عرض مشاركة واحدة
قديم 08-09-19, 01:32 AM   #11

نغم

كاتبة في منتدى قصص من وحي الاعضاء

 
الصورة الرمزية نغم

? العضوٌ??? » 394926
?  التسِجيلٌ » Mar 2017
? مشَارَ?اتْي » 2,980
? الًجنِس »
? دولتي » دولتي Egypt
?  نُقآطِيْ » نغم has a reputation beyond reputeنغم has a reputation beyond reputeنغم has a reputation beyond reputeنغم has a reputation beyond reputeنغم has a reputation beyond reputeنغم has a reputation beyond reputeنغم has a reputation beyond reputeنغم has a reputation beyond reputeنغم has a reputation beyond reputeنغم has a reputation beyond reputeنغم has a reputation beyond repute
¬» مشروبك   water
افتراضي


الفصل التاسع



بعد أسبوعين ،
داخل قاعة المحاضرات ، رفعت إيثار عينيها تتأمل ظهر أكرم المواجه لهم .
نبرة صوته الرخيمة تخفت شيئا فشيئا قبل أن يستدير مفاجئا نظرتها نحوه .
ارتج قلبها حرجا و خجلا و هي تسرع بإطراق رأسها ، تلعن في سرها فكرها الشارد عنه فيه .
بعد دقائق و المحاضرة على وشك الانتهاء ، مدت يدها للمرة العاشرة تزيل عن سطح خدها دمعة أخرى نافرة .
- خيرا إيثار ، لماذا تبكين ؟ ما بك ؟

ببطء يحمل عدم رغبة واضحة التفتت إيثار إلى بسنت ، تنهد خفيف انفلت من بين حبس شفتيها و هي تقول بهمس :
- أنا لا أبكي ، العدسات تضايقني .
- إذن عودي إلى نظارتك ، قالت الأخرى و هي تهز كتفيها بخفة .
- نظاراتي انقسمت نصفين ، تمتمت ، ترددها يفضح كذبها .

هي ببساطة استغنت عنها لأن الأخرى بجانبها أقنعتها بأنها تبدو أجمل بدونها .
- إيثار ، جاءها صوت بسنت قريبا فالتفتت لتجدها تميل جدا بجسدها نحوها ، هل أخبرتك أن عيد ميلاد تامر قريب ؟
- و ؟
- أريدك أن تقترحي علي هدية له ، بصراحة احترت .
- و هل هذا وقته بسنت ، فحت في وجهها ببرود ، نتكلم عن تامر و هديته أثناء المحاضرة ؟
الدكتور أكرم أصلا لا يطيقنا .
- بالعكس ، قاطعتها بسنت و هي تعود لهز كتفيها ، هذه المرة برضا ، الدكتور " كيمو " منذ دخلت لم يغادرني بنظراته .
- سخافة ، رمتها إيثار في وجهها بحدة و هي تطرق أكثر على ورقتها تراقب القلم في أصابعها يخط شخابيط عملاقة تعبر عن لهيب سخطها .

بعد ثوان ارتفعت أصابعها تمسح دمعة أخرى و بدافع أقوى منها رفعت عينيها لتقابل عينيه .
ثقلت أنفاسها و زمت شفتيها في محاولة فاشلة للسيطرة على رجفة فمها ، تراقب عينيه تتسللان منه ، تتجاوزان رؤوس الطلبة لتستقر نظراته على سفح عينيها ، يراقب ولادة دمعة جديدة أخرى لفظتها مآقيها الملتهبة .
أما هي فكل ما استطاعت فعله هو مبادلته نظرته بقلة حيلة بانتظار معنى تنطق به نظراته أو تعبير تفشيه قسماته .
- إيثار ، نادتها بسنت ثانية فقطعت عليها حبل تواصلها معه .

تنهدت بيأس و بضجر تمتمت :
- ماذا الآن ؟
هذه الأيام الأخيرة منذ ظهور أكرم كدكتور محاضر لهم وجدت مشاعرها تبدأ بالبعد عن بسنت و عالمها .
هل صارت لا تطيقها بسببه أم فقط لأن الأخرى أثبتت بما لا يقبل الشك أنها تافهة ؟
لم تعد قادرة على التميز لأن تصرفاته الغريبة معها أقامت الشتات بداخلها المشتت أصلا .
مرة يهتم و مرات يذيقها برود تجاهله .
ربما السبب الأكبر لقرفها الحديث من بسنت هو ملاحظتها للبطولات العالمية التي تمارسها في محاولة لفت انتباهه إليها .
- هناك نقطة لم أفهمها دكتور ، تعالى صوت بسنت المتراخي .

نقاط ، سخرت إيثار و هي تغرق بصرها المتجهم داخل صفحة الكتاب أمامها .
- تفضلي أنا أسمعك
- لم أفهم كيف تكون السرعة سالبة
أقصد مثلا سرعة دوران المحرك ؟
المفروض أن السرعة تقدمنا نحو الأمام لذلك من المنطق أن تكون علامتها موجبة
- هذا يعتمد على المرجع الذي نضعه ، قال بعد صمت مفكر ، يعني مثلا لو قلنا أن التقدم إلى الأمام يكون حين ندور باتجاه عقا رب الساعة فكل سرعة في هذا الاتجاه سنعتبرها موجبة ، و بنفس المنطق الآلة التي تدور بالعكس تعتبر سرعتها سالبة .

مطت بسنت شفتيها ، كورتهما و لعبت بهما عدة ألعاب و في الأخير خرجت الإجابة المتوقعة :
- آسفة لم أفهم .

" ما الجديد " ، سخرت إيثار ثانية بينما عيناها تتعلقان بجسده
تراقبه يتجه إلى لوحة الكتابة البيضاء العريضة ، يبحث عن القلم ليشرح لها عن طريق رسم توضيحي ، المسكين لم يفهم أن الفتاة " ترسم عليه " .
لا تدري كيف انطلق صوتها يحارب سكون الفصل
- بالعكس الموضوع سهل جدا ، بدأت تقول بجفاف و هي تتجه بجسدها نحو بسنت ، سأعطيك مثالا حيا من واقعنا ، لنعتبر أن البحر المتوسط هو المرجع الذي تكلم عنه الدكتور .
الدول التي في الناحية الأخرى كما هو واضح تتقدم إلى الأمام ، سرعة موجبة ، الدول التي على هذه الضفة تجري إلى الخلف ، سرعة سالبة ، فهمت الآن ؟

*
*
بعد قليل و هي تتجه مطرقة نحو الباب ،
- آنسة إيثار ، شل صوته القوي تقدم سيرها ، تعالي لحظة من فضلك .

تقدمت نحوه ، مع كل خطوة تتضاعف دقات قلبها و تتقلص علامات هدوءها .
- أنت بخير اليوم ؟
- بأحسن حال و الحمد لله ، شكرا لحضرتك ، تساقطت كلماتها بخجل ملهوف و شيء من الحمرة يزحف على خديها .
- جيد ، سرح صوته ، تأملها مطولا ثم أضاف ، نصيحة مني إذا أردت أن تبقي بخير ابتعدي عن السياسة و الحديث عنها خاصة في الفصل .

تسابق الغيظ و الخيبة أيهما يسكن نظراتها أولا ، هي التي ظنته رق قلبه لدموعها .
يلعب دور البارد المتباعد معها فليكن .
فغرت فمها بدهشة ، التفتت حولها كأنما تبحث عن شيء ضاع منها ثم قالت بدهشة :
- سياسة يا دكتور ؟!! أين هي ؟ أين ؟

ساد صمت مفاجئ و بعض الطلبة يتوقفون عن التحرك حولهم ، اهتمامهم انجذب للموقف .
بقلق تأملت إيثار تغير نظراته نحوها .
من قال أن أبرد درجات الصقيع تتواجد في قطب الكوكب الجنوبي مخطئ ، أبردها تتخذ مسكنها داخل عينيه و على زاوية شفتيه .
قطع سكون اللحظة الجليدي وقع خطواته الواسعة و هو يعطيها ظهره و يبتعد .
- دكتور ، لحظة من فضلك ، دكتور ، تقطعت أنفاسها و هي تكاد تجري وراءه ، لا يساعدها كعبها العالي و لا خطوات المحاربين التي يسير بها .

توقفت قليلا تضع يدا مرتجفة على صدر أكثر ارتجافا ، تراقب ظهره المتصلب الذي يرسل شرارات غضب واضحة لها .
جذبت نفسا عميقا ثم عادت تلحقه ، هذه المرة تركض بالفعل .
توقفت مع وقوفه أمام باب مكتبه .
- دكتور ، رجاء واضح في صوتها اللاهث ، من فضلك اقبل اعتذاري .
دكتور أنا آسفة ، صدقني لم أقصد ، ابتسامة مرتجفة تبدت على شفتيها و هي تراه يلتفت نحوها
- دكتور ، همست ثانية فأغلق الباب في وجهها .
*
*

بعد ساعات ، كانت تدخل أخيرا للمنزل لتجد لا أحد في استقبالها كالعادة .
تقابل في الخارج بالبرود و تقابل في الداخل بعدم المبالاة ، هل يوجد لأحد غيرها مصلحة في حياتها هذه ؟ إذا كان هذا هو الحال فهي مستعدة لإهدائها له الآن و فورا .
مثقلة ، خائبة الأمل جدا ، توجهت إلى غرفتها ، كل ما تريده هو أن تعتكف في سريرها .
نامت على جانبها الأيسر ، أصابع يدها اليمنى تعبث ببطء على شاشة هاتفها .
" هنالك أسطورة خطيرة تقول بأن الطالبة من الممكن أن تحب زميلها في الجامعة و أسطورة أخطر بأنها من الممكن أن تحب أحد الدكاترة .
ربما هذه الأساطير هي سبب ارتفاع نسبة الفتيات المنتسبات للجامعة . "
تأملت المنشور لمرة أخيرة ثم رمت هاتفها و فردت جسدها على سريرها ، أطرافها جميعا ممتدة كأنما تحلق في سمائه .
أغمضت عينيها تأخذ استقالة وقتية من العالم لكن أفكارها خانتها كالعادة و شدت الرحال إليه .
لم تطل مدة انشغال بالها به لأن بابها فتح فجأة عن مظهر أمها الجدي المتحفز كما هو دائما .
قامت نصف قومة تستند بكسل على مرفقيها .
- نائمة ؟ تساءلت أمها باتهام .
- و أحلم أيضا .

رفعة حاجب غاضبة ثم :
- تعالي أحتاجك .

" و أنا كذلك أحتاج نفسي " ، تمتمت إيثار بعبوس و هي تجر ساقيها جرا .

وقفت في زواية غرفة الاستقبال تشاهد أمها تأخذ بلوزتها ، طرحتها ، تنحني لتنتعل حذاءها ، تفعل كل ذلك و هي ترمي أوامرها خلفها
- أنا أعددت الكشري لكن ...
- لا أحب الكشري .
- لا تقاطعيني ، رفعت السيدة سهير عينيها نحوها بغضب .
أعددت بعضه و أنت أكملي الباقي .
اسلقي المكرونة
و أعدي الأرز مع العدس
و طبعا لا تنسي قلي البصل
- ماما ما الذي لن أعده ؟
- الصلصة .
قالتها و صفقت الباب في وجهها .
- بسم الله الرحمان الرحيم ، ما بالكم يا قوم معي اليوم ؟


*
*

بعد قليل كانت داخل المطبخ تتنقل بين القدور ، صوت أغنية يصدح تتصادم نغماتها مع صوت غليان الماء و فرقعة البصل داخل الزيت الملتهب .
تعالى صوت نجاة يحنو على ضياعها ، يربت على سخفها و يجعلها نوعا ما تجد المبرر لرخصها .
" يامن يفكر فى صمت ويتركنى فى البحر
أرفع مرساتى وألقيها
كفاك تلعب دور العاشقين معى
وتنتقى كلمات لست تعنيها
كم اخترعت مكاتيب سترسلها
وأسعدتنى ورودا سوف تهديها
وكم خلفت لوعد لا وجود له
وكم حلمت بأساور سوف أشريها
وكم تمنيت لو للرقص تطلبنى
وحيرتنى ذراعى أين ألقيها "
- ألقيها على أم رأسي ، تمتمت و هي تصفي المكرونة ، أضربه و أخبطه لعل عقلي المقلوب يعود لوضعه الأصلي .
- غبية ، نفثتها بعنف
غبية

غبية تعرف عيبها و تعترف به لكنها لا تقدر على التخلص منه .
لأنها ذات شخصية مضطربة ذات تفكير سطحي .
تخفي طاقات متعددة بداخلها لكنها تركز فقط على ذلك العطش المهتاج إلى الحنان الرجولي .
غبية و فوضوية مثل الكشري الذي تكرهه و تشك بأنه يكره نفسه مثلها .
من وحي اللحظة ، أرسلت رسالة قصيرة مجنونة إلى نادية
- هل تعتقدين أن الكشري يكره نفسه ؟

كان رد نادية مختصرا
- لا يهم ، كل الشعب يحبه
حالتك تبدو صعبة ، تعالي عندي فورا ، أنا في الصيدلية

و قد كان ..
*
*

- أريد حلا جذريا لما أنا فيه ، تمتمت إيثار بتعب و هي تستند على الرخامة التي تفصل بينها و بين نادية .
- موجود و اسمه مكون من أربعة حروف .

نظرت إليها بتساؤل فقالت نادية و هي تميل نحوها بهمس :
- باهر
- باهر ، ضيقت إيثار عينيها بحيرة .
- زميلي الصيدلاني ، أخذ خطوة أخرى و كلمني جديا عنك .
و لأني أردت مجاملتك كما سبق و فعلت معي أعطيته رقم هاتفك .

****************

بخطوات أثقلها إجهاد الساعات الأخيرة دخلت بريهان بهو عمارتهم الرطب الهواء ، جذبت نفسا عميقا تلقته رئتاها الجافتان بلهفة ثم سارت بآلية نحو صندوق البريد ، قلبت المجلات الإعلانية لبعض المحلات التجارية الضخمة بحركات رتيبة ، وضعتها داخل حقيبتها الواسعة ثم انتقلت باهتمامها إلى الفواتير ، تأففت و هي تلاحظ بعض المبالغ المرتفعة ، مرة أخرى سيكون عليها أن تؤجل موضوع سفرها لخالتها خارج البلد .
أكملت وضع القصاصات المختلفة الحجم داخل حقيبتها و سارت بنفس البطء نحو المصعد .
ضغطت على الزر مشغولة الفكر و فجأة تجعد جبينها و هي تتذكر أنها لم تدفع للدكتور ذلك اليوم بسبب اضطرابها .
دقائق قليلة و كانت تقف أمام عيادته تطرق الباب بتردد بعد أن ضغطت زر الجرس مرتين دون فائدة ، الحركة الخافتة التي تصلها بوضوح تدل أن أحدهم موجود بالداخل و هي تريد أن تدفع له اليوم قبل أن تخونها ذاكرتها مرة أخرى .
توقفت يدها في الهواء و الباب يفتح أخيرا ليظهر من ورائه و جهه العابس ..
كالعادة .
اعتدلت فورا في وقفتها المائلة و بدأت تكلمه بحرج .
- دكتور ذلك اليوم نسيت أن أدفع ثمن الكشف
- الآن ليس الوقت المناسب ، عودي غدا يا آنسة ، أخر قدما في إشارة لها لتنصرف و يغلق الباب ثانية لكنها أضافت بحرج أكبر .
لدي كذلك بعض أسئلة فيما يخص حالة ماما

تراجع بصمت يترك لها المجال للدخول ، نظرت حولها تبحث عن خيال السكرتيرة لكنها لم تجد أحدا غيرهما ، ما ذلك الصوت الآخر إذن ؟ تساءلت في سرها بينما تعود بجسدها إلى الوراء حتى التصق ظهرها بإطار الباب الذي تركه مفتوحا .
- الدواء الذي وصفته حضرتك لم أجده ، بدأت تتمتم مرتبكة الحروف ، أعطاني الدكتور الصيدلي بديلا عنه لكن ماما قالت أنه لم يلائمها .

توقفت عن الكلام فجأة و عيناها تتسمر على ذلك المشهد وراءه ، الآن عرفت مصدر ذلك الصوت .
و المصدر كان يقوم بشيء خطر جدا .
شهقت دون وعي ثم اندفعت متجاوزة له إلى داخل الغرفة .

في آخر لحظة ، لحظة ما قبل اللاعودة ، كانت يد بريهان تهوي بتصميم على تلك الأصابع الصغيرة تحضنها بقوة داخل كفها ثم تجذبها هي و صاحبها ذلك الطفل الذي لم يتجاوز السنتين ، بعيدا عن المقبس الكهربائي .
أطلقت أنامله بلطف ثم بيدين تخلى عنهما تماسكهما أحاطت وجهه بكفيها تتأمله و تتأكد أنه بخير .
مقلتان واسعتان بلون سحاب مثقل بادلتها تحديقها و داخلهما انعكست ملامحها الفزعة .
ابتسمت له و هي تتمتم بكلمات مطمئنة خافتة بينما عيناها تجريان مسحا سريعا على الملامح التي داعبت براءتها رقة جعلته أقرب لفتاة منه لفتى .
هو الآخر كان مستمرا بالتحديق في وجهها الشاحب بمزيج من الفضول و اللوم فكيف تجرأ على حرمانه من لعبة حشر الأشياء داخل بعضها .
" كان سيضيع " ، أضاءت الفكرة داخل عقلها فارتجفت ابتسامتها .
رفعت يدها اليمنى إلى موضع قلبها ، تحسست دقاته التي ضاع نسقها في موجة الرعب التي اجتاحتها .
التفتت و هي تسمع وقع خطى الدكتور الذي نسيت تماما وجوده ، أخذت الأداة المعدنية الدقيقة الأشبه بدبوس طرحة طويل من أصابع الطفل ثم رفعت عينيها إليه .
ملامحه الباردة استقبلتها ، جعلت صوتها يتقلد رجفة واضحة :
- أنا آسفة على دخولي بتلك الطريقة دكتور لكنه كان يحاول أن ...
- رأيت ما الذي كان يحاوله .

لطمتها فظاظته الجافة على غير توقع منها ، تجمد كل شيء فيها و على سطح عينيها تلاقت صدمتها بجموده .
أخفضت بصرها فورا تخفي شيئا كالألم بعيدا عن قتامة عينيه و قلبه .
وقفت ببطء ، مدت يدها إليه بالأداة المعدنية و تمتمت دون تعبير :
- تفضل ، أعتقد أنها تعود لحضرتك و آسفة مرة أخرى .

كانت على وشك الاستدارة بجسدها بعيدا عن مجاله ، تشعر بجميع تعاطفها السابق معه يتبخر في أدراج رياح جفاءه . أوقفها صوته ، عمليا ، هادئا :
- لحظة يا آنسة ، كنا نتكلم عن دواء السيدة والدتك .
أومأت برأسها بصمت فأضاف :
- هل تحفظين اسمه ؟

أومأت برأسها ثانية و مدت يدها إلى حقيبتها تبحث عن قلم لتكتبه له ، سلمته القصاصة الصغيرة و هي تتمتم بنبرات أرادتها مؤدبة فخرجت جافة :
- تفضل .
- انتظريني قليلا هنا ، تردد قليلا و هو ينقل نظراته بينها و بين الطفل فقالت و هي تنزل لمستوى الجسد الصغير
- سأظل بجانبه .

كانت ستضيف " لا تقلق " و لكنها تراجعت و ضمت شفتيها بقوة .
فليقلق ، فليمت قلقا ، فليجرب أن يكون آدميا بدلا من ارتداء تلك الهيئة الآلية التي لا تليق بمهنته .
*
*

على كرسيه الدوار ، وراء مكتبه جلس نديم متأملا الباب المغلق بينه و بين غرفة الانتظار ، يسيطر بصعوبة على الرعشة التي عادت تخونه .
جزء آخر من حياته كاد يشهد على انهياره ، ما الذي كان سيتبقى له ؟
بعينان لا تريان راقب أسماء الأدوية التي تراصت متتابعة على شاشته بينما ذهنه يستعيد بالتصوير البطيئ مشهدها تنقذ ابنه من مصيبة محتمة .
مع ذلك لم يستطع أن يشكرها ، لم يصل إلى تلك المرحلة بعد .
حيث يحس بعرفان الجميل ، حيث يشكر ، حيث يتفاعل .
تنهد مرتاحا و الرجفة تغادره أخيرا ، أجبر تركيزه أن ينصب على اختيار الدواء الأنسب من اللائحة أمامه ، تلك ستكون أفضل وسيلة لشكرها ، هل يجب على الشكر أن ينطق كلماتا ؟
بعد ثوان كان يحني رأسه ، يملأ وصفة جديدة من أجل والدتها حين تجمد القلم بين أصابعه و هو يسمع صوتها ، منبعثا من الهاتف الداخلي المستقر فوق سطح مكتبه .
لابد أن ابنه هو من عبث بزر الجهاز في الحجرة الأخرى .
- حبيبي كف عن الركض هنا و هناك و تعال اجلس في حضني قليلا ، سمع صوتها تقول .
نعم هكذا أحسنت يا قمر و الآن هل من الممكن أن نتعرف ؟
أخبرني ما اسمك ؟
- أوث ، أتاه صوت طفله .
- أوس ؟ ! حقا ، تهادت ضحكتها تأسر المزيد من اهتمامه .
فاجأني اسمك أوس ، بصراحة أبوك شكله يعطي على ملحد .
أرجوك لا تنظر إلي بصدمة هكذا ، نعم بصراحة هكذا ظننته ، انظر إلى عيادته ، تخلو من حتى صورة واحدة فيها ذكر لله .

دون وعي التفت نديم يتفحص الجدران حوله ، هو اهتم بالتفاصيل الطبية و ترك الديكور لسكرتيرته .
عادت عيناه من دورتهما لتتوقفا على شاشة المراقبة ، رآها تداعب خد ابنه بظاهر يدها بحنان وصله كاملا غير منقوص .
- سأخبرك سرا أوس ، عاد صوتها يسبح بنعومة حوله و حول أحاسيسه الحائرة .

ضحكة خافتة انطلقت منها قبل أن تواصل حديثها الهادئ :
- أبوك حضرة الدكتور أصبح شخصيتنا المفضلة أنا و البنات لهذا الأسبوع
لا أستطيع أن أصف لك ردة فعلهن بعد أن أخبرتهن بالقلم الذي أكله من يد سنية .
نادية ضحكت حتى الدموع و أنا شخصيا أعترف لك بالكاد أمسكت نفسي عندما أخبرتني .
لا تنظر إلي هكذا ، كنت سأعاقبها طبعا ، تصرفها بكل المقاييس لا يصح .
لكن قلبي لم يطوعني على معاقبتها .
فهذا ما تكفلت به الحياة ، ما الذي فعلته بها الدنيا سوى أن تعاقبها .

بتثاقل عاد نديم للكتابة ، ذيل الورقة بإمضائه و ختم عيادته ثم دفعها بعيدا عنه و اختار إغماض عينيه .
لا يدري إن كان هربا أم رغبة في مزيد من الغوص داخل طيات نبراتها التي تدفقت مع معانيها تصنع لحنا شجي له قلبه .
تكلمت و تكلمت و صوتها يستمر بالانسياب داخل سراديب روحه .
أنشودة آسرة تلقيها حورية بحر متمرسة في نثر تعاويذ لا تقهر على بحارة فقدوا الطريق إلى ديارهم .
يتغلغل داخله ، يتعلق بتلابيب فكره ، يأخذه من يده إلى أماكن ظن أنه تاه عنها ، أن وجدانه أقفر منها ، يسحبه نحو دوامة مشاعر آمن أنه شفي إلى الأبد منها .

******************



التعديل الأخير تم بواسطة ebti ; 11-10-19 الساعة 12:44 PM
نغم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس