آخر 10 مشاركات
‏المهرة اللي دونها ألف حارس ‏يصعب على أطوال الشوارب نحرها.. (الكاتـب : الغيد - )           »          سيد الجحيم (32) بقلم: lossil (كاملة) تم اضافة روابط التحميل (الكاتـب : متمردة - )           »          أدمنتك(نوفيلا تابعة لسلسلة لعنات العشق)-قلوب زائرة-للكاتبة:إسراء علي*كاملة+روابط* (الكاتـب : قلوب أحلام - )           »          فجر يلوح بمشكاة * مميزة ومكتملة * (الكاتـب : Lamees othman - )           »          فضاءات اليأس والأمل *مميزة* (الكاتـب : #أنفاس_قطر# - )           »          بريق في عيونك - جينجر شامبرز - ع.ج ( كتابة /كاملة )** (الكاتـب : فرح - )           »          ذنوب مُقيدة بالنسيان (الكاتـب : الريم ناصر - )           »          مهجورة في الجنة(162) للكاتبة:Susan Stephens (كاملة) (الكاتـب : Gege86 - )           »          145 -امرأة بلا مخالب - آن هامبسون - ع.ق ( كتابة / كاملة )** (الكاتـب : داماريس - )           »          رواية موجز بيليكان - جون غريشام (الكاتـب : ahmad2006771 - )


العودة   شبكة روايتي الثقافية > قسم الروايات > منتدى قصص من وحي الاعضاء

Like Tree1562Likes
إضافة رد
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم يوم أمس, 01:35 AM   #391

samar hemdan
 
الصورة الرمزية samar hemdan

? العضوٌ?ھہ » 461744
?  التسِجيلٌ » Jan 2020
? مشَارَ?اتْي » 733
?  نُقآطِيْ » samar hemdan has a reputation beyond reputesamar hemdan has a reputation beyond reputesamar hemdan has a reputation beyond reputesamar hemdan has a reputation beyond reputesamar hemdan has a reputation beyond reputesamar hemdan has a reputation beyond reputesamar hemdan has a reputation beyond reputesamar hemdan has a reputation beyond reputesamar hemdan has a reputation beyond reputesamar hemdan has a reputation beyond reputesamar hemdan has a reputation beyond repute
افتراضي


الفصل الخامس عشر
***
ثمة أشياء لا تفارق القلب مهما حاول صاحبه.. أهمها الحب.. وأوجاعه!
***
هبطت هاجر الدرج عازمة على الرحيل، تبعتها فرح التي غادرت الشرفة العلوية منتشية بفعلتها، استغربت استعداد هاجر للمغادرة بتلك البساطة ووهنها في المواجهة فتقدمت تجتازها وتسلك الدرج قبلها وتعلق متهكمة:
- ستتركين مأوى تنتصر هكذا!، عار عليكِ.
لم يشغل هاجر ما كانت تفعله الفتاة بشقتها في تلك اللحظة رغم ريبة الوضع، فهي تركت المشاجرة في أوجها وصعدت قاتلة فضول المراقبة حتى..
أغلقت باب عقلها أمام كل تلك المهاترات التي قد تزعزع عزيمتها وتثنيها عن قرارها، وصلت إلى الباب الداخلي للطابق السفلي وهمّت بتوديعهم بكياسة بعدما أغلقت باب قلبها على حزنها، رأتها نادرة تدلف بكامل ملابسها وقد تحضرت للذهاب فلوت شفتيها واتكأت بمرفقها إلى حاجز مقعدها:
- إلى أين يا ست هاجر؟
تقدمت منها هاجر بتهذيب تخبرها دون أن يرتفع صوتها:
- إلى بيت أبي.
تلفتت نادرة حولها لتنقل بصرها بين معاوية وفرح الواجمين وتعود إليها:
- لماذا؟.. هل ضايقك أحد من أهل المنزل!.
حمحمت هاجر بهدوء أطرقت تجيبها:
- لقد رأيتِ كل شيء بنفسك.
اعتدلت تضع كفيها في حجرها وتنظر أمامها مباشرة:
- ستكونين غبية إن صدقتِ افتراء مأوى يا هاجر.
تجمدت ملامح هاجر، شعرت بالأرض تدور بها وصدرها يضيق فكادت تختنق، يغمرها الإحساس بالخذلان فقد منحته الفرصة قبلًا رغم فعلته المريبة واستهانته بها، كانت تطمئن نفسها بأنه يحبها وأنه ندم ولن يعترض طريق مأوى ثانية، شحذت صوتها لتجيبها بخفوت:
- أعلم أنه لا يفكر في العودة إلى مأوى.
التقطت نادرة طرف الخيط واستغلت تلك الثقة لتبدي رأيها:
- بالتأكيد لن يفكر في العودة إليها، لن يكون رجلًا إن فكر حتى..
صمت لحظة وأردفت تدعم هذا الرأي بالدليل القاطع:
- سيئة الذكر التي رحلت قبل قليل حطمت كبرياءه ودعست رجولته تحت قدميها أمام الناس وبطريقة فجة لا تليق بامرأة تحترم الزواج أصلًا..
لاحظت هاجر استماتتها في الدفاع عن ولدها فقاطعتها:
- أليس سلامة هذا هو من وجدتِه في المستنقع أو قناة الوحل كما أخبرتني قبل قليل.
نالت منها انفعال هازيء سبق إجابتها المتهكمة:
- بلى هو، لكنني أرضعته وربيته هنا وسأمزق من يظلمه بأسناني.
استغلت تيه هاجر وطرقت الحديد ساخنًا:
- وكما سمعتك تتحدثين معها قبل قليل هي كذبت عليكِ قبل ذلك.
أومأت هاجر التي التفتت إلى معاوية الذي حضر كواليس كذبتها السابقة وهو من أحضر دليل براءة سلامة رغم أنها كانت تثق به دون دلائل، لكن هذه المرة تبدو كالبلهاء رغم أيضا أنها تعرف مسبقًا أنه ليس بتلك الحقارة ولن يسعى لتطليق مأوى من زوجها ليعيدها إليه ثانية جتى إن سعى لخراب بيتها لكن يتزوجها مرة جديدة، وما يغضبها أكثر ليس مأوى بل الأخريين، تلك المرأة التي حولت حياتها لويلات لا تطاق برفقة ابنتها المغيبة التي تصدق أنها تمتلك أخاها ولا يحق لامرأة غيرهما أن تاخد حيزًا ولو ضئيل من حياته، فهمت نادرة ما دار بخلد زوجة ابنها فتدخلت بين أفكارها تؤكد لها:
- لكن هناك أشياء لا تستطيع مأوى الكذب فيها خصوصا أنها تمس أخرين ويمكننا التأكد بنفسنا.
أولتها هاجر اهتمامها فوضحت لها أكثر:
- أعني أن سلامة قد تواصل فعلًا مع المرأتين التي ذكرتهن مأوى لكن لا نعرف الأسباب.
كتفت هاجر ذراعيها أمام صدرها ورفعت كفها اليمني تمسد جبهتها يائسة فأشفقت عليها نادرة لتعلق بهدوء:
- من حقك الرحيل يا هاجر لن يمنعك أحد، لكن فكري جيدًا أعلم إن الموقف السيء الذي حدث قبل قليل قد شوشك، عليكِ بتصفية ذهنك اولًا وفهم دوافعه ربما كانت نبيلة..
قاطعها معاوية بصوت مكتوم:
- وإن لم تكن نبيلة، تلك الوقحة تستحق هدم حياتها، ألم تروها كيف تتجرأ وتأتي إلى هنا وتفتعل مشكلات رغم إن زوجها لن يمرر ما تفعله ببساطة.
التفتت هاجر إليه تعقب غاضبة:
- اذهب إليه وأخبره إنها جاءت إلى هنا، لتنتقم هي في المقابل وتخبره إن أخاك قد تواصل مع خالته وأخته ودبر معهما مكائد فتشتعل النار وتطالنا الفضائح أكثر وأكثر.
كزت على أسنانها وأعادت وجهها صوب نادرة:
- ألا يفكر أولادك في عواقب الكوارث أولًا؟! ضحكت فرح بصوت مسموع وغمزت لمعاوية:
- جيد يا معاوية، زوجة أخيك بدأت تفكر وربما تحسن التصرف أكثر منك أنتَ وأخيك.
قاطعتهم نادرة تستهدف هاجر بمكرها:
ـ لا أحد يفكر يا هاجر للأسف، لقد أنجبت أربعة أغبياء خائبين، والآن نعوّل عليكِ أنتِ ربما تكونين أفضل منهم.
كبحت هاجر زفرتها متسائلة:
ـ ماذا عليّ أن أفعل!
قلبت نادرة كفها في الهواء:
ـ إذا رحلتِ الآن وتخليتِ عن خائب الرجاء الذي دافعتِ عنه صباحًا ستبدين مثلهم حمقاء لا تفكر مرتين، وحتى أنا سأفقد الثقة بكِ مثلما فقدتها بهم.
قطبت هاجر مستاءة وأشاحت بوجهها لتخفي انفعالها قليل التهذيب:
ـ ماذا تقصدين يا خالتي؟.
ضيقت نادرة عينيها تضرب ولا تبالي:
ـ ستبدين منافقة يا ست هاجر إن تناقضت أفعالك مع أقولك.
احتقن وجه هاجر وأدارت رأسها ناحية فرح ترمقها ساخطة قبل أن تصيح وتفرغ انفعالها:
- اذهبي إلى غرفتك بدلي ملابسك سنذهب الآن إلى بيت عائلتي أرى آدم وبعدها إلى السوق لنشتري أغراض المنزل.
انتفضت فرح من حدتها ورفرفت بأهدابها تسألها:
- ومن سيوصلنا؟
أطلقت زفرة حادة وأشارت صوب معاوية بملامح مغلقة:
- أخوكِ الذي يضرب النساء في منزله.
قالتها وتوجهت نحو باب الخروج منهكة القوى:
- سأتنظركما في الخارج، أريد التنفس قبل أن أختنق.
قهقه معاوية من خلفها وحدث أمه بدلًا عنها:
- لقد دفعت مأوى للخارج فقط لم أضربها يا نادرة.
لكن أمه لوت شفتيها وتحسرت:
- ليتني نهضت وصفعتها قبل أن ترحل أو ربيتها بحذائي فيبدو أنه أوحشها..
واصل معاوية الضحك ثم راح يقبل أطراف أنامله التي ضمها معًا ويرسل إلى أمه من خلالها القبلات التي نثرها في الهواء صوبها ثم إلى الباب الذي خرجت منه هاجر لتوها:
- أول مرة تتصرفين بحكمة أحببتك أكثر اليوم..
استقلوا سيارة معاوية جميعًا وقادها بهم إلى قرية هاجر وعائلتها، تلك القرية احتلت قلب معاوية بشوارعها وساكنيها، تخطى تلك الغصة التي تستقر في أعمق نقطة بقلبه حين يمر على أحد الشوارع تحديدًا وأكمل القيادة إلى بيت عائلة هاجر، صف السيارة هناك وهبطت زوجة أخيه وفرح وأخبرهما فيما يستقر محله على مقعد السائق:
- خذا وقتكما سأمر على الصيدلية لبعض الوقت وأعود حين تهاتفني فرح.
أومأتا له فأدار محرك السيارة ثانية وتراجع للخلف ليرحل تمامًا..
وقفت هاجر أمام باب البيت لعدة ثوانٍ تستجمع شتات نفسها قبل أن تتقدم إليه وتطرقه، تلفتت فرح حولها معجبة بتنسيق مدخل المنزل لتبدي إعجابها:
- شجرة التوت تلك رائعة لو أنني أسكن هنا سأحتسي الشاي كل يوم تحتها وقت العصاري.
استقبلت هاجر إطراء الفتاة بكياسة وتهذيب:
- بإمكانك المجيء معي كل مرة إلى هنا.
بدا على فرح الحماس لكنها تصنعت السخرية وقالت:
- ربما تعيريني بها مستقبلًا مثلما فعلتِ معي صباحا بسبب طبق الفول..
تأففت هاجر ورمقتها بضيق واضح:
- لم يكن بسبب طبق الفول وأنتِ تعرفين ذلك..
تهربت الفتاة منها وأشاحت بوجهها عنها:
- لنركز على زيارة ابنك من فضلك.
انفتح باب المنزل وقابلتهما والدة هاجر التي تفاجأت بهما وابتسمت ببشاشة وسعادة كبيرين، فتحت الباب على مصراعيه وعانقت ابنتها بمحبة ثم انتقلت تعانق فرح وترحب بهما:
- مفاجأة رائعة يا هاجر آدم سيفرح كثيرًا.
ابتعلت هاجر غصتها ودلفت باحثة عن طفلها الذي قابلها في منتصف الردهة وارتمى في أحضانها يتمرغ فيها ويخبرها كم اشتاق إليها، أخفت وجهها في حضن الصغير وأخفت غصتها بأعجوبة..
بعد حين من الجلوس بداخل المنزل وتناول الطعام نهضت فرح باسمة:
- سأخرج قليلًا للتنزه، منطقتكم جميلة وأحببتها..
وافقاها فاقترحت هاجر بصدق:
- أخرج معكِ أم تريدين الخروج وحدك؟
هزت رأسها نفيًا:
- لن أبتعد أصلًا سأدور حول المنزل وأجلس لبعض الوقت تحت شجرة التوت الجميلة..
خرجت فرح من البيت وشرعت في السير وحدها، الطبيعة لا تختلف كثيرًا عن منطقتها فكلها مروج خضراء لا يكفيها مد البصر يتناثر فيها البيوت من كل جانب، كانت وحيدة مستمتعة بالجمال الطبيعي حتى خرج شاب من بيت مقابل لبيت عائلة هاجر على بعد مسافة لا بأس بها يرفع أطراف جلباب أبيض ويربطه على خصره فيبدو الجلباب الأبيض من أسفل كتنورة بيضاء تصل إلى ركبتيه، فتمنح حق رؤية ساقيه النحليين، ساقان رجوليان بالغي النحول وهيئتهما ذكورية أكثر من اللازم لم ترى فيهما أي إغراء لها، رفعت عينيها ببطء إلى جسده فكان كله يشبه فتلة طويلة، حمحمت كي تقتل شخصيتها المتنمرة الداخلية لاسيما وأنه يحتضن طبقًا من التين الشوكي المقشر ويلتهمه دون رحمة، حين الوصول إلى وجهه الذي تعرفه جيدًا شهقت مصدومة وغمغمت بعفوية:
- خلف الدهشوري خلف!
امتعض باسل الذي ابتلع حبة التين الشوكي كاملة حين نادته باللقب الذي يلازمة منذ السنة الماضية وما قبلها حين كان بالمرحلة الثانوية ويغارون منه لأنه كان الأكثر اجتهادًا والأكثر حرصًا على مستقبله، أشار إليها بفظاظة يسألها:
- ومن الكونتيسة؟!
ضايقتها طريقته المستفزة فرفعت ذقنها بكبرياء ورمقته بطرف عينيها مشمئزة:
- أنا فرح الهلالي!
ركز بصره عليها ثوانٍ بجهل قبل أن يسألها بلمحة استهزاء:
- تعملين في مباحث التموين؟
ضربت الأرض بقدمها وكتفت ذراعيها أمام صدرها:
- كنت زميلتك في المدرسة الثانوية.
تصنع بأنه يراها لأول مرة رغم أنه يعرفها هي وتوأمتها مرح اللطيفة بل الأكثر لطفًا من صاحبة الأنف المرتفع التي تقف أمامه، تناول حبة تين أخرى دون أن يقدم لها واحدة وراح يلوكها دون أن يحيد ببصره عنها، يعرف أيضا أنها أخت زوج هاجر الجديد، طال صمته وتفحصه لها استاءت وسألته بفضول:
- سمعت أنك حصلت على منحة دراسية مجانية، هل ستسافر للدراسة في الخارج فعلًا يا خلف؟
كان على وشك إجابة سؤالها لكن نطقها للاسم الذي يكرهه جعله يرمقها غاضبًا ويصحح لها:
- اسمي باسل.....
قاطعته متعمدة إثارة غيظه:
- باسل خياط..
قالتها وانفجرت ضاحكة فامتعض أكثر:
- مزحة سخيفة مثلك..
حين توقفت عن الضحك وتجعدت ملامحها أشار لصدره فخورًا:
- باسل نصار، تذكري اسمي جيدًا ربما نتقابل مرة جديدة.
رمقته بازدراء وابتعدت عنه دون وداع:
- لا تقلق لن نتقابل، لن آتي إلى هنا ثانية..
***
يتبع....


samar hemdan غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم يوم أمس, 01:41 AM   #392

samar hemdan
 
الصورة الرمزية samar hemdan

? العضوٌ?ھہ » 461744
?  التسِجيلٌ » Jan 2020
? مشَارَ?اتْي » 733
?  نُقآطِيْ » samar hemdan has a reputation beyond reputesamar hemdan has a reputation beyond reputesamar hemdan has a reputation beyond reputesamar hemdan has a reputation beyond reputesamar hemdan has a reputation beyond reputesamar hemdan has a reputation beyond reputesamar hemdan has a reputation beyond reputesamar hemdan has a reputation beyond reputesamar hemdan has a reputation beyond reputesamar hemdan has a reputation beyond reputesamar hemdan has a reputation beyond repute
افتراضي

وقلب لا تساع جدرانه قهره، خطأ خلف خطأ ولا يتأثر سواه، تتمزق أوردته وشرايينه وينزف بلا نهاية ويأتي العشق فلا يجد له مكانًا والشوق يموت في أوج أوجاعه..
..
غادرت بيتهم مكسورة الخاطر، لم تأبه لاتساخ جلبابها الأسود ولا حجابها بفعل الماء المقرف الذي سقط فوق رأسها فقد تعاظم شعور القهر بداخلها ولم تعد ترى ولا تهتم بسواه، مضت بين شوارع القرية دون الالتفات لأحد، لماذا ينظرون إليها الآن في حين أنهم لا يهتمون بما تعانيه أو تصرخ به ولا يسمعونها حتى، وصلت بيت أهلها بلا طاقة، كل شيء بداخلها قد تساقط مع خطواتها في أثناء عودتها، فتحت الباب الخشبي ولم تقابلها أمها أو أحد إخوانها المراهقين، دلفت إلى الحمام وغسلت وجهها من أثر اتساخه ثم صعدت الدرج ببطء امرأة تشظت روحها لأشلاء وتناثرت في المدى وأوشكت على الانتهاء، جلست على أعلى درجات السُلم تحت الشمس الساخنة دون اكتراث بحرارتها اللاهبة، خلعت عنها حجابها ووضعته جانبًا، قد جفت الماء على ثوبها وتركت بقايا طمي يابس ظل عالقًا واستحال من لون داكن إلى رمادى فاتح، طالت جلستها وسال عرقها فأغرقها كليًا، انكسرت حدة الشمس بعد عدة ساعات ولم يبحث عنها أحد، انحنت بجذعها جانبًا وأراحت كفها على سطح الدرج لتميل برأسها وتستقر فوقه، طفرت من عينيها دموع مالحة، صادقة مثل حزنها، تظنها نادرة وأولادها لا تمتلك مشاعرًا لذا يدعسونها ويستمرون في الدعس حتى كادت تنسحق كليًا، اهتز جسدها مع اشتداد بكائها ولم تهدأ حتى شعرت بيد ثقيلة تحط على كتفها، أجفلت واعتدلت جالسة تزيح عبرات ضعفها بحدة مؤلمة، رأته من خلف سيل الدموع حزينًا، أشاحت بوجهها عنه تسأله بقلة تهذيب:
- لماذا جئت؟
قبض على كفها بخشونة غير متعمدة وتهالك جالسًا في الأسفل على بُعد درجتين منها، انتصب ظهرها فيما تناظره من محلها المرتفع وسألته بنبرة لا تخلو من سخط وعتاب:
- هل أتيت لتكمل صفعاتك يا زكريا؟
أحزنه ما وصلا إليه وأمسك بكفها يتفقد وجهها المتورم بندم شديد:
- لم أكن أعاقبك يا مأوى.
أزاحت واجهها إلى جهة مغايرة، تهبط عيناها من السماء التي اكتسب الصفاء لتوها إلى ساحات الأراضي البعيدة، كل شيء بعيد ولا يشبهها، إلا الألم القريب بشدة والذي يبدو أكبر منها ومن طاقتها على التحمل، ضغط على كفها بذلك الشعور العظيم بالفقد الذي تسرب إليها فأجبرها على العودة والسقوط أسيرة لحظته:
- ماذا كنت تفعل إذًا؟!
استدعى الهدوء كي يصل معها لبر أمان وينقذها من حالة اليأس التي أغرقتها:
- كنت أنبهك فقط، أخرجك من حالة الاهتياج وفقدان السيطرة التي صابتكِ.
ندت عنها ضحكة هازئة طالت حتى ارتجف جسدها واحتشدت الدموع في مقلتيها:
- ألم تنبهك حالتي المزرية تلك بوجود خطب ما؟... شيء خاطئ جعلني أتصرف بتلك الطريقة..
استهدفته بسؤالها المقهور:
- ألم تشعر بالظلم الذي تعرضت له!
كان صادقًا في نفيه، في قهره عليها وفي ندمه حين أجابها:
- لم أنتبه، كان الحدث أكبر من استيعابي يا مأوى، ما رأيته فرض عليّ سوء الظن.
لفهما صمت وسبحت كلماته في عقلها ببطء جعل الألم يتضخم بداخلها فسألته بخيبة أمل:
- أتعرف ما الفارق بيني وبين هاجر يا زكريا؟
لم يحب أن تتطرق لسيرة طليقته ولم يستسغ تلك المقارنة البتة فزمجر وترك كفها في حجرها ليكورها على ركبته:
- لا داعي لهذا الحديث يا مأوى، لستِ ضُرتها لتقارني نفسك بها.
أشرست عيناها وانحنت بجذعها صوبه لتستند بكلا كفيها إلى فخذيها وتخبره بفحيح متخطية تعليقه:
- الفارق أن لها ظهرًا يحميها، رجالها كُثر والجميع يدافع عنها ويقف في صفها مهما حدث.
لم تتمهل لالتقاط أنفاسها فتهدج صوتها حين أردفت:
- الفارق كبير يا زكريا، كبير جدًا.
شعر بالإهانة والخزي من أن يخذلها لهذه الدرجة، كان عليه أن يفض النزاع بينهم ويفهم أولًا لكن الصدمة صابته بالشلل وجعلته يتصرف بتلك الطريقة العشوائية، وألجمته عن إبداء أي رد فعل بعدها فقط أمضى ليله ساهدًا يفكر، ومثلما قالت قبل قليل قد أدرك أن هناك شيء خاطئ قد حدث، لاسيما وأنه يعرف خالته وأخته جيدًا ولم تكن تلك سبقتهما الأولى لتخريب حياته، وما أكد له ظنونه هي مكالمة فاروق قبيل الظهيرة مباشرة والتي كشفت له ما حدث كله، رنت جملتها في أذنه فأكدت له كم هو سيء ولم يقف في ظهر زوجته في أوج احتياجها له
( لقد سبتا شرفي وأنتَ صفعتني)
احتقن وجهه وأمسك بكفها وضعها فوق رأسه وأطرق:
- حقك فوق رأسي يا مأوى، حقك هنا، أنا لم أسمع أو أفهم الأمر جيدًا وظلمتك بشدة..
جذبت يدها منه بحدة فرفع رأسه ببطء إليها:
- لن أطلب أن تعودي معي اليوم لكن أطلب أن تتقبلي اعتذاري، كان عليّ الفهم ثم التصرف.
تنهد بقوة من عمق صدره واستأنف:
- لا أريد هدم حياتنا، الدفء والسكينة التي أشعر بها معكِ يكفياني ولا أريد سواك أنتِ وطفلي الصغير.
ضاعف من ضغطه على قبضته وزاد انفعاله حتى ظهر وريد في جبهته:
- لقد عرفت كل شيء.
استعطفها بنظرات احتياج وأسف عميقين:
- هما مسئوليتي ولا أستطيع التخلي عنهما لكنني لن أسامح في إهانتك ولن أقايض على سمعتك وشرفك.
ضيقت عينيها وسألته بحذر:
- ماذا عرفت بالظبط؟.
زفر بعمق وطل الغضب من بين مقلتيه:
- عرفت ما فعلتاه بكِ وأنك لن تنفعلي هكذا دون سبب وجيه لذلك.
لم يذكر سلامة البتة فسألته مترقبة:
- وهل عرفتِ كيف تطاولتا عليّ؟.
هز رأسه نفيًا وأعماه غضبه:
- ولماذا أخوض في تفاصيل مسيئة؟.. ما حدث هو أن تأكدت مما قلتِه أنتِ.
أشفقت عليه من الحال الذي وصل إليه ومن قريبتاه اللتين تتخذانه ملكية حصرية وتفعلان في مقابل ذلك كل شيء دون رادع، حد تواصلهما مع أكثر شخص قد يستاء منه زكريا،
غمرها الحزن جوار اليأس والكثير من فقدان الأمل، كادت تفشي له الأمر وتخبره عما فعلتاه صالحة وطاهرة من خلف ظهره وشعرت بالألم لأجله إن عرف، هذا الرجل طيب القلب لا يستحق أن تكسر رجولته بتلك الطريقة، لكنه يستحق أن تغضبه بعض الشيء فأخبرته بانفعال صريح:
- أنا أكره الجميع، صالحة وطاهرة وسلامة..
صمتت برهة وأضافت بكره مضاعف:
- والست هاجر.
نطقها ساخرة تحمل الغل والقهر سويًا، تصلبت عضلات وجهها ولم تحد ببصرها عنه:
- الكل يستحق أن يتألم يا زكريا لذا ذهبت إلى بيت الهلالي.
استنفرت حواسه فقد حذرها قبلًا من تكرار الأمر ولم تأبه به فراحت تسرد له بتصالح تام مع نفسها:
- ذهبت إلى هاجر لا تقلق لم يكن زوجها هناك.
ندت عنها ابتسامة شرسة متشفية:
- قصدتها هي شخصيًا، وأخبرتها عن زوجها الحقير وأكدت لها أنها اختارت أسوأ شخص.
أمسك برسغها يضغط عليه بغضب عارم وغمغم من بين أسنانه:
ـ لقد حذرتك يا مأوى من تكرارها، كل مرة تثبتين لي قلة احترامك لي.
جابهت نظرته بالمثل:
ـ هل ستهددني بالطلاق مجددًا!
ضاعف من ضغطه على يدها حتى شعرت بالألم حارقًا لا تكاد تطيقه:
ـ لا، لن أطلقتك لكن ربما سأكسر قدميك.
نفضت يدها منه بحدة:
ـ قلت لكَ لم أره هناك وقصدت هاجر ووجدتها هناك.
سألها مقطب الجبين ولم يتخطى سخطه من رعونة تصرفها واستهانتها به:
- وما ذنبها أصلًا وما دخلها هي وزوجها في مشكلتك مع خالتي وأختي يا مأوى، لماذا تورطين الناس في مشكلاتنا.
رفعت أحد حاجبيه وانثنى ثغرها بتلك الابتسامة المريرة التي تقتله قتلًا وتخبره كم كان ناقص قوامة حين تركها تفعل أفعالها البغيضة وحين احتاجت دعمه الحقيقي وتفهمه وخذلها، تخطى شعوره الكريه وسألها بغضب عارم ووجه محتقن:
- ألم أحذرك من الذهاب إلى هناك؟
نهض بغتة فقلب الموازين وتفوق بطوله الفارع جعلها تشرئب بعنقها ناظرة إليه فسألها دون رفق:
- كيف تظلمين امرأة غيرك وأنتِ من جربتِ الشعور بالظلم بالأمس؟!
تدرج في عينيها ملوحة البحر وظُلمته واكتنفها ضيق أكثر من كل ما سبق:
- وأنتَ كيف تدافع عنها اليوم ولم تدافع عني بالأمس، أي منا أحق بدفاعك يا زكريا.
أحس باحتياجها له رغم جملة أخطائها فانحنى يمسك بكفها يمررها على لحيته وينظر إليها يمنحها الأمان وبعض من سكينة وفيض من الحب:
- أنتِ تستحقين مني اعتذارًا كبير وعودة حقك ودفاعي إلى الأبد.
تنهد بقوة وأطبق أجفانه ثم فرقهما:
- وهي تستحق الدفاع لأنها أم ابني ولأنها لم تخطئ في حقك يا مأوى.
حرر كفها واستوى واقفًا مرة جديدة:
- مشكلتك الكبيرة أنك تضيعين حقك بانفعال شديد ليس في محله.
برقت عيناها فاستدرك:
- لا أقصد ما حدث بالأمس، لا ألومك في الدفاع عن شرفك وما يطاله من أكاذيب، ألومك على اندفاعك المستمر الذي ينقلك من خانة الضحية لخانة المذنبة.
قالها وأولاها ظهره وشرع في الرحيل مغمغمًا:
- اهبطي إلى أسفل واستحمي وبدلي تلك الملابس ثم حاولي النوم يا مأوى يكفيكِ تعب بعد الآن.
غادر بيتها واجتاح ذاكرته مشادة الظهيرة وما حدث فيها، فبعد مكالمة فاروق الهاتفية قد فهم كل شيء، لم يخبره فاروق سوى كلمات بسيطة عن خالته وأخته، قال أنه سمعهما تتهامسان عن مأوى زوجته وتحتفلان بالنصر عليها فقد استفزتاها كي تنفعل وتهم بضربهما فيأتي هو ويرى صورة مرسومة بدقة هدفها تشويه صورتها أمام زوجها، وكانتا تتوقعان رد فعل زكريا الذي سيجعلها هي تصر على الانفصال عنها، تجاوز تلك الصاعقة التي سقطت على رأسه من السماء وربط ما قاله فاروق وما قالته مأوى وتأكد من أنهما سبتا شرفها بالفعل، ترك كل شيء وذهب إلى بيت العائلة، طرق الباب ففتحته له خالته، كانت الكدمات ظاهرة بوضوح على وجهها وتضم ذراعها لصدرها في ألم أيضًا، تهللت أساريرها حين جاء وهمت باحتضانه فأوقفها على بعد ذراع منه:
- أين طاهرة؟
توجست من طريقته الغريبة وسألته مترقبة:
- ماذا بك يا زكريا!
كرر سؤالها بانفعال مكتوم:
- أين طاهرة يا خالتي؟؟
أشارت لأعلى دون أن تحيد ببصرها عنه:
- في شقتها في الأعلى.
تخطاها قائلًا من خلف ظهره:
- اتبعيني من فضلك.
تلكأت في خطواتها من خلفه، شعرت بأن وراء تبدل حاله كارثة كبيرة، ربما تكون الحرباءة التي تزوجها قد نجحت في قلب الموازين بأفعوانية!
شحذت كل أسلحتها وتأهبت للهجوم وصعدت خلفه، طرق باب أخته التي نهضت من فراشها بإعياء تفتحه له، ما إن رأته حتى ارتمت في أحضانه متلهفة:
- أخيرًا أتيت يا زكريا؟
أبعدت رأسها عنه لتنظر إليه فترهبها نظراته والغضب العارم الذي يكتنفه، لم تأخذه بهما شفقة وزعق يرج الجدران:
- سعيدتان الآن!
نقل بصره بينهما في سخط لا حد له فردت خالته تهاجم مأوى مباشرة:
- زوجتك قلبتك علينا، هل صدقت تلك ال.....
زعق ثانية ورفع كفه بينهما يوفقها بحزم:
- زوجتي الشريفة، التي خضتما في سيرتها دون خوف من الله!
تجاهل خالته واستهدف أخته بأكثر من اللوم والعتاب:
- أنتِ أختي الصغيرة يا طاهرة، أنا من ربيتك كيف تفعلين ذلك بي؟
ارتجفت طاهرة وكادت تسقط أرضًا لولا أن دعمت نفسها بالتمسك بحاجز الباب:
- ماذا فعلت أنا، هي من....
قاطعها بضرب الباب بقبضة قوية:
- لا يا حبيبة أخيكِ أنتِ ووالدتك من تعديتما على حرمة بيتي في غيابي.
همست اسمه بضعف والعبرات تجمعت تغرقان وجنتيها:
- أنتَ تفهم الأمر بطريقة خاطئة.
هز رأسه بمرارة:
- بل كنت أفهم الخطأ بالأمس يا أختي لكن اليوم الغشاوة قد زالت عن عيني.
تراجع للخلف يهبط الدرج بعدما منح خالته نظرة حارقة من غيبة الأمل:
- إن تماديتما في حقها ثانية سيكون فراق بيني وبينكما.
***
يتبع..


samar hemdan غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم يوم أمس, 01:42 AM   #393

samar hemdan
 
الصورة الرمزية samar hemdan

? العضوٌ?ھہ » 461744
?  التسِجيلٌ » Jan 2020
? مشَارَ?اتْي » 733
?  نُقآطِيْ » samar hemdan has a reputation beyond reputesamar hemdan has a reputation beyond reputesamar hemdan has a reputation beyond reputesamar hemdan has a reputation beyond reputesamar hemdan has a reputation beyond reputesamar hemdan has a reputation beyond reputesamar hemdan has a reputation beyond reputesamar hemdan has a reputation beyond reputesamar hemdan has a reputation beyond reputesamar hemdan has a reputation beyond reputesamar hemdan has a reputation beyond repute
افتراضي

تلكأ قليلًا في العودة حتى تهدأ بعض الشيء، يعرف إن واجهها وهي بحالتها المزرية في أوج غضبها سيكون أول الخاسرين، أخبره معاوية بكل تفاصيل اقتحام مأوى للبيت وكل السموم التي أمعنت في بثها أثناء زيارتها الكريهة مثلها، وأمه هاتفته بعد عودة هاجر من بيت عائلتها وسبته مرة لتعامله مع النسوة في الخفاء ومرة لأنه بذلك منح مأوى فرصة المجيء إلى بيت الهلالي لتفتعل وصلة دراما لا تخلو من كذب وافتراء، وصل إلى المنزل وترجل من السيارة ليبقى في الخارج لبعض الوقت، خرج إليه معاوية وحين رآه مترددًا في الدلوف غمرته لوثة ضحك انتهت بسؤال متهكم:
- هل تخاف من دخول المنزل؟
أشار للبيت من خلفه وواصل ضحكاته:
- لست ضيفًا يا رجل تفضل تفضل.
رمقه سلامة بضيق ثم استند بظهره إلى سيارته القابعة خلفه، وأخرج علبة تبغه ليشعل منها لفافة ثم يستل منها الدخان ببطء، اقترب معاوية ووقف بجانبه، حانت من سلامة التفاتة بسيطة إلى أخيه يسأله:
- كيف كنت ستغتصبها وأمك وأختك وزوجتي في المنزل!
عاد معاوية لضحكاته بعد هدنة سكون وكتف ذراعيه أمام صدره:
- ليس لتلك الدرجة، كنت أخيفها فقط.
داعب سلامة الطبقة الرقيقة للفافة التبغ وزفر يعود برأسه للوراء مغمغمًا مستغربًا حاله:
- أوشكت على التعاطف معها هذه المرة.
اكتنفت معاوية صدمة كبيرة وردد من خلفه:
- تتعاطف مع مأوى يا سلامة!
أمعن في وجهه النظر يكذب ما سمعه، وقبل أن يزيد في الأسئلة منعه سلامة بإطراق رأسه:
- لا أريد التحدث عنها الآن.
أومأ أخوه متفهمًا إياه وبدل الدفة إلى جهة هاجر يسأله في فضول:
- ماذا ستفعل هذه المرة كي تخرج من المأزق، هل ستتبع سياسة الانبطاح الجزئي ثانية؟
نفث سلامة تبغه بقوة كزفرة تخلصه من بعض ضيقه وحانت منه التفاتة صوب الشرفة العالية يفكر فيما ينتظره خلفها:
- بل سأنبطح كليًا هذه المرة..
استنكر معاوية بشقهة صدمة وأدار جسده كله صوبه يسأله بغير تصديق:
- هل ستزحف من أجل امرأة وتلوث سمعة الهلالي!
أطرق سلامة يزفر من جديد ويغمض عينيه في أسف:
- ليست أي امرأة، الست هاجر ليست كأي امرأة يا معاوية..
ربت على كتف أخيه بتشجيع وعاد يضحك ملء شدقيه:
- إذًا انبطح يا سلامة انبطح وفرحنا بالخيبة الثقيلة.
تقمص دور أمه ولوى شفتيه يمينًا ويسارًا بمسرحية ثم غمغم في حسرة مفتعلة:
- يا خيبتك في ولادك يا نادرة.
وعند باب المنزل منحته أمه واحدة حين رأته يدلف مثقل بالهموم:
- يا خيبتك في.......
قاطعها سلامة يلكز أخيه في خاصرته ويكز على أسنانه:
- حضر كوب ليمون مثلج لنادرة يا ولد.
اهتز معاوية من الضحك وتأوه معلقًا:
- سأحضر لها دلوًا من الليمون كي تنسى خيبة أولادها.
تركهما سلامة وارتقى الدرج متأهبًا لاستقبال كرة نار في صدره تحديدًا، عند باب الشقة تردد هل يجازف ويدلف أم ينتظر حتى تهدأ أكثر، اتخذ قراره وطرق الباب بحذر وتراجع عدة خطوات للخلف تحسبًا لأي شيء قد تقذفه هاجر به، هاجر التي فتحت الباب محتقنة الوجه وبدا أنها عرفت بحضوره قبل أن يصعد إليها، كانت بلا وشاح رأسها ولا تزال ترتدي ثوب خروج محتشم، تصنع النزق وبادر بأخذ دور المهاجم يسألها:
- لماذا خرجتِ من المنزل دون أن تخبريني على الأقل.
رمقته صعودًا وهبوطًا مندهشة ورفعت رأسها للسقف تفتح كفها اليسرى وتلوح بها في الهواء:
- يا للوقاحة!
شهق مقلدًا معاوية كما فعل بالأسفل قبل قليل ودفعها للخلف ليغلق الباب سريعًا ويستنكر:
- أنا وقح يا ست هاجر!
سألته بمرارة تشيح بوجهها عنه:
- ست هاجر!
ابتلعت غصة قبل أن تزفر بقوة وتغلق تعابيرها في وجهه:
- كفى رياءً يا سلامة كفى.
ردد خلفها مبهوتًا فيما يقطع المسافة بينهما ويمسك بها متشبثًا بكل قوته:
- رياء!
ارتفعت وتيرة أنفاسه كأنه لا يصدق نفسه:
- تسمين ما بيننا رياءً يا هاجر.
حررت نفسها منه بابتعاد مفاجئ أوجع قلبه بقوة:
- أسمع كلامًا وغزلًا لا ينتهي وماذا يحدث بعد ذلك!
في تساؤلها تعجب وفي تتمة حديثها علقم:
- وبعد ذلك أسمع ما أكره وأتعرض لأشياء بغيضة لا أحبها البتة.
استهدفت عيناه التي تحاول احتوائها لكن أبت وأصرت على موقفها الهجومي حين أردفت:
- هاجر قبيحة، هاجر ضئيلة.
باغتته بتمزيق مقدمة ثوبها بحدة وأزاحته عن كتفها تصرخ بحرقة:
- هاجر مشوهة.
سارع بالإمساك بها، بلملمة شتاتها ودرء القهر عنها، ولمرة ثانية دفعته ترتجف بعنف وتظلم ملامحها:
- وطفلي الذي أخسره كل يوم أكثر من اليوم السابق.
اندفع صوبها يعتقلها عنوة، يمارس عليها سحر يسبيها ويمنعها الابتعاد عنه، سكنت لحظة ترتعش الدموع في عينيها لتسمعه يهدهدها برفق ومحبة:
- بل هاجر جميلة وطفلك سيعود إليكِ لن أتوقف عن المحاولة والتكفير عن ذنب إبعاده عنك.
نأت بنفسها عنه تنكمش على ذاتها، يكتنفها ضعف يزلزل روحها ويأخذها بعيدًا عنه:
- لن أصدق شيئًا بعد الآن.
التقطت شهيقًا تملأ به صدرها وتتأهب للإطاحة به وتخبره:
- سألتني ذات مرة هل أنا نادمة على ارتباطي بك أو لا.. الآن أخبرك أنني نادمة يا سلامة.
احتقن بياض عينيها وتمتمت تؤذي قلبها وتؤذيه في اللحظة ذاتها:
- أنا الآن نادمة لأنتي تركت طفلي وتزوجتك، ما حصلت على شيء معك سوى الإهانة..
استقبل قذيفتها في عمق قلبه وفتته، تناثرت الشظايا تطال روحه وتوشك على قتله كليًا، ترددت الأنفاس الساخنة في صدره وتركها ليعيد ذراعيه إلى جانبه، ظن أن به قدرة للتحمل لكن أمامها وأمام حبهما الذي تهينه الآن يكاد يصرخ علّ الألم يفارقه، اكتنفها جمود فتحجرت الدموع في عينيها وخرج صوتها حادًا كسيف مسنون ينحر العنق ويجهز على ما تبقى من الروح:
- طفلي أولى بأمه من رجل يعرضها للإهانة كل حين دون أسباب معقولة..
بتر استرسالها بحزم ويده وقفت بينهما كجدار تمنع المزيد من النزف:
- لا توجد أسباب أصلًا تسمح لأحد يهينك يا هاجر.
أطرق يخفي يأسه ويبرر لها موقفه برفق جاهد كي يحافظ عليه:
- لكن لابد أن تسمعي الحكاية كاملة وتعرفي أسبابي ونتائج ما حدث بالتفصيل.
لم يترك لها مساحة تفكير مناسبة وشرع في طرق الحديد ساخنًا حين رفع رأسه ببطء إليها:
- في البداية أنا فعلت شيئًا لا يجوز لكن من أجل أن يعود آدم إلينا.
تعمد نطق إلينا لا إليكِ ليشعرها أنه يريد الطفل مثلها وأكثر، استنكرت ما يتفوه به:
- يعود!
أغلق الباب أمام صوته المرتفع وانفعاله المبالغ فيه واحتفظ بالهدوء قدر استطاعته:
- أعترف أن الطريقة خطأ لكن هدفي كان نبيلًا، فعلت ذلك لأجلك.
صرخت دون سيطرة على نفسها، انفلت غضبها وحدقت به والشرر يخترق المسافة بينهما:
- تخرب بيتًا وتتعدى على مثياق الزواج الغليظ وتقول لي نبيلًا.
طفح الكيل منها وواصلت صيحاتها الغاشمة:
- أين النبل في خراب بيت مأوى.
تصلبت حدقتاها وكزت على أسنانها بقوة حتى سمع اصطكاكها:
- لن أتهمك بسوء النية فيما يخص عودتها إليك يا سلامة.
أمسك بيدها كأنه قشته التي ستحميه من الغرق وتشبث بها قدر استطاعته فتركته يمرغ يده في راحتها إيمانًا منها باحتياجه الكاسح إليها في هاته اللحظة تحديدًا، تمخض الأسى من رحم قهرها وارتسم البؤس جليًا على وجهها:
- لكنني لن أسامحك على تعاملك مع صالحة وابنتها.
طفرت من عينيها دمعة مالحة ترسم بمائها جرحها الذي طالها منهما:
- لن أنسى ما حدث لي بسببهما.
انكمشت تكور قبضتها عند كتفها الملتف بوشاح حرقها القديم:
- واجهتاني بأكثر ما يؤذيني يا سلامة.
احتقن وجه سلامة وضمها إلى صدره عنوة، جاهدت كي تبتعد فلم يتركها، ظل يأسرها والنيران استعرت بداخله، اختلج جسداهما المتعانقان وغمغم من بين أسنانه متوعدًا:
- أقسم لكِ يا هاجر أنني سأنتقم لكِ من الجميع.
انتصب عودها بين ذراعيه، وتوقف سيل عبراتها من جديد لتضرب صدره بكل عزمها:
- ستنتقم من النسوة لأجلي، عار عليكِ.
زفر من عمق صدره فتحدته حين شدت عودها ونفضت عنها كل ضعف واستكانة:
- أقسم لكَ إن فعلت سأتطلق منك طلقة بائنة أو أخلعك وأمنحك لقب المخلوع مع كل الحب.
قالتها ساخرة فاقترب بحذر وهدوء ظاهريين، تفتق عنه شراسة أرهبتها حين قبض على خصلاتها من الخلف حتى تأوهت:
- أنتِ تستهينين بي أكثر من اللازم.
باغتته برفع كفها تكمش جانب لحيته بأظافرها حتى كادت تدميها، ترابطت أنفاسهما في رحاب الحميمية التي ترافق لغة جسديهما ما إن يلتقيا، ارتجفت كورقة شجر يابسة في مهب الريح ودافعت عن موقفها متخذة الهجوم مسلكها:
- أنتَ وقح، تفعل فعلة سوداء وتمارس عليّ العنف بلا حياء أو خجل.
حررها متنهدًا ولفحها بحرارة تنهيدته فارتخت أناملها عن لحيته تلقائيًا بتوتر ملحوظ وفج، فلانت ملامحه لها كما فعل قلبه:
- حياء وخجل!
سخر بحروف ملتوية ومارس عليها ضغوط نظراته التائقة، لملمت بقايا ثوبها الذي مزقته لتستر به عُرى كتفها الذى أغرقها في خزي نال من أمانها الخاص، شعر بها فلم يحاول التمادى ومضايقتها أكثر، إلا أنه عجز عن كبح جملة ألحت عليه:
- هذا الذي تخجلين منه وتخفينه يجعلك مميزة في عيني وقلبي، ليس تشوهًا بل تميزًا يعلقني بكِ يا هاجر.
منحها تلك النظرة الحسية التي تخجلها رغم جرأتها معه وقال:
- رغم أنه ندبة لذكرى سيئة بالنسبة لكِ، لكنني لا أتخيل جسدك دونها.
أغمضت عينيها فقد دغدغ مشاعرها بحروف بسيطة لكن طريقته فيما ينطقها تندى بالصدق والعشق على حد سواء، أولته ظهرها تتهرب منه ومن حصاره:
- لن تُحل مشكلاتنا بتلك الطريقةيا سلامة.
دار حولها ليواجهها من الجهة الأخرى:
- ستُحل بعدما تعرفين ما حدث بالتفصيل وتشفقين عليّ.
سخرت برفع طرف شفتها العليا قليلًا:
- أشفق!.. نعم أنا بلهاء وساذجة مثلما تعتقد مأوى وسأشفق عليكَ بعد كل ما نالني بسببك.
تغاضى عن سيرة مأوى وتخطاها ليقصد لُب الأمر مباشرة:
- لقد باعتني صالحة من أجل مصلحتها.
كتفت ذراعيها أمام صدرها تستفهم:
- لا غريب في ذلك لكن كيف فعلتها.
قاوم رغبته في لمسها وتماسك قدر استطاعته:
- في البداية مأوى لم تكذب عليكِ كما تعتقدين.
توسعت عيناها مع رجفة عنيفة اجتاحت قلبها الغض الذي عرف الألم بسببه:
- لم تكذب مأوى، ونيتك فعلًا أن تعيدها....
أوقفها بأنامله التي استقرت فوق شفتيها:
- توقفي عن الغباء أنا أحبك وأهيم بكِ ولست مختلًا عديم الكرامة حتى استبدلك بأي امرأة.
رفرفت أهدابها تشي بعدم استيعابها لما يحدث ففسر لها بهدوء:
- هذا ما وصلها من صالحة وابنتها.
برمت شفتيها واحتلها انفعال مكبوت جعل جسدها يختض وأنفاسها تتهدج، ترك لأطراف أصابعه العنان لتطوف فوق وجنتها:
- لم تكن تلك رغبتي، لا أريد خراب بيت مأوى وستندهشين لو أخبرتك أنني سأحزن إن طلقها زكريا.
عبرت عن حيرة بسؤالها:
- ماذا أردت منها إذًا.
هدل أكتافه وأجابها:
- أردت أن تزعزعا مكانتها في عينيّ زكريا، يراها تكيل لهما بلسانها ما يجعله يفقد الثقة بها لأنها لا تعامل أهله معاملة جيدة فيترك لكِ الطفل لأنه يثق بكِ أكثر منها.
قطبت جبينها وظلت تسمعه حتى أسهب:
- لكن صالحة اللعينة بدلت الخطة وورطتني في الأمر بطريقة مباشرة وأوصلت لمأوى أنني أريد عودتها إليّ وأنني سأخرب لها بيتها ومن الواضح تماديها كليًا حتى أنها ضربتهما ضربًا مبرحًا.
اندهشت هاجر ورفعت كلا حاجبيها حتى كادا يطالا منابت شعرها، نبت بداخلها إعجاب داخلي بتصرف مأوى لم تفصح عنه ولو بنظرة رضى، لكنها شعرت بسعادة خفية فمأوى وبرغم كرهها لها قد قدمت لها ما يشفي غليلها من المتنمرتين المنتهجتين الشر من أجل تملك زكريا..
اكتفت من تبريراته وتراجعت للخلف تتهرب منه إلى غرفتها فتركها على راحتها المهم أنها لم تترك البيت وهذه أكبر فرصة قد يحصل عليها معها..
***
يتبع..


samar hemdan غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم يوم أمس, 01:44 AM   #394

samar hemdan
 
الصورة الرمزية samar hemdan

? العضوٌ?ھہ » 461744
?  التسِجيلٌ » Jan 2020
? مشَارَ?اتْي » 733
?  نُقآطِيْ » samar hemdan has a reputation beyond reputesamar hemdan has a reputation beyond reputesamar hemdan has a reputation beyond reputesamar hemdan has a reputation beyond reputesamar hemdan has a reputation beyond reputesamar hemdan has a reputation beyond reputesamar hemdan has a reputation beyond reputesamar hemdan has a reputation beyond reputesamar hemdan has a reputation beyond reputesamar hemdan has a reputation beyond reputesamar hemdan has a reputation beyond repute
افتراضي

ليس عيبًا أن تكون المهرج في روايات الأخرين، العيب أن تكون المهرج في حكايتك أنتَ!
..
سمع أشياء جمدته وقلبت الموازين أمام عينيه فبعدما قضى الليل كله يغلي وهاتف زكريا يوبخه ويسأله كيف تتعرض أخته وخالته لكل ذلك العنف والمهانة في بيته وتوعد أن يقف لكل من يتعدى حدوده معهما في اليوم التالي شعر بضربة قوية على رأسه أفقدته اتزانه كليًا حد أنه تساءل بمن ارتبط ومن تلك المرأة التي منحها قلبه وكيف تكون بشعة من الداخل إلى هذا الحد..
بالأمس صدمته مكالمة هاتفية من زكريا جعلته يأتي ركضًا من عمله إلى المنزل، وجد طاهرة وزوجة عمه في صالة المنزل متجاورتين على أريكتهما في حالة مزرية فلم يتمالك صدمته وسأل منفعلًا:
ـ ماذا حدث لكما.
استدار إلى زكريا الغارق في أسفه وحثه على التحدث بدوره:
ـ فسر لي يا زكريا ما الأمر.
من الوهلة الأولى لم يبدُ أن ذلك حادث لاسيما وأنه الإصابات المبدئية التي رآها تشي بضرب مبرح وأن زكريا الذي أوصلهما إلى المنزل لم يتعرض لشيء مثلهما.
تدخلت زوجة عمه صالحة تحدث زكريا تعفيه حرج الإجابة الثقيلة:
ـ نحن بخير مع الطبيب يا زكريا بإمكانك الرحيل إن شئت.
تقدم زكريا تحت مراقبته المصدومة المستنكرة للوضع وقبل رأس خالته وأخته تباعًا ورحل، رحل متهربًا بعينيه من الجميع ولم يكن يدرك فاروق كم هو الأمر مغزٍ إلى حين سمع كل شيء من طاهرة الباكية والذي دعمته أمها، اعتنى بزوجة عمه وجروحها السطحية، وذراعها المصاب أيضًا ومنحها مسكن كي تستطيع النوم، كان يغلي من داخله حين جلس جوار زوجة عمه حين نهضت طاهرة بإعياء وجلست على مقعد مجاور مفسحة له المجال كي يمارس عمله:
ـ تفضلي احكي لي ما حدث بالتفصيل يا طاهرة.
تحشرج صوت طاهرة وتدفقت الدموع من عينيها متتابعة:
ـ زوجة أخي هي من فعلت بنا كل ذلك.
تلكأت أنامله التي تضمد جرح في جبهة زوجة عمه وأدار رأسه إلى زوجته مصعوقًا:
ـ زوجة زكريا هي من تهجمت عليكما بتلك الطريقة العنيفة!
أجابت زوجة العم بطريقة ابنتها ذاتها:
ـ أجل يا بني.
أخذته صدمة عارمة وتوسعت عيناه يسأل طاهرة غير مستوعب كيف تصل بها الجرأة إلى هذا الحد:
ـ ولماذا تفعل ذلك بكما!.
كان محتقن الوجه يكاد الدم ينفجر من أوردته فأخفضت طاهرة صوتها تجيبه بمسكنة:
ـ لا أعرف يا فاروق.
استلمت أمها دفة الحوار بدلًا عنها:
ـ كنا نزورها فقط كي نطمئن عليها وعلى زكريا.
ظل على حاله مندهشًا لا يفهم أي شيء البتة، أومأ لها بضيق:
ـ سأهاتف زكريا وأفهم ما حدث بالضبط وأعدكما أنني لن أمرر الأمر بسلام.
نهض وأمسك بيد طاهرة يدعمها لتقف بدورها ويصعد بها إلى شقتهما العلوية، تفاجأ من شدة الكدمات في فخذيها وذراعيها، حالتها أصعب من حالة أمها إضافة إلى لكمات طالت وجهها وجرح سطحي في رأسها، اشتد غضبه وأقسم على ألا يترك حقها أبدًا..
أجبرها على النوم في أحضانه رغم ممانعتها لكنه شعر بوهنها واحتياجها النفسي لذلك، ورغم ألمها أحب وجودها بين ذراعيه وتمنى أن تزول الحواجز بينهما وتبادله الحب، ربما إن لانت قليلًا يتخلى عن جموده معها ويحاول بجدية في المستقبل..
اتخذ اليوم التالي إجازة، قرر أن يمكث جوارها كي يعتني بها، حضر لها فطورها بنفسه ونسى كل ما مر بهما واحتفظ فقط بصورة المرأة التي يحب والتي تغرق في الهشاشة أمامه، أزاح صينية الطعام من بينهما قليلًا واقترب ليمسد وجنتها بإبهامه:
ـ تشعرين ببعض التحسن!
اقشعر بدنها من لمسته وانكمشت على نفسها، رفع إصبعه إلى الكدمة الزرقاء تحت عينيها بأسف وغضب:
ـ أعدك ألا يمر الأمر دون أن أقتص لكِ.
أسبلت أهدابها ورغم أنفه رفرف جناحي قلبها فمستها ارتجافة عابرة، تبسم حين لاحظها ومال برأسه قليلًا يقبل جبينها ويحتوى رأسها بين كفيه:
ـ حين تكونين هادئة هكذا أشعر بالراحة.
تباعدت عنه بعض الشيء وتنهدت، دفعت صدره برفق تهمس:
ـ أرجوك يا فاروق، الحصار يشعرني بالضيق.
انقبضت ملامحه وتراجع للخلف مسافة كما تراجع في موقفه يبتسم بتكلف ملحوظ:
ـ معكِ حق!
نهض بهدوء وقرب منها صينية الطعام التي حضرها كي يشاركها تناول ما تحتويه لكنها أغلقت بينهما كل الأبواب وعفت نفسه الطعام وقتها ليبتعد مغمغمًا:
ـ تناولي الطعام يا طاهرة.
تركها وحدها محتلة الفراش حتى أتت أمها وجالستها، استأذن منهما بتهذيب:
ـ سأذهب للنوم قليلًا في الغرفة المجاورة إن احتجتما شيئًا سأستيقظ سريعًا.
وبالفعل لاذ بالغرفة الأخرى وغفى لبعض الوقت، بعد حين استيقظ عشطًا فنهض من فراشه مغادرًا الغرفة ومتوجهًا صوب المطبخ، والبيت هادئ تكاد ترن فيه إبرة المعدن إن سقطت على أرضه الصلبة، ومن الحظ السيء أو الجيد لا يعلم تناهى إلى مسامعه ما جمده كليًا، طاهرة تتجاذب أطراف الحديث مع أمها التي قالت متشفية:
ـ بالتأكيد سيطلقها قريبًا ونرتاح منها.
توسعت عيناه لهول ما يسمع وطاهرة زادته صدمة حين علقت متشككة:
ـ أخاف أن يسامحها ويذهب كل فعلناه أدراج الرياح.
سمع أمها تسارع بالرد وتطمئنها:
ـ بالتأكيد سيفعل ونتخلص منها، أنا أعرف زكريا جيدً لن يمرر أن تفعل بنا زوجته كل ذلك.
تشاركتا ضحكات خافتة وعلقت طاهرة:
ـ الغبية سريعة الاشتعال لم تأخذ سوى بضع جمل حتى ينهار ثباتها وتتصرف مثل المجنونة.
صعقه ما سمع بعد ذلك فقد أيدتها أمها بإعجاب:
ـ بالفعل هي غبية وحرباءة وسريعة الغضب لكنك كنتِ جيدة حين أمعنتِ في استفزازها.
ضحكتا من جديد وقالت أمها في يقين:
ـ وحتى إن لم يطلقها لن تظل على ذمته بعد ما حدث وستطلب الطلاق حتمًا.

استأنفت طاهرة الضحك حتى بترت ضحكتها وأتبعتها بتحذير:
ـ اخفضي صوتك يا أمي حتى لا يسمعنا فاروق.
وفاروق سمع كل شيء، وشعر بأنه لا يعرفها جيدًا، لم يكن يتصور أنها بذلك الحقد الذي يوصلها لاستفزاز زوجة أخيها كي تتسبب في خراب بيته..
عاد إلى الغرفة الثانية من جديد والتزمها حتى غادرت زوجة عمه، فترك الغرفة وتوجه إلى طاهرة التي ظلت محتلة فراشهما طيلة الساعات الماضية، لاحظت صلابة ملامحه المختلفة عن اللين الذي أغرقها فيه بعدما حدث لها، اكتنفها بعض التوتر حين تقدم وجلس على طرف الفراش، طاف على ملامحها ببسمة متحفظة ثم سألها:
ـ ماذا حدث في بيت أخيكِ يا طاهرة؟
ازدردت لعابها ببطء وأجابته حذرة:
ـ ما حكيناه له بالأمس أنا وأمي.
بدا على وجهه عدم اقتناعه فأضافت مترقبة:
ـ لماذا تسأل مجددًا؟.
استقام واقفًا بتعبير مغلق:
ـ شعرت بأنني مشوش بعض الشيء لذا أردت التأكد منكِ قبل اتخاذ أي قرار.
تنفست الصعداء وبدا على وجهها الارتياح بعد التجعد، رن هاتفه ووجده فوق طاولة مستديرة في جانب الغرفة، كانت ابنة خالته التي تواظب على مهاتفته من حين لآخر، رد عليها وحدثها بلطف ووعدها أن يمر على بيت خاله في القريب العاجل، وجد طاهرة قد تحفزت في جلستها وانتصب ظهرها وسألته مترددة:
ـ ماذا تريد رنا منكَ.
وضع الهاتف على الطاولة وقطب جبينه متعجبًا:
ـ تريد أن أذهب إليهم من أجل أمر هام.
زمت شفتيها وتصلبت حدقتاها عليه:
ـ لكنك تبدو سعيدًا حين تحدثها.
ازدادت دهشته وارتفع حاجبيه لأعلى:
ـ وما المشكلة.. ابنة خالتي ولا أكن لها سوى الود.
تنفست بصوت مسموع ومضطرب:
ـ الود!.. أنصحك ألا تبالغ في السعادة فتلك الفتاة ربما تستهدفك.
زفر بقوة حين فهم مقصدها ورد يغيظها:
ـ لكنني سأبالغ في السعادة فعلًا لو أنها تستهدفني رغم أنه مشين أن أكون أنا الفريسة لكن لا بأس.
كانت ضربة موفقة منه جعلتها تشيح بوجه محمر وعينين في احتقان تام، سخر أكثر حين اقترب من الفراش:
ـ وصديقتك ملاذ أيضًا ربما تعتبرني طريدة هي الأخرى.
كان فظًا سخيفًا ويعرف، لكنها تحتاج أن تستفيق وتفهمه جيدًا، باغتته بعودتها إليه محتدة:
ـ لكن ملاذ تحب معاوية.
وتلك صدمة حقيقية جعلته يرفع حاجبيه لأعلى وترتسم ابتسامة اندهاش على ثغره:
ـ معاوية!.. معاوية!
كان يقلب عينيه في كل مكان ويعود إليها بالصدمة ذاتها:
ـ معاوية!
مطت شفتيها وكتفت ذراعيها أما صدرها لتشيح بوجهها:
ـ بالتأكيد لن تهتم بك.
مسد جانب جبينه وابتسم بغموض:
ـ يكفي أن تهتم بمعاوية..
غادر المنزل بعد عدة ساعات وهاتف زكريا حكى له كل ماسمعه مشفقًا على زكريا وزوجته من الشرور التي تحيط بهما، وهاتف معاوية بعدها كي يقابله ربما ينسى القليل مما يحرق صدره..
***
ـ ألن تخبريني باسمك!
تدللت بمكر أنثوي مدورس:
ـ تعرف عني أكثر من اسمي يا معاوية.
تمطى في جلسته في سيارته وضحك بخفوت ومجون:
ـ أعرف أشياء خفية بالتأكيد لكنني أريدك أن تعترفي باسمك الحقيقي.
علقت بنعومة ودلال يليق بها:
ـ لكنك تستطيع معرفته إن بحثت بنفسك.
أسند مرفقه إلى شباك سيارته المفتوح، وشرد أمامه على الطريق الإسفلتي القائم بين دفتين من مساحات خضراء لا نهاية لها، داعب النسيم خصلاته وترنح على جانب لحيته قبل أن يطير بخفة مخلفًا أثره، تنهد ترتخي أجفانه ببطء:
ـ وأنا أريد أن تخبريني بنفسك.
تسلل صوتها إليه مشوبًا برغبة كاسحة:
ـ هل اسمي أكثر ما يهمك!
انطلقت ضحكاته كماجن انتهج المعصية مسلكه واستشرت بدمه حتى تشبع بها:
ـ تعرفين ما يهمني بالتأكيد.
أخفضت صوتها تغويه وتجذبه لفخها أكثر:
ـ متى ستأتي مرة جديدة؟.
طافت بذاكرته المرة الأولى التي قابلها فيها وانحفرت تفاصيلها في خياله، جرأتها تستفز غريزته وما تقدمه يفوق الحدود، مرر أنامله بين خصلاته وتخيل سخاء عطائها:
ـ ربما قريبًا أكررها، لم أتخذ قراري بعد.
تموضعت على فراشها الوثير في بيتها البعيد عن موقعه بمسافة أميال طويلة، ورفعت أطراف أناملها أمام عينيها تتفقد دقة طلائها:
ـ ما الذي يمنعك؟.. هل أنتَ طفل ستتردد مثلًا.
ضحك بخشونة ورفرفت بصدره رهبة لا يعلم مصدرها، ورن السؤال في أذنه مضاعف الصدى فما يمنعه أكثر مما يستطيع أن يفهمه أحد، تزايدت ضحكاته كي يشوش ذلك الشعور ويمحيه من داخله ويشتته، أنهى المكالمة حتى لا تفضحه نبرته المهتزة:
ـ إلى اللقاء يا شمس.
وشمس هو اسمها المستعار الذي تتخفى خلفه، متوهجة فعلًا كالشمس لكن بها جزءًا معتمًا أحسه مذ سقطت عيناه في عمق عينيها، جريئة وماجنة مثله والفارق أنها تقدم على ما تفعل دون رفة جفن تذكر، وهو بعد اللقاء رف جفنه وقلبه وتملكته الرهبة، حتى بعد محادثة الهاتف الذي أغلقه ووضعه مكانه في السيارة ودار بها لساعتين بلا هدف، شيء يربطه بعلاقات متكررة يجد فيها جرعة مناسبة كمخدر يشعر بلذته وشيء آخر في اتجاه معاكس يرديه قاع الجحيم بعد زوال لذته، أخذته الطرق إلى حيث يرتاح تحديدًا، تفقد ما تحويه سيارته من نقود وقام بسحب مبلغ آخر ببطاقته ليضع كل حفتة نقود في ظرف ويمر على الفقراء الذي اعتادوا زيارته، ومع كل ظرف يمد يده به يسقط عن كاهله عبء، أخبره والده ألا يتوقف عن ذلك مهما حدث، وبالفعل لا يشعر بالراحة إلا حين تنفد نقودة ويتنفس الصعداء ثم يعود إلى منزله..
وفي هذه الليلة تطفل عليه فاروق وأجبره على مقابلته بدلًا عن العودة إلى منزله، صف سيارته جوار سيارة فاروق في منطقة نائية من البلدة، منطقة منعزلة أحيانًا يتقابلون فيها مساء ويتسامرون بعيدًا عن مقر عمل كل منهما، استند معاوية إلى سيارته وشرد في الأنوار المتوهجة من بعيد تشي بحكايات لا حصر لها:
ـ ما الأمر يا طبيب، بالتأكيد لديكَ خطة دامية تريد أخذ رأيي فيها.
نفث فاروق تبغه فتطاير أدارج الرياح:
ـ أشعر بالضيق فقط.
انتبه له معاوية وتخلى عن هزله:
ـ ما الأمر، أقلقتني.
تنهد فاروق وتجاهل سؤاله ليسأله بدوره:
ـ لمذا لم تتزوج إلى الآن يا معاوية، لا ينقصك شيء.
والكلمة ثقيلة بشدة، فهو ينقصه الكثير، ينقصه من يحبها وينقصه أن يكون رجلها حقًا لا ذلك الشخص القذر الذي يركض خلف ملذاته، رفع مرفقه يستند به لحاجز السيارة العلوي وتهرب من المواجهة الحقيقية مراوغًا صديقه:
ـ تتحدث عني بثقة، ألا يمكن أن أكون لا أميل للنساء مثلًا!.
انطلقت ضحكات فاروق ووضع كفه على صدره المهتز بقوة:
ـ لا تنظر إليّ هكذا فأنا أخاف الفتنة.
حط معاوية بكفه على كتف صديقه وغمزه:
ـ لا تقلق، سأغمرك بالمشاعر الفياضة بعد وقوعك في الفتنة طبعًا.
نفض فاروق يد الآخر عنه كالمسلوع وابتعد بمسرحية:
ـ ابتعد اتبعد، نحن عائلة محترمة لا نمتلك سوى الشرف.
شاركه معاوية الضحك وانحسرت ضحكات فاورق تدريجيًا:
ـ أجبني يا معاوية صادقًا، لماذا لم تتقدم لخبطة الفتاة التي أخبرتك عنها، هي هدية قيمة لو تعلم..
وفاروق كان يهرب من حكايته لحكايات أخرى ربما تكون أكثر سعادة ويعرف أصحابها كيف يقدمون الحب ويتقاسمونه، تساءل معاوية بتقريرية أدهشت فاروق:
ـ ملاذ!
استدار له عاقدًا جبينه:
ـ تعرفها يا معاوية، أنتَ تعرفها جيدًا.
غمر وجه معاوية شيء غامض، ضعف وحرمان والكثير من الوجع، لا يعرف كيف أحبها بتلك السرعة وكيف سكنته كخنجر سام تعلق بقلبه تحديدًا ومع كل حركة منه يجرحه أكثر ويزداد نزفه، توسعت عينا فاروق الذي لاحظ كل شيء بسهولة، ساعده في ذلك إنارة الطريق المتوهجة التي رمت بضيها على وجه صديقه وضاعفت من مشاعره، وصاحبه لم يكن يهتم أن ينكشف أمره في هاته اللحظة، فهو وقت اليأس وعليه فاستسلم للبوح وغمغم:
ـ العاصي لا يدخل الجنة يا طبيب.
صمت برهة ملأ فيها صدره ورمى بلفافة تبغة بعيدًا تحرق ما حولها كما يحترق قلبه:
ـ وملاذ جنة.
***
يتبع..


samar hemdan غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم يوم أمس, 01:45 AM   #395

samar hemdan
 
الصورة الرمزية samar hemdan

? العضوٌ?ھہ » 461744
?  التسِجيلٌ » Jan 2020
? مشَارَ?اتْي » 733
?  نُقآطِيْ » samar hemdan has a reputation beyond reputesamar hemdan has a reputation beyond reputesamar hemdan has a reputation beyond reputesamar hemdan has a reputation beyond reputesamar hemdan has a reputation beyond reputesamar hemdan has a reputation beyond reputesamar hemdan has a reputation beyond reputesamar hemdan has a reputation beyond reputesamar hemdan has a reputation beyond reputesamar hemdan has a reputation beyond reputesamar hemdan has a reputation beyond repute
افتراضي

انتهى من صلاة الظهر ليخرج من المسجد إلى باحته التي تركها الرواد فارغة بعد رحيلهم، اكتنفته الحرور من كل جانب فأغرقه الضيق حتى بددها إقبالها عليها بالنسيم الذي هدهد روحه وأسكنه الفردوس دون أن يبرح مكانه، فالشمس حارة وهي تأتي بالظل معها حين تطل، دفعه القلق ليتقدم منها، هبط درجتين وسار على الأرض الترابية ليندفع صوبها ويتوقف على بعد خطوتين يثبت قدميه على الأرض بأعجوبة، بداخله شيء يود الوصول إليها والسُكنى هناك عند هذا القلب البض الذي ينبض خلف ضلوعها يجعلها تتنفس بتلك السرعة، انشغل عن سؤالها كيف جاءت والتزم بالطواف على ملامحها، باغتته بجمودها وهدوء أنفاسها فيما تقر له:
- أريد أن أتزوج..
اتسعت عيناه دون انفعال آخر فاستفزته أكثر بحروف مختنقة:
- أريد الزواج من حافظ.
صرّ على أسنانه واحتقن وجهه، تبدد لطف الطقس الذي رافقها وهاجمته شراسة الصيف مجددًا، أشاح بعينيه عنها يخبرها بزفرة ثقيلة:
- لا تعرفين ماذا تريدين..
دحضت يقينه بنظرة إصرار وغياب منطق:
- أعرف أنني أريد الخلاص.
صمتها المفاجيء جلب الشفقة إلى قلبه، جعله يلين ويمسح على جبينه قبل أن يشيح بوجهه إلى الطريق الفارغ:
- خلاصك في الابتعاد عن هنا..
التقط شهيقًا وزفره يهدل أكتافه:
- ابتعدي عن المصرف والماء وكل الخرافات والهراء يا زمزم..
ازدرد لعابه ببطء وأسرته رفرفة رموشها المتباطئة، كاد يطلب منها أن تبتعد عنه من أجل سلامتها وسلامة عقيدة أهل البلدة، بادر بالتباعد عنها كيلا يقع في المحظور الذي يترنح على حافته وأطرق يغمغم في يقين:
- الزواج لن يخلصك كما تعتقدين..
همّ بالاستدارة فأوقفته بجملتها وجمدته محله:
- لكنني أريد حافظ، وسأتزوجه..
أغضبته فعاد يستدير ناحيتها يعارضها ببأس حروفه دون أن يرتفع صوته:
- لن تتزوجيه ولن تتزوجي غيره.
جمود ملامحها لم يتغير، غير أن بؤبؤي عينيها لم يتوقفا عن الاهتزاز والمرور السريع على كل شيء حولها، فيها شيء بعيد لا يلتقطه، شعور كريه يتسرب إليه يجعله يفتقد منها نظرة معينة وومضة خاطفة كانت تونسه بعد رحيلها، افتقد فيها جزءًا لا يستطيع تحديده، وتحدٍ جديد طفر من مقلتيها تزامن مع نطقها لجملتها المؤكدة:
- سأتزوجه هو تحديدًا.
رفع أحد حاجبيه ورشقها بأحجار الغضب:
- زمزم!
تجاهلت تحذيره الضمني ولغة جسدها المتحفزة لتمرر كفها فوق بطنها وتدمدم:
- أنا حامل في قبيلة جن..
تأفف من غرقها في لجة الخرافة فأشار لها صوب طريق العودة وتهكم:
- لست الطبيب النسائي، أنا شيخ المسجد كما تعرفين.
لا ينكر أن جملتها شوشته من جديد وشك في أنها تتلاعب به وتحاول الزج به بين طيات الضلال، لمس منها استقامة في عقلها قبلها وهذا الاعوجاج لا يروق له، رأى وجهها يكفهر وأنفاسها تتهدج فيما تطلب من بين أسنانها:
- ومأذون القرية، إذا زوجني حافظ.
استغفر بصوت مسموع وأنهى اللقاء دون تمهيد وبفظاظة متعمدة:
- اذهبي من هنا يا زمزم يكفي ترهات، أوجعتِ رأسي..
انصرف من أمامها تاركًا الأرض تتشرب السخونة من حولها وتلفظها بقسوة فتلهب الطقس أكثر من اللازم..
***
انتشله من غفوته إيقاع منتظم للدف، تقلب على فراشه هربًا من إزعاج الصوت الذي ظنه جزءًا من حلم، تزايد الصوت من حوله فتأفف وفرق أجفانه هربًا منه، صدمه استمرار الصوت المرتفع واستقام جالسًا على فراشه المغمور بعتمة طالت الغرفة كلها، استغفر بصوت مسموع ومد يده إلي الكومود جواره ويلتقط الهاتف وينقر الشاشة ليكتشف أن الوقت لا يزال باكرًا على صلاة الفجر وأن أمام منبه هاتفه ساعة عالأقل حتى يعلن عن موعد استيقاظه اليومي، استمر قرع الدف بالخارج مما أقلقه وأثار ريبته، نهض عن فراشه وأشعل ضوء الغرفة، توجه صوب الشباك ليفتحه فتحة صغيرة جدًا، مال برأسه قليلًا ينظر للخارج في حذر عاقد جبينه حتى توسعت عيناه صدمة، غمغم مشدوهًا كأنه بداخل الحلم فعلا ولم يستيقظ بعد:
-زمزم!
وزمزم بالخارج تحت ستار الليل المخملي كانت في عالم آخر، وحيدة أمام نافذته تحتضن الدُف إلى صدرها ولا يخيفها الظلام ولا فراغ الشارع من المارة في هذه الساعة الحرجة، بادلته النظرة بأكثر وداعة واقتربت برأسها إلى الحواجز الحديدية للشباك تهمس له وعيناها لا تستقران في محل:
- هل أنتَ بخير!
كاد يتأوه بصوت مسموع أو يصرخ، فلقد أوقعته في مأزق وستتسبب لهما في فضيحة مدويّة، جذب درفة الشباك للداخل بعنف وكبح صوته قدر استطاعته:
- هل أنتِ مجنونة يا زمزم!
تلفتت حولها وعانقت الدف لتجيبه ببراءة:
- نعم.
ضربته في عمق مؤلم فاختنق وزفر بقوة ليستدير ويهرول للخارج، صابته الصدمة بشلل في أفكاره وفقد بوصلة التصرف، كيف سيوصلها لبيت أهلها وكيف سيبعد أي شائعات حولهما هو لا يعرف بالتحديد، غادر غرفته فوجد أمه تخرج من غرفتها مندهشة وتسأله:
- هل سمعت أي صوت غريب قبل قليل؟
تنفس الصعداء وتقدم منها يقبل رأسها ويتشبث بها كأنها طوق نجاة، أمسك بكلا كفيها وشدد عليهما قبل أن يرضي فضولها ويخبرها:
- من الجيد أنكِ استيقظتِ، زم......
بتر بقية اسمها وحمحم بوقاره المعتاد يشير برأسه ناحية باب الصالة معدِلًا جملته:
- هناك فتاة في الخارج.
عقدت جبينها ثم رفعت أحد حاجبيها تتساءل في ريبة:
- فتاة!
أومأ لها مع زفرة حارة وأطبق أجفانه بقوة:
- أجل يا أمي، هيا نفتح الباب قبل حدوث شيء يتسسبب في أزمة..
تركها تتبعه وتوجه صوب باب الصالة الداخلي واجتازه إلى الممر الذي قطعه بسرعة فائقة وفتح الباب الخارجي الكبير ليجدها أمامه شبه ملتصقة بحافته، تمالك صدمته وزمجر بصوت مسموع يوبخها:
- بالتأكيد قد جُننتِ يا زمزم حتى تأتي إلى هنا الآن.
برمت شفتيها وأسبلت أهدابها تقطب جبينها وتغمغم في هدوء لا يعرف من أين أتت به:
- أريد الزواج.
كانت أمه قد وصلت ووقف بجانبه ورأت زمزم وسمعتها جيدًا مما جعلها تتوجس وتراقبهما بصمت، وزاد الطين بلة حين وجدت زوجة عمه مريم وابنها باسل يفتحان باب منزلهما القريب ويخرجان ليشاركهما الوقفة المريبة، باسل الذي تقدم برشاقته يسأل زمزم من خلف ظهرها:
- وهل منعك الشيخ من الزواج؟
أدارت رأسها للخلف ببطء وأجابته بعد رفرفة أهدابها:
- نعم.
انشده الجميع فتدخلت أم الشيخ تسألها بضيق:
- وما شأن الشيخ بكِ يا مخبولة أنتِ؟.
نظرت إليها زمزم بعينين معذبتين وانكمشت على نفسها تحت مراقبة الجميع لها من كل جانب، شعر الشيخ بألم حارق يغزو صدره، يستقر في عمق قلبه كشظية من الجحيم، تحشرج صوته فيما ينقل بصره بحزن عن زمزم ليقصد والدته ويحدثها بصوت متأثر:
- لا تقولي عنها مخبولة يا أمي.
شعرت بالريبة من طريقته ومن وقوف الفتاة أم المنزل قبل أي شيء وحتى استهداف عينيها له بتلك الوداعة، اضطرب قلبها فتهكمت تشيح بوجهها عنه وتركز على زمزم تعيد سؤالها بصيغة أخرى:
- ماذا تريدين من الشيخ يا سيدة العاقلين!.
أغضبته نبرة السخرية في صوتها فأمسك بيدها برفق:
- من فضلك يا أمي.
رأت تفاحة آدم خاصته تتحرك بعسر كأنه يزدرد لعابه بصعوبة، ضيقت عينيها أكثر تسبر أغواره فهالها عمق البئر وما يحيويه، قبضت زوجة عمه على عضد زمزم برفق وطالعتها صعودًا وهبوطًا مشفقة:
- كيف خرجتِ وحدك من منزلك في هذه الساعة المتأخرة يا ابنتي.
عجزت زمزم عن إجابتها فزاغ بصرها تقضم شفتيها بقوة، ربتت المرأة على كتفها وسألتها:
- زواج ماذا الذي تريدينه من الشيخ؟.
تدخل جبر برصانة يجيب بدلًا عنها:
- هناك رجل من خارج القرية تقدم لخطبتها وأنا رفضت عقد القران.
سمعوا صوت باسل الذي أطلق صافرة ومط شفتيه متقمصًا دور المفتش السري معلقًا:
- وهل هذا يستدعي أن تأتي إليكَ في هذه الساعة!
بدا حديثه مشككًا في النوايا فتجهم وجه جبر الذي حدثه حازمًا:
- لا يصح الخوض في النوايا بتلك الطريقة كما أنها بريئة ولا تفكر في عواقب أي شيء..
وافقته زوجة عمه التي ابتسمت لزمزم ورأتها شفافة ونقية أكثر من اللازم:
- الفتاة طيبة يا باسل وبالتأكيد لم تشعر بالخطر وأتت بنية صافية..
كزت الأم على أسنانها وغمغمت ترمق زمزم غاضبة:
نيتها الصافية جعلتها تفعل كارثة.
حدجت مريم بضيق وعادت تؤكد:
- لو كانت ابنتي لصفعتها الآن لخروجها هكذا وذهابها إلى بيت رجل غريب عنها.
زاد امتعاضها من الموقف وهزت رأسها بعصبية تشير إلى زمزم المحتضنة للدُف:
- ماذا سيقول الناس عنها وعن الشيخ!.
كانت فظة لكن فظاظتها نابعة من إحساسها بالخطر، ذلك الإحساس الذي عززه إصرار الفتاة على استهداف الشيخ والاحتماء به كأنها لا تعرف غيره وحين همست بصوت دافئ كأنه تستعطفه أشعلت أجراس التحذير عن أمه:
- أريد الزواج والإنجاب ياشيخ.
كانت عفوية وعفويتها مثيرة للألم، للوجع والحزن العميق الذي ناله جبر لتوه، لم تخفَ انفعالاته على أمه أو زوجة عمه التي شاركتها الصدمة فيما تنظران إليه، ثم إلى الفتاة التي تترصده بنظرات متفاوتة بين قوة وضعف، إصرار واحتياج، بينه وبينها انسجام غريب ليس في محله البتة، شيء مخيف أكبر من أي كل شيء سواه، اختلج قلب الأم التي تمسكت بذراع ابنها وحثته على إنهاء تلك المهزلة:
- كيف ستتصرف الآن.
تنهد بقلب مثقل ومر على زمزم يمنحها ومضة من حب والكثير من التعاطف وإلى زوجة عمه ثم إلى باسل بضيق وشزرة لوم:
- سنوصلها إلى بيتها أنا وباسل وزوجة عمي الآن لا تقلقي..
وقبل أي تعليق سمعوا صوت أختها التي أتت من بعيد مهرولة وخلفها زوجها:
ـ وجدناها الحمد لله!
وصلتها تلثهت وساعدها ابتعاد الجميع عنها لتكمشها وتعانقها من الخلف، كانت خائفة عليها أكثر من ناقمة، وتحت أنظارهم تفقدتها من رأسها لقدميها تتأكد من سلامتها وسلامة ملابسها قبل أن تصعد إلى وجهها وتربت على وجنتيها بخفة:
- لماذا يا زمزم، كيف تخرجين الآن وتأتين إلى هنا!!..
التقطت أنفاسها وأستأنفت متحسرة:
ـ كدنا نموت خوفًا.
جذبتها ناحيتها في حرج وأخبرتها ببوادر البكاء:
- أمك استيقظت ولم تجدك فجن جنونها..
وفيما تغرق في يأسها سمعت أم الشيخ تعلق والسخط ملازم لحروفها:
- كان عليكم غلق الباب بإحكام.
رفعت نجاح وجهها إليها بحدة لتتسع عيناها وتمسك بأختها تبعدها عنهم جميعًا وتغمغم بصوت مهزوز:
- معكِ حق، سنفعل ذلك.
أخفض الشيخ رأسه إلى أمه كي تتفهم الوضع:
- أرجوكِ يا أمي الأمر لا يحتمل.
وجدت زوجة عمه بُدًا من تلطيف الأجواء فاقترحت بهدوء:
- بإمكانك المجيء إلى بيتي بها يا نجاح حتى تشرق الشمس.
أعرضت نجاح عن ذلك وأخذتها أختها التي استسلمت ليدها وسارت جوارها بعيدًا:
- شكرا لكِ يا سيدة مريم سأرحل بها، زوجي معي.
أطاعت زمزم يد أختها التي ساقتها للذهاب، زمزم التي أدارت رأيها ببطء وولت انتباهها إليه وحده، أغرقته في الحرج لكنها منحته العذاب قبل رحيليها..
وبعد الرحيل، اشتعل جنون أمه التي أمسكت بكلا يديه حين دلفا وأغلقا بابهما عليهما وحدثته بصرامة مبالغ فيها:
ـ أقسم لكَ إن لم تزوجها للرجل الذي طلبها سأغضب غضبًا لن يمحوه شيء.
اهتز قلبه بل تهدم وتحول إلى حطام وعجز عن الرد فأردفت:
ـ لن أسمح أن يتحدث الناس عنكَ، أنتَ الشيخ وهي فتاة مخبولة ضلّ عقلها، لن تكسر هيبتك بين الناس ويقولون ركض خلفها وسلبت عقله بجمالها.
تماسك بأعجوبة وطمأنها باقتضاب:
ـ يا أمي، أنا لن أفتن الناس في دينهم وأهدم لهم ما يثقون به.
تنهد من عمق قلبه والعذاب يرافقه:
ـ لا تقولي عنها مخبولة، هي مجرد فتاة طيبة علينا أن نتعاطف معها بدلًا عن اكتساب ذنوب من التحدث عنها بالسوء.
تركها خلفه تكاد تبكي مما أحسته منه، ابنها غارق في حب طرح البحر ولم يكن عليه ذلك البتة..
***
لم يتأخر حافظ في زياراته، مارس عليها تلك الضغوط التي تسقطها أسيرة الخرافة، كل يوم تقريبًا يمر ويجالس عائلتها، ويحاول التحدث معها، ورغم تردد المشاعر بداخلها تشعر بأنه بداية خلاصها، عقبتها الوحيدة تتمثل في الشيخ الذي يرفض رفضًا باترًا أن يساندها في قرارها..
اختارت وقت العصاري كي تترك المنزل وتذهب إليه، ضغطها عليه حين ذهبت إلى بيته قبيل الفجر قد ذلل لها بعض الصعاب، ذهبت إلى المصرف وحيدة لكن عينيّ أختها كانتا لها بالمرصاد، تبعتها نجاح وزمزم صاحبة الخطوات السريعة وصلت قبلها، عند باحة المسجد الخارجية توقفت تنتظر خروج جميع المصلين من الداخل، حين خلا المكان رأته يغادر وحده في بادئ الأمر حتى انضم إليه الشاب الذي رأته عند منزله، لا تتذكر اسمه ولم تكن تنتبه لوجوده أصلًا، تلاقت عيناها بعيني الشيخ الذي دفع الشاب برفق وهمس له قرب أذنه لينصرف وبالفعل سار عدة خطوات وهبط درجتي الباحة، تعمد المرور من أمامها واعتقال بصرها في نظرة تخبرها أنه يراقبها جيدًا، أشرست عيناها وزمجرت ليرتد للخلف فلم يخدمه نحوله ويثبته كما يفترض بالرجال، وسارع بالرحيل متهربًا منها، وكانت وجهًا لوجه مع الشيخ، بينهما مسافة تبدو للمراقب لهما عادية، لكنها مساحة وطن مفقود وحكاية احترقت قصاصتها قبل النهاية السعيدة، قطعها الشيخ بتؤدة لأنه يعرف توابع تعجله جيدًا، هبط بدوره ووقف أمامها، يأسر جزءًا منها وجزء يتمرد ويصر على ضلاله، سألته بخفوت:
ـ أليس من حقي الزواج؟.
ذهب بعينيه إلى السماء يطلب العون من الخالق:
ـ من حقك يا زمزم.
وسؤال آخر لا يقل عنه وجعًا:
ـ ومن حقي أن أكون أمًّا؟.
أخفض رأسه دون أن يشملها في مجال رؤيته:
ـ من حقك أيضًا.
سألته مباشرة:
ـ إذًا لماذا تقف في طريقي!.
تحدثه كأن شعوره سراب وأن الألفة التي تغمره معها مجرد كذبة، رأى أختها تأتي من بعيد، واليأس بالفعل يسكنه، اقتربت الأخت في حذر تمسك بيد أختها تنهرها عن ملاحقتها له دون رداع:
ـ يكفي يا زمزم، الشيخ سيستاء من حصارك له.
أدارت رأسها ببطء إليها:
ـ أريد أن يعقد قراني أنا وحافظ.
ضغطت أختها على رسغها بقوة:
ـ رغم أنني لا أوافق على زواجك من حافظ هذا لكن ما شأن الشيخ بنا!.
رمتها إلى الشيخ جبر مع نظرة مشبعة بخيبة الأمل، ظنته سيأخذ موقفًا منذ البداية وقد تخاذل في رد فعله، وضغوط أختها أكبر منها، الجميع في المنزل بات على وشك الموافقة النهائية وهي الوحيدة التي تحارب في جبهة خاسرة، ربتت على كتف زمزم برفق وحانت منها التفاتة صوبه تستفزه:
ـ بإمكان الشيخ عمران عقد قرانك، لماذا تصرين على الشيخ جبر؟.
تاهت زمزم حين سمعت ذلك وفتشت بداخلها عن إجابة شافية فلم تجد وتمتمت غائبة في هيبته ووقاره اللذين يخفيان شيئًا كان يأخذها بعيدًا عن أعين الناس ويحيمها:
ـ لا أعرف لماذا أصر عليه.
سمعها الشيخ صحيحة وأوّلها كما يحلو لقلبه تمامًا، والقلب عليل بها لا فكاك له منها، والضمير لا يرضى، لا يقبل أن تكون ضحيته ويقايض على شِرعة الله ومنهاجه مقابل راحته هو..
كاد يخبرها أنه يعرف لماذا، وأن ما يحدث كله يستحقه، يستحق أن يفارق ما دام لا يستطيع اتخاذ القرار الذي يقربها منه ولكنه القدر، قد قال كلمته وما عليه سوى طاعته، أنهى كل تلك المهزلة ونحى بصره عن زمزم كليًا، لم ينظر إلى أختها كذلك وسلك درب التهرب من المواجهة متمتمًا في هدوء كئيب:
ـ سأعقد قرانها وقتما تحددون.
صُدمت نجاح مما تفوه به ونقلت بصرها منه إلى أختها التي تحدق به ضائعة بلا مرسى، أومأت نجاح دون حروف وقد علمت أن بعد هذا الحديث قد وقعت أختها في الدوامة التي كانت تخشى عليها منها..
***
عاد إلى بيته فوجد أمه في انتظاره أسفل شجرة التوت العملاقة تحتسي الشاى تكبت مشاعر غضب ولّدتها وسوسة باسل الجالس جوارها والتي ذكرتها بزيارة زمزم السابقة إلى منزلهم، أقبل عليهم وخلع حذاءه لينضم إلى الجلسة المغلقة يرمق باسل بغضب صريح:
ـ هيّا انهض يا باسل، كفى لعب أطفال.
مط باسل شفتيه ببرود واستقام واقفًا يودع زوجة عمه:
ـ إن احتجتِ شيئًا أنا أتسكع في الجوار سآتي في الوقت المناسب.
رفع جبر حاجبيه مستنكرًا تدخل الشاب اليافع في حياته ووقاحته الزائدة..
مضى باسل بعيدًا واختفى عن الأنظار فاقترب جبر من أمه يترفق في سؤالها:
ـ ما بكِ يا أمي.
تركت كوب الشاي من يدها على الصينية المستديرة وأراحت كفيها على فخذها:
ـ أكاد أغضب يا شيخ.
انحنى قليلًا يلتقط كفها يرفعها إلى فمه يقبلها بتبجيل خالص:
ـ لا تغضبي يا أمي، لا شيء يستدعي غضبك.
كرهت أن تمتهن وظيفة الجلاد لكنها مجبرة، ما شعرت به ورأته بعينيها لا يطمئن البتة ويعرضه للأذى وانخفاض القيمة والقدر في أعين الناس:
ـ والفتاة يا شيخ، الفتاة الطيبة.
أسر يدها بين راحتيه، ضغط عليهما برصانة وحافظ على ملامحه ثابتة لا تشى بما يستعر بداخله:
ـ الفتاة الطيبة ستتزوج يا أمي وترحل من القرية، سأعقد قرانها قريبًا.
أدهشتها سرعة استجابته، وتملكت من قلبها غصة فمهما يواري عنها ما يشعر به قلبها يدلها عليه، ارتجفت بسمة مريرة على ثغرها وأطبقت أجفانها بقوة تبتهل:
ـ فليعوضك الله بمن تملأ عليكِ حياتك وقلبك يا شيخ، لا حرمني الله منك أبدًا.
***
يتبع..


samar hemdan غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم يوم أمس, 01:47 AM   #396

samar hemdan
 
الصورة الرمزية samar hemdan

? العضوٌ?ھہ » 461744
?  التسِجيلٌ » Jan 2020
? مشَارَ?اتْي » 733
?  نُقآطِيْ » samar hemdan has a reputation beyond reputesamar hemdan has a reputation beyond reputesamar hemdan has a reputation beyond reputesamar hemdan has a reputation beyond reputesamar hemdan has a reputation beyond reputesamar hemdan has a reputation beyond reputesamar hemdan has a reputation beyond reputesamar hemdan has a reputation beyond reputesamar hemdan has a reputation beyond reputesamar hemdan has a reputation beyond reputesamar hemdan has a reputation beyond repute
افتراضي

ذات فقد عقد قرانها، في أمسية كئيبة تمت دعوته ولبى الدعوة دون أي تعقيب، احتفى بيت والدها البسيط بجمع من الناس، من أقارب العروس والعريس أيضًا، جلس في صالة المنزل أمام طاولة أرضية تحمل دفاتره، أوراقه التي خط عليها اسمها الكامل واسم عريسها المفترض، جرب النحر بسن قلمه، تلك اللحظة التي يُجبر فيها على الانتحار ولا يحق له التعبير عن الألم، أتت مثل أي عروس ليتم العقد، لم يرفع عينيه عن الأوراق أمامه ولم يرها كيف تناظره بغرابة، كيف تشرع في نطق شيء ويلجمها لسانها في اللحظة الأخيرة، انتهى كل شيء وانتهت من قلبه الحياة، كان يعرف أن روحه تعلقت بها لكن لم يكن يدرك مقدار استحواذها عليه، نهض ولمملم أشيائه، وغادر ومن خلفه ضباب، أصوات متداخلة لا يستطيع تفسيرها ورؤية مشوشة وحب ضائع لا عودة له وعليه التعامل مع ذلك الجرح النازف بنفسه دون مساعدة أحد..
وزمزم حين رأته يغادر من فتحة الباب الداخلية، نسيت كل شيء وهرعت خلفه، هرولت على أرض ترابية في مدخل البيت، كان الصخب بداخل المنزل يتداخل مع طنين ووجع، ذلك الذي تفجر بداخلها وجعل زمزم تحب الذي رحل تستيقظ وترى الهراء في كل ما عداه، وقفت كالتائهة السماء من فوق رأسها معتمة والأضواء من حولها لا تفي بالغرض حتى تراه، نادت اسمعه بخفوت لم يسمعه غيرها:
ـ شيخ جبر!
نطقتها كالعاشقة، كالتائقة التي نفضت عنها الركام ونهضت تبحث عن خلاصها الحقيقي.
لم تشعر إلا بيد تجذب ذراعها من الخلف وصوت خشن بدل كل مشاعرها للنقيض:
ـ مبارك يا زمزم.
كان حافظ قد ترك جمع الضيوف وترصدها، ضاع شجن ملامحها وحل محله بسمة اختلال، صراع على أشده نشب بداخلها، فذلك الجسد البض المثالي في كل شيء يلتف على شخصيتين، والغلبة الآن للمختلة التي انتظرت الجن العاشق وحازت عليه، استجابت لجذب حافظ وبادلته بسمته بمثيلتها وغفت حبيبة الشيخ فالغلبة اليوم للخرافة ولا عزاء للعشق ومواسمه..
انتهى الفصل
قراءة منعشة😘🥰


samar hemdan غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم يوم أمس, 02:17 AM   #397

دانه عبد

? العضوٌ?ھہ » 478587
?  التسِجيلٌ » Sep 2020
? مشَارَ?اتْي » 445
?  نُقآطِيْ » دانه عبد is on a distinguished road
افتراضي

جوزتي زمزم يا سمر وكسرتي قلب الشيخ يا سمر وقراءة منعشه كمان ؟؟ ماشي يا سمر 😢😢😢😢 فصل رائع جدا جدا ومشوق سلمت يداكي يا عزيزتي 💚💚💚💚💚

دانه عبد غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم يوم أمس, 02:17 AM   #398

دانه عبد

? العضوٌ?ھہ » 478587
?  التسِجيلٌ » Sep 2020
? مشَارَ?اتْي » 445
?  نُقآطِيْ » دانه عبد is on a distinguished road
افتراضي

💚💚💚💚💚💚💚💚💚💚💚💚💚💚💚💚💚💚

دانه عبد غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم يوم أمس, 04:07 AM   #399

يمنى هيثم محمد

? العضوٌ?ھہ » 493032
?  التسِجيلٌ » Sep 2021
? مشَارَ?اتْي » 68
?  نُقآطِيْ » يمنى هيثم محمد is on a distinguished road
Rewitysmile19 مواسم العشق والشوق

الفصل دسم جدا بس ماشبعتش من الأحداث الجامده دي. يعني ودتينا البحر ورجعتينا عطشانين
وإعلانه على زمزم اوي ونفسي تفكي غموض حافظ
وإعلانه من جبر مجبنه وعدم دفاعه عن حبه وايه اللي هيفتن الناس في دينهم لو اتجوز زمزم يعني
واخيرا وليس آخرا انا استمتعت جدا بالفصل ده
دمتي مبدعه❤️❤️❤️❤️

دانه عبد likes this.

يمنى هيثم محمد غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم يوم أمس, 01:59 PM   #400

سناء يافي

? العضوٌ?ھہ » 497803
?  التسِجيلٌ » Jan 2022
? مشَارَ?اتْي » 64
?  نُقآطِيْ » سناء يافي is on a distinguished road
افتراضي مواسم العشق والشوق

فصل راىع جدا تسلم ايدك بس نهايتو زعلنا عا زمزم الله يستر حافظ شكلو كذاب وخبيث بانتظار الباقي

سناء يافي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة

الانتقال السريع


الساعة الآن 10:25 PM



Powered by vBulletin®
Copyright ©2000 - 2022, vBulletin Solutions, Inc.