آخر 10 مشاركات
[تحميل] هن لباسٌ لكم بقلم ؛¤ّ,¸مــشـآعلـ¸,ّ¤؛ رواية أعادت معنى التميز ( جميع الصيغ ) (الكاتـب : فيتامين سي - )           »          مُلوك تحت رحمة العشق *مميزة و مكتملة* (الكاتـب : maroska - )           »          بين نبضة قلب و أخرى *مميزة ومكتملة * (الكاتـب : أغاني الشتاء.. - )           »          سلام لعينيك *مميزة * "مكتملة" (الكاتـب : blue me - )           »          تحميل رواية في أحضان الجنوب ..لأنثى الحُلم بصيغة pdf_ txt _ Word (الكاتـب : جرح الذات - )           »          وإني قتيلكِ ياحائرة (4) *مميزة ومكتملة *.. سلسلة إلياذة العاشقين (الكاتـب : كاردينيا الغوازي - )           »          [تحميل] ياصلاله خبرينا // عن قلوباً 'تهتوينا' للكاتبة / Noaaar روووعه (جميع الصيغ ) (الكاتـب : فيتامين سي - )           »          صبراً يا غازية (3) *مميزة و مكتملة* .. سلسلة إلياذة العاشقين (الكاتـب : كاردينيا الغوازي - )           »          310-عقد زواج-روايات عبير دار الحسام (الكاتـب : Just Faith - )           »          أترقّب هديلك (1) *مميزة ومكتملة* .. سلسلة قوارير العطّار (الكاتـب : كاردينيا الغوازي - )


العودة   شبكة روايتي الثقافية > قسم الروايات > منتدى قصص من وحي الاعضاء

Like Tree468Likes
إضافة رد
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 19-06-21, 09:36 PM   #71

روز علي
 
الصورة الرمزية روز علي

? العضوٌ?ھہ » 478593
?  التسِجيلٌ » Sep 2020
? مشَارَ?اتْي » 356
?  نُقآطِيْ » روز علي is on a distinguished road
افتراضي الفصل الثالث عشر


الفصل الثالث عشر..............
كانت تنظر من النافذة للطريق المظلم والذي كان يجري بسرعة بجانبها بدون اي انارة تضيء الطريق فقط اضواء السيارة الامامية هي من كانت تخترق السواد امامهم بقوة ، وبعد مسافة طالت لساعات لم تستطع حسابها بدقة من الطنين والذي كانت تشعر به يصم اذنيها منذ بدأ رحلة العودة ، حتى انها لم تشعر بخروج شقيقتها وصديقتها المصابة من السيارة بصمت بعد وصولهما لمشفى قريب من المدينة ، وكل ما تذكره هو صوت (روميساء) وهي تقول بهدوء حزين
"ارجوك اعتني بشقيقتي جيدا ، وخذ هذا مفتاح شقتنا الجديدة بالطابق السابع ببرج النجوم بمنتصف البلد ، لا تنسى ما اخبرتك به"

ولم تشعر بعدها سوى بتحرك السيارة بعيدا عنهما لتفترق عندها بعيدا عن صوت تنفسهما والذي كانت تشعر به بوجودهما ليتركاها وحدها بعالمها المشوش والغائب عن الوعي وهي تحاول التشبث بكل قوتها بخيوط ذهنها بدون ان تفلتها او تسمح لها بالهروب ، وكل ما تملكه الآن هو هذا العالم الوهمي والذي تعيش به وينسجه لها عقلها المشوش بدون ان تفقد شعورها بالواقع وهي تتمسك به بقوة بعد ان خسرت كل شيء تملكه وبقيت وحدها بهذا العالم ، فهي لن تدع نفسها تسقط غائبة عن الوعي بهذه اللحظة بالذات قبل ان تصل لفراشها ولمكانها الآمن والذي سيخلصها من كل دناءة البشر من حولها .

اخترقت اصوات ضوضاء السيارات والمركبات وعيها ما ان وصلوا للطريق السريع بمنتصف البلد والذي يعج بكل انواع البشر وكأنها امواج هائمة من حولها ، وما ان مرت لحظات أخرى مشحونة بالضوضاء حتى شعرت بتوقف السيارة أخيرا بجانب الطريق وهي تعلن عن انتهاء رحلتها الصاخبة والتي استنفذت منها كل قواها .

خرج (شادي) من السيارة ليدور حولها بخفة قبل ان يفتح الباب بجانبها وهو يمد كفه قائلا بهدوء
"هل تحتاجين للمساعدة"

نظرت (ماسة) لكفه لثواني لتتمسك بعدها بإطار الباب بيديها وهي تقول ببرود
"لا بأس ما زلت استطيع التحرك لوحدي فأنا لم اصب بمكروه بعد كل شيء"

رفع (شادي) كفه لرأسه بعيدا عنها وهو يحرك كتفيه بلا مبالاة ، بينما كانت (ماسة) تحاول النهوض بتعب وهي تشعر بالدوار يعود ليلفها بقوة ليحتجزها بمقعدها وهي تعود للجلوس عليه بإنهاك وتشنج احتل جسدها بأكمله ، لتترك بعدها إطار الباب وهي تمسد على جانب رأسها بكفها باهتزاز اصبح يحتل اطرافها بانتفاضات متفاوتة ، نظرت ليده الممدودة مجددا وهو يقول ببساطة بالغة
"والآن هل تحتاجين للمساعدة ام انكِ ستعاندين اكثر"

زمت شفتيها بألم وهي ترفع كفيها على مضض لتمسك بذراعه بقوة وهي تحاول النهوض عن مقعدها ، ليسحبها بعدها للأمام بقوة وهي تقف بارتجاف امام جسده والذي اسند وقوع جسدها المنتفض .

اغلق باب السيارة من خلفها بذراعه وهو يمسك بجسدها بذراعه الآخر قبل ان يقف بجانبها وهو يحاوط كتفيها بهدوء ، لتحاول بعدها الابتعاد عنه وهي تمسك بطرفيّ الثوب بيديها لتخطو للأمام عدة خطوات متمهلة بدون ان تسمح للدوار بأن يوقف تقدمها .

شهقت (ماسة) بوجل ما ان شعرت بجسدها يطير بفعل ذراعين حملتها عاليا بخفة ليتهدل باقي الثوب حول قدميها للأسفل ، لترفع بعدها نظراتها نحوه ما ان قال بابتسامة جانبية بثقة
"اعتذر ولكن ليس لدينا الوقت بطوله لأنتظركِ وانتِ تخطين كل عشر خطوات بخطوة ، ومراقبتكِ وانتِ تفعلين كل هذا يبعث على الملل الشديد"

عضت على طرف شفتيها باستياء وهي لا تصدق مدى بساطته بمثل هذا الموضوع بعد كل ما حدث معها للآن ، بينما تجاهل (شادي) امتعاضها والواضح بحدقتيها الحجرية وهو يسير باتجاه مدخل البناء بثبات .

وما ان وصل امام باب الشقة المطلوبة حتى انزلها على قدميها بهدوء وهو يراقب نظراتها الحادة بتصلب والتي ادارتها بعيدا عنه ، ليفتح بعدها قفل الباب بالمفتاح بحوزته وهو يدفع الباب بهدوء ، ارتفع حاجبيه بدهشة مصطنعة وهو ينظر لها وهي تدفعه لتسبقه بالدخول بقوة وكأنها ليست الضعيفة والتي تستطيع الرياح تحريكها والتي كانت عليها قبل قليل .

ابتسم بلا مبالاة وهو يسير لداخل الشقة لينظر لزواياها بتمعن هادئ ، وصل بنظره للواقفة امامه والتي كانت تمد يدها بتصلب قائلة بخفوت جامد
"اعطني حقيبتي"

اخفض (شادي) نظره للحقيبة والمعلقة على ذراعه وقد نسي امرها تماما ، ليرفعها بعدها امامها وهو يقول بابتسامة باردة
"تفضلي يا آنسة"

امسكت حزام الحقيبة بهدوء لتتراجع بخطواتها بعيدا عنه وهي تقول ببساطة
"والآن يمكنك المغادرة ، وشكرا لك على كل شيء"

ارتفع حاجبيه بخفة وبعدم تصديق لما يسمعه من وقاحة بعد كل ما فعله من اجلها ومن انقاذ كلفه حياته لتطرده بالنهاية من الشقة ببساطة ؟ ليرفع بعدها بلحظات ذراعيه لفوق رأسه وهو يقول بمرح مزيف
"رائع ، أهذا كل ما لديكِ مقابل التضحية والتي قدمتها من اجلكِ يا ناكرة الجميل ، حتى اني كنتُ على حافة الخطر بالسكين والتي كانت ستصيبني من اجل انقاذ حياتك"

حركت (ماسة) رأسها ببرود وهي تسير بعيدا عنه باتجاه بهو الشقة قائلة ببرود جليدي
"لا اذكر بأني قد ارغمتك على المجيئ وانقاذي من ذلك المصير"

زفر (شادي) انفاسه بضيق وهو يتخلل شعره بغضب دائما ما تبعثه بداخله بدون ان يعلم السبب لذلك ؟ لينقل بعدها نظراته باتجاهها وهي تجلس على الأريكة بصمت لتضع حقيبتها ارضا ، كان يتابع حركاتها الجامدة بانتباه وهي تخلع المشابك الفضية بعنف عن شعرها لتلقي بها ارضا غير مبالية بتكسر معظمها لينزل شعرها الطويل بعشوائية همجية وبعض الخصلات قد التفت بتموجات غريبة بنعومة ، لتحيط بعدها وجهها البارد بهشاشة بعيدا عن الجمود والذي كان يتسم بها بشرة وجهها الرخامية بدون اي حياة .

تأوهت بألم وهي تخفض ذراعها ببطء بعد ان تخدرت من حركتها العنيفة بآلية ، لتخفض بعدها نظراتها للأسفل بخمول هيمن على جسدها بعد قتال اجهد اعصابها ويدها تمسد على جانب رأسها برتابة ، لم تنتبه بعدها لتحرك الواقف عند باب الشقة وهو يتجه نحوها بعد ان اغلق الباب من خلفه بهدوء ، ليجلس بعدها على الطاولة امامها ببساطة بدون ان يهتم بنظراتها والتي ارتفعت نحوه فجأة بعبوس ضعيف اظهرها اكثر رقة وخاصة مع شعرها الهمجي والذي كان يشكل هالة بديعة الجمال لساحرة صغيرة تستطيع سلب القلوب الضعيفة بنظرة واحدة لأحداقها البحرية .

تنهد (شادي) بلحظات وهو يقول بتفكير عميق ناظرا لأحداقها والتي كانت تنظر له بجمود
"هل انتِ بخير ، هل ما تزالين تعانين مما حدث مع ذلك المجنون ، واصلا ما قرابته بكِ فهو يبدو يعرفكِ جيدا"

ادارت عينيها بعيدا عنه ببطء وهي تهمس بوجوم شارد
"انه ابن شقيق زوج والدتي قيس والذي كنتُ اعيش معه ، يعني قيس يكون عمه"

حرك رأسه بتفكير محبط مما استنتجه من هذه العلاقة الغريبة بينهما والتي تدل على أنهما كانا مقربين جدا من بعضهما فيما مضى مع ان الواقع يقول بأنه لا علاقة تربط بينهما ولا من اي جهة ولكن بسبب علاقتها الطويلة بزوج والدتها تحتم عليها ان تتقبل اقاربه ايضا ومن بينها تلك الفتاة صديقتهم ، عاد بنظره لها ما ان شعر بتقطع انفاسها بنشيج مضطرب لينظر مرة أخرى لحدقتيها البحرية والتي ما تزال تحتجز الدموع بهما بتجمد قاسي لم يرى له شبيه .

قال بعدها بلحظات وهو يسند كفيه على ركبتيه بقوة ناظرا لها بتمهل
"هل انتِ بخير ، اعتقد بأنه كان من الأفضل لكِ الذهاب للطبيب مع روميساء ورفيقتها"

حركت رأسها بالنفي بحذر وهي تهمس بخفوت مشتد
"انا بخير فقط احتاج لأخذ قسط من الراحة بعد كل ما حدث معي ، لذا هل تسمح لي"

عبست ملامحه وهو يفهم جيدا تلميحها له بالخروج من الشقة بكل وقاحة وبدون اعتبار لوجوده وبأنه يكون ابن خالها والذي انقذها من الخطر قبل ساعات ، رفع بعدها كفه بدون ان يمنع نفسه ليتلمس اطراف عينيها بمفصل اصبعه السبابة وهو يقول بجدية هادئة
"حقا بخير ، إذاً ما سبب هذه الدموع والتي اراها دائما بعينيكِ"

انتفضت بتشنج من ملمس اصبعه على وجهها ، لتتنفس بعدها باضطراب وهي تدفع يده بعيدا عنها هامسة بتلعثم منقبض
"هذا لا يعنيك ، واخرج من هنا"

عاد (شادي) لرفع يديه ليمسك هذه المرة بكتفيها من فوق خصلات شعرها المجنونة برفق وهو يقول بروية وكأنه يتعامل مع قطة صغيرة خرمشت وجهه بأظافرها الحادة للتو
"اهدئي يا ماسة ، واخرجي كل ما بداخلكِ من كبت فليس من الجيد حجزه بداخل روحكِ هكذا وبعينيكِ ، فكل شيء بالحياة له حد للتحمل وانتِ قد تجاوزتِ ذلك الحد"

رفعت حدقتيها الجامدة له ولأول مرة وهي تهمس بخفوت مرتجف بعيدا عن البرود والذي كان يطغى على صوتها
"لما تصر على تعذيبي ولا تخرج من هنا ، احتاج للبقاء لوحدي ، ووجودك هنا يزيد من الضغوط عليّ"

ردّ عليها (شادي) وهو يحرك كتفيه بلا مبالاة وبإصرار غريب
"لا بأس فأنا موجود هنا لأستمع وأراقب نهاية انهياركِ وإلى اين سيصل ، وانا متأكد بأنكِ عندما تخرجينها من داخلك كل شيء سيتحسن عندها"

زفرت انفاسها بإنهاك وهي تخفض رأسها ببطء شديد لتستند بجبينها على كتفه العريض وشعرها متساقط بهمجية من حولها وعلى كتفيه بسكون ، وما هي ألا دقائق معدودة الفاصلة بينهما حتى بدأت تخرج الشهقات المنتحبة قاطعة الأجواء الساكنة بتمزق صوتها وهي تتحرر من قيودها كوحش كاسر مكتوم بداخلها ودموعها تسقي قميصه الأبيض بنفس بياض ثوبها بدون ان تعيرها انتباه فقط تُخرج كل ما بداخلها من ضغط وإنهاك لا إراديا وكأنها كانت تنتظر الفرصة لتفك قيوده وتخرجه امام احد مهما يكن ، بينما كان (شادي) يدلك على كتفيها برتابة خشنة وهو يحاول تخفيف القليل من انهيارها الناعم مثل لعنة انقلب السحر على الساحر وقد كان هو الساحر .

_____________________________
بعد مرور شهر.......
سارت بسرعة باتجاه باب الشقة والذي كان يصدر صوت الرنين المتواصل وهي تحاول عقد شعرها الطويل صارخة بارتفاع صارم
"حسنا سمعت ، انا قادمة"

وما ان وقفت امام باب الشقة حتى فتحت مقبض الباب بيد وهي تمسك بعقدة شعرها الطويل بيدها الأخرى ، لتتجمد بعدها بمكانها للحظات ما ان اصطدمت نظراتها بالشخص الواقف امامها بهيبة وشموخ ملئت المكان وهو ينظر لها بعينيه الرماديتين الهادئتين وبنفس الابتسامة المتزنة والتي يحافظ عليها دائما ، ليقطع بعدها تواصل العيون صوت (احمد) وهو يقول بابتسامة متسعة بجاذبية
"صباح الخير يا روميساء ، كيف حالكِ اليوم"

ابتلعت ريقها برهبة وهي تبتسم باتساع رقيق بشفتيها الممتلئتين بعد ان اعتادت على مقابلته بها دائما وهو لا يتوقف عن زياراته لشقتهما بشكل شبه يومي وخاصة بأنه قد تكفل بمهمة إيصالها يوميا لمقر عملها وهي المدرسة الجديدة والتي اختارها لها لتبدأ عملها بها وكم تشعر بالراحة بعملها الجديد بها وبوجوده بقربها دائما من حولها ليلبي لها كل طلباتها واحتياجاتها بالحياة وقبل ان تطلبها حتى ، لتصبح حياتهما هي وشقيقتها بهذا الشهر المنصرم عبارة عن حياة هادئة لا يشوبها اي مشاكل فقط منزل يحتويهما وطعام وفير وعمل يوفر لهما المصروف اليومي بجانب المال والذي يصر (احمد) على وضعه بحوزتها وهذا غير الملابس والمأكولات والتي تصلها منه عن طريق رجاله والذين يعملون عنده وبخدمتها .

اومأت برأسها بقوة وهي تنفض الأفكار عنه لتبتسم عندها بامتنان قائلة بمودة
"انا بأفضل حال ككل يوم ، وكيف لا أكون بخير وانت دائما موجود معنا وتقدم لنا دعمك بكل لحظات حياتنا"

ابتسم بهدوء وهو يحرك رأسه باتزان قبل ان يتمتم بقوة
"هذا لا شيء امام مهمة تحقيق راحتكِ وسعادتكِ يا زوجتي العزيزة ، فأهم شيء عندي هو ان تكوني بخير وهذا يكفيني"

ابتسمت (روميساء) بإحراج شديد ظهر على خديها المحمرين بكل مرة يبدأ بها بمعاملتها بلطف وبتذكيرها بمرتبة زوجته والتي احتلتها ، ومن فرط احراجها الشديد لم تنتبه لنفسها وهي تخفض يدها والتي كانت تمسك بالعقدة بعنف ليسقط شعرها حول وجهها بكثافة ونعومة وهو يغطي جانبيها بطوله لينزل بفوضة ناعمة لأسفل كتفيها وكأنها ستارة سوداء تغطي مفاتنها عن الأعين المسحورة بها ، عادت بسرعة لرفع يديها بارتباك وهي تحاول اعادة تجميعه مرة أخرى بصعوبة ، لتشعر بعدها بكفيه وهي تمسك بيديها ليخفضهما قائلا بهدوء جاد
"دعيني اهتم بهذه المهمة"

سكنت بمكانها بجمود للحظات وهي تتابع حركاته الهادئة وهو يتخلل شعرها الاسود الطويل بأصابعه ليجمع خصلاته معا قبل ان يعقدها سويا بربطة مطاطية خلعها عن معصمه ليعقد بها شعرها على هيئة ذيل حصان طويل ، وما ان انتهي حتى ارجع ذيل حصانها لخلف ظهرها ببساطة وهو يمسد عليه مستمتعا بنعومته الفائقة والتي يجربها لأول مرة والمختلفة تماما عن تموجات شعر زوجته والتي تملئها التشابكات .

تراجعت (روميساء) للخلف بعيدا عن يديه بارتباك وهي تمسد على ذيل حصانها بتوتر ، لتقول بعدها بابتسامة صغيرة بخفوت
"شكرا لك على المساعدة"

رفعت عينيها الخضراء نحوه بتوجس ما ان قال بعبوس متجهم تراه لأول مرة على ملامحه المتزنة
"اين هو خاتم زواجكِ ، لما لا اراكِ ترتدينه"

اخفضت كفها بسرعة لتضمها مع كفها الأخرى وهي تقول بابتسامة هادئة
"اجل انا لا ارتديه دوما لأنه ثقيل جدا على اصبعي ، واخشى من ان يسقط مني بالعمل او بأي مكان بدون ان اشعر به فهو يبدو غالي جدا"

ازداد عبوس ملامحه بعدم رضا من تصرفها وقد لاحظ مرارا عدم ارتدائها للخاتم بمكان عملها وبكل مرة تخرج بها من الشقة وكأنه شيء عتيق غير مهم وجوده بحياتها وما يمثله لها وهي تعامله كصاحبه تماما ، بدون ان تعلم بأنه الشيء الوحيد والذي يمثل انتمائها له بحياته .

بينما عقدت (روميساء) حاجبيها بحيرة وهي لا تفهم إمارات الحزن والأسى والتي تحتل محياه ما ان يكتشف عدم ارتدائها للخاتم والذي لم ترتح يوما لارتدائه والتلويح به بكل مكان خوفا من ان يسرق او يفسده شيء ؟ حتى انه لم يسألها او يؤخذ رأيها بشراء الخاتم والذي احضره لها على حين غرة منها لترغم على تقبله بسعادة منقبضة وهي تراه اكبر حجما على اصبعها بكثير ومتناقض تماما عن شخصيتها والتي لم تحب يوما مثل هذه المظاهر الفاحشة والتي تخدع العين فقط .

قطع عليهما الصمت والذي غيم عليهما فجأة صوت (ماسة) وهي تقول ببرود ساخر
"مرحبا بزوج شقيقتي المحترم ، هل اتيت لتؤخذها معك لعملها ام لتتسلى معها بالكلام الغرامي عند باب الشقة كالعادة مثل المراهقين"

التفتت (روميساء) نحوها بعنف وهي تهمس بحدة
"ماسة كفى ، احترمي ابن خالكِ والذي يكون زوج شقيقتك ولا تنسي بأنه هو من يؤمن لنا هذه الحياة المريحة"

تأففت المقابلة لها بنفاذ صبر وهي تكتف ذراعيها فوق صدرها قائلة باستخفاف بالغ
"هل تريدين ان تحمليني اللوم لأني قبلت بهذه الحياة المريحة والقادمة من زوجك والذي يحاول ان يكفر عن ذنب عائلته والذين نبذونا بالماضي ، وهو بالواقع ينتظر ولو نظرة صغيرة منكِ مقابل كل الهدايا والتي يمطرها علينا منذ زواجه منكِ"

فغرت شفتيها بارتعاش مرتجف وهي تشعر بالدماء الحارة ستنفجر بأوردتها من قوة تدفقها بهذه اللحظة بالذات ، بينما اتسعت عينيّ (احمد) بوجل وهو يشيح بوجهه بعيدا عنها بإحراج استبد به ، لتتدخل بعدها (روميساء) وهي تقول بصرامة مهتزة ناظرة لها بتحذير
"اصمتِ يا ماسة ، لا اريد ان اسمع اي كلمة منكِ بحق احمد ، وإياكِ وان تعيدي هذا الكلام الوقح امامي مرة أخرى سمعتي"

حركت عينيها بعيدا عنها قائلة بملل
"حسنا فهمت لن نزعج زوجك مرة أخرى ، ألن تذهبي الآن لعملكِ فقد تأخرتِ كثيرا يا معلمة روميساء"

تنهدت بيأس منها لتنظر للساعة بمعصمها قبل ان تشهق بجزع ، لتندفع بعدها بسرعة بعيدا عنهما وهي تقول بعجلة
"انتظرني قليلا يا احمد ، فقط سأحضر حقيبتي من غرفتي"

اختفت بعدها عن انظارهما لتتقدم (ماسة) بخطواتها امامه قاطعة المسافة بينهما ، لتتوقف بعدها امامه تماما وهي تقول بخفوت هادئ
"ماذا حدث معك بموضوع البحث عن عمل من اجلي"

ادار نظراته نحوها بجمود وهو يقول بصرامة خافتة
"لا اعلم حقا ما حاجتكِ للعمل وكل شيء تريدينه متوفر عندكِ ، فقط انتِ اطلبي وكل شيء سيكون حاضر عندكِ وقت ما تشائين"

ردت عليه بتصلب خافت باقتضاب
"ارجوك يا احمد لقد تكلمنا عن هذا الموضوع من قبل ، والآن اخبرني هل وجدت ام لا"

حرك (احمد) رأسه بالنفي بوجوم غامض وهو يهمس بخفوت
"لا لم اجد العمل الذي يناسبك"

تشنجت ملامحها وهي تقول بانفعال حاد
"ولكنك تبحث لي عن عمل منذ اسبوع ، غير معقول ان تكون لم تجد لي حتى الآن اي عمل مناسب لي ولو كان خادمة بشركتكم"

حرك (احمد) رأسه بقوة وهو يقول بعدم رضا
"ما هذه السخافة والتي تتفوهين بها يا ماسة ، انتِ ما تزالين طالبة جامعية كيف تريدين مني ان اوظفك خادمة ، عندما تتخرجين يمكنكِ عندها العمل بمجال دراستك"

اشاحت بوجهها بعيدا عنه وهي تهمس بجفاء
"اشك بأن اجد وظيفة بمجال دراستي"

قطع عليهما كلامهما من تقدمت نحوهما بسرعة وهي تجري بعجلة وابتسامة كبيرة تحتل محياها وهي تقول بجدية هادئة
"هيا بنا يا احمد ، فقد تأخرتُ كثيرا على دوامي"

كان (احمد) على وشك قول شيء لتسبقه التي تجاوزته وهي تخرج من الشقة بعجلة قائلة بنفاذ صبر
"هيا يا احمد بسرعة"

التفت (احمد) برأسه للخلف بإحباط للتي غادرت من امامه بمسار ممر الشقة بعيدا عنه ، وما ان تحرك خلفها حتى سمع صوت بارد يقول من خلفه بخفوت
"شكرا لك على كل شيء قدمته لروميساء"

حرك رأسه بامتنان صامت وهو يكمل سيره خلف التي سبقته وهو يسير بخطوات متمهلة بتعمد لن تصل لها قبل ساعة بعكس خطواتها السريعة وكأنها بسباق وهو يتعمد فعل كل هذا ليستمتع باستفزازها والذي نادرا ما يخرج منها ، ونظرات (ماسة) تتابعهما بهدوء لتتنفس عندها براحة وبسعادة تشعر بها لأول مرة وهي تتمنى الأفضل لشقيقتها دائما والتي تستحق كل سعادة العالم والتي تمنتها كثيرا من اجلها .

____________________________
طرقت على باب المكتب بهدوء خافت ليلتفت عندها صاحب المكتب نحوها ببطء وهو مشغول بالتكلم على الهاتف ليشير لها بعينيه السوداوين باتجاه الأريكة امام المكتب بصمت وهو مستمر بالاستماع للطرف الآخر ، تقدمت بعدها عدة خطوات بعيدا عن الباب وهي تلوح بالكتاب بكفيها امام وجهها ليعلم سبب قدومها إليه بوقت عمله الآن ، بينما رفع (جواد) حاجبيه ببرود وهو يستمع للطرف الآخر بالهاتف بتركيز وعينيه معها ، ليفصل بعدها بلحظات الخط مع الطرف الآخر وهو يضعه فوق سطح المكتب بهدوء بالغ .

رفع (جواد) نظراته نحو التي ما تزال واقفة بمكانها بوجوم وهي تبتسم له برقة وكأنها طفلة تنتظر الأذن بالتحرك بعد ان انتهت مهلة عقوبتها ، ليبتسم بعدها بغموض وهو يحرك عينيه للأمام قائلا بجدية
"اقتربي امامي"

تحركت (صفاء) بسرعة وهي تقف امام مكتبه بطاعة تامة وذراعيها تدسان الكتاب بأحضانها بقوة ، ليقف بعدها عن مقعده وهو يدور حول المكتب بثواني قبل ان يقف امامها تماما ، فتحت شفتيها بارتباك عدة مرات وهي على وشك الكلام لولا ذراعه والتي ارتفعت نحوها ليمسك بأعلى ذراعها برفق وهو يهمس بجمود مشتد
"كيف هي حال ذراعكِ الآن ، هل تحسنت"

ارتجفت اطرافها بوجل وهي تشعر بلسعة حارقة من لمسة كفه على ذراعها بحركة عابرة وقد شعرت بها وهي تخترق سترتها الصوفية الثقيلة بقوة ، لكنها لم تتراجع او ترتعد منه كما كان بالسابق فقد اصبحت معتادة على لمساته العابرة واطمئنانه على حالها بين الحين والآخر منذ اصابتها بذلك الجرح والذي كان سببا بتقربها منه وهو يمطرها دائما بالأسئلة عن جرحها وحالته وسبب حدوثه وكأنها قد تحولت بلحظة عابرة لشخص مهم جدا بحياته ، وهي بالمقابل تلتزم الصمت التام وتحاول تجنب اجابته عن اغلب أسئلته والتي تكون معظمها عن سبب حدوث الجرح وهي تتنعم بلطفه والذي كان نادرا ما يخرج منه وهي تمثل امامه دور الاميرة المدللة بقصور الحكايات .

اومأت (صفاء) برأسها بامتنان وهي تبتسم بابتهاج لمع بحدقتيها العسليتين بتوهج
"لقد اصبح افضل من قبل ولم اعد اشعر بالألم به"

ضيق عينيه السوداء وهو يدقق النظر بملامحها المشعة بتوهج عسلي دافئ ليعود بنظره لذراعها وهو يتذكر اول مرة رأى بها حالة ذراعها المريعة وكأنها قد انشقت بسكين لتسبب ذلك الشرخ وهي ملفوفة بعدد من الضمادات والتي كانت ظاهرة حول ذراعها ومن فوق قميصها ، والآن لم يعد هناك اي شيء ظاهر حول ذراعها وقد توقفت عن لف تلك الضمادات فوق قميصها ولكن الأكيد بأن تلك العلامات ما تزال واضحة على بشرة ذراعها ولن تزول بهذه السهولة .

قال بعدها بلحظات وهو يمسك بذراعها برفق ليرفعه عاليا بحذر وكأنه يتفحص مدى الألم به
"وهل تشعرين بالألم برفعه وباستخدامه بحياتكِ اليومية"

تغضن جبينها بألم وهي تشعر بنخزة طفيفة سرت بطول ذراعها بدون ان تمنع الألم بالظهور على ملامحها الناعمة ، ولكنها تبقى اخف بقليل من الألم الحارق والذي كانت تشعر به ببداية اصابتها ، لتعض بعدها على طرف شفتيها الورديتين بارتجاف وهي تتمتم بامتعاض متألم
"بعض الشيء ، ولكنه يبقى افضل من الألم والذي كنت اشعر به بالسابق"

اخفض ذراعها بهدوء بدون ان يتركه وهو يقول بخفوت جاد
"إذاً ألن تخبريني عن السبب الحقيقي والمتسبب الرئيسي بإصابتكِ"

زمت شفتيها بحنق وهو يعيد امامها نفس السؤال والذي لم ينفك يتوقف عن السؤال عنه وكأنه يصر على نبش الحقيقة من داخلها رغما عنها بدون ان تفهم سبب عناده ؟ وكأنه يستطيع قراءة افكارها وبما يجول برأسها ، انتفضت بعدها بعيدا عن كفه وهي تتراجع للخلف هامسة بارتباك متوجس
"لقد اخبرتك بالسبب الحقيقي يا جواد ، فأنا قد وقعت على نصل سكين حاد كان ملقى على الأرض وجرح جانب ذراعي بقوة....."

قاطعها بخفوت بارد بنبرة غامضة
"لما تتكلمين بهذا الارتجاف يا صفاء وكأنكِ مرغمة على قول كل هذا"

تنفست (صفاء) بتوتر وانشداه وهي تحاول استيعاب مغزى كلماته والتي ضربتها بالصميم ، لترفع بعدها ذراعها المصاب وهي تعانق به الكتاب بحضنها بقوة وكأنها تستمد منه الدعم .

افاقت من افكارها على صوت (جواد) وهو يقول بابتسامة هادئة بالتواء خفيف
"هل احضرتِ الكتاب معكِ لتعطيني اياه ، هذا يعني بأنكِ قد انتهيتِ من قراءته"

اخفضت نظرها بسرعة للكتاب بحضنها وقد نست امره تماما والسبب والذي دفعها للقدوم لغرفة مكتبه الآن ، لترفع بعدها نظراتها نحوه وهي تقول بابتسامة صغيرة بسعادة عادت للتوهج بملامحها
"اجل لقد انهيته بالأمس ، لذا احضرته لك لتستطيع قراءته بما انك كنت تريد الحصول عليه بشدة"

حرك رأسه باتزان وعينيه تتابع سعادتها والتي تحولت من الحزن للابتهاج بثواني معدودة فقط ، لتخفض بعدها وجهها للأسفل بإحراج ممتعض من نظراته المسلطة نحوها بدون ان تبتعد عنها ولو لثانية وهو يصر على اختراق هشاشة مناعتها بسواد نظراته الحادة والتي لا تفهم طبيعة حدتها ؟

بينما كان (جواد) يمتع نظره بمراقبة خصلات شعرها المقصوصة عند مقدمة جبينها وهي تسقط امام نظرها لتغطي الرؤية امامها بلون بني مائل للذهبي يختلف عن باقي خصلات شعرها المعقودة بالخلف ، ليتنهد بعدها بهدوء وهو يرفع يده ليمسك بالكتاب بحضنها وهو ينتشله منها بقوة ما ان ارخت ذراعيها للأسفل بعيدا عن الكتاب ببطء .

رفع الكتاب امام نظره وهو يتصفح به بسرعة بلمحة سريعة ليعرف على ما يحتوي بدون ان يدقق النظر به اكثر من لحظات ، ليلوح بعدها بالكتاب ببساطة وهو يقول بغموض مبتسم
"اعتذر إذا كان هذا الطلب سيكون ثقيلا عليكِ ، ولكن هلا شرحتِ لي محتوى هذا الكتاب الشيق فأنا احب كثيرا سماع تجارب الآخرين ، من اجل ان استطيع ان احكم على الكتاب قبل قراءته"

رفعت عينيها العسليتين المتسعتين بتوجس وهي تعقد حاجبيها بتفكير قبل ان تهمس بابتسامة شاردة بحالمية
"اكيد لا امانع ، فأنا احب كثيرا ان اشارك تجاربي بالقراءة مع العالم ، وخاصة النوع المفضل عندي من القصص الخيالية"

حرك (جواد) رأسه بهدوء وهو يبتسم باتساع متصلب قائلا بسعادة غامضة
"رائع يبدو بأننا نتشارك بنفس الأفكار ، وهذا سيكون جيدا لكي نستطيع التفاهم معا"

نظرت بسرعة نحوه وهي تهمس بوجوم عابس
"وماذا عن عملك ، ألست مشغولاً الآن بالعمل ، فأنا لا اريد ان اكون سببا بمقاطعتك"

حرك رأسه بلا مبالاة وهو يسير بعيدا عنها ليجلس على الأريكة وهو يضع الكتاب امامه قائلا ببرود
"لا بأس ، فأنا لدي الآن وقت مستقطع من العمل قبل ان اعود إليه ، وبهذا الوقت يمكننا التكلم عن طبيعة هذا الكتاب وتجربتك به"

رفعت حاجبيها بانشداه من عدم اهتمامه بالعمل واصراره الغريب للتكلم عن الكتاب والذي انتهت من قراءته بالأمس ؟ لتنفض بعدها كل هذه الافكار عن رأسها وهي تتجه بسرعة للأريكة لتجلس امامه وهي تضم قبضتيها معا قائلة بحماس طفولي وتوهج احتل ملامحها مجددا بشكل مبالغ به
"حسنا بما انك مصر على سماع تجربتي فسأخبرك بها وبكل ما اكنه من حب لهذا النوع من الكتب ، فأنا بالحقيقة عاشقة لكل انواع الكتب والتي تضم الخيال والحب معا بمزيج مذهل وكأنك تعيش بعالم آخر ، وهذا الكتاب لا يختلف عنهم بالجمال فهو يملك سحر سيؤخذك بعيدا جدا لمكان لا يوجد به سوى جمال الحب وسحره والذي يلقيه على القلوب الملهوفة للحب....."

كان (جواد) يرفع حاجبيه بدهشة ممزوجة مع التجهم وهو يحاول تتبع كلامها الخافت والسريع والخارج من شفتيها الورديتين وكأنها عصفور صغير اطلق سراحه ليبدأ بالغناء والنشيد بكل مكان مسحرا العالم بصوته الرقيق مع رنة حزينة بدون ان يوقفه حائل ، وكل ما يدور بذهنه الآن بأن هذه الفتاة قد اصبحت جاهزة لتكون فريسة سهلة بعد ان اكتشف نقطة ضعفها والتي ستوصله لمراده اخيرا والذي تاق إليه كثيرا بعد سنوات طويلة حفرت بداخله بين الجفاء والحزن على ما ذهب تحت التراب بدون ان يستطيع اعادته للحياة .

_____________________________
كانت تضع كتبها امامها والتي عليها مذاكرتها فقد اقترب موعد الاختبارات جدا وعليها ان تكون على اتم الاستعداد لها ، وبما ان الوقت الآن استراحة من المحاضرات وجميع الطلاب قد خرجوا من بناء الكلية ليتجهوا للأماكن والتي يتوفر بها الطعام الدسم والاطلالة الجميلة بهذا الجو المشمس جزئياً مع رياح خريفية لطيفة ، بينما هي ستستغل هذا الوقت لصالحها لتذاكر به دروسها الفائتة بقاعة المحاضرات الفارغة وبهدوء تام بدون اي إزعاج .

عقدت حاجبيها بريبة وهي ترفع نظراتها لمصدر الصوت بحيرة وهي تنظر لورقة مجعدة ملقاة فوق سطح المكتب الخاص بالأستاذ بعد ان ألقى بها صاحبها عند باب القاعة وهرب ، وهي ما تزال تستمع لأصوات خطواته المبتعدة بقرب القاعة المتواجدة بها .

تأففت (غزل) بنفاذ صبر وهي تتحامل على نفسها لتنهض عن مقعدها وتتجه لطاولة المكتب والتي تحتل رأس القاعة ، وما ان وقفت امامها حتى تلفتت من حولها بريبة وهي تشك بزملائها السمجين بهذه الفعلة فهذا ليس بعيدا عنهم ، لتمسك بعدها بالورقة المجعدة وهي تفكر بألقائها بعيدا لتتوقف بآخر لحظة وهي تشعر بالفضول والذي يدفعها لمعرفة مضمون الورقة مجهولة الهوية .

اتسعت عينيها العسليتين باخضرار بوجل ما ان فتحت الورقة وهي تنظر لمضمون الرسالة والذي بعث رعشة طفيفة محببة بأنحاء جسدها بانتفاض
(اريد رؤيتكِ الآن وبهذه اللحظة بالذات لأتكلم معكِ ، لقائنا سيكون بمختبر العلوم بنهاية الرواق ، لا تتأخري عليّ ، المرسل عصام شرفات)

قبضت على الرسالة بقوة بين يديها وهي تخفضها للأسفل بوجوم شاردة بالبعيد وكأنها قد انتقلت لعالم آخر للتو ، لتبتلع بعدها ريقها بارتباك متشنج وقلبها يضرب بصدرها بقوة طلبا للرحمة ما ان اجتاحت رأسها تلك الذكريات المؤلمة والتي لم تبارح ذهنها يوما ، وكأنها تصر على اعادتها لتلك النقطة المشرقة بحياتها قبل ان تختفي وتداس عليها بالأقدام بقسوة بالغة بدون التفكير بصاحبتها والتي فقدت كل الأمل بالسعادة بحياتها والذي كان يكمل نقصها يوما .

زمت شفتيها وهي تشدد من القبض على الورقة فقد تكون هذه الرسالة مجرد خدعة دنيئة من احدهم ليتسلى بها لا اكثر وليست منه شخصياً ، وكيف ستكون منه وهو الآن مخطوب من تلك الفتاة المناسبة لفصيلته وطبقته كما كانوا يقول الجميع ؟ ولكن ماذا إذا كانت حقا منه شخصياً ويريد التكلم معها بجدية على انفراد بعيدا عن خطيبته ؟ هكذا ستكون قد اضاعت منها فرصة ذهبية من بين يديها لتعيد ذلك الأمل الميت للحياة مجددا والذي كان يملئه بعالمها ، فهل ستتجرأ على تجاهل مثل هذه الفرصة والتي اتت عندها على قدميها ولو كانت متأخرة ؟

تنفست بهدوء وهي تحاول ضبط اعصابها ومشاعرها المتخبطة برأسها بتشوش ، لتدس بعدها الورقة بجيب بنطالها وهي تقرر بأنها ستذهب للقائه وتستمع لما يريده منها فقط وبعدها تعود لمذاكرتها .

خرجت (غزل) بسرعة من قاعة المحاضرات وهي تسير بتمايل مرتجف باتجاه مكان المختبر ومكان لقائهما ، ولم تنتبه للخطوات الملاحقة لها بترقب خبيث خطوة بخطوة متضامنا مع خطواتها بدون ان ترهف السمع لأصوات اقدامهما بسبب شرودها بعيدا عن كل من حولها .

وقفت بنهاية الرواق وامام باب المختبر لتدلك بكفها على صدرها بارتباك وبكفها الآخر كانت تحاول الإمساك بمقبض الباب بتعرق مرتجف ، لتزفر بعدها انفاسها بنشيج متقطع وهي تندفع مرة واحدة لتفتح باب المختبر بقوة قبل ان تصطدم بفراغه وسكونه التام .

اخفضت يديها بوجوم وهي تشعر ببرودة اكتسحت كل اطرافها ونبضات قلبها والتي كانت تتصارع قبل قليل لتتوقف نهائياً وكأنها تعلن عن نهاية امل عاشت عليه للحظات معدودة ، عضت بعدها على طرف شفتيها بتفكير متأمل من ان يكون لم يصل بعد لغرفة المختبر او انه قد انشغل بشيء ما بطريقه لهنا ، لذا لا مانع من انتظاره بعض الوقت والذي لن يضر احد .

تقدمت بعيدا عن باب المختبر وهي تسير للداخل لتتوقف امام النافذة الزجاجية بشرود واجم وهي تنظر لتجمعات الطلاب بساحات الجامعة مثل خلية النحل ، بينما كان هناك من ينظر لها بابتسامة شامتة بانتشاء قبل ان تقفل عليها الباب من خلفها بهدوء شديد لتدس بعدها المفتاح بداخله وهي تغلقه بالقفل .

قالت بعدها بلحظات الفتاة بجانبها بتوجس مرتجف وهي تراقب ما تفعله بارتباك
"اعتقد بأنكِ قد بالغتِ كثيرا بهذه الخطة ، فإذا كشف امرنا سينتهي مستقبلنا بهذه الجامعة على الأكيد"

رفعت (سامية) وجهها بعنف نحوها لتلوح بالمفتاح بيدها وهي تقول بغرور خبيث
"لن يحدث شيء لنا ، إذا لم نخبر احد بالأمر فلا احد سيعلم ، لذا اهدئي"

اومأت صديقتها برأسها بالإيجاب وهي تعض على طرف شفتيها بتوتر مرتعد من ان يكشف امرهم حقا امام احد ، بينما شردت الأخرى بأفكارها وهي تعود بالنظر لباب المختبر لتضم المفتاح بقبضتها بقوة وهي ترفعه لأمام وجهها هامسة بحقد دفين وبخبث كل العالم
"هذا ما تستحقه فتاة سارقة مثلكِ مثيرة للشفقة ، فأنا لن انسى ابدا بأنكِ قد سرقتِ بيوم من الايام ما يخصني وحدي وقلبتِ الجميع ضدي ، حتى ذلك الاستاذ لم ينجو من سحرك وهو يفضلكِ عليّ وعلى الجميع ، ولكن بما انكِ متحمسة جدا للقاء حبيبك القديم فأنا سأمنحكِ فرصة لتستمتعي بلقائه بمخيلتكِ المحدودة"

شعرت بيد صديقتها وهي تمسك بذراعها لتسحبها معها قائلة بقلب مذعور
"هيا بنا يا سامية لنذهب من هنا بسرعة قبل ان يرانا احد"

سارت بعيدا عن الباب وهي تنفض ذراعها بعيدا عن كفها ليغادرا المكان من فورهما بلمح البصر ، وما ان وصلت كلتاهما لنهاية الرواق عند الزاوية حتى اصطدمت واحدة منهما بالشخص والذي ظهر امامها فجأة ليقع المفتاح من يدها على الأرض بقوة وهو يصدر صوت رنان ارتفع صداه بالأرجاء .

اتسعت عينيّ (سامية) بجزع وهي تنظر للأستاذ والذي انحنى امامها ليلتقط المفتاح من على الأرض قبل ان يستقيم بوقوفه امام نظراتهما المذعورة وهو يتمتم بجدية صارمة
"ما لذي تفعلانه بالجري بالممرات بوقت الاستراحة ، أليس لديكما شيء مفيد تفعلانه بدلا من هذه التصرفات الطفولية ، وايضا ما هذا المفتاح وماذا كان يفعل بحوزتكما"

كانت صديقتها على وشك الكلام بارتجاف متوجس لولا القدم والتي داست على قدمها بقوة آلمتها وصاحبتها تقول بغرور واثق تحسد عليه
"لقد سلمنا الاستاذ طارق هذا المفتاح لنعطيه لك وتخبئه معك لوقت الحاجة ، وهو يخص غرف المختبرات لكي لا يضيع مع احد آخر غيرك"

حرك رأسه بجمود وهو يتمعن بالنظر للمفتاح بهدوء قبل ان يهمس بصرامة قاطعة
"حسنا ، هيا تحركا من هنا وتوقفا عن الجري بالممرات لكي لا تصطدموا بالطلاب الآخرين"

اومأت (سامية) برأسها بطاعة وهي تسحب صديقتها من ذراعها لتغادر معها بعيدا عنه ، بينما شرد بالمفتاح بيده وهو يفكر بشيء آخر عليه فعله ليطمئن قلبه اكثر من شكوكه والتي بدأت تدور برأسه فهو لم يرتح ابدا لتصرفات تلك الفتاتين والكذب يطل من ملامحهما بوضوح يستطيع رؤيته بسهولة نافذة .

يتبع................


روز علي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 19-06-21, 09:55 PM   #72

روز علي
 
الصورة الرمزية روز علي

? العضوٌ?ھہ » 478593
?  التسِجيلٌ » Sep 2020
? مشَارَ?اتْي » 356
?  نُقآطِيْ » روز علي is on a distinguished road
افتراضي

كانت تنظر من زجاج النافذة بغرفة المختبر للحياة بالخارج وهي تدب بكل البشر لتدفعهم ليقوموا بالحركة بنشاط لإنجاز وظائفهم والمنوطة لهم بهذه الحياة ، وقد كان هذا المشهد المعتاد لها رؤيته منذ طفولتها لتكون الوحيدة والتي حرمتها الحياة من التحرك بحرية كباقي البشر وهي محتجزة بسرير واسع بملاءة بيضاء مع روائح الادوية الكيماوية والتي تزكم انفاسها والأجهزة الطبية والتي تمسك بأطراف جسدها بقوة لتقيدها عن الحركة وصوت دقات القلب يصم اذنيها كنغمة مزعجة معتادة على سماعها وهي تشعر باقتراب نهايتها تدنو امامها على بعد لحظات ، لكنها تعود وتذكر نفسها بأنه هذا هو قدرها وكل شيء مقدر لها سيحدث عاجلاً ام آجلاً ولا احد يستطيع الوقوف امام ما قدره الله له وكتب له ، وكم كانت من قبل تتمنى الموت ارحم من الألم والذي كانت تشاهده من حولها بعيون والديها وهي تعاني بمرض لا علاج له سوى الصبر او إجراء عملية قد لا تخرج منها حية بسبب عدم تطور الطب آن ذاك .

تنهدت وهي تستعيذ من الشيطان طاردة الأفكار السوداء من رأسها والتي تجلب لها الكآبة واختناق هي في غنى عنه ، رفعت بعدها يدها ببطء لتسندها على الزجاج بشرود وهي تنظر لملامحها الشاحبة بحزن والتي لم تتغير ابدا بعد مرور سنوات نفس الطفلة تشاهد كل العالم من حولها وهو يسير باتزان بدون ان يأبه احد بالتي توقفت حياتها بأكملها بعمر السادسة فقط ، وتحديدا عندما استيقظت على اصوات والديها وهما يتكلمان مع الطبيب والذي كان يقول بأسف شديد بدون ان تفهم سبب أسفه بذلك الوقت
"انا اعتذر لما سأقوله الآن ولكن ابنتكما تعاني من نقص بالأكسجين وصعوبة بضخ الدماء بقلبها والذي تبين بأنه ضعيف جدا على هذه المهمة وهذا هو ما يسمى بمرض القلب الرئوي ، لذا هي تحتاج للمراقبة الدائمة للتأكد من وصول الأكسجين لقلبها ولكل انحاء جسدها والإنهاك والتعب ليسا جيدان على قلبها ابدا"

لتسمع بعدها صوت والدتها وهي تقول باستنكار مذهول مهتز تشعر به لأول مرة بصوتها الصارم
"انا لا افهم اي كلمة مما تقول ، هل هذا يعني بأن ابنتي الصغيرة مريضة ، ولكنها ما تزال طفلة صغيرة ، كيف حدث هذا....."

قاطعها زوجها وهو يقول بوقار وهدوء معتاد عليه بدون ان يهتز بالخبر كزوجته
"اهدئي يا جويرية ، واتركي الطبيب يكمل كلامه"

عاد الطبيب للكلام وهو يقول بنفس الهدوء المتأسف وكأنه السبب بحالتها
"اعلم بأن هذا الخبر صادم لكما ، ولكن الجيد بالموضوع بأننا قد اكتشفنا هذا الأمر مبكرا قبل ان تسوء حالة قلبها اكثر ونضطر عندها لفعل ما هو اسوء منه"

ردت عليه والدتها وهي تتمتم باهتزاز حانق
"وماذا سيكون هناك اسوء مما اسمعه منك ، وانا اكتشف بأن ابنتي الصغيرة تصارع الموت بمرض لم اسمع عنه بحياتي من قبل ، وهي لم ترى شيئاً من الحياة بعد....."

قاطعها زوجها وهو يقول بصرامة جادة
"كفى يا جويرية ، توقفي عن تضخيم الموضوع هكذا ، فأنتِ بهذا الكلام ستقتلين ابنتكِ الصغيرة قبل ان يصيبها المرض ، ولا تنسي بأن الأعمار بيد الخالق ولا نستطيع فعل شيء حيال هذا الأمر"

كانت تستمع لصوت بكاء والدتها المكتوم وهي تنتحب بصمت ولأول مرة تسمع بكاء والدتها والتي لم يستطع اي شيء ان يؤثر على صلابتها وقوتها يوما ، ليكون خبر مرضها هو الضربة القاضية لها وكأنها على وشك الموت حقا ولم يبقى لها سوى لحظات على ذلك ، ولكن لم يكن احد يعلم بأن الأمر سيطول ليتحول من ايام لأشهر ليصل لسنوات طويلة لا نهاية لها مع مرض مستعصي لا حل له ، وكلام الطبيب الأخير يرن بأذنيها وهو يقوله قاطعا الأجواء والتي غيم عليها الحزن الكئيب
"هذا المرض ليس بهذه الخطورة هو فقط يحتاج للصبر والمراقبة الدائمة ، وبإذن الله ستصل للشفاء عما قريب بدون ان يصل لمراحل اخطر ، وكله يعتمد على قوة المريضة ومدى صبرها بهذه المحنة"

شهقت بوجل وهي تخرج من افكارها ما ان اصطدمت كرة طائرة بالنافذة من الخارج بقوة لترتد هي للخلف قبل ان تسقط ارضا بارتجاف احتل كل اطرافها لثواني ، بينما سقطت الكرة بعيدا عن زجاج النافذة وهي تتنفس بنشيج منتفض .

رفعت يديها وهي تمسح وجهها باستغفار خافت مذعور وهي تستمع لصوت ضربات قلبها والتي بدأت تصل لأذنيها بارتفاع مؤلم ، تحركت بعدها ببطء وهي تحاول النهوض بقوة خائرة لتتمسك بإطار الطاولة وهي ترفع جسدها بصعوبة وما ان استقامت بساقيها وهي تضع ثقلها على كعبيّ حذائيها المسننين حتى انزلقت لتعود للوقوع مرة اخرى بقوة ، ولم تنتبه للطاولة والتي انقلبت معها بجانبها لتقع محتوياتها ارضا وخاصة زجاجات السوائل الكيماوية والتي لطخت بنطالها الجينز ببعض البقع وقد بدأت تُخرج منها روائح وأبخرة كريهة لتنتشر بفراغ الغرفة بأكملها .

رفعت (غزل) كفها لوجهها لتغطي بها انفها وفمها وهي تشعر باختناق من كل هذه الروائح الخانقة ، زحفت بعدها للخلف بعيدا عن الطاولة المنقلبة لتكمل زحفها على ركبتيها باتجاه باب الغرفة ، وما ان حاولت فتح مقبضه بيدها الأخرى حتى اكتشفت بأنه مغلق عليها .

عقدت حاجبيها بصدمة وذهول وهي لا تفهم متى اغلق الباب وكيف حدث هذا ؟ فهي لا تذكر بأنها قد اغلقته من خلفها وحتى عندما دخلت للغرفة كان مفتوحا ؟ فماذا حدث الآن ؟

ارتخت اطرافها بتخدر لتجلس عند باب الغرفة بخمول وهي تنظر للطاولة المنقلبة وللفوضة والتي سببتها بالمكان والتي ستوصلها للفصل من الجامعة نهائياً ، انزلت كفها بعد ان شعرت بالاختناق الشديد يستبد بها وهي تشعر بذرات الهواء قد اختفت من الغرفة بأكملها ليؤخذ مكانها روائح الأبخرة الكريهة والتي تكاد تقبض على انفاسها المرهقة لتخنقها بدون رحمة ، وشفتيها منفرجتين بارتجاف متيبس وهي ترجو بعض الهواء النقي لينقذها مما هي فيه الآن وصور طفولتها تتداخل امامها بتشوش اعمى على قلبها وهي تشعر بنفس ما كانت تشعر به عندما كانت تجري بسعادة بين الأطفال قبل ان تشعر باختناق بأنفاسها وبضربات قلبها وهي ترتفع بتخبط رويدا رويدا .

اغمضت عينيها للحظات قليلة قبل ان تشعر بالجدار والذي كان يسندها من حولها يقع وهي تسقط معه للأسفل وكأنها تسقط لفجوة عميقة بدون اي مهرب ، ولكن ما لم تتوقعه بأن يتواجد بالفجوة ذراعين دافئين تتلقفانها بحنان تمنعان سقوطها وتعيدها لصدر واسع رحب تكاد تختفي بداخله وتغرق بثناياه ، وصوت واحد يرن بين ضباب افكارها المتداخلة بقوة ليخترق سواد فجوتها وينير برودة ظلامها
"غزل استيقظي ، هيا لا تتخاذلي وتستسلمي هكذا ، انتِ اقوى من هذا بكثير"

ابتسمت (غزل) بنعومة بدون ان تشعر بنفسها بعد ان فقدت طريقها لشفتيها وهي تسبح بعالمها الدافئ والذي التف من حولها بجمال وصورة صاحب الصوت اندمج مع صورة (عصام) ليصبح شخص واحد وكأن الشمس قد عادت للإشراق بعالمها المظلم ليعود الأمل ليتجدد بقلبها مرة أخرى وينمو بداخلها كبرعم صغير تفتحت الزهور عليه ، وكم تتمنى لو يطول الأمر لنهاية عمرها وعندها لن تطلب اكثر من هذا .

______________________________
كان يسند مرفقيه فوق حاجز الجسر وهو يتنفس هواء البحر العليل براحة وقد اصبح هذا المكان هو متنفسه الجديد من كل ما يشعر به من هموم الحياة ومشاكلها ومن مشاعر غريبة بدأت تجتاحه بالآونة الأخيرة لتفسد عليه رتابة حياته والتي اعتاد عليها منذ سنوات ، وكل هذا حدث معه بعد حادثة إنقاذ ابنة عمته من مجنون كان يحاول الزواج منها رغما عنها ليتبين بأنه من قرابة زوج والدتها المجرم والذي لا يقل إجراما عنه وكأن عالم الإجرام يحاوطها بكل مكان ليصبح جزء من حياتها ، ولكن هل يعقل بأن يكون لها يد بأفعالهم الإجرامية ؟ او قد يكون زوج والدتها قد زرع بداخلها دناءة وقذارة المجرمين ؟

حرك بعدها بلحظات رأسه بقوة وهو يشتم نفسه على هذا التفكير الأحمق وما وصل له حاله من انحدار خطير ، فهي لم تبارح ذهنه منذ تلك الحادثة والتي تركت آثارها عليه من انهيارها البائس امامه وعلاقتها بذلك المجرم لتعذبه بالتفكير الطويل ومخيلته تذهب به لأفكار بعيدة دنيئة يود لو يدفنها ويدفن معها حيا وكل التساؤلات تدور حول علاقتها بذلك المجرم وطبيعة حياتها معه بالسابق ؟ ولكن اللوم بكل هذا لا يقع سوى على والده والذي جرد نفسه من مسؤولية بنات عمته مع معرفته بعدم وجود لهما اي قريب وهو يبعد الجميع عنهما وكأنهما مرض معدي عليهم عدم الاقتراب منه او لمسه وحتى انه لم يمانع سكنهما وحدهما مع زوج والدتهما ، وكأنه بهذه الطريقة ينتقم من عمته (مايرين) على فعلتها مع زوجها الريفي بنبذ بناتهما بعيدا وتذوقهما الويل طويلا .

عقد حاجبيه بريبة ما ان سمع صوت الخطوات الخافتة المقتربة منه بجمود والتي يعلم جيدا من يكون صاحبها وهي تقترب منه بحذر ، ليغمض بعدها عينيه بتمعن وهو يستمع لوقع الخطوات المقتربة والتي اصبحت اوضح من قبل ، لتتأكد عندها ظنونه وهو يستمع للصوت البارد بنبرته الصلبة
"هل تحتاج للمساعدة فيبدو عليك بأنك مهموم جدا ، والانتحار ليس بالحل المناسب ابدا"

فتح عينيه بصدمة وهو يرفع حاجبيه ببطء شديد قبل ان يبتسم بتسلية ما ان عادت له ذكرة رؤيته لها عند نفس الجسر وهو يظنها فتاة غريبة ليقول عندها نفس الكلمات والتي قالتها الآن باستفزاز واضح ، ليتمتم بعدها بلحظات بنفس الابتسامة بضيق
"لا شكرا ، فمن الذي سيفكر بالانتحار بعد سماع مثل هذه الكلمات"

تغضن جبينه بحيرة ما ان لاحظ سكونها التام وكأنها قد اختفت من جانبه او قد يكون كان يتوهم وجودها ! ليلتفت بعدها بسرعة بجانبه والذي كان يسمع منه الصوت ليصطدم عندها بفراغ المكان وكأنها كانت مجرد خيال نسجه له عقله ، عبست ملامحه بتجهم وهو لا يصدق ما وصل له حاله ليسمع خطواتها وصوتها يرن بأذنيه قبل ان يختفي كل شيء بلحظات .

انتفض بصدمة وهو يدير رأسه للجانب الآخر قبل ان يخفضه للأسفل ما ان سمع صوتها وهي تهمس بخفوت باهت جالسة على الأرض بتكور وهي شاردة بالبعيد
"ما بك ، هل قلت بأنك قد عدلت عن فكرة الانتحار ، لأنه ليس لي مزاج لأوقفك عما تفكر بفعله بنفسك"

زفر انفاسه بغضب مع ارتفاع حاجبيه بوجوم وهو ينظر بضيق لجلوسها بهذه الطريقة الملفتة للأنظار وهي تعانق سترتها الخريفية لصدرها وشعرها الاسود معقود بعقدة متهدله لتطاير خصلات الشعر المتحررة امام وجهها مع نسمات الهواء الباردة بمثل هذا الفصل ، ليدس بعدها كفيه بجيبي بنطاله بتركيز وهو يتمتم بجفاء حاد
"حقا لا اعرف لما تتصرفين بهذه الطريقة الغريبة بكل مرة نتقابل فيها ، ام انكِ تحبين ان يدعوكِ الناس بغريبة الاطوار وهو اللقب الذي يناسبك"

رفعت نظراتها الزرقاء نحوه ببرود جمده بمكانه وهي تهمس بلا مبالاة متعمدة
"لا يهمني رأي الناس ، ويمكنك ان تطلق عليّ قدر ما تشاء من الألقاب فقد اعتدت عليها حتى اصبحت جزء من هويتي ، وايضا تبقى افضل من لقب ابنة المجرم"

رفع يده وهو يمسد على جبينه بوجوم ليقول عندها بصرامة باردة
"حسنا ، فسر لي الآن ما معنى جلوسكِ على الأرض بهذه الطريقة وماذا تفعلين اساسا بهذا المكان ، ام ان الوضع هكذا يروقك ويعجبك"

حركت رأسها ببساطة تطايرت معها خصلات شعرها السوداء وهي تقول بابتسامة جامدة
"هذا الأمر لا يخصك ، ولكن بما انني لا اشعر بالسوء نحوك سأخبرك ، الحقيقة اليوم ليس لدي جامعة ، لذا قررت المجيئ لأضيع وقتي بشيء احبه وهو الجلوس عند الجسر ، لذا إذا لم يكن لديك مانع ارحل من هنا فأنت تفسد عليّ خلوتي مع نفسي"

ارتفع حاجب واحد بخفة وهو يفكر بطبيعة هذه الفتاة المتقلبة مثل الموج الهادئ والذي لا تعرف طبيعته وما يخبئه لك من خفايا ومتى سينقلب ضدك ليهجم عليك بموجاته وعواصفه والتي تقتلع معها الاخضر واليابس ليعود بعدها بلحظات للهدوء التام والمصحوب مع بعض النسمات الباردة ؟ تنهد بعدها بهدوء وهو يقول بابتسامة غامضة
"إذاً لن ترحلي من هذا المكان ألا عندما ترغبين بذلك"

اومأت برأسها بجمود صامت وهي تنظر بعيدا عنه باتجاه السماء المتلبدة بالغيوم بمثل هذا الطقس والذي لا ينبأ بشيء ، بينما اخرج (شادي) كفيه من جيبيه وهو يحك ذقنه بتفكير قبل ان ينحني امامها وهو يجلس بجانبها تماما على أرض الجسر بأريحية ليمد ساقيه امامه على اقصاها مريحا كفيه على ركبتيه ببرود .

حادت بنظراتها نحوه بحدة وهي تهمس باستنكار خافت
"ما هذا الذي تفعله الآن"

حرك رأسه ببرود وهو يرفع نظره للسماء من فوقه قائلا بابتسامة جانبية
"ماذا ترينني افعل ، اجلس مع ابنة عمتي الغالية على ارض الجسر برغبة منها لنتسامر معا ونقضي سويا الأوقات الغرامية برفقة بعضنا البعض كما يفعلون الاحباء"

اتسعت حدقتيها بصدمة وهو يسمع احتكاك اسنانها معا بتصلب وشفتيها مرتجفتين بغضب ليحدث عندها ما توقعه وهي تقول بانفعال حانق
"هل تظن بأني سأقبل بحدوث مثل هذه التفاهات ، يبدو بأنك تحتاج لفتاة لتملئ فراغك وتقضي معك الاوقات الغرامية"

التفت (شادي) نحوها ببطء وهو يحرك كتفيه قائلا بتبرير مستفز
"لا تفهمي كل شيء كما يحلو لكِ ، فأنا فقط كنتُ اقول مجرد كلام عابر كمثال ، ولم اطبقه عليكِ بعد لتنفعلي هكذا ، ومن الذي سيرغب اصلا بقضاء الأوقات الغرامية معكِ"

زمت شفتيها بارتجاف وغيظ يكاد يفتك بها وهي لا تصدق نفسها بأنها تتناقش معه بمثل هذه المواضيع السخيفة ! او انها تهتم وتتضايق بمثل هذه الأمور والتي لم تكن يوما من دائرة اهتمامها ، التفتت بعدها بسرعة بعيدا عنه وهي ترجع خصلات شعرها المتطايرة لخلف اذنيها بقوة هامسة بغيظ
"يا لغرورك"

ردّ عليها (شادي) وهو يعود ايضا للنظر بعيدا عنها بنفس الهمس
"ليس بقدر غرورك ووقاحتك يا ابنة عمتي"

التفتت نحوه بانشداه للحظات قبل ان تقول بتصلب مشتعل
"ماذا قلت عني الآن"

حرك كتفيه ببساطة وهو يهمس بلا مبالاة
"لن اخبركِ فهذا شيء يخصني وحدي"

ردت عليه بتذمر وهي تتقدم منه مستندة بكفيها على الأرض بجانبه
"بل هو يخصني انا لأنك تكلمت عني ، وهذا يعني بأنه من حقي ان اعلم ماذا كنت تتكلم عني"

التفت نحوها فجأة بحاجبين مرفوعين ليصطدم عندها بوجهها القريب منه قبل ان يتمتم بابتسامة جانبية ناظرا لعينيها المتحجرتين ببرود
"إذا كنت حقا اتكلم عنكِ ، فأخبريني عن ماذا كنت اتكلم"

تعقدت ملامحها فجأة بتفكير شاحب امام نظراته والتي كانت تفترس كل ملامحها بتمعن وكأنها منحوتة من صخر وبدون ان تفقد صلابتها النادرة الوجود بهذا العالم القاسي لتكون اقسى منه بأضعاف ، ليهمس بعدها تلقائياً بابتسامة شاردة بغموض
"تبدين جميلة وانتِ غاضبة"

انفرجت شفتيها بارتعاش وهي تتنفس بانذهال قبل ان تتراجع بجلوسها بعيدا عنه بانتفاض وهي تحاول لملمت شتات أمرها والتي بعثرها ببساطة بسبب كلامه الأخير ، لتعود لجلوسها المتكور وهي تتمتم بقسوة متعمدة
"لا تتكلم معي مرة أخرى بهذه الطريقة ، فأنا لا احب سماع نبرة التسلية بصوتك"

ادار عينيه بعيدا عنها بملل وهو يعود للنظر عاليا ، ليقول بعدها بلحظات مشحونة بالهدوء والذي خيم عليهما معا بخفوت
"كيف تشعرين ، هل انتِ بخير"

عقدت حاجبيها بوجوم وهي تعبس بملامحها ما ان فهمت تلميحه الواضح وهو يتكلم عن الحادثة والتي مرّ عليها شهر كامل وكأنها بالأمس ، ولكن الذي بعث الرعشة والبرودة بأجزاء جسدها بلحظة هو تذكرها لانهيارها امامه بدون ان تتذكر تفاصيله بدقة فقد كانت بحالة من اللاوعي وتخبط مشوش بمشاعرها المنهارة من كل ما حدث معها ، وقد كان هو موجودا ليعوضها عن وحدتها والتي كانت تبث لها حزنها ودموعها وانهياراتها المتفاوتة بين الحين والآخر .

تنفست بعدها بلحظات بهدوء وهي تحاول ضبط اعصابها من تلك الذكريات لتهمس عندها بتشنج خافت
"اجل انا بخير"

ردّ عليها وهو يقول بغموض هادئ
"اتمنى هذا حقا"

زفرت انفاسها بهدوء وهي تتجاهل كلامه الأخير بدون ان تتبين مقصده منه ، ليطول بعدها الصمت بينهما بعد ان انتهى الكلام من عندهما قبل ان يقطعه صوت قطرات المطر الصغيرة والتي بدأت بالهطول ببطء لتسقي الأرض برقة وهي تخرج كنغمة عذبة لتريح القلوب الضعيفة والتي تحمل من الهموم ما يكسر الصخور .

_____________________________
كانت تتنهد بملل وهي تراقب قطرات المطر الغزيرة والتي غرقت زجاج النوافذ بالسيارة لتعيق عليها الرؤية بوضوح بينما المساحات الآلية كانت تعمل برتابة لتمسح قطرات المطر عن النوافذ الأمامية كل ثانية لتتضح عندها الرؤية امامهما اكثر قبل ان تعود لتكسوها من جديد ، رفعت احداقها الزرقاء قليلا وهي تتابع مسار سيلان قطرات المطر على زجاج نافذتها لتتضاءل تدريجيا قبل ان تختفي عند إطار النافذة بالأسفل وهذا ما يحدث مع الباقيات ، ليتغضن عندها جبينها بشرود ما ان تذكرت شغفها وحبها الكبير لمشاهدة تساقط الأمطار من خلف زجاج النوافذ وكأنها هواية تعشقها وهي ترغم شقيقتها (روميساء) لتشاركها بمشاهدة تساقط المطر حتى ينحصر ويختفي نهائياً .

رفعت (ماسة) يدها بهدوء بدون ان تمنع نفسها لتخط بطرف اصبعها على زجاج النافذة والتي يكسوها الضباب وهي تتابع النظر لما ترسمه امامها ، لتخفض بعدها كفها بعبوس ما ان سمعت صوت الجالس بجانبها وهو يتمتم بتعجب ساخر
"لم اكن اعلم بأنكِ تحبين الرسم على الزجاج عندما يكسوها الضباب بهذا الطقس ، مثل ايام الطفولة"

قبضت على كفها بقوة لتمسح الرسمة بكم سترتها بعنف قبل ان تخفضها بقوة ، ليحرك بعدها حاجبيه بخفة وهو يقول باستياء مزيف
"لما مسحتها كانت تبدو رائعة على زجاج النافذة ، وخاصة بوجهها العابس والذي يشبه شكلك الآن"

كتفت ذراعيها فوق صدرها بعصبية وهي تنظر امامها بجمود مرجعة ظهرها للخلف بتصلب ، ليدير بعدها عينيه امامه بلا مبالاة وهو يفكر بعيدا عنها بشرود ، قالت بعدها بلحظات وهي تعقد حاجبيها بحذر
"بالمناسبة كنت اريد سؤالك بأمر ، هل انت تعمل لوحدك بعيدا عن شركة والدك"

عقد حاجبيه بتفكير للحظات ما ان تذكر اكتشافه لها وهي تتنقل بحسابه الشخصي بحرية ، ليبتسم بعدها ببرود وهو يهمس بمكر
"وكيف علمتِ بهذا ، ألا إذا كنتِ تحبين البحث بحياتي ومتابعة تفاصيلها ، وما اكثر المتابعين بحياتي"

التفتت نحوه ببطء وهي تبتسم بطرافة قائلة بسخرية
"اعتقد لأني جاسوسة"

اتسعت ابتسامته بهدوء وهو يتذكر الرسالة الأخيرة والتي ارسلها لها وهو ينعتها بها بالجاسوسة ، ليضحك بعدها ببساطة هامسا بخبث
"تحاولين مجاراتي بنفس الأسلوب إذاً ، حسنا سأعلن هزيمتي لكِ واخبركِ بأنني اجل اعمل خارج شركة والدي وبمجال يتكلم عن التصميم والديكور"

ردت عليه وهي ترفع حاجبيها السوداوين المقوسين بتفكير
"هل كنت تدرس بمجال التصميم بالجامعة"

ابتسم بهدوء وهو يومأ برأسه قائلا ببساطة
"لا لقد كنت ادرس بمجال الهندسة المعمارية ، ولكني وجدتُ بأن عمل التصميم اجمل منه ، لذا قررت ان اعمل به حسب ميولي وبالشركة التي تناسبني"

حركت رأسها بوجوم وهي تهمس بتركيز بدون ان تستطيع منع نفسها
"ولما لم تعمل بشركة والدك ، ألا يوجد بها مجال العمل الذي تريده"

زفر (شادي) انفاسه بقوة وهو يتمتم بجمود متصلب شعرت به ببعض البرودة تجمد اطرافها
"اعتقد بأن هذا الأمر لا يخصك ، ويكفي اسئلة لهذا الحد فأنا لا احب هذا النوع من الأسئلة الفضولية"

زمت شفتيها بارتجاف متشنج لتعود بنظرها للأمام بارتباك وهي تلعن فضولها والذي اوصلها لهنا لتتعرض لهذا الموقف المحرج معه وهي التي لم تحب يوما كثرة الكلام والأسئلة بحياتها ، ليكون هذا الشخص هو الوحيد والذي يجعلها تطلق لسانها المعقود بحرية بدون اي إحراج او مواربة وبساطته تطغى على شخصيته وعلى حديثهما لتريحها بهذا الضغط والذي تشعر به يكاد يخنقها بحياتها .

نفضت الأفكار من رأسها وهي تعقد حاجبيها بعزم لتقول بعدها بانقباض متردد
"هل يمكنك ان تقدم لي خدمة"

ارتفع حاجبيه بدهشة للحظات قبل ان يقول بعدم تصديق
"لا اصدق ما اسمعه ، هل انا بحلم ام بعلم ، انتِ تطلبين مساعدتي انا ، ولكن لا بأس فأنا شخص معتاد على مساعدة الضعفاء مثلكِ ولكل امثالك"

تنفست بحدة وهي تتجاهل كلامه الأخير لتتحامل بعدها على نفسها وهي تقول بخفوت جاد
"اريد منك ان تبحث لي عن عمل بالشركة والتي تعمل بها"

مرت لحظات ساكنة بصمت لا يقطعها سوى صوت الأمطار الغزيرة وصوت المساحات الآليه وهي تمسح النوافذ الأمامية برتابة مملة كاتمة للأنفاس ، ليقطعه بعدها من عقد حاجبيه بوجوم حائر وهو يقول
"ولما تحتاجين للعمل من الأساس ، ظننت بأن احمد يوفر لكما كل ما تحتاجانه....."

قاطعته (ماسة) وهي تقول بنفاذ صبر ملوحة بذراعها جانبا
"كفى لقد مللت من سماع نفس الكلام من الجميع ، هو يكون زوج روميساء ولديها حقوق عليه بأن يصرف عليها ويهتم بكل احتياجاتها وبما ينقصها ، وليس زوجي انا"

التفت (شادي) نحوها وهو يبتسم بهدوء ليهمس بعدها بلحظات بغموض مبتسم
"ولما لا اكون انا من اهتم باحتياجاتكِ وبما ينقصكِ ، ألست مناسب لهذه المهمة اكثر من احمد"

انفرجت شفتيها بانشداه مرتعش للحظات وهي تحاول صياغة الرد المناسب له لتوقف وقاحته وبساطته عند حدها بمثل هذا الموضوع ، ولكن للمفاجأة لم تستطع الكلام وكأن حلقها قد تحجر عن النطق واختفت الكلمات منه بعجز تشعر به لأول مرة وهي مشدوهة بابتسامته الباردة بثقة لا متناهية لا يستطيع شيء التأثير عليها .

مرت لحظات مشحونة بالتوتر والذي خيم على الأجواء الساكنة من حولهما قبل ان تقطعها من ادارت وجهها بعيدا عنه وهي تهمس بحنق مستاء
"الحق ليس عليك بل على الحمقاء التي طلبت منك المساعدة املا بأن تكون افضل من عائلتك وتنفذ لي طلبي"

ابتسم (شادي) ببرود وهو يعود للنظر امامه ما ان اوقف السيارة جانبا عند بناء سكنها والذي يدعى برج النجوم ، ليلتفت بعدها بسرعة نحو التي فتحت باب السيارة بجانبها بقوة قبل ان توقفها اليد القوية التي امسكت بمعصمها لتعيدها جالسة بمكانها ببساطة .

التفتت (ماسة) نحوه بحدة مستاءة وهي تفلت معصمها بعيدا عن يده والتي بعثت رعشة طفيفة بأطرافها ليسبقها بعدها بالكلام وهو يشير لحقيبتها بعينيه قائلا بجدية
"اعطيني هاتفكِ قليلا"

ارتفع حاجبيها بعدم استيعاب ليمد يده بدون ان ينتظر اجابتها وهو يلتقط حقيبتها ليخرج منها هاتفها بسرعة امام نظراتها المستنكرة بعبوس ، ليضغط بعدها عدة ازرار على شاشة هاتفها قبل ان تسمع صوت رنين آخر يبدو بأنه صادر من جيب سترته الجلدية ، اعاد الهاتف ليدسه بحقيبتها قبل ان يناوله لها ببساطة ، لتمسك بعدها بحقيبتها بوجوم مستاء وهي تضع حزامها فوق كتفها قائلة ببرود جليدي
"ما هذا الذي حدث امامي الآن"

التفت نحوها وهو يبتسم باتساع قائلا بجدية باردة
"كنت احتاج لرقمك لأستطيع الاتصال بكِ ما ان اجد لكِ عمل ، كما طلبتي"

ابتسمت بهدوء وهي ترفع حاجب واحد بخفة واندهاش من تصرفه الآن معها ، لتحرك بعدها كتفيها بلا مبالاة والتي كانت شبيهة بحركته وهي تقول بخفوت ممتن
"إذاً شكرا مقدما"

حرك رأسه بهدوء وهو يرفع كفه لرأسه ليشير لجانب رأسه بأصابعه بتحية عسكرية ، ادارت رأسها بعيدا عنه وهي تفتح باب السيارة بجانبها لتخرج بهدوء قبل ان تغلقه من خلفها بقوة .

ما ان بدأت الأمطار بالهطول من جديد فوق رأسها بقطرات صغيرة بعد ان جفت واغرقت الأرض بأكملها حتى اسرعت بخطواتها باتجاه مدخل البناء وهي تضع كفها امام جبينها ، لتصل بالنهاية عند بوابة البناء الحديث لتتوقف للحظات وهي تلتفت بحيرة للسيارة والتي ما تزال واقفة بمكانها بدون ان تتزحزح ولو قليلا ، ولم تتبين عندها نظراته جيدا من خلف الزجاج المعتم بينما كانت النظرات السوداء تتأملها عن كثب من شعرها المبتل والذي التصق بجانبي وجهها لعينيها البحرية والتي كانت تتوهج بدموع المطر وهي تتلألأ بليلة معتمة قبل ان يختفي كل شيء معها ما ان استدارت لداخل البناء وهي تعلن عن نهاية ليلة طويلة انزل الستار عليها .

نهاية الفصل يا حلوين....................


روز علي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 20-06-21, 12:12 AM   #73

Moon roro
عضو ذهبي

? العضوٌ?ھہ » 418427
?  التسِجيلٌ » Feb 2018
? مشَارَ?اتْي » 851
?  نُقآطِيْ » Moon roro is on a distinguished road
افتراضي

فصل جمييييل ورائع
تسلم ايديكي عزيزتي على المجهود 🌹🌹🌹


Moon roro غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 20-06-21, 11:50 PM   #74

روز علي
 
الصورة الرمزية روز علي

? العضوٌ?ھہ » 478593
?  التسِجيلٌ » Sep 2020
? مشَارَ?اتْي » 356
?  نُقآطِيْ » روز علي is on a distinguished road
افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة moon roro مشاهدة المشاركة
فصل جمييييل ورائع
تسلم ايديكي عزيزتي على المجهود 🌹🌹🌹

تسلمي حبيبتي هذا من ذوقك يا قمر ، وتسعدني كثيرا متابعتك معنا ❤🌸


روز علي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 26-06-21, 09:57 PM   #75

روز علي
 
الصورة الرمزية روز علي

? العضوٌ?ھہ » 478593
?  التسِجيلٌ » Sep 2020
? مشَارَ?اتْي » 356
?  نُقآطِيْ » روز علي is on a distinguished road
افتراضي الفصل الرابع عشر

الفصل الرابع عشر.............
طرقت على باب الشقة عدة طرقات قوية قبل ان ينفتح امامها ليظهر الوجه العابس والذي توقعت رؤيته وهي تكتف ذراعيها فوق صدرها بعصبية واضحة بملامحها الصارمة بشحوب ، لتسبقها بعدها بالكلام وهو تقول بملل مستفز
"اتركيني ادخل اولاً وبعدها نتكلم ، فأنا اشعر بالبرد ينخر اطرافي بتجمد"

زمت شفتيها بغضب ممزوج بالتوجس وهي تنظر لهيئتها المبللة والتي كانت تقطر ماءً من شعرها حتى قدميها والقلق ما يزال ينهش احشاءها منذ عودتها من عملها واكتشافها عدم وجود شقيقتها بالمنزل ، لتبتعد بعدها قليلا عن الباب لتسمح لها بالدخول وهي ما تزال تكتف ذراعيها بغضب .

دخلت (ماسة) من فورها لداخل الشقة وهي تخلع الحقيبة عن كتفها لتلقي بها فوق الأريكة الوثيرة بمنتصف البهو بإهمال قبل ان تتبعها بجلوسها بجانب الحقيبة وهي تنفض شعرها وملابسها من قطرات المطر والتي غرقتها بالكامل ، بينما اغلقت (روميساء) باب الشقة من خلفها بقوة لتسير امامها قبل ان تقف بجانب الأريكة وهي تقول بصرامة حادة لا تخرجها سوى بوقت الحاجة
"والآن اخبريني اين كنتِ طول اليوم ، ولما لم تخبريني بخروجكِ من المنزل"

رفعت وجهها بهدوء نحو شقيقتها المتحفزة والتي تكاد تنقض عليها بأية لحظة ، لتقول عندها بابتسامة ساخرة وهي تدس خصلاتها المبللة لخلف اذنيها بقوة
"انتبهي فأنا لستُ طالبة عندكِ بفصلك ونحن لسنا بالمدرسة لتعامليني هكذا"

ارتفع حاجبيها بحذر خطر يخفي من خلفه الكثير وهي تهمس بتهديد مبطن
"ماسة هذا ليس وقت المزاح"

ادارت عينيها بعيدا عنها وهي ما تزال تتخلل شعرها المبتل بأصابعها هامسة بامتعاض خافت
"لقد ذهبت لأضيع بعض الوقت بشيء مفيد افعله بدلا من جلوسي بالشقة وحدي بدون ان افعل اي شيء بحياتي ، فأنا لست عاجزة او مصابة لكي ابقى محبوسة بهذه الشقة المملة"

عقدت (روميساء) حاجبيها بتفكير وهي تتمتم بخفوت شارد
"واين قضيتِ يومكِ ، ولا تقولي بأنكِ قد عدتِ للبحث عن عمل مجددا"

ردت عليها وهي تحرك يديها بلا مبالاة
"لا لم افعل هذه المرة ، فقد قضيتُ طول اليوم وانا اتنقل بالمدينة بحثا عن شيء مفيد اضيع به وقتي الفارغ ، ولم انتبه لتأخر الوقت لهذه الساعة"

تنهدت بهدوء وهي تهمس بجدية حادة
"ولما لم تجيبي على اتصالاتك ، لقد اتصلت بكِ اكثر من مرة"

رفعت كفها وهي تمسد بها على عنقها هامسة ببساطة
"لم اسمع لأني قد وضعت هاتفي على الوضع الصامت ، لذا لم اسمع ايً من اتصالاتك"

زفرت انفاسها بغضب مكتوم وهي تقول بحزم صارم
"كم مرة اخبرتكِ بأن تتوقفي عن وضع هاتفك بالوضع الصامت ، ماذا لو احتجت إليكِ مثلا بظرف طارئ او حدث ما لا يحمد عقباه ، كيف عندها سأستعين بكِ او اطمئن عليكِ......"

قاطعتها (ماسة) وهي تتأفف بنفاذ قائلة بحنق
"حسنا فهمت ، لن اعيدها مجددا ، هل ارتحتِ الآن"

ضيقت حدقتيها الخضراوين بعدم راحة وهي تقول بقوة ناظرة لها بتركيز
"وأمر آخر ، مرة أخرى إياكِ والخروج من المنزل بدون ان تخبريني عن سبب خروجكِ واين وجهتكِ ، لأنني قد مللت وانا انتظر عودتكِ من مكانكِ المجهول والظنون تدور برأسي نحوكِ"

انتفضت (ماسة) واقفة عن الأريكة وهي تستدير نحوها بعنفوان وخصلات شعرها المبللة تدور من حولها لتزيد صورتها شراسة وسوادا مثل سواد شعرها والذي زاد لمعانا مع قطرات المطر ، لتقول بعدها بعبوس متجهم وهي تحرك رأسها مترافقا مع غضبها
"ألا تلاحظين بأنكِ قد اصبحتِ تتسلطين عليّ كثيرا وتتحكمين بكل مواعيد خروجي من المنزل وعودتي إليه ، متناسية بأنني فتاة بالغة واعرف مصلحة نفسي اكثر من الجميع ، فأنا لم اعد طفلة لتعامليني هكذا"

كانت المقابلة لها تنظر لها بهدوء دام للحظات قبل ان تتابع (ماسة) كلامها وهي تهمس بشحوب بارد
"انا اعلم المشكلة جيدا ، كل هذا يحدث لأنني لم انتبه لنفسي وجعلت مازن يختطفني ويهددني بالزواج منه رغما عني بدون ان افعل شيء ، لذا اصبحتِ تظنين بأنني غير مؤهلة للاعتناء بنفسي بسبب عدم اهتمامي بالخطر والذي يحيط بي"

انحنت زاوية من شفتيها بضعف وهي تميل بعينيها الخضراء بعيدا عنها بحزن ، لتعود بعدها بثواني لصرامتها المعتادة لتنظر لها بتركيز وهي تمسك بكتفيها بقوة قائلة بخفوت صارم حنون
"لا تقولي مثل هذا الكلام عن نفسكِ ، فأنا اعلم جيدا بأنكِ اقوى من ان تتأثري بتلك الأمور السخيفة والتي حدثت معكِ بتلك الفترة رغما عنكِ ، وصدقيني كل الذي افعله من تسلط وقلق هو من خوفي عليكِ فأنا لن اتحمل ان اخسركِ بعد كل ما فعلته للحفاظ عليكِ بهذا العالم ولن ادع ما فعله ذلك المجنون مازن يتكرر ، فهو منذ وفاة قيس لم يعد اي شيء يربطنا بعائلتهم وبكل قراباتهم"

اومأت برأسها بهدوء وهي تنظر لها بدون اي حياة لتحفر ابتسامة شاحبة على طرف شفتيها بغموض وهي تتمتم بشك
"هل هذا يعني بأنني لست مجرد حِمل عليكِ تحمله رغما عنكِ"

انفرجت شفتيها بارتعاش مصدوم للحظات قبل ان تعانقها فجأة لصدرها لتربت على رأسها بحنان وهي تهمس بخفوت حزين بندم
"انسي كل الكلام والذي قلته بالسابق ، فأنا كنت امر بحالة من العصبية والانفعال ولم اكن بوعيّ عندما قلت كل هذا الكلام ، فأنتِ دائما ستبقين شقيقتي الصغرى والتي اعشق الاعتناء بها ورعايتها منذ كانت طفلة"

حركت (ماسة) رأسها بحركة غير ملحوظة وهي شاردة بعيدا عنها فهي لم تتأثر بكلامها قط ولم تهتم يوما لكل كلام العالم والذي كان يدور من حولها ، ولكن شعور الوحدة والذي كانت تشعر به منذ وفاة والدتها هو ما كان يبعدها عن شقيقتها ويؤثر على علاقتهما والتي ازدادت شرخا مع كلماتها الأخيرة قبل حصول حادثة خطفها والتي تشعر بها قد غيرت حياتها لتزداد وحدة وبرودا اكثر من السابق .

ابتعدت (ماسة) عنها ببطء وهي تمسك بذراعيها لتبعدهما عنها قائلة بخفوت جاف
"انا اشعر بالتعب ، وعليّ ايضا تبديل ملابسي قبل ان اصاب بالمرض"

اومأت برأسها بابتسامة هادئة وهي تربت على خصلاتها المبللة قائلة بمحبة
"حسنا ، هيا اذهبي وخذي حمام دافئ لكي يبعد عنكِ التعب ، وعندما تنتهين سيكون طعام العشاء جاهزا"

حركت (ماسة) رأسها بتصلب وهي تنحني امام حقيبتها لتلتقطها بهدوء قبل ان تغادر باتجاه غرفتها بخطوات جامدة بقوة ، بينما كانت العينان الخضراء تتابعان ابتعادها بشحوب وهي لا تعلم لما تشعر بالقلق والتوجس عليها دائما وخاصة بعد حادثة خطفها ؟ وكأن الخطر والخوف من المجهول لا يريد ان يتركهما وشأنهما ، وحتى بعد حصولهما على الحياة المريحة والتي حلما بها كثيرا فما يزال هناك امور عالقة بحياتهما لم تحل بعد وستبقى دائما تشكل حاجز بطريق سعادتهما بحياتهما المليئة بالندوب .

______________________________
اوقف السيارة امام المنزل وهو ينظر لرجل الأمن والذي كان يهرول باتجاهه ، ليخرج بعدها من السيارة وهو يناول مفتاحها للذي وقف امامه باحترام ، وما ان التقط رجل الأمن المفتاح منه حتى سار هو بعيدا عنه باتجاه مدخل المنزل ، ولكن ما دفعه للتوقف بمنتصف الدرجات القليلة امام المدخل هو صوت السيارة والتي توقفت خلف سيارته تماما .

ارتفع حاجبيه بريبة وهو ينظر لشقيقه (شادي) والذي كان يخرج من السيارة وهو يلوح له بمرح معتاد عليه ، ليبتسم بعدها بهدوء متزن وهو يتابع خطوات الذي كان يصعد درجات السلم امامه كل درجتين معا بخفة ، وما ان وصل امامه حتى قال له بتعجب وهو ينظر لملابسه المبتلة بعض الشيء وقد انحصرت الامطار وتوقفت عن الهطول تماما
"مرحبا بعودتك ، ظننت بأنك ستبات هذه الليلة خارج المنزل كالعادة ، ولكني اراك قد عدت ولو كان هذا متأخرا جدا"

اتسعت ابتسامته ببطء وهو يرفع ذراعيه جانبا قائلا ببساطة
"هذا الذي حدث يا احمد ، فقد اشتقت إليكم كثيرا وانا لا اقدر على فراقكم ، لذا قررت ان اعود لأرى كيف هي احوالكم بدوني"

تنفس (احمد) بقوة وهو يتمتم بجمود ساخر
"نحن بأفضل حال ، ولكن يبدو بأن هذا لن يستمر بعودتك"

اخفض ذراعيه وهو يعبس قائلا بحزن تمثيلي
"حقا يا احمد ، لقد جرحت مشاعري بشدة ، وانا الذي كنتُ افكر برؤيتك والاطمئنان عليك منذ ايام ولكنك لا تستحق اهتمامي"

ارتفع حاجبيه ببرود وهو يحرك عينيه بعيدا عنه ليحيد بعدها بنظراته وهو يتمتم بتفكير
"إذاً لما لم تعد للمنزل بوقت ابكر من هذا بدلاً من العودة بمنتصف الليل بعد ان غط جميع من بالمنزل بالنوم"

ابتسم (شادي) بهدوء غامض وهو يهمس بخفوت شارد بعيدا عنه
"لأن هناك قطة صغيرة عنيدة قد ارغمتني على البقاء معها والعودة بهذا الوقت"

عقد (احمد) حاجبيه بعدم استيعاب وهو يضيق عينيه الرماديتين بتركيز حاد دام للحظات ، ليتنفس عندها بيأس منه وهو يكمل صعود باقي الدرجات قائلا بنفاذ صبر
"لا اصدق بأني اتكلم مع شخص مخبول مثلك بمثل هذا الموضوع"

رفع (شادي) رأسه نحوه للحظات قبل ان يلحق به وهو يصعد كل درجتين معا ليصل له بثواني ، ليقول بعدها بابتسامة وهو يسير بجانبه امام مدخل المنزل
"ما بك يا شقيقي ، لما انقلب مزاجك هكذا ، أيعقل بأن يكون بسبب زواجك المعلق من ابنة عمتك"

وقف فجأة امام باب المنزل ليتبعه شقيقه بوقوفه بصمت دام لثواني ، ليلتفت بعدها نحوه برأسه وهو يتمتم بتحذير بارد
"هذا ليس من شأنك يا شادي ، وإياك وان تحشر نفسك مرة أخرى بأمور لا تعنيك"

رفع ذراعيه وهو يسندهما لخلف رأسه قائلا بلا مبالاة
"لما كل هذا الغضب وانا لم اقل شيئاً بعد ، وبالمناسبة كيف حال بنات عمتي بتلك الشقة ، هل كل امورهما بخير"

اومأ (احمد) برأسه بالإيجاب وهو يتمتم باقتضاب
"كل امورهما بخير فأنا اهتم بكل احتياجاتهما ، ولن ادع اي شيء ينقصهما بحياتهما بوجودي"

عقد (شادي) حاجبيه بتفكير عميق وهو يشعر بأن شقيقه الكبير يخفي عنه شيئاً ما بدون ان يتجرأ على البوح به امام احد وهو الذي يجعله عكر المزاج هكذا بالآونة الاخيرة ، قطع عليه افكاره صوت (احمد) وهو يتمتم بوجوم حائر
"لما ملابسك مبتلة هكذا ، هل كنت تلعب تحت المطر"

اخفض (شادي) نظراته لملابسه والتي جفت قليلا من قطرات المطر لتترك بقع باهتة على ملابسه ، لينفض بعدها سترته الجلدية وهو يعود لرفع نظراته له قائلا بمرح مستفز
"ألم اخبرك بأن تلك القطة ارغمتني ايضا على انتظارها تحت المطر"

تصلبت ملامح (احمد) بغضب مكتوم وهو يسير بعيدا عنه لداخل المنزل ببرود بعد ان استبد به الغضب منه ومن سخريته المزعجة المقيتة ، بينما سار (شادي) خلفه بخطوات هادئة بملل وهو يتابع مغادرة شقيقه بعيدا عنه وكل ما يفكر به الآن هو لقائه بتلك القطة السوداء المبتلة والتي تملك اغرب عينين رآهما بحياته وهما تمزجان بين الضعف والقوة وجمال يطغى على كليهما معا .

كان (احمد) قد وصل لغرفته ليفتح الباب بقوة بدون ان يطرق عليه كالعادة ، لينظر عندها للمشهد المعتاد اليومي وهو يتابع زوجته والتي كانت ما تزال تنتظر عودته للآن وهي تقف امامه بتجهم مثل مأمور الشرطة ، لتبدأ بعدها بالكلام بعصبية اصبحت تلازمها مؤخرا وهي تمطره بكل انواع الشرارات الحارقة والحقد والذي لا يفهم منطقه
"لما تأخرت بالعودة للمنزل بمثل هذه الساعة ، ولما السؤال وهي واضحة مثل عين الشمس لقد كنت عند زوجتك الثانية والتي تكون اهم مني مكانة ، وماذا عني انا مجرد زوجة اولى غير مبالي بمصيرها البائس وانت تعلقها بغرفتك مثل اللوحة والتي تزين بها هذه الغرفة....."

قاطعها (احمد) بغضب وهو يمسد على جانب رأسه بأصابعه بألم اصبح يلاحقه منها
"كفى اخرسي يا سلوى ، ألم تملي من إعادة نفس الاسطوانة امامي كل يوم ، وكأنه ليس لدي شيء افعله سوى الذهاب لزوجتي الثانية طول اليوم ، وإذا كنتُ قد ذهبت إليها فليس لديكِ اي حق بالاعتراض فهي تكون زوجتي مثلكِ تماما"

زمت شفتيها بامتعاض واضح وهي تقاوم دموعها والتي تتسابق لتخرج من مقلتيها ، لتبتلع بعدها ريقها بقوة وهي تتمسك بقميص نومها من الجانبين قائلة بقسوة حادة
"انا لا اسمح لك بتجاهلي بهذه الطريقة المهينة ومعاملتي بهذا الجفاء ، ومن تكون هي لتقارنها بي ، انا ابنة النسب والعز والجاه بينما هي مجرد مجرمة دنيئة سرقت زوجي مني....."

عاد (احمد) لمقاطعتها بتصلب وهو يقبض على كفيه بجانبيّ جسده مسيطرا على اعصابه امامها بأعجوبة خرافية
"كفى يا سلوى ، كم مرة عليّ ان اكرر بأنه لا يسمح لكِ بأن تهيني ابنة عمتي امامي بكلمات دنيئة وحقيرة لا تناسب مقامنا ، فلا تنسي بأنها زوجتي وما يمسها يمسني انا ايضا ، لذا رجاءً كفي عن هذه التصرفات القبيحة والتي اصبحت لا تطاق منكِ ابدا"

سار (احمد) بعد ان انهى كلماته بعيدا عنها باتجاه الحمام المرفق ، ليتوقف بعدها بمكانه ما ان شعر بقبضتين تتمسكان بذراع سترته بقوة وهي تتشبث بها بأظافرها ، لتقول عندها برجاء ودموعها تعود للجريان على وجنتيها بانهيار حاد
"لا تفعل معي هذا يا احمد ، فأنا لم اعد اتحمل هذه الحياة وأخرى تشاركني بك ببساطة ، وانت لا تعير مشاعري وكبريائي والذي تهدر بسبب تلك النكرة اي اهتمام"

تنفس (احمد) بهدوء وهو ينفض ذراعه بعيدا عنها والذي طبع عليه آثار اظافرها والذي غرز بقماش سترته ، ليقول عندها ببرود وهو يكمل خطواته باتجاه الحمام بجمود
"انتِ من عدتِ لهذه الحياة بإرادتكِ الحرة ، إذاً تحملي نتائج قراراتك"

شهقت بوجل ما ان اغلق باب الحمام من خلفه بقوة وكلماته الأخيرة تضرب عقلها وقلبها بالصميم فهو على حق بكل كلمة قالها اهدرت كرامتها المجروحة ، لترفع بعدها كفها بارتجاف وهي تغطي بها شفتيها ما ان بدأت الشهقات المنتحبة بالخروج وهي تلعن نفسها مئة مرة لأنها اصغت لوالدتها منذ البداية وعادت إليه ، وهي منذ عودتها إليه صاغرة خانعة وقد انقلبت حياتها رأساً على عقب لتتحول لجحيم تكاد تحترق بها يوما بعد يوم وهو يعاملها بجفاء وبرود قضى على المتبقي من عقلها وعلى كبريائها المكسور من كل ما يحدث معها ومنذ اليوم والذي عادت به لهذا المنزل بدون اي كرامة تحافظ عليها .

_____________________________
كانت تعانق ساقيها بذراعيها بهدوء وهي تسند نفسها لظهر السرير ونظراتها شاردة بالنافذة المفتوحة بغرفتها والستائر تطاير مع نسمات الهواء الباردة برقة والتي كانت تُدخلها بهذا الوقت من الليل ، تنهدت بعدها بملل وهي ترفع يدها لتدلك بها اعلى ذراعها بارتجاف متشنج ما يزال يلازمها منذ خروجها من تلك الحادثة حية بعد ان ظنت بأن نهايتها قد اقتربت وهي بين يديّ من ظنت بأنه فارسها المنتظر .

تصلبت ملامحها فجأة عند هذه النقطة وهي تخفض ذراعيها بخمول لتتذكر عندها شعور الأمان والذي اجتاحها بين ثنايا ضباب يقظتها من منقذها والذي لم يكن سوى استاذها بالجامعة ، زمت شفتيها بحزن عميق وهي تشعر لأول مرة بالخزي والضعف من مشاعرها وآمالها والتي ظنت للحظة بأن (عصام) قد عاد لحياتها وصدق برسالته تلك والتي تُظهر مدى سخافتها والتي دفعتها للوقوع بذلك الفخ بمنتهى البساطة ، لتقع بالنهاية بين ذراعيّ استاذها بضعف وهي تظن لآخر لحظة بأنه (عصام) لتكتشف عندها المصيبة الكبرى والتي ستجعلها مصدر سخرية استاذها لأيام متتالية والذي لن يتوانى الآن عن نقل هذه الحادثة لجميع الاساتذة بقسمها .

اغمضت عينيها بقوة على احداقها الدامعة وهي تستغفر ربها وتشكره على نعمة الحياة والتي اوهبها لها بعد ان نجاها من هذه الحادثة بمعجزة ، فهي قد استنشقت الكثير من تلك الأدخنة الكيماوية والغير جيدة على صحتها وخاصة على مجرى تنفسها والذي يتصل بقلبها الضعيف مباشرة والذي ما يزال يعاني من المرض فهي لم يمر الكثير على تعافيها تماما من مرضها والذي دام معها لسنوات ، وهذه الحادثة قد اثرت كثيرا على قلبها وكادت توقفه عن العمل نهائيا لتعود مرة أخرى للاتصال بالأجهزة الطبية بكل انحاء جسدها والتي لم تنفصل عنها منذ طفولتها ، ولكن الجيد بأن الأمر لم يدم كثيرا معها بسبب عدم استنشاقها لكمية كبيرة من الأدخنة واستطاعتهم تزويدها بالأكسجين الاصطناعي والذي دائما ما يكون جاهزا من اجلها .

فتحت عينيها بحذر لتتسلل دمعة صغيرة من احداقها بدون ان تستطيع منعها وهي ترفع ذراعها ببطء لتنظر لوخز الحقن والتي ملئت كفها وطول ذراعها وهي عبارة عن مسكنات لتهدئ تشنجات جسدها من نقص الاكسجين ، رفعت كفها بسرعة لتمسح الدمعة الهاربة عن وجنتها وهي تتنفس بنشيج متقطع ، لتبتسم بعدها بشرود ما ان تذكرت أول لقاء لها مع صديقها (عصام) والذي تحول بيوم وليلة لكل شيء بحياتها .

كان بوقتها اللقاء بينهما بأول يوم لها بالجامعة قبل سنتين بعمر الثامنة عشرة عندما خطت قدميها أول خطواتها بساحة الجامعة بعد ان تأكدت من شفائها الكامل من المرض ، ولكن وجودها بهذا العالم المكتظ بكل انواع البشر اربكها وارهبها وهي التي لم تعتد على وجود احد سوى على عائلتها وطاقم اطبائها مع فريق من الاساتذة بكل سنوات مرضها ، لتصطدم بعدها بذلك الشاب النحيف بسيط الهيئة والذي التفت نحوها بحيرة وهو يقول بتهذيب محترم
"هل هناك مشكلة يا آنسة ، تبدين طالبة جديدة بالجامعة"

رفعت نظراتها نحوه باهتزاز وهي تهمس بخفوت متوجس
"كيف عرفت بأني طالبة جديدة بالجامعة ، هل تعرفني من قبل"

ضحك الشاب بانشراح وهو يقول بابتسامة لطيفة بهدوء
"لا ليس هكذا هو الأمر ، ولكن شكلكِ الغريب وتوترك الواضح هو ما فضحكِ يا آنسة...."

علقت الكلمة بحلقه وهو ينتظر اجابتها بهدوء فاغرا شفتيه ببلاهة ، لتقول بعدها (غزل) بسرعة بإحراج وهي تبتسم برقة
"غزل هذا هو اسمي"

ابتسم (عصام) باتساع وهو يرفع كفه بخفة قائلا ببساطة
"وانا اسمي عصام شرفات ، تشرفنا"

نظرت للحظات لكفه الممدودة قبل ان ترفع كفها بتردد لتصافحه قائلة بمودة
"شكرا لك"

اخفض كفه ليفرد ذراعه امام صدره بحركة مسرحية وهو يقول بثقة بالغة
"من الآن يمكنكِ اعتباري صديقكِ ومرشدك بهذه الجامعة الكبيرة ، وسأتكفل بكل مهام تعريفكِ بالمكان فأنا سأكون دائما بخدمتكِ وبخدمة جميع من هو بحالتكِ من الطلاب الجدد بهذه الجامعة يا آنسة غزل"

اتسعت ابتسامتها لا إراديا وهي تتنفس براحة وكأنها قد وجدت طريقها الصحيح بهذه الحياة الجديدة والتي دخلت إليها بعد معاناة طويلة مع مرض مستحيل غير معروف مصيره ، ليكون هو وجهتها القادمة ونهاية مطافها بهذه الحياة والتي استبدت بها كل ذرة من طاقتها سرقها منها المرض .

انتفضت من ذكرياتها ما ان سمعت صوت طرق خافت على باب غرفتها ، لترفع عندها يدها وهي تمسح وجنتيها قائلة بارتفاع مرتجف
"تفضل"

دخل والدها للغرفة بهدوء وهو يبتسم لها باتزان حنون لم يخفي صرامة ملامحه ، بينما قابلته (غزل) بنظرات حزينة بهدوء وابتسامة صغيرة شقت طرف شفتيها بتعب ، سار بعدها بلحظات للداخل باتزان ليغلق زجاج النافذة بهدوء قبل ان يلتقط كرسي من زاوية الغرفة ليضعه بجانب سريرها وهو يجلس عليه بشموخ .

انزلت (غزل) ساقيها لأسفل سريرها وهي تعيد خصلات شعرها القصيرة لخلف اذنيها بحذر ، بينما كان والدها يراقبها بتركيز هادئ قبل ان يبادر بعدها بالكلام وهو يبتسم بهدوء
"كيف تشعرين الآن يا ابنتي ، اتمنى ان تكون كل اموركِ على ما يرام الآن"

اومأت برأسها بالإيجاب بصمت وهي تهمس بخفوت
"كل شيء بخير يا ابي و الحمد الله ، لا تقلق عليّ فهذا ليس جديدا على حالتي"

عبست ملامح والدها بصلابة وهو يقول بقوة
"لا اريد ان اسمع هذا الكلام المتخاذل منكِ مرة أخرى ، فأنتِ قد تحديتِ المرض على مدار سنوات واستطعتِ التغلب عليه بالنهاية بصلابة ، لذا لا تستخفي بقدراتكِ الكامنة بداخلكِ يا ابنتي ، فليس الكثيرون لديهم قوة احتمال مثلك"

زمت شفتيها بتشنج وهي ترفع وجهها نحوه بحزن لتهمس بعدها بلحظة بمرارة وضعف
"ولكني قد تعبت يا أبي ، حقا لقد تعبت كثيرا ، أليس هناك نهاية لهذه الحال تريحني من كل هذا ، فقد طالت كثيرا واكثر مما احتمل"

تنهد والدها بهدوء وهو يبعد نظراته بعيدا عنها بتصلب ليتمتم عندها بقوة
"اسمعي يا غزل ، نحن لا نستطيع فعل شيء لنوقف هذه الحال او نغيرها للأفضل فكل هذا بيد الله وحده ، وقد قال الطبيب من قبل بأن هذا المرض سيبقى أثره مرافق لكِ للأبد ألا إذا اجريتِ تلك العملية الخطرة لزراعة قلب جديد لكِ ، وانا لا استطيع ان اخاطر بمثل هذه البساطة ، ولكني ممتن جدا باستقرار حالتكِ ونجاتكِ من تلك الحادثة والتي ادت لفقدانكِ الكثير من الأكسجين ، وكل ما يهمني الآن هو سلامتكِ يا ابنتي"

ردت عليه بوجوم قاتم وهي تخفض نظرها للأسفل بهدوء
"إذا كنت تهتم بصحتي حقا ، لما رفضت عليّ السعادة الوحيدة بحياتي"

تصلبت ملامح والدها بغموض ومشاعر متنافرة قد بدأت تغيم من حولهما بوجوم حزين ، ليقطع الصمت بعدها صوت انفاس والدها الهادئة وهو يتمتم بجمود متزن
"هذا السؤال لن يجيب عليه احد غيركِ يا غزل ، وتذكري بأن كل شيء افعله لكِ ولأشقائك من اجل مصلحتكم فقط ، فأنا لستُ عدوكم اللدود لأقف امام سعادتكم ، وعندما تجدينها حقا سأكون عندها أول المرحبين بها"

عقدت حاجبيها بتفكير مشوش بدون ان تنطق بأي كلمة فقد تعبت حقا من كثر الكلام بهذا الموضوع والذي اتعب حلقها بدون فائدة ترجى ، قالت بعدها بلحظات بعبوس واجم
"وماذا سيحدث بخصوص دوامي بالجامعة"

وقف والدها عن الكرسي بهدوء وهو يقول بصرامة قاطعة بقوة
"موضوع دوامكِ بالجامعة عليكِ ان تنسيه تماما ، فقد اخطأتُ كثيرا عندما سمحت لكِ بالدخول للجامعة منذ البداية بحالتك هذه الغير مستقرة تماما بعد ان تحسنتِ من مرضكِ وتماثلتِ للشفاء ، لذا ستعودين كما كنتِ بالسابق على التعليم بالمنزل وانا سأحضر لكِ افضل الاساتذة بالجامعة ليهتموا بتعليمك جيدا ، فنحن لا نريد ما حدث اليوم صباحا ان يتكرر"

اومأت برأسها بالإيجاب بخنوع وهي تبتلع ريقها بحشرجة لم تستطع السيطرة عليها فقد ملت حقا من تواجدها بمكان لا يتقبلها ولم يحبها يوما وهي متأكدة بأن فخ رسالة (عصام) من تدبير احدهم يبدو يُكن لها كل السوء بدون ان تعرف السبب لذلك ؟ فهل هي كائن بائس وما يدفعهم نحوها هي الشفقة لا اكثر كما قالت تلك الفتاة ؟

قالت بعدها بخفوت شاحب بدون ان ترفع نظرها نحوه
"حاضر يا ابي ، كما تريد"

تقدم والدها باتجاهها بجمود ليقف امامها تماما وهو ينظر لرأسها المحني ذو الشعر الاسود القصير الناعم والمتناقض تماما عن شعر شقيقتها الكبرى ، ليرفع عندها كفه وهو يمسح على شعرها القصير قائلا بهدوء حنون
"اعتني بنفسكِ جيدا يا ابنتي ، فأنتِ دائما ستبقين فتاتي الأقوى من بين جميع اخوتك ولا شيء سيقدر على كسركِ مهما كان كبيرا وصعبا"

تنهدت (غزل) بهدوء بدون ان تجيبه بشيء وهي تقاوم رغبة قاهرة بالبكاء امامه الآن ورجاءه لكي لا يمنعها عن الذهاب للجامعة والمتواجدة بها سعادتها الضائعة ، اغمضت عينيها بقهر وهي تشعر بانسحابه وخروجه من الغرفة بصمت قاتم زاد مع اختفاءه وهو يكاد يبتلعها .

زفرت بعدها بلحظات انفاسها بشهقة منتحبة تحررت الآن بعد ان خنقتها طول وجود والدها بالغرفة وهي توافق على طلبه ببساطة نحرت روحها بدون رحمة ، لترفع بعدها نظراتها المهتزة باخضرار شاحب اختفت منها الحياة وعبارة واحدة وكلمات مجردة من المشاعر تتكرر برأسها وامام عينيها منذ سنة كاملة مضت
(نحن ليس لدينا فتيات رخيصات لتقبل بمثل هذا النوع من عروض الزواج والذي لا يناسب مقامنا ولا نسبنا ، لذا يمكنك ان ترحل من هنا بكرامتك فطلبك ليس عندنا ولا تحاول البحث عنه بعائلتنا مجددا ، وهذا آخر كلام عندي)

يتبع..................


روز علي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 26-06-21, 10:10 PM   #76

روز علي
 
الصورة الرمزية روز علي

? العضوٌ?ھہ » 478593
?  التسِجيلٌ » Sep 2020
? مشَارَ?اتْي » 356
?  نُقآطِيْ » روز علي is on a distinguished road
افتراضي

كان يسند ذقنه فوق قبضته المنتصبة فوق سطح الطاولة بشرود وحاجبيه السوداوين معقودين بغموض حاد معتاد عليه كجزء من شخصيته وهو يحاول مجاراة حركات الجالسة امامه بنفس الطاولة وهي تلوح بكفيها بكل الاتجاهات وشفتيها الورديتين تتحركان بتناغم مع كفيها وهي تتكلم عن كل شيء يخص حياتها الخيالية كما يراها بدون اي مواربة او تردد وكفها تعيد خصلات شعرها الناعمة المتطايرة امام عينيها لخلف أذنيها كل حين بدون ان يستطيع منع نفسه من المتابعة معها كلمة بكلمة ، وهو يتسائل إذا كانت تتكلم مع الجميع بهذه الطريقة المنطلقة بدون اي حدود او حواجز وبطريقة ملفتة للأنظار وللأذن لسماع المزيد من هذه التفاهات بصوت تغريد الطيور الشجية والتي تجذب جميع المخلوقات إليها ؟

تغضن جبينه فجأة بغضب مكتوم غير معبر بالتفكير بهذه النقطة والتي لم تعجب افكاره ابدا وهو يتخيل هذا المخلوق الانثوي امامه ينظر له احد بنفس الطريقة والتي ينظر بها الآن ! حرك رأسه بقوة وهو ينفض تلك الأفكار الحمقاء من رأسه والتي بعثرت كيانه بأكمله وهو يعود لضبط زمام الأمور كالعادة كلما شعر بتشتت بأفكاره بسببها ، وهذا ما يحدث معه دائما بكل مقابلة تجري بينهما وبأيام عطلتها من الجامعة عندما تشارك والدها بالعمل وقد بدأ كل هذا بالوقت المستقطع له بالعمل ليصبح وقتهما الخاص بهما وحدهما والذي يقضيانه بالمقهى بجانب مكان العمل حتى ينتهي الوقت المستقطع ليعود عندها كليهما للعمل مرة أخرى ، بدون ان يفسر متعته الخاصة برفقتها ؟

رفع نظراته السوداء نحوها بتركيز ما ان سمع صوتها الرقيق وهي تنادي باسمه بخفوت قلق متناقض عن كلامها المسترسل السابق
"جواد ، هل انت معي"

ضيق (جواد) عينيه بتركيز حاد للحظات قبل ان يهمس بابتسامة جامدة ببرود
"اعتذر هل كنتِ تكلميني للتو ، لأني لم اسمعكِ جيدا"

عبست زاوية من شفتيها برقة وهي تهمس بخفوت حزين
"لقد كنت اسألك ان تخبرني القليل عن حياتك ، فأنا لا اعرف شيئاً عنك سوى بأنك تعيش وحيدا ، ولم تخبرني لما تعيش وحيدا واين هي عائلتك"

عقد حاجبيه بهدوء وهو يبعد ذقنه عن قبضته ليعود بجلوسه لظهر الكرسي وهو ينظر بعيدا عنها بشرود ، ليقول بعدها بلحظات بجمود ساكن وملامحه قد هدئت تماما بدون ان ينظر إليها وكأنه يكلم نفسه
"ليس لدي الكثير لأخبركِ عنه بحياتي الفارغة بعكس حياتك ، وبخصوص عائلتي فقد توفي الجميع ولم يبقى اي احد منهم بحياتي ، لهذا اعيش وحيدا بدون اي رفيق معي منذ سنوات ، واتنقل بين منزلي وعملي هنا كل يوم حتى اعتدت على هذا الروتين اليومي ، وهذا كل شيء عندي أخبركِ عنه"

اتسعت عينيها العسليتين بوجل وهي تفكر بمسار حياته الفارغة وما يتحمله كل يوم من حرمان عاطفي وعائلي حتى اصبح شخص غير مبالي بما يحدث من حوله من تجرد بالمشاعر اعتاد عليه ، لتهمس بعدها فجأة بحيرة واجمة وهي تضم قبضتيها معا فوق سطح الطاولة بحالة حزن
"ولكن أليس لديك اي اقارب بحياتك ، او اصدقاء مقربين...."

انتفضت بتوجس وهي تبعد قبضتيها عن سطح الطاولة ما ان تقدم (جواد) بجلوسه باندفاع وهو يسند مرفقيه فوق سطح الطاولة الفاصلة بينهما قبل ان يقول بجفاء خافت وعينيه تحدقان بها بسواد قاتم غريب
"لا احد ، ليس هناك اي احد بحياتي يا صفاء"

انفرجت شفتيها بانشداه للحظات وهي تحرك رأسها تلقائيا بالإيجاب بدون وعي منها وهي ما تزال تحدق بعينيه السوداء برهبة جمدتها بمكانها تكاد تنفذ لروحها لتزهقها بدون رحمة ، بينما ارتفع حاجبيه ببطء حذر وهو يراقب تجمدها والتي شحبت بها قسمات ملامحها الناعمة وعينيها ما تزال على اتساعهما الرقيق والذي زاد توهجهما لتصبح مشابهة لصورة الشمس لتعوض عن الشمس بالسماء والتي اختفت بين السحب ، ليتراجع بعدها بثواني للخلف بصمت وهو يعود للاستقامة بجلوسه باتزان هادئ بدون ان يتخلى عن عقدة حاجبيه والتي تلازم ملامحه دائما .

تنفس (جواد) بهدوء وهو يهمس ببرود جاد
"يمكنكِ التكلم الآن"

زفرت انفاسها بارتجاف محتقن وهي تحاول العودة للابتسام بلطف هامسة بإحراج منفعل
"انا اعتذر حقا إذا كنتُ قد تجاوزت الحدود معك بدون قصد ، فقط كان لدي الفضول لأعرف قصتك لا أكثر"

حرك رأسه بلا مبالاة وهو يراقب احراجها والذي لون وجنتيها بحمرة قانية تكاد تدمع من شدة إحراجها امامه ، ليشيح بعدها بوجهه جانبا وهو يهمس بخفوت شارد بحدة
"لا بأس ، لا داعي لكل هذا الحزن والأسى على قصتي ، وعلى كل حال فقد اعتدت على هذا النوع من الأسئلة عن حياتي الفارغة"

رفعت نظراتها المهتزة نحوه بدموع حبيسة وهي ترفع كفها لتمسح على وجنتيها المحمرتين بقوة ، لتهمس بعدها بتبرير خافت وهي تفرك كفيها معا بتوتر
"انا حقا لم اقصد ان احرجك او ان اطرح عليك كل هذه الأسئلة ، ولكن فضولي قد دفعني لفعل كل هذا فأنا معتادة على طرح مثل هذا النوع من الأسئلة الفضولية والمزعجة لبعض الناس بدون اي تفكير ، وهذا الأمر كان يزعج ماسة كثيرا وجميع صديقاتي ، لأنني لا اتوقف عن التدخل بخصوصيات الآخرين وبأمور لا تعنيني....."

تجهمت ملامح (جواد) بتصلب وهو يرفع حاجبيه بعدم تصديق بدون ان يظهر اي شيء على ملامحه الصخرية وهو يستمع للتفاهات والتي عادت لسردها امامه بدون اي حدود وكأنها ليست نفسها الحزينة والمحرجة والتي كادت تنفجر بالبكاء امامه من احراجها منذ لحظات ! ليتبدل بعدها بتورد احتل كل وجهها وهي تطلق لسانها الصغير لتتكلم بكل شيء وعن اي شيء يخطر ببالها بدون اي تفكير .

رفع (جواد) يده وهو يمسد على جبينه بتعب من هذه الثرثرة والغير معتاد عليها بحياته الباردة والتي يطغى عليها الصمت الدائم لتخترق عالمه بهذا الكلام المسترسل والذي ليس له حدود او نهاية ، لينطق بعدها ببعض الحدة وهو يرفع كفه امامها بأمر
"كفى كلام يا صفاء ، هذا يكفي"

صمتت (صفاء) برهبة وهي تنظر له بتوجس وقلق وحاجبيها البنيين مرفوعين بوجوم رقيق ، ليتدارك بعدها نفسه وهو يقول بصرامة متزنة
"اسمعي لقد انتهى الوقت المستقطع ، واعتقد بأنه قد حان الوقت المناسب ليعود كلينا للعمل ، واكيد سيكون والدك قد وصل لمكتبه الآن ويبحث عنكِ"

عبست ملامحها بحزن وهي تهمس بخفوت مرتجف
"لم اشعر حقا بمرور الوقت"

نظر لها (جواد) للحظات قبل ان يبتسم بهدوء متصلب حفر بزاوية شفتيه وهو يهمس ببساطة
"لا مشكلة ، عندما نتقابل بالمرة القادمة سنكمل كلامنا الشيق عن حياتكِ ومجرياتها وعن كل شيء بها يدعو للاهتمام"

عادت ابتسامتها للاتساع تدريجيا وهي تقف عن الكرسي باندفاع قائلة بسعادة غامرة عادت للتوهج بمقلتيها
"اجل اكيد ، وانا لا امانع هذا بل سأكون اكثر من سعيدة بالتكلم معك عن كل شيء شيق يخص حياتي وعن كل مغامراتي الممتعة ، والآن عذرا عليّ الذهاب قبل ان يشعر ابي بغيابي"

وبلحظات كانت تلتقط حقيبتها من على الطاولة لتضعها فوق كتفها وهي تنطلق بعيدا عنه باتجاه باب الخروج من المقهى وكفها تلوح له من الخلف بمرح صاخب اختفى مع اختفاءها ، ليحرك بعدها رأسه بملل بعيدا عنها وهو ينظر للهاتف امامه من على سطح الطاولة والذي ارتفع رنينه فجأة مخترقا هالة السكون من حوله .

وقف (جواد) عن الكرسي بهدوء وهو يدس يده بجيب بنطاله قبل ان يلقي ببعض النقود فوق سطح الطاولة امامه وهو يلتقط هاتفه بيده الأخرى ليخرج عندها من المقهى بأكمله ، وما ان اصبح يسير على الطريق المؤدي لدار النشر بقرب المقهى حتى وضع الهاتف على اذنه وهو يقول بخشونة باردة
"ماذا هناك"

استمع قليلا للطرف الآخر وهو يفك عقدة حاجبيه بهدوء مترقب ، ليقول بعدها بلحظات بخشونة مهتزة تظهر لأول مرة بصوته البارد
"حسنا فهمت يا أمي ، سأحاول زيارة المنزل اليوم ، ولكني لن اعدكِ بهذا"

______________________________
"الانضباط المدرسي من أهم الأدوات التي تُمكن المعلم من توصيل المعلومات بصورة أفضل ، واستخدام الوسائل التعليمية بصورة أكثر كفاءة ، والانضباط المدرسي نابع أولاً من تربية الأسرة ، وتنشئة ابنائها على سلوكيات محددة ، وثانيا على القوانين الصارمة التي تحددها المدرسة تجاه من يخترقون الضوابط التي وضعتها المدرسة في ذلك ، وفيما يلي سنتعرف على أهداف الانضباط ودور الأسرة فيه"

كانت تسير حول طاولة المكتب بثبات وهي تقرأ الكتاب بين يديها بصوت صارم عملي وهي تحيد بنظراتها بين الحين والآخر باتجاه الطلاب الملتزمين بمقاعدهم بتهذيب واعينهم ناظرة لحركتها بتتبع وتركيز ، ومنهم من بدأ يتثاءب بملل من اجواء الحصة الرتيبة والنصف الآخر ينتظر بفارغ الصبر نهاية الحصة بحماس منقطع النظير ، ولم يرى احد منهم من كان يقف عند باب الفصل المفتوح وهو يكتف ذراعيه فوق صدره باتزان ناظرا لخطواتها الثابتة بهدوء تحسد عليه وابتسامته تتسع تدريجيا بتصلب مع عينيها الخضراء والتي كانت ترنو بنظراتها بتحذير خطر باتجاه الطلاب المهذبين وكأنها توصل لهم رسالة لا يفهمها ولا يستطيع احد قراءتها سواهما ، وهو يشعر بغيرة غير مبررة تنهش صلابته على غير المعتاد بكل مرة يراها تتواصل بها مع طلابها بطريقة معينة لا يستطيع احد اختراقها ! وهو يتمنى لو يحصل على القليل من تلك النظرات الصارمة بشحوب عينيها الفاتنتين والتي يحظى عليها طلابها بأكملها بدون ان يتركوا لزوجها المسكين القليل والذي يقف عند الباب بكل يوم .

عاد (احمد) للابتسام باتساع ما ان التقت عينيه مع عينيها الخضراوين والمتسعتين بصدمة قبل ان تبتسم بسعادة لعينيه وهي تخفضهما بعيدا عنه بإحراج ، لتعود بعدها بنظرها للطلاب وهي تخفض الكتاب من امامها قائلة بارتفاع حازم
"حسنا سنكتفي بهذا القدر لهذا اليوم ، يمكنكم إكمال مذاكرة الدرس بالمنزل ، ولا تنسوا حل الفروض المنزلية ، هل هذا مفهوم"

ردّ عليها الطلاب بصوت واحد بحماس
"حاضر"

تنهدت براحة وهي تلتفت بجانبها لتضع الكتاب فوق الطاولة وهي تقول بتحذير صارم
"سأخرج من الفصل قليلا ، لا اريد ان اسمع اي إزعاج"

لم يسمعوا صوتها لأنهم كانوا قد دخلوا بثرثرتهم المعتادة مع بعضهم البعض بدون ان يهتموا لوجود المعلمة ، بينما سارت (روميساء) لخارج الفصل بسرعة امام نظراته والتي ما تزال تتابعها بهدوء حتى وقفت امامه تماما ، لتقول عندها بهدوء وهي تمسح جبينها بيدها بإرهاق استبد بها
"مرحبا احمد ، اراك مبكرا بالمجيئ للمدرسة اليوم ، فلم يحن بعد موعد انتهاء دوامي ، وما يزال هناك فصول أخرى عليّ ان احضرها"

كان (احمد) ينظر لها بهدوء ليرفع عندها يده تلقائيا وهو يمسك جانب وجهها ليمسح بإبهامه على خدها المحمر وهو يقول بتصلب عابس
"ارى بأنكِ ترهقين نفسكِ كثيرا بهذا العمل ، وقد اخبرتكِ من قبل بأنه ليس هناك داعي لكل هذا ، فأنتِ الآن زوجة احمد الفكهاني وكل شيء تريدينه يمكنني ان اوفره لكِ وبلمح البصر ، فأنا عندي راحتكِ هنا هي اهم شيء عندي يا روميساء"

ابتلعت ريقها برهبة وهي تنظر له بابتسامة صغيرة تحاول الظهور على ملامحها الشاحبة ، لتنتفض بعدها لا شعورياً وهي تبتعد عن مرمى كفه بهدوء قائلة بصرامة عادت للظهور بصوتها وهي تعيد خصلات شعرها المتمردة لخلف كتفيها
"كل شيء بخير يا احمد ، وهذا العمل ليس من اجل المال والذي احصل عليه بنهاية الشهر بل لأنه يشكل بالنسبة لي راحتي المؤقتة بين اطفال يحبوني لنفسي ويتقبلون ما اقدمه لهم من علم سينفعهم بالمستقبل حينما يكبرون ويحققون احلامهم المستحيلة"

حرك رأسه بهدوء وهو يرفع حاجبيه بدهشة من احلامها الكبيرة والغريبة بعض الشيء على فتاة بسنها لا تفكر سوى بأطفال غريبين عنها بدلا من التفكير بتدليل نفسها والاهتمام بحالها وبمستقبلها مثلا ! عاد للنظر لها ما ان قالت له بعبوس متوجس
"لم تخبرني يا احمد عن سبب زيارتك للمدرسة ، هل هناك مشكلة"

عقد حاجبيه بوجوم وهو يهمس بابتسامة جانبية بقوة
"لقد اشتقت إليكِ ، لذا اتيت لزيارتكِ بمنزلك الثاني ، هل لديكِ مانع"

احنت نظراتها للأسفل بحياء احمر معها وجهها الشاحب وهي ترفع كفها لتمسك بخصلات شعرها بتوتر لتلفها حول اصبعها وهي تشغل نفسها بها لتنسيها خجلها الشديد من كلماته ، بينما كان (احمد) يراقبها ببعض التسلية وهو يعبس امامها قائلا بصرامة مزيفة
"ولكني اكتشفتُ بأنكِ لا تهتمين لأمري ولا لوجودي هنا ولو قليلا ، وكل ما يهمك هو طلابكِ الاحباء والذين تحبينهم اكثر مني واكثر من الجميع بدون ان تعطيني ولو قليلا من هذه المحبة والتي تغدقينها عليهم ، فهل اطلب الكثير"

رفعت نظراتها بسرعة نحوه وعينيها متسعتين ببلاهة وهي تفغر شفتيها بانشداه لم تستطع منه ! لتتدارك بعدها نفسها وهي تضيق عينيها هامسة بتفكير مستاء
"احمد هل تشعر بالغيرة من طلابي"

عقد حاجبيه بتجهم وهو ينظر بعيدا عنها قائلا بغضب لا يليق به
"اجل اغار ، ألست بشر ولدي غريزة ذكورية تجعلني اغار من كل من يحظى على إعجاب زوجتي ومحبته"

اتسعت ابتسامة (روميساء) بدهشة قبل ان تتحول لضحكة خافتة بمرح وهي تقول بتعجب ساخر
"هل جننت يا احمد لتغار من اطفال لا يفقهون شيئاً بالحياة وبمعنى هذه المشاعر"

تجمدت ملامح (احمد) للحظات وهو يعود بنظره للفاتنة امامه والتي كانت تضحك بمرح لأول مرة كاسرة غلاف الجليد والذي يحاوط حياتها دائما لتبدو بأبهى صورها وهي تخرج عن صورتها الصارمة المملة لأخرى مشعة بالحياة والتفاؤل والتي عبثت بعقله لتشتت تفكيره لوهلة ، تنحنحت بعدها بحشرجة وهي تتوقف عن الضحك ما ان لاحظت نظراته المتأملة لها طويلا وهي تقطع دوامة المشاعر والتي اخذتهما معا بعيدا .

افاق (احمد) من افكاره وهو يحاول العودة لابتسامته الهادئة المعتادة قائلا
"انسي هذا الأمر الآن ، فأنا قد اتيت لقضاء بعض الوقت معكِ قبل ان تبدأ الحصة التي تليها والتي ستؤخذكِ بعيدا عني ، لذا هل تسمحين لي بالكلام معكِ قليلا يا معلمتي الفاضلة"

اومأت برأسها باهتزاز وهي تحيد بنظراتها لباب الفصل بتفكير ، لتعض بعدها على طرف شفتيها بهدوء قبل ان تعود بنظرها له وهي تهمس ببساطة
"اجل موافقة ، وكيف تريدني ان ارفض طلب لزوجي العزيز"

زفر انفاسه بتصلب وهو يشعر بنشوة سعادة غريبة تجتاحه من كلامها العفوي والذي اصاب الهدف بنجاح ! لينفض بعدها هذا الشعور من داخله وهو يشير بذراعه باتجاه الممر الطويل امامها قائلا ببشاشة
"إذاً هيا بنا قبل ان يضيع الوقت منا واخسر هذه الزيارة"

ابتسمت بمودة وهي تتقدمه لتسير امامه قبل ان يتبعها وهو يسير بجانبها تماما ، لينظر عندها للمسافة والتي تتعمد صنعها بينهما رغما عنه وكأنه حاجز يعيق عليه حركته بدون ان يستطيع تجاوزه .

تنفس بعدها بهدوء وهو ينظر امامه بغموض ليقول عندها فجأة بتصلب جاد
"إذا كنتِ تحبين الأطفال لهذه الدرجة وتفكرين كثيرا بمستقبلهم ، لما لا تنجبين اطفالا لكِ سيملئون عندها وقتكِ الفارغ ويصبحون راحتكِ المؤقتة والتي تبحثين عنها بدلا من العمل بالمدرسة"

التفتت برأسها نحوه بلحظة وهي تشعر بارتجاف طفيف احتل كل اطرافها بانتفاض ليختل عندها اتزانها لا إراديا وهي تكاد تقع ارضا بدون ان تنظر امامها ونظراتها ما تزال معلقة به ، ولكن وقبل ان تصل للأرض وهي بحالة الشرود الذهني كانت ذراعي الواقف بجانبها تحاوطان جسدها بقوة وهو متشبث بخصرها قائلا امام وجهها الشاحب بتوجس بالغ
"روميساء ، اين شردتِ ، روميساء"

شهقت (روميساء) بذعر وهي تنتفض بعيدا عنه مبعدة ذراعيه عنها لتستقيم بوقوفها وهي تمسح بيدها على جبينها بهدوء مرتجف ، وما ان كان سيتكلم حتى سبقته من عادت لصرامتها وهي تقول بخفوت بارد
"اعتذر ولكن هلا توقفنا عن التكلم عن هذا الموضوع ، رجاءً"

ارتفع حاجبيه بامتقاع مصدوم وهو لا يفهم إلى ماذا تلمح بكلامها ؟ وما لذي اصابها من الأساس ؟ هل يعقل بأن يكون كل هذا قد حدث معها بسبب فكرة الإنجاب ؟

حرك رأسه بعدم فهم وهو يراها تسير بعيدا عنه باتزان ثابت بدون ان تعيره اهتمام وهو يقسم بأنه قد لمح تهرب عينيها منه بذعر مفضوح ! ولكن لا بأس فهو سيكتشف كل شيء عنها من تفاصيل بالقريب العاجل فهي قد اصبحت زوجته وليس لها اي مهرب بهذه الحياة سواه وهذا هو ما يطمئن قلبه .

______________________________
كان ينظر بين الملفات والأوراق بتركيز نسبي وهو يلقي بكل واحدة ينتهي من تفحصها بعيدا عنه بملل وهو يزفر انفاسه كل حين بتعب من كل هذا العمل والذي اجهد تفكيره تماما ، وهو لا يعلم من اين اتى كل هذا العمل دفعة واحدة فوق رأسه بدون اي رأفة بحاله ؟ وكأنه مقصود بكل ما يحدث معه لكي يتعلم مرة أخرى ألا يفكر بتأجيل العمل لوقت آخر ويحاول المماطلة به ليكون عقابه بالنهاية ان يتجرع خطأه لوحده وهذا اقل شيء يستحقه !

تنهد بهدوء وهو يمسد على جبينه بغضب فمن قال بأن عمل التصميم ورسم الديكورات والبيوت سهل ؟ بل هو يحتاج لعمل جبار وتركيز مثل باقي الأعمال الأخرى وكم هذا مجهد بالنسبة له ويدعو للملل الشديد ، تذكر بعدها عبارة والدته والتي مرت بذهنه وقد صدقت حقا بها عندما كانت تقول له بتذمر دائم
(شادي لا يليق به العمل ابدا فهو والعمل دائما متناقضين عن بعضهما مثل الزيت والنار ، وإذا حاول الاقتراب منه والاتحاد معه فستحدث عندها الفاجعة الكبرى)

وقد كانت تقصد بالفاجعة هو الدمار والذي سيحل على الجميع عندما يحاول العمل بشيء او اصلاحه ليتدمر بالنهاية على يديه قبل ان تبدأ والدته بتوبيخه بشدة والحزن على ما دمره بدلا من اصلاحه .

رفع رأسه عاليا بشرود ليستند بمسند الكرسي من خلفه وهو يرفع ذراعه الآخر ليضعها فوق رأسه بهدوء ، وابتسامة هادئة تحتل ملامحه الباردة وهو يتذكر تفاصيل حياته الصغيرة بوجود والدته من حوله قبل ان تختفي آخذة معها كل سعادته ومشاعر الفرح والحزن والتي كان يشعر بها دائما بوجودها .

اخفض نظراته لباب مكتبه والذي فُتح بهدوء ليطل منه رأس فتاة ذات الشعر الاشقر وهو يتهدل على جانب رأسها قائلة بمرح خافت
"هل استطيع الدخول يا شادي ، أم ليس لديك وقت لأحد ولا تطيق وجود احد بجانبك الآن"

ابتسم (شادي) بهدوء وهو يرفع ذراعه بعيدا عن رأسه قائلا بابتسامة باردة
"هيا ادخلي ، ولا تحاولي تمثيل دور البريئة امامي ، فأنا اعلم جيدا بأنكِ ستدخلين لمكتبي بكل الأحوال بموافقتي او بدونها"

دفعت (لينا) الباب للأمام وهي تسير للداخل بغرور متعالي واضح بخطواتها المتمايلة بدلال ، وما ان وصلت امام المكتب حتى اسندت مرفقيها على سطحه وهي تتلاعب بخصلات شعرها القصيرة بأصابعها قائلة بنعومة مغرية
"صباح الخير ، كيف هي احوال العمل عندك ، وهل تحتاج لمساعدة بشيء لأني اعرف بأنك لا تستطيع فعل كل شيء لوحدك بدوني"

اتسعت ابتسامته وهو يقرب وجهه امامها ليسند ذراعيه فوق سطح المكتب برفق وهو يلتقط من الأوراق المبعثرة من فوقه قائلا ببرود
"كما ترين ، فالعمل هنا قد اصبح لفوق رأسي ولا اعلم اين اذهب بكل هذا ، وقد يؤخذ مني ساعات لأنهائه"

ابعدت مرفقيها عن سطح المكتب وهي تخفض نظراتها الخضراء برقة للأوراق والتي لم تنتبه لوجودها بالبداية وهي تمسك بإحداهن لتنظر لها هامسة بعبوس رقيق
"لم اكن اعلم بمشكلتك هذه ، يبدو بأنني حقا قد اتيت بوقت غير مناسب"

نظر لها للحظات وهي تنظر بحزن واسى للأرواق المبعثرة امامها ، ليقول عندها ببساطة وهو يلوح بكفه بلا مبالاة
"لا تهتمي يا لينا ، فكل هذا بسبب اهمالي وعليّ تحمل عواقب اخطائي مهما كان مدى سوئها ، ولكن إذا اردتِ البقاء معي هنا فليس لدي اي مانع بوجودك ، بما اننا سنبقى محبوسين بهذا المكان لساعات مقبلة"

عادت للابتسام بنعومة مغرية برضا وهي تلوح بالورقة والتي ما تزال بيدها قائلة بلهفة بالغة
"حسنا موافقة ، وبما انني قد وصلت الآن إليك واصبحت بمكتبك فلا مانع من مساعدتك بأعمالك الكثيرة ومد يد العون لك كما افعل دائما ، فهل لديك اي اعتراض على هذا الأمر"

حرك رأسه بالنفي بهدوء وهو يمسك مجموعة من الأوراق والملفات ليرتبها فوق بعضها البعض قائلا بجدية
"لا امانع وهذا بالنهاية قراركِ انتِ ولم ارغمكِ على شيء ، ولكن اعيد واكرر بأنكِ ستندمين كثيرا على تقديم مثل هذا النوع من المساعدة والذي لن تخرجي منه حية فأنتِ الآن قد اصبحتِ جزء من هذا العمل المتراكم"

ضحكت بسعادة خافتة وهي تمسك خصرها بكفيها هامسة بتصميم غريب
"لا تقلق بخصوص هذا الشأن ، فليست لينا من تندم على شيء فعلته ودخلت به بإرادتها الحرة ، واعدك بأني سأكون افضل من يقدم لك العون"

ارتفع حاجبيه بدهشة وهو يحرك رأسه بتسلية واضحة ليقول عندها بلا مبالاة
"سنرى"

ابتسمت (لينا) بثقة ممزوجة بالشغف بعملها بجانبه كما تحب وتفضل ، لتجلس بعدها فوق طرف سطح المكتب بحرية وهي تحرك ساقيها المكشوفين امامها بدلال من تحت تنورتها الجينز القصيرة ، بينما كانت عينيها الخضراء المشعتين بجمال تنظران بلهفة للمشغول بسماعة الهاتف على سطح المكتب وهو يتكلم من خلالها بهدوء آمر
"اريد منكِ ان تحضري لمكتبي كوبين من القهوة على وجه السرعة ، هل فهمتِ يا وفاء"

اخفض سماعة الهاتف وهو يعيدها لمكانها بهدوء ، ليحيد بعدها بنظراته للجالسة فوق سطح المكتب وهو يتمتم بابتسامة ماكرة
"هل انتِ مستعدة للعمل يا ابنة الوزير"

ابتسمت باتساع واثق وهي تعود للتلاعب بخصلات شعرها بأصابعها لتهمس عندها بدلال
"انت فقط اخبرني بماذا تريد مني ان اساعدك ، وانا سأنفذه لك بالحرف الواحد"

كان (شادي) ينظر لها مطولا بعينيه السوداء الباردة بدون ان يتأثر بهالة سحرها وجاذبيتها والتي تستطيع اختراق القلوب ليصبح صاحبها طوع امرها وهذا ما لاحظه كثيرا من جميع من تقابلهم وكله بسبب مرتبة عائلتها وجمالها المبهر الساحر للأعين ، ليقطع بعدها تأملاتهما الصامتة صوت دخول السكرتيرة لغرفة المكتب وهو يسمع صوت اهتزاز صينية القهوة بين يديها بوجوم ، وما ان التفت بنظره نحوها بحيرة كانت السكرتيرة قد سقطت ارضا مع الصينية والتي وقعت مع كوبين القهوة وهما ينسكبان بداخل الصينية بقوة .

انتفض بثواني واقفا عن مقعده باندفاع ليدور حول المكتب بسرعة قبل ان يصل للسكرتيرة والتي كانت تحاول النهوض عن الأرض بضعف ، ليجثو بعدها على ركبتيه امامها وهو يستمع لصوت (لينا) من خلفه وهي تقول بحنق بالغ بدون ان تتحرك من مكانها
"يا لكِ من بلهاء حقا ، ألا ترين امامكِ وانتِ تسيرين كالعمياء حتى اوقعتِ اكواب القهوة والتي تكون اغلى من ثمن راتبك الشهري"

ردّ عليها (شادي) بصرامة قاطعة بدون ان يلتفت لها
"لينا توقفي عن الكلام ، رجاءً"

زمت شفتيها بغيظ يكاد يفتك بها وغيرة عمياء تكاد تحرقها حية وهو يعامل تلك العاملة البلهاء بلطف تستحقه هي اكثر منها ، بينما امسك (شادي) بوجهها بيد وهو يرفعه نحوه قائلا بهدوء قلق
"ما بكِ يا وفاء ، هل تعانين من شيء ، هل انتِ مريضة"

اتسعت عينيه السوداء ما ان اصطدمت نظراته بوجهها الشاحب المتعرق على غير العادة وهي تتنفس بلهاث حاد بسخونة تكاد تحرقه ! لتتصلب بعدها ملامحه بقوة وهو يقول بجدية صارمة
"سأصطحبكِ معي للطبيب ، فحالتكِ تبدو متدهورة جدا وعلى الطبيب رؤيتكِ قبل ان تسوء اكثر ويحدث ما لا يحمد عقباه"

ساد صمت بالغرفة بين ثلاثتهم للحظات قبل ان تقطعه الشهقة الانثوية من الجالسة بالخلف وهي تقفز عن سطح المكتب قائلة باستنكار حاد
"تريد الذهاب لاصطحابها معك للطبيب وترك العمل المتراكم ، بدلا من ان تتركها تذهب لوحدها فهي اكيد ليست صغيرة وحالتها ليست بهذا الخطر لتحتاج لعنايتك البالغة وتوصيلك"

وقف (شادي) على قدميه وهو يمسك بذراعيها ليساعدها على النهوض بثبات ، ليقول بعدها بحزم صارم بدون اي جدال
"لن اخاطر بتركها لوحدها بدون اي سند ليساعدها ، وهي ايضا مسؤوليتي انا الاعتناء بها والاهتمام بحالتها فهي من الموظفين والذين يعملون عندي ، وانا لست بهذه القسوة لأتركها تعاني لوحدها بدون مساعدة"

ردت عليه (لينا) فجأة بانفعال ساخر
"ولكنها لن تموت إذا ذهبت لوحدها وليس لك اي علاقة بحالتها هذه....."

قاطعها (شادي) بحزم غاضب وهو يلتقط سترته من على الأريكة ليستدير بعيدا عنها
"كفى يا لينا فقد قررت وانتهى الأمر ، وانتِ يمكنكِ البقاء هنا او المغادرة ، وداعا الآن"

فغرت شفتيها بذهول ما ان رأته وهو يحمل تلك السكرتيرة النحيلة المنهارة بين ذراعيه ببساطة ليسير بها لخارج غرفة المكتب من فوره ، ليترك من خلفه تلك العينين الخضراوين وهما تنظران للفراغ امامها بذهول مشتعل وبوجه محتقن بالدماء يكاد ينفجر بأية لحظة واسنانها تحتك ببعضها بقوة بسمفونية عذاب وكأن روحها قد انتشلت منها للتو واكثر من مرة وبنفس الطريقة وبيد شخص مختلف عن سابقه بكل مرة !

_____________________________
كان جالس فوق مقاعد الانتظار برواق المشفى وهو يسند كفيه فوق ركبتيه ناظرا للأسفل بسكون تام وملامحه غير معبرة عن شيء سوى عن الهدوء والذي حل على حياته فجأة وعلى دواخله منذ وصوله للمشفى مع سكرتيرته المنهارة وهو لم يفهم حتى الآن سبب حالتها الغريبة تلك وما وصلت له ؟ فهو لم يرها بحياته بهذه الحالة الغريبة من الشحوب والذبول منذ عملها معه بشركة التصميم قبل ثلاث سنوات والحق يقال بأنها افضل من عمل معه وهو لم يرى منها سوى المثابرة والدعم والاجتهاد والذي نادرا ما يراه عند احد من الموظفين وبدون اي تذمر او تأخير مهما كان حجم العمل والملقى على عاتقها ، فهل يعقل بأن يكون قد اهمل بصحتها وزاد ضغط العمل عليها بدون ان يقصد حتى انهار جسدها تماما من الجهد الملقى عليه ؟

رفع (شادي) يديه وهو يمسح بهما على وجهه المتعرق بهدوء بدون ان يتبين سبب كل هذا القلق والحرارة المتناقضة عن برودة الجو ببداية الشتاء والتي يشعر بها تلسع جسده بحروق قديمة تركت آثار على روحه لتعود لتعذيبه من جديد وبكل مرة يجلس بها بهذا المكان بانتظار خروج احدهم ليرحمه من عذاب الانتظار والذي جربه من قبل ؟ بدون ان ينظر احد لذكرياته القديمة والتي عادت للحياة بداخله بركن من زوايا المشفى عندما كان ينتظر خروج اي احد مهما يكن ليرحمه من هذا الانتظار العقيم والذي دام لساعات طوال مدمرة لأعصابه المتبقية بانهيار ، ليخرج بالنهاية الخبر الصادم محمل مع الطبيب المختص بالتوليد وهو يلقي بالخبر بهدوء غير آبه بالقلوب المتلهفة والتي ضربها بمقتل وهو يقول بعملية قاتلة معتاد عليها لينحر ارواحهم بدل من ان يحييها
"للأسف لم نستطع إنقاذ والدة الطفل بسبب الحِمل الكبير والذي كان ملقى عليها وأنهى على حياتها ، فهي ليست شابة صغيرة لتتحمل مثل هذه الأعباء والتي هدت مقاومتها للحياة مع امراضها المتزامنة والصعبة على امرأة كبيرة بسنها ، ولكن الخبر الجيد بأن الطفل على قيد الحياة واستطاع النجاة والخروج من رحم والدته سليم معافى"

رفع رأسه فجأة بقوة وهو يعقد حاجبيه بحدة غزت ملامحه بلحظات وكلمات الطبيب تعيد الحقد الدفين للحياة بعد الهدوء والذي غلفه لفترة قصيرة ، ليقف بعدها ببطء عن المقعد وهو يتنفس باستغفار خافت ليرفع راحة كفه المفرودة وهو يضم اصابعها مستغفرا ربه عدة مرات بطريقة تعلمها من والدته ليهدئ من غضبه المستعر والذي كان يجتاحه كثيرا بمراهقته المتهورة .

تنهد بهدوء وهو يخفض قبضته ليحيد بنظراته لباب الغرفة المتواجدة بها المريضة وهو ينظر للطبيب والذي خرج منها بلحظات قبل ان يلمح ابتسامته والتي اتسعت تدريجيا بغرابة ، تنحنح بعدها الطبيب وهو يعدل من حنجرته ليقول عندها باتزان عملي
"لا تقلق زوجتك بأفضل حال يا سيد ، وما حدث كان بسبب الضغط والإنهاك والذي تعرضت له بالأيام السابقة بفعل الحمل الجديد عليها"

ردّ عليه (شادي) بتجهم عابس
"انا لست زوج...."

قطع (شادي) كلامه وهو يستوعب كلام الطبيب الأخير والذي كان كدوي المدافع برأسه ، ليرفع بعدها حاجبيه بتفكير وهو يهمس بتشنج اصاب ملامحه
"هل قلت بأن المريضة بالداخل حامل"

حرك الطبيب رأسه بتأكيد وهو يقول بثقة عملية غير منتبه للعيون المراقبة له بصدمة لم يفق منها بعد
"نعم حامل وهي الآن بالشهر الأول ، ولكن تحتاج للعناية بنفسها جيدا والانتباه اكثر لصحتها ، فهي تبدو هزيلة للغاية ولا تهتم بصحتها كما ينبغي ، وهذا ضار كثيرا ليس لها فقط بل للطفل والذي ما يزال يتكوّن بداخلها"

كان (شادي) يحرك رأسه بتشوش والكلمات تدخل برأسه بصعوبة لتزيد من ضياعه وتخبطه اكثر فما يعرفه عنها هو بأن سكرتيرته (وفاء) غير متزوجة ولا تملك عائلة ! ألا إذا كانت متزوجة بالسر وتخفي عن العالم امر زواجها ؟

افاق من افكاره وهو يسمع صوت الطبيب وهو يعود للكلام باتزان مبتسم
"يمكنك الآن الدخول لها والاطمئنان عليها ، فقد اصبحت الآن بأحسن حال ويمكنها مغادرة المشفى بالوقت الذي تريده"

اومأ برأسه بلا مبالاة وهو يتجاوزه بسرعة باتجاه غرفتها ، وما ان دخل لها حتى وصل له صوت البكاء المكتوم من المدثرة تحت غطاء المشفى وهي تنام على جانبها ، ليتقدم بعدها باتجاهها عدة خطوات بحذر ، وما هي ألا لحظات حتى انتفض الجسد المدثر باللحظة التالية وهي تجلس فوق السرير بهلع ناظرة له بعيون متسعة دامعة برعب .

وقف بمكانه للحظات وهو يتنفس بكبت ليقول عندها بابتسامة حاول جعلها طبيعية
"كيف تشعرين الآن يا وفاء"

شهقت ببكاء منتحب وهي تخفض وجهها لتدفنه بين كفيها بانتفاض مرتجف ، ابتلع (شادي) ريقه بتصلب وهو يرفع يده ليمسح على مؤخرة عنقه بتفكير قاتم من الورطة والتي وقعت على رأسه بوقت لا ينقصه سوى هذه المشاكل لتزيد حياته صخب اكثر مما هي عليه !

رفع رأسه وهو على وشك الكلام بهدوء استطاع جلبه قبل ان تقاطعه من رفعت وجهها نحوه بشحوب وهي تهمس ببحة بكاء متوسلة
"ارجوك يا سيد شادي ، لا تفصلني من العمل بسبب هذا الخبر ، فهذا العمل هو الوحيد والذي استطيع العيش عليه بهذه الحياة وهو يوفر لي لقمة العيش....."

قاطعها (شادي) وهو يرفع كفيه بروية قائلا بتمهل
"اهدئي يا وفاء ، فأنا لم اقل شيئاً بعد ، والأهم من هذا ان تخبريني هل انتِ متزوجة"

اخفضت رأسها للأسفل بذبول وهي تنتحب بانهيار صامت ، لتهمس بعدها بلحظات بخفوت بالكاد استطاع التقاطه بأذنيه
"لا لست متزوجة"

صمتت بعدها بدون ان تضيف اي كلمة أخرى وشهقاتها عادت للخروج من شفتيها بارتجاف احتل جسدها بأكمله ، بينما كان (شادي) ينظر لها بتركيز حاد وهو ينتظر تكملة كلامها وعندما يأس منها همس عندها بنفاذ صبر
"وكيف حدث هذا"

توقفت الشهقات للحظات وهي تحاول كتمها بداخلها لتتحول لانتفاضات عنيفة بكل إنحاء جسدها ، قالت بعدها بلحظات بارتجاف شاحب بدون اي حياة
"الحقيقة لقد تزوجت زواج عرفي من شخص كان صديق لي ببداية معرفتي به ووعدني ان يحقق لي الكثير من الأحلام ، واخبرني بأننا سنتزوج زواج عرفي بالبداية وبعدها سنتزوج رسميا ما ان يوفر المال الكافي لذلك ، وانا قد صدقته بكل كلامه لأنني كنت احتاج لأي احد ليسندني بحياتي الوحيدة فأنا بالنهاية يتيمة وليس لي اي احد او سند ليساعدني بهذه الحياة القاسية ، ولكن الذي حدث بأنه قد سافر بعيدا قبل شهر واختفى نهائيا ولم اعد اسمع عنه اي اخبار وانقطعت كل الاتصالات معه ، ولكن المشكلة ليست هنا بل عندما اكتشفت بأن زواجي منه كان باطل ومزيف وليس له اي وجود من الصحة بل كان مجرد فخ وقعت به بسذاجة"

تنفست بتقطع وهي تغطي شفتيها بكفها بدموع عادت لتسقي وجنتيها ، بينما كان (شادي) يحرك رأسه بغموض قاتم وهو يفكر بأن هذا ما يحدث عندما تكون هناك فتاة وحيدة ليس لها اي سند بهذه الحياة القاسية والتي لن ترحمها ابدا لتكون فريسة سهلة لكل الطامعين بها ، وكم ذكره حال هذه الفتاة بظروف بنات عمته بدون اي سند بحياتهما اليتيمة وبدون اي احد بجانبهما ليقف معهما بوقت الحاجة وبوقت الشدائد الصعبة ولم يتبقى لهما حينها سوى زوج والدتهما المجرم ، والآن فقط شعر بالراحة بقرار (احمد) من الزواج من ابنة عمته الكبرى ليهتم بهما ويبقى بقربهما دائما فوجود الرجل بحياة الفتاة مهم جدا ليحميها من قذارة العالم ودنائته والتي تحتاج لوجود رجل بها .

تنحنح بهدوء وهو ينظر للرأس والذي ارتفع نحوه بشحوب بالغ ، ليقول عندها بجدية صارمة بعد ان عقد امره
"اسمعي انتِ ستعودين للمنزل الآن وستتوقفين عن العمل من اجل ألا تنهار صحتكِ مرة أخرى ويتأذى الجنين ، وسأبحث لكِ عن عمل بسيط لن يتطلب منكِ اي مجهود او تعب ، وسأطلب لكِ معونة شهرية لليتامى من الخدمات الاجتماعية والتي نتبرع لها يوميا"

ارتجفت شفتيها بأنفاس ذاهلة وهي تهمس بوجل منتفض
"ولكن من سيحل مكاني بالعمل ويساعدك بالأعمال المتراكمة...."

ردّ عليها (شادي) وهو يستدير بعيدا عنها ببرود قائلا بأمر
"لا تفكري بهذا الخصوص فأنا سأتدبر امري جيدا ، بل فكري بنفسكِ وبالطفل الذي تحملينه ، وايضا حاولي الاهتمام بصحتكِ اكثر لكي لا ينهار جسدكِ الهزيل ومن اجل الطفل والذي يحتاج للغذاء بشدة بهذه الفترة بالذات"

كان يستمع لأنفاسها والتي هدأت قليلا عن السابق مع شهقاتها الصغيرة والتي ما تزال تخرج منها بانتحاب صامت ، ليتنفس عندها بهدوء وهو يعود لبرود ملامحه والذي يستعين به بالمواقف المماثلة ليخفي بها دواخله عن العالم بأسره .

اكمل سيره لخارج الغرفة قبل ان يوقفه صوت الباكية من خلفه وهي تهمس بخفوت حزين
"شكرا لك سيد شادي ، لن انسى لك جميلك وما فعلته من اجلي ما حييت"

رفع ذراعه وهو يلوح لها بيده بحركة باردة بدون ان يستدير لها قبل ان يخفض ذراعه وهو يكمل طريقه لخارج الغرفة ولخارج المشفى بأكمله والذي سبب له انقباضات حادة بصدره وتعب عوضت عن كل سنوات حياته الباردة بدون ان يبذل اي مجهود حقيقي بها .

نهاية الفصل وبإنتظار آرائكم بفارغ الصبر.............


روز علي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 01-07-21, 11:47 PM   #77

Yaso adel

? العضوٌ?ھہ » 437018
?  التسِجيلٌ » Dec 2018
? مشَارَ?اتْي » 143
?  نُقآطِيْ » Yaso adel is on a distinguished road
افتراضي

متشوقه لها جدااااااااااااا

Yaso adel غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 03-07-21, 12:05 PM   #78

روز علي
 
الصورة الرمزية روز علي

? العضوٌ?ھہ » 478593
?  التسِجيلٌ » Sep 2020
? مشَارَ?اتْي » 356
?  نُقآطِيْ » روز علي is on a distinguished road
افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة yaso adel مشاهدة المشاركة
متشوقه لها جدااااااااااااا

تسلمي حبيبتي وسعيدة بتفاعلك مع الرواية 🌹


روز علي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 03-07-21, 09:55 PM   #79

روز علي
 
الصورة الرمزية روز علي

? العضوٌ?ھہ » 478593
?  التسِجيلٌ » Sep 2020
? مشَارَ?اتْي » 356
?  نُقآطِيْ » روز علي is on a distinguished road
افتراضي الفصل الخامس عشر

الفصل الخامس عشر..............
كانت تتناول الطعام بطبقها بعدم شهية وهي تحيد بنظراتها متنقلة بين الزوجين الجالسين امامها والذين عليها تحمل مشاركتهما بالطعام على نفس المائدة سويا وهي تشعر بنفسها قد اصبحت فاصل اعلاني بينهما او ضيف غير مرغوب به يعيق عليهما خلوتهما ، ولكن الذنب ليس ذنبها بكل هذا فهو الذي اصر على ادخالها لهذه الشقة بدون ان يهتم لاعتراضها والعيش بها رغما عنها مع زوجته الصورية والتي ما تزال للآن مجرد زوجة بالاسم فقط تعيش بعيدا عن بيت العائلة والمتواجدة به الزوجة الأولى ، إذاً فليتحمل ما فعلته يديه فهو على كل حال سيغادر ما ان ينتهي من جلسة العشاء المملة مع زوجته كما يفعل بكل يوم وكأنه قد اصبح طقس يومي عندهم ! وكل املها بأن تكتمل علاقتهما وتصبح زوجته فعلية وتنتهي من هذه المهزلة والتي طالت كثيرا واكثر مما ينبغي ويسمح بها كبرياء رجل .

رفعت نظراتها بملل نحو الذي بدأ بالسعال بقوة حتى احمرت عينيه ، لتنهض من فورها الجالسة بجانبه وهي تناوله كوب الماء والذي سكبته له ليمسك به بالمقابل قبل ان يقربه من شفتيه وهو يرتشف منه دفعة واحدة ، تنهد بعدها بهدوء وهو يرفع الكوب للواقفة بجانبه لتلتقطه منه بسرعة وهي تهمس بقلق شاحب
"هل انت بخير يا احمد"

اومأ برأسه باتزان مبتسم وهو ينظر لعينيها الخضراوين وهما تنظران له باتساع وجل للحظات ، لتتدخل بعدها (ماسة) لأول مرة وهي تهمس ببرود جليدي
"سلامتك يا زوج شقيقتي ورجل المنزل"

التفت برأسه نحوها وهو يشعر بنبرة استهزاء بصوتها بدون ان يتبين سببها ؟ بينما عبست ملامح الواقفة بقربه بصرامة وهي تعض على طرف شفتيها بتحذير مهدد لها بأن تتوقف عن التمادي اكثر .

حركت (ماسة) نظراتها بعيدا عنهما بهدوء غير مبالي ، لتقول بعدها (روميساء) بابتسامة صغيرة وهي تنقل نظراتها للجالس امامها بوجوم
"إذا كان الطعام لم يعجبك ، يمكنني ان احضر لك غيره يا احمد ، فيبدو بأنني قد اكثرت من وضع التوابل عليها....."

قاطعها بسرعة وهو يلتفت برأسه نحوها قائلا بجدية
"لا ليس هناك داعي يا روميساء ، والطعام طيب جدا ، ولكن يبدو بأنني انا من اكثرت بوضع التوابل على الأطعمة الحارة"

ابتسمت برقة وهي تعقد حاجبيها بتفكير عميق قبل ان تهمس بوجوم عابس
"يبدو بأنك تحب كثيرا نوع الاطعمة الحارة ، وهذا ليس جيدا على صحتك يا احمد ، وخاصة تناولها بالمساء وقبل النوم فهذا سيسبب لك الإزعاج والأرق طول الليل"

ارتفع حاجبيه بخفة وهو يقول بابتسامة متسعة بهدوء
"هدئي من انفعالكِ يا معلمة روميساء ، هل انتِ حقا معلمة ام طبيبة ، فقد بدأت اشك بعد هذا الكلام والذي اخبرتني به الآن"

كتفت ذراعيها فوق صدرها بلحظات بصرامة معتادة على مقابلتها امام طلابها ، لتقول بعدها بابتسامة حازمة بقوة وكأنها تتكلم مع طالب اخطأ بالتصرف معها
"يمكنني ان اصبح معلمة وطبيبة إذا تطلب الأمر ، ويمكنني ايضا استخدام العقاب والذي افعله دائما مع الطلاب المشاغبين والذين لا يسمعون الكلام ، لكي لا يعصوا الأوامر مرة أخرى"

كان (احمد) يراقبها بانشداه وهو يعقد حاجبيه بتركيز منبهر ناظرا لصرامتها وقوتها والتي تتقلب احيانا لتظهر جانبها الحنون وكله يحدث بآن واحد وبذات نفس الشخص وكله حسب المحيط الدائر من حولها ! قال بعدها بلحظات وهو يبتسم بهدوء حنون
"وماذا اريد اكثر من هذا وانا ارى زوجتي تعاملني كطالب من طلابها المقربين لها ولقلبها ، وكم سيبهجني كثيرا ان احصل على هذه المكانة المميزة ، والتي دائما ما كنت احلم بالوصول لها بقلبك"

اخفضت ذراعيها بارتجاف وصرامتها تختفي بتلاشي خلف ملامحها الشاحبة والتي غزتها حمرة الخجل القانية بعد ان هز قوتها المزيفة لتصبح مجرد طفلة خجلة من مديح افرح قلبها الصغير ، لترفع بعدها نظراتها الخضراء ببطء وبابتسامة صغيرة لعينيه الرماديتين بهدوء نفذ بكل واحد منهما وكأنها رسالة تواصل بينهما خاصة بهما وحدهما شبيهة برسالتها لطلابها بالفصل !

اخترق تواصل العيون الطويل من نهضت عن مقعدها بقوة وهي تغادر بعيدا عن المائدة قائلة بحنق ساخر
"يا للملل والذي لا يطاق هنا ابدا ، كان عليّ مشاهدة فيلم بدلا من مشاهدة هذه المسرحية الهزلية والفاشلة بكل المقاييس"

عضت على طرف شفتيها حتى ادمتها من الإحراج الشديد والامتقاع والذي احتل وجهها بأكمله بلحظة وهي تتمنى لو تنشق الأرض الآن وتبتلعها من هذا الموقف والذي وضعت به بسبب كلام شقيقتها الوقحة وعديم الحياء ، بينما حرك (احمد) رأسه بعيدا عن مسار اختفاء تلك الوقحة والتي تخلص من وجودها الكئيب اخيرا والذي كان يعيق عليه خلوته مع شقيقتها ، ليصدم عندها بوجه الواقفة بجانبه وهي تتلون باحمرار بالغ والدماء تتدفق بوجنتيها بحرارة يشعر بها بالهالة والتي تحوم من حولها بدون لمسها .

وقف (احمد) عن الكرسي وهو يمسك بكتفها ليديره نحوه قائلا بتوجس حائر
"هل كل شيء على ما يرام يا روميساء ، لما تبدين لي وكأنكِ محمومة"

زفرت انفاسها بهدوء وهي تبتسم بنعومة لتقول عندها بخفوت محرج
"انا بخير ، ولكني اعتذر حقا على وقاحة شقيقتي والغير محدودة ، فهي قد تجاوزت حدودها معك اكثر من مرة"

اتسعت ابتسامته باتزان وهو يشدد من إمساك كتفها قائلا بجدية صارمة
"لا تهتمي فهذا لا يشكل عندي اي فارق ، وماسة ما تزال شابة صغيرة بالنسبة لي لذا اسامحها دائما على تجاوزاتها الكثيرة ، فأنا اعتبرها مثل شقيقتي الصغرى تماما"

ابتسمت براحة وهي تنظر له بعينيها المتسعتين بشحوب حزين لتهمس بعدها بلحظات بسعادة خفية بابتهاج
"انت رائع"

ارتفع حاجبيه بصدمة بعثرت كيانه وهي تفاجئه بكلماتها والتي ضربت هدوءه بالصميم وصلابته امامها لتذهب مع الريح بلحظات ! فهو لأول مرة يسمع منها كلمة بمدح مختلف موجه نحوه مباشرة بطريقة لا تشعره بالامتنان والشكر والذي تمطره عليه دائما بل خارجة من قلبها نحوه شخصياً بصدق فتنه ، ليشدد اكثر على كتفها وهو يهبط بلمح البصر بوجهه امامها ليقبل وجنتها المحمرة بدون ان يستطيع منع نفسه اكثر من هذا وقد وصل احتماله لمنحدر خطر !

انفرجت شفتيها بارتعاش مذهول للحظات من حركته المفاجأة وهي تشعر بقبلته الهادئة وهي تنتقل لصدغها بهدوء نزولا لعنقها الطويل وهو يتمادى معها على غير العادة محطما الحواجز الوهمية وحصونها والتي بنتها بينهما واحدا تلو الآخر بدون اخذ إذن الدخول منها !

انتفضت بعدها بلحظات بعنف وهي تدفعه بعيدا عنها بقبضتيها عندما شعرت بوشك فقدان قوتها وبضعفها والذي بدأ يحتلها امام مشاعره الهادئة وطريقته باجتياح حصونها الهاوية ، ليفك عندها حصارها بلحظة وهو يبتعد عنها للخلف عدة خطوات باتزان مهتز ليعود عندها لضبط نفسه المشتعلة من مشاعره امامها وانفاسه المبعثرة ككل شيء فيه .

قال (احمد) بعدها بلحظات بهدوء عاد لتقمصه وهو ينظر لوجهها المحمر والذي اشاحته بعيدا عنه بقوة
"حسنا ، انا عليّ الذهاب الآن والعودة للمنزل ، إذا احتجتِ لأي شيء اخبريني ، وانا سأكون عندها متواجد دائما بكل وقت تطلبيني به"

زمت شفتيها بصمت مرتجف بدون ان تعلق على كلامه ، لتسمع بعدها صوت خطواته المبتعدة باتجاه باب الشقة ليتبعها بعدها بصوت اغلاق الباب من خلفه بصمت ساد بالمكان مع اختفاءه .

رفعت نظراتها الخضراء ببطء باتجاه باب الشقة وهي تعض على طرف شفتيها بتشنج ارسله بداخلها بلحظة وهي تهمس بخفوت باهت
"عليكِ ان تدفعي ثمن قراراتك يا روميساء ، أليس هذا ما اعتدتي على فعله ، فما تغير الآن"

______________________________
دخلت للغرفة وهي تقفل الباب من خلفها بقوة تعبر عن مدى قهرها وبأسها من هذه الحياة والتي اصبحت تضيق من حولها باختناق ، وهي تتمنى ان تجد عمل بأقصى سرعة يوفر لها المال والذي يسمح لها بشراء شقة بعيدا عنهم فوجودها بين هذين الزوجين اصبح متطفلا ومزعجا بشكل يدعو للملل ، فهذا المنزل سيصبح ذات يوم منزل يضم اولادهما عندما تكبر عائلتهما الصغيرة ووجودها لن يكون عندها لائقا بينهم بدون ان يكون لها متسع ومكان لها بينهم .

تنهدت بهدوء وهي تسير للداخل بعيدا عن باب الغرفة باتجاه سريرها والذي اصبحت تحتله بهذه الشقة وكل واحدة منهما اصبح لديها غرفتها الخاصة والتي تنفرد بها لوحدها بعيدا عن الأخرى ، جلست بعدها فوق طرف السرير وهي تفلت عقدة شعرها بعنف لتنثره خلف ظهرها بخصلاته السوداء الكثيفة وهي تتخلله بأصابعها بشرود مجهد .

تغضن جبينها بحيرة حادة وهي تستمع لصوت رنين هاتفها والذي ارتفع فوق سكون الأجواء من حولها ليملئ عالمها صخبا ، لترفع بعدها ذراعها وهي تلتقط هاتفها من على المنضدة الجانبية قبل ان تضعه على اذنها بملل وهي تهمس بتصلب خافت بدون ان تنظر لهوية المتصل
"نعم"

ساد صمت مريب بين الطرفين بهدوء طال لدقائق ، لتتوقف بعدها عن تخلل شعرها وهي تخفض كفها قائلة بعبوس ممتعض
"هل ستتكلم ام لا"

ازداد عبوس ملامحها ما ان قابلها الصمت المحدق من الطرف الآخر وكأنه يتسلى باستفزازها ، وما ان كانت على وشك فصل الخط حتى شعرت بأنفاسه الباردة وهي تصلها عبر الهاتف بوضوح تكاد تجزم بسماع صوت ضحكة مكتومة منه بدون ان يظهرها عن قصد ! لتعض بعدها على طرف شفتيها بتفكير قبل ان تهمس بصوت بارد بدون اي تعبير
"ماذا تريد مني يا شادي"

سمعت بعدها صوت انفاسه وهي تضطرب فجأة ليقول عندها بتعجب ساخر
"كيف علمتِ بأنه انا من يتكلم ، هل تستطيعين اختراق الهواتف ومعرفة هوية المتصل"

ردت عليه (ماسة) بلا مبالاة وهي تخفض نظرها لساقيها بجمود
"انت من اعطيتني رقمك ، لذا شيء طبيعي ان اكتشف هوية المتصل بي من رقمك"

كان يعقد حاجبيه بشك وهو يهمس بوجوم ساخر
"حقا ما تقولين ، ومن الذي كان الآن يسأل عن هوية المتصل وهو يكاد يقتل هذا المزعج والذي يتصل عليه بآخر الليل"

رفعت وجهها بحدة وهي تقول بنفاذ صبر مشددة على الهاتف بقبضتها
"توقف عن اللف والدوران يا شادي ، واخبرني ما سبب اتصالك بي بهذا الوقت المتأخر"

ردّ عليها وهو يرفع حاجبيه ببساطة
"ألا تعلمين حقا ، من اجل ان نحدد موعد غرامي قريب لنا نقضي به الوقت الممتع بالكلام وهذه المرة لن يكون تحت المطر كالمرة السابقة....."

قاطعته بضيق وهي تقبض على كفها الحرة بتصلب
"انا اتكلم بجدية"

ابتسم بهدوء وقد بدأ يشعر بنبرة الخطر بصوتها ببحته الغاضبة ، ليقول عندها بابتسامة جانبية بدون ان يفقد مرحه
"وماذا تظنين إذاً"

صمتت (ماسة) بارتجاف وهي تزم شفتيها بانفعال مشحون بالأمل من بين ركام يأسها ، لتقول عندها بخفوت متوجس بعض الشيء
"هل وجدت لي ما اتوقعه"

ارتفعت ابتسامته بهدوء على طرف شفتيه وهو يقول بابتسامة باردة مقلدا نبرتها
"اجل لقد وجدتُ لكِ ما توقعته ، فهل انتِ مستعدة له"

انتفضت بلحظة واقفة عن طرف السرير وهي تنظر امامها باتساع حدقتيها الزرقاء وبانشداه غير مصدق ! لتعقد بعدها حاجبيها بحذر وهي تتمتم بارتجاف عابس
"هل تقصد بأنك قد وجدت لي عمل حقا بدون سخريتك رجاءً ، حقا"

ردّ عليها بقوة بدون اي مواربة
"حقا"

عادت للكلام وهي تهمس مكررة وراءه
"حقا"

انفجر (شادي) فجأة بالضحك تلقائيا بدون ان يمنع نفسه اكثر وهو يجيبها قائلا بابتسامة منشرحة
"حقا ، ويمكنني ان اعيدها لكِ للصباح إذا اردتِ هذا لتصدقي كلامي"

تنفست (ماسة) بهدوء وهي تمسد بكفها على مقدمة صدرها والذي كان يتحرك مع انفاسها بنشيج منتظم ، ليعود بعدها للكلام وهو يقول بارتفاع قلق
"ماسة اين اختفيتِ ، هل كل هذا من فعل الصدمة ، لو كنت اعلم بهذا لما اخبرتكِ بالأمر فيبدو بأنكِ لستِ مستعدة لتبدأي بأي عمل"

حركت رأسها بهدوء وهي تهمس بابتسامة واهية
"انا بخير لا تقلق عليّ ، فقط اخبرني ما هو نوع العمل والذي وجدته لي"

ابتسم (شادي) بنفس بروده وهو يقول بجدية عملية
"ستعملين معي بنفس المكتب لتكوني سكرتيرتي الخاصة فقد استقالت من كانت تحتل هذا المكان ، وبما انكِ تدرسين بالجامعة ولديكِ بعض الخبرة فهذا سيساعدكِ كثيرا بوظيفتك الجديدة"

ارتفع حاجبيها بدهشة وهي تقول باستنكار حاد
"ما هذا الذي تطلبه مني يا شادي ، انسيت بأنني لا املك اي خبرة بمثل هذا المجال من العمل ولا اعلم شيئا عن عالم الاعمال بأكمله....."

قاطعها وهو يهمس برفق شديد بملل
"لا بأس كل شيء ستتعلمينه مع الوقت ومع العمل ستحصلين على الخبرة ، ليست بالأمر الصعب والمستحيل عليكِ"

زمت شفتيها وهي تقول بانفعال حاد
"ولكن ماذا لو اخفقت بهذا العمل او لم اكن جديرة به....."

عاد (شادي) لمقاطعتها وهو يقول بنفاذ صبر
"انا لم اطلب رأيكِ بهذا الخصوص ، وكل ما عليكِ فعله اما ان ترفضي او توافقي"

زفرت انفاسها بغضب وهي تمسد على عنقها بتشنج منقبض لتهمس عندها باستسلام خافت
"موافقة"

ردّ عليها بسرعة بجدية صارمة
"وهذا هو المطلوب ، والآن وداعا ولا تنسي لقاءنا غدا بالصباح الباكر بشركة التصميم والتي اعمل بها ، ولا اريد اي تأخير على الموعد فأنا احتاج لوجود سكرتيرة معي تساعدني بشدة"

اخفضت الهاتف عن اذنها بتجهم وهي تنظر لشاشته بعد ان اقفل الخط بوجهها ببساطة قبل ان يسمع تعليقها على كلامه ! لتبتسم بعدها بسخرية باردة وهي تفكر بأنها لن تستطيع القدوم على الموعد للشركة فهي لديها جامعة غدا وحضورها هناك مهم جدا واكثر من وظيفته التافهة ، لذا عليه ان ينتظر كثيرا وهو الملام بكل هذا لأنه لم يسمع اجابتها ولا رأيها بكلامه الأخير وهو يقرر كل شيء من رأسه بدون الرجوع لها وكأن عملها عنده امر مسلم منه ومفروغ منه .

تقدمت باتجاه مكتبتها بزاوية الغرفة لتضع هاتفها جانبا ببرود قبل ان تفتح مفكرتها الصغيرة الموجودة فوق سطح المكتب وهي تقلب بين صفحاتها لتقف امام صفحة بيضاء فارغة ، لتمسك بعدها بالقلم وهي تجلس بالكرسي امامها قبل ان تبدأ بكتابة الاسطر لتملئ صفحاتها بكل الكلام والذي كان يدور برأسها لتفرغه ببياض تلك الصفحات كما تفعل عادةً منذ طفولتها وتحديدا منذ وفاة والدتها لتكون منفذها الوحيد من كل ما تشعر به بالعالم من حولها .

______________________________
اسندت مرفقيها فوق الدفتر بحجرها وهي تنظر لشاشة هاتفها وللاسم المنير بها وهو يعود كل عشر دقائق لإنارة شاشته باسمه بدون اي ملل او يأس وهي تجزم بأنه سيكون الآن يشتعل من الغيظ والغضب منها حتى كادت تشعر به سيخرج من هاتفها بأية لحظة ، وللغرابة كانت تشعر بالمتعة والتسلية بهذه الطريقة الغريبة باستفزازه وهي تخرجه عن بروده وواجهته المملة والتي تقابلها منه على الدوام ! ولا ضير من إظهار بعض الغضب والجدية بين الحين والآخر لتحسن من مزاجه العكر لآخر مشتعل تستسيغه اكثر وتظهر حقيقته المخفية خلف قناع بروده ، وهذا كله فقط لكي يتعلم مرة أخرى ألا يحاول فصل الخط بوجهها بدون اخذ رأيها بشيء وكأنها قد بدأت بالفعل تعمل عند حضرته .

اخفضت الهاتف ما ان شعرت بقدوم صديقتها الحالمة كما تراها مؤخرا وهي تسير بدلال غريب قبل ان تجلس من فورها فوق المقعد بجانبها بصمت مريب ، لتلتفت بعدها بلحظات نحوها وهي تعقد حاجبيها بعبوس ناظرة لشرودها والذي زاد كثيرا عن السابق وكأنها لم تعد موجودة بعالم الواقع وابتسامة جانبية بخجل تحتل محياها المتورد مع عينيها العسليتين والهائمتين بعيدا عن الجميع بأراضي لا تعلم اين منابتها ؟

استقامت بجلوسها بعيدا عن حجرها وهي تدس الهاتف بجيب سترتها الجلدية ، لتقول بعدها وهي تهمس بجفاء
"لما تأخرتِ ، واين هو العصير والذي ذهبتِ لإحضاره ، ام انكِ قد اضعتِ العصير بطريق العودة"

بقيت (صفاء) على شرودها مع نفسها وهي تسند كفها على خدها المورد بطريقة تدعو للشك ! لتتجهم بعدها ملامح الجالسة بقربها وهي لا تصدق مدى حالمية هذه الفتاة والتي ازدادت كثيرا بالآونة الأخيرة وكأنها لا تعيش هنا ولا تنتمي لأرض الواقع ؟

قالت بعدها بلحظات بحدة وهي تمسك بذراعها بقسوة ليدخل الكلام برأسها الحالم
"صفاء اين ذهبتِ ، عودي لهذا العالم رجاءً"

انتفضت بمكانها وهي تلتفت بسرعة نحوها بوجل لتعبس ملامحها الرقيقة هامسة باستياء
"ماذا تريدين مني ، ولما تصرخين هكذا يمكنني سماعكِ بدون ان ترفعي صوتكِ حتى نخرتِ اذني"

تركت ذراعها بجمود لتكتف ذراعيها فوق صدرها وهي تهمس بسخرية مستهزئة
"وماذا افعل إذا كان السمع عندكِ مضروب ، وتحتاجين لصوت مرتفع ليخترق سحابة احلامكِ البعيدة ويعيدكِ لعالم الواقع"

زمت شفتيها بحنق وهي تشيح بوجهها بعيدا عنها باهتزاز لتهمس بعدها بخفوت مرتبك
"ماذا كنتِ تريدين مني"

ردت عليها بتعجب مصطنع
"جيد بأنكِ قد تذكرتي سؤالي ، فقد طلبت منكِ قبل ان تغادري للكشك ان تحضري لنا كأسين من العصير ، ولكني ارى بأنكِ قد عدتِ فارغة الأيدي ، فما هو الذي شغل تفكيركِ عن إحضار العصير"

ابتلعت ريقها بارتباك متشنج وهي تشبك كفيها معا فوق ساقيها قائلة بابتسامة حاولت جعلها طبيعية بغيظ
"الحقيقة لقد وجدت الكشك مغلق ، لذا لم استطع شراء العصير منه ، هذا ما حدث"

ضيقت عينيها الزرقاء الحادة بتركيز وهي تحرك رأسها بعدم اقتناع فهي تعلم جيدا بكل تقلبات صديقتها وإذا كانت صادقة ام كاذبة بكلامها بسبب شفافيتها بكل شيء تفعله منذ طفولتها لتصبح مفضوحة امامها وعدم اتقانها لدور الكذب والذي لم تحاول يوما تقصمه .

قالت بعدها بلحظات بتفكير خافت وعينيها تنظران لها باتساع مريب
"ولكن أليس هذا غريبا ان يكون الكشك مغلق بهذا الوقت من الظهيرة وبوقت دوام الطلاب ، ام انكِ نسيتِ اين موقع الكشك من الأساس بسبب شرودكِ والذي يلازمكِ دائما بكل وقت وكأنكِ تعيشين بعالمكِ الآخر والذي لا يعلم عنه احد غيرك"

التفتت برأسها نحوها بانشداه وهي تعقد حاجبيها البنيين بتوتر حزين غزى ملامحها لتهمس عندها بوجوم
"إلى اين تريدين الوصول بكلامكِ يا ماسة ، هل تحاولين اتهامي بالكذب"

تصلبت ملامحها ببرود وهي تهمس بجفاء حاد
"لا انا لم اتهمكِ بل انا متأكدة من هذا ، وشعوري نحوكِ لا يخيب ابدا ، لذا اريحي كلينا واخبريني ما سبب حالتكِ تلك الغير مطمئنة ابدا والتي تجعلكِ شاردة على الدوام وكأنكِ قد فقدتِ عقلكِ او ما شابه وهذا احتمال وارد"

عضت على طرف شفتيها الورديتين بعبوس وعينيها العسليتين متسعتين بحزن قبل ان تدير وجهها بعيدا عنها قائلة بامتعاض
"كم انتِ مزعجة وقاسية يا ماسة"

ارتفع حاجب واحد بخفة خطرة وهي تنتظر إجابتها بفارغ الصبر ، بينما شردت الأخرى بعيدا عنها وهي تفرك قبضتيها معا بارتباك وتفكر بأنها هي نفسها لا تعلم سبب حالتها وشرودها الحالم اغلب الوقت كلما تذكرت علاقتها الحالمة بالمدعو (جواد) ؟ والذي اصبح يؤخذ حيزا كبيرا ليس بحياتها فقط بل بتفكيرها واحلامها الخيالية وهي تراه دائما ذلك الفارس المغوار المتواجد بقصصها الخيالية والذي يختطف اميرته ليسعدها بحياتها ويبدل حزنها لفرح طول العمر وهي ترسم له كل احلامها وامنياتها المستحيلة ! ولكن يبقى كل هذا مجرد كلام واحلام بعيدة المنال ستبقى دائما محجوزة بمخيلتها الخصبة طول العمر بدون ان تتذوق شيئا منها ، فهل يعقل ان يتغير كل شيء بلحظة وأخرى ويتحول الخيال بأحلامها لحقيقة تعايشها امامها ؟

قالت بعدها بلحظات بابتسامة متسعة وهي تعود بنظرها لصديقتها المتحفزة بابتهاج
"ليس بالشيء المهم والذي يدعوكِ لتكوني بكل هذا التحفز ، اخبريني الآن كيف حال شقيقتك وزوجها وهل تواجهين اي مشاكل بالسكن بالشقة معهما"

ردت عليها ببرود جليدي
"كل شيء بخير ، ولكن...."

قاطعتها وهي تعبس بحزن عميق
"اعتذر لأنني لم اقم بزيارتكِ بشقتكِ الجديدة بعد تلك الحادثة المروعة ، فأنا لم اقم بالواجب كما ينبغي ولم اطمئن على حالتكِ انتِ وروميساء ، حتى اني لم ابارك لها زواجها والذي مر عليه اكثر من شهر....."

قاطعتها وهي تقول بنفاذ صبر من كل هذا الكلام والذي لا طعمة له
"كفى يا صفاء ، فأنا لستُ الومكِ على عدم زيارتكِ للشقة ، وليس لها داعي من الاساس ، فأنا اعلم جيدا بأنكِ تعانين من مشاكل بحياتك بما فيه الكفاية ولا ينقصكِ المزيد منها"

تنهدت (صفاء) بابتسامة ناعمة وهي تحني حدقتيها للأسفل بحزن لتهمس عندها بخفوت واجم
"اعتذر على كل ما سببه لكِ شقيقي مازن من مشاكل وللجميع ، حتى انه لم يعد يظهر له اي اثر بعد تلك الحادثة وكأنه فص ملح وذاب ، ودائما ابي كان طول الشهر الماضي وهو يسأل عنه بقلق بدون ان اتجرأ على الاعتراف له بما فعله لكي لا يصاب بأزمة قلبية أخرى ، ولم نعلم للآن اين يكون......"

عادت (ماسة) لمقاطعتها وهي تدير مقلتيها بعيدا عنها بتأفف هامسة بحدة منفعلة
"ارجوكِ يا صفاء توقفي عن التكلم عن كل ما حدث بتلك الحادثة ، وانسي امر فعلة شقيقكِ المجنون فأنتِ لا علاقة لكِ بما يفعله ويفكر به ، فهمتِ"

اومأت برأسها بالإيجاب بهدوء وهي ترفع كفها لتعيد خصلات شعرها الحريرية لخلف اذنيها وهي تتنفس براحة فقد استطاعت بشق الأنفس جعل (ماسة) تنسى موضوع شرودها تماما وإلحاحها لتعرف قصتها رغما عنها وكل هذا بفضل ثرثرتها المزعجة كما ترى والتي انقذتها من تساؤلات صديقتها وهي تستخدمها دائما كسلاح فعال ضد صديقتها والتي لا تحب الكلام كثيرا لتدفعها للصمت وإيقاف الكلام عند حده وهذا ما تحتاج إليه بشدة الآن .

وقفت (صفاء) بعدها بلحظات وهي تقول بابتسامة متسعة بابتهاج موجه لصديقتها العابسة بتصلب
"سأذهب للبحث عن كشك آخر يبيع لنا العصير ، فقد بدأت اشعر بالجفاف بحلقي ، لن أتأخر"

غادرت بعيدا عنها قبل ان تسمع تعليقها وهي تحاول الانفراد مع نفسها خوفا من ان تعود التساؤلات بالدوران برأس صديقتها ، بينما النظرات الزرقاء الجامدة تتابعها بعدم اهتمام حقيقي لتحيد بعدها بنظراتها بوجوم للهاتف والذي عاد للرنين بجيب سترتها ، لتعود بنظراتها عاليا للسماء الغائمة وابتسامة ساخرة بجمود تعتلي ملامحها ببطء حتى شملت وجهها بأكمله لتختفي بلحظات السخرية عنها ليتبقى فقط الجمود بها وهو يحتل ملامحها الصخرية بقوة .

يتبع.................


روز علي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 03-07-21, 10:13 PM   #80

روز علي
 
الصورة الرمزية روز علي

? العضوٌ?ھہ » 478593
?  التسِجيلٌ » Sep 2020
? مشَارَ?اتْي » 356
?  نُقآطِيْ » روز علي is on a distinguished road
افتراضي

كانت تمسك بالكتاب بيديها بقوة وهي تحاول التركيز بالكلمات المكتوبة امامها وعينيها العسلية تضيق بتفكير ارهق عقلها ونظرها وهي تشعر بالأحرف تتلاشى من دماغها كل ما حاولت قراءتها والتمعن بها اكثر وكأنها تحارب بمهمة مستحيلة مع عقلها الفارغ والمصر على عدم مساعدتها بالدراسة وهو مشغول بأفكار اخرى شتتت ذهنه عن العمل ! تنفست بعدها بحنق بالغ وهي تنفخ وجنتيها بعصبية تكاد تنفجر من فرط التفكير والقهر والذي تشعر به منذ الأمس وتحديدا منذ بداية عودتها للدراسة مجددا وقد بدأ الاساتذة يواظبون على الحضور لمنزلها بمواعيد محددة ليكملوا معها بمجال دراستها بدون الداعي للذهاب للجامعة ألا بموعد الاختبارات والتي ستقدمها مجبرة بقاعة الجامعة .

اخفضت الكتاب وهي تلقي به جانبا بعدم رغبة بالاستمرار اكثر وهي تشعر بانعدام الحياة بداخلها وكأنه قد توقف العالم وكل سبل النشاط عندها لتجتاحها نوبة من الإحباط والتي احتلت جسدها بخمول وتعب ، ولكن مع ذلك عليها الاستمرار للنهاية ليكون لديها وظيفة وهدف تعمل عليه بحياتها لتنفض الملل والحزن بعيدا عنها ويشغل تفكيرها عنه .

التفتت بوجهها بهدوء نحو الباب والذي فُتح فجأة لتظهر والدتها من خلفه وهي تنظر لها بتركيز مريب ، قطع صمت العيون بينهما من قالت بجدية صارمة وهي تمسك خصرها بيديها بقوة
"استاذكِ بالجامعة قد اتى لزيارتكِ ، وهو الآن ينتظركِ بغرفة الجلوس بالأسفل"

ابعدت رأسها عن ظهر السرير وهي تعقد حاجبيها بوجوم قائلة بخفوت بارد
"ولكني قد انهيتُ كل محاضراتي مع اساتذتي بالفعل ، وليس لدي محاضرة بهذا الوقت"

رفعت (جويرية) حاجبيها الرفيعين بحذر مريب وهي تدقق النظر بها جيدا بطريقة بعثت الرعشة بدواخل ابنتها ، لتبتسم بعدها بعملية جادة وهي تهمس ببساطة بالغة
"انه نفس الاستاذ والذي اتى لمنزلنا بالأمس ليطمئن على حالتكِ ، وهو ليس من ضمن محاضراتك ، لذا عليكِ النزول له بسرعة لأنه ليس من اللائق تركه ينتظركِ كل هذا الوقت بعد ان قطع كل هذه المسافة من جامعتكِ لمنزلنا ليقابلكِ تحديدا"

اتسعت عينيها العسلية باخضرار شاحب وهي تفغر شفتيها المتكورتين بصدمة ما ان تذكرت زيارته لها بالأمس والتي كانت عبارة عن ترحيب وسلام واطمئنان على صحتها بعد ان انقذها من ذلك الموقف المخزي والذي يجعلها تكاد تدفن نفسها بعيدا عن نظراته بدون ان تتجرأ على مواجهة عينيه والتي كانت تعريها من الحقيقة وتساؤلات كثيرة تدور برأسه عن سبب تواجدها بالمختبر بوقت الحادثة ليحدث ما حدث ! ولكن ما صدمها اكثر هو كلام والدتها المبتهج عن استاذها وهي تبدو تعلم كل شيء عنه حتى بموضوع قدومه لزيارتها بعد ان قطع مسافة طويلة من الجامعة لهنا .

عبست ملامحها فجأة وهي تهمس بشحوب منقبض
"كيف علمتِ بأنه قد جاء من الجامعة وقطع مسافة ليصل لهنا"

ابتسمت بثقة معتادة عليها وهي تلوح بيدها بجدية
"هذا واضح من ملابسه وهيئته المنمقة والتي تدل على المكان القادم منه ، وغير هذا الحقيبة والتي كان يحملها بيده والكتب والتي كانت ظاهرة من داخلها"

ارتفع حاجبيها الرقيقين برهبة وهي تهمس باستنكار منذهل
"هل كنتِ تراقبينه يا امي ، هل تجسستِ عليه من باب غرفة الجلوس"

امتقعت ملامح والدتها بحدة وهي تعود لهيئتها الشرسة المدافعة والتي تكاد تنقض عليها لتقول عندها بانفعال حاد وهو تلوح بيديها بعصبية
"كيف تقولين مثل هذا الكلام الوقح عني يا غزل ، انا فقط لمحته وهو يدخل لغرفة الجلوس مع الخادمة ، لذا لا تنسجي كلام من عقلك الفارغ وتلقيه عليّ"

ادارت (غزل) نظراتها بعيدا عن والدتها وهي تتنفس بملل ، لتسمع بعدها صوت والدتها وهي تقول بخفوت شارد بعد ان هدأت من ثورتها
"ولكني ارى بأنه يهتم بكِ اكثر من كونك مجرد طالبة عنده ، لذا كنت افكر...."

اندفعت بوجهها نحو والدتها بصدمة وهي تقول بعبوس محتد
"لا يا امي ، لا تفكري بهذا الأمر ولو قليلا"

زفرت انفاسها بحدة وهي تهمس بتفكير عميق متجاهلة اعتراض ابنتها الأخير
"وما لمشكلة به وهو يبدو بنظري الشخص المثالي والمناسب لكِ ولعائلتنا ، وغير هذا مثقف ووسيم وليس كبير بالعمر كثيرا ، وهناك توافق كبير جدا بين مستوى ثقافتكما ومستوى عائلتكما....."

انتفضت (غزل) بعيدا عن الفراش وهي تقف قائلة بتصلب صارم
"كفى يا أمي ، ما هذا الكلام والذي تتفوهين به ، وقبل كل شيء عليكِ اولاً ان تفكري بموافقة السيد الذي يجلس بالخارج وقد يكون متزوج الآن وانتِ تبنين احلامكِ عليه"

ردت عليها والدتها بابتسامة واثقة
"غير صحيح فهو ليس متزوج ، ولا يرتدي اي خاتم زواج"

ارتفع حاجبيها بدهشة وهي تتنفس بذهول لم تستطع السيطرة عليه فيبدو بأن والدتها قد خططت للأمر جيدا ودرست الأمر من كل ابعاده قبل ان تفاتحها به ! لتحرك بعدها رأسها بقوة وهي تنفض كل الأفكار عنه قبل ان تتجه لخزانتها لتُخرج منها سترة جينز وردية وهي تتجاهل وجود والدتها تماما .

تجهمت ملامح والدتها وهي تقول بصرامة حادة ناظرة لابنتها والتي تعطيها ظهرها بتركيز
"اسمعي يا غزل ، هذه الفرصة لا تعوض ابدا وقد اتت بنفسها إليكِ على قدميها من شخص من بين مئة رجل لن تجدي له شبيه وبنفس المواصفات والتي كنتِ تتمنينها ، لذا لا ترفضيها كما تفعلين دائما وتوقفي عن التحامق......"

قاطعتها (غزل) وهي تغلق الخزانة امامها بقوة رجت جوانب الخزانة بأكملها بعد ان انتهت من ارتداء سترتها وهي تقول ببرود قاتل
"ارجوكِ يا امي ، لا اريد التكلم عن هذا الموضوع مرة أخرى"

تنفست (جويرية) بنفاذ صبر وهي تنظر لابنتها بعبوس حانق قبل ان تسير بعيدا عنها لخارج الغرفة بهدوء ، لتنظر بعدها لمسار خروج والدتها وهي تتنفس الصعداء براحة واضعة كفها على موضع الألم ومصدر النخزة والتي تشعر بها بهذه اللحظة تضرب صدرها بقوة .

نفضت ذراعيها للأسفل وهي تعدل من اكمام سترتها لتسير بسرعة لخارج الغرفة بخطوات خافتة بطيئة بدون ان ترتدي اي حذاء من احذيتها ذات الكعب العالي والتي دائما ما تكسر اقدامها الصغيرة بألم ، ولم تكن ترتديها سوى لتغيير مظهرها الحزين والمثير للشفقة كما يقولون لتحول نفسها لأخرى صاخبة متبرجة لم تناسبها يوما .

وصلت لغرفة الجلوس والتي ما ان دخلت من بابها المفتوح حتى قابلها الوجه المبتسم بهدوء وهو ينهض عن الأريكة الوثيرة والتي كان يجلس عليها ، ليقول عندها بابتسامة جانبية بغموض
"كيف هي احوالكِ يا غزل ، واعتذر على زيارتي المفاجئة بدون موعد مسبق ، ولكني اردت الاطمئنان عليكِ فأنتِ ما تزالين طالبة عندي وامركِ يهمني كثيرا"

اومأت برأسها بهدوء بابتسامة هادئة بدون كلام وهي تفكر بكلام والدتها والذي عاد ليخترق افكارها بخبث بخصوص معاملته الخاصة لها والتي تختلف عن كونها مجرد طالبة عنده ! لتنقل بعدها نظراتها بتوجس لهيئته المنمقة وقد اصابت والدتها بكلامها بصدق تعترف به لأول مرة فقد كان يبدو رجل متزن بوسامة محببة بحق من شعره البني المائل للعسلي الفاتح لتصل لملابسه المكونة من معطف جلد اسود يصل لركبتيه ومفتوح ليظهر من اسفله القميص الابيض مع بنطاله الاسود الطويل والذي يحدد جسده الفارع ، ولأول مرة لا تلوم والدتها على كلامها والذي خرج منها بانبهار مسحور من الذي رأته امامها ليُذهب عقلها وصرامتها معا .

لم تنتبه لنظرات المقابل لها وهو ينظر لها بنفس الطريقة وخاصة مع سترتها الجينز الوردية والتي اظهرت وجهها اكثر توردا وانتفاخا ومع عينيها المتحولتين كما يسميهما وهما تتلونان بلون عسلي مخضر ناسبها مع شحوب ملابسها ، ليرتفع بعدها حاجبيه ببطء متعجب مع ابتسامة صغيرة وهو يلاحظ لأول مرة عدم ارتدائها لأي احذية عالية الكعبين لتظهر قدميها الصغيرين البيضاوين والتي تشبه اقدام الاطفال بحجمها !

افاق من افكاره ما ان رفعت ذراعها نحوه وهي تشير للأريكة قائلة برقة
"تفضل يا استاذ هشام واجلس على الأريكة رجاءً"

شرد بها للحظات بنبرة صوتها والتي اشتاق لنغمتها الحزينة ولكن هل شعر ببعض الاهتزاز بصوتها ؟ ليحرك بعدها رأسه بالإيجاب وهو يعود للجلوس على الأريكة كما كان قبل مجيئها .

جلست (غزل) على الأريكة المقابلة له وهي تقول بابتسامة ممتنة بهدوء
"شكرا لك على السؤال والاهتمام بأمري ، ولكني حقا قد اصبحت بخير ولم يعد هناك داعي للقلق عليّ هكذا ، فقد كنتُ دائما اواجه مثل هذه الازمات كثيرا بالسابق ، لذا اعتدت على هذا الأمر حتى اصبح روتين بالنسبة لي"

اومأ برأسه بغموض وهو ينظر لها بعدم راحة متنقلا بها بتمهل بعينين خبيرة لا تخطئ ابدا ، فهو لن يكذب ما يراه امامه من تغير طفيف بان عليها استطاع لمحه بسهولة وهو ينظر لعينيها الذابلتين بإجهاد مفرط مع خديها المحمرين بانتفاخ محتقن بلون الدماء وهالة من الحزن تحيط بها لتزيد شحوب ملامحها اكثر !

تنحنح (هشام) وهو يعيد ضبط زمام الأمور والتخبط بداخله ليقول عندها بنفس اتزانه القوي
"حسنا بما انكِ قد اصبحتِ بخير ، كنتُ اتسائل متى ستعودين للدوام بالجامعة ، ام احببتِ هذه العطلة طويلة الأمد ووضعتِ مرضكِ حجة للتهرب من المحاضرات"

ارتفع حاجبيه بتجهم ما ان لمح الحزن يبرق بحدقتيها وهي تشيح بوجهها بعيدا عنه هامسة ببحة خافتة ببعض المرارة
"لقد قررت عدم العودة للدوام بالجامعة ، وهذا قرار نهائي"

تنفس (هشام) بقوة وهو يقول بجدية صارمة بعثت الرعب بأوصالها
"ما هذه الترهات والتي تتفوهين بها يا غزل ، من اجل مرضكِ ستوفقين كل احلامكِ ، لأنكِ اصبتِ ببعض الاحباط بسبب حادثة صغيرة بحياتكِ ، صدقيني لا احد سيهتم بمستقبلك ولا المسبب الرئيسي بحالتكِ سوى نفسكِ"

انفرجت شفتيها بارتعاش وهي تحرك رأسها بالنفي هامسة بتبرير مرتبك
"لا لقد فهمتني خطأ يا استاذ هشام ، انا سأستمر بدراستي الجامعية ولكن بالمنزل كما كنتُ افعل بسنوات طفولتي بالمدرسة ، ولكني سأحضر للجامعة من اجل اختبارات نهاية الفصل"

عبست ملامحه باهتزاز وقد اختفت الصرامة عن وجهه وهو يرفع حاجبيه ببطء شديد بعد ان استوعب كلامها جيدا والذي اراحه كثيرا بدون ان يعلم السبب لذلك ؟ ولكن يبقى هناك شعور متناقض غاضب بكبت مما آلت له حالتها بسبب تلك المدللات واللواتي كانوا السبب الرئيسي بأغلاق باب المختبر عليها بكل حقارة وقلة تهذيب ، وكان بإمكانه عقابهما على فعلتهما الدنيئة ولكنه سينتظر الوقت المناسب والذي يتفرغ به لهما .

ادار عينيه نحوها بصدمة ما ان قالت بابتسامة متوجسة بحزن
"ماذا قصدت بالمسبب الرئيسي يا استاذ هشام"

ابتلع ريقه بارتباك ليسعل عندها قليلا بحشرجة قبل ان ينظر بعيدا عنها وهو يقول ببرود متعمد
"لا ليس كما تظنين فقد كان مجرد تعبير مجازي ، ومن فعل بكِ كل هذا سيكون من المؤكد سعيد بحالتكِ ، لذا قلت هذا الكلام لأعطيكِ الدفعة للأمام وعدم الاستسلام"

اخفضت نظراتها للأسفل بوجوم وهي تضم قبضتيها معا بحجرها بصمت ، ليحيد بعدها بنظراته نحوها وهو يفكر بأنه ليس من الجيد اخبارها الآن بالمسبب الرئيسي بحالتها هذه وما وصلت له فقد تزيد من احباطها اكثر مما هي عليه وكرهها لمن حولها ولكل من يبغضها وخاصة بأنها بلا صديقات وهذا ما لاحظه عليها بالجامعة بدون ان يفهم سبب وحدتها وكره تلك الفتيات لها ؟

وقف بعدها بلحظات عن الأريكة وهو يقول بابتسامة جانبية بلطف
"انا عليّ الذهاب الآن ، اهتمي بنفسكِ جيدا يا غزل ، وحاولي التفكير فقط بدراستكِ فلن ينفعكِ شيء غيرها ولن يفيدكِ احد بهذه الحياة غير مستقبلك"

تنهد بغضب مكتوم وهو ينظر لشرودها بدون اي تعبير ، ليحرك بعدها رأسه باتزان وهو يرفع ذراعه بتردد ليربت على رأسها بيده بصمت قبل ان يتراجع بسرعة وهو يسير لخارج الغرفة بأكملها ، بدون ان يرى المرأة والتي كانت واقفة عند بهو المنزل بعد ان تجاوزها بسرعة وهي تراقب خروجه بابتسامة متسعة بسعادة غامرة وقلبها يردد بلهفة بالغة بأن يكتب لابنتها الصغيرة التوفيق مع هذا الشاب والذي تراه افضل شريك قد تحظى به ابنتها ليجبر قلبها المريض والذي انكسر بسبب حب قديم لم يكن سوى عثرة بحياتها .

_____________________________
كانت تسير ببطء بممر الشركة وهي توزع نظراتها بكل زواياها وبديكورها البسيط الكلاسيكي فهي تبدو بالخارج شركة صغيرة ولكن بداخلها هناك عالم آخر يعيش فيها من ممراتها الطويلة وعدد غرفها لمساحة الأروقة بها بالرغم من انها تتشكل من طابقين لا اكثر ، وكل هذا بسبب كونها مبنية بمنطقة سكنية بسيطة ليس لها صلة بالمناطق ذات الشعبية والشهرة العالية والتي تحظى على كثير من إعجاب سكان المناطق الأخرى ، وقد استدلت على هذا المكان من رسالته الأخيرة لها والتي كتب بها العنوان مع كلمات كثيرة لم تقرأها ولم تهتم لقرائتها .

ابتسمت ببرود ما ان وقعت نظراتها على الواقف امام باب مكتبه وهو يمسك خصره بتحفز مشتعل ظاهر بملامح وجهه الجامدة والتي اصبحت بعيدة عن الهزل والمعتادة على رؤيتها به وكأن الحقائق قد تجردت امامها على وجهه بدون اي مواربة ، عضت بعدها على طرف شفتيها وهي تحاول التباطء بخطواتها بتعمد مستفز وهي تنظر له بتتبع لملامح وجهه والتي ازدادت عبوسا عن السابق منتظرة انفجاره بأية لحظة ولكنه كان يمسك نفسه بشق الأنفس وهذا هو المتأكدة منه امامها ، وهي ما تزال محتارة من طريقته بضبط اعصابه امامها بدون ان يفعل لها اي شيء للآن ؟

اتسعت ابتسامتها بجمود بارد ما ان وقفت امامه تماما وهي تنظر بترقب لتجهمه والذي يكاد يفتك به بدون ان تقابله بشيء سوى بالبرود والمعتادة على استخدامه كسلاح بمواجهة اي شيء يقع امامها مهما كان مدى سوئه وضرره عليها ، لتحاول بعدها التكلم بهدوء قبل ان تتأوه بألم ما ان غرز كفه بذراعها بقوة ليسحبها عندها من خلفه لداخل غرفة المكتب وهو يتجاهل اعتراضها وممانعتها الشديدة .

وصل امام المكتب لينفض ذراعها بعيدا عنه وهو يلتفت نحوها بتصلب قائلا بابتسامة مقتضبة
"لما تأخرتِ بالمجيئ لاستلام عملكِ الجديد كما اتفقنا بالأمس ، لا وتأتين الآن بعد مرور ساعة كاملة على اتفاقنا بكل ثقة ، وكأنني انا من كنت اتوسل لكِ لأحصل على الوظيفة بالشركة"

ضيقت عينيها الزرقاء بغضب وهي تدلك على ذراعها بموضع قبضته بيدها الأخرى بقوة ، لتقول بعدها بلحظات بتصلب بارد
"لم ابدأ بالعمل معك بعد واصبحت تعاملني بهذه الطريقة وكأنني خادمة عند حضرتك ، وايضا لم يرغمك احد على توظيفي لتحملني الذنب لأنك وافقت عليّ بهذه الوظيفة ، فهذه الطريقة لا يفعلها سوى من يعانون بنقص بعقولهم"

قبض على كفيه بجانبي جسده وهو يرفع حاجبيه بعدم تصديق لما يسمعه منها من كلام فوق خطئها وتأخرها عن العمل فهذه الفتاة يبدو تحضر لموتها على يديه ليتخلص عندها من برودها ووقاحتها والتي لم تعد تطاق ابدا ! وهذا ايضا بعد مسيرة القلق والتي ارسلتها بداخله منذ الصباح وهي مختفية بدون ان يظهر لها اي أثر .

رفع يده وهو يتخلل شعره بأصابعه بعنف مقتلعا خصلاته قبل ان يهمس من بين اسنانه بغيظ
"لم تخبريني للآن ، لما لم تأتي على الموعد ام انكِ قد نسيتِ الموعد بيننا وستكون عندها اسخف حجة سمعتها بحياتي"

كتفت (ماسة) ذراعيها فوق صدرها بجمود وهي تقول بابتسامة جادة تحمل السخرية والبرود معا
"لا ليس هذا ما حدث ، الحقيقة كان لدي محاضرات بالجامعة فأنا إذا كنت قد نسيت ما زلت طالبة بالجامعة وعليّ حضور محاضراتي بمواعيدها المحددة ، لذا انتظرت حتى انتهيت واتيت بعدها لشركتك"

اخفض يده عن رأسه وهو يعقد حاجبيه بوجوم بعد ان غفل عن موضوع جامعتها ودوامها بها وهي تخرج لها من الصباح الباكر ، ليقول بعدها بلحظات باقتضاب عابس
"ولما لم تخبريني بهذا الأمر مسبقا ، عندما تكلمت معكِ على الهاتف"

ردت عليه بسخرية وهي تحرك كتفيها باستخفاف
"لأنك ببساطة قد فصلت الخط بوجهي قبل ان تسمع اجابتي وتعليقي على كلامك بخصوص الوظيفة ، وانت تقرر كل شيء من رأسك بدون الرجوع لصاحبة الوظيفة"

تصلبت ملامحه بجمود وهو يقول باستياء ملوحا بذراعه جانبا بقوة
"ولكني قد اتصلت بكِ اكثر من مرة ، ولم يكن هناك من مجيب لنتفق على اساسيات الوظيفة واستمع لتعليقاتكِ والتي كنتِ تريدين قولها لي ، وانتِ تغلقين كل الطرق بوجهي بوقاحة لم ارى بحياتي مثيل لها"

حركت حدقتيها بعيدا عنه بضجر وهي تتمتم بامتعاض ساخر
"لقد كان لدي محاضرات وبالمقابل لم استطع الاجابة على اتصالاتك ، وايضا لا احب التكلم بالهاتف كثيرا فهو امر يضايقني ويجعلني ارغب بتحطيم الهاتف فوق رأس المتصل ، لذا اعذر شعوري المرهق وعدائي مع الهاتف"

تنهد بكبت وهو يحاول ضبط اعصابه النارية والتي حولتها بلحظات من البرود للاشتعال من كلماتها المستفزة والغير مبالية وهو يفكر ان يطردها من الشركة نهائياً وينسى موضوع توظيفها تماما والتي يبدو آخر ما تفكر به ! رفع قبضته وهو يحك جبينه بتفكير ونظراته معلقة بالأرض من اسفله ، ليسمع بعدها صوتها البارد وهي تهمس بخفوت اقرب للأمر الواقع
"إذاً هل ستوظفني ، ام اعود من حيث اتيت ، لأنك تبدو بحالة يرثى لها"

زفر انفاسه بتمهل وهو يرفع نظراته لها بتركيز قبل ان يخفض قبضته للأسفل وهو يتمتم باقتضاب
"يا لكِ من ظريفة حقا ، وجواب على سؤالكِ نعم سأوظفكِ عندي وامري لله ، فأنا اعلم جيدا بأنكِ كنتِ تتوقعين مني ان ارفض واثور عليكِ بعد كل التهريج والذي فعلته منذ الصباح والذي عليّ ان اعترف بأنكِ قد تجاوزتِ به كل حدود الوقاحة بالنسبة لي ، ولكن بما انني قد وعدتكِ بأن اوظفكِ فليس امامي خيار سوى القبول وتحمل هذه البلوة والتي هبطت على رأسي"

ارتفعت ابتسامتها ببرود مع حاجبيها السوداوين وهي تنظر له بإعجاب تعترف به بالنسبة لرجل يملك مدى تحمل خرافية غير موجودة بجنس الرجال امام نوع من الاستفزاز والذي تتقن تمثيله امامهم لتفقدهم عقولهم وتنفذ انتقامها منهم والذي يرضيها كثيرا ويشعرها بالنشوة ! ولكن هذا الرجل مصر على تحمل كل شيء تقدمه بصدر رحب وببرود غريب ستقضي عليه بفترة وجودها معه ، وسترى إلى اين سيصمد معها هذا الرجل الجليدي ؟

رفعت نظراتها له ما ان التقط الورقة من على سطح المكتب وهو يمدها امامها قائلا بعملية عادت لتغزو ملامحه
"خذي واملئي هذه الاستمارة لأستطيع توظيفكِ سكرتيرة عندي وننتهي من هذا"

اخفضت نظراتها للورقة بيده قبل ان تمسك بها وهي تسير باتجاه الأريكة لتجلس من فوقها وهي تضع الورقة فوق الطاولة امامها بصمت ، كان يتابع حركاتها بانتباه وهو يعض على طرف شفتيه بغيظ ناظرا لها وهي تلتقط القلم من داخل حقيبتها بهدوء متصلب ، ليدور بعدها بنظراته تلقائيا على ملابسها والتي تحدد دائما جسدها النحيف بتناسق رهيب والتي كانت عبارة عن بنطال جينز اسود مع قميص بزرقة عينيها يعلوها سترة جلدية بدون اكمام بنفس لون بنطالها الاسود الفاحم وهي تحني ظهرها امام الورقة باستقامة لتظهرها اكثر تناسق وكأنها تمثال حي يمثل الصلابة والقوة بداخل صاحبتها ! ليلمح عندها خصلات شعرها الطويلة المتحررة من عقدتها والتي كانت تنزل امام الورقة لتعيدها للخلف بالقلم بيدها برتابة .

افاق من افكاره بعبوس ما ان قالت بخفوت وهي مشغولة بالتدوين على الورقة
"لو سمحت هلا توقفت عن النظر لي هكذا ، فهذا يشتت تفكيري"

ابعد نظراته عنها بملل وهو يتنفس بتجهم من كل ما يحدث معه من كبت تسببه له وكأنه تحول لبركان خامد سينفجر بها بأي لحظة ، اعاد نظراته لها ما ان قالت بهدوء وهي ترفع الورقة نحوه
"لقد انتهيت"

تقدم نحوها عدة خطوات جامدة ليلتقط الورقة من يدها بقوة وبدون ان ينظر لها ألقى بها فوق سطح المكتب بجانبه بإهمال ، بينما كانت نظراتها تتابع مكان سقوط الورقة ببرود جامد ، لتعيد بعدها نظراتها نحوه ما ان قال بجدية صارمة
"حسنا لنتفق من الآن بأنكِ ستعملين معي سكرتيرتي ، وهذا يعني بأنكِ ستنفذين لي كل اوامري وكل شيء اقوله لكِ بالحرف الواحد وبدون اي اعتراض او تذمر ، واما الراتب فستحصلين عليه ما ان تثبتِ جدارتكِ وبغضون شهر ، مفهوم"

ارتفع حاجبيها بدهشة مصطنعة وهي تهمس باستهانة
"وماذا عن دوامي بالجامعة ، فأنا لن استطيع ان اتغيب عن محاضراتي لأحضر للعمل هنا"

تصلبت شفتيه وهو يهمس من بينهما بجمود مريب
"لا بأس لن احسب وقت محاضراتك بالجامعة من عملكِ هنا وسأدبر نفسي بهذا الوقت ، ولكن عملكِ هنا سيبدأ من الساعة الثانية ظهرا ولا استطيع ان اقبل بأي تأخير اكثر من هذا ولا اي حماقة كما فعلتِ اليوم"

انتفضت واقفة عن الأريكة بلحظة وهي تقول باستنكار حاد
"انتظر لحظة ، وكيف سأستطيع الوصول لك بهذه الساعة ومحاضراتي تنتهي بهذا الوقت تماما ام تظنني استطيع قطع المسافة بين شركتك وجامعتي بثواني معدودة"

اشاح بوجهه بعيدا عنها وهو يقول بلا مبالاة
"كيف هي الطريقة لا اعلم ، كل ما اعلمه هو بأنه عليكِ الوصول بهذا الوقت تماما ، وتذكري بأنه بكل تأخير سيخصم من راتبك وسيكون نقطة سلبية بملف عملك"

زمت شفتيها بغضب ممزوج بالحنق الشديد وهي تشعر بأن طريقتها لمضايقته قد انقلبت ضدها ، لتهمس بعدها بلحظات بابتسامة غير معبرة سوى عن الغيظ
"وما هو العمل الموكل لي الآن يا سيدي المدير"

اعاد وجهه امامها وهو يعقد حاجبيه قائلا بتفكير
"اعتقد بأنني قد اخبرتكِ بتفاصيل عملكِ اليوم بالرسالة والتي بعثتها لكِ مع عنوان الشركة"

ردت عليه ببساطة وهي تحرك حاجبيها ببرود جليدي
"اعتذر ولكني لم اقرأ الرسالة كاملة ، لذا هلا اعدت عليّ مضمون الرسالة وما عليّ فعله الآن"

زم شفتيه بقوة وهو يحرك رأسه بتصلب ، ليزفر بعدها انفاسه بهدوء وهو يقول بجفاء بارد
"لا بأس سأريكِ الآن ما هو العمل والذي عليكِ فعله لأنكِ للأسف لم تستطيعي قراءة الرسالة بسبب عدائكِ مع الهاتف"

ابتسمت (ماسة) بهدوء مستفز بدون كلام ، بينما قابلها بابتسامة اكثر برودا وهو يلتفت جانبا ليجمع الملفات من فوق المكتب قبل ان يلقي بها فوق سطح الطاولة بعنف امام نظراتها المترقبة بعبوس ، ليستقيم بعدها بوقوفه امامها وهو يفرد ذراعيه قائلا ببساطة بالغة
"الحقيقة لقد تراكم العمل كثيرا عليّ منذ غياب سكرتيرتي الخاصة ، لذا اريد منكِ ان ترتبي هذه الملفات جميعها من الألف للياء وإياكِ وان ترتكبِ اي خطأ سيكلفكِ الكثير ، واما انا فسأذهب لأستريح قليلا من العمل واشرب كوب قهوة بمقهى الشركة ليعيد لي بعضا من نشاطي ، وبهذا الوقت اريدكِ ان تعملي بجد وبالتوفيق"

غادر بعدها من امام نظراتها المتسعة باستدارتها القاتمة وهو يكمل طريقه لخارج المكتب بدون ان يسمع رأيها قبل ان يلتفت نحوها برأسه لوهلة عند باب المكتب وهو يغمز لها بعينه اليمنى بإشارة مستفزة ، ليعض بعدها على طرف شفتيه بعبث متسلي ناظرا لعلامات الذهول الظاهرة على وجهها وهو يغلق باب المكتب من خلفه بهدوء ، لترتمي الواقفة بمكانها بتجمد على الأريكة من خلفها وهي تتنقل بنظراتها بكومة الملفات المتجمعة امامها وانفاسها تخرج بلهاث مذهول من شفتيها الحمراوين قبل ان تتحول بلحظة لأنفاس حادة تستطيع حرق من امامها بثواني معدودة .

_____________________________
كانت تدون بالقلم بيدها على الدفتر بكل ملف تنتهي منه وهي ترتبه مع الملفات الأخرى على الترتيب الأبجدي كما طلب منها ، لتسمع بعدها صوت دخول احدهم لغرفة المكتب بخطوات متمهلة تعلم جيدا صاحبها من رائحة القهوة والتي سبقت دخوله مع رائحة عطره الغريبة والقوية لتنفذ حواسها بقوة وإزعاج !

وقف بجانبها على بعد خطوات منها وهو يحمل كوب قهوته بيد ويدس يده الأخرى بجيب بنطاله بكسل ناظرا لرأسها المنحني امام الملفات بتركيز وخصلات كثيرة من شعرها كانت قد تحررت بفوضة من عقدتها لتنزل حول وجهها بدون ان تمنعها وهي تحرك القلم بين اصابعها بعصبية بالغة ظاهرة بحركات جسدها المنتفضة وهو يشعر ببعض الذبذبات والشرارات والتي بدأت تصل له منها كما حدث بأول لقاء بينهما ، ارجع بعدها رأسه للخلف وهو يحيد بنظراته لسترتها السوداء والملقاة على الأريكة بجانبها بعد ان خلعتها عنها لتستطيع التركيز بعملها كما يبدو له وهي تكاد تنقض على الملفات امامها لتمزقها فوق رأسه ربما !

اخفض نظراته فجأة للتي رفعت وجهها نحوه بلحظة بتصلب وهو ينظر لملامحها الرخامية بقوة تنضح بكل شيء فيها بدون ان يؤثر ضغط العمل عليها لترفع عندها حاجب واحد ببرود كحد السيف وهي تعض على طرف شفتيها الحمراوين بوعيد تخبئه له خلف واجهتها الهادئة ! رفع بعدها بلحظات كوب قهوته وهو يرتشف منه بصمت قبل ان يبعده وهو يرفعه امام وجهه قائلا بسذاجة
"هل تريدين بعضا من القهوة ، لقد نسيت ان احضر معي كوب آخر لكِ يا لقلة ذوقي ، ولكن يمكنني ان اقاسمكِ بكوبي فأنا لا امانع هذا"

تجمدت عينيها الزرقاء بتركيز قبل ان تنظر لكوب قهوته بيده وهي تتمتم بجمود خافت
"لا احب القهوة ، يمكنك الاحتفاظ بها لنفسك"

عبست ملامحه وهو يخفض نظره لكوب قهوته بتفكير دام للحظات ، ليعيد بعدها نظراته نحوها وهو يهمس بابتسامة متعجبة
"حقا غريب ، ظننت بأنكِ من نوع الفتيات والمحبات لكل شيء يتعلق بالرجال من نوع طعامهم المفضل وللفظاظة والتي يتحلون بها وحبهم للقهوة السوداء ، ولن انسى ايضا اهم شيء وهي الهيئة الفوضوية والبعيدة كل البعد عن الأنوثة والنعومة"

زمت شفتيها بحنق وهي ترفع حاجبيها بعدم تصديق من تحليله لشخصيتها وهو يسخر منها بوجهها ببساطة بدون اي مواربة او احساس بمشاعرها ، لتقول بعدها بغضب مكتوم وهي تشدد من إمساك القلم حتى كادت تكسره
"إلى ماذا تريد ان تصل بكلامك الساخر ، ومن الذي اخبرك بأنني طلبت منك ان تقيس انوثتي او ان تبدي رأيك بشخصيتي ، انشغل بقهوتك بعيدا عني"

اخفضت رأسها بقوة للدفتر امامها وهي تكتب عليه بالقلم بقوة حتى حفر على بياض صفحاته ، بينما حرك (شادي) رأسه بهدوء وهو يسير باتجاه الأريكة المقابلة لها ليجلس من فوقها بلحظات وهو ما يزال يرتشف من قهوته ، ليتمتم بعدها بخفوت وهو يراقب تشنجها والذي ازداد بحركات يديها من فوق حافة الكوب الخاص به
"ليس هناك داعي لكل هذه العصبية المفرطة ، لقد كان مجرد رأي واحببت ان اشارككِ به لا اكثر ، ولكن يبدو بأنكِ لستِ بمزاج جيد ليتقبل صراحتي وهذا ما يسمى بالتعنت على رأي الآخر"

ردت عليه بجمود مستهزئ وهي تحفر بمقدمة القلم على صفحة الورقة
"انسيت انا من نوع الفتيات المحبات لكل شيء يتعلق بالرجال من فظاظة والتعنت على رأي الآخر ، وهذا يعني بأنني انا رجل وانت انثى بغض النظر عن حبك للقهوة"

سعل فجأة بكوب القهوة لوهلة وهو يحاول تنظيم انفاسه بعد ان انسكبت بعض القطرات على مقدمة قميصه بسائل القهوة ، ليخفض بعدها الكوب فوق سطح الطاولة وهو يستمع لباقي كلامها بعبوس مستنكر
"ما بك لما انصدمت هكذا ، هل صُدمت من نعتي لك بالأنثى ام لأنني اكتشفت نوعك والذي يصنف من الرجال المحبين للأنوثة والنعومة....."

قاطعها من فوره وهو يرفع حاجبيه بدهشة حانقة
"كفى هذا ليس مضحكا ابدا ، وإياكِ وان تعيدي هذا الكلام امامي مرة أخرى والذي يتعلق بأنواع الرجال والإناث ، سمعتي"

امتعضت ملامحها وهي تكمل عملها بالملفات هامسة بجفاء
"انت الذي بدأت اولاً بالجدال بهذا الموضوع التافه يا سيد محب القهوة"

تنهد بكبت وهو يقف امام المكتب ليلتقط بعض المناديل من سطح المكتب قبل ان يمسح بها مقدمة قميصه بعنف ، لتعبس بعدها ملامحه وهو ينظر للبقع الملوثة بقميصه الجديد والباهض الثمن .

حاد بنظراته بغضب للتي اطلت عليه بوجهها بجانبه وهي تسند مرفقيها فوق سطح المكتب قائلة بأسف مزيف
"هذا امر سيئ للغاية ، لقد افسدت قميصك النظيف والذي كان يبدو غالي الثمن جدا ، كيف ستخرج الآن للعالم وامام الناس يا رئيس قسم التصميم"

عقد حاجبيه بحدة وهو ينتفض بعيدا عنها ليشير بذراعه للأريكة والتي كانت تجلس عليها قائلا بأمر حاد
"عودي لعملكِ فورا يا ماسة ، وألا بدأت ببرنامج خصم من راتبكِ على هذا الإهمال بالعمل"

ابتسمت ببرود وهي تستقيم بوقوفها امامه بدون ان تهتم لكلامه الأخير الفظ وهي تتمتم ببراءة مصطنعة
"استطيع مساعدتك ، فأنا املك بعض من المناديل المعطرة والتي تزيل كل انواع البقع ، ولكن بما انك غاضب مني الآن فلا بأس كما تريد وتأمر يا سيد شادي"

ولكن ما ان التفتت قليلا حتى امسك بسرعة بذراعها ليقول عندها بتحشرج متصلب
"لا بأس إذا اعرتني بعضا منها ، هل لديكِ منها حقا"

التفتت نحوه بلحظة وهي تومأ برأسها بالإيجاب قبل ان يفلت ذراعها لتتجه لحقيبتها وهي تُخرج منها بعض من المناديل المعطرة والتي ما ان مدتها باتجاهه حتى التقطها بسرعة ليمسح بها مقدمة قميصه برفق ، بينما ابتسمت بهدوء التي سارت بعيدا عنه باتجاه باب المكتب قبل ان تلتفت برأسها نحوه وهي تهمس ببرود جليدي مقلدة طريقته بالكلام
"سأذهب لأحضر لك كوب قهوة آخر بدل الذي انسكب عليك ، لأنني احمل نفسي الذنب لما حدث معك الآن ، ولكن لا تنسى بأن تضيف ثمنها على راتبي فأنا لستُ مضطرة لتحمل نفقات قهوتك"

ارتفع حاجبيه بدهشة واجمة وهو ينظر للباب والذي انغلق من خلفها ببساطة وهو يشعر بانقلاب الأدوار بينهما ليتحول من السيد والآمر لعامل مأمور عندها ينتظر القهوة والتي ستصله منها وهي تعيد نفس حركاته وكلامه والذي فعله معها قبل دقائق ! ليفكر عندها بأنها ليست بالفتاة السهلة والتي يستطيع المرء التسلية بها وهي تجعل دائما كل التسلية تنقلب ضد صاحبها لتضحك هي عليه بالنهاية بعد ان تجعل العالم يدور من حوله بدون ان يشعر بنفسه وهي تحصل على حقها منه بيديها الاثنتين بقوة وبدون اي رحمة .

اخفض نظراته لقميصه وقد بدأت البقع تختفي تدريجيا عنه بفعل المناديل المعطرة وهو يهمس من بين اسنانه بوجوم
"سحقا لكِ من بين انواع النساء"

نهاية الفصل ولا تنسوا تدعموني بتعليقاتكم وإعجاباتكم ❤❤


روز علي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة

الانتقال السريع


الساعة الآن 10:47 AM



Powered by vBulletin®
Copyright ©2000 - 2022, vBulletin Solutions, Inc.