آخر 10 مشاركات
توباز(140)للكاتبة:Lynne Graham (الجزء4من سلسلة الأخوات مارشال)كاملة+روابط (الكاتـب : Gege86 - )           »          رسائل من سراب (6) *مميزة و مكتملة*.. سلسلة للعشق فصول !! (الكاتـب : blue me - )           »          الأسيرة العذراء (128) للكاتبة: Sarah Morgan كــــاملة *تم إضافة الروابط* (الكاتـب : salmanlina - )           »          تراتيل الماضي ـ ج1 سلسلة والعمر يحكي - قلوب زائرة - بقلمي: راندا عادل*كاملة&الرابط* (الكاتـب : راندا عادل - )           »          وانطوت صفحة الهوى (1) .. سلسلة قصاصات مبعثرة من دفاتر عشق (الكاتـب : مروة سالم - )           »          همسات عاشق * مميزة ومكتملة * (الكاتـب : نسمة صيف 1 - )           »          طلب مساعدة لاشراف وحي الاعضاء (نرجو وضع تنبيه بنزول الفصول الجديدة للروايات) (الكاتـب : قصص من وحي الاعضاء - )           »          رواية كنتِ أنتِ.. وأنتِ لما تكوني أنتِ ما هو عادي (الكاتـب : غِيْــمّ ~ - )           »          الجبلي .. *مميزة ومكتملة* رواية بقلم الكاتبة ضي الشمس (فعاليات رمضان 1436) (الكاتـب : قصص من وحي الاعضاء - )           »          رجل ليس لها (73) للكاتبة: كارول مورتيمور .. كاملة .. (الكاتـب : cutebabi - )


العودة   شبكة روايتي الثقافية > قسم الروايات > منتدى قصص من وحي الاعضاء > الروايات الطويلة المكتملة المنفردة ( وحي الأعضاء )

Like Tree1041Likes
إضافة رد
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 09-12-21, 10:50 PM   #231

ررررررر3

? العضوٌ?ھہ » 428035
?  التسِجيلٌ » Jul 2018
? مشَارَ?اتْي » 336
?  نُقآطِيْ » ررررررر3 is on a distinguished road
Icon16e Pdf


سلام
ما للرواية pdf؟


ررررررر3 غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 12-12-21, 04:22 PM   #232

ياسمين قطر

? العضوٌ?ھہ » 483312
?  التسِجيلٌ » Jan 2021
? مشَارَ?اتْي » 278
?  نُقآطِيْ » ياسمين قطر is on a distinguished road
افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة ررررررر3 مشاهدة المشاركة
سلام
ما للرواية pdf؟
وين فصل مبارح ؟
انشالله ما نستنى للسبت🥲🥲🥲


ياسمين قطر متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 13-12-21, 11:20 PM   #233

روز علي
 
الصورة الرمزية روز علي

? العضوٌ?ھہ » 478593
?  التسِجيلٌ » Sep 2020
? مشَارَ?اتْي » 421
?  نُقآطِيْ » روز علي is on a distinguished road
افتراضي

بعتذر بشدة من الجميع على فصل الاسبوع ويؤجل للسبت القادم ، وشكرا على تفهمكم ، دمتم بصحة جيدة وسعادة 🌹

روز علي متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 14-12-21, 02:48 AM   #234

اماني العل

? العضوٌ?ھہ » 493040
?  التسِجيلٌ » Sep 2021
? مشَارَ?اتْي » 27
?  نُقآطِيْ » اماني العل is on a distinguished road
افتراضي

المحتوى المخفي لايظهر

اماني العل غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 16-12-21, 03:05 PM   #235

اسراءخالد

? العضوٌ?ھہ » 476837
?  التسِجيلٌ » Aug 2020
? مشَارَ?اتْي » 111
?  نُقآطِيْ » اسراءخالد is on a distinguished road
افتراضي

تاةزءزوؤوووةةوووؤوؤووو

اسراءخالد غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 18-12-21, 10:30 PM   #236

روز علي
 
الصورة الرمزية روز علي

? العضوٌ?ھہ » 478593
?  التسِجيلٌ » Sep 2020
? مشَارَ?اتْي » 421
?  نُقآطِيْ » روز علي is on a distinguished road
افتراضي الفصل الثالث والثلاثون

الفصل الثالث والثلاثون........
كان يقود السيارة بهدوء تام طول طريق العودة بدون اي صوت سوى بعض اصوات ابواق السيارات من حولهما قاطعة رحلة الصمت والتي اختلقوها بينهما ، حانت منه التفاتة نحو الجالسة بجواره وجهها للنافذة وظهرها مقابل له بسكون مريب عبث بأوتار اعصابه بطريقة مختلفة عن رحلة الصمت بذهابهما ، وهو اكثر شيء اصبح يكرهه بحياته مؤخرا هو محاولة قراءة صمتها والذي تتقن كتمانه بطريقة لا تستطيع على اكبر الخبراء فك رموزه المعقدة ! وهذا الأمر هو الذي يحيل دائما بتقدم علاقتهما والتي لا تكد تتقدم قليلا حتى تعود للرجوع للوراء !

قطب جبينه وهو يلمح قبضتها تضرب على ركبتها بحركة رتيبة تبين مدى التوتر الذي تعايشه بهذه اللحظات ، فهي رغم تمثيلها الجمود والثبات بدور الفتاة الصلبة والتي لا تسمح لشيء بالتأثير عليها فقد نسيت بأنه لم يغفل عن الارتجاف الذي داهمها بلحظة اخبارها عن تواجد شقيقتها بالمشفى والذي ظهر باهتزاز تلك الاحداق الزرقاء بجنون ، وهو ما جعله يجزم بأنها تكاد تموت من الخوف لمعرفة اي شيء عنها من نظرة واحدة لتلك العينين الغائمتين ببحر احزانها واللتين لا تستطيع السيطرة على مشاعرهما الثائرة !

رفع يده بهدوء وهو يقبض بلحظة على قبضتها المتصلبة بقوة نخرت مفاصلها بدون ان يسمح لها بتحريرها بممانعة واضحة منها ، لتسكن بعدها للحظات وهي تعود لهدوئها بدون ان تصدر ممانعة اخرى سرعان ما ستخبو بصميم روحها الباردة ، ليتنفس عندها الصعداء وهو يعود للقيادة بتركيز اكبر بدون اي مشتتات منها او قلق عليها .

بعد عدة دقائق كان يوقف السيارة امام بناء المستشفى الحديث ليفلت عندها قبضتها على مضض ما ان احتاج لكلتا يديه بمهمة ايقاف السيارة بالشكل الصحيح ، ولم يكد ينتهي من ايقاف السيارة حتى خرجت الجالسة بجواره باندفاع وهي تنطلق بعيدا عنه باتجاه مدخل المشفى ، ليزفر بعدها انفاسه بغيظ وهو يحك جبينه بقوة من كل شيء يتعرض له ، وبلحظات كان يلحق بها على نفس المسار الذي كانت تسير به ، وما ان اصبح بداخل بهو المشفى حتى كاد يهتف باسمها وهو يلمحها تكمل طريقها بعيدا عنه ، ليتوقف بآخر لحظة ما ان غيرت مسارها فجأة باتجاه مكتب الاستقبال القريب من المدخل ، لتجري بعدها حديث سريع مع رئيسة الاستقبال لم يدم سوى لثواني قبل ان ترحل بعيدا عنها باتجاه السلالم المؤدية للطوابق العليا .

ابتسم بميلان حفر بتقاسيم ملامحه وهو يقول بخفوت مرتخي
"يبدو بأنها ما تزال بعقلها بعد كل شيء"

ليعض بعدها على طرف شفتيه بضيق وهو يلمحها تصعد السلالم عوضا عن المصعد ليهمس بلحظة ببؤس
"ولكنها ما تزال حمقاء بعقل نملة !"

وصلت (ماسة) للطابق المطلوب وهي تسير بالممر الطويل بخطوات سريعة متجاوزة كل ما قد يؤخرها عن الوصول ، وهي تشعر بالطريق تمتد امامها بدون ان يظهر لها وجهة نهايتها شبيه بحياتها المفتوحة مجهولة النهاية والمصير ، حتى لمحت بنهاية الرواق من دفعها لتسرع بخطواتها اقرب للجري وهي تنطلق نحوه مباشرة ، وما هي ألا لحظة حتى انقضت عليه بلمح البصر وهي تمسك بياقة قميصه بكلتا يديها صارخة به بعصبية مفرطة اصبحت تتشبه بعصبية والدتها
"اين هي روميساء ؟ ماذا فعلت بها ؟ ألم تكن امانة بعنقك ! كيف تتجرأ على تعريضها لكل هذا ؟"

امسك بيديها الذي افاق من صدمته من هجومها الضاري وهو يحاول تهدئة ثورة غضبها هامسا برفق اقرب للترجي
"اهدئي يا ماسة ، فكل هذه العصبية الآن لن تجدي نفعا ، صدقيني لا شيء سيساعدها اكثر من الدعم المعنوي والمساندة بمثل حالتها....."

قطعت سير كلامه بهجوم اكبر وهي تهز ياقة قميصه بدون ان تجدي طريقته معها وهي تصرخ بنفس الغضب الهائج الذي تحول لاهتزاز لا إرادي
"ماذا تعني بهذا الكلام يا احمد الفكهاني ؟ هل حدث مكروه لها او للطفل ؟ كيف وصلت للمشفى ! تكلم ماذا حدث لها بغيابي ؟"

تجمدت يديه فوق قبضتيها بتسمر على ذكر امر الطفل حتى مرت سحابة داكنة طافت فوق ملامحه للحظات غادرة ، لتشدد اكثر على ياقة قميصه برعشة خاطفة وهي تشعر بشيء مسنن يجثم فوق صدرها بقوة ، قبل ان تزيد من ضغط اسنانها على طرف شفتيها ومن تسارع انفاسها وهي تهمس بلحظة بوجوم حاقد لون مقلتيها بدموع القهر
"لقد حدث مكروه للطفل صحيح ؟ وانت لا تستطيع الكلام لأنك عاجز عن مواجهة حقيقة فعلتك !"

قابلت الصمت التام من جهته وهو ما دفعها بثواني للصراخ بتهدج وهي تهز ياقة قميصه بهستيرية الغضب
"لا تبقى صامتا هكذا ! تكلم هل كلامي صحيح ؟ هل انت المتسبب بحالتها ؟ تكلم....."

انتفض وهو يمسك بذراعيها ليبعدها عنه بالقوة قائلا بغضب فقد زمامه بلحظة جنون
"كفى يا ماسة ! توقفي عن لومي ! فأنا لم افعل اي شيء لتلوميني هكذا"

سكنت بمكانها ما ان قصف صوت آخر بنبرة جليدية
"احمد اترك ماسة الآن"

ارتجفت قبضتيه فوق ذراعيها لوهلة قبل ان يفلتها بسرعة ما ان تدارك نفسه ، ليمسد بعدها على جبينه بارتباك وهو يشيح بوجهه جانبا هامسا بهدوء متوتر
"اعتذر ، يبدو بأنني قد فقدت اعصابي قليلا"

تلبدت ملامحها ببرود حاقد وهي تمسح على ذراعيها بارتجاف طغى على مفاصلها ، لتلتفت من فورها بتأهب باتجاه باب الغرفة والذي فُتح بلحظة لتخرج منه الممرضة المسؤولة عن حالتها ، ولم تشعر بعدها بنفسها وهي تخطو نحوها بخطوتين لتعيق طريقها وهي تمسك بذراعها بحركة مفاجئة لتهمس لها بجدية يشوبها بعض الخوف
"ماذا حدث لروميساء الفاروق ؟ وهل هي والطفل بخير ؟"

اومأت الممرضة برأسها بتوجس وهي تحاول التكلم بعملية جادة
"اجل يا آنستي روميساء الفاروق قد اصبحت الآن بحالة مستقرة وستستطيع استعادة وعيها بغضون دقائق ، ولكنها للأسف قد اجهضت الطفل بسبب حالتها الحرجة والتي وصلت بها للمشفى ، وحمد الله على سلامتها"

اضطربت ملامحها بغمامة ظهرت على تقاطيع بشرة وجهها الجليدية وهي تلتقط المقطع الثاني من كلامها هامسة بارتعاش عابس
"الطفل قد رحل !"

عقدت حاجبيها بتوجس اكبر وهي تربت بكفها على كتفها هامسة بمواساة وكأنها تتعامل مع مريض
"لا بأس يا آنستي ، فأنا متأكدة بأن الله رزقه كبير وسيعوضها بغيره الكثير"

ارتمت كفها بجانب جسدها بسكون هيمن على كيانها بخواء توسع بمحيطها بلحظات ، لتنسحب بعدها الممرضة من امامها وهي تكرر على اسماعهم نفس العبارة العملية
"حمد لله على سلامتها"

بينما الشخص الثاني الذي صدم بالخبر كان يوقف الممرضة وهو يقول لها بهدوء جاد
"هل نستطيع رؤيتها الآن ؟"

حركت الممرضة رأسها بالنفي وهي تقول بحزم
"لا عليكم الانتظار حتى تستعيد وعيها بالكامل ويسمح لكم بالدخول ، غير هذا لا استطيع مساعدتكم"

اومأ برأسه بتفهم وهو يراها تغادر بعيدا عنهم ، ليوجه بعدها نظراته لشقيقه الهادئ بدون اي انفعال او لمحة تدل على وجوده معهم قبل ان يتنحنح بجمود وهو يقول بهدوء جاد
"هلا اخبرتنا ما حدث مع زوجة شقيقي ؟ وكيف وصلت للمشفى ؟"

اخذ عدة لحظات قبل ان يقول بجمود باهت
"لقد اخبروني بالمنزل بأنها قد وقعت على اول درجات السلم وغابت عن الوعي ، ولا اعلم حقا كيف حدث هذا معها فقد وجدوها ملقاة على اول درجات السلم بعد فوات الآوان !"

تغضن جبينه بارتباك وهو يشعر بأجواء خانقة اصبحت تحوم حول ثلاثتهم بمشاعر مفرغة ، ليقول بعدها مجددا بلحظات بحاجبين معقودين بتفكير واجم
"واين كنت بذلك الوقت يا احمد ؟ أليس اليوم عطلة عن العمل ؟"

قبض على يديه بقوة المشاعر المتضاربة بجوف روحه وهو يجيبه بهدوء بارد
"لقد كان لدي عمل طارئ اليوم واضطررت لمغادرة المنزل من الصباح الباكر"

شحنت الاجواء بينهم ببرودة المكان الساكنين به للحظات فاصلة ، وهي كل ما احتاج من صاحبة الملامح الجليدية والتي كانت تعصر قبضتيها لتصقل بها سطح روحها الثائرة ، لتعود بثواني للانقضاض السابق على نفس الشخص وقبل ان تدركه كان الآخر يكبل ذراعيها من الخلف بدون ان يسمح لها بالوصول له ، لتحاول عندها الرفس والمقاومة وهي تصرخ بجنون محدق استبد بها بثورة متوحشة
"لن اسامحك يا ابن الفكهاني ، لن اسامحك على تعريضها لكل هذا الاذى ، لقد كانت امانة بعنقك ، كيف تجرؤ على الافراط بها وبالطفل الذي كان من المفترض ان يكون بداية سعادتها ؟ وكله من اجل الذهاب لعملك تركتها تعاني كل هذا الاذى !"

قاطعها بغضب الذي كان يشدد على ذراعيها بضراوة وهي تكاد تفلت منه صارخا بها بحزم
"توقفي عن هذا يا ماسة ، وألا سنطرد من المشفى إذا بقيتِ على هذا الغباء !"

لكنها لم تصغي له وهي تصم اذنيها عن سماع صوته مقاومة تقييده لذراعيها صارخة بالواقف امامها بشراسة دموية برزت الدموع الندية بمقلتيها الواسعتين
"لقد كانت سعيدة ، كانت سعيدة بذلك الطفل ، ما كان عليك ان تدمر تلك السعادة ! فهي قد عانت كثيرا من قبل وتستحق ان تحصل على تلك السعادة ، لما لم تحاول الحفاظ على سعادتها اكثر ؟ لما عليكم ان تكونوا دائما سبب كل اذى ومعاناة لنا بالحياة ؟ إذا لم تكن بقدر هذا الحمل ما كان عليك منذ البداية ان ترتبط بها وتعيشها بكل تلك السعادة ؟!"

صرخ (شادي) بقوة اكبر وهو يكبل كتفيها هذه المرة بذراعيه خدرت اطرافها المنتفضة بذبذبات غضبها التي خرجت عن السيطرة
"اخرسي يا ماسة ! ألم تسمعي ما اقول ؟ احمد ليس له علاقة بما حدث مع روميساء ، فهو كان خارج المنزل ولم يكن يعلم بأن كل هذا سيحدث معها"

تنفست بارتعاش وهي تنفخ على خصلات شعرها الطويلة بثورة لم تخبو ولو قليلا ، لينطق بعدها الواقف امامهما بعد صمت دام طويلا وهو يقول بهدوء جاد بدون اي حياة
"انتِ على حق بكلامكِ ، يبدو بأنني بالفعل لم اكن بقدر هذا الحمل بحماية زوجتي وطفلها ، حتى ضاع منا الطفل والذي لم يكد يظهر بحياتنا سوى من ايام قليلة ، وبدل ان اهتم بها بشكل اكبر واكون بجانبها بتلك اللحظات المهمة تخليت عنها ورحلت للعمل بأكثر فترة احتاجتني بها حتى فقدنا بالنهاية طفلنا بدون ان اكون معها"

هدئت الاجواء بينهم لثواني على وقع كلماته الباردة مثل وصمة ألم طبعت بداخل كل منهم ، ليقول (شادي) من فوره بملامح صارمة بعتاب
"ما هذا الذي تتفوه به يا احمد ؟ هل هذا الكلام يخرج منك حقا ! انت تعلم جيدا بأن هذا هو قدرها ولم يكتب للطفل عمر ليعيش به وكان عليه ان يرحل باكرا كما هو مقدر له ، لذا عليك ان تدعو ربك ان يرزقك غيره بدل هذا اللوم الفارغ"

رفع (احمد) رأسه بهدوء نحوهما وهو يبتسم ببرود مريب هامسا بشرود خاوي
"ولكني بكل الأحوال ملام لأني لم اكن بجانبها عندما احتاجتني ، فلو بقيت معها اليوم كما هو مخطط او اجبت طلبها بسرعة لكان موت الطفل اخف وقع عليها عندما اشاركها حزنها بتلك اللحظات بدل ان تتجرعها وحدها ، يعني تركها وحدها كان اشد قسوة من موت الطفل نفسه !"

غيم الصمت على ثلاثتهم بدوامة هالكة سوداء ابتلعت اصواتهم ، لم يخرج بعدها من الصمت سوى الذي استدار بعيدا عنهم وهو يهمس بخفوت ثابت
"سأخرج قليلا ، فأنا احتاج بشدة لاستنشاق الهواء"

غادر بعدها على طول الممر بدون ان يسمع اي رد منهما ، لينتفض بعدها الجسد الساكن بمكانه بمبادرة للتحرر وهي تهمس بفحيح خافت بعد ان غاب عنها الغضب
"اتركني ارجوك"

تنفس فوق رأسها بهدوء لوهلة قبل ان يرخي ذراعيه من حولها بصمت ليخفض باللحظة التالية قيوده عنها بثواني ، تحركت من امامه وهي تنفض شعرها الفوضوي بعيدا عن كتفيها حتى ضربت بعض الخصلات وجهه ، لتقف بعدها امام باب الغرفة التي تقبع بها شقيقتها بسكون احتجز عالمها ، وبلحظة كانت تريح جبينها فوق إطار الباب البارد بصمت وهي تنشج بأنفاس مضطربة ازدادت تخبطا بخلجات روحها حتى تحولت لأنين خافت غير مسموع مثل الطنين بأذنيها بلسعة الألم .

ابتلعت انفاسها برجفة غادرة ما ان شعرت بملمس الكف الدافئة وهي تمسح على رأسها بهدوء اخترقت هالة صمتها المحتجزة بأنين جروحها ، لتتمسك بكفيها بإطار الباب بقوة وهي تهمس من بين انفاسها المتسارعة بمرارة بالغة
"لقد كانت دائما بجواري بكل لحظات حياتي ، وعندما احتاجتني لم اكن بجوارها ، اتمنى لو استطيع يوما ان اكون مثلها وافعل كما تفعل معي ، ولكني دائما هكذا ضعيفة بائسة !"

اغمضت عينيها بقوة وهي تعصر جفنيها بحرقة ابت ان تتركها وهي تخرج على شكل دمعة صغيرة تحررت من اسوار مقلتيها لتروي جفاف محياها ، والواقف بجوارها ما يزال يربت على رأسها برفق وهو يمسح على شعرها بدون ان يقدم لها اكثر من هذا وهو اقصى ما كان يستطيع ان يفعله بحياته وكما كانت تفعل معه سابقا زوجة والده الراحلة بكل مراحل سنوات عمره .

______________________________
كانت جالسة على مقاعد الانتظار بسكون وهي تنظر امامها بدون اي حياة تحجرت معها الدموع بمقلتيها الغائمتين بزرقة داكنة لم يخفى عنها لمحة الحزن الجديدة والتي اسرتها ، لتتنفس بعدها بهدوء ظاهري زاد من تخبطات قلبها النابض بقفصها الصدري بقوة وهي تقبض على يديها فوق ركبتيها ببرودة نخرت مفاصلها وسكنت هناك ، وكل هذه الصراعات كانت تحيط بعقلها الباطن وهي تنظر امامها مباشرة باتجاه باب الغرفة الجامد بدون ان تحيد عنه للحظة بحرب عتيدة بينهما .

اتسعت عينيها بانقباض غريزي ما ان فُتح باب الغرفة امام انظارهم المترقبة بانتظار ، لتخرج منه الممرضة ذاتها وهي تتنقل بنظرها بين ثلاثتهم لوهلة قبل ان تومأ برأسها بابتسامة هادئة وهي تقول بعملية
"يمكنكم رؤيتها الآن فقد اصبحت حالتها مستقرة وقد استعادة جزء من وعيها ، ولكن لا يسمح سوى بدخول فرد واحد لها كل مرة ويكون من اقرب الاشخاص لها"

نهضت (ماسة) من فورها وهي تنوي المبادرة بالدخول اولاً قبل ان يسبقها الذي قال بصوت جهوري نافذ
"انا سأدخل لها اولاً فهي تكون زوجتي وانا اقرب الاشخاص لها ، لذا هل تسمحين لي ؟"

التفتت نحوه بلمح البصر وهي تزم شفتيها بامتعاض هامسة من بينهما ببوادر الغضب الذي لم يخمد بعد
"ومن سمح لك بأن تقرر من تلقاء نفسك بأنك من اقرب الاشخاص لها ويسمح لك بالدخول ! هل تظن بأن الامر سيكون بكل هذه البساطة الدخول لها وفعل ما تشاء بها لأنها فقط زوجتك ؟ انت عليك ان تكون آخر شخص يسمح له بالدخول لها !"

نظر لها للحظات صامتة بدون اي تعبير يعلو ملامحه وهو يكرر كلامه قائلا بتشديد
"ومع ذلك انا الذي سأدخل لها اولاً وليس احد آخر !"

عبست ملامحها باستهجان وهي تصرخ من فورها بفورة
"انت ألم تسمع ما قلته لك للتو !......"

قاطعها الذي شدد على ذراعها بلحظة وهو يهمس برفق منخفض
"يكفي يا ماسة ، فأنتِ ستحصلين على دوركِ برؤيتها بعد احمد ، لذا لا تعجلي من نصيبك واتركي احمد يدخل لها اولاً"

ضيقت عينيها بقسوة وهي تشيح بوجهها جانبا بعيدا عنه بدون كلام آخر ، وهو ما اعطاه الفرصة ليقول لشقيقه بابتسامة جادة باتزان
"يمكنك الدخول لها الآن يا احمد"

تدخلت الممرضة بعد ان مللت من انتظار انتهاء حديثهم بالقتال على الدور قائلة بجدية
"ولكن لا تنسوا لديكم فقط عشر دقائق مهلة لرؤيتها لأنها ما تزال تحتاج للراحة وليس من الجيد ان تتعرض للضغط او التعب"

اومأ برأسه بجمود وهو يتقدم بعيدا عنهم باتجاه باب الغرفة والتي تحمل بداخلها كل شيء يخصه بالحياة وكل هاجس حلم بها من لحظات ، ليمسك بعدها بمقبض الباب بقوة وهو يدفعه بكل قوة خائرة اضمحلت على مدار الساعات الفائتة لتبقي له فقط جسد فارغ بعقل بعيد وقلب توقف عن النبض .

تسمرت عضلاته بالكامل بتصلب ارتسم على محياه بلحظة وهو يدلف للغرفة بخطوات بطيئة بتثاقل بدأ يتعب قدميه....ليوزع بعدها نظراته بالمكان بضياع مشتت غاب عنه المنطق والعقل باحثا عن طريقه وملاذه بأرضه الوسيعة مثل التائه بطرق الحياة المفترقة والذي اضاع اغلى ما يملك من بين يديه بلحظة غفلة غادرة...قبل ان تفلت منه زفرة مرتجفة شعر بها تخرج من صميم فؤاده المتهدج بألم وهو يلتقطها اخيرا جالسة فوق السرير بسكون هادئ ورأسها متجه للجهة الاخرى المقابل للنافذة بدون ان تظهر منها شيء...وهو يتأمل هيئتها الجانبية والتي كانت بمثابة الحياة بالنسبة له وهي ترسمها بلوحتها الحزينة التي تنبض بها بشعرها الاسود الطويل المتحرر على طول كتفيها وصولا لخصرها لينسدل بالنهاية فوق ملاءة السرير...ويديها الصغيرتين مضمومتين معا عند حجرها برقة مع موصل غذائي رفيع مرتبط بمعصم كفها الايمن ليتتبع مساره للحظات والذي يوصل للعبوة المعلقة بجانب الاسطوانة الطويلة بجوار السرير ليبث لها مكونات حيوية وطاقة لتمدها بجسدها الضعيف .

ابتلع ريقه بثبات وهو يتقدم نحوها عدة خطوات اخرى وبذات اللحظة يستغل الفرصة للشبع من صورتها الجديدة وهو يحاول الوصول بشتى الطرق لتعابير محياها او شحوب ملامحها او خضار احداقها الزاهية وكل ما تاق له بشدة وقتله الشوق لتذوقه ، وما ان اصبح على مقربة من سريرها حتى تنحنح قليلا وهو يجلي صوته والذي خانه من الفرحة الوليدة من مرآها امامه بكامل صحتها وهو يهمس بقدر ما يستطيع من خفوت اجش مبتسم
"كيف حالكِ يا روميساء ؟ هل تشعرين بأنكِ افضل الآن ؟"

تشنجت ابتسامته لوهلة ما ان قابل الصمت التام منها وكأنها لم تسمعه ، ليتنفس بعدها بقوة اكبر وهو يمسد على جبينه لثواني قبل ان يعود للكلام وهو يتمتم بمرح مرتبك
"أتعلمين بأنكِ اكبر ظالمة ! لقد اثرتِ قلق الجميع عليكِ حتى كدنا نتقاتل مع طاقم الاطباء فقط من اجل رؤيتكِ والاطمئنان عليكِ ، فأنتِ إذا لم تكوني تعلمي مهمة جدا بحياتنا يا روميساء واكثر مما تتصورين !"

خرجت عن صمتها الساكنة بمكانها وهي تهمس ببرود مريب
"انا اعتذر"

اضطربت ملامحه وهو يقطب جبينه بتصلب لوهلة ليقول بعدها برفق جاد
"لا يا روميساء ! لا داعي للاعتذار على شيء ! فقط كنت امزح معكِ لأبدل الحزن عنكِ يا عزيزتي والذي لا يليق بكِ ابدا......"

قاطعته بنفس الهدوء البارد وهي تشدد على يديها المضمومتين بانقباض
"لم اكن اعتذر على هذا ، بل اعتذرت عن الذي تسببت به لطفلنا وانعدام مسؤوليتي بحمايته ورعايته بالشكل الصحيح ، انا اعتذر يا احمد"

عقد حاجبيه بضيق وهو يتمتم بعبوس واجم
"ما هذا الكلام الغريب الذي تنطقين به يا روميساء ؟ انا لم اطلب منكِ اي اعتذار على هذا ! وايضا هذا هو القدر المكتوب للطفل فقد كتب له الرحيل قبل ان يولد ، وبإذن الله ربنا سيرزق لنا ويبعث غيره الكثير"

مرت لحظات صمت قصيرة قبل ان تعود للهمس بخفوت مرتجف مع غصة حزن واضحة
"ولكنه فرحتنا الاولى يا احمد وثمرة حبنا والتي كادت ان تخرج للحياة ! كيف تريدني ان اتجاهل او ان اتناسى مثل هذا الأمر ؟ لقد كان من المفترض ان يكون التعويض عن كل ما لاقيناه بعلاقتنا وعن كل ما لاقيته بحياتي ! ولكني بكل غباء قد افرطت بهذه الهدية الغالية والتي لن يستطيع اي شيء بالعالم تعويض خسارتها"

غيم الصمت بينهما للحظات اطول قبل ان يقطعه قائلا بحزم جامد
"كفي عن هذه السخافات يا روميساء ، فكل شيء قد حدث وانتهى ، وليس بيدنا فعل شيء ، المهم عندنا هي سلامتك وعودتك لنا بصحة كاملة فهو اكثر ما يهمنا الآن"

شددت اكثر على قبضتيها برجفة مريرة وهي تهمس ببحة الحزن وكأنها تكلم نفسها بدون ان تسمع اي صوت آخر
"اعتذر حقا يا احمد ، لقد قتلت حبنا بذلك الطفل وخذلت الجميع بعدم حفاظي على الامانة ، سيكرهني الجميع الآن لأنني لم احافظ على اول طفل للعائلة ، سيكرهني خالي محراب لأني قد افرطت بأول حفيد له بالعائلة وهو لم يكد اصبح يحبني ، انا لست بقدر هذه المسؤولية لأحمل طفل معي قد يعاني بسبب استهتاري واهمالي....."

امسك بكتفها بقوة وهو يقول بصرامة قاطعة بعد ان ضاق ذرعا من سماع هذيانها
"اصمتِ يا روميساء ، انتِ لست الوحيدة المذنبة بكل هذا ، فأنا احمل جزء من الذنب كذلك لأني لم اكن معكِ بتلك اللحظات وتخليت عنكِ بسبيل اللحاق بالعمل ، لو فقط كنت متواجد معكِ لتغيرت امور كثيرة بتلك اللحظة الفاصلة من خسارة كل شيء !"

انتصبت بمكانها لوهلة قبل ان تلتفت نحوه لأول مرة وهي تنظر له مباشرة هامسة بابتسامة صغيرة بضعف
"لقد كنت وحيدة يا احمد ، وكم احتجتك بجواري !"

تجمدت ملامحه بتشنج وهو ينظر لإمارات الاسى التي تعلو تقاسيم ملامحها الشاحبة باحمرار طفيف شكل ظلال حول عينيها الخضراوين واللتين لم ينطفئ بريقهما فحسب بل فقدتا لونهما النادر الزاهي لتتحولا للون اخضر قاحل قريب من الابيض الشاحب كما عرفها ولمحها بأول ايامها بينهم ، ليخفض بعدها يده عن كتفها ببطء وهو يشيح بوجهه جانبا محاولا السيطرة على الانفعال المتدفق بداخله مثل فوهة بركان ثائر ليقول بلحظة بجمود مضطرب
"انا ، انا اعتذر يا روميساء ، لم اكن اعلم....."

قاطعته من فورها وهي تعود بنظرها للنافذة وكأن شيء لم يكن هامسة بشرود خافت
"لا بأس يا احمد ، ليس هناك داعي للتبرير ، فأنا اتفهمك تماما واقدر ظرفك والذي دفعك للانشغال عني ، انا فقط اصبحت اكثر حساسية وتأثرا لأنني كنت وحيدة بتلك اللحظات ولم يكن هناك احد بجواري ليساندني او ينقذني"

ارتفع حاجبيه بوجوم وهو ينظر لها قد عادت لشرودها السابق متجاهلة وجوده تماما ، ليحاول بعدها الكلام مجددا قبل ان تسبقه صاحبة الصوت البارد وهي تهمس بخفوت
"اريد البقاء لوحدي يا احمد ، لذا رجاءً هلا خرجت ؟"

اتسعت عينيه بدهشة لحظية وهو يسمع نبرتها الباردة وهي تطرده بكل بساطة ، وبدون ان تعطيه الفرصة للكلام تدخل صوت آخر من خلفه يقول بنفس النبرة الباردة مع موجة غضب عارمة
"ألم تسمع ما قالته لك ؟ لقد قالت لك اخرج"

تجهمت ملامحه وهو يستدير نحو الواقفة فوق رأسه لا تريد تركه وشأنه وهي تحشر نفسها بكل شيء يخص زوجته ، ليحاول بعدها تمالك اعصابه قائلا بجدية صارمة
"ما لذي تفعلينه يا ماسة ؟ ألم تخبركِ الممرضة ان تنتظري حتى يأتي دورك !"

تقدمت امامه بخطوات واثقة قبل ان تقف مقابلة له تماما وهي تهمس بخفوت ساخر
"وألم تخبرك الممرضة بأن مدة رؤية المريضة فقط عشر دقائق ! وانت قد انهيت مهلتك بالفعل ، لذا رجاءً هلا تركت وقت لغيرك بهذه الزيارة فهذا الذي تأخذه دوري انا !"

قبض على يديه وهو يطبق على اسنانه بقسوة ليهمس بعدها بوجوم ساخط
"لم انتبه للوقت جيدا ، لذا هلا تركتني بعض الوقت معها ؟ فأنا احتاج للتكلم....."

قطعت كلامه بقسوة صارمة وهي تلوح بذراعها جانبا تدعوه للخروج
"لقد اخبرتك بأن مهلتك قد انتهت ، ونحن لا نريد ان نخالف قوانين الممرضة من اجل صحة شقيقتي ، فأنا ارى بأن محاولاتك كلها لن تجدي نفعا معها فقد رأيت بوضوح نتيجة محادثتك معها يا سيد احمد ، والآن اخرج رجاءً"

زفر انفاسه باقتضاب وهو يحيد بنظراته للساكنة بمكانها بدون اي ردة فعل وهي تعود لوجودها الحاضر الغائب ، لينظر بعدها للواقفة امامه والتي كانت تشير بذراعها باتجاه الباب بدون ان تتزحزح من مكانها وبدون ان تأبه بفارق العمر الكبير بينهما ، تحركت قدميه على مضض وهو يغادر من الغرفة بأكملها بدون ان ينسى ان يلقي نظرة اخيرة متحسرة على زوجته الشاردة والتي لم يطمئن للآن لوضع حالتها جيدا والتي تظهر تدهور كبير بصحتها النفسية والمعنوية .

تنفست (ماسة) ببرود وهي توجه نظراتها للشاردة بالنافذة بحالة من الهدوء والذي يحيط بها بين مقتطفات حياتها عندما يتخلل بها حزنها وانكسارها من شيء ما يخص عالمها الحافل ، جلست بعدها على طرف السرير بجوارها وهي تهمس بخفوت قلق سيطر على غضبها المغمور بداخلها على مرأى شكل شقيقتها الحزين والذي لا يقارن برؤيتها امامها معافه سليمة
"روميساء كيف تشعرين الآن ؟ هل انتِ بخير ؟"

انتصبت رأسها وهي تديرها نحوها ببطء لتهمس بعدها بابتسامة مندهشة بوهن
"ماسة انتِ هنا ايضا ! كيف وصلتِ للمشفى ؟ واين اختفيتِ منذ الصباح الباكر ؟"

زمت شفتيها بارتجاف وهي تهمس باستياء حانق
"هذا ليس الوقت المناسب ولا المكان المناسب لتحقيقكِ يا روميساء ! انتِ التي عليكِ ان تخبريني كيف وصلتِ إلى هنا ؟ اريد ان اعرف كل شيء حدث بغيابي !"

ادارت عينيها الخضراوين بعيدا عنها وهي تهمس بخفوت مبتسم
"لم يحدث شيء اكثر مما تعرفينه !"

احتدت ملامحها وهي تهمس بعبوس غاضب
"هذا ليس جواب سؤالي يا روميساء !"

نظرت لها بحدقتيها الواسعتين للحظات قبل ان تشق ابتسامة باهتة محياها هامسة بأسى
"لقد فقدت الطفل يا ماسة ، كل الآمال والتي علقتها عليه واحلامي قد فقدتها كلها بغمضة عين وبدون ان اشعر بها حتى ، كما سلب مني الجميع سعادتي سابقا وعيش الحياة الهانئة بكنف عائلة تحبني عادوا وسلبوا مني سعادتي بالطفل ، لم اتمنى بحياتي شيء كما تمنيت ان يبقى معي فترة اطول ، اعلم بأنه من الجنون قول هذا ولكني تمنيت كثيرا لو حملته بين ذراعي او مسحت على شعره او شممت من رائحته الزكية لتكون لي ذكريات جميلة معه نصنعها سويا بكل يوم ودقيقة ! ولكن حتى بهذا قد بخلت عليّ جنية الامنيات ولم تحقق شيء من هذا ، يا لجنوني يبدو بأنني ما ازال أهلوس بألعاب وامنيات الطفولة....."

صمتت بارتجاف ما ان قطع هذيانها الصوت الصارخ ببكاء مكتوم وهي تضرب على السرير بقبضتيها بقوة
"كفى يا روميساء ، توقفي عن التكلم عن الطفل بهذه الطريقة وكأنه قد اصبح كل محور حياتكِ واساسها على حساب حياتكِ انتِ وصحتك ووجودك بالعالم ، فقد نسيت بأن هذا الطفل كاد ان يودي بحياتكِ ويجعلك تتركينها فقط بسبيل احضاره للكون ، فأنتِ قبل كل شيء عليكِ ان تفكري بالناس من حولك وبمشاعرهم المكنونة وبوجودكِ الاساسي بعالمهم ، فهذا الطفل مجرد جنين لم يدرك قيمة وجودكِ بعد وليس فتاة ضعيفة ما تزال تعتمد على وجودكِ معها والنور الاخير المتبقي لها بطريق حياتها ، ارجوك فكري بها اولاً قبل ان ترتكبي اي تهور آخر ، ارجوكِ يا روميساء"

رمشت بمقلتيها بارتعاش لحظي وهي تنظر لحالة شقيقتها الصغرى والتي تواجهها لأول مرة منذ فترة طويلة ، وهي تعلم جيدا بأن هذه الحالة لا تلازمها سوى عندما تشعر بالخطر المهدد بحياتها والذي يتشكل بالنسبة لها بخسارة فرد من المقربين لها وهي مجرد فترات قصيرة من الخوف والرهاب قبل ان تعود لما كانت عليه بالسابق لتتأقلم عندها مع الوضع الجديد وشعور الفقد والذي بدأ من وفاة والدتهما ، وبأحيان اخرى كانت تحدث معها بأوقات دوامها بالعمل والدراسة والتي كانت تضطرها للتأخر عن العودة لها والمبيت خارجا بمكان عملها ، وكانت قد ظنت بأنها قد تخلصت من تلك الحالة بآخر فترة لهما بمنزل زوج والدتهما بعد ان تأقلمت على وضعهما الراهن ولم تعد تبالي بوجودها معها !

رفعت كفها الموصل بها الانبوب المغذي بهدوء وهي تربت على رأسها المنخفض بكل حنان تملكه نحوها وبنفس الطريقة ذاتها والتي كانت تستخدمها معها على مدار سنوات من طفولتهما وهي تهمس لها برفق مرح
"يبدو بأنني قد تصرفت بقسوة معكِ عندما فضلت ذلك الطفل عليكِ ، ولكني اعدكِ بألا تتكرر مرة اخرى فلا احد يستطيع ان يحتل مكان بقلبي غيركِ انتِ ، لذا ارجو منكِ ان تعفي عني زلتي يا صغيرتي ، هل تصافينا الآن ؟"

هدئت انفاسها لوهلة قبل ان تهمس بخفوت خاوي بمرارة
"لقد خفت كثيرا ، خفت من خسارتكِ يا روميساء ، ارجوكِ لا اريد ان يحدث معي هذا مجددا"

امسكت بجانب وجهها وهي ترفعه برفق وما ان تقابلت عينيها الدامعة بعينيها الشاحبة حتى همست لها بابتسامة رقيقة بمودة
"لا تقلقي يا ماسة ، كل شيء سيكون بخير"

زمت شفتيها بشهيق مكتوم ودموعها تسيل فوق بشرتها الثلجية بغلالة اسرتها بعيدا ، لتهمس بعدها ببهوت ساخر وهي تطبق على اسنانها بشدة
"ما تزالين على نفس العادة ! مهما كان الوضع الذي نمر به دائما تقولين هذه العبارة ، مهما كان مدى الألم او الجرح الذي تعيشين به تقولين لي بكل بساطة كل شيء سيكون بخير ! ولكنه بالحقيقة لا شيء بخير ، فأنتِ تتألمين تحترقين على ابنك الذي مات جنينا بداخلك ولا تقولين تحبسينها وترسمين الابتسامة كما كنتِ تفعلين معي على الدوام ، أليس كذلك ؟"

سحبت يدها عن وجهها بصدمة دامت للحظة قبل ان تنفجر بالضحك إلا ارادي وهي تغطي فمها بكفها هامسة بتعجب مستاء
"يا إلهي حقا انتِ غريبة ! لقد كنتِ تتذمرين من لحظة بسبب حزني على ابني الراحل ، والآن تتذمرين لأني اخفي حزني بداخلي ولا اظهره لأحد ، حقا انتِ غريبة الاطوار يا ماسة !"

كانت تراقبها بهدوء وهي تسعل من فرط الضحك ليرتفع بعدها حاجبيها بانشداه بلحظة ما ان تحول الضحك لبكاء هستيري فقدت السيطرة عليه وهي تغطي وجهها بكفيها بشهيق منتفض بحدة مثل حالة الغريق الذي لا يستطيع العوم ، تنهدت ببطء لوهلة وهي تعانق كتفيها بذراعيها بقوة لتتركها تأخذ فرصتها بتفريغ الشحنات المحصورة بصميم روحها المشروخة بعد خسارة بذرة سعادتها والتي لم تستطع ان تنمو او التبرعم بمكان لم يخلق لها ، وهي تستمع لصوتها المتقطع ببحة البكاء بغصة ذبحت روحها
"لقد رحل يا ماسة ، لم استطع الحفاظ عليه ، لذا رحل وتركني ، هل اخطئت بالتفكير بحمل طفل تبين بأنه اكبر من مسؤوليتي ؟"

كانت تمسح بكفيها على ظهرها وشعرها برفق هامسة بحزن عميق شارد
"اعتذر على عدم مساعدتك عندما كنتِ تحتاجين لي ، اعتذر لأني لم استطع حمايتك والطفل كما وعدتك ، ولكن كل ما استطيع قوله لكِ الآن بأني اعدكِ بأن احميكِ بكل قوتي واكتشف المسبب الرئيسي بحالتك وحينها لن اتوانى عن تلقينه درسا لن ينساه بحياته كاملة ، وهذا وعد حقيقي مني"

يتبع...........


روز علي متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 18-12-21, 10:38 PM   #237

روز علي
 
الصورة الرمزية روز علي

? العضوٌ?ھہ » 478593
?  التسِجيلٌ » Sep 2020
? مشَارَ?اتْي » 421
?  نُقآطِيْ » روز علي is on a distinguished road
افتراضي

جلست على الاريكة بجانب النافذة وهي تشرد بالستائر المتطايرة من نسمات الهواء الموسمية والتي تتقلب بين كل ثانية بأجواء مختلفة حسب مزاج الطقس والذي لا تستطيع التكهن بالطقس الذي سيجلبه معه بالأيام القادمة....ونحن علينا فقط بالتأقلم معه ومجاراة التغيير الجديد بالأجواء القادمة مع الطقس بدون ان يكون لدينا رأي بقراراته او تصرفاته والتي تسير على جميع المخلوقات بالأرض والتي لا حول لها ولا قوة ولا حيلة لها بالمقاومة او الرفض...لأنها ببساطة حتى لو ابدت الرفض فهي غير مسموعة وكلامها سرعان ما سيتلاشى بالمكان مثل الحيوان المحجوز بقفص المبادئ والقوانين والتي حكمته لسنوات...وهذا كان حال حياتها الماضية بمنزل عائلتها والتي قيدت حركاتها وانفاسها منذ ولادتها لهذه اللحظة وهم يزرعون بها ذلك الخوف الغريزي من اختراق مجالهم والذي رحلت عنه وهربت ما ان فاض بها الكيل .

تنهدت بتعب وهي تكتف ذراعيها ببرودة نخرت عظامها من تحت سترتها الربيعية...لترفع بعدها ساقيها لفوق طرف الاريكة وهي تريح جبينها فوق ركبتها المنتصبة بصمت تام غيم على هوة حياتها المظلمة شبيه بسواد الليل الواسع المنتشر بالعالم الآن بوحدة موحشة غاب عنها ضوء القمر ورفيق دربها بالحياة .

لطالما شعرت بالوحدة القاتلة تحاصر حياتها بمنزل عائلتها الكبير والذي لا يقارن بمنزلها الآن بدون اي رفيق معها او قريب بسبب انها الابنة الوحيدة لوالديها...وكل المناسبات والحفلات والتي كانت تقام بعائلتها بين كل فترة واخرى والتي تجمع بها كل افراد وفروع العائلة النبيلة لم تستطع التآلف بها يوما او صنع العلاقات بها بسبب الفارق الكبير الذي كان يحجز العلاقة المبنية بينهما والتي تربطهم بها فقط المصالح لا اكثر....فهي لم تنسى يوما تلك النظرات المستنكرة من اصحاب المقام العالي والذي كانوا يحتلونه كبار العائلة بسبب نسب والدتها المتواضع والذي كان يجلب لها الكثير من النفور بمحيط غير مكانها....لذا لم يكن هناك اي رفيق بحياتها سوى المربية اللطيفة والتي اهتمت بها بطفولتها وصباها حتى اصبحت اقرب صديق لها بالمنزل وبمراحل حياتها المتقلبة...ولكن شاء القدر ان ترحل من حياتها بنهاية عمر الرابعة عشر مثل كل شيء جميل سرق من حياتها بسبب تغير مكان عملها بمنطقة اخرى بعيدا عنها ومن حينها لم تراها او تلمحها بحياتها مطلقا...وحتى رقم هاتفها قد مسح من جهازها بعد ان حرمت من هاتفها من وقت تلك المشكلة والتي دمرت كل كيان كانت تملكه بتلك العائلة .

اضطربت انفاسها بانفعال وهي تعانق ساقيها على ذكرى تلك المشكلة والتي دفعتها لفعل كل ما وصلت له الآن واضطرت عليه...الحقيقة حياتها كانت روتينية اقرب للنمطية قبل وفاة والدتها والتي تحولت من حينها لجحيم متدفق جعلها تتمنى الموت اكثر من مرة وخاصة بعد زواج والدها للمرة الثانية بمن تليق بمستواه والنقيض عن والدتها تماما...لتتشارك مع والدها بجعل حياتها بالخمس سنوات جحيم لا يطاق انهك كيانها واستنزف كل طاقتها ليحرموها من العيش بسلام مثل جميع البشر بالعالم...وكل ما اكتشفته بعدها بأن زوجة والدها تلك كانت تخطط منذ البداية للتخلص منها بالتعاون مع الحاقدين عليها بسبب عدم رضاهم بزواج والدها الأول والذي حدث رغم عن الجميع وكأنها جرثومة او لقيطة بالعائلة الافضل نزعها عنهم قبل ان تتكاثر...وآخر مشكلة سببت المعاناة الحقيقية لها عندما اتهمت بشرفها وبتهمة لم ترتكبها بحياتها وهي ما تزال ترى وجه والدها الصارم والذي تعلو ملامحه علامات الشرر المجنون وهو يقول بصوت هادئ مهيب بحكم مرتبته العالية
"ما هذا الذي اسمعه من الناس يا ميرا ! هل يخرج من ابنتي عائلة مونتريال مثل هذه التصرفات الشائنة والتي قد تودي بسمعتنا بالتراب ؟ هل لديكِ تفسير على هذا الكلام يا ميرا !"

تذكر جيدا موقفها امام الاتهام الباطل وهي تصرخ ببكاء بدفاع مستميت بالرغم من انها تعرف جيدا نتيجة كلامها
"كذب يا ابي ! اقسم لك بأن كل هذا كذب ! انا لم ارتكب اي شيء شائن قد يؤثر بسمعة عائلتنا ، حتى انني لا اعرف من ذلك الشاب الذي يتكلمون عنه وانا لم ألمحه ولم اقابله بحياتي ؟ انا لا اسمح لكم بأن تتهموني بذلك الاتهام الباطل بدون اي دليل يثبته !....."

اغمضت عينيها بقهر وهي ما تزال تسمع صوت الصفعة ترن بأذنيها والتي طبعت على وجنتها بقوة جمدتها بمكانها بثواني وهي تشعر بها مؤلمة اكثر من اي مرة سابقة صفعها بها وهي تصيبها بالصميم ، لتسمع بعدها كلماته القاسية والتي اصابت قلبها برصاصات طائشة وهو يصرخ بها ببوادر الغضب المجنون وهو يخرج كل القهر المكبوت بداخله ناحيتها
"تريدين دليل يا فاجرة ! وما هو تفسيركِ إذاً للرسائل والتي وصلت لهاتفك والصور والتي انتشرت على الصحف والقنوات ! ماذا تريدين ان تثبت بعد ان وضعتي رأسي بالوحل وكل سلالة عائلتك ؟ ولا اعلم ايضا إذا كان هناك المزيد من الخفايا وراء علاقتك المحرمة بذلك الشاب اللقيط ! لماذا فعلتِ هذا ؟ لماذا يا لعينة ؟"

نقلت نظراتها باهتزاز ناحية الواقفة بجواره وسبب الكوارث بحياتها وهي تقول له برقة الافعى والتي تزرع سمها بضحيتها ليصبح طوع امرها ورهن إشارتها
"اهدئ يا عزيزي فكل ما تفعله معها لن يفيد بشيء بعد ان انتشرت الفضيحة وانتهى ، انا ارى بأن الحل الوحيد هو عقد قرانها بذلك الشاب والذي سيزيل الفضيحة عن العائلة ويطمرها بعيدا وكأن شيء لم يكن ، وهذا افضل حل نملكه بالوقت الراهن وبعدها نفكر بالأمور الاخرى التي تخص اتمام زواجها ، فهو بالنهاية اختيارها هي واكيد يتناسب مع مستواها الرخيص"

ابتلعت ريقها بتعثر مرتعب وهي تشعر بقلبها ينشق لنصفين ما ان قال والدها قراره النهائي بحقها والذي كان اقسى من جلد السوط نفسه
"حسنا اسمعوا جميعا قراري النهائي ، نحن سنعقد قران هذه الفاجرة على ذلك الشاب بغضون اسبوع وبالأسبوع الذي يليها ستحلق بأول طائرة لبلد آخر ، فأنا من هذه اللحظة قد سحبت مسؤوليتي كاملة منها ولم اعد اعترف بها ابنة لهذه العائلة والتي لطخت سمعتها ودنستها بفعلتها الحقيرة ، وإذا حاولت العودة او لمحت وجهها بحياتي فلن تتوقع عندها ما سأفعله بها حينها واجرم به ، سمعتِ يا فاجرة !"

شهقت بارتعاش بدون صوت وهي تنشج بمكانها ما ان استوعبت بآخر كلماته بأنه يتكلم عنها هي ليس عن احد آخر فهي ما تزال الابنة الوحيدة لهذه العائلة بعد كل شيء والتي لم تنجب غيرها بروح المعاناة ، وهي تشعر بنظرات تلك المرأة الشامتة والتي وصلت اخيرا لمبتغاها بكل تلك الخطط والتي حاكتها من حولها على مدار خمس سنوات كاملة تجرعت بها المرار والوجع حتى فاضت وامتلت ، ولم تشعر بعدها بنفسها وهي تصرخ لا إراديا بوجع تجاوز احتمالها وضربها بشدة
"انا لم افعل اي شيء خاطئ ، كله من افعال زوجتك الشمطاء والتي تتقصد دائما ان توقعني بالمشاكل ، ولكني لا اسمح لها ابدا باتهامي بشرفي فهذا كثير جدا ويتجاوز مدى احتمالي ! لماذا لا تصدقني لمرة واحدة فقط ؟......"

وهذا كان آخر كلماتها قبل ان تصيبها صفعة اقوى عن السابق ألقت بها ارضا وهي تجثو على ركبتيها بسكون جمدتها الصدمة التي تلي الحادثة ، ليصرخ فوقها بصوت جهوري خشن يتخلل به النفور
"اخرسي يا لعينة ، هذه التي تتكلمين عنها زوجة والدك وبمقام والدتك ! كان عليكِ ان تحترميها ولو قليلا بدلا من اتهامها بفعلتك الحقيرة ! ولكنكِ ستبقين هكذا حقيرة وفاجرة ولا تستحقين ان يشفق عليكِ احد"

انتفضت بقوة وهي تركع امام قدميه بخضوع لتتمسك بقماش بنطاله الفاخر هامسة بتوسل مترجي بحرقة لاسعة
"انا اعتذر يا ابي ، فقط اتوسل إليك لا ترغمني على الزواج من ذلك الشاب ، فأنا لا اريد الزواج منه ، سأفعل كل شيء تطلبه مني وحتى مستعدة لأقبل قدميك فقط لا تخرجني من حياتك بهذه الطريقة ، فلا تنسى بأني ابنتك الوحيدة وليس لك غيرها بحياتك !"

نفض قدميه بعيدا عنها بقوة وهو يصرخ بتسلط قاسي
"اغربي عن وجهي ، فأنا لن اعترف بوجود فاجرة مثلكِ ابنة لهذه العائلة ، وانسي تماما بأنكِ تملكين عائلة تعيش هنا فقد توفيت عائلتك وكل من فيها من هذه اللحظة والتي انتشرت بها فضيحتك والتي لا تدل على انتمائكِ لنا ، لذا استعدي جيدا لرحيلك من هنا مع الشاب والذي اخترته بنفسكِ وحتى ذلك الوقت لا اريد رؤية شكلكِ امامي مجددا"

رمشت بعينيها بدموع خائنة تسربت على محياها بدون ان تشعر بجوف المعاناة والتي عاشتها بتلك اللحظات لتكون مثل وصمة طبعت بحياتها ، لترفع كفها بارتجاف وهي تمسح على خديها المغرقين بالدموع بخواء اكتسح حياتها لوهلة ، اخذت عدة انفاس للحظات وهي تتذكر التشتت والضياع والذي لازمها طويلا قبل ان تلمع بارقة الأمل بحياتها وهي تشق طريقها نحوها ولم يكن سوى شخص واحد لمحته بعزاء والدتها ولم تراه من بعدها مطلقا .

رفعت رأسها بانتباه وهي توجه نظراتها للمنضدة الجانبية والتي تعلوها الهاتف الذي كان يصدر صوت الرنين الصاخب مخترقا عالمها الصامت ، لترفع بعدها كفها وهي تلتقط الهاتف بهدوء لتنظر بعيون متسعة لهوية المتصل والذي بان بوضوح (لينا) ، ولم تأخذ منها سوى عدة لحظات قبل ان تلقي بالهاتف جانبا بدون ان تجيب ، فقد اصبحت بالآونة الاخيرة مهملة بكل شيء يحدث معها وغافلة عن كل الاخطار والتي تحوم من حولها بظاهرة برود تجتاحها لأول مرة بعد ان يأست وتعبت ، واي شيء قد يحدث معها مستقبلا لن يكون بسوء ما سبقه وجربته !

اراحت خدها على ركبتها بجمود وهي تشدد من تطويق ساقيها متذكرة تلك الكلمات الواثقة والتي اخترقت كيانها بسحر وبأجمل ما سمعته اذنيها

(انا اعدكِ يا وفاء بأن اكون السند والصديق والزوج لكِ ، وما دام هناك نفس متبقي بداخلي فأنا باقي على الوعد لآخر رمق ، فقط كوني معي دائما ولن احتاج لشيء آخر بحياتي ، هل انتِ موافقة ؟)

عصرت جفنيها بقوة حتى عادت الدموع للسيلان على خديها المحتقنين وهي ترثي كل تلك الذكريات اليتيمة والتي خدعت بها كذلك ، لتهمس بعدها بشرود واهي افلتت بتعب السنين
"يا ليتني لم اصدقك ، يا ليتني لم ألتقي بك"

______________________________
وقف عند باب المكتب المفتوح وهو يشاهد الجالس خلف المكتب يعمل على الاوراق بين يديه بملامح صارمة تعلو وجهه العبوس ذو التجاعيد النافرة الغير قابلة للين او الارتخاء مع انعقاد الحاجبين المحتدين واللذان لا يتخلل بهما المرح وكأنه قد ولد بهذه الملامح وخلق بها ليرعب كل الكائنات والمخلوقات المتواجدة على سطح الأرض بسطوته وجبروته ، وهذا الامر هو ما دفع نفور الجنس الناعم منه وعدم القبول بالارتباط بكائن مثله اكثر ما يجيده هو الغضب واصدار الأوامر ، وآخر من قبلت به كان اجبار من عائلتها المسؤولة عنها لترغم على الارتباط به بغير رضاها فقط لأنها يتيمة بلا والدين ، لتتلقى على مدار نصف سنة الذل والهوان والتجريح والضرب فوق تخلي عائلتها عنها حتى دفعتها بالنهاية للهروب من الحياة بأكملها بدون ان يحدد احد وجهتها المجهولة وإلى إين آل مصيرها ! وكل ما يعرفه بأنه لم يحاول احد البحث عنها او التفكير طويلا بأمرها بعد اقدامها على هذه الفعلة والتي جعلت الجميع ينفر منها ويقطعون معرفتهم بها كما كانوا لا يعترفون بها قبلا عندما ألقوها لوقر الوحش .

قبض على يديه بتشنج سرى على طول عضلات ذراعيه المشدودتين وعبث اللسعة القديمة بهما ، ليتنفس بعدها بجمود وهو يعود للنظر لذلك الوجه العبوس والذي كان هذه المرة يعبث بهاتفه الارضي بملامح ازدادت شراسة مع ظهور تجاعيد اكثر صلابة افترست وجهه ، بدون ان يدرك احد ذلك الاهتزاز الطفيف بحدقتيه الحادتين والوهن والذي اصبح يتسرب لسطح ملامحه والذي لا يلمحه سوى اقرب الاشخاص له ! ولم يظهر سوى مؤخرا وتحديدا منذ اسبوع من مواجهة ابن شقيقه بمكتبه ، وبالرغم من انه لم يعرف ما حصل بينهما بتلك المواجهة ولكنه يجزم بأنها لم تكن مواجهة ودية بين اي اقارب تربط بينهم المودة والرحمة ! فهو على علم تام بكامل اعمال والده بعائلة (جواد) والذين ذاقوا منه الويل والعذاب كما سبق واذاقه له ولكل من يعرفهم ، لذا هو متأكد تمام اليقين بأنها كانت مواجهة حامية الاطراف كادت تقضي عليهما او تقتل احدهما للآخر ، ولكن كل شيء انتهى بدون اي اضرار او جروح وهذا ما يحيره ويثير ريبته للآن ! ويبدو بأن والده لم ينسى كذلك تلك المواجهة والتي يبدو اثارت غضبه وسخطه بالأيام الفائتة وكأنه قد كبر مئة سنة للأمام او ظهر عجزه النادر امام خصومه !

قطب جبينه بجمود ما ان سمع ذلك الصوت الخشن بنبرة تستطيع ان ترعب اعتى الرجال وهو يوجه الكلام له قائلا بتصلب
"إذا كان لديك شيء قيم تكلم ، وإذا لم يكن كذلك فارحل"

تلبس ملامح الهدوء الجليدي بقناع يخفي به كل انفعالات معالم دواخله وهو يرفع ملف اوراق بيده قائلا ببرود
"لقد وصل هذا الملف مع واحد من رجالك وطلب مني ان اسلمه لك ، فهو يحمل معلومات مهمة قد تثير اهتمامك"

رفع رأسه مثل طلقة الرصاص وهو يصوب نظراته نحوه بجمود ليضرب بلحظة سماعة الهاتف مكانها بقوة ، قبل ان يعتدل بجلوسه قائلا بأمر قاطع
"ضع الملف امامي"

تقدم بخطوات ثابتة بدون ان يأبه بنظراته التي تدل على اهمية هذا الملف بين يديه ، وما ان وقف امامه حتى وضع الملف برفق فوق سطح المكتب بانصياع تام ، ليراقب بعدها الذي امسك بالملف بلحظة وهو يقلب بين اوراقه باهتمام بالغ ، قال بعدها بلحظات وهو يرفع حاجبيه بتفكير ساخر
"لم اكن اعلم اهمية هذه الاوراق بالنسبة لك ! هل هي تخص صفقة جديدة ومعلومات الرهينة القادمة ؟"

حدق به للحظات قبل ان تعتلي شبح ابتسامة ملامحه اظهرت التجاعيد حول شفتيه وهو يهمس بصوت اخفض بفحيح ماكر
"هذه صفقة مهمة يا اوس ، وهي ما تفصلنا عن الانتقام من الخائن المدعو مازن ، وتصفية حساباتنا الاخيرة معه ، ولكي يفكر مئة مرة قبل ان يتلاعب معنا مجددا"

غامت ملامحه وهو ينحدر بنظراته للملف لوهلة قبل ان يتمتم بجمود صخري
"هل هذه المعلومات ستدمر سمعة مازن ؟ ام انها تخص تدمير غيره بسبيل الانتقام منه ؟"

عقد حاجبيه بضيق وهو يتقدم بجلوسه بلحظة قائلا بابتسامة انحنت بشراسة
"يا لك من احمق ساذج ! هل نسيت طريقتنا بالانتقام من اعدائنا وكيفية تنفيذها ؟ إذا انتقمنا منه مباشرة فلن يكون هناك اي متعة او انتصار ، اما إذا حاولنا التحايل والوصول له عن طريق اقرب المقربين منه سيكون انتقامنا آن ذاك اكثر متعة وسنصل لهدفنا المنشود بطريقة اسرع !"

اتسعت عينيه باستيعاب وهو يهمس بوجوم عابس
"هل هذه المعلومات تخص شقيقة مازن ؟ ولكني ظننتك قد ابطلت عن هذه الفكرة واستسلمت !"

ضرب الملف على سطح المكتب بقوة وهو يقول بصوت محتد شرس
"من قال بأني استسلمت او تراجعت عن الفكرة ؟ انا فقط كنت اجهز نفسي للاستعداد للهجوم من جديد فلا تنسى عندما تريد القفز عاليا تحتاج للرجوع خطوتين للوراء لتكون القفزة اعلى ، وايضا انت الذي انسحبت وهربت من اكمال الخطة بجبن تجاوز توقعاتي !"

امتقعت ملامحه بلحظة وهو يشيح بنظراته هامسا بنفور جامد
"اخبرتك بهذا من قبل لن اكون جزء من هذه الخطة الحقيرة والتي تتنافى مع مبادئي ، ويمكنك تسمية انسحابي من خطتك هروب او جبن ، فأنا لن اغير نظرتي نحو هذه الخطة"

ازداد انعقاد حاجبيه بتجهم للحظات وهو يهمس بجفاء بارد
"حسنا يا اوس إذا كنت لا تريد المشاركة فالأفضل لك المشاهدة بصمت والاستمتاع بما ستحول له الأمور بالأيام القادمة ، فهذه الأيام ستحمل لنا الكثير من المتعة والحماس والذين كنا نفتقدهما منذ زمن"

شرد بنظراته بعيدا عنه وهو يتمتم بعدم اهتمام
"وماذا تخطط ان تفعل بها ؟"

ارجع ظهره للمقعد بملامح مسترخية قائلا بجدية
"ستعرف كل شيء بالوقت المناسب ، لذا لا تتعجل وتحلى بالصبر"

حرك عينيه بملل وهو يتمتم بجمود
"لقد تحليت بالصبر طويلا ولن تفرق بضعة أيام اخرى"

انقلبت ملامحه بغموض وهو يتقدم بجلوسه قليلا ليضم قبضتيه فوق الملف بقوة قبل ان يقول بتصلب مريب
"لقد تأخرت اليوم بالعودة للمنزل ! بل بالأحرى انت اصبحت بكل يوم تتأخر فيه بالعودة حتى حلول الليل ! وانا اعلم جيدا بأنك لا تذهب لمقر العمل سوى بالصباح وتغادر منه قبل مغيب الشمس واحيانا لا تحضر مطلقا ، إذاً اين تقضي وقتك بعد المغيب وطول ساعات الليل ؟ هل لديك جواب على هذا السؤال ؟"

حرك رأسه للأمام وهو يتمتم ببؤس
"هل انا ملزم بالإجابة ؟"

تعقدت ملامح والده بجمود وهو يقول بغضب بدأ ينضح بصوته الخشن
"لا تلعب معي يا ولد ! واجبني عن السؤال بكل وضوح ، هل تفعل امور من وراء ظهري لن تسرني ابدا ؟"

مالت ابتسامته ببرود وهو يدس كفيه بجيبي بنطاله قائلا بتمهل شديد
"لا تقلق يا ابي ليس هناك شيء مما تفكر به قد يرتكبه ابنك بفضل تربيتك له والتي لا يحسد عليها ، والتي جعلتني نموذج للوفاء والاخلاص ستدفع كل من اعرفهم للامتثال بي والتعلم من تربيتك"

شدد من القبض على يديه وهو يقول بصوت جهوري قانط
"اسخر كما تشاء ، فأنت لن تغير صورتك الحقيقية والتي زرعتها جينات والدك ، وحتى لو غيرت تربيتك وحاولت التمرد على ذاتك فأنت ستبقى ابن والدك والذي تربيت على يديه ، هل سمعت هذا ؟"

عقد حاجبيه ببطء متوحش وهو يضم شفتيه بكبت ليهمس من بينهما بانفعال هادر
"كم اكره هذه الحقيقة ! واكره صاحبها اكثر"

تغضن جبينه بجمود وهو يقول من فوره باقتضاب
"لم تجيب على سؤالي السابق يا اوس ؟"

زفر انفاسه بضيق وهو يقول بلا مبالاة متعمدة
"ليس بالأمر المهم ، فقط كنت اساعد صديق لي بمنطقة بعيدة بالعمل على مشروع جديد يخص بناء عيادة خاصة بمرضاه بسبب انقطاع الموارد الصحية بتلك المناطق"

ضيق عينيه الصقرية لوهلة وهو يقول بشك
"هل هذه الحقيقة ؟"

حرك رأسه بإيماءة غير مرئية تقريبا وهو يهمس باختصار
"اجل"

قطب جبينه بعدم رضا وهو يقول بلحظة باستهجان
"عليك مساعدة نفسك اولاً بدلا من اضاعة الوقت بمساعدة الآخرين ! فأنت تحتاج لهذا كثيرا"

اومأ برأسه مجددا بدون اي حياة وهو على وشك الرحيل قائلا بجمود
"سأعمل على هذا ، والآن اعذرني !"

قال بسرعة من خلفه وهو يوقفه بإمارات صارمة اعتلت تجاعيد محياه
"متى ستفكر جدياً بحياتك يا اوس !"

سكن بمكانه للحظات وهو يجيب بنبرة خاوية
"عندما تفكر بتركي وشأني"

ضرب على سطح المكتب فجأة وهو يقول بتجهم اكبر
"اوس انا لا امزح معك ! لقد اصبحت بعمر الثلاثين واكثر وانت بلا هدف ولا عائلة تحمل اسمي ، ألا ترى بأنه قد حان الوقت المناسب لتبني لنفسك عائلة ترث مجدي وتكمل مسيرة اعمال العائلة !"

حرك رأسه جانبا وهو يبتسم شبه ابتسامة ساخرة قبل ان يهمس باستهزاء خافت
"احلامك كبيرة جدا يا ابي ! انا ارى بأن تضع هذه الاحلام برجل آخر من رجالك الوفيين ، لكي لا نظلم انفسنا ونتأمل بشيء مستحيل المنال ، فأنا متأكد بأنه لا احد سيقبل بصنع علاقة معنا سوى فاقد العقل او الأهل"

زاد من تقطيب حاجبيه بجمود لبرهة قبل ان يلوح بيده قائلا بجدية
"ولما قد يكون مستحيل او بعيد المنال ؟ وهناك مئات العائلات سيتمنون الارتباط بنا ومن اكبر عصابات البلد ! فقط بإشارة واحدة مني استطيع ان اجعلهن يركعن امامك ليصبحن رهن إشارتك وخاتم بأصبعك ، انت فقط اطلب واختر التي تعجبك وكل شيء مستحيل سيصبح بمتناول يدك"

انحنت زاوية من شفتيه بارتخاء وهو يحاول السيطرة على الوجوم الذي احتل كيانه وتربص بروحه الباردة ، ليهمس بعدها بلحظات بقسوة حجرية سكنت ملامحه
"هل تظنني من الجنون لنظلم معنا فتاة اخرى كما فعلت سابقا ؟"

ارتفع حاجبيه ببطء متمهل اخذ منه لحظات قبل ان يهمس باشمئزاز ساخر ما ان ادرك فحوى كلامه
"هل تظن بأني قد ظلمت معي تلك المرأة العاهرة ؟ لقد كانت مجرد امرأة ضعيفة جبانة لم تستطع تحمل مسؤولياتها الزوجية ورعاية طفل لذا هربت بجلدها ! ولكنها للأسف قد اورثت جيناتها الغبية بابنها ليكون نسخة اخرى تافهة عنها....."

قاطعه بصراخ مفاجئ بمرارة انضحت بصوته بدون ان ينظر له
"كفى يا ابي ، لا اريد سماع اي كلمة تسيء لوالدتي بأي شكل !"

صمت للحظات بملامح متغضنة بجمود ليشيح بعدها بوجهه جانبا وهو يتمتم بجفاء
"يا لك من احمق ! ما تزال تدافع عنها بعد ان تخلت عنك وهربت ! كما كنت تدافع من قبل عن عائلة عمك بعد ان توقفوا عن الاعتراف بك ، حقا ابن والدتك الغبية !"

سكنت انفاسه بضيق منهك وهو يشدد على يديه بجيبي بنطاله ليصلب بعدها جسده بلحظة خاطفة قبل ان يكمل طريقه لخارج الغرفة هامسا بآخر كلماته بنفس البرود الذي عاد لتلبسه
"تصبح على خير"

اكمل طريقه بالممر الطويل وهو يرفع يده بارتجاف ليدلك على ذراعه الآخر بخدر مؤلم عاد ليلازمه من جديد ، ليتوقف بعدها عن السير وهو يريح جسده بالجدار بجانبه بإرهاق استبد به واخذ كل ذرة طاقة بداخله ، لينظر عاليا جدا وعقله يموج بأفكار زرعها والده بداخله مثل السم والذي ينخر جسده على الدوام حتى يخضع لحكمه ويخر صاغرا له ، وكل هذا قد بدأ منذ اللحظة والتي سحبته تلك اليد القاسية وهو يعاندها ويرفسها لتأخذه من البيت الدافئ والذي احتواه يوما بطفولته وهو ما يزال يسمع نداءه الباكي بلهاث انفاسه وتعثر خطواته
"اتركني وشأني ، لا اريد الرحيل معك ، اريد البقاء مع امي ومع اشقائي ، اريد الذهاب لهم"

ولكن صاحب تلك اليد والتي كانت تسحبه بقوة لم يرأف بحاله ولم يهتم لتعثر قدميه اكثر من مرة ، كما لم يهتم للهتاف الباكي من خلفه وتلك الأم تتوسله برجاء مكسور
"اترك الطفل يا متحت ، ما يزال صغيرا على فعل هذا به ! ارحم سنه الصغير !"

وبعدها لم يرى تلك العائلة بحياته وهو يلقى بمكان انعدمت الرحمة والرأفة به وفقد كل معالم الدفء بحياته ببرودة لم يتخلل بها الضوء يوما ، ليتوقف عمره عند العاشرة وتقريبا عند وفاة عمه (مصعب) ليسحب حينها من كنف العائلة والامان ليقضي باقي سنوات حياته بين ضرب وتوبيخ وقسوة حتى صنعت منه تلك الصورة المشروخة والتي وصل لها وزرعت بداخله على مرور الأيام ، ولن ينسى ذلك اليوم المصيري والذي قطع به كل علاقة تربطه بتلك العائلة التي احتوته وآوته يوما ، عندما توفيت ابنة العائلة الصغيرة ورفيقة لعبه وصديقته المقربة وكل ما كانت تمثله بحياته فهي لم تكن فقط ابنة عمه بل كانت افضل شقيقة صغرى من الممكن ان يحصل عليها ، وقد كانت وفاتها صدمة على الجميع وحسرة بقلوبهم المفطورة بها وعلى عمرها الصغير .

حينها بذلك الوقت عندما حضر عزائها ما يزال يذكر نظرات شقيقه الكبير (جواد) والذي كان يشيعه بها ويغذيها بحقد شعر به على بعد امتار بمأساوية اللحظة والتي كانوا يعايشونها بتلك الفترة ، ليتذكر كلماته الخافتة بحقد وكراهية حملهما معا والتي همس بها على مقربة منه ما ان حاول التواصل معهم
"إياك وان اراك مرة اخرى او ان ألمحك بالقرب من عائلتي ، فنحن الآن لم يعد هناك اي صلة تربط بيننا وبين والدك سوى الكره والنفور ، لذا حاول قدر الإمكان صنع المسافات بيننا والبقاء بعيدا عنا ، لأني اعدك إذا رأيتك مرة اخرى بعزاء شقيقتي او بالقرب من امي فلن امررها لك كما الآن ، سمعت يا ابن متحت !"

ما يزال يشعر بانتفاضته بعد كلماته وهو يصرخ به ما ان اعطاه ظهره بقهر مكبوت من حبس الدموع بروحه
"ولكنكم ما تزالون عائلتي يا جواد ! وعمتي هيام تكون امي والتي توفيت هي شقيقتي الصغرى غنوة ! كيف يهون عليك ان تقول مثل هذا الكلام لفرد من عائلتك ولشقيقك ؟...."

قاطعه بصرامة حادة جمدته بمكانه كما كل شيء يدور من حولهما
"لست شقيقي ولن تكون انت ابن متحت ! لا تنسى نفسك فقط لأننا اهتممنا بك بفترة انشغال والدك عنك ، فأنت بالنهاية ستعود لأصلك الحقيقي ولجذور والدك المرسومة بخريطتك الوراثية ، لذا لا تحاول اتخاذها حجة لتتقرب منا فنحن لم نعد نشكل بالنسبة لك اي شيء ولا عائلة عمك ، والآن اغرب عن وجهي لكي لا اريك شيء لن يعجبك يا اوس متحت !"

بعد تلك الكلمات القاسية رحل الذي كان يحتل مكان شقيقه الكبير بعائلته ومثله الأعلى بالحياة ، وهو يراقب بعينيه الحمراوين بحرقة الدموع الواقف بجانب والدته وهو يعانق كتفيها ويربت على ظهرها ورأسها مدفون بصدره ببكاء ونحيب مذبوح يشعر به ولا يستطيع مساعدتها او مواساتها بسبب الحاجز والذي بنى بينهما ، وهذه كانت آخر مرة يلمح بها تلك العائلة والتي فقد كل الحق بالاحتماء بها او طلب العودة لها .

افاق من افكاره وهو يدس السيجارة الجافة بفمه والتي وجدها بجيب سترته بدون ان يجد القداحة ، وهو يدخن هواء فارغ بدون فتيل يشعله شبيه بحياته والتي فرغت من جميع من تخلوا عنه وخرجوا من دائرة حياته ، ليغمض بعدها عينيه وهو يتذكر كلام والده عن غيابه الطويل بالليل والكذبة والتي نسجها من خياله ، ولكنها بحقيقة الأمر كذبة صادقة فهو حقا يعمل مع صديقه على بناء عيادة والفرق بأنها بمقابل فقد اصبح يعمل بوظيفة عامل مأجور وافضل ما استطاع إيجاده وعمل به لتكون نقطة يستطيع البدء بها وقلب صفحة جديدة بحياته خالية من اي اخطاء او ذنوب من الماضي وندوب من الحاضر ، وكل ما يتمناه ان يكتب له النجاح بهذه الطريق والتي اختارها بعد عناء طويل ، فهل ستكون بداية موفقة ام فاشلة مثل خطأ مجيئه على الحياة والتي لم يكتب له العيش بها بهناء ؟

______________________________
وقف امامها بملامح صارمة وهو يكتف ذراعيه بتصلب قائلا بأمر لا يقبل الجدال
"انا سأبقى ملازم هذا المكان ولن اتركه لأي ظرف ولا من اجل رضى غيري ، فهذه الموجودة بالغرفة تكون زوجتي انا وتخصني اكثر منكم ، وهذا آخر كلام عندي"

ردت عليه المقابلة له بشرارات حاقدة وهي تلوح بذراعها هامسة من بين اسنانها بقنوط
"اخبرتك بأننا لا نحتاج لخدماتك هنا ولا لوسائلك لتحسين حالة روميساء التي كنت انت المسبب بها ، لذا ارحل من هنا رجاءً وارحنا من وجودك الغير نافع والغير مفيد من كل الجهات ، فأنا التي سأبقى بجوارها وليس احد آخر غيري"

تصلبت خطوط ملامحه والتي اظهرت التعب والصراع والذي يعاني به منذ الصباح وهذه العلقة تزيد بؤس يومه مرارة وكأنه ينقصه وجودها وسماع تعليقاتها اللاذعة والتي تجيد تصويبها عليه ، ليشيح بعدها بوجهه جانبا بزفرة متعبة عبرت عن كل شيء يشعر به وهو يتبعها بالهمس بجمود ما يزال يحافظ عليه
"قولي ما تشائين يا ماسة ، ولكني لن اغادر من هذا المكان ، فكما هي شقيقتك هي زوجتي كذلك ! ولا تنسي بأنكِ انتِ ايضا لم تكوني معها بتلك اللحظات !"

احتدت ملامحها بلحظة بعواصف احتلت مقلتيها الزرقاوين وهي تشدد من القبض على يديها هامسة بخفوت شرس
"كيف تجرؤ على مقارنتي بحالتك ؟ انت يا سيدي تجاوزت بإهمالك واستهتارك حد خسارة طفلكما الأول وثقة روميساء بنفسها معك ! والآن حاول استعادة ثقتها بنفسها وبك ايها البطل المغوار"

اطبق على اسنانه بحالة من التماسك والثبات وهو يتحلى بالصبر بشق الأنفس قبل ان يفقد عقله وينسى مبادئه امامها ، ليقول بعدها وهو يوجه كلامه هذه المرة للساكن بمكانه يراقبهما بدون ان يشارك بحل الخصام بينهما
"شادي لا تبقى واقف هكذا مثل الاخرس ! حاول السيطرة على زوجتك العلقة فقد بدأ صبري ينفذ معها ويثور ، لك صبر ايوب حقا بالتعامل مع هذه المخلوقة !"

امسكت خصرها بتحفز وهي تحرك رأسها جانبا باستفزاز هامسة ببرود
"فقط العاجز عن الدفاع عن نفسه هو الذي يسمى بالأخرس ، كان الله بعون روميساء مع زوج معدوم الشخصية مثلك"

ضيق عينيه الرماديتين بحلول عاصفة وهو يقول بآخر صبر متبقي برأسه
"شادي"

تدخل الفرد الثالث بينهما لأول مرة وهو يقف بجوار زوجته قائلا بهدوء يحسد عليه وهو يفك التشاحن بينهما
"هذا النزاع الطفولي لن يفيد روميساء ولن يساعدها بحالتها ، انا ارى ان نستمع لكلام ماسة فهي عندها وجهة نظر سديدة ، بقاء ماسة افضل بجانب شقيقتها بما انها تعايشت معها وتفهمها اكثر منا وهي الآن بحاجة لوجود اقرب شخص لها بحياتها وليس من ضمن قائمة من تخلوا عنها بالماضي ، وانت يا احمد يمكنك المغادرة والعودة للمنزل واخذ قسط من الراحة حتى صباح الغد فأنت لم ترتاح على مدار ساعات العمل وبعدها ملازمة المشفى طول النهار حتى حلول الليل ، وايضا لا تنسى بأننا لم نخبر احد من العائلة عن قصة إجهاض روميساء ! وانت الشخص المناسب ليوصل لهم هذه الرسالة ويطمئنهم على استقرار حالتها ، فأنت لديك مسؤوليات اخرى عليك اتمامها بجانب الاهتمام بزوجتك يا احمد"

تغضن جبينه بغمامة كاسرة اكتسحت محياه بثانية وهو يتمنى بهذه اللحظة لو يتخلص من كل مسؤولياته الملقاة على عاتقه والبقاء بجانب زوجته لآخر رمق بحياته ، ولكن قدره ان يكون الابن الكبير للعائلة والذي يأخذ جميع الادوار بها برداء المثالية والذي عليه تقمصه دائما بدون اي سبيل للفرار ، قال بعدها بعدم اقتناع بحاجبين منحنيين بوجوم
"ولكني يا شادي احتاج بشدة للبقاء معها ، وايضا من سيهتم بتلبية احتياجاتها ومستلزماتها ؟....."

قاطعه (شادي) بهدوء وهو يبتسم برفق
"لا تقلق يا احمد فأنا موجود مع ماسة هنا ونحن لن نتخلى عنها ، وسنهتم بكل شيء يخصها من احتياجات وطلبات ، وليس هناك داعي للتعجل على رؤيتها فأنت غدا صباحا ستراها امامك وهي بصحة افضل وتبقى بجوارها !"

زفر انفاسه بنفس الوجوم لوهلة ليقول بعدها برضوخ يائس
"حسنا لا بأس ، سأعتمد عليكما بمهمة رعايتها ، لذا ارجو منكما ان تحرصا على الاهتمام بها جيدا وتخبرون بكل ما يستجد عنها"

تحركت التي قالت بكلمة واحدة ببرود جليدي
"واخيرا !"

انسحبت بعيدا عنهما عدة خطوات لتجلس على مقاعد الانتظار بجمود نحت على ملامحها الصخرية ، ليقول (شادي) بمواساة وهو يربت على كتف شقيقه بدعم
"لا تقلق من شيء يا احمد ، كل شيء سيكون تحت السيطرة ، ويمكنك الرحيل وانت مطمئن البال فزوجتك ستكون بين أيدي امينة"

اومأ برأسه بهدوء وهو يوجه نظراته لباب الغرفة قائلا بلهفة خفية
"حسنا اريد رؤيتها قبل ان ارحل....."

قاطعه الصوت البارد وهي تنظر بعيدا عنهما
"روميساء الآن نائمة بعد ان اخذت الدواء ، ولا نريد ان نزعجها بزيارة لن تغير شيء بحالتها !"

نظر لها (شادي) بضيق وهو يتنهد بيأس وكأنها مأمور شرطة يشرف على الغرفة بمنع اي مخلوق بدخولها ، ليتحرك بعدها الذي استدار بعيدا عنهم على مضض وهو يقول بتردد واضح
"لا تنسوا اعلموني بأي جديد يحدث مع روميساء ، وانا سأحاول غدا القدوم للمشفى قبل شروق الشمس"

اومأ (شادي) برأسه وهو يلوح له بيده بجانب رأسه بطاعة ، ليعود بعدها للكلام قائلا بسخط وهو يكمل طريقه بعيدا عنهما
"وحاول ايضا السيطرة على زوجتك العلقة بعيدا عن زوجتي ، فأنا لا اريدها ان تصبح نسخة اخرى عنها"

اخفض ذراعه ما ان اختفى شقيقه عن نظره ليلتفت بعدها للجالسة بمكانها بدون حراك وكأنها تمثال حي رسم من الرخام القاسي الغير قابل للكسر ، ليتنهد بعدها بوجوم وهو يتقدم امامها عدة خطوات قبل ان يقف بالقرب منها قائلا بجدية غامضة
"هل هذا اسلوب تتكلمين به مع زوج شقيقتك ؟ لقد كدت تتعاركين معه بنزال حامي وكأنه من عمرك !"

لم تظهر اي ردة فعل على محياها سوى لمحة ابتسامة هازئة وهي تهمس بخفوت
"لقد كنت احاول ان اكون قمة بالتهذيب معه ، ولكنه من كان يستفزني بتصرفاته الصبيانية"

ارتفع حاجب واحد بخفة وهو يقول بتعجب ساخر
"ليس هناك احد صبياني اكثر منكِ ! فقط اتمنى لو تتحلين ببعض الصبر والهدوء والحلم وعقلانية اكثر امام من يكبركِ عمرا ويتكلم معكِ بلباقة وادب"

التفتت نحوه بعبوس وهي تهمس بقنوط غاضب
"لم يتكلم معي بلباقة بتاتا ! لقد اطلق عليّ لقب علقة ، هل يعجبك ان يطلق الناس على زوجتك اسم علقة ؟"

تغلبت عليه ابتسامة متسلية بتمايل وهو يقول بحزن زائف
"حسنا انتِ تستحقين الحصول على هذا اللقب فقد كنتِ مستفزة بشكل لا يطاق حتى كدت اجزم بإصابة احمد بجلطة حتمية بأي لحظة ! ولولا ان احمد من النوع الهادئ الذي لا يتأثر بالوسائل المستفزة لكان قتلكِ وقطع لسانك ، واراهن بأن يكون هناك احد بالعالم يتحمل انقلاب مزاجك وغضبك الجانح والذي لا يقدر احد على الصمود امامه !"

حركت رأسها ببرود وهي تنظر بعيدا هامسة بتفكير شارد
"انت على حق لم يكن هناك احد يصمد امام غضبي واستفزازي قبل ان يعلن سريعا استسلامه امامي ، حتى حصلت على ألقاب كثيرة بسبب هذا الأمر طول مسيرة حياتي ، مثل مستفزة ، وقحة ، جريئة ، حرباءة ، صبيانية ، شفرة ، جرثومة ، متوحشة ، زرقاء"

عقد حاجبيه عند آخر كلمة وهو يهمس بحيرة واجمة
"ماذا تعني زرقاء ؟"

رفعت رأسها بانتباه وهي تبتسم بغرابة لتميل برأسها جانبا هامسة بحزن اسر عقله لوهلة
"لقد كانت كلمة ابتكروها اعدائي عندما فرغت كلمات الاستفزاز من رأسهم ، ليطلقوا عليّ كلمة زرقاء بسبب ان اللون الازرق يميل للحزن والكآبة والبرود بردود الافعال ومن اجل ان تناسب لون عيناي ، لذا اصبح لقب يخصني وحدي حتى اشتهر بكل مكان اذهب إليه"

تغضن جبينه بجمود وهو يفيق من هالتها التي سحرته كالعادة بلحظات حزنها النادرة ، ليخفض بعدها رأسه قليلا وهو يميل بنفس طريقتها ليصبح وجهها مقابل لوجهه لا يفصل بينهما سوى سنتمترات قليلة ليهمس عندها بابتسامة مسترخية بخفوت اجش
"ولكنهم لا يعرفون بأن اللون الازرق هو اجمل الألوان بالعالم والتي لا تليق سوى من يحمل سمات عينيكِ مثل تموج البحر بالعواصف وتلون السماء بالسحب ! وكل من يطلق عليكِ ذلك اللقب يكون من دافع الغيرة لا اكثر بسبب تفردك بلون عينان غير موجودة بأسواق العدسات"

انفرجت شفتيها لوهلة وهي تحاول تصليب نفسها بهالة قيدت حركة مفاصلها المتصلبة ، لترمش بعينيها بضيق ما ان شعرت بأنفاسه الساخنة تلفح وجهها وتطير خصلات غرتها الطويلة ، ليهمس بعدها بلحظات بخفوت مثير
"تعجبني خصلات غرتك الطويلة وهي تتمرد امام عينيكِ لتحجب الألوان عن ناظرها بعناد شبيه بصاحبتها !"

انتفضت فجأة وهي تدفعه بقبضتيها لتستقيم واقفة بلحظة قبل ان تلتفت نحوه لتلوح بسبابتها بوجهه قائلة بجمود
"إياك والاقتراب مني مجددا يا شادي الفكهاني ، فنحن الآن بمشفى عام وليس من اللائق ان نمسك بهذا الشكل ، لذا احفظ كلمات غزلك ولحظاتك العاطفية بمكان يتناسب مع الموقف"

وقف امامها بلحظة وهو يعض على طرف شفتيه هامسا من بين اسنانه بإثارة
"اعدك ان اردها لكِ مضاعفة يا ماسة"

غادرت من امامه وهي تلوح بذراعها هامسة ببرود مستفز
"سنرى يا شادي الفكهاني !"

دخلت بعدها لغرفة شقيقتها وهي تتركه واقفا من خلفها يتوعد لها بالكثير وبشوق جارف للخلوة معها كما ينبغي ولكن بعيدا عن كل مشتتات الحياة والتي اصبحت تقيد علاقتهما بسلاسلها المتينة ، وكل ما يطمئنه ويريح قلبه بهذه اللحظات بأنها قد عادت لحالتها السابقة المعهودة والمختلفة عن التي جاءت بها للمشفى وكأنه جنون من نوع آخر قد تلبسها وغير تصرفاتها الشبه طبيعية !

يتبع............


روز علي متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 18-12-21, 10:53 PM   #238

روز علي
 
الصورة الرمزية روز علي

? العضوٌ?ھہ » 478593
?  التسِجيلٌ » Sep 2020
? مشَارَ?اتْي » 421
?  نُقآطِيْ » روز علي is on a distinguished road
افتراضي

كانت تريح رأسها لظهر السرير المعدني وهي تحارب النعاس بشتى الطرق لينسج الخيوط حول عقلها ويسحبها لأحلامها بغفوتها المسائية والتي قيدتها بشباكها الفتاكة لتعيدها لتلك الهوة السوداء السحيقة والتي لم تكد تتخلص منها بأحلامها ، لتسمع بعدها لهاث انفاسها المتسارع ونبضات قلبها التي تكاد تنخر اذنيها بألم موجع وهي محصورة بزاوية بعيدة بجانب الاريكة الباردة وبعيدا عن كل الاعين المسترقة والمتسللة بالمكان ، كانت حينها تتكور بجلستها وهي تنظر بعينيها الدامعتين للأقدام الثقيلة المتحركة بالمكان بأصوات مثل قرع الطبول برأسها ويديها تحجبان اذنيها عن سماع اي صوت من الممكن ان يتسرب لمجرى سمعها ، وهي تنشج بمكانها بدموع صامتة كتمتها بداخل روحها هزت كيانها وعصرت قلبها الصغير بقبضة من حديد وكل شيء بداخلها ينتفض بعنف بحالة لا تنتابها سوى عندما تصل لموضع الخطر من تجربة فقدان احدهم بحياتها الباردة ، لتنتفض مجددا بطريقة مختلفة هزت جسدها بأكمله بارتعاش وهي تسمع صوت خطوات تستطيع تمييز وقعها على الأرض يتبعها الصوت الخافت برنة الحزن المتخلل بها
"ماسة اين انتِ ؟ ماسة اين انتِ يا صغيرة ؟"

بقيت على سكونها عدة لحظات قبل ان تصل الخطوات عند موضع جلوسها بثواني ، لترفع بعدها عينيها الدامعتين بهلع ما ان ركعت الاخرى على ركبتيها وهي تتنفس الصعداء هامسة براحة
"حمد الله انتِ بخير ، لقد اخفتني عليكِ بشدة يا ماسة !"

اخفضت يديها عن اذنيها ببطء لوهلة قبل ان ترتمي بأحضان شقيقتها باندفاع وهي تكمل بكاءها الصامت بنشيج متقطع اقتحم صدرها وهز كليهما معا ، لتهمس بخفوت مرتجف بأنفاس قصيرة طغى عليها رهاب الخوف
"لقد ماتت امي يا روميساء ، فقد رأيتهم وهم يحضرون جثة امي للمنزل ، وجاء عمي قيس ومعه مجموعة اناس غرباء"

مسحت على رأسها بكفها بحنان وهي تمسح بكفها الآخر دموعها التي سالت على وجنتيها هامسة بعتاب رقيق
"اخبرتكِ ان تبقي بغرفتك ولا تخرجي منها حتى اعود من المدرسة ! ولكنكِ عصيت أوامري وخرجتي منها كالعادة"

تمسكت بزي المدرسة الخاص بشقيقتها بتشبث وهي تهمس بنحيب زاد من ارتجاف جسدها الصغير
"ولكنك تأخرتِ كثيرا ، وقد وعدتني بعدم التأخر ، لقد ظننت بأنكِ قد رحلتِ مع امي !"

زادت من تطويق جسدها لتحصر انتفاضاته وهي تمتصها بجسدها والذي يتلقف دائما انفعالاتها وهي تهمس فوق رأسها بمحبة متجاهلة الخوف الذي زرعته كذلك بقلبها
"لا تقلقي يا صغيرتي الباكية ، انا ما ازال بجوارك للآن ، ولن اتخلى عنكِ بهذه البساطة التي تظنين ، فأنتِ وانا سنبقى دائما معا ولن يفصلنا عن بعضنا سوى الموت"

اراحت رأسها على صدرها ببعض الطمأنينة الخالصة والتي دائما ما تزرعها وتدخلها بقلبها بدفء وجودها بحياتها حتى اصبحت مقيدة بها برباط خفي لا يشعر به ولا يراه سوى من صنعه بينهما ، لتربت بعدها على رأسها وهي تهمس لها بتهويدة ناعمة بثت الراحة لكليهما لتفصلهما عن كل الاحزان التي تدور من حولهما
"اللهم ابعد الحزن والشقاء عن صغيرتي ، اللهم ابعد الوجع والألم عن طريق حياتنا ، اللهم احفظنا برعايتك الواسعة ، فنحن لا احد لنا سواك"

كان كلامها مثل المسكن لروحها والمرهم لجروحها وهي تلفها بخيوط من نور ربطت بين قلبيهما بهالة دافئة واطفئت انتفاضات خفقات جسدها وهي تبدل الطنين بأذنيها لصوت ضربات القلب بداخل صاحبة الجسد التي تحتويها وهي تخترق سمعها بنغمة تعايشت وتربت معها ، فلا احد يعلم بقيمة (روميساء) بحياتها والتي لم تكن يوما شقيقتها وحسب بل كانت الروح التي ولدت وانفصلت عنها بنفس الرحم لتسبقها بولادتها بخمس سنوات وهو ما يفصل بين سنوات حياتهما وما صنع الرباط الاخوي المتين بينهما بدون ان يكون هناك دخيل بعلاقتهما التي نشبت منذ الطفولة واستقرت لتأخذ مكان الوالدين ومكان افراد العائلة والتي تمثلت بهما وحدهما .

عصرت جفنيها فوق احداقها بقوة وشباك عقلها تعود لمرحلة تاريخية اخرى قبل سنوات مضت وما تلى احداث ومعاناة من وفاة والدتهما ، وهي ما تزال تتجرع الألم والشقاء والذي تضاعف على موت والدتها لتكون سلسلة جديدة من ذل وتجريح انهك كيانها ، وهي تسمع صراخ وتوبيخ من والدة طالبة بالمدرسة قامت بتشويه معالم وجهها بعد الإهانة التي تلقتها منها لتدخل معها بعراك حامي ، وصوت تلك المرأة الواقفة امامها تشدد على يد ابنتها كان يخترق شرود ذهنها بكلمات شرسة تكاد تنقض عليها
"يا متوحشة كيف تتجرأين على فعل هذا بابنتي ؟ ألم يعلمك احد الأدب بالتصرف مع زملائك ! هذا ليس تصرف فتاة طبيعية بل فتاة مجنونة فاقدة الأهلية ! واجزم بأنكِ لم تتلقي اي تربية سليمة بحياتك تعلمك التمييز بين الصواب والخطأ ! ولكني لن اصمت عن فعلتك هذه ! لن اصمت !"

ابتسمت الطفلة التي لم تتجاوز عمر الثانية عشرة وهي تستمع لكلام المرأة التي فقدت اعصابها على ابنتها التي اخذت منها نفس الوحشية والدناءة ، وهي تستقبل كلامها المهين والجارح بآذان مرهفة اعتادت على سماع شتى انواع الألفاظ من جميع امهات الطلاب بفصلها واللواتي لم يروق لهن تعاملها الشرس مع بناتهن حتى اصبحت الكائن المكروه والمنفر بالنسبة لهن ولبناتهن ، وهذه المرأة لا تختلف عنهن سوى بدفاعها الضاري عن ابنتها وهي تتابع صراخها الغاضب بوجهها باشمئزاز واستنكار بآن واحد
"اريد ان ارى والديّ هذه الفتاة حالاً لأخبرهم عن تربيتهم العاطلة لها والتي تشرف الدفن عليها ، فأنا لن اصمت قبل ان احضر جميع من يتولى مسؤولية هذه المتوحشة والتي كادت تصيب ابنتي بعاهة مستديمة ، فهذه الفتاة إذا لم تحول للحالات النفسية ولم تحل مشكلتها فقد تتكاثر وتصيب اطفال آخرين بالعدوة ! وكله بسبب إهمال واستهتار من والديها واللذان لم يعرفا كيفية تربية هذه الجرثومة !"

تجمدت ملامحها الباردة وهي تكور شفتيها الصغيرتين بشبه ابتسامة ساخرة على ذكر امر والديها واللذان لم يعد لهما وجود بحياتها ، ولكنها قد صدقت بجملة واحدة بأنهما لم يعرفا كيفية تربيتها لأنهما بالواقع لم يكن لهما وجود بجزء من مراحل تربيتها والتي تولت الحياة هذه المهمة ، ليقصف بعدها صوت المديرة التي كانت تجلس على المكتب المقابل لهم بغرفة الإدارة وهي تقول بكل عملية ما تزال تحافظ عليها
"ارجوكِ ان تسامحينا يا سيدة سعاد على الذي حدث لابنتك ، واتمنى ان نتغاضى عن كل الذي حصل فهو مجرد عراك اطفال ويحدث كل يوم بالمدرسة ، لذا ارجو منكِ ان تغفري لنا زلتنا هذه ونعدك بالانتباه على ابنتك بشكل اكثر حرصا وعدم الغفلة عنها ، وسنتأكد بالمرات القادمة من عدم تكرار هذا بين الطلاب مرة اخرى"

ولكن تلك المرأة زادت من شراستها بدون ان ترضخ للاستسلام وهي تهز ابنتها بجانبها وبيدها الاخرى كانت تشير بها على الفتاة امامها صارخة بعنف
"كيف تريدين مني ان اتغاضى عن فعلتها بعد ان شوهت ملامح الفتاة ؟ هل هي حقا فتاة طبيعية حتى تفعل مثل هذا التصرف ! انا لن اتراجع عن حق ابنتي المسلوب حتى تركع هذه الفتاة امامي وتعتذر من ابنتي امام الجميع ، وغير هذا لن اقبل بأي حلول تداري بها جروح وكرامة ابنتي المسكينة التي كانت ضحية بين يدي هذه المجنونة"

رفعت الطفلة رأسها باتجاه المديرة التي وجهت الكلام لها وهي تقول بأمر جاد
"هيا يا ماسة اعتذري من زميلتك ووالدتها"

ادارت رأسها باتجاه المعنية بكلامها قبل ان ترفعه بإيباء وهي تهمس بقوة نافرة تفوق سنها وكأنها تبصق الكلام بوجهيهما
"لن اعتذر على خطأ لم ارتكبه ، وابنتكِ التي تدعي البراءة هي التي عليها الاعتذار مني على إهانتي امام كل الفصل"

صدرت شهقة من الأم الشرسة وهي تزيد بكلامها من لهيب جنونها لتندفع تلقائيا بلحظات وهي ترفع كفها عاليا صارخة بكل قهر
"يا قليلة التربية......"

اخفضت وجهها الصغير لا شعوريا وهي تسمع صوت الصفعة تصيب شخص آخر غيرها بدون ان تلمسها ، لترفع وجهها برجفة خاطفة وهي تحدق باتساع مقلتيها الزرقاوين للتي وقفت امامها بذات اللحظة والتي وقع بها الكف على وجهها ليطبع بعلامة على وجنتها اليمنى من قوة الصفعة التي كادت تصيبها ، لتبتلع بعدها ريقها بلهاث طفيف هامسة بأحرف متقطعة باسم واحد
"روميساء !"

انتفضت المرأة الثائرة وهي تتراجع بارتجاف طغى على كفها والتي انزلتها برهبة حلت على الجميع ، ليقطع الصمت صوت المديرة مجددا التي تأهبت واقفة وهي تصرخ بتوبيخ قاسي خرجت عن صورتها الرزينة
"انا لا اسمح بحدوث مثل هذه التصرفات بمكتبي ، لذا اعتذر على هذا يا سيدة سعاد ولكن هذه المشاكل الشخصية بين ابنتكِ وبين الفتاة تحل بينهما وبالتراضي وليس بالصفع على الملأ ! فأنتِ ليس لديكِ اي حق بالتصرف من تلقاء نفسكِ وامام الإدارة والتي تهتم بسير كل شيء بالنظام وبالعدل مع الجميع ، وحق ابنتكِ سيأخذ بالطريقة الصحيحة وبدون اي مشاكل"

كانت المرأة على وشك قول شيء بعد ان استعادة ضراوتها لولا التي سبقتها بالكلام وهي تندفع امامها مخفضة رأسها بذل لتهمس من فورها برجاء حزين
"ارجوكِ يا سيدتي ان تغفري فعلة شقيقتي ماسة هذه المرة ، فهي لم تقصد ان تؤذي او تصيب ابنتكِ بمكروه ، وانا اعتذر بالنيابة عني وعنها على كل ما سببته لابنتكِ ، ارجوكِ ان تسامحيها يا سيدتي ونعدك بأنها لن تكررها ، ارجوكِ"

قبضت على يديها الصغيرتين بجانب جسدها بقوة وهي تنظر بدموع خائنة برزت على اطراف مقلتيها الثائرتين من الذل والهوان والذي تعرضه لشقيقتها لتتوسل السماح من الآخرين ، ليعود صوت المديرة ليعلو فوق اصواتهم وهي تقول بحزم حاد
"روميساء خذي شقيقتكِ ماسة وغادريها للمنزل ، وغدا صباحا اريد ان اراكما امامي بمكتب الإدارة ، هل هذا مفهوم ؟"

اجابت التي كانت تحني رأسها وهي تهمس بتهذيب وطاعة
"حاضر يا ايتها المديرة ، وشكرا لكِ على تفهمك"

وكان هذا آخر كلام يدور بينهم قبل ان تخرجا من المدرسة بأكملها بطريق العودة للمنزل ، كانت تمسك بيد شقيقتها الكبرى وهي تحدق بالصفعة الدموية التي ما تزال تزين خدها الايمن مثل علامة لا تزول ، لتعبس ملامحها بلحظة وهي تنفض يدها بعيدا عنها بعنف دفع كليهما للتوقف بمنتصف الطريق ، لتلتفت (روميساء) للخلف بدهشة وهي تراقب التي اخفضت نظراتها لتهمس بارتجاف منفعل ببؤس
"لما فعلتِ هذا ؟ من الذي اعطاكِ الحق بالتدخل بتلك اللحظة ؟ كم مرة اخبرتكِ ان تبقي بعيدة عن مشاكلي لكي لا يصلك الاذى ! فأنا استطيع تدبر امري وحدي بدون تدخلك"

تنهدت بهدوء وهي تنظر بعيدا عنها هامسة بشرود
"وكيف يمكنكِ تدبر امرك ؟ لقد كنتِ على وشك ان تفصلي من المدرسة بسبب تهورك والتطاول على الاكبر منكِ سنا !"

رفعت قبضتها الصغيرة وهي تلوح بها صارخة باستنكار
"لم ارتكب اي خطأ ولم احاول التطاول على احد ! كل الذي فعلته بأني دافعت عن نفسي امام تلك الحيوانات الهجينة ، هل اصبح الدفاع عن النفس جريمة ؟ هل تظنين بأني سأصمت عن حقي كما تفعلين انتِ واطلب السماح من كل من يقلل من قيمتي ؟....."

استدارت نحوها فجأة وهي ترفع اصبعها امام شفتيها هامسة بأمر قاسي
"اخرسي يا ماسة"

صمتت بالفعل كما تأمرها دائما والوحيدة التي تستطيع الصمت امامها بدون ان تأخذ حقها منها ، لتتنفس بعدها بتعب وهي تنحني امامها لتصل لطولها قبل ان تمسك بكتفيها ببعض الهدوء الذي ما تزال تتحلى به مع كل هموم الحياة الملقاة على كاهلها ، لتهمس بلحظات بابتسامة شاحبة ببعض الرقة
"كل الذي افعله يا عزيزتي من اجل مصلحتك ومستقبلكِ بالحياة ، فماذا سيفيد فصلكِ من المدرسة وجعل نفسكِ طعم امام الناس ؟ نحن علينا بالتأقلم بهذا العالم بقدر ما نستطيع ومحاولة التعايش مع هذا المجتمع الجديد ، لنستطيع ان نبني حياة لنا وحدنا بالمستقبل ولكي نقدر بالنهاية على التحرر من عبودية قيس ، لذا علينا بالتحمل والصبر وارضاء كل البشر الكارهين لنا حتى نصل للاستقلالية ، هل تستطيعين فعل هذا من اجلي ؟"

تنفست بنشيج وهي تخفض عينيها بدموع حبيسة هامسة بعبوس مستاء
"ولكني لا اريدكِ ان تتلقي الألم عني بعد الآن ، لن اتحمل ان اراكِ تتألمين بسبيل ارضاء البشر الكارهين لي ، لا اريد ان اكون ثقل وحمل عليكِ ، اريد فقط ان ينصفنا العالم يوما ! لما لا احد يحبنا ؟"

غيم الحزن عليهما لثواني قبل ان تسمع الهمس الخافت بنفس الكلمة الشهيرة والتي تستخدمها بكل المواقف
"لا تقلقي يا ماسة ، كل شيء سيكون بخير"

رفعت عينيها الواسعتين ببركتي الدموع وهي تنظر للوجه الباسم تزين خدها العلامة الحمراء والتي تحولت لبريق وردي باهت وكأنه لا هموم تحملها بداخلها ببسمة طفيفة مملوءة بالتفاؤل المعدوم بحياتهما فقط تتصنع الابتسام ، ولم تتحمل بعدها الغصة التي تحررت بروحها وهي تسكب دموعها السابحة على وجنتيها مثل خيوط امتلأت بالكثير من الغل والحزن والثورة والكثير تشابك وتداخل معها حتى انهارت باكية بنواح عالي شبيه ببكاء الأطفال ، لتشعر بعدها بثواني بالذراعين تحاوطان جسدها الصغير لتربت على احزانها وتطيب على جروحها بدون ان تبالي كليهما بالمكان وبالوقت الزمني الذي سجل بذكرياتهما للأبد .

فتحت عينيها بإنهاك وهي تفيق من هوة ذكرياتها السحيقة والتي تأخذها إليها بكل مرة ، لتميل برأسها جانبا وهي تتأمل النائمة على السرير المجاور لها بسكون تام وبراحة طافت على ملامحها الهادئة ، لا يقطع الصمت السائد بالمكان سوى صوت جهاز دقات القلب المنتظمة وحركات عجلات الاسطوانة المتصلة بها للآن .

نهضت بعدها عن السرير والذي وضعوه لها بطلب منها بنفس غرفة شقيقتها لتبقى بجوارها ما ان احتاجتها ، ولكنها لم تتوقع ان يغلبها الارهاق والنعاس وتذهب بغفوة مع ذكرياتها البائسة والتي تزورها بأسوء اللحظات وكأنها تتقصد ربط الذكريات مع مجريات الأحداث بعقلها الباطن !

سارت عدة خطوات باتجاه النائمة على السرير بدون حراك لتميل بلحظة بجذعها وهي تقرب اذنها من وجهها لتتأكد من انتظام تنفسها بخوف خفي ما يزال يسكنها ، لتزفر عندها انفاسها براحة وهي تستقيم لوهلة قبل ان تهبط ارضا بلحظات بخمول سيطر عليها لتجلس بجانب سريرها بتعب ارخى مفاصلها ، اسندت بعدها جانب رأسها على السرير وهي تحاول امساك الكف المتصلة بأنبوب المغذي لتشعر بنبضات معصمها مثل اكسير الحياة والتي تمدها بها منذ طفولتها لهذه اللحظة ، وهي ما تزال تعيش على نبضات قلبها التي كانت تسمعها بأذنيها بكل عناق يحدث بينهما بدون ان تتخلى عن دفء الشعور بها ، وهمسات متقطعة افلتت من بين شفتيها المرتجفتين بأنين حزين معيدة نفس مقولة شقيقتها
"كل شيء سيكون بخير ، انا اعدك"

_______________________________
دخل للمنزل بخطوات ثابتة وبقلب مثقل محمل بالهموم وعقل يتأرجح على لهب مشاعره الحبيسة منذ الصباح الباكر وكأنه بقارورة انغلق بها على نفسه بسلاسل حديدية قيدت عواطفه المدفونة التي كانت تعصف بذهنه على مدار ساعات طوال...وبدون ان يشعر احد بما يعانيه حالياً والتي فاقت معاناة فقدان اول طفل له ما يزال جنين برحم والدته لم يرى شيء من الحياة بعد...فهل هذا هو قدرهما من الحياة تجرع الألم بمجريات علاقتهما والتي لم تكد تنتهي بفرحة وجود طفل بينهما وثمرة حبهما لتعود لنقطة البداية من جديد ؟!

تنهد بتعب وهو يقف امام السلالم للحظات قصيرة وهو يفكر بالطريقة التي وقعت بها على بداية درجات السلم ! وكيف كان حالها بتلك اللحظات التي سبقت فقدانها للوعي ؟ وكم ارهقه التفكير بتلك المعضلة وخياله المرهف والذي رسم كل الصور برأسه لتكون وقعها اكبر على قلبه ومؤلمة اكثر من مشاهدتها حقيقة متجسدة امامه !

اكمل طريقه بصعود السلم ومع كل خطوة كان يزيد من ضربات قلبه المرهق مع كل ما شهده اليوم لتتشبث قبضته لا إراديا بحاجز السلم البارد باستماته لآخر رمق ، وما ان انتهى من مهمة صعود السلم حتى انتقل للمهمة التالية وهي التوجه لغرفة كبير العائلة ، وصل بعدها بدقائق امام غرفة والده وهو يطرق على الباب عدة طرقات بأدب قائلا بخفوت متزن
"ابي هل ما تزال مستيقظ ؟ ام اعود لاحقاً !"

تباطأت الطرقات على الباب حتى انضبت تماما وهو يصلب قبضته امام سطح الباب للحظات قبل ان يخفضها بعيدا ، ليزفر بعدها انفاسه بتعب اكبر كان يجثم فوق صدره مثل صخرة مدببة اثقلت على حياته ، ليقول مجددا بخفوت خاوي وهو يستدير بعيدا
"حسنا تصبح على خير يا ابي"

وصل بخطواته الثابتة للمسار المؤدي للغرف الخاصة لكل من زوجاته ، ليدخل بعدها عند اول جناح بالممر وهو يدلف بخطوات جامدة سرعان ما خابت ما ان لمح الكائن الجالس بسكون بمنتصف بهو الجناح المظلم ، ارتفع حاجبيه تدريجيا بدهشة لحظية وهو يحاول استيعاب صدمة وجودها بالمكان على عقله المشتت قبل ان يتبعها بالهمس بجمود باهت تراخت معه ملامحه المشدودة
"لما ما تزالين مستيقظة يا سلوى ؟ وماذا تفعلين خارج غرفتك ؟"

نهضت واقفة عن الاريكة بهدوء مريب قبل ان تسير نحوه بخطوات متأنية بتهادي واضح ، وما ان اصبحت مقابلة له على بعد خطوة حتى ارتمت على صدره بلحظة وهي تعانق خصره بذراعيها بقوة سمرته بمكانه لوهلة ، لتهمس بعدها بخفوت ساكن وكأنها تستعد لتلقي الخبر الاسوء ببرودة اعصاب
"لقد خفت كثيرا ، انا سعيدة بعودتك"

تجمدت عضلة فكه وهو يحاول تلقي الصدمة الجديدة بحياته والتي اصبحت عبارة عن سلسلة آلام لا تنتهي ، ليمسك بعدها بكتفيها برفق وهو يهمس بخشونة خافتة
"لما الخوف الآن يا سلوى ؟ ليست اول مرة اتأخر فيها بالعودة للمنزل !"

شددت من تطويق خصره بذراعيها وهي تغوص وجهها بصدره الصلب هامسة بين منحنيات عضلاته بدلال ناعم
"ولكنني خفت كثيرا من ان تكون قد رحلت وتركتني بعد ان ضقت ذرعا مني ، فقد كنت تلمح لي كثيرا بالآونة الاخيرة بأنك ستتخلى عني وستحاول التخلص مني بأقرب فرصة تحصل عليها !"

تنفس بجمود وهو يهمس باستنكار عابس
"ما هذا الهراء الذي تتفوهين به يا سلوى ؟ هل من كل عقلك تتكلمين عن هذا بعد كل ما حدث اليوم ؟ ألم تكوني متواجدة بالصباح عندما !....."

تراجع عن الكلام ما ان وصل للنقطة المهمة والتي دمرت وحسمت حياته اليوم بانتهاء فرحته الوليدة مؤخرا ، ليفيق من افكاره على صوت التي قالت بخفوت مريب بدون ان تنظر له
"وما هو الذي حدث اليوم ؟ كل ما اعرفه بأن زوجتك الجميلة قد نقلت للمشفى بالصباح بسبب إهمال واستهتار كبير منها بدون ان تقدر المسؤولية التي تحملها على عاتقها !....."

انتصب بعيدا عنها وهو يقول بجمود نافذ تسرب بعضلات جسده بلحظة
"انتِ ايضا يا سلوى ! لما لا يقدر احد المعاناة التي نمر بها الآن ؟ هل جميعكم تحملون كل هذه القسوة بقلوبكم ؟"

عضت على طرف شفتيها بتأنيب من كلامها الذي لم يكن يجدر ان يخرج منها الآن ، لتعود من فورها لترسم الحزن على محياها وهي تربت على ذراعه هامسة بالسؤال البديهي والذي خطر على بالها بلحظة
"كيف حالها الآن ؟ هل هي بخير ؟"

نظر لها للحظات بجمود صامت عبر عن الصراع الذي يسكن بدواخله وكل شيء كان يود قوله ، ليشيح بعدها بوجهه جانبا بهدوء وهو يتمتم بخواء بارد
"لقد نجت من مرحلة الخطر واصبحت حالتها مستقرة الآن"

اومأت برأسها بتفهم ساخر وهي مستمرة بالمسح على ذراعه لتهمس باستياء رغم معرفتها بالجواب مسبقا
"وماذا عن الطفل ؟"

عصفت ملامحه بكل انواع المشاعر المحجوزة بداخله ليمسد على جبينه بدوار مفاجئ وهو يستدير بعيدا عنها هامسا بصوت منهك خائر القوى
"يكفي كلام عن هذا الموضوع يا سلوى ، فأنا احتاج للراحة الماسة الآن وليس لدي الوقت او القوة لخوض اي نقاش معكِ"

امسكت بذراعه بسرعة وهي تهمس بابتسامة متملقة
"يبدو عليك التعب والارهاق يا احمد ، تعال واجلس قليلا واعدك لن ازعجك بالكلام ابدا"

وقبل ان يبدي اي اعتراض سحبته بسرعة من ذراعه باتجاه الاريكة بقوة بدون اي انتظار ، ليجلس من فوره على الاريكة بإنهاك استبد به وهو يريح رأسه على المسند من خلفه وكفه فوق عينيه بارتخاء تام ، بينما جلست الاخرى بجواره وهي ترفع كفها ببطء لتمسح بأصابعها على طول ذراعه بنعومة هامسة بحزن اتقنت تقمصه
"لم تخبرني بعد عن حال الطفل يا احمد ! هل اصابه مكروه ؟ هل هو بخير ؟"

تصلبت اطراف جسده برعشة خاطفة وهو يعصر عينيه بأصابعه بألم مبرح لا يريد ان يفارقه ، ليهمس بلحظة بنبرة خاوية تجردت منها كل معالم الحياة
"لقد رحل الطفل"

ارتسم الحزن والأسى على محياها بمهارة وهي تشدد بلمسات اصابعها على قماش سترته قبل ان تهمس بذهول مستنكر تلون بصوتها بلحظات
"هل هذا يعني بأن روميساء قد اجهضت الطفل ؟ مستحيل كيف من الممكن ان يحدث كل هذا بغمضة عين ! لقد كانت بالصباح بأفضل حال ولا تعاني من شيء ! كيف وصلت لهذه الحال ؟......"

قاطعها فجأة وهو يميل بجسده للأمام ليريح كفيه فوق ركبتيه هامسا بقهر شديد تحشرج بصوته
"انا السبب بكل معاناة تمر بها الآن ، لو كنت معها بتلك اللحظات ! فقط لو رضخت لطلبها وقضيت اليوم برفقتها ولم اتركها لذلك القدر والذي سرق منا طفلنا الأول والذي رزقنا به بعد تعب وشقاء خاض به كلينا ! ولكن كل شيء قد انتهى قبل ان نشعر به ونتنغم بسعادته والتي لم تقدر لنا !"

قبضت على يديها فجأة والجمود يكتسح محياها بدون اي شعور ، لتعود لترخي مفاصلها بثواني وهي تطوق هذه المرة ذراعه واصابعها ما تزال تدلك على ذراعه صعودا لكتفه بلمسات ناعمة ، لتقرب بعدها وجهها من جانب اذنه وهي تهمس بخفوت مغري بمواساة
"اهدئ يا عزيزي ، فهذا الذي تفعله بنفسك لن يفيدك بشيء سوى زيادة التعب الجسدي والمعنوي عليك ، وانت تبدو لي مرهق جدا وتحتاج للراحة التامة ، واراهن بأنك لم تأخذ قسط من الراحة منذ الصباح ! لذا دعني ازيح عنك هذا الألم واريحك من كل هذه الهموم والاحزان والتي تكتلت بروحك وقلبك ، وانا اعدك بأنك معي لن تشعر بأي معاناة بحياتك"

حرك رأسه بشرود متعب وكأنه لم يسمعها وهو يهمهم مع نفسه بكلمات مبهمة بحزن عميق يأبى ان يتركه ، لتستغل فرصة غيابه عن عالمه الحاضر وهي تتمادى بحركات يديها واللتين وصلتا لياقة قميصه بنعومة طوقت مشاعره الحبيسة واصابعها تتلاعب بأزرار القميص هامسة بشفتيها بابتسامة منتشيه بإغراء
"سلمني نفسك يا احمد ، وانا اؤكد لك بأني سأحررك من حزنك ومن تأنيب ضميرك بثواني ، فقط اعطني من وقتك القليل لأضمد على جراحك وامسح على آلامك"

عندما لم يصدر اي ردة فعل تمردت على صمته وهي تلصق نفسها بصدره لتطبع قبلاتها على جانب وجهه وهي تنزل بها على عنقه بسلاسة وبمحاولة ضعيفة لدمجه بعالمها واختراق حزنه بشغف وقوة قبلاتها ، لتشعر بلحظات بتصلب جسده المشدود والذي افاق من الخمول وهو يرفع رأسه بانتصاب لوهلة ليتبعها بالنهوض باندفاع وكأنه قد اصيب بصعقة اعادته لكامل وعيه ، تنفس بعدها بجمود صخري وهو يلتفت بنصف وجهه بعد ان عادت ملامحه لصرامتها المعتادة هامسا بجفاء بارد
"ما هذا الذي كنتِ تفعلينه يا سلوى ؟"

اعتدلت بجلوسها وهي تنفض خصلات شعرها المتشابكة بتمرد قائلة بحدة مرتجفة تداري بها إهانتها
"لقد كنت احاول مساعدتك بحزنك ، ولم اقصد ان اجرحك باختراق عالمك المنيع ، فيبدو بأن هذا العالم خاص فقط بك وبزوجتك الاخرى والتي ما تزال تأخذ عقلك للآن !"

عقد حاجبيه بحدة وهو يقول بعبوس صارم فقد السيطرة عليه
"ليس هكذا تتم المساعدة يا سلوى !"

لوت شفتيها بسخرية وهي تحرك عينيها بعيدا هامسة باستهزاء
"لا تقلق لن اكررها معك مجددا ، ويمكنك اكمال معاناتك مع تأنيب الضمير على اميرتك الحزينة"

تنهد بانفعال مكبوت وهو يحك جبينه بدوار مبرح ، ليلتفت بسرعة امامه وهو يتمتم بوجوم بعد ان عزم امره
"اذهبي للنوم يا سلوى ، فأنا لن استطيع السهر معكِ اكثر ، فلدي غدا صحوة مبكرة للذهاب للمشفى قبل شروق الشمس"

عندما لم يسمع اي ردّ منها اكمل طريقه لخارج الجناح بنفس الخطوات الثابتة ، ولم يسمع تلك الجملة القصيرة من الحاقدة من خلفه وهي تهمس بكل غل ما يزال يسيطر على كيانها المشروخ
"تستحق كل ما يحصل لك ولأميرتك الفاجرة الولهان بها !"

وصل (احمد) داخل غرفته وهو ينشر نظراته بخواء بأنحاء المكان الفارغ وكأنه يرى طيفها يحوم من حوله بهالة مأسورة ، ليرتمي بعدها جالسا على طرف السرير بلحظة وهو يمسك رأسه بيديه بألم كان يزداد ثقلا وكأنه يحمل الكون فوق رأسه حتى يشعر به يكاد ينفجر ، ليخفض يديه ببطء وهو يمسح وجهه بتعب لوهلة ما ان اجتاح ذهنه آخر كلمات سمعها من زوجته الجميلة ببسمتها المحبة والتي تعتلي محياها البشوش على الدوام وهو ما يزال يرى يدها التي كانت تلوح عاليا بحماس طفولي

(لا تتأخر بالعودة يا احمد ، فأنا سأكون بانتظارك بفارغ الصبر)

ضحك بحشرجة شعر بها تخرج من صميم روحه وهو يتهم القدر من سخريته منه والمتاهة والتي ادخله لها ، ولولا المجريات الاخيرة والتي حدثت معهما لكانا الآن يعيشان ليلتهما معا والتي كان من المفترض فعلها كما تواعدا من قبل !

قبض على يديه امام جبينه وهو يهمس بابتسامة مرتخية بتأنيب قاهر
"سامحيني يا عزيزتي ، فأنا بعد كل شيء لم اوفي بوعدي لكِ ، فلا انتِ استطعتِ انتظاري ولا انا استطعت العودة لكِ !"

______________________________
تغضن جبينها بضيق وهي تشعر ببرودة تلسع وجنتها مختلفة عن البرودة الساكنة بأطرافها والمخيمة من حولها شبيه بصقيع روحها...لترمش بعدها بعينيها المرهقتين عدة مرات بصعوبة حتى فتحتهما بالنهاية على اتساعهما ما ان اكتملت صورة الوجه المقابل لها على بعد سنتيمترات قليلة...لينطق بعدها الجالس بجوارها بابتسامة مائلة لمحتها رغم الظلام المحيط بهم
"واخيرا استيقظتِ ! لقد كنت قد فقدت الأمل من استيقاظك"

تسارعت انفاسها بلحظات وهي على وشك التكلم بغضب اهوج عاد لاحتلال روحها قبل ان تسبقها اليد التي كممت فمها وهو يقول بخفوت صارم
"احجزي غضبكِ قليلا يا ألماستي من اجل ألا يصل صوتك لشقيقتك النائمة"

رمشت بعينيها بارتجاف لحظي وهي ترفع حدقتيها باتجاه السرير الذي كانت تستند عليه وغفت هناك بمكانها ، لتعود بنظرها لنفس الشخص ما ان قال بهدوء جاد
"انا الآن سأبعد يدي عن فمكِ ، ولكن عليكِ ان تعديني أولاً بأنكِ لن تصدري اي صوت ، إذا كنتِ موافقة على كلامي حركي رأسكِ لأتأكد من صدق وعدكِ !"

حدقت به بمقلتيها الواسعتين بأمواج غائمة قبل ان تحرك رأسه بإيماءة طفيفة بجمود ، لتتسع بعدها ابتسامته بهدوء وهو يخفض كفه بعيدا عن فمها ببطء استشعر معه بدفء انفاسها وبنعومة بشرتها على اصابعه الخشنة ، وبلحظة كانت تنتفض بعيدا عنه وهي تزحف للخلف هامسة بعبوس واجم
"ما لذي تفعله بغرفة شقيقتي ؟ وكيف تتجرأ على دخولها بدون إذن ؟"

زفر انفاسه بيأس وهو يحرك رأسه علامة الملل هامسا بجمود
"كنت اعلم بأنكِ لن توفي بوعدكِ لي ، فأنتِ دائما تخالفين ظنوني !"

زمت شفتيها بحنق وهي تلوح بيدها هامسة بسخرية
"حقا ! لقد قلت ما اشعر به انا ايضا !"

عقد حاجبيه بتصلب قلبت ملامحه بعيدا عن المرح ، لتهمس من فورها بجدية وهي تتقدم بجلوسها بتحفز
"لم تجب على سؤالي ! ما لذي تفعله بغرفة شقيقتي ؟ هل تظن نفسك تملك المشفى ؟....."

قاطعها بصرامة اكبر وهو يتقدم بجلوسه مثلها حتى اصبحت وجوهما مقابل بعضهما البعض
"وهل تظنين نفسكِ تملكين غرفة شقيقتك ؟ تمنعين من تشائين وتدخلين إليها بالوقت الذي تريدين ! لقد نسيتِ بأن هناك اناس احق منكِ بدخول هذه الغرفة التابعة للمشفى الذي يعملون به"

ارتفع حاجبيها بارتباك ينتابها لأول مرة وهي تهمس بعبوس غاضب
"توقف عن السخرية بهذه الطريقة ، واجبني عن سؤالي ، ما لذي احضرك إلى هنا ؟ ألم يحن الوقت لتتركني انفرد مع نفسي قليلا"

مالت ابتسامته بافتراس احتلت ملامحه وهو يتمتم بأنفاس دافئة وصلت إليها عبر فحيح كلامه
"وهل تظنين بأني سأسمح لكِ بالانفراد مع نفسك ؟"

ابتلعت ريقها باضطراب بدون ان تجيبه بشيء وهي تحيد بنظراتها بعيدا عنه لوهلة ، لترتجف بلسعة خاطفة وهي تعود للشعور بنفس البرودة على وجنتها قبل ان تنظر بسرعة امامها وهي تحدق بعلبة العصير المعدنية التي كان يحملها بيده ، وجهت بعدها نظراتها بحيرة لصاحب اليد والذي قال بلحظة بابتسام هادئ
"ما رأيكِ بهذا ؟ لقد احضرت لكلينا علب عصير وشطائر للعشاء ، بما اننا لم نتناول شيء ولم نضع لقمة طعام بأفواهنا منذ الصباح ، وليس من الصحي النوم على معدة فارغة"

تجمدت ملامحها لوهلة وهي تتراجع بعيدا عنه هامسة ببرود
"لست جائعة ، ويمكنك الرحيل من هنا والاستمتاع بطعامك بعيدا عني"

تنهد للحظات وهو ينهض على ركبتيه بدون ان ينسى امساك ذراعها وهو يسحبها لتستقيم بالوقوف معه ، لتقاوم بعدها باستماته وهي تحاول سحب ذراعها ما ان وصل بها لباب الغرفة بثواني هامسة بشراسة مكتومة
"اتركني يا شادي....."

قاطعها بتشديد وهو يضع اصبعه على شفتيه هامسا بحزم
"هششش ، إياكِ وان تصدري اي نفس"

عضت على طرف شفتيها بامتعاض بدون كلام وهو مستمر بسحبها لخارج الغرفة ، وما ان اصبحا بالخارج حتى افلت ذراعها بصمت وهو يتقدمها بالسير بعيدا ، لتدلك بعدها على ذراعها بوجوم وهي تشاهد الذي جلس عند مقاعد الانتظار بهدوء ليشير بيده للمقعد بجواره بأمر .

رفعت رأسها بإيباء وهي تتقدم امامه لتجلس بالنهاية على اقصى طرف المقاعد بعيدا عنه ، ليرتفع عندها حاجبيه ببرود لوهلة قبل ان يغير مكانه وهو يجلس بالقرب منها ، وما ان حاولت النهوض مجددا حتى شبت اصابعه بذراعها وهو يهمس بكل ما يستطيع من ثبات متزن
"حاولي النهوض من مكانكِ لأجعل هذه الليلة لا تنسى بالنسبة لكِ !"

تسمرت قليلا وهي تعتدل بجلوسها بدون ان تصدر اي حركة اخرى ، ليرخي بعدها اصابعه على ذراعها بثواني وهو يخفض قبضته بعيدا عنها ، ليرفع بعدها الكيس بجانبه وهو يخرج منه شطيرة قبل ان يسلمها لها قائلا بهدوء
"امسكي"

نظرت للشطيرة بيده لبرهة قبل ان تمسك بها بهدوء بدون اي تعبير ، ليعود ليخرج من الكيس شطيرة اخرى له مع علب العصير المعدنية ، قبل ان يعود للنظر للساكنة بجواره وهي مشغولة بفتح غلاف الشطيرة ببطء شديد عبث بأعصابه ، ولم يتمالك نفسه بعدها وهو يرفع علبة العصير بلحظة بدون ان يمنع نفسه وهو يقربها من خدها كما فعل معها سابقا ، لترتعش بنفس الرجفة المثيرة وهي ترفع عينان غائمتين بزرقة داكنة هامسة بعبوس
"هلا توقفت عن فعل هذه الحركة ؟"

عض على طرف ابتسامته بإثارة وهو يلوح بالعلبة امامها قائلا بتسلية
"ولكنها تناسبكِ فهي باردة مثل برودة اعصابكِ تماما !"

عبست ملامحها بحنق وهي تبعد عينيها عنه هامسة بغيظ
"دائما تستمتع بفعل كل شيء يغيظني على حساب مشاعري وكبريائي"

ابتسم بهدوء وهو يضع علبة العصير فوق ساقيها قائلا ببرود متعمد
"هذه كذبة جديدة اختلقها عقلك الاحمق ، فأنا لا اذكر بأني قد ضايقتك من قبل على حساب مشاعرك وكرامتك !"

حركت عينيها بملل وهي تقضم من طرف الشطيرة بهدوء شديد لتلوك اللقمة بفمها بصعوبة وكأنها تحاول ان تستسيغ طعمها والذي اصبح اشبه بقطعة صخرة ببلعومها المتحجر بتقلبات معدتها ، لترفع بعدها علبة العصير بيدها الاخرى وهي تحاول فتح سدادتها المغلقة بإحكام بدون جدوى .

نظرت للجالس بجانبها والذي انشغل بتناول شطيرته بشرود بعيدا عنها ، لتبتسم بعدها بتفكير وهي ترفع علبة العصير لتضرب بها على خده كما كان يفعل معها ايقظته من شروده بلحظة ، التفت بسرعة نحوها بدهشة اتسعت بعينيه وهو يهمس بذهول عابس
"هل كررتِ نفس حركتي للتو ؟"

عادت لتحرك علبة العصير امامه وهي تشير بأصبعها الطويل للسدادة ، ليقول بعدها بحاجبين مرفوعين بتفكير
"هل تريدين مني فتح علبة العصير ؟"

اومأت برأسها بالإيجاب وهي تمد علبة العصير له ، ليتناوله منها بعبوس حائر وهو يفتح السدادة بأصبعه قائلا باستياء
"يمكنكِ قولها ببساطة ! لا داعي للخجل وتمثيل انكِ خرساء !"

تجاهلت كلامه وهي تنتشل العلبة منه ما ان انتهى من فتحها ، لترتشف منها بسرعة وهي تبتلع اللقمة القاسية بجوفها والتي اعاقت عليها مجرى التنفس والنطق لثواني ، لتتنفس بعدها براحة وهي تمسح على فمها بظاهر كفها بهدوء ، عبست ملامحها بلحظة وهي تستمع للذي كان يتكلم بيأس وهو ينظر بعيدا عنها
"يا للوقاحة ! ألن تتعلمي ابدا الأدب بالتصرف ؟ عندما يقدم لكِ احد معروف او يساعدك بشيء عليكِ برد الجميل له ولو بجملة امتنان صغيرة تعبر عن مدى سعادتك بمساعدته ، هل فهمتِ يا ذات الوجه العبوس ؟"

التفتت نحوه بغضب عند آخر كلمة نطق بها لتتقابل مع نظراته المسلطة عليها بقوة ، قبل ان تعود بسرعة للنظر امامها وهي تهمس بارتباك خافت
"شكرا لك"

ارتفع حاجبيه ببطء شديد وهو يحك ذقنه لوهلة قبل ان يهمس باستياء ساخر
"جيد لا بأس بأسلوبكِ الآن ، بالرغم من انه ينقصه اللباقة بالكلام والابتسامة الجميلة وانتِ تنطقين بالكلام امام محدثكِ ايً كان ! ولكن هذا ابعد ما يكون عنكِ يا ذات الوجه العبوس !"

انتفضت بغضب وهي تتقدم بوجهها امامه هامسة من بين اسنانها بشعلة على وشك التحرر من جنبات روحها
"توقف عن تلقيبي هكذا ! فهذه إهانة اسوء من كل الألقاب والتي قيلت عني من قبل"

حرك رأسه وهو يهمس بحاجب واحد بمكر
"حتى اسوء من لقب زرقاء !"

ضيقت عينيها الزرقاوين بقسوة وهي تهمس بشفتين متكورتين بغيظ
"اجل"

ارتفع حاجبيه باهتمام وهو يريح يده بجانب جسدها ليتابعها بالنظر عن كثب قبل ان يرفع يده الاخرى وهو يتلمس بأصبعه السبابة جانب وجهها هامسا بمغزى
"لن اتوقف قبل ان ارى الابتسامة تغزو تقاسيم وجهكِ وتبدل هذا الوجه العبوس ، عندها قد اتخلى عن تسميتك بذلك اللقب"

ارتجفت عضلة خديها تحت ملمس اصبعه المتمرد وهي تشعر بفورة مشاعرها الثائرة تتدفق لمحياها باحمرار طفيف اشعل وجهها بثواني ، لتشيح بعدها بوجهها بعيدا عن يده وهي تنتصب بجلوسها بعيدا عنه بجمود معيدة السيطرة على قيود عواطفها والتي اصبحت تتسرب منها مؤخرا .

اعتدل (شادي) بجلوسه بدون ان يبعد ناظريه عنها وهو يلمح طرف ابتسامتها التي غزت محياها لا شعوريا ، لتلوي عندها طرف شفتيه بابتسامة جانبية وهو يكتف ذراعيه قائلا بهدوء
"واخيرا بدأتِ تفهمين كلامي يا باردة ، انظري ما اجمل الابتسامة على وجهكِ وانتِ تحررينها من جحرها لتتألق على وجهك وتظهر انوثتها الطاغية !"

عضت على طرف ابتسامتها وهي تحيد بنظراتها نحوه هامسة بوجوم
"يا لك من ماكر بلعب بمشاعر الفتيات !"

تغضنت زاوية ابتسامته بدون كلام وهو يكمل تناول شطيرته المتبقية بهدوء غامض غيم عليهما سويا ، حاد بعدها بنظره نحوها وهو يحدق بعلبة العصير بيدها لوهلة ليقول عندها بلحظات بخفوت غامض
"هل ستنهين هذا العصير ؟"

اخفضت رأسها للأسفل قليلا وهي تهمس ببرود خافت
"لا لا اعتقد....."

اتسعت حدقتيها بصدمة ما ان انتشل علبة العصير منها بلمح البصر ليرتشف منها بثواني قليلة قبل ان تراها بعدها تطير وهو يلقي بها بسلة المهملات امامهما ، تنفست بارتعاش وهي تنظر له بحدة هامسة بعبوس حانق
"من سمح لك بشرب عصيري !"

مسح فمه بكفه وهو يهمس ببرود جليدي
"انتِ قلتي بأنكِ لن تكمليه ، وانا فعلت واجبي اتجاه الاشياء الخاصة بزوجتي لكي لا يشربه احد من بعدك"

انفرجت شفتيها بذهول غزى ملامحها وهي ترفع حاجبيها بآن واحد هامسة بغيظ
"ومن المختل الذي سيفعلها ويشرب من عصير خاص بغيره ؟"

حرك رأسه بابتسامة صغيرة وهو يلوح بيده هامسا بخفوت متسلط
"الاحتياط واجب ، فهذا الأمر لا تساهل او استهانة به !"

عادت بنظرها للأمام وهي تهمس بعبوس مستاء
"لا اعلم ما هي المتعة بشرب عصير غيرك بعد ان شرب منه ؟"

عض على طرف ابتسامته وهو يميل بوجهه نحوها حتى اصبح على مقربة من اذنها هامسا بتجويفها بصوت اجش متسلي
"متعة لا تضاهيها اي متعة بالعالم ! فما لا تعرفينه يا عزيزتي بأن هذه الامور تزيد من تجاذب القطبين المتنافرين ليصبحا اكثر توافقا واكثر تشاركية !"

حادت بنظراتها نحوه ببرود وهي تبتسم بميلان طفيف هامسة بخفوت ساخر
"يبدو بأنك مستمتع بلعب على كل اوتار علاقتنا لتجعلها عبارة عن تحدي خاص بك وحدك !"

اومأ برأسه بهدوء وهو يتلمس بأصبعه الخصلات القصيرة المتمردة امام اذنها ليعيدها للخلف برفق قبل ان يهمس بخفوت مرتخي
"هذه ساحة حربنا يا ماسة والتحدي هو الفيصل بيننا"

اشاحت بوجهها جانبا وهي تخفض نظرها للشطيرة بيدها للحظات ، لتقول بعدها بقنوط وهي تمد الشطيرة امامه
"إذاً هل تستطيع اكمال هذه الشطيرة عني ؟ من اجل ان تنجح علاقتنا كما تقول قوانين التجاذب عندك"

تراجع بجلوسه وهو يقطب جبينه بجمود بعيدا عن الهزل قائلا بجدية نافذة
"لا تحلمي بها ! عليكِ ان تنهي هذه الشطيرة كاملة من اجل ان تتغذي جيدا فأنتِ لم تتناولي شيء منذ الصباح ، ولا اريد سماع اي شكوى او تذمر بخصوص هذا الأمر"

نظرت للشطيرة بين يديها وهي تهمس بتذمر عابس
"يا للقسوة !"

زفر انفاسه بهدوء وهو ينهض عن المقعد بلحظة ليمسك بالكيس الذي يحوي بقايا الطعام ، قبل ان يلتفت نحوها لوهلة وهو يشير بيده للشطيرة قائلا بأمر صارم
"انا سأذهب لأحضر لنا كأسين من الماء ، وبهذا الوقت عليكِ ان تكوني قد انهيت طعامك لكي لا ارغمك على تناولها بطريقتي ، هل هذا مفهوم ؟"

ادارت عينيها بعيدا عنه وهي تهمس بصوت خافت بقهر وصله واضحا
"لم اعرفك قاسي هكذا !"

ابتسم بهدوء وهو يستدير للأمام ليهمس بآخر كلمات قبل ان يغادر بعيدا
"توقعي كل شيء يا عزيزتي ، فلا تنسي بالحب كل شيء مباح"

نظرت بسرعة باتجاه الممر الفارغ بعد ان اختفى منه يتبعه كلامه الاخير ، لتحني بعدها جذعها قليلا وهي تنصب مرفقها فوق ركبتها لتسند ذقنها على قبضتها وهمسة غادرت شفتيها مكررة كلمة من جملته
"الحب !"

نظرت بعدها للشطيرة الكبيرة تزينها اسنانها الصغيرة على زاويتها وهي تلوح بها امام وجهها بدون اي رغبة بإكمالها بعد ان اكتفت من تأثيرها على معدتها المتقلبة والتي تحملت الكثير اليوم ، لترجع بعدها رأسها لظهر المقعد وهي تشرد بعيدا بأفكارها هامسة بابتسامة هاوية تألقت على زاوية شفتيها بضعف
"اللعنة على هذا الحب وعلى تأثيره والذي بدأ يرهق كيانها !"

_____________________________
افاقت من النوم وهي تفتح جفنيها المرهقين بصعوبة على ضوء اشعة الشمس المتسلل من ستائر النافذة ، لترفع بعدها قبضتها المضمومة وهي تفرك بها عينيها بنعاس واضح ما يزال يسلط برمال سحره عليها ، وهي التي لم يغمض لها جفن طول الليل إلا بعد بلوج الفجر بساعات الشروق الأولى لتغفو فقط لساعات قليلة انهكت قواها .

حانت منها التفاتة جانبا بإنهاك قبل ان تتسع حدقتيها الغائمتين على اقصى اتساعهما لوهلة على مرأى السرير الفارغ المجاور لها ، لتنتفض بعدها لا شعوريا جالسة على السرير وهي توزع نظراتها بأنحاء الغرفة الفارغة باهتزاز طفيف غيم على نظراتها برهبة الخوف ، لتنهض عن السرير باللحظة التالية وهي تدور حول نفسها بتشتت لم تشعر به منذ سنوات وكأنها عادت لرهاب الطفولة الذي كان ينتابها بين الحين والآخر .

انتصبت بمكانها وهي تنظر بتوجس لباب الحمام المرفق الذي فُتح فجأة لتخرج منه من كانت تبحث عنها من لحظة برفقة الممرضة الخاصة بها وهي تمسك بمرفقها تساعدها على السير بخطوات متأنية ، بينما كانت (روميساء) تحاول سحب مرفقها بضعف وهي تتذمر هامسة بعبوس حانق
"اخبرتكِ بأنه ليس هناك داعي من وجودكِ معي بالحمام ومرافقتي إليه ! فأنا استطيع تدبر اموري وحدي ، فقد اصبحت بحال افضل واستطيع القيام بمهامي الشخصية لوحدي"

اجابتها الممرضة بأدب وهي تصر على مساعدتها بالسير معها بحرص
"لا بأس يا آنسة روميساء ، فأنا موجودة هنا لتقديم العون لكِ ومساعدتك بكل واجباتك الشخصية على اكمل وجه ، فهذه هي وظيفتي هنا"

لانت ملامح (ماسة) براحة تسربت بجزيئات وجهها لتحرر ابتسامة هاوية بشحوب ملامحها الرخامية ، قبل ان تهمس من فورها بلهفة لم تستطع السيطرة عليها
"روميساء"

التفتت (روميساء) نحوها وهي تغضن زوايا عينيها الخضراوين بحنان تخصه لها وحدها قبل ان تهمس بابتسام شاحب بلطف
"ماسة متى استيقظتِ ؟ ما يزال الوقت مبكرا على الاستيقاظ !"

عبست ملامحها بارتجاف وهي تشدد من القبض على يديها بانقباض احتل احشاءها وهي تسمع ذلك السؤال البديهي من شقيقتها بعد كل ما حدث معهما وبمجريات الأمس وكأنها عادت لطبيعتها الصارمة الامومية والتي تتلبسها على الدوام ، وكأنها لم تذرف اي دمعة بالأمس على فقدانها جنينها والذي لم يعش بداخلها سوى لنصف شهر فقط رحل مع الكثير من السعادة التي جلبها معه بغمضة عين !

افاقت من بحر افكارها على صوت المقابلة لها وهي تقول بعبوس غزى محياها بلحظة
"ماسة هلا طلبتي من الممرضة ان تتركني وشأني ؟ فأنا قادرة على تدبر اموري وحدي ، فهذه ليست اول مرة اتعرض بها لنكسة بحياتي والتي لا تقارن بما كنا نعيشه سابقا !"

عقدت حاجبيها ببعض الألم وهي تبدله بسرعة للجمود الصخري الذي اعتلى محياها لوهلة ، لتتقدم عدة خطوات امام شقيقتها قبل ان تمسك بذراعها وهي توجه كلامها للممرضة هامسة بعملية جادة
"يمكنكِ الذهاب الآن ، فأنا من سيهتم بأمرها من الآن وصاعداً"

ردت الممرضة من فورها بجدية هادئة
"ولكن هذا عملي انا ، ولا استطيع ترك المريضة بعهدتك فقد وصانا السيد فكهاني....."

قاطعتها فجأة بصوت خافت مشتد
"انا قلت اخرجي من هنا !"

تلبكت ملامحها بارتجاف وهي تخفض رأسها بطاعة هامسة بأدب
"حاضر ، سأذهب لأحضر فطور الآنسة روميساء ، عن اذنكما الآن"

غادرت بعيدا عنهما لخارج الغرفة بثواني ، لتقول بعدها التي كانت تنظر لها بامتعاض متذمر
"اخبرتكم بأني بخير واستطيع الاهتمام بنفسي ! لما تصرون على ملازمتي وكأني عاجزة ولا اقدر على فعل شيء ؟....."

كانت قد وصلت بها للسرير وهي تجلسها عليه قائلة بحزم غير مبالي بكلامها الاخير
"هذا من اجل مصلحتك يا روميساء ، فأنتِ قد اصبحت مهملة جدا بخصوص صحتك وغير مبالية بما يحدث معكِ"

جلست بتعب على طرف السرير وهي تسند نفسها بيديها على جانبي جسدها هامسة بابتسامة صغيرة بحزن
"وكيف ستقدرين على الاهتمام بي وانتِ بالكاد تستطيعين الاهتمام بنفسكِ ؟"

نظرت لها بعينين ضيقتين وهي تكتف ذراعيها بنفس صرامة شقيقتها قائلة بحزم
"لا تقلقي فأنا املك قوة سيطرة استطيع بها الاعتناء بنفسي وبكِ ، فأنتِ لست الوحيدة التي تملكين هذه القوة بالعالم !"

اتسعت ابتسامتها بسعادة وهي تريح يدها فوق بطنها براحة هامسة بمحبة
"رائع ! يبدو بأنكِ قد ورثت بعض من جينات شقيقتك بعد كل شيء"

مالت ابتسامتها ببعض الشرود هامسة بهدوء
"اكيد ألسنا شقيقتين من نفس الوالدين !"

اومأت برأسها بهدوء وهي تمسح على بطنها هامسة بصوت انخفض ببهوت
"اجل"

زفرت انفاسها بصمت وهي تجلس بجوار شقيقتها على نفس السرير قبل ان تنظر بعيدا كما تفعل هامسة بخفوت
"كيف تشعرين اليوم يا روميساء ؟"

حركت رأسها بإيماءة طفيفة وهي تهمس باتزان
"بخير ، كل شيء بخير"

حادت بنظراتها جانبا وهي تعلق على كفها المستريحة على بطنها قبل ان يسبقها السؤال وهو يقفز لشفتيها بوجوم
"هل انتِ متأكدة ؟ فقد كنتِ بالأمس بحالة خطيرة جدا اقرب للموت....."

بترت كلماتها وهي تعيد ناظريها للأمام برجفة خاطفة سكنت محياها ، لتقول بعدها التي كانت تمسح على بطنها برفق هامسة برقة هادئة بدون اي حياة
"لا بأس يا ماسة فكل شيء مقدر بحياتنا عليه ان يحدث ، وهذا هو قدرنا بالحياة منذ ان ولدنا"

انتفضت بجسدها للأمام وهي تقبض على يديها فوق ركبتيها هامسة بتحفز مستاء
"تقولين مقدر ! لقد حدث كل هذا بسبب إهمالك بالانتباه على نفسكِ ، لم اعهدك بكل هذا الاستهتار يا روميساء ! لم اتوقع منكِ ان تصلي لهذا الحد بالإهمال بحياتك ! لماذا فعلت هذا بنفسكِ ؟ لماذا ؟"

مرت لحظتين غيم بهما الصمت المشحون بينهما قبل ان يصلها همسها بنبرة خافتة اقرب للجمود
"تتكلمين وكأنني تقصدت فعل كل هذا بنفسي وبطفلي ! لقد تحملت آلام كثيرة واخطاء بحياتي الماضية ، ولكنها لا تقارن بخسارة اغلى ما استطعت امتلاكه بحياتي وبجزء حي مزروع بداخلي ! لقد فاق هذا كل ألم كنت اشعر به لأنني ببساطة من قتله !"

رفعت رأسها ببطء وهي توجه لها نظرات خاوية اكتسحت حياتهما لوهلة ، لتهمس بعدها بحزن لحظي غيم على نظراتها
"انا آسفة ، لم اقصد ان اوجه لكِ اللوم"

حركت رأسها نحوها وهي تعيد الابتسامة الحانية على محياها هامسة بهدوء
"لا عليكِ يا ماسة ، فالمهم بكل هذا بأننا ما نزال احياء معافيين بعد كل حادثة او فاجعة نقع بها وهي ليست الأولى"

ادارت مقلتيها الزرقاوين بعيدا عنها وهي تهمس بخفوت بارد
"وهذا هو الجزء المؤلم بحياتنا ، الخسارة والحزن عليه بدون ان نشاركه الوداع او نرحل معه"

شحبت ملامحها بحزن لوهلة قبل ان تلوح بيدها بارتباك وهي تهمس مغيرة الاجواء البائسة بينهما
"حسنا ، لم تخبريني اين هو احمد فأنا لم اره منذ ان استيقظت ؟ هل ينتظر بالخارج ؟"

تجمدت ملامحها بلحظة وهي تكتف ذراعيها هامسة ببساطة
"لقد غادر المكان مساء الأمس لأنه لديه مسؤوليات اخرى بالمنزل والعمل عليه اتمامها ، لذا بقيت انا وشادي بالمشفى معكِ طول الليل حال إذا احتجتِ لوجود احد منا بجوارك او تدهورت صحتك"

اهتزت زاوية من شفتيها بوجوم سرعان ما بدلته بابتسامة متسعة وهي تهمس بجدية مزيفة
"اجل انتِ على حق لن يستطيع البقاء بالمشفى وترك عائلته واعماله المتراكمة بما انه المسؤول عن كل شيء بالعائلة ، كيف فكرت بأنه من الممكن ان يكون ما يزال موجود بالمشفى لهذه اللحظة ؟ حتى انتِ يا ماسة لم يكن من الجدير بكِ البقاء هنا مع زوجك طول الليل من اجل الاطمئنان عليّ ! فأنا كما قلت لكم استطيع تدبر اموري لوحدي"

نظرت لها بطرف عينيها بمغزى قبل ان تهمس بجفاء مغتاظ
"يبدو بأن رحيله مبكرا وعدم بقاءه بجانبك قد اثر عليكِ بشدة ، لذا تتكلمين بكل هذا التوتر المنفعل !"

ارتجفت اطرافها ويدها تقبض على اعلى بطنها لا إراديا لتلوح بعدها بيدها الحرة وهي تهمس بتوتر مشحون
"لا ليس هناك شيء من هذا الكلام ! فأنا اتفهم جيدا ظروف الناس ولا احمل شيء ضد احد"

عقدت حاجبيها بعدم اقتناع وهي تشيح بوجهها بعيدا عنها لتتأفف بعدها بنفاذ صبر وهي تهمس باستياء
"لا داعي لكل هذا التوتر والتمثيل امامي بأنكِ لم تتأثري ، والحقيقة بأنه لم يرحل بإرادته فقد ارغمناه انا وشادي على الرحيل بعد ان وجدنا بأنه ليس من الصحة بقاءنا جميعا بالمشفى ، لذا وافق على المغادرة بالنهاية بعد محاولات طويلة بين اخذ وشد"

اتسعت حدقتيها بانشداه لوهلة وهي ترفع قبضتها لصدرها الخافق بلهيب السعادة لم تستطع السيطرة عليها وهي تغمر كيانها بأكمله ، لتعقد بعدها حاجبيها بريبة وهي تعود بنظرها لها هامسة بمرح
"لماذا اشعر بأنكِ تحملين الكثير ضد احمد ؟ ما لذي فعله لتكوني بكل هذا الانفعال بالتكلم عنه ؟"

اسندت ذقنها فوق راحة يدها وهي تهمس باقتضاب بارد لم يخفى نفير انفاسها الشرسة منه
"ليس وحده من احمل ضده اللوم بل جميع من تسبب او كان عامل بأذيتك فأنا لن احمل له عندها سوى الكره والعداء ، وهو لن يكون استثناء عنهم وخاصة بأنه اقرب الاشخاص لكِ والمتوقع منه ان يكون السند والقوة لعائلتك الجديدة التي بدأت تثمر ، ولكن كما كنت اقول لكِ دائما لا تعطي ثقتك لكل من يعجبك وترينه بطل امامكِ فأنتِ لا تعلمين متى ستنقلب صورته هذه للنقيض ويتخلى عنكِ عند الحاجة !"

امتقعت ملامحها وهي تهمس بعبوس معاتب
"انتِ تبالغين بتصوير شخصية احمد ! فهو ليس هذا النوع من الرجال ، وايضا كل الذي حدث بالأمس كان بغيابه ومقدر ان يحدث وهو ليس له اي علاقة به ، لأنه من المستحيل ان يسمح لشيء ان يحدث لطفلنا فهو ابنه كما هو ابني !"

التفتت نحوها بلحظة وهي تهمس بعينين ثاقبتين بجمود تلون بصوتها الباهت
"هل تقصدين بكلامكِ بأنه يهتم لأمرك من اجل الطفل بداخلك لا غير ؟ ولو تخير بينكما فهو سوف يختار إنقاذ الطفل عليكِ !"

تجمدت النظرات بينهما بصقيع الاجواء التي غيمت عليهما سويا ، لتعبس بعدها صاحبة الملامح الشاحبة بهدوء وهي تشيح بوجهها باللحظة التالية هامسة بعصبية حانقة
"سحقا لنظرتكِ المتشائمة يا ماسة ! فقط لو افهم بماذا اخطئت معكِ لتتكلمي هكذا ؟ سحقا لكِ"

نقلت نظراتها للأمام وهي تهمس بابتسامة شاردة بغموض
"اعتذر لكوني ذات نظرة متشائمة"

مرت لحظات قليلة قبل ان يصدح صوت طرق خافت على الباب ليتبعها دخول الممرضة التي كانت تحمل صينية الفطور بين يديها ، لتنهض (ماسة) من مكانها وهي تتقدم بجمود امام الممرضة لتتناول الصينية منها بدون ان تنسى ان تشيعها بنظرات جامدة تستطيع تحجير قلب صاحبها ، بينما تراجعت الممرضة بأدب وهي تغادر امام نظراتهما المتناقضة عن بعضهما .

قطعت (روميساء) الصمت وهي تهمس بحزم غاضب
"ما كان عليكِ التصرف معها هكذا ! فهي لم تخطأ بشيء سوى وقوعها تحت كرهك العدائي"

استدارت امامها بهدوء وهي ترفع حاجب واحد هامسة بحدة
"ذنبها بأنها تعمل لصالح عائلة الفكهاني"

تنفست بيأس وهي ترتفع على السرير قبل ان تستقر جالسة عليه بتعب وكفها مستريحة فوق بطنها ، بينما وقفت (ماسة) بجوارها وهي تضع الصينية الخشبية ذات الاذرع السفلية على جانبي جسدها بحرص ، لتقول بعدها وهي تستقيم بهدوء عملي
"تناولي فطوركِ يا روميساء ، وانا سأذهب لأرى كيف الحال بالخارج ، ولأجهز اوراق خروجكِ من هذا المكان ، لذا اعتمدي عليّ بكل شيء"

قالت بسرعة ببسمة طفيفة مملوءة بالمشاعر ما ان همت بالمغادرة
"ماسة هل سيأتي احمد إلى هنا ؟ اقصد ألن يأتي لرؤيتي مجددا !"

تصلب جسدها بجمود للحظات وهي توليها ظهرها لتلوح بعدها بذراعها ببرود هامسة بجفاء
"قال بأنه سيأتي بالصباح قبل شروق الشمس ، ولا اعلم إذا كان صادقاً ام كاذباً ؟"

حركت رأسها بشرود وهي تمسد على صدرها بألم بحالة رهبة وخوف من اقتراب اللحظة وبعد كل ما حدث بينهما وتفوهت به بالأمس ، بينما تحركت الاخرى بخطوات ثابتة ازدادت سرعتها على الارض الرخامية وقلبها ما يزال يقرع بطبيعة غريزتها ولسان حالها يقول
(ارجوك لا تقتلها مجددا)

نهاية الفصل وبانتظار إعجاباتكم وتعليقاتكم على احر من الجمر ولا تحرموني من مشاركتكم وانطباعكم بالفصل🌹❤

najla1982 likes this.

روز علي متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 19-12-21, 01:30 PM   #239

زهراء يوسف علي

? العضوٌ?ھہ » 483901
?  التسِجيلٌ » Jan 2021
? مشَارَ?اتْي » 258
?  نُقآطِيْ » زهراء يوسف علي is on a distinguished road
افتراضي

جميلة جدا واصلي قلمك رائع

زهراء يوسف علي متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 20-12-21, 09:09 PM   #240

الساحرة 5

? العضوٌ?ھہ » 435729
?  التسِجيلٌ » Nov 2018
? مشَارَ?اتْي » 112
?  نُقآطِيْ » الساحرة 5 is on a distinguished road
افتراضي

❤❤❤❤❤❤❤❤❤❤❤❤❤❤❤❤❤❤❤❤❤❤❤❤❤

الساحرة 5 غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة

الانتقال السريع


الساعة الآن 03:39 PM



Powered by vBulletin®
Copyright ©2000 - 2022, vBulletin Solutions, Inc.