آخر 10 مشاركات
معذبتي الحمراء (151) للكاتبة: Kim Lawrence *كاملة+روابط* (الكاتـب : Gege86 - )           »          مهجورة في الجنة(162) للكاتبة:Susan Stephens (كاملة+الرابط) (الكاتـب : Gege86 - )           »          رواية بذور الماضي (2) .. سلسلة بين رحى الحياة *مكتملة* (الكاتـب : heba nada - )           »          ظلال العشق (67)-قلوب شرقية -للكاتبة الرائعة : حنين احمد[حصرياً]*مميزة*كاملة &الروابط* (الكاتـب : hanin ahmad - )           »          زوجة ساذجة (85) للكاتبة : سارة مورغان ..كامله (الكاتـب : فراشه وردى - )           »          عزيزتي الانسة هاء *مميزة ومكتملة* (الكاتـب : rontii - )           »          الغريبه ... "مكتملة" (الكاتـب : tweety-14 - )           »          ومضة شك في غمرة يقين (الكاتـب : الريم ناصر - )           »          52 - قطار في الضباب - فيوليت وينسبير - ع.ق (الكاتـب : ورود الصباح - )           »          خادمة القصر 2 (الكاتـب : اسماعيل موسى - )


العودة   شبكة روايتي الثقافية > قسم الروايات > منتدى قصص من وحي الاعضاء

مشاهدة نتائج الإستطلاع: ما هي انطباعاتكم عن الفصل الاول؟
مشوق 5 100.00%
عادي 0 0%
إستطلاع متعدد الإختيارات. المصوتون: 5. أنت لم تصوت في هذا الإستطلاع

Like Tree196Likes
إضافة رد
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 08-03-24, 09:24 AM   #71

اسما زايد
 
الصورة الرمزية اسما زايد

? العضوٌ??? » 516085
?  التسِجيلٌ » Dec 2023
? مشَارَ?اتْي » 70
?  نُقآطِيْ » اسما زايد is on a distinguished road
افتراضي


-7-
-جراح الماضي-

يوم جديد وصباح منعش من صباحات الشتاء المحببة.. الشمس فيه تتواري في خجل بالسماء بين الغيوم الكثيفة ويتسلل ضوئها القوي فينشر بعض الدفء في الجو البارد في مزيج بديع.

كعادته يذهب مبكرا إلي محله بعد ممارسة رياضة الركض التي اعتاد عليها مؤخرا… يسبق العاملين جميعا ويعدّ فطوره علي مهل ويرتشف قهوته بمزاج علي صوت فيروز العتيق.
في لا وعيه، يدرك أنه يكرر اليوم الذي التقي فيه بتلك الحسناء بحذافيره في محاولة بائسة منه لاستعادة إحساس نبَض به قلبه وقتها بعد أن ظنه لا ينبض بمثل تلك الأحاسيس ثانيةً…. وكم تمني أن تزوره مرة أخري ليختبر هذا الشعور مجددا ويحدد ماهيته.. ولكنها للاسف لم تخطُ عتبة المطعم ثانية.
هل كانت مقابلتها صدفة يتيمة لن يكررها القدر؟
حدسه يخبره أن لا.. بداخله شعور مبهم أنه سيراها لكن متي.. لا يدري.
مجرد الخاطر يرسم ابتسامة صغيرة علي شفتيه وتعلو دقات قلبه بهذا الترقب اللذيذ الذي يميز بداية حكاية جديدة…

حكاية جديدة؟!
-لقد تطرفت في تفكيرك كثيرا يا طاهر، يبدو انك تعاني بالفعل من فراغ عاطفي كما أخبرك يحيي.
يقولها لنفسه متهكماً وهو يبتلع آخر رشفة من قدح قهوته، ثم يبسط ساقيه أمامه يضعهما علي مقعد قبالته ويخرج من جيب سترته تلك السيجارة الإلكترونية التي اعتاد عليها مؤخراً بدلاً من الحقيقية القاتلة… كم يفتقد تلك الاخري وذاك الشعور الحارق بالنيكوتين وهو يملأ رئتيه علي آخرهما ثم ينفثه ببطء مراقباً سحائب الدخان التي تخرج من بين شفتيه باستمتاع ثم يشكلها بعقله بأشكال خيالية علي حسب ما تعتمل به نفسه وقتها.

فتارةً يتخيلها كأطياف لأشخاص سكنوا ذاكرته من وقت بعيد، يراهم يُعذبون ويهانون فيغض طرفه مقنعاً ذاته بأنهم بالتأكيد مذنبون وينالون جزاءهم.

أو كصَوت أبيه الجهوري وهو ينعته بالفشل والغباء ويمعن في التعبير عن خيبة أمله فيه.

أو كأصوات ساخرة، متهكمة، لأقرانه.. يسخرون فيها من بنيته الجسمانية الضعيفة.. أو كهمسات نساء سخيفات يعْجَبن فيها من شكله المختلف عن إخوته تماما.

كل هذه الخواطر التي تواردت علي عقله، ورغم كآبتها، إلا انها جددت في نفسه الشوق الي سيجارة حقيقية واحدة يبثها سواد افكاره لينفثها بقوة مع دخانها الثائر علّه يتخلص منها.
يا للسخرية ! يفكر في فكرة سوداء ثانية ليتخلص من مثيلاتها الاكثر سوادا !
نظر إلي السيجارة المزيفة بين إصبعيه مطولا ثم ألقاها في جيب قميصه بإهمال وهب واقفا يتجول في المكان مرتّبا الكراسي والطاولات المرتبة بالفعل في محاولة منه لتجاهل أقكاره المؤذية كما تعلم مؤخرا.

دلف إلي غرفة مكتبه في كسل وألقي بنفسه علي السرير الصغير الملتصق بالحائط في أحد الأركان… أغمض عينيه لعدة دقائق في محاولة منه للاسترخاء ولكن كالعادة.. عقله مشتعلا يقلّب عليه القديم والجديد ويأبي الراحة.
أمسك بهاتفه الخلوي وأخذ يتجول بين مواقع التواصل الاجتماعي ووجد العلامة الخضراء التي تشير لأن صاحب الحساب متواجد الآن ظاهرة بجانب حساب والده… وما هي إلا دقائق قليلة حتي أضاءت شاشته برقم دولي يعرفه جيدا ولكنه لم يسجله أبدا !

ازدادت سرعة أنفاسه وهو يطالع الرقم الذي يرن بإلحاح للمرة الثانية… يعلم أنه لا مفر من الرد إن عاجلا أم آجلا… فبعض الأشخاص الذين تفرضهم علينا الاقدار لا يمكن التملص منهم بأية طريقة.

ضغط علي زر الرد مكرها وهو يجلي صوته قائلا:
-مرحبا أبي… كيف حالك؟

جاءه الصوت العتيد الغاضب الذي لم تنال منه السنون قائلا:
-أخيرا… أخيرا عرفت أن لك أبا تسأل عن حاله؟!
أنا بخير يا ولدي العزيز البار.. فكما تري.. أنا من أتصل بابني حتي اذكّره بأن له أبا ما زال علي قيد الحياة.. ومع ذلك.. ابني لا يرغب في الرد علي اتصالي حتي.. كم مرة أتصل بك ولا ترد؟ وكم مرة يخبرك يحيي أني حدثته وسألت عنك وانت لم تبالي… علي العموم.. هذه آخر مرة اكلمك فيها.. عندك رقمي إن أردت أن تسال عن أبيك الذي رباك وله حق عليك.

سخر طاهر في أعماقه بشدة من هذا العتاب الذي لا يليق به أبدا.. يعلم أنه سيتصل مرارا و تكرارا حتي يرد عليه ليتقمص شخصيته المفضلة التي تظهره بمظهر الأب المسكين المضطهد الذي يعاني من جحود ابنه العاق الناكر للجميل !
رد ببرود:
-حسناً، أنا بخير يا أبي إن كنت تريد حقا الاطمئنان عليّ.. فقط كنت منشغلا مؤخرا ببعض الأمور.. كما اني كنت أطمئن عليك دوما من يحيي.

سكت الأب عدة لحظات كانت أنفاسه الغاضبة تلفح فيها أذن طاهر كمرجل يغلي ثم قال مغتاظا ساخرا:
-شكرا جزيلا لك يا بني.. فأنت نعم الولد الصالح وأنا من..

قاطعه بحسم:
-نعم، أنا كذلك.
سكت الأب لحظات اخري ثم سأل مغيرا مجري الحديث:
-هل يحيي بخير؟
كان صوته متعبا عندما كلمته آخر مرة.. هو أخبرني أنه بخير ولكني قلق عليه وقلبي يحدثني أنه ربما مريض او ليس علي ما يرام.. لا ادري، ربما هو إرهاق الدراسة المتواصل.. عل كلٍ.. اعتن به جيدا.

ابتلع طاهر غصة مريرة في حلقه وتساءل في نفسه متعجبا.. كيف يمكن للاب أن يشعر بابن له ولا يكنّ ذرة من الشعور لآخر !
كيف يستطيع ان يكون حنونا متفهما لابن ولا يظهر مثقال ذرة من عطف نحو آخر !
تكرر السؤال الملعون الذي لطالما أرّقه في رأسه بجنون… لماذا.. لماذا؟
أيكون يتيما عثروا عليه مُلقي علي قارعة الطريق فعطفوا عليه وكفلوه ببيتهم ؟
أم انه ابنه الذي جاء للحياة خطئا ولم يكن مخططا له أن يأتي؟

تكونت دمعة ساخنة أبيّة في زاوية عينه وهو يدرك جيدا -وهو ما يفتك به ألما- انه ابنه لا ريب… ملامحه التي يراها بالمرآة تؤكد له ذلك وصور أبيه في شبابه تجزم بذلك بدون أدني شبهة… فهما نسختان شابة وعجوز يعيشان بنفس الزمن.

-إذن لماذا.. لماذا؟
نطق بها لسانه غاضبا في غفلة منه فجاءه رد أبيه متعجبا:
-لماذا ماذا؟
تمالك نفسه وهو يحاول تذكر سياق الحديث بصعوبة ثم قال تائها:
-أقصد لماذا تقلق علي يحيي؟ لا داعي للقلق.. هو بخير وانا اعتني به.

-آمل ذلك.
قالها ثم أجلي صوته الذي استعاد صرامته قائلا:
-وأنت.. كيف هو العمل في مقهاك؟
هل تشعر بالراحة الآن بعد ان تركت وظيفتك المحترمة ووضعها الاجتماعي المرموق؟

لم يخفي عليه بالطبع نبرة السخرية والتهكم في آخر سؤال لكنه حافظ علي بروده قائلا:
-أجل… أشعر براحة كبيرة الآن.. بل إني قد تأخرت كثيرا في اتخاذ هذا القرار.

وصلته أنفاس ابيه الثائرة عبر الأثير والتي تعبر عن غيظه الشديد لهذا الجواب المخالف لهواه، فارتفعت زاويتا فمه في ابتسامة صغيرة ظافرة لتمكنه من إغاظته لكنها سرعان ما اختفت عندما قال أبوه:
-من المحتمل أن آتي للوطن قريبا في أقرب عطلة ولكني لن امكث كثيرا.. فأنت تعلم.. لا يمكنهم الاستغناء عني هنا.

عقد حاجبيه بشدة وهو يفكر أن الوقت غير مناسب تماما لمجيئه الآن… فيحيي ما زال مريضا لم يُتم شفائه..ورغم كل ما يشعر به تجاهه من غضب وحنق وألم إلا أنه لا يستطيع ابدا تخيل فاجعته في ابنه الصغير المفضل الذي يحلم بيوم يكون هو خليفته فيه في مجاله.

أشفق عليه من ذلك الشعور فقال محاولا إثنائه عن رغبته:
-أنت تعلم طبيعة الطقس هنا في الشتاء.. فالبرودة قارصة وأنت معتاد علي الطقس الدافيء عندك منذ سنوات طويلة.. أري أن تؤجل مجيئك حتي دخول فصل الصيف افضل.

قال ابوه متهكما:
-ظننتك سترحب بهذا القرار وتعبر عن اشتياقك لي ولو كذبا بعد هذا الغياب الطويل.. علي كلٍ… انا لست متحمسا للمجيء ولكن "إيمان" تلح عليّ ذلك الإلحاح النسائي البغيض… فوالدتها مريضة للغاية وتخشي رحيلها دون ان تودعها… فهي ابنة بارة تحب امها وتعلم قيمتها جيدا.

-ربما لأنها قدمت ما تستحق عليه هذا الحب.
ابتلع جوابه متجاهلا كل محاولاته لاستفزازه وقال:
-حسنا، يمكنها المجيء وحدها إذا كانت مصرّة وانا سأستقبلها في المطار بنفسي واوصلها الي بيت أمها.

قال الصوت الصارم بعد ثوان من التفكير:
-حسنا… سأري ماذا سنفعل وأبلغك به.
-حسنا.. في انتظار قرارك.

ساد الصمت الثقيل بينهما لدقيقتين قبل أن يقطعه والده بصوته الجاف:
-اعتنِ بأخيك الصغير جيدا حتي يأذن الله وأراكم علي خير.
-لا تقلق، يحيي لا يحتاج الي توصية.. فأنا اعتبره ابني ليس أخي.

لم يلحظ والده بالطبع اختلاجة صوته في الجملة الأخيرة فقال منهيا الحديث:
-هذا جيد.. أوصل سلامي له.. إلي اللقاء.

عندما أغلق الخط ملأ رئتيه بنفس عميق طويل، كمن ظن نفسه غارقا في البحر ثم واتته قوة مفاجئة ليصعد للسطح بسرعة ملتقطا ما استطاعت رئتيه تعبئته من هواء.
زفر نفَسه بقوة مفكراً كيف أنه بعد كل مكالمة من أبيه تمتليء نفسه بهذا الشعور السلبي البغيض.. كأن كل ما تخزنه ذاكرته عن هذا الإنسان يسترجعه دفعة واحدة عندما يسمع نبرة صوته الجافة عبر الأثير.. فكيف إذا رآه وجها لوجه !
تذكر آخر مرة رآه فيها.. في جنازة زوجته الراحلة.. كان مُنهارا وكان أحوج ما يكون إلي دعم وحنان الأب.. لكنه اكتفي بمصافحة رسمية وعناق قصير لم يكمل الثانيتين حتي وعبارات تقليدية في مثل تلك المواقف، خالية من العاطفة الفطرية التي يكنّها الأب لابنه.
والأدهي والمثير للدهشة في آن أنه غادر صباح اليوم التالي للجنازة مباشرة متعللاً بعمله وبالتزامه بإجراء عمليات جراحية لا يمكن تأجيلها.. لم يعتذر ولم يبدِ أسفه حتي بل كان مقتنعا أنه أدّي واجبه نحوه وليس هناك ما يقدمه له اكثر من ذلك.
طرق يومها باب حجرته ودخل مرتديا بدلته الأنيقة يخبره بأمر سفره.. ربّت علي كتفه بقوة قائلا بصوته الخالي من المشاعر:
-إن شاء الله سيصبح ابنك بخير ويخرج لك بالسلامة.. ستربيه وتستأنس به وستنسي كل ما مضي.. لقد حرصت علي التوصية عليه وتحدثت مع رئيس قسم الاطفال بالمشفي ووعدني بأنه سيشرف علي الحالة بنفسه.
لم يحرك طاهر ساكنا بل ظل محدقاً أمامه في الفراغ بعينيه المنتفختين بينما يحيطه ذراع يحيي الذي لم يتركه لحظة من وقت الفاجعة التي أحلت به، والذي رد علي أبيه بدلا منه شاكرا له معروفه ومتمنياً له السلامة في سفره.

شعر ببضع قطرات من الماء المالح تبلل وسادته مع استعادته لهذه الذكريات الاليمة، فنهض ببطء محاولا السيطرة علي الانفعالات التي تغمره وتوجه إلي الحمام الصغير الملحق بغرفته فغسل وجهه بالماء البارد ثلاث مرات ثم نظر أمامه مواجها نفسه في المرآة الصغيرة.. ما زالت عيناه منهزمتان، دامعتان، تطوف أمامهما كل مشاهد الماضي الحزين، ومازالت نبرات صوت أبيه تطنّ في أذنيه بقسوتها المعهودة، وما زال قلبه مثقل بالضغائن القديمة والاسئلة الملحّة بجنون.. كم هو عجيب تأثير تلك المكالمة المقيتة عليه، فعلي الرغم أنها لم تتعدي الدقائق، فقد فجرت براكين الحزن الخامدة في اعماقه وأعادته إلي نقطة الصفر.
تنهمر دموعه ثانية في ألم.. عاجزا عن إيقاف المشاهد التي تغزو عقله بقسوة وشراسة والتي استعادتها ذاكرته المعذّبة بكافة تفاصيلها السوداء.. ومنها ذاك المشهد الذي حُفر بتلابيب عقله والتصق بخلاياه حتي باتت محاولة نسيانه من المستحيلات.. فأخد يسترجعه كأنما يراه بعينيه الشاخصتين رأي العين.

Moon roro and Gogo 2002 like this.

اسما زايد متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 08-03-24, 09:29 AM   #72

اسما زايد
 
الصورة الرمزية اسما زايد

? العضوٌ??? » 516085
?  التسِجيلٌ » Dec 2023
? مشَارَ?اتْي » 70
?  نُقآطِيْ » اسما زايد is on a distinguished road
افتراضي

تضع الأم طعام الفطور علي مائدة الطعام ويجلس الأب العابس دائما في مقابل الطفلين اللذين يتناولان فطورهما في صمت.. في الواقع كان احد الطفلين هو من يتناول طعامه بشهية بينما الآخر يجلس ناعسا مكتفياً ببعض الرشفات الصغيرة من كوب اللبن الذي يمسك به.

يصيح به الاب مطالبا إياه بالانتهاء سريعا حتي لا يتخلف عن موعد المدرسة.. يرد الصغير النحيل بعينين دامعتين:
-لا شهية لي للاكل.. ولا أحب الذهاب الي المدرسة… اريد فقط ان أنام.

يعلو صوت الأب صائحا:
-هذا لأنك غبي.. لا تحب العلم ولا المدرسة لانك فاشل بليد ولن يكون لك اي قيمة… حتي انك لا تأكل الطعام الجيد حتي أصبحت ضعيفا نحيلا، شاحبا دوماً.. لا يشغلك إلا العابك التافهة وتلك القصص المصورة الغبية التي تعكف علي قرائتها بدلا من كتب المدرسة.. أتدري شيئا؟
أنا سألقي بكل تلك القصص في الشارع ولن تراها ثانية.

قال جملته الأخيرة بهياج وهو يضرب بقبضته علي سطح الطاولة بعنف.
انتفض الصغير بقوة ولكنه قال مترجياً:
-لا يا أبي.. انا احبها كثيرا.. لا تفعل ذلك ارجوك.

-بل سأفعل، وهيا انصرف من امام وجهي إن كنت ستستمر في اللعب وعدم تناول الطعام كالناس.

قال الصغير مكتوما بدموعه الحبيسة:
-حسنا.. سآكل ولكن ارجوك، لا تلقِ بقصصي كما ذكرت.

أقبلت الام مسرعة فزِعة وهي تمسك بيديها أكياس الشطائر التي أعدتها للولدين متسائلة بغضب:
-ماذا يحدث؟ كل يوم هذا الشجار الصباحي الذي لا ينتهي.. ألا تتعبون… ألا تملّون؟

ينظر إليها الاب بغيظ وهو يرتشف آخر رشفة من كوب الشاي قائلا بتهكم:
-كله بسبب ابنك الصغير الفاشل يا هانم الذي يتذمر كل يوم من الذهاب للمدرسة وحتي من تناول الطعام.. يبدو انك مقصرة في تربيته ام اني اتوهم ذلك؟
كما ان تلك القصص التي تحضريها له قد لحست مخه.. لم يبق فيه مكان للمذاكرة والتعلم.. بعكس أخيه الاكبر المتفوق الذي يكاد أن يلتهم الكتب التهاما من فرط حبه في الدراسة بل ويحفظها جميعا عن ظهر قلب.

قالت غاضبة وهي تجلس بجوار الصغير تمسح علي رأسه بحنان:
طاهر ليس فاشلا.. هو فقط لا يحب تلك الواجبات الكثيرة التي تثقله بها المدرسة ولا يستطيع التحصيل زيادة عن قدرته… هي فروقات فردية طبيعية بين الاولاد في التحصيل الدراسي كما تعلم يا… دكتور.

ضرب الاب بكلتا كفيه علي سطح الطاولة مجددا، متمادياً في غضبه الغير مبرر متوجها نحو الصغير بنظرات نارية خفق لها قلبه الصغير بعنف وقال مهدداً:
-وأنا لا أقبل بأي أعذار او تقصير في الدراسة.. إذا لم تكفّ عن التدلل لسوف أطردك من البيت، لتلعب بالشارع وتمرح كما تشاء وانسَ أن لك بيتا وأسرة… أنا أكاد أن أجن منك !
لا ادري لِم لا تكون مثل أخيك حتي تريحني من همّك.

قالها ثم هب واقفا وهو يشير لابنه الاكبر مردفاً:
-هيا.. انتهِ من فطورك سريعا… أنا سأرتدي ملابسي ونخرج معا للمدرسة.
أومأ الابن الاكبر برأسه مختلساً النظر لأخيه الصغير المطرق الرأس، يبكي بصمت بينما أمه تحيطه بذراعها في حنان، تواسيه وتهمس له في أذنه أن أبيه لا يقصد شيئا مما قال وأنه يحبه ويريده شاطراً متفوقا، ثم تضع كوب الحليب بين كفيه وتطلب منه بصوتها الحليم أن ينتهي منه سريعا حتي يلحق بالمدرسة… يراقبها بعينين غائمتين حتي تختفي عن ناظريه وهو يشرب بضع رشفات من كوبه بغير شهية مرضاة لأمه.

يتناهي إلي مسامعه وشيش من همسات أمه ودفاعها عنه بينما صوت أبيه الجهوري يتجاوز الحيطان والأبواب المغلقة ويصدح في رأسه ناعتا إياه بالفاشل والبليد وعديم الإحساس والمسئولية.
يعلو صوت امه قليلا، معاتبا ورافضا نعت الطفل الصغير بهذه الأوصاف القاسية ثم يخفت ثانية في اللحظة التالية طالباً الرفق والتلطف بالصغير قليلا وعدم مقارنته بأخيه حتي لا يتولد الحقد والكراهية في قلب ما زال نقيا علي فطرته ولكن..
ما تزيده رقتها ورجاءها الرفيق إلا جبروتا وغضبا وعلواً في نبرة الصوت كأنما يرغب في التأكد من وصول المعلومة للصغير بالخارج:
-هو ليس مثله ولن يكون أبدا… ابني الكبير ورث عني ذكائي وحبي للعلم وسيكون خليفتي في المجال، انا واثق من ذلك… اما هذا الصغير فكأنما تجمعت فيه كل الجينات المسئولة عن الغباء والعناد والبلادة في العالم اجمع.. هو لا يشبهني ولا يشبه اخيه في شيء.

بقلب منفطر علي صغيرها الذي تعلم جيدا أنه سمع كل كلمة سامة بخّها ابوه من فمه، وبنبرة باترة قاسية لا تشبهها أبداً قالت ببطء ناظرة لحدقتيه تماما:
-بل هو يشبهك شكلا بطريقة غير معقولة.. كأنه نسختك المصغرة.. نفس الملامح ونفس لون البشرة والشعر والبِنية.
أتدري شيئا تظنني لا اعلمه ولكني أفعل.. أعترف اني لم اصدقه في البداية وفهمته متأخرا ولكني بتُّ الآن متيقنة منه.

اقتربت منه حتي كادت ان تلتصق به وقد تجمعت الدموع في عينيها فبدتا قاسيتين كالزجاج، ثم مالت علي أذنيه هامسة:
-انت تكرهه ليس لانه لا يشبهك في شيء كما تزعم.. بل تفعل لأنه يشبهك… يشبهك كثيراً.
انسحبت من أمامه في خفة تاركة الغرفة بينما ينظر هو في إثرها بسخط وذهول.

Moon roro and Gogo 2002 like this.

اسما زايد متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 08-03-24, 09:40 AM   #73

اسما زايد
 
الصورة الرمزية اسما زايد

? العضوٌ??? » 516085
?  التسِجيلٌ » Dec 2023
? مشَارَ?اتْي » 70
?  نُقآطِيْ » اسما زايد is on a distinguished road
افتراضي

انتشلته الطَرقات المستمرة علي باب الغرفة من ذكراه الأليمة، فخرج من الحمام متهدل الكتفين يمشي ببطء مهزوماً كأنه خرج من معركة شرسة، حتي وصل لكرسي المكتب فجلس عليه وأجلي صوته هاتفا:
-تفضّل.
دلف الرجل الخمسيني إلي الداخل وحياه بتحية مقتضبة ثم قال بابتسامته الوديعة:
-آمل أني لم أزعج سيادتك يا طاهر باشا، لقد طرقتُ الباب كثيرا ولكنك لم ترد فظننتك نائما او ما شابه.

تطلع طاهر في ملامح الرجل المسالمة وعيناه اللتان تنبضان بالطيبة وكفيه المحفور فيهما أثر الشقاء، وتذكر ذاك اليوم الذي طرق فيه باب المحل سائلاً إياه العمل عنده بسبب ظروفه الصعبة، كان نفس اليوم الذي زارته فيه تلك الحسناء زيارتها الصباحية اليتيمة.. لذلك يستبشر به خيراً كلما رآه.

ابتسم ابتسامة حقيقية ممتنة لانه بدّل ذكراه القاسية بأخري لذيذة، فقال:
-معذرة علي تأخري في الرد عليك يا عم "عاطف" ولكني كنت شارداً قليلاً.
-العفو منك يا باشا، بل أنا اعتذر بسبب إلحاحي و لأني قاطعت شرودك.
-لا بأس يا عم سمير.. بل علي العكس، لقد أسديت إليّ معروفا… هات ما عندك.. هل تريد شيئا؟

بدا الحرج جلياً علي وجه الرجل وهو يقول متلجلجاً:
-الحقيقة.. هناك طلب..و كلّي عَشم في كرم سيادتك وحسن أخلاقك ألا تردني خائباً.
-تفضل.. قل ما تريد.
-الحقيقة.. هناك شاباً قريباً لي من البلدة، توفي والده مؤخرا واصبح عائلا لأمه المريضة وإخوته.. يعمل باليومية ولكنه بالكاد يأتي آخر اليوم بجنيهات قليلة لا تسدّ جوعا ولا تعالج سقماً… فأنا.. أخبرته أن رب عملي رجلا عطوفاً..كريما، قلبه كبير، وقلت له أني سأتوسط له-رغم صغر مقامي- عند سيادتك بمقامك الرفيع.. وأطمع أن توظفه عندك أية وظيفة لتعفّه عن الحاجة، ولك جزيل الشكر والاجر بإذن الله.

سكت طاهر للحظات يدير الأمر برأسه ثم قال:
-أنت تعلم يا عم عاطف أنه لا توجد وظائف شاغرة.. ولكن من أجل خاطرك.. سأتحدث مع سامي ليجد له دوراً ما يقوم به.. يمكنه أن يساعدك في حمل الطلبيات او يمكنه المساعدة في التنظيف وجلي الصحون.. سنري ما يمكنه فعله وسيتقاضي أجره عما سيفعله بالطبع.

تهللت أسارير الرجل وتناثرت عبارات الشكر والامتنان والدعوات من بين شفتيه حتي أسكته طاهر قائلاً:
-كفي يا عم عاطف.. المهم عندي أن يكون مقدّرا لهذه الفرصة ويكون علي قدر المسئولية.
- لا تقلق يا باشا.. انت لا تعلم كيف ستكون سعادته واسرته بهذا الخبر.. بارك الله لك وجعله في ميزان حسناتك… أتعلم شيئاً؟
أنا سأحضره لك حالا ليشكرك بنفسه..
قالها متوجها للخارج تحت انظار رب عمله الذاهلة الذي استوقفه سائلا:
-تحضره من أين.. هل هو بالخارج؟
-نعم.. كنتُ اعلم أن سيادتك لن تردني خائباً، فأحضرته معي ليكون أول يوم عمل له.. بعد إذن سيادتك طبعا.
تنهد طاهر قائلا باستسلام:
-حسناً.. أدخله لأراه.

بعد لحظات دخل عاطف بصحبة شاب في أوائل العشرينيات، متوسط القامة، نحيل، يفرك كفيه بتوتر مخفضاً عينيه للأسفل، يكاد أن يلتصق بقريبه كطفل صغير يشعر بالأمان في كنف والده.
رقّ قلب طاهر له وأشفق عليه من مظهره الهش الذي يذكره بنفسه.. وبعقدة الذنب التي تكونت بأعماقه ناحية الفقراء والمستضعفين وما كانوا يلاقونه من صنوف العذاب والإهانة بعمله السابق.
تنهد تنهيدة ثقيلة ثم سأل الشاب:
-أهلا بك يا.. ما اسمك؟
اختلس الشاب نظرة سريعة نحو قريبه ثم اخفض نظره ثانية قائلا بخفوت:
-"سمير"… اسمي سمير يا باشا.
-عاشت الأسامي.. هل لي أن اطّلع علي بطاقة هويتك من فضلك.
-طبعا.
قالها عاطف وهو يمد كفه للشاب الذي اخرج البطاقة من محفظته واعطاها لعاطف الذي أعطاها بدوره لطاهر الذي فحصها سائلا:
-مكتوب انك حاصل علي "دبلوم تجارة" فهل تكمل تعليمك الجامعي الآن؟
هز الشاب رأسه ببطء قائلا بلهجة ثقيلة:
-لا يا باشا.. لا استطيع تحمل نفقات التعليم الجامعي.
-انفض عنك هذا الخجل يا سمير وارفع رأسك وانت تتكلم حتي اسمعك جيدا.
اختلس الشاب نظرة اخري نحو عاطف الذي شجعه فأقام راسه للاعلي ونظر باتجاه طاهر الذي استطاع ان يلمح بوضوح عينيه الحمراوين، فسأله بحذر:
-عيناك حمراوتان.. هل بهما شيئا؟
تلجلج الشاب وهو يمسح عينيه بقوة قائلا بثِقل:
-ماذا.. لا.. ربما هما كذلك من أثر النوم والإجهاد فقط.
اكّد عاطف علي كلامه قائلا:
نعم.. لقد اخبرني انه نام متأخرا بالامس.
سأله طاهر وقد شعر بخبرته ان هذا الشاب به خطبٌ ما:
-اخبرني.. ما العمل الذي تستطيع القيام به هنا.
قال عاطف سريعا:
-اخبرتك يا باشا.. يمكنه ان يساعد في اي شيء.
أشار طاهر بكفه نحو عاطف قائلا:
-من فضلك يا عم عاطف.. ارغب ان اسمع منه.
قال سمير بذات اللهجة الثقيلة المرتبكة:
-أنا تحت امرك يا باشا.. يمكنني ان اقوم بأي عمل تطلبه مني.. سيادتك.

-هل تتعاطي مخدرات يا سمير؟
نزل السؤال عليهما كالصاعقة فانتفضا ونظرا لبعضهما بخوف ثم قالا في نفس الوقت:
-لا.. لا.
كان الخوف في عينيهما ظاهرا بوضوح مما أكّد من شكوك طاهر.. الذي قال:
-انظر يا عاطف.. انا وافقت علي تشغيله هنا كرامة لك ولكني لا استطيع المخاطرة وتعيين مُدمن للمخدرات هنا ولا اظنك انت ترضاها لي.
قال عاطف بأسف واسي:
-انا لا يرضيني أن اؤذيك في مكان "أكل عيشك" طبعا يا باشا، فمقامك ومكانتك عندي كبيرة والله.. وانا لن اكذب عليك… لقد كان سمير بالفعل منخرطا في تعاطي هذه الاشياء بسبب اصدقاء السوء، منهم لله، لكنه أقسم لي أنه منذ وفاة ابيه وقد توقف تماما.. وكل ما يهمه الآن هو توفير حياة كريمة لأسرته.. أليس كذلك يا ولد؟
قالها متوجها بسؤاله الأخير نحو سمير الذي طأطأ راسه خجلا قائلا:
-بلي…أقسم انني توقفت عن تعاطي الحشيش.. لا ادخن اي شيء الآن بخلاف السجائر العادية.
رفع عينيه الي طاهر قائلا باستجداء وبعينين دامعتين:
-جرّبني يا باشا ولن اخذلك… انا في حاجة ماسّة لهذا العمل… ارجوك.
قال عاطف مترجيا بدوره:
-أعطه الفرصة يا باشا ولا تكسر بخاطره وانا اعدك اني سأكون رقيبا عليه طيلة الوقت وسأضمنه لك برقبتي هذه.

سكت طاهر لدقائق مفكرا ثم قال:
-حسنا.. سأعطيه فرصة واعيّنه للعمل معك يا عاطف تحت التمرين، يساعدك فيما تطلبه منه او يطلبه منه سامي.. واذا اطمأننت لحسن سلوكه سأوظفه بشكل ثابت.
انهالت عليه عبارات الشكر من كليهما مع تأكيدهما بأنهما لن ينسيا له هذا المعروف ولن يخيبا ظنه ابداً.
بعد أن انتهت وصلة الشكر والمديح قال عاطف محرجاً:
أعرف اني اثقلت عليك كثيرا بطلباتي اليوم يا باشا… ولكني طمعان في كرم اخلاق سيادتك.
أومأ طاهر له برأسه أن يُكمل.
-اخبرتك عن ظروف سمير الصعبة ومرض والدته يحتاج لعلاج مستمر.. فكنتُ اريد ان اطلب من جنابك أن تعطيه أي مبلغ من المال مقدما ليعيل به اسرته هذه الأيام قبل أن يبدأ العمل فعلياً.
أخرج طاهر حافظة نقوده واخذ منها بضع ورقات اعطاها لسمير قائلا:
-تفضل يا سمير.. هذه اعتبرها حلوان بدء تمرينك للعمل هنا.. فإذا تم تعيينك بشكل رسمي ستتقاضي مرتبك كاملا آخر الشهر.
أخذ سمير النقود وقبّلها بسعادة قائلا:
-اشكرك يا باشا شكرا جزيلا ولن أنسي فضلك عليّ أبدا.

لم يمر علي جملته بضع ثوانٍ حتي تفاجئوا بدخول "سامي" الصاخب بعد أن طرق الباب لمرة واحدة ودلف للداخل مباشرة هاتفاً بصوته العالي:
-صباح الفل يا باشا.. نهارك أبيض كبياض السماء بالغيوم اليوم.
ضحك طاهر ورد له تحيته ثم قال:
-مُرزق من يومك يا سامي…لقد زاد عدد العاملين الذين سيعملون تحت إدارتك واحدا اليوم.. أعانك الله يا وحش.

اكفهر وجه سامي مع الضحكات الخافتة الصادرة من عاطف والشاب الذي يجاوره ثم عقد حاجبيه بشدة قائلا:
-لا.. لا تقل ذلك ارجوك.. انا لا ينقصني عاملين جدد… الموجودون بالفعل يؤدون الغرض وقريباً سيذهبون بما تبقي من عقلي.

ثم أشار بإصبعه تجاه عاطف قائلا:
-أنت يا رجل… لا تقل أنك جئت بهذا الشاب الواقف بجوارك واستغليت عطف الباشا لتشغّله هنا.
أومأ عاطف برأسه كاتما ضحكه قائلا:
-بلي فعلت.
-هيا.. هيا اغرب عن وجهي يا رجل وخذ بيدك هذا الشاب.. الله يسهّله بعيد عنا..فمحلنا ليس" سبيل" لكل مارٍ من هنا.
قالها سامي حانقا وهو يلوح بكلتا يديه… ثم توجه بحديثه نحو طاهر المستغرق في الضحك قائلا:
-اضحك أنت يا باشا كما تحب ووظّف من تشاء بقلبك الكبير، وأشيل انا الطين فوق راسي من متابعة كل هؤلاء البشر.
قال عاطف ناظرا إليه بسخط:
أعوذ بالله.. حبّ الخير لغيرك كما تحبه لنفسك يا سيد"سامي".. هذا رزق هذا الشاب المسكين الذي يعول أسرته، فكُن محضر خير ولا تقطع برزقه.

نظر إليه سامي وهو يتميز من الغيظ قائلا من بين أسنانه:
آه منك انت يا عم عاطف.. من يوم ما طلّيت علينا بطلّتك ال…بهية وتمسكنت للباشا وأقنعته بتوظيفك هنا وانا عرفت أنك ستستغلّ قلبه الطيب لصالحك وتجرّ معارفك واحدا تلو الآخر كل يوم والثاني لتشغّله عندنا.

قال عاطف معترضا ملوحا بيده :
-لم يحدث هذا الكلام..هذا هو اول وآخر واحد أحضره الي هنا وذلك لعشمي في كرم أخلاق الباشا… المشكلة عندك أنت يا سيد سامي.. فأنت لا تطيقني من يوم ما جئت بدون مبرر.
-ألا تدري لماذا يا عم عاطف؟ لأنك زدت همي واحدا والآن زدته همّين والله أعلم كم ستزيده أيضا.. أتيت وجلبت معك الخير كله يا رجل يا بركة.
قال سامي متبرماً ومتهكماً في نفس الوقت بلهجته الجنوبية الشهيرة.. وهمّ عاطف بالرد عليه ولكن طاهر تدخّل ليوقف هذا الجدال الدائر بين الرجلين قائلا :
-كفي… كفي بالله عليكما.. انتهي الكلام، أنا وَعدت "عم عاطف" بأني سأعطي ل"سمير" فرصة للعمل تحت التمرين بسبب ظروفه التي يعلمها جيداً. قالها رامقاّ الشاب بنظرة أدرك مغزاها فاحمرّ لها وجهه حرجاً وهو يوميء برأسه.
ثم توجه بحديثه نحو سامي قائلا:
-وأنت يا سامي لن يمثل سمير عبئاً عليك إن شاء الله.. فعم عاطف هو المسئول بشكل مباشر عنه.. ولكن لا نستغني عنك طبعا.. أنت الخير والبركة.
قال سامي بنفاد صبر ماسحاً وجهه بكفيّه:
-حاضر يا باشا.. انا تحت أمرك دوماً.. وعم عاطف ومن يجلبه لنا فوق فوق راسي.
صدحت نغمة هاتفه عالياً فردّ مجيباً:
-نعم.. أوشكت علي الوصول؟ حسنا انا في انتظارك.
أغلق الخط وقال لرب عمله:
-طلبية اللحوم أوشكت علي الوصول.. أعطني الحساب من فضلك يا باشا.
نهض طاهر من مقعده وتوجّه نحو دولابه قائلا في طريقه لعاطف وسمير:
-تفضلا أنتما الآن وتوجها لأشغالكما.

تحرك الرجلان في طريقهما للخارج بنفس الوقت الذي فتح فيه طاهر الدولاب وأدخل الرقم السري لخزنته الرقمية، وكان آخر ما فعله سمير وهو خارجاً من الباب أن اختلس نظرة أخيرة نحو طاهر الذي يمسك برُزمة نقود ويسحب منها أوراق مالية كثيرة معطياً إياها لسامي.

بعد أن خرج الجمع من عنده أغلق خزنته ومد يده لأحد أرفف الدولاب العالية ليخرج قلما من علبة الأقلام التي يحتفظ بها في ذلك الرف حتي يدوّن حسابات اليوم، ارتطمت أصابعه في طريق بحثها عن علبة الأقلام بشيء معدنيّ بارد فأمسك به وأخرجه ينظر إليه في فضول.. ولما تبيّن ماهيته عقد حاجبيه بشدة وهو يطحن ضروسه وفكّر.. لِم ما زال محتفظاً بهذه اللوحة اللعينة ولم يتخلص منها إلي الآن؟…تذكّر أنها كانت هدية من زوجته الراحلة فدمعت عيناه بتأثر وتمتم:
-كل هداياكِ في قلبي يا "فيروز" لكن هذه…لا أستطيع النظر إليها بعد الآن.. لأنها تذكرني بكل ما حدث وأوصلني لهذا الوضع الذي انا به الآن… سامحيني.

قالها ثم ألقي بها بعنف و ارتمي علي مقعده ثانية وهو يرمق اللوحة المعدنية اللامعة والتي استقرت في سلة القمامة الصغيرة، وكان مكتوباً عليها بالخط الأسود العريض..

مكتب الرائد/ طاهر كمال
ضابط شُرطة.

Moon roro and Gogo 2002 like this.

اسما زايد متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 08-03-24, 09:47 AM   #74

اسما زايد
 
الصورة الرمزية اسما زايد

? العضوٌ??? » 516085
?  التسِجيلٌ » Dec 2023
? مشَارَ?اتْي » 70
?  نُقآطِيْ » اسما زايد is on a distinguished road
افتراضي

انتهي الفصل السابع واتمني أن ينال إعجابكم.. وقولولي رأيكم ايه لأن ده اللي بيشجعني أكمل..
كل سنة وانتم طيبين جميعا ورمضان مبارك❤️❤️

لا تنسوا إخوتنا في غزة وفلسطين الحبيبة والسودان من دعواتكم.. تقبّل الله منا ومنكم صالح الأعمال❤️????

وللحكاية بقية بإذن الله ما دام في العمر بقية...


اسما زايد متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 12-04-24, 03:08 PM   #75

اسما زايد
 
الصورة الرمزية اسما زايد

? العضوٌ??? » 516085
?  التسِجيلٌ » Dec 2023
? مشَارَ?اتْي » 70
?  نُقآطِيْ » اسما زايد is on a distinguished road
افتراضي

السلام عليكم ورحمة الله..
عيدكم مبارك وكل عام وانتم بخير❤️❤️

متحمسين للفصل القادم؟؟
هو في الطريق إليكم.. كونوا بالانتظار.

ضي عيوني likes this.

اسما زايد متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 13-04-24, 09:23 PM   #76

اسما زايد
 
الصورة الرمزية اسما زايد

? العضوٌ??? » 516085
?  التسِجيلٌ » Dec 2023
? مشَارَ?اتْي » 70
?  نُقآطِيْ » اسما زايد is on a distinguished road
افتراضي

*اقتباس من الفصل الثامن*

وضعت يدها علي صدرها الخافق تحاول تهدئة انفعالها ثم استدارت بصعوبة لتبحث عن مكان الحفل والذي تظنه في القاعة المغلقة الصغيرة بآخر الساحة، مشت عدة خطوات بطيئة وهي تلتفت للوراء كل حين كالمسحورة تلقي نظرة علي سطح البحيرة التي تتناثر علي سطحها آشعة الغروب، وفي اثناء سيرها للامام بينما عنقها ملتوي للخلف شعرت بجسدها يرتطم بآخر صلب كان مندفعا هو الآخر تجاهها حتي انها ترنحت خطوة للخلف وكادت ان تسقط لولا ان امتدت الذراع القوية تحيط بخصرها لتحفظ توازنها، شهقت بقوة وهي تعدل رأسها بسرعة متسعة العينين فاغرة الشفتين من الصدمة..
كانت فعليا في احضان رجل ضخم الجثة يصل رأسها المرتفع بالكاد لصدره المقابل لها ينظر الي عينيها مباشرة بعينين سوداوتين عميقتين يعلوهما حاجبين كثيفين اخذا في الانعقاد تدريجيا كأنه يحل معضلة ما، كان آخر شعاع للشمس ينعكس علي عينيها اللوزيتين المكحلتين مما ابرز لونهما الفريد حتي ظهرا كشمسين صغيرتين متوهجتين تمخضا عن النجم المشتعل الاكبر.
سمعت الشخص الماثل امامها كالطود يهمس من بين شفتيه المختفيتين تحت شارب كث ولحية تماثله: يا الله ! ما هاتين العينين الساحرتين! وما هذا الجمال كله !

ضي عيوني likes this.

اسما زايد متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة

الانتقال السريع


الساعة الآن 10:58 AM



Powered by vBulletin®
Copyright ©2000 - 2024, vBulletin Solutions, Inc.