –
أرجوك ادخلي الآن لنتحدث في الداخل بدل وقوفنا المريب هذا "
وهمس لنفسه باستياء ( سيفرح هؤلاء الاوغاد إذا ما عرفوا أني واقف هنا كالأبله أتوسلها الدخول)
هدأت جين من نفسها قليلاً .. وهزت رأسها بالموافقة ..
ممسكاً بكفها التي ترتجف بين أصابعه .. تقدم بها إلى حيث الصالة فوقف وأدارها نحوه متأملاً سحر فتنتها .. الذي كان فيه هلاكه .. فتخفض هي رأسها أمام نظراته الفجة والتي شعرت كأنها تعريها أمامه ..
وهو بكلها تائه غافل .. ينظر إلى أكليل شعرها الذي رفع كله على شكل خصلات متداخلة إلا من خصلات تناثرت على وجهها بشكل مهلك ..
رفع يده يزيح خصلاتها تللك التي تهدلت تخفي موج عينيها الحبيبتان عن ناظريه .. فتضرب أمواجها المكحلة أحشاؤه مغرقة إياه في بحورهما ..
متلكئ نزل بأنامله إلى خدها يتلمس نعومته يستنشق عبق الورد فيهما ..
لتصل أصابعه في النهاية إلى ما أرق ليله وألهب مضجعه ..!
ثغرها الذي تاق لأن يتشرب مذاقه مراراً وتكراراً.. ولكنها بكل تجبر منت عليه حتى لو برشفة ..
إحساس ملمسهم الدافئ على أصبعه دفعت حمماّ سائلة في عروقه ..
فأخفض رأسه مقترباً بشفتيه التي طالبته بالإنصاف والعدل .. يحق لها ما يحق لإبهامه ..
لتجفل جين رافعة رأسها حين أحست بأنفاسه الحارة قرب وجهها .. وقشعريرة سرت في كل خلاياها ارتجف له جسدها .. وشعرت أن ساقيها ما عادتا قادرتان على حملها .. تنظر إليه بحياء تخضب له خداها .. فتراجعت بوهن مبتعدة عن تأثيره تقول باهتزاز :
" أرجوك .. تمهل "
تأوه بعمق فأنى له الصبر على التمهل الذي تطالبه به..
تقدم يقطع الخطوة التي ابتعدتها.. واقترب بأنفاسه الملتهبة منها حد الالتصاق .. وقال برجاء ساخن وقد تحشرج صوته تحت وطأة مشاعره :
" لن استعجلك حبيبتي فلا تخافي .. ولكن اعذري ما سأموت وأفعله .. فـ والله ما عدت على كبته بقادر "
لم يعطها الفرصة لتتساءل عن مقصده أو به تفكر ..
فقد ضمها إلى حضنه في عناق حميم ومشتعل ..
ينفث شوق ولوعة الفؤاد والكبد ..
يروي ظمأ شفتيه من رحيق ذاك الثغر ..
ومن ورد خديها يقطف أشهى القبل ..
وعند جيدها أسلم للشوق الأمر ..
غارق هو فيها حتى الثمالة بعد أن ذاق من ريقها طعم الخمر ..
عانقها حتى تقطعت أنفاسها واختنقت بالهواء الرئة والصدر ..
ليبتعد عنها متلكئ يلملم مجبراً قبلاته الهوجاء عن ذاك النحر ..
يقمع ثورة مشاعره كي لا تطيح بتعقله وبالصبر ..
وكي لا يضرب عرض الحائط حياؤها وكل أمر ..
يداه تأبى إفلاتها وتهدده إذا ما فعل بالبتر ..
وبين جنباته قسراً أخمد اشتعال الجمر ..

أبعدها عن أحضانه مجبراً .. ينظر إليها ونيران عشقه في عينيه تحكي أساطير الشوق والوجد .. تحكي عن احتراق قلعة صموده بلهيب عينيها المتقد ..
وهي واقفة تترنح سكرى ..
وقد سكب من خمر حبه المعتق على روحها فثمل .. وعن إثمه أبت الإقلاع والندم ..
يسند جبينه إلى جبينها .. تلهج أنفاسهم وتنفث حمماً ساخنة تضرب وجهيهما .. وتتواتر تنهداتهم بشكل متناغم ..
ينظر إليها وقد احمرت عيناه من فرط إثارته .. يحاول إجلاء صوته الذي تعبأ بأنفاسها .. ليقول بصوت أجش متحشرج :
" لا أصدق أني نلتها أخيراً ..! و كنت أحسبني ميتاً قبل أن أنالها ..! لقد شعرت أن دهراً مضى منذ أن أصبحت لي .. ضَنَنْتِ عليَّ بوصلك يا منية الحياة "

شعرت بارتخاء كل عصب فيها وما عادت بقادرة على حملها .. فأخفضت رأسها تستند بجبينها على صدره العريض .. تزفر أنفاسها المتهدجة على موضع قلبه الذي يهدر بجنون .. وقد زاده جنوناً الشعور بأنفاسها التي أصابت جسده بقشعريرة حامية ..
فانحنى يضع يداً تحت ركبتيها والأخرى خلف ظهرها يحملها إلى غرفة النوم .. فتمسك بعنقه بكلتا يديها مطلقة تأوهاً حاراً ضرب عروقه النافرة في رقبته .. ليغلق الباب بقدمه مسكتاً تأوهها بأجمل الطرق ..


**************

بعد عدة شهور عند مغيب أحد الأيام

تجلس في أحضانه على تلة قريبة من منزلهم .. تطل على الحقول الشاسعة التي تزينت بألوان الربيع .. تتوكأ صدره الحبيب .. وقد حاوطها بكلتا يديه .. يتلمس بكفه بطنها المسطحة التي تحمل بذرة حبهما .. من يراها لا يصدق أنها في الشهر الرابع من حملها .. همس في أذنها بوله :
" غداً في مثل هذا الوقت ذكرى ولادة حبنا .. فكل عام وأنت يا حبيبتي لي كل الحياة ومنتهى الحب "
أدارت رأسها تلتفت إليه تضع شفتيها موضع قلبه بعبث متقصد .. فهي تعلم ما تفعله به هذه الحركة .. وقالت بحب نهلته منه بلا ارتواء على مدار الأشهر الماضية:
" كل عام وأنت روحي التي أحيا بها .. أحبك يا روح الحياة "
ضيق عينيه مدعياً الغضب .. فقد أدرك تلاعبها المتقصد لإثارته .. وهما بعيدان عن بيتهما .. فتوعدتها أنفاسه الحارة بعقاب لذيذ ساخن .. سعت إليه هي بكل دهاء عاشقة تبغي وصل معشوقها وعاشقها ..



***************

هللت الصغيرة بحماس .. ونظرت إلى جدتها التي سكتت مختنقة بعبراتها المشتاقة لوحيدها .. لكن الصغيرة لم تنتبه بطفوليتها لكل ما يعتمل على ملامح جدتها وقالت بفرح:
" إنها أجمل حكاية سمعتها في حياتي "
ابتلعت الجدة غصة مدببة جرحت حلقها وأدمته لقساوتها .. وهي تتذكر ولدها جان الذي سافر مع زوجته وولديه إلى المدينة منذ سنوات مضت .. ملبياً وأصدقائه نداء الوطن .. ليضمدوا جراح ربيعه الذي أحرقوه .. فكانوا له خير طبيب وخير سند .. ثم حاولت اغتصاب ابتسامة رسمتها على شفتيها .. والتفتت إلى حفيدتها متسائلة:
" والآن صغيرتي هل علمت كيف هو ربيع بلادنا ..؟ "
أومأت الصغيرة برأسها وأجابتها بحماس:
" نعم جدتي .. ربيع بلادنا مليء بالحب الذي يجمع الكل حوله.. أليس كذلك ..؟ "
هزت الجدة رأسها بشرود وقالت مؤكدة :
" صدقتِ صغيرتي .. صدقتِ ربيع بلادنا مليء بالحب العفيف والفرح الطاهر " شردت الصغيرة قليلاً تفكر بكلام جدتها .. فسألتها مستفهمة :
" ماذا يعني حب عفيف جدتي ..؟ وهل للحب أنواع كثيرة "
ابتسامة شقت خطوط شفتيها المجعدتين .. و أمسكت بكف الصغيرة وقالت بتؤدة:
" اسمعي يا صغيرتي .. للحب نوع واحد فقط لا غير .. وهو شيء عظيم جداً .. وقد يأتينا في أي وقت .. لكننا يجب أن نكون على الاستعداد لخوض غماره .. وأن نكون في عمر يسمح لنا به ..
فالحب الحقيقي والذي لا يشين أحد .. هو الحب الذي يكون فيه العقل المتحكم به لا القلب وأهوائه الذي يسهل خداعه والوسوسة له ..
الحب هو الذي نضع فيه مخافة الله أمام أعيننا .. وما زرعه فينا أهلنا من أخلاق وتربية وحشمة ..
الحب هو الحشمة يا صغيرتي .. أن نحافظ عليه بأن نحفظ أنفسنا .. ونقيها الوقوع في شركه فنسقط في وحله القميء .. ولا تقوم لنا بعدها قائمة ..
الحب هو الطهارة والتعفف .. فلا نسمح لأحد أن يسيء لنا باسم الحب ..
الله حلل لنا الحب .. ولكنه وضع لنا أحكاماً وشروطاً .. يجب علينا التقيد بها واتباع أوامره ونهيه فيه ..
ويجب علينا أيضاً أن نضع سمعتنا ووالدينا في عين اعتباراتنا .. فلا نضع أنفسنا موضع غضبهم وسخطهم ..
وقصة خالك جان وزوجته جين هي أصدق مثال على ذلك .. مع أنهما عقد قرانهما ولكنهما لم يسمحا لأنفسهما أن ينجرا وراء عقد قد يفسخ في أية لحظة .. واستعففوا عن أهوائهما حتى كانت له أمام الله والناس .. لذلك هو عفيف وطاهر "
أسرعت الصغيرة تقول بعفويتها :
" أنا سأفعل كخالي جان وزوجته .. عندما أحب سيكون حباً عفيفاً وطاهراً " جحظت عينا الجدة بذهول .. وقالت مؤنبة :
" يبدو أنك لم تفقهي شيء مما قلته يا صغيرة .. على كل حال أنت مازلت طفلة على هذا الكلام .. وأمامك وقت طويل حتى تدركي معناه جيداً .. فقط لا تسمحي لأي كان أن يخدعك ومن هم في مثل سنك بمعسول الكلام .. ولا تسمحي له أن يقربك بأي شكل كان .. وتذكري حديثنا هذا دائماً وضعيه نصب عينيك .. هل فهمت يا صغيرتي ..؟ "
هزت الصغيرة رأسها .. بعينين زائغتين وكأنها تقلب الأمر في رأسها .. فأردفت بثقة طفلة لا تعي ما تقول :
" نعم فهمت يا جدتي .. عندما أصبح كبيرة كخالي جان سوف أحب مثله "

تنهدت الجدة بسقم وقد أعياها أن تشرح وتوضح أكثر من ذلك لحفيدتها التي ما فتأت تذكر اسم خالها في كل دقيقة .. فتشعل بلا قصد أشوق أمومتها الملتاعة التي لم ولن تنطفئ في صدرها لفراق ولدها فلذة كبدها .. فدعت الله أن يحفظها ويبعد عنها شر كل سوء

ثم أدارت وجهها تخفي دموعها التي تهدد بالهطول عن أعين صغيرتها .. وقد لاح الأسى على وجهها الذي هرم أضعاف عمرها في السنوات الماضية ..
لتدخل في تلك اللحظة نوشين وترى أمها على تلك الحالة .. وإلى جانبها كانت ابنتها الصغرى تضع رأسها على حجر جدتها تتمسح بها كالقطط .. فصرخت مؤنبة :
" أيتها الشقية أنا أبحث عنك وأنت تجلسين هنا ..! كم مرة أخبرتك ألا تثقلي على جدتك وتتعبيها ..؟ اذهبي إلى إخوتك الآن هيا "
استقامت الصغيرة واقفة بفزع .. وخرجت مهرولة هرباً من توبيخ أمها مغلقة الباب وراءها ..
اقتربت نوشين من أمها بحزن تقبل رأسها باحترام وحنو .. ثم جلست إلى جوارها تضمها من كتفيها إلى صدرها .. وقد أدركت ما تعانيه كل مرة في مثل هذا الوقت من السنة ..
فسمعتها تقول بحزن يقطر من كلماتها:
" لقد حل الربيع واقترب عيد النوروز وأخوك لم يحضر بعد ..! هل تراه سيأتي قبل أن يحل الخريف مرة أخرى ..؟"
ردت عليها نوشين مؤكدة بحرقة :
" سيأتي أماه .. مؤكد سيأتي .. لقد وعدنا بذلك .. وولدك كما تعرفين عنه لا يخلف وعده أبداً .. وسنفرح جميعاً وستقيم الطبيعة احتفالاً كبيراً مهللة بقدومه .. فهي أيضاً اشتاقت له كما اشتاقها "

رفعت الأم يديها إلى السماء .. تناجي رب السماء .. أن يحفظ ولدها وأصحابه من شر كل بلاء .. وأن يرحم لوعة أم قلبها يتفطر خوفاً وشوقاً لولدها .. تدعوه أن يقر عينيها برؤيته وعائلته قبل أن تصعد روحها إلى بارئها .. أن ينعش خريف عمرها بحضور ولدها وبراعمه .. دعت وابتهلت كثيراً .. حتى فاض الدمع .. وكدت يداها .. فأنزلتهما لتمسك بسحبتها تسبح الله وتستغفره ..

وحاشا لله عز شأنه وجل ثناؤه أن يرد دعاءها .. وهو القائل وقوله الحق
" ادعوني استجب لكم "

سمعت أصوات وجلبة كبيرة في الخارج .. فأرهفت السمع علها تميز ما يجري .. لكن أذنيها ما عادتا تسمعان جيداً كما قبل .. ولم تعرف سبب تلك الأصوات .. عادت إلى تسبيحها .. وقد ظنت أنه أصوات أولاد ابنتها يلعبون إحدى ألعابهم المعتادة ..
فجأة فتحت صغيرتها الباب تصرخ مهللة بفرح :
" لقد عاد خالي جان وعائلته "
انتفض قلبها بسعادة .. وخرت ساجدة على سريرها تحمد الله وتشكره على عطاياه ..
فسبحان من أمره بين الكاف والنون .. يقول للشيء : كن فيكون





تمت بحمد الله وتوفيقه



Mays Alshami غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة

الانتقال السريع


الساعة الآن 04:39 PM



Powered by vBulletin® Version 3.8.9
Copyright ©2000 - 2021, vBulletin Solutions, Inc.