آخر 10 مشاركات
أترقّب هديلك (1) *مميزة ومكتملة* .. سلسلة قوارير العطّار (الكاتـب : كاردينيا الغوازي - )           »          خانني من أجلك(2) *مميزة ومكتملة*.. سلسلة بين قلبي و عقلي (الكاتـب : نغم - )           »          استسلمي لي(164)للكاتبة:Angela Bissell (ج1من سلسلة فينسينتي)الفصل6 (الكاتـب : Gege86 - )           »          22 - تلة المشاجرات والأحلام - ليليان بيك - ك.ع.ج** (الكاتـب : بريق ـآلمآس - )           »          363 - فتاة مثالية - بولا هوبر - م.د (عدد جديد)** (الكاتـب : Gege86 - )           »          أكتبُ تاريخي .. أنا انثى ! (2) *مميزة ومكتملة * .. سلسلة قلوب تحكي (الكاتـب : كاردينيا الغوازي - )           »          149 - الشمس كانت جليدًا - كيري آلاين (الكاتـب : بلا عنوان - )           »          أمنية " مميزة ومكتملة " (الكاتـب : بحر الكلمات - )           »          فوق الجروح اللي بقلبي من سنين يكفي دخيل الله لا تجرحوني روايه راااااائعه بقلم الهودج (الكاتـب : nahe24 - )           »          147 - ملاك للبيع - جيسكا ستيل (الكاتـب : حبة رمان - )


العودة   شبكة روايتي الثقافية > قسم الروايات > منتدى قصص من وحي الاعضاء

موضوع مغلق
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 09-09-21, 01:06 AM   #1

همسات الصيف

? العضوٌ?ھہ » 491515
?  التسِجيلٌ » Aug 2021
? مشَارَ?اتْي » 11
?  نُقآطِيْ » همسات الصيف is on a distinguished road
Rewitysmile27 الجانب المظلم


[fieldset=العنوان]null[/fieldset] مرحبًا!
نزلت بموقع روايتي باسم همسات الصيف. قررت أنه أفضل موقع لمشر روايتي لكن كما رأيت بهذا الموقع هناك دعم كبير للكاتبين الجديدين. أريد تجربة حظي و أعطاء نفسي فرصة هنا.
بتمنى التشجيع. أي رد جميل ممكن أن يرفع معنوياتي و يحفزني على الكتابة و أي نقد محترم و داخل حدود الادب ممكن يساعدني على تطوير نفسي.
أتمنى أن تعجبكم الرواية.
قراءة ممتعة من الان!


المقدمة:


22:27

الولايات المتحدة، بالقرب من كولورادو، بلدة وينتر ماربل.


بعد قيادة سيارة البلايموث فيوري 3 مودل 1968 (1968 Plymouth Fury III) العتيقة لساعتين متواصلتين، وصل الرجل و أخيرًا إلى وجهته. لقد كان متعبًا و حتى لو لم يريد الاعتراف، كان خائفًا. شعورٌ لم يشعر به منذ سنوات. هذا لأنه على وشك أن يقوم بالتخلي عن أغلى شيئٍ في حياته.

تنهد بعمق و سحب المفتاح من فتحته الصغيرة ليطفا سيارته ثم أخذ نفسًا عميقًا. استدار إلى جانبه كي يفتح الباب و يخرج لكن رؤيته للشخص الذي يريد أن يقابله من بعيد جعله يتجمد و هو يحدق من النافذة.

لم يرى وجهها لأن ظهرها كان يقابله، لكنه عرف أنها هي، شعرها الأسود متدلدل على ظهرها و هي تنظر إلى الهاوية التي أمامها، على الأغلب بنظرةٍ فارغة و باهتة بينما تقوم بإيقاع رماد السيجارة من يدها ليطاير مع الغبار و الأوراق المتساقطة بسبب حدة الهواء. كما أنه من المستحيل أن يكون هناك أحدٌ على الجبال في هذا الوقت.

أغمض عيناه لثوانٍ و رفع نظارته السميكة التي انزلقت إلى أسفل أنفه قليلًا ثم حسم أمره و خرج من السيارة.

في وسط هدوء الهضبة التي يقفون عليها الان، لم يكن يسمع شيئ سوى صوت خطواته و صفير الريح. على الأغلب هي أيضًا سمعته لكنها لم تغير وضعيتها أبدًا.

عندما وصل إلى جانبها، فعل ما تفعله و نظر من الهاوية إلى البلدة النائمة. من بعيد، كان هناك أضواءٌ قليلة، بعض المنازل الصاحية و إنارة الشوارع لا أكثر.

ليتني أستطيع تدميرها. فكر من داخله بألم. ليتني أستطيع مسح هذه البلدة عن وجه الأرض.

الصمت كان بينهم من يتحدث، الذكريات، الوقت الذي يمر، الريح القوية، النجوم المتلألأة، القمر المنير.. جميعهم كانوا يتحدثون ما عداهما و كلاهما يعرف، لو لم يكونا مضطران لكان بقي الوضع على هذا الحال.. لا، بل لم يكونا ليلتقيا من البداية.

أنهت المرأة سيجارتها، رمتها على الأرض و دهست فوقها ثم أخرجت من جيب جاكيتها الأسود علبة السجائر و سحبت منه واحدة. مدت يدها للشخص الذي بجانبها مما جعله يبعد نظره عن هدوء البلدة و ينظر لها قليلًا ثم علبة السجائر الذي عرضته عليه. ابتسم بخفة و هز رأسه إلى جانبيه بسلبية و تحدث: "لقد أقلعت عنه."

لم تبدي أي ردة فعل و أعادته إلى جيب جاكيتها، سحبت منه القداحة، أشعلت سيجارتها و أرجعتها إلى جيبها مجددًا ثم عادت للاستمتاع بالمنظر الطبيعي الذي أمامها. أخذت نفسًا منها ثم زفرته و قالت أول كلماتها: "قلتُ لك ألا تريني وجهكَ إن لم يكن الأمر مسألة حياةٍ أو موت."

"لو لم يكن كذلك لما رأيتيني هنا."

"ماذا تريد؟" سألت بنبرةٍ خالية من المشاعر.

"أنا سأذهب." قال بهدوء. "هناك احتمالٌ كبيرٌ ألا أعود."

سحبت نفسًا من سيجارتها ثم زفرته و انتظرته أن يكمل ما سيقوله.

"لا أستطيع أن أثق بأحدٍ غيركِ. أريدكِ أن تعتني بروز."

هذه المرة، أبعدت نظراتها عن الهاوية و حدقت بالرجل الذي بجانبها على وجهها ملامح الصدمة. لأول مرة منذ دقائق، أظهرت ردة فعلٍ على اخر كلمةٍ قالها بالتحديد. "روز؟" رمشت بعيناها. "وضعت اسمها روز؟" قالت بعدم تصديق. "هل أسميت شخصً نظيفًا و بريئًا باسمٍ ملعونٍ كهذا؟"

هز الرجل كتفيه بعدم مبالة فهو كان متوقعًا ردًا كهذا.

"أنت من أسوء البشر الذي عرفتهم بحياتي. أنت مثلها. أنت مثل تلك الشيطانة." تحدثت كأنها تبصق بوجهه. عندما جاءت إلى هنا، ما أرادت فعله هو سماع ما يريده بهدوء و دون أي ردة فعل لكن بعد أن سمعت هذا نسيت ما كانت تخطط له. "لطالما قلت أنك تريد أن تكون مثلها.. أنها مثلك الأعلى..رغم أنها سيئة.. لكن.. لكن.. كيف لك أن الطفلة هذا الاسم؟ ألا تخاف أن تلحقها لعنته؟"

"توقف عن قول هذا." تمتم بانزعاج. "الإنسانة التي تتحدثين عنها تحت التراب منذ أكثر من عشرين سنة و هي لم تكن شيطانة، بل عظيمة." رفع رأسه بفخرٍ و هو يقول هذا.

كلامه جعل قلبها يرتجف من الغضب لدرجة أنها رمت سيجارتها التي لم تتنفس منها سوى القليل على الأرض و تدهس عليها بكل قوة لديها.

للحظة، فكر الرجل أنها ستتهجم عليه و تبدأ بالصراخ. لقد كانت تبدو هادئة عندما رأها قبل قليل لكنه كان يعرف أنها حاولت أن تظهر نفسها هكذا لا أكثر، أنها تتصنع السكينة. المرأة التي أمامه دائمًا كانت شخصًا سريع الانفعال.

إلا أنها لم تفعل ما فكر به و فاجئته بقهقهةٍ هيستيريا. "عظيمة.." قالت بعد لحظات و تظاهرت بأنها تمسح دموع المزاح الوهمية. "ااه، هذه نكتة جيدة."

"سامانثا!" تنهد بحذق. "لم أأتي إلى هنا بعد تسعةٍ عشر سنة كي أناقشكِ عنها. أنا هنا لأترك لكِ أمانة."

نظرت سامانثا إلى وجهه و أزالت الضحكة المتصنعة عن وجهها و أعادت جديتها. "حسنًا، أنا أقبل،" ردت عليه. و هكذا تكون فاجئته للمرة الثانية. لقد وافقت فورًا. لنكن صريحين، كان يظن أنهما سيتعاركان قبل أن تفعل هذا. "تلك الفتاة لن تسامحك عندما تعرف الحقيقة."

عقد حاجبيه و سألها متجاهلًا اخر جملة قالتها: "بهذه البساطة ستوافقين؟"

جملته جعلتها تخرج ضحكةً خفيفةً خاليةً من المشاعر من شفتيها. "مالذي تنتظره ستيورت؟ أن أسألك لماذا أنت ذاهب؟ أن أسألك لماذا لن تعود؟"

بقي ستيورت على صمت لتجيب سامانثا عنه. "أنا لم أكن أراك منذ تسعة عشر سنة و شهر. أنت كالأموات بالنسبة لي. اذهب حيثما تريد لديك طريقٌ طويلٌ للجحيم أخي."

ربما هي حاولت أن تتظاهر بعدم المبالاة لكن بكلامها هذا أبدت له أنها منجرحة، مكسورة و غاضبة. لقد عدت السنين و الشهور. هذا دليلٌ كافي.

و معها الحق بذلك. فكر ستيورت و هو ينظر إلى أخته بهدوء. "شكرًا لكِ." قال دون تردد، متجاهلًا ألمها. "لن أنسى لكِ هذا المعروف."

"أنا لا أفعله لأجلك." ردت بحدة. بعد أن قالت هذا حل الصمت للحظات. نظر ستيورت إلى أخته و رأى بعيناها لمحةً من الألم. و هو كان يعرف، مهما فعل ستبقى موجودة هناك، تعذبه و تعذبها.

أراد أن يعانقها، أن يخبرها أنه يحبها و أنه اسفٌ على كل شيئٍ حدث لكن مالفائدة من هذا و هو يعرف أنه كان سيفعل ما فعله لو عاد إلى الماضي؟

يديه كانوا يريدون التحرك نحوها و لمسها كي يسحبه إلى حضنه إلا أنه رغم هذه الرغبة الكبيرة بقي ثابتًا. لأنه على علمٍ بأنها لن تسمح له، إن سمحت، الألام التي عاشتها لن تسمح و إن سمحت الألام، الذكريات التي في عقلها لن تسمح. لا يوجد أمل. لذلك فعل ما يجب عليه فعله الان، استدار و بدأ بالمشي نحو سيارته.

"لماذا؟" صرخت من خلفه رغم أنها قالت أنها لن تسأله عن شيئ لتجعل ستيورت يتوقف بمكانه بعد أن خطا عدت خطوات. "لماذا لم تتطلب مني السماح أبدًا؟ لماذا لم تحاول هذا؟"

أغمض ستيورت عيناه بحزن بينما شعر بما كأن هناك من يعتصر قلبه. لم تكن تعرف بأنها تصعب الأمر عليه بكلماتها.

أراد أن يقول، "لأنكِ كنتِ ستسامحينني و أنا يا أختي الصغيرة، لا استحق سماحكِ أبدًا." لكنه لم يفعل و أكمل طريقه.

تجاهل ستيورت لسامانثا جعلها تفور من القهر. "لن أسامحك!" صاحت بقوة و نزلت دمعةٌ مليئةٌ باليأس من عينيها. "لن أسامحك أبدًا!"

لقد كانت كاذبة. كلاهما كان يعرفان هذا.
[fieldset=الجانب المظلم]null[/fieldset]

********************

أتمنى أن تكون قد أعجبتكم الرواية كبداية و جذبتكم. ستكون من نوع الدرامي و الغموض و الاكشن. بالطبع سيتواجد الحب.. أحيانًا الضحك الأوقات الجيدة أيضًا لكن محورها سيكون كما قلت درامي.

المقدمة كما لاحظتم قصيرة. الفصل الأول سيكون أطول بكثير.

نشر الفصول سيكون حسب التفاعل.. سنحدد الأيام مع الوقت.

نلتقي بالفصل الأول سيكون عنوانه: (الوداع)

بأذن الله يوم الاثنين أو الثلاثاء.

نلتقي بالفصل الأول بأذن الله.

الرواية حصرية لموقع روايتي



روابط الفصول


المقدمة .. اعلاه

الفصلان الأول والثاني .. بالأسفل







التعديل الأخير تم بواسطة كاردينيا الغوازي ; 23-09-21 الساعة 09:25 PM
همسات الصيف غير متواجد حالياً  
قديم 09-09-21, 07:34 AM   #2

قــــلــــم
 
الصورة الرمزية قــــلــــم

? العضوٌ?ھہ » 491808
?  التسِجيلٌ » Aug 2021
? مشَارَ?اتْي » 2,261
? الًجنِس »
? دولتي » دولتي Egypt
?  نُقآطِيْ » قــــلــــم has a reputation beyond reputeقــــلــــم has a reputation beyond reputeقــــلــــم has a reputation beyond reputeقــــلــــم has a reputation beyond reputeقــــلــــم has a reputation beyond reputeقــــلــــم has a reputation beyond reputeقــــلــــم has a reputation beyond reputeقــــلــــم has a reputation beyond reputeقــــلــــم has a reputation beyond reputeقــــلــــم has a reputation beyond reputeقــــلــــم has a reputation beyond repute
¬» مشروبك   cola
¬» اشجع ahli
افتراضي

وما اروع ان يكون الابداع
بكل هذا الصدق
الاديبه الراقيه أ /












مقدمه مميزه
واسلوب قوي
وتحكم مبهر في الادوات



ان شاء الله اتوقع القادم غموض وتشويق كبير
انا انتظر


كل الشكر والتقدير والاحترام






كان هنا






قلم


قــــلــــم غير متواجد حالياً  
قديم 09-09-21, 12:52 PM   #3

قصص من وحي الاعضاء

اشراف القسم

 
الصورة الرمزية قصص من وحي الاعضاء

? العضوٌ?ھہ » 168130
?  التسِجيلٌ » Apr 2011
? مشَارَ?اتْي » 2,488
?  نُقآطِيْ » قصص من وحي الاعضاء has a reputation beyond reputeقصص من وحي الاعضاء has a reputation beyond reputeقصص من وحي الاعضاء has a reputation beyond reputeقصص من وحي الاعضاء has a reputation beyond reputeقصص من وحي الاعضاء has a reputation beyond reputeقصص من وحي الاعضاء has a reputation beyond reputeقصص من وحي الاعضاء has a reputation beyond reputeقصص من وحي الاعضاء has a reputation beyond reputeقصص من وحي الاعضاء has a reputation beyond reputeقصص من وحي الاعضاء has a reputation beyond reputeقصص من وحي الاعضاء has a reputation beyond repute
افتراضي




اهلاً وسهلاً بك بيننا في منتدى قصص من وحي الأعضاء ان شاء الله تجدين مايرضيك موفقة بإذن الله تعالى ...


للضرورة ارجو منكِ التفضل هنا لمعرفة قوانين المنتدى والتقيد بها
https://www.rewity.com/forum/t285382.html

كما ارجو منك التنبيه عندما تقومين بتنزيل الفصول على هذا الرابط
https://www.rewity.com/forum/t313401.html

رابط لطرح اي استفسار او ملاحظات لديك
https://www.rewity.com/forum/t6466.html


حجم الغلاف رجاءً يكون بمقاس 610 × 790



هل الرواية حصرية لشبكة روايتي الثقافية ام هي غير حصرية؟ الرجاء الإجابة بحصرية او غير حصرية دون اضافات....





واي موضوع له علاقة بروايتك يمكنك ارسال رسالة خاصة لاحدى المشرفات ...

(rontii ، um soso ، كاردينيا الغوازي, rola2065 ، رغيدا ، **منى لطيفي (نصر الدين )** ، ebti )



اشراف وحي الاعضاء




قصص من وحي الاعضاء غير متواجد حالياً  
التوقيع
جروب القسم على الفيسبوك

https://www.facebook.com/groups/491842117836072/

قديم 09-09-21, 03:45 PM   #4

همسات الصيف

? العضوٌ?ھہ » 491515
?  التسِجيلٌ » Aug 2021
? مشَارَ?اتْي » 11
?  نُقآطِيْ » همسات الصيف is on a distinguished road
افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة قصص من وحي الاعضاء مشاهدة المشاركة



اهلاً وسهلاً بك بيننا في منتدى قصص من وحي الأعضاء ان شاء الله تجدين مايرضيك موفقة بإذن الله تعالى ...


للضرورة ارجو منكِ التفضل هنا لمعرفة قوانين المنتدى والتقيد بها
https://www.rewity.com/forum/t285382.html

كما ارجو منك التنبيه عندما تقومين بتنزيل الفصول على هذا الرابط
https://www.rewity.com/forum/t313401.html

رابط لطرح اي استفسار او ملاحظات لديك
https://www.rewity.com/forum/t6466.html


حجم الغلاف رجاءً يكون بمقاس 610 × 790



هل الرواية حصرية لشبكة روايتي الثقافية ام هي غير حصرية؟ الرجاء الإجابة بحصرية او غير حصرية دون اضافات....





واي موضوع له علاقة بروايتك يمكنك ارسال رسالة خاصة لاحدى المشرفات ...

(rontii ، um soso ، كاردينيا الغوازي, rola2065 ، رغيدا ، **منى لطيفي (نصر الدين )** ، ebti )



اشراف وحي الاعضاء


يعطيكم العافية!

الرواية ستكون حصرية لموقع روايتي!

و شكرًا للاهتمام


همسات الصيف غير متواجد حالياً  
قديم 09-09-21, 07:02 PM   #5

همسات الصيف

? العضوٌ?ھہ » 491515
?  التسِجيلٌ » Aug 2021
? مشَارَ?اتْي » 11
?  نُقآطِيْ » همسات الصيف is on a distinguished road
افتراضي

شـكــرًا وبارك الله فيك.. بتمنى تستمتعي بقرأتها

همسات الصيف غير متواجد حالياً  
قديم 14-09-21, 08:46 PM   #6

همسات الصيف

? العضوٌ?ھہ » 491515
?  التسِجيلٌ » Aug 2021
? مشَارَ?اتْي » 11
?  نُقآطِيْ » همسات الصيف is on a distinguished road
New1 الفصل الأول: الوداع

الفصل الأول بعنوان: الوداع


أغاني لسماع الفصل:


التاريخ: 14.03.2018


أبي كان دائمًا يقول لي أننا سنكون سعداء.

أبي كان دائمًا يقول لي أننا سنحظى بالسلام.

أبي كان دائمًا يقول لي أننا سنضحك.

أبي كان دائمًا يقول لي أنه سيأتي ذلك اليوم الذي لن تنزل دموعًا به إلا عندما نكون سعيدين.

لكنني دائمًا كنت أعرف أن أبي كان كاذبًا كبير.

و رغم معرفتي لهذا كنت أدفع هذه الأفكار إلى تلك الزاوية المظلمة في عقلي لأن تصديق الكذبة لطالما كان أسهل من تقبل الواقع.

بالتفكير بهذا. متى كانت البداية؟

عندما كذب أبي علي؟ أم عندما صدقت كذباته؟

ربما البداية تكمن بنقطةٍ بعيدة عن توقعاتي. لا أعرف.

لكنني أستطيع أن أرى، النهاية ربما ليست قريبة إلا أنها عندما ستأتي لن تكون سعيدة.
سعيدة..

ما معنى هذه الكلمة؟

البشر كانوا ينظرون لي، أصدقائي، معلميني، جيراني، معارفي، جميعهم كانوا ينظرون لي و بنظرتهم كان يوجد الكثير لكن هذا الكثير لم يكن جيد. الكثير من السخرية، الكثير من الشماتة، الكثير من الراحة. مشاعرهم كانت قوية لدرجة أنهم لو شرحوها لألموني.. لألموا قبلي.. لألموا روحي و كانوا طعنوني متناسيين أنني أنا أيضًا إنسان و أن الشخص اللذين يريدون أن يعبروا عن كرهه لم يكن أنا.

لأنني أعرف أنه رغم نظرهم إلي هم لم يروني بل كانوا يرونا أبي.

لماذا بين كل هذا الحقد، كل هذا الكره و كل هذا الشر لم أستطيع أن أكرهك يا أبي؟

"روز."

روز. هذا كان اسمي. لقد كان اسم جدتي، والدة أبي لا أعرف بماذا فكر أو لماذا اختاره. هناك خياراتٌ كثيرة، ربما لم يكن قصده من البداية أن يضعه بقصد أن أرثه عن جدتي، ربما هو فقط أحبّه أو ربما العكس.

"روز." تجاهلت صوت لارا مرةً اخرى عن طريق تظاهري بأنني شاردة بتوديع بيتي و هذا جعلها تتنهد بحزن و تبتعد عني لأنها تريد أن تتركني وحدي. لقد كانت تظن أنني أعيش لحظةً خاصةً بي وحدي لهذا فعلت هذا.
لكن أنا لم أكن أودعه بل أردتها أن تظن أنني كذلك. قلبي كان كالحجر و أنا أنظر إلى كل جزءٍ منه، كأنني لست على وشك ترك منزلي الذي عشت به جميع ذكرياتي.

ذكريات..

ربما أنا لا أشعر بشيئ لأن تلك الذكريات لم تكن جيدة.

رفعت نظري إلى السماء الباهتة عندما شعرت بقطرة ماءٍ صغيرةٍ على أنفي. لقد كانت تمطر. هل هذا علامةٌ لحدوث شيئٍ سيئ؟ أم جيد؟ أو أنه مجرد شيئٌ عابر؟

لقد كنت أحب المطر.

شعرت بقطرةٍ اخرى تنزل في وسط عيني اليسرى و هذا جعلني أرمش و أغمضها بسرعة. جعلت رأسي مستقيمًا مرةً اخرى و فركتها بخفة. بعدها سمعت صوت محرك سيارةٍ يقترب إلينا ثم سمعته يختفي ببطئ لذلك عرفت أن الوقت قد حان و هذا جعلني انظر إلى السماء مجددًا. لقد كان المطر يصبح غزيرًا أكثر مما جعلني أصغر عيني كي يصبح كعيوني الأفعى و أركز بالسماء أكثر.

"روز." نادتني لارا. هذه المرة استدرت لها حيث خطت اخر خطوة لتصبح بجانبي. وجهها الذي لا يخلى من المكياج هذه المرة كان شاحبًا و حزين، حول عينيها كان يوجد هالةٌ سوداء و مقيتة، على الأغلب لأنها لم تنم جيدًا منذ أيام، أنفها أصبح أحمرًا من البرد. أو ربما هي بكت قبل أن تأتي و رغم كل هذا، ابتسمت لي و هي تنظر نحوي.

لن تبكي أمامي، لأنها تعرف أنني لن أفعل ذلك. لقد كانت تحاول أن تتظاهر بأن كل شيئٍ بخير، أنها ليست حزينة لأن صديقتها المفضلة على وشك الذهاب، أنها لا تبالي بابتعادي عنها لكنني أعرفها أكثر من نفسها.
ابتسامتها و نظراتها كانت مليئة بالألم كأنها تقول لي 'انظرِ لي، أنا قويةٌ أيضًا، أستطيع أن أتحكم بمشاعري أيضًا لكن روز، هل هناك فائدةٌ من هذا؟'

حركت رأسي من فوق و إلى الأسفل بإيجابية ردًا على هذا لكن لارا لم تفهم لأنها عقدت جاحبيها لثوانٍ على حركتي.

"لقد جاء الشخص الذي أرسلته عمتك كي يأخذكِ." أشرت إلى السيارة التى توقفت أمام منزلي و لوح لي السائق بيده بينما يغلق بابها و هو يخرج منها. رددت له ابتسامته بأدب و نظرت إلى لارا لكن قبل أن أتحدث أنا سبقتني هي. "إذًا، أنتِ ذاهبة.." بصوتها كان يوجد الكثير من الحزن، الكثير من القهر، الكثير من الألم و الكثير و الكثير من المحبة. هذا جعلي قلبي الذي كان فارغًا و أنا أنظر إلى البيت يمتلئه الاشتياق. لقد كان شيئًا مثيرًا للسخرية، اشتقت للارا قبل أن أذهب حتى.

"أجل." تمتمت بهدوء بينما اقترب السائق نحونا و أذن مني أخذ حقيبتي كي يضعها في باكاج السيارة.

"اتصلِ بي عندما تصلين، حسنًا؟" سألتني بهدوء لكنني أستطيع أن أقسم أن صوتها تزلزل بخفة.

"سأفعل." اقتربت منها و سحبتها إلي كي أحضنها. ربما لا أستطيع أن أخرج مشاعري من فمي لكنني أستطيع أن أعبر عنهم. إن كان هناك شخصٌ أنا حزينةٌ لتركه فهذا الشخص بالتأكيد لارا. الوحيدة التي أرى بصدقٍ أنها حزينة لابتعادي عنها. لم أكن مهتمة لأحد، لأولئك الشخص اللذين ينظرونا لي سعيدين بنصرهم من نوافذ بيتهم، أثناء عبورهم، من نوافذ سيارتهم. لم أكن اهتم لهم و لو قليلًا.

شيئٌ غريب. بينما الجميع اليوم سينام مرتاحًا لأنني سأكون قد غادرت هذه البلدة الملعونة لارا ستنام بحزن رغم أنها تعرف ما يعرفونه.

شكرًا لكِ. عانقتها بشدةٍ أكثر كي أعبر عن ما فكرت به و أغمضت عيناي و مسحت على ظهرها بحنين. هذا جعلها تضحك بخفة لكن هذه أيضًا كانت ضحكةً متألمة.

لم أكن متأكدة إن كان ما سأقوله الان سيحدث لكنني قلته على أي حال. "إلى اللقاء لارا." ابتعدت عنها بهدوء و نظرت إلى وجهها. لقد كان أحمر، و عيونها كانت رطبة. أمسكت نفسها كي لا تبكي و هذا كله من أجلي. أعرف، هي فقط لم تردني أن أذهب و أنا قلقة عليها لذلك تمثل القوة. لكنها لا تعرف، أنني سأقلق مهما كان و مهما حدث.

"بالطبع إلى اللقاء رورو."

تظاهرت بأنني انزعجت من اللقب الذي قالته و ألقيت لها نظرةً غاضبة.

"اوه، بالله عليكِ، لن أستطيع قوله لكِ بوجهكِ لفترة طويلة. يحق لي أن أقوله الان." دحرجت عينيها بسخرية لكن بصوتها مجددًا كان يوجد ألم.

"الوداع!" سمعت صوتًا مألوفًا من البعيد القريب و رأيت أحد زملاءي من المدرسة، غاري و هو يبتسم بخبث و هو يقود دراجته دون أن يهمل أن يرفع لي إصبعه المتوسطة. "أيتها الثعلبة الصغيرة!" قال اخر جملةٍ لي وركز على الطريق مبتعدًا عنا. لم أرد عليه و فضلت التظاهر بأنني لم أسمعه لأنني متعودة على هذا و لطالما كانت إيجابتي لجميعهم هي الصمت.

رأيت لارا تدحرج عينيها على فعل غاري و على وشك أن تقول شيئ. على الأغلب شتيمة لكنني منعتها عندما تحدثت. لا داعي أن يطول الوداع لأنه في كل دقيقة يطول يصبح أصعب. "انتبهِ على نفسكِ لارا."
"و أنتِ أيضًا." قالت لي بصوتٍ مرتجف بينما أنا دون أن أقول أي شيئٍ اخر ذهبت إلى السيارة و دخلتها بسرعة دون أن استدير و انظر إلى لارا لأنني أعرف، إذا نظرت إليها ستبكي و ستنهار. أو ربما أن من تختبئ خلف ضعف و حساسيتي صديقتها.

"يمكنك الانطلاق أيها العم." قلت بهدوء، أخرجت سماعاتي و وضعتهم على الهاتف كي أسمع الموسيقى و أسندت وجنتي على زجاج السيارة قاصدةً أن يكون الاتجاه المعاكس الطرف لارا كي أتجنبها قدر المستطاع و أغمضت عيناي حتى لا يتواصلوا مع أي شخصٍ موجود لأنني أعرف. جميع العيون علي، و جميعهم ينتظرون أن أنظر لهم كي يشعروا بنصرهم أكثر. لن أعطيهم الفرصة لهذا.

و الان أنا ذاهبة.. أنا حقًا ذاهبة، دون أن أعرف إن كنت سأعود، دون أن أعرف إن كنت ساستفيد من ذهابي أصلًا.. هل سيفيدك ذهابي أبي؟

لأول مرة، اليوم، في عمري السابعة عشر خرجت من بلدتي الصغيرة فوكس كوست و كل هذا عندما اختفى أبي بشكلٍ مفاجئ -و دون أثر منذ أسبوع. و الان الفضل إليه، لأنني لست راشدة و لأن القريبة الوحيدة التي قبلت أن تأخذ ولاياتي هي عمتي التي حرم أبي ذكر اسمها على لساني منذ أن تعملت كيف أتكلم، باختصار، أنا ذاهبة إلى مكانٍ مجهول. إلى شخصٍ أعرف اسمه فقط.. لا، هو لم ينبهني أبدًا على عدم قول اسمها. بالواقع أنا من منعت نفسي عن هذا لأنني في كل مرة كنت أقوله، في كل مرة أسئله عنها، كان يشرد ثم يضع يديه على عينيه كأنه يحاول أن يخبأ شيئًا ما.

الحزن؟ الغضب؟ الحقد؟ الندم؟ لم استطع تحديد مشاعره أبدًا بتلك اللحظات.. يديه التي تتستر على عينيه هي السبب.

لقد كان لدي أسئلة كثيرة. أبي كان يكره التفكير بها حتى، ألا يجب عليها أن تكون كذلك هي أيضًا؟ أو لا، ربما هي قامت بشيئٍ يغضبه في الماضي و تريد أن تكفر عنه عن طريق الاعتناء بي؟

الإجابة هي فراغٌ كبير. لم يكن لدي فكرة عن السبب. كل ما أعرفه و أنني عندما ركبت السيارة خطوت أول خطوة إلى عالمٍ جديد.

البلدة التي أنا على وشك الذهاب إليها تدعى وينتر ماربل. لم يكن اسمها غريبٍ علي فهي مجاورةٌ لفوكس كوست. المسافة بينهما ساعتين فقط و أبي و عمتي، رغم هذه المسافة القصيرة لم يفكروا أن يكسروا الحاجز الذي كان بينهما طوال تسعة عشر سنة.

لماذا؟

عندها رأيت لافتة ترحب بنا بوينتر ماربل، أزحت عيوني عن الزجاج الذي كنت أحدق من خلاله لمدة ساعتين و نظرت إلى السائق دون أن أنسى إزالة سماعاتي. "أيها العم، كم بقي حتى أصل إلى البيت؟"

"عشرين دقيقة." تمتم بعدها لم يتردد و أكمل: "تشبهين والدكِ أيتها الصغيرة." قال بشكلٍ فجاءي.

عقدت حاجباي. "أتعرف أبي؟"

ابتسم العم السائق ببرودة. أومأ برأسه بشكلٍ إيجابي. "أجل."

شعرت بالغرابة لأنني الان أتحدث مع شخصٍ من ماضي أبي. إن سألته عنه الان أي شيئ قد يسخر مني.. لأنني ابنته، من المفروض أن اعرفه اكثر من أي شخص.. لكن القدر لم يمنحني الفرصة كي أتصرف على هذا النحو.. لأنني للسخرية، أريد أن أعرف عنه أي شيئ من الناس بدل من أن يعرف الناس عنه أي شيئٍ مني.

لطالما كان أبي رجلًا غامض. ما أعرفه عنه عبارةٌ عن ما أظهره لي فقط.

"ما هو اسمك أيها العم؟"

نظر لي من المرآة و أجابني: "نحن سنرى بعضنا في الأيام القادمة لذلك ناديني بجيري."

"حسنًا." لم اعترض. "جيري، كيف تعرف أبي؟ لم يذكر اسمك من قبل."

قولي لهذا جعله يبتسم بشكلٍ ساخر. لا أعرف لماذا لكنني شعرت أنه يوجد معنى خلف ابتسامته. "أراهن أنه ذكر اسم أخته حتى."

صدمت. ألهذه الدرجة يعرف أبي؟ لم أقل شيئ. صمتي أيد كلامه. "لا أعرف ماذا تعرفين عن والدكِ لكننا لم نرى وجهه منذ تسعة عشر عام."

"من أنتم؟" فهم أنني استفسر عن الأشخاص الذي لم يروه لتسعة عشر عام.

"سامانثا، عمتكِ، أنا.." صمت للحظة. أكمل بسخرية: "و كارتر، هل تعرفينه؟ سمعتِ عنه من قبل؟" سأل سؤالًا بدى أنه يعرف إجابته.. بدى كأنه يعرف أنني أجهل الكثير عن أبي. "علاقتي مع والدكِ كانت جيدة لكنها لم تكن حميمة كثيرًا لنكن صريحين.. عكس كارتر.. و عمتكِ بالطبع."

هل سيكون غريبًا إن سألته عنها؟ لدي الفضول.. أريد معرفة من سأواجه بعد قليل.

بكل حال، لم أمسك لساني و قلت ما بداخلي: "سامانثا هاردي.. كيف هي؟"

"أرى أنكِ متوترة.. ربما معكِ حق لأنك ستدخلين إلى عائلة جديدة لكن لكي ترتاحي فسامانثا لا تعض." سخر من خوفي. لم اهتم. لست بشخصٍ يهتم لكلام الناس كثيرًا، هذا شيئٌ تعلمته من الناس نفسهم. "و صدقيني لو لم تكن تريدكِ لرفضت الفكرة منذ البداية. لا أعرف ما هي صورتها بعقلك لكنها ليست شخصًا سيئ."

لا، لم أكن خائفة، و لا متوترة. ما أشعر به كان الفضول فقط. لأن عمتي كانت شخصًا شعرت بالفضول نحوه دائمًا.. من قبل و الان.

لم أسئله أكثر و فضلت الصمت. ساكتشف كل شيئٍ بنفسي على أي حال.

توقفت السيارة عند منزلٍ عادي حديقته كانت خضراء، الورود الملونة تحاوطة لتعطيه منظرًا جميل و دافئ دليلًا على أنهم يعتنون بها جيدًا. البيت من الخارج كان خشبي. لقد كان يبدو قديم لكن اعتناء أصحابه به يجعله يبدو كبقية المنازل.

"لقد وصلنا."

أومأت للمدعو جيري و خرجت من السيارة. لم أمعن النظر به عندما رأيته بفوكس كوست لكنني افعل هذا الان. شعره كان أبيضًا طويل على ما يبدو لأنه قام برفعه على شكل كعكة. ملامح وجهه تدل على أنه بالأربعينات من عمره، عيونه سوداء حالكة و نظراته لي لم تكن مزعجة أو معادية. اتجه نحو الباكاج و فتحه ليأخذ الحقائب منه. كانوا حقيبتين فقط، صغيرتان. لم أريد أخذ أعراضي جميعها كي لا أتعذب بنقلهم عندما أعود إلى فوكس كوست.. عندما يعود أبي بالطبع.

"شكرًا لك." قلت و أنا استلم الحقائب.

أغلق الباكاج بينما سحبت الحقائب خلفي و أنا اتجه نحو المنزل. لم أكن متوترة. في مرحلةٍ ما بحياتي، عندما كنت فتاةً طبيعية، بالطبع كنت أتوتر و أخاف في مواقفٍ كهذه. مثلًا عندما دخلت الابتدائية. استطيع تخيل دقات قلبي تطن بأذني ذلك الوقت.

لكن روز الصغيرة أصبحت غريبةً علي. مع الوقت، أصبح البشر هم من يتوترون عندما يكونون معي.

وقفت أمام الباب و رفعت يدي لأدقه لكن صوت الصراخ من داخل البيت أوقفني.

"لا أصدق أنكم فعلتم هذا!" لقد كان صوت شاب و لقد كان غاضب. "كيف لكم أن تخبروني عن هذا الان؟ الان! بعد أن قمتم بكل شيئ!"

"أولًا، أنا أقوم بما أريده. لا أتذكر أنني شاركتك رأيي من قبل." تحدثت امرأة بصوتٍ بارد و عادي. لو لم تكن قريبة من الباب على الأغلب لم أكل لأسمعه، عكس صوت الشاب، لكنت سمعته لو كان في الطابق الاخر بسبب علوه. "ثانيًا، انظر إلى نفسك و إلى غضبك. إن فكرت في يومٍ ما أن أشاركك قراري سأتراجع بسبب عصبيتك الزائدة."

"أمي!" صرخت فتاةٌ اخرى لكن بهدوء و بحماسٍ قليلًا عكس صوت الشاب الغاضب، "كيف أبدو؟" سألت كأنه لا يوجد عراك، كأن الوضع طبيعي.

"لا أصدق، جوليا تعرف من قبل؟ أخبرتيها هي لكن لم تخبريني؟" تحدث الشاب بانكسار.

"لا تقم بأي دراما الان مارك. روز ستأتي بأي لحظة." تمتمت الفتاة المرحة. إذًا هم يتعاركون بسببي. جيد، بدايةٌ موفقة.

"أعرف، لقد أخبرتني أمي قبل قليل." نبرته كانت ساخرة. "لكنني لست مهتم. أنتم تقومون بخطأٍ كبير."

أستطيع تخمين الأشخاص. المدعو بمارك هو ابن عمتي، التي تحدثت أول مرة هي عمتي نظرًا لصوتها الصارم، الثانية أخمن أنها ابنة عمتي جوليا.

"ستندمون كثيرًا لأنكم قبلتم بابنة ستيورت هنا." فُتح الباب فجأة. هذا جعلني أُنزل يدي و انظر إلى الجسد الضخم الذي يقف أمامي. وجهه كان مستدير بشكلٍ كامل بينما يده على مقود الباب. مازال يتذمر إلى الأشخاص اللذين في البيت بينما هم لاحظوني خلال ثواني. أبعدوا نظرهم عن مارك و حدقوا بي كما أفعل. بفضول، بصدمة و بغرابة.

"سترون كيف ستأتون لي قائلين، أنني محق و..-" توقف عن التكلم للحظة. "إلى ماذا تنظرون؟" استدار هو أيضًا و أول شيئٍ جذب انتباهي به هو عيونه الزرقاء مثل التي تمتلكه أخته تمامًا. لقد كانت عيونهما مميزة و كلاهما يشبهان بعضهما كثيرًا. عمتي أيضًا كانت تمتلك عيونًا زرقاء لكنها كانت غامقةً أكثر.

"من أنتِ؟" تحدث بنبرةٍ منزعجة بينما هطل الثلج بعيونه و استدار لي بشكلٍ كامك ليحجب والدته و أخته عني كليًا.

نظرت له كما نظر لي، ببرودة و وضعت ابتسامةً ساخرة على فمي. "الشخص الذي ستندمون على قدومه إلى هنا." قلت ما خرج من فمه قبل دقائق.

لم يبدي أي ردة فعلٍ على ما قلته، لم يتحرك و بقي على ذاته و هو بشكلٍ واضح يحاول أن يقول أنه لن يسمح لي بالدخول.

هذا جعل ابتسامتي الساخرة تتحول إلى ضحكةٍ ساخرة. فهمت رسالته. يريد أن يشرح لي أنه ليس مرحبًا بي هنا لكنه لا يعرف. أنا لا أهتم. ماذا يظن أنني سأفعل؟ سأغضب؟ سأحزن؟ ستنجرح مشاعري؟ ستنجرح كرامتي؟

لأنه إن كان ينتظر حدوث هذا فهو سينتظر للأبد.

ضحكتي جعلت الثلج الذي كان في عيونه يذوب عن طريق انفجار بركان. لقد كان واضحًا أنه توقع أن أقوم بدراما.

النتيجة:
مارك 0 - روز 1

"مارك! ابتعد!" تذمرت أخته و حاولت دفع جسده لكنها لم تستفيد رغم استخدامها لكامل قواتها. لم يتحرك سنتيمترًا واحدًا حتى. "مارك! لقد قلت ابتعد. أنا انتظر قدومها منذ أسبوع، لا أستطيع التحمل أي دق" حاولت إزاحته مرةً اخرى لكن دون فائدة.

"مارك. ابتعد. الان. لن أكرر كلامي." هذه المرة تدخلت عمتي و تحدثت بصوتٍ لم يكن ثلجًا فقط بل عاصفةً ثلجية.

"اللعنة عليكم." تحدث بغضب على تحذير والدته و دفعني بقوة كي يخرج من المنزل. كنت على وشك أن أقع لكن من حسن حظي أن جيري أمسكني من خلفي.

"أحمق." بربرت جوليا بملل و هي تحدق من خلف أخيها. يبدو أنها معتادة على حركاته الطفولية. بعد لحظات، وضعت عيونها علي، مشت نحوي خطوتين حتى أصبحت أمامي بالضبط و مدت يدها لي. "مرحبًا. ربما تعرفين من قبل لكن لنتعرف بشكلٍ شخصي، أنا جوليا هاردي. ابنة عمتك"

صافحت يدها و بدالتها الابتسامة. "مرحبًا. أنا روز غيبسون. ابنة خالكِ."

"و بالمناسبة، اسفة نيابةً عن أخي. إنه عدوانيٌ مع الجميع." أبعدنا أيدينا عن بعض. نظرت إلى جيري الذي خلفي، ابتسمت له بدفئ: "هاي!"

رفعت مقود إحدى حقائبي بينما سمعت جيري يرد السلام و تمتمت: "لم أتأثر."

"حاولِ ألا تتأثر من أي كلمةٍ يقولوها أبدًا إذًا، لأنه بكل صراحة سيحاول جرح مشاعركِ في كل فرصة تسنح له." اقتربت من حقيبتي الاخرى و رفعت مقودها أيضًا لتسحبها إلى الداخل، حيث كانت عمتي تنتظر قريبًا من الباب.
جاءت عيني بعينيها لكنها لم تقل أي شيئ و أنا أدخل. نظرت إلى ابنتها بهدوء و تحدثت. "ارشدِ روز إلى غرفتها و انزلوا إلى المطبخ كي تأكلوا. الحساء على الطاولة، و المعكرونة بالبشاميل ستصبح جاهزة بعد دقيقتين." بعدها مرت من جانبي، تصرفت كأنني لست موجودة، كأنني شبح لتنادي جيري و تتحدث معه. يبدو أن الشخص الوحيد الذي يرحب بي هي جوليا.

"لا تتأثرِ بأمي أيضًا. لا أحد طبيعيٌ في هذا المنزل.." ضحكت بخفة. "سواي، من حسن حظكِ."
اكتفيت بهز كتفاي بعدم اهتمام.

لحقت جوليا إلى فوق. غرفتي كانت اخر غرفةٍ على اليسار. أدخلت حقيبتي التي ساعدتني بحملها ثم خرجت من الغرفة قائلةً أنها تنتظرني بالأسفل.

بعد أن أغلقت الباب خلفها، سنحت لي الفرصة بأن أتفحص ديكور الغرفة. لقد كان بسيط. الحائط كان أبيضًا متسخ، هذا يدل على أنه لم يقترب أحدٌ من هذه الغرفة منذ مدة لكن أثاثها كان جديد، أستطيع أن ألاحظ من رائحتهم. الأثاث كان عبار عن سريرٍ بجانب النافذة، مما يعني أستطيع تأمل السماء منها و أنا على السرير، طاولةٌ صغيرة بالقرب منه، على الحائط المعاكس يوجد خزانة لباس و على الحائط الذي أمامه طاولةٌ ذو مرآة و سحابات.
سحبت هاتفي من جيبي و أرسلت للارا رسالةً نصية كي اطمئنها أنني وصلت بأمان و سألت عن حالها، بعدها أعدته إلى جيبي مجددًا و نزلت إلى الأسفل. لأكون صريحة لم أكن أريد الطعام، لكن نظرات عمتي الصارمة و الباردة حذرتني بكل وضوح ألا أحاول تحديها. على الأقل ليس الان.

عندما دخلت المطبخ، أول شيئٍ جذبني به هو الباب. بجانب الخزن. جوليا كانت تخرج من الخزانة التي فوقها صحون لكن يبدو أنها تعاني بهذا لأن طولها لم يكن يساعدها على هذا.

"هل يمكنني المساعدة بشيئ؟" سألت بهدوء.

استدارت لي عندما رأتني و لمعت عيناها على اقتراحي. "أنتِ طويلة. أيمكنكِ أن تخرجِ الصحون من الخزانة بينما أخرج أنا الملاعق و الأشواك و الكؤوس؟"

أومأت لها دون أن أقول أي شيئ و اقتربت من الخزانة حيث كانت بينما ابتعدت هي لتقوم بما قالته. بعدها أخرجت البشاميل من الفرن.

بعد أن أصبح كل شيئٍ جاهز، جلسنا أنا و جوليا بطريقةٍ نواجه بعضنا بها. وضع كلٌ من قطعة من الطعام و قامت جوليا بسكب الكولا بكأسي و كأسها. "إذًا.." قطعت قطعةً من البشاميل و نفخت عليها بسبب الدخان الذي يخرج منها. "كيف حالكِ؟"

"جيدة." رددت بهدوء و قمت بما فعلته هي. فرقنا الوحيد أنها فضلت الانتظار قليلًا على قطعتها لتبرد، أنا وضعتها بفمي بعد أن نفخت عليها فورًا.

لقد كانت لذيذة. طعمها كان مميزًا لدرجة أنني شهيتي المسدودة أنفتحت.

"أنا أيضًا جيدة، شكرًا لعدم سؤالك." تحدثت بمزاح. "يبدو أنكِ لا تحبين الحديث." أكلت قطعتها ثم دحرجت عينيها كأن شيئًا خطر على بالها الان. "تذكرينني بشخصٍ ما."

اكتفيت بإيماءة.

"حسنًا أنتِ مختلفة تمامًا عن توقعاتي." تمتمت بسبب ردة فعلي البسيطة.

بلعت لقمتي. "كيف كانت توقعاتك؟" سألت بهدوء دون أن أظهر فضولي بنبرتي.

"شخصٌ حيوي.. طبيعيٌ أكثر على ما اعتقد."

ابتسمت بسخرية. "يجب أن تكون أمالكِ قد تحطمت إذًا."

ضحكت بخفة. "ربما قليلًا. على كل حال، كيف تشعرين الان؟ لا تفهميني خطأ لكن.. أليس الوضع غريب؟ بالنسبة لي، أشعر بالحماس و يبدو أنني الوحيدة التي كانت تنتظر هذه اللحظة.. أعني قدومكِ"
أومأت لها بهدوء.

"أنا أتحدث كثيرًا، أليس كذلك؟ لست هكذا بالعادة، صدقيني.. لكن كما أخبرتكِ.. الحماس." تمتمت و هي تمضغ لقمتها مع ابتسامةٍ بلهاء. لقد كانت تشعر بالحرج و على الأغلب بسبب هدوءي و برودتي وترتها لكنني هكذا دائمًا. يجب أن تتأقلم معي على هذا النحو خلال فترة بقائي عندهم. "متى سيعود خالي لأخذكِ؟ هل تعرفين؟ كم ستبقين هنا؟"

اااه، ليتني أعرف.

لقد كنت متعودة على ذهاب أبي منذ أن كنت صغيرة، دائمًا يتركوني ليذهب جسب قوله ليعمل، لكن هذه أول مرة اضطر بها لمواجهة أنتِ قاصرة لا يجب عليكِ البقاء وحدكِ. مازلت لا أعرف السبب في التحديد لكنني أشك أن مديرة المدرسة هي من دبرت لهذا الأمر.. كيف أتتها الشجاعة لفعل هذا؟

بالضبط هذا أريد معرفته.

عندما يعود أبي سيتحرى الأمر بالتأكيد.

"قريبًا." مع أنني لم أكن متأكدة من كلامي.. لكنه لن يغيب كثيرًا.. على الأقل أتأمل هذا.

تابعنا طعامنا بصمت. جوليا شعرت بأنني لم أكن أريد الحديث أكثر. الشخص الذي أنهى طعامه أولًا كان أنا لذلك نهضت قبلها قائلةً لها أنني ذاهبة لاستريح في الغرفة. لقد كنت متعبة، لكن تعبي لم يكن جسدي. أحداث اليوم كانت ثقيلة. اضطررت أن أترك بلدتي و أودع صديقتي لأول مرة و صدقوني هذا الشعور كان سيئًا كثيرًا. نظرات لارا الحزينة مازالت بذهني و وقوفها أمامي و هي تحاول أن تكون قوية لا يذهب من عقلي. هي الان بكل معنى الكلمة وحيدة لأنها للاسف يتيمة الأبوان. الشخص الوحيد الذي كانت تمتلكه هي أنا.

رميت نفسي على السرير و تنهدت بعمق و أنا أحدق بالحائط. من يدري كيف ستحمي نفسها من الوحوش في فوكس كوست من دوني. الان، في كل مرة سنتحدث، ستبتسم، ستضحك، ستتحدث كأن كل شيئٍ على ما يرام و تختبئ خلف هذا القناع المزيف فقط كي لا تجعلني أقلق بينما هي ستكون في الواقع تحزن، تبكي و تصمت رغم كل ما ستتعرض لها.

لطالما كانت لارا هكذا. هذا هو سبب قلقي.

أخرجت هاتفي من جيبي لأرى إن ردت على رسالتي رغم أنني أعرف أنها لم تفعل. لو فعلت لكنت شعرت بهزته. عندما رأيت أن إشارة التيك لم تصبح زرقاء بعد اتصلت بها لكنها لم ترد علي. ذهبت إلى الرسائل مجددًا و أرسلت لها.

-هل أنتِ بخير؟ (14:44)


********

"روز؟"

فتحت عيوني بانزعاج. هل نمت؟

تثائبت و فركت عيوني ثم نظرت حولي. لقد كنت فور الغطاء في الوضعية التي استلقيت بها عندما دخلت. ما هي الساعة؟ متى أغمضت عيوني حتى؟ اخر شيئٍ أتذكره هو أنني أرسلت رسالةً للارا.

نهضت و جلست على السرير. "تفضلِ."

فتحت جوليا الباب بهدوء. "هل أيقظتكِ؟ اسفة." حكت خلفية رأسها بحرج.

نفيت كلامها و هززت رأسي إلى جانباي. "لا عليكِ. لم أكن أخطط للنوم أصلًا. كم الساعة الان؟"
"السادسة."

لا أصدق. هل نمت لثلاث ساعات؟ استدرت على الفراش و اقتربت إلى النافذة و فتحت الستارة لأرى أن السماء قد أصبحت سوداء بالفعل.

"لماذا تبدين على عجلة من أمركِ؟" سألت جوليا بفضول.

"لست كذلك.. فقط كنت انتظر رسالة و غفيت دون أن أتأكد منها." أخذت هاتفي من فوق الفراش و نظرت إليه بعجلة.

هذه المرة لحسن حظي لارا قد ردت.

-اسفة لأنني تأخرت على الرد، نسيت هاتفي بالغرفة و ذهبت إلى منزل ديانا من أجل مشروع العلوم.
-أنا بخير. ماذا عنكِ؟ (15:30)

مر على ردها ساعتين و نصف.

رفعت رأسي عن الهاتف براحةٍ قليلًا و نظرت إلى جوليا التي كانت تبدو و كأنها تنتظرني أن أنهي أعمالي كي اهتم لها.

"هل كنتِ تريدين شيئ؟"

"لا، فقط جئت لاطمئن عليكِ و أسألكِ إن كنتِ تريدين أن تنزلِ للأسفل كي تجلسِ معنا بدل البقاء وحيدة."
هززت كتفاي. "مارك و عمتي لن يريدوني."

"لماذا تظنين أن أمي لن تريدكِ؟" تنهدت. "انظرِ، لن أكذب. قلت لكِ بالصباح أن مارك لن يتقبلكِ بسهولة لكن أمي ليست كذلك. إنها تعاملكِ بالطريقة ذاتها التي تعامل الجميع بها بما فيهم أنا و أخي.. هي فقط.. هكذا، حسنًا؟ لا تنتظرِ منها الابتسامة بوجهكِ أو التحدث معكِ بمودة و لطافة."

"أنا لا انتظر شيئًا من أحد جوليا لكنني أيضًا لا أريد أن أكون سبب توتر أجواء منزلكم لأنني أعرف أنني الشخص الغريب هنا و أتفهم عدم رغبتهم بي. عمتي و أبي لم يتحدثوا منذ تسعة و عشر سنوات و قدومي المفاجئ إلى هنا غير مريح بالنسبة لكم و لي. لا داعي لجلب التوتر إلى المنزل."

نظرت لي بعدم تصديق. "أنتِ تتحدثين هكذا لأنكِ لا تعرفيهم." تنهدت مجددًا، هذه المرة بخيبة. "لن ألح عليكِ على أي حال لكن أن شعرتِ بالملل، نحن في غرفة المعيشة."

لا أعرفهم؟ لا داعي لأن أعرفهم، كل شيئٍ واضح من تصرفاتهم، حركاتهم و نظراتهم. أنا أتفهم كليًا عدم رغبتهم بي، خاصةً عمتي. هي و أبي لم يكونوا على تواصل منذ تسعة عشر سنة. تسعة سنة.. أعني هذا ليس سهل. و فوق ذلك لا أعرف السبب. ربما الشخص المخطئ كان أبي، ربما قام بخطأٍ لا يمكن أن تسامحه عليه، ربما هي فقط قبلت بي من أجل أن تريح ضميرها. و ربما العكس، ربما هي كانت المخطئة، ربما هي كانت سبب العراك، ربما هي تحاول أن تكفر عن ما فعلته عن طريقي أنا.

هناك الكثير من الاحتمالات و أنا لا أفكر بأن أتعب نفسي بالتفكير بهم. يوجد واقع و يجب علي التأقلم به. العصيان لن يجدي نفعًا.

لم أذهب. مرت الدقائق و الساعات لكنني لم أفكر حتى بالنزول للجلوس معهم و هم يكملون حياتهم الطبيعية. لقد كان الأمر واضح، وجودي غير مرغوب و أنا لن أكون من أولئك البشر المستفزين إن لم اضطر.

في هذه الأثناء تراسلنا أنا و لارا لكن عندما شعرت بالعطش اضطررت أن أنزل إلى المطبخ. لقد كان الطابق السفلي مظلم. سمعت أصواتهم قبل قليل و هم يخبرون بعضهم 'تصبحون على خير' دليلًا على أنه لم يعد هناك أحدٌ بغرفة المعيشة. فقط يوجد ضوءٌ خافتٌ في الممر ليساعد على الرؤية.

أخرجت من الخزانة الفوقية كأسًا ما، ثم وضعته تحت الصنبور لأملئه. بعد أن وصل إلى الحد الذي أريده أغلقته و وضعت الكأس على فمي لأشرب.

عندما انتهيت وضعته على الطاولة و استدرا لأذهب، لكن رؤيتي لجسدٍ غريبٍ أمامي مع الضوء الخافت جعلتني أخاف و أتراجع بشكلٍ لا إرادي للخلف.

نظرت إلى الشخص الأمامي بدقة و أيقنت أنه كان مارك.

"لقد أخفتني." قلت بهدوء و زفرت نفسي براحة.

"هذا واضح." تحدث بنبرة ساخرة ثم كأنني لست موجودة، دفع كتفي مجددًا و مر من جانبي. لقد كان يحاول أن يرسل لي رسالة أنني شبحٌ بالنسبة له.

تجاهلته كما في المرة السابقة و هززت كتفاي بعدم اهتمام لكن فقط عندما استدرت كي أذهب ألمٌ مفاجئ تموج داخل رأسي و أجبرني على إيقاع كأس الماء على الأرض ليتحطم.

وضعت يداي بين رأسي و أغمضت عيناي بشدة.

ماذا يحدث؟

اللعنة ماذا يحدث؟

شعرت و كأن هناك ضوءً قويًا كضوء الكاميرا تغلغل بعقلي كي يريني و يسمعني أشياءً من ذاكرتي.

"أبي؟" نظرت إلى حقيبة السفر التي كانت على سريره و هو يغلقها. لقد كنت متعبة. أنا حتى لا أعرف كيف تحركت.
استدار و نظر لي بعدم تصديق. "لا أصدق كم أنتِ عنيدة. كيف استطعتِ الاستيقاظ مع رهيبنول (منوم ثقيل)؟"


ضغطت على رأسي أكثر و تأرجحت للخلف بسبب ازدياد الألم. لقد كان كأن هناك شخصٌ يعصر عقلي بكل قوته. تأوهت دون إرادة و فتحت عيوني بصعوبة ثم تحركت خطوةً اخرى للخلف لكنني لم أستطع أن أتوازن. قفز مارك إلي و أمسكني قبل أن أقع.

"هاي،" صوته كان مستغربًا بقلق. "مالذي يحدث معكِ؟"

اللعنة! أنا أيضًا لا أعرف. بعدها ظهر ذلك الضوء اللعين بعقلي مجددًا و أخذني إلى شريطٍ اخر. لقد كان و كأنني أشاهد مقتطفاتٍ إعلانية من فلمٍ ما.

"أنا اسفٌ روز، ربما لن تتذكرِ كلماتي لكنني حقًا اسف. سامحيني." شعرت بظهري يتلامس مع الفراش الناعم و أبي يضعني عليه. حاولت أن أفتح عيوني لكن جفوني كانت ثقيلة، حاولت أن أتحدث لكن لساني كان متخدر، حاولت أن أحرك جسدي لكنه كان مشلول.

تأوهت هذه المرة بصوتٍ أعلى. استسلمت خلايا جسدي، فقدت قوتي و أغلقت جفوني على عيناي دون إرادتي لأقع لكن يدا مارك أمسكتني بقوة و ساعدتني على الهبوط على الأرض بشكلٍ مسالم.

"اللعنة." هذه المرة صوته كان مذعور.

"ماذا يحدث؟" ميزت صوت عمتي الصارم و تسرب ضوء المطبخ من جفوني كي يصل إلى عيناي.
"لا أعرف. حدث هذا فجأة."

"يا إلهي." سمعت جوليا تقول بصدمة. "ماذا حدث."

توقفوا عن السؤال. لا أحد يعرف.


شعرت بالألم مجددًا فتأوهت و وضغطت بيداي على رأسي أكثر بينما ظهر الضوء المفاجئ بعقلي مجددًا.
"الوداع.."


الوداع؟ هذه كانت اخر جملة فكرت بها.

بعدها ضحكت الجحيم و بكت الجنة. الملائكة نظروا بخيبة أمل و الشياطين رقصت سعادةً بالنصر.
هذا سيكون التعبير الصحيح لوداع النور و أنت تخاف من الظلام.

********

التاريخ: 15.03.2018

منتصف الليل



لقد كان هناك. مفتاح الذاكرة.

إن تحركت ثلاثة أو أربعة خطوات سأصل إليه و كل شيئٍ سيكون بخير. كوابيسي، مخاوفي، ألامي و أحزاني.. جميعهم سينتهون. لكنني مع ذلك مازلت في مكاني.

أستطيع سماع همسات الملائكة الخافتة تحاول أن تناديني، ينظرون لي بأمل، ينتظرونني أن أخطو إليهم، إلى النور، إلى السعادة.. ربما الأبدية.

لقد كان هناك.

إن كنت أريد الذهاب نحوه أستطيع بكل سهولة، ليس هناك ما يمنعني، لم أكن مقيدة، لم أكن مشلولة، لم يكن هناك شخصٌ يمسكني.. حتى الشياطين لا تحاول. لكنني مع ذلك مازلت في مكاني، بتلك الزاوية المظلمة، أتجاهل رجاء الملائكة و أرفع معنويات الشياطين.

لقد كان هناك. سيظل دائمًا هناك.

و رغم معرفتي لهذا سأظل في مكاني، أغضب الملائكة و أُسعد الشياطين.

لأن هذا ما أنا عليه، جبانة، سيئة و أنانية. إنسانة خُلقت من أجل أن تكون تعيسة و تجعل من حولها كذلك. ربما أنا امتحانٌ لهم أو ربما عقاب، لا أعرف. إن كان هناك شيئٌ واحدٌ واثقة منه فهو أنني لست في هذا العالم لأجل نفسي، بل لأجل غيري. خلقت كي أكون شخصيةً ثانوية في حياة البشر و حياتي أنا.

أول شيئٍ شعرت به عندما عدت إلى وعي كان ألمٌ طفيفٌ برأسي. تأوهت بخفة و فتحت عيوني بصعوبة. لقد كان نظري مشوشًا لثوانٍ لكن مع ذلك استطعت رؤية وجه شخصٍ فوقي.

"و أخيرًا استيقظتِ." تحدثت جوليا براحة. ذهبت و فتحت الباب ثم خرجت و هي تنادي عمتي.

نظرت حولي بالغرفة أحاول أن استوعب أين أنا. كانت غرفتي، مارك كان يجلس على كرسي الذي أمام منضدة الزينة و على الأغلب جوليا كانت جالسة على السرير قبل أن تنهض.

وضعت يدي على رأسي و فركته ثم تجلست. "رأسي يؤلمني."
"هل تتذكرين ما حدث؟"

نظرت إلى مارك عندما سمعت سؤاله. "لا." أجل.

"بقيت تتأوهين و أنتِ تمسكين برأسكِ بعدها أغمى عليكِ." شرح لي ما أعرفه. "أنت هكذا 4 ساعات، الشمس على وشك أن تشرق. بهذه الأثناء الطبيب جاء و فحصكِ. قال أنه من التعب." لعق شفاهه، نهض من مكانه و اقترب مني. أمال جسده إلي ليصبح وجهه قريبًا إلى وجهي. "لكنني لا أصدق."

أبقيت ملامحي صارمة رغم أنني أردت أن أكشر بسبب الألم الذي بداخل رأسي الان.

"هذا لأننا لم نخبره أنكِ بدأتِ تتأوهين كالمجنونة و تبربرين بكلامٍ غريب" صغر عينيه. هل كنت أتحدث بالواقع بينما كنت ضائعة في ذكرياتي؟

"أنا لا أثق بكِ و لا أصدق أن ستيوارت اختفى فجأة و لست مقتنعًا أنكِ جئتِ إلى هنا فقط لأنكِ قاصرة لا تمتلك أحدًا سوى عمتها.." ارتسمت على فمه ابتسامةٌ ساخرة. "بالنهاية أنتِ ابنة مجرم."

هذه المرة عقدت حاجباي باستغراب رغم أنني حاولت أن أبقي ملامحي ثابتة لأن الجملة التي خرجت من فمه كانت.. مزعجة.. و مخيفة لكن.. هو لا يعرف أنني سمعتها كثيرًا و أنني تأقلمت.

نظرت إلى عيونه الزرقاء بتحدي. هل يظن أنني انزعجت؟ غبي.

مررت بالكثير و أخذت درسي.. و على كلٍ لنفترض أنني خفت أو توترت مثلًا، في اللحظة التي تظهر بها خوفك، ستنقض عليك الشياطين دون رحمة. لذلك لن أظهر له أي ردة فعل. البرود هو قناعي المفضل.

"تظن أنك تخيفني.." قلت بعد مدةٍ من الصمت. "تظن أن كلامك سيؤثر بي و أنني سأبقى أفكر به
بعد أن تذهب.." صغرت عيناي و قربت وجهي إلى وجهه أكثر. "تظن أنك تشوش عقلي.. تظن أن تهديد عيناك الزرقاء يؤثر بي." وضعت ابتسامةً ساخرة على وجهي. "برأيي يجب عليك أن تخرج من وهمك و تمسح تلك الصورة التي تمتلكها لي بعقلك لأنني لست تلك الفتاة."

لم يتحدث، ملامحه كانت جدية و عيونه الزرقاء كانت صارمة. هل أخبره أحدٌ أن عيونه عميقة بشكلٍ مزعج؟ كأن هناك مخلوقٌ سيئ يعيش بداخلها.

"عيناي..." صمت لثوانٍ. "عليكِ ابنة خالي." شكل السبابة و الوسطى كحرف V و أشر بها إلى داخل عيناه ثم علي.

فقط عندما كنت على وشك الرد دخلت جوليا و خلفها عمتي. "انظرِ، تبدو..-" توقفت عن الحديث عندما رأت حالنا أنا و مارك. عقدت حاجبيها و سألت باستغراب. "هل نقاطع شيئ؟"

أزال مارك نظراته عني ببطئ و حدق بأخته بابتسامة متصنعة. "لا، فقط كنا نتحدث." نهدد بعضنا إن صح الكلام.

"حسنًا.." قالت جوليا بطريقةٍ تؤكد أنها لم تقتنع و شابكت يداها إلى صدرها ثم كررت كلامها الذي كانت ستقوله عندما دخلت. "انظرِ تبدو بخيرٍ أمي."

تجاهلت عمتي كلام ابنتها و اقتربت مني بهدوء و دقة. لقد كانت مثل مارك بالضبط. كلاهما يتصرفون بحذر كأن هناك شيئٌ يعرفانه يردعهما من الارتياح حولي، عكس جوليا، الشخص الوحيد الذي يتصرف معي بطبيعية منذ ساعات عندما وصلت. و ربما انهياري و بربرتي في تلك الحالة جعل شكهما يزيد.

"الوادع."

انفجرت هذه الكلمة بعقلي فجأة و الذي جعل بقايا ألمي تزداد قليلًا في طرفي الأيسر. أغمضت عيناي بشدة و وضعت يدي اليسرى على رأسي و أملته إلى طرف اليسار.

الوداع.

تذكري جعلني أنسى من حولي و أركز على هذه الكلمة.

هناك أمرٌ خاطئ، هناك مشكلة و هناك شيئٌ سيئ. أبي لم يقل هذه الكلمة لي أبدًا.. أبدًا. طوال عمري لم أسمعه يوجهها لي. عندما أذهب إلى المدرسة، عندما يغيب من أجل عمله، عندما أخرج من المنزل، عندما نعرف أننا سنفترق، لم يقلها أبدًا. ربما إلى اللقاء أو أراكِ لاحقًا لكن ليس الوداع.

البعض قد يظن أنني أبالغ و أن هذه الكلمة عادية لكن ليس بالنسبة لي و بالتأكيد ليس بالنسبة لأبي. هو أثبت لي هذا بشكلٍ واضح. هو من علمني عدم قولها، لكن رغم ذلك قالها.

لماذا؟

إن ودعني، فهذا يعني أنه حل كل شيئٍ قبل أن يذهب. يجب أن يكون قد تأكد من أنني لن أبقى وحيدة. أبي لا يتحرك دون خطة. بالتأكيد فكر بكل هذا، هو شخصٌ ذكي.

"أنا اسفٌ روز، ربما لن تتذكرِ كلماتي لكنني حقًا اسف. سامحيني."


اسف؟


ستيورت غيبسون لا يعتذر. لأنه حسب كلامه لا يخطأ.. لكنه اعتذر مني. ماذا أخطأ؟ ماذا ارتكب؟
ماذا حاول قوله بتلك الكلمات؟

يوجد شيئ.. فكرة مزعجة تجعلني اغتاظ و انزعج. هي أنني مهما حاولت سيبقى هناك جزءً من أبي لن أعرفه. في كل مرة أقول أنه لم يعد هناك شيئٌ أجهله عنه و أنه لم يعد قادرًا على صدمتي يفاجأني بشيئٍ جديد و أخسر الرهان الذي عقدته مع نفسي.

و الان أنا أيقن هذا أكثر. مهما ظننت أنني أعرفه سيبقى يمتلك جزءً خفيًا لن أخمنه. جزءً مظلمًا لم أحذره.. سأبقى محجوزة داخل تلك الغابة الموحشة في عقلي و سيبقى أبي ينظر لي من بعيد و أنا أعاني. لن يمد لي يد العون و لن يضحي بنفسه كي يدخل إليها و ينقذني.

هذه الأفكار تحطمني، هذه الأفكار تخيفني..

هذه الأفكار تقتلني.

و للاسف لا يوجد أي حل.

"ماذا الان؟ هل سيغمى عليكِ مجددًا؟" سأل مارك بسخرية و دحرج عينيه بملل. لقد كان يسخر مني، من ضعفي، مما أعيشه ، دون أن يعرف مالذي يدور بداخلي. مشاعره الكارهة نحوي تمنعه عن رؤية أنني بألمٍ رهيبٍ الان و أنني حاليًا أواجه خيبة أملي التي تسبب بها أبي.

مارك هاردي يتصرف بقسوة معي.

لكنه لا يعرف، هذا لن يجدي نفع. مهما فعل، لن يؤثر بي. لا أحد لديه القدرة على هذا سوى ستيورت غيبسون.
مهما فعلت، سيبقى الشخص الوحيد الذي يجعل مشاعري تهيج كالفياضانات. مثلًا الان. و المضحك بالأمر أنه ليس موجودًا حتى.

"توقف عن التصرف بلئم مارك." تمتمت جوليا بانزعاج. "برأيي اذهب إلى الأجنحة المنكسرة و أزعج من هناك بدل إفراغِ غضبك على روز. هي ليست مذنبة بأي شيئ."

"أنا لا أزعجها، فقط أحذرها." قال ببرودة و ألقى نظرةً باردة إلي لكنني لم أهتم و أبعدت يدي عن رأسي عندما خف ألمي.

دحرجت جوليا عينيها. "ألم تسمع ما أقوله؟ اذهب إلى ذلك المكان اللعين و أفعل ما تريد بمن هناك أيها الطفل المتذمر."

"لا تتحدثِ معي هكذا، أنا أخوكِ الكبير." نبرته كانت صارمة و منزعجة.

"اوه حقًا؟ أخي الكبير؟ لماذا أشعر بالعكس؟"سألت سؤالًا على الأغلب تعرف أنها لن تسمع إجابته فهي فقط كانت تحاول أن تستفز مارك. هذا واضح.

نظرت إلى عمتي نظرةً خاطفة. لقد كانت تقف قريبةً من جانبي، أعرف، هي كانت على وشك أن تتحدث عندما دخل الألم المزعج إلى عقلي لكن الان كانت عينيها على أولادها. تراقبهم بهدوء و بنفس الوقت بدقة، كأنها مستعدة للتدخل بأي لحظة إن تعدو خطها الأحمر.

"ماذا تنتظر؟" نظرت بعصبيه نحو الباب ثم رفعت يدها و لوحت له باستفزاز. "إلى اللقاء مارك."

بدى مارك كأنه سيقول شيئًا ما لكنه فجأة، نظر إلى جوليا نظرةً قلقة جعلته يتنفس بعمق كي يهدأ نفسه و يتحدث بهدوء. "أكره أنكِ تفوزين دائمًا في كل عراكٍ لنا." خطى نحوها حتى أصبح بقربها. "أنا كنت ذاهبًا على كل حال، إلى اللقاء." مد يده إلى إحدى وجنتيها و شكلها كالمقص ثم قرصها و خرج.

ابتسمت جوليا ابتسامةً النصر لكنها لم تكن تبدو سعيدة به. ملامحها الحيوية و الصارمة قبل قليل أصبحت هادئة و حزينة.

ما حدث قبل قليل كان شيئًا فهمه الجميع سواي أنا. لقد كان كلٌ من مارك و جوليا على وشك العراك قبل دقيقة لكن فجأة، تغيرت جميع مشاعرهم و هطل المطر على النار المشتعلة كي يطفأها خلال لمح البصر.

لحظةٌ غريبة. ربما ليس لهم لكن بالتأكيد لي أنا.

نظرت لي جوليا بينما عادت ابتسامتها إلى طبيعتها. "قلت لكِ من قبل. سيفعل المستحيل كي يزعجكِ."
إجابتي كانت الصمت.

"هل أصبحتِ أفضل الان؟" هذا السؤال كان موجهًا من عمتي. لأول مرة تحدثت معي. نبرتها كانت صارمة، باردة، مستقيمة و ثابتة. لم تكن غاضبة مثل مارك لكنها كانت حذرة مثلها.

"أجل." أومأت لها بهدوء.

هل ستقول شيئًا يصدمني عن أبي؟ أريد أن أعرف كي أحضر نفسي. لا أظن أنني قد أتحمل خيبة أملٍ اخرى حاليًا. ربما لاحقًا لكن ليس و أنا متشوشة هكذا فأنا متعودة على الخيبة التي تأتي منه.

شابكت يديها إلى صدرها و أمالت نفسها كي يصبح وجهها قريبًا من وجهي. شعرت بالديجافو لأنني عشت هذه اللحظة قبل قليل مع مارك.

جزءٌ مني يقول أنها قد تقول لي شيئًا جارح، لكن جزءٌ اخر يخبرني أنها ليست كابنها. بالحالتين يبدو أنها ستقول شيئًا ما، إن كان استفزازي أو عادي.

"عيناكِ.." همست و هي تنظر إليهم بدقة. لقد كانت كأنها غرقت.. بماذا؟ بماضيها، بذكرياتها، بألامها و أحزانها. "تشبهها."

من تقصد؟

"أقصد أنكِ تشبهين ايلينا."

أمي.

الجميع يخبرني بهذا. و بالجميع أقصد أبي فقط.. لأنه من الذين كانوا حولي، الوحيد الذي عرفها.

"لكن ملامحكِ.." قالت و هي تتمعن النظر إلي. "أنتِ تشبهين والدكِ بها." و للحظة. للحظة صغيرة فقط، ارتجفت شفاهها. أو ربما أنا تخيلتها لأنها كانت قصيرةً جدًا.

"أنتِ أول شخصٍ يشبهني لأبي."

كلامي جعل ابتسامةً هادئة ترتسم على وجهها البارد. هل قلت شيئًا مضحك؟

لا أظن هذا. إذًا لماذا تبتسم هذه الابتسامة الغريبة؟

ليس لدي أدنى فكرة.

"Quando arriva il mostro, questo significa che le campane di guerra hanno suonato تحدثت." بلغةٍ اخرى و استقامت لتبعد وجهها عن وجهي. قالت الجملة ذاتها، استطعت تميزها من الكلمات المألوفة التي خرجت من فمها.

عقدت حاجباي. "ماذا تقصدين؟"

"Non sei il mostro. Posso vederlo." تحدثت بصوتٍ واثق بعدها أكملت بصوتٍ حذر. لكن هذه المرة ليس مني، لا أعرف لماذا صدقت هذا إلا أنني شعرت أنه لم يكن مني. "Ma il mostro ti sta cercando."

انتظرت ثوانٍ، لعلها تترجم ما تقوله لكنها لم تفعل، بدلًا من ذلك، استدارت لتذهب.

"لم تكونِ مضطرة لقبولي هنا. لماذا وافقتِ؟" سألتها بانفعال قبل أن تخرج من الغرفة. لم أكن أحاول فعل أي دراما أو مشكلة. فقط أحاول أن أبحث عن إجابة. يحق لي معرفة هذا على الأقل.

استدرات إلي مجددًا و نظرت لي بعيونها الجليدية مجددًا. "لأنني أردت هذا."

لعقت شفاهي و صغرت عيوني بحذر. "لماذا؟ لماذا قبلتِ بابنة ذلك الشخص الذي لم تتواصلي معه منذ تسعة عشر سنة؟"

"تسعة عشر سنة و شهر."

"ماذا؟" عقدت حاجباي.

"ليست تسعة عشر سنة بل تسعة عشر سنة و شهر."

دحرجت عيناي. "هل هذا مهم الان؟" لم ترد مما جعلني أكرر سؤالي. "لماذا قبلتِ بي؟"

"لأنني. أردت. هذا." قالت الكلمات واحدةً واحدة، بصرامة و بنبرةٍ ثابتة. لم أكن أحاول استفزازها لكن أليس من المفروض أن يكون ضغطي عليها بالأسئلة مزعج؟ لأنها لا تتصرف على هذا النحو. كانت هادئة، حاولت البحث على علامةٍ للتوتر أو أي شيئ يعطيني إشارة أنها تحاول إخفاء شيئٍ خلف كلماتها البسيطة لكن كل ما كان موجود هو الملامح الحادة و القوية.

"ما هي تلك اللغة التي تحدثتِ بها قبل قليل؟"

"الإيطالية." أخبرتني.

على الأقل أجابت هذه المرة بوضوح.


"ماذا قلتِ بها؟"

هزت رأسها إلى جوانبها. "لن تفهمِ."

"جربيني." قلت بتحدي. هذا جعلها تبتسم بخفة. بشكلٍ مفاجئ، لم تكن ساخرة بل طبيعية و عادية لكنها لم تدم سوى للحظةٍ قصيرة. "عقلكِ لن يستوعبها، لأنكِ بعيدة كثيرًا. بعيدة أكثر مما توقعين."

تنهدت بانزعاج. لأول مرة منذ أن جئت شعرت بالغضب. لقد كان كلامها يستفزني. "توقفِ عن التحدث بغموض. فقط أخبريني بوضوح. أنتِ لا تعرفينني حتى تقررِ أنني لن أفهم."

هزت رأسها و استدارت لتذهب مجددًا. "يجب عليكِ الارتياح الان. لا التفكير بكلامي." بعدها تحركت لتذهب لكنني أوقفتها كما فعلت قبل دقائق. بما أنه لا يوجد نيةٌ لها بأن تجيب أسئلتي إذًا سأقول ما أفكر به. "لو أردتني أن ارتاح لما تحدثتِ بلغةٍ اخرى و ترجمتِ ما قلتيه." قلت بتحدي. "لست حمقاء. أولًا ابنكِ و الان أنتِ. كلاكما تحاولان الضغط علي." أكملت بصوتٍ واثق. "قلتِ أنه يجب علي أن ارتاح لكنكِ تعرفين أنني لن أفعل ذلك. ليس بعد ما حدث بالمطبخ و ليس بعد أن قمتِ بالتلميح عن شيئٍ تعرفين أنه سيبقى يلعب بعقلي. مالذي تحاولين فعله سامانثا؟"

ا
الجو الهادئ بيننا أصبح مليئًا بشحنات الكهرباء بعد أن قلت لها ما بعقلي لدرجة أنه لو تلاقت عيناي مع عيون عمتي قد تحدث صاعقة تسبب لكلانا العمى. لم يمضي على قدومي سوى ساعات. ساعاتٍ فقط. لكن عمتي و مارك يتعاملون معي كأنني شيطانٌ قد يشعل فتنة كبيرة أو ساحرةٌ قد جاءت لتقوم بلعنة مشؤومة. ربما في البداية ظننت أنهما فقط لا يتقبلانني لأنني ابنة أبي لكن الان أنا مترددة بهذا الشأن. هما يعرفان شيئ. لا أعرف ما هو أو عن ماذا. هناك الكثير من الاحتمالات بعقلي. ما أنا على ثقةٍ منه هو أن هذا الشيئ يزعجهما و يقلقهما. مهما حاولا التصرف كأن الوضع عبارةً عن أنه فقط عدم التقبل بسبب عراك عمتي و أبي لن انخدع. هما يستخفان بي كثيرًا. لأنني بكل وضوح أستطيع أن أرى أن هناك المزيد. لست عمياء و بالتأكيد لست حمقاء.
لم تقل شيئ لكنني أستطيع أن أرى أن كلامي لم يكن متوقع النسبة لها. لم أرى ردة فعلها لأنها كانت مستديرة إلى الباب إلا أن تشنج جسدها يثبت لي أنني لعبت بالكلمات بشكلٍ صحيح.

أردت أن يخرج من فمها جملة.. كلمة.. حرف، إلا أنها ذهبت و تركتني دون رد. لقد هربت.. و هي لم تحاول أن تخفي هذا حتى.

سامانثا هاردي فعلت مثل ابنها. تصرفت بقسوة عندما تركتني دون إجابة. لكنها لا تعرف، هذا لن يجدي نفع. مهما فعلت، لن تؤثر بي. لا أحد لديه القدرة على هذا سوى ستيورت غيبسون.

مهما فعلت، سيبقى الشخص الوحيد الذي يجعل مشاعري تهيج كالفياضانات. مثلًا الان، عندما أيقنت أنه لم يعد يراقبني من بعيد. أرسل رسالةً مع طيور الغابة ليودعني و تركني هناك في الظلام وحدي، رغم أنه يعرف أنه أكبر مخاوفي.

أبي كان خيبة أملي.

و أنا كنت أكبر أعدائي.

ربما لهذا السبب الشياطين لم يهمسوا لي أبدً، ربما لهذا لم يحاولوا أن يحطموني و لا حتى مرة، ربما لهذا كنت أرى الملائكة تبكي و تشكي. لأنهم عرفوا أنني أنا من سأدمر نفسي.

لم يكن هناك بشريٌ ليس أناني. جميعهم كذلك، هكذا خلقوا و هكذا بقوا و عاشوا. لم يحاولوا أن يتغيروا لأنهم لم يروا أن أنانيتهم مشكلة و هذا صحيح. هي لم تكن كذلك. المشكلة كانت الطرق بالحصول على ما يريدونه كي يشبعوا أنفسهم.

البشر أنانيون. هكذا خلقوا، هكذا بقوا و هكذا عاشوا. من المستحيل أن تتغير قاعدتهم و لأنها لن تتغير، طرقهم أيضًا لن تفعل.

البشر أنانيون. هكذا خلقوا، هكذا بقوا و هكذا عاشوا لهذا هم مثيرون للشفقة. لهذا أبي مثيرٌ للشفقة. لهذا أنا مثيرة للشفقة.

كنت أعلم هذا طوال الوقت لكنني ألاحظه الان. قدومي إلى العالم كان أول خطوةٍ لأنانيتي و تصديقي لكل كلمةٍ قالها أبي في كل مرة رغم أنني أعرف أنه يكذب كانت أسوء أنانيةٍ لي.

الجميع من أجل أن يرضي أنانيته سيدفع ثمنًا ما.. أثمانًا ما.

أول ثمنٍ دفعته كان عمري عشر سنوات.

ثاني ثمنٍ أدفعه الان، بعمري السابعة عشر.

في كلتاهما أُخذ مني شيئ.

الأولى طفولتي.

و الثانية أملي.

أيهما أسوء؟

أنك تعرف أنه عندما تنظر إلى الوراء فقط سترى الشياطين و هي تعذب برائتك؟
أو عندما يجب عليك أن تتأمل عقلك سيدمر مشاعرك؟

لا أستطيع أن أقرر.

و المضحك بهذا أن رغم كل شيئ مازلت أريد تصديق كذبات أبي. مازلت أريد أن أصدق أنه لم يكن ليتركني لأتعذب. مازلت أريد أن أصدقه بكل حرف، بكل كلمة و كل جملة. و أنا سأفعل هذا. سأصدق كذباته المؤلمة حتى أفقد القدرة على ذلك.

ربما هو لم يودعني، ربما عقلي اخترع هذا الوهم. ربما أنا بكابوس.

"أعرف أنكِ لن تصدقيني بعد كل ما حدث الان.." تحدثت جوليا بهدوء. للحظة نسيت وجودها بالغرفة أصلًا لأنها طوال حديثينا لم تتدخل أو تعلق على أي شيئ عكس تصرفها عندما كان مارك هو الشخص الذي كان يتكلم معي. "لكن أمي لم تكن تحاول جرحكِ. حاولِ أن تمسحِ هذا من عقلكِ."

إذًا لماذا هي حذرة حولي مثل مارك؟ ما هو ذلك الشيئ الذي يدفعهما للتعامل معي بهذه الطريقة؟
"لست مهتمة إن كانا كذلك. قلت لكِ هذا من قبل." تنهدت. "فقط..-" تراجعت عن سؤالي لأنني لم أريد أن أسأل شيئًا أعرف أنني لن أتلقى إجابةً له. سامانثا والدتها و مارك أخوها. ربما هي الشخص الوحيدة الذي يعاملني الطبيعية لكنها ستكون بطرفهم مهما حدث. "أيمكنكِ تركِ وحدي؟ أريد أن ارتاح. مازلت أشعر بأن هناك عشرات الأجراس ترن داخل رأسي."

بعيون جوليا، رأيت الكثير الذي أرادت أن تقوله لكن جملتي منعتها و هي لم تلح علي أكثر. أومأت بهدوءٍ و خرجت من الغرفة لتتركني وحدي.

مع أسئلتي و أفكاري اللذين سيمنعونني من النوم.

استلقيت على السرير مجددًا و أغمضت عيناي.

لقد حظيت بلحظاتٍ كثيرة كهذه. أن أفكر، أسأل و أبحث عن إجابات لأركب و أشابك كل شيئٍ بعقلي. وحدي، دون أي شخص لأنني أعرف رغم وجود أبي و رغم وجود لارا، من كان يفهمني أكثر كان أنا، نفسي.

لكن هذا لا يمنع أنني أحيانًا قليلة أتمنى لو كان يوجد شخصٌ مثلي أو ربما أنا اخرى لأتحدث و أقول ما في بالي بصوتٍ عالي و لأسمع الرد بأذني بدلًا من أن أسمع بخيالي.

الان، كالعادة أنا غارقة في عقلي، لا أستطيع التنفس لأني داخل البحر الذي في داخله، لا أستطيع الخروج منه لأنني في أعماقه، لا أستطيع أن أسبح حتى أخرج منه لأني ضعيفة. أنا مضطرة لأن أتحمل الألم. بالطبع قوله سهل لكن هل فكرتم كم هو سيئٌ أن تبقى مختنقًا لساعات؟ أو لأيامٍ و أشهر؟ أو ربما سنوات؟

لأن هذا ما أعيشه. و أريد ان أقول لكم أنه ألمٌ كبير لدرجة أنني أتسأل إن كان الاختناق أحد عواقب الجحيم.
"لو كنتِ قويةً كفاية، لاستطعتِ الخروج من البحر الذي ملئتيه بعقلكِ." سمعت أحدًا يهمس، ربما شيطان أو ملاك و ربما هذا صوت مشاعري تعاتبني.

لقد كانت هذه الجملة صحيحة. صحيحةٌ جدًا. أنا من ملئت هذا البحر و أنا من غصت داخله و سبحت به. غصت إلى أقصاه كالحمقاء دون التفكير بأن النفس الذي برئتاي انتهى. الان أنا فقط أدفع ثمن أخطاءي كما في كل مرة، ليس هناك شيئٌ جديد.

تنهدت و خبأت وجهي بيداي.

أغمض عيناك، هل ستستطيع الرؤية؟

سد أذناك، هل ستستطيع السمع؟

أغلق فمك، هل ستستطيع التكلم؟

أوقف قلبك، هل ستستطيع العيش؟

أقتل روحك، هل ستستطيع أن تشعر؟

هل ستستطيع أن تعيش؟

الإجابة هي لا. بالنسبة للبشر الاخرين.

عيوني الان مغمضة، أذناي مسدودين، فمي مغلق، قلبي لا يعمل، روحي ميتة و مع ذلك مازلت هنا، مازلت أرى، مازلت أسمع، مازلت أتحدث، مازال قلبي يدق و مازلت أشعر. لكن هذا سيئ، هذا بشع، هذا مخيف. لأن فعل جميع هؤلاء و أنا ساكنة فقط يذكرني بأنني ميتةٌ على قيد الحياة. يذكرني بأنني روحٌ جريحة، لا يوجد من ينقذني و يعالج روحي و لا يوجد من يخلصني و يقتلني لينهي عذابي.

كأنني في الأعراف.

ربما لن تفهموني لكن العيش مع بشرٍ تدب فيهم الحياة بينما أنا من الأموات الذي تم فرض الحياة عليهم يجعل روحي الضعيفة تصبح ضعيفةً أكثر.

هذا يجعلني أتسأل. الأموات لا يعيشون لأنفسهم. أنا من أجل من، من أجل ماذا أعيش؟

من أجل أن أكون بلاءً لأبي؟ أم عقابًا لأنني كنت سبب موت أمي؟ أم ربما من أجل شيئٍ اخر لا أعرفه؟

الجهل صعبٌ جدًا. و أنا أعيش في وسطه.

أبي قال لي الوداع لأول مرة.

و الأسوء من هذا أنني لو لم استيقظ من العلاج الذي أعطاني إياه على الأغلب لم يكن ليودعني حتى. لكان دفعني لداخل المجهول المظلم أكثر و تركني هناك وحدي.

شعرت بحرقةٍ في حلقي.

هل خططه أهم مني؟ هل خططه أهم من ابنته؟

بعد أن سألت هذا السؤال سخرت من نفسي. منذ متى أسأل أشياءً أعرف إجابتها؟

ستيورت غيبسون تخلى عني لأول مرة و اخر مرة في حياتي و في حياته.

ستيورت غيبسون أعلن لي أنني أصبحت وحدي.

ستيورت غيبسون ذهب دون عودة.

"الوداع." تذكرت كلمته. شعرت بدموعي تكافح كي تنزل لكنني منعتها كالعادة لأن روز غيبسون لا يحق لها البكاء بينما قلبها ينزف من الحزن، روز غيبسون يجب أن تكون قوية و ثابتة مهما كان الأمر كبير و مهما كان الألم قوي لأن روز غيبسون ميتةً على قيد الحياة.

********

عندما سطعت الشمس كنت على ذات الوضعية. مستلقية دون أي حركة و يداي تغطي وجهي الشاحب. عيناي مغمضة، جسدي متعب، قلبي متألم و عقلي يفكر دون توقف.

مازلت في أعماق البحر، مازلت اختنق، مازلت أتألم و أعاني. لو كان لدي القوة لخرجت لكنني ضعيفة و بعد أن ودعت أبي أنا أيضًا، جاء شبحه و وضع مرساةً فوقي كي تمنعني عن الحركة.

جوليا بهذه الأثناء دقت باب غرفتي مرتين، قالت كلماتٍ و جملٍ كثيرة لكنني تجاهلتها. بعد فترةٍ اخرى دقت للمرة الثالثة، إلا أنها لم تقل أي شيئًا، تنهدت و خرجت.

و مازلت في أعماق البحر، مازلت اختنق، مازلت أتألم و أعاني. لو كان لدي القوة لخرجت لكنني ضعيفة و بعد أن ودعت أبي أنا أيضًا، بدأت استوعب أنه لطالما كان الشخص الذي يدفعني للغرق، لم يحاول أن ينقذني أبدًا.

فتحت جوليا الباب هذه المرة دون أن تقرعه، اقتربت مني و سألتني إن كنتُ بخير بينما أنا تجاهلتها كما فعلت في المرات السابقة و لم أغير أي شيئٍ بوضعيتي. وضعت جوليا يدها على يداي و بربرت بهلع أنهما متجمدتان.
أبعدتهما عن وجهي بسهولة رغم أنني حاولت أن أمنعها ثم شعرت بيدها على جبهتي. هذه المرة صرخت لعمتي، "أمي."

يا لها من كلمةٍ دافئة.

أنا لم أسمح لتلك المرأة أن تسمعها مني و منعت نفسي عن قولها لها لأنني كنت الشخص الذي قتلها.

سمعت بعد أقل من دقيقة صوت خطواتٍ تقترب بعدها سمعت صوت عمتي تسأل جوليا عن سبب صراخها و ما خطبي.

و مازلت في أعماق البحر، مازلت اختنق، مازلت أتألم و أعاني. لو كان لدي القوة لخرجت لكنني ضعيفة و بعد أن ودعت أبي أنا أيضًا، اكتشفت كم أن الوداع مؤلم و فظيع.


"حرارتها مرتفعة كأنها بركان على وشك الفوران." قالت جوليا بقلق. "في بادئ الأمر ظننت أنها نائمة لكن عندما رأيت جسدها يرتجف اقتربت و لمستها. يداها متجمدتان و جبهتها كالنيران."

هل كنت ارتجف حقًا؟ أنا نفسي لم ألاحظ هذا حتى.


مازلت في أعماق البحر، مازلت اختنق، مازلت أتألم و أعاني. متى سينتهي هذا العذاب؟

"روز." سمعت صوت عمتي يناديني. حادٌ كالسكين، ثابتٌ كالجبال، قويٌ كالرعد. بالتفكير بالأمر، أبي أيضًا كان هكذا. مهما كان ما يحدث و مهما حاولت، من المستحيل أن أعرف شيئًا من صوته. لأنه صارمٌ و مستقيم دائمًا و في جميع الأوقات.

"هل تستطيعين النهوض؟"

هل تستطيعين تركي وحدي؟


حاولت أن أتحدث، أن أخبرها بأنني بخير و لست محتاجة لوجودها لكن لساني، كأنه يعاكسني لم يتحرك سوى القليل و هذا جعلني فقط أبربر بأشياءٍ أنا نفسي لم أفهمها بدل قول ما أريد.

شعرت بيدٍ اخر غير جوليا، استطعت التميز بينهما لأنها كانت دافئة أكثر. لقد كانت عمتي. مجددًا حاولت أن أبعدها و مجددًا، لم يكن لدي القدرة.

"هل يجب أن نتصل بالطبيب مجددًا؟ انظرِ إلى حالها، هي حتى لا تستطيع التكلم." تنهدت جوليا. "أنتِ و مارك ضغطتم عليها البارحة. كان يجب عليكن أن تجعلوها ترتاح بدل إزعاجها بكلامكم.. على الأقل حتى تتحسن." صوتها كان معاتب. "أحيانًا تصبحون قاسيين جدًا. الان ادفعوا ثمن قسوتكم."

كلام جوليا خاطئ، هم لا يدفعون ثمن قسوتهم، بل أنا أدفع سبب ثقتي العمياء بأبي. لو لم أثق به لهذه الدرجة لما وصلت لهذه المرحلة من اليأس.

"لقد جاء عندما أغمى عليها و قال أنه يجب عليها أن تستريح. هي لم تفعل ذلك لهذا ارتفعت حرارتها." قالت عمتي بحدة.

"بلا.. بلا.. بلا. لماذا يا ترى؟ لأنكم تصرفتم بلئمٍ معها و بهذه النقطة أريد أن أذكركِ أنها مجرد بشرية، مثلكِ و مثلي أمي." ردت جوليا بصرامة. "سأذهب لاتصل به ليأتي و بهذه الأثناء إما اخرجِ معي من الغرفة أو لا تقولِ شيئًا يزعجها."لم تتحدث عمتي لذلك لم أعرف كيف كانت ردة فعلها بينما سمعت خطوات جوليا تبتعد و تخرج من الغرفة كما قالت.

فتحت عيناي بصعوبة و نظرت إلى عمتي حيث كانت تقف أمامي. لقد كان في عقلي لكثير لأسئله، لكن تعبي الشديد كان يمنعني من التحدث حتى. و على كل حال لا أظن أنني سأتلقى إجابة حتى لو سألت. هي وضحت لي هذا قبل ساعات عندما هربت من أسئلتي.

لذلك، كما فعلت في السابق، قررت أن أخبرها ما بعقلي حتى لو كنت أعرف أنها لن ترد.
"أريد..-" حركت لساني بصعوبة.

نظرت لي عمتي للحظة بقلق. أو ربما أنا من تخيلت هذا.

"أريد..-" مجددًا استسلم لساني لكنني مع ذلك حاولت و وضعت كل طاقتي. "أبي.."

أحتاج لسماع أحدٍ يقول لي أنه سيعود. أنه لم يودعني، أنه لم يتخلى عني.

بعد أن أتممت جملتي و أخيرًا. قامت عمتي بما توقعته، صمتت و خرجت من الغرفة.

و أنا مازلت في أعماق البحر، مازلت اختنق، مازلت أتألم و أعاني لكن هذا لم يعد يهمني، لأنني مع الوقت تأقلمت مع ألمي.

*************************

مرحبًا!
بتمنى يكون عجبكم الفصل كبداية أرأكم تهمني أكثر مما تتصورون.
الصراحة أنا متحمسة كتير!

عندي كم سؤال عن الرواية بتمنى الإجابة.

الأسئلة:

-تقيمكم للفصل من 10؟

-أكثر شخصية حبيتوها مع السبب؟

-أكثر شخصية كرهتوها مع السبب؟

-مقتطف حبيتوه و علق بعقلكم؟

-توقعاتكم للفصل القادم؟

عنوان الفصل القادم: تأقلم


همسات الصيف غير متواجد حالياً  
قديم 15-09-21, 05:22 PM   #7

صل على النبي محمد
 
الصورة الرمزية صل على النبي محمد

? العضوٌ?ھہ » 404607
?  التسِجيلٌ » Jul 2017
? مشَارَ?اتْي » 1,378
?  نُقآطِيْ » صل على النبي محمد has a reputation beyond reputeصل على النبي محمد has a reputation beyond reputeصل على النبي محمد has a reputation beyond reputeصل على النبي محمد has a reputation beyond reputeصل على النبي محمد has a reputation beyond reputeصل على النبي محمد has a reputation beyond reputeصل على النبي محمد has a reputation beyond reputeصل على النبي محمد has a reputation beyond reputeصل على النبي محمد has a reputation beyond reputeصل على النبي محمد has a reputation beyond reputeصل على النبي محمد has a reputation beyond repute
افتراضي

اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد كما صليت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم وبارك على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد كما باركت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم إنك حميد مجيد

لا تنسوا الباقيات الصالحات

سبحان الله

الحمد لله

لا إله إلا الله

الله أكبر

لا حول ولا قوة إلا بالله العلي


صل على النبي محمد غير متواجد حالياً  
قديم 21-09-21, 09:38 PM   #8

همسات الصيف

? العضوٌ?ھہ » 491515
?  التسِجيلٌ » Aug 2021
? مشَارَ?اتْي » 11
?  نُقآطِيْ » همسات الصيف is on a distinguished road
افتراضي 2- تأقلم

أتمنى للجميع قراءة ممتعة!!
الفصل الثاني


التاريخ: 16.03.2018


روز.

غيبسون.

روز غيبسون.

لقد كان اسمًا ملعونًا كصاحبته. لعنوني به و أنا اضطررت أن أتقبل اللعنة بنهاية المطاف.

"كاذبة."

"ثعلبةٌ صغيرة."

"مجرمةٌ ابن مجرم."

"فقط حاول أن تبتعد عن تلك الفتاة إن لم تكن تريد أن يحدث لك شيئ."

"إلى ماذا تنظرين أيتها الوحش القبيح؟"

"لا تقتربِ من أحد و بيديكِ دم روحٍ بريئة."


لقد كان عمري عشر سنوات. عشر سنوات، عندما بدأ الجميع بمنادتي بألقابٍ قبيحة و أقوالٍ كاذبة.

كان هذا سيئ، مؤلم، محزن و جارح.. إلى أن تكتفي.

دعوني أخبركم كيف تمرون بهذه المرحلة البائسة.

أولًا تشعر بالألم و الحرج من أقوالهم.

أتذكر أنني حاولت أن أخبرهم أنني لست مجرمة و وحش. أنني فقط طفلة لكن في كل مرة أحاول كانوا يسدون أذانهم و يقولون أنني كاذبة.

كاذبة؟

هم لم يحاولوا حتى أن يسمعوا ما سأقوله. على أي أساس قرروا أنني كذلك؟

بعدها تتعودون، تتعودون على نظراتهم المعيبة و كلماتهم الجارحة لأنكم تفقدون الاهتمام بطريقة تفكيرهم بكم. صدقوني، يصبح الأمر سهل عندما تتجاهلون كلامهم.

أتذكر أنني بدأت بالتصرف كأن تلك النظرات و الهمسات ليست موجودة، كأن البشر ليسوا موجودين، كأنني وحيدة. وقتها تمنيت لو كنت هكذا من البداية بدلًا من أتعب نفسي من أجل لا شيئ.

في بلدةٍ صغيرة يوجد بها 15.000 نسمة فقط، شخصٌ فقط تعامل معي بطبيعية و ساعدني على ألا أنسى أنني إنسانة.

لارا.. لم يكن أبي.. لارا، ربما هو لم ينعتني بتلك الألقاب السيئة لكنه لم يكن شخصً طبيعيًا أبدًا. ليس معي فقط، بل مع الجميع. ستيورت غيبسون كان يمتلك عالمًا خاصًا به.. لطالما كان هكذا.

بالنسبة للبقية، كنت شخصًا لا داعي لوجوده و يجب أن يتم التخلص مني بأسرع وقت و على كل حال حصلوا أهل البلدة على ما يريدنه. عائلة غيبسون الملعونة تركت فوكس كوست ربما للأبد.

إلى أين ذهبوا؟

تفرقوا.

هل كان صعبًا على البشر هناك، لو أزالوا أيديهم عن أذانهم و سمعوني؟ هل كان سيخسرون شيئ؟

أجل، لو فعلوا هذا لاختاروا الصعب. الحقيقة. المرة. لا أحد يحب المرارة.

بالتفكير هكذا.. أظن أن أبي أيضًا فعل مثلهم و فضل أن يختار السهل.

تركي.

لست غاضبة منه، في داخلي لطالما كنت أعرف أنني شيئٌ من الأشياء التي قد يتخلى عنها عندما يضطر. لقد كنت غاضبة من نفسي لأنني كنت دائمًا أعثر على حجةٍ فقط كي أبعد هذه الفكرة عني. كما أنني، أنا أيضًا فعلت مثلهم. فضلت اختيار تصديق كذبةٍ بدل أن أتقبل الواقع. الحقيقة. المرة.

الجميع يهرب من الحقيقة. و أنا كنت مثل الجميع في هذا الشأن.

و بالحديث عن هذا، هناك الكثير من الأوقات السيئة التي قضيتها بفوكس كاست. لقد كانوا كثيرين لدرجة أنني على الأغلب نسيت جزءًا منهم لأنه أصبح عاديًا و طبيعيًا بالنسبة لي بينما جزءٌ اخر بقي في زاويةٍ مظلمةٍ في عقلي، لم أنساه لأنه يجب علي أن أتذكر مكاني و من أنا حتى أستطيع تجاهل من حولي و أكون ثابتة و هم يحاولون تدميري.

لكن هناك جزءٌ أتمنى لو أنه كان كابوسًا قد رأيته، أو قصةٌ قرأتها، أو إشاعةٌ سمعتها. هذا الجزء اللعين من ذكرياتي مهما حاولت أن أنساه يظهر في مخيلتي، في أحلامي و واقعي و يبتسم لي بشر بنظرةٍ خبيثة كأنه يقول، "سأبقى معكِ حتى لو فقدتِ عقلكِ، لأنه عندما لا يوجد عقلٌ يذكر، القلب سيفعل، إن لم يذكركِ قلبكِ شياطينكِ ستذكركِ. لا مهرب لكِ مني. أنا جزءٌ منكِ."

و أنا كنت أكره ذلك الجزء، تلك اللحظات، تلك الذكريات، تلك الآلام و تلك الأحزان. ذلك الجزء اللعين، هو الوحيد الذي لم أستطع تقبله، الوحيد الذي لم أستطع التعايش معه و الوحيد الذي لم أستطع مواجهته.

06.12.2010

ذلك اليوم عشت به كل شيئ، الأمل، المرح، السعادة، الخيبة، الألم و الحزن. التفكير به وحده يجعل صدري يعتصر بقوة و يمنع الاوكسجين عن الدخول إلى رئتاي. هو اليوم الذي كان بداية ذلك الجزء الملعون.

الان هناك إضافةٌ جديدة له و هو اليوم الذي أيقنت أن أبي ودعني و أنه ذهب دون عودة.

14.03.2018

أول يومٍ جئت له إلى وينتر ماربل. لا أتذكر الساعة جيدًا لكنها كانت قريبة لمنتصف الليل عندما ضوء فلاشٍ قوي ظهر بعقلي و جعلني أتذكر اللحظات الأخيرة مع أبي حيث ودعني. مهما مر الوقت من المستحيل أن أنساه حتى لو حاولت و ستطغى علي خيبة الأمل دائمًا.

الان، لقد كنت جالسة أمام النافذة و رأسي مستندٌ على ركبتاي بينما ضممتهم إلى صدري. فقط قبل عشر دقائق كنت مستلقية على السرير، لكن في تلك اللحظة و أنا أنظر بفارغٍ حولي، فكرة فتح النافذة و الجلوس بقربها بدت جيدة، لذلك نهضت و قمت بما خطر على بالي.

اليوم كان ثالث يوم. البارحة بعد أن جاء الطبيب مجددًا أخبرهم بالكلام المعتاد الذي قد يقوله لأي مريضٍ بحالتي. الراحة و دواءٌ مسكن.

بعد أن ذهب، جوليا كانت الشخص الذي اعتنى بي. لم أرى وجه عمتي بعد خرجت من الغرفة و مارك.. لم أراه بعد مناقشته مع جوليا الغريبة.

بالنهاية، جوليا قامت بمساعدتي على النهوض و إطعامي حساءً ساخنًا لا أعرف حتى كيف احتسيته، بعدها قامت بتغيير لباسي بسبب العرق الذي بلله ثم إعطاءي الدواء لأغفو. لقد كنت ممتنةً لها لأنها فعلت هذا و لأنها أبدت أنها بطرفي بينما أخوها و والدتها كانا العكس.

عندما استيقظت في اليوم الثاني، جاءت لتطمئن علي مع سينية حساء و بعض الخضار، أخبرتها بأنني بخير عندما سألتني عن حالي بعدها خرجت و لم تعد.

لا أعرف كيف مر الوقت بعدها. كل ما أعرفه أنني كنت أشعر بالضياع، بائسة و دون عائلة. المرة الوحيدة التي خرجت من الغرفة بها كانت لإعادة سينية الطعام إلى المطبخ بعد أن أنهيته ثم الذهاب إلى الحمام و بهذه المرة، حمدًلله لم أرى وجه أي أحدٍ من أهل المنزل.

الان، الساعة كانت السادسة مساءً لكن لم يكن هناك شمسٌ لتغيب لأن الغيوم كانت تحجبها. لون السماء كان أزرقًا غامقًا و الغيوم البيضاء تأكد احتمالية هطول المطر.

بعد أن فكرت بهذا، قطرات الماء بدأت تنزل من السماء بكثرة مما جعل ابتسامةً خالية من المشاعر ترتسم على وجهي بينما المطر يبلل حافة نافذتي و يتسرب إلى داخل غرفتي.

هطل المطر كأنه يعرف بأنني حاجة لمشاركته ما بقلبي.

تذكرت تلك اللحظة مع لارا. عمري كان أحد عشر سنوات و الطقس كان سيئًا حقًا. رعدٌ و برق، مطرٌ غزير.. أتذكر أنني كنت خائفة بطريقي للعودة من المدرسة. لارا كانت معي، بجانبي. هي ستعود لدار الأيتام و أنا إلى المنزل. من حسن حظنا أن طريقنا كان واحد لأن بيتي و الدار، كانوا قريبين لبعضهم.

وقتها اقتربت من لارا أكثر لاحتمي بها، لم تشعر بهذا حتى.. لم تفكر بأنني قد أخاف لأنها كانت تصدق ما أظهره من قوة.. لم تكن تعرف أنه بالواقع خوفٌ من الداخل.

"المطر.." قالت بابتسامة. توقفت بمكانها لأتوقف معها و رأيت أنها أغمضت عينيها كأنها تريد أن تشعر و تستمتع به بكل جوارحها. بتلك اللحظة برقت و رعدت. أتذكر أنني قفزت بمكاني لكنها مجددًا لم تشعر بشيئ لأنها كانت مغمضة.

"هيا، لنذهب لارا." قلت لها محاولةً التظاهر بأنني على عجلة.

"بالله عليكِ روز، دعينا نستمتع به! لماذا دائمًا تجعليننا نركض عندما يهطل المطر؟" فتحت عينيها بتذمر.

لم أظهر لها أي ردة فعلٍ خائفة. "كي لا نتبلل! هيا! إن تأخرنا ستغضب مديرة الدار منكِ."

ضحكت لارا: "تلك الشريرة غاضبة دائمًا.. لن يفرق شيئٌ معي."

"هيا لارا!"

"فقط دقيقة.." قالت بنبرةٍ حزينة. لم أعرف سببها لكنها جعلتني اصمت و انتظرها. "المطر يذكرني بشخصٍ ما.. أشعر بالأمل.." أنا و لارا بتلك الفترة لم نكن نعرف بعضنا سوى منذ ثلاثة أشهر. تلك اللحظة كانت أول مرة تقول شيئٍ يخصها، حتى لو كان بسيط.

نظرت لي بابتسامةٍ هادئة. "أخبرني ذلك الشخص أن أشكي همي للمطر، لأنني عندما أبوح له به، ينظفه بماءه الطاهرة."أمسكت بيدي و رفعت وجهها للسماء. "جربيه روز، ربما قد تكون خطوةً جيدة كي تتغلبِ على خوفكِ من الطقس العاصف."وقتها نظرت لها بصدمة لأنها اكتشفت خوفي لكنها بقيت على حالها تحدق بالسماء.. بعدها فعلت كما قالت لي، رفعت وجهي و أغمضت عيناي. أيها المطر، اسمي روز، على اسم جدتي.. عرفت عن نفسي ببراءة. سمعت صوت الرعد. ارتجفت بمكاني لكنني بقيت ثابتة.. بعدها شعرت بيد لارا تضغط على يدي كأنها تساندني. لا أعرف لماذا لكنني اقتنعت بفكرتها. أيها المطر، أريد أن أعيش حياةً طبيعية لكن للاسف البشر الأشرار لا يسمحون لي. أنا لست سعيدةً أبدًا. أبي أصبح يذهب و يتركني أكثر من قبل لكنه يعود. أحيانًا أخاف ألا أراه مجددًا.. أخاف أن يقول لي الوداع. شعرت بالخوف و أنا اشتكي. لن يفعل.. صحيح؟ لن يتركني، أليس كذلك أيها المطر؟

ابتسمت بينما خرجت من تلك الذكرى. وضعت يدي على النافذة بهدوء و أغمضت عيناي بينما أسمع تصادم القطرات مع النافذة. أيها المطر، هذه أنا مجددًا. أريد أن أخبرك أن مخاوفي تحققت. أبي تخلى عني.. و أنا لا أعرف كيف سأكمل حياتي من دونه.

إخراج ما بداخلي كان بهذه البساطة.. لا أحد يعرف سوى القطرات التي نزلت من السماء ما أشعر به، أنني أتألم، أن روحي تتحطم.

بقيت هكذا لدقائق بعدها نهضت و أغلقت النافذة عندما شعرت بأن سريري بدأ يتبلل.

أخذت هاتفي الذي كان مغلقًا منذ أن جئت إلى هنا. بسبب مرضي لم يكن لدي القدرة على فتحه لذلك عندما شعرت اليوم بالتحسن و عدت إلى وعي وضعته على الشحن. أبعدته بعد أن اكتمل شحنه و فتحته ثم دخلت الواتس اب كي أراسل لارا عندما تذكرتها. لابد أنها جُنت الان، نحن لم نتحدث لمدة يومٍ كامل.

و لم يخب ظني. لقد كان يوجد منها رسائلٌ بالفعل.

-كيف حالكِ؟ (7:00) (15.03.2018)
-هاي! لماذا لا تردين؟ (8:27) (15.03.2018)
-لماذا هاتفكِ مغلق؟ (11:01) (15.03.2018)
-أنا قلقة، أرجوكِ أرسلِ أي شيئ. الأفكار السيئة تحتل عقلي. (15:57) (15.03.2018)
-روز لقد اتصلت أكثر من 70 مرة و هاتفكِ مازال مغلق. (21:00) (15.03.2018)
-إلهي أنا على وشك الجنون! ردِ!!!! (13:00) (اليوم)

تنهدت و قمت بعض شفاهي بقلق. من يعلم كيف هي الان.

اه، التفكير بهذا جعلني أشعر بالذنب. جميع ما حدث أنساني لارا كليًا. الشخص الوحيد الذي يهتم لأمري بصدق. طبعًا أصبحت هكذا بعد أن تخلى أبي عني.

ضغطت على اسمها و اتصلت بها مكالمة فيديو.

ردت علي في لحظتها.

"لقد كنت أحضر حقيبة السفر أيتها اللعينة" صرخت لارا بقوة لدرجة أنني ظننت أن الغرفة اهتزت. كلامها هذا أكد توقعاتي.

"اسفة، انتهى شحن هاتفي و نسيته كليًا." قلت لها أسخف عذرٍ على الإطلاق. من المستحيل أن تصدقه.

"و ما هو سبب نسيانه روز؟ أخبريني الان. يحق لي معرفة هذا. لم أنام طوال الليل و أنا أفكر بمئات السيناريوهات السيئة التي من الاحتمال أن تكون قد حدثت معكِ."

هل ستستطيع تحمل الحقيقة إن أخبرتها؟ هل ستستطيع أن تستوعب أن أبي قد تخلى عني؟
لا أظن هذا. ليس بعد أن زرعت بعقلها أنه قد يترك الجميع و كل شيئ إلا أنا.

"شعرت بالمرض عندما أتيت منذ يومين، البارحة لا أتذكر حتى أنني استيقظت لكن اليوم أنا أفضل بكثير. لا تقلقِ."

"ماذا؟ لا أقلق؟ ألم تسمعيني روز؟ لقد كنت أحضر حقيبتي و على وشك حجز بطاقةٍ للحافلة من أجل القدوم إليكِ." تنهدت بتعب و أغمضت عيناها للحظةٍ قصيرة. "على كل حال كيف مرضتِ؟ أنتِ لا تمرضين كثيرًا."

هناك حقيقةٌ مؤلمة توجب علي أن أواجهها.

"لا أعرف، ربما أخذت بردية في الطريق. لقد كانت تمطر عندما ذهبت." حككت أنفي بخفة.
"ربما..و مع ذلك هذا غريب، جسدكِ قويٌ بالعادة." قالت باستغراب. "لكن على الأغلب اختفاء العم ستيورت أثر عليكِ. لا يوجد تفسيرٌ اخر."

تنهدت. لو تعرفين فقط. "ربما... بالمناسبة، كيف أحوالكِ في المدرسة؟"

"لا شيئ جديد. غدًا سنسلم أنا و ديانا مشروعنا للأستاذ هارفي."

"صحيح، أنتِ ذهبتِ لها قبل البارحة بعد أن غادرت. كيف قضيتم وقتكم؟" سألتها كأنني أحاول أن أفتح موضوعًا عادي لكنني كنت بالواقع أحقق معها لأعرف إن قام أحدٌ بازعاجها.

"كالمعتاد، هي لم تقم بشيئ. أنا من أنهيت المشروع." تحركت الصورة و هي تنهض عن مكانها. "لكنني أخذت أجري بالنهاية، هذا هو المهم." دخل كأسٌ ماءٍ إلى الشاشة لتضعه على فمها و تشرب. "ماذا عنكِ؟ أخبريني. ما هو أول انطباع لهم؟ كيف كان اللقاء؟ هل ابن عمتكِ وسيمٌ كما في الصور؟"

دحرجت عيناي على اخر سؤالٍ لها لكنني لم أمنع الابتسامة الخفيفة التي تسربت إلى فمي.
عندما علمت بأنني سأأتي إلى وينتر ماربل لأعيش مع عمتي أجبرتني لارا بالقيام بأبحاثٍ عنهم على الفايسبوك، التويتر و الانستغرام. جميع مواقع التواصل الاجتماعي، لم أكن مهتمة لكنني أعرف أنها أرادت أن تخرجني من أفكاري المظلمة حينها. وقتها أبدت إعجابها على صورةٍ لمارك في الانستغرام. التطبيق الوحيد الذي عثرنا عليه به. حسابه كان عام و لم يكن يوجد به سوى صورةٌ واحدة. قالت أنه وسيم و أن أطبقه من أجلها إن استطعت. لم تكن جدية حينها لكن التفكير بطلبها فجأة جعلني أزيل ابتسامتي و اكشر بانزعاج. هذا مستحيل. فتاةٌ حساسة مثل لارا و شخصٌ لئيمٌ مثل مارك؟ لا أظن ذلك.

"للصراحة، لقد كان اللقاء سيئ." قلت الصدق. "سمعت مارك، أقصد ابن عمتي، يتعارك مع والدته بسببي عندما وقفت أمام باب المنزل. عندما فتحه، لم يقل لي مرحبًا بل العكس تمامًا. خرج من المنزل و دفعني بكتفه. عمتي لم تنطق بأي شيئٍ حتى. فقط نظرت لي لثوانٍ و ذهبت. الشخص الوحيد الذي عاملني كأنني مرغوبة كانت جوليا، ابنة عمتي."

"وااه، يا له من لقاءٍ مؤثر." تمتمت بسخرية بينما استلقت على سريرها. "لكن وجود شخصٍ عاملكِ بلطفٍ أمرٌ جيد. تصورِ لو كانوا كلهم حقيرين، هذا كان ليكون سيئ."

"ليتصرفوا كما يحلوا لهم. أنتِ أكثر شخصٍ يعرفني لارا. هل أنا شخصٌ سيهتم بشيئٍٍ كهذا؟"

نفت لي بهز رأسها إلى جوانبها. "لا، بالتأكيد لا. بالمناسبة، هل خرجتِ و تسكعتِ في أنحاء البلدة؟ ذهابكِ أحدث القليل من الضجة في المدرسة. سمعتهم يقولون أنه يوجد مقرٌ لتجمع عصاباتٍ كبيرة من أنحاء العالم في وينتر ماربل." على الأغلب تمنوا لي أن أُقتل على يد عصابةٍ ما لكن لارا لم تقل لي هذا لأنها وضعت مشاعري بعين الاعتبار.

"لارا، هذه مجرد إشاعات. وينتر ماربل بلدةٌ صغيرة. هي حتى أصغر من فوكس كوست. عدد سكانها 11 الف. لا أظن أن العصابات سيختارون مكانًا كهذا من أجل أن يكون مقرهم."

هزت لارا رأسها بعدم مبالاة. "أنا أقول ما سمعته فقط."

"إذًا، هل هناك إشاعاتٌ اخرى؟"

"الكثير، لكن لا أظن أنكِ قد تريدين سماعهم حقًا. يبدو أنكِ ستبقين حديثهم لفترة." غيرت الموضوع بشكلٍ جدي. "و.. روز.."

"ماذا؟"

"أنتِ لم تخبريني بعد إن كان ابن عمكِ وسيمٌ كما في الصور أو لا."

كلامها الذي ظننت أنه سيكون شيئًا مهم جعلني، أطلق ضحكةً خفيفة. لم أكن من النوع الذي يضحك كثيرًا لكنني كنت أحتاج لها حقًا بعد كل الدراما التي عشتها.

"حمقاء." تمتمت بينما تحولت ضحكتي إلى ابتسامة. "لن أكذب إنه كذلك لكن شخصيته السيئة تنسيكِ وسامته. حقًا. لا أظن أنكِ ستستلطفينه إن رأيته."

"هاي! أنا استلطف جميع الوسيمين." عاتبتني بمزاح.

"أحيانًا أجد صعوبةً بتقبل وجود شخصيةٌ منحرفة داخل فتاةٍ حساسة مثلكِ." قلت بصراحة بينما ابتسامتي ما تزال على وجهي.

"اه، جميعنا نمتلك جزءً منحرفًا روز، حتى أنتِ. أياكِ الكذب بهذا الأمر."

"لم أكن سأفعل ذلك." تحدثت بسخرية، لنضحك أنا و لارا مجددًا.

بعد أن تحدثنا قليلًا، لارا كانت الشخص الذي أراد أن ينهي المكالمة لأنه يجب عليها أن تدرس و أنا لم ألح عليها. عندما نظرت إلى الساعة رأيت أنها السابعة. لقد مرت ساعةٌ كاملة لم أشعر بها و هذا لأنني كنت أحظى بوقتٍ جيد. الأوقات الجيدة دائمًا تمر بسرعة. هذه قاعدة الطبيعة.

نهضت عن السرير و وضعت هاتفي على الخزانة الصغيرة التي بجانبه ثم خرجت من الغرفة. لقد كنت أشعر بالعطش. و ربما بالجوع قليلًا. نزلت الدرج و جعلت وجهتي المطبخ لكن هذه المرة يبدو أن الحظ لم يحالفني، لأنني في كل مرة أخطو خطوة كنت أسمع أصوات ضحكاتٍ و كلامٍ بشكلٍ واضحٍ أكثر.

أستطيع أن أتحمل العطش و الجوع أكثر على أن أواجه أحدًا الان. توقفت بمكاني و استدرت لأعود.
"مازلت أستطيع رؤيتك و أنت تمد لسانك سام." سمعت صوت جوليا و هي تتحدث بنبرةٍ غير مبالية.

"ماذا؟ كيف؟ لا أرى عيونًا على ظهركِ أو على رأسكِ؟" طن صوت شابٍ غير مألوف بعدها ضحكاتٍ خفيفة و أنا أخطو خطوتي الثانية.

"هذا لأنه لا يوجد أيها الأح..- روز؟" أوقفت جوليا شتيمتها عندما قالت اسمي مما جعلني أتجمد بمكاني. توقيتٌ سيئ، جدًا.

استدرت ببطئ و رأيتها تقف عند باب المطبخ تنظر لي باستغراب. "لقد كنت على وشك أن أحضر لكِ وجبتكِ." قالت بابتسامةٍ لطيفة. "لكن بما أنكِ هنا، هذا يعني أن حالتكِ أصبحت أفضل صحيح؟ يمكنكِ تناول الغداء معنا."

لم أرد للحظات، بعدها تنهدت عندما أيقنت أنه لا يوجد أي مهرب. "لست جائعة كثيرًا، سأتناوله لاحقًا."

"اوه، هيا، تعالِ. أمي ليست في المنزل و أعدكِ أن مارك لن يزعجكِ."

بعد أن قالت هذا فورًا علق مارك ليثبت عكس كلامها. "لا تلحِ عليها أكثر جول، دعي ابنة خالنا ترتاح." نبرته كانت مليئةً بالسخرية.

أدارت جوليا رأسها إلى الداخل. "أغلق فمك اللعين مارك."

"أجل، أغلق فمك العلنيننيا مارللكاىك..-" تحدث صوت الشاب الذي كان يمازح جوليا قبل قليل لكنني لم أفهم ما قاله بالنهاية، كأن هناك من يحاول أن يمنعه عن الكلام. "يييع، ماذا وضعتِ بفمي؟ يشبه طعم جواربي المتسخة..-" صمت لثوانٍ. "أظن أنني سأتقيأ." بعد هذه الجملة فورًا رأيت جسدًا كبيرًا يدفع جوليا ليخرج و هو يضع يده على فمه ليطير بجهة الحمام ثم سمعت صوت قهقهةٍ قوية. جوليا كانت من الأشخاص اللذين يضحكون.

أنا بقيت انظر لها بصمت.

عندما توقفت جوليا عن الضحك، أبقت ابتسامةً خفيفة على وجهها. "هيا تعالِ قبل أن يبرد الطعام."

فتحت فمي لاعترض مجددًا لكنها وضعت يداها على أذنيها و سدتهما. "لا، لا، أنا لا أسمع شيئ." تمتمت و دخلت المطبخ لتتركني أقف وحدي.

تنهدت. الشيئ الوحيد الذي أريده هو الوحدة. ليس لدي مشكلة بالبقاء بالغرفة طوال الوقت، لن أتذمر بهذا الشأن بل سأكون ممتنة. لكن ما يحدث الان، يثبت لي مرةً اخرى أن طلباتي ليست مهمة، لأنني لم أكن الدور الرئيسي في حياتي. حظي كان كروث الحيوانات بالضبط. لو كان له رائحة على الأغلب سيكون كذلك.

لهذه الدرجة سيئ.

تنهدت مجددًا. ااه. تأوهت من داخلي بغضب و لحقت جوليا لأدخل المطبخ.

أول شيئٍ وقعت عليه عيناي كانت البيتزا، لأن رائحتها الزكية جعلتهم لا شعوريًا يبحثون عن مصدرها. اللعنة، أنا حقًا جائعة.

بعدها نظرت نظرةً سريعة إلى مارك حيث كان في مقدمة الطاولة كأنه الرئيس ثم التفتت إلى الفتاة التي تجلس بطرف اليسار للطاولة حيث كانت تضع قبعةً شتويةً سوداء على رأسها بينما شعرها الأحمر يتدلل منها إلى كتفيها برياحة، النمش كان يملئ وجهها و فمها الزهري العريض مغلقٌ على بعضه تمامًا.

لقد كانت جميلة و جمالها مميز. لا أظن أنني رأيت مثله من قبل.

بعد لحظاتٍ من الصمت و تبادل النظرات بيننا، قامت هي بالمبادرة و ابتسمت لي ابتسامةً دافئة. فتحت فمها لتتحدث لكن مارك سبقها. "ظننت أنني وضحت بأنكِ لستِ مرغوبة هنا ابنة خالي، ألم أفعل هذا قبل قليل؟"

هذه المرة لم أتعب نفسي حتى بالنظر له. جوليا أخبرتني عندما أتيت. مارك سيفعل المستحيل كي يزعجني لذلك سأقوم بما أنا جيد به. التجاهل.

"اصمت مارك!" قالت جوليا بحدة بينما دحرجت الفتاة ذو الشعر الأحمر عينيها على مارك كأنها متعودة و علقت على تصرفه. "أحمق." ثم نظرت لي مجددًا. "مرحبًا."


أومأت لها بخفة. لم أكن مبتسمة مثلها لكنني حاولت أن أكون لطيفة قدر المستطاع. "مرحبًا."

فتحت ذات الشعر الأحمر فمها لتتحدث لكن قاطعها أحدٌ ما مجددًا. هذه المرة كان الفتى الذي دخل المطبخ بعجلة و جعلنا جميعنا ننظر له.

لقد كان يبدو بحالةٍ ليست جيدة. شعره كان متبللًا قليلًا و وجهه كان شاحبًا. كما أنه كان يبدو غاضبًا و هو يحدق بذات الشعر الأحمر. لكن لم يكن هناك أحدٌ قلقٌ أو خائف بما فيهم هي، حتى أن كلهم بدأوا بالضحك مجددًا عندما رأوه ما عداي أنا.

"أنتِ ميتة لا محال سارة." قفز إلى الفتاة الحمراء دون إنذار و حاوطها بجسده ثم سحب قبعتها من رأسها و بدأ بتخريبه. أطلقت صرخةً خفيفة لكن هذا فقط زاد صوت ضحكاتها هي و جوليا. مارك فضل أن يخفي ضحكته خلف ابتسامةٍ سعيدة. "لقد كنت جديًا عندما شبهت طعم الشيئ الذي وضعتيه إلى جواربي المتسخة لكنني لم أتوقع أن يكون حقًا جواربًا متسخة." أبعد إحدى يداه عنها و وضعها حول رقبتها دون قوة بينما ترك الاخرة على رأسها. "اعتذرِ. الان."

"في أحلامك." مدت سارة لسانها.

"حقًا؟" شد يده التي على رقبتها قليلًا و رفعها لفوق ليرتفع رأسها معها ثم نظر حوله كأنه يبحث عن شيئٍ ليحاربها به حتى وقعت عيناه علي. باللحظة التي رأني بها لمعت عيناه و همس لأذن سارة بشكلٍ يسمعه الجميع. "أتريدينني أن أفضحكِ أمام السمراء الجميلة التي أراها لأول مرةٍ في حياتي؟"

جملته جعلتني ابتسم بشكلٍ لا إرادي لكنني أخفيت ابتسامتي قبل أن يلاحظها أحد.

"ليس لديك شيئٌ لتفضحه أيها الغبي." ضحكت سارة براحة.

"أنتِ واثقة جدًا." قال الفتى بغموض لكن كان واضحًا أنه يفعل هذا من دافع التمثيل و المزاح. "ماذا عن اخر مرة ثملتِ بها؟"

فتحت سارة عيناها صدمة عندما سمعت كلانها كأنها فهمت قصده. "أيها اللعين، قلت أنك قمت بمسح الفيديو!"

"اوه، لقد كذبت و أنتِ صدقتِ كالحمقاء." هذه المرة كان الفتى هو الشخص الذي يضحك و هذا جعلني أرى غمازته تظهر أسفل وجنتيه، بالقرب من فمه.

"تبًا لك سام!" صرخت سارة بغضب. أو دعوني أقول أنها تظاهرت بهذا لأنها و هي تحاول أن تعبس ابتسامتها لم تكن تفارق وجهها و تصعب الأمر عليها.

"اعتذرِ، لن أكرر كلامي."

رفعت سارة يداها تعلن الاستسلام. "اسفة! اسفة! أرجوك لا تريه لأحد."

جملتها جعلت سام يحررها من قبضته و ينظر بنظرة النصر فورًا. بقي هكذا لثواني، ثم أزال ابتسامته كأنه تذكر شيئًا ما يحيره. "بالمناسبة، لمن كانت الجوارب؟" سأل لكنه لم يمنح الفرصة لأحدٍ كي يرد. "انتظرِ لحظة. دعيني أحضر نفسي للأجابة."

"جوارب مارك، لقد كانوا أسفل كرسيي." ردت سارة دون أن تمنحه ما يريد مما جعل ملامح القرف تظهر على وجه سام. "أظن أنني سأتقيأ مجددًا. هذا أسوء من رؤيتي لأبي عاري عندما كنت في السابعة من عمري."

"رأيت والدك عاري؟" هذه المرة المتحدث كان جوليا. كشرت على ما سمعته و هي تنظر إلى سام. "يييع، هذا مقرفٌ حقًا."

"أخبريني عن هذا." علق سام على كلام جوليا ثم نظر لي و أرسل ابتسامةً لطيفة كما فعلت سارة. "هاي، أنا سام وودهاوس. أبٌ أعزب، لدي ثلاث أولاد، فتاتين و فتى. ربيتهم بظروفٍ صعبةٍ حقًا. سررت بمعرفتكِ." اقترب نحوي و مد يده ليصافحني بينما أنا لم استطع أن أمسك نفسي و ابتسمت ابتسامةً عريضة خلفها تختبئ ضحكةٌ قوية.

أبٌ أعزب لديه ثلاث أولاد؟ هذا الفتى رهيب.

لم أترك يده فارغةً في الهواء و صافحتها. "و أنا روز غيبسون." بعد أن عرفت عن نفسي أردت أن أبعد يدي، لكن سام أمسكها بقوة ليمنعني و نظر لي بتمعنٍ و جدية فجأة. لقد كان يبتسم قبل لحظةٍ قصيرةٍ جدًا. لماذا أصبح هكذا فجأة؟

هذا جعلني أعقد حاجباي باستغراب.

"بشرةٌ سمراء، شعرٌ أسود، أنفٌ صغير، شفاهٌ كرزية، عيونٌ كبيرة و عريضة.. أجل.." أبعد يده عن يدي ثم تراجع خطوةً إلى الخلف و ضم يداه إلى صدره و هو يبربر إلى نفسه.

"سام، أنت تصعّبُ على روز تقبلك، اتر..-"

رفع سام يده لجوليا إشارةً لتتوقف عن الكلام ثم أعادها إلى مكانها و كرر التحدث إلى نفسه كأننا لسنا موجودين.

حقًا، مالذي يحاول فعله؟

سألت السؤال ذاته مجددًا و أنا انظر إلى حركاته الغريبة.

بقي هكذا للحظات و خلالهم لم يتحدث أحد. جميعنا كنا ننظر إليه. مارك، سارة و جوليا كانوا ينظرون بيأسٍ. كأن لديهم توقعات لما سيقوله. الشخص الوحيد الذي كان يشعر بالفضول لما سيخرج من فمه هي أنا.

اقترب نحوي و وضع إحدى يداه تحت ذقنه و هو ينظر بدقةٍ لي ثم بدأ بالدوران حولي دون التوقف عن التفوه بكلماتٍ لا يفهمها سوى هو.

"أجل.." لمعت عيناه بحماس و توقف أمامي ثم تراجع إلى الخلف ليترك مسافةً قصيرةً بيننا. "أجل! أجل! جميع الموصفات تنطبق عليكِ!" صفق بسعادة و نظر إلى أصدقاءه بينما قمت برمش عيناي منتظرةً أن يقول سبب كل حماسه و تركيزه. "أيها الأولاد، لقد وجدت ماما جديدة لكم!"

لحظة..

ماذا؟

فتحت فمي بصدمة و أنا أنظر إليه. هل هو جدي؟

بعد أن توقف عن التصفيق كالأطفال الصغار قام بشيئٍ مفاجئٍ أكثر.

جثا على ركبتيه.

"روز غيبسون، هل تقبلين أن تصبحِ أمًا لأولادي؟ أرجوكِ وافقِ، سأجعلكِ ملكةً على عرشٍ كبيرٍ لكِ وحدكِ" تحدث بحماس أطفال لدرجة أنني بدأت أخلط بين الحلم و الواقع.

هذا الفتى... هل هو طبيعي؟ أم أنه مريض؟ سألت نفسي هذا السؤال بكل جدية.

ألقيت نظرةً مريبة إليه ثم كررتها و أرسلتها لجوليا كي تخلصني من هذا الموقف المحرج و الغريب بسرعة. و هي حمدالله لاحظت نظراتي المترجية. اقتربت من سام و صفعته على رأسه بينما سمعت سارة تقول، "سأقتل جميع أمالي المتعلقة بهذا الضفدع من الان و صاعدًا. ابصقوا بوجهي إن تأملتُ بشأنه مجددًا."

"سام، لقد تعرفت عليك روز لتوها فقط، كان يجب عليك أن تريها أنك من إحدى فصائل القرود على مدار الأيام، ليس فجأة. انظر إلى تعابير وجهها المتوترة." قالت جوليا ساخرةً منه و هو ينهض عن الأرض مما جعل صوت قهقهة سارة ينتشر في المطبخ بينما أنا مازلت أحاول أن أقنع نفسي بأنني عشت لحظةً غريبة كهذه قبل قليل.

"هاهاها، مضحكةٌ جدًا." دحرج سام عينيه بانزعاج و زيف ضحكةً مليئةً بالغضب.

هزت جوليا كتفيها بعدم مبالة. "لماذا تضحك؟ أنا فقط أقول الحقيقة."

"على الأقل القرود حيواناتٌ ذكية جول، على عكسكِ." ابتسم سام ابتسامة النصر بينما هتفت سارة ب "وووو، هذه كانت قوية!" بين ضحكاتها.

عبست جوليا على ما سمعته و نظرت بحدة إلى صديقتها التي لم تضع نظراتها بعين الاعتبار و تابعت الضحك دون اهتمام. "المفروض أن تساندين أيتها الحمقاء. أنا صديقتكِ."

تكتف سام كما فعل قبل قليل لكن هذه المرة بتحدي. "لماذا أنتِ؟ أنا أيضًا صديقها."

حدقت جوليا بسام. "لكنني فتاة. يجب عليها أن تساندني. هذا اتحادٌ نسائي." نظرت مرةً اخرة إلى سارة التي لم تبدو كأنها سمعت النقاش و هي تقهقه. يبدو أن تجاهلها لجوليا أثار غضبها مما جعلها تأخذ الجوارب التي كانت على الأرض قريبًا منها و ترميه نحو سارة. "هاي!! أين هي قوة النساء؟"

هذه المرة ردت سارة. "تأخذ قيلولة." تمتمت من بين ضحكاتها.

فتحت جوليا فمها لترد لكن سام قاطعها. "هذا ليس عادل، أنا أيضًا أريد اتحادًا رجولي." نظر إلى مارك كطفلٍ متذمر. "مارك، لنقم باتحادٍ رجولي و نحقق العدالة." بعد أن قال هذا فورًا ألقى نظرةً إلى علبة البيتزا الفارغة، ثم إلى القطعة الصغيرة التي يضعها مارك بفمه. وجهه فجأة تحول إلى وجهٍ خائف. ثم كرر النظر بينهم. "هل.." بلع ريقه، كأنه مترددٌ بما سيقوله. "هل أكلت اخر قطعة من البيتزا؟" أومأ له مارك بطبيعية بينما ملامح سام كانت كأنها تتقطع من الألم. "التي دفعت ثمنها أنا؟" أكمل جملته بصعوبة.

أومأ مارك مجددًا، بلع لقمته و لعق أصابعه ليستفز سام ثم ابتسم له بشر. "لقد كانت شهية، شكرًا لك." نهض عن مكانه و مر من جانب سام الذي كان ثابتًا و هو ينظر إلى علبة البيتزا بألم. "أراكم بعد دقائق." قال و خرج من المطبخ.

"انسوا الموضوع، لن أقوم اتحادٍ رجوليٍ مع هذا الفتى."

"لماذا تنظر هكذا سام؟ لقد أكلت علبةً كاملة قبل هذه."

"لكن تلك كانت القطعة الأخيرة." قال بدراما مبالغة بها و أبعد نظره عن العلبة لينظر إلى جوليا. "لن أنسى فعلته أبدًا. هو يعرف أنني أحب القطعة الأخيرة."

هذه المرة جوليا تجاهلت كلامه و نظرت لي. "أجلسِ روز، صحنكِ في المكرويف."

أومأت لها بهدوء و قمت بما طلبته دون معارضة. السبب كان أنني جائعة بكل معنى الكلمة.

"إذًا كيف حالكِ روز؟ جول أخبرتني أنكِ مريضة." قالت سارة بنبرةٍ لطيفة. "أردت أن أسألكِ لحظة دخولكِ لكن سام قام بظهوره الرائع."

ابتسمت بخفة. "أنا بحالٍ أفضل الان. الفضل لجوليا، لقد اعتنت بي جيدًا." نظرت لجوليا بامتنان و هي بادلتني النظرات الهادئة مع ابتسامة بينما تضع الصحن أمامي.

"هاي، يا أصدقاء، كم الساعة الان؟" سأل سام و أنا أضع أول لقمةٍ من البيتزا بفمي.

نظرت سارة إلى هاتفها و ردت. "السابعة و عشرين دقيقة." بعد أن قالت هذا فتحت عيناها بشدة كأنها تذكرت شيئًا ما و نهضت عن كرسيها بعجلة.

نظرتُ إلى سام و رأيت أن ردة فعله مثلها تمامًا.

"الرهان!" صرخا بالوقت ذاته.

"هل هو اليوم؟" استفسرت جوليا بهدوء. لقد كانت نبرتها طبيعية عكس أصدقاءها لكنني استطعت لمح القليل من الحماس بعينيها.

"حضر العشر دولارات خاصتي سام، أنت بالتأكيد الخاسر." قالت سارة بتحدي متجاهلةً سؤال صديقتها و على وجهها ضحكةٌ شيطانية.

مد سام لسانه و نظر نحوها بتعالي. "في أحلامكِ أيتها الفأرة. برأيي أنتِ حضريهم."

بأثناء نقاشهم، وضعت لقمتي الثانية بفمي و أنا أشاهدهم.

على ماذا يتراهنون؟

لم أكن من النوع الذي يتدخل بأشياءٍ لا تخصه لكنني كنت شخصًا فضولي. و دعوني أخبركم عن هذا شيئًا ما. الفضول و عدم السؤال حقًا صعب. أحيانًا الأسئلة تأتي إلى رأس لساني و أكون على وشك أن أطرحهم لكنني دائمًا أجد طريقةً أتراجع.

"على ماذا رهانكم؟" سألت جوليا.

"على الفائز."

"أنا أيضًا أريد المشاركة. ضعوني معكم."

لمعت عيون سام. "من ستختارين؟"

"من يوجد بين الخيارات؟"

"ألكس و..-"

قاطعته جوليا مكملةً جملته. "ألكس." قالت الاسم دون أن تسمع باقي الخيارات.

"حقًا جول؟ هذا يعني أنني سامتلك عشرين دولارٍ الان." المتحدثة كانت سارة و أنفها مرفوعٌ بالهواء بتعالي.

"في أحلامكِ." قال كلٌ من سام و جوليا في الوقت ذاته. ابتسم كلاهما بخبث ثم رفعا يديهما و صفقا كفيهما ببعضهما. "خمسة لكِ و خمسةٌ لي. اتفقنا؟"

أومأت له جوليا. "اتفقنا."

بلعت لقمتي و قضمت قطعةً اخرى لأمضغها.

الحديث كان معقد. ربما بسيطٌ بالنسبة لهم لكن لأنني كنت الغريبة الوحيدة هنا لم أفهم عن ماذا يتحدثون. كل ما استوعبته أنه يوجد رهان و أن سام و جوليا رهانا على الشخص ذاته.

بهذه الأثناء، دخل مارك المطبخ و عليه لباسٌ جديد. بنطال جينزٍ أزرقٍ كاشف، بلوزةٌ سوداء عليها رأس هيكل عظمٍ ناري و فوقها جاكيت جينزٍ من لون البنطال. لقد كان يبدو وسيمًا بهم، خاصةً مع عيونه الزرقاء اللامعة.

أنزلت عيناي إلى الأسفل و رأيت أنه مع كل هذه الأناقة، هناك شبشبٌ زهري اللون بقدميه ليدمر كل جاذبيته. الشبشب كان صغيرًا بالنسبه له لذلك افترضت أنه لجوليا أو عمتي مما جعلني ابتسم بسخرية.

أين هو ذلك الشاب الصارم؟

ذهب مع الريح.

"هيا لنذهب سام. أنا جاهز."

أومأ له سام و مشى نحوه لكن صوت جوليا لم يسمح لهم بالخروج من المطبخ. "أنا قادمة."

بعد أن سمع مارك جملته، استدار ليواجهها. أصبح وجهه صارم و تحدث بحدة. "لستِ كذلك."

"بل سأأتي! لقد تراهننا أنا و سارة و سام! أريد أن أرى كيف سأفوز بعيني."

لقد كان وجه مارك يصبح حادًا أكثر في كل مرة تنطق جوليا بحرف. لنكن صريحين لو كنت مكانها لم أكن لأرد بعد أن قررت أن أفعل شيئ. عندما يتعلق الأمر بالطموحات فأنا شخصٌ عنيد. لكن لو كانت لارا مكانها لتراجعت لأن النظرة التي على وجه مارك كانت مخيفة.

و بالنظر إلى جوليا، يبدو أنها ستكون مثل لارا لأن تصرفاتها و ملامح التردد التي طغت على وجهها كانت دليلًا على أنها ليست قادرة على معنادة مارك.

"لا تنظر لي هكذا.. أخي، ألا يوجد أمل أن اذهب؟" سألت كأملٍ أخير.

فتح مارك فمه ليتحدث لكن سام أوقفه. "دعها تأتي يا رجل. لا يحق لك أن تفرض سيطرتك عليها بهذه الطريقة، هي أيضًا إنسانة." بقول سام لهذه الجملة، أثبت أنه في صف جوليا رغم أن نبرته لم تكن ممتنة. بدت كأنها مشفقة. "كما أن رؤية وجه سارة عندما تخسر لا يقدر بثمن، لا تدعها تفوته." أرسلت جوليا نظرةً ممتنة له بينما علقت سارة. "أنت تتمنى هذا، لكنك لن تحصل عليها."

تنهد مارك و نظر إليها. "أنتِ تتذكرين ما حدث تلك المرة صحيح؟ كل شيئٍ انتهى بشكلٍ سيئ. دعينا لا نكرر الأمر جول، أنا فقط قلقٌ عليكِ، لست سعيدًا بمكوثكِ في البيت هكذا."

"دائمًا ترفض بحجة قلقك علي و تفكيرك بي.. يا لك من شخصٍ جيد." سخرت جوليا منه لكنها استسلمت، الجميع أيقن هذا.

هز مارك رأسه إلى جانبيه. "لنذهب.." قطع النقاش قبل أن يحتد. رأيت نظرة الخيبة بوجه جوليا بينما يخرج أخيها من المطبخ.

و أنا مازلت لا أعرف عن ماذا يتحدثون.

بعد أن أنهيت قطعتي الأولى، نهضت عن الكرسي لأملئ كأسًا من الخزانة الماء و أشرب ثم عدت إلى مكاني. في هذا الوقت حاول كلٌ من سارة و سام تطيب خاطر صديقتهم ببعض الجمل. اكتفت جوليا بإيماءةٍ غير مبالية و بالنهاية لحقوا مارك و ذهبوا

و هكذا بقينا أنا و جوليا وحدنا بالمطبخ. لماذا لم تذهب معهم يا ترى؟

حل الصمت بيننا و أنا أأكل قطعتي الثانية و الأخيرة. لقد كان يبدو أنها شاردة لذلك لم تكن تتحدث و أنا لم أتعب نفسي بهذا.

عندما أنهيت طعامي، نهضت عن مكاني و تشكرتها. بدت كأنها ستقول شيئ، لكنها تراجعت عنه و أومأت لي ابتسامةٍ خفيفة لذلك بعد أن غسلت يداي، خرجت من المطبخ و تسلقت الدرج لأذهب إلى غرفتي.

لحدٍ ما اليوم، بدى كلٌ من مارك و جوليا بشرٌ طبيعين و هم مع أصدقائهم. لقد كان يضحكون و يمازحون بعضهم براحة. هذا دليلٌ على أنا العلاقة التي بينهم متينة. الغريب الوحيد كان أنا.

كالعادة. روز غيبسون غريبةٌ أينما ذهبت.

و الشيئ الذي رأيته بالمطبخ جعلني أشعر أثناء تلك الفترة التي كنت موجودة بها معهم كأنني إنسانة عادية. هذا الشعور كان دافئًا و منعش. للاسف، اختفى بعد أن دخلت غرفتي، حيث يوجد ذلك البحر الكبير و الغابة المظلمة. كلاهما كان أسوء من الاخر و كلاهما كان من الصعب التخلص منهما.

كأنني قبل أن أخرج من الغرفة تركت روحي الميتة داخلها و عندما عدت إليها أعدتها إلى مكانها لأرجع إلى أفكاري الضائعة، حيث أنني لست في موطني، لست في منزلي و الأهم لست مع أبي، عائلتي الوحيدة.

تنهدت و أغلقت الباب خلفي ثم ذهبت إلى السرير لأجلس جانب النافذة مجددًا.

يبدو أنها ستكون مكاني المفضل.

عندما تركتها المطر كان يهطل بشدة لكن الان لم يكن هناك سوى قطراتٌ قليلة. زجاج النافذة كان مبلول لذلك لم أكن أستطيع رؤية ما يوجد خارجًا بشكلٍ واضح.

هل هذا ما يجب أن يحصل؟ أن أكون في بيت أشخاصٍ غرباء؟ أن يكونوا هؤلاء الغرباء عائلتي؟ أن أفكر ما سبب هذا المطر؟

لقد كانت عادةً سيئة التفكير بسبب كل شيئ.

أحيانًا أكره عادة التفكير بأتفه الأشياء، لكن للاسف أنا هكذا منذ الصغر و العادات التي تأتي من الماضي من الصعب تخلص منها.

نظرت إلى خارج النافذة، إلى الأسفل و رأيت شخصًا ينزل من السيارة التي أحضرتني من فوكس كوست. عندما ركزت رأيت أنها عمتي.

و تذكرت صباح البارحة حيث كانت اخر مرة رأيتها. وقتها تركتني مع الصواعق التي في عقلي دون شفقة رغم أنها كانت تعلم أنها تستطيع أن تقللهم. فعلت هذا فقط لأنها جبانة. لو كانت شجاعة و لو قليلًا لأخبرتني الحقيقة. لقد كانت تعرف أشياءً لا أعرفها و جميع الأفكار و الدلائل تشير إلى أن لها علاقةٌ بأبي.

الذي تركني خلفه و فضل خططه علي، على ابنته.

هل سأبقى أضرب هذه المعلومة بوجهي في كل مرة أتذكره؟

هل سأبقى شريرةً مع نفسي؟

هززت رأسي إلى جوانبي بسلبية متجاوبةً مع الأسئلة التي طرحتها. ليس هناك أمل. لا تحاولِ روز.

لقد كان هذا شيئًا مثيرًا للسخرية. أنني أنا فقدت الأمل مني. أظن أنه من أسوء الأشياء من الممكن أن تحدث مع أي إنسان، لأن هذا يدل على أنه شخصٌ مثيرٌ للشفقة.

أنا شخصٌ مثيرٌ للشفقة.

بقيت هكذا لفترة، لا أعرف بالضبط، لكن رؤية قطرات المطر و هي تهطل كانت تجلب لي الراحة و تجعلني أشعر بالأمان. لطالما كان المطر كمخبأٍ سريٍ لي، لا أحد يعرفه و لا أحد يستطيع أن يكتشفه. أستطيع أن أبقى مختبئة فيه دون أن يلاحظه أحد.

عند الساعة الحادية عشر، كنت مازلت على وضعيتي. المطر توقف كليًا. رأيت من خلال النافذة دراجةً نارية يركبها اثنان تتوقف أمام المنزل. لم أستطع تمييزهما لأنهما يضعان خوذة. وقفا عن مكانهما و تحدثا قليلًا ثم خلعاها.

و هنا أيقنت أنه مارك و معه سام. كلاهما بدى على عجلة و هما يسرعان للدخول إلى المنزل.

رمشت بعيناي عندما بدأت أشعر بتثاقل جفوني و تثائبت. أظن أنه حان وقت نومي. ابتعدت عن النافذة و استلقيت على سريري لأنام.

لكنني لم أستطع لأن أصواتًا خافتة كانت تتحدث قريبًا من باب غرفتي تمنعني عن ذلك. لأقل شيئ، عندما أريد النوم يجب أن يكون كل شيئٍ هادئ. أي صوتٍ قد يشتتني. مثل هذه الأصوات الهامسة.

تنهدت بانزعاج و نظرت إلى الباب لأرى أنه ليس مغلقًا تمامًا لذلك نهضت كي أغلقه كليًا. هذا على الأغلب سيمنع الأصوات من القدوم إلى غرفتي و إزعاجي.

"هل أنت مضطرٌ للذهاب إلى هناك؟"سمعت صوت جوليا الناعم. لقد كان مضطربًا.

"أجل."

هذا صوت مارك.

نبرته كانت غير مرتاحة. "سام ينتظرني بالأسفل. هذه فرصة لا تتعوض جول. الجميع سيكون في المباراة بعد أن انتهى السباق الان و نحن سننهي الشحنة بهذه الأثناء بينما الجميع متشتت."

"و أين الجديد بالموضوع؟" سألت جوليا بسخرية. "ستتركونني وحدي كالعادة و تعيشون المغامرات أنتم."

"جول.." حاول مارك التحدث لكنها منعته. "لا تقل أي شيئ. لقد تقبلت هذا من زمنٍ بعيد، كما أنني متعودة على الوحدة." قالت بنبرةٍ مليئةٍ بالألم.

"جول!" تنفس مارك بانزعاج. "لا تقومِ بأي دراما. هذا من القليل أن يحدث. نحن لا نترككِ طوال الوقت.
أنا لا أترككِ طوال الوقت. فقط هذه المرة. حسنًا؟"

حل الصمت لثوانٍ ثم ردت جوليا بالنهاية. "مهما يكن." شخرت بعد مبالاة. "من فاز السباق؟"

"ألكس." رد مارك.

"رائع، هذا يعني أن سارة ستعاني من سام." ضحكت بخفة.

"ستعاني؟ لقد بدأت معاناتها منذ أن عبر ألكس خط الفوز." صوته كان مليئًا بالنشوة كأنه كان يتذكر أفعال سام. "أراكِ غدًا أيتها الصغيرة."

"إلى اللقاء." قالت جوليا كأنها تقبلت واقعها و فقدت الأمل.

بعد أن ودعوا بعضهم، سمعت خطواتٍ تبتعد و أبوابٍ تغلق دليلًا على أنهم تفرقوا. أغلقت بابي أنا أيضًا ثم ذهبت إلى سريري مرةً اخرى و أنا أسأل نفسي.

لماذا تنصتين عليهم؟

الفضول. لقد كان أحد عاداتي السيئة و المزعج بالموضوع أنني مازلت أريد معرفة المزيد

سباق و مباراة؟ شحنة؟

ماذا كان يقصد مارك بهذه الكلمات؟

بعد مدة، أغمضت عيناي محاولةً النوم لكنني لم أنجح بذلك لأن عقلي كان يسحبني أكثر إلى الأعماق في كل مرة أحاول و يحجزني مع ذكرياتي أنا و أبي. لقد كان شيئًا مزعجًا و مستفز. أبي تركني و أنا لا أعرف أي شيئٍ عنه. ماذل لو أصابه مكروه؟ ماذا لو ودعني لأنه..

فتحت عيناي بصدمة و قلبي دق بسرعة.

ماذا لو ودعني لأنه سيموت؟

لا. أفضل ألا أراه أبدًا و أنا أعرف أنه على قيد الحياة على أن أعيش و أنا أظن أنه ميت.

اللعنة. التفكير بكلام مارك و جوليا أسهل بكثيرٌ من هذا.

يبدو أنه لا يوجد نومٌ لي الليلة. تنهدت و مجددًا جلست بجانب النافذه.

هذه المرة حتى الصباح.

********
التاريخ: 17.03.2018


"روز؟" سمعت صوت دق الباب في الصباح الباكر. الشمس أشرقت من ساعتين و قطرات المطر التي على النافذة جفت في هذه الأثناء. أنا كنت الشاهدة على هذا كشخصٍ بقي يحدق منها طوال الليل.

نهضت عن مكاني و شعرت بألمٍ بظهري لأنني لم أتحرك و بقيت على نفس الوضعية لساعات ثم فتحت الباب. لقد كانت جوليا. عرفت هذا حتى قبل أن أراها لأنها الشخص الوحيد في هذا البيت الذي يتذكر وجودي على الأغلب.

"صباح الخير." قالت جوليا بإشراق. "الفطور جاهز."

"صبح النور." رددت عليها ثم تثأبت ربما للمرة المئة. "لست جائعة، شكرًا لكِ."

عبست و قلبت شفتها السفلية. "هيا روز، تعالِ واجلسِ معنا على الأقل. سام و سارة سيكونان هنا بأي لحظة. برأيي لا يجب عليكِ أن تفوتِ أي لحظة مما سيحدث بينهما." ضحكت بخفة كأنها تتخيل ذلك.

أيهما أفضل؟ البقاء في أعماق البحر و المعاناة؟ أم نسيان أنكِ هناك؟

تنهدت على هذا السؤال، لأنني كنت أعرف أن إجابته أيضًا بداخله. لا يوجد إنسانٌ طبيعي سيفضل المعاناة. أظن أن سماع كلمات مارك المزعجة و نظرات عمتي اللامبالية أفضل.

"فقط أعطيني الفرصة لأفرشي أسناني و أغير لباسي." قلت بهدوء مما جعل عينا جوليا تلمع بحماس و تومئ لي. "حسنًا. أراكِ في الأسفل." بعد أن قالت هذا ذهبت و تركتني وحدي. بقيت أمام الباب لثواني ثم خرجت من الغرفة و ذهبت للحمام لأقوم بما أخبرتها به. في هذه الأثناء، سمعت صوت الجرس لذلك افترضت أنهما سام و سارة. بعد أن انتهيت من قضاء حاجتي، اتجهت إلى غرفتي مجددًا و اقتربت من حقائبي. فتحت إحداهم لأأخذ منها اللباس.

يجب علي ترتيبهم بالخزانة. فكرت و أنا أأخذ القطع التي ستلزمني. و يجب علي أن استحم. لقد حطمت رقمًا قياسي. ثلاثة أيام؟ أنتِ مقرفة روز.

بعد أن غيرت ملابسي خرجت من الغرفة و نزلت إلى المطبخ. و كالعادة، لقد كانت أصوات الضحك تصدر منه. أخذت نفسًا عميقًا و دخلته.

و عندما رأني الجميع توقف عن ما يفعله.

مارك توقف عن الضحك.

سارة توقفت عن شد شعر سام الذي كان بجانبها.

سام توقف عن التأوه و إبعاد يدها عنه.

عمتي كانت تبتسم. عيناي لم تكن تكذب، لقد كانت تبتسم حقًا، بصدق و بدفئ، طبعًا قبل أأتي.

الشخص الوحيد الذي نظر لي بطبيعية كالعادة كانت جوليا.

"صباح الخير." قلت بهدوء.

"صباح النور." ردت جوليا بلطافة بينما سارة كأنها عادت إلى وعيها الان، أرسلت لي ابتسامةً لطيفة و كررت كلمات صديقتها ثم عادت إلى ما تفعله، شد شعر سام.

البارحة قالوا أن سارة هي من ستعاني من سام لكن يبدو أن العكس يحدث.

"هااااي! اتركيني أيتها الحمقاء! ليس ذنبي أن ذلك الساقط خسر!" صرخ سام بألم.

"هل تظن أنني غاضبة بسبب هذا؟ ألكس لم يفوز. لقد غش!" اعتصمت على كلامه. "بنظري هو الخاسر." قالت بثقة.

"إذًا لماذا تشدين شعري الجميل؟"

"لأنك شربت عصيري." ضحكت سارة بخفة. هذا جعل سام يدحرج عينيه. "و تقولون أنني أنا بخيل الطعام.." تنهد. "بجدية، إن لم تتوقفِ عن هذا سأري السمراء الجميلة ذلك الفيديو.."

توقفت سارة عن شد شعره عندما هددها. عرفت أنه يتحدث عن الفيديو الذي كانت ثملة به.

"هل ستهددني به في كل مرة؟" سألت بعدم تصديق. "تصرف كالرجال قليلًا."

رفع سام أصبعه الوسطى و هو يفرك البقعة التي شدته سارة منها ثم نظر لي متجاهلًا بربرت سارة. "كيف حالكِ روز؟"

"جيدة، ماذا عنك؟"

ألقى نظرةً غاضبة لسارة. "كما ترين."

اكتفيت بإيماءة خفيفة. بهذه الأثناء خرجت عمتي من المطبخ رغم أن طبقها كان ممتلئ. على الأغلب قدومي دمر سعادتها التي كانت تعيشها قبل دقائق.

هززت كتفي بخفة على هذه الفكرة. هي من وافقت على قدومي إلى هنا. لتتحمل النتائج.

"جول، هل يمكنكِ أن تعطيني الملح؟"

لقد كان أمامي بالضبط، لذلك بحركةٍ لا إرادية أخذته و مددته إلى صاحب الصوت. الذي اتضح أنه مارك.

نظر لي باستغراب لأنني أنا التي رددت عليه رغم أنه لم يطلب مني. لم يكن يعرف أنني فعلت هذا لأنني لم أستطع أن أميز صوته.

"لم أطلب منكِ أنتِ." قال ببرودة لكنه أخذه على أي حال و رش إلى البيض المقلي الذي على صحنه قليلًا.

الجميع أكل طعامه بهدوء، ما عدا سام و سارة، بقيا يتنقاران و يزعجان بعضهما كي يجعلوا بعض الضحات تخرج من فم مارك و جوليا.

لا أكثر و لا أقل.

نهضت جوليا عن الطاولة بعد فترة وجيزة مع صحنها لتضعه في حوض الصحون الصغير. بعد أن فعلت هذا، نظرت إلى مارك و تحدثت. "سأذهب لتحضير نفسي حتى تنتهوا من الطعام."

جملتها جعلت جميع من على الطاولة يتوتر. مارك كان على وشك أن يضع لقمته في فمه لكن ما سمعه أوقفه و جعله يضع ملعقته على صحنه مجددًا بينما سارة و سام المشرقان توقفا عن الحديث و نظرا إلى جوليا باضطراب. و القليل من الذنب.

عبست جوليا كأنها شعرت بهذا. "ماذا الان؟ ما هو عذركم هذه المرة؟"

"جول.."

رفعت جوليا يدها معترضة على سارة. "لا، غيرت رأيي، لا أريد سماع هذا." بعد أن قال جملتها خرجت من المطبخ بانزعاج.

لماذا في كل مرة يبعدونها عنهم؟

نهضت سارة عن مكانها لتلحق صديقتها لكن سام أوقفها. "اتركيها، ستتعاركان إن ذهبتِ إليها الان."

كشرت سارة بقلق. "لكن..-"

"نحن لا نريد غضبها سارة." قال سام بصرامة. لسببٍ ما شعرت بالغرابة عندما رأيت ملامحًا جدية على وجهه. ربما لم تنقضي سوى القليل من الساعات على تعرفنا لكن بدى لي أنه ذلك الشخص الذي لا يغضب أو يكون جدي.

تنهدت سارة مقتنعةً بكلامه و جلست بمكانها.

هذه المرة أنا التي نهضت. لم أنهي طبقي لأنني لم أكن جائعة و لم أريد أن أبقى في هذا المحيط المتوتر على أي حال. الشخص الغريب هنا كان أنا.

لم يعلق أحد على ذهابي. و أنا لم أقل شيئ و ذهبت. عندما وصلت إلى الطابق الأعلى رأيت باب جوليا مفتوحًا قليلًا و سمعت صوت انتحاب. لقد كانت تبكي.

في البداية أردت تجاهلها و الذهاب إلى غرفتي لكن شيئٌ داخلي أوقفني و جعلني أنظر إلى غرفتها مجددًا.

جوليا كانت الشخص الوحيد الذي يعاملني بشكلٍ جيد و بطبيعية في هذا المنزل، الشخص الوحيد الذي شعرت بأنه يهتم لي رغم أنه لم يمر حتى أسبوع على قدومي، الشخص الوحيد الذي حقًا يشعر بالسعادة لوجودي. لست من النوع الذي يحب التدخل بأمور الاخرين، قلت هذا من قبل، أشعر بالفضول لكنني لا أتدخل. لكن الان، لسببٍ ما، أشعر أنني إن تجاهلتها الان سأندم لأنني لم أدخل إلى غرفتها و سألتها عن حالها. لقد كان واضح. أخوها و أصدقائها لا يريدونها أن تأتي معهم إلى المكان الذي سيذهبون إليه. لا يبدو الأمر أنهم يفعلون هذا عن لئم لكن هذا يجرح جوليا على أي حال.

أخذت نفسًا عميقًا و خطوت نحو غرفتها. قرعت الباب رغم أنه مفتوح كي أعلمها بدخولي ثم انتظرت أن تنظر إلي و تأذن لي بالدخول.

"ألم تسمعِ ما قاله سام؟ قال ألا تلحقيني سارة." لقد كنت مستلقية و وجهها إلى الطرف الاخر بينما تقول هذا بصوتها المبحوح.

نظفت حنجرتي و تحدثت: "أنا روز."

بقيت جوليا ثابتة لثواني ثم استدارت إلي و رمشت بعيناها عندما رأتني. الاستغراب بدى على وجهها الأحمر لأنها لم تكن تتوقع قدومي. وجنتيها كانتا متبللاتان بسبب الدموع و عروق عيونها الحمراء أصبحت واضحة أكثر بعد أن هطلوا منهم.

"أيمكنني الدخول؟" سألت بتردد.

أومأت لي و أجبرت نفسها على الابتسامة كي لا تجرحني بينما مسحت وجهها بطول يدها. "بالطبع."

دخلت الغرفة و جلست على حافة السرير بجانبها.

ماذا يجب أن أقول؟ كيف أستطيع أن أريحها؟

لم يكن لدي أدنى فكرة. لقد امتلكت صديقةً واحدة في حياتي كلها و لم أحتاج لمواستها أبدًا لأنها كانت تواسي نفسها بنفسها. لطالما كانت لارا شخصًا قوي.

"هل هناك شيئ؟" سألتني عندما لاحظت أنني فقط أحدق بها كالحمقاء.

"مممم.." همهمت بحرج. "لم أستطع الذهاب إلى غرفتي بعد أن سمعت صوت بكاءك." قلت الصراحة.

ابتسمت بخفة. "لا تقلقِ أنا بخير."

"لا تبدين كذلك." تمتمت الصراحة. "لا أحاول أن أصر عليكِ لتخبريني لكن لا داعي لأن تكذبِ علي. أنتِ لستِ بخير، هذا واضح."

كلامي جعلها تزيل ابتسامتها لتعود إلى ملامحها الحزينة. "رأيتِ ما حدث بالأسفل لكن صدقيني إنه يحدث أغلب الأوقات. لست غاضبة منهم. أعرف أنهم مضطرون للذهاب و أعرف أنني لا أستطيع القدوم معهم." لماذا؟ "فقط أحيانًا هذا الواقع يشعرني بالأسى."

الأسى... كلمةٌ مألوفة جدًا قرأتها كثيرًا في قاموس كلماتي.

"الأسى كلمةٌ قبيحة حقًا. لا يجب على أحدٍ أن يستعملها إن لم يكن قد يأس حقًا." هززت كتفاي. "الأشخاص اللذين بالأسفل يحبونكِ حقًا. برأيي هذا سببٌ كافي كي لا تيأسي." قلت رأيي لكن في تلك اللحظة، جوليا نظرت لي نظرةٌ مليئةٌ بالمعاني، شعرت كأنها ديجافو (أن تشعر بأنك عشت هذه اللحظة من قبل) لأن لارا نظرتها لي عندما دوعتني.

'انظرِ لي، أنا قويةٌ أيضًا، أستطيع أن أتحكم بمشاعري أيضًا لكن روز، هل هناك فائدةٌ من هذا؟' ذلك الوقت ترجمت تلك النظرة لهذه الجملة لكن ترجمت جوليا كانت، 'انظر لي، أنا قوية لكنني أعاني يا روز، أنا متعبة و في واقعي و حياتي أنا، القوة لا شيئ.'

"ما تقولينه صحيح. أظن أنني بالغت." ابتسمت بهدوء عكس نظراتها. لسببٍ ما شعرت أنها هي و لارا متشابهتان إلى حدٍ ما في تلك اللحظة. كلاهما يحاولان الاختباء خلف نظراتهم و ضحكاتهم. و الغريب بالموضوع، تلك النظرات و الضحكات لم يكونوا مزيفين. من يدقق بهم يستطيع معرفة هذا بسهولة.

تنهدت. فشلت بمواساتها و بدل أن أساعدها، جعلتها تبدو كالشخص المذنب. غبيةٌ روز.

"لم أكن أقصد أنكِ مخطئة." زفرت بحرج. "انظرِ، لا أعرف ما عشتيه و سبب تصرفكِ. ربما أنتِ الشخص المحق بالأمر.. أنا..." شابكت يداي بتوتر. "اسفة، لست جيدة بمواساة أحد."

كلامي جعل جوليا تضحك. على الأغلب على غباءي و هي محقة.

"لم أنزعج روز." قالت بين الضحكات الهاربة. "شكرًا لكِ لأنكِ فكرتِ بي."

ردي كان ابتسامة خفيفة. "أراكِ لاحقًا." نهضت لأذهب لكن يد جوليا التي تمسكت بيدي منعتني. "انتظرِ لحظة."

فعلت ما طلبته و جلست مجددًا.

"أريد أن اقترح اقتراح."

"ما هو؟"

"ما رأيكِ أن نخرج للتسوق اليوم؟ أنتِ في وينتر ماربل منذ أربعة أيام و لم تخرجِ من المنزل أبدًا."

عقدت حاجباي على طلبها. التسوق؟ لم أكن أتوقع هذا. منذ البداية عندما جئت إلى هنا بعقلي كان يوجد فقط البقاء المنزل. أنا لم أفكر بالتسجيل بالمدرسة حتى. الأوضاع ليست جيدة على أي حال، ذهاب إلى المدرسة لن يفيدني بشيئ، ساضطر لإعادتها لأنني و بشكلٍ واضح أثبتت لنفسي أنني شخصٌ ضعيف و سأحتاج الوقت كي أتخطى ذهاب أبي و تركه لي خلفه. لذلك سماع جملة الخروج للتسوق جعلتني أشعر بالغرابة.

أردت الرفض لكن ملامح وجهها المترجية و المنكسرة لعبت دورها و صعبت علي قول كلمة لا لها. و دعونا لا ننسى معاملتها الجيدة لي بينما البقية يتعاملون معي كأنني عدو لهم. إن رفضتها سأكون أنانية.

"حسنًا." قلت بهدوء. "متى سنذهب؟"

"يااااي!" هتفت جوليا بسعادة و فاجئتني بعناقٍ سريع. حركاتها هذه تجعلني استغرب لكنها لم تزعجني. "بعد ساعة، هل هذا مناسب؟" ابتعدت عني.

أومأت لها. "اتفقنا." نهضت عن مكاني. "إلى اللقاء."

ابتسمت ابتسامة عريضة و نضهت معي. "إلى اللقاء."

اتجهت نحو خزانة أغراضها و هي تغني بينما خرجت من الغرفة و أغلقت باب الغرفة خلفي.

بعد عشرين دقيقة سمعت أصواتًا تصدر من غرفة جوليا. لقد كان مارك و على الأغلب كان يواسيها. الشيئ الجيد أنهما لم يتعاركا لأن أصواتهم لم تكن عالية جدًا و غاضبة. أظن أن جوليا سامحته. أو جعلته يظن هذا.

عندما حان الوقت كنت قد لبست جينزًا أسود اللون و بلوزةً سوداء فوقها جاكيتٌ أبيضٌ قصير بعد أن سرحت شعري البني و تركته يرتاح فوق ظهري. بالنهاية، قبل أن أخرج من الغرفة وقفت أمام المرآة لألقي نظرةً على منظري.

لباسي كان جيد لكن وجهي كان باهتًا و شاحب. بالعادة لا أخرج من دون أن أضع لمساتِ خفيفةٍ من المكياج لكن هذه المرة لم أريد. حتى لو كان هذا يعني أنني سأخرج بوجهٍ قبيح.

"روز، هل أنتِ جاهزة؟" دقت جوليا الباب لذلك أبعدت عيناي عن المرآة و رددت عليها. "أجل."

فتحت الباب. "لنخرج إذًا."

أومأت لها و ألقيت نظرةً إلى لباسها. على ظهرها كان يوجد حقيبة زهريةٌ كاشفة بينما أنا فضلت أن أأخذ هاتفي مع القليل من الدولارات في حال إن احتجت لهم. لقد كانت تلبس بنطال جينزٍ أسود، فوقه بلوزةً سوداء من قماشٍ رقيق و قميص جينزٍ أزرقٍ كاشف بينما شعرها البني متدلدل إلى أسفل ظهرها. في هذه اللحظة لاحظت أن شعورونا تشبه بعضها من ناحية اللون.

هل هذا لأننا أقارب؟

لسببٍ ما التفكير بهذا أدخل الدفئ إلى قلبي.

نزلنا الدرج، لبسنا أحذيتنا و خرجنا من المنزل. بعد المطر الغزير الذي نزل الليلة الماضية الشوارع كانت مازالت مبللة قليلًا. الشمس كانت موجودة لكن دفئها لم يكن كذلك. حاليًا فقط كانت تساعد بتجفيف الماء التي على الأرض و إعطاء ضوءٍ قوي لأن الطقس عكسها، كان باردًا.

حسب كلام جوليا، لقد كان يوجد مركز تسوقٍ صغيرٍ في وينتر ماربل و هو قريبٌ من هنا. إن مشينا لمدة خمسة عشر دقيقة سنصل إليه.

"إذًا، أخبريني عن نفسكِ قليلًا روز. دعينا نتعرف على بعضنا، ما رأيكِ؟" قالت عندما ابتعدنا عن المنزل قليلًا.

"لا أعرف ماذا يجب أن أقول.. ماذا تريدين أن تعرفِ؟" سألتها بهدوء. هذا جعل عينيها تلمع بحماس، عكس اليوم الذي جئت به، أشعر بأنني قادرة عن التحدث معها.. أظن أنني أشعر بالقرب لهذه الفتاة. هذا هو السبب.

"مثلًا، هل تحبين التسوق؟ نحن نذهب لنفعل هذا." تمتمت بابتسامة.

"حسنًا.. لنقل أنني لا أكرهه."

"لكنكِ لا تحبينه أيضًا.. فهمت عليكِ." فكرت بسؤالٍ اخر. "ماذا تفضلين أن تفعلِ في وقت فراغكِ؟"

"ليس لدي هواياتٌ محددة. أحب سماع الموسيقى مثلًا.. و.. أنا من النوع الذي يفكر كثيرًا، إن كان التفكير يعتبر هواية." ابتسمت بسخرية. "يعني لا أشعر بالوقت عندما أفكر.."

كشرت جوليا بوجهها و تنهدت: "التفكير ليس جيدًا دائمًا.. تعرفين هذا، صحيح؟"

أومأت لها: "أجل لكنه كوسواسٍ قهري. لا استطيع منع نفسي.. أشعر بأنه لا يوجد شيئٌ قد يملئ فراغي سواه. حتى لو كان جيد أو سيئ."

"أنا أحب قراءة الكتب." بدأت التحدث عن نفسها. "و أيضًا الخروج من المنزل لأنه يخنقني جدًا.. لكن كما رأيتِ لا أستطيع الخروج منه كثيرًا.." دحرجت عينيها بانزعاج. "كما أنني أحب الحيوانات. كان لدينا قطة اسمها بو لكنها ماتت منذ شهرين." تنهدت بحزن. "لقد كنت متعلقةً بها جدًا لأنها صديقتي في المنزل. موتها أثر بي حقًا.. كأنني خسرت أحدًا غاليًا علي."

"صعب." تمتمت بهدوء. "أنا أيضًا كنت امتلك دميةً أرنب. مثلكِ تمامًا، كنت متعلقة بها حقًا" قلت بنوعٍ من الحنية. عمري سبعة عشر عامًا لكنني أشعر بالحزن في كل مرة أتذكرها. أرنولد. هذا كان اسمها. مازال محفورًا بذاكرتي. بعض الأشياء البسيطة لا تنسى. "أضعتها عندما أصبحت بالعاشرة من عمري. ضياعها أيضًا كان صدمةً مزعجة بالنسبة لي."

"أنا أتفهمكِ تمامًا." قالت بابتسامةٍ صغيرة. "على كلٍ، بعد أن ننتهي من التسوق لنجلس بالمقهى، هناك واحدٌ قريبٌ من مركز التسوق. لديه تشيز كيك بالليمون رائع، متأكدة أنك ستحبينه."

ابتسمت.

تجاذبنا أطراف الحديث حتى وصلنا. قامت جوليا بالتبضع قليلًا. اشترت ثوبًا و جاكيت جلدٍ أسود بينما أنا فضلت أن أكون ساكنة و أن أبدي رأيي لها عندما تسأل. الوقت مر بسرعة و نحن نتسوق و لن أكذب، لقد استمتعت و شعرت بالانتعاش و لو قليلًا.

بعد أن أنهت جوليا شراء الأغراض جلسنا في المقهى التي أخبرتني عنه. تبادلنا الأحاديث العادية و أثنائهم، تجنبت أي موضوعٍ يتعلق بأبي. و هي لم تسألني عنه على أي حال.

بالنهاية، خرجنا من المقهى لنعود إلى المنزل، في يدِ جوليا أكياس الألبسة التي اشترتهم و بيدي كأسٌ بلاستيكيٌ يملئه عصير البرتقال الذي لم أكمله عندما كنا في المقهى.

لقد كنا نمشي بطبيعية متجهين إلى المنزل عندما توقفت جوليا فجأة.

عقدت حاجباي لهذا و سألتها: "ما الأمر؟"

ارتسمت على وجهها ابتسامة شيطانية و هي تنظر إلى الكراج الخارجي المليئ بالسيارات، القريب من مركز التسوق. أمسكت بيدي و سحبتني معها بسرعةٍ نحوه.

ماذا يحدث؟ لماذا غيرت اتجاهها إلى هناك؟

عندما توقفنا، كنا خلف سيارة أودي سوداء بعدة خطوات.

"جول، ما الأمر؟" سألت بستغرب.

نظرت لي بحماس. "روز، أريدكِ أن تمسكِ هذه الأكياس قليلًا."

"لماذا؟"

"لأنني على وشك أن أقوم بشيئٍ سيجعل يومي الذي كان سيئ و الذي أصبح جيد عندما خرجت معكِ أجمل." قالت جملةً معقدة جعلت استغرابي يزداد لكنني لم أعلق و هززت كتفاي بعدم اهتمام، أخذت الأكياس منها بيدي اليمنى ثم سحبت رشفةً من عصيري و نظرت إلى ما ستفعله.

شيئٌ بداخلي يقول أن ما سيحصل لن يكون جيد.

هل هذا يهمني؟

لا.

أسوء ما قد يحصل لي قد حصل عندما تركني أبي لذلك لست خائفة مما قد يحدث. على كل حال هذه مجرد احتمالية، قد يكون ما ستفعله أمرٌ تافه. ربما أنا أفكر بطريقةٍ بوليسية.

أخرجت جوليا من حقيبتها مفتاحًا ما و نظرت حولها لتتأكد من عدم انتباه أحد لما على وشك أن يحدث ثم وضعت عيناها علي. "عندما أركض، الحقيني روز دون تردد"

بعد سماع جملتها هذا، مسحت احتمال أن يكون عملها تافه.

أومأت لها بهدوء و دون اعتراض و نظرت إلى ما ستفعله بفضول و أنا أأخذ رشفةً من عصيري.

قبل أن تستدير إلى الأمام نظرت حولها مجددًا ثم استدارت بحماس و ببطئ، بدأت تمشي نحو سيارة الأودي و قامت بوضع المفتاح على السيارة و هي تخطو بهدوء لترسم خطًا مستقيمًا عليها.

ثم واحد.. اثنان.. ثلاثة. انطلقت بأسرع ما لديها. و أنا دون أن أخرج من دهشتي لحقتها و صوت أنذار السيارة يرن خلفنا بينما الأكياس تهتز بيدي اليمنى و العصير يقع من يدي اليسرى.

لو كان هناك من رأني، بالتأكيد سيسخر مني.

القلائل الموجودون في الكراج نظروا إلينا و نحن نركض بينما بعد ثوانٍ أمن المركز صاح خلفنا و هو يلاحقنا

اللعنة!

هتفت بعقلي و سرعت خطواتي أكثر و نحن نخرج من منطقة المركز كليًا لنصبح في شوارع المدينة. الادرنالين ارتفع بجسدي إلى اخر درجة و العرق بدأ يتسرب من جميع أنحاء جسدي. لم أكن أعرف ماذا كنت أشعر. هل هو الخوف و التوتر؟ أم الحماس؟ مشاعري كانت متشابكة.

"توقفوا!" ناد خلفنا رجل الأمن. "إن لم تتوقفوا الان، ستكوننا بورطةٍ كبيرة."

استدارات جوليا إلى الخلف و نظرت لي بابتسامة. على وجهها لم يكن يوجد أي مشاعرٍ سلبية، بل العكس تمامًا. بدت سعيدة.

هل خربشت السيارة للتسلية؟

"تجاهليه روز!"

أنا أفعل كذلك.

لقد كان أمامنا طريقٌ متقطع، اليمين، اليسار، للأمام أو الخلف و بما أننا سنختار أي واحدٍ ما عدا الخلف، أخذت جوليا طريق اليمين. من داخلي رغم أنه احتمالٌ صعب، كنت أدعو أنها تعرف إلى أين تذهب و ألا تكون ارتجلت عند استلاكه.

"مراهقون حمقى!" قال رجل الأمن. "هل تظنون أنكم ستفلتون بفعلتكم؟ هناك كاميرة مراقبة!"

ألقيت نظرةً سريعة إلى الخلف و رأيت أنه توقف كي ياخذ أنفاسه. لقد كان رجلًا كبيرًا بالسن و يبدو أنه استنفذ كل طاقته. هذا جعلني ابتسم بسخرية.

لا أعرف كم بقينا نركض، لكن عندما توقفنا كنا في شارعٍ ضيق و مسدود، نحاول أن نأخذ أنفاسنا بعقلي سؤالٌ واحد.

هل عشت هذا حقًا؟

تركت الأغراض على الأرض و وضعت يداي على ركبتاي محاولة أن أوازن أنفاسي مثل جوليا.

"هذا كان رائع!" قالت بحماس. "إلهي، أتسأل كيف ستكون ردة فعل تلك الحمقاء." ضحكت بخفة و نظرت لي. "كيف حالكِ بعد هذا؟"

"مصدومة؟" قلت إجابتي كأنني أسأل. "لقد توقعت أن يكون ما ستفعلينه شيئًا طائش لكن مع ذلك لم استطع منع نفسي عن الاندهاش." هذه المرة ابتسمت بخفة و رفعت نفسي. الان أستطيع أن أقول لكم ما هو شعوي. لقد كان الادرنالين و هو يرتفع من الحماس بدل الخوف. أظن أنني أحببت ما عشته من اكشن قبل قليل.

"لماذا فعلتِ هذا؟"

"صاحبة السيارة استحقت هذا." تحدثت بين أنفاسها و فعلت مثلي لتستقيم.

"إذًا أنتِ تحاولين إزعاج أحدٍ بفعلكِ لهذا؟ ظننت أنكِ تريدين التسلية."

"من المستحيل أن أفعل شيئًا كهذا من أجل التسلية." قالت بجدية. "لكن كما قلت، مالكة السيارة استحقت هذا.. لنقل أنني أخذت انتقامًا."

هذه المرة لم أسئلها أكثر و اكتفيت بإيماءة.

"الان، لنعود إلى البيت. لقد أخذت جرعةً كافية من الطاقة الإيجابية." بدأت بالمشي.

فتحت فمي لأرد على كلامها لكن توقفها فجأة وتحول وجهها السعيد فجأة إلى مصدوم منعني. عقدت حاجباي و استدرت لأرى إلى ماذا تنظر.

وقتها عرفت السبب.

لقد كان يقف شابان و واحدٌ منهما يوجه مسدسًا نحونا.

دق، دق، دق.

من أنت؟

ملاك الموت.

الوداع أيتها الشياطين، حان وقت ذهابي إلى الجحيم.

لحظة..

أنتم ستكونو هناك أيضًا.

دق، دق، دق.

أرجوك فليكن موتًا رحيمًا.


*******************

ملاحظة الكاتبة:
كيف الحال؟ نشالله تكون بألف خير.
بتمنى من أي شخص عم يقرأها يرد و لو بشيئ بسيط لأنها تعني لي الكثير و تسعدني.

الأسئلة:

-رأيكم بالفصل؟

-تقييمكن للفصل من 10؟

-شو رأيكن بالشخصيات الجديدة؟
-مين كانت اكتر شخصية حبتوها هادا الفصل؟
-سارة..
سام..
-مارك..
-روز..
-جوليا..

-ما هو سبب انشغال الجميع عن جوليا؟

-لماذا قامت جوليا بخربشة السيارة؟

-توقعاتكم للفصل القادم؟

الفصل القادم بعنوان: همسات الماضي.
و الفصل القاد يعتبر بداية الأحداث و الحبكة الحقيقية.
نلتقي يوم الثلاثاء بأذن الله.




التعديل الأخير تم بواسطة كاردينيا الغوازي ; 23-09-21 الساعة 09:24 PM
همسات الصيف غير متواجد حالياً  
قديم 14-10-21, 01:39 PM   #9

قصص من وحي الاعضاء

اشراف القسم

 
الصورة الرمزية قصص من وحي الاعضاء

? العضوٌ?ھہ » 168130
?  التسِجيلٌ » Apr 2011
? مشَارَ?اتْي » 2,488
?  نُقآطِيْ » قصص من وحي الاعضاء has a reputation beyond reputeقصص من وحي الاعضاء has a reputation beyond reputeقصص من وحي الاعضاء has a reputation beyond reputeقصص من وحي الاعضاء has a reputation beyond reputeقصص من وحي الاعضاء has a reputation beyond reputeقصص من وحي الاعضاء has a reputation beyond reputeقصص من وحي الاعضاء has a reputation beyond reputeقصص من وحي الاعضاء has a reputation beyond reputeقصص من وحي الاعضاء has a reputation beyond reputeقصص من وحي الاعضاء has a reputation beyond reputeقصص من وحي الاعضاء has a reputation beyond repute
افتراضي

تغلق الرواية لحين عودة الكاتبة لانزال الفصول حسب قوانين قسم وحي الاعضاء للغلق

عند رغبة الكاتبة باعادة فتح الرواية يرجى مراسلة احدى مشرفات قسم وحي الاعضاء (rontii ، um soso ، كاردينيا الغوازي, rola2065, ebti ، رغيدا)
تحياتنا

اشراف وحي الاعضاء



قصص من وحي الاعضاء غير متواجد حالياً  
التوقيع
جروب القسم على الفيسبوك

https://www.facebook.com/groups/491842117836072/

موضوع مغلق

الكلمات الدلالية (Tags)
أصدقاء, أسرار, اكشن, دراما, حزين, رغموض, رومانسية, عائلة

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة

الانتقال السريع


الساعة الآن 06:45 AM



Powered by vBulletin®
Copyright ©2000 - 2022, vBulletin Solutions, Inc.