شبكة روايتي الثقافية

شبكة روايتي الثقافية (https://www.rewity.com/forum/index.php)
-   مـنـتـدى قـلــوب أحـــلام (https://www.rewity.com/forum/f19/)
-   -   زهر جبينها المكلل- قلوب أحلام غربية (118) [حصريا] للكاتبة Hya Ssin *مميزة ومكتملة* (https://www.rewity.com/forum/t486820.html)

Hya ssin 08-08-22 09:51 PM

الفصل العاشر


دلفت أوركيد بوجه بشوش غرفة المعيشة تخفي ارتباكها وتوترها بينما تعرض عليه ورودا بطفولية أسرته
((سيد إيستون كيف حالك؟))
رسم تلك الابتسامة الخاصة به فصمتت فجأةً تمنع نفسها من الانزلاق في هوة الضياع ببسمته التي تضج رجولة وجاذبية.. لكنها بعد لحظات أكملت بينما تناوله تلك الزهار
((جمعتهم لك، أتمنى أن تضعهم بمكتبك))
كان العقل السليم يفرض عليها طرح كرامتها جانبا والتعامل معه وكأنها بدأت تتقبل وجودها هنا معه..
استنشق عبق الزهور ليقول مبتهجًا
((شكرا لك))
ثم نبهها بمرح وببسمة صغيرة دافئة
((سأصنع بها أكاليلا أخرى من أجلك))
ثم استرق لها بنظرات تأكلها أكلا، يغرق في ملامحها الخمرية وإكليل الزهر المحاط بجبينها.. يصل به الأمر أحيانا أن يغضب وتثور ثورته على نفسه كلما تذكر ما فعله لها، حيث كانت أمامه مجرد فتاة ضعيفة، وحيدةٌ حيثُ لا أحد معها بين براثنه هو الوغد!
هل هو واقع في حبها؟ لو تساءل بينه وبين نفسه هذا السؤال مسبقا لكان نهر نفسه وحثها أن تسحق هذا الإحساس قبل أن يتطور أكثر ويكلفه الكثير، لكن الآن يريد أن يتهور في مغامرة الحب هذه!
ضبطته يحدق بها بعينيه الزرقاوين وبرموشه الطويلة القريبة من السواد فأشاحت بناظريها عنه بثقل لا يُحتَمل على صدرها حد أنها شعرت بالاختناق، لكن أكدت على نفسها إنها هي الضحية هنا ومهما بدر منها من سوء تجاهه فلا يجب أن تشعر بالذنب يوخز ضميرها كأشواك دامية.. لن تتراجع عن التعاون مع دومينك ضد كاميرون.. عادت لبشاشتها وردت عليه تخرجه من جُب أفكاره ومشاعره بدلال أنثوي لائمها
((لقد أحببت حقا الإكليل الذي صنعته لي مؤخرا..))
ثم ابتعدت نحو أريكة جانبية ودعته ليجلس مقابلها ففعل، وحينها اضطربت مقلتيها.. ها هو دومينك يدخل من الباب ملثما بحذر وخفة يتوجه نحوه..
كانت هي مستمرة بالكلام تجتذب انتباه كاميرون، تتحدث وتتحدث وكاميرون مشدوه بالنظر لها والإصغاء قبل أن يشهق وهو يتلمس رأسه كمن هبطت على رأسه صاعقة من السماء..
رفع يده لمكان الإصابة وتأوه بخشونة وبالكاد التفت للخلف لتتسع عينيه لمرآ دومينك ملثما لا يُظهر إلا عينيه ويقرب منه منديلا مخدرا ليضعه حول انفه وفمه..
روّع أوركيد مظهر كاميرون الجلل وعيناه القاتمتان تنذران باستسلامٍ مقيت وما كانت ثوان حتى فقد كليا وعيه.. ودت لو تساعده أو تتراجع بينما دومينيك ينتشل من جيبه مفتاح خزنة لا تتواجد إلا بغرفته.. وهناك أحضر كل أوراق تلزمه دون قلق فهو لم يفته أن يصرف مدبرة المنزل لساعات من هنا..
ذهب دومينك معها إلى حيث أحد رجاله يقف أمام المزرعة بشاحنة صغيرة وأمره بتشغيلها والقيادة بها بسرعة صاروخية..
تطلعت أوركيد من خلال النافذة.. كان منظر الطريق الداخلية المعبدة بالحصى التي تبدأ من هذا الطريق وتختفي فوق مرتفع الأرض الممتد أمامها يجب أن يعطيها الإحساس بالراحة.. لكن ذلك لم يحدث، لا تدري لماذا.. اتكون لأن ثقتها بدومينك متزعزعة؟ تحدثت فجأة بحزم
((أريد أن تؤمن لي سفرا امنا إلى مونتانا، لا أكثر ولا اقل))
فجأة ابتعد سائق الشاحنة الصغيرة بهما عن الطريق العام وتوقف أمام منطقة نائية فزمجرت أوركيد به بخشونة تخالطها خوف
((إلى أين تأخذني يا دومينك؟ قلت بأنك لن تغدر بي بعدما خاطرت بحياتي وساعدتك مجددا!))
تنهد دومينك بنفاذ صبر محاولًا تمالك نفسه وبالفعل كان صوته هادئا وهو يرد
((عليك أن تهبطي هنا، وهذا أقصى ما سأساعدك به!))
ثارت به مستنكر من جنون غدره به
((أجننت! سيجدني كاميرون ووقتها ستكون نهايتي!))
كانت تلهث من شدة الانفعال بدومينك الذي ظهر لها في قمة الخسة والنذالة.. وما يزيد الامر سوءً انها من أصرت على وضع المخدر بكمية قليلة على المنديل خوفا على سلامة كاميرون فهي كانت تعرف بأن دومينك قد يؤذيه وبالتالي فقد يستيقظ كاميرون الليلة ويسارع باللحاق بها!
قال دومينك ببساطة بينما يفتح لها مقبض السيارة
((ترجلي من السيارة قبل أن أتصرف بما لا يعجبك، أخشى أن أتورط بمسألة خطفك لو أخرجتك من هنا بجانب كاميرون فانتِ حاقدة عليّ))
تمسكت بالسيارة من الداخل مرددة كالمجنونة
((لن افعل، لن افعل، لذا اصحبني معك))
أشار دومنيك لرجله بإنزالها عنوة من الشاحنة وترك له مهمة القيادة والهرب بما لديه.. ففعل الرجل وبارحت الشاحنة المكان تاركة صوت صرخات أوركيد يتصاعد خلفها..
ضربت الأرض بقدمها بقهر متشعشع في داخلها، لقد تم خداعها للمرة الثانية.. لكن أحست فجأة بقشعريرة وهي تطالع الرجل الذي بقي هنا معها ونظراته غير المريحة التي تخترقها..
ضحك الرجل لها مزهوا بنفسه فقطبت حاجبيها وهتفت
((ماذا تنتظر؟ هيا غادر من هنا))
تشدق بينما ترك عيناه تجولان عليها وراح يخطو باتجاهها
((هيا لا تلعبي دور صعبة المنال))
تصلب جسدها وقالت بقوة تواري خوفها
((إياك أن تجرؤ بالإقدام على ما تفكر به))
راح قلبها يخفق بحدة، لكن سيطرت على ذعرها وما إن حاولت الاستدارة هاربة حتى قبض الرجل على يدها يُفشل محاولتها قائلًا بسخرية مقيتة
((إلى أين أيتها الجميلة صاحبة الأكاليل!))
كانت تدري أن نظرات هذا الرجل الفجة تلاحقها منذ أن وطأت قدمها مزرعة كاميرون إلا أنها كانت متأكدة بأنه لن يجرؤ على تجاوز حدوده ولو بالكلام خوفا من كاميرون.. لكن الآن اختلف كل شيء وهي خارج حدود المزرعة كما أنه تابع ببساطة لدومينك ووالد ماتيلدا!
استحكمت غصة مسننة حلقها وخرج صوتها مخنوقا وهي تحاول تحرير بدها
((ابتعد عن طريقي وإلا ستندم))
وحاولت مناورته وركل ساقه لكنه أمسك بسهولة بقدمها ورفعها ليختل توازنا وتترنح قبل أن تتهاوى أرضًا ويهبط رأسها على شيء صلب فتتراقص النجوم أمام عينيها.. ارتمى بجانبها يرمي نفسه عليها.. حاولت أن تلكم وجهه وتخربش ملامحه البغيضة لكن ضرباتها كانت كلسعات لا توثر عليه بل تزيده إصرارا وتحدي على ما يرديه.. تفاقم خوفها وخفقات قلبها حتى كادت أن تصم أذنيها لإدراكها أنها لم تعد بقادرة على الدفاع عن نفسها.. ومع ذلك بقيت حتى أخر رمق تقاوم هجومه الغاشم حتى اكتساح صوت زئير محرك ضخم لشاحنة تقترب منهما ثم صوت المكابح وهي تتوقف..
غزت الدهشة الاثنين.. واتسعت مقلتا أوركيد مقطوعة الأنفاس لمرآ كاميرون بشحمه ولحمه وهو يترجل من الشاحنة!
شحب وجه الرجل وقد بدا مشوشًا للحظة زائغ النظرات وهو يطالع كاميرون وتلك الضمادات المحاطة برأسه! ألم يقل دومنيك بانه فاقد الوعي تحت تأثير الضرب والمخدر!
اندفع كاميرون الذي كان يفوقه حجما وضخامة نحوه ليكيل له اللكمات العنيفة والقوية حتى خارت قواه وكاد أن ينال حتفه.. بينما أوركيد منكمشة على نفسها وكل خلية فيها تنتفض رعبا مِمَّا ينتظرها.. حتى هتف صوت كاميرون عاليا بخشونة للرجل الملقى أمامه كالخرقة البالية
((أين ذهب دومينك بما في حوزته من أوراق؟))
لم ينبس الرجل ببنت شفة فأمسكه كاميرون من تلابيبه يرفعه هاتفًا باشمئزاز كمن يبصق كلامته غير أبها لتأوه وألمه
((أجبني هيا قبل أن أنهي حياتك))
بالكاد تمكن الرجل من فتح إحدى عينيه التي تحيطها أثار لكمات عديدة وأجابه بصوتٍ بالغ الوهن.. أشار له كاميرون بعد ما أدلاه بصوتٍ قاتم أجوف رغم الغضب المخيف الذي أخذ فتيله بالاشتعال داخله
((غادر من هنا قبل أن أغير رأي وانهي حياتك))
حمل الرجل جسده المحطم بصعوبة وهرول مترنحا يبتعد عن ناظر كاميرون المظلم ليحوله الأخر لها.. وأخيرا حان وقت المواجهة معها.. كان صوت أنفاسه المهتاجة ووقع أقدامه مسموعا لها مِمَّا جعلها تتجرأ وترفع وجهه الشاحب مثل الرخام الأبيض له.. نبضات قلبها بدت لها وكأنها تحتضر من شدة الجزع، تمتمت بصوتٍ يرتجف من فرط خوفها
((ابتعد عني، لا تلمسني، أنتَ من أجبرتني على خيانتك، لقد احتجزتني في مزرعتك دون جريرة مني))
حافظ على وجهه الجامد الصلب مبهم الملامح الذي لا يخلوا من الإجهاد والتعب.. وظل ينظر لها بصمت.. عيناه كانتا قصة طويلة، فقد كان ينظر إليها بنظرة غريبة، شديدة العمق.. فيها شيء من الخوف عليها! هدر أخيرا بصوتٍ فاتر خشن
((سبق وتراجعت في الماضي عدة مرات عن إبقائك هنا، لكن هذه المرة أقولها واضحة لك، ستبقين معي))
تصاعد اضطراب ملامحها وخوفها لتمتم بصوتٍ متذبذب
((لا لن افعل، سأقتلك هذه المرة قبل أن اسمح لك أن تعيدني معك عنوة))
تقدم منها ومال نحوها فرفعت يديها تحتمي بهما وأغمضت جفنيها بخوف.. أحست به يلامس ما تحت جفنيها حيث تم لكمها من قبل ذلك الرجل الدنيء، فانفلتت منها شهقة قوية شاعرة بلذعه لكن مرّ بعض الوقت ولم يحدث لها شيء ففتحت عينيها تدريجيا لتراه يضع احدى يديه خلف ظهرها والأخرى تحت ساقيها.. قلّ تشنجها عندما حملها نحو شاحنته وقد هبت بمشاعر متدفقة بشكل مختلف الى قلبها.. استرخت مكانها وجلس هو خلف المقود قائلًا بصوتٍ متبلد وقد أخذ يتفحص بلطف وجهها المحمر بأنامله
((هل تؤلمك إصابتك؟))
التوى فمها بخطوط متجهمة حتى إنها عضت على شفتها المجروحة.. ثم دمدمت بازدراء نظرا للإحساس البري المتمرد الذي سرى فيها من اهتمامه المتقد بها
((أنا بخير، أريد منك فقط أن تتركني بحال سبيلي))
أخذ نفسا طويلًا يمني نفسه بالصبر كمن يتعامل مع فتاة شقية صعبة المراس دون أن يخبو هذا الاهتمام في عينيه! لكن هو لم يعد يهتم بشيء إلا مشاعره القوية التي تغمره حد الثمالة وتعميه عن أية شيء سواها.. فارتفعت يده يغمرها في شعرها البُني قبل أن يمررها حول شفتيها المتورمة.. أخذت حرارة أصابعه تجعلها تحس بدم يتصاعد إلى خديها فتحتقن بشرتها حرارة منقاضة لحال الطقس الصقيعية من حولها.. سرت رعشة إثارة في عروقها لكنها لجمتها وهي تشيح بوجهها جانبا تتمتم بصوتٍ مختنق
((هل بتَ عابثا بالإضافة إلى كونك مختطِفا!))
نعم عابث ورباه كم يريد ان يدفعها لاحضانه ويدعها تستكين وادعة بين ذراعيه.. جاعلا إياه تختبر إحساسه عن معنى أن يكون رجلاً عاشقا
في هذه اللحظة التي يسلط فيها بصره مستقبل حياته معها تمتد لثلاثين او حتى خمسين عاماً..
رفع حاجبيه من هول الخواطر التي تتدافع الى عقله.. لطاما كان متباهيا بتحكمه في نفسه فما الذي يفعل الان؟ بعدم تم الطلاق بينه وبين ماتيلدا عاهد نفسه ألا يقدم على خطوة الزواج حتى لا يخسر أي شيء من ممتلكاته مهما قابل نساء رائعات الجمال يكون همهن جره إلى الكنيسة للزواج.. فلماذا الان لا يقدر على مقاومة اغراء الاقتراب من أوركيد؟ هل نجحت في تزعزع قناعته وتدفعه للمجازفة؟ نعم فعلت.. لقد أذابت الثلج حول قلبه بحرارة حبها.. هدمت الجدار العازل الذي وضعه ليحميه من التورط العاطفي..
انفرجت شفتاها عن شبه ابتسامة.. لا بد له ان يواجه الحقيقة، وهي أنه لم يعرف قط من قبل امرأة تجعل لتضحيته معنى إلى أن اعترضت أوركيد طريق حياته.. نعم هي من اعترضتها لا هو.. والان هو سيعاني بعيدا عنها.. لا يمكن ان يسمح لها ان تتلاشى من حياته بعد ان اقتحمتها!
حاد بعيدا عن هذه الأفكار ثم فرض سيطرته على مشاعره التي تفترس به ليستعيد تعقله.. وبحذر أرجع بيده رأسها ليريحه على الانحناءة ما بين كتفه وعنقه رغم أن نهمه العاطفي لم يخفت بعد في بريق عينيه بل لا زال ينم عن توقه الكبير لذلك.. شغل محرك السيارة وقال
((علينا العودة للمزرعة سريعا ووضع كيس مليء بالثلج على الأماكن المتورمة في وجهك، قبل حلول الليلة لأنه بعد ساعات ستكون فرصة لتساقط زخات أكبر من الأمطار المتساقطة كما أذيع اليوم في الراديو))
بصعوبة قاومت رغبتها الملحة في ذرف الدموع وهي تقول
((حسنًا لنعد فورا إلى منزل المزرعة.. حيثما سأبقى فيها للأبد))
كان كاميرون سيرد عليها باقتضاب لكن ابتلع كلماته عندما سمعا بشكل مفاجئ صوت شاحنة صغيرة تتقدم على الطريق العام إلى الجنوب من موقعهم قبل أن تتوقف ويترجل منها رجال أشداء من حجرة القيادة لم يروهم يوما.. تفاقم الخوف الذي يكتسح أوركيد لتجد نفسها تحتمي بكاميرون هامسة برعب
((من هؤلاء الرجال يا كاميرون؟ لا تتركني لهم))
غمغم كاميرون الذي لا تزال صدمة رؤيتهم تنتابه
((قد يكونون من رجال دومينك أو والد ماتيلدا.. ابقِ بالسيارة مهما حدث، واتركي لي تولى أمرهم))
هتف أحد الرجال به باحتدام بينما يرتجل من شاحنته
((لا نريد منك إلا تلك الفتاة التي معك.. أخرجها من الشاحنة))
اهتاج كاميرون بهم صارخا رغم أن القلق افتك به عليها من هدف هؤلاء الرجال من الحصول على أوركيد بالذات لا هو
((على جثتي..))
كان صوت كاميرون خافتًا خشنًا.. غير ثابتا مما أخبر أوركيد بطريقة أكثر وضوحًا عن مدى عدم استعداده لمواجهته، وخافت فعلا أن يقوموا بخطفها! لا ليس مجددا! وكأنها وجدت فقط ليتم تداولها بين الرجل بعمليات خطف متسلسلة! فتوسلت للرجل الوحيد الذي تثق به هنا راجية
((كاميرون لا تسمح لهم بأخذي))
ثم فجأة وجدت نفسها ترتجف من الداخل والخارج وهي تجهش بالبكاء.. إنها تكاد تموت رعبا..
لم يكن كاميرون بأقوى حالاته وأثار ذلك المخدر لا زال باقيا في جسده، إلا أنه شعر بخوفها وكان مستعدا أن يخاطر بنفسه لحمياتها حتى لو كان بروحه ليؤمن عليها.. أنقض عليهم ولأن الكثرة تغلب.. تَغّلب كثرتهم على غضبه وقوته وابرحوه ضربا فلم يكن بوسعه إلا الصراخ عاليا ((اهربي من هنا ولا تحفلي بي، اهربــــــــي))
لم تكن تريد تركه وحيدا يواجه هذا المصير البائس إلا إنها أرغمت نفسها على الفرار منه.. ولأنه لو شغلت محرك الشاحنة سينتبه لها أحد الرجال ارتأت أن تترجل منها بخفة وتفر بعيدا دون أن يشعر عليها أحد..
أطلقت قدميها للريح مبارحة المكان متجاهلة ازدياد سقوط الأمطار عليها ثم احتمت بظل شجرة كبيرة فوق المرتفع الذي يطل على وادي صغير حتى يهدأ سقوط الأمطار الذي امتد لساعات قبل أن يتوقف في وقت ما بعد منتصف الليل كما جاء في تقرير الطقس..
ابتعدت أوركيد عن الشجرة ونظرت إلى السفح تراقب الأنوار الأمامية على الطريق العام وتنتظر توقف أي شاحنة مارة لكن لم تفعل إلا واحدة للمواشي سمحت لها بالركوب في مؤخرة المقطورة..
أغمضت عينيها تحس بلسعة هواء باردة لكنها أخيرا استطاعت أن تتنفس أنفاس الحرية بعمق.. أخيرا ستستعيد شيئا من كرامة بسيطة انتزعت منها بكل قساوة..
أوصلتها الشاحنة إلى حيث وجهتها فالتقطت أوركيد حقيبتها المهترئة وأخذت تسير صعودا فوق الطريق.. وقد فائلها رؤية منازل ومباني المزرعة المبعثرة بطريقة عشوائية ومعظمها مطلي بالأبيض في واد واسع خلف قمة التل..
عندها طلبت الهاتف من أحد المقاهي محاولة التواصل مع عائلتها لكن كان هناك بعض المشاكل في الاتصال الهاتفي وهذا أمر يحدث في العادة.. لكنها فهمت بما أن الاتصال كان أوضح قليلا من جهتها أن لا أحد من إخوتها أو أمها افتقدها أو شعر بطول فترة غيابها.. فباحت لهم بحرقة قلب بكل مكنونات قلبها من عتاب تجاههم إلا أن الاتصال أخذ يزداد سوءً وأصبح من المستحيل أن يهتدوا لسماع ما تتفوه به فنفذ صبرهم وأغلقوا الهاتف في وجهها.. وحينها تهدل كتفيها بيأس..
ليلا تيقظت لحقيقة أن لا مأوى لها أو عمل.. من المؤكد أنها فقدت عملها السابق في إحدى مزارع مقاطعة مونتانا بعد غياب أشهر دون أي اتصال مع أصحابها..
لكن في خضم كل هذا كان أكثر ما يقلقها هو حال كاميرون، ذلك أنها لا تظن بأنه غفى لها جفن منذ هروبها خوفا من أن يكون قد حل له أي مكروه به من قبل هؤلاء الرجال.. لكن سرعان ما أبعدت ذلك الخاطر من ذهنها وذكرت نفسها أنه رجل بقوة كاميرون سيكون بخير.. اهم شيء أن تظل بعيدة عن ناظره حتى لا يفكر بالانتقام منها لهربها وخيانتها له رغم أنها وللإن لا تعرف حقا لم قام بخطفها واحتجازها طوال تلك الأشهر..
==========================
صعدت في إحدى رحلات الحافلة بعد أن حزمت كل أغراضها التي جلبتهم من حيث كانت تمكث بحقائب قماشية بعد أن استولى النزل على معظم حاجياتها استعاضة عن الأشهر التي مرت دون أن تدفع لهم مستحقاتها.. كانت الحافلة التي تستقلها مزدحمة بالركاب والرحلة إلى مزرعة إيان دانكن طويلة مرهقة للأعصاب.. وقعت فيها فريسة التوتر من أن تكون مخطئة بالعودة لولاية وايومنغ والاقتراب من ذلك الرجل وزوجته.. لكن ما باليد حيلة فلم يعد يربطها بمونتانا أي عمل أو بيت أو حتى عائلة..
لم يعد هناك أكثر من عدة أميال لتصل للمكان المنشود.. وصلت عند مزرعة إيان وشقت طريقها نحو البيت.. دنت من البيت الرئيسي للمزرعة فاستقبلتها ديبرا دانكن زوجة إيان ثم رسمت ابتسامة ترحيب خفيفة على وجهها وهي تمد يدها لتصافحها بحرارة
((كيف حالك؟ هل كانت رحلة الطريقة صعبة؟))
توغلت أوركيد للداخل وكان يجب أن يشعرها منزل مزرعة إيان دانكن بالأمان بأثاثه الخشبي والجلدي الثقيل خاصة وأنه يعطيه مظهر الريف المريح.. لكنها لم تفعل.. بل مالت شفتاها قبل أن تبادلها ابتسامة شاحبة مترددة وتجيب ديبرا
((ليس كثيرا))
كان الباب العريض الذي قادتها ديبرا نحوه مفتوحا فتوقفت قبل أن تعلن لزوجها
((عزيزي.. أوركيد هنا))
عندما حضر إيان طفحت اللهفة من عينيه عليها لسبب مبهم جعل عدم الراحة تغزوها..
جلست أوركيد وتركت ذراعيها ترتاحان فوق جنبي المقعد وشبكت أصابعها باسترخاء بعد أن مالت براحتيها إلى الأسفل
((إذا ما هي طبيعة عملي هنا وهل سأبدأ به الآن؟))
مال إيان بكرسيه إلى الخلف وقال بمودة
((لا زال الوقت مبكرا للحديث عن هذه التفاصيل، طلبت أن يعدو غرفة نوم لك))
ردت عليه بشيء من الوجوم
((لا داعي لأتعاب نفسك، أريد القليل لأكله ومكانا جافا لأنام فيه حتى لو كان بالسقيفة))
دعاها بملامح ودودة
((إذا ما رأيك أن تتناول أي شيء الآن؟))
عرضه ولطفه الفائق جعل الريبة تعتريها بشكل فائض، خاصة وأنه يريدها أن تعمل عنده حتى بدون استخدامها لفترة تجريبية.. طالما نواياه مخفية فعليها أن تحضر نفسها للأسوأ!
بعد مدة وجيزة تمتعت برائحة الطعام الشهية قبل أن يقدم لها طبق مليء باللحم الطازج خفيف النضوج والبطاطس المشوية التي يتصاعد منها البخار إلى جانب اللبن الرائب ورغيف خبز مصنوع يدويا على طبق منفصل قرب كوب من الزبدة المخفوقة..
بدأت تقطع قطع اللحم بالسكين قبل أن تتوقف فجأة وقد اجتاحتها موجات حنين إلى ذكرياتها القديمة مع عمتها أنجيلا موطنها بغصة في حلقها.. لقد كانت لها الأم الوحيدة التي تعرفها..
تنهدت قبل أن تضع قطعة اللحمة داخل فمها، إنها تتضور جوعا وبحاجة لشحن نفسها بطعام يؤكل حقا لا يشبه ما أدخلته لمعدتها في الأيام السابقة..
خيم الصمت على المكان إلا من صوت الملاعق الفضية على الخزف والسنة النار المتراقصة داخل المدفئة قبل أن ينطلق صوت إيان
((اعتذر أن كنت قد عشتي وقتا من الرعب عند مهاجمة رجالي لكاميرون، لكن نيتهم كانت تخليصك من قبضة هذا الشيطان))
تملكت الصدمة أوركيد لما يتفوه هذا الرجل به وسرعان ما بدأ يشرح لها كل شيء عن خطته لتخليصها من كاميرون مع عدم تفويت أنه بخير الآن..
تنفست الصعداء لان كاميرون بخير.. وشعرت بالراحة التي تخللتها النشوة تجاه هذا المدعو إيان.. إذن إنه ليس صديق كاميرون.. أساسا مزاجهما ليس متشابها أبدًا..
نظرت لإيان وزوجته هادرة بصوتٍ متحشرج تثمن معروفهما
((لقد حسبت أن هؤلاء الرجال تابعين لدومينك وسيقتلونني، أنا ممتنة جدًّا بأني تواصلت معك، لولاك للقيت حتفي))
ابتسم إيان ولا سبب لابتسامته إلا سعادتها.. دون كثرة تفكير وتحليل هي سعيدة وشعرت الان حقا بالأمان في حضرته وهذا ما جعله يهدر مربتا على قلبها بحديثه الرزين
((لا تقلقي أنتِ بأمان، منذ اللحظة التي رأيتك فيها وأنا أعين رجالا حول مزرعة كاميرون، لم يكن ليصيبك أي مكروه))
لمعت عينا إيان في نهاية حديث بينما يمد كفيه الكبيرتين ليحتضن يدها والتي بدورها سحبتها كالملسوعة واعترضت متوجسة منه..
حاولت زوجة إيان تلطيف الجو فدفعتها هي لتجلس حول الطاولة متمتمه
((هل تحبين أن تتعرفي على ابنتنا كيم))
وندهت على ابنتها الصغيرة كيم لتحضر وتلقي التحية فاندفعت من غرفة جانبية نحوهم فتاة صغيرة ذات شعر بني قصير مربوط إلى الخلف.. أجفلت أوركيد عليها وعادت الريبة تطال قلبها! لم قد يرغبان بان تتعرف ابنتهما عليها هي الغريبة!
تصنعت ابتسامة ود وهي تبادل كيم الضحكات والترحيب.. أشاروا لها مكان الغرفة الي يمكن أن تحتلها وقت مكوثها هنا، وانتابتها الدهشة من حجمها ورفاهيتها.. استلقت على ظهرها في ماء المغطس الساخن في الحمام المرافق لغرفتها.. حينما انتهت جففت شعرها وارتدت ملابس نظيفة وبدأت عينيها تتجولان في الغرفة التي تشغرها.. المفارش الوثيرة.. طاولة الزينة.. الستائر.. هل حقا هذه غرفة يمكن أن يعطيها صاحب مزرعة لمستخدمة تعمل عنده! هي متأكدة من أنه هناك الكثير من الأسرار خلفهما.. لكن على الأقل هي الآن لم تعد نصف ميتة كما كانت خلال تلك الأشهر القاتمة في سجنها في مزرعة كاميرون وهذا ما يهم..
تراخت ملامح وجهها بعبوس والتمع حزن خالص من مقلتيها.. هل حقا كانت أشهر قاتمة تماما في تلك المزرعة! لكن لم تأبه كثيرا في تخلل دوامات التفكير، ذلك أنها كانت متعبة حتى أنها ما إن ارتمت في الفراش أغلقت جفنيها تغط في نوم عميق.. ولم تشعر بإيان يدخل في ثنايا الليل إلى غرفته بخفة فائقة يتأكد من حالها قبل أن يطبع قبلة حمل فيه كل حنو الدنيا على جبينها..
==========================
انتهى.

نوارة البيت 15-08-22 04:02 PM

لسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

نوارة البيت 15-08-22 04:02 PM

اللهم صل على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

نوارة البيت 15-08-22 04:04 PM

مشكوووووور والله يعطيك الف عافيه

Giba.22 17-08-22 06:03 AM

كل الشكر لك على الرواية


شكرا لك على تعبك

Hya ssin 17-08-22 04:02 PM

اهلا وسهلا حبيبتي


اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة Giba.22 https://www.rewity.com/forum/rewity/...s/viewpost.gif
كل الشكر لك على الرواية


شكرا لك على تعبك

Hya ssin 17-08-22 04:04 PM

الفصل الحادي عشر


يجب ان ترد لمشاهدة المحتوى المخفي

karishma 17-08-22 11:47 PM

Merciiiiiiiiiiii

Aseel94 19-08-22 05:27 PM

😍😍😍😍😍😍😍😍♥️😘♥️♥️♥️♥️♥️😘♥️😘♥️♥️😘♥️🤍🤍🤍🤍😍😍😍😍🥳🥳💗💗🎉💗🧸💗🎉🧸 💗🎉🤭💗🎉🧸💗🎉

الزهور الربيعية 22-08-22 01:38 AM

شكرا علي الرواية الجميلة


الساعة الآن 06:15 AM

Powered by vBulletin®
Copyright ©2000 - 2022, vBulletin Solutions, Inc.