آخر 10 مشاركات
لاجئ في سمائها... (الكاتـب : ألحان الربيع - )           »          إمرأتي و البحر (1) "مميزة و مكتملة " .. سلسلة إلياذة العاشقين (الكاتـب : كاردينيا الغوازي - )           »          إلى مغتصبي...بعد التحية! *مميزة ومكتملة *(2) .. سلسلة بتائل مدنسة (الكاتـب : مروة العزاوي - )           »          الطريق إلى موسكو *مميزة* و *مكتملة* (الكاتـب : -suzan- - )           »          167 - الفجر المر - جاكلين جيلبرت ( إعادة تنزيل ) (الكاتـب : * فوفو * - )           »          صفقة طفل دراكون(156)للكاتبة:Tara Pammi(ج2من سلسلة آل دراكون الملكيين)كاملة+رابط (الكاتـب : Gege86 - )           »          وأغلقت قلبي..!! (78) للكاتبة: جاكلين بيرد .. كاملة .. (الكاتـب : * فوفو * - )           »          مشاعر على حد السيف (121) للكاتبة: Sara Craven *كاملة* (الكاتـب : salmanlina - )           »          لعنتي جنون عشقك *مميزة و مكتملة* (الكاتـب : tamima nabil - )           »          ذكرى ضاعت منه(132)للكاتبة:Dani Collins (الجزء الثاني من سلسلة الوريث الخاطئ)*كاملة* (الكاتـب : Gege86 - )


العودة   شبكة روايتي الثقافية > قسم الروايات > منتدى قصص من وحي الاعضاء

Like Tree3599Likes
إضافة رد
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 19-02-24, 08:13 PM   #841

samar hemdan
 
الصورة الرمزية samar hemdan

? العضوٌ??? » 461744
?  التسِجيلٌ » Jan 2020
? مشَارَ?اتْي » 927
?  نُقآطِيْ » samar hemdan has a reputation beyond reputesamar hemdan has a reputation beyond reputesamar hemdan has a reputation beyond reputesamar hemdan has a reputation beyond reputesamar hemdan has a reputation beyond reputesamar hemdan has a reputation beyond reputesamar hemdan has a reputation beyond reputesamar hemdan has a reputation beyond reputesamar hemdan has a reputation beyond reputesamar hemdan has a reputation beyond reputesamar hemdan has a reputation beyond repute
افتراضي


أخذته قدماه للأسفل، مراقبته الحثيثة للقائها مع زكريا الذي لا يعرفه جعلته يفهم ما يدور في خلدها، تبدو كامرأة معجبة برجل وتود جر قدمه لشباكها، هبط درج المشفى بعد رؤيته لها تغادر الغرفة بوجه غير مفسر وتركها لأخيها مع زكريا بالأعلى، سار ببطء عبر الحديقة، شيء بحث عنها كأنه وجد الطعم المناسب لاصطياد سكته الشهية، بعد البحث وجدها!
جالسة على مقعد خشبي أسفل الشمس الموشكة على المغيب، تضع ساقًا فوق أخرى تحافظ على ظهر مشدود، بجلستها أناقة وشموخ امرأة تترك الأثر بعد لقاء واحد، تقدم أكثر فاتضحت كاملة، امرأة في منتصف الثلاثين تبدو كقطرات الرحيق الأخيرة التي يرتشقها رجل دفعة واحدة فتفتح الطريق أمام شلالات رجولة غير منتاهية، تفحصها دول خحل، من حذائها الكلاسيكي الأسود ذي الكعب المتوسط إلى جوربها الأسود الخفيف الشديد الأنثوية الذي يظهر منه مسافة شبر كامل قبل أن تقابله حافة تنورتها السوداء وبلوزتها الحريرية بلون العنب الداكن الذي تتخلله زهور صيفية، كيف مزجت العنب مع الورد في إكسير مُحرم كالخمر!
كرقبتها المزينة بسلسالين من ذهب، كلٌ لها شكل مختلف وربما دلالة، امرأة غامضة، كغموض ما تخطاه من مفاتنها قبل وصوله لرقبتها، وصل وجهها المستدير، تزم شفتيها على أفكار بدت مرهقة وربما خيبة أمل!
قد رأى خيبة أمل ممتزج بالغضب في عينيها السوداوين قبل قليل حين غادرت غرفة مأوى.
دارت عيناها عبر الحديقة ببطء حتى وصلته، واقفًا على مقربة يبادلها النظر، توجه صوبها بجراءة تامة، توسعت حدقتاها تأهبًا لوصوله، ودون دعوة جلس، ترك بينهما مسافة نصف متر واحد، ونظر أمامه، صدمتها وقاحته، لا تعرف من أين أتى بها ليقتحم جلستها ببساطة هكذا، سألته بحاجب مرفوع:
ـ عفوًا، هل تعرفني حتى تجلس جواري هكذا دون دعوة؟
كأنه لم يسمعها للحظة، جعلت الدم يفور حتى رأسها:
فسألته دون حذر:
ـ هل تسمعني؟
أدار رأسه إليها ببطء حتى وجهها تمامًا، سقطت عيناها في جُب عينيه فجأة، زلّت قدماها وسقطت معها، شيء غامض ربط نظرتهما، للحظة قبل أن تزيح ببصرها عنه، عاقدة جبينها، تزم شفتيها وتنظر أمامها فيما بقي هو على حاله يتأملها ويتأمل ثورتها المكبوتة، سألها مندهشًا:
ـ هل تملكين المقعد؟
أثار ضيقها، إضافة إلى رهبة خفية تسللت إليها، أجابتها بجمود كامل:
ـ من اللباقة أن تطلب إذن امرأة وددت الجلوس جوارها.
رفعت يدها تزامنًا مع ذلك تمسد وجنتها، ترتدي الكثير من المشغولات الذهبية، رقيقة كلها من خواتم تلتف حول إصبعين من كل يد وأساور لكنها عديدة بشكل ملحوظ.
وكان مباشرًا، رجلًا لا يحب الطرق الملتوية:
ـ لماذا لم تتزوجي إلى الآن!
اتسعت عيناها وشهقت مصدومة، تعود فتنظر إليه وتسأله:
ـ كيف عرفت ذلك، هل سألت عني، سألت من، ولماذا؟
توالت أسئلتها ففضحت توترها، منحته فرصة الاسترخاء تمامًا والتمادي كليًا:
ـ بكِ شيء يبحث عن رفيق.
كان واضحًا، وصريحًا، ووقحًا وصادقًا، نهضت رمانة فجأة، رمته بشرر وقذائف:
ـ كيف تحدثني هكذا، لن يمر تحرشك بي ولا وقاحتك بسلام، سأقاضيك على تطاولك وتحاوزك معي.
تشبع وجهه بابتسامة بدت هادئة، نهض بدوره ووقف قبالتها، يغرق في شعوره بالانتصار:
ـ حسنًا، اتفقنا، أنا أنتظر الشكوى في قسم الشرطة.
وكما فعل مع مأوى قبلًا، عرّفها بنفسه:
ـ أنا جبريل شمس الدين، احفظي اسمي جيدًا.
كزت على أسنانها بعنف كررته خلفه متسائلة:
ـ جبريل شمس الدين من؟
اتسعت ابتسامته فجأة وعلق ذاهلًا:
ـ تنطقين اسمي بطريقة رائعة، كيف بدلتِ الراء بالغين، أنتَ مثيرة للاهتمام.
وجدت نفسها تلقائيا ترمقه كمخبول ثم تنحسب من محيطه، فلا ينقصها متحرش ينزع نهارها أكثر من ذلك.
***
أجادت الاختباء منه رغم عملهما في المشفى ذاته حتى تتالت الأيام، ظل يبحث عنها دون تضييق الخناق، حدسه أخبره أنها تريد لنفسها بعض الهدنة بعد ما حدث لها في بيته، لومه لطاهرة وأمها لم ينقص من لومه لها، ليس هكذا تُدار الأمور.
وبدا أنها تخلت عن جزء من حذرها بعض الشيء حد أنه قابلها وجهًا لوجه في منتصف إحدى ردهات المشفى، تصلبت أمامه وحركة يدها الدينامكية البطيئة فيم تخبئها داخل جيب معطفها الطبي وشت له بمقدار اضطرابها، واضطرب مثلها، لم يسبق له أن وضع بين سندان زوجة ومطرقة فتاة تحبه من قبل، سار إليها ببطء، ورائحة عطرة الممتزج ببقايا التبع مارست عليها تعويذة قهر وحُرقة، ليس لها على أيه حال وعليها التعامل مع تلك الحقيقة.
شحذت ثباتها كاملًا وافتعلت ابتسامة هادئة فيما تستقبله:
ـ مرحبًا، كيف حالك؟
استنكفت عن نطق اسمه حتى وصلها بهدوء يحاول منه التركيز وقراءة تعابير وجهها وكانت أكثر جمودًا مما يمكنه من ذلك، تبسم محياه ببعض العطف الذي كرهته:
ـ بخير يا رنا، كيف حالك أنتِ؟.
ليست بخير، ليست بخير البتة طالما قلبها ينبض بذاك العنف في حضوره، عليها وأد تلك المشاعر التي سمحت لها بفضحها وتعريتها أمامه وأمام الجميع، لاحظ توترها وزيغ بصرها فترفق بها بصوت دافئ:
ـ علينا التحدث يا رنا.
هزت رأسها بانفعال كان واضحًا أكثر من اللازم:
ـ سنتحدث عن ماذا؟، كل شيء بخير.
انحسرت بسمته، وحل محلها الكثير من الأسف:
ـ سأنتظرك بعد انتهاء عملك، هاتفيني ما إن تنتهي منه.
ترك وجهها حائرًا وكل شيء فيها ليس في محله، بعثر دواخلها وترك لها الساحة تنازل حبها له وحدها.
بعد عدة ساعات كانت جالسة جواره في سيارته، بيدها علبة مليئة بالمثلجات التي تحبها وبالأخرى ملعقة صغيرة عليها بتناول المثلجات بها، وأضحت عاجزة عن البلع، حاول عدة مرات والغصة في حلقها تغلق الطريق أمامها كليًا، قبض عن مقود السيارة الساكنة على الطريق وطفق يرتق جزء من كرامتها:
ـ أود الاعتذار عمّا حدث برمته.
وخزتها عيناها، عاودتها الذكريات المقيتة كلها دفعة واحدة، هزت رأسها عدة مرات وضمت كوب المثلجات بأناملها الرقيقة:
ـ لا بأس.
تردد صوتها بحشرجة بالغة جعلته يأسف على حالها وحاله، استدار لها بكليته، ورغم أنفه تأملها، لم يفعلها بتلك الطريقة قبلًا، جذبه النظر إلى استدارة وجهها فيما تنظر أمامها، رعشة رموشها أَذِيَتْ مشاعره، وزمة شفتيها العاجزة زادت من غيظه، ولوهلة ضرب رأسه شيء مباغت، رآها كامرأة حقيقة للمرة الأولى، لطالما رأها كأخت وابنة خالة، تأمله المتفحص لها أيقظ شيء غامض في صدره، أوجعه بشدة، جعله يزيح عينيه عنها ويسترخي في جلسته ليستند بمرفقه لحافة النافذة المفتوحة ويشرد في الفراغ الخارجي، بعد فترة صمت مترقبة تمتم ببعض الغضب:
ـ ما كان عليكِ التحدث مع طاهرة أبدًا يارنا.
قضمت رنا شفتها السفلى وأخفضت يديها القابضتين على علبة المثلجات لحجرها، وأخفضت رأسها أيضًا في موافقة ضمنية لرأيه، لم يعاود النظر إليها وفضل الشرود على الوقع أسير تلك اللحظة التي لم يتصورها يومًا، اندهش من نفسه، ومن شعور الانجذاب الذي سيطر عليه قبل لحظات واستمر دون مغادرة، تكورت قبضته وشعر بالنقمة على طاهرة، هي السبب الرئيسي فيما حدث، هي من شقت الثغرات بينهما مهما وكلما سعى لغلقها شقت غيرها حتى اهترأ ما بينهما إلى تلك الدرجة المثيرة للشفقة، تهدجت أنفاسه فمد يده يجذب علبة تبغه التي سحب منها واحدة حركها بخفة بين أنامله قبل أن يشعلها بقداحته، تركت له الساحة كليًا وانعزلت عنه وحدها، لو عليها لتوسلت الأرض أن تبتلعها لكن حماقتها هي العلة، هي من فعلت هذا بنفسها، كان حبها حبيس صدرها لا يدري به أحد ولا يكلفها كل هذا الهدر لكرامتها ومشاعرها، سمعته يتهكم بعد زفرة دخان كثيفة:
ـ من المفترض أن الزوجة تكون آخر من يعلم يارنا.
جلدتها حروفه والعبرات التي سكنت مقلتيها دون سقوط:
ـ لا أريد التحدث في الأمر من فضلك.
قاطعها دون سيطرة:
ـ يا حبيب....
قطعها قبل نطقها، اعتاد نعتها بحبيبتي دون قصدها فعليًا، دومًا قصد شيء آخر غير هذا الذي تفرضه الكلمة، عدل من جملته وتهذب في التحدث إليها:
ـ يا رنا، لابد أن نتحدث، أنا مدين لكِ باعتذار ولن أتركك وحدك تواجهين كل هذا.
افتعلت ضحكة وتشوهت على حافة ثغرها:
ـ أنا التي عليها الاعتذار، أنتَ متزوج وزوجتك تحبك، كانت لحظة حمق مني سامحني عليها.
سمحت له استدارتها إليه بتأملها مرة جديدة، الفتاة شديدة الجمال والجاذبية، رقيقة بشدة يكاد يطويها بكفه، وشفتيها الممتلئتين في لحظات تزمها تواري رجفتها وأخريات تفرق بينهما فتحرر شعورها، أطبق أجفانه متنفسًا بصعوبة، وتحركت يده تفتح باب السيارة ليهبط بسرعة ويتركها مصدومة، أغلق بابه بحدة ملحوظة، ألقى ببقايا لفافة التبغ بعيدًا واستند إليه موليًا إياها ظهره، كتف ذراعيه على صدره وحارت عيناه تسبحان في المدى، الهواء من حوله مائل للبرودة لكن حجيم صدره أكثر مما يسمح له بالراحة، ماذا يحدث معه، هو يحب طاهرة ولا يتمنى سواها وما يشعر به الآن مغايرًا لعشقه العارم لها، كما رنا أخته وستظل كذلك.
شعر بها تسير إليه بعد فتحها باب السيارة وهبوطها جاهلة تمامًا بما يدور في رأسه ويتسلل إلى صدره، وقفت على مقربة منه، يدها فارغتين متكورتين جوارها، تمتمت بخفوت يائس:
ـ فاروق، لقد أخطأت، ووضعت نفسي في مكان لا يناسبني.
ارتجفت شفتاها وفيما يرمقها بجانب عينيه استقرتا عليهما، تحركت تفاحة آدم خاصته ببطء، تصنع الضحك والمزاح:
ـ الغريب يا ابنة خالتي أن ابنة عمي لا تحاول بأي طريقة وتود التخلص مني ولا تمانع في ترك ابنتنا لي ببساطة.
تهرب من الانجراف خلف المجهول الغامض الذي يجذبه إليها واستمر في مسرحية المزاح للنهاية:
ـ وابنة خالتي تريد نصف حياة فقط.
اكتمل كل شيء بسخرية لاذعة:
ـ في رأيك، أنا لا أصلح كزوج لحياة كاملة عادية وطبيبعية، أحب زوجتي وتحبني بالقدر نفسه؟
هم فمها بالإجابة لكنها كبحتها بأعجوبة، بدت في عينيها الملهوفتين عليه، رمشت عدة مرات وتقهقرت للخلف، لا مزيد من التصرف بتلك الطريقة المخزية، حمحمت بخفوت وأجابته:
ـ أنا أسأت تقدير الأمر، بإمكانك التحدث مع طاهرة وتسوية الأمر معها.
حل وثاق ذارعيه واستدار قليلًا يمد يده داخل السيارة يجذب علبه التبغ والقداحة وأشعل واحدة وأخذ يستل منها يفرغ يأسه فيها، نفث آخر دخانها ودعسها تحت قدمه بعد الانتهاء منها، وانتظرته بصبر، دون تحدث أو اقتراب، سألها مباشرة فيما يثبت نظرته في عمق عينيها الواسعتين بلونها البني اللامع:
ـ وأنتِ كيف سأسوي الأمر معكِ؟.
تحرك بؤبؤي عينيها برجفة ملحوظة له، وقضت على اللحظة الحقيقية بأخرى زائفة دعمتها ضحكتها الهادئة:
ـ لا تهول الأمر هكذا، أنت تعرف أنني عملية ولم أورط مشاعري في الأمر.
كذبها مفضوح لا يحتاج أي ذكاء منه، عض شفته بقسوة وأخفض عينيه عنها، تفادى السقط في المحظور وأبعد خياله عن جسدها فتلك نقطة لا عودة لا يود الوصول إليها.... على الأقل الآن وطاهرة لا تزال معلقة به.
استل من الهواء ما أكفى صدره ومن ثم أشار للسيارة باسمًا:
ـ هيا أوصلكِ يا رنا، لقد تأخر الوقت.
طوقتها بحنان نظرته فيما تعود أدراجها وتجلس محلها، جاورها في مقعد القيادة وعاد وأوصلها إلى بيت خالها وكل منهما شغل عقله وقلبه ألف قصة وقصة وأشياء عدة لم تروى بعد.
انتهى الفصل
ولا تزال للحكايا بقايا.


samar hemdan غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 19-02-24, 08:48 PM   #842

samar hemdan
 
الصورة الرمزية samar hemdan

? العضوٌ??? » 461744
?  التسِجيلٌ » Jan 2020
? مشَارَ?اتْي » 927
?  نُقآطِيْ » samar hemdan has a reputation beyond reputesamar hemdan has a reputation beyond reputesamar hemdan has a reputation beyond reputesamar hemdan has a reputation beyond reputesamar hemdan has a reputation beyond reputesamar hemdan has a reputation beyond reputesamar hemdan has a reputation beyond reputesamar hemdan has a reputation beyond reputesamar hemdan has a reputation beyond reputesamar hemdan has a reputation beyond reputesamar hemdan has a reputation beyond repute
افتراضي

الفصل الحادي والأربعون
***
غردت الصغيرة بين يديه، بكائها ناعم كأكثر الأصوات البديعة التي سمعها يومًا، رفعها بين كفيه وضمها إليه برفق، قبّل جبينها وراح يتأمل ملامح وجهها الصغير، ابتسمت له يُمن الجالسة جواره على أريكة الردهة الفسيحة التي تكفلت سندس بتنظيفها مع الشقة التي أصر زكريا على نقل مأوى ورضيعتها إليها، وتلك الشقة تبعد مسافة قصيرة عن بيت يُمن في منطقة أكثر رقيًا وهدوءًا من حيها الصاخب فتضمن الخصوصية والراحة لمأوى وابنته، ابتسمت العجوز ومازحته ضاحكة:
ـ ابنتك نسخة أخرى من مأوى.
قبّل أطراف أنامل صغيرته الرقيقة وضحك بخفوت فيما تميل عيناه إليها باسمًا:
ـ المهم ألا تأخذ شيئًا من مأوى سوى ملامحها الجميلة.
سمعته مأوى التي تمارس رياضة المشي الخفيف في المنزل بأمر الطبيبة فتوقفت محلها بعد إقبالها عليهم قبل لحظات، قد مر أسبوع على ولادتها للصغيرة وتحسن وضعها الصحي بعض الشيء، رنّت آخر كلماته في أذنها فتضرجت وجنتاها في بادئ الأمر بحمرة خفيفة بسبب وصفه لها بالجميلة وتلك الحُمرة تلاشت مع إدراكها لحقيقة ما تفوه به، جعلها تفكر في انتقام سريع واهتدى عقلها لمناداة الصغير الجالس على سجادة وثيرة أمام التلفاز المفتوح على أحد أفلام الرسوم المتحركة:
ـ آدم حبيبي.
انتبه وأدار وجهه لها باسمًا:
ـ نعم خالتي مأوى.
تبسم محياها له فقد أسعدها أن يأتي به زكريا كي يرى أخته ويقضي معهم بعض الوقت، توجهت بناظريها صوب زكريا الذي رفع وجهه عن ابنته وأخذ يتأملها دون حروف، بادلته نظرته متحدية أثارت ريبته ثم سألت آدم بتعبير خبيث ارتسم حول عينيها وثغرها الباسم:
ـ كيف حالك حبيبي، هل أنتَ سعيد برفقة ماما مع العم سلامة؟
تجهم وجه زكريا الذي رعدت نظرته وأوشك على ارتكاب حماقة لن يندم عليها، ومأوى تجاهلت بوادر غضبه وصبّت اهتمامها على الطفل:
ـ هل يعاملك العم سلامة بلطف؟
أجابها آدم بجدية ودون تفكير:
ـ أجل يعاملني بلطف ويلعب معي أنا وفرح أو ماما أحيانًا.
هزت رأسها باستحسان ومضت في طريقها ببطء فيما تسند بطنها بكلا كفيها، تجاهلت عامدة غضب زكريا الفائض الذي أوشك أن يتسبب على تحطيم أسنانه، زمجر بقسوة دون التخلي عن مكانه:
ـ مأوى، ألن نكف عن افتعال المشكلات؟
أطربها الضيق في صوته، تتشفى به بشكل ما، تود إشعال حرائقه ليثور ويتشاجر معها، تصنعت الجهل وهزت كتفيها بخفة:
ـ ماذا فعلت أنا؟، أطمئن عليه مع زوج أمه فقط.
في تلك اللحظة مرت سندس من جوارها تحمل طبقًا بلاستيكيًا كبيرًا ممتلئًا بملابس مأوى التي غسلتها وأخرجتها من غسالة الملابس بغية تجفيفهم تحت الشمس في الشرفة الخارجية، مست ذراعها فالتفتت لها مأوى لتنهرها سندس بلطف خافت:
ـ لا تضايقي الرجل يا مأوى.
أخفضت صوتها أكثر حد الهمس:
ـ لا نريد خسارة المعركة في أول جولة.
مضت في طريقها وتركت مأوى واجمة لبعض اللحظات قبل أن تشدد على ضم يدها على بطنها الذي تحسن وضع جرحه وتأففت بحجم الوهن في صدرها وغمغمت بصوت قصدته مسموعًا:
ـ أتأكد فقط أن العم سلامة يعامل أطفال زكريا بطريقة جيدة.
شهقت سندس وتسمرت محلها بينما تراقص الهزل على وجه يُمن الصامتة منذ البداية لكن زكريا قد وصل غضبه إلى حد غير معقول فزعق دون اعتبارات:
ـ وما شأنك أنتِ بذلك؟
شحذ برود القطبين وسارت صوبه ببطء حتى وصلت مقعد مقارب لخاصته، احتلته وحدها وأسندت ظهرها له ترمي برأسها الثقيل إلى ظهر المقعد، لم تنسى منح رضيعتها نظرة شرود بطيئة قبل ذلك، وتحت مراقبة زكريا الغاضب لها زمت شفتيها ممعنة في إغضابه:
ـ أطمئن فقط.
خاف أن يصيب الرضيعة بأذى إن استمرت تلك المهزلة بينما يحملها بين يديه، مد يده بها إلى يُمن التي أخذتها إلى رحابة حجرها وهدهدتها بلطف، شدّ ظهره وتسلح ببأس جديد عليه لم يستعمله معها قبلًا:
ـ ولماذا يهمك الأمر!، ترتدين .....
أوقفته بكف حازمة تقطع عليه ذنب الوقوع في خطيئتها السابقة:
ـ توقف يا زكريا، توقف.
رفع أحد حاجبيه واستند بيده لفخذه فيما يطالع جلستها أمامه بعدم رضى:
ـ لماذا أتوقف؟، من يطرق الباب يا مأوى لابد أن يجد إجابة تناسبه.
تدخلت يُمن التي نجحت في احتواء الرضيعة حد أنها نامت في غضون دقائق في حجرها:
ـ متى ستعيد زوجتك يا زكريا؟
لم يأبه لمأوى التي كورت كفيها فوق ساقيها دون خفض وجهها عنه، واستدار بكليته ليُمن الساكنة جواره:
ـ ولماذا أعيدها أصلًا؟
قاطعته مأوى التي استنكرت سؤاله وتناغم صوتها الحاد مع زفرتها المستنكرة:
ـ ولماذا حاولت لمس يدي في المشفى يوم ولادتي لرقية؟
باغتته بسؤالها فحمحم بخفوت ونظر ناحية آدم اللاهي بفيلم الرسوم المتحركة ولا ينتبه له وزيادة في التأكد حدثه بهدوء:
ـ آدم، انهض واذهب إلى الشرفة مع الخالة سندس.
أطاعه آدم واستقام دون نقاش وسار ناحية الشرفة البعيدة في نهاية الردهة دون أن تحيد عيناه عن التلفاز أمامه، عاد زكريا من مراقبة ذهاب ابنه إلى جلستهم المُربكة ينظر لمأوى ويجيبها:
ـ كانت لحظة عاطفية بسبب مشاعري الوليدة لرقية.
تلحف وجهه بالسخرية واستطرد بعد برهة صمت خانقة:
ـ لا تنسي أنني عرفت بخبر وجودها في هذه الحياة متأخرًا.
تهكم بضحكة قاسية:
ـ تصوري أن يعرف طليق أمها بالأمر قبل أبيها.
رمى ببصره إلى يُمن التي ارتكنت من جديد إلى صمتها:
ـ تصوري يا خالة يُمن، هل هناك امرأة تفعل هذا رغم أنه مُحرم شرعًا أن تخفي المرأة ما في بطنها عن أبيه!.
ضمت مأوى شفتيها وزفرت من أنفها بعنف:
ـ انتهينا من سيرة سلامة، عرف أو لم يعرف، هي ابنتك أنتَ وقد عرفت بوجودها.
لم تغادره سخريته بل ازدادت وطأة:
ـ أنتِ من جلب لنا سيرته، لم أكن لأتحدث عنه قط لولا لسانك السليط.
رفعت مأوى رأسها قليلًا حتى أضحى أمامها واستطاعت تأمله دون حواجز، لم يعد كما السابق، ليس هينًا يمرر شيئًا بل يتوقف عند كل حرف ويحلله، ولحظاتها السابقة معه عادت إليها اجتاحتها بطوفان حنين لم يكن في صالحها في تلك اللحظة بالتحديد، كان دور يُمن لتفتح لهما أفقًا جديدًا للشجار حين سألته مباشرة لا تخفي خبث نظراتها ولا نواياها:
ـ هل ستتزوج بقلقاسة؟
قطب جبينه بغير فهم، فأوضحت له بحركة يد مستخفة:
ـ الزائرة التي ترتدي متجر الذهب حول رقبتها ويديها.
أدرك مقصدها وهز رأسه ببطء دون إخفاء اندهاشه:
ـ تقصدين رمانة؟
لوت مأوى شفتيها، أخفت بصعوبة تسلل الضيق إلى وجهها رُغم أنها لم تشعر بالتهديد الكامل من وجودها، هي الآن لا تشعر بالتهديد البتة، أدهشها ذلك فقد أرهقها طويلًا شعورها الخانق بالنقص وأن أي امرأة لا تصل لنصف جمالها بإمكانها التفوق عليها ببساطة، لكنها الآن قد تغيرت جذريًا، لا تهتم بجمال ملامحها في عيون الناس كاهتمامها بجمالها في عينيه كما أن شعورها الكاسح بقيمة نفسها قد تخطى أي امرأة بإمكانها المرور، فمن تمر تمر ولن تلتفت لها ولا لتأثيرها حتى، تحولت أفكارها إلى ملامح مقروءة استطاع زكريا الهرولة خلفها على محياها، عيناها في طور ابتسام ووجهها متألق كعادته، بشكل ما أراحه ذلك، برغم غضبه منها المتأجج داخل صدره كانت تساؤلاتها السابقة عن مقدار رضاه عنها واكتفائه به تضايقه، لطالما رأها كاملة وكافية له ترضيه ويؤنسه قربها ويستغرب كيف لها أن تشعر بالنقص وهي مأوى!
طال الصمت الذي لاحظته يُمن، ما بينهما كبير مهما انهدم ستبقى أنقاضه راسخة في الأرض لن تنخلع، تبسمت بمكر وتمتمت:
ـ أجل هي رمانة، تبدو كحبة فاكهة باهتة رغم أن اسمها رمانة.
نجحت مأوى في اصطناع ابتسامة ناعسة:
ـ ربما تعجبه يا يُمن، تعرفين أنه الآن يتاجر في الفاكهة، لديه نظرة ثاقبة في هذه الأمور.
لم ترق له مزحتها التي عبر عن استياءه منها صراحة:
ـ رمانة مجرد شريكة عمل فقط، هي وفضل ووالدهما شركائي مع العم خيري بالتأكيد.
سألته يُمن بفضول:
ـ عددكم كبير في تجارتكم.
أجابها بهدوء:
ـ لذلك رأس المال ضخم والأرباح مُرضية الحمد لله.
أشارت حولها إلى حدود الشقة الكبيرة ذات الأثاث الفخم الذي أحضره سريعًا وأصر أن تسكنها مأوى وأخبرهم أن واجبه أن يوفر لها ولرضيعتها السكن والنفقة اللازمة:
ـ الخير واضح يا زكريا.
علقت مأوى من جلستها:
ـ حاله ميسور منذ البداية يا خالتي.
تمتم زكريا بخفوت:
ـ الحمد لله.
ثم رفع صوته ضاحكًا:
ـ ومن شر حاسد إذا حسد.
مطت مأوى شفتيها وأشاحت بعينيها عنه فيما شاركته يُمن ضحكاته:
ـ لا تقلق أنا لا أحسدك، أنا أريدك أن تعيد زوجتك وابنتك إليكَ، أنتَ الأولى بهما.
أضفت لصوتها بعض الخبث الذي فهم معناه فيما تستطرد:
ـ أنتَ تعرف، أي امرأة مثل مأوى سيزيد خُطابها إن عرفوا بأمر انتهاء عدتها.
سألها مباشرة بغضب مكتوم:
ـ خُطاب مثل من؟.. جبريل الذي لم أره حتى الآن أم سلامة الهلالي!.
داعبت مأوى أطراف وشاحها الذي تخفي به خصلاتها وتتستر أمامه فلا يظهر سوى وجهها فقط وتهكمت:
ـ أو غيرهما، نحن لا نعرف.
احتقن وجهه وتصلبت كفه المتكورة، يريد تحطيم وجهها الآن لولا حالتها الصحية وأنه ليس بضارب للنساء:
ـ اسمعيني يا مأوى، أنتِ لن تتزوجي لا جبريل ولا سلامة ولا غيرهما.
توسعت عيناها وعينا يُمن المترقبة فأدرف مشيرًا إلى رقية الغافية رغم الجلبة الصاخبة من حولها:
ـ أنتِ ستمكثين هنا في هذه الشقة للاهتمام بابنتنا الصغيرة وأنا سأتكفل بالإنفاق عليكما لذا لن تضطري للعمل مع جبريل أو مصادفة أي رجل غيره.
رمشت عيناها عدة مرات وتجمدت تعابير وجهها إلا من حركة مضطربة لبؤبؤيها اللتين تحدقان به:
ـ وإن لم أفعل ذلك؟.
حرك كفيه في الهواء كرجل تعلم إدارة مواقفه جيدًا وحسب كل نقلة بإمكانه انتقالها دون المساس به:
ـ ستضطرين لترك رقية حبيبتي لي.
شهقت مأوى رغم ما بها من وهن:
ـ ثانية؟... تقولها ثانية؟
تدخلت يُمن تخفف من وطأة ما يدور بينهما:
ـ بإمكاننا تخفيف ذلك بعودكما الآن.
تبادل النظر مع مأوى، ترابطت النظرات في أفق اشتعل فجأة، انفجرت براكينه من جديد وطحن أسنانه بعنف:
ـ هل تعرفين يا يُمن ما فعلته ابنة أختك بي وبأم ابني؟
حذرته مأوى بسبابتها:
ـ لا تتحدث عنها.
سألها بحاجب مرفوع:
ـ ولماذا لا أفعل؟... أنتِ سمحتِ لنفسك بالتحدث عن سلامة وجبريل وغيرهما قبل لحظات.
صمت لحظة يراقب اضطراب ملامحها ثم استكمل:
ـ كما أنها أم ابني، هل تفهمين، ارتباطي بها لن ينتهي ما حييت، وما فعلته أنتِ ربما يظل وصمة عار له حتى يكبر.
اكفهر وجهه وتفرقت شفتيها بلهاث، عضت على شفتها السفلى والتزمت بالصمت فعرض شكواه بالكثير من المقت:
ـ السيدة مأوى ذات لسان يقطر سُمًا يا خالتي يُمن.
قاطعته يُمن بحكمة:
ـ لقد تغيرت.
طلت السخرية من وجهه وفاحت من حروفه الحارقة:
ـ من يضمن لي ألا تسب شرفي من جديد؟.
نهض من محله يتجاهل مأوى وينظر ليمن من علو:
ـ ما فعلته مأوى أكبر مما تتصورين.
ولن ينكر أنه يحبها ولن يكف عن ذلك، لن ينكر أن ما تفوه به قد مزق قلبه وأرجف حصونه كلها، لذلك لم يقطع الطريق ولم يغلق كل الأبواب أمامها، استدار يقف بالقرب من مأوى، يرسم لها الحدود ويجبرها على المضي خلالها:
ـ ربما نعود في المستقبل لكن بشروطي.
تلقفت ثورته بوجهة من زجاج، تعمدت ألا تصيبها الشروخ، لم ترمش حتى أو تظهر له جزء من تأثرها، رمى بداخلها بذور الأمل وأبى أن يرويها، سألته يُمن من الخلف:
ـ ما هي شروطك.
أجاب دون الحيد عن مأوى وكيانها:
ـ أن تثبت لي عكس ما أتصوره عنها.
سألته مأوى:
ـ وماذا تتصور عني يا زكريا؟
تنهد وانخفض جزء من علو كتفيه:
ـ أنكِ امرأة لا تحترم زوجها يا مأوى وسهل عليها إهانته.
احتفظ بتجهمه واستأنف اتهاماته:
ـ ما حدث يوم طلاقنا كان إهانة لا تغتفر، سوء الظن إهانة والكلمات البذيئة إهانة، كما أن ذكر رجال أُخر غيري في هذا البيت أيضًا إهانة.
ارتجف قلبها خلف ضلوعها، تشوشت رؤيتها له بعبرات لم تهطل، لن تبرح كبرياءها مهما حدث، استقامت وسارت بعض الخطوات ومرت جوار يُمن، مدت يدها تمس جبين الصغيرة، اشتاقت لها ولضمها إليها ولإرضاعها وتأمل ملامحها، والتمعن فيها، حدق زكريا فيها، هي أكثر امرأة يتمنى جوارها، لا يعرف أي سحر تلقي به عليه ويلجمه هكذا، ترفق بها فيما يضيف لمساته الأخيرة:
ـ أنا جربت الزواج مرتين يا مأوى، ولن أتزوج الثالثة إلا إذا ضمنت أن يكون أساس زواجي سليمًا.
شعرت يُمن بانتصاره على مأوى الواهنة التي لا تتسم بالضعف بل إن ظروفها الحالية فقط هي من تفرض عليها ذلك، اقتصت لمأوى بسؤالها الساخر:
ـ وأنتَ ماذا ستقدم لها مقابل كل ذلك؟
ظنت أنها انتصرت لكن هذا السؤال يضيف على مأوى المزيد من الأعباء، مأوى التي تنهدت ومدت خطواتها مغادرة صوب غرفتها وتمتمت في طريقها بصوت مسموع:
ـ أنا من تعرف ماذا يقدم زكريا، اسأليه سؤال آخر غير هذا.
ورغم هزيمتها ابتسمت ومسدت وجنة الصغيرة الغافية تمامًا، ربما شعرت في وجود والديها الأمان رغم كل شيء واستأنست بهما فنامت بعمق، عاهدت يُمن نفسها ألا تهدأ قبل أن تعيدها له وتطمئن عليها تمامًا.
***
يتبع...


samar hemdan غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 19-02-24, 08:49 PM   #843

samar hemdan
 
الصورة الرمزية samar hemdan

? العضوٌ??? » 461744
?  التسِجيلٌ » Jan 2020
? مشَارَ?اتْي » 927
?  نُقآطِيْ » samar hemdan has a reputation beyond reputesamar hemdan has a reputation beyond reputesamar hemdan has a reputation beyond reputesamar hemdan has a reputation beyond reputesamar hemdan has a reputation beyond reputesamar hemdan has a reputation beyond reputesamar hemdan has a reputation beyond reputesamar hemdan has a reputation beyond reputesamar hemdan has a reputation beyond reputesamar hemdan has a reputation beyond reputesamar hemdan has a reputation beyond repute
افتراضي

ملاذ في حالة مزرية منذ عدة أيام ولا تجود عليها بالبوح، حاولت مؤازرتها قدر استطاعتها لكن الأخرى منغلقة على حزن عميق يفتت قلب طاهرة دون أن تفهم أسبابه، طاهرة التي عانت وحدتها منذ تركها لبيت عمها والعودة إلى أمها وزكريا، شيء ما مفقود لا تعرفه بالتحديد، لم تعد للعمل مع بداية العام الدراسي مثلما عادت ملاذ، فضلت أن تلتزم الراحة وممارسة الرياضة حتى موعد ولادتها، ووالدتها جوارها، دومًا جوارها ولم تتركها إلا قليلًا، كما أن زكريا لا يقصر، يذهب إلى العاصمة، يغيب في عمله ويعود، يمر على الحقول سواء الخاصة بهم أو بمزارع غيرهم لاختيار أفضل انتاجها، ويعود، يطمئن عليها ويجالسها، يحادثها ولا يبخل عليها بوقت أو أذن صاغية لها كليًا.
مساء شعرت بحاجة ماسة لتناول شيء خفيف، نهضت من جلستها المسترخية على فراشها القديم، ذلك الفراش الذي هجرته بزواجها بفاروق، انتقلت للأعلى وألفت فراش جديد ثم انتقلت إلى بيت عمها وألفت ما بعده، وبالعودة لبيت عائلتها فضلت أن تعود لحجرتها في الطابق السفلي، تلك التي شهدت أيام دراستها ومراهقتها وبداية شبابها، حجرة متوسطة أثاثها أبيض وستارتها وردية، تحركت ببطء تغادر حجرتها الهادئة إلى الردهة الأكثر هدوءًا، عرفت أن أمها لا تزال بالخارج فمضت إلى المطبخ، تسلل إلى مسامعها صوت زكريا يسأل باهتمام:
ـ ربما أعود في الغد مساءً، لا أنفك عن التفكير في رقية، عسى أن تكون بخير وتنام جيدًا.
قطبت طاهرة جبينها وكفت عن المضي للأمام، لا تعرف أي رقية سوى خالتها التي توفيت قبل ميلادها، والدة زكريا التي لولا وفاتها ما كانت طاهرة قد ولدت من الأصل!
سمعته يمازح من يتحدث معه عبر الهاتف:
ـ لا بأس أن تتعبكم قليلًا، لها كل الحق في الدلال، حين أزوركم سأبدل لها ملابسها وحفاضتها وأعتني بها بنفسي.
عند تلك الكلمات اتسعت عيناها وسارت إليه مدفوعة بفضولها وهاجس غامض قادها إليه، وقفت أمام الباب وقد أحس بوجودها فبادلها نظرة متفهمة ثم ودع محدثه وأولاها كل اهتمامه، ارتجفت البسمة على محياه فيما يطالع وجومها وانتظارها للتوضيح، سألته مترقبة:
ـ من رقية هذه؟.. تبدو كأنها رضيعة!
تنهد بصوت مسموع فيما يهز رأسه إيجابًا ويتلاعب بالهاتف بين يديه، استدار قليلًا فأضحى كتفه مقابلًا لها، شرع في صب الماء الساخن فوق الشاي في كوب شفاف وراح يقلبه ببطء، ودون أن يرفع عينيه إليها أجاب كل تساؤلاتها وهواجسها:
ـ رقية ابنتي، مأوى كانت حامل حين تم طلاقنا.
شهقت بخفة ولم تتحرك من محلها، فقط تمتمت ذاهلة:
ـ لم تخبرنا بهذا، لماذا أخفيت هذا الأمر؟
تنهد من جديد ووضع ملعقة الشاي الصغيرة على الصينية بجوار الكوب ثم أدار رأسه لها بصدق:
ـ لم أكن أعرف أنا أيضًا، عرفت قبل ولادتها بأيام قليلة.
وكانت لحظة تحديق متبادلة، كل منهما يختبر شعور الآخر فيها، أراد أن يعرف رد فعلها في مقابل أنه يفرح لكل ما يسعدها ويعتبرها ابنته الكبرى مثلها مثل آدم بالضبط، عوّل على البذرة الطيبة الخاصة به وبأبيهما بغض النظر عمن روتها بماء الحقد فأضحت هكذا، طفرت الدموع من عيني طاهرة التي تقدمت منه ودون مقدمات حاوطت خصره بكلا ذراعيها ومنحته حنانًا قد ذاقه خالصًا أيام طفولتها الأولى، وتمتمت متأثرة:
ـ مبارك عليكَ أخي، تربيها في عزك وتفرح بها بإذن الله.
تلقفها في حضنه الأبوي الذي لم يبخل عليها به طيلة حياتها ومسد خصلاتها برفق فحررت نفسها من حضنه بابتسامة بسيطة رغم دموعها التي لم تكف عن الهطول:
ـ أسميتها رقية؟
تبسم باتساع وهز رأسه إيجابًا فباركت له ذلك بمحبة:
ـ حسنًا فعلت.
لم ينتبها في خضم انشغالهما بالحديث لحضور صالحة المفاجئ، صالحة التي تساءلت بحيرة:
ـ رقية من؟
جاورت طاهرة أخاها بإحساس داخلي بضرورة مؤازرته في تلك المواجهة التي تعرف مدى صعوبتها، لكن ذكريا تجاهل ذبابات التحفز في صوت خالته ومد يده ببساطة يحمل كوب الشاي الساخن يرتشف منه ببطء مستفز ويجيبها:
ـ ابنتي، مأوى أنجبتها قبل أسبوعين فقط.
شهقتها مغايرة لشهقة طاهرة قبل قليل، فصالحة مزجت الغل بالصدمة وانطلق صوتها كالبارود يدوي في أرجاء المنزل:
ـ ألا يكفينا ابن هاجر؟
ذهلت طاهرة من تساؤل أمها، فراحت تخفف وطأة ولذوعة ما سكبته من حروف:
ـ أمي!، علينا أن نبارك له.
نقلت صالحة عينيها عن زكريا إلى طاهرة وسألتها متهكمة:
ـ نبارك على ماذا؟، على انجابه كل طفل من امرأة وذهابها بطفلها دون أن يكون لنا حق فيه؟
التزم زكريا بشعور محايد تمامًا، كأن مشاعره قد احترقت ولم يعد يأبه للهراء الذي تتفوه به، تهكم متصنعًا التأثر:
ـ ماذا أفعل في حظي السيء يا خالتي، لو أن هاجر وجدت في هذا المنزل أناسًا يحترمون أنفسهم لما أصرت على الانفصال وأخذ ابنها أيضًا.
طال طاهرة بعض شظايا كلماته، خجلت من نفسها لأن حياته انتقلت من سيء لأسوأ ولم يهنأ بينهم كما ادعت أمها، تأملتها عبر عدسة جديدة عليها، أضافت إلى معطياتها أحقيته في بناء حياة مستقلة حتى لو كانت بين جدران هذا البيت، أطرقت بأسف فسمعت أمها توبخه:
ـ وماذا فعلنا لهاجر التي عاشت بيننا مثل الملكة حتى صدقت نفسها.
زفر بعمق:
ـ لم تضرك في شيء، كما أن مأوى أيضًا لم تضرك بدورها.
تحداها بنظرة تفيض ضيقًا:
ـ أنتِ من افتعلت المشكلات معهما دون سبب مقنع.
سألته صالحة مرتكنة إلى شعورها بالظلم:
ـ هل هذا جزائي يا زكريا؟، أنا أردت لك الأفضل.
تدخلت طاهرة التي أرهقتها تلك المشادة الكلامية:
ـ كفى يا أمي، باركي له وانصرفي إلى حجرتك.
زعقت صالحة في وجهها:
ـ الجميع يتحدث سواكِ، أنتِ لا تقلين حماقة عنه.
زمت طاهرة شفتيها غيظًا فأردفت أمها تلومها:
ـ الحمقاء فقط هي من تترك زوجها لفتاة....
وقبل أن تعيب قريبة فاروق وتتطاول عليها صاح زكريا بصوت رجّ جدران المطبخ الفسيح:
ـ صالحة!، توقفي الآن.
رمى بكوب الشاي في الحوض بقوة جعلته يتهشم، انتفضت طاهرة الواقفة جواره فيما لم يرف جفن لصالحة التي شذرته بغضب، وغضبه كان مضاعفًا فحذرها بصوت جهور:
ـ هذه آخر مرة تسمحين لنفسك بالتحدث عن أحد.
التفت إلى طاهرة يحذرها بدورها:
ـ وأنتِ استفيقي من جهلك هذا، ولا
تسيري خلفها كالعمياء.
صر على أسنانه واستطرد:
ـ لم أنسى ما فعلتماه مع مأوى بالمناسبة، وإن حدث وكررتِ السموم التي تطلقها أمك من لسانها سأقص لكِ لسانك يا طاهرة.
أطرقت طاهرة وأومأت بخفة ولم تجسر على قول شيء، تمادي أمها يوقعها في المتاعب دومًا ولم تعد بها طاقة لمجاراتها، فركت جبينها بتعب ورأته يغادر المطبخ وأمها تفسح له الطريق، ليلوذ بحجرته، بعد ساعة قضتها في حجرتها صامتة ومتربعة فوق فراشها، هبطت الفراش ووقفت أرضًا، لم تتناول العشاء الخفيف الذي ذهبت للمطبخ بسببه فزاد جوعها غير أنها حين غادرت الحجرة توجهت مباشرة صوب حجرة زكريا، طرقته برفق فخرج لها بعد أقل من دقيقة، محمر العينين جبينه متغضن، وسألها بجفاء:
ـ ماذا تريدين؟
ابتسمت له بصدق:
ـ أردت أن أبارك لكَ على رقية مرة جديدة.
ترددت لحظة ثم سألته:
ـ هل هي جميلة؟، تشبهك أم تشبه أمها؟
تمعن في وجهها لحظات قصيرة قبل أن يوليها ظهره ويدلف إلى الحجرة، أتى سريعًا يحمل هاتفه، فتح لها صورة الرضيعة فأخذته منه تتأملها، ابتسمت له باتساع وفخر:
ـ تشبهكما معًا، لم أرى أجمل منها.
اندهش من اختلاف ردود أفعالها عمّا توقعه منها في ظل وجود أمها حولها:
ـ ستنجبين فتاة جميلة أيضًا بإذن الله.
انحسرت بسمتها لوهلة قبل أن ترتجف عضلات وجهها، لم تخبره أنها لم تحسم أمرها فيما يخص طفلتها بعد، بل طفلة فاروق التي تحملها كأمانة اقترب موعد تسليمها، أمسك بيدها يضغط عليها يحسها على اختيار الطريق الذي لا يضيعها فيه:
ـ فكري في أمر فاروق بجدية يا طاهرة، حاولي كما يحاول، فقط حاولي بصدق.
أومأت له بخفة، ومنحته هاتفه ومن ثم استدارت صوب المطبخ انخرطت في إعداد عشاء دسم رغم أن الساعة قد تجاوزت الحادية عشر ليلًا.
***
يتبع...


samar hemdan غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 19-02-24, 08:51 PM   #844

samar hemdan
 
الصورة الرمزية samar hemdan

? العضوٌ??? » 461744
?  التسِجيلٌ » Jan 2020
? مشَارَ?اتْي » 927
?  نُقآطِيْ » samar hemdan has a reputation beyond reputesamar hemdan has a reputation beyond reputesamar hemdan has a reputation beyond reputesamar hemdan has a reputation beyond reputesamar hemdan has a reputation beyond reputesamar hemdan has a reputation beyond reputesamar hemdan has a reputation beyond reputesamar hemdan has a reputation beyond reputesamar hemdan has a reputation beyond reputesamar hemdan has a reputation beyond reputesamar hemdan has a reputation beyond repute
افتراضي

في الوقت الذي قررت فيه المضي قدمًا دون الالتفات حدث ما أجبرها على العودة عدة خطوات للخلف، انشغلت بالعمل والدراسة بعد آخر لقاء بينهما في ذلك المساء الذي أرغمت نفسها على محو تفاصيله، تفوه ببعض الكلمات التي تحمل المعاني المزدوجة التي أوقعتها في حيرة بالغة، وكان عليها التعامل مع ذلك الأمر بطريقة لا تسبب الأذى لها أو لأحد غيرها، عرفت من خالها وزوجته بالوعكة الصحية التي صابت خالتها بنور، حاولت الاتصال بها هاتفيًا عدة مرات والرد أتاها من زوج الخالة:
ـ بنور مريضة للغاية، مناعتها ضعيفة والإنفلوانزا شديدة عليها.
صمتت تعض شفتيها خجلًا فراح يطرق جموها بعصا رصينة:
ـ ألن تأتي لرؤيتها يا رنا؟
سارت طريقها إلى نهاية رواق المشفى، قلبها يراودها أن تهرع إليها الآن تهتم بها وتقوم على رعايتها حتى تمام تعافيها وعقلها يوقفها بلجام أشد عنفًا، فسارعت بالإجابة:
ـ سأطمئن عليها عبر الهاتف.
شعرت بوقاحة ما تفوهت به فجاءها عتابه الهادئ:
ـ لا أحب أن تشعري بالخجل في بيتنا بعد الآن، ما حدث كان شيء عارض وأعدك ألا يتكرر.
بللت شفتها بطرف لسانها وحبست تعليقها فتنهد بصوت مسموع:
ـ خالتك سألت عنكِ اليوم وأخبرتها أنك تسألين عليها كل عدة ساعات.
كورت قبضتها داخل جيب معطفها الطبي وأطرقت:
ـ سأمر عليها في المساء وأطمئن عليها بنفسي.
قطبت جبينها فيما تغلق الهاتف وتعيده لجيبها، ربما عليها التفكير جديًا في الانتقال للعاصمة، ربما إن تذرعت بالدراسة هناك والانشغال الدائم تجد مخرجًا من كل ما أوقعت نفسها في شباكه، رفعت معصمها لأعلى لتنظر في ساعة يدها، أوشك دوامها على الانتهاء وقررت أن تزورها زيارة سريعة وابتهلت ألا تقابل فاروق صدفة فيكفيها ثقل العمل برفقة في المشفى ذاتها.
بعد الانتهاء من العمل استقلت الحافلة وتوجهت بها إلى القرية، هبطت منها وسارت عبر الأروقة بشيء من تردد، كل ما فيها يتردد تكاد خطواتها التي سارتها للأمام تخذل خالتها وتعيدها للخلف مرة جديدة، وصلت باب المنزل بأعجوبة، تذكرت اللحظة التي غادرته فيها آخر مرة، انطلقت كلمات المرأة المسماة صالحة كالبارود يستهدف جسدها ولا يترك فيه إنشًا واحدًا دون إصابة، اعتلّت روحها وترنحت محلها، أطبقت أجفانها، خلف تلك الجدران أقرب الناس إليها وتشعر بالذنب تجاهه للتأخر في زيارته وفي الوقت ذاته تعرف أنه ربما تواجه بالداخل أسوأ مخاوفها، ابتلعت غصتها الحارقة ورفعت أنامل مرتعشة تضغط زر الجرس بخفة، تفصد جبينها بعرق وشى بإعيائها واختلال توارنها وتماسكت حين فُتح الباب وطل وجه العم خيري البشوش:
ـ أهلا بطبيبتنا الصغيرة، تفضلي يا ابنتي.
رمشت ببطء وازدردت لعابها فأفسح لها الطريق وأشار للداخل:
ـ هيا تقدمي.
تسمرت محلها واسترقت نظرة للرواق من خلفه فابتسم برصانة:
ـ لا أحد هنا سوى أنا وبنور.
بدت كأنها تنفست الصعداء لصعوبة تكرار المواجهة معه، قد مارست على نفسها ضغوطًا لا تُعد حتى استطاعت المثول أمام فاروق والتظاهر بعدم الاكتراث بشيء، رغم أنها تكترث وربما تموت حسرة على نفسها وعليهم، حتى المشاعر السرية التي انفردت بها لنفسها بدت مفضوحة لهم وأضحى من الصعب عليها معايشتها من جديد، تلك المشاعر كانت تؤنسها وتشد من أزرها في أوقات وحدتها الطويلة، تبسم محياها بمشقة وتهادت إليه، عندما دخلت رحب بها العم خيري فيما ينتعل حذائه ويهم بالخروج:
ـ خذي راحتك يا ابنتي، سأذهب للصلاة وقضاء بعض الأشغال وأتركك برفقتها لبعض الوقت.
توسعت عيناها دهشة فيما تطالعه فبرر لها باسمًا:
ـ لا أغادر المنزل منذ عدة أيام وسأتخذ مجيئك حجة لأخرج قليلًا.
ابتسمت له بسماحة وأومأت بخفة:
ـ سأهتم بها لا تقلق.
غادر وأغلق الباب خلفه، فأصبحت وحيدة في منتصف الردهة الفارغة من الجميع، البيت كله فارغ إلا منها وخالتها المريضة، رفعت عينيها للسقف الأبيض وغصة مديدة افترشت صدرها، هي السبب في خروج طاهرة من بيتها بتلك الحالة ولم تكن تود أن يصل الأمر لهذا، زفرت بعمق وسارت صوب حجرة خالتها، طرقت بابها الموارب فسمعت صوت خالتها الخافت:
ـ لماذا تطرق الباب يا خيري؟
حمحمت رنا قبل أن تجيبها:
ـ أنا رنا يا خالتي.
دفعت الباب برفق ومدت رأسها إليها باسمة:
ـ هل أزعجتك؟
سبقتها اللهفة في عيني بنور التي جاهدت لترفع رأسها من فوق وسادتها وتسلل صوتها واهنًا بشدة:
ـ رباه، تعالي يا حبيبة أمك، تعالي إليّ.
هرعت رنا إليها حتى وصلت فراشها، انحنت وعانقتها وشددت على العناق من كل قلبها دون محاذير من العدوى المحتملة، تبدو بنور في أضعف أحوالها، جسدها الضئيل في حالة هشاشة تامة ووجهها شاحب بشدة، حرّرتها رنا وجلست أمامها، اغرورقت عيناها بدموع مالحة:
ـ أنا آسفة.
أراحت بنور رأسها على وسادتها وتأملتها بهدوء:
ـ آسفة على ماذا؟
أخفضت رنا وجهها المحتقن:
ـ لأنني تأخرت في زيارتك.
مدت بنور يدها المنكمشة إلى كف رنا الساكن في حجرها وربتت عليه برفق:
ـ لا بأس يا حبيبتي، الحمد لله الآن أفضل.
رفعت رنا رموشها عن عينيها الدامعتين، ذكرتها تلك الحالة بأمها وأبيها وبوحدتها السرمدية، بنور هي آخر نقطة مضيئة بالنسبة لها، عند هذا الخاطر سقطت العبرات من عينيها متتالية فانعقد جبين بنور فيما تسخر منها:
ـ لمَ البكاء الآن، تتفاءلي خيرًا، هذه مجرد نزلة برد وستمر.
سارعت رنا بالانحناء على كفي خالتها وانهالت عليهما بالقبلات والبكاء:
ـ ستكونين بخير، أنا فقط متأثرة لأنني لم آتِ لرؤيتك من قبل.
سحبت بنور دفقة هواء ملأت به صدرها المتعب وسعلت بعدها بألم، مسدت صدرها ببطء ثم تحدثت:
ـ المهم أنكِ أتيتِ.
انتابها بعض الخزي فأطرقت من جديد هامسة:
ـ هل لي بالسؤال عن طاهرة؟
سارعت بالتحدث تنفي عن نفسها التهمة اللصيقة بها:
ـ أقسم لكِ لا أريد لها الأذى، أنا نادمة على ما حدث وأسأل عنها،
إن عادت لفاروق وتفاهما سويًا سأرتاح قليلًا.
تأملتها بنور من خلف رموش متقاربة وأطلقت زفرة تعب:
ـ اتفقا على الانفصال تمامًا، سيأخذ ابنته وهي ستتحرر من قيده.
ران عليهما الصمت فحارت رنا ماذا عليها قوله، تعرف بحجم العطب بينهما من طاهرة ذاتها، لكنها بدت لنفسها بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير ومن قال إن تلك القشة ليست آثمة!
لولاها ما انقسم ولا انتهت قصته، فركت أناملها الباردة ببعض وتراقص البؤس على وجهها برقصة أبدية، مدت قدمها وأغلقت الحديث في الأمر إلى هذا الحد، قررت أن تركز على حال خالتها التي أتت من أجلها وترحل قبل حدوث ما تترقب حدوثه وتخافه في الوقت ذاته، افتعلت ضحكة رنانة:
ـ بما إننا وحدنا يا خالتي العزيزة، سأهتم بالبيت وبكِ حتى يعود العم خيري من الخارج.
غمزتها ضاحكة:
ـ الرجل استغل فرصة وجودي ليهرب من المنزل.
أشارت إليها باتهام مازح:
ـ ماذا فعلتِ وجعل الرجل يتمنى الفرار يا خالتي انطقي؟
تحاملت بنور على مرضها وضحكت تشاركها اللحظة المسروقة.
خلعت رنا معطفها الشتوي الكريمي الأنيق وعلقته في علّاقة الملابس الخارجية جوار خزانة خالتها الضخمة ووضعت حقيبتها ومتعلقاتها كلها على أحد المقاعد وبقيت فقط بسروال من الجينز الناعم وكنزة أنيقة، حررت خصلاتها الطويلة لتتركه على ظهرها في ذيل حصان حيوي وشرعت في ترتيب المنزل بأكمله، حاولت خالتها منعها بلطفها المعتاد:
ـ المرأة التي تساعدني في التنظيف كانت هنا منذ يومين، لا داعي لتعبك يا رنا.
ابتسمت لها رنا فيما ترفع سجادة الأرض بين يديها:
ـ سننظفه من جديد، ماذا يقول علينا ضيوفك إن أتوا للاطمئنان عليكِ، ابنة أختها فتاة فاشلة؟
ابتسمت لها بنور بفخر:
ـ ابنتي طبيبة ناجحة وهذا يكفي.
تنهدت رنا فيما تتذكر لذوعة كلمات زوجة خالها وخالها ذاته في كل يوم تقريبًا، قضت وقتها في التنظيف ومساعدة خالتها لتبديل ملابسها حتى صففت لها شعرها وأعادتها لفراشها من جديد قبل أن تطلق نهدة ارتياح:
ـ البيت وبنور صارا مثل البنور.
ضحكت الخالة بحنانها المعتاد، ضحكة أعادت لقلب رنا جزءًا من حيويته ونشاطه، سارعت بالخروج من الحجرة:
ـ سأعد لنا حساء الخضروات والدجاج نتناوله معًا ثم أرحل قبل أن يأتي الطبيب ويجدني قد سطوت على قلبه أمه.
تركتها ترتاح في فراشها وحدها وأعدت الحساء في المطبخ ببوادر توتر، أطالت المكوث في المنزل حتى عمّ الليل ومد أواصره أكثر من اللازم، عليها بالرحيل سريعًا قبل أن تضطر لمقابلته والقبول بتوصيله لها لبيت خالها، قبضت على حافة المغرفة التي قلبت بها الحساء الذي أوشك على النضوج، رائحته ملأت المطبخ فرفعت المغرفة ببعض الحساء إلى فمها، تناولت منه القليل وتأكدت من ضبط ملحه وانتهاء إعداده، أطفأت نار الموقد من تحت الطنجرة وراحت تسكب منه في طبقين، أحدهما لخالتها والآخر لها، وضعتهما على صينية وأحضرت الملاعق والماء الفاتر وحملت الصينية إلى حجرة خالتها، اجتازت الباب المفتوح ودلفت إليها، رأتها بنور تأتيها بالطعام الناضج يتطاير البخار منه فابتسمت من قلبها:
ـ تمنيت أن أنجب فتاة، أنعم الله عليّ بك.
أسبلت رنا أهدابها ودلفت إليها، وضعت الطعام على طاولة صغيرة وجذبت مقعدًا تجاور به الفراش لتحتله، ساعدت بنور لتتناوله وقبل أن تضغه على الطاولة وتشرع في تناول طبقها سمعت جرس المنزل ينطلق لحوحًا يخرجها من حالة السلامة والأُلفة مع خالتها، دب الذعر في صدرها، ارتعدت أوصالها حين توقعت أن يكون فاروق، كذبت حدسها بوضع افتراض آخر وتمنت أن يتحقق ويريحها، نهضت وارتدت معطفها ووشاح رأسها وضبطته عليه فيما تحدث خالتها:
ـ بالتأكيد أتى العم خيري.
زفرت فيما تتمتم في سرها عند بعد مغادرتها الحجرة:
ـ هو العم خيري بالتأكيد، ليته يكون العم خيري فقط.
وما ابتهلت لأجله تحقق، كان العم خيري بالفعل لكن برفقة من توسلت ألا تقابله في جو عائلي دافئ مثل هذا، ألقى العم خيري التحية عليها ودلف ثم تبعه فاروق الذي رفع وجهه من إطراقة سريعة إليها، تهربت من لقاء عينيه وأخفضت وجهها تسبح عيناها في الأرض الرخامية من تحت قدميها العاريين:
ـ تفضل يا فاروق، كيف حالك؟.
كان والده قد انسحب للداخل فأضحت الساحة فارغة إلا منهما، حدق بها شعور الخطر والكثير من العسر، فنظرة محايدة له تكلفها أكثر مما تقدر عليه، أجابها بسؤاله المكترث:
ـ كيف حالك أنتِ؟
في صوته شيء وترها، لم تعتد تلك النبرة التي أدهشتها، تلقائيًا رفعت وجهها إليه، وسقطت عينيها في عمق الدُكنة الغامضة في عينيه، وكيف تنظر لرجل تحبه بنظرة لا تفضح الحب؟، كيف تقنعه بأنها عملية فعلًا كما أخبرته ولا تفضحها لهفتها ولا البركان الخائن الذي تفجر في صدرها لحظة وقوعها فريسة حضوره، ونظرته مختلفة، نظرة رجل يكترث!
هو دومًا يكترث لكن هذا شيء جديد أكثر مخافة مما تصورت، لا يتسلل الحب ولا يلوح لها من بعيد، بل اهتمام واحتياج خالصين، شيء يحاربه ولا ينتصر.
هل رسمت الخطة وحدها، وزعت الأدوار ومنحته دور الملك وطاهرة في كل الأحوال كانت شريكته الأولى، وهي!
الدور الذي اختارته لنفسها حين حان وقت ارتداءه جعلها تستيقظ من حلمها الوردي، الحلم لم يكن ورديًا كما تصورت، هي الآن تريد حبه، تريد إخلاصه، تتطلع للمُحال بذاته،فإن أشارت له طاهرة بأصغر أناملها سيطوي الأرض إليها ويتركها خلفه تبكي حسرتها وحدها وهذا آخر ما تود الوصول إليه، هي أصلًا غارقة فيه قبل افتضاح أمر حبها له، سمعت همسته الخافتة التي طنت أذنيها على إثرها:
ـ رنا.
لم يكن لاسمه الوقع المعتاد ذاته، لطالما كانا إخوة، قلبها غافلها ذات مرة ودقّ له قبل أن تعرف بحبه لطاهرة، وكل أمنياتها السابقة لتكون شريكته قد تلاشت، تلاشت ونبتت من جديد حين عرفت بأمر خلافاته مع طاهرة والآن احترقت، استدارت دون مقدمات وهربت من أمامه إلى حجرة خالتها، عانقتها ولملمت متعلقاتها وألقت تحية الوداع تحت دهشة الخالة وزوجها وغادرت الحجرة من جديد، مرت عليه مرة ثانية، مرور غير عابر، ذقنها يكاد يلتصق بصدرها من فرط انحناء رأسها وكان يتفحصها كليًا، لم يسمح لنفسه يومًا بكسر حواجز النظر إليها، ظل أمينًا عليها ووكل نفسه بجزء من مسئوليتها، والآن هو عاجز تمامًا عن صرف تفكيره عنها، لاسيما وأنها لافتة للنظر إلى هذا الحد!
تنهد فيما يناديها برفق:
ـ انتظري سأوصلك.
هزت رأسها نفيًا وواصلت طريقها، أغشتها العبرات، تلمست الخطوات الحثيثة حتى فتحت باب المنزل وهبطت الدرجات الخارجية تضم حقيبتها لصدرها، لا تشعر بالأمان ولا الراحة إطلاقًا، تود البكاء بلا نهاية وحذف كل الأحداث السابقة من ذاكرة الجميع، ناداها بحزم من خلفها:
ـ انتظري يا رنا، سأوصلكِ أنا.
والشارع به مارة يجيئون ويذهبون، الجميع يعرفهم ولا مجال لهرولتها وركضها من أمامه البتة، توقفت محلها تتوسل الأرض أن تنشق وتبتلعها، التفتت إليه تحدثه بخفوت به بعض التوسل:
ـ سأرحل وحدي أرجوك، عد للبيت من فضلك.
تأملها بوجع، أين كانت قبل سقوطه في حب طاهرة، كانت أمامه طيلة الوقت، وهي الأكثر احتياجًا له، والأكثر جدارة بقلبه العاصي الذي يحب امرأة تفعل كل شيء عدا أن تكون زوجته.
أشفق على الواقفة أمامه تتصلب أناملها على حزام حقيبتها وتعض شفتيها ثم تكز على أسنانها فتبرز استدارة وجنتيها، دنا منها تاركًا مسافة مناسبة بينهما:
ـ أريد التحدث معكِ في أمر مهم.
هزت رأسها بذعر والتمعت الدموع في عينيها إثر الضوء المترامي حولهما:
ـ لا تخبرني بأي شيء، لا شيء يمكن أن تخبرني به.
بدت هستيرية في رفضها، كفراشة بجناحين شديدي الرقة أمام طوفان من النيران عارم سيغرقها حرقًا، تعانقت شفتاها المتوردين، كيف لم يلحظ سحرها من قبل!
تأفف من نفسه ومن انحراف أفكاره، فإن كان حتى بلا طاهرة لا يجوز له التجاوز معها بجنوح أفكاره هكذا، رفعت أنامل مرتجفة إلى وجنتيها، أزاحت دموعها بحزم:
ـ اتركني أتعامل مع نفسي، أنا سأرحل الآن، لا تحملني ما لا أطيق.
أومأ لها عدة مرات:
ـ سأوصلك بالسيارة إلى بيت خالي فقط.
رفضت بتهذيب بعد استدعاء قناع العملية وتباعدت عنه بسرعة لتختفي بعد قليل من أمامه تمامًا.
لم يعد للبيت مباشرة بل لجأ لأكثر من يفهمه ويستطيع إبداء رأيه دون الحكم عليه، تجمع الأصدقاء الثلاثة في صيدلية معاوية، جلس جبر على مقعد يتطلع إلى فاروق الواقف أمامه ومن الجهة الأخرى يسترخي معاوية على مقعده منذهلًا مما أخبرهم به لتوه، أشعل فاروق لفافة تبغه ونفث دخانها الكثيف للأعلى:
ـ من المخطئ الآن؟
لم يخبرهم بكل شيء، أخفى هوية رنا عالأقل أمامهما، تحدث عن فتاة مجهولة وسرد القصة أمامهما، أجابه جبر متغاضيًا عن كل شيء:
ـ أصلح ما لديكَ أولًا.
نفث الدخان من جديد:
ـ بيننا حاجز صلب، عصية ورافضة.
أدار وجهها لمعاوية فيما يتكئ بمرفقه لحافة المكتب يطلب مشورة معاوية الضمنية، معاوية الذي مازحه ضاحكًا:
ـ أنا آخر من يفيدك في هذا.
تأفف فاروق ونفض لفافة التبغ في المنفضة التي أحضرها معاوية قبل قليل، فأطلق فاروق زفرة غضب:
ـ أنا أريد امرأة في حياتي، ليس شرطًا أن أحبها أصلًا.
أشفق جبر عليه، لم يتفوه بحرف فاستطرد فاروق بحرقة:
ـ أريد امرأة غيرها، سئمت الرفض والتحمل، لولا حملها لكنت طلقتها منذ فترة طويلة.
تهادى الصمت الثقيل بينهم حتى أخفض صوته:
ـ أفتيني يا شيخ، أنا أرتكب خطيئة الآن، أميل لفتاة صغيرة لديها كل ما أريده ولا أستطيع منع نفسي.
قاطعه جبر بهدوء:
ـ تزوجها.
شهق معاوية واستنكر:
ـ جبر!
أدار جبر وجهه له بجمود:
ـ أنتَ سمعته؟.. يقول أرتكب خطيئة، الزواج هو الحل الآن.
جادله معاوية بعد نهوضه:
ـ لا لا، أوجد حلًا آخر.
راقب جبر الترقب على وجه فاروق ففهم أنه جاء ليطفئ ناره لا ليأججها، ابتسم له ورفع أحد حاجبيه:
ـ متى تنوي طلاق زوجتك؟
كتف فاروق ذارعيه أمام صدره:
ـ بعد الولادة.
ـ ومتى الولادة؟
ـ بعد ثلاثة أسابيع تقريبًا.
قال جبر قوله الفصل:
ـ بعد الولاء وانقضاء فترة النفاس نقرر، إمّا أن تنحل عقدتك معها ونُجنبها ونجنب الفتاة الأخرى مشقة المشاركة في زوج واحد أو تتفرقا وبعدها تختار برويّة.
صمت برهة ترقب فيها الصديقان وسمعاه يقول بيقين مستدلًا بدليله القاطع:
"وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا" .
***
في هذه الأثناء كانت رنا قد وصلت بيت خالها وانعزلت في حجرتها، بدلت ملابسها بعد حمام دافئ وجلست على فراشها الملاصق للحائط تصفف شعرها بفرشاة الشعر الخاصة بها، يدها تتحرك بديناميكية ودموعها لا تكف عن حرق وجنتيها، انتهت وضمت تلك الخصلات بربطة مطاطية، نهضت عن الفراش وجففت وجهها بمحرمة ورقية ناعمة وكورتها ورمت بها سلة مهملات صغيرة جوار مكتبها الأثير، غادرت الحجرة إلى المطبخ، تتضور جوعًا من عدة ساعات وبحثت عن شيء تأكله، أعدت طبق شعيرية سريعة التحضير وعادت به إلى الحجرة التي أغلقت عليها بابها بهدوء، لحسن الحظ لم يقابلها أحد أو يسألها عن شيء، تربعت على الفراش وفي حجرها الطبق، صاحبتها عبراتها رحلة تناوله، تعالى نشيجها الخافت، لا تسيطر على فورة البكاء العنيف التي صابتها، عضت لسانها عدة مرات، عضته ندمًا وقهرًا وشعورًا حارقًا بالدونية، لم يسبق لها أن أحسّت بذلك، وضعت الطبق بجانب بعض كُتبها على المكتب المجاور للفراش، وجذبت علبة المحارم الورقية وتركت دموعها تفرغ جزءًا من قهرها، تعهدت أن تبكي حتى تصبح غير قادرة على ذرف دمعة واحدة في الغد، فكرت أن تسجل له رسالة تخلص نفسها من ذلك العبء الثقيل وفتحت الهاتف الذي وخز ضوئه عينيها ففركتها بتعب، سجلت مقطعًا صوتيًا طويلًا اعتذرت فيه مرات عديدة وتعهدت أن تعود لسابق عهدها وتوسلته كل التوسلات الممكنة وعند إرساله اكتنفها العجز، تلك الرسالة بتلك الطريقة ستكون طامة كبرى، ستزيد الطين بلة وتظهرها بمظهر المتصنعة التي تود اصطياده بشباكها وتستخدم أسلحة الأنثى في ذلك، تراجعت في اللحظة الأخيرة وقامت بحذفه، قررت أن ترسل له رسالة عملية مكتوبة لكن في الصباح حتى لا يُساء فهمها إن أرسلتها في تلك الساعة المتأخرة من الليل.
وفي الصباح استيقظت متعبة، جسدها يئن إرهاقًا فلم تنم براحة ولم تكف عن البكاء، أول ما فعلته كانت الرسالة التي عزمت عليها، جذبت هاتفها وشرعت في الكتابة
" كنا إخوة دومًا، وقفت بجانبي في أكثر لحظاتي ضعفًا، لن أنسى لك ذلك وسأظل ممتنة لأن هناك شخص مثلك في حياتي أستطيع اللجوء إليه في أي وقت ولن يخذلني، لكن ما حدث كان خطأ فادحًا لقد كنت مجرد حمقاء كبيرة، أنتَ تحب طاهرة ولن تكف عن ذلك، وأنا أريد رجلًا لي وحدي. دعنا ننسى ما حدث ونبدأ من جديد، اليوم سنتقابل في المشفى، سألقي عليكَ التحية وأنتَ ستردها لي ونبدأ العمل كزملاء وأقارب كما كنا طيلة الوقت السابق، وبعدها ستعود لحياتك وستحاول إصلاحها مع طاهرة، من أجلها ومن أجلك ومن أجل طفلتكما أيضًا، فأنا أستعد من الآن لأكون عمة لطيفة."
انتهت من كتابة الرسالة وأرسلتها ، شعرت بالرضى كأنها أنزلت عن عاتقها جبلًا تحملته أكثر مما يجب، وصلته الرسالة وفتحها فيما يحتسي قهوته في المطبخ بعد تناول فطور خفيف، قرأها بتركيز كبير، توافقت مع رؤيته التي توصل لها بعد مقابلة صديقيه وبعد إمعان التفكير في الأمر ليلًا، كل شيء سيؤجل لبعد ولادة طاهرة، الآن سيتصرف كرجل ناضج لا كمراهق لاهث خلف غرائزه.
عاد إلى غرفته المرتبة والتقط علبة تبغه ومفاتيحه ومتعلقاته وتأكد من أناقة ملابسه أمام المرآة ثم نظر في ساعة يده الباهظة، اقترب موعد عمله، غادر شقته بهدوء ومر على أمه اطمأن عليها ثم ذهب إلى المشفى.
وهناك قابلها، بادر بالتحية المهذبة والبسمة الرصينة ثم انخرط في العمل بعدها، لاحظ شحوبها وأثر البكاء على عينيها لكن احتفظ بتلك المعلومة لنفسه، إن كانت فتاة صغيرة وتهورت فهو رجل وأكبر سنًا منها بكثير وعليه التعامل بحكمة أكثر مما حدث، قبل مغادرتها المشفى مرت عليه، بعد انتهاء عمله تقريبًا، طرقت بابه بخفة، يعرف طرقتها، اعتدل في جلسته وانتظرها، أذن بدخولها ففتحت الباب ومدت رأسها فقط:
ـ أهلًا بطبيبنا الناجح.
مازحها باسمًا من جلسته المسترخية:
ـ ما الأمر يا مزعجة.
مطت شفتيها وتواطأت معه:
ـ خالك يفرض عليّ قيود عديدة، أنا أريد سيارة، قررت ألا أتطفل على الأطباء الناجحين من جديد.
منحها التفهم اللازم، بدت منظمة في خطواتها وسعت لتجاوز الأمر مثله، أومأ لها وأشهر سبابته:
ـ امنحيني أسبوع واحد فقط وستكون معكِ.
حيته بهدوء وغادرت دون حروف إضافية.
أغلقت الباب كما فتحته ثم مسدت وجهها بزفرة تعب، ألم الرأس لم يرحمها طيلة النهار وعزمت أن تعود للمنزل تتناول وجبة ساخنة وتغط في نوم عميق حتى اليوم التالي.
***
عند عودته في المساء تحرر بعض الشيء، لم يكن ما عاهد نفسه عليه صعبًا إلى الحد الذي تصور، ساعدته في ذلك ولا ينكر، استقبل عزيمة جبر في مزرعة وحضر حفلة الشواء واستمتع بالهواء البارد والطعام الشهي وتعليق معاوية الضاحك:
ـ إذا أردت بإمكاني مساعدك على الإنحراف.
صرف اهتمامه عن اللحم المشوي العامر به الطبق الخزفي في يده وتوجه بالنظر إلى معاوية الواقف جواره:
ـ تعترض على الزواج الشرعي يا معاوية وتتقبل الانحراف ببساطة؟ يا لك من سافل.
أمعن في المزاح وأرجع رأسه للخلف:
ـ أخبرني كيف حال ظهرك، هل تعافيت كليًا وتريد تكرار التجربة؟.
مسد معاوية جبينه برفق:
ـ أعوذ بالله، كنت سأخبرك عن طريقة مجربة لاستعادة زوجتك.
رمقهما جبر المنشغل بشواء اللحم باستخفاف وانتظر سماع نصيحة معاوية الذي تكفل بسردها سريعًا:
ـ هاتفها الآن، وزد بعض الخشونة على صوتك وأخبرها أنك رجل ولديكَ احتياجات وهرمونات ذكورية...
قاطعته ضحكات فاروق التي انطلقت رنانة ثم خففت:
ـ أنتَ تردها لي لأنني سخرت من هرموناتك من قبل.
وافقه معاوية وشاركه الضحك:
ـ أجل أردها، أنتَ تستحق ذلك، أنا كنت رجلًا تائبًا وأنتَ من أفسدتني.
هدأت ملامح فاروق فيما يعلق برضى:
ـ على الأقل دفعتك للارتباط بحبيبتك.
شرد معاوية في مدى السماء الحالك من فوقهم:
ـ لن أوافيكِ بأي شكر، مرت الأيام معها أكثر روعة مما تصورت.
تنهد فاروق وعاد لطبقه يستخدم الشوكة وشرع في تناول اللحم فتدخل جبر الصامت منذ البداية:
ـ أكمل مقترحك عليه يا معاوية.
ابتسم معاوية وحاد بصره إلى فاروق ومازحه:
ـ لو كنت مكانك لفرضت نفسي عليها.
توقف فجأة وانحسرت بسمته يسأل نفسه، هل إن رفضته ملاذ حقًا سيفرض نفسه عليها؟
ملأ صدره بدفقة هواء باردة، لن يفعلها بالتأكيد، وكل خوفه أن يحاول اقتحام حياتها الآن ولا يجد الاستقبال الذي عودته عليه، زفر ببطء وراح يبرر لفاروق إن فعلها:
ـ أنت صفحتك بيضاء، لم تفعل ما يجعلك تخجل منها، وهي ابنة عمك، لو ذهبت إليها الآن لن يلومك أحد؟
لم يجد الاقتراح صداه لدى فاروق، وضع الطبق على الطاولة وشكر جبر على الطعام ثم غطى رأسه بقلنسوة سترته الشتوية السوداء وودعهما بهدوء:
ـ نتقابل قريبًا يا رفاق، قبلاتي يا معاوية.
ضحك فيما يمضي في طريقة فتسمر معاوية محله وتصنع الصدمة والخجل:
ـ هل أرسل لي قبلاته فعلًا، تُرى هل وقع في حبي يا جبر؟
ضحك جبر واستدعى بعض الهزل:
ـ هذا المرة لن نكتفي بالجلد وسنلقي بك من أعلى قمة جبل.
تأوه معاوية ورفع وجهه للسماء:
ـ أستغفر الله يا أخي.
قاد فاروق سيارته على طريق العودة بسلاسة، صفىّ ذهنه تمامًا من عوالق الأمس واستعاد جزءًا من حيويته ونشاطه السابقين، صف السيارة بعد وصوله أمام باب المنزل، وهبط منها، وفي داخل البيت جلس نصف ساعة مع أمه، اطمأن عليه، طالها بعض التحسن، لاحظ بعض التردد على وجهي والدته ووالده لكن عزا الأمر لزيارة رنا بالأمس، نهض من جوار بنور وقبل رأسها ووجنتيها وعزم على الصعود لشقته، ارتقى الدرج وفتح الباب وتوقع الصمت المعتاد منذ رحيلها، لكن بخلاف ذلك رأى الضوء يتسلل من غرفتها إلى الردهة، كل الشقة مظلمة ما عداها، انعقد جبينه فيما يغلق الباب بعد دلوفه ويسير إليها ببطء، وقف أمام باب الغرفة متصلبًا، محتلة منتصفها تمارس تمارينها الرياضية، توليه ظهرها الذي يسترسل شعرها الأسود عليه ويتعدى خصرها، توقفت عن حركتها السلسة رغم حملها الثقيل وأدارت رأسها له تبرر وجودها الصادم ببرود:
ـ لا أستطيع النوم هناك، اعتدت النوم على هذا الفراش منذ فترة!
قابل برودها بكرة جليد ثبتت قدميها في الأرض:
ـ لم أسألك.
قطبت واستدارت بجسدها كله فبادر بديناميكية يتخطاها:
ـ كيف حال وتين؟
أخفضت عينيها إلى بطنها، في وقت آخر كان يأسره جسدها ويغويه رغم استدارة بطنها، لكنه الآن لا يجد في صدره لها سوى الصقيع التام، أو لا شيء على الإطلاق، تضاعفت عقدة جبينها، فيه شيء مختلف، نوع من الترابط بينهما قد انقطع، طبقة شفافة من اللهفة تبددت، تتالى رمشها بطريقة وشت بتوترها، تجاوز ذلك متسائلًا:
ـ تناولتِ العشاء؟
هزت رأسها نفيًا:
ـ لا.
لم ينتظر منها شيئًا بعدها وتركها تحدق في ابتعاده إلى المطبخ، أعد لها عشاءً خفيفًا وبعض الفواكه وكوب من الحليب الدافئ، طرق باب الغرفة المفتوح على مصراعيه فانتبهت له من شرودها فيما تجلس على الفراش تسند جانب جسدها بكفها، سار للأمام ولم تخونه عيناه وتحيد إليها كما عودها، وضع صينية الطعام على الكومود جوارها وحدثها بفتور محسوس:
ـ تناولي العشاء وبعده الدواء ثم ارتدي ملابسًا ثقيلة.
أشار لملابسها الرياضية الخفيفة دون بادرة تأثر واحدة ثم أشار للفراش الجالسة عليه:
ـ تدثري بالغطاء جيدًا، الطقس بارد.
قالها وغادر دون وداع، وغرقت في دهشتها، تصورت أن تغلبه مشاعره ما إن يراها، وربما يتوسلها أن تبقى معه أو تتصرف بطريقة مغايرة كما عودته، لكن برود القطبين الذي قابلها به هو شيء جديد عليهما ومثير للغيظ والغضب والكثير من الحيرة.
***
يتبع...


samar hemdan غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 19-02-24, 08:52 PM   #845

samar hemdan
 
الصورة الرمزية samar hemdan

? العضوٌ??? » 461744
?  التسِجيلٌ » Jan 2020
? مشَارَ?اتْي » 927
?  نُقآطِيْ » samar hemdan has a reputation beyond reputesamar hemdan has a reputation beyond reputesamar hemdan has a reputation beyond reputesamar hemdan has a reputation beyond reputesamar hemdan has a reputation beyond reputesamar hemdan has a reputation beyond reputesamar hemdan has a reputation beyond reputesamar hemdan has a reputation beyond reputesamar hemdan has a reputation beyond reputesamar hemdan has a reputation beyond reputesamar hemdan has a reputation beyond repute
افتراضي

لم تكن الصفعة التي تلقتها ليلة عقد قران زمزم هي آخر صفعات الحقيقة التي كانت من نصيبها، أدركت أن الجميع محق حين حذروها إذًا، لن يتعذر عليها الاعتراف بأنه تحديدًا لم يكن على خطأ لمّا أخبرها بمشقة الاقتران به والثبات تمامًا أمام الأعاصير المفاجئة، بعد ليلة عقد قران زمزم اكتفت معه برسائل مكتوبة كلها تحمل من البرود ما يباعد المسافات بينهما أميالًا
كيف حالك
بخير
دومًا ترد أنها بخير وتصر على ذلك، لاحظت أنه التزم بموضعه الذي حددته له، لم يتجاوز الخطوط الحمراء ويهاتفها أو يقطع عليها طريقها أو يزورها في بيتها حتى، وحاولت تصفية ذهنها ومحو مشاعرها الحارقة التي انصبّت صبًا عليها حين رأت المرأة تحدق بهما وكأنها تراقبهما منذ فترة.
حررت نفسها من قيود حجرتها وخرجت من البيت في منتصف النهار إلى أحد متاجر القرية لشراء بعض أغراض المنزل، تعمدت أن تبتعد عن مرمى صيدليته حتى لا يصادفها وتشعر بالضيق لذلك، لن تسامح نفسها إن ضايقها لقاءه مصادفة، والصدفة لعبت دورًا أكثر تأثيرًا من ذلك فبجانب أن المتجر الذي قصدته كان ذاك الذي لحق بها عنده وأخبرها بأنه يشتاق إليها للمرة الأولى فقد تجسدت أمامها خطيئته كاملة، المرأة ذاتها بكل وقاحة العالم تسمح لنفسها بالنظر صوبها وتتقدم منها، ارتبكت ملاذ فظنتها ستشعر ببعض الخزي وتختبئ منها، والمرأة دنت أكثر، قبضت ملاذ على حقيبة الأغراض في يدها وتسمرت محلها، كانت قد هبطت درجات المتجر إلى الشارع الخالي، توسعت عيناها ونضح العرق على جبينها رغم خريفية الطقس، وقفت أمامها مباشرة ترميها بسخرية نظراتها:
ـ أستاذة ملاذ؟
رفّت أجفان ملاذ وتكاثرت الغصة في حلقها:
ـ نعم.
خرج صوتها متحشرجًا بطريقة طايقتها بشدة، تبسم محيا المرأة بخيلاء، وحدثتها بطريقة غير مريحة لمسامع ملاذ:
ـ ابنتي تريد معلمة تساعدها في دروسها.
احتقن وجه ملاذ وزفرت بعمق:
ـ معذرة، لا أدرس للأطفال خارج المدرسة.
تلكأت نظرة المرأة المدعوة هدى على ملاذ باستهانة:
ـ مبارك.
فهمت ملاذ منذ البداية أنها ستتطرق لمعاوية، تسلحت بالحزم فيما تشيح بوجهها عنها:
ـ شكرًا.
سألتها هدى بوقاحة:
ـ هل أعجبك؟
توسعت عينا ملاذ وتلاحقت أنفاسها، قد بالغت هدى في وقاحتها وسوء أخلاقها، لم تجيبها ملاذ فراحت تبدي رأيها بفجاجة مفرطة:
ـ لا ألومك على هذا فهو....
تأوهت بخفوت وبتأثر ملحوظ:
ـ كان بارعًا للغاية.
قُدّت ملاذ من معدن شديد الصلابة، كأنها تمثال ملتصقة قدميه بالأرض ولا سبيل لتحركه، اتقدتا عيناها، عربد الجنون بداخلها دون قدرة على اتخاذ رد فعل، استغلت هدى هذا وانطلقت ضحكتها الخبيثة المشبعة بالمجون ومالت عيناها إليها، صعودًا وهبوطًا:
ـ لكن هل تستطعين إرضائه.
تضاعفت ثورة ملاذ وبراكينها، وللحظة استيقظت من جنونها:
ـ اخرسي.
بصقتها في وجهها كحمم النار اللاهبة فهمست هدى تتصنع التواطؤ:
ـ أسألك لمصلحتك، فزوجك مستواه مرتفع للغاية، وفتاة مثلك لم تجرب شيئًا قبله ستكون عاجزة عن منحه ما يريد، لن ترضيه بالتأكيد.
انسكبت حمم النار والبغض من عيني ملاذ، وتقدمت منها بجسارة ملحوظة، حذرتها بصوت قاسٍ استغربت وجوده أصلًا:
ـ لا أقبل أن تتحدثي بتلك الطريقة الرخيصة عن زوجي.
ارتجفت عضلات فكي هدى التي أرعبتها نظرات ملاذ وطريقتها، ملاذ التي استأنفت حروفها بطريقة أكثر اتزانًا وسيطرة:
ـ زوجي رجل تائب الآن، أنصحك بالتوبة مثله إلى الله ربما يتوب عليكِ أيضًا.
لم تتراجع بل واصلت طريقها فارتطمت عمدًا بذراع المرأة ومرت ترفع رأسها وتمضي في طريقها دون التفات للخلف.
***
ليلتها لم ترد على رسائله، كل ليلة سابقة ردت له كل رسالة ببعض الردود، لم ينقطع الأمل من قلبه إلا حين توقفت عن الرد، وحين استبد به قلقه هاتفها، أعاد الاتصال عدة مرات دون رد، اكتنفه الخوف والرهبة، ردودها كانت تطمئنه والآن يشعر بها تتسرب من بين أصابعه، تسربل بالقلق حتى اتخذ قراره في اليوم التالي، لماذا يترك الأمر يزداد سوءًا عليه، المواجهة أفضل من الترقب المؤذي هكذا.
تردد مساء في الضغط على جرس المنزل، اختار ساعة مناسبة لوجود الشيخ الكبير في بيته، بعد صلاة العشاء بساعتين، قرر أن يأتي فجأة بعد مهاتفة الشيخ والاستئذان للزيارة، سيهدي عينيه نعيم رؤيتها وسيرحل سريعًا، مد أصابعه وضغط على الجرس بخفة ثم أعاد قبضته مضمومة إلى جواره، زفر من عمق صدره حين فتح الشيخ باب البيت، الشيخ الذي ببراعة أخفى دهشته، أحس بوجود أمر ما غريب، خارج سياق المألوف بينهما لكنه احتفظ بتلك الملاحظة لنفسه، دعاه للدلوف فاستجاب معاوية بتهذيب، أخفض عينيه أرضًا فيما يصاحبه الشيخ لحجرة الاستقبال التي شهدت على العديد من جلساتهما الرائقة، أشار له الشيخ ليتقدمه ومنحه بسمة تفهم فيما يعود أدراجه:
ـ دقائق وتأتي لك.
جلس معاوية على إحدى الأرائك وانحنى برأسه للأمام وغمرها بكلا كفيه، قلبه يدله على خطب كبير لن يرتاح حين يواجهه، ورغم هذا غلبه توقه لها، يرغب فقط في لحظة ود واحدة تريح قلبه من العذاب المقيم الذي حل به، أتته بعد أكثر من نصف ساعة، مختلفة عمّا اعتادها، ثوبها المنزلي فضفاض وحجابها يستر خصلاتها تمامًا، اختلج النابض في صدره، عادت ألف ميل للخلف، إلى نظرات الغربة والضياع التي سكنت عينيها في أوج انغماسه في الخطيئة، كان قد نهض منذ دلوفها وسار صوبها مثلما سارت إليه، تقابلا في منتصف الحجرة وبينهما مسافة كمسافات الغرباء، انشده من هيئتها وتهربها المستمر من لقاء عينيه، قتلته لهفته عليها فاندفع يقطع المسافة ويصلها وقبل أن ينجرف ويمسها أو يضمها توقف محله، همس بلوعة:
ـ ملاذ.
استمرت متهربة فتوسلها:
ـ ارفعي وجهك، أريد أن أراكِ وأنظر في عينيك.
تلكأت في رفع ذقنها لأعلى فتماسّت النظرات بشيء من يأس، بشكل ما يشعر، لم تكن لتتبدل هكذا إن لم تستعيد ذكرياتهما السابقة ما قبل التوبة والارتباط، ربما استفاقت من سكرة الحب التي غيبتها معه طيلة الفترة السابقة، سألها باكتراث حقيقي:
ـ ماذا حدث، ما الذي أصابك.
لم تجود عليه بشيء، فقط حطام، مجرد حطام يتضمنها هي وقلبها ومشاعرها التي تورطت معه، ومع شعوره العارم بالخسارة تأملها، جميلة كما عهدها، كالهتون ومازال يشتاق للارتواء، همس بضعف فيما تطرق برأسها وتلتصق نظرتها بالسجادة الوثيرة التي تحملهما:
ـ لا شيء يا معاوية، أنا بخير.
انحرفت يده إليها، انحدرت مشاعره ومال قلبه لها، مال كله صوبها وفي لحظة غير محسوبة العواقب جذبها بكل قوته ليتلقفها صدره، ومع تنهيدته العميق وتسلل شعور الارتياح إليه كانت قصتها قصة أخرى، ولم تود الوصول إلى تلك النقطة ولا ذلك الشعور البتة، قرف شديد بدد لحظة الحب الصادقة ترجمته دفعتها العنيفة لصدره وتعبير الاشمئزاز التي ارتسم على وجهها، تعبير صدمه بعد تراجعه للخلف بفعل دفعته وتمتمت بحرقة:
ـ ربما تسرعنا بعض الشيء.
وقفت أمامه لاهثة وهو لم يقل عنها لهاثًا، ضربته في صميم قلبه، في جذور روحه، في مكمن عشقه لها، والعجز استلم الدفة وأضحى سيد اللعبة، ظل يحدق فيها بذهول بينما تتجاوز ذهولها الخاص وتتراجع للخلف تجلس على الأريكة من خلفها، استمر تحديقه لحظات طويلة لم يقطعها شيء سوى إدراكه بأن النهاية قد حانت، سمع نشيجها المكتوم، طيلة الأيام السابقة بكت بكل ما لديها من قوة ولم تنتهي حرقتها، تقدم منها ببطء، جثا على ركبتيه أمام مقعدها، تلاقت النظرات، توقفت عن البكاء فجأة والتهم فؤاده حُمرة الوجع في عينيها، ازدرد لعابه العسير وابتلع دفقة النار التي انحدرت تكويه ولا ترحمه:
ـ لقد تغيرتُ يا ملاذ.
يعرف أن تبريراته واهية وأنه اقترف الخطأ وانتهى، لم ترمش أو تجسر على قطع التواصل التائق من جانبه، عيناه الغارقتان في بحور العسل شاب بياضها زحف دماء مفاجئ:
ـ اغفري لي.
تحشرج صوته الخافت بتوسل يترك في القلب آثاره الكاوية، رنّت كلمات المرأة في أذنها كالطلقات القاتلة، أطبقت أجفانها بعنف وصرّت على أسنانها، هلك الحب وسحقته الكلمات القاسية، ارتجف جسدها بخفة فمد طرف سبابته يلامس أناملها الرقيقة الساكنة في حجرها:
ـ أنا أفهمك.
تباعدت رموشها بدهشة فأومأ ببطء:
ـ أستطيع تفهمك يا ملاذ، أنا كلفتك الكثير لتكوني معي.
تعانقت رموشها من جديد فطفرت عبراتها الصامتة، تنهد بصوت مسموع:
ـ توقفي عن البكاء، أنا لن أضغط عليكِ أكثر من ذلك.
تهدجت أنفاسها فاستطرد بألم فاق حدود صدره:
ـ اللحظات التي قضيناها معًا لم أعش ولن أعيش مثلها.
داعب ظهر أصابعها بخفة سبابته:
ـ كنتِ كسحابة ممطرة في أرض جافة في أمس الحاجة إليكِ.
أعاد يده إليه هامسًا بيأس:
ـ لكن لكِ طاقة أيضًا، أعرف صعوبة الارتباط بي ومشقة الصمود.
صمت وكفّت عن البكاء، فقط الزخات العالقة برموشها كانت وسيلتها الوحيدة للتعبير عن أوجاعها، سألها بخفوت:
ـ ألن تقولي أي شيء؟
تعلق بقشة واهية ولم تسعفه بالإنقاذ، فأطلق زفيرًا حارًا وراح يضع اعترافاته الأخيرة:
ـ أحبك.. ما أحببت غيرك.. لم أخونك..
توقف لحظة يبعثر خصلاته بقسوة:
ـ لم أفكر في الأمر بالمرة.
كتفت ذراعيها أمام صدرها، تحمي نفسها من اجتياح مشاعره غير المسبوق لها، نهض ببطء واستقام أمامها، رفعت رأسها إليه، صار وجهها لأعلى يستقبل غزو إشرافه عليها من علو، انحنى قليلًا وقبّل رأسها، ملأ القبلة بجل حنينه وتخمة قلبه بها ثم ابتعد بعض الشيء يهادنها بقبوله لكل ما تجود به عليه:
ـ أنا في انتظار قرارك فيما يخصنا.. لن ألومك أبدًا، ولن يحمل قلبي لكِ سوى الحب وماهو أكثر منه.
انتهت كلمات وهمّ بالرحيل. نهضت خلفه، سار إلى الخارج وشيعته، إلى البوابة الخارجية بصمت، تذكرت لحظة دلوفه المنزل للمرة الأولى، اللحظة التي اعتبرتها هدية بعد تعبها الطويل، شعرت أن قطارها يغادرها حين شرع في الغياب عن ناظريها، لاحظت أنه لا يلتفت للخلف ونار هائلة زحفت إليها لم تترك منها شيئًا، أضحت مجرد شظايا يبتلعها الصقيع ولا يذر منها شيئًا، وذاك موسم جديد للحب، شتوي قارص لا يقل عن الحرائق.
***
يتبع...


samar hemdan غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 19-02-24, 08:53 PM   #846

samar hemdan
 
الصورة الرمزية samar hemdan

? العضوٌ??? » 461744
?  التسِجيلٌ » Jan 2020
? مشَارَ?اتْي » 927
?  نُقآطِيْ » samar hemdan has a reputation beyond reputesamar hemdan has a reputation beyond reputesamar hemdan has a reputation beyond reputesamar hemdan has a reputation beyond reputesamar hemdan has a reputation beyond reputesamar hemdan has a reputation beyond reputesamar hemdan has a reputation beyond reputesamar hemdan has a reputation beyond reputesamar hemdan has a reputation beyond reputesamar hemdan has a reputation beyond reputesamar hemdan has a reputation beyond repute
افتراضي

أغلقت الهاتف بعد مكالمة الظهيرة التي بدأت بهاتفها يلح في رنينه، وجودها في الردهة محتلة الأريكة في حالة استرخاء ما بعد أداء الصلاة جعلتها تفتح الخط وتزفر بخفة، لم تنتبه أمها المنشغلة بمطالعة كتاب منحه لها جبر صباحًا إلى تحفز جسدها واستقامتها جالسة فيما تضغط الهاتف على أذنها، وعلى الجهة الأخرى كان في غرفة مكتبه داخل مصنع الأعلاف، لديه الكثير من العمل المكدس وانسل من وسط عمله ليهاتفها:
ـ طالت غيبتك يا ست هاجر.
رمشت عدة مرات ورفعت ذيل مئزر الصلاة وسارت بخفة إلى حجرتها الخاصة، دلفت وأغلقت بابها عليها دون رد، لاحظ ارتفاع دبيب أنفاسها فابتسم دون تعليق، تصورت أين دارت أفكاره فتمتمت بصوت متكوم:
ـ نهضت من مكاني وتحركت بسرعة إلى حجرتي، لهذا ارتفع صوت أنفاسي.
حمحم ضاحكًا:
ـ ظننتها بسبب لهفة الاشتياق.
سألته فيما تسير ببطء حتى وصلت فراشها المرتب وجلست على حافته:
ـ ولماذا أشتاق إليكَ؟
زفر بعمق وسمعت تأوه خافت يفضح له اضطرابات صدره:
ـ لأنني أشتاق مثلًا!.
أخفضت صوتها والتفتت بناظريها صوب الباب المغلق من خلفها:
ـ لابد أن تتأدب.
سمعت ضحكته الخشنة قبل تعليقه الساخر:
ـ وهجرانك لي يجعلني مؤدبًا؟.
صرّت على أسنانها وعادت برأسها للأمام تتأمل ستارة الشرفة الشفافة أمامها:
ـ أجل.
التحف بالمزيد من الوقاحة فيما يعارضها:
ـ بالعكس يا ست هاجر، ابتعادك عني بتلك الصورة القسرية يجعلني أسيء الأدب وآتي إليكِ الآن وربما أفعل أشياء بغيضة تضعك في موقف محرج.
احتقن وجهها غيظًا:
ـ ماذا ستفعل مثلًا؟.
تنهدت بهدوء جم واستجلب ابتسامة عاشقة:
ـ سأحضر البسبوسة وأجيء بها إليكَ أتذوقها بمذاق شفتيكِ.
عضت شفتها بابتسامة مفاجئة، قد مرت فترة طويلة عليه وحيدًا، ترك لها كل المساحة الخاصة التي أرادتها وزيادة، حتى زياراته كانت لطيفة يقضيها معها هي وآدم ووالدتها وجبر ويعود أدراجه دون الضغط عليها، الآن وبعد مرور أسبوعين قد سئم دور المهذب الذي لا يليق به كثيرًا وكانت تتوقع تلك المهاتفة وسياقها كله تقريبًا، أخفضت رأسها، لاتزال غاضبة حانقة وتشعر أن لها عنده أكثر من مجرد اعتذار، الأمر يمس كرامتها وكبريائها الخاص، سمعت همسته الخشنة:
ـ هاجر.
أجابته بخفوت:
ـ نعم.
جاور صوته سكينة والكثير من المودة:
ـ أفكر في حجز موعد لدى طبيبة اليوم، ما رأيك؟
تصنعت الجهل متسائلة:
ـ لماذا؟
فاض الحنان من صوته:
ـ مر وقتًا طويلًا على زواجنا، لا أقصد شيئًا، نذهب فقط نستشير الطبيبة في أمر الإنجاب.
صمت برهة وعاد إليها محملًا بمشاعر دافئة:
ـ أريد طفلًا، واحدًا فقط.
تباطأ نبض قلبها، تفاعلت معه بكل جوارحها، تخيلته كثيرًا سيكون الأب الأكثر دفئًا وعطاءً على الإطلاق، غمغمت بشرود تسلل إلى نبرتها الهادئة:
ـ يفعل الله مايريد.
سألها مترقبًا:
ـ هل أحجز الموعد اليوم؟
أومأت بخفة دون أن يراها ولمّا طال صمتها استحثها هامسًا:
ـ ست هاجر!
تنهدت وهدلت كتفيها:
ـ بالتأكيد.
أغلقت الهاتف سريعًا كيلا يستغل الوضع ويزيل جمودها بطريقته المؤثرة، زارها مساء وطرق الباب الخارجي، فتحته له وتسلحت بواجهة من زجاج، مد يده يلمس كفها بحسية أرسلت الرعد عبر أوصالها، ملصت كفها منه وتصنعت اللامبالاة:
ـ تفضل.
أغلق الباب وتبعها عبر الرواق الواسع حتى دلف للردهة الفسيحة، كانت الإضاءة عالية ووالدتها وحدها، نهضت من جلستها على الأريكة ورحبت به:
ـ تفضل يا بني، أنرت بيتك.
حانت منها التفاتة صوب هاجر، تفحصتها من خلف نظارتها الطبية وتغافلت عن إشارات التوتر بينهما، تبسم محياها فيما تشير له ليجاورها:
ـ تعال إلى هنا.
دنا منها حتى وصلها، صافحها ومال يطبع قبلة تقدير على ظهر كفها:
ـ ألم تكتفوا من وجود هاجر هنا؟
ضحكت بخفوت وبحكمة سنين عمرها الطويلة أجابته:
ـ لو طلبتها أنتَ لأرسلناها في التو.
التفت صوب هاجر التي كتفت ذراعيها أمام صدرها:
ـ سمعتِ، هيا حضري أغراضك لنعود لبيتنا.
زفرت تضم شفتيها وحدقت فيه لوهلة قبل أن تنفض يديها:
ـ سأعد لكَ الغداء.
تناوله برفقتهما وأخذ يمازح والدتها التي أضحت تستأنس لوجوده بينهم على فترات متباينة، سألها فيما يحتسي الشاي بجانبها:
ـ ماذا عن عروس الشيخ؟.
امتعض وجهها فجأة ومن ثم وضعت قدج الشاي الخاص بها على الطاولة الصغيرة أمامها:
ـ الشيخ لا يود غيرها، وأنا سئمت توسله أن يتزوج.
تنهد بحكمة:
ـ ربما تخيب ظنك وتكون مناسبة له أكثر من غيرها.
لم تخفِ عليه ضيقها وانفعلت دون رفع صوتها:
ـ أفضل في ماذا؟، ليست أفضل من أحد.
هادنها باسمًا:
ـ أنا أقول ربما.
هزّت رأسها عدة مرات قبل أن تفضي له بغيظها:
ـ أمامه الكثير من المتاعب في انتظاره، متاعب التعامل معها ومع الناس، ومشكلات المستقبل.
زفرت وعادت تسرد شكواها:
ـ أخاف أن تمنعها مشكلاتها من الإنجاب أو حتى إن أنجبت، أخاف ألا تستطيع تربية الأولاد.
وضع كوب الشاي جوار خاصتها ولاحظ مرور هاجر عبر الممر إلى حجرتها بالداخل، أمسك بيد حماته وربت عليها برفق:
ـ لماذا تستبقي الأحداث، ربما يحسن جبر التصرف معها، أعرف كل مخاوفك وأشاركك بعضها لكن أعطيه فرصة يثبت لكِ وجهة نظره.
تبسمت بهدوء:
ـ أنـتَ لستَ سهلًا.
منحها بسمة هادئة وأخفض صوته:
ـ أتمنى أن تنجح تلك الطريقة مع الست هاجر.
حاد بصرها للداخل وعادت إليه متواطئة:
ـ ماذا فعلت لها؟، تبدو غاضبة بشدة وتخفي ذلك بإصرار.
تجلى الندم على وجهه وأجابها بصوت خفيض:
ـ الحمد لله أنها لم تفضحني.
ضحكت حتى اهتز جسدها:
ـ لن تخبرني، أليس كذلك؟
هز رأسه متهربًا فتمتمت:
ـ تبدو لي كارثة كبيرة من كوارثك المعتادة.
ترك كفها ونهض يلوح لها ويشير للداخل:
ـ سأخبرها أن تتحضر حتى نذهب وأعدك أن تكون تلك هي آخر كوارثي الكبيرة.
أشارت له أن ينصرف وعادت تحتسي ما تبقى من الشاي خاصتها وشردت في حكاية جبر المعقدة، لا يزال ثملًا بسكرة عقد قرانه بتلك الفتاة التي لا تعني شيئًا سوى ملامح جميلة وجسد قد يدير عقل ابنها، ليست غَراء، تعرف بمقدار انجذابه لها وأنه مقابل الارتباط بها قد ضحى بالكثير، توعدت ألا تتركه يسقط حتى أذنيه، فليأخذ وقته وبعدها لها تصرف آخر.
***
بالداخل وقف سلامة أمام الباب المغلق، طرق الباب مرة واحدة بخفة، حتى فتحته له وتوقفت أمامه، ارتدت ثياب الخروج وأوشكت على حبك وشاحها فوق رأسها، معطف وردي خفيف فوق تنورة رمادية وحجاب باللون ذاته وضعته كيفا اتفق على كتفيها، أشارت للداخل بهدوء:
ـ تفضل.
دلف بحركة كسولة حتى أغلق الباب بهدوء، ضمها دون مقدمات إلى صدره، تصلبت قليلًا قبل أن ترتخي فوق صدره دون مبادلته ذلك العناق، وفي حضنه تزدهر كوردة قد حلّ ربيعها، تنكر تأثر قلبها وثورة الشوق العارم الذي ترعد بها خلاياها، قبل جبينها وأزاح خصلاتها المحلولة إلى خلف أذنها ومال يهمس إليه بعظيم توقه إليها:
ـ حياتي باهتة يا ست الحسن، ألم تشتاقي لي يا قاسية.
اسطاعت دفع صدره بعزيمة فولاذية والوقوف بحزم على بعد مسافة مناسبة، تجاوز رفضها وتمنعها عليه بانحناء إلى جبينها، منحها قبلة دافئة ثم تراجع يضيف عليها بسمة اعتذار حقيقية:
ـ متى ستعودين معي؟
زمت شفتيها المزدهرتين بتورد طبيعي:
ـ ليست الآن.
تفهم موقفها وتنهد بصوت مسموع:
ـ أين آدم، عند زكريا؟
شاب بسمتها دلو كامل من السخرية الصريحة:
ـ آدم في العاصمة، ذهب مع والده لرؤية أخته رقية.
قالتها متزامنة مع نظرة ثاقبة ولوم مبطن والكثير من الغيظ:
ـ بإمكاننا حجز لك مقعد في السيارة المرة القادمة، إن أردت الاطمئنان على ماما مأوى والحبيبة رُقية.
استقبل تهكمها بابتسامة هادئة:
ـ أريد الاطمئنان فقط على ماما هاجر.
قالها وانتزعها من جمودها إلى نعيم صدره، ارتجفت دون سيطرة على انجراف مشاعرها تجاهه، هذا الرجل لديها مفاتيحها قاطبة، يستطيع إطفاء غضبها في لحظة فتقف عاجزة عن مواجهة الطوفان الذي يبتلعها في حضوره، استكانت في حضنه، فدفن أنفه في عنقها أسفل ظلال خصلاتها وهمس:
ـ هنيئًا لهما، المهم الآن هو نحن.
اختلج جسدها وابتعدت بأعجوبة، ارتجفت أناملها التي قبضت على وشاحها وشرعت في لف خصلاتها الحرة لتضعه على رأسها بطريقة لائقة:
ـ هيا إلى موعد الطبيبة.
وبعد زيارة الطبيبة والعودة أصرت أن يعيدها إلى منزل عائلتها، ستنتظر نتيجة الفحص الذي طلبته الطبيبة في بيت عائلتها ففصل عقابه لم ينته بعد.
***
يتبع...


samar hemdan غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 19-02-24, 08:54 PM   #847

samar hemdan
 
الصورة الرمزية samar hemdan

? العضوٌ??? » 461744
?  التسِجيلٌ » Jan 2020
? مشَارَ?اتْي » 927
?  نُقآطِيْ » samar hemdan has a reputation beyond reputesamar hemdan has a reputation beyond reputesamar hemdan has a reputation beyond reputesamar hemdan has a reputation beyond reputesamar hemdan has a reputation beyond reputesamar hemdan has a reputation beyond reputesamar hemdan has a reputation beyond reputesamar hemdan has a reputation beyond reputesamar hemdan has a reputation beyond reputesamar hemdan has a reputation beyond reputesamar hemdan has a reputation beyond repute
افتراضي

البعض لا يقبل بالهزيمة ببساطة، البعض لا يقبل بالهزيمة مطلقًا.
بحث خلفها، في غضون أيام قليلة كان قد عرف عنها كل مايلزمه، تبسم حين تخيلها تنطق اسمها، لديها خلل في حروفها لا بأس به سيجعله يتسلى بالأمر إلى حين الوصول لهدفه.
مثيرة للفضول لكنها لا تغادر المنزل إلى قليلًا، وشت بها خادمتها لأحد عماله الذي ترصدها وتعمد التقرب منها، أخبره أنها ستخرج مساء وحدها كما تفضل في بعض الأحيان، ليست وحدها تمامًا بل برفقتها السائق والخادمة، ستمر على أحد الأسواق التجارية تبتاع بعض الأغراض ثم إلى مقهى شهير على النيل ستجلس وحدها تتناول العشاء فيما ستذهب الخادمة مع السائق في رحلة نيلية قصيرة.
تتبعها بصمت، منذ بدء النزهة وسيارته تخلف سيارتها التي شق بها السائق عباب شوارع العاصمة، وعند مجمع المتاجر العملاق هبط إلى المرأب السفلي للسيارات، لم يشك أحد في شيء، صف سائقها السيارة وفعل جبريل بالمثل، ترجل منها مثلما فعلت رمانة وخادمتها، سار ببطء خلفها، تمشي بخيلاء بين الناس كأنها ابنة سلطان أو تملك المتاجر بمحتوياتها، ضحك بخفوت، استطاع الاختباء بسلاسة عن ناظريها، تركز كليًا في الأشياء التي تقرر شراءها، بعد ساعتين كاملتين أتى السائق لنقل الأغراض إلى السيارة وأخذهما إلى المقهى الذي ستقضي فيه بقية أمسيتها، استغرب في البداية أنها تفضل الوحدة على مصاحبة الناس، استند بظهره إلى حافة الحاجز المعدني الذي يفصل ممر المقهى عن الماء الجاري خلفه، تأملها عن كثب من وراء الزجاج الشفاف من وقفته الجانبية التي لا تدلها على مكانه، ظل محله أكثر من نصف الساعة، ما إن جلست حتى أتاها النادل وتحدثت معه بخفوت ثم انفردت بنفسها، قضت الوقت كله شاردة بلا تعبير تقريبًا، اعتدل في وقفته ورمى صفحة النهر التي تتراقص الأضواء عليها ثم حسم أمره، ربما حان وقت لقائهاـ اجتاز باب المتجر الراقي وتبدد جزء كبير من جلبة الخارج، المقهى هادئ بشدة رغم ترامي الناس على طاولاته، قطع المسافة بينهما وكلها اقترب حتى اندمج مع الأضواء الخافتة والموسيقى الهادئة والرائحة الدافئة التي تحيط به، وصل طاولتها ووقف أمامها تحديدًا، انتزعها من شرودها إلى مواجهته، انقبضت أناملها على كوب العصير البارد في يدها مع توسع كامل لحدقتيها وزمة غضب لشفتيها المطليين بالأرجواني، لم يطلب دعوتها وسحب المقعد ببطء ليحتله أمامها، انتشى بصدمتها وأسند ظهره للمقعد لتتشبع جلسته بالاسترخاء الكامل:
ـ كيف حالك رمانة؟
قالها بلهجته الجنوبية الثقيلة التي لا تترك مكانًا للاحتمالات، كما أن هيئته الخشنة وشاربه الكث يشيان تقريبًا بمنشأه، صرّت على أسنانها بعنف فيما تتمتم من بينهم:
ـ ماذا تريد يا هذا؟، انهض إلى الخارج، كيف أتيت إلى هنا؟
منحها باسمة كسولة، ثم شد ظهرها وانحنى للأمام استند بساعديه للطاولة، ميله إليها أضفى على الجلسة الكثير من الجدية فيما يهادنها:
ـ لدينا مصلحة مشتركة، بالتأكيد لم تصدقي مسألة التحرش تلك.
تلكأت نظرته عليها ببطء ضايقها جعلها ترفع حاجبها وتزدريه مباشرة:
ـ ولماذا لا أصدقها، ألست رجلًا متطفلًا تتحرش بي الآن كما فعلت في المشفى.
تجهم وجهه فيما يردها لها بقسوة:
ـ لا، لأنني لم أجد ما يدفعني لذلك!
شهقت بخفة واهتز كوب العصير في يدها حتى انسكب منه القليل على كفها، سارع بنزع محرمة ورقية من فوق الطاولة وقدمها لها ببعض الاعتذار:
ـ لا تفهمي قصدي الخاطئ، أنا قصدت أن بعض النساء لا تستفز في الرجل غريزة الصيد لأنهم جديات أكثر من اللازم.
لم تشتري تبريره لكنه على الأقل خفف من وطأة الاستخفاف بأنوثتها وإهانتها، التقطت المحرمة وجففت بها يدها ثم وضعتها داخل المرمدة الكريستالية:
ـ ماذا تريد طالما أنا لا أعج...
حمحمت ساخرة:
ـ أقصد لا أستفز فيكَ غريزة الصيد لأنني جادة.
استدعى أكثر الابتسامات مكرًا في العالم:
ـ رأيتك تصافحين زكريا بطريقة فضحت بعض اهتمامك به.
حدقت في وجهه المائل للسُمرة الصريحة ببرود وانتظرت استطرادته التي لم تتأخر كثيرًا:
ـ أريدك أن تستمري في طريقك لكن بوسائل أكثر تأثيرًا.
ازداد وجهها برودًا حتى ظنها تحولت إلى تمثال من جليد، فبرر بهدوء:
ـ أنا أود الزواج بمأوى وأنـتِ تريدين زكريا.
حرك كفيه في الهواء بخفة:
ـ دعينا نتفق ونتعاون حتى يصل كل منا لمراده.
تأملته بصمت لايشي مقدار مع أحدثته كلماته فيها فخرج صوتها مكتومًا يوازي صرير أسنانها:
ـ وكيف أفعلها؟.
تبسم محياه ورمى بسهمه المشتعل في منتصف هدفه:
ـ أغريه.
توحشت عيناها بقسوة فزادت بسمته وتواقع كل شيء منها، منحها غمزة صغيرة وراح يرسم الخطة متأكدًا من براعته:
ـ حاصريه بأي طريقة، تصرفي كأنثى، ارفعي ذيل تنورتك إلى ركبتيكِ مثلًا ربما يجد شيئًا يعجبه.
ابتلعت حقارة مقصده ببرودها ثم نهضت من محلها ولملمت متعلقاتها من فوق الطاولة ثم تركته وحيدًا، وقصدت النادل نقدته المال ثم غادرت دون أن تخفض رأسها، التزمت بالكبرياء الذي أتت به حتى عادت منزلها، وفي غرفتها خلعت ثيابها قطعة تلو قطعة وأخذت حمامها الدافئ وخرجت إلى براح الغرفة الكلاسيكية ملتفة بمئزر شتوي أبيض قضت به ليلتها كاملة، تلك الليلة التي لم يغمض لها جفنٌ فيها حتى طلع الفجر ورمت الشمس بخيوطها البيضاء.
انتهى الفصل
ولا تزال للحكايا بقايا..


samar hemdan غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم يوم أمس, 09:46 PM   #848

باسيليو

? العضوٌ??? » 504310
?  التسِجيلٌ » Jun 2022
? مشَارَ?اتْي » 40
?  نُقآطِيْ » باسيليو has a reputation beyond reputeباسيليو has a reputation beyond reputeباسيليو has a reputation beyond reputeباسيليو has a reputation beyond reputeباسيليو has a reputation beyond reputeباسيليو has a reputation beyond reputeباسيليو has a reputation beyond reputeباسيليو has a reputation beyond reputeباسيليو has a reputation beyond reputeباسيليو has a reputation beyond reputeباسيليو has a reputation beyond repute
افتراضي

سلام الله عليكِ ... ياسمر وكل حكاية لاتخط بإناملك لاتقرأ ...


لو حكيت عليكِ انني حلمت بتلك الفصول قبل فترة من عودتك ربما تتصوري اني ابالغ ،، ولكن الشوق بي فاض لدرجة اني اتخيلها بالاحلام ،، لازلت احب بلاغتك وفصاحتك وطريقتك بالسرد وكأنك تسلبين حواس القارئ بكل سلاسة واتقان ،، احب اللغة واجدك وصلت بي حد العشق بها شاكره لكِ هذا السرد الغني بفصول متعدده بتفاعلاتها وشدة حبكتها لدرجة انني تنهدت عند انتهاء الفصل الحادي والاربعون ……


من اين نبدأ دعينا نبدأ بملاذ ومعاوية اعتقد ملاذ انها تأخذ بمقولة (عندما ذهبت السكرة بقت الفكرة ) واجدها هنا عندما شاهدت هدى الذنب الاول الذي هتك ستره بينها وبينه واني اجد اعجوبه عندما جعلتي من احداث القصه سلسه معهم بدون احداث الذنب الذي وقف بينما اول مره كنت انتظر تلك العتبه او الحاجز الذي لن تتخطاه ملاذ وان حاولت كنت انتظره بشوق عارم لمعرفة كيف معالجتك لتلك القضيه بينهما اشفق على معاويه تارة بينما جزء مني يغضب لتلك الشفقه لان من هتلك ستره لا ستر له ولو فرضنا العكس فالمرأه في مجتمعنا الشرقي ذنبها لا يمحى ولا عفو له !!


طاهره وفاروق لا اعلم رنا في تلك القضيه هل هي الغشاء الذي فجأه صحى فاروق من غرقه في طاهره فجأه وجدها جميله جذابه او هو اخذ العزة بالاثم عندما رُفض من امرأه يمني نفسه بحب امرأه هي تحبه بدلا من العكس ارضاء غرور لا اكثر لا اعلم هل احساسي صادق لتلك النزوه اعتبرها هي صحوة لطاهره التي وجدت نفسها محبه وان اغرمت ذاتها لكره فاروق وطفلته او فاروق الذي وجد نفسه يشبع جانب من غروره لحب رنا واجد الاخيره قذره بكل مافيها ان تشبع ذاتها بين علاقه متذبذبه لهي قذارة بعينها ،،،


احمد وفرح ونضج في الحب وسوء فهم بعلاقة يتخللها كثير من التروي وان الاطراف الغير معنين بهما يسيطران على تلك العلاقه وعندما ابتعد فجأه دفعها فضولها لقراءه ماتبقى من شوقه لها وكانها ترضي نفسها بحبه وانه باقي على حبها وان رفضته اجده فخر انثى بانها مرغوبه ،،،


الشيخ جبر وزمزم تلك العلاقه العجيبه التي لاتشبه اي شيء في غرابتها وطريقتها بعد احداث الشخوص الممتلئه بالتفاعلات يأتون هم بخفه غير عاديه وكانها علاقه سماويه بريئه جدا من الخبث والقلق والتوتر علاقه بين كامل وغير كامله وكأن امتزاجهم يتوازن بهم وحدهم فقط سحر اضافته زمزم لا اجده في غيرها وان كانت انسانه صحيحه معتله قليلا لكنها صادقه ومندفعه في حبها في غضبها في متعتها تتوافق مع شيخ استقام طيلة حياته يستحق بعد صبره بانثى متوهجه تشابه الجنة بطيبها وجمالها ،،،


زكريا ومأوى وكان الطفله رقية اعادة المياة الى مجاريها لا احبها ولا ابغضها هناك خطوط في حياة الانسان يتخذ فيها تفاعلاته بين الصواب والخطأ ولكن لا اجد مأوى وحده مذنبه يشاطر زكريا معها الصواب والخطأ ،،


سلامه الذي يصحح مسارات غيره لا يستطيع ان يصحح خطأه الفادح حين ذهابه لمأوى المتعقل تخونه تصرفاته احيانا انا مع هاجر في كل قراراتها ،،،،

قبل الختام لا انسى الخبيث جبريل الذي يفكر في امرأه بين زوجها ورمانه ان طاوعته تبقى خبيثة بفعلتها ايضا


لا استطيع في النهايه الا الشكر لهذا العطاء وان كان متأخر علينا فالانتظار يستحق هنيئاً لكِ هذا الابداع والجمال غير مسبوق لافض فوك سلمت اناملك بورك فيك ،،،،

اهداء للفصول ،،،
( لايمكنك مقارنة الاحزان ببعضها ، لكل شخص ألمه الخاص لكل شخص طريقته في التعامل مع مايشعر به ،،)


كوني بخير حتى نلتقي بإذن الله ،،، باسيليو ،،،


باسيليو متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة

الانتقال السريع


الساعة الآن 04:48 PM



Powered by vBulletin®
Copyright ©2000 - 2024, vBulletin Solutions, Inc.