آخر 10 مشاركات
‏المهرة اللي دونها ألف حارس ‏يصعب على أطوال الشوارب نحرها.. (الكاتـب : الغيد - )           »          دموع زهرة الأوركيديا للكاتبة raja tortorici(( حصرية لروايتي فقط )) مميزة ... مكتملة (الكاتـب : أميرة الحب - )           »          226-عصابة الحب الليلي-روث كارمانس -عبير الجديدة (حصرياً فقط على روايتي) (الكاتـب : Just Faith - )           »          116 - سحر الشرق - رومليا لان - ع ج** (الكاتـب : بريق ـآلمآس - )           »          وأشرقت في القلب بسمة (2) .. سلسلة قلوب مغتربة *مميزة ومكتملة * (الكاتـب : Shammosah - )           »          الزهرة والأمير - كاترينا بريت ... ( كتابة / كاملة)** (الكاتـب : بنوته عراقيه - )           »          الشيـطان حــولك .. *مميزة و مكتملة* (الكاتـب : smile rania - )           »          تحت الرماد وميض جمر (الكاتـب : MeEm.M - )           »          كبرياء ورغبة - باربرا كارتلاند الدوائر الثلاث (كتابة /كاملة ) (الكاتـب : Just Faith - )           »          أنتَ جحيمي (82) للكاتبة المُبدعة: Just Faith *مميزة & مكتملة رابط معدل* (الكاتـب : Andalus - )


العودة   شبكة روايتي الثقافية > قسم الروايات > منتدى قصص من وحي الاعضاء

Like Tree678Likes
إضافة رد
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 27-11-21, 10:09 PM   #221

ياسمين قطر

? العضوٌ?ھہ » 483312
?  التسِجيلٌ » Jan 2021
? مشَارَ?اتْي » 243
?  نُقآطِيْ » ياسمين قطر is on a distinguished road
افتراضي


بس ايمتى رح ينزل فصل اليوم

ياسمين قطر غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 27-11-21, 11:34 PM   #222

روز علي
 
الصورة الرمزية روز علي

? العضوٌ?ھہ » 478593
?  التسِجيلٌ » Sep 2020
? مشَارَ?اتْي » 380
?  نُقآطِيْ » روز علي is on a distinguished road
افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة زهراء يوسف علي مشاهدة المشاركة
سلام الله عليكم ورحمة الله وبركاته
روايتك رائعة وأتلهف لمعرفة أحداثها الشيقة تملكين قلما مبدعا ولغة سردية رائعة مودتي ،👏👏🤗🤗

نورتي الرواية يا قلبي ، اسعدتيني برأيك وانطباعك الجميل بالفصول واتمنى ان اكون دائما عند حسن توقعاتك ، دمتي بصحة دائمة وسعادة ابدية 🌹🌹


روز علي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 27-11-21, 11:48 PM   #223

روز علي
 
الصورة الرمزية روز علي

? العضوٌ?ھہ » 478593
?  التسِجيلٌ » Sep 2020
? مشَارَ?اتْي » 380
?  نُقآطِيْ » روز علي is on a distinguished road
افتراضي

مساء الخير يا احبائي
بعتذر بشدة على فصل اليوم ويؤجل ليوم السبت القادم مع حصة دسمة من الاحداث وفصل مطول مشبع ، واتمنى لكم الصحة والعافية ودوام المحبة عليكم ، تحياتي للجميع يا احلى متابعين ولكل من يزال يتابع معي ❤🌹


روز علي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 01-12-21, 11:32 PM   #224

زهراء يوسف علي

? العضوٌ?ھہ » 483901
?  التسِجيلٌ » Jan 2021
? مشَارَ?اتْي » 249
?  نُقآطِيْ » زهراء يوسف علي is on a distinguished road
افتراضي

روايتك جميلة جدا ورائعة جدا شكرآ لك تابعي تألقك

زهراء يوسف علي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 04-12-21, 08:33 PM   #225

ياسمين قطر

? العضوٌ?ھہ » 483312
?  التسِجيلٌ » Jan 2021
? مشَارَ?اتْي » 243
?  نُقآطِيْ » ياسمين قطر is on a distinguished road
افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة روز علي مشاهدة المشاركة
مساء الخير يا احبائي
بعتذر بشدة على فصل اليوم ويؤجل ليوم السبت القادم مع حصة دسمة من الاحداث وفصل مطول مشبع ، واتمنى لكم الصحة والعافية ودوام المحبة عليكم ، تحياتي للجميع يا احلى متابعين ولكل من يزال يتابع معي ❤🌹



كتير متحمسين للاحداث ❤❤
ما بتقدري تنزلي هلأ🙃


ياسمين قطر غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 04-12-21, 11:25 PM   #226

روز علي
 
الصورة الرمزية روز علي

? العضوٌ?ھہ » 478593
?  التسِجيلٌ » Sep 2020
? مشَارَ?اتْي » 380
?  نُقآطِيْ » روز علي is on a distinguished road
افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة زهراء يوسف علي مشاهدة المشاركة
روايتك جميلة جدا ورائعة جدا شكرآ لك تابعي تألقك

تسلميلي يا غالية على كلامك الجميل والذي اسعدني بشدة ، وكل ما اتمناه ان ابقى دائما عند حسن توقعاتكم ، تحياتي يا جميلتي 🌹🌹


روز علي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 04-12-21, 11:27 PM   #227

روز علي
 
الصورة الرمزية روز علي

? العضوٌ?ھہ » 478593
?  التسِجيلٌ » Sep 2020
? مشَارَ?اتْي » 380
?  نُقآطِيْ » روز علي is on a distinguished road
افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة ياسمين قطر مشاهدة المشاركة
كتير متحمسين للاحداث ❤❤
ما بتقدري تنزلي هلأ🙃

دقائق وينزل الفصل يا عزيزتي ، بانتظار تعليقاتكم وانطباعكم بالفصل بفارغ الصبر ، دمتم بود وسعادة 😘❤


روز علي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 05-12-21, 12:25 AM   #228

روز علي
 
الصورة الرمزية روز علي

? العضوٌ?ھہ » 478593
?  التسِجيلٌ » Sep 2020
? مشَارَ?اتْي » 380
?  نُقآطِيْ » روز علي is on a distinguished road
افتراضي الفصل الثاني والثلاثون

الفصل الثاني والثلاثون..........
كان يحدق بالأوراق بعيون تجردت من المشاعر وهو يقلب بين كل ورقة واخرى ببرود اكتسح ملامحه بطبقة صخرية تخفي كل انفعالات صراعاته الداخلية والتي ما تزال تطوف بداخل عقله لهذه اللحظة ، ليحاول كل جهده منذ ايام تلبس إمارات صرامته المعتادة بحكم عمله الذي لا يقبل التهاون او الكسل بطريقته التي لا تسمح للزلات بتغيير نمط حياته ، وهذا ما اصبح يشعر به بالآونة الاخيرة وعبث بأوتار حياته وهو يتهاون ويتراخى بطريقة لم تسبق ان حدثت معه من قبل طول مسيرته بالعمل بالتدريس ! وكله بسبب طالبة صغيرة اتعبت عقله وقلبه المتصارعين نحوها بآن واحد منذ ان اوقع نفسه اسير قضبان قصفها المثير !

تجمدت اصابعه على اطراف الورقة وتركيزه يتوجه مباشرة للباب الذي كان يخرج منه صوت الطرقات الخافتة التي تكاد تذوي بين ثنايا الباب الخشبي الاصم ، ليعود بسرعة بالنظر للورقة وهو يتلبس نفس الملامح الصارمة قائلا بصوت جهوري آمر مع علمه بهوية الطارق بالفعل
"ادخل"

سمع صوت انفتاح الباب ببطء شديد يكاد يشعر بلمسات اصابعها على المقبض المتحرك ليتبعها الصمت المرافق لها مثل هالة رقيقة تحوم من حولها ، حرك اصابعه على طرف الورقة بجمود وهو يكاد يفقد ما تبقى لديه من صبر حافظ عليه على مدار ساعات ، لتتوقف حركات اصابعه كما صراعات عقله بلحظة غادرة ما ان تهادى صوتها الهامس بنغمة الحزن الساكن بها برقة جديدة تكاد تودي به
"اعتذر على التأخر حقا ، اتمنى ألا تكون تحمل شيء اتجاهي !"

زفر انفاسه بكبت وهو يقول بجمود جاف بدون ان يبعد انظاره عن الورقة امامه
"لا بأس بذلك فقد اعتدت على إهمالك واستهتارك بمثل هذه الأمور !"

ردت بسرعة بارتباك واضح تبرر موقفها
"لا غير صحيح ، الحقيقة لقد واجهت حشد مروري بطريق مجيئي وهو السبب بتأخري بالوصول اليوم ، لذا ارجو منك ان تسامحني فلم يكن بمقدوري ان اصل بوقت ابكر من هذا !"

شدد على الاوراق بين يديه لوهلة وهو يضعهم فوق المكتب بسكون ، ليقول بعدها بهدوء جاد بدون اي تعبير
"حسنا ، هيا اجلسي مكانكِ لتستعدي للاختبار"

ارتفع حاجبيها الصغيرين بدهشة وهي تهمس بانشداه متوتر بتوجس
"هل هذا يعني بأنك قد سامحتني على التأخير ؟"

ردّ من فوره ببرود وهو يمسك بالقلم بجوار الأوراق
"لا بأس المهم بأنكِ قد وصلتِ قبل انتهاء الموعد ، لذا قدمي الاختبار بسرعة بغضون دقائق فلدي امور اخرى عليّ فعلها بعدها"

زمت شفتيها بارتباك وهي تشعر بنطق كلماته تتخلل بمفاصلها ببرودة غريبة لم تسمعها منه من قبل ! لتقول بعدها بعبوس مرتجف وهي تعقد حاجبيها بحزن
"ولكنك لم تجبني على سؤالي ! هل سامحتني حقا على تأخري ؟ فأنا لم اقصد التأخر اليوم صدقني"

قطب جبينه بتصلب وهو يعود للكلام بجمود اكبر
"اخبرتكِ بأنه ليس بالأمر المهم لتقلقي بشأنه ، وبدل هذه الثرثرة الفارغة قدمي الاختبار بسرعة فكل هذا سيضيع من وقتك !"

قبضت على يديها بقوة وهي تحاول ابعاد هالة الحزن من تطويق عينيها الغائمتين ، لتقول بعدها بلحظات بقوة وبإصرار اكبر
"لن افعل قبل ان تخبرني بأنك قد سامحتني حقا ! فليس من العدل ان تعاملني بهذه الطريقة القاسية وانا لم اقترف اي ذنب !"

شدد على القلم بين اصابعه للحظات وهو يشيح بوجهه جانبا بنفاذ صبر اوشك على النفاذ ، لتتسمر ملامحه بلحظة مع عضلة فكه بجمود ما ان اصبح الصوت قريبا منه وهي تهمس برقتها المنغمة ببحة حزينة
"ما بك اليوم يا هشام ؟ هل انت بخير ؟"

ادار وجهه بسرعة ناحيتها وهو يصطدم بلحظة بنظراتها لأول مرة بعد ان تعمد تحاشي النظر لها طول فترة وجودها امامه ومنذ لحظة دخولها للمكتب ، وها هي تصيب توقعاته مجددا بنظرة واحدة لتلك العينين العسليتين بلون غروب مزاجها بمزيج ألوانها الفاتنة والتي تتقلب حسب الهالة المحيطة بصاحبتها ، كما الآن وهي تنظر له بحزن بكل هذا القرب بان بعينيها الحائرتين بأجمل هالة قد تمر عليها امام عينيه المتربصتين لها بدون ان يفلت من فنون سحرهما واللتين اصابتا هذه المرة اعماق روحه المأسورة بها والمجروحة بذات الوقت !

تصلب فكه بلحظة وهو ينزع نظراته غصبا بعيدا عنها ليضرب بعدها على سطح المكتب بقوة وهو يهمس بقسوة صارمة
"احترمي نفسكِ يا غزل ! فأنتِ الآن متواجدة بمكتبي وتتكلمين مع استاذك ، لذا تكلمي معه باحترام قبل ان اغير اسلوبي معكِ"

اتسعت عينيها العسليتين بذهول وهي تبتعد عن مكتبه برجفة طفيفة هامسة بارتباك واضح
"ولكني لم افعل لك شيء ! كنت فقط اسألك إذا كنت بخير ، فأنت بدوت لي متعبا....."

قاطعها بتصلب اكبر وهو يوجه لها نظرات قاتمة لأول مرة تظهر بكل هذه القسوة
"وماذا عن مناداتي استاذكِ باسمه مجردا ؟ أليس هذا من قلة الحياء والادب ان تناديه باسمه وكأنه زميلك او قريبك بنفس الدفعة وليس استاذك والذي عليكِ ان تكني له كل الاحترام والتقدير ؟ ام ان هذا عليّ تعليمه لكِ ايضا بجانب مهام تدريسك الاخرى !"

انفرجت شفتيها بارتعاش وهي ترمش بعينيها بصدمة احتلت محياها بانذهال وهي تتلقى اوجع ضربة من بين مسيرة إهاناته السابقة لها ، لتخفض بعدها نظراتها بسرعة للأسفل بخمول سرى على طول اطرافها المنقبضة وهي تهمس بخفوت شديد
"ولكنني ظننت بأنك لا تمانع ذلك ، لأنك كنت سابقا....."

عاد لمقاطعتها وهو يضرب مجددا على سطح المكتب قائلا بجمود صخري
"ومن الذي اخبركِ بهذا الكلام ؟ ليس اني كنت اتغاضى عن اخطائك سابقا يعني عليّ ان اسامحك دائما واغفر لكِ زلاتك ! فكل شيء له حد بالنهاية ، وانتِ قد تجاوزت كل حدودك بوقاحتك الا متناهية بدون ان تأخذي مهنة التعليم والتي اقوم بها من اجلك على محمل الجد !"

شددت اكثر من القبض على يديها حتى لم تعد تشعر بمفاصلهما وهي تهمس بصوت باهت
"لقد فهمت يا استاذ هشام ، واعدك بعدم اعادتها مجددا ، ارجو منك السماح"

حرك رأسه بجمود بدون ان يتأثر بهالة حزنها والتي يستطيع لمسها بصوتها الذي اختفى منه كل لمحة حياة لتبقى فقط نبرة الحزن معلقة بثناياه ، قال بعدها بقوة وهو يقدم ورقة الاختبار امامها بعملية جادة
"هيا إذاً تعالي وقدمي الاختبار ، فقد اضعنا الكثير من الوقت بهذا !"

اومأت برأسها بطاعة وهي تتقدم ببطء لتتناول الورقة منه بدون كلام ، لتتوجه بلحظة جالسة على الاريكة امام المكتب بصمت بانصياع تام ، بينما الذي كان يراقب حركاتها وهو يحرك القلم بين اصابعه برتابة ليقول عندها بدون ان يمنع نفسه بكبت
"هل تحتاجين للقلم ام معكِ واحد ؟"

تغضن جبينه بوجوم وهو يلمح القلم الوردي والذي اخرجته من جيب سترتها بصمت لتبدأ بالكتابة به بدون ان تعير سؤاله انتباه ، تنهد بوجوم وهو يوجه نظراته من جديد للأوراق التي ما تزال قابعة امامه بانتظار ان يكمل عمله بها ، ليحاول بعدها التركيز بقراءتها وهو يجد صعوبة شديدة بالعمل بعد ان تشتت تفكيره وتبعثر كيانه وعلق بمكان آخر بعيد عن الاوراق تماما .

زفر انفاسه بضيق وهو يعود بنظره لنفس المكان والمسبب بضياع افكاره ، لتتسع عينيه بصدمة شلت حركة عضلات وجهه لثواني وهو يتتبع حركة التي كانت تكتب بأصابع مرتجفة نحيلة وجسدها يرتعش بنشيج صامت وهو يكاد يسمع شهيق انفاسها الخافتة تصله واضحة ! وكل هذا يدل فقط على شيء واحد ! يا إلهي هل يعقل بأنه قد دفعها للبكاء ؟

نهض بسرعة باستقامة وهو يدور حول المكتب بلمح البصر ، وما ان اصبح امامها على بعد خطوة حتى قال بجمود بدون ان يخفي نبرة الارتباك بصوته
"غزل ارفعي رأسكِ وانظري لي"

تسمرت بمكانها للحظات وهي تحاول خنق شهقاتها بصمت ارسلت الرعشة لكامل جسدها ، ليزفر بعدها انفاسه بضيق وهو يزيح الطاولة من امامها بقدمه ليجثو عندها على ركبتيه بلحظة وهو ينظر لوجهها المنحني بدون ان تسمح له برؤيته .

قال (هشام) بصرامة اكبر وهو ينظر لها بتركيز حاد
"غزل انظري لي وانا اتكلم"

حركت رأسها بهزة طفيفة بالنفي بدون كلام ، ليطبق على اسنانه بقسوة وهو يقول من بينهما بعبوس صارم
"غزل لا تعاندي وانظري لي"

رفعت وجهها امامه ببطء فصلته بعيدا عن عالمه لثواني ما ان وقع اسر احداقها الدامعة ببركة عسلية هائمة ببريق ألوان الطيف وهي تحوم فوق محياها الذابل والذي تناسب مع هيئتها الحزينة وكأنها خلقت لتكوّن تعبير عن كل حالة تمر بها !

قبض على يديه بقوة وهو يمنعها باستماته من الاقتراب من منطقة الخطر بعد ان بدأت من الافلات من قضبان حصونها العالية ، ليتنفس بعدها بهدوء ظاهري وهو يقول لها بابتسامة جادة برفق
"ماذا هناك ؟ لماذا تبكين ؟ هل ضايقتكِ بكلامي لهذه الدرجة ؟"

حركت رأسها باهتزاز وهي تمسح دموعها بكفها بارتعاش هامسة بعبوس
"هذا لأنك اصبحت تعاملني فجأة بقسوة وانا لم اخطئ معك بشيء ! لماذا تحب ان تقسو عليّ هكذا ؟"

تنفس بجمود اكبر وهو يحاول ان يهدأ انفعالات صدره والذنب بداخله يكاد يؤكله حيا بشعور بالألم لم يذقه بحياته ، ليتمالك نفسه مجددا وهو يقول بابتسامة هادئة حاول جعلها عاتبة
"كله بسببكِ يا غزل ، انتِ من تضطريني دائما للتصرف على هذا النحو باستهتارك الدائم بكل شيء ، بالرغم من اني انبهكِ دائما لتصرفاتك ولكنكِ لا تصغين !"

ارتفع حاجبيها ببهوت وهي تخفض يديها بلحظة هامسة بتبرم مستاء
"ولكنني اعتذرت منك اكثر من مرة ، ودائما اصغي إلى كلامك واسير على اوامرك بدون اي تذمر ، انت الذي تثور عليّ دائما وتغضب بدون اي سبب !"

نظر لها للحظات بغموض وهو يضيق عينيه بذكرى سريعة مرت على خاطره لوهلة ليقول لا شعوريا بجمود سيطر عليه
"بل انتِ السبب بكل ما يحدث لي يا غزل ! كيف تريدين مني ان اسامحك او ان اتعامل معك بطبيعية بعد ما سمعت من كلام دمر صورتك تماما بنظري ؟ انتِ....."

ابتلع ريقه بجمود وهو يحيد بنظراته جانبا بعد ان فقد السيطرة على زمام اموره بلحظة غادرة بدون وعي منه ، ليسمع بعدها بلحظات صوتها الحزين وهو يمزج مع بحة بكاء خافتة
"انا لا فهم اي كلمة تنطق بها ! لما تتكلم معي هكذا ؟ بماذا اخطئت معك ؟ اجبني ارجوك !"

تنهد بتعب يشعر به لأول مرة بكل هذا الحمل يثقل على قلبه المنهك من كل هذه الاعباء بحياته الاجتماعية والشخصية والعاطفية ، ليخفض بعدها نظره للأسفل قليلا وهو يريح كفيه فوق ركبتيه هامسا بهدوء جاف
"لقد اخطئت مجددا واعدت نفس الخطأ السابق صحيح ! عندما جرحتكِ بأسلوبي بالكلام وكنت قاسيا معكِ كما فعلت الآن"

اتسعت مقلتيها الدامعة بتشنج واهي وهي تهمس بخفوت هادئ مالت معها ملامحها ببرود
"لا بأس يا استاذ هشام ، فقد تأقلمت بالفعل مع هذا النوع من القسوة ، فأنا بالنهاية فتاة متوحدة مثيرة للشفقة ولا استحق الحزن على الذات صحيح !"

انتصب رأسه عاليا وهو ينظر لها بذهول دام للحظة ، قبل ان تنقلب ملامحه بعزم طاف على محياه بإصرار وهو يقول باللحظة التالية بصوته الجاد العميق
"غزل اسمعي ، هل تقبلين الزواج بي ؟"

اخدت منها لحظتين قبل ان تتسع حدقتيها بأقصى اتساعهما وشفتيها تنفرجان ببطء مرتعش مكررة كلامه بهمس وجل خافت
"زواج ! ماذا ؟"

انتفض واقفا امامها بقوة ارهبتها ورجفت بدنها من رأسها حتى اخمص قدميها ، وهو يستدير بعيدا عنها امام مكتبه قائلا بهدوء جاد وبصوت حاسم كمن سلم امره للواقع
"لا بأس يا غزل ، انا سأعطيكِ وقتكِ بالتفكير على مهل بأمر عرضي المفاجئ لكِ ، وعندما تكونين مستعدة لا تنسي ان تخبريني بإجابتك ، سأكون عندها بانتظاركِ على احر من الجمر ، لا تتأخري"

تنفست بارتعاش وهي تراقبه بعينين مشدوهتين بصدمة اسرتها طويلا ، لتحاول بعدها النهوض بارتجاف وهي لا تقوى على الوقوف حتى كادت تقع اكثر من مرة على وجهها ، لتقف بالنهاية باتزان وهي تسرع بخطواتها باتجاه باب المكتب والذي لم تعد ترى غيره امامها وهي تهمس بآخر كلمة خرجت منها بشق الأنفس
"وداعا"

التفت (هشام) للخلف وهو ينظر للباب والذي تركته مواربا من خلفها ، لتحين منه التفاتة ناحية الطاولة وهو يلمح قلمها الوردي والذي يبدو قد نسيته بخضم الصدمات الاخيرة والتي تلقتها الواحدة تلو الاخرى !

تقدم نحو الطاولة بخطوتين وهو يلتقط قلمها الوردي بطرف اصابعه هامسا امامه بلحظة بابتسامة متسعة بانتشاء واضح
"ستعود على الاكيد ، تلك الشقية !"

______________________________
وزعت الملاعق فوق المائدة بترتيب مع الموائد والكؤوس الاخرى بطريقة توحي برقي وجمال صاحبته ، وما ان انتهت حتى تنهدت بشرود طاف على ملامحها لوهلة وهي تتأمل ترتيب السفرة بعين دقيقة وبتقييم سريع بعملها المنجز والتأكد بذات الوقت من عدم نسيان شيء ، لتتنفس بعدها براحة وهي تقف باستقامة عند رأس المائدة لتعتلي ابتسامة ناعمة محياها وهي تشرف على عملها بدون ان يغيب عن نظرها للحظة .

التفتت من فورها للخلف ما ان وصلها صوت التي تقدمت امامها وهي تهمس بانبهار مبتسم
"ما هذا الجمال الذي اراه ؟ ترتيب انيق وفخامة من اميرة جميلة صاحبة ذوق رفيع وايدي ساحرة بالعمل ! يبدو بأنني محظوظة حقا بالحصول على اميرة منزلية لا نراها كل يوم !"

اتسعت ابتسامتها بحياء وهي تتناول منها الطبق الاخير من السفرة هامسة برقة
"اعطيني هذا عنكِ يا عمتي"

وضعت الطبق بسرعة بمكانه المخصص له فوق المائدة لتكتمل صورة السفرة الحالمية امامها بدون ان تنقصها شيء ، لتربت (هيام) على كتفها برفق وهي تهمس لها بمحبة امومية
"احسنتِ عملاً يا عزيزتي ، بارك الله فيكِ"

اخفضت نظراتها قليلا وهي تهمس ببسمة خافتة
"شكرا لكِ ، هذا من لطفك"

اخفضت يدها عن كتفها بلحظة وهي توجه نظراتها بعيدا عنها هامسة بتفكير حائر
"ألم يخرج جواد من غرفته بعد عودته من العمل ؟"

غامت ملامحها لوهلة بحزن قيدها بهالته الساكنة وهي تقبض على يديها بصمت قاهر ، لتحرك بلحظة رأسها بالنفي بدون ان تنطق بحرف بعد ان التهمت المرارة لسانها الطويل المعتاد على الثرثرة والتي انعدمت من حياتها مؤخرا ، لتتابع (هيام) كلامها بحزن عميق تجلى بصوتها بعتاب موجوع
"ولكنه لم يعد يحضر مائدة الطعام معنا كما بالسابق ، حتى انه اصبح يتعمد دائما التأخر بالعمل وعدم رؤيتنا سوى نادرا ، وانا قلقة جدا على صحته بهذه الفترة ومن تصرفاته الغريبة والتي بدأت تخرج منه مؤخرا ، هل يعقل بأنه يخفي عنا سرا ما لا يريد البوح به ؟"

زمت شفتيها برجفة تخللت مفاصلها بقشعريرة على ذكر امر السر والذي يخفيه كليهما عنها بتلك الليلة الكارثية والتي انتهت بأبشع طريقة من الممكن ان تحصل بين زوجين ! لتنتفض لا شعوريا بوجل ما ان وجهت الحديث لها هامسة بلطف
"هل تعرفين سبب تغيره يا صفاء ؟"

نظرت لها بحدقتيها الواسعتين باهتزاز وهي تحرك رأسها مجددا بالنفي بقوة اكبر ، لتقول بعدها (هيام) بابتسامة هادئة بحنان تشربت بملامحها الشاحبة بلحظة
"حسنا يا صفاء ، انا سأذهب الآن لأطلب من جواد الحضور معنا على المائدة لنتناول العشاء سويا ، فأنا اعرف جواد جيدا بخصوص صحته فهو مهمل جدا بها بطريقة مستفزة تدعو للإحباط ، لذا يحتاج هنا لمن يهتم به ويقف فوق رأسه دائما ليعتني بصحته بدلا من ان يفعل ذلك بنفسه ! ولكنه سيبقى دائما شخص ميؤوس منه"

ارتفع حاجبيها بتوجس وهي تهمس بارتعاش لا إرادي
"تريدين منه ان يحضر معنا !"

عقدت حاجبيها ببطء وهي تهمس بابتسامة متسعة بعطف
"اجل هذا ما كنت اتحدث عنه"

تداركت نفسها وهي تلوح بيديها بتوتر هامسة بابتسامة ارتجفت على محياها
"اجل فكرة رائعة ! اتمنى ان يصغي إليكِ ويقدر قلقك عليه ، فنحن جميعنا نهتم بصحته هنا وخائفين من تدهورها ، والعمل لن يطير منه إذا تركه قليلا وحضر مائدة العشاء مع العائلة ، صحيح ؟"

اومأت برأسها وهي تربت على كتفها من جديد هامسة بحنان
"لا تقلقي يا عزيزتي ، فهو سيكون دائما بخير ما دمنا موجودين من حوله ونهتم به"

اومأت برأسها بشرود باهت بدون ان تعلق على كلامها ، لتغادر الاخرى بعيدا عنها لخارج قاعة الطعام بلحظات .

تنهدت بتعب تجلى على محياها بلحظة وهي تفكر بلحظة رؤيته امامها وهي لا تعلم بأي وجه ستنظر له وتواجهه بعد كل ما حدث ! فقد حاول كلاهما طول اليومين الماضيين تحاشي النظر كل منهما للآخر او مقابلته ولو بالصدفة ! فماذا ستفعل الآن بهذا الموقف العصيب والذي حوصرت به ؟

تأهبت حواسها وهي تستدير ناحية التي عادت بعد دقائق معدودة من مغادرتها ، لتتصلب بمكانها بأعصاب مشدودة ما ان وقفت الاخرى امامها بمعالم الحزن الظاهرة عليها ، لتحرك بعدها رأسها للأسفل بإشارة للخيبة وهي تهمس بأسى مضمور
"لم يوافق على الحضور ، وقد اصر على البقاء بمفرده بدون ان يتجاوب معي ، وكله بحجة العمل وكأنه لا احد يعمل بالعالم غيره !"

زفرت انفاسها ببعض الاسترخاء لوهلة وهي تحاول مواساة عمتها هامسة برقة وكفها تمسح على كتفها برفق
"لا داعي للحزن يا عمتي هيام ، فأنا متأكدة بأنه عندما يشعر بالجوع يمكنه تناول حصته من الطعام والتي ستكون جاهزة من اجله بالوقت الذي يرغب به بتناول الطعام ، فهو بالنهاية ليس طفلا حتى لا يعرف الوقت الذي يناسبه لتناول الطعام !"

عقدت حاجبيها بعزم وهي تمسك بذراعيها بحركة مفاجئة ارهبتها وهي تهمس لها بإصرار حازم
"صفاء ما رأيكِ ان تذهبي انتِ وتجربي اقناع زوجك بحضور المائدة وتناول الطعام معنا ؟ فقد يصغي إليكِ ويوافق إذا طلبت منه انتِ ذلك ! لذا ارجوكِ ان تذهبي وتحاولي معه فأنتِ املي الوحيد المتبقي بهذه المهمة"

انفرجت شفتيها بانذهال وهي تحاول التملص من يديها هامسة بتوتر مستاء
"ماذا ! لا اعتقد بأن هذا سيجدي ! إذا لم يصغي إليكِ انتِ لما قد يصغي لي انا ؟ هذا مستحيل....."

قاطعتها برجاء اكبر وبعيون سوداء مغمورة بالأمل وهي تشدد من القبض على ذراعيها بتمسك
"لا تقولي هذا الكلام يا صفاء ! فأنتِ تكونين زوجته واكيد مرتبتك تختلف عن مرتبتي بحياته ، وقد لا تدركين حقا مدى اهميتك بحياته والتي جعلتكِ تحصلين على لقب زوجته ، فأنا اعرف جواد اكثر من نفسي وهو ما يجعلني اثق واقول بأن هناك منزلة خاصة بكِ بحياته لم يصل لها احد من قبلك ولن يصل !"

كانت تحدق بها بانشداه اخذها على حين غفلة حتى كادت تصدق كلامها والذي لا ينطبق بأي شكل على ابنها الصخري ! لتهمس بعدها باضطراب مشتت معدوم المشاعر وكأنها تكلم نفسها
"اشك بأن يكون هناك شيء من هذا حقيقة !"

تغضن جبينها بوجوم وهي تشدد على ذراعيها هامسة بخفوت قلق
"صفاء ! هل تصغين لما اقول ؟......"

قاطعتها من فورها بابتسام طفيف بدون ان تصل لروحها
"حسنا ، اعتقد بأنني سأحاول ان اجرب !"

تهللت اسارير (هيام) بابتهاج وهي تفلت ذراعيها بلحظة لتمسح على شعرها هامسة بعطف وبرقة
"اجل هكذا اريدكِ يا عزيزتي ، وانا واثقة بأنكِ لن تخيبي ظني"

اومأت برأسها بابتسامة هاوية وهي تستدير بعيدا عنها لتسير من فورها باتجاه باب القاعة ، وبثواني كانت تجر قدميها بصعوبة ما ان اقتربت من اسوار باب الغرفة المقصودة والتي يقبع من خلفها الرجل الكاسر والذي لا يهاب شيء بجبروته العالي ، وتشك حقا بأن يكون يحتاج لمن يهتم بصحته ويعتني بغذائه وهو اقوى من ان يتأثر بمثل هذه الأمور !

تنفست بقوة عدة مرات وكأنها تجهز نفسها للمواجهة الحتمية والتي القت بها رغما عنها بساحة الحرب الطاحنة بين كبريائها وعاطفتها ، ابتسمت بخواء ساخر وهي لا تصدق لأي مرحلة وصلت بها حياتها الزوجية وكل هذا العناء والشقاء من اجل فقط مقابلة زوجها والذي لهذه اللحظة ما يزال يشكل خطر مهدد بحياتها العاطفية والمعنوية ؟!

زفرت انفاسها بتهدج وهي تمسك بمقبض الباب البارد بيد لترفع قبضة يدها المضمومة الاخرى وهي تطرق بها على سطح الباب بطرقات مترددة بخفوت غير مسموع ، وما ان نفذ صبرها من الانتظار بدون إجابة حتى ادارت المقبض وهي تفتح الباب ببطء شديد ، لتقول بعدها عند طرفه بدون ان تلقي نظرة للداخل وهي تحاول تمالك اعصابها المشدودة
"جواد هل تسمعني ؟ هل يمكنك المجيئ وحضور مائدة العشاء معنا ؟ فوالدتك مصرة على حضورك بشدة وتريد منك الاهتمام بصحتك وغذائك اكثر ! لذا......"

صمتت بوجل ما ان سمعت صوت ضجة طفيفة بالداخل بدون ان تحدد مصدرها ! لتدفع الباب بلحظة للداخل بدون ادنى تفكير وهي تنظر بصدمة شلت حركتها لثواني ما ان وقعت عينيها على الجالس خلف مكتبه بزاوية الغرفة ، وليس هذا ما سمرها عن الحركة تماما بل وضعية جلوسه الغريبة ورأسه مرتخية على ذراعه بدون اي حراك وصوت شخير خافت لا يترك مجال للشك بأن الجالس امامها نائم ! هل هو نائم بالفعل ام هي خيالات صحوتها ؟

غطت فمها بكفها بارتجاف منتفض عبث بنبضات صدرها المتخبط ببن لوعة ولهفة وخوف من اللحظة ، لتحاول بعدها الانسحاب ببطء شديد وهي تشكر ربها على الفرصة والتي اوهبها لها لينقذها من لحظة المواجهة ، قبل ان تتجمد بمكانها لبرهة وعينيها الواسعتين تتبع الملفات المتساقطة امام المكتب وسبب الضجة التي سمعتها عند باب الغرفة من لحظات !

ابتلعت ريقها بارتباك وهي تتقدم امامه بخطوات حذرة بذعر كان يزداد مع كل خطوة تقربها منه ، انحنت على ركبتيها ببطء وهي تلتقط الملفات من على الارض بحرص وبدون صوت ، لترتفع بعدها واقفة على قدميها وهي ترتب الملفات فوق سطح المكتب بأصابع خرقاء متعثرة .

حررت انفاسها براحة تسربت بعضلات اعصابها المشدودة لوهلة ، قبل ان تعلق عينيها على رأسه المستريح فوق ذراعه وهي تشرد بشعره الكثيف المبعثر بعض الشيء رغم نعومة خصلاته الواضحة ، لترفع بعدها كفها لا إراديا ما ان وصلت لنقطة لم تعد تستطيع التراجع بها ورغبتها بفعلها تفوقت على كل خوف كان يسيطر عليها فات الآوان على التفكير بعواقبها الوخيمة !

ابتسمت بلهفة غريبة وهي تمسح على شعره الناعم واصابعها الرقيقة تغوص بخصلاته بقوة لا شعوريا ، لتنزع يدها بعيدا بانتفاض استولى على كيانها بالكامل ما ان حدقت العيون السوداء بها بتركيز حاد شبيه بالصقور التي تستعد للانقضاض على فريستها بأي لحظة .

تشنجت بمكانها حتى كادت تغص بأنفاسها وهي تقبض على يديها خلف ظهرها بدون ان تستطيع ابعاد عينيها النديتين عن عينيه شبر واحد ، وما هي ألا لحظة حتى بدأت الرأس بالارتفاع بهدوء مهيب سلطها بمكانها للحظات وهو يلوي عنقه بيده بتأوه ليعدل من وضع جلوسه باستقامة ، وما ان انتهى من مهمة تصليب جسده المرتخي من النوم حتى عاد لجلسته المعتادة بشموخ وهو ما يزال يدلك على ذراعه التي كان ينام عليها ببعض الخدر .

عضت على طرف شفتيها بلوعة وهي تراقب كل حركات منحنيات جسده العضلي من تحت قميصه الداخلي باحمرار يكاد يودي بها بفرط شعورها ، لتتسع مقلتيها العسليتين بتوجس ما ان وصلها صوته الجليدي ببحة تعب اعطتها مهابة اكبر
"ماذا تريدين ؟ هل هناك من خطب ؟"

تعثرت بأنفاسها وهي تهمس بخفوت متخبط ما يزال يعلوها الاحمرار المفرط
"انا اتيت من اجلك ، اقصد من اجل ان اطلب منك ان تحضر مائدة العشاء معنا ، لأنك لم تعد تتناول طعامك معنا بانتظام وهذا قد يؤثر بصحتك !......"

قاطعها بنبرة صخرية ارتسمت بتقاسيم وجهه بلحظة
"لقد اخبرتكم من قبل بأني لا اريد تناول شيء ! لذا اخرجي من غرفتي حالاً واخبري التي ارسلتكِ ان تتوقف عن إلحاحها وتتركني وشأني"

ارتجفت بمكانها وهي تشدد من القبض على يديها خلف ظهرها هامسة بعبوس متشنج
"ولكن والدتك خائفة على صحتك ومن إهمالك بالاعتناء بنفسك ، لذا هي كل ما تريده منك ان تشاركنا بتناول الطعام معنا كما كنت تفعل بالسابق ، أليس هذا افضل من جعلها تقلق عليك وتفكر بك بكل وقت ودقيقة وانت غير مبالي بها ؟"

قطب جبينه بجمود وهو يخفض يده عن ذراعه قائلا بتصلب ساخر
"هل ترينني طفل امامكِ حتى لا استطيع رعاية نفسي والاهتمام بصحتي ؟ انا ما ازال بكامل قوتي وقادر على إدارة امور حياتي الصحية والمهنية بكل عقلانية ولم اصل للعجز بعد ليدفعكما لكل هذا الخوف عليّ !"

تبرمت شفتيها وهي تهمس بدون صوت ببعض الضيق
"لقد اخبرتها بذلك مسبقا !"

زمت شفتيها بارتجاف ما ان وجه نظرات حارقة نحوها تكاد تعريها بمكانها ، لتقول من فورها بعبوس محتقن بتلعثم واضح
"ولكنك كنت دائما تتناول الطعام معنا فيما مضى ! ما لذي غيرك هكذا حتى تتوقف عن حضور المائدة معنا ؟"

غيم الصمت الطويل بينهما بتنافر مشحون بالسلبية حتى اخرجت ذكريات تلك الليلة الكارثية بحياتهما الزوجية والعاطفية ، لتشيح (صفاء) بوجهها جانبا بارتعاش بعد ان تلاعبت الاجواء بمشاعرها بطريقة كتمت على انفاسها بصعوبة الصمت بينهما والذي تستطيع قراءة لغته .

نظرت امامها بسرعة باتجاه الذي اخفض رأسه بإنهاك واضح وهو يسعل بصوت مكتوم وكأن بلعوم قد علق بحلقه فجأة ، لتشتت انظارها من حولها بضياع وهي تقع بلحظة خاطفة على كأس الماء فوق المنضدة الجانبية ، اسرعت بخطواتها نحو المنضدة وهي تلتقط الكأس بلمح البصر وبلحظات كانت تقدمها للذي ما يزال يسعل بقوة ازدادت حدة .

ولكن ما ان حاول تناول الكأس منها حتى قبض تلقائيا على كفها بلسعة تخللت بين ايديهما مما ادى لدفع كفها بعيدا حتى اوقعت الكأس منها بلمح البصر ، اخفضت عينيها الواسعتين بحرقة الدموع للكأس المحطمة امام قدميها بذهول طاف على حياتها لوهلة ، ليرتجف بعدها بدنها برجفة انتفض كل جزء بها على مسمع صوت الذي وقف عن مقعده بقوة وهو يصرخ بأمر صارم جمد الدماء بعروقها
"ألم اطلب منكِ مغادرة الغرفة ! لما لا تفهمين الكلام هيا اخرجي من الغرفة حالاً ؟ وإياكِ ودخولها بهذه الطريقة مرة اخرى بدون إذن صاحبها ! فأنا اكثر شيء اكرهه بحياتي هو التسلل لغرفتي من وراء ظهري !"

زمت شفتيها بامتقاع الخزي وهي تحاول خنق شهقاتها بشق الأنفس لتذبح بها روحها والتي غارت بداخل هوة حياتها ، همست بعدها بقهر وبشفتين مرتجفتين ببحة صوتها الباكية
"لم اكن اعلم بأن دخول الزوجة لغرفة زوجها تعتبر متسللة ! ألم تقل بنفسك قبل يومين بأنك لا تطيق سماع كلمة بأنك محظور من حياتي ! إذاً ما هذا الذي فعلته الآن ؟ انت تحب ان تظلمني ولكنك لا تحب ان تنظلم !"

تغضن جبينه بوجوم غيم على محياه بلحظة صمتت معه كل الاصوات المحيطة بهما بعد ان وصل للمفترق بحياتهم ، وهو يراقب بعينين سوداوين ساكنتين التي غادرت لخارج الغرفة بأكملها بدون صوت بعكس الشحنات السالبة والتي انبثقت منها لتبثها بالأجواء من حوله رغما عن إرادته الحديدية بمنافسة امام طاقتها الخيالية والتي اطاحت به اكثر من مرة وما تزال تفعل ...

_____________________________
دخلت لقاعة الطعام بخطوات متخاذلة وهي تجر اذيال الخيبة معها بجرح دائما ما يتفنن بغرس سكين قسوته به بدون ان يدع له الفرصة ليندمل من جروحه السابقة ، تصلبت بمكانها ما ان اوقفت طريقها التي اندفعت امامها بلحظة وهي تهمس لها بابتسامة حانية بلهفة
"ماذا حدث معكِ يا صفاء ؟ هل وافق جواد على حضور مائدة العشاء معنا ؟ اخبريني بأنه سيأتي الآن بأي لحظة وترككِ تسبقينه اولاً !"

تنهدت بإنهاك خرج من صميم قلبها المطعون وهي تحيد بنظراتها جانبا بدون كلام ، لتعود (هيام) للكلام بتوتر تشرب بملامحها بلحظة خاطفة
"ما بكِ يا صفاء ؟ كلميني يا عزيزتي ماذا حدث ؟ هل جرحكِ بكلامه كما يفعل دائما ؟"

حركت رأسها بسرعة ناحيتها وهي تتصنع ابتسامة زائفة هامسة برقة
"لا يا عمتي هيام لم يحدث شيء من هذا ! فقط عندما طرقت باب الغرفة وجدت......"

ابتلعت باقي كلامها بداخل حنجرتها ما ان لمحت الواقف عند باب القاعة والذي سمرها بمكانها بقوة نظراته المسلطة عليها ، بينما عقدت (هيام) حاجبيها بوجوم وهي تلتفت للخلف باتجاه ما تنظر له ، لتنقلب ملامحها بلحظة بسعادة غامرة اخترقت ظلال روحها وهي تهمس بمحبة
"وصلت اخيرا ، لقد اشتقنا كثيرا لإطلالتك معنا على مائدة الطعام بعد ان حرمتنا من وجودك بيننا يا قاسي !"

حرك رأسه بعيدا عنهما بجمود بدون ان يعلق على كلامها الاخير وكأنه مجبر على مجاراة تصرفاتهما ليسير تماما على هواهما ، تسمرت (صفاء) بمكانها بصدمة وهي تلمح التي غمزت لها بعينها بمرح ويدها تمسح على ذراعها بحنان ، لتعض بعدها على طرف شفتيها بتوتر ممتعض بدون ان تستطيع مجاراتها اكثر وهي تظنها من احضره إلى هنا ! ولا تعلم بأنه قد اهانها وطردها من الغرفة قبل ان يسمعها جزء من سمومه المعتادة نحوها ! إذاً كيف تكون هي السبب بحضوره ؟ وكل ما هي متأكدة منه الآن وواثقة به بأنه لم يحضر المائدة اليوم سوى ليكمل تجريحها وإهانتها بقسوته التي لا تفارقه معها !

استدارت (هيام) بلحظات للجهة الاخرى وهي تتقدم باتجاه ابنها الذي ما يزال ساكن بمكانه بدون حراك ، لتقف بعدها امامه تماما وهي تهمس له بابتسامة عاتبة بمرح
"إذاً فقد اتيت بالنهاية ! كم كان علينا ان نرجوك ونتوسل إليك لتحضر المائدة معنا وكأننا نطلب من الملك الفرعوني ان ينزل عن عرشه ويشرفنا بحضور السفرة مع عبيده !"

ارتفع حاجبيها بدهشة وهي تعض على ابتسامتها البلهاء ما ان قالت تماما الذي كان يدور برأسها من لحظة ولم تستطع النطق به امامه ، لتموت الابتسامة بمحضرها ما ان امسكت بها النظرات الباردة والتي تكاد توديها قتيلا ، فيبدو بأنه قد قرأ افكارها بالفعل على سطح ملامحها والتي كشفت ما يعتمل برأسها !

اعاد نظراته لوالدته وهو يتمتم بجمود بارد
"لم يكن هناك داعي لفعل ذلك ، انتِ من اجبرني على كل هذا لأخضع فقط لرغبتك"

اتسعت ابتسامتها بحنان وهي تلوح بيدها هامسة بعبوس مزيف
"ولكنك لم تصغي لكل كلامي عندما طلبت منك ان تحضر المائدة معنا وتجاهلتني تماما ، وعندما طلبت منك صفاء وافقت بسرعة بدون اي مجهود يذكر ، يا لك من ظالم وغير منصف !"

اتسعت حدقتيها العسليتين بذهول وهي تحرك رأسها للأسفل بإحراج تتمنى معه ان تختفي من الكون بأكمله وليس من امامهم فقط ، بينما قال (جواد) بهدوء بابتسامة ملتوية بقسوة
"هل تعتقدين حقا بأني اميزها عنكِ ؟ يا لها من حجة مقنعة للفت الانتباه يا امي !"

ضحكت (هيام) بمرح خافت لم يدم سوى للحظتين برنة الحزن القابعة بروحها ، ليتحرك بعدها (جواد) وهو يتجاوزها بخطوات ثابتة وما ان وصل بطريقه للساكنة بمكانها حتى همس لها بكلمات موجزة ارسلت القشعريرة بمنحنيات جسدها بأكمله
"لن اسامحكِ على تلك الكلمات يا صفاء ، ولن امررها لكِ بدون عقاب"

انفرجت شفتيها بشهقة مكتومة وهي تحاول تهدئة فورات مشاعرها على مسمع تلك الكلمات التي تبين نيته المطمورة نحوها .

بلحظات اجتمعت العائلة حول المائدة وكل منهم يجهز طبقه من الطعام امامه ، بينما كانت (هيام) تجهز الطبق الخاص بابنها وهي تملئه من كل الاصناف الموجودة على الطاولة قائلة بمودة حانية
"عليك ان تأكل من كل شيء موجود على الطاولة ، وإياك وان تترك شيء بطبقك لأني عندها لن ارحمك ، فقد اصبحت نحيفا جدا بالآونة الاخيرة وتقضي وقتا طويلا بالعمل بدون ان تضع شيء بفمك ! وهذا ليس جيدا ابدا على صحتك"

ردّ عليها بجفاء وهو يحرك عينيه بملل
"هل عدنا لمحاضرة الصحة والتغذية ؟ فأنا لن اتأثر فقط من نقص طفيف بالطعام على جسدي والذي اعتاد على حرمان أيام من الطعام !"

وضعت الطبق امامه بقوة رجت محتويات الطاولة وهي تهمس بصرامة قاطعة
"ليس هناك داعي لذكر مثل هذه الأمور القديمة والتي ولى عليها الزمن ورحل ، فنحن الآن قد تحسن وضعنا المادي والمعنوي واصبح بإمكاننا العيش برفاهية وسعادة مثل كل العائلات بالعالم وافضل ! لذا اشكر النعم التي انت بها الآن وتوقف عن ذمها"

عبست ملامحه بتقاسيم طفيفة اعتلت محياه وهو يلتقط الملعقة ليتناول طعامه ببرود غير مبالي ، بينما كانت (صفاء) تشاهد المنظر امامها بهدوء بدون ان تشارك بالأجواء التي اختلقوها بينهما ، وهي تجلس بجوار عمتها لتحاول الابتعاد بقدر الإمكان عن مجال نظره وعن كل شيء يحيط به اصبح يرهقها ، بالرغم من إمارات الغضب التي ظهرت على وجه عمتها ورفضها لموقع جلوسها والذي اتخذته رغم ممانعتها الشديدة .

ارتفع نظرها قليلا ما ان علق ذهنها عند آخر حديثهم لتقول بلحظة بخفوت متردد
"هل كان الحصول على الغذاء صعبا جدا بالماضي ؟"

نظرت لها (هيام) وهي تبتسم بحزن تسلل لمحياها هامسة بأسى خافت
"لا يا عزيزتي ليس هذا ما حدث ! ولكن جواد اعتاد على العيش بعيدا عنا بسبب ظروف عمله ودراسته والتي تحتم عليه السكن بمنطقة اخرى وزيارتنا بفترات متقطعة ، لذا لم يكن بتلك الفترة يتناول طعامه بانتظام وكان يهمل صحته بأكثر الاحيان بسبيل الانفاق علينا وجلب المال لمنزلنا ، ولكن الحمد الله على كل حال فكل شيء قد سار للأفضل واصبح لجواد وظيفة مرموقة ومنزل جديد يؤوينا ، لذا لا داعي للحزن على الماضي فكل هذا من حكم ربنا ونعمه علينا"

ابتسمت بارتجاف بغلالة مظلمة تشعر بها اصبحت تحوم من حولها بكثرة ، وهي لا تجد ما تقوله سوى الهمس بخفوت باسم بثغرها الحزين
"الحمد الله على كل حال"

مرت لحظات قبل ان يخترق هالة الصمت المحيطة بهم الصوت الجليدي وهو يتمتم بهدوء
"من الذي اعد الطعام اليوم ؟"

اتسعت عينيها العسليتين بخوف خفي اصبح يحوم من حولها وهي تعلم جيدا مصير طعامها ما ان يعلم عن هوية الذي اعده ، لتجيبه (هيام) بلحظة بابتسامة متسعة بسعادة مفعمة بالحياة وكأنها تثني على عمل ابنتها
"ومن سيكون غير اميرة المنزل الطاهية ! فهي قد اصبحت تتولى اعداد الوجبات الثلاث بنفسها وبإتقان وحرفية لن تستطيع بها مقاومة التناول من تحت يديها الساحرة ، حتى انها من جهز المائدة ايضا ورتبت الموائد عليها ببراعة ارقى المطاعم بالبلد ، انا اقول بأنك قد اصبت حقا باختيارها زوجة وابنة مطيعة لمنزلنا والذي كان يحتاج لوجودها بشدة ، ولو كنت اعلم بأن هذا سيحدث مسبقا لطلبت منك الزواج منها بسرعة واحضارها لمنزلنا منذ زمن بعيد ! فهي منذ حضورها لمنزلنا وقد جلبت معها البهجة والراحة وما كنا نفتقده بشدة منذ سنوات"

غيم الصمت للحظات فاصلة والمقصودة بكلامها تنظر ليديها بحجرها بحياء مفرط ومشاعر اخرى متداخلة تشابكت معها ، لتسمع من كانت تنتظر رأيه بأعصاب منهارة وهو يقول بغموض منخفض
"حسنا لقد توقعت هذا ، ولكن شكرا على التوضيح"

قالت (هيام) من فورها بابتسامة ما تزال تحتل محياها بمحبة غامرة
"إذاً ما هو رأيك بالطعام يا جواد ؟ فأنت لم تخبرنا للآن رأيك به !"

حرك رأسه بهدوء وهو يدس لقمة اخرى بداخل فمه ليهمس بعدها ببرود وهو يلوك اللقمة بين اسنانه
"لا بأس به جيد ويترك اثر بالفم مثل السم والذي يتخلل بجسد صاحبه ليترك جزء منه ساكن بداخله مثل وصمة لن تزول بسهولة !"

فغرت شفتيها لوهلة بدون اي شعور وكأنه يتكلم عن شيء آخر بعيد كلياً عن الطعام بتعبير عبث بخفقات قلبها بموجة مشاعر متناقضة ، لتتدخل بعدها التي ضربته على مرفقه بكفها بهدوء وهي تهمس بوجوم مستاء
"ما هذا الذي تتكلم عنه ؟ هل هكذا يعبر الزوج عن رأيه بطعام زوجته والذي تعبت وهي تحضره له ؟ حقا معشر الرجال عديمين المشاعر ولا يقدرون المجهود المبذول من اجلهم لأنهم كائنات متكبرة لا يرضيهم سوى القليل ! انا اقول بأن الله يكون بعون زوجتك المسكينة على زوج بتفكير منعدم مثلك !"

اكمل طعامه وهو يتجاهلها تماما ليحيد بعينيه ناحية التي ما تزال تحدق به بذهول اخذها بعيدا ، لتخفض بسرعة عينيها لأسفل الطاولة برجفة شعر بها بوجهها المحتقن باحمرار مفرط ، بدون ان يعلم ما هو مدى تأثيره عليها والذي اصبح يثير اهتمامه بالآونة الاخيرة ؟ مثل كل شيء تحتل مكانا به كما فعلت بالمنزل الذي يعيش به والذي استحوذت على مساحة كبيرة به حتى تحول لعالمها الخاص تلهو وتلعب به كما تشاء بدور الزوجة والطاهية والابنة وجميعها بشخص واحد !

_______________________________
كانت تطرق بطرف اصبعها الطويل على سطح الطاولة وهي تتنقل بعينيها الداكنتين برواد المكان بتركيز بارد بدون ان تعطي ايً منهم اهتمامها ، لتخفض بعدها مسار نظرها قليلا وهي تحدق بالهاتف بيدها الاخرى والمفتوح على الرقم والذي حفظته عن ظهر قلب بلمحة خاطفة للرقم ليخزن بذاكرتها الحديدية .

تنفست بجمود وهي تزيد من الضغط بالنقر على سطح الطاولة حتى اصبح ينقر برأسها مثل دقات نهاية صبرها الحتمي ، لتخفض بعدها جفنيها بلحظة وهي تعود بعقلها لما حدث قبل دقائق فقط من الآن ، عندما كانت تضع الهاتف على اذنها وهي تستمع لصوت رنين مكالمتها ، وبلحظات كانت تبادر بالكلام قائلة ببرود عملي
"هل هذا رقم الآنسة وفاء شديد ؟"

مرت لحظتين قبل ان يجيب الصوت من الطرف الآخر بارتعاش واضح
"نعم هنا ! ماذا تريدين منها ؟"

ابتسمت بهدوء جليدي وهي تهمس مجددا بصوت اكثر جمودا
"مرحبا بكِ ، انا ادعى ماسة الفاروق وقد سبق وتعرفنا على بعضنا ، هل تذكرين ؟"

ارتجفت انفاسها بتعثر وهي تهمس بخفوت متوجس
"نعم اتذكر ، مرحبا بكِ زوجة شادي الفكهاني ، هل استطيع مساعدتك بشيء ؟"

انحنت ابتسامتها بغموض وهي تقول بسعادة مزيفة
"نعم يا عزيزتي اريد مساعدتكِ بأمر ضروري جدا ! هل تستطيعين مقابلتي الآن بمقهى السعادة بمنتصف البلد ؟"

انتظرت عدة لحظات قبل ان يخرج صوتها بارتباك اكبر يتخلل بها الخوف
"تريدين مقابلتي الآن ! ولكن لماذا ؟ ماذا حدث ؟"

اجابتها بهدوء شديد بدون اي مقدمات
"اريد مقابلتك وإجراء حديث ودي بيننا ، هل تمانعين بذلك ؟"

ردت عليها بسرعة بخفوت مرتجف
"لا لا امانع ، ولكن من الغريب ان تطلبي مني مثل هذا الأمر بعد كل ما حدث بيننا بآخر مقابلة !"

تجمدت ملامحها بتعبير قاسي لوهلة وهي تخفي كل انفعالاتها التي راودتها بعقلها بلحظة ، لتهمس بعدها بابتسامة باردة بخفوت
"هل ما تزالين تحملين الضغينة اتجاهي بسبب آخر حوار حدث بيننا ؟ لا تقلقي يا عزيزتي فهذه المقابلة ستكون مختلفة عن سابقتها فهي مجرد نقاش بين اي صديقتين تودان التعارف على بعضهما من جديد وفتح صفحة جديدة خالية من اي عداوات او حروب قد تؤدي عن هذه المقابلة ، فما رأيكِ بهذا ؟"

صمتت للحظات اطول قبل ان تجيب بشك خافت
"لا بأس بذلك ، ولكن هل انتِ متأكدة من كلامك ؟ فهذا القرار قد يؤثر من عدة نواحي !"

اتسعت ابتسامتها بسخرية لا شعورية وهي تهمس بلا مبالاة متعمدة
"وماذا قد يحدث مثلا اكثر مما حدث ؟ لا تقلقي فأنا متأكدة من كل كلمة قلتها لكِ الآن ، إلا إذا كنتِ انتِ غير متأكدة من صحة قراري ؟"

ردت عليها بسرعة بتوتر مبرر
"لا ليس هكذا الأمر ! ولكني لا اعتقد بأن الوقت الآن مناسب للمقابلة ، اعتذر حقا......."

قاطعتها بملامح باردة وهي تهمس بجفاء
"تقصدين بأنكِ لا تستطيعين الخروج من المنزل !"

زمت شفتيها بارتجاف وهي تهمس بحزن كاذب
"اجل هذا ما قصدته ، لو كنت املك الوقت لما تأخرت بإجابة طلبك....."

عادت لمقاطعتها بتفكير بدون ان تهتم لكلامها الاخير
"إذاً هل استطيع المجيئ لمنزلك ومقابلتك هناك بما انكِ لا تستطيعين الخروج منه ؟ ما رأيكِ !"

شحبت ملامحها وهي تهمس باندفاع لا إرادي
"لا هذا غير جائز ! اعني لا استطيع ! اعتذر"

اعتلت إمارات الجمود محياها وهي تهمس بأمر لا جدال به
"إذاً الخيار بيدكِ ! اما ان نتقابل بالمقهى الذي اخبرتكِ عنه من لحظة ؟ واما ان تخبريني بموقع منزلك لأستطيع القدوم لكِ ؟ ماذا قررتِ ؟"

اخذت عدة لحظات قبل ان تقول بخنوع من استسلم للأمر الواقع
"حسنا لا بأس ، انا موافقة على ان نتقابل بالمقهى الذي اخترته ، فهو افضل من الخيار الثاني"

انقلبت ملامحها بسعادة لحظية وهي تهمس بلهفة بالغة
"جيد ، سأكون بانتظاركِ هناك فلا تتأخري بالقدوم ، وتذكري بأنه لدي طرق اخرى للوصول لكِ هذا إذا فكرتِ بالهروب !"

حركت رأسها بشرود وهي تخرج من موجة الذكريات التي اخذتها من لحظات ، لتتوقف لوهلة عن نقر الطاولة وهي تلتفت بوجهها ناحية صوت الاقدام المتجهة نحوها بتردد واضح تستطيع تمييز وقعها على الأرض الرخامية ، لتعتلي بلحظة نفس الابتسامة الساخرة محياها وهي تهمس بخفوت واثق
"واخيرا وصلتِ ! ظننت بأنكِ بلحظة غباء قد ترتكبين حماقة وتفكرين بالهروب من مقابلتي ؟"

توقفت الخطوات بالقرب منها وهي تهمس بهدوء محرج
"اعتذر لقد جعلتكِ تنتظرين طويلا !"

حركت رأسها بلا مبالاة وهي تهمس ببرود ساخر
"لا بأس يا عزيزتي ، المهم عندي بأنكِ كنتِ عند كلمتك ولم تخذليني كما فعلوا الآخرون ! وهذا تصرف بالغ الأهمية بالنسبة لثقتي والتي اصبحت بعيدة المنال على بشر اكثر ما يجيدونه هو خيانتها !"

ابتلعت (وفاء) ريقها بتلجلج وهي تهمس بنفس الخفوت النادم
"اعتذر مجددا على جعلكِ تظنين السوء بي !"

زفرت انفاسها بملل وهي تدير وجهها امامها هامسة بأمر
"لا بأس ، اجلسي امامي الآن"

تقدمت بسرعة وهي تجلس على الكرسي المقابل لها بهدوء ظاهري ، لتضم بعدها قبضتيها فوق سطح الطاولة بتوتر وهي تنظر بعيدا عنها بخوف مما اقدمت عليه بدخولها لقفص الأسد ، لتبدأ بالكلام التي اعتدلت بجلوسها وهي تكتف ذراعيها بقوة
"إذاً يا وفاء اريد ان اطرح عليكِ بعض الأسئلة البديهية وما يتعلق بالأمور الشخصية ، وانتِ ايضا يمكنكِ ان تطرحي عليّ ما تشائين من الأسئلة ، وهذا سيكون مسار نقاشنا الودي ، فهل تريدين ان ابدأ انا بالكلام ام انتِ ؟"

حركت رأسها بتشوش للحظات قبل ان تهمس من فورها بابتسامة شاحبة
"لا بأس ، يمكنكِ انتِ البدء بالكلام بيننا بما انها فكرتكِ انت !"

اومأت برأسها بجمود وهي تتقدم بجلوسها قليلا هامسة بهدوء
"انتِ اسمكِ وفاء شديد ، صحيح ؟"

ضمت شفتيها بارتعاش من معرفتها باسمها الكامل بهويتها المزورة ، لتهمس من فورها بتأكيد متخبط
"اجل نعم"

عادت للكلام بلحظات بحاجبين معقودين بتحفز
"كم هو عمركِ يا وفاء ؟"

ارتفع حاجبيها بدهشة وهي تهمس بخفوت باهت
"عمري الآن اربع وعشرين"

اومأت برأسها بتفكير لثواني وهي تشيح بوجهها بعيدا عنها لوهلة ، لتسبقها الاخرى بالسؤال التالي قائلة مباشرة
"وانتِ كم هو عمرك ؟"

عادت بنظرها لها وهي تهمس بابتسامة هادئة
"انا ابلغ من العمر عشرون سنة"

ارتفع حاجبيها بدهشة اكبر وهي تحاول حسبان الفارق بينهما والذي يظهر بأن هناك اربع سنوات تفوقها بها ، وهي بالحقيقة تظهر دائما النقيض عن هذا وكأن تلك الفتاة هي التي تكبرها بأربع سنوات وليس العكس ! هل هذا يعني بأن العمر لا يتحدد بالسن الحقيقي للشخص بل بعمر العقل والذي يظهر من تصرفات هذه الفتاة والتي ما تزال بسن المراهقة ؟!

افاقت من افكارها ما ان تابعت المقابلة لها كلامها وهي تقول بحيرة جادة
"ولكن ما لذي دفعك يا ترى للحمل بطفل بدون زواج رسمي او هوية يثبتها ؟ هل هي ظروف قاهرة من دفعتك لفعل هذا !"

اخفضت رأسها بارتجاف احتل اطرافها وهي تهمس بوجوم خافت
"شيء من هذا القبيل !"

عقدت حاجبيها بضيق وهي تلوح بذراعها جانبا هامسة ببرود صخري
"حسنا سنتجاهل هذا السؤال وننتقل لغيره ، هل كنتِ تعيشين بالماضي خارج البلاد ؟ فلا يبدو عليكِ بأنكِ اجنبية !"

نظرت لها بسرعة بخوف تجلى على محياها بوضوح ، لتهمس من فورها بابتسامة هادئة باضطراب
"لا غير صحيح ! انا اقصد لست اجنبية بل عربية الاصل وقد كنت اعيش فيما مضى مع عائلتي بالخارج بسبب اعمال والدي ، ولكنهم قد ماتوا جميعا ولم يبقى لي احد الآن"

عبست ملامحها وهي تظهر امارات الاسى على وجهها هامسة بتعبير جاف بدون اي شعور
"هذا امر مؤسف حقا ! يا له من واقع قاسي ! ولكن يبقى افضل من ان يكونوا على قيد الحياة وتخلوا عنكِ ، أليس هذا صحيحا ؟"

شحبت ملامحها بصورة مخزية بدون ان تذكر امر وجود والدها وعائلته والذين ما يزالون يحملون نوايا القتل والموت نحوها ، ولو كانوا حقا قد تخلوا عنها لكان افضل بكثير مما تعاني به الآن !

انتفضت بمكانها ما ان تابعت كلامها بنبرة بعيدا عن الاسى والذي انقلب لشيء آخر
"ومتى توفيت عائلتك ؟ هل تستطيعين التذكر ؟"

عضت على طرف شفتيها اكثر من مرة وهي تهمس بعد عدة لحظات ببهوت خاوي
"توفيت امي وانا بعمر السادسة عشر ، وتوفي ابي وانا بعمر الحادية والعشرون"

عقدت حاجبيها بجمود وهي تتبع تعابير ملامحها والتي تدل على انعدام مشاعر الاسى والحزن عند ذكر امر وفاة والدها ! فهل تخفي شيء وراء وفاة والدها ؟

تغضن جبينها بهدوء ما ان طرحت عليها السؤال التالي بنفس النبرة الخاوية
"وماذا عنكِ ؟ متى توفيت عائلتك ؟"

ابتسمت بهدوء وهي تنظر بعيدا عنها هامسة ببرود بدون اي تعبير يعلو محياها
"توفي والدي عندما كنت بالرابعة ، وتوفيت والدتي عندما كنت بالعاشرة"

اتسعت عينيها بانشداه لوهلة وهي تهمس بحزن خافت
"يعني كنتِ صغيرة بوقت وفاتهما !"

نظرت لها للحظات وهي تهمس بابتسامة صغيرة بدون اي مرح
"اجل هذا ما حدث ، لقد كانت فترة وفاتهما بسنوات طفولتي ، لذا لا اذكر بأني قد شعرت بأي حنين لهما فقد فقدت هذه المشاعر منذ سنوات"

تلبدت ملامحها بالحزن وهي تشاركها بنفس المشاعر المجردة من العاطفة والحسرة على ذكريات واراها الزمن بدون ان تصنع اي شيء جميل معهما ، وخاصة بأنها قد عاشت بكنف عائلة صارمة ومتسلطة من طبقات المجتمع الثرية كل ما يفكرون به هو صناعة المجد لهم وسحق خصومهم ، وهذا هو ما انغرس بأفكار كلاً من والديها ليفكرا بالشهرة والمال على حساب التفكير بحياتهما الشخصية وإلى اين ادت بنهاية المطاف !

اتسعت عينيها بانتباه ما ان قطعت سير افكارها التي قالت بحدة جادة بسؤال غير محور الحديث
"لننتقل الآن للسؤال التالي والأهم بهذا النقاش ، اريد ان اعرف ما هو الرابط بين اسمكِ واسم عائلة مونتريال ؟ فقد لاحظت بأن اسمكِ لا يحمل بين مقاطعه كلمة مونتريال ! فبالأحرى السؤال سيكون ما هو اسمكِ الحقيقي يا وفاء ؟"

ابتلعت ريقها بانقباض مفاجئ احتل كيانها بلحظة وهي تنشج بمكانها بارتجاف مذعور ، فقد توقعت كل شيء من هذه الثعلبة الماكرة والذي لا يخفى عليها شيء كما يبدو ! ولكن ان تصل بسهولة لتخمين بأن لديها اسم حقيقي غير اسمها ؟ فهذا قد فاق قدراتها المحتملة بالتفكير وكأنها قد وقعت بقفصها بدون اي سبيل للفرار ! ولو استرسلت معها قليلا بالكلام فهي ستكتشف بلا شك كل ما هو مخفي بحياتها بدون ان تتكلف اي عناء !

رفعت عينيها فجأة باتساع للحظات قبل ان تهمس بابتسامة جافة شقت طريقها بشفتيها بذبول
"انا اعتذر على هذا ! سامحيني ارجوكِ !"

ارتفع حاجبيها بعدم استيعاب وهي تتمتم بعبوس حانق
"ماذا تقصدين يا وفاء ؟ ألن تجيبي على سؤالي ! ......."

تسمرت بمكانها ما ان اخترق حديثهما الصوت المألوف هامسا من خلفها بهدوء
"يمكنني ان اجيبكِ انا إذا اردتِ هذا !"

عقدت حاجبيها بارتجاف استبد بها برجفة خاطفة خدرت جسدها عن الحركة لثواني ، لتدير بعدها وجهها جانبا وهي تستشعر هالة وجوده تحيط بها بالقرب منها تماما ، عادت بسرعة بالنظر امامها وهي تحدق بالتي كانت تنظر للأسفل بسكون تام وهي تتحاشى النظر نحوها ، لتكتسح بلحظة ملامح الجليد محياها وهي تهمس ببرود خافت باحتقار
"يا للخيانة ! لقد فعلتها إذاً ؟"

نهضت عن الكرسي من فورها وهي تستدير بلحظة للخلف لتتقابل امام الذي اكتسح حياتها بوجوده المحيط بها على الدوام ، وبثواني كانت تلتقط حقيبتها لتسير امامه بدون ان تلقي نظرة اخرى نحوه وهي تتجاوزه بهدوء بعد ان شقت طريقها خارج هالته ورحلت عنها .

التفت (شادي) ناحية الساكنة بمكانها وهو يقول لها ببرود جليدي
"عودي للمنزل يا ميرا ، قبل ان يتأخر الوقت"

نظرت له بعيون متسعة وهو يغادر من خلفها لخارج المقهى ، لتتنفس بعدها الصعداء وهي تدعو ان لا تحقد عليها تلك الفتاة اكثر مما كانت عليه بالسابق ! فكل شيء قد فعلته حفاظا على حياة الجميع وأولهم حياتها هي والتي تملئها المخاطر من كل زاوية !

يتبع........


روز علي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 05-12-21, 12:49 AM   #229

روز علي
 
الصورة الرمزية روز علي

? العضوٌ?ھہ » 478593
?  التسِجيلٌ » Sep 2020
? مشَارَ?اتْي » 380
?  نُقآطِيْ » روز علي is on a distinguished road
افتراضي

كانت تقف من خلفه تماما وهي تكتف ذراعيها فوق صدرها بإمارات الغضب مع لمحة عتاب رقيق ، وهي تتابع الواقف امامها بحدقتيها الخضراوين المتسعتين بشحوب مثل غابة نخيل ذابلة جفت ارضها وسيقانها بحالة جفاف نادرة ، لتزفر بعدها بنفس الوجوم العابس وهي تهمس بنبرتها والتي لم تخفى العتاب بها
"يا لك من ظالم يا احمد ! كيف تريد تركي هكذا بهذا اليوم ؟ بعد ان اتفقنا سويا على قضاء ايام عطلتنا من العمل بالخروج للترفيه عن انفسنا والاستمتاع بعيدا عن العمل ! وها انت قد اخلفت بوعدك كالعادة بدون ان تفكر بشعوري وبأهمية هذه الأيام بالنسبة لي ولطفلنا !"

التفت الواقف امام المرآة بنصف وجهه وهو يبتسم لها باتزان شغوف بدون ان يتأثر بحزنها الرقيق والذي كان المتسبب به منذ وصول رسالة تخص العمل على هاتفه يطلبون بها حضوره بأمر طارئ اليوم من بين كل الأيام ، وها هي تتذمر وتشكو فوق رأسه منذ ما يقارب الساعة والتي قضاها بين استحمام وتهذيب وتنميق مظهره بدون ان يعطيها ما تريده وتسعى للحصول عليه برجائها وتذمرها الذي فاق عن حده ، ولو كان شخص آخر غيرها لما تحمل دقيقة اخرى مع تذمرها والذي ينخر الرأس بإصرار وعناد سميك !
ولكن بما انه من ظلمها بوعدها بالخروج اليوم ليخرق بعدها الاتفاق بينهما بسبب رسالة من العمل ، فهو يستحق إذاً كل شيء قد تفعله به ويخرج منها والذي يكون لا شيء امام ما فعله بها من ذنب لا يغتفر !

اعاد نظره للأمام وهو ينزل اكمام قميصه قائلا بجدية هادئة وهو يعود لشخصيته العملية
"كم مرة علينا ان نعيد الكلام يا روميساء ! تعلمين بأن الأمر ليس بيدي ولا املك الخيار به فقد طلبوني بالعمل من اجل امر طارئ بخصوص المشروع الذي اعمل عليه ولا استطيع تركهم بهذا الظرف العصيب ! وبما انني المسؤول والمشرف على هذا المشروع فمن واجبي اتمام مهامي وواجباتي على اكمل وجه بدون اي نقصان ، ألم يكن هذا كلامكِ سابقا ؟"

عبست ملامحها ببؤس وهي تهمس باستياء حانق
"ألا يستطيعون الاعتماد على انفسهم ! لما عليهم استدعائك بهذا الوقت واليوم تحديدا ؟ ألا يعلمون بأن اليوم عطلة وراحة للعمل ! هل عليهم افساد كل شيء بهذا اليوم ؟ يا للإزعاج !"

كان يعقد هذه المرة ربطة عنقه وهو يتمتم بجدية متزنة بدون ان يهتز لعتابها
"لا نستطيع فعل شيء حيال هذا يا عزيزتي ، فقد حدث وان يتم استدعائي بهذا اليوم تحديدا ، وعند العمل لا نستطيع التهاون به او الانسحاب عن اداء وظائفنا ، فأهم شيء عندنا بالشركة هو ان نرضي العميل ونريه عن مدى مثابرتنا بإنجاز المشروع الموكل لنا"

ردت عليه من فورها بتشنج لا إرادي
"اجل وستفعل هذا على حساب رضى زوجتك !"

عقد حاجبيه بجمود وهو ينظر لها بالمرآة قائلا ببعض القسوة
"روميساء ألن ننتهي من هذا ؟ لم اعهدك بكل هذا العناد الطفولي !"

انحنت حدقتيها بحزن عميق وهي تخفض ذراعيها هامسة بخفوت باهت بعد ان يأست من الرجاء
"كل هذا بسببك انت ! لو كنت اعلم بأنك ستخذلني هكذا لما املت نفسي واستعددت لهذا اليوم حتى انتظرت قدومه بلهفة وحماس لم اشعر بهما منذ فترة طويلة ! فأنا دائما انتظر قدوم ايام عطلتنا والوقت الوحيد بحياتنا والذي نقضيه سويا بعيدا عن كل صراعات العمل وكل ما قد يفصلنا عن بعضنا ، ولكن يبدو بأنك لا تهتم حقا بكل هذا !"

تغضن جبينه بوجوم وهو ينظر لها بالمرآة بعد ان تغيرت تعابير ملامحها العاتبة لشيء آخر اكثر حزنا لمس شيء بكيانه بمرارة اصابته بالصميم ، ليتنهد بعدها بيأس وهو يستدير امامها بلحظة ليمسك عندها بكتفيها بقوة وهو يقرب وجهه من رأسها هامسا بابتسامة حنونة يخصها لها وحدها
"حبيبتي لا تغضبي مني هكذا ، فأنا لا يهون عليّ حزنك ولن اتحمل ترككِ وانتِ بهذه الحالة ، وصدقيني لو كان الأمر بيدي لما تركتكِ لحظة واحدة قبل ان احقق لكِ كل امنياتك !"

رفعت رأسها بسرعة وهي تهمس بابتسامة متسعة بأمل
"إذاً حقق لي امنيتي ولا تذهب للعمل ، ارجوك فقط هذه المرة"

ارتفع حاجبيه بتجهم وهو يخفض يديه قائلا بجفاء
"لا تحلمي بها !"

زمت شفتيها بتبرم وهي تخفض وجهها من جديد هامسة ببرود بائس
"كنت اعلم ، فهذا هو حال امنياتي بالحياة ، تنتهي قبل ان تتحقق"

تنفس بجمود لوهلة وهو يحاوط جسدها بذراعيه بقوة ساحقة ليدس وجهها بداخل صدره وهو يقبل شعرها الناعم ليهمس فوقه بصوت اجش محب
"لا اريد سماع هذا الكلام مجددا تنطقين به امامي ، فأنتِ اكثر من تعلمين بما امر به الآن وجميع اعمال الشركة ملقاة على كاهلي بدون اي سبيل لي بالراحة ، لذا كل ما اتمناه منكِ الآن ان تبتهجي وتودعي زوجك بابتسامة جميلة فاتنة لكي تواسي بها قليلا هذا الرجل المسكين وتخفف من خسارته الكبيرة بقضاء الوقت مع حبيبته والبقاء بجانبها طيلة اليوم"

عضت على طرف ابتسامتها بحياء وهي تتمسك بقماش قميصه هامسة بداخل طيات صدره بفرحة وليدة
"حسنا يا احمد ، ولكن بشرط ان تعدني بقضاء الوقت معي بيوم آخر لنعوض عن ذهاب اليوم ، وغير هذا لن اوافق"

ضحك بخفوت اجش هز خفقات صدره التي ضربت فوق وجهها الذي غاص بداخله ، لتشعر بقوة اكبر تحاوط جسدها تكاد تحطم عظامها وهو يهمس عند اذنها بخفوت يحمل الشغف والراحة معا
"هكذا اريدكِ دائما يا روميساء متفهمة لظروف زوجك ومحبة لكل ما يقدمه لكِ من عطايا ، فهذا اكثر ما يعجبني بكِ ويفرحني بشخصيتك المتفردة ، وايضا لا نريد ان يأخذ طفلنا وجهكِ العبوس ومزاجكِ العكر ، فلا ينقصنا ان نكون بواحد ونصبح باثنين......"

انفجر بالضحك بمرح وهو يتراجع بعيدا عنها ما ان ضربته على صدره بقبضتيها هامسة بعبوس محرج
"ليس هناك شيء يضحك !"

كتم ضحكته بأسنانه ليهمس بعدها بلحظات بإمارات صارمة عادت لتلبسه بقوة
"حسنا يا متذمرة ، احضري لي سترتي الآن فقد تأخرت كثيرا بسببك وبسبب عنادك"

تنفست بوجوم وهي تتجه مباشرة نحو السرير لتلتقط السترة من فوقها قبل ان تعود إليه بلحظات ، وما ان عادت للوقوف من خلفه مجددا حتى البسته السترة فوق كتفيه وهي تساعده على ادخال ذراعيه بها برفق بدون اي تعبير يسكن ملامحها الشاحبة ، ليرتدي بعدها الساعة حول معصمه وهو يدقق النظر بها بالمرآة ليقول عندها بتصلب
"اين هي الابتسامة ؟ انا لا راها !"

حررت ابتسامة مرتجفة بشحوب بدون اي مشاعر وهي تحاول العودة لربط زمام امورها بشخصيتها المعتادة ، ليستدير بعدها قليلا بدون ان ينظر لها وهو يسير مباشرة لخارج الغرفة قائلا بعجلة
"انا راحل ، انتبهي على نفسك"

عبست ملامحها اكثر بحزن عبث بجمال روحها ببرودة تخللت لتفاصيل حياتها لوهلة ، لتسمع بعدها نفس الخطوات الهادئة والتي كانت تسير نحوها مباشرة قبل ان تتبعها اليد الدافئة والتي امسكت بذقنها بلحظة ، لترفع وجهها برفق قبل ان تشعر بالقبلة الرقيقة والتي طبعت على شفتيها بهدوء شديد اعاد الحياة لروحها الباردة مثل تدفق الدماء بأوردتها بحرارة قبلته .

رمشت بعينيها بارتعاش وهي تحدق بوجهه القريب منها ما ان قال بصلابة قوية
"هل ظننتِ بأني سأرحل بدون ان اودعكِ ؟ سأشتاق لكِ كثيرا يا فاكهتي الحلوة"

اتسعت مقلتيها الخضراوين بألوان ازهرت واكتسحت تربتها الجافة بعد ان امتلأت بالعاطفة الجياشة ، وهي تهمس بابتسامة ناعمة افلتت على طرف شفتيها
"وانا ايضا سأشتاق لك"

تنهد بفورة ثائرة ضربت ملامحها بسخونة انفاسه وهو يقبل هذه المرة خدها لينتقل لا إراديا لجبينها وانفها وذقنها بنعومة رقيقة ساحرة اسرتهما معا ، وبلحظات كانت تدفعه بصدره بعيدا عنها هامسة بمرح حازم
"هذا يكفي ، ستتأخر هكذا عن العمل"

اطبق على اسنانه بقسوة وهو يتنفس بيأس ، ليستدير بلحظة بعيدا عنها وهو يتمتم بصوت مغتاظ بقوة
"لا تنسي استغلي هذا الوقت بالنوم باكرا ، فلن اسمح لكِ بالنوم بهذه الليلة ، سمعتي !"

انفرجت شفتيها بأنفاس ذاهلة بحياء لون وجهها باحمرار طفيف وهي تشاهد الذي رحل لخارج الغرفة ، لتعض بعدها على طرف شفتيها بوجوم لبرهة وهي تعزم امرها بلحظة ، لتلحق به من فورها وهي تخرج من الغرفة لتتجه بسرعة لحاجز السلم ، وما ان وصلت عند بداية السلم حتى صرخت بحماس وهي تلوح بيدها باتجاه الذي وصل لمنتصف السلم
"لا تتأخر بالعودة يا احمد ، فأنا سأكون بانتظارك بفارغ الصبر"

التفت بوجهه للخلف بدهشة قبل ان تعتلي ملامحه نفس الابتسامة الحانية بجاذبية ، ليرفع بعدها ذراعه عاليا وهو يلوح لها بنفس القوة قبل ان يكمل نزول السلالم بعيدا .

بينما التي كانت تراقب المشهد الحي امامها بالقرب من الممر بدون اي مشاعر او تعابير ، فقط ابتسامة شامتة بحقد هي ما اعتلت ملامحها لتهمس بعدها بكل ما تحمله من كره لهذا الكائن القابع بحياتها
"سنرى إلى اين ستصل هذه العلاقة المثالية الخالية من اي عراقيل قد تفسد عليها سير علاقتهما ؟"

_______________________________
وقفت عند باب المطبخ وهي تراقب الحركة المستمرة من الخدم المتواجدين بالمكان وهم يعملون على قدم وساق بدون اي توقف او ملل ، وبإشارة واحدة كانت خادمة محددة من ضمن الطاقم تهرول ناحيتها بلحظات ، لتقف بعدها امامها بطاعة وهي تهمس بتهذيب خافت
"نعم يا سيدتي ، هل تحتاجين للمساعدة ؟"

نظرت من حولها بريبة قبل ان تعود بنظرها لها هامسة بتصلب خافت
"ما هي قائمة المشروبات التي تحضر لروميساء بهذا الوقت عادةً ؟"

عقدت حاجبيها بتفكير لوهلة قبل ان تجيب من فورها بعملية
"كانت بالسابق تحب ان تشرب القهوة دائما بكل صباح ، ولكنها بعد الحمل اصبحت تكتفي بكأس من الحليب الدافئ عوضا عن المشروبات التي قد تؤثر بصحة الجنين او الحامل"

غامت ملامحها بعيدا عنها بدون ان تنتبه لسحابة الغيوم الداكنة والتي اسرت عقلها للحظة خاطفة ، لتفيق بعدها من دوامة افكارها على صوت الواقفة امامها وهي تقول بتفكير خافت
"هل تريديني بمهمة ما يا سيدتي ؟"

اومأت برأسها بهدوء وهي تكتف ذراعيها بقوة هامسة بابتسامة انحنت بجمود
"اجل احتاجكِ بهذه المهمة يا زهراء ، فأنتِ الوحيدة التي تستطيع مساعدتي هنا ، فهل انتِ مستعدة لتكوني عون لي بهذه المهمة ؟"

اتسعت عينيها بحماس وهي تبتسم بميلان خبيث تفهمه كليهما جيدا ، لتحرك يدها بجانب رأسها بإشارة الطاعة وهي تهمس بخفوت مستعد
"انا طوع امركِ يا سيدتي"

زحفت الابتسامة بانتصار على طرف شفتيها وهي تتلفت من حولها بعيون حادة بتأهب ، لتنظر بعدها للخادمة بقوة وهي تميل بوجهها امامها هامسة ببطء شديد بفحيح خطير
"اسمعي جيدا ما عليكِ فعله وطبقيه بالحرف ، اريد منكِ ان تحضري كأس الحليب الخاص بروميساء بدقائق قبل ان يصل لها ، ويمكنكِ اختلاق اي عذر بذكائكِ لتلهي به الخادمة التي ستهتم بتسليمها كأس الحليب ، وإياكِ وان يشعر اي احد بحركاتك او بما تفعلينه ! فإذا حدث شيء خارج هذه الخطة فأعدكِ بأن تكون العواقب وخيمة ، فهمتِ ؟"

اومأت برأسها بطاعة وهي تهمس بابتسامة ماكرة بنفس سموم سيدتها
"امركِ يا سيدتي ، اعتمدي عليّ وكوني على ثقة بنجاح خطتك"

رفعت رأسها بتعالي وهي تحرك عينيها بإشارة لتباشر بتنفيذ الخطة الآن ، لتنسحب الخادمة بسرعة من امامها وهي تعود لداخل المطبخ بلحظة وامام عينيها المحدقتين بها بتتبع حاد .

بعدها بدقائق كانت تحدق بكأس الحليب الممتلئ بتفحص وعناية وهو موضوع على الصينية امامها ، لتخرج بعدها الظرف الصغير من جيب بنطالها وهي تفتحه بحذر ورفق وكأنها تخشى من ان يفلت بعض من رذاذه من الثقوب الصغيرة به .

بدأت بتنزيل رذاذ المسحوق فوق سطح الحليب ببطء حتى لم تنتبه للكمية الكبيرة والتي سقطت منه ، لتعيد بسرعة الظرف لداخل نفس الجيب بحذر ، قبل ان تمسك بالملعقة الكبيرة بجانب الكأس وهي ترفعها ببطء لتحرك بها الخليط الخاص بالحليب بثواني ليتجانس معه ، وبعد ان فرغت منه استقامت بمكانها وهي تمسك بكأس الحليب بيديها الاثنتين بحرص ، لتناوله بعدها للواقفة بجوارها تنتظر طلبها التالي وهي تتلقفه من بين يديها بسرعة .

قالت (سلوى) وهي تتراجع بعيدا عنها بإمارات صارمة بحزم
"هيا ارجعي الكأس بسرعة كما احضرته ، فهمتي !"

اجابت من فورها وهي تومأ برأسها بالإيجاب
"حاضر"

غادرت مجددا باتجاه المطبخ لتعيد الكأس من المكان الذي احضرته منه ، وبلحظات كانت تشاهد بعيون حادة الخادمة المسؤولة عن إيصال كأس الحليب وهي تغادر باتجاه السلالم بثبات .

وصلت الخادمة عند باب الغرفة لتطرق على الباب بأدب وهي تنتظر الرد ، ليفتح بعدها الباب امامها بلحظات وهو يطل عليها الوجه الباسم بهدوء ، لتقول الخادمة بسرعة بتهذيب وهي تمد الكأس لها
"لقد احضرت لكِ كأس الحليب الصباحي يا سيدة روميساء كما تحبين"

اتسعت ابتسامتها بسعادة هادئة وهي تمسك الكأس منها هامسة بلطف ممتن
"شكرا لكِ يا عزيزتي ، هذا لطف منكِ"

احمرت ملامح الخادمة بحياء وهي تهمس بتهذيب خافت
"هل تريدين شيء آخر يا سيدة روميساء ؟"

هزت رأسها بالنفي وهي تهمس بمودة
"لا شكرا ، لا اريد ان اعطلك اكثر عن عملك ، يمكنكِ الذهاب الآن"

اومأت الخادمة برأسها بأدب وهي تغادر بعيدا عن غرفتها ، لتغلق بعدها الباب من خلفها بهدوء وهي تدلف للداخل بخطوات متأنية قبل ان تلتقط الورقة التي تخص وظائفها المدرسية من على المنضدة الجانبية ، وبلحظة كانت تجلس فوق طرف السرير باسترخاء وهي ترفع الورقة امام وجهها وبذات اللحظة كانت تضع حافة كأس الحليب عند شفتيها لترتشف منه على مهل شديد وباحتساء شحنها بكمية طاقة مملوءة بالحياة بمزيج من المشاعر الربيعية باختلاط نكهة الشتاء بها .

مرت الدقائق بسرعة خاطفة حتى لم تشعر بأنها قد شربت آخر رشفة من الكأس الفارغ ، لتضع بعدها الكأس جانبا فوق المنضدة بصمت بدون ان تبالي بالنظر لقاعدة الكأس والتي تظهر آثار مسحوق بقي مترسب بقاع الحليب المتكتل بوضوح !

شددت على طرف الورقة بتشنج ما ان شعرت بتموج الكلمات امامها بدوار طفيف جعل الرؤية تهتز امامها بلحظة ، لتضيق بعدها حدقتيها الخضراوين بشحوب غزى محياها وهي تزيد من غباش مجال نظرها ، لتخفض بالنهاية الورقة من امامها ما ان وجدت استحالة تركيز مدار نظرها بنقطة محددة ، بدأت بالضغط بأصبعيها السبابة والإبهام فوق مقدمة عظمة انفها بألم طاف على ملامحها بشحوب اكبر وهي تشعر بالدوار والحركة يزيدان من تشتت افكارها بتموج غائم قيد عقلها بسلاسله بدون ان تقدر على مقاومتها اكثر .

انتفضت واقفة باهتزاز كان يزيد من دوارها المؤلم والذي لف عقلها بلمح البصر ، لتصلب ساقيها بلحظة وهي تثبت قدميها بالأرض بمقاومة عنيفة للتشبث بالواقع ، وهي تتمسك بكل ما تصله يديها بمحتويات غرفتها حتى وصلت لهدفها وهي تمسك بهاتفها من على الطاولة بيدين مرتجفتين ، لتستند بعدها بحافة الطاولة بيد واحدة وهي تحاول الضغط بيدها الحرة بأصابع متعثرة على عدة ازرار بشاشة هاتفها ، وبثواني كانت تجري الاتصال مع اقرب شخص تذكرته بخضم تشتت افكارها العائمة بدوارها الذي اصبح يطرق على كل انحاء جسدها بدعوة قوية لسحبها لعالمه السحيق .

تنفست بارتعاش وهي تقابل الصمت التام من الطرف الآخر قبل ان يتوقف بعدها عن الرنين وهو يدل على انشغال صاحب الرقم ، لتشتم بداخلها بقوة وهي تعيد الاتصال بارتجاف متخبط بدون فائدة ترجى وهي تتلقى بكل مرة نفس النتيجة !

ابتلعت ريقها بتعب وهي تفلت الطاولة من خلفها لتمسح على خصلات شعرها بإنهاك الدوار الذي لا يريد ان يبارح رأسها بإصرار يكاد يقضي على مقاومتها الاخيرة ، لتمسك بعدها ببطنها بشدة بألم عاد ليراودها بذات المكان بقوة دفع اكبر قتلت بقايا الصبر بداخلها وهي تهمس له بأنفاس ذاهبة بنشيج
"ارجوك ، هذا ليس الوقت المناسب لتحمل ألمك ، يا إلهي ساعدني !"

تحاملت على نفسها بلحظات وهي تعزم امرها لتخرج من الغرفة بأكملها بخطوات مهتزة بتمايل طفيف ، علها تجد السبيل للراحة من كل هذا الألم ومن يساندها بهذه المحنة والتي تمر عليها لأول مرة بحياتها الشخصية والعملية ! فهي على يقين تماما بأن الاعراض التي تنتابها الآن ليست ضمن الاعراض الطبيعية التي تمر عليها عادةً من تأثير الحمل او ارهاق من العمل الطويل ؟ وهذا هو ما يبعث الشك بروحها ويؤكد الظنون برأسها ناحية ما تتعرض له من ظواهر غريبة غير اعتيادية بحياتها !

استندت بحاجز السلم بإرهاق شديد وبأنفاس لاهثة على وشك فقدانها ، لتعود للعبث بهاتفها من جديد وهي تطبق على شفتيها بهمس جاف مرهق حد الألم
"ارجوك يا احمد ، اجبني الآن ، انا احتاجك بشدة !"

لعقت طرف شفتيها بجفاف ما ان توقف الرنين مجددا بدون رد ، لتبحث بقائمة المتصلين عن احد تستنجد به وهي تكتشف لأول مرة خلو القائمة من المقربين منها بعد ان تجردت شجرة عائلتها والتي انقطعت منذ زمن حتى لم يتبقى لها منها سوى شقيقتها والتي تحتاج لمن يساندها اكثر منها ، بدون ان تعلم اصلا اين هي الآن ؟ ولماذا اختفت منذ الصباح بيوم العطلة ؟

شددت على الهاتف بقوة وهي تحاول الاتصال بها وكما توقعت لا يوجد رد بسبب وضعها للهاتف على الصامت مثل كل مرة تحتاجها بها وكأنها لا تملك هاتف ! وهي لا تعلم ما فائدة حقا وجود الهاتف بحوزتها إذا كانت لا تستخدمه بهذه الأوقات ؟

زفرت انفاسها بتعب اكبر وهي ما تزال تضغط على بطنها بألم مبرح زاد عن الحد المحتمل ، لتعود لنفس الرقم السابق بآخر ذرة امل وهي ترسل له كلمات مختصرة بعجز وتوسل عله يرحمها ويراها
(انا احتاجك بشدة ، ارجوك لا تتركني انت ايضا ! انا وحيدة !)

وهذه كانت آخر كلمات كتبتها على هاتفها الذي انزلق من يدها بلحظة وهي تتعثر جاثية على اول درجة من السلم بإنهاك خدر اطرافها عن الحركة ، لتتابع بحدقتيها الباهتتين الشبه مفتوحتين الهاتف الذي اكمل سقوطه لنهاية السلم بعد ان انقلب على رخام درجاته مئة مرة ، فقدت معه الحق بطلب المساعدة والنجدة من مقربين تخلوا عنها ورحلوا ليتركوها ملقاة بالزاوية مثل حالة هاتفها تماما .

هبطت تدريجيا على درجات السلم وهي تريح رأسها على عتبته الرخامية بدون ان تقدر على الاستمرار اكثر بحرب المقاومة التي اخذتها على مدار سنوات ، بدون ان يقدر احد المجهود الجبار والذي تبذله بهذه الحياة والتي تحكمها المصالح فقط ، لتغلق بعدها جفنيها المرهقين على احداقها الدامعة بعجز ويدها ما تزال تمسد على بطنها مثل تهويدة ما قبل النوم هامسة باطمئنان
"اعدك بأن احميك يا بني ، فقط ابقى معي ولا ترحل !"

هدئت انفاسها اخيرا براحة وهي تنسحب لذلك العالم البعيد والذي فصلها عن الواقع بثواني ، لتقف من خلفها التي كانت تشاهد كل ما حدث امامها بعيون تجردت من الرحمة ونفس دنيئة بمشاعر الحقد التي غذت روحها وهي تحكم تصرفاتها ، لتصل لمستوى من الحقد والغيرة المريضة بسبيل تحقيق الانتقام الذي يرضيها ويريح روحها السوداوية والتي اسرتها بهالة السلبية بحياتها ، همست بعدها بلحظات بخفوت مصقول بكمية المشاعر السلبية والتي تحملها نحوها وحُقنت بها
"والآن لن يكون بمقدورك إنجاب ثمرة ذلك الحب ، ولنرى كيف سيكون مسار علاقتكما بعد هذه الخسارة الذريعة !"

______________________________
تنفست بوجوم عابس تكاد تنفخ نيران من انفها وسحب ادخنة من اذنيها حبست الاجواء من حولهما وعبثت بهواء السيارة النقي ، وكأنها لا تتنفس غير ادخنة بقايا روحها المحترقة بداخلها بغضب اخرجت العنان له بأحشائها وكأن جمر ما يسكن بباطن خلجاتها ، وهي على هذه الحالة العابسة تكتف ذراعيها فوق صدرها منذ ما يقارب الساعة بل بالأحرى منذ ان ادخلها لسيارته رغما عنها وانطلق بها لوجهة غير معروفة بالنسبة لها بدون ان يدع لها السبيل بالفرار ، وقد اغلق كل ابواب السيارة بإحكام وحتى النوافذ ما ان حاولت رمي نفسها من باب سيارته وهو يزيد من حصاره الخانق وكأنها حيوان موبوء من الخطر ترك لها الحرية لتعيث بالعالم فسادا وبنفسها اذى اكبر ، وهذا لا شيء امام كلماته الاخيرة والتي نطق بها ما ان حاولت تحطيم النافذة بجوارها وما سبق محاولة رمي نفسها من باب السيارة ليقول لها بصرامة مهددة تخرج منه لأول مرة

(حركة مجنونة اخرى يا ماسة ، وسأغير اسلوبي المهذب معكِ ، ولن اعاملكِ على اساس بأنكِ زوجتي بل سوف اعاملك كما يفعلون مع المجرمين المدانون الخارجون عن القانون ، وتعلمين جيدا ما يحدث لهم فقد كنت منهم يوما ما !)

شددت اكثر على اسنانها بقسوة تحجرت معها ملامحها حتى ظهرت خطوط دقيقة بتقاسيم وجهها تظهر مدى الصراعات التي تعصف بدواخلها وهي اكثر ميزة قد ورثتها عن والدتها ذوات البشرة الرخامية ، لتقبض على يديها بحجرها بارتجاف طفيف على اثر تلك الكلمات البسيطة والتي كانت بمثابة ضربة خاطفة خدشت كبريائها العالي بدون ان تدرك مدى ألمها والذي لم تشعر به سوى مؤخرا مثل وضع الملح على الحرق بعد ان كان قد التأم ! فهل لهذه الدرجة كلماته عن ماضيها الملطخ شكلت كل هذا الألم بداخلها ؟ ام انها هي التي اصبحت بكل هذا الضعف ؟

حركت رأسها جانبا وهي تتنفس بهياج اكبر لفحت زجاج النافذة تكاد تصهر سطحها ، لينطق بعدها الكائن الساكن بجوارها وهو يقول بجمود باهت بنبرة اخفض عن كلامه السابق
"هلا توقفتِ عن سحب الاكسجين عنا وتحويله لنيران من ادخنة انفاسكِ الشبيهة بتنين خارج عن السيطرة ؟ فقد بدأت اجزم بشم رائحة حريق منبعث منكِ تكاد تخنقنا وتمنع عنا تنفس الهواء النقي !"

شددت من تكتيف ذراعيها فوق صدرها بحركة عصبية بدون كلام وهي تلصق جبينها بزجاج النافذة بدون ان تعطيه انتباه بعد إهانته الاخيرة لها ، ليقطب بعدها جبينه بتصلب وهو يعاود الكلام بنظرات جانبية ببرود
"ألن تتغير هذه الملامح عنكِ ؟ فهي لا تروقني ابدا ! انها تجعلني وكأنني قد قتلت والدكِ او عائلتكِ بمجزرة مأساوية !"

ولكنها آثرت الصمت مجددا بدون ان تعطيه الجواب او ان تتنازل عن الكلام ، لتحتد ملامحه اكثر وهو يشعر بصمتها البارد يكاد يقضي على ذرة الصبر الاخيرة بعقله بظاهرة لم تحدث معه من قبل ! ليقول مجددا بابتسامة خاوية شقت طرف شفتيه باستهزاء ساخر
"ماذا حدث يا ألماستي ؟ هل اكل القط لسانكِ ؟ لم اعتدكِ بكل هذا الضعف بالردّ على خصومكِ !"

تجهمت ملامحه عندما قابل صمتها بشكل اكثر وقعا على روحه وكأنها تهديه فن جديد بالرد عليه اقسى من كل ردودها السابقة ، ليشدد اكثر على عجلة القيادة حتى ابيضت مفاصل اصابعه بدون ان تترك عينيه رحلة التحديق بسكونها الذي يثير كل شد الاعصاب بداخله .

قال بعد عدة لحظات بتسلط قاسي بنبرة آمرة
"ماسة ابعدي رأسكِ عن زجاج النافذة"

عندما لم تصدر منها اي ردة فعل تدل على وجودها بهذا العالم ، ليقول عندها بأعصاب مشدودة اكثر بغضب متهدج
"ألم تسمعي ما اقول ؟ ام اصبتِ بالصمم كما اصبت بالخرس ! هل من المفروض ان القنكِ كل شيء بنفسي ؟"

حركت رأسها قليلا فقط انش بدون ان تبعد كامل وجهها عن النافذة ، ليلتفت من فوره نحوها وهو يلمح السيارة السريعة التي اقتربت من جانب سيارته ليصرخ بلحظة بصرامة مفاجئة
"ماسة ابعدي رأسكِ اللعين عن زجاج نافذة السيارة"

وما ان مرت السيارة بسرعة الضوء حتى حاد هو عن طريقه وهو ينحرف بعيدا عنها بأعجوبة ، ليتنفس بعدها الصعداء لوهلة وهو يحدق بجواره بعد ان عادت لجلوسها المعتدل وهي تنظر امامها بدون اي حياة وكأن شيء لم يكن ، ليقود بعدها بيد واحدة وهو يرفع يده الاخرى عاليا ليحاوط بها كتفيها بقوة قبل ان يسحبها ناحيته بلمح البصر ليرتمي رأسها على صدره الصلب بلحظات اخذتها على حين غفلة .

افاقت على وضعها الجديد بداخل احضانه وهي تحاول التلوي بعيدا عن صدره وذراعه التي كانت تطوق كتفيها عن الحركة ، وما ان تعبت من القتال مع قيوده حتى همست بوجوم منقبض بخفوت
"اتركني يا شادي"

قال من فوره بابتسامة مندهشة بتعجب
"واخيرا نطقتِ ! لقد كدت اشك بأن تكوني خرساء !"

عضت على طرف شفتيها بغيظ اكبر وهي تخفض نظراتها هامسة باستياء
"واعاني من الصمم ايضا ، لا تنسى !"

ضحك بخفوت اجش لأول مرة خفف من وطأة الوجوم المسيطر على الاجواء بينهما منذ ساعة ، ليهمس بعدها بخفوت متسلي ارخت من التصلب الساكن بمحياه
"اعتذر يا عزيزتي ، ولكنكِ من تزرعين هذه الأفكار بعقول الناس المقربين منكِ"

حركت عينيها جانبا وهي تتمتم بجفاء
"لست مضطرة لأثبت لك شيء"

حرك رأسه بيأس بدون ان يجاريها بكلامها يكفي سكونها بداخل احضانه وصمتها والذي تخلت عنه اخيرا ، ليسمع صوتها مجددا وهي تهمس بخفوت حانق
"هلا تركتني الآن ؟ فأنت لن تستطيع القيادة جيدا ويدك الاخرى تقيدني هكذا !"

اجابها ببساطة وهو مستمر بقيادته بيد واحدة بسلاسة فائقة ويده الاخرى ملتصقة بكتفيها بدون ان تعطيها الحرية
"انا مستعد لأتحمل آلام يدي وتخدر ذراعي على ان اترك لكِ حرية التصرف ، فأنتِ عندما تتركين جماح غضبك ليسيطر على كيانك تنسين كيفية حماية نفسكِ والمحافظة عليها بدون ان تدركي بأنها ليست ملك لكِ وحدكِ بعد الآن !"

كورت شفتيها بوجوم وهي تهمس بضيق خافت
"لست عادل ابدا"

احتلت ملامحه بسمة طفيفة بدون شعور وهو يكمل رحلته بطريق السيطرة عليها والوصول للمكان المتجهين له بأمان ، وبلحظات كان يقف بالسيارة امام بناية صغيرة الحجم تتكون تقريبا من طابقين ، وما ان افلت حصارها حتى انتفضت بعيدا عنه وهي تحاول فتح الباب المقفل بدون فائدة ، ليقول بعدها الذي خرج من الباب بجواره هامسا بتسلط
"انتظري حتى اخرج لكِ ، فأنتِ يا عزيزتي ما تزالين مدانة"

حدقت به بجمود جليدي يكاد يوديه قتيلا وهو يغلق الباب من خلفه بقوة ، ليدور امامها ببساطة حتى وقف بجوارها بلحظات ليفتح بعدها الباب الخاص بها وهو يمد ذراعه بدعوة للخروج قائلا بهدوء
"والآن يمكنكِ الخروج"

زفرت انفاسها بعبوس وهي تخرج من السيارة بالفعل ، وما ان وقفت على قدميها حتى اغلق الباب من خلفها بلحظة قبل ان يمسك بيدها بقوة ، ليسحبها بعدها بثواني باتجاه البناية بصمت بدون ان يضيف اي منهما كلام آخر .

وقف كليهما امام باب الشقة الصغيرة وهي تنظر له يفتح الباب بالمفتاح بحوزته ، لتقول عندها بخفوت حائر بدون ان تمنع نفسها
"ما هذا المكان الذي اخذتني إليه ؟ هل هو منزل غير منزلك الريفي ؟"

دفع الباب امامه وهو يقول بابتسامة جانبية بجدية
"هذه الشقة كنت استخدمها للازمات بحياتي بأيام مراهقتي الطائشة ، وهو ما استطعت ادخاره بتلك السنوات لأشتري شقة بعيدا عن الجميع وبحجم مصاريفي آن ذاك ، اما المنزل الريفي فقد صممته وبنيته بنفسي ببداية سنوات عملي بالتصميم"

ادارت عينيها الزرقاوين وهي تتأمل الشقة الصغيرة من الداخل بمحتويات بسيطة تختلف تماما عن فخامة ذاك المنزل الريفي بطابعه الانيق والمتناسق ، لتفيق من افكارها بلحظة على يده والتي سحبتها معها لداخل المنزل ، لتعود لعنادها الشرس وهي تتشبث بالأرض هامسة بعبوس
"لما احضرتني لهذا المكان ؟"

التفت نحوها بنصف وجهه وهو يهمس بشبح ابتسامة خافتة
"من اجل ان ادينك"

انفرجت شفتيها بانذهال لا شعوريا وهو يدفعها للداخل بقوة اكبر ، لتتصلب ملامحها بغضب مكبوت لوهلة وهي تفلت كفها من داخل قبضته بعنف اكبر ، قبل ان تتبعها بالهمس بضراوة مليئة بالمشاعر المتنافرة
"ما لذي تريد الوصول له بتلك التصرفات ؟ لما تتصرف دائما على هذا النحو ؟ كن واضحا معي !"

تنهد بهدوء وهو يستدير بكلتيه امامها ليدس بعدها يديه بجيبي بنطاله قائلا بجدية غامضة
"حسنا يا ماسة سنتكلم بوضوح ، انتِ الآن مدانة على تصرفكِ الاخير والذي عوض عن كل ايامكِ الخالية من الاخطاء لتكون وصمة عار وبقعة سوداء بسجلكِ عندي ، فأنتِ لم تقابلي تلك الفتاة بدون إذني وحسب بل ايضا عبثت بمعلومات مكتبي وبقائمة عملائي والعاملين عندي ! وهذا تجاوز توقعاتي حقا واذهلني بشكل لا يمكنكِ تصوره !"

زمت شفتيها بارتجاف وهي تهمس من بينهما بقنوط
"كنت تعلم بذلك !"

ارتفع حاجبيه ببرود محتد وهو يهمس باستهجان واضح
"لم يكن من الصعب عليّ معرفة ذلك بعد ما اخبرتني به يا مجرمة الحواسيب ، وايضا لقد شككت بالأمر بعد قدومكِ لمكتبي وقيامك بتلك التمثيلية هناك والتي لم تكن نابعة من قلبك !"

حركت كتفيها باستخفاف وهي تهمس ببساطة
"حسنا لقد حاولت كل جهدي ولكني لم انجح ، يبدو بأنني فاشلة بالأمور العاطفية وتمثيل مشاعر غير موجودة بداخلي ، لذا ارجو منك ان تعذر قلة خبرتي !"

عقد حاجبيه بضيق لا إرادي وهي تتكلم بكل هذه الاريحية بموضوع حقيقي لا يقبل السخرية ، ولو انها اجادت الكذب وتصنعت القليل من الكلام المزيف لكان افضل بكثير من سماع هذه الحقيقة والتي اثارت بداخله الكثير من البرود الجائح !

عادت للكلام عندما طال صمته وهي تهمس بنفاذ صبر
"هل انتهيت من تحقيقك الفارغ ؟ فأنا لن اجيبك بشيء ولن اعطيك ما تود سماعه !"

ردّ عليها من فوره بتهديد غاضب
"ماسة اخرسي"

ضمت شفتيها بامتعاض وهي تكتف ذراعيها هامسة بجمود
"انا لست الملامة"

ردّ بقوة اكبر بصراخ مرتفع
"قلت اخرسي"

عبست ملامحها برعشة احتلت كيانها وهي تهمس بحنق ثائر
"توقف عن اخراسي بهذه الطريقة بكل مرة ! فهذا يزعجني....."

تقدم خطوتين ناحيتها ارهبتها وهو يعود للهمس بجمود اكبر بفحيح خافت
"قلت لكِ اخرسي"

صمتت بالفعل بارتجاف لا إرادي وكأنه يبعث بطاقة من حولها تستطيع السيطرة عليها وتقييد جموح غضبها بكلمة واحدة منه غيرت مسار التحدي بينهما ، وبلحظات كان يتابع كلامه بهدوء ظاهري بدون ان يترك الجمود ملامحه
"انتِ على حق بكلامكِ انا الملام بكل هذا ، فقد اخطئت عندما ارخيت دفاعاتي نحوكِ واعطيتكِ اكثر من المفروض ان تحصلي عليه ، فأنتِ من النوع الذي يحتاج لصرامة وحزم اكبر يختلف عن الناس الآخرين والطبيعيين ، وليس من الجيد التهاون مع هذا النوع العنيد والذي سيجلب لنا الألم من مجرد اللعب معه ومراعاة مشاعره"

عضت على طرف شفتيها وهي تهمس من بين اسنانها بشراسة
"توقف عن التكلم وكأنني نوع من الحيوانات الموبوءة !"

اتسعت عينيه بذهول ساخر وهو يتمتم بتفكير مستنكر
"حيوانات موبوءة ! كان عليكِ القول بالأصح نوع من البشر يتطلب علينا اخذ الحيطة منهم"

زفرت انفاسها بقسوة وهي تشيح بوجهها بعيدا عنه بغيظ يكاد يفتك بروحها الهائجة بحصاره المنيع ، تصلبت بمكانها بتسمر ما ان وصلها صوته بهدوء عميق وهو يغير مسار حديثهما
"اسمعي يا ماسة سوف اسامحكِ هذه المرة عن التصرف الاخير والذي بدر منكِ ، ولكن لا اعتقد بأني سأحمل كل هذا التعاطف والتسامح معكِ طويلا ! لذا افعلي شيء واحد لكلينا ولا تكوني عنيدة لكي لا نصل لمستويات لا اريد الوصول لها ، واقصد بكلامي إياكِ والاقتراب مجددا من تلك الفتاة بحياتك لا من قريب ولا من بعيد ، وإذا سمعت بأنكِ قد اقتربت منها او حاولت التحدث معها فلن امررها لكِ كما افعل دائما وقد حذرتك ! هل كلامي مفهوم ؟"

قبضت على يديها بقوة حتى آلمت مفاصلها وهي تشرد بنقطة بعيدة لم تبارح افكارها يوما واتعبت مخيلتها المرهقة
(لما كل هذه الحماية حول الفتاة ؟ من تكون بالنسبة له ؟)

اعادت حدقتيها الزرقاوين نحوه ببهوت لتتلونا بلحظة ببحار هائجة عادت لسطح سمائها وهي تصوب بأصبعها السبابة امام وجهه قائلة بتصميم شرس
"من قال بأني اريد سماحك ؟ انا لن اتوقف عن تحقيق هدفي بما انك مصر على عدم اعطائي ما اريد ، إذاً تحمل التبعات واتركني افعل ما اشاء !"

عبست ملامحه بتقاسيم وجهه الباردة للحظات اشتعلت بينهما بحرب المشاعر الطاحنة ، ليصلب فكه بقسوة وهو يحني ابتسامته بارتخاء طفيف هامسا ببرود
"إذاً لا املك سوى هذا الخيار ! استمتعي بفترة ادانتكِ يا عزيزتي الموبوءة"

اتسعت عينيها بصدمة اضطربت معها انفاسها وهي تشاهد الذي ابتعد عن مرمى اصبعها ليغادر خارج الشقة ببساطة ، لتنتفض بعدها بغريزتها وهي تخفض يدها بسرعة لتنطلق تلقائيا بذات اللحظة خلف الذي ما ان وصلت له حتى اغلق باب الشقة بوجهها وهي تسمع صوت غرز المفتاح بقفل الباب بثواني .

شهقت بادراك وهي تبتعد بسرعة عن الباب لتحاول تحريك مقبضه بعنف حتى كادت تخلعه من مكانه ، لتصرخ بآن واحد بصوت غاضب مهتاج وقبضتها الحرة تضرب على الباب بقوة
"افتح الباب يا شادي ، افتحه حالاً قبل ان اكسر مقبضه"

ردّ عليها بالطرف الآخر من الباب قائلا بهدوء بارد
"لن تخرجي من هنا يا ماسة مهما حاولتِ قبل ان تنتهي فترة ادانتكِ وتمسحي تلك الأفكار من عقلك الاحمق ، قد افكر عندها بإخلاء سبيلك"

ضربت على الباب بقوة اكبر وهي تصرخ بأعلى صوتها بعصبية افلتت زمامها
"لن اسامحك عليها يا شادي ، هيا افتح الباب يا متعجرف ، يا احمق ، يا مجنون ، يا مختل ، يا كتلة الغباء......"

استمرت بسيل الشتائم حتى تعبت حنجرتها وجفت ولم يعد بمقدورها نطق المزيد بدون ان تجد اي ردّ من الطرف الآخر والذي حل عليه الصمت فجأة ، لتشعر بخواء كبير بدأ يتوسع من حولها وداخلها بدون ان تمنع تخلل البرودة بمفاصلها بوحشة ظللت حياتها ، لتنزلق تلقائيا على سطح خشب الباب البارد ببطء حتى استقرت بالنهاية جالسة على الارض وجانب جسدها مستريح على الباب بخمول تسرب بداخلها بخدر .

همست بلحظات بصوت اجوف ببحة صوتها المتعبة
"اكرهك ، اكرهك يا شادي"

ارتجفت انفاسها بلحظة ما ان سمعت صوته يتهادى قرب اذنها الملتصقة بالباب
"اصمتِ ، فقط اصمتِ يا ماسة"

ابتسمت بارتعاش باهت ما ان اكتشفت قرب وجوده من حولها وهو يجلس على نفس وضعها بالطرف الآخر من الباب ليبقى على تواصل معها حتى وهي بوضع الادانة والذي قيدها به مثل سجين محبوس بقفصه حتى إشعار آخر ، لتهمس بعدها بلحظات قصيرة بسكون غيم على محياها
"انت تنزعج دائما من كلمة اكرهك ، ولكنك لا تمانع بأن تجعلني اكرهك ، ألا ترى نفسك ظالم !"

ساد الصمت بينهما طويلا حتى خرج صوته ببرود الباب المنبعث منه
"يبدو بأنني قد اصبحت مؤخرا بنظري الجميع ظالم ، وانتِ لن تختلفي عنهم بشيء"

اطبقت على شفتيها بوجوم وهي تهمس بقهر خافت
"ولكني زوجتك ! ألا يشكل هذا عندك فارق !"

ارتجفت اطرافها ما ان قال خلال الباب بدفء غريب تسرب لروحها الباردة بلحظة
"اجل يشكل فارق وهذا هو اكثر ما يؤلمني"

رفعت يدها بارتجاف وهي تدس خصلات غرتها الطويلة لخلف اذنها بحزن عميق اعتلى محياها لوهلة ، لتهمس بعدها بخفوت شديد بأسى
"يبدو بأنك تتحمل الكثير من الألم مع هذه المجرمة"

ردّ عليها بلحظتين بخفوت شديد بصوت اجش واثق
"لا بأس ، فقد تأقلمت مع الألم منذ زمن طويل ، وانتِ يا ماسة اجمل آلامي بالحياة"

اتسعت عينيها باهتزاز لحظي لون الاحمرار الطفيف محياها البارد وهو يتشرب بحمرة جديدة زاهية ، لتغطي وجهها بسرعة بذراعها بحياء استبد بها وهي تهمس بسعادة خفية تحررت مع دمعة صغيرة من بين ركام حاضرها
"إذا كان هكذا سيكون الحال ، فأتمنى ألا تنتهي مهلة هذه الادانة"

بينما كان الجالس بالطرف الآخر يستمع لكل كلمة تهمس بها تصله عبر ذبذبات الباب الذي كان يتلقف كل مشاعرهما المحصورة بينهما ، وهو يهمس كذلك بنفس سعادتها بشرود غائم
"اتمنى ذلك ايضا يا ماسة"

______________________________
خرجت من بوابة البناية بخطوات قوية وهي تشد المعطف الشتوي حول جسدها بدون ان تدع شيء يحيدها عن طريقها المستقيم ، ولا سماع اصوات الخطوات المتربصة لها على الدوام بكل يوم ودقيقة وهي تترقب كل حركاتها بشكل يدعو للاستفزاز بدون ان ينجح شيء من تهديدها وتحذيرها لصاحب الخطوات والذي تجاوز بعناده كل توقعاتها !

تنهدت بغضب على وشك الفوران بداخلها والتسرب ليتحرر من اسرها ، وهي تتجاهل تماما سماعها لتلك الخطوات التي تبعد مسافة كبيرة عنها ومع ذلك تشعر بها قريبة جدا منها تكاد تلامس خطواتها الثابتة على الارض الوعرة ، وهذه الحالة اصبحت تلازمها منذ ما يقارب الاسبوع من رؤيتها له عندما كان جالسا على طرف الطريق الفارغ بمنتصف الليل ، كانت حينها تخرج اكياس النفايات لتلقي بها بالحاوية الموجودة بنهاية الطريق ، وما ان انتهت من مهمتها حتى عادت بنفس الطريق لتراه عندها بتلك الحالة الهائمة البعيدة عن الواقع ، وبدون ان تمنع نفسها قالت ببرود وهو تسير بجوار مكان جلوسه
"اخبرتك ان تتوقف عن الجلوس قريب من مكان سكني ، انت هكذا تجلب لي الشبهة"

مرت لحظات قبل ان تسمع الصوت البارد بخواء غريب
"لقد رأيت شقيقي اليوم ، وهو ما يزال يكرهني ولا يطيق النظر لي"

زمت شفتيها بارتجاف قشعرت بدنها بلمحة خاطفة من الجو الشبه بارد والذي اخترق كيانها بخواء كلماته ، لتتنفس بعدها بجمود وهي تحاول تحجير صوتها هامسة بسخرية واضحة
"هل هذه كذبة جديدة لتحاول الحصول على شفقتي ؟ فأنا لم اعد استطيع تصديق اي شيء تنطق به بخصوص حياتك التي تبين بأنها كلها كذبة نسجها خيالك لتصل بها لمآربك !"

صمت للحظات طويلة لا يقطعها سوى صوت صفير الهواء البارد بمنتصف الليل تسرب بثقوب ارواحهما الخاوية ، لتسمع بعدها صوته مجددا بنفس البرود مع لمحة تعجب
"هل تظنين حقا بأن كل ذلك كان كذبة ؟"

فغرت شفتيها لوهلة وهي تطبق على اسنانها بقسوة لتستدير بعدها للجهة الأخرى بإيباء ، قبل ان تنطق بهدوء ظاهري بدون ان تبالي بنظراته والتي ارتفعت نحوها
"غادر من هنا يا اوس ، وفكر بكذبة جديدة تقنع بها نفس الفتاة والتي صدقت كذباتك على مدار شهور وانطلت عليها الحيلة"

ما ان خطت خطوتين بعيدا عنه حتى سمعت صوته هذه المرة بنبرة حزن تخللت بين تيارات الهواء الهائمة من حولهما
"لقد كانت هذه الحقيقة يا سيدرا ، فأنا لم اكذب عليكِ بأي شيء اخبرتكِ به عن حياتي الشخصية ، كل ما فعلته هو اخفاء حقيقة والدي عنكِ وسجل اعماله ، وهذا لا يعد كذبا فقد كنت احاول الحفاظ عليكِ لا اكثر ! اعتذر على هذا يا سيدرا"

انتفضت لا شعوريا وهي تفيق من دوامة افكارها والتي غرقت بها مثل كل مرة تنعزل بها مع نفسها ، لتلتفت بعدها بوجهها بعد ان حادت عن طريقها لأول مرة منذ بداية مسيرها على مسمع بوق سيارة اصم اذنيها واخترق هالتها لوهلة .

توقفت بمكانها بتصلب وهي تنظر للسيارة التي استقرت بمحاذاتها ليطل بلحظة رأس صاحبها من النافذة وهو يرفع نظارته الشمسية عن عينيه قائلا بدهشة مبتهجة
"صباح الخير يا سيدرا ، يا لها من صدفة رائعة ! وانا الذي كنت اقول لما الصباح جميل ومشرق اليوم ؟"

عقدت حاجبيها بوجوم وهي تشك بكلامه بهذا الجو البارد والذي يميل للكآبة بدون اي نسمة صيف رحلت عنه منذ زمن بتقلب الأحوال الجوية ! ولكنها مع ذلك فقد تجاهلت التعقيب على هذا الكلام ورميه بتعليق لاذع اعتادت على فعلها بلسانها الحاد امام هذا النوع من الظرافة ، لتقول بعد عدة لحظات بابتسامة جميلة استطاعت اتقانها على مدار اعوام بعملها بدون اي ملل
"صباح النور يا سيد عمير ، النهار قد اشرق برؤيتك ايضا يا سيدي"

اتسعت ابتسامته بتمايل وهو ينظر لها عن كثب قبل ان يقول بمرح منشرح
"كم مرة اخبرتكِ يا سيدرا بأني لا احبذ الألقاب بيننا ! فهي تشعرني بأني عجوز اكبر منكم بعشر سنوات ولا انتمي لعالمكم"

حافظت على ابتسامتها باتزان بدون ان تعلق على كلامه كما تفعل دائما مع كل مجاملاته ومزاحه معها إذا كان مقصود او غير مقصود ، بينما نسيت العينين المتربصتين لها والخطوات التي توقفت على بعد امتار منها بسكون ينبئ عن الكثير من المشاعر المطمورة بداخل صاحبها ، وهو ينتظر فقط إشارة منها لينقض على كليهما ويحرق السيارة ومن فيها وهو يتعرف مسبقا على شكل السيارة وصاحبها بداخلها .

قال (عمير) بابتسامة جانبية بدون ان يبعد نظراته عنها
"انتِ ذاهبة للعمل صحيح ؟ تعالي لأوصلكِ معي فنحن ذاهبين بنفس الطريق"

حركت يدها بارتباك وهي تهمس بلباقة مهذبة
"لا شكرا سيد عمير ، فأنا اُفضل الذهاب للعمل سيرا على الاقدام ، فهي رياضة جيدة لي وتريحني اكثر"

حرك رأسه بتفكير وهو يقول باستياء خافت
"ولكن الجو بارد الآن ! وانا ارى بأن الذهاب معي سيكون افضل بكثير من التعرض للبرد والاصابة بالمرض ، ويمكنكِ ممارسة الرياضة بوقت آخر يكون به الجو افضل"

زمت شفتيها بامتعاض وهي على وشك القول بأنه الآن كان يقول الجو مشرق وجميل فكيف اصبح بلحظة الجو بارد وليس جيد ممارسة الرياضة به ؟ لتقول من فورها بدل ذلك بابتسامة صغيرة بامتنان
"شكرا على عرضك حقا يا سيد عمير ، ولكني مع ذلك اُفضل الذهاب سيرا للعمل ، فقد اعتدت على فعل هذا كل صباح ، ولن يشكل عندي فارق تقلب الجو اليوم فهو اجمل بكثير من التعرض لحروق الشمس وخاصة بأنه اجمل فصول السنة ، لذا عذرا منك"

عبست ملامحه بسكون للحظات قبل ان يقول بجدية هادئة
"هل لهذه الدرجة لا تحبين الذهاب معي يا سيدرا ؟"

تلجلجت بمكانها بتوتر لبرهة وهي تجيب بسرعة بلطف باسم
"لا ليس هكذا هو الأمر يا سيد عمير ! فقط لا اريد ان اتعبك معي دائما بإيصالي للعمل ، بينما يمكنني الذهاب بمفردي ، لذا ارجو منك ان تتفهمني"

عادت الابتسامة لتغزو ملامحه وهو يقول بمزاح
"لقد كنت امزح معكِ يا سيدرا ، وانا اتفهم موقفك تماما ، ولكني لا اجدها جميلة ان اترككِ بمنتصف الطريق تذهبين للعمل وحدك بينما نحن نعمل معا بنفس الشركة وطريقنا واحدة ! وانا لا امانع ابدا ان اوصلك للعمل كل يوم بما ان السيارة ذاهبة معكِ وبدونكِ ، وألا ما رأيكِ انتِ ؟"

قبضت على يديها بقوة وهي تشيح بنظراتها جانبا هامسة ببهوت
"انا اعتذر يا سيد عمير ، ولكني لا استطيع الموافقة !....."

قاطعها بهدوء بدون ان يفقد ابتسامته بوقار
"لا بأس يا سيدرا ، لن اصر عليكِ اكثر إذا كنتِ غير موافقة ، فأنا لا احب ابدا ان اعرضكِ للضغط الشديد بهذا الأمر ، ولكن تذكري بأني دائما موجود بجواركِ مهما كان الوقت الذي تحتاجين به للمساعدة"

غامت ملامحها بثواني وهي تقبض على يديها بعزم ، لتقول بسرعة بخفوت محرج
"سيد عمير انا......"

تسمرت بمكانها بوجل ما ان شعرت بالخطوات المقتربة من مجالها وكلمة واحدة قطعت سير افكارها بلحظة
"سيدرا"

اتسعت عينيها بتوجس وهي تلتفت باتجاه الذي وقف بالقرب منها بلحظات بملامح باردة اكتسحت محياه بجمود ، لتنتفض برأسها للأمام ما ان قال الذي ما يزال يراقب الوضع بريبة هامسا بجمود
"من انت يا سيد ؟"

ما ان كان على وشك اجابته بقتامة سوداء تجلت بنظراته حتى قاطعته التي امسكت بذراعه وهي تهمس بعملية مرتبكة
"هذا يكون قريبي اوس ، وهذه اول زيارة له بهذه المدينة"

اومأ (عمير) برأسه بتفهم وهو يقول بهدوء غريب
"حقا هذا جيد !"

بينما كان (اوس) شاردا بملمس يدها القابضة على ذراعه بقوة غير مقصودة وبدون ان تدرك ما تفعله ، ليعود بنظراته بقتامة ناحية الذي قال بترحاب وهو يبتسم باتساع بشوش
"مرحبا بك يا اوس ، تشرفت بالتعرف عليك ، واهلا بك بيننا"

شقت ابتسامة باهتة طرف شفتيه استطاع استجلابها بصعوبة شبيه بتجعد اقرب من ابتسامة ، ليهمس عندها بكل ترحاب لا يمت بالود بصلة
"اهلا"

كان ينظر له بابتسامة غامضة للحظات ليوجه بعدها نظراته للواقفة بجواره وهو يقول لها بإشارة بيده بمودة
"حسنا عليّ الذهاب الآن ، سأكون بانتظاركِ يا سيدرا فلا تتأخري بالمجيئ"

اومأت برأسها باهتزاز هامسة بكلمة واحدة باختصار
"حاضر"

غادرت السيارة بعيدا عنهما وهي تتابع اثرها بابتسامة سرعان ما احتضرت لتتحول لتجهم غاضب بلحظات ، استدارت بسرعة للجانب الآخر وهي تنطق من بين اسنانها بشرار حاقد
"انت كيف تتجرأ !......"

قطعت كلامها بلحظة وهي تتابع مسار نظره نحو يدها التي ما تزال تمسك بذراعه بقوة ، لتخفض يدها بسرعة بتخبط مرتجف سرى على طول ذراعها مثل المخدر السام ، وهي لا تصدق ما فعلت قبل لحظات وكيف واتتها الجرأة لتمسك بذراعه وتعرفه بذلك الرجل بهذه البساطة ؟ وكل ما كان يخيفها ان يكتشف ما كان يربط بينهما ؟ ولكن أليس لم يعد هناك شيء يربط بينهما بعد الآن ! ام انه الخوف الدائم من طبيعته الشرسة والتي تتحكم بها مبادئ الملكية والتي كانت تسبب لها المشاكل بعلاقتهما فيما مضى ؟

تنفست بقوة وهي تدس خصلات شعرها بطرف وشاحها لتلهي نفسها بعيدا عن تلك الافكار ، قبل ان تهمس بشراسة خافتة غاب عنها الغضب
"إذاً ما هو الذي كنت تفكر بفعله بهذا التصرف ؟ ألم انبهك ألا تقترب مني مجددا !"

حرك رأسه بابتسامة جانبية وهو يهمس بسخرية
"ولكني لم افعل شيء انتِ التي تصرفتِ من تلقاء نفسك !"

نفضت ذراعيها للأسفل بغضب وهي تنظر له بتهدج هامسة باستياء حانق
"ولكنك كنت على وشك فعلها ، أليس هذا صحيحا ؟"

ارتفع حاجب واحد بجمود وهو يهمس بخفوت غامض
"وكيف تعرفين هذا ؟"

ردت عليه باندفاع لا إرادي وهي تلوح بذراعها بسخط
"لأن هذا ما كنت تفعله دائما طول مسيرة علاقتنا ، بالرغم من اني انبهك دائما بمحاولة كبح غضبك بعيدا عن الآخرين"

صمتت بامتقاع ما ان ادركت الغباء الذي كانت تنطق به بدون ان تشعر بمجريات الاحداث بينهما ، لتتسع مقلتيها البندقيتين بلمحة حزن ما ان قال بابتسامة واثقة بهدوء
"اعلم هذا جيدا ، وهو ما منعني عن تلقين ذلك المتبجح درسا لن ينساه بحياته ، فأنا اتناسى كل شيء ألا ما علمتني إياه على مدار سنوات يا سيدرا"

ارتفع حاجبيها بسكون هائم طاف على ملامحها الباهتة لبرهة ، لتتلبس ملامحه قناع العبوس بلحظة ما ان تابع كلامه بجفاء ساخر
"لم ارى بحياتي شخص لحوح ومزعج مثله بدون ان يستسلم لرفضك ! كان عليكِ ان تضعي له حدا لكي لا يتمادى مجددا كما فعل الآن"

ضمت شفتيها بحنق مشتعل وهي تتمتم من بينهما بانفعال مكبوت
"توقف عن مثل هذا الكلام يا اوس ، فأنت لا تختلف عنه بصفة الالحاح وعدم الاستسلام بل اراك اسوء منه بهذه الميزة ، حتى انك قد تجاوزت كل الحدود والتي وضعتها لك بإصرار مزعج حتى فقدت الأمل منك"

عقد حاجبيه بتفكير حتى برزت الندبة بمنتصف الجبهة قائلا ببهوت
"هل تظنين هذا حقا ؟"

حركت رأسها بيأس وهي تتأفف بنفاذ صبر لتستدير بلحظة للخلف ، قبل ان تهمس ببرود جليدي وهي تشد المعطف حول خصرها مكملة طريقها المستقيم
"غادر من هنا يا اوس ، وإياك واللحاق بي مجددا فهذا قد بدأ يضايقني"

قال بسرعة من خلفها بخفوت بارد ارهبها
"لقد كنتِ على وشك الرضوخ له والذهاب معه بسيارته !"

سكنت بمكانها للحظات قبل ان تتابع طريقها وكأنها لم تسمعه ، وبثواني كانت تسمع صوت خطواته وهي تعود لاتباعها وكأنه ليس لديه شيء يفعله سوى اللحاق بها والحوم من حولها مثل حيوان ملتصق بصاحبه يهاجم من يقترب منه ويتبع خطواته دائما بدون ان يتخلى عن رفقته ، وهي تفكر بكلامه الاخير بخصوص الذي كانت تود قوله لذاك قبل مقاطعته لها والذي كان عكس تفكيره تماما

(سيد عمير انا اعتذر ولكني اريد منك ان تتوقف عن المرور بمنطقة سكني ، وهذا الشيء الوحيد الذي تستطيع مساعدتي به ، واعتذر على الإزعاج)

يتبع.........


روز علي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 05-12-21, 01:14 AM   #230

روز علي
 
الصورة الرمزية روز علي

? العضوٌ?ھہ » 478593
?  التسِجيلٌ » Sep 2020
? مشَارَ?اتْي » 380
?  نُقآطِيْ » روز علي is on a distinguished road
افتراضي

كانت تسير بطريق الممر الطويل وهي تتمعن بأوراق الملف بيدها ، لتتوقف بعدها لوهلة ما ان سقطت ورقة هاربة من الملف تسربت منه بدون ان تشعر ، انحنت على ركبتيها وهي تحاول الوصول للورقة قبل ان تسبقها يد اخرى بالوصول لها وهي تلتقطها قبلها ، لترفع بعدها رأسها بعلامات الحيرة التي اعتلت وجهها وهي تنظر للتي وقفت امامها تمد لها بالورقة بابتسامة بريئة تحمل رجاء خفي خلف مظهرها اللطيف الجميل .

اعتدلت بوقوفها وهي تضيق عينيها بمغزى قائلة بجمود خافت
"إذاً ماذا هناك ؟ ماذا تريدين ؟"

زمت شفتيها بامتعاض وهو تلوح بالورقة هامسة بعبوس
"ماذا سيكون هناك مثلا ؟ فقط اردت مد يد المساعدة لكِ"

حركت رأسها بقوة وهي تسحب الورقة منها بلمح البصر هامسة بوجوم
"هل هذا كل شيء حقا ؟ ألم ترتكبِ اي مصيبة جديدة وتنتظرين مني حلها لذا تحاولين التملق عليّ !"

شهقت بتمثيل وهي تضرب بقبضتها على صدرها هامسة بثقة مسرحية
"كيف تتهميني مثل هذا الاتهام ؟ تعلمين جيدا مدى اجتهادي ومثابرتي بالعمل بدون ان اسمح لأي اخطاء بأن تفسد سجل عملي بهذه الشركة"

لوت شفتيها بسخرية وهي تدس الورقة بالملف هامسة ببرود
"اشك بأن يكون هذا صحيحاً ! على كل حال إذا لم يكن لديكِ اي مشكلة فأنا ذاهبة ، وحظا موفقا بالعمل يا مجتهدة"

انتفضت بسرعة وهي تمسك بذراع التي استدارت هامسة لها برجاء
"انتظري يا سيدرا ، انا احتاج لمساعدتك"

توقفت بمكانها للحظة قبل ان تقول بجفاء بارد بدون ان تستدير لها
"بماذا تريدين مني مساعدتك يا بيان ؟ وما هو نوع المشكلة التي تسببتِ بها اليوم ؟"

عبست ملامحها بلحظة وهي تهمس بخفوت يائس
"ليس هناك اي مشاكل من اي نوع ، ولكني اريد منكِ التحدث مع المدير واقناعه بأن يعطيني إجازة من العمل لفترة من الزمن لأن زفافي سيكون بنهاية الاسبوع ، واحتاج لأيام للتجهيز قبل زفافي ولا استطيع فعلها مع العمل المتراكم عليّ ، لذا ارجوكِ ان تقدمي هذا المعروف لي ، ولن اطلب منكِ بعدها اي شيء بحياتي"

تنفست بجمود للحظات قبل ان تسحب ذراعها بعيدا عن يدها وهي تستدير امامها لتهمس بعدها بهدوء جاد
"ولما لا تفعلين هذا بنفسكِ ؟ ما دخلني انا بمواعيد انشغالك وتجهيزاتك لزفافك !"

رفعت قبضتيها امام صدرها وهي تهمس برجاء متوسل
"لا تقولي هذا الكلام يا سيدرا ، فأنا خائفة من ان يرفض طلبي او ان يوبخني بسبب تقصيري الدائم بالعمل وسجلي الغير مشرف عنده ، لذا إذا طلبتي انتِ منه قد يوافق وخاصة بأنكِ مقربة منه ولديكِ منزلة....."

قاطعتها فجأة باستنكار غاضب وهي تمسك خصرها بيدها الحرة بتحفز
"ماذا قلتِ يا بيان ؟ مقربة منه ومنزلة خاصة ! هل جننتِ ؟"

ردت عليها بسرعة وهي تلوح بكفها بتبرير
"لا يا عزيزتي ليس هذا ما كنت اتكلم عنه ! انا قصدت بأنه يفضلك عن باقي الموظفين عنده بسبب مثابرتك بالعمل وجديتك به وصفاتك الحسنة والتي يحبها كل مدير ان تكون موجودة بموظفيه ، وليس لشيء آخر مثل انكما مقربين من بعضكما كثيرا كالعشاق....."

عادت لمقاطعتها بنفير انفاسها الشرسة ببؤس
"كفى يا بيان ، لا اريد سماع المزيد عن هذا ، واخبرتكِ بها من قبل ليس هناك اي شيء يربط بيني وبين المدير غير العمل ، سمعتي ؟"

اومأت برأسها باهتزاز وبابتسامة ظريفة بوداعة ، لتتنهد بعدها بتعب وهي تستدير بعيدا عنها قائلة باقتضاب
"سأحاول التكلم مع المدير بخصوص مشكلتك العويصة فأنا الآن ذاهبة إليه ، وبعدها لن اتدخل إذا رفض طلبكِ او لم يتجاوب مع مشكلتك ، فهذا اقصى ما استطيع تقديمه لكِ"

همست بسرعة بابتسامة متسعة بسعادة وببريق امل جديد احتل محياها
"شكرا جزيلا لكِ يا سيدرا ، واعدكِ بأن تكوني اول المدعوين بحفل زفافي ، وهذا سيكون شيء بسيط ردا على كل ما قدمته لي"

اومأت برأسها ببهوت وهي تكمل طريقها على طول الممر المؤدي لمكتب المدير ، وهي تشعر به اطول عن السابق بدون نهاية واضحة له ذكرتها بحياتها الباردة بدون ان تحدد مكان نهايتها ومحطتها القادمة بعد ان وصلت لعمر منتصف العشرين من شبابها الراحل ، وقد اصبح ذلك الحلم والذي تملكه غالبية الفتيات بالعالم بخصوص الزواج من اميرها مجرد سراب لا معنى له بحياتها ، وبعد ان فقدت الأمل بإيجاد ذلك الامير والذي تحول بلحظة لكابوسها الذي يطاردها بأحلامها وحاضرها ومجرم قتلها بسكين حقيقته !

وقفت امام باب المكتب وهي تطرق عليه بأدب للحظات ، لتفتح بعدها الباب امامها ما ان سمح لها بالدخول ليطل عليها بلحظة مكتبه الانيق بديكور الغرفة الفاخرة التي تليق بمدير الشركة .

وقفت بمكانها ما ان قال الجالس خلف المكتب بابتسامة بشوشة بترحاب
"اهلا بوصولكِ يا سيدرا ، لم تتأخري على موعدك بالعمل ، وهذا هو المتوقع منكِ دائما"

اومأت برأسها بابتسامة طفيفة وهي تتجاهل تلميحه عن سبب تفكيره بتأخرها عن العمل اليوم وما حدث بالصباح ، لتتقدم بعدها عدة خطوات وهي تقول بعملية جادة بدون اي مرح
"لقد جهزت لك اوراق الحسابات والميزانية بالشركة وقد تأكدت منهم بنفسي ، وهي تحتاج لتوقيعك وختمك عليها ، فهل انت متفرغ لها الآن ؟"

تقدم بجلوسه وهو يشير بذراعه لتقترب كما يفعل معها دائما قائلا بابتسامة جانبية بجدية
"تعالي واريني الاوراق لننتهي من امرها بما انكِ قد تأكدت منها ، فليس هناك داعي للانتظار اكثر"

عقدت حاجبيها بتفكير وهي تقول بحيرة خافتة
"ألن تتأكد منها ايضا يا سيد عمير ! فقد يكون هناك شيء ينقصها...."

قاطعها بابتسامة واثقة وهو يفرد كفه امامها بقوة
"ولما التأكد بما انكِ قد فعلتي هذا قبلي ؟ وانا واثق بكِ وبقدرتك بالعمل اكثر من اي موظف آخر عندي ، فأنتِ بطلة هذا القسم يا سيدرا"

اخفضت وجهها ببعض الحياء والذي تشرب بملامحها بلحظة خاطفة لم تشعر بها منذ زمن ، لتمسك بطرف وشاحها بارتباك وهي تهمس بامتنان شديد
"شكرا لك سيد عمير ، هذا من دواعي سروري ان احصل على كامل ثقتك بي ، فهذا الكلام بالنسبة لي ميزة افتخر بها"

صمت للحظات وهو يراقبها عن كثب بدون توقف مستغلا لحظة خجلها السريع والذي لون بشرتها السمراء بتورد لطيف ، ليقول بعدها بابتسامة جادة بدون ان يبعد ناظريه عنها
"إذاً هل ستعطيني الملف الذي يحوي الاوراق ؟ فقد تخدرت يدي وهي ممدودة هكذا"

انتصبت بمكانها وهي تتقدم بسرعة بخطواتها امام المكتب قبل ان تسلمه الملف بيده بإحراج على وشك الفتك بها ، لترفع بعدها رأسها بتذكر وهي تقول بجمود بارد
"اريد ان اتكلم معك بأمر ، الحقيقة لقد طلبت مني بيان ان اخبرك بأن تعطيها اجازة فترة ايام قبل موعد زفافها بنهاية الاسبوع لتستطيع التجهيز له ، فهي تقول بأنها لن تقدر على فعل هذا بجانب العمل بالشركة ، وهذا كل شيء"

كان يمسك بالقلم ليوقع به على الاوراق قائلا بتعجب جاد
"حقا ! تريد اخذ اجازة اخرى غير التي اخذتها من اجل حفل خطبتها ؟"

عضت على طرف شفتيها بامتقاع وهي تهمس بخفوت
"اجل يا سيدي هذا ما طلبته مني ان اوصله لك"

اكمل توقيع الاوراق وهو يقول بجمود مريب
"ولماذا لم تأتي بنفسها لتطلب مني هذا الأمر ؟"

ردت عليه من فورها بتفكير بارد
"ربما لأنها تخاف من مواجهتك بعد كل هذا الكم من الاخطاء والذي ارتكبته بعملها وافسد صورتها بنظرك وبسجل عملها !"

ردّ عليها ببساطة وهو يمسك بالختم بجوار الاوراق
"ومن اجل هذا السبب هل تتوقعين مني ان اوافق على طلبها فقط لأنها استخدمتكِ وسيلة للحصول على ما تريد ؟"

اتسعت عينيها بدهشة وهي تقول من فورها باستنكار
"ماذا تقصد يا سيد عمير ؟ هل تظن بأني احاول استغلال مكانتي لأحصل على موافقتك من اجلها ؟ هناك فرق بين مد يد العون لها وبين محاولة استغلال مكانتي !"

رفع رأسه نحوها بقوة نفذت لكيانها وهو يقول بابتسامة غامضة بهدوء
"ليس هناك فرق بينهما ، ولكني مع ذلك سأوافق على طلبها بشرط ان تخبريني بطبيعة القرابة التي تجمعك بذلك الاوس !"

فغرت شفتيها بأنفاس ذاهلة للحظة قبل ان تطبق عليهما بعبوس مرتجف لتهمس بعدها ببرود منقبض
"ماذا يعني هذا ؟"

تراجع بجلوسه وهو يعود لابتسامته المتسعة ببشاشة قائلا بمرح مزيف
"لقد كانت مجرد مزحة ، لما تأخذين كل شيء على محمل الجد ؟ وبالمناسبة اشعر بالفضول لمعرفة قرابتكِ بذلك الرجل الغريب فهو لا يبدو من معارف العائلة المقربين ! واتمنى ألا يزعجك فضولي بهذا الأمر ، فكل شيء يخص موظفين شركتي بحياتهم الشخصية يهمني من اجل ان ادونه بسجلهم"

غرزت اسنانها بطرف شفتيها لا شعوريا وهي تخفض نظراتها بهدوء لتهمس بلحظة بخفوت شارد
"هو ليس قريب جدا من العائلة وما يربطنا به بعيد جدا بعلاقة معقدة لن تستطيع فهمها ، وليس مهم ان تتعرف عليه فهو لا يشكل بحياتي اي شيء"

حدق بها بغموض للحظات قبل ان يعود لملامحه الهادئة وهو يرفع الملف امامها قائلا بابتسامة جانبية بقوة
"إذا كان هذا رأيكِ فلا بأس بذلك ، المهم هو مجهودك بالعمل واخلاصكِ بما تقدمينه من ثمرة لهذه الشركة"

اومأت برأسها بعيدا عنه بتفكير شارد اخذها على حين غفلة ، لتعود بنظرها له ما ان قال بجدية وهو يلوح بالملف امامها
"لقد انتهيت منه ، إذا كنتِ ما تزالين تذكرين امره !"

ابتسمت باضطراب وهي تتناول الملف منه بهدوء ، لتقول بعدها بلحظة بتردد خافت
"وماذا بخصوص طلب اجازة لبيان ؟"

ضم يديه فوق سطح المكتب وهو يقول بابتسامة مائلة بمغزى
"انا موافق على اعطاءها اجازة ولكنها ستكون مهلة يومين فقط قبل زفافها ، وليس من اجلها هي بل من اجل صديقتها والتي تتستر دائما على مصائبها ، ما رأيكِ الآن ؟"

اعتلت بسمة هادئة محياها اظهرت غمازات خديها باحمرار طفيف خجول ، لتهمس من فورها بامتنان خافت بود
"شكرا لك يا سيد عمير ، سأعمل على إيصال رسالتك لها ، والآن اعذرني"

استدارت من فورها وهي تسير مباشرة باتجاه باب المكتب وابتسامتها تتألق على محياها بسعادة نادرا ما تظهر عليه وهي تنتظر بفارغ الصبر لتوصل لتلك المزعجة رسالتها والتي سوف تجعلها تطير من السعادة ، بينما النظرات ما تزال تلاحق خروجها بهدوء جمدت ابتسامته وكل شيء يحوم من حوله لتظهر وجهه الحقيقي المخفي عنها وهو يردد بهمس خافت بقهر مدفون
"إلى متى يا سيدرا ؟ إلى متى ستعاندين ؟ لقد بدأت افقد صبري عليكِ وهذا ليس جيد لكِ يا سيدرا !"

______________________________
كان يقود سيارته الفارهة على الطريق السريع المزدحم بالسيارات وهو يكاد يطير بها بعيدا عن الطريق ليوصله لوجهته والتي يشعر بها ابعد نقطة من بقاع الأرض ، وكل شيء يدور من حوله اصبح يتحد ويتعاون ضده ليفسد عليه رحلة وصوله لذلك المكان الذي اصبح مجرد الوصول له حلم بعيد المنال ، وهو لم يتمنى بحياته شيء بهذه الشدة كما يتمنى الآن ان تنتهي هذه الطريق وتختصر عليه رحلته العصيبة والتي توشك على تدمير ما تبقى لديه من اعصاب انهارت بعد آخر ما تلقت بتلك الرسالة القصيرة والتي تعبر عن كل شيء حدث بغيابه .

شدد اكثر على عجلة القيادة بقوة اكبر حتى ابيضت مفاصل اصابعه وهو لا يشعر سوى بالطريق يميد امامه على ذكرى تلك الرسالة والتي تداخلت بعقله وهو يعيد تكرارها على اسماعه بدوامة اهلكت تفكيره المشتت بنقطة واحدة تشكلت على هيئة صوتها الحزين
(انا احتاجك بشدة ، ارجوك لا تتركني انت ايضا ! انا وحيدة !)

تنفس بتعب تجلى على خطوط محياه بوضوح لأول مرة عوضت عن كل سنين العمل بكل مراحل حياته المثالية ، ليكون اليوم عبارة عن سيل من المشاعر الهادرة والآلام المعنوية مرت على ذهنه وحياته بلحظات خاطفة وبلمح البصر فقط من دقائق من رؤيته لتلك الرسالة القصيرة ، وهو ما يزال يذكر بتلك اللحظة الحاسمة بعد خروجه من غرفة الاجتماعات ليخرج حينها هاتفه من جيب سترته وهو يلمح قائمة من الاتصالات الطويلة وكلها من نفس المتصل ، وما ان تأكد من هوية المتصل حتى اتجه مباشرة للاتصال على نفس الرقم بدون اي انتظار ، ولكنه لم يسمع اي اجابة من الطرف الآخر وهو يصدر طنين خافت قبل ان يقفل الخط نهائيا .

اخفض الهاتف عن اذنه وهو يشتم بغضب ليتغضن جبينه بلحظة وهو ينظر للرسالة الفائتة والتي لم ينتبه لوجودها للوهلة الأولى ، ليفتحها من فوره بقلب متوجس يشعر به يكاد يخرج من صدره بوجل مما ينتظره ، وما ان فتح الرسالة امامه حتى تسمر للحظات طويلة شعر بها اطول فترة تمر عليه بسنوات حياته كاملة ، ولم تأخذ منه سوى ثواني معدودة حتى كان يجري اتصال آخر من قائمة الارقام عنده ، ليضع بعدها الهاتف على اذنه وهو يجيب بنبرة صخرية تحمل الخوف من المجهول
"صباح الخير يا سندس ، لقد اتصلت لأسألكِ عن حال روميساء فهي لا تجيب على اتصالاتي"

تجمدت ملامحه بدون اي شعور وهو يستمع للصوت الخافت بوجل واضح وكأنها قد رأت شبحا للتو
"صباح النور سيد احمد ، السيدة روميساء قد غادرت منذ فترة ، انا اقصد بأنها قد نقلت للمشفى وهي الآن غير موجودة لتجيب على اتصالك"

مرت لحظتين قبل ان يقول بهدوء جاد بدون ان يظهر شيء مما يجيش بداخله وبدأ يتوسع هناك
"ما لذي تتفوهين به يا سندس ؟ كيف ذهبت للمشفى ؟ ولماذا ؟ اريد ان اعلم بكل شيء حدث بغيابي !"

اجابت بسرعة بتهذيب متوتر وهي تكاد تتعثر بكلماتها
"الذي حدث يا سيد احمد بأن روميساء قد تعثرت بأول درجات السلم وغابت عن الوعي ، وما ان لمحها الخدم بتلك الحالة حتى اتصلوا مباشرة بالمشفى ليصلوا لنا بدقائق وينقلوها معهم ، وهذا كل ما حدث يا سيدي"

اخذت انفاسه بالتخبط بتسارع طفيف وهو يهمس فجأة بذهول قاتم
"هل هذا يعني بأنه لم ينتبه لها احد بوقت سقوطها على السلم ؟ لم يكن هناك احد معها بذلك الوقت !"

ردت عليه الخادمة بخفوت متوجس
"لا يا سيدي ، لم يكن هناك احد معها ، ولم ينتبه لها الخدم سوى بعد سقوطها على السلم وغيابها عن الوعي"

قبض على يديه بلسعة خاطفة آلمت فؤاده الذي يكاد ينفجر من فرط شعوره الآن وهو يهمس بذهول اكبر انهى آخر ذرة صبر لديه
"ماذا تقصدين ؟ أليس هناك احد بالمنزل معها ! اين ساكني المنزل عنها ؟ اين كنتم انتم عنها ؟ كل هذا العدد من الخدم بالمنزل ولم يراها او ينتبه لها احد ؟"

ردت عليه من فورها بتبرير مضطرب
"لا لم يكن هناك احد متواجد من ساكني المنزل بتلك اللحظة ، والخدم كانوا مشغولين بالعمل على مائدة الطعام من اجل امسية الليلة للضيوف المهمين وكل ما طلبه منا السيد الكبير ، لذا لم ينتبه احد لوقوع السيدة روميساء عند درجات السلم....."

قاطعها بصوت قوي النبرات بصرامة بدأت تنفذ بصوته بغضب متقد
"كفي عن هذه التبريرات الفارغة ، اخبرتكم من قبل ان تنتبهوا لها اكثر وتحرسوا على رعايتها بما انها تحمل ابني وحفيد العائلة ، ولكنكم بدلا عن ذلك تهتمون بأمر امسيتكم الغبية والتي لا تساوي شيئاً امام حياة زوجتي ، ولكن لا بأس سأتعامل معكم ما ان اعود للمنزل ، الآن اخبريني بأي مشفى نقلوها ؟ وبأي ساعة نقلت بها ؟"

اجابت الخادمة بصوت يرتجف بتلعثم مثير للشفقة بعد ذلك التوبيخ القاسي بعث كل ذعر بروحها لأول مرة يخرج من ابن العائلة الهادئ الرزين
"لقد نقلوها لمشفى المدينة المركزي من الساعة العاشرة تقريبا...."

قال من فوره وهو يعود لهدوئه الصارم الذي يحمل الكثير من الاهوال
"حسنا فهمت ، فقط سؤال اخير اين هما ماسة وسلوى ؟ ألم يكونا معها بتلك اللحظة !"

ردت عليه بالطرف الآخر بلحظات بتهذيب
"السيدة الصغيرة ماسة خرجت من المنزل منذ الصباح الباكر ، واما سلوى فلم ارها تخرج من غرفتها منذ مغادرتك للمنزل"

اومأ برأسه بجمود بدون ان يفكر بالأمر كثيرا وهو يتمتم ببرود
"حسنا ، هيا اغلقي الخط الآن ، وإذا عرفت اي شيء بخصوص روميساء لا تنسي ان تعلميني به !"

اغلق الخط وهو يزفر انفاسه باضطراب متهدج يشعر به بدأ يؤلم رأسه ويتسرب بأنحاء جسده مثل السم القاتل والذي لا فرار منه ، لينطلق بعدها بثواني باتجاه الممر المؤدي للمكتب الكبير ، وما هي ألا لحظات فاصلة حتى اصبح امام الصرح الشامخ والذي كان يجلس خلف المكتب وهو يقول له بكلمات موجزة باختصار
"انا ذاهب للاطمئنان على روميساء بالمشفى ، فقد نقلوها هناك منذ ساعة ، لذا عذرا على ترك العمل فهذه حالة طارئة !"

تجهمت ملامح والده وهو يرى ابنه على وشك المغادرة ليقول بلحظة بصوت جهوري آمر
"انتظر هنا يا احمد ، ماذا تقصد تريد ترك العمل ؟ هل تظن نفسك تلهو هنا وتستطيع الانسحاب عن العمل بالوقت الذي تشاء ؟ لا تنسى منصبك بهذه الشركة والذي اصبحت تحتله هنا بموقع المدير المرتقب ، لذا حاول انجاز عملك المنطوي عليك بأكمل وجه وبعدها فكر بالأمور الثانوية"

قطب جبينه لوهلة وهو ينظر له باستهجان عابس قائلا باقتضاب
"ولكنني اخبرتك بأنها حالة طارئة وليست من الامور الثانوية ! وبعد ان انتهي منها سأعود لإنجاز العمل على المشروع ، ولا تنسى بأن اليوم كان من المفترض ان يكون عطلة لي...."

قاطعه بجمود قاسي بدون ان يتأثر بكلامه
"العمل بمنصب الرئيس لا يأخذ إجازات او عطل ، وقد اخبرتك بذلك مسبقا من اجل ان تصل لمركز الرئيس بشركة حوت الفكهاني عليك بذل مجهود مضاعف لتحصل عليه بعيدا عن العواطف وحياتك الشخصية"

ارتفع حاجبيه ببعض الدهشة بخضم مشاعره الثائرة باللحظات السابقة ليقول بعدها باستنكار متعجب وهو يحاول الحفاظ على ثبات شخصيته امامه
"هل تقول عواطف وحياة شخصية يا ابي ؟ لقد اخبرتك بأنها قد نقلت للمشفى بدون اي رفيق معها ! وانا اريد الاطمئنان على حالتها وعلى سلامة ابني ، هل اخطئت بطلب هذا ؟"

ساد الصمت بينهما طويلا بقسوة النظرات الرمادية والتي كان يتبادلها بعضهما للآخر ، ليقطعها الصوت الجهوري بقوة صارمة بدون اي رأفة بحاله
"وانا اخبرتك بأن منصب المدير ليس مزحة ولا يتحمل اي اهمال او استهتار من قبل علاقاتك الشائكة والتي قد تؤثر بسير العمل ، ولا تقلق على حال زوجتك فهي موجودة بأفضل مشفى بالبلد سيعرفون جيدا كيف يتعاملون مع مشكلتها ويهتمون بأمرها ، ولا ارى هناك اي داعي لتواجدك معها والذهاب لها قد تعرقل سير عمل الاطباء هناك ! وانا متأكد بأنها مجرد نكسة تمر بها كل امرأة حامل لا تحتاج ان تقطع العمل من اجلها !"

تصلبت خطوط زوايا شفتيه ببهوت بانت تعب العمل بوضوح على وجهه وهو يتذكر كلمات تلك الرسالة الصغيرة والتي تبين مدى الألم والذي واجهته قبل غيابها عن الوعي ، وليس ألم السقوط عن السلم او اعراض الحمل بل ألم عدم وجود احد بجانبها بتلك اللحظات اليتيمة !

قال بعدها بلحظات وهو يستدير بنصف جسده بوجوم اكتسح ملامحه كما كيانه
"افعل ما تريد يا ابي ، ويمكنك ايضا خصم رتبتي بالشركة او حرماني من منصب المدير ، فأنا مع كل ذلك لن اتخلى عن روميساء ولن اتوقف ساكنا واتركها تعاني وحدها بالمشفى ، فقد قررت ان تكون روميساء زوجتي من اجل ألا تأتي اللحظة والتي تعود به من جديد وحيدة كما تخلينا عنها بالسابق"

افاق من افكاره القاتمة ما ان وصل امام مدخل المشفى الكبير بدون ان يشعر بالوقت الذي مر بسرعة وانتهت به رحلته العصيبة ، وبعدها بثواني انطلق راكضا بين الممرات بالمشفى بعد ان استعلم عن مكان غرفتها وهو يشعر بها تتيه منه كلما اقترب اكثر من المكان المقصود .

وقف بعدها امام الغرفة المحددة وهو لا يقوى على الاقتراب منها وانفاسه تخرج بتسارع بدون توقف بسبب جريه الطويل على السلالم عوضا عن استخدام المصعد ، ليتراجع بعدها تلقائيا ما ان خرجت الممرضة من نفس الغرفة ، لتوجه نحوه نظرات حائرة وهي تهمس بتفكير عملي
"هل انت من اقرباء الآنسة روميساء الفاروق ؟"

اخذ عدة انفاس وهو يومأ برأسه بالإيجاب ليقول بعدها باضطراب مشتت وانظاره معلقة على باب الغرفة
"اجل انا زوجها احمد الفكهاني ، هل هي بخير ؟ كيف حالتها ؟"

ارتبكت ملامحها بشحوب بعثت الخوف بقلبه الذي يكاد ينفجر بأي لحظة ، وقبل ان تقول سبقها بانفعال مكبوت بدون ان يمنع نفسه
"صحيح ، كيف حال الطفل ؟ هل هو بخير ووالدته ؟"

قالت بسرعة بابتسامة جادة يشوبها بعض الأسف
"اعتذر على هذا يا سيد احمد ، ولكن زوجتك قد وصلت لنا بحالة حرجة جدا ، وخاصة بأنها قد خسرت الكثير من الدماء وكانت تعاني بنزيف حاد بمكان موضع الجنين ، ونحن قد بذلنا كل ما بوسعنا لإنقاذ الأم فقط وتركيز عملنا على مساعدتها ، فهي بهذه الحالة العصيبة كنا على وشك فقدان كليهما معا ، وبفضل الله ورحمته علينا استطعنا ابعاد الأم عن وضع الخطر بمجهود طاقم الاطباء لدينا والذي لم يتوقف عن العمل لثانية حتى تأكد من سلامتها واستقرار حالتها ، لذا عليك ان تحمد ربك بما حدث يا سيد فكهاني فنجاتها من هذه المحنة تعد وحدها معجزة !"

كان يتابع كلامها بتركيز تشتت لوهلة لم يستطع ان يلتقط منه سوى بضع كلمات مهمة اوضحت كل شيء غامض بعقله الشارد ، ليمسد بعدها على جبينه بأصابعه للحظات قبل ان يقول ببعض التفكير الذي ما يزال يتحلى به للآن
"هذا يعني بأن ابننا انا وروميساء قد مات ! صحيح ؟"

اومأت برأسها بهدوء مريب وهي تهمس بمواساة
"اجل هذا ما حدث يا سيدي ، ولكن كن واثقا بأن الله سيرزقكم بغيره الكثير ، لذا كن شاكرا بنعمة نجاة زوجتك من هذه الحادثة"

تنفس بقوة اكبر وهو يشعر بشح الهواء بداخله ليهمس بعدها بكل ما يقدر من ثبات مهتز
"هل استطيع رؤيتها الآن ؟"

حركت رأسها بأسف وهي تهمس بخفوت عملي
"لن تستطيع الآن يا سيدي ، فهي ما تزال تحت العناية ولم ننتهي بعد من نقل الدماء لها والتي فقدتها بجسدها ، انتظر حتى تستعيد وعيها بالكامل بعدها يمكنك رؤيتها ، والآن عذرا عليّ الرحيل"

اومأ برأسه بجمود وهو ينظر للممرضة التي غادرت بعيدا عنه بلحظات ، ليشعر بتعب بأنحاء جسده وبقواه تخور فجأة ، وما هي ألا لحظة حتى ارتمى جالسا على مقاعد الانتظار بقوة هزت الأرض من حوله بعد محاربة استغرقت طول الساعات الماضية مع كل آلامه المدفونة لكي لا تظهر على العلن ، والآن فقط يشعر بالوهن يسيطر على كامل جسده وبكل آلامه تتسرب للخارج بعد حبسها بداخل روحه المذبوحة ، بدون ان يبارح كلام تلك الممرضة تفكيره والتي قضت على كيانه وارتشفت آخر ذرات هدوء حياته وسعادته الجديدة والتي اثمرت مع زوجته لتعود لتسرق منه وتنهب بطريقة لم تخطر على باله ابدا !

رفع رأسه عاليا فجأة وهو يسنده بظهر الكرسي بملامح سكنت عن الشعور ما ان علق ذهنه بأهم نقطة غفل عنها عندما ذكرت الممرضة حالة (روميساء) الحرجة وما كان سيحدث من احتمالية فقدانها مع الطفل ، ليشعر بالألم يتوسع بداخله بخواء وبمهمة ضخ الدماء لقلبه اصبحت اكثر صعوبة عن السابق ، وهو يتخيل فقط حياته كيف ستكون بدون (روميساء) ؟ كيف ستكون بدون ان يتذوق من تلك الفاكهة والتي اضافت من حلاوتها لحياته مكونا كان ينقصه ؟ وكله بسبيل انجاب طفل لن يكتمل وجوده اساسا بدون تلك الشجرة والتي اثمرت منه لتذبل بعدها مثل كل شيء يفقد جذوره واصله بالحياة ! وهذا حاله تماما فهي التي تسقي ثماره وبدونها ستذبل حياته مثل روح فقدت خافقها !

______________________________
كانت تسقي الازهار بمرشة الماء اليدوية بالتتابع وهي تدندن بلحن ما منسجم مع حركاتها الرشيقة مثل كل مرة تنساب بها مع الاجواء التي تخلقها من حولها بمحيط جديد بدأت تستعيد به روحها المفعمة بالتفاؤل والحياة وهي تعود للفتاة الحالمة المبتهجة....ولكن بدون ان تستطيع كسر حلقة الحزن والتي قيدت حياتها وغيرت من تفاصيلها منذ فترة قصيرة...وهي تحاول بكل جهدها الحفاظ على جانبها الجديد والذي صنعته من كل جوانب شخصيتها العاطفية والمكسورة لتخلق من بينهما شيء جديد تأقلمت معه وتناسب مع الأجواء التي اصبحت تحوم من حولها مؤخرا ...

تباطأت حركاتها قليلا بدون ان تتوقف عن رش قطرات الماء فوق الازهار الصغيرة والتي بدأت تتفتح ببراعم صغيرة اطول عن السابق ، وهي تتنهد بابتسامة ناعمة بشرود متأملة مجموعة ازهارها الرائعة وصغارها المفضلين والتي تمثل كل واحدة عندها مكانة خاصة بقلبها الوسيع والذي يتسع لملايين من هذه الازهار وكأنها حديقة غنية تسكن بأعماق قلبها ، وهذا كان ينطبق على البشر كذلك وكل من سكن بقلبها بدون اي شروط ليرحل ببساطة عنه وينزع جذوره من ارضه ليترك الاثر العميق من حوله بدون ادنى تفكير بصاحب ذلك القلب الوسيع والذي استقبل وجوده ذات يوم .

رفعت مرشة الماء بهدوء وهي تتوقف عن هدر المزيد من القطرات للحظات ، لتنظر بعدها عاليا ما ان عادت خيالات ليلة امس لتسوير عقلها مجددا بتلك اللحظات اليتيمة والتي قضتها مع زوجها لأول مرة مثل اي زوجين طبيعيين فرض عليهما الزواج من بعضهما لحل الخلاف بين حقد وموت احد بنات العائلتين ، ولكنهم بالحقيقة عكس ذلك تماما فلا احد منهم ارغم على الآخر ولم يذكر احد امر الحقد بينهما بسبب موت غير مقصود لابنة عائلتهم ! ما تزال تذكر من حينها بعد الانتهاء مباشرة من تنظيف سفرة طعام العشاء وغسل الصحون والاطباق ، لتسير بالرواق بهدوء حتى تقابلت معه وهو يقف بنهاية الممر بجمود ملامحه المرتسمة فوق وجهه وكأنه كان ينتظر قدومها منذ ساعات ، لتبتلع بعدها ريقها بتأهب منقبض ما ان بدأ بالتقدم نحوها عدة خطوات ثابتة كانت تزيد من انكماش جسدها لا إراديا ، وما ان وصل امامها اخيرا حتى مال بجذعه فجأة بحركة سمرت عضلات قلبها وكل عضو ينبض بجسدها وهو يبعد عن وجهها شعرة ليهمس بخفوت بارد بأمر
"اريدكِ ان تكوني بغرفتي بغضون دقيقتين ، فقد حان الوقت لتلقي العقاب على افعالك ، وإذا فكرتِ بالهروب فلن اتوانى عن اللحاق بكِ لغرفتك وتعرفين الباقي جيدا !"

اتسعت عينيها العسليتين بجمود اكبر وهو كل ما استطاعت فعله بلحظة تهديده المبطن وقد نسيت امر عقابه تماما ، ليعتدل بعدها باستقامة وهو يستدير بلحظة ليسير مباشرة باتجاه الممر المؤدي لغرفته وبصمت قاتم .

زفرت انفاسها بتسارع وهي تمسد على صدرها بكفها مستشعرة كل نبض يصدر من قلبها الملتاع ومن التفكير بنوع العقاب والذي ستتلقاه الآن على يديه ، فيبدو بأنه لم يكتفي بعد من مهمة تعذيبها بكل يوم يمر عليها بهذا الزواج ليكون اقسى من الذي قبله ! فما لذي ينتظرها الآن مع مصير مجهول وقدر بائس لم يقف بصفها يوما ؟ وكله بسبب لسانها الاحمق وما يحمله من تهور سيقضي على آخر نفس بحياتها !

طرقت على باب غرفته بتردد لثواني قبل ان تفتح الباب ما ان سمح لها بالدخول ، لتتلقى بداية نظراته السوداء المسلطة عليها بتلك الطريقة والتي تكشف كل جزيئات جسدها وكل ما هو مستور عن العين وهو فقط مستند بطرف إطار مكتبه ، لتنطق بعدها بلحظة اخرى استهلكت كل طاقتها المختزنة هامسة بوجوم متعثر
"ها انا قد اتيت لغرفتك كما طلبت ، ماذا تريد مني الآن ؟"

تلبدت ملامحه بدون اي تعبير قبل ان يحرك رأسه بقوة وهو يتمتم بعمق
"اقتربي"

عبست ملامحها بشك من نواياه نحوها وهي تلوح بيدها هامسة باستياء
"لا بأس ، يمكنك التكلم معي وانا هنا ، فأنا لا اعتقد بأنه من الجائز الاقتراب منك....."

قاطعها بصرامة اكبر بدون ان يهتم لكل كلمة نطقت بها الآن
"قلت لكِ اقتربي"

تقدمت بسرعة بخطوات واسعة بانصياع تام ، لتقف بعدها على مقربة منه وهو ما يزال ينظر لها بنفس الطريقة المسلطة والتي تتعب كيانها دوما ، لتسمع صوت خطواته وهي تتراجع بلحظة بعيدا عنها ليتبعها باللحظة التالية عودة الخطوات لموقعها السابق وقبل ان يتغلب عليها فضولها وترفع رأسها قصف صوته بقوة وهو يضرب رأسها بملمس شبيه بالورق
"امسكِ هذا يا صفاء"

رفعت رأسها بارتجاف سرى على كامل اطرافها وهي تنظر بحيرة لمجموعة الاوراق بيده بدون ان يدخل كلامه عقلها بطيء الاستيعاب ، لتنتفض بلحظة على مسمع صوته الصارم وهو يتمتم بضيق واضح
"ما بكِ تجمدتِ هكذا ؟ اخبرتكِ ان تمسكِ بالأوراق وليس ان تتأمليها ببلاهة !"

انفرجت شفتيها عدة مرات بذهول قبل ان تتناول منه الاوراق بسرعة هامسة بإحراج خجل
"اعتذر ، لم انتبه"

حدق بها بغموض للحظات طويلة قبل ان يقول بجدية وهو يدس يديه بجيبي بنطاله بتحفز
"حسنا لننتقل الآن للموضوع الاهم ، اريد منكِ ان تختمي هذه الأوراق جميعها من الألف للياء بدون ان تنسي حرف ، وهذا اكيد سيكون طريقة للتكفير عن ذنبكِ وعقوبة من اجل نطقك بذلك الكلام ، واعدك بأنها إذا تكررت مرة اخرى فلن اضمن لكِ ردة فعل طبيعية كما الآن ، فهمتِ ؟"

ارتفع حاجبيها بدهشة شتتت انظارها لوهلة لتهمس بعدها بوجوم مرتبك
"هل هذا كل شيء ؟ حقا !"

عقد حاجبيه بتفكير لبرهة وهو يتمتم بهدوء
"ماذا ؟ ألم يعجبكِ هذا العمل ! هل تريدين تجربة عقوبة اخرى غيرها ؟....."

قاطعته بذعر وهي تحرك كفيها هامسة بابتسام طفيف
"لا كل شيء بخير ، وانا سعيدة جدا بهذه العقوبة"

اومأ برأسه بجمود وهو يلتفت جهة المكتب لينشغل بترتيب بعض الاوراق ، لتعقد بعدها حاجبيها بتوجس غزى ملامحها وهي تهمس بخفوت
"حسنا ، ومتى يمكنني ان انجز هذا العمل ؟"

ردّ عليها ببرود بدون ان ينظر لها
"ستعملين عليها الآن وتنهينها قبل بلوج ضوء الفجر"

فغرت شفتيها بارتعاش مشدوه لوهلة قبل ان تهمس باستنكار خافت
"ولكننا قد اصبحنا الآن بمنتصف الليل ! كيف لي ان انهي ختم كل هذه الاوراق والتي تحتاج الليل بطوله لفعلها ؟"

حرك رأسه ببرود وهو يلوح بذراعه قائلا بجفاء
"لا بأس فقد اعتدتِ على فعلها بمكتب والدك فيما مضى ، واكيد قد كسبت الخبرة والسرعة بهذا العمل ، أليس كذلك ؟"

زمت شفتيها بامتعاض وهي تضرب بظاهر كفها على الاوراق هامسة بقنوط
"هذا ليس سببا مقنعا لتستخدمه ضدي وتجعلني انجز اعمالك المتراكمة بحجة العقاب !....."

صمتت بوجل ما ان التفت نحوها وهو يوجه لها نظرات ساكنة اوصلت الرسالة لها بدون كلام مترافق مع التخبطات والتي احتلت دواخلها بلحظة ، ليقول بعدها بحاجبين معقودين بتصلب بدون ان يترك نظراتها
"هل تريدين مني ان اضاعف العقوبة لكِ على هذا الكلام ؟ فيبدو بأن هذه العقوبة لم تفي بالغرض المنشود !"

حركت رأسها بالنفي بقوة حتى آلمت عنقها من تشنج الخوف الذي اسرها بهالة نظراته ، لتعتلي ابتسامة باهتة محياه وهو يضع امامها على طرف المكتب اوراق اخرى قائلا بحزم
"هذه اوراق اخرى اضيفيها مع قائمة الاوراق معكِ عقوبة لكِ على تذمرك الآن ، ومع كل تذمر او تكاسل بالعمل ستزيدين عليكِ رصيد عملكِ المبذول والذي لن تنتهي منه لليوم الثاني او ما بعده"

اتسعت حدقتيها العسليتين بصدمة وهي تنظر لكمية الاوراق امامها بالإضافة للأوراق بحوزتها والتي كانت مهمة انتهاءها منها مستحيلة ! فكيف الآن مع كل هذه الكمية من الاوراق ؟

همست بعدها بلحظات بعبوس بائس
"هذا ظلم بحق البشرية !...."

عضت على طرف شفتيها بجزع وهي تتدارك نفسها هامسة بتعديل مرتبك
"اقصد هذا رائع ويسعدني ان انجز هذا العمل المستحيل ، فهو يبدو لي مثل الاختبار والغير مستحيل"

ارتفع حاجب واحد بحدة لوهلة قبل ان تعتلي شبه ابتسامة على طرف شفتيه وهو يحاول ان يكتمها بأسنانه ، وهو ما دفعها لتتسمر بمكانها بصدمة وعينيها تتبع خطوط ابتسامته الصغيرة والبعيدة عن كل ملامح السخرية وكأنه يستمتع بما يفعله بها ولثاني مرة ترى تلك الابتسامة !

افاقت من شرودها ما ان ابتعد من امامها وهو يدور حول المكتب ليجلس بلحظة على مقعده قائلا بجدية صارمة
"هيا لا تتجمدي هكذا ببلاهة ، فهذا ليس وقت احلام يقظتك ! فأنتِ عليكِ ان تنهي هذا العمل قبل بلوج الفجر ، هل هذا مفهوم ؟"

عقدت حاجبيها بضيق وهي تنظر له يجلس بكل عنجهية وملوكية خلف المكتب وكأنه زعيمها والذي يحمل كل سمات الزعماء الظالمين ، جلست على الكرسي امام المكتب بهدوء وهي ترتب الاوراق فوق بعضها البعض بحرص ، لتمسك بعدها بالختم بجوارها والذي وضعه مع الاوراق وهي تبدأ بختم الاوراق به بسرعة متمهلة كما اعتادت ان تفعل بمكتب والدها مثل آلة طباعة .

تجمدت اصابعها على طرف الورقة وهي تتابع ختم الاوراق بحركة اصبحت تتباطأ تدريجيا ، بدون ان تشعر بهالة الحزن والتي احاطت عقلها لوهلة ما ان تذكرت تلك الايام البعيدة والتي كانت تقضيها مع والدها بمكتبه لتساعده بأعماله وتهتم بصحته حال تدهورت بأي لحظة ، ولم تفكر بأنها ستصبح مجرد ذكريات منسية رحلت مع اصحابها ومع اقرب الناس لها ولقلبها المفطور بهم والذي قدم الكثير بسبيل الحصول على رضاهم وحبهم ، فهل يا ترى ما يزال والدها يفتقد وجودها بتلك الذكريات ام انها وحدها من تشعر بذلك الحنين والذي لطالما طوق حياتها الحالمية والمعلقة بالجميع ؟!

انتفضت لا شعوريا وهي توقع الختم من يدها ما ان قصف صوت الجالس امامها مخترقا هالتها
"صفاء هل تسمعين ما اقول ؟"

رفعت يدها بارتجاف وهي تدس خصلات شعرها خلف اذنها هامسة ببعض الوجل
"اعتذر لم اسمع"

قطب جبينه بضيق وهو ينحدر بنظراته للختم الذي انحدر على قميص منامتها ليلطخه بالحبر قبل ان يستقر بجانب الاوراق ، ليقول بعدها بعبوس وهو يعود بنظره لرأسها المنكسة بهدوء
"هل انتِ سعيدة يا بلهاء ؟ لقد شوهتي قميصك بالحبر ، اخبرتكِ ان تختمي الاوراق وليس القميص !"

حركت رأسها بإيماءة طفيفة دفعت خصلات غرتها للانسياب فوق ملامحها المخفية وهي تهمس بخفوت مشتد
"اعتذر حقا على هذا ، يبدو بأنني قد فقدت المهارة بإرضاء الآخرين بعملي معهم ، فأنا لم اعد تلك الطفلة المرضية والمطيعة والتي تملئها العاطفة والشغف لإسعاد الآخرين دائما على حساب سعادتها"

تغضن جبينه بوجوم لبرهة وهو لا يعلم لماذا رأى انعكاس صورته بداخلها وما يوحي به شكلها المنكسر والذي يراه لأول مرة ؟

اعتدل بجلوسه باستقامة وهو يقول بأمر ناظرا لها بعيون صقرية
"صفاء قفي امامي"

وقفت امام المكتب بهدوء ساكن وهي ما تزال منكسة الرأس بصمت ، ليقول بعدها بصوت اكثر خشونة بأمر
"ليس هنا ، تعالي قفي امامي مباشرة"

اخذت لحظات استيعاب قبل ان تتحرك وهي تدور حول المكتب لتقف بعدها امام مقعده تماما ، استدار بجسده نحوها بإمارات صارمة ما تزال تحتل محياه ، ليقول بعدها بصوت اخفض قليلا بدون ان يحيد بنظراته عنها
"ارفعي رأسكِ وانظري بعيني مباشرة"

رفعت رأسها كما طلب وهي تنظر له بتلك الأحداق الواسعة بلون عسلي غائم بدون اي شعور يختلف عن كل حالاتها السابقة ، ليدس بعدها يده بجيب بنطاله قبل ان يرفعها نحوها هامسا بخفوت اجش
"خذي وامسحي بقع الحبر عن قميصك"

نظرت بانشداه للمنديل النظيف بيده لتتناوله بعدها بارتجاف طغى على مفاصل اصابعها وهي تحاول مسكه بقدر المستطاع بأطراف اصابعها بحذر خوفا من ان يفعل معها كما فعل سابقا عندما ناولته كأس الماء ، ولكن لم يحدث ما كانت تتمناه وهو يقبض على اصابع يدها بكفه القوية اخترقت كيانها ، وبلحظة كان يسحبها من نفس الكف للأسفل بلمح البصر ليصبح بعدها وجهها امام منحنيات صدره الصلب وساقيها اسفل المقعد ، وقبل ان تتدارك وضعها كانت تشعر بملمس قبلته القاسية على شفتيها المرتجفتين وذراعه تطوق خصرها وترفعها امام جسده بقوة طاحنة كسرت عظامها الهشة بحرب عاطفية اعطت مذاق جديد لحياتها الحالمية .

تمسكت تلقائيا بياقة قميصه وهي تتنفس بتسارع يكاد يخرج نبضات قلبها من قفصها الصدري وقبلاته تنشر على بشرة وجهها برقة لم تسبق ان جربتها معه ، ليتغضن جبينها بلحظة مع اتساع مقلتيها العسليتين بتموج ذهبي من تدفق المشاعر على سطح محياها ، وهي تشعر بتصلب جسده المفاجئ والذي ابتعد عنها وارتخاء ذراعيه عن خصرها معلنا توقف الحرب الحميمية بينهما .

اخفضت يديها عن ياقة قميصه وهي تتراجع لا إراديا لتجلس على ارض الغرفة امام مقعده بسكون ، بينما كان (جواد) يعدل من وضع جلوسه وهو يريح مرفقيه فوق ذراعي المقعد وكأنه يحاول استعادة اتزان صلابته والتي كان على وشك فقدانها من لحظة كادت تدمر كل شيء .

انحنت زاوية من شفتيها بحزن وهي تحدق بالمنديل والذي وقع منهما بدون ان يدرك كليهما ذلك ، لتلتقط بعدها المنديل بهدوء وهي تقف على قدميها باتزان بقدر استطاعتها ، وما ان فعلت حتى قالت بخفوت حزين وهي تشيح بنظراتها جانبا
"اعتذر حقا على الاقتراب منك ، واعدك بأن احاول ألا اتجاوز حدودي مجددا"

التفت نحوها بهدوء وهو يضيق عينيه السوداوين بلحظة قبل ان يتمتم بجمود جاف
"انا الذي دفعتك للاقتراب مني ، لذا لا داعي لتجميل صورتي وألقاء باللوم على نفسك ، فيبدو بأنني انا الذي اصبحت اتجاوز حدودي بدون ان ادرك ذلك"

نظرت له بسرعة بعينين متسعتين بصدمة وهي لا تصدق ما سمعته اذنيها الآن باعتراف لم ينطق به من قبل ! ام تراها ضربت رأسها واصبحت ترى احلام يقظتها متجسدة امامها حقيقة ؟

تشنجت اطرافها لوهلة ما ان لمحت طرف ابتسامته والتي تظهر على محياه لثالث مرة وهو يتابع كلامه قائلا بخفوت شارد
"انتِ فتاة خيالية لديكِ طاقة سحر كبيرة ينبغي ان نحتاط منها ، وهذا ما كان عليّ فعله قبل ان اقع صريع هواكِ ويفوت الآوان على النجاة !"

رفعت قبضتها وهي تريحها فوق صدرها النابض بنشيج خافت تشعر بخفقات قلبها وصلت لطنين اذنيها بنغمة صاخبة غيرت مجريات حياتها ، وهي تستمع لاعتراف كبير من زوجها الجليدي والذي ظنت بأنه لا يكن لها سوى الكره والحقد ليغير كل شيء باعترافه الآن والذي يوحي بأنه قد وقع بحبها او شيء من هذا !

شددت بعدها على المنديل والذي عصرته بداخل قبضتها بتوتر قبل ان تهمس بخفوت متلعثم بحياء
"انا ، انا الآن عليّ انهاء عملي قبل انبلاج الفجر ، لأنه....."

قاطعها بهدوء جاد وهو يحيد بنظراته نحوها بتصلب
"ليس هناك داعي لإكمال العمل على الاوراق ، يمكنكِ الذهاب الآن وتبديل قميصك الملطخ بالحبر والخلود للنوم ، وانا سأكمل ما تبقى من عمل"

عقدت حاجبيها بحيرة وهي تهمس بتوجس
"ولكن هذا عملي انا ، وايضا لن تستطيع انهاءه وحدك....."

قاطعها بصرامة اكبر وهو ينظر لها بقوة
"ماذا قلت لكِ يا صفاء ؟"

عضت على طرف شفتيها بحياء وهي تشعر بنغمة نطق اسمها على اذنيها خافتة بلذة جديدة مع تشديد آخر حرف ، لتنتفض بعدها لا شعوريا ما ان قصف صوته بخفوت عميق مع حاجبين معقودين بقلق
"صفاء ما بكِ ! هل تسمعين ما اقول ؟"

اومأت برأسها بسرعة وهي تهمس بابتسامة صغيرة ببعض السعادة
"اجل بخير ، كل شيء بخير"

زفر انفاسه بجمود وهو يعود للعمل على الاوراق امامه ، لتقول بعدها بتردد وهي تضم قبضتيها معا
"هل هذا يعني بأني لست معاقبة ؟"

رفع رأسه بعيدا عن الاوراق لوهلة وهو يقول بابتسامة جانبية ببرود
"اجل لستِ معاقبة يا صفاء ، ويمكنكِ اعتبار نفسكِ حرة وقد افرج عنكِ زعيمك الظالم"

عضت على طرف ابتسامتها بوجل وهي لا تصدق مدى مقدرته على قراءة افكارها والتي جعلته يكتشف اللقب والذي اطلقته عليه بمخيلتها ! لتستدير بسرعة بعيدا قبل ان تكشفها ابتسامتها وهي تتجه من فورها لخارج الغرفة ، قبل ان تتوقف بآخر لحظة عند باب الغرفة وهي تلتفت بنصف وجهها هامسة بخفوت مرتجف
"صحيح لقد كنت على وشك قول شيء قبل ان اوقع الختم على ملابسي ! ماذا كنت تريد ان تقول ؟"

نظر لها بجمود لبرهة وهو يعقد حاجبيها ببطء ليقول بعدها بلا مبالاة وهو يعود للنظر للأوراق بيده
"لا تهتمي لهذا فلم يكن بالأمر المهم على كل حال"

افاقت من ذكريات الامس وهي تعود للنظر للأزهار الصغيرة امامها ، لتجثو بعدها على ركبتيها وهي تبتسم بنعومة رقيقة لترفع كفها بسلاسة قبل ان تلامس بأصابعها بتلات الازهار الملونة ، لتهمس بلحظة بنفس النعومة وبنبرة حائرة بخفوت
"يا ترى ماذا كان يريد ان يخبرني بذلك الوقت ؟ وهل هو كان صادقا بقول تلك الاعترافات ؟ كم يخيفني ان اكتشف الحقيقة واكون فقط اعيش على الوهم والذي ينسجه خيالي دائما كما كان يحدث منذ طفولتي !"

مالت عينيها بحزن عميق وهي تشرد بلمساتها على بتلات الازهار لثواني ، لتضم بعدها كفيها بين ركبتيها ببرود مفاجئ وهي تهمس مع نفسها بنبرة اكثر حزنا وبوجع واضح
"لم يتبقى سوى عشرة أيام على انتهاء عقد زواجي ، فهل هذه ستكون نهاية آلامي بالحياة ام ستكون بداية كل ألم جديد زرعته بيدي وبخيالات الماضي والتي نشبت عنها منذ زمن ؟"

_______________________________
كانت تريح ذقنها فوق ركبتها بسكون وهي تنظر امامها بشعور بالخواء والذي يصيبها دائما عندما تختلي مع رفيقتها الوحدة....ولكن هذه المرة مختلفة فقد ظهر هناك دخيل اخترق عالمها واخذ مكانه بينهما بدون سابق إنذار او تنبيه....وهي ليس عليها سوى الخضوع لوجوده والذي سيطر على جليد واقعها وتسرب بثقوب ماضيها بشعور بالحياة والتي لم تجرب خوضها يوما .

زفرت انفاسها ببطء شديد وهي تستعيد القليل من جموح كيانها والتي لم تهدأ بعد كل شيء ، لتهمس بعدها بخفوت باهت بعد صمت دام لدقائق طويلة
"هل ما تزال هنا يا شادي ؟"

مرت لحظات اطول مما يحتمل صبرها الضيق وهي تنتظر اي بادرة تدل على وجوده من حولها ، وما ان يأست من سماع الاجابة حتى همست بعبوس سيطرت عليها رجفة خاطفة
"شادي ؟ انت هنا ؟ شادي !......"

تنفست الصعداء ما ان وصلها الصوت الخافت مخترقا الفاصل الخشبي الذي يسندهما وهو يهمس ببطء عميق
"انا هنا يا ماسة ، كيف تريدين مني ترككِ بهذه السهولة ؟"

اغمضت عينيها بهدوء وهي تهمس بشبه ابتسامة ساخرة
"يمكنك الذهاب إذا كنت قد مللت من الجلوس هكذا مثل حارس البوابة ، ولكن لا تنسى العودة ما ان تنتهي فترة ادانتي والتي حددتها بنفسك"

ابتسم بميلان متسلي بدون ان تراه وهو يهمس بتفكير مستاء
"كنت اود حقا الذهاب وترككِ لوحدكِ لارتاح من عنادك وصلابة رأسك ، ولكني لن اقدم على فعل مثل هذه الخطوة المتهورة بترك المنزل بين يديكِ ، فأنا اتوقع منكِ كل شيء ولو حرقتِ المنزل ومن فيه فلن افاجئ ابدا ! فبعد ما فعلتي بنفسكِ بالجناح بأيام بداية زواجنا اصبحت اعرف جيدا اي نوع من الفتيات انتِ وكيف يجري تفكيرك !"

امتعضت ملامحها وهي تفتح عينيها بألوان قاتمة عادت لتموج على سطح روحها ، لتهمس بلحظة من بين اسنانها باستهزاء شرس
"هل تراني مختلة عقلية حتى اقدم على مثل هذا التصرف ؟ لا تقلق يمكنك الوثوق بزوجتك وتركها مع نفسها وهي تعدك بأنها لن تؤذي نفسها ولن تقدم على اي حماقة بغيابك ، فهي ما تزال تملك عقل بكامل قواه بعد كل شيء !"

تنهد للحظات قصيرة وهو يهمس بوجوم غامض
"لن افعل هذا ، لأني اعرف جيدا بأنكِ اكثر شخص مهمل بالعالم بالاهتمام بنفسه وبالحفاظ على حياته ، فهو ينسى دائما بأن حياته بأكملها لم تعد ملكه وحده"

عضت على طرف شفتيها بضيق وهي تتمتم من بينهما بانفعال
"أليس لديك ولو بعض الثقة بحماية زوجتك لنفسها ؟ ام انها انعدمت منذ ذلك الوقت بجناح شهر العسل ؟"

غيم الصمت بينهما لوهلة قبل ان تسمع صوته بانخفاض تستطيع به الشعور بابتسامته الواثقة
"بالطبع انا اثق بزوجتي ولكن مشكلتي مع تفكيرها وعقلها الاحمق والذي يتوقف عن العمل ما ان يجتاحه الغضب ليصبح بحجم عقل النملة"

انفرجت شفتيها بأنفاس ذاهلة ممزوجة بالغضب المتهدج والذي تفجر بأوردتها ، لتنصب رأسها عاليا وهي تديرها للباب بجوارها بلحظة قبل ان تضرب ظهرها بكل قوة حتى هزت خشب الباب بينهما هامسة بعنف تلون ببحة الغضب بصوتها
"ماذا قلت عني الآن يا احمق الفكهاني ؟ سأريك من هي التي تملك عقل نملة يا متشدق !"

ضحك بانخفاض طفيف وهي تستمع لكل حركات وذبذبات صوته عبر البوابة الفاصلة بينهما والتي ترسل الرعشات لكل منهما ، ليقول بعدها بابتسام ساخر بهدوء
"هذا ما كنت اتكلم عنه ، لهذا اخبرتكِ بأنني لا اثق بعقلك الجامح والذي يفقد سيطرته ما ان يشعر بعجز صاحبه ، صحيح ؟"

ادارت وجهها للأمام وهي تتنفس بحدة بدون ان تعلق على كلامه ، لترتخي بعدها مفاصلها وهي تريح ظهرها لباب الغرفة بخمول تام ، لتهمس بعد عدة لحظات بملامح جليدية بدون شعور
"لقد قلت بأنك تعرف جيدا اي نوع من الفتيات انا ، هل هذا يعني بأن لديك خبرة واسعة بأنواع الفتيات واللواتي قابلتهن بحياتك ؟"

سكنت ملامحه للحظة قبل ان يريح ظهره للباب كما تفعل قائلا ببرود جاد
"حسنا لدي بعض الخبرة بالفتيات من ايام الجامعة ، فقد كنت اجذب جميع الانواع والذي كان يحوم من حولي مثل النحل ، ولكن لم يكن هناك تجارب ناجحة فقد كانت جميعها تبوء بالفشل وتعطيني بعض الدروس القيمة بالحياة لكي لا تثق بأي مخلوق كان قبل ان تلوج بأعماقه وتعرف ما هو معدنه حقا ، وهذا الحال استمر معي حتى نهاية مسيرتي بالجامعة والتي حملت معها بجانب شهادة التخرج شهادة تخص تجارب الحياة"

حركت رأسها بشرود بدون اي تعبير يسكن محياها البارد ، ليصلها سؤاله بلحظة وهو يقول بهدوء جاد
"وماذا عنكِ يا ماسة ؟ أليس لديكِ اي تجارب او خبرات بالجامعة !"

شقت ابتسامة باهتة تقاسيم ملامحها بسخرية وهي تتبعها بالهمس ببرود جليدي بدون اي حياة
"لم يكن هناك مجال لأخوض تجارب بالجامعة فقد كانت حياتي بأكملها عبارة عن تجارب واختبارات منذ مولدي لهذه اللحظة ، لذا منذ دخولي للجامعة كان كل شيء بسيط بالنسبة لي ولا يقارن بما تعلمته سابقا وصنع مني انثى لا تميل للعب بالعلاقات الاجتماعية ومكتفية بما تحمله معها وما بقي راسخ للآن"

كان يستمع لها بهدوء تام وهي تخرج له جزء من شخصيتها المختبئة خلف رداء الثبات والقوة ، ولكنها بالحقيقة مجرد انثى ضعيفة تكسرت اجنحتها منذ ولادتها لتصبح على هذه الصورة المشوهة تفنن الجميع بقتلها بدون ان يعدلها احد او يغير من اصلاح كسورها المغمورة بصميم روحها .

عقد حاجبيه بجمود ما ان سمع صوتها الخافت يصله ببحة حزن باردة
"هل تراني كائن مجنون ومنفر يا شادي ؟ بعد ما اقترفته بأيام الفندق وجعلك تغير نظرتك كاملة نحوي وتخاف من اي شيء قد اؤذي به نفسي !"

تغضن جبينه بقتامة لبرهة قبل ان ينطق بابتسامة اتسعت برفق
"ما يزال تفكيرك احمق كما هو يا ماسة ، كل ما اتمناه ان تفكري بقلب عقلك وتشعري اكثر بأحاسيس الآخرين وكل ما يلوج بدواخلهم ، قد تستطيعين عندها تعديل نظرتك للآخرين وعدم طرح مثل هذه الاسئلة الغبية امامي مجددا !"

ردت عليه من فورها ببهوت جامد
"هذا ليس جواب السؤال يا شادي !"

اخفض رأسه قليلا وهو يتنفس للحظات ليهمس بعدها بصوت اجش خافت وصلها بوضوح عبر ذبذبات الباب الخشبي
"لقد شعرت بخوف من تأذي الكائن الاغلى على قلبي بلحظة تهور منه وغفلة مني ، وهناك فرق بين شعور الخوف وبين شعور النفور منه ، هل فهمتِ الآن يا مجنونة ؟"

اشاحت بوجهها جانبا وهي تضرب بقبضتها على الباب برفق هامسة ببأس
"مزعج"

ارتخت ابتسامته بلحظة ما ان اخترق رنين هاتفه الاجواء المحصورة بينهما ، ليتأفف بعدها بضيق وهو يخرج الهاتف من جيب بنطاله قبل ان يجيب من فوره هامسا بهدوء
"نعم مرحبا !"

ارتفع حاجبيه بدهشة لحظية غيرت ملامحه بتوجس وهو ينهض بلحظة من مكانه باستقامة ، ليقول بعدها بارتباك واجم بدون ان ينتبه للإذن والتي كانت تسترق السمع على كل حركة صدرت منه
"ماذا تقول يا احمد ؟ وكيف حدث هذا ؟ هل هي بخير ؟"

تجمدت ملامح (ماسة) كما جسدها وهي تترجم كلامه بعقلها السريع والذي ربط كل شيء بشخص واحد ، لتبتعد ببطء عن سطح الباب ما ان سمعت آخر مكالمته وهو يهمس بكلمات موجزة
"حسنا يا احمد ، سنحاول ان نكون عندك بدقائق"

اخفضت نظراتها بتلبد طاف على سطح حياتها للحظات ، وبدون ان تسمع صوت قفل الباب وهو يفتح ليتبعها بإدارة المقبض قبل ان ينفتح تدريجيا امامها بثواني ، رفعت حدقتيها الزرقاوين بتشوش لحظي وهي تنظر له باهتزاز ضائع تسرب منه إليها ، وبلحظات كانت تهجم عليه بخطوتين لتتمسك بقميصه بتشبث وهي تصرخ بفورة الجنون بطريقة تختلف عن جنونها السابق فقد تخلل بها بعض الاهتزاز
"ماذا حدث لروميساء يا شادي ؟ وماذا اخبرك احمد ؟ هيا تكلم ماذا فعلتم بشقيقتي ؟......"

توقفت عن الكلام باهتزاز الدموع بحدقتيها المحتدتين وهي تهمس فجأة بتذكر مرتبك
"ماذا حدث للطفل ؟ هل هما بخير ؟ لا تبقى صامتا هكذا !"

امسك بكتفيها بقوة تخللت لعظامها الهشة وهو يدنو بوجهه امامها هامسا بروية وهدوء
"اهدئي يا ماسة ، وانا اعدك بأننا سنعلم بكل شيء ما ان نصل للمشفى"

نظرت له بتشتت زادت من غلالة عينيها المتسعة وهي تهمس بانشداه منفعل
"مشفى ؟ هل روميساء بالمشفى ؟"

عض على طرف شفتيه وهو يلعن نفسه مئة مرة عما تفوه به امامها ، ليشعر بعدها بارتخاء يديها بعيدا عن قميصه ناقضت توقعاته او هكذا يخيل له ؟ وهو يحدق بسكونها المريب وكفها تمسح تلقائيا على خديها الحمراوين بقوة من حبس الدموع ، قبل ان توجه له نظرات باردة اكتسحت محياها بلحظة وهي تهمس بخفوت محتد بجوف روحها
"لن اسامح ايً منكم إذا اصاب مكروه شقيقتي ، سمعتم يا عائلة الفكهاني !"

ارتفع حاجبيه باستهجان وهو يتابع التي غادرت من امامه بلمح البصر بعد ان ألقت برسالتها الغامضة تلك والتي تحمل الكثير ، ليكور قبضته بلحظة وهو يضرب جبينه باجتياح استبد به وبعد ان ضاق الوضع به مجددا ، وها هو يحاصر بعقبة جديدة مجهولة المصدر والمصير عليه إيجاد حل لها والتخلص منها قبل ان تنفذ تهديدها ابنة الفاروق المجنونة !

نهاية الفصل يا حلوين وبانتظار آرائكم بفارغ الصبر....


روز علي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة

الانتقال السريع


الساعة الآن 11:31 PM



Powered by vBulletin®
Copyright ©2000 - 2022, vBulletin Solutions, Inc.