عرض مشاركة واحدة
قديم 01-05-20, 03:07 AM   #1491

نغم

كاتبة في منتدى قصص من وحي الاعضاء

 
الصورة الرمزية نغم

? العضوٌ??? » 394926
?  التسِجيلٌ » Mar 2017
? مشَارَ?اتْي » 2,980
? الًجنِس »
? دولتي » دولتي Egypt
?  نُقآطِيْ » نغم has a reputation beyond reputeنغم has a reputation beyond reputeنغم has a reputation beyond reputeنغم has a reputation beyond reputeنغم has a reputation beyond reputeنغم has a reputation beyond reputeنغم has a reputation beyond reputeنغم has a reputation beyond reputeنغم has a reputation beyond reputeنغم has a reputation beyond reputeنغم has a reputation beyond repute
¬» مشروبك   water
افتراضي


الفصل السادس و الثلاثون



يجلسان إلى طاولة غرفة الطعام الأثرية ، يتناولان عشاءهما في صمت لوّنه الوجوم .
واصل آصف المضغ بشرود و رفع عينيه يطوف بهما في المكان حوله ثم توقفت نظراته على ملامح والدته الممتقعة ، كانت تسند خدها على كفها و تتنهد أكثر مما تأكل .
منذ غادرت نادية و هو لم يعد يجد أمه فيها و هي بدا بوضوح أنها كفت عن البحث عن ابنها فيه .
كلما تصادمت نظراته بنظراتها لم يعد يرى انعكاسه داخل حدقتيها الشاردتين القاتمتين، صار يرى صورة أخرى له ، صورة للراحل الذي رفض الرحيل .
الراحل الذي اتخذ من هيأته جسدا و سكنه و احتله لينعكس أمامها لوحة لا تتغير من القهر الأسود و العجز المر .
البيت حولهما صار واسعا و تكثر به الفراغات بشكل تنقبض له القلوب كأنما تزاحمهما فيه أرواح أخرى ، لا تريح و لا تستريح .
الزمن فيه اندثر كأن ابتلعهما ثقب أسود حزين و سقطت كل الحدود التي شيدوها بينهما و بين ذلك الزمان من لبنة صبر مع لبنة نسيان و بان من ورائها الماضي شائها ، يقضا واقفا لهما مستعدا قاهرا مغرورا .
عواصف من الجراح حولهما يكاد يسمعها تئن داخل أوردته .
وضع آصف طرف الملعقة على جانب طبقه فرن صوتها حادا ككلمة لوم لاسعة وسط سكونهما المسكون .
رفع عينيه متنهدا فالتقى حدقتي أمه الجامدتين ، راعه شحوبها الشديد و سحقت قلبه تلك النظرة في عينيها . نظرة لوم مقهور ، تصِم كالوشم لا تختفي و لا تزول .
عاد ليطرق برأسه فعلا صوتها كموجة صقيع :
- متى ستطلقها ؟

لم يرفع آصف رأسه ، سمعها لكنه تظاهر بأنه لم يسمعها ، أمامها و أمام قلبها تظاهر .
- عندما أسألك ترد علي يا ولد

رفع إليها عينيه الغائرتين و تمتم بخواء :
- إذن لا تسأليني أسئلة لا أملك لها إجابات
- تريدها أن تخلعك ؟

نظرتها كانت قاسية هائجة كإعصار بلا رحمة .
- لن تفعل أبدا ، تمتم و هو يرفع المنديل و يمسح شفتيه .
- تعتمد على أنها بنت أصول و لن تتقدم بأي شيء ضدك لتضعها أمام الأمر الواقع
- لا أعتمد على شيء حاجة ، تنهد بتعب ثقيل ، لكني واثق لو أن نادية تحبني ربع الحب الذي أحمله داخل قلبي لها لن تقدر على فراقي .

ازدادت القسوة سوادا في عمق حدقتيها و قالت ببرود :
- أحببت والدك أكثر من حبه لي لكني قدرت على فراقه .
- نادية مختلفة عنك حاجة و أنا لست الحاج ثروت .

القسوة في خطوط وجهها لم تلن لكن خدشها شيء من خذلان و قالت و هي تصيبه بسهم نظراتها قبل كلماتها :
- ربما أنت ابن رحمي لكنها هي ابنة ألمي ، صوتها نضح مرارة و هي تكمل ، هي شعرت بي كما لم تشعر بي يوما يا ... ابني لدرجة تجعلني أتساءل هل فيك شيء مني يا ابني ؟
أم بصمة غدره هي دائما الراجحة و الرابحة .

رغم مواصلته ارتدا ء وجهه الجامد لكن قلبه كان بركانا يتفجر بداخله ، بنبرات مسخت ملامة و عتابا تمتم دون رفع نظراته :
- لماذا هذا الكلام حاجة ؟
الحاج ثروت توفي إلى رحمة الله فلماذا الكلام بالسوء عنه الآن ؟
- مات لكن فعله أثره باق في قلبي ، باق في قلبك ، ارتجفت يدها بشدة فوقعت الملعقة من بين أصابعها ، و أنت ورثت منه كل شيء حتى انعدام الضمير .
- أشكرك حاجة ، تمتم و هو يغمض عينيه بقوة ،
أشكرك عني و نيابة عنه
- اشكر نفسك و اشكر بنت نازك نيابة عني ، بنت نازك التي ستتركها تخرب عليك بيتك و حياتك ، بنت نازك التي تسوي بينها و بين نادية بنت الأصول .

هزت رأسها كأنها تنفض عن قلبها كل آمالها فيه و قالت بانهزام مرير :
- كيف يطاوعك قلبك على أن تضعهما في نفس المنزلة
- متى حاجة متى وضعت نادية معها في نفس الكفة ؟
هل دخلت قلبي حاجة ؟

ردت بتهكم و هي تواصل حصاره بنظراتها :
- لا أحتاج لدخول قلبك فكلماتك تكفي ، ألم تقل لي أنني سحبت روحك منك مرتين ؟

مرارتها القاتمة غزلت شبيهة لها داخل جوفه فتنهد مغمغما :
- لم أكن أقصد غنوة حاجة
غنوة تركتها ترحل برغبتي ، ثبت عينين قاتمين على حدقتيها المليئتين شكا ، قصدتك أنت حاجة
حين قلت لي يوما بأنني لم أعد ابنك و كنت تقصدينها .

عاد الصمت يرفرف فوقهما كغراب كئيب .
- لماذا لم تصري على الطلاق من الحاج ؟ قال فجأة و عيناه ترتفعان تمسحان بإشفاق تجاعيد تعبها ، لماذا اخترت أن تظلي على ذمته ؟

واجهت حدقتيه بمقلتين منطفئتين فواصل بلطف حان :
- أنا ابنك أيضا حاجة ، أكثر مما تتصورين .
أنا مثلك لا أقدر على مقابلة الغدر بغدر .
- لا يا ابني أنت مثله ، مثله ، مثله ، تمتمت بصوت تهاوت نبراته و هي تقوم ببطء ، غدرك لا يصيب سوى بنات الأصول .

وقع خطواتها المبتعدة هطل على أراضي قلبه كمطر حزين .
ما إن اختفت من الباب حتى وضع وجهه بين كفيه و أخذ يتمتم مرارا :
- سامحك الله يا حاج
سامحك الله و غفر لك .

*******

بعد قليل ، كان بالخارج ، يدق بخطواته على الرصيف فيملأ بقاع الصمت الداكن لشارع حيهم الواسع الطويل ، يتنقل دون مبالاة من جوف العتمة إلى ارتجافات النور المنبعث من الأعمدة الكهربائية على جانبي الطريق.
صدره مفرود من الخارج بحكم العادة ، خاويا من الداخل بحكم المرارة .
من اتهم الليل بأنه صديق العشاق ؟
مع تراكم طبقات الظلام امتدت من مكان ما قبضة قاسية و أخذت بخناقه .
تلفت حوله بعين شاردة حوله يتنفس بعمق فازدادت شدة أصابع الوهم حول عنقه .
محبوس هو و ضائع بين زمنين ، بين قلبين ، بين امرأتين
تتصارعان داخل قلبه
تتقلبان فوق أسرة أضلعه
كليل و نهار
كثلج و نار
و هو بينهما كبحار تقطعت أشرعته
يرتدي حيرته و تمزقه عواصف عاطفته فأي مرفأ لقلبه و ضميره ؟
يشتاق نادية حد الموت ، حد العجز
يشتاق لطقوس الحب معها ، ليدها و هي تغفو داخل يده ، لأنفاسها ترقص بنعومة في حضن أنفاسه ، لجفنيها هلالان ينامان يتغطيان بقوسي حاجبيها .
و أنثاه الأولى أيضا يشتاقها أو ربما يشتاق شوقه لها ، يتلهف للهفته عليها ، لذلك الشعور بالانتفاض حيا بعد الاحتضار غرقا .
هكذا كان في عشقه لها فهل مازال ؟
الحق أنها لم تعد المعضلة
الآن بعد رحيل من ظنها أبدا لن ترحل اتضح له أن من لن ينجح أبدا في سبر أغوارها هي نادية
كانت واضحة إلى درجة الغموض
عشقها لم يكن ليلا مدمهلا مليئا بالأركان الغامضة
عشقها نهار دافئ يبدو واضحا ، بلا غيوم في آفاقه أو وعد بعاصفة
لكن كل نهار ينتهي إذا ما أنت أغمضت عينك عنه و إذا طالت الغفوة ستجد نفسك غارقا في ليلك من جديد .
فهل هذا ما يريده ؟
توقف عن السير و حرك قدمه يدفع حصوات صغيرة لتتدحرج و تأخذ مكانها على جانب الرصيف ثم أخرج سيجارة من العلبة في جيب بنطلونه و وضعها ببطء بين شفتيه .
اتكأ على سور البيت الأقرب إليه و بدأ ينفخ دخانه و يشاهد من خلال ضبابه المسود مشهد أمها بالأمس حين ذهب إلى بيت أهلها صباحا ليقابلها بعد ليلة كواه فيها الشوق .
" نادية ما زالت نائمة بني ، ترددت بعتب محرج ثم أضافت ، و الأفضل لها أن لا تكلمها هذه الفترة "
لم تكن أبدا بحاجة لمزيد من الشرح لأنه لم يلح فمشهد آخر وقف حجرا في حلقه .
رأى نفسه يقف عريض الصدر و الأكتاف عند بداية سلم منزلهم يواجه والده يمنعه بنظراته الحادة من الصعود للأعلى حيث تقبع أمه تعتزلهما هما و العالم .
" من فضلك حاج لا تصعد لها ، لو كانت تريد مقابلتك كانت نزلت إليك "
لم يرد عليه والده فقط اكتفى بوضع كفه الثقيلة على كتفه و إزاحته عن طريقه و لم يعترض هو وقتها بإمكانيات جسده ، ترك له المجال ليصعد درجتين ثم نطق كلماته التي أجاد اختيارها .
" من فضلك حاج اتركها بسلام ، اترك لي ما تبقى من أمي "
و تراجع والده بصمت مكسور و ملامح سكنها القنوت تماما كما فعل هو البارحة .
ربما هو ابن أبيه بعد كل شيء .
رمى السيجارة بعيدا ثم زفر بعمق يهب صدره الملوث بأدخنة الذكرى بعضا من أنسام الليل الندي .
أعاد علبة سجائره و مد يده داخل جيبه الآخر ليخرج هاتفه .
بأصابع قلص أوتارها التوتر كون رقمها ثم تنفس براحة و هو يسمع تردد الرنين فطوال الأيام السابقة لم يصادف هاتفها مفتوحا و لو مرة .
قطب جبينه حين مات الرنين دون أن ترد ، كرر الاتصال عدة مرات و تجاعيد عبوسه تزداد عمقا فوق صفحة جبينه .
تنهد و هو يهز رأسه عدة مرات ثم تحركت أصابعه العريضة تكتب لها رسالة سريعة .
( أريد سماع صوتك نادية حتى أقدر على النوم
قولي أي شيء
لوميني اشتميني لكن لا تحرميني من صوتك )
ترك بعض ثوان حارقة تمر ثم أعاد الاتصال منتظرا بأنفاس تلهب الجو حوله .
فتحت المكالمة فكأنما أشرقت الشمس فوق قلبه المظلم .
- نادية ؟ تمتم بلهفة لكن لم يصله سوى صمت عار حتي من أنفاسها .
نادية ، حبيبتي ، أريد أن أسمع صوتك .

سمع حسا صغيرا بدا كتنهد خافت قبل أن تصله كلماتها في شكل سؤال ضج بصخب رغم خفوت نبراتها :
- تقابلها آصف ؟

لفحته حرارة الوجع داخل صوتها فانصهر وعيه لحظات فرت خلالها فيها كل الكلمات و حين فتح شفتيه سمعها تتعجل بالقول المرتجف :
- كلا لا أريد أن أعرف .
دعه يكن سؤالا بلا جواب .

ثم كما فتحت أقفلت فغرب الدفء عنه .

***********


نغم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس