آخر 10 مشاركات
وعهدي بك آلا تخون -قلوب قصيرة زائرة - للكاتبة الرائعة ::مروى شيحه*كاملة &الروابط * (الكاتـب : مروى شيحه - )           »          تبكيك أوراق الخريف (4) *مميزة ومكتملة*.. سلسلة للعشق فصول !! (الكاتـب : blue me - )           »          قوانين الحب(86) للكاتبة::Debra Salonen *كاملة+روابط* (الكاتـب : noor1984 - )           »          أسير صورتهاـ قلوب أحلام زائرة- دفنا عمر " منى الكاشوري" *الفصل 5 (الكاتـب : دفنا عمر - )           »          جنون المطر (الجزء الثاني)،للكاتبة الرااااائعة/ برد المشاعر،ليبية فصحى"مميزة " (الكاتـب : فيتامين سي - )           »          277 - وردة من دمي - صوفي ويستون (الكاتـب : عنووود - )           »          تائهون إلى أن يشاء الله ، للكاتبة/ رررمد (الكاتـب : فيتامين سي - )           »          اللوحة الغامضة (48) للكاتبة: كارول مورتيمور .. كاملة .. (الكاتـب : cutebabi - )           »          سلام لعينيك *مميزة * "مكتملة" (الكاتـب : blue me - )           »          وإني قتيلكِ ياحائرة (4) *مميزة ومكتملة *.. سلسلة إلياذة العاشقين (الكاتـب : كاردينيا الغوازي - )


العودة   شبكة روايتي الثقافية > قسم الروايات > منتدى قصص من وحي الاعضاء

Like Tree166Likes

إضافة رد
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 13-02-21, 08:23 PM   #1

روز علي
 
الصورة الرمزية روز علي

? العضوٌ?ھہ » 478593
?  التسِجيلٌ » Sep 2020
? مشَارَ?اتْي » 136
?  نُقآطِيْ » روز علي is on a distinguished road
افتراضي رواية بحر من دموع


اهلا وسهلا فيكم بروايتي الجديدة "بحر من دموع"
اتمنى منكم المتابعة والدعم من كل قلبي ، ومني لكم اجمل تحية......






"تواقيع الشخصيات"













"بسم الله الرحمن الرحيم"
المقدمة.................
"كل من ينظر إلى عينيها يلمح الجمود والقوة بهما لتضلله بنظراتها الثابتة وهي تنظر لكل من حولها بعدم مبالاة متعمدة لتدوس على كل ما يطأ قدميها بعنف قاسي مبالغ به ليتحول لرماد من تحت ضغط قدميها ، بينما هو من بين الجميع استطاع ان يلمح دموع متدفقة بعينيها بجمود لا يراها سواه وهي تتجمع بحدقتيها البحرية تأبى الخضوع لها وتركها لتتسرب من مقلتيها بحرية ، لتبقى عندها عالقة بداخل مقلتيها طويلا وهي تتلاطم بداخلها كالبحار الهائجة بينما تقفل عليها السدود بقوة ، لتزداد الشروخ والتشققات بالسدود حتى تحولت لبحار مظلمة تؤخذه وتعيده لنفس النقطة بدون ان ترحمه وتطلق سراحها ، فهل من سبيل للنجاة ؟"

مواعيد التنزيل كل يوم "سبت" من كل اسبوع
دمتم بسعادة وحب.........




روابط الفصول

المقدمة .. اعلاه
الفصل 1 .. المشاركة التالية
الفصل 2, 3 .. بالأسفل

الفصول 4, 5, 6 نفس الصفحة
الفصل السابع

الفصل الثامن والتاسع نفس الصفحة
الفصل العاشر
الفصل الحادي عشر
الفصل الثاني عشر









التعديل الأخير تم بواسطة ebti ; 12-06-21 الساعة 11:27 PM
روز علي متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 13-02-21, 08:30 PM   #2

روز علي
 
الصورة الرمزية روز علي

? العضوٌ?ھہ » 478593
?  التسِجيلٌ » Sep 2020
? مشَارَ?اتْي » 136
?  نُقآطِيْ » روز علي is on a distinguished road
افتراضي الفصل الأول

الفصل الأول...................
كانت تسير بخطوات جامدة وهي تصطدم بأكتاف كل من يسير بمحاذاتها بلا مبالاة وعينيها المتسعة تنظر فقط للطرقات القذرة والممهدة امامها بحيّ فقير يضم اسوء انواع البشر والتي لا يود المرء مقابلتهم وكل من وصل حاله للحضيض واقل ينضم لهذا الحيّ القذر بسبب انخفاض اسعار المعيشة فيه والسكن بهذا الحيّ بدون الاضطرار لتبذير الكثير من المال بهذا المكان ، استمرت بالسير بالطرقات الضيقة والتي اعتادت عليها منذ عشر سنوات وتحديدا منذ وفاة والدتها ليصبح هذا المكان منزلها الدائم بعد ان انتقلت من منزلها المتواضع والذي كانت تعيش فيه فيما مضى مع عائلتها الصغيرة .
توقفت عن السير ما ان وصلت لنهاية الطريق وتحديدا لموقع منزلها الصغير والذي يضم فوقه عدة طوابق كثيرة بينما منزلها يأتي بالطابق الأول الأرضي ، تنهدت بعدها بجمود وهي ترفع احداقها بلون زرقة شديدة القتامة باتجاه بناء منزلها قبل ان تخطو باتجاه الباب بهدوء ، وما ان وصلت امام الباب تماما حتى عقدت حاجبيها باستغراب وهي تنظر لباب المنزل المفتوح والموارب امامها ، دفعت بعدها الباب بحذر حتى انفتح على اتساعه لتخطو للداخل وهي تسير ببطء شديد قبل ان تخلع حقيبتها عن كتفها برفق .
ألقت بالحقيبة على الكرسي المتهالك بجانب المدخل قبل ان تسير وهي تنظر للأجواء الساكنة والتي تحوم بالمنزل لأول مرة ، صرخت بعدها وهي تنادي بارتفاع وضيق
"لقد عدتُ للمنزل ، اين انت يا عم قيس"
توقفت ببهو المنزل الصغير وهي تعض على طرف شفتيها بغيض لتتمتم بعدها بعصبية بالغة
"اين ذهب ذلك المخبول"
زفرت انفاسها باضطراب وهي تشعر بشيء مسنن يجثم فوق صدرها يعيق عليها التنفس بطبيعية وهي تشعر بشيء غير طبيعي يحوم من حولها وهذا هو ما يحدث مع غريزتها الفطرية والتي تشعر دائما بالخطر المحدق بها والقريب منها ، قبضت بعدها على يديها بجمود وهي تقول بخفوت جاف مرتعش
"اين انتِ يا روميساء الآن ، يا ألهي ساعدني"
تحاملت على نفسها واتجهت بسرعة نحو الغرف وهي تتجه بالبداية لغرفتها والتي تضمها مع شقيقتها ، وعندما لم تجد احدا بها سارت للغرفة الأخرى والمجاورة لها من فورها والتي كانت تخص زوج والدتها او بالأحرى مربيها والتي كانت للصدفة مفتوحة لأول مرة وهو الذي يصر دائما على إغلاقها بالمفتاح بعيدا عن كل الأعين المتربصة لها وعن اي مخلوق يحاول الوصول لها وهو يخفي من خلفها اسرار خطيرة تخص اعماله المشبوهة والغير قانونية وخفايا لا يعلم عنها احد سواه وقد عرفت عنها بالصدفة عندما نسي باب غرفته مفتوحا وقد دفعت ثمن فعلتها هذه سابقا كثيرا .
دفعت باب الغرفة بكفها بحذر وهي تتوقع بأي لحظة هجوم زوج والدتها عليها بسبب تعديها على غرفته السرية واسراره الخاصة كالمرة السابقة ، ولكنها لم تهتم لكل هذه الرهبة وللخطر والذي يحيط بها بكل مكان فهو بحياته لم يستطع إخافتها او إرهابها بتهديداته وقسوته بالتعامل معها والمعتادة عليها منذ سنوات طويلة حتى اصبحت جزء لا يتجزأ من حياتها اليومية الكئيبة وهي التي اعتادت على رؤيته كل يوم والتشاجر معه بكل شيء يحدث معهم .
تجمدت بمكانها وهي تبتلع ريقها بتصلب ما ان وقعت نظراتها على الخزائن المفتوحة والمقلوبة رأساً على عقب وكأن اعصار ضخم اجتاح المكان ليثير الفوضى من حوله وهذا الأمر ليس بالشيء الجيد ابدا ، اتسعت عينيها الزرقاء الداكنة ما ان لمحت الصندوق المذهب وهو ملقى على الأرض والذي كانت قد وجدت به من قبل كل الأوراق والتي تخص اعماله الغير قانونية ، سارت بعدها بسرعة للصندوق لتجثو على ركبتيها امامه وهي تدس كفيها بداخل الصندوق لتكتشف عندها بأنه فارغ تماما وهي تديره بين يديها بهلع وبارتباك احتل كل جسدها .
اوقعت الصندوق من بين يديها ليتردد صداه بأنحاء الغرفة الموحشة وهي تنظر للفراغ بعيدا بصدمة ، فهذا لا يثبت سوى شيء واحد وهو بأن (قيس) قد انكشفت كل اسراره وخباياه والتي كان يخفيها عن العالم وخرجت للنور وسيكون الآن يتلقى ثمن أفعاله وكل شيء غير قانوني فعله بحياته الرخيصة الطويلة ، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هو كيف استطاعوا معرفة اسراره والوصول لها بهذه السهولة بعد سنوات من عمله بهذا المجال ليكون السجن هو مصيره الحالي ؟ فهذه الأسرار خطيرة وما ان تصل لقبضة الشرطة او لقبضة أي مخلوق ستكون عندها نهايته الحتمية بين قضبان السجن .
تنهدت بارتجاف وابتسامة شاحبة ضعيفة بدأت تحفر على شفتيها بذبول فالذي لم تستطع فعله بحياتها ولم تتجرأ على فعله لكي لا تخسر حياتها هي وشقيقتها استطاعوا آخرون فعله ليحققوا لها انتقامها والذي تاقت إليه كثيرا ، زحفت بعدها بركبتيها للخلف حتى استندت للجدار من خلفها قبل ان ترفع ساقيها لمستوى وجهها لتعانقهما بذراعيها بجمود وعينيها ما تزال تحدق بالصندوق الملقى امامها والذي لم يعد له قيمة بعد ان خرجت كل الأسرار من داخله ، دفنت وجهها بين ساقيها وهي تهتز بنحيب خافت بدون دموع وهذه عادتها الدائمة لتحمي نفسها من الظلام الموحش من حولها والسكون يلفها بكل مكان معلنة عن نهاية العذاب المسمى (قيس) وهي تفكر بالذي ينتظرها بالأيام القادمة بعد ان اختفى زوج والدتها والمربي والذي عاشت معه هي وشقيقتها لمدة لا تقل عن ستة عشرة عاما كاملة ، وهذا حدث بعد وفاة والدها وهي ما تزال بعمر الرابعة حتى اصبحت عبارة عن سلسلة من حياة طويلة لا مفر منها او مهرب .
______________________________
كان يصوب السهم بأصبعيه السبابة والإبهام بتحديد وبعين ثاقبة لا تخطئ هدفها ، ليعض بعدها على طرف شفتيه بعبث كما يفعل دائما عندما يخطط لفعل شيء مهم وقيّم بالرغم من ان لا شيء يستحق اهتمامه وتقييمه بحياته الفارغة ولكن لا بأس من المحاولة وتضييع الوقت بتفاهات الحياة والتي تعتبر تسليته الوحيدة بهذا العالم الممل ، وما هي ألا لحظات حتى انطلق السهم بمسار أعوج بسبب انفتاح باب الغرفة بشكل مفاجئ ليفسد عليه متعة اللحظة وهو يخطأ هدفه المرسوم لأول مرة .
التفت برأسه بضجر للخلف وعينيه السوداء الواسعة تنظر بضيق بدون الاعتدال باستلقائه على الأريكة وهو ينظر لشقيقه الأكبر بملل ، ليقول بعدها بغيض واضح
"يا رجل من سلطك عليّ الآن ، لتفسد لحظات متعتي الخاصة بغرفتي الشخصية ام لم يعد هناك احترام لخصوصيات الآخرين"
حرك شقيقه رأسه بيأس منه ليقترب بعدها نحوه قبل ان يقف بجانبه وفوق رأسه تماما وهو يقول بجدية صارمة معتاد عليها بسبب حضوره الدائم باجتماعات دائرة أعمال العائلة
"وهل ألقاء السهام وتضييع وقتك بلا شيء يعتبر خصوصيات ام انها مجرد هدر للوقت القيّم..."
قاطعه الجالس على الأريكة وهو يقول بملل مستفز
"لا تبدأ بالمواعظ الآن يا احمد ، واخبرني ما لذي جاء بك لغرفتي يا ابن والدك"
تنهد (احمد) بهدوء وهو يدير وجهه بعيدا عن شقيقه المستهتر بضيق والذي لا يهتم لكل ما يحدث من حوله بالعائلة ، قال بعدها بهدوء وهو يعود لجديته الصارمة
"اسمع يا شادي ، ابي يريد منّا ان نجتمع عنده بغرفة المكتب بعد عشر دقائق من الآن ، فهناك ما يريد ان يطلعنا عليه ومهم جدا"
اعتدل (شادي) بجلوسه على طرف الأريكة وهو يلتقط سهم آخر من على الطاولة امامه ، ليتمتم بعدها بلا مبالاة
"وعلى ماذا يريد ان يطلعنا يا ترى"
ردّ عليه (احمد) ببرود جليدي
"وما يدريني انا ، لقد اخبرني فقط ان اعلمك بهذا الأمر علماً بأنه لا يراك بالجوار ابدا ليخبرك ، فأنت دائما اما غائب عن المنزل بدون ان نعرف وجهتك او ملازم لغرفتك بدون ان تخرج منها"
عقد حاجبيه بتركيز وهو ينظر مرة أخرى للهدف المعلق على الجدار امامه بتحديد ليهمس بعدها بسخرية
"وكيف لا تعرف وهو يخبرك بكل اسرار الدولة بدون ان يخفي عنك اي شيء فأنت مساعده الأيمن وشريكه المخلص والوفي بكل شيء ، والذي لا يستطيع الاستغناء عنه مهما حدث"
تجهمت ملامح (احمد) بحنق فهو يعرف جيدا إلى ماذا يرمي إليه شقيقه والذي يصغره بسنتين فقط ، وبالرغم من هذا يشعره دائما بأنه يصغره بالكثير من السنوات من تصرفاته العابثة ورعونته والتي لن تنضج ابدا ، تنهد بعدها بهدوء قبل ان يجلس بجانبه على الأريكة وهو يقول بجدية
"اسمعني جيدا يا شادي ، اعتقد بأن افضل حل لترضي والدي وترضي نفسك هو العمل معه وبالمجال والذي يختاره لك ، فالحياة هكذا لم تعد تطاق ابدا"
نقل (شادي) نظراته السوداء الباردة باتجاه شقيقه وهو يهمس بجمود متصلب
"ومن قال لك بأن هذا العمل سيرضيني ، اخبرتكم مئة مرة بأني سعيد بالعمل والذي اعمل به حالياً ويرضيني كثيرا ، ولا اريد اكثر من هذا ، واخبر والدي بأن يفعل ما يشاء فأنا لن ارضخ لطلباته وسعيد جدا بحياتي المملة كما يطلق عليها هكذا"
ادار (احمد) وجهه جانبا وهو يسند قبضتيه على ركبتيه ليهمس بعدها بحزم
"يعني تعجبك حياتك هكذا منبوذ من والدك ومستقل عن الجميع بغرفتك وكأنك تعيش بعالم آخر ولا تعطي اعتبارا لأحد ، صدقني هذا ليس لصالحك ابدا بالمستقبل يا شادي"
عبست ملامح (احمد) وهو ينظر له يعطي كل انتباهه للسهم بأصبعيه قبل ان يطلقه بعيدا ليصيب الهدف والذي يتمحور حول النقطة الحمراء بمنتصف اللوحة بنجاح ، تأفف بعدها بنفاذ صبر من لا مبالاته وكأنه كان طوال الوقت يكلم نفسه وليس مع البارد بجانبه ليتمتم عندها بشرود
"لو كانت والدتك ما تزال على قيد الحياة لما قبلت بهذه الحياة المستهترة والتي تعيشها بعيدا عن العائلة والتي تضيع مستقبلك بها"
حاد (شادي) بنظراته لشقيقه وهو يعقد حاجبيه بوجوم ليتذكر عندها والدته الراحلة والتي تركتهم ببساطة بعد إنجابها للطفل الثالث والذي كان السبب بموتها لتترك ذكرة حزينة بقلوبهم عن المرأة المضحية لعائلتها والتي كانت افضل مثال حي عن الجهاد والمحاربة لتستطيع الحفاظ على كمال عائلتها بكل معنى الكلمة ، ولكن حملها المتأخر بالطفل الثالث مع امراضها والتي كانت تعاني منها هو ما جعلها تفقد حياتها ليعيش الطفل بعد موتها بثواني من ولادتها .
قال (شادي) فجأة باستياء وهو يلتقط سهم آخر من على الطاولة بهدوء
"ولولا إصرار والدي لتنجب له طفل آخر وولد جديد يحمل اسمه لكي لا يضطر للزواج من غيرها لما كانت تركتنا ببساطة ، لنضيع بعدها بدونها بطرقات الحياة وكله من اجل طفل سيعيش المتبقي من حياته يحمل ذنب موتها"
التفت (احمد) نحوه بعنف وهو يتمتم بتصلب
"شقيقك الصغير ليس له علاقة بموتها فهذا قدرها ولا نستطيع الوقوف امام القدر فقد حدث بأن عمرها قد انتهى ، وتوقف عن لوم والدك والطفل بموتها فقد اصبح كل هذا من الماضي البعيد وعلينا نحن فقط ان نفكر بالحاضر وبالمستقبل القادم امامنا"
حرك (شادي) عينيه بعيدا عنه بضجر ليعود للتركيز على الهدف امامه وهو يقول ببرود
"يمكنك انت تطبيق هذا الكلام على نفسك بعيدا عني ، واما انا فلن اتوقف عن لومهما فكلما نظرت لوجه ذلك الطفل اتذكر كل ما حدث بسببه وما نتج عن مجيئه لهذه الحياة"
زفر (احمد) انفاسه بيأس منه فهو لا يفهم كيف يفكر شقيقه الصغير والذي لم يستطع يوما سبر اغواره فقط والدته هي الوحيدة والتي كانت تستطيع التحكم بتصرفاته العابثة منذ طفولته وقلب مزاجه رأساً على عقب وخاصة بأنه مدللها والذي كانت دائما تغدقه بالحنان الخالص بينما كانت تعامله هو بحنان محدود وببعض الحزم بسبب نضجه المبكر والتصاقه الدائم بوالده ، ولكنها كانت دائما تستطيع السيطرة على الأجواء والتي تحوم بالعائلة وهي تعطي كل فرد فيها اهتمام ومعاملة خاصة به ، وبعد رحيلها اصبحت الحياة بالمنزل مشحونة بمشاعر متناقضة وقاتمة على الجميع وكأن وجودها هو الذي كان يتحكم بمصير هذه المشاعر والتي تحوم بهذا المنزل الكبير والموحش ، ليضيع عندها الجميع بعيدا عنها بعد ان كانت تمثل اساس المنزل وخاصة (شادي) والذي كان اكثرهم تعلقا بها وتشبثا بعاطفتها ليسير بعدها بحياة الاستهتار وهدر الوقت الثمين بلا شيء وهو يبحث عن هدف بعيد بدون ان يجده للآن .
وقف (احمد) عن الأريكة بصمت وهو يتمتم بغموض
"لا تنسى المجيئ لغرفة مكتب والدي وألا سحبتك بنفسي إلى هناك ، فلا نريد المزيد من المشاكل بالعائلة والتي تفتعلها على الدوام"
حرك (شادي) رأسه بلا مبالاة وتركيزه منصب نحو الهدف والذي لا يخيب ابدا ، ليغادر بعدها شقيقه بصمت لخارج الغرفة بأكملها ، بينما شدد (شادي) على السهم بأصبعيه بقوة قبل ان يطلقه بأقصى ذراعه ليصطدم باللوحة تماما بدون ان تصيب مقدمته المسننة بنقطة الهدف قبل ان يقع ارضا بإحباط ، ليبتسم بعدها ببرود وهو ينظر عاليا ليعود لاستلقائه على الأريكة وهو يفكر بمخططات جديدة ليفعلها لتسلية وحدته الدائمة بعيدا عن العائلة ، ولكن قبل كل هذا عليه اولاً الذهاب لمكتب والده فلن يتحمل المزيد من التوبيخ والكلام والذي لا طعمة له وهو ينخر اذنه بألم ليخرج من الأذن الأخرى .
_____________________________
دخل لغرفة المكتب بعد ان طرق على بابه بهدوء وهو يسير للداخل بلا مبالاة وبدون ألقاء تحية السلام على افراد عائلته وجميع الانظار تتابعه بتركيز حاد ، ليجلس بعدها على الأريكة المقابلة لأريكة شقيقه (احمد) وزوجته بأريحية ، قطع الصمت القاتم صوت (احمد) وهو يقول باتزان مبتسم
"تفضل يا ابي واخبرنا بما لديك ، فقد اصبح جميع افراد العائلة موجودين امامك كما طلبت"
ابعد الرجل الكبير نظره الثابت عن ابنه ليوزعها على ابناءه بهدوء بداية بابنه الكبير (احمد) والذي يتحمل كل اعباء العمل عنه منذ سنوات والابن المطيع والذي يتمناه كل والد ليسير معه بمشوار الحياة ويكمل عنه الطريق بعدها ، حتى انه قد تزوج بالفتاة والتي اختارها له بسبب شراكة العمل القوية والتي تجمعه بعائلتها وهو بالمقابل قد نفذ طلبه بدون اي اعتراض فهو بحياته لم يحاول يوما الاعتراض على قراراته او مناقشتها معه وكأن كل قراراته مسلم بها وكل ما عليه فعله هو تنفيذها بطاعة تامة بدون اي كلام ، وصل بنظره لابنه الاصغر والفرد الأخير بالعائلة والذي لا يتجاوز الرابعة عشرة من عمره وقد جاء بعمر متأخر جدا ولكن ما تزال الخيبة تحوم بالمنزل بعد مجيئه وهم يخسرون سيدة هذا المنزل بعد خروجه للحياة لتموت روح أخرى هي التي انجبته لتوهبه حياتها وترحل هي ، وبالرغم من صغر سنه يستطيع اي احد ملاحظة علامات البلوغ والذكاء والحنكة الواضحة عليه بتصرفاته المدروسة وملامحه الحادة فهو عكس شقيقيه الأكبر سنا منه فقد تربى رعاية خاصة بمحيط مجتمع من رجال الاعمال وقد اصر والده على إدخاله لتلك الحياة وبعيدا عن حنان والدته وعن حنان الأخوة والذي لم يعرف عنهم شيئاً ولم يحاول زراعته بداخله لكي لا يتحول لنسخة اخرى عن شقيقه الأهوج .
تجهمت ملامح الأب ما ان وقعت نظراته على ابنه الثاني والأهوج والذي لا يصدق بأنه من ضلعه ومن عائلتهم فهو دائما يثبت له وللعائلة بأكملها بأنه كارثة حقيقية تهدد سمعة العائلة ومركزهم الاجتماعي وهو يتصرف على الدوام تصرفات غير عقلانية وبدون ان يحسب اي حساب لأحد وكأنه لا يعيش بالمنزل معهم وبهذه العائلة ، واغلب الظن بأن السبب هو دلال والدته المفرط له وهي تميزه دائما وتغدقه بحنان خالص افسده تماما ليضيع مستقبله بعد وفاة والدته ويتمرد اكثر على الجميع ، وحتى الآن لم يستطع يوما السيطرة على اندفاعه او ايقافه عند حده وهو يضيع حياته ومكانته بالعائلة كفرد بها بتصرفاته الهوجاء والغير مسؤولة .
تنهد الاب بهدوء وهو يبعد نظراته عنهم بتصلب ليقول بعدها بصوت قوي وجهوري معتاد عليه وهو يردد صداه بالغرفة الواسعة
"اسمعوني جيدا لقد طلبتُ منكم الاجتماع اليوم لأن هناك نبأ عليكم ان تعرفوا عنه ، وهو يخص امر هام يعود للعائلة ، الحقيقة لقد تم القبض على قيس زوج مايرين بتهمة الاعمال الغير مشروعة وهو الآن متواجد بالسجن ، وانتم تعلمون بأن بنات مايرين كانوا وما يزالون يعيشون معه للآن ، وبما انه لم يبقى لديهم احد فنحن إذاً علينا إحضارهم ليعيشوا معنا بالمنزل وضمهم للعائلة قبل ان تأكلهم الناس بألسنتهم ، فبالنهاية هؤلاء بنات مايرين الفكهاني وهذا يعني بأنهم من العائلة"
عمّ الصمت بأنحاء الغرفة الواسعة بسكون ما ان انهى كلامه والذي كان يملئ المكان بصدى صوته وهو يشدد على كلماته الأخيرة بعصبية وكأنه مرغم على قولها ، ليصدر صوت آخر من الذي وقف عن الأريكة بعنف ليتبعها بصوته وهو يقول باستنكار واضح
"أتريد منّا ان نستقبل بنات مجرم بمنزلنا فقط لأنك اكتشفت للتو بأنهم من افراد عائلتك ولكي لا تتأثر مكانتك اكثر بين الناس ، وتتوقع منّا ان نكون سعيدين بضمهم لعائلتنا بعد ان تخلى عنهم والدهم المجرم...."
قاطعه والده بصوت صارم حاد وهو يضرب على سطح المكتب بقوة
"اخرس يا شادي ولا كلمة ، لا تنسى بأنهما يكونان بنات عمتك مهما كانت الاحقاد بيننا ، وايضا لقد كانوا يعيشون مع زوج والدتهما فوالدهما قد توفي منذ سنوات طويلة ، لذا لا تنطق بكلمة قبل ان تفكر بعواقبها"
تجهمت ملامح (شادي) اكثر بعدم اقتناع وهو يشيح بوجهه جانبا ليتمتم بعدها بحنق
"غير مهم إذا كان والدهما ام لا ، فقد كانوا يعيشون معه لسنوات يعني ليس بعيدا عنهم ان يكونوا اشباه مجرمين مثله"
ردّ عليه والده بحدة اشد رجت سطح المكتب امامه
"لقد سمعتك يا شادي ، وعليك ان تعلم بأن كلامك هذا لن يغير من قراري شيئاً فعيشهم معنا هنا اصبح امرا مسلما منه"
ادار (شادي) رأسه باتجاه والده بقوة وهو يقول باستهزاء واضح
"ولما الآن اصبحت تهتم ببنات شقيقتك بعد ان اهملتهما لسنوات بعد وفاة والدتهما ، وفضلت ان تتركهما مع زوج والدتهما والذي تبين بأنه مجرم على ان تضمهما لعائلتك ، هل لديك جواب على هذا السؤال يا ابي"
عمّ صمت ثقيل واعمق من الذي قبله عليهم وكل العيون قد اتجهت للوالد الكبير ليحاولوا قراءة الاجابة بملامحه المتصلبة والساكنة تماما وكأنها تحولت لرخام بارد ، ليقول بعدها الاب بلحظات بصوت مشتد تهابه كل انواع البشر والذين عمل معهم طيلة مسيرة حياته مع اكبر المدراء بمجال الأعمال
"هذا ليس من شأنك يا ولد ، وإياك وقول هذا الكلام امامي مرة أخرى لأني عندها لن اكتفي بطردك من المنزل يا عاق ، فهمت ما أقول والآن اغرب عن وجهي"
حرك (شادي) عينيه بعيدا عن والده بملل ليلمح نظرات (احمد) وهو يشير له بعينيه بتحذير ليخرج من الغرفة فورا فقد تسبب بمشاكل بما فيه الكفاية وكله بسبب لسانه الاهوج والذي لا يفكر بالعواقب ابدا ، وقف بعدها (احمد) عن الأريكة وهو يقول بهدوء يحسد عليه
"لا تهتم لكلام شادي يا ابي لأننا اكيد سنكون اكثر من سعيدين باستقبال بنات عمتي بمنزلنا وبالعائلة ، فهما الآن ليس لديهما غيرنا..."
قاطعه صوت (شادي) وهو يقول ببرود جليدي
"انا لن استقبل احدا ولستُ راضياً عن هذا القرار ، وعن اذنكم سأرحل الآن لأنه لدي امور اهم من هذه التفاهات والتي اضعتُ وقتي بها هباءً"
غادر (شادي) لخارج غرفة المكتب بهدوء ضاربا بكل كلام والده عرض الحائط وهو يتجاهل النظرات المستنكرة بتجهم والتي كانت تلاحقه من الخلف وصاحبه يتوعد له بالويل ، بينما كان (احمد) ينظر بأثره بوجوم وهو يفكر بطريقة ليستطيع معرفة ما لذي يدور برأس شقيقه الاهوج الآن ؟ واما زوجته بجانبه فقد كانت تتمتم بامتعاض متذمر
"هذا ما كان ينقصنا ان نستقبل بنات مجرم بمنزلنا ونتقبل عيشهم معنا ووجودهم بيننا كأنهم افراد من العائلة"
حاد (احمد) بنظراته بعبوس نحو زوجته وهو يهمس باقتضاب
"اخرسي يا سلوى قبل أن يسمعكِ احد ويحدث ما لا يحمد عقباه"
ادارت (سلوى) وجهها بعيدا عنه بعدم رضا وإيباء ، ليوجه بعدها كلامه لوالده والذي ما يزال ساكنا بمكانه بجمود وهو يقول له باحترام
"لا تقلق يا ابي فأنا متأكد بأن شادي سيتقبل وجود بنات عمتي بيننا عاجلا ام آجلا ، المهم ان تخبرنا متى يمكننا استقبالهما بالمنزل لنبدأ بتحضيرات تجهيز مجيئهما"
كان الوالد شارد بأفكاره بعيدا عنهم ليتمتم بعدها بجدية حادة
"لا داعي لفعل شيء يا احمد ، فقط كونوا موجودين على الموعد فهناك سيارة ستحضرهما بغضون نصف ساعة بسبب طول المسافة بين منزلنا ومنطقتهم والتي يعيشون فيها"
حرك (احمد) رأسه بالإيجاب بدون كلام وهو يفكر بما ينتظرهم من مجيئ بنات عمته المتوفاة لمنزلهم بعد سنوات طويلة من الغربة ، وهل سيؤثر هذا على حياة شقيقه (شادي) للأسوء ام للأفضل ؟ ولم ينتبه احد للوالد وهو يفكر بعيدا بفتاة جميلة زرقاء العينين كانت تتميز بالشراسة والتهور وعلى جميع من بالعائلة ولم يستطع اي احد ان يسلم من شرها ومكائدها والتي كانت دائما تصيبها بالجميع ، حتى وصل بها التهور والجنون لترحل بعيدا عنهم وتُفضل شخصا آخر عليهم جميعا وهي تبيعهم بالنهاية لمن لا يسوى وها هي قد تلقت نتائج افعالها المتهورة ولعب القدر لعبته معها لتترك من خلفها جيل من نسبها ومن نسب زوجها المدنس .

نهاية الفصل............


روز علي متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 14-02-21, 05:25 AM   #3

دينا السيد

? العضوٌ?ھہ » 434204
?  التسِجيلٌ » Oct 2018
? مشَارَ?اتْي » 31
?  نُقآطِيْ » دينا السيد is on a distinguished road
افتراضي

السلام عليكم ورحمه الله وبركاته
البدايه مشوقه وحاسه ان روميساء أو حد من البنات ممكن يكون اتورط ف الشغل المشبوه مع زوج امهم
وخالهم اللي ضميره صحى فجأه دا شكله وراه مصيبه هو كمان اتمني اشوف أحداث مشوقه اكتر وتبدعي اكتر أن شاء الله ❤️❤️
دمتي في حفظ الله 😘😘

Moon roro and روز علي like this.

دينا السيد غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 14-02-21, 05:31 AM   #4

دينا السيد

? العضوٌ?ھہ » 434204
?  التسِجيلٌ » Oct 2018
? مشَارَ?اتْي » 31
?  نُقآطِيْ » دينا السيد is on a distinguished road
افتراضي

السلام عليكم ورحمه الله وبركاته
البدايه مشوقه وحاسه ان روميساء أو حد من البنات ممكن يكون اتورط ف الشغل المشبوه مع زوج امهم
وخالهم اللي ضميره صحى فجأه دا شكله وراه مصيبه هو كمان اتمني اشوف أحداث مشوقه اكتر وتبدعي اكتر أن شاء الله ❤️❤️
دمتي في حفظ الله 😘😘


دينا السيد غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 14-02-21, 01:19 PM   #5

روز علي
 
الصورة الرمزية روز علي

? العضوٌ?ھہ » 478593
?  التسِجيلٌ » Sep 2020
? مشَارَ?اتْي » 136
?  نُقآطِيْ » روز علي is on a distinguished road
افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة دينا السيد مشاهدة المشاركة
السلام عليكم ورحمه الله وبركاته
البدايه مشوقه وحاسه ان روميساء أو حد من البنات ممكن يكون اتورط ف الشغل المشبوه مع زوج امهم
وخالهم اللي ضميره صحى فجأه دا شكله وراه مصيبه هو كمان اتمني اشوف أحداث مشوقه اكتر وتبدعي اكتر أن شاء الله ❤️❤️
دمتي في حفظ الله 😘😘

حبيبتي تسعدني كثيرا مشاركتك الجميلة ، وقد اصبتِ بظنك فواحدة منهما قد تورطت بهذه الأعمال مع زوج والدتهما ، وخالهما تقبلهما فقط من اجل ألا تتأثر مكانته بين الناس ، وإن شاءالله بالأحداث القادمة كل شي يتوضخ 🥰❤ دمتي بسعادة وحب ❤


روز علي متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 20-02-21, 05:58 PM   #6

روز علي
 
الصورة الرمزية روز علي

? العضوٌ?ھہ » 478593
?  التسِجيلٌ » Sep 2020
? مشَارَ?اتْي » 136
?  نُقآطِيْ » روز علي is on a distinguished road
افتراضي

دقائق وينزل الفصل الثاني 😘🥰❤
استعدواااا.......


روز علي متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 20-02-21, 06:14 PM   #7

روز علي
 
الصورة الرمزية روز علي

? العضوٌ?ھہ » 478593
?  التسِجيلٌ » Sep 2020
? مشَارَ?اتْي » 136
?  نُقآطِيْ » روز علي is on a distinguished road
افتراضي الفصل الثاني

الفصل الثاني...............
كانت تتنهد بهدوء بين الحين والآخر لتحين منها التفاتة نحو شقيقتها الساكنة بمكانها وهي تريح جانب رأسها على زجاج النافذة منذ بدء رحلة ذهابهما لمنزل خالهما والذي اكتشفوا وجوده حديثا بعد دخول زوج والدتهما للسجن ليتبين عندها بأن هناك احد من افراد العائلة ما يزال موجودا بعالمهما المظلم بعد ان انقطعت كل السبل للوصول لأحد منهم منذ سنوات ، ولكن هذه بحد ذاتها تعد فرصة ذهبية ليستطيعوا البدء بحياة جديدة بعيدا عن قذارة ودناءة زوج والدتهما والتي تحملاها كثيرا على مدار سنوات .

عادت للنظر لشقيقتها والتي تصغرها بخمس سنوات كاملة ولكنها دائما ما تكون النقيض عنها تماما فبالرغم من التقارب الكبير بينهما ألا ان الحواجز دائما ما تبعدها عنها والتي تصر على بناءها من حولها بقوة ، ما تزال تذكر قوة علاقتهما بالماضي وتحديدا عندما كانت والدتهما ماتزال على قيد الحياة لتبدأ العلاقة بعدها بالتضاؤل رويدا رويدا حتى اختفت نهائيا ولم يبقى منها سوى السراب .

رفعت يدها ببطء لتمسك بها كتف الجالسة بجانبها برفق وهي تهمس بحنان
"ماذا هناك يا ماسة ، بماذا انتِ شاردة"

ردت عليها (ماسة) ببرود بدون ان تستدير لها
"لا شيء مهم يستحق الذكر"

عضت على طرف شفتيها بكبت وهي تمسد على كتفها بهدوء ، لتقول بعدها بحزن عميق لمع بمقلتيها الخضراء الشاحبة وهي ما تزال تحدق بجانب وجهها
"اخبريني يا ماسة واصدقيني بالقول ، أما زلتِ متضايقة من قرار الذهاب لمنزل خالنا محراب"

مرت لحظات مشحونة بالتوتر على كليهما قبل ان تستدير (ماسة) نحوها بعنف وهي تقول بخفوت حاد زاد من قتامة زرقة عينيها
"وهل ترينني سعيدة بهذا القرار ، انتِ من ارغمتني على الذهاب لمن يسمى خال والذي اعترف بوجودنا الآن بعد ان تدمرت حياتنا وانتهى كل شيء ، حتى لم يعد لدينا لا سمعة ولا كرامة نحتفظ بها امام الناس...."

قاطعتها (روميساء) ببعض الحدة وهي تلتفت نحو السائق بحذر والذي يعطي كل تركيزه للطريق امامه
"اخفضي صوتكِ يا ماسة فلا تنسي بأننا لسنا وحدنا هنا ، وقد اخبرتكِ من قبل بأنه ليس لدينا خيار آخر فالعيش بشقة العم قيس اصبح مستحيلا بعد ان تلطخت سمعتنا بين الناس وبالحيّ بأكمله ، فمن الذي سيقبل بأن يؤجرنا شقته بعد ما فعله العم قيس والجميع اصبح يطلق علينا لقب بنات المجرم"

تجهمت ملامح (ماسة) وهي تتمتم بسخرية واشمئزاز
"وكأن باقي الناس بالحيّ يتحلون بالشرف والنخوة حتى يحكموا علينا من افعال قيس ، وليسوا مجرد فاجرين مثل قيس واسوء فهذا الحيّ لا يضم سوى ابشع المخلوقات على وجه الأرض واستطيع ان افضح اقبح اعمالهم واحدا واحدا وبالحرف والاسم"

امسكت (روميساء) بكتفي شقيقتها بقوة وهي تهمس بحزم قاطع
"اسمعي يا ماسة نحن لا نريد مشاكل مع اي احد منهم ، لذا لا تحاولي اللعب بالنار فهؤلاء الاشخاص خطيرين واكثر مما تتوقعين وقد يؤذونكِ إذا حاولتِ التعرض لهم بشيء ، لذا ارجوكِ افعلي ما اقوله وكفى تهورا فقد وصلنا لطريق مسدود الآن وكل ما علينا فعله هو اختيار مسلك آخر بحياتنا لنستطيع الاستمرار والسير قدمٌ بهذه الحياة"

اشاحت (ماسة) بوجهها بعيدا عن نظرات شقيقتها وهي تهمس بشرود بارد
"انا التي اعرفهم ، لذا لا تقلقي لن اتهور وسأسير معكِ لأرى إلى اين ينتهي هذا الطريق الطويل"

تنهدت (روميساء) براحة وهي تبتسم بهدوء ، لتعود (ماسة) للنظر لشقيقتها بغموض وابتسامة ساخرة بدأت تحفر على شفتيها الحمراوين كلون الدم وهي تفكر بعيدا عنها فما لا تعرفه بأن شقيقتها الصغرى تعايشت مع هؤلاء الناس واصبحت تعرف كل صغيرة وكبيرة تخصهم بعد ان اعتادت على زيارات شركاء (قيس) والذين ادخلهم لعالمها رغما عنها لتصبح فرد منهم وجزء من زمرتهم اللعينة بينما كانت (روميساء) خارج نطاقهم دائما بسبب انشغالها الدائم بالعمل خارج المنزل ليل نهار ، همست بعدها بلحظات بخفوت مشتد وهي ما تزال تبتسم لها بسخرية
"ولكن بشرط بأن تعديني الآن بأن هذه الإقامة ستكون مؤقتة حتى تجدي لنا مسكنا آخر نعيش فيه ، فأنا لن ابقى بضيافة احد او ان اكون ضيفة عند احد بمكان رفضنا منذ سنوات ولم يكن له وجود من قبل بعالمنا"

اخفضت (روميساء) يديها عن كتفيها لتميل بعينيها الخضراء الحزينة ببهوت وهي تفهم جيدا إلى ماذا تلمح شقيقتها ؟ لتتذكر بعدها عبارة قالها (قيس) منذ سنوات وما تزال مطبوعة بذاكرتهما كذكرة ضربتهما بالصميم
(لا احد من اقاربكم وافق على استقبالكم او رحب بكم وهذا يعني بأنه لم يتبقى لكما سواي ، فأما ان تعملا عندي وتحت رحمتي لأضمكما لجناحيّ ، واما ان ألقي بكما بالملاجئ فهو المكان الوحيد والمناسب لحالتكما هذه)

نفضت الذكرة من رأسها وهي ترفع كفها لتربت على رأس شقيقتها الناعم قائلة بلطف ومودة
"انا اعدكِ ، وكل شيء تريدينه سيحدث يا ماسة فقط اريدكِ ان تكوني سعيدة"

ابتعدت (ماسة) عن مرمى كفها لتعود لشرودها بالنافذة وهي تريح جانب رأسها على زجاجه بجمود ، بينما قبضت (روميساء) على كفها وهي ترفعها لصدرها بهدوء لتدعوّ عندها بقلبها المفطور بأن يسير كل شيء على ما يرام بعائلة خالها وللحياة المقبلين عليها الآن .

وقفت السيارة امام المنزل الكبير والمسيج بسور عريض من النباتات والازهار حول الحديقة والتي اقل ما يقال عنها بأنها الجنة بعينها ، خرجت بعدها (روميساء) من السيارة قبل ان تتبعها (ماسة) وهي تخرج بهدوء ناظرة لكل الاجواء من حولها والتي تختلف تماما عن قذارة الحيّ والتي كانوا يعيشون فيه وهي تتنقل بنظرها بين النافورة الحجرية والتي تخرج منها المياه بصفاء عذب بدون اي شوائب للأضواء الخافتة والمنتشرة بكل مكان وبزوايا الحديقة لتصل للطريق الطويل والممهد امامها بالأحجار الصغيرة الملونة والمرصوصة بجانب بعضها البعض والتي تصل لباب المنزل الكبير بفخامة ورقي .

اخفضت نظرها للأسفل وتحديدا لموضع قدميها ولحذائها الرياضي البسيط وهي تبتسم بشحوب واجم فبالوقت والذي كانوا يعيشون فيه اتعس لحظاتهم بعد ان تخلى عنهم الجميع كان هناك منزل كبير يملك رفاهية بلا حدود رفض ان يستقبلهم به صاحبه وقد اغلق عليهم كل سبل الحياة الهانئة والتي كانت اقصى احلامهما بالماضي ، شعرت بعدها بدفعة طفيفة من خلفها قاطعة افكارها من شقيقتها وهي تربت على كتفها بخفة قبل ان تتقدمها بهدوء .

زفرت انفاسها بحشرجة وهي تبتلع غصة قديمة عالقة بصدرها منذ زمن حتى شطرته لنصفين قبل ان تتابع سيرها خلف شقيقتها بثبات وهي تعدل من حزام حقيبتها على كتفها ، وما ان دخلت الفتاتان من باب المنزل المفتوح المذهب حتى اصطدمت نظراتهما بتجمد بأفراد العائلة والمنتظرين ببهو المنزل الواسع .

قطع الصمت المحدق من حولهم والذي طال لثواني صوت (محراب) وهو يتقدم بخطوات ثابتة قوية قبل ان يقف امامهما قائلا بكل هيبة ووقار
"مرحبا ببنات مايرين ، شرفتما منزلكما الجديد وعائلتنا"

ابتسم (محراب) باتساع متصلب حتى تغضنت زوايا شفتيه وهو يتابع كلامه بانبهار وتركيز حاد
"سبحان مغير الأحوال ، لا اصدق كيف كبرتما هكذا وتحولتما على هذه الصورة الساحرة لشابتين بغاية الجمال وهذا ليس بعيدا عن بنات شعلة الفتنة مايرين"

تصلبت ملامح (ماسة) عند هذه الكلمات لتتمتم عندها بدون ان تستطيع منع نفسها
"أليس هذا الكلام فائت لأوانه ، ام ان السنوات كانت بالنسبة لكم مجرد ايام فاصلة بحياتكم المرفهة"

ساد صمت طويل بكل ارجاء بهو المنزل ولم ينتبه احد لنظرات (محراب) الحادة وبعض الصدمة ظاهرة على ملامحه وهو ينظر بتركيز للفتاة زرقاء العينين والتي تبدو نسخة مصغرة عن والدتها فلم تأخذ شراستها وجرأتها فقط بل اخذت زرقة عينيها القاتمة والتي تستطيع اصابة هدفها بنجاح فقط الفرق بينهما هو سواد شعرها الفاحم والذي يختلف تماما عن شعر والدتها الفاتح والذي يميل للبني الذهبي ، بينما كان (احمد) ينظر بوجوم لوقاحتها وهو يرى الفرق الشاسع بين الفتاتين فقط تتشابهان بسواد الشعر الفاحم والعينان الملونتان ، واما زوجته فقد كانت تشتعل بكل معنى الكلمة بجانبه بدون ان يشعر بها احد وهي تنظر لقنبلتيّ الفتنة والتي اجتاحت منزلهم الآن ليقلبوه رأساً على عقب وقد بدأت تشعر بسحر وجودهما يسيطر على عقول ساكني المنزل .

كانت (روميساء) تتنحنح قاطعة الوجوم والذي لفهم جميعا معا لتقول بعدها باحترام وإحراج شديد
"نحن سعداء حقا باستقبالك لنا بمنزلك وشاكرات جدا على ترحيبك الكريم بنا يا سيد محراب ، واتمنى ألا نخيب ظنك بنا..."

قاطعها (محراب) بحزم صارم
"لا تناديني هكذا يا ابنتي فأنا اكون خالكِ شقيق والدتك ، وهذا المنزل قد اصبح منزلكما من الآن لذا لا داعي لكل هذا الكلام الرسمي معي ، واخبروني فورا بأسمائكما فذاكرتي تخونني وبعض التفاصيل تضيع مني"

كانت (ماسة) على وشك الكلام بفظاظة لولا سبقتها شقيقتها وهي تقول بابتسامة صغيرة
"انا اسمي روميساء وبالخامسة والعشرين من عمري ، وهذه شقيقتي الصغرى ماسة وهي الآن بالعشرين من عمرها"

حركت (ماسة) عينيها بعيدا عنهم ببرود وهي تتأفف بنفاذ صبر ، ليقول بعدها (محراب) بابتسامة متزنة
"عاشت الاسامي واتمنى لكما العمر المديد ، إذاً دعوني اعرفكم انا على عائلتي"

استدار (محراب) نحو افراد عائلته ليشير لهم بكفه واحدا واحدا وهو يقول بهدوء بالغ
"هذا ابني الاكبر احمد ، وهذه الفتاة الجميلة بجانبه فهي زوجته سلوى ، واما هذا الصغير فهو الفرد الاخير بالعائلة واسمه زين"

قبض على كفه الممدودة ما ان تذكر ابنه الغائب والذي لم يعد للمنزل بعد خروجه من غرفة المكتب غاضبا متجهما وهو يعصي اوامره بكل وقاحة ، قالت (ماسة) فجأة ببرود جليدي
"هل انتهينا من هذا"

امسكت (روميساء) بذراع شقيقتها بقوة وهي تعض على طرف شفتيها ناظرة لها بتحذير غاضب ، لتقول بعدها باتزان خافت وهي تبتسم باتساع
"ان شقيقتي تقصد بكلامها بأنها متعبة من الطريق الطويل بسبب طول المسافة بين منزلنا وهنا ، لذا هل نستطيع الذهاب للغرفة والتي سنقيم بها يا خال محراب"

التفت (محراب) باتجاههما بغموض قبل ان يتمتم بابتسامة متصلبة
"اجل لا بأس خذا راحتكما فهذا منزلكما بالنهاية"

رفع بعدها رأسه عاليا وهو يقول بصوت جهوري خشن
"اسماء ، سندس ، تعاليا لمساعدة بنات شقيقتي للوصول لغرفتهما الجديدة والتي جهزت من اجلهما ، هيا بسرعة"

خرجت الخادمتين لتجريا بسرعة باتجاه بهو المنزل قبل ان تقفا امام العائلة باحترام ، بينما سارت (ماسة) بعيدا عنهما ببرود لتسبق الخادمتين بدون ان تعيرهما اي اهتمام لتلحقا بها بعدها من الخلف بطاعة تامة ، واما (روميساء) فقد كانت تتنهد بيأس منها قبل ان تلتقط حقيبة ملابسهما من على الأرض والتي ادخلها السائق معه لتسير بعدها باتجاه الطريق والتي اتخذوها وهي تبتسم لأفراد العائلة باعتذار صامت حتى اختفت عنهم مع الباقين ، ولم ترى نظرات (احمد) العالقة بمكان اختفائهم وهو يفكر ببريق الحزن والذي لمحه بعينيها الخضراء وهي تبتسم لهم باعتذار حزين كغابة عشبية باهتة بعد يوم طويل من هطول المطر فيها لتصبح شاحبة بدون اي لون او نكهة .

_____________________________
كان يقف مستندا بالجدار من خلفه وهو يدس يديه بجيبي بنطاله بشرود ونظراته ساهمة بالبعيد وتحديدا بالحفل الرخيص امامه والمبتذل اكثر من الازم وهو يضم اناس من جميع طبقات المجتمع العريقة ، ولكن لا حل امامه الآن لإضاعة الوقت بمكان يستقبل زبائنه بأي وقت وهذا الخيار الوحيد والذي طرأ على ذهنه المشتت منذ الخبر والذي اعلن عنه والده اليوم وهو يتوقع قبول وترحيب بطلبه المستحيل ، شدد بعدها من قبض يديه بجيبي بنطاله بغضب وهو يفكر بالأفراد الجدد والذين سيجتاحون حياته ومنزله وهو عليه تقبل كل هذا مرغما وكأنه لا يكفي وجود عائلته المشؤومة من حوله ليزيد على افرادها اثنين ومن عائلة المجرمين ، ولا يعرف حتى الآن ماذا ينتظره من اوامر عليه تحمل تبعاتها ؟

تصلبت ملامحه ببرود ما ان شعر بملمس كف ناعمة على كتفه وصوتها الانثوي الرقيق يرن بأذنيه وهي تقرب شفتيها من جانب اذنه
"بماذا يفكر حبيب القلب ، ولما كل هذا التجهم والعبوس والذي لا يناسبك ابدا ، يبدو بأن مشكلتك كبيرة هذه المرة"

ابتسم (شادي) باستهزاء وهو يتمتم بغموض
"ليس هناك من جديد نفس الروتين الممل"

عبست زاوية من شفتيها المائلتين لترفع بعدها كفها اكثر وهي تمسد على رأسه قائلة بتباطء وسلاسة
"فقط اخبرني بما تعاني وانا اعدك بأن ابعد عنك كل هذا الألم ، ام تشك بمهاراتي بتهدئة نمر مدلل مثلك"

حرك (شادي) رأسه قليلا وهو يبتعد عن مرمى كفها قبل ان يلتفت نحوها ليلتقط كأس العصير من كفها وهو يهمس بسعادة مصطنعة
"واخيرا اتى العصير ، لقد كنتُ بانتظاره بفارغ الصبر"

رفع (شادي) كأس العصير بسرعة لشفتيه ليرتشف منه بهدوء وببطء متسلي وهو ينظر بعيدا عنها بتركيز ، بينما امتعضت ملامح الفتاة الفاتنة وهي تنظر له بعينين خضراوين حانقتين لترجع بعدها خصلات شعرها الشقراء القصيرة لخلف اذنيها بصمت وانسيابية ، تجمدت بعدها بلحظات بمكانها وهي تفغر شفتيها بصدمة ما ان ألقى (شادي) بكأس العصير بعيدا لتتحطم لشظايا بعد ان اصابت زاوية من رأس الرجل والذي يبعد عنهما بمسافة قصيرة ليسبب له خدش عند زاوية جبينه .

توقف الجميع عن الرقص والاحتفال والعيون مصوبة نحو الرجل المصاب وشظايا الحطام متجمعة امام قدميه ، لتشهق بعدها الفتاة بهلع ما ان اقترب الرجل بسرعة باتجاه (شادي) والذي سبب له جرح بزاوية جبينه ، امسك بياقة قميصه وهو يهزه بها هامسا امام وجهه بشراسة متوحشة
"كيف تتجرأ على فعل مثل هذا التصرف المجنون معي ، من تظن نفسك يا هذا"

ردّ عليه (شادي) بلا مبالاة وكأنه لم يفعل شيئاً للتو
"اترك قميصي لو سمحت فهو ثمين وغالي جدا بالنسبة لي"

ازدادت شراسة الرجل بقتامة وكأنه قد فتح على نفسه ابواب الجحيم وهذا ما جعله يرفع قبضته عاليا ليلكمه بقوة على وجهه جعل الدم يسيل من انفه بعنف ، وما هي ألا ثواني حتى تماسك (شادي) امامه ليرد له الضربة وهو يدفع رأسه امامه بقوة ليصدمه بوجهه حتى تراجع للخلف بعيدا عنه باهتزاز عدة خطوات من تأثير الضربة ، تدخلت بعدها الفتاة وهي تقف امام الرجل قائلة بانفعال حاد حازم لا يخلو من الإيباء
"هذا يكفي لا تنسوا بأننا الآن بحفلة ولسنا بحلبة مصارعة لتتصرفوا على هذا النحو ، وارجوك يا سيد ان تقبل اعتذاري على ما سببه حبيبي لك فهو اكيد لم يكن يقصد فعلها"

تصلبت ملامح الرجل بغيض وهو يتمتم بحقد
"ولكنه لم يعتذر مني على ما فعله معي من وقاحة ، وانا حتى الآن لا اعرف بماذا اخطئتُ معه ليقذفني بالكأس هكذا والتي كادت ان تهشم رأسي وعلى العلن"

ردّ عليه (شادي) ببساطة وهو يمسح انفه بكفه بهدوء
"لن اعتذر فأنا لم اخطئ بشيء"

ما ان كان الرجل سيعاود الهجوم عليه بوحشية حتى اوقفته الفتاة وهي تدفعه بعيدا بصدره بقوة لا تناسب مظهرها قائلة بتهديد واضح بنبرة متعالية
"لقد اعتذرتُ منك وانتهينا من الأمر ، لذا من فضلك انهي هذا الموضوع رجاءً وألا سيحدث عندها ما لا يحمد عقباه ، وهذا الكلام خارج من ابنة الوزير شخصياً لينا رواشدة ، وها أنا قد حذرتك والباقي عليك"

ابتلع الرجل ريقه بتشنج ما ان عرف بهوية الفتاة امامه ومن تكون حقا ، بينما كانت العيون ما تزال تراقب برهبة الحدث المهم امامهم والذي اخرجهم من جو الحفلة الصاخبة والذي كانوا يعيشونه قبل دقائق ، لتمسك بعدها (لينا) بذراع (شادي) لتسحبه بقوة لخارج قاعة الحفلة وهي تسير بإيباء وغرور يناسبها تماما وخاصة مع مكانة عائلتها المرموقة بين الناس والتي انكشفت الآن .

كان (شادي) يسير معها بهدوء بدون اي اعتراض وهو يرفع عينيه بعيدا للسماء المظلمة والمتلألئة بالنجوم من فوقه ، وقفت (لينا) ما ان وصلت لسيارتهما المصفوفة بمرآب القاعة ، لتلتفت بعدها نحوه وهي تقول بوجوم حزين
"هل انت بخير ، هل تألمت من الضربة او تعاني من شيء..."

ردّ عليها (شادي) بصوت قاطع وهو يفلت ذراعه بعيدا عن كفها
"لا داعي لكل هذا القلق الغير مبرر فأنا بخير ، ومن المستحيل ان يصيبني مكروه من نكرة غير مهمة بالمقارنة مع قوة نمر مثلي"

تنهدت (لينا) بارتياح وهي تبتسم بحالمية شاردة بتفاصيل وجهه الواثقة بوسامة محببة والتي لا تتأثر من شيء من حولها فقط هو الذي يؤثر بالآخرين بدون ان يتأثر منهم وهذه طبيعته والتي تعشقها منذ الأزل ، وهذا حالها منذ اول يوم رأته بها ووقعت عينيها عليه بحفلة من تلك الحفلات والتي كانوا يحضرونها الآن وقد كان بالنسبة لها الاستثنائي الوحيد بتلك الحفلة الصاخبة وهي تكتشف بأنه لا يشبه اي احد من جميع من قابلتهم من قبله وتعايشت معهم بمجتمعها المرفه .

ضربت (لينا) على صدره بقبضتها بخفة وهي تقول بعبوس صارم
"لما فعلت هذا بالرجل ، بماذا كنت تفكر يا مجنون من تلك الحركة والتي كانت ستنشب عنها معركة ضارية لن تخرج منها حيا"

عبست ملامح (شادي) بتصلب وهو يتمتم باقتضاب ناظرا بعيدا عنها
"لقد كان يستهزئ بي وقد كان هذا واضحا من نظراته وابتساماته المسلطة نحوي ، لذا قررت ان اريه القليل من حجمه لكي لا يتجرأ على فعلها معي مرة أخرى لأني بالمرة القادمة لن اخطئ هدفي وسأهشم وجهه نهائياً"

زفرت انفاسها بضيق قبل ان تمسك بذراعيه برفق وهي تنظر له بحدقتيها الخضراء الحادة هامسة بتمهل رقيق
"اسمع ما سأقوله جيدا يا شادي ، لقد اخبرتك من قبل بأن ليس كل من يبتسم بوجهك او ينظر لك بريبة سيكون عدوك اللدود والذي ينوي لك على الشر ، ودائما قبل ان تُقدم على فعل أي خطوة متهورة فكر بها مئة مرة وتذكر العواقب والتي ستنشب عنها ، لأنه ليس من العدل ان تفتعل نفس المشاكل بكل مرة ومع اشخاص مختلفين ومن طبقات اجتماعية عريقة ، هذا ليس من صالحك ابدا"

ابتسم (شادي) بسخرية مريرة ليتمتم بعدها بغموض وهو يربت على كتفها بخفة
"تتكلمين مثل شقيقي احمد تماما ، يبدو بأن مهنة المرشد النفسي معي تعجبكم كثيرا"

اخفضت كفيها عن ذراعيه بعبوس واجم وهي تتنهد بحنق منه ، لتُخرج بعدها منديل من جيب ثوبها القصير المحمر قبل ان تقربه من وجهه قائلة برفق
"انا لستُ فقط مرشدة نفسية بالنسبة لك بل انا مستعدة ان اكون حبيبتك ورفيقتك ومسعفك الخاص ومنقذك بوقت الأزمات ، وخاصة مع شخص مشاكس مثلك كثير المشاكل ويسبب الشقاء للجميع"

كانت (لينا) تمسح انفه من الدماء المتجمدة عليه برفق شديد وبنعومة ، بينما كان (شادي) ساكن بمكانه وهو يتركها تكمل عملها المعتاد عليه والذي يحدث معه كلما تشابك مع احدهم بالأيدي وتطاول معه وقد اعتاد على هذا الروتين اليومي والذي يحدث معه بكل يوم ، فمنذ تعرفه بابنة وزير الثقافة (لينا) وقد اصبحت تحتل مكان ممرضته الخاصة ورفيقته الوحيدة بهذا العالم بدون ان تتجاوز حدود صداقتهما المرسومة وهو يجد بها حنان والدته والذي كانت تغدقه عليه منذ صغره حتى اختفت من حياته نهائيا مخلفة من وراءها فجوة كبيرة وخواء بداخله لم يستطيع اي احد ان يملئه بوجوده ، ولكن وجود (لينا) بجانبه دائما يواسي القليل من وحدته ويملئ فراغ وقته الطويل ، بالرغم من انه يشعر بالذنب اتجاهها من استغلالها ناحيته بهذه الطريقة واستخدامها لتسلية وقته واقحامها بمشاكله الخاصة كما حدث قبل قليل ، ولكن بما انها لا تمانع كل هذا فلن يجدي التفكير بهذا الأمر فكل ما يهمه هو ان يبتعد بتفكيره عن العائلة المملة وعن كل شيء يخصها .

قطع عليه شروده صوت (لينا) الرقيق الخافت وهي ما تزال مستمرة بمسح انفه ببطء شديد
"لم تخبرني بعد عن السبب والذي يجعلك متضايق هكذا ويعكر عليك مزاجك ، هل هي مشاكل مع والدك مجددا"

تجهمت ملامحه بامتقاع وهو يقول بجمود بعد ان تذكر الخبر والذي قاله والده ضاربا عقله عن التفكير
"هذه المرة مختلفة فقد قرر والدي ان يقحم بعائلتنا بنات عمتي المتوفاة وزوجها المجرم بعد ان نبذهم لسنوات ، وليس محبة فيهم بل من اجل سمعة العائلة عندما يلطخونها بالعار بعد ان تخلى عنهم الجميع ولم يعد هناك شيء يمنعهم من فعلها"

عقدت (لينا) حاجبيها الاشقرين بتفكير لتقول بعدها بحيرة
"وما لمانع من سكنهما بمنزلك ، أليسوا من العائلة وهذا حقهم منذ سنوات وانتم من رفضتم عليهم هذا الحق"

ردّ عليها (شادي) بشرود واجم
"لستُ انا المخطئ فلم يكن بيدي شيء افعله حينها وابي يقرر عدم استقبال اي احد من عائلة عمتي مايرين بالعائلة ، وحتى اكد هذا على كل اقارب العائلة وعلى شقيقاته بالخارج بصرامة وهو يهددهم ان يحرمهم من ميراثهم إذا حاولوا عصيان اوامره ، والآن بعد كل شيء حدث قرر إدخالهم لحياتنا رغما عنا من اجل السمعة فقط"

عضت (لينا) على طرف شفتيها بعبوس وهي تقول بعدم مبالاة
"ارى بأنك تحمل هذا الموضوع اكثر من حجمه ، فليس هناك فرق إذا استقبل والدك بنات شقيقته او رفضهم فأنت بالنهاية لا علاقة لك بما يحدث معهم فهذه الأمور وقصص الحقد تبقى عائلية بينهم ، وانت ترهق تفكيرك بأمور تافهة كهذه"

امسك (شادي) مرفقها فجأة ليبعده عن وجهه بهدوء وهو يقول بصرامة خافتة
"يكفي كلام عن هذا الموضوع فهي أمور تخصني وحدي ولا احبذ التكلم عنها امام احد او التعمق بها كثيرا"

افلت مرفقها ليستدير بعيدا عنها بجمود وهو ينظر بعيدا بتصلب بارد ، بينما اخفضت (لينا) يدها وهي تلقي بالمنديل بعيدا قبل ان ترجع خصلات شعرها القصيرة خلف اذنيها بنعومة وهي تتمتم بندم شديد
"اعتذر يا شادي إذا كنتُ قد ضايقتك بكلامي فأنا لم اكن اريد إغضابك ، وصدقني لن اعيدها مجددا فأهم شيء عندي هي راحتك وهذا ما اسعى إليه دوما"

ابتلع (شادي) ريقه بتصلب وهو يشعر بالذنب يعود ليعتصره وينهشه بقوة من الذي يفعله معها الآن ، ليلتفت بعدها بسرعة نحوها وهو يتمتم بابتسامة جانبية بدون اي مرح
"لا داعي للاعتذار يا لينا فأنتِ لم تخطئي معي بشيء ، فقط اشعر بالضيق لذا انفث غضبي بكل من حولي بدون اي تفكير بأحد ، لذا اعذري غبائي وتهوري"

اتسعت ابتسامة (لينا) بسعادة قبل ان تقترب منه بنعومة لتعانق ذراعه وهي تتشبث بها بكفيها بقوة هامسة بخفوت رقيق
"ولهذا انا موجودة بجانبك لأخفف عنك الضيق واخرجه من داخلك نهائيا وبعدها ستتحسن وستنسى كل ما كان يضايقك سابقا ، ما رأيك الآن ان نذهب لملعب البولنج لنستمتع قليلا بوقتنا وننسى ما حدث معنا الآن ، ولكن ارجوك حاول ضبط اعصابك لكي لا نضطر لمغادرة المكان مرة أخرى"

حاد (شادي) بنظراته نحوها وهو ينظر لعينيها الخضراء المشعة حماس وتفاؤل دائما ما يلازمها معه ، ليبتسم بعدها بميلان وهو يرفع حاجبيه قليلا قائلا ببساطة
"موافق إذا كان سيخرجنا من هذا الملل والذي اشعر به سيفتك بي"

يتبع.................


روز علي متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 20-02-21, 06:19 PM   #8

روز علي
 
الصورة الرمزية روز علي

? العضوٌ?ھہ » 478593
?  التسِجيلٌ » Sep 2020
? مشَارَ?اتْي » 136
?  نُقآطِيْ » روز علي is on a distinguished road
افتراضي

كان يسير بخطوات متمهلة قريبة من التسلل على اطراف اصابع قدميه بمنتصف الليل وهو يتجه بمساره لطريق المطبخ بنهاية البهو الواسع ، ليقف بعدها لبرهة وهو ينظر للظلام الحالك والذي يسود بالمطبخ الفارغ بوجوم ، تحرك للداخل بدون ان يهتم بإشعال النور قبل ان يصل للثلاجة والتي كانت تحتل الجدار بأكمله ليُخرج منها زجاجة ماء معدني وهو يتلفت من حوله برهبة ، اغلق بعدها الثلاجة بكفه الأخرى قبل ان يفتح غطاء الزجاجة وهو يقربها من شفتيه ليرتشف منها بنهم دفعة واحدة .

اخفض الزجاجة بعيدا عنه بهدوء وهو يمسح شفتيه بذراعه الأخرى قبل ان يتصلب بمكانه وهو يشعر بشيء بارد يلمس جانب عنقه مثل نصل سكين حاد ، شدد بيده على الزجاجة البلاستيكية حتى تجعدت بقبضة كفه وهو يعقد حاجبيه بقتامة مظلمة وبتفكير بالذي سيتجرأ على مهاجمته بمنتصف منزله ؟ ولكن ما هي ألا ثواني حتى كان يمسك بمعصم الغريب والمرفوعة بالسكين لعنقه قبل ان يلويها بقوة وهو يديره نحوه ليسحبه امامه بعنف قاسي .

تجمدت ملامحه بين الدهشة والغضب الناري وهو ينظر للفتاة الواقفة امامه والممسك بمعصمها النحيل رغم مقاومتها الشرسة وهي منحنية الرأس امامه لا يظهر منها سوى شلال شعر شديد السواد منثور حولها بهمجية ، ابتلع بعدها ريقه بتشنج وهو يعود للتركيز على ما كانت تفعله بالمطبخ بل بالمنزل بأكمله وهي تفكر بمهاجمته بهذه الطريقة المجنونة .

زاد (شادي) من تشديده على معصمها وهو يقربها امامه مانعا اي محاولة منها للهروب منه ، ليقول بعدها بتصلب جامد وهو يركز على كومة شعرها المتساقطة من حولها كستار يغطيها عنه
"من انتِ"

توقفت (ماسة) عن الحركة المستميتة للتخلص منه وهو ما يزال يقيد معصمها الممسكة بالسكين بقسوة ، لتنظر بعدها للأسفل بوجوم وهي تفكر بطريقة لتتخلص مما اوقعت نفسها فيه بسبب غباءها واندفاعها المتسرع وهي تظنه شخص غريب عن المنزل وهي التي اعتادت على مهاجمة اي احد يحاول الدخول لشقتهم القديمة بسبب ابوابها المفتوحة على الدوام وقد نسيت بأن هذا المنزل مختلف تماما عن شقتهم ، والذي اكتشفته بأن هذا الشخص اكيد سيكون فرد من هذه العائلة الكئيبة ، ولكن ما يحيرها هو لما لم يتكلم عنه احد ولما لم يظهر بين افراد العائلة عند استقبالهم ؟

ارتفع حاجبي (شادي) بدهشة من استكانتها الغريبة وهو يفكر بتوجس من اين هبط هذا الكائن الانثوي الغريب امامه ؟ لا ويهاجمه بمنزله بكل وقاحة ، قال بعدها بحدة وهو يلقي بالزجاجة والتي ما تزال بقبضته بعيدا بقوة
"هيا تكلمي يا فتاة من تكونين ، وماذا تفعلين بهذا المنزل ، هل انتِ ابنة احد الخدم"

تحركت (ماسة) فجأة بجسدها نحوه لتدفعه بعيدا عن طريقها بقبضتيها وهو يحرر معصمها من قيده اخيرا ، ولكن ما ان خطت خطوتين بعيدا عنه حتى عاد ليمسكها من ذراعها بقوة ليعيدها ليحتجزها امامه بعنف اشد وهو يدفعها لتستند على باب الثلاجة من خلفها ، امسك بعدها بمعصميها معا ليرفعهما عاليا بمستوى رأسها المنحني والذي تصر على احناءه امامه وهو يضغط على الكف الممسكة بالسكين بقوة حتى كاد يحطم مفاصل اصابعها بين خشونة كفه ، لتضطر عندها لفتح قبضتها والتي افلتت السكين الصغيرة لتسقط على أرض المطبخ الرخامية مصدرة ضجة بسكون المكان المخيم من حولهم .

ابتسم (شادي) بتسلية وهو يلاحظ اضطراب انفاسها بتقطع ما ان سقطت السكين امام قدميها وكأنها قد خسرت سلاح القوة والذي كانت ستستخدمه للقضاء عليه ، نظر بعدها لخصلاتها المتطايرة والتي كانت تتحرك مع انفاسها والتي ازدادت حدة بثواني ، عقد (شادي) حاجبيه بتجهم ما ان تذكر امرا مهما كان قد غفل عنه بخضم ما حدث معه اليوم ، فمن طول الوقت والذي اضاعه بالخارج نسي بأمر وجود بنات عمته (مايرين) واستقبالهم بمنزله اليوم وهذا يحتم عليه تقبلهم بحياته وبعالمه مرغما .

قال بعدها بلحظات قاتمة عليهما بعبوس مستنكر
"انتِ تكونين ابنة عمتي مايرين صحيح ، والتي لم استقبلها بمنزلي ولم ارحب بوجودها اصلا"

تغضن جبين (ماسة) بحيرة وهي تشعر بنبرة كراهية صادرة من صوته وهو يقول امرا واقعا غير قابل للنقاش ، ولكنها تحاملت على نفسها وابتلعت الاهانات والتي كانت تفكر بتوجيهها نحوه فهي المخطئة الوحيدة هنا بتسرعها الاحمق ومحاولتها لمهاجمته بطريقة لا تمت للتفكير بصلة ، عضت بعدها على طرف شفتيها بغيض وهي تلعن السبب والذي جعلها تخرج من الغرفة بعد ان شعرت بجدرانها العالية ستطبق على صدرها وهي المعتادة على السير الطويل قبل النوم والذي يؤخذها لعالمها الموحش والمنعزل بعيدا عن الجميع .

تنهد (شادي) بملل وهو يزيد من التشديد على معصميها المستكينين بكفيه ليتمتم عندها بابتسامة غامضة باستهزاء
"كان عليّ توقع مثل هذا الاستقبال الرائع من الضيفة الجديدة بالعائلة والتي ادخلناها لمنزلنا بكل طيبة قلب ، ولكن ماذا كانوا يظنون من ابنة مجرم عاشت طيلة حياتها بعالم الإجرام والقذارة مع والدها ، ان تتغير بمهلة دقائق من ساقطة وضيعة ابنة مجرم لفتاة نبيلة تنتمي لهذه العائلة العريقة والتي تكون ابعد ما يكون عنها"

تجمدت نظرات (شادي) ما ان رفعت رأسها نحوه بعنف وكأنها قد تلقت للتو صفعة غير مباشرة موجهة نحوها ونحو شقيقتها ، بينما كان هو ينظر لوجهها والذي ظهر اخيرا من بين كومة شعرها السوداء وهو يكاد يقسم بأنه لمح بعض البريق والوميض يشع من حدقتيها والتي لم يتبين لونها من الظلام الحالك والذي كان يسود بالمكان وبالرغم من ذلك فهو متأكد بأن ملامحها الآن ستكون تنطق بالشراسة والتحفز بدون ان يستطيع تحديدها وقد تبين كل هذا من ذبذبات جسدها والتي يشعر بها تصله بوضوح عبر جسده .

زمت (ماسة) شفتيها بقوة وهي ما تزال تشعر بكلماته تطعنها بعنف بالرغم من انها معتادة على مثل هذا النوع من الكلام والذي ينتج عنه بعض التشنجات بأمعائها وبأطراف من جسدها وكأنها قد شلت عن الحركة لثواني لتعود لاستعادة قوتها مرة أخرى ، عقدت بعدها حاجبيها بتمهل وهي تحبس انفاسها بترقب قبل ان ترفع ساقها بلمح البصر لتركل بمقدمة قدمها العارية ركبته بقوة بحركة مباغتة سمعت معه طرقعة عظام ركبته ، افلتها (شادي) من كفيها بسرعة وهو ينحني جاثيا على الأرض بعد ان اصابت ركبته بشل مؤقت لترتخي للأسفل بتهدل وهو ينصب ساقه السليمة مستندا بكفيه على الأرض بامتقاع .

اتسعت حدقتيّ (شادي) السوداء بعدم تصديق وألم لما وصل له حاله من حركتها السريعة والغير متوقعة والتي جعلته يركع على ساقيه امامها بقتامة وكأنه تحول لعاجز بغمضة عين ، ليرفع بعدها عينيه بتجهم نحوها قبل ان يعبس بغضب ما ان رأى نظراتها المتشفية نحوه بظلمة المكان من حولهم وابتسامة جانبية استطاع لمحها بزاوية شفتيها ، ليختفي عندها كل هذا ما ان تحركت ببطء بعيدا عنه وهي ترجع خصلاتها السوداء المجنونة خلف كتفيها بلا مبالاة .

كان ما يزال يتتبع خطواتها وهي تنحني لتلتقط السكين الصغيرة والملقى على الأرض قبل ان تستقيم بوقوفها لتسير باتجاه باب المطبخ بهدوء قاتل بعد ان اصابت غريمها ، سمع بعدها بلحظات صوت انثوي خافت يكاد لا يسمع يحمل من الاشمئزاز الكثير وبحة غريبة تطغى على صوتها
"فرصة سعيدة يا ابن الخال"

اختفى بعدها كل شيء يخصها خلف باب المطبخ كالسراب ليتبقى فقط صوتها وهو يتردد بأعماق المكان وبأعماق روحه المظلمة وهو ما يزال يشعر بذبذبات جسدها ما تزال تسيطر على كل خلايا جسده كلعنة ألقتها عليه ورحلت ببساطة لتترك وصمتها على ركبته المتهدله امامه وهو يمسد عليها بوجوم قاتم .

_______________________________
كان يسند مرفقيه فوق الحاجز الرخامي للشرفة وهو يزفر انفاسه بضيق واضح وحدقتيه ثابتتين على السماء الشاحبة من فوقه وللغيوم الكثيفة والتي تضامنت معا لتحتل السماء بقوة مخفية الشمس من خلفها قبل موعد الشروق بساعات ، اخفض بعدها رأسه ليسند ذقنه لقبضته والتي يريح مرفقها على حاجز الشرفة وهو يفكر بأنه لم يستطع النوم جيدا بليلة امس بعد ما حدث معه على يدي ابنة عمته المجنونة بأول مقابلة بينهما والتي كانت توشك على إنهاء حياته فيها بغمضة عين لتتركه بالنهاية جاثيا على الأرض وهو يغلي من الخزي والغضب بالرغم من انه معتاد على التعامل مع كل شيء يحدث معه ببساطة وسلاسة لتدمر هذه الفتاة مبدأه بالحياة بأول لقاء بينهما ، ولا يعلم ماذا ينتظره ايضا بالأيام المقبلة مع هذه الفتاة المجنونة وكأنه ينقصه افراد يعكرون عليه صفو حياته الرتيبة ؟

مسح وجهه بكفه الأخرى وهو يستغفر ربه بصمت مكبوت ، ليخفض بعدها كفه بسرعة ما ان لمح الجسد الممشوق المتحرك بمدخل المنزل والقريب من الحديقة وهي تسير بخطوات متزنة قوية تكاد تخترق الأرض من قوتها ، اتسعت عينيّ (شادي) بتركيز وهو يحاول ان يتبين هوية الخارج من منزله والذي اكيد سيكون واحدة من بنات عمته فهو يعرف جيدا كيف تكون هيئة زوجة شقيقه (احمد) والبعيدة كل البعد عن هذا الجسد المتناسق والملفوف بسترة جلدية زرقاء مع بنطال اسود ضيق اظهر تفاصيل منحنيات جسدها المغرية وشعرها مرفوع فوق رأسها على هيئة كتلة مستديرة فوضوية بنعومة ، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه ما لذي يخرج فتاة من منزلها قبل الشروق بساعات عندما يكون جميع من بالبشر ما يزالون نيام بمنازلهم للآن ؟ ولكن كل شيء متوقع منها فهي بالنهاية ابنة مجرم حتى لو كان زوج والدتها فهي قد عاشت معه تحت سقف منزل واحد لسنوات طويلة ومن المرجح بأن طريقة حياته قد طبعت عليهما بقوة .

عقد حاجبيه بحيرة ما ان لاحظ توقف الجسد بمنتصف الطريق لتحيد بعدها بخطواتها وهي تغير مسارها نحو الحديقة الواسعة من حول الطريق الحجري امامها ، تابع مراقبتها بانتباه وهو الذي لم يعر بحياته انتباهه لأي احد لتجذب هذه الفتاة انتباهه ونظراته بفضول يشعر به لأول مرة وهي تشعل بداخله غريزة الحذر نحوها بقوة .

توقفت خطوات (ماسة) امام النافورة الحجرية والتي كانت ما تزال تُخرج الماء بانسيابية ونعومة وصوت خريرها يملئ الأجواء الساكنة من حولهم بانبهار ، كان ما يزال يراقب حركاتها بتمعن حتى صدم بانحناء ذلك الجسد امام النافورة لتضع رأسها تحت شلالات الماء المنسابة بتدفق لتنزل فوق رأسها وتغرقه بعذوبة مياهه وكأنها تغتسل من مياه النافورة بطريقتها الخاصة ، كان (شادي) يحرك رأسه بعدم استيعاب من حركتها الغريبة وهو ما يزال يعطي كل تركيزه على جسدها المهتز بارتجاف ورأسها ما يزال غارق بشلال المياه المتدفقة بدون ان تخرجه من هناك وكأنها تستمتع بوضعها المريب هكذا .

تصلبت شفتيه بامتقاع وهي ما تزال على حالها منذ عشر دقائق كاملة وقد تختنق بالماء إذا بقيت على وضعها هكذا مع برودة الجو الآن ببداية الشروق ، استقام بعدها بوقوفه وهو يبعد مرفقيه عن حاجز الشرفة ليرفع عندها يده لشفتيه قبل ان يطلق صوت تصفير مرتفع باستخدام السبابة والإبهام بمهارة معتاد على فعلها منذ شب عن الطوق ليخترق الأذن بإزعاج وسكون الأجواء من حولهم .

اخفض كفه ما ان وصل لمراده وهو ينظر لرأسها المتهدل وهو يبتعد عن مسار الشلال المتدفق بعد ان اغرق رأسها وكتلة شعرها المستديرة بالكامل وقد تساقطت عدة خصلات مبللة بفعل قوة المياه العذبة لتحولها لخصلات مجعدة ما تزال تقطر ماءً من حول رأسها ، لتسقط بعدها ذراعه بجانبه بتجمد بعد ان رفعت رأسها نحوه بهدوء وببطء متعمد يشعر به ولكن ليس هذا ما جمده عن الحركة تماما بل منظر عينيها البحرية وهو ينظر لأول مرة للون عينيها الغريب والذي يميل لزرقة قاتمة استطاع لمحها بليلة امس بدون ان يتمعن بها جيدا وها هو الآن ينظر لبحار غاص بها بدون إرادة منه مثل الوقوع بالفخ وهو يحاول إيجاد نقطة النجاة بتلك البحار المظلمة بقتامة ، ارتفع حاجبيه برهبة مشدوهة وهو يلمح دموع متدفقة بزوايا حدقتيها ممزوجة مع مياه النافورة تأبى الخروج وتركها للحرية وكأنها تحتجزها بداخل ظلام احداقها رغما عنها ، ليدور بعدها على باقي ملامحها الشاحبة والتي كانت تنضح قوة وشراسة صامتة ولكنها لم تخفي جمالها الغريب والذي يأسر النظر ما ان يقع عليه لشيء نادر الوجود ولا تقع عليه العين دائما .

ابتلع (شادي) ريقه بتصلب وهو يرمش بعينيه عدة مرات بتركيز عندما انتبه بأنها لم تعد تنظر له وهي تشيح بوجهها بعيدا عنه بقوة ، كانت (ماسة) بهذه الاثناء ترجع خصلات شعرها المبللة خلف اذنيها بهدوء قبل ان تعود للسير باتزان وهي تتمسك بحزام حقيبتها على كتفها بقوة لتعود لمسار سيرها نحو بوابة المنزل الخارجية متجاهلة النظرات المشحونة بمشاعر متضاربة وهو يتتبع كل حركاتها بتمعن وببطء شديد وشكل عينيها البحرية لا يبارح ذهنه بتاتا ، وكل الذي يريد ان يعرفه إذا كان ما رآه بعينيها دموع حقيقية ام تكون مجرد قطرات ماء عالقة من مياه النافورة وما زادها تأثير برودة الطقس عليها ؟

______________________________
كانت تحرك الملعقة بداخل كوب القهوة بصورة رتيبة وعينيها شاردتين بالسائل الاسود اسفلها والذي شكل دوامات وحلقات صغيرة حوله بدون ان تهتم للنظرات الكثيرة من حولها والتي اصبحت تلاحقها مؤخرا بكل مكان بالرغم من انها معتادة على مثل هذه النظرات والتي لا تتركها وشأنها ولكن هذه المرة مختلفة فقد اصبح يرافق تلك النظرات تمتمات خافتة تصلها بوضوح وكأن صاحبها يتقصد وصولها لمجرى اذنها وهي تحوم من حولها بكل زاوية تكاد تخنقها بمكان تواجدها ، بينما لم تنتبه لنظرات عسلية أخرى جالسة امامها بكافتيريا الجامعة وهي تحدق بها بحزن متوجس لما يدور بذهن صديقتها المقربة والشقيقة والتي لم تلدها والدتها والتي تعرفها منذ كانت طفلة تلعب بجنينة منزل عمها (قيس) والذي كانت دائمة الذهاب إليه بشكل شبه يومي لتلعب مع بنات زوجة عمها ، ولكن تلك الزيارات قد اختفت تماما وقد اصبحت شبه معدومة منذ وفاة زوجة عمها وانتقال عائلة صديقتها لمنزل بعيد بحيّ يبعد مسافة طويلة عن منزلهم .

زفرت انفاسها بابتسامة ناعمة وهي تهمس بمودة ناظرة لكوب القهوة امامها
"إذاً يا ماسة كيف حالكِ ، ألن تخبريني عن طبيعة السكن الجديد مع عائلة خالك ، فأنتِ لم تخبريني بشيء عنهم منذ انتقالك للسكن عندهم"

لم يظهر على (ماسة) بأنها قد سمعتها وهي تحرك الملعقة بالكوب بصورة مستمرة واكثر حدة ، لتعقد بعدها صديقتها حاجبيها وهي تفهم جيدا جمودها والذي يجعلها دائما بعيدة عن الجميع وعن كل ما يحيطها ، وما ان كانت ستعاود الكلام حتى سبقتها (ماسة) وهي تقول ببرود مشتد
"لا جديد اخبرك عنه ، وكما ترين ما زلت كما انا"

زمت المقابلة لها شفتيها الورديتين بضيق وهي تضم كفيها امامها فوق الطاولة قبل ان تقول بنفاذ صبر
"حقا يا ماسة ، أتريدين خداعي وتصديق بأنكِ مرتاحة حقا بحياتكِ مع عائلة خالك والتي كنتِ من قبل تقسمين بأنكِ لن تدوسي عتبة بيتهم"

توقفت (ماسة) عن تحريك الملعقة وقد وصلت صديقتها لما تريده وهو جذب نظرها وتركيزها لها بعيدا عن قوقعة جمودها ، لترفع بعدها احداقها الزرقاء الداكنة بجمود وهي تهمس بانقباض
"لن يدوم هذا الحال كثيرا يا صفاء ، فهذه الإقامة مؤقتة حتى تجد روميساء سكن آخر لنا وتستطيع تأمين المال الكافي لذلك"

عبست ملامح (صفاء) وعينيها العسلية متسعتين بوجل لتقول بعدها بهدوء وهي ترفع يدها لتمسك بيد صديقتها من على الطاولة
"اسمعي يا ماسة انا ارى بأن الحياة قد ابتسمت لكِ اخيرا ولشقيقتك روميساء بعد ان تخلصتما من شرور عمي قيس وها هو الآن يتحاسب على ما ارتكبه بحياته ، لذا لما تضيعين فرصة العيش بين عائلة تحبك وتقرب لكِ ويتقبلونكِ بينهم وغير هذا حياة مرفهة بدون الاضطرار للتعرض للمزيد من الذل والهوان"

تجمدت ملامح (ماسة) بدون اي تعبير قبل ان تسحب كفها برفق وهي تهمس بابتسامة ساخرة بمرارة
"لقد فات الأوان على مثل هذا الكلام يا صفاء ، وما فعلته حياة السنين السابقة لن تغيره بضعة ايام مع خال ظهر من العدم بعد ان اقتنعنا وآمنا بأنه ليس هناك اي احد موجود بعالمنا المظلم ، فبالنهاية كان قيس هو الوحيد والذي اعترف بوجودنا وتقبلنا بحياته بعكس اقاربنا المزعومين والذين كانوا يعيشون برفاهية وترف"

قبضت (صفاء) على كفيها وملامحها ذات القسمات الناعمة تتصارع بتفكير عميق قبل ان تتمتم ببعض الامتعاض
"ولكنها مع ذلك لم تكن تلك بحياة فقد كان عمي قيس رجل فاشل بحياته واتكالي لأبعد الحدود وقد استخدمكِ انتِ و روميساء كخدم عنده لكي تساعدوه بمهام حياته اليومية ، وقد استغل بأنه لم يعد هناك اي احد لكما ليتكفل هو مسؤوليتكما بذلك السن ، حتى انني لم اصدق عندما عرفتُ بدخوله للسجن وعمله بصفقات غير قانونية وقد صُدم والدي بشدة من هذا الخبر واخبرني بأنه يستحق كل ما يحدث له"

كانت (ماسة) من بين حديث صديقتها شاردة بعيدا بعالمها القاتم وهي تفكر بأنها لم تنسى ولن تنسى ابدا حياتها والتي انقلبت رأساً على عقب بعد وفاة والدتها عندما اصبحت هي وشقيقتها كالعبيد عند زوج والدتهما وهما تنفذان كل اوامره بطاعة تامة لكي لا يطردهما من حياته ويصبح الشارع هو بيتهما ، كانت بوقتها بالعاشرة من عمرها وشقيقتها بالخامسة عشر عندما وزع عليهما ادوارهما الجديدة بحياته لكي يتقبلهما بمنزله لتصبح هي خادمة المنزل الصغيرة والتي تهتم بالطبخ والتنظيف على طفلة بالعاشرة لا تعرف سوى اللعب واللهو بينما جعل شقيقتها (روميساء) تعمل بمحل بقالة لصديقه ليل نهار لتوفر له المال ثمن سكنهما بمنزله وتناول الطعام معه .

تنهدت بكبت وهي تشدد من القبض على الملعقة بكفها قائلة بقتامة كزرقة عينيها المظلمة
"ولكنه يبقى افضل من العيش بالملاجئ"

زفرت (صفاء) انفاسها بحزن على حال صديقتها والتي وصلت لها فهي كانت معها منذ بداية مشوار الحياة وكم تشعر بالغيض من مسبب كل هذه المشاكل بحياتها والذي يكون عمها الوحيد وهي التي لم تحبه يوما او تتقبله طول سنوات حياتها السابقة وحتى والدها وكل العائلة لم يتقبلوا وجوده فيها وما كان يفعله ويسببه بحياته دائما ، قالت بعدها بلحظات مخترقة غمامة الحزن والتي لم تفارقهما ابدا وهي تقول بخفوت شديد
"ولكن هذا لا ينفي بأنه كان السبب..."

قاطعتها (ماسة) بعصبية وهي تعود لتحريك المزيج بداخل كوب القهوة بالملعقة بقوة
"توقفي عن إعادة نفس الموضوع بكل مرة وكأنه ليس هناك شيء تتكلمين عنه سوى عن حياتي"

عضت (صفاء) على طرف شفتيها بحنق وهي تسكتها بطريقتها الخاصة وقد عادت لتعصيبها والذي نادرا ما يخرج منها ، لترفع بعدها يدها بهدوء وهي ترجع خصلات شعرها البنية بميلان عسلي والمنفلتة من ذيل حصانها الطويل للخلف بهدوء لتنساب مع باقي خصلات شعرها الأخرى ، قطع الصمت صوت (ماسة) وهي تقول ببرود جليدي
"كيف احوال العم جلال ، وكيف هي صحته الآن"

اتسعت ابتسامة (صفاء) بهدوء وهي تتمتم بشرود حزين
"لقد اصبح بأفضل حال ولم يعد يصاب بالانتكاسات بعد النوبة القلبية الأخيرة والتي اصابته قبل اسابيع ، ولكني ما ازال قلقة على حالته والطبيب قال بأن عليه الراحة بين الحين والآخر وهو يصر على الدوام على عمله بدار النشر كل يوم ضاربا بكلام الطبيب عرض الحائط"

اخفضت (ماسة) كفها عن الملعقة وهي تنظر بسكون للموجات الصغيرة السوداء بكوب القهوة والتي لونت حياتها لسنوات وهي تفكر بالرجل الكبير شقيق (قيس) ووالد (صفاء) ذلك الرجل والوحيد والذي كان يزورهم بمنزلهم القديم لرؤية شقيقه الوحيد ، ولكنه اختفى بعدها من حياتهم بعد انتقالهم للمنزل الآخر والبعيد عن مكان سكنهم ، وحتى الآن لم تستطع نسيان الرجل والذي لطالما كان النقيض عن (قيس) تماما ليس بالشكل فقط بل بالتعامل وبطريقة الحياة وهي التي لم ترى منه سوى كل خير وهو يعاملها كابنته (صفاء) تماما بوقت كان الحنان ابعد ما يكون عنها بعائلة تسودها مشاعر من الجشع والأنانية والقسوة هي عنوانها .

زمت (ماسة) شفتيها بغيض وهي تلقي نظرة حادة للجمع الغفير والذي ازداد بقرب طاولتهما وكل واحد منهم يضع رأسه بأذن الآخر واعينهم ملتصقة بطاولتهما بتركيز ، لتقبض بعدها على يدها وهي ترفعها لذقنها باهتزاز كعلامة التحفز وما ان كانت على وشك النهوض حتى اوقفتها (صفاء) وهي تمسك بذراعها قائلة بتصلب وروية
"اهدئي يا ماسة وتجاهلي وجودهم تماما فهذا ما يريدون الوصول له وهو استفزازك ، لذا كل ما عليكِ فعله هو الصبر والتروي وعدم اعطائهم ما يريدون"

نفضت (ماسة) ذراعها بعيدا وهي تنظر من حولها بجمود بحدقتيها الزرقاء والتي ازدادت قتامة قبل ان تعود بنظرها لصديقتها وهي تقول بإصرار غريب
"صفاء اريد منكِ ان تجدي لي عمل"

انفرجت شفتي (صفاء) الورديتين بصدمة قبل ان تهمس بعبوس متوجس
"ما هذا الكلام يا ماسة ، لما تريدين العمل وما حاجتك به ما دامت روميساء تعمل بالفعل ، وانتِ لم تنهي دراستك الجامعية..."

قاطعتها (ماسة) بحنق متجهم
"انسي موضوع الدراسة يا صفاء فأنا احتاج لهذا العمل بشدة لأساعد روميساء بتوفير المال لنخرج من عائلة محراب بشكل اسرع ، وايضا عمل روميساء كمعلمة للصفوف الابتدائية اصبح مهدد بخسارته بعد ان تلطخت سمعتنا بين الناس ، لذا اريد منكِ ان تجدي لي العمل ولو بدار النشر الخاص بوالدك"

عقدت (صفاء) حاجبيها بوجوم وهي تهمس بتفكير
"ولكني لستُ متأكدة إذا كنتُ سأستطيع إيجاد عمل مناسب لكِ بدار النشر ، فأنا اعمل بها بأيام عطلتي لأساعد والدي هناك وحسب معرفتي فهي ليست من مجال دراستنا ابدا"

امتعضت ملامح (ماسة) وهي تتمتم بسخرية
"وماذا عن شقيقك المهرج ألا يعمل بدار النشر مع والده ام ما يزال يتسكع بالطرقات بدون عمل"

زفرت انفاسها بغضب وهي تنفخ خديها الورديين بضيق قائلة بتجهم خافت
"لا اريد التكلم عنه ابدا ، وأنا لا اعلم شيئاً عنه منذ شجاره مع والدي قبل ايام ومغادرته للمنزل غاضبا ناقما"

امتقعت ملامح (ماسة) بشحوب وهي تحرك عينيها بعيدا عنها باشمئزاز ما ان تذكرت المدعو شقيقها والذي لا يشبه والده بشيء ذلك المهرج السمج ورئيس عصابات الحارات والتي كان يقودها بكل مكان منذ طفولته ليتنمر على كل اطفال الحيّ بالطرقات وبالمدرسة وبالحدائق العامة ولم يستطع اي احد ان ينفذ من شره .

عادت بنظرها لصديقتها والتي كانت تقول بتلعثم مرتبك
"لم اكن اريد قول هذا ، ولكنه قد صرعني كثيرا من إلحاحه عليّ لأخبركِ بأنه لن ينسى ابدا الاتفاق بينكما وحتى لو ابتعدتِ لآخر العالم وانتِ بالمقابل عليكِ ألا تنسي حفاظاً على كرامتك"

تجمدت ملامح (ماسة) بتصلب وهي تنظر بعيدا عنها وكلامه ما يزال يتردد بذهنها منذ ايام قبل دخول (قيس) للسجن وهو يقول ببساطة مستفزة
(ماسة الفاروق استسلمي لمالككِ الحقيقي والذي انتظر كثيرا لتأتي هذه اللحظة بالذات وتقعي بين يديه ليتلقفك هو بكل رحابة صدر فقد تحملتُ مقاومتكِ وكبريائكِ كثيرا ولسنوات طويلة ، لذا قد حان الوقت الآن لنصفي كل ما كان بيننا بهدنة طويلة يا دمية عمي قيس)

انتفضت فجأة واقفة عن الكرسي باندفاع وكلامه يضرب اذنيها بقوة مثل جميع كلماته المستنفرة والتي كان يقولها لها دائما بكل مواجهة تحدث بينهما وهو يصر على تلقيبها (بدمية قيس) وكل هذا بسبب قبولها بالسكن مع عمه (قيس) وامتلاكه لحياتها وخدمته بكل شيء ، وقد كان دائما يزورهم بالمنزل القديم وحتى الجديد بشكل شبه يومي ليضايقها بكلامه وبتصرفاته المزعجة والتي كانت تغيظها على الدوام وهذا بجانب اصدقاء (قيس) والذي كان يتجمع معهم دائما .

زفرت انفاسها باضطراب وهي تقول بحدة بالغة ممسكة بحزام حقيبتها لتضعها على كتفها باتزان
"لا تنسي ما اخبرتكِ به يا صفاء حاولي ان تجدي عمل لي وبأسرع ما يمكن ، انا اعتمد عليكِ بهذا لذا لا تخذليني"

كانت (صفاء) على وشك قول شيء قبل ان تسبقها (ماسة) بالانسحاب بعيدا عن الطاولة وهي تتجه لباب الكافتيريا بهدوء ، لتقول بعدها بسرعة من خلفها بارتفاع حانق
"إلي اين انتِ ذاهبة يا ماسة ، لم تبدأ المحاضرة بعد"

عبست ملامحها الرقيقة ما ان نظرت لأثر صديقتها والتي اختفت عن نظرها تماما وما تزال العيون تراقب انسحابها بإصرار غريب وبعض الكلام بدأ بالارتفاع ليصل لأذن (صفاء) العابسة بحزن
"أرأيتِ هذه من اخبرتكِ عنها ابنة المجرم قيس ورئيس العصابات المعروف بالبلد ، وهم يعيشون بحيّ الحبشة والمعروف بحيّ المجرمين وخريجين السجون ، لا اعرف حقا كيف يستقبلون مثل هذه الأشكال بالجامعات المرموقة"

حركت (صفاء) عينيها العسلية الحزينة بعيدا عنهم وهي تنظر لكوب القهوة الخاص بصديقتها والذي لم تشرب منه ولا رشفة وهو ما يزال ممتلئ بالسائل الأسود والذي تصر دائما على طلبه بدون ان تشربه وكأنها تثبت لهم بأن سبب مجيئها لهذه الكافتيريا ليس شرابهم ، بل من اجل إمتاع نفسها بكلام الناس الجارح وبنظراتهم المهينة لها والتي لم تتركها وشأنها لسنوات .

نهاية الفصل..............


روز علي متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 21-02-21, 02:34 PM   #9

زهرة الخلود والبنفسج

? العضوٌ?ھہ » 482957
?  التسِجيلٌ » Jan 2021
? مشَارَ?اتْي » 37
?  نُقآطِيْ » زهرة الخلود والبنفسج is on a distinguished road
افتراضي

💜💜💜💜💜💜💜💜💜💜💜💜💜💜💜💜💜💜💜💜💜💜💜💜💜💜💜💜💜💜💜💜💜💜💜💜💜💜💜💜💜💜💜💜💜💜💜💜💜💜 💜💜💜💜💜💜💜💜💜💜💜💜💜💜💜💜💜💜💜💜💜💜

زهرة الخلود والبنفسج غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 27-02-21, 07:07 PM   #10

روز علي
 
الصورة الرمزية روز علي

? العضوٌ?ھہ » 478593
?  التسِجيلٌ » Sep 2020
? مشَارَ?اتْي » 136
?  نُقآطِيْ » روز علي is on a distinguished road
افتراضي الفصل الثالث

الفصل الثالث.............
كانت تنزل درجات السلم بعجلة وهي تعدل من وضع حقيبتها على كتفها قبل ان تتوقف بنهاية السلالم ما ان اصطدمت بالجسد الواقف والذي ظهر امامها فجأة بدون ان تراه ، لترفع بعدها بسرعة نظراتها الخضراء المرتبكة وهي تنظر لهوية الرجل امامها لتتسع عندها عينيها الشاحبة بتوجس وهي تتعرف عليه وهو يكون ابن العائلة الكبير وابن خالها البكر .

كانت (روميساء) تتنقل بنظرها بتفاصيله عن قرب من ملامحه الهادئة بسكون وبعض الشعيرات البيضاء قد غزت جزء من مقدمة ذقنه بدون ان تقلل من مهابته كوالده تماما وهو يملك عينين سوداوين تداخلت بهما بعض الخيوط من اللون الرمادي لتصل بالنهاية لابتسامته الرزينة والتي زادته قوة تناسب مكانة عائلته العريقة ، بينما كان (احمد) بالمقابل ينظر لها بتركيز وهو يدور بعينيه بملامحها الشاحبة والناعمة والتي لم تستطع اخفاء آثار الخطوط المنتشرة بقسمات وجهها المحفورة والتي تدل على الإرهاق الشديد وقلة النوم والتي تعرضت لها بالأيام السابقة ليتوقف كالعادة امام عينيها الخضراء الشاحبة ببهوت واضح يكاد يختفي اللون من حدقتيها الكبيرتين باتساع غريب .

رمشت (روميساء) بعينيها عدة مرات قبل ان تبعد وجهها بعيدا عنه وهي تقول بإحراج
"اعتذر فلم ارك امامي عندما كنتُ انزل درجات السلم من فوق"

حرك (احمد) رأسه باتزان وهو يهمس بخفوت
"لا بأس مرت على خير"

نزل بنظراته لملابسها العملية والبسيطة والتي تدل على انها كانت ستغادر المنزل الآن وهي ترتدي قميص بني باهت طويل يصل لركبتيها واكثر تقريبا وحزام من الجلد معقود حول خصرها مع بنطال جينز بلون الذهبي ، عاد بعدها بنظراته لوجهها وهو يتمتم بغموض
"هل كنتِ على وشك مغادرة المنزل"

حركت عينيها نحوه بهدوء وهي تعقد حاجبيها بريبة لتقول بعدها بابتسامة صغيرة
"اجل صحيح ، فأنا اعمل بمدرسة الزهور الابتدائية بدوام يومي وعليّ الذهاب الآن لعملي"

ارتفع حاجبيه باستنكار ولم تعجبه فكرة عملها ابدا بل لم تدخل عقله بتاتا وهو يفكر بأن فتاة من عائلة كبيرة مثلهم تعمل عند اناس لتكسب منهم بعض القروش ، قال بعدها بتجهم مستاء وبدون ادنى تفكير
"ولكن لما العمل وكل شيء موجود بحياتكما بدون الحاجة للعمل عند احد من اجل بعض المال والذي يوجد الكثير منه عندنا"

عبست زاوية من شفتيها بضعف وهي تتذكر كلام (ماسة) بالأمس عن الخروج من هذه العائلة والتي لم تقدم لهما شيء بحياتهما عندما كانا يحتاجان لأي قريب ليعترف بوجودهما ، رفعت (روميساء) رأسها بقوة وهي تهمس بخفوت مشتد
"شكرا على كرمك يا سيد احمد ، ولكني لا اعتقد بأنني سأستطيع تقبل هذه الحياة الجديدة عليّ وعلى شقيقتي او ان اغير من نمط حياتي والذي سرت عليه لسنوات ، لذا ارجو منك ان لا تتدخل بسير حياتنا فنحن نعرف جيدا مصلحة انفسنا"

اتسعت عينيّ (احمد) بتجهم ليس من كلامها الواثق والذي ضربه بمقتل بل من تلقيبها له بسيد (احمد) وكأنه غريب عنها او رئيسها بالعمل وليس ابن خالها البكر ، وما ان كان سيرد عليها بغضب حتى تجاهلته تماما وهي تتجاوزه بسرعة لتسير باتجاه البهو الواسع ، ليقول بعدها من خلفها بقوة صارمة
"انتظري على الأقل حتى تتناولي طعام الفطور مع العائلة بقاعة الطعام ، ام تريدين الرحيل لعملكِ وإغضاب كبير العائلة بعد ان استقبلكم بمنزله ورحب بكم ببشاشة"

توقفت بمكانها وهي تعض على طرف شفتيها بتفكير وجزع من الورطة والتي قد تقع بها الآن فهي لم تصل لهذا المنزل سوى بالأمس وإغضاب كبير العائلة لن يكون بصالحهما ابدا وهي حتى الآن لا تستطيع التضحية بأي شيء بعد ان خسروا كل ما يملكون بحياتهما وقد يكون عملها هو الخسارة التالية .

ابتسم (احمد) بهدوء ما ان قابله الصمت والسكون منها والذي يدل بأنها قد فهمت مقصده جيدا ، ليسير بعدها بعيدا عنها ببرود وتحديدا باتجاه قاعة الطعام ، بينما كانت (روميساء) تبتسم بحزن شارد وهي تفكر بشقيقتها والتي ذهبت لجامعتها قبل ان تشرق الشمس بساعات كعادتها بدون ان تعطي اي اعتبار لأحد بالعائلة وبأنها قد انتقلت لمنزل جديد يبعد عن مقر جامعتها بمسافة تبعد امتار ، سارت بعدها بلحظات بخطى ثابتة باتجاه قاعة الطعام قبل ان يحدث ما لا يحمد عقباه بما انه ما يزال لديها متسع من الوقت قبل دوامها بالمدرسة .

دخلت (روميساء) خلف (احمد) تماما لتتجه كل العيون نحوهما بين حائر وممتعض وجو من الوجوم بدأ يسود من بينهم بثقل ، قطع الصمت بعدها صوت (سلوى) وهي تنتفض بعيدا عن مقعدها قبل ان تتعلق بذراع (احمد) وهي تقول بغيض ودلال
"اين كنت يا احمد ولما تأخرت عني ، أيعجبك ان تجعلني انتظرك كل هذا الوقت الطويل وانا اكاد اموت من الجوع والشوق إليك"

كان (احمد) يحرك رأسه بوجوم من تصرفاتها الوقحة امام العائلة بدون اي حياء ، ليخترق بعدها سكون القاعة صوت (محراب) والذي كان يجلس على رأس الطاولة وهو يقول بقوة
"كفى كلام ، وليجلس الجميع بمقاعدهم امام المائدة بهدوء"

سحبت (سلوى) زوجها من ذراعه بسرعة وهي تلقي نظرة مشمئزة متعالية نحو (روميساء) والتي كانت تفكر بعيدا عنها ، لتتقدم بعدها (روميساء) بصمت نحو المائدة وهي تتخذ مقعدا بعيدا عنهم بجانب الصغير (زين) وبالجهة المقابلة لهما كان يجلس فيها (احمد) وزوجته ومعهم يجلس بجانبهم (شادي) والذي كان يتناول الطعام امامه بشرود غير آبه بأحد .

قال (محراب) بعدها بلحظات بحيرة متصلبة
"اين هي شقيقتكِ ماسة ، انا لا اراها معكِ"

رفعت نظرها بارتباك نحو (محراب) قبل ان تقول بإحراج خافت
"الحقيقة لقد ذهبت ماسة لجامعتها بوقت مبكر جدا ، فهي لا تستطيع التأخر عن محاضرتها الأولى والتي تبدأ من الساعة السابعة صباحا"

كان (محراب) يحرك رأسه باتزان جامد ، ولم ينتبه احد للنظرات الحادة والتي كانت موجهة من (شادي) نحوها وقد عرف الآن ما لسبب والذي جعلها تخرج بذلك الوقت المبكر جدا خارج منزلها ؟ ونفسها من رآها بليلة امس بالمطبخ وقد عرف الآن كل شيء يخصها فدراستها بالجامعة تعني بأنها لم تتجاوز عمر الشباب بعد وقد تكون ما تزال ببداية العشرين للآن وهذا يعني بأن فورة المراهقة المجنونة هي ما تحركها الآن نحوه ، وليس هناك تفسير آخر على تصرفاتها الغريبة معه بأول مقابلة بينهما .

عاد (محراب) للكلام وهو يقول بصوت جهوري مبتسم بوقار
"اخبريني القليل عن حياتكما وما هي مجال دراستكما ومن الذي كان يتكفل بكل مصاريف تعليمكما آنذاك ، فهذه التفاصيل تهمني كثيرا معرفتها عن حياة بنات شقيقتي مايرين"

تنهدت (روميساء) باهتزاز ما ان اجتاحتها ذكريات الماضي وهو يتكلم عن عدم معرفته بطريقة حياتهما ببساطة وكأنه ليس نفسه من نبذهما منذ سنوات ولم يعد احد يعترف بهما ليتقبلا عندها بأقل احتياجات الحياة والتي تؤمن لهما الاستمرار بالعيش بأمان وتحت سقف منزل على من في مثل سنهما ، شددت بعدها بقبضتيها على مائدة الطعام وهي تتمتم بدون اي تعبير بعد ان حل السكون بكل انحاء القاعة
"لقد كان عمي قيس هو من يهتم بمصاريف تعليمنا بجانب عملي الدائم بمحل بقالة قريب من منزلنا ، وهو من اختار مجال دراستي بمهنة التعليم وتكفل بمصاريف الجامعة كاملة ، بينما ماسة هي من اختارت مجال دراستها بنفسها بما انها قد حصلت على منحة من وزير التعليم بسبب تفوقها الاكاديمي بالمدرسة تؤمن مصاريف تعليمها كاملة وهي الآن تدرس بمجال الهندسة الاقتصادية"

تنفست بعدها بارتجاف ما ان انتهت من كلماتها والتي قالتها بكل برودة تملكها بقلبها وكأنها تقص عليهم قصص من وقائع حياة الناس وليس عن حياتها ، ساد جو من الهدوء القاتم والذي حل على كل ساكني المنزل للحظات قبل ان تقطعه (روميساء) وهي تتابع كلامها ببساطة ناظرة لكل الوجوه الواجمة بابتسامة متسعة
"وايضا نسيت ان اخبركم بأنني اعمل بمدرسة الزهور الابتدائية وقد تأخرتُ على عملي بالفعل ، لذا عذرا منكم عليّ الذهاب الآن"

نهضت (روميساء) بسرعة من على الكرسي امام نظراتهم المصدومة قبل ان تنسحب بعيدا عنهم لخارج قاعة الطعام بصمت وبدون ان تلمس طبقها حتى او ان تتناول شيئاً من الأطعمة المنوعة والموزعة بترتيب على مائدة الطعام ، لتخلف من بعدها سكون تام وكل واحد منهم قد عاد لتناول الطعام من على المائدة بصمت وكأن شيء لم يكن ، بينما كانت نظرات (محراب) القوية عالقة بمكان اختفاءها وهو يحرك رأسه بتفكير عميق شارد فيبدو بأن بنات شقيقته ما يزالون يحملون بقلوبهم الضغينة لكل من حولهم ومن يربط بهما قرابة تخلى عنهما يوما ما .

______________________________
"لم يعد هناك اي وظائف شاغلة لكِ ، فأنا لا اتشرف بعملكِ هنا بعد الآن ، فأهم شيء عندنا بهذا المكان هي سمعة المدرسة والتي ستبقى دائما نظيفة بعيدا عن امثالكم"

كان يصرخ بحدة وفظاظة وهو يجلس امام المكتب ناظرا امامه بعبوس متجهم ، بينما كانت (روميساء) تخفض رأسها بخزي وإحراج وهي تتلقى ما كانت تتوقعه وتخشاه وعملها الطويل بهذه المدرسة لم يشفع لها ليطير مع مهب الريح وكأن كل شيء قد اصبح ينقلب ضدها بعد دخول (قيس) للسجن ، رفعت بعدها كفها بارتجاف لتعيد الخصلات السوداء بعيدا عن جانبيّ وجهها قبل ان تهمس بوجوم خافت
"ولكني قد اخبرتك يا سيدي المدير بأنه لا علاقة لي بما فعله زوج والدتي قيس ، لتتهمني انا بأفعاله بدون اي وجه حق ، ولا شيء يربطني به سوى سقف المنزل والذي كنتُ اعيش فيه معه"

ضرب المدير على سطح المكتب بكفه بصلابة وهو يتمتم ببرود جليدي
"بغض النظر فهو يكون والدك الروحي وزوج والدتك والذي تربيتِ معه تحت سقف منزله واي شيء يمسه ويفعله سيمسكِ انتِ ايضا ، ولا اعلم حتى الآن ما لذي سيخرج من عائلة غريبة الأطوار مثلكم تدور من حولها الشبهات دائما والتي تربت على اكل مال الغير والعمل على مخالفة القانون"

ابتلعت ريقها بتصلب وهي تنظر بعيدا عنه بشرود وكلماته تخترق سمعها بألم من كلام اعتادت على سماعه من كل من تصادفهم وتقابلهم بحياتها وكله بسبب ماضي والدتها وزوجها والذين لطخوا سمعتهما لتكون وصمة عار تلاحقهما طيلة العمر ، وحتى عملها هنا كان دائما مرهون بالفشل ولولا الواسطة والتي حصلت عليها من اصدقاء (قيس) والذين لا يقف امامهم حائل لما كانت استطاعت ان تتوظف بهذه المدرسة المحترمة والعريقة .

عادت بنظراتها الخضراء الشاحبة بجمود نحو المدير وهي تقول بابتسامة هادئة
"وماذا عن سنوات عملي المتواصلة بهذه المدرسة ، منذ خمس سنوات وانا اقدم لكم كل ما املكه من خبرة وجهد والتزام بدون ان يصدر مني اي خطأ يسيء لسمعتكم ولسمعة مدرستكم ، أهكذا تكافئني على تعب السنين والتي بذلتها بالرفع من مكانة مدرستكم لتبقى بالقمة دائما"

امتقعت ملامح المدير وهو يقول بصرامة حادة
"كل هذه الإنجازات والتي فعلتها للمدرسة لن تنفعكِ بشيء عندما يتعلق الأمر بسمعة الموظفات هنا وخلفية كل واحدة منهما واقصد بكلامي طريقة حياتهما ومكان معيشتهما وسمعة عائلاتهما ومن هذا القبيل ، ومثل هذه الأمور تؤثر كثيرا ليس على سمعة المعلمة فقط بل على سمعة المدرسة بأكملها ، وليكن بعلمكِ فقط بأن توظيفكِ بهذه المدرسة كان خطأً كبيرا مني ولا يغتفر مع سمعة عائلتكِ وخلفية مكان سكنكِ والذي لا يسر مخلوق ابدا"

زمت شفتيها بحزن قبل ان تهمس بوجل
"ولكن يا سيدي المدير انا لا استطيع خسارة هذه الوظيفة..."

قاطعها المدير بحزم وهو يصرخ بنفاذ صبر
"روميساء الفاروق لقد انتهت مهلة عملكِ معنا هنا ولم يعد يلزمنا شيء من خدماتكِ والتي قدمتها لمدرستنا لفترة طويلة ، لذا من فضلكِ اخرجي من هنا من غير مطرود"

شددت (روميساء) من القبض على كفيها بجانبيّ جسدها بقهر وهي تشعر بظلم غير مبرر موجه نحوها من كل صوب ومنذ سنوات طويلة ، لتخفض بعدها عينيها الشاحبة بعيدا عنه بخذلان قبل ان تسير بتثاقل باتجاه باب المكتب وما ان امسكت بمقبضه حتى قالت بخفوت لا يكاد يسمع
"وداعا سيدي المدير وشكرا لك على كل شيء قدمته مدرستكم لي ، فقد تشرفتُ كثيرا بالعمل معكم"

غادرت بعدها لخارج غرفة المكتب بدون ان تضيف كلمة أخرى قبل ان تستند بظهرها على سطح الباب من خلفها وهي تشعر بخنوع ورخاء تام احتل كل اطراف جسدها بعد ان خسرت النور الوحيد والمتبقي لهما بحياتهما المظلمة ، رفعت بعدها نظراتها الجامدة للأعلى وهي تتنفس بنشيج واضح وكفيها ما يزالان مقبوضين بقوة حتى ابيضت مفاصل اصابعهما .

اغمضت عينيها بقوة وهي تستغفر ربها بخفوت ليلهمها الصبر لما هي مقدمة عليه الآن بعد ان خسرت بارقة املهما الأخيرة للحياة الهانئة والتي حلما بها كثيرا ، استقامت بعدها بسرعة بعيدا عن الباب وهي تمسح عينيها بكفها برفق حتى احمرتا بشدة بإنهاك ، لتسير عندها بخطوات حاولت جعلها متوازنة وهي تنظر لموقع قدميها بلا مبالاة ونظرات كل من تمر بهم تلاحقها بغموض وهي تشدد من القبض على حزام حقيبتها بضعف شديد يداهمها لأول مرة بعد سنوات طويلة من الكفاح بالعمل وبالدراسة من جهة وبالاهتمام بالمنزل مع شقيقتها من جهة أخرى حتى اصبحت حياتها بأكملها مكرسة فقط للجميع دون سواها .

كانت تسير بساحة المدرسة باتجاه باب الخروج بخطوات متمهلة قبل ان تتوقف فجأة ما ان سمعت الهتاف باسمها من الخلف ، لتستدير بعدها بسرعة للخلف وهي تنظر بصدمة للطفلتين واللتين كانتا تجريان نحوها بأقصى سرعة وزيهما المدرسي يتطاير من حول ساقيهما بحرية ، وما ان وقفتا امامها حتى قالت احداهما بحزن طفولي
"هل حقا ستغادرين المدرسة يا معلمة روميساء"

ابتلعت (روميساء) ريقها بتشنج وهي تنظر للطالبتين المميزتين عندها بالفصل والمقربتين منها من بين جميع الطلاب بل جميع كل من بالمدرسة طلابها المفضلين وابناءها والذين وجدت بهم وحدتها وطفولتها الضائعة ، تصلبت شفتيها بدون ان تنطق بأي كلمة وهي تحرك رأسها بالإيجاب بوجوم وحزن يقارب حزن الطفلتين ، لتقول بعدها الطفلة الأخرى برجاء وهي تمسك بكفها بقوة
"لا ارجوكِ يا معلمة روميساء لا تتركينا الآن ، ونحن نعدكِ بأننا من الآن وصاعدا سنكون اكثر تهذيبا ولن نسبب لكِ المشاكل بالفصل"

حركت الطفلة بجانبها رأسها بلهفة وهي تضم قبضتيها الصغيرتين قائلة بتوسل طفولي
"اجل يا معلمة روميساء لا تتركي المدرسة وكل من فيها ، فنحن نحبكِ كثيرا وجميع من بالفصل يحبكِ ايضا"

ابتسمت بضعف وهي تحاول الحفاظ على ثباتها امام الطفلتين ورجائهما يخترق هشاشة مقاومتها وقلبها والذي تعلق بأصحاب هذا المكان اكثر من الوظيفة نفسها بعد ان اصبحت جزء من عالمهم واصبحوا يمثلون لها راحتها المؤقتة ، عضت بعدها على طرف شفتيها بقهر المظلوم من خسارتها الفادحة واكثر من أي خسارة سابقة وهي تفقد كل حياتها المريحة والذي يمثلها لها هذا المكان بغمضة عين .

عادت بنظرها للطفلتين بحزن قبل ان تنحني على ساقيها لتصل لمستواهما لترفع عندها ذراعيها معا وهي تعانق اكتافهما الصغيرة بكل حنية تملكها لهذا المكان ، لتبعد بعدها ذراعيها بسرعة عنهما قبل ان تنحدر اكثر مع عواطفها المنهارة لتقول عندها بابتسامة حاولت جعلها لطيفة رغم الألم المحفور بداخلها
"لا داعي لكل هذا القلق فأنتما ليسا لكما علاقة بمغادرتي للمدرسة ، فقد انتهت وظيفتي بهذا المكان وقد حان الوقت لأغادر بعيدا وابحث عن حياة اخرى تتقبل وجودي بها ، لهذا اريد منكما ان تعداني بأنكما ستبقيان دائما كما اعرفكما وحتى لو ابتعدتُ لآخر العالم فأنا من المستحيل ان انسى طلابي المجتهدين والمميزين بكل شيء لأني من ربيتهم وعلمتهم كل شيء اعرفه بنفسي"

عبست الملامح الصغيرة للطفلتين قبل ان يحركوا رؤوسهما بحزن لمع بحدقتيهما الصغيرتين ، بينما كانت (روميساء) تربت على رؤوسهم بكفيها بحنية وهي تحاول الابتسام بسعادة بقدر ما تستطيع امامهما ، لتستقيم بعدها بوقوفها بعيدا عنهما بدون ان تفقد ابتسامتها وهي تهمس لهما بحزم مزيف
"هيا الآن اذهبا لفصلكما قبل ان تعاقبا ، واياكما والخروج بوقت الحصة مرة أخرى كما فعلتما الآن وألا غضبتُ منكما بشدة"

تحركت الطفلتين بسرعة بعيدا عنها باتجاه نفس الطريق والتي جاءوا منها وهم يلوحون لها بأيديهم الصغيرة بمرح عاد للتوهج بملامحهما ، لتختفي بعدها ابتسامتها ما ان اختفوا عن نظرها تماما ككل شيء جميل بحياتها لتشيع عندها بنظراتها الأخيرة لبناء المدرسة الحديثة والتي ستشتاق لمرآها كثيرا بعد ان اصبحت منزلها الثاني منذ خمس سنوات .

استدارت بعيدا عن البناء لتتابع سيرها لخارج البوابة بخطى سريعة وهي تفكر بالخطوة القادمة والتي عليها فعلها وتتضمن العمل بمكان آخر يتقبل خلفيتها المشوهة ، وما ان سارت على الطريق المقابل للمدرسة حتى رفعت كفها بسرعة وهي تلوح لأي سيارة أجرة تخرجها من هذا المكان والذي يحمل لها كل ذكرى جميلة ستبقى محفورة بقلبها اليتيم للأبد .

يتبع..............

على هذا الرابط

https://www.rewity.com/forum/t481045-2.html



التعديل الأخير تم بواسطة ebti ; 27-02-21 الساعة 08:31 PM
روز علي متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة

الانتقال السريع


الساعة الآن 10:37 PM



Powered by vBulletin® Version 3.8.9
Copyright ©2000 - 2021, vBulletin Solutions, Inc.