عرض مشاركة واحدة
قديم 13-09-20, 12:24 AM   #29

heba nada

? العضوٌ?ھہ » 460821
?  التسِجيلٌ » Jan 2020
? مشَارَ?اتْي » 70
?  نُقآطِيْ » heba nada is on a distinguished road
افتراضي




الفصل الثاني عشر

استشارة طبية
د. رحاب أبو المعاطي

***
أنتِ ظل متواري خلف الجميع
أنتِ هامش خارج دائرة الملاحظة
أنتِ في خانة المفعول به ولا يليق بكِ دور الفاعل

***

بين صحو و إفاقة تأتيها الأصوات المتداخلة وكأنها غاصت في بئر سحيق تفرق جفنيها بوهن فترى الوجوه المحيطة مشوشة؛ وجه أمها، وجه صديقتها البشوش وصوتها الحنون يحمد الله على سلامتها، ووجهه الجامد ونظرته التي حملت انفعالًا غامضًا لم تختبره قبلًا رغم طول عشرتها معه، ثم تعود فتغلق جفنيها مستسلمة للمخدر الذي يسري بعروقها، تبدو نائمة لكنها تشعر بهم، تسمعهم دون قدرة على التفاعل معهم فقط وعي مشوش، ومع انسحاب أثر المخدر بدأ الاحساس بآلام جسدها المبرحة، فرقت جفنيها مرة أخرى وتلك المرة طلبت الماء فعطشها بلغ منتهاه، امتدت كف ريم إليها بمشروب دافئ، ساعدتها على رفع رأسها قليلًا ودست الماصة بين شفتيها رشفة فأخرى وسحبته منها بأمر الطبيب دون أن ترتوي، دارت بنظرها بين الوجوه وتلك المرة ببداية استعادة وعي؛ أمها واجمة، أبيها غائب وعلى كل حال لم تتوقع حضوره، وريم نظرتها حنون وإن كان يعتريها بعض من قلق غير مفسر وصولًا إليه وذات النظرة الجامدة التي ارسلت قشعريرة باردة إلى سائر جسدها والكلمات التي خرجت من بين شفتيه حادة كنصل سكين بارد:
ـ إنتِ طالق
هل لازالت تحت تأثير المخدر وتعاني من هلاوس أم أن عقلها الباطن يصرخ بأمنية لم تقوَ على التصريح بها:
ـ إنتِ طالق
نطقها صريحة، سريعة كطلقة رصاص تنطلق في الفراغ، نطقها والتفت منصرفًا بذات الجمود حتى اختفى عن ناظريها، شهقة أمها وأنينها بالبكاء وكف ريم التي احتضنت كفها بدعم حنون أخبرتاها أنها في عالم الواقع، تلقت رصاصته بصدرها تخترق قلبها باحتراق ليس لفراقه لكن لما قد يدفعه لذلك الفعل في مثل هكذا توقيت، سيطرت أسوأ كوابيسها على عقلها فظهر الرعب بنظرتها المتسائلة لريم وهمستها المرتجفة خوفًا من الإجابة:
ـ ابني
ربتت ريم على كفها واحتوته بكفها الآخر في دعم وابتسامتها المطمئنة تجيبها:
ـ بخير اطمني
نظرتها وإن كانت داعمة مطمئنة إلا أنها تخفي مجهولًا تخشاه، لسانها ترجم خوفها:
ـ هو فين؟
وتلك المرة بدا ارتباك ريم واضحًا وإن حاولت مواراته خلف نبرتها الهادئة:
ـ في الحضّانة؛ هيطمنوا عليه و يخرج
لم يهديها الجواب طمأنينة بقدر ما منحها من قلق، التفتت نحو أمها التي كفكفت دموعها واقتربت من الفراش تربت على كفها الآخر بحنو، هيئتها زادت من اضطرابها فصرحت بتقرير:
ـ عايزة أشوفه
والإجابة أيضا من ريم التي أجبرت نظرها على العودة إليها مرة أخرى:
ـ أول ما تقدري تتحركي هتشوفيه
والنظرة حنون مطمئنة لم تجد سبيلًا سوى التمسك بها وإن نخر سوس القلق عظام صدرها.
***
إنتِ طالق
نطقها وتولى عنها؛ مر حيث قسم حسابات المشفى ودفع كامل مستحقات الإقامة مقدمًا وذلك آخر عهده بها، بهما، قاد سيارته بأقصى سرعة يفر من واقع لا يقوىَ على مواجهته ممزِقًا تلك الصفحة من قاموس حياته، وصل أعلى نقطة بهضبة المقطم وترجل يشاهد القاهرة من علوٍ وكلمات الطبيب تضرب رأسه مجددًا تزلزل ثباته وكل ما رسمه لصغير كان ينتظره ليشّدُد به أزره،
صغيرك ضعيف
أنت ضعيف
قلبه يئن
واتهام بتقصير
دفاع عن النفس فما باليد حيلة
لن يحمل ابنك رايتك يوما
ثورة غير مُبررة
والجواب قدر
و شمس الشفق التي تحولت للحمرة أوشكت على الاختفاء وكأنها تؤكد على ضعفه أمام القدر
أنتَ ضعيف مهما ادعيت القوة
مرغم مهما امتلكت من خيارات
مسير ولا سبيل لديك سوى الخضوع للقدر
صرخة عجز خرجت منه وهو يخر على ركبتيه يتطلع إلى السماء وكأنه يتوسلها البوح؛ لمَ!
ألقى بجسده على الأرض الصلبة وتعلقت عيناه بالغيوم، والسؤال الذي لا يعلم جوابه يذيقه مرارة القهر لأول مرة، دمعة وحيدة فرت من عينيه وانتهت عند فوديه قبل أن يقتل أخريات بعزم على عدم الخضوع، نهض ينفض تراب الأرض عن ملابسه واتخذ مقعد القيادة وثبات عينيه تمحو ذلك اليوم من تاريخه، هو لن يخضع
لن يضعف
لن ينحني مهما كان الثمن.
***
فور أن سمح لها الطبيب بالحركة، اتكأت على كف ريم وبخطوات متمهلة تقاوم الألم توجهت إليه؛ وخارج غرفة الرعاية المركزة للمواليد استندت بكفها للزجاج تبحث عن صغيرها بين صغار اجتمعوا في الألم، هل تستطيع اكتشافه بقلبها فقط؛ كيف وكل صغير منهم يختطف نبضة رغما عنها؛ لاحظتها الممرضة من الداخل فرفعت صوتها تسألها عن اسمها؛ أجابتها لتشير إلى أحد الصغار داخل كبسولته الشفافة؛ تعلقت عيناها بجسده النحيل الذي يغوص في حفاض يكبره وتلك اللاصقة اللعينة تغلق عينيه فتحجبهما عنها، وجهه الصغير أسفل نصف كرة من البلاستيك الشفاف لا تعلم ماهيتها، وإبرة التغذية غرست بجانب عنقه، ترقرقت غلالة الدموع بعينيها وهي ترى صغيرها بهكذا وضع، انتبهت على الطبيبة القادمة تهم بالدخول إلى غرفة العناية، نادتها فالتفتت الأخرى و بخطوات متمهلة اقتربت هند من الطبيبة تتعلق بساعدها وتعود عيناها لتتعلق بصغيرها و تشير إليه:
ـ هو عامل إيه؟
ربتت الطبيبة على كفها وتبادلت نظرة مع ريم فهمت مغزاها قبل أن تجيب بنصف حقيقة:
ـ حالتة مستقرة؛ اطمني
اشارت هند إلى نصف الكرة المحيط لرأس الصغير تكمل استفسارها:
ـ ليه؟
ابتسمت الطبيبة بود تشرح وضع طبي ببساطة:
ـ هو مولود بعدم انتظام في التنفس وده جهاز بيحافظ على نسبة الأكسجين حواليه
عادت عينا هند تتعلق بصغيرها فاتبعت الطبيبة شرحها تمنح بعض الطمأنينة لأم متلهفة:
ـ إحنا عملنا كل الفحوصات اللازمة، نطمن على انتظام النفس و يبقى في حضنك
عادت هند تتعلق بكلمات الطبيبة المطمئنة والأخرى ابتسمت بود:
ـ ما قلتيش هتسميه إيه
ابتسمت هند للصغير الذي تمنته منذ زمن ليضيء ظلام أيامها وهمست:
ـ ضياء
ودعتها الطبيبة ببسمة أخرى وهي تفتح باب الغرفة وقبل أن تغلقه:
ـ هنحتاج منك شوية لبن في بيبرونة يا أم ضياء لحد ما ضياء يرجع لحضنك؛ ممكن؟
أومأت هند إيجابًا وعادت تتعلق بالصغير الغافي دون دراية بما حوله، هو ضياؤها في طريقها الموحش الذي طالما انتظرته.
***
بين الواقع وعالم الأحلام خيط فاصل يقف عليه بثبات فهو بات قاب قوسين من تحقيق حلمه، دلف مكتبها بعد استئذان، قابلته ببسمة مرحبة ثم نهضت تدور حول مكتبها تصافحه، رفع كفها يقبل ظاهره وهي سحبته تفر من أسر عينيه بخجل عمدت إلى مواراته وهي تلتقط الملف الخاص به عن مكتبها:
ـ الجزء ده محتاج تعديلات يا دكتور أنا حددتهم لك
اقترب يلتقط الملف من بين يديها ويلقي به على المكتب مرة أخرى ثم يلتقط كفيها وينحني يقلص فارق الطول بينهما:
ـ طب ما تذاكري لي
نظرته العابثة بلطف دغدغت حواسها فابتسمت ترفع حاجبيها بمشاكسة تكتشفها بنفسها لأول مرة وهو يكمل عبثه:
ـ أنا طالب مجتهد مش هتعبك
رفعت سبابتها تربت على ذقنها مدعية التفكير ثم رفعت كتفيها بملل متسلي:
ـ أجرب
ضحك ماهر باستمتاع لمرحها الذي يختبره للمرة الأولى خلاف وجهها الجاد سابقًا، سحب كفها يجلسها على المقعد أمام المكتب ويجلس في مواجهتها ونبرته تعود لجديتها:
ـ نتكلم جد بقى
انتبهت ريم له تومئ برأسها إيجابًا:
ـ نتكلم جد
ـ مالِك
رفعت ريم نظرها إليه وزفرت متخلصة من أنفاسها المحتبسة، بالأيام الماضية كان هو المنفذ الوحيد لغضبها مما تمر به صديقتها ومن الوغد زوجها ومن خنوع صديقتها الدائم، خرجت كلماتها مهمومة:
ـ هند هتخرج النهاردة من المستشفى
علم منها الكثير عن صديقتها ولا ينكر تعاطفه معها:
ـ هي عرفت؟
هزت رأسها نفيًا، لقد حرصت على تأجيل الحقيقة حتى تتعافى صديقتها قليلًا لكن الآن لا مفر منها كل ما تستطيعه أن تكون جوارها لدعمها، تذكرت ذلك الوغد الذي كان من المفترض أن يكون هو الداعم، غضبها منه بلغ منتهاه ولم تستطع مداراة كرهها له:
ـ جوزها ده.....
كتمت سبتها رغمًا عنها وهو لاحظ غضبها، يعلم بانفصال صديقتها عن زوجها وإن كان يستطيع استنتاج السبب لكنه يلوم على الآخر توقيته:
ـ مش الطفل اللي خلاه يطلقها
نظرة مندهشة نالها من ريم قبل أن يكمل:
ـ من كلامك عنهم هم مفيش حاجة بينهم تخليهم يكملوا مع بعض، تقدري تقولي الطفل كان القشة
أومأت برأسها إيجابًا وكلماتها تؤمن على كلماته:
ـ في دي معاك حق
عادت كلماته مرة أخرى تحتوي غضبها كالأيام السابقة:
ـ تحبي آجي معاكِ
نفت بهزة رأس:
ـ خليني أكون معاها لوحدي
ابتسم بدعم وهو يلتقط الملف الخاص به مرة أخرى وينهض:
ـ طيب ألحق أعمل التعديلات بتاعتي
انحنى يستند إلى مسند مقعدها و نظرته العابثة تشاكسها:
ـ أصل المشرفة بتاعتي شديدة قوي و أنا عايز اخلص الدكتوراه بسرعه
ضحكت باستمتاع وهو يتجه حيث الباب وقبل أن ينصرف منحها قبلة لسبابته ووسطاه:
ـ هكلمك لما تروحي
وتركها غارقة فيه دون رغبة في النجاة
***
هي ربان سفينة حياتها تقودها بثبات وإن تخبطت بين الأمواج، بالأمس وصلت شحنة الأجهزة المُنتظرة بالكامل إلى مخازن الشركة ورغم جهلها بتصنيفات تلك الأجهزة عمدت إلى استلامها ومطابقتها بفاتورة الشراء بنفسها، الأمر الذي أرهقها واستهلك كثير من طاقتها لكن ما باليد حيلة بعدما فقدت الثقة بكل من حولها.
طرقات على باب مكتبها دلف بعدها محمود يحمل ملف الصفقة بالكامل، لم يجلس وأخبرها على عجالة أن سيارة النقل تقوم بتحميل الأجهزة الآن من مخازنهم:
ـ أنا رايح أورد دلوقت لو اتأخرت هروح وأجيب الشيكات بكرة وأنا جاي
عقدت حاجبيها بتوجس ولم تخفي أفكارها:
ـ ما بلغتنيش ليه بمعاد التوريد
اندهش محمود لنبرتها الجديدة معه منذ أيام وهو يلحظ تغير بمعاملتها وإن لم تصرح بشيء:
ـ أنا قلت لك إني هحدد أقرب معاد ويادوب خدت المعاد أمبارح بعد وصول الشحنة
أمعنت النظر فيه هي لم تقتنع بالجواب ولا تستطيع الإمساك بدليل آخر على خيانته، ترى ألهذه الدرجة يجيد الخداع، التقطت حقيبتها وسلسلة مفاتيحها نهضت تعرب عن قرارها دون ترك فرصة للمعارضة:
ـ أنا جاية معاك
تحركت تسبقه على باب المكتب بينما هو ثابت مكانه يطالعها بدهشة لم يستطع إخفاءها هذه المرة:
ـ غريبة؛ من إمتى بتطلعي شغل برة الشركة
التفتت تحدجه بنظرة متلاعبة جديدة عليها تمامًا، التوى ثغرها ببسمة ساخرة ظهر أثرها بكلماتها وإن حملت معنىً آخر:
ـ تلميذتك؛ مش قلت إني لازم أعرف كل حاجة
وتلك المرة ارتفع حاجباه إعجابًا بحماسها فتلميذته النجيبة يبدو أنها في طريقها للتفوق على أستاذها، أشار بكفه على طول ذراعه حتى تتقدمه واعتلت ثغره بسمة سعيدة، ترجل كلاهما فركب محمود جوار سائق النقل يوجهه حيث المصنع وهي تبعته بسيارتها الصغيرة.
بعد إجراءات التسليم وقّعت على استلام مستحقاتها كاملة؛ شيك واجب الدفع فورًا كدفعه تسليم الشحنة ومجموعة أخرى كدفعات مؤجلة لباقي المبلغ، أوصلها محمود حيث سيارتها وهو يبارك لها اكتمال الصفقة:
ـ مبروك؛ لو تحبي تجيبي الشيكات أوديهم البنك قبل ما أروح الشركة الصبح
كانت قد اتخذت مقعد السائق، أخفضت زجاج سيارتها تحدثه بتوجس لم تعد قادرة على مداراته:
ـ شكرًا، أنا هعدي ع البنك قبل ما آجي الشركة بكرة
وانطلقت بسيارتها وتركته حائرًا يبحث عن سبب لهذا التغير دون أن يجد.
***
تركته خلفها وقد عزمت على إنهاء عمله بالشركة في أقرب وقت فلم تعد تحتمل الشك، ملت دور القط المراقب لحية قد تلدغه في أية لحظة فتقضي عليه، مرت بمنزلها فتركت الأوراق الهامة واصطحبت طفليها، في طريقها ابتاعت وجبة شهية وبعض الفاكهة وتوجهت حيث وجهتها، صعدت مع طفليها درجات البيت العتيق وضربت جرس الباب بانتظار فتحه، وما إن ظهرت السيدة خلف الباب حتى اندفع نور يحتضن خصرها بقوة فتراجعت خطوة للخلف تستعيد توازنها المختل بفعل اندفاع الصغير وهي تضمه بذراعها:
ـ دودو وحشتيني
اندفعت نسمة تجذب نور وتنهره على اندفاعه:
ـ مش قلنا بشويش يا نور
انحنت السيدة درية تقبل الصغير وتجذب نادين فتحتويها بذراعها الآخر وهي تحادث نسمة:
ـ سيبيه براحته
ابتسمت نسمة بحبور وهي تشاهد حماتها تغمر طفليها بقبلاتها وانطلقت كلماتها مداعبة:
ـ واضح إني مليش نصيب
تداركت درية الأمر وهي تفلت نادين وتجذب نسمة لأحضانها بحب ظاهر:
ـ إنتِ الخير والبركة
دعتهم جميعًا للدخول، وضعت نسمة أكياس الطعام على المائدة وشرعت بإخراج الأطعمة وهي تقول:
ـ إحنا ما كلناش قلنا نيجي نتغدى معاكِ
التف الجميع حول المائدة وهمست درية بصوت غير مسموع عندما رأت ما أحضرته نسمة:
ـ كفتة وشيش طاووك
ترقرقت الدموع بعينيها تتذكر آخر لقاء بولدها الراحل، تملي عينيها برؤية طفليه وهذا الصغير الذي يحمل نسخته الكاملة، امتدت كفها للطعام تلتقط بعضه وتطعم الصغير بينما نسمة تعلق:
ـ كلي إنتِ يا ماما هو بياكل لوحده
منحتها نظرة حنون وعادت للصغير الذي التصق بها ينهل من حنانها:
ـ أنا بحب أأكله
عقب الطعام اجتمعوا حول كوبين من الشاي المطعم بحبات القرنفل لنسمة وحماتها وحبات اليوسفي و الجوافة للصغيرين اللذين منحا المنزل حياة بصخبهما، التفتت درية إلى نسمة تسألها عن أحوالها:
ـ عاملة إيه يا بنتي
همست نسمة بالحمد وهي ترتشف من كوب الشاي بتلذذ:
ـ كنت محتاجة كوباية زي دي من الصبح
ربتت درية على كتفها وهي ترى الارهاق البادي عليها:
ـ عاملة إيه في الشغل؟
بادلتها نسمة بسمة ممتنة لاهتمامها:
ـ ماشي كويس الحمد لله
ثم أتبعت باعتذار واجب:
ـ أنا آسفة إني مكنتش باجي قبل كده، بس مكنتش بخرج غير للشغل
أشفقت عليها من ذكر السبب الذي منعها لكنها أتبعت:
ـ بس بعد كدة إن شاء الله هنكرر اليوم ده باستمرار
قطع حديثهم باب البيت الذي فُتح حيث دلف مدحت المتفاجئ بوجودهم، انحنى على أمه مقبلًا ثم التفت إلى نور و نادين يقبلهما بود بينما الطفلان بادلاه تحية باردة لم تقل برودة عن تلك التي تبادلها مع نسمة التي شعرت بانسحاب الهواء فجأة من البيت بحضوره، تلهي نفسها بمتابعة طفليها متجاهلة حديثه الدائر مع أمه ونظراته التي تشعر بها تخترقها دون سبب، منذ عرفت نادر وهي لا تشعر بالراحة في وجود شقيقه لكنه كان حاجزًا منيعًا بينهما زاد عدم ارتياحها ذلك بعد ما علمت عنه من افتعال للمشكلات مع نادر وحتى مع أمه الطيبة، تطلعت إلى ساعة يدها وتذرعت بالوقت حتى تنهي هذا اللقاء الثقيل، نهضت تستأذن بالانصراف بينما ابتسامته السمجة تلاحقها:
ـ هو إذا حضرت الشياطين ولا إيه؟
توجهت نسمة تصافح السيدة درية وهي تجيب بخفوت:
ـ أبدا بس الولاد بتنام بدري
نهض مدحت مستعدًا للانصراف وهو يقرر:
ـ خلاص هوصلكم
التقطت نسمة كف نور وبذراعها الأخرى احتوت كتفي نادين وهي تؤكد:
ـ شكرا معايا العربية
وانصرفت مع طفليها هروبًا قبل أن يزيد كلمة.
***
بعد يومين قضتهما تتطلع إلى صغيرها عبر الزجاج الشفاف كانت على موعد مع لحظة طالما تمنتها، منتظرة خارج باب الرعاية، منحت الممرضة ملابسه ووقفت تراقبها من خلال الزجاج وهي تلبسها له قطعة قطعة، ثم حملته وبيدها الأخرى بعض أوراق طلبت منها توقيعها باستلام صغيرها، وقعت على عجالة فلو طُلب منها في هاته اللحظة عمرها ستدفعه طائعة نظير احتواء طفلها بين ذراعيها، قشعريرة سرت بجسدها وهي ترفع الغطاء عن وجهه المنمنم تتشبع بملامحه لأول مرة، تحسست بشرته الرقيقة بأناملها وملأت صدرها برائحته المميزة، شحوب وجهه آلم قلبها فارتجفت تضمه لصدرها، اقتربت ريم منها تربت على ظهرها وتعرض المساعدة:
ـ لو مش قادرة تشيليه هاتي أشيله
هزة رأس نافية هي ما صدرت عنها وعيناها لاتزال متعلقة بوجه طفلها، حتى أمها اقتربت تتحسسه وتقبل رأسه بحنو:
ـ أنت تعبانة هاتي أشيله لحد العربية
تلك المرة نفيها كان حاسمًا:
ـ ما حدش هيشيله غيري
انصاعا أمام إصرارها، سارو جميعًا على مهل حتى سيارة ريم التي اتخذت طريقها حيث منزل عائلة هند التي لم تتحدث منذ لقاءها مع الطبيبة قبل استلامها لطفلها، عيناها لم تغفل عن وجهه تعيد استرجاع حديث الطبيبة المقلق المطمئن في آن واحد؛ فالصغير من أصحاب متلازمة "داون" هكذا بدأت الطبيبة مشجعة هند على اتخاذ الطريق الصحيح نحو تربية ملاك مثله، ارتباك اعتراها لا تنكر لكنه طفلها وستفعل أي شيء في صالحه، ثم الخبر الثاني فالملاك قلبه يئن حيث حجراته الأربع دون حاجز؛ هل يجوز لها أن تمنحه قلبها يحيا به، و وصفة طبية بلبن صناعي للرضع فجسد الصغير الضعيف بحاجة للغذاء السهل دون جهد الرضاعة الطبيعية، وفي النهاية توصية بالمتابعة مع طبيب متخصص بقلب الأطفال حتى تحديد موعد للجراحة، تحسست وجنته الرقيقة بظاهر أصابعها فالتوى ثغره بشبه ابتسامة سقطت بقلبها لتختطفه كاملًا من ألمه، وصلن لوجهتهن فصفت ريم سيارتها أسفل المنزل، حملت الرضيع حتى تتمكن هند من الترجل فلاتزال غير قادرة على الحركة الكاملة، ترجلت هند ثم عادت تحتوي ضياءها مرة أخرى، صعدن الدرج حيث فتحت أمها باب البيت ودلفت وعند الباب أتاها صوت والدها من الداخل:
ـ على فين؟
اقتربت أمها منه بارتباك واضح تحاول جذبه للداخل حتى تتمكن هند من الدخول لكنه نفض يدها عنه مكملا كلامه للواقفة بوجوم على باب البيت:
ـ اللي على ايدك ده ليه أب يصرف عليه
همت أمها بالحديث مرة أخرى:
ـ سيبها تدخل يومين لحد ما نصالحها على جوزها
تجاهل حديث زوجته مكملًا توجيه رصاصاته القاتلة للصامتة عند الباب:
ـ روحي وديه لأبوه لو عايزة تدخلي البيت ده
جذبت أمها ذراعه مرة أخرى تثنيه عما يفعل:
ـ إزاي بس ده لسة مولود
وجه شرارات غضبه تجاه زوجته تلك المرة يعلنها بوضوح:
ـ لو مش عاجبك اتفضلي حصليها
حقد، لو بحثت داخلها عن شعورها نحو والدها فمسمى الكره يتضاءل هنا، غضبها نحوه تجاوز كل حد ممكن فهو سبب كل شرور حياتها، ليته لم يكن بل ليتها لم تولد لهكذا أب هو سبب المأساة التي تحياها منذ تفتحت عيناها بهذه الدنيا، التفتت منصرفة تترجل مرة أخرى حتى الطريق وقد شل تفكيرها تماما،
هي بلا مأوى
بلا عمل
بلا أهل
بلا زوج
فقط هي و صغير بقلب ضعيف
في مواجهة المجهول














الفصل الثالث عشر


لم يُشتق لفظ صديق من الصدق اعتباطًا وإنما لأنه من يصدقك الحب، الحديث وقبل كل ذلك .العون دون مصلحة يربو إليها
***
وقفت بنهر الطريق تضم طفلها إلى صدرها بكلتا يديها وزوايا العالم تضيق حولها وكأنه تحول إلى ،حائط سد لا يحوي ثقبًا كإبرة يسعها وصغيرها انتبهت على كف ريم تحط على ظهرها تحثها على السير معها حتى السيارة؛ رفعت نظراتها الزائغة :إليها وهي تسأل بتيه
ـ هروح فين؟
فتحت ريم باب السيارة وهي تربت على ظهرها بحنان وابتسامتها البشوش تمنحها الأمل وسط :اليأس
ـ عندي؛ يالا كلهم مستنيينك إنتِ وضياء
أغلقت باب السيارة مع نهاية كلمتها والتفت تتخذ مقعد السائق، ريم التي هاتفت والدها بغفلة من هند تخبره سريعًا بما حدث وهي أكيدة من أنه لن يمانع استضافتها بالبيت، دقائق وكانت تفتح باب البيت تضع حقيبة الطفل جانبًا وخلفها هند منكسة الرأس خجلًا مما هي فيه، رفعت رأسها على :صوت السيد رفعت يرحب بها
ـ نورتي بيتك يا هند
:ابتسمت بخجل والكلمات تخرج منها على استحياء
ـ منور بأصحابه
تقدم السيد رفعت منها يربت على كتفها ويحثها :على التقدم
ـ أنت اصحابه يا بنتي وإحنا ضيوفك
التقطت السيدة رقية الحديث من زوجها وهي :تحتوي كتفي هند وتقودها حيث غرفة ريم
ـ حمد لله على سلامتك إنتِ وضياء
على ذكر ضياء عادت عينا هند تتعلق بوجهه البريء الغافل عن شرور العالم، أجلستها على الفراش المقابل لفراش ريم وهي تكمل حديثها :الودود
ـ خدي راحتك يا بنتي على ما أجيبلك الأكل
وتركتها مع ريم التي ابتسمت بترحاب وهي تجمع كتبها وحاسبها المحمول وتنقلهم إلى خارج الغرفة :وتوضح
ـ علشان معملش قلق للأستاذ ضياء وأنا بشتغل
:أخفضت هند نظراتها خجلًا وهي توضح بأسى
ـ هلخبط لك نظامك
:اندفعت ريم إلى صديقتها تحتويها بقوة وهي تؤكد
ـ أنت عبيطة صح، هو أنا أطول تقعدي معايا ونرجّع رغي زمان اللي ما بيخلصش
ابتسمت هند بخجل وريم تبتعد عنها قليلًا تكمل :حديثها بصدق
ـ وبعدين يا بنتي إنتِ عارفة إنك عندي زي رنا
ورنا هي شقيقة ريم الصغرى التي هاجرت مع زوجها لأحد البلاد الأوروبية منذ أكثر من خمس سنوات ومن وقتها أصبح اللقاء الوحيد بينها .وبين عائلتها يتم عبر مكالمات الفيديو
قطع حديثهما دخول السيدة رقية تحمل صينية :الطعام التي وضعتها جانبًا وهي توضح
ـ عملتلك فرخة مسلوقة وشوربة خضار تخلصيها كلها
ضحكت ريم فوالدتها وجدت غيرها تغمره بأمومتها المُفرطة، ارتفع صوت ضياء بالبكاء فاندفعت السيدة رقية تحمله وهي تذكر اسم الله، هدهدت الصغير فهدأ بحضنها، همت هند بأخذه فاعترضت :الأخرى وهي تنظر إلى وجه ضياء
ـ سيبيه معايا لحد ما تاكلي ولا خايفة عليه
:اخفضت هند كفيها سريعًا وهي تؤكد
ـ أكيد لأ يا طنط بس مش عايزة أتعب حضرتك
عادت نظرات رقية تتعلق بوجه الصغير الذي أسر :لبها من أول وهلة
ـ وهو القمر ده يتعب حد عقبال ما أشوف ولاد ريم يارب
،ابتسمت ريم بمرح وهي تدفع هند ناحية الطعام والدتها وجدت أخيرًا من يعوضها عن أحفادها من رنا التي لم تحضر أي من ولاداتهم ولم ترهم إلا من خلال الصور، تعلقت عينا هند بطفلها الذي اطمأن بين أحضان والدة ريم وكأنه يدرك بفطرته النقية أي قلب يمنحه الأمان وهي ابتلعت غصتها مع طعامها فمن بين العالم أجمع وجدت حنان الأم ،بغير أمها والأب الذي طالما تمنت مثله لا يخصها رجعت عيناها التي تترقرق بهما الدموع نحو ريم؛ هكذا قلب نتاج لتلك الأسرة الحنون تسأل الله أن .يمنحها ما تستحقه من سعادة
***

وسط تخبط يعانيه وقناع قوة يتشبث به قادته قدماه إليها، يتوق إلى جاذبيتها التي لا يعلم سرها، تلك الهالة المحيطة بها وتمنحه شعورًا لم يختبره قبلًا، يشتاق لذلك الآخر الذي يكونه في حضرتها، هي امرأة المتناقضات وهو؛ من هو! ألا يزال ذلك الطفل الباحث عن الحنان، أم المراهق مفتقد القدوة أم ذلك الأربعيني الذي أضحاه ولم يعلم طريقه بعد، أبلغ سكرتيرتها برغبته في مقابلتها وهي أبلغتها بدورها فمنحتها الإذن :بدخوله، رحبت به نسمة بود حقيقي
ـ منور يا باشمهندس حسام
:بادلها تحيتها بحبور
ـ أنا قلت آجي أطمن، أخبار الشغل معاكِ إيه
رفعت سماعة الهاتف الداخلي تطلب قدحين من :القهوة وعادت إليه ببسمة ممتنة
ـ الحمد لله موقف الشركة دلوقت مطمئن وده بفضل مساعدتك
استند بظهره إلى مقعده وهو يشبع عينيه :بتفاصيلها
ـ أنا معملتش حاجة
دلف العامل فوضع قدحين القهوة أحدهما أمامه والآخر أمامها، التقط فنجانه يرتشف على مهل :وعيناه لم تحيدا عنها وهو يكمل
ـ إن شاء الله قريب هيكون في مشاريع مشتركة بينا
رغم جهلها بماهية المشروع الذي قد يجمع شركتها ذات الطابع الهندسي بخاصته المتخصصة :بالأثاث إلا أنها أكدت كلماته بلباقة
ـ ده يشرفني طبعًا يا باشمهندس
قطع حديثهما صوت هاتفها الداخلي حيث أتاها صوت أروى تخبرها أن الأستاذ مدحت ينتظر إذنها بالدخول، انقبض قلبها عند ذكر الاسم :وانعكس على تجهم وجهها وهي تجيب
ـ خليه ينتظر لحد المقابلة اللي عندي ما تخلص
لاحظ الآخر تغير ملامحها، وتبدل ذلك البريق :بعينيها ليحل محله القلق فسأل باهتمام لا يدعيه
ـ في مشكلة ولا إيه؟
نفت بهزة رأس ولملمت شتاتها سريعًا وهي :تجيب
ـ لا أبدًا؛ بس في معاد كنت نسياه
فهم مغزى كلماتها ونهض يستأذن بالانصراف :وهو يؤكد
ـ مش محتاج أقول لك إن أي مشكلة تواجهك أنا مستعد أحلها
:ودعته ببسمة تعترف بفضله وتؤكد كلماته
ـ متأكدة يا باشمهندس
في طريقه قابل مدحت المنتظر بمكتب السكرتيرة تبادل معه نظرة لا مبالية من حسام بأخرى غاضبة من مدحت الذي اندفع إلى مكتب نسمة دون انتظار إذن، أجفلت نسمة لدخوله وإن كانت لا تتوقع أي لياقة منه كعادته والآخر اتخذ المقعد أمامها وبسمته الثعلبية تخنق أنفاسها، تنحنح يبدأ :حديثه بود مصطنع
ـ أنا جايلك النهاردة في موضوع مهم
قبضة اعتصرت قلبها فمهما كان ما سيتفوه به فلا تظنه خيرًا على الاطلاق لكنها تمسكت بثباتها :أمامه
ـ ياريت بسرعة علشان عندي شغل
انفلتت نظرته إلى باب المكتب حيث خرج حسام :وسخريته انطلقت رغمًا عنه
ـ ما هو الشغل واضح
!ـ نعم
خرجت منها حادة معترضة على تلميح لم تتقبله :وهو تراجع سريعًا يعود لما أتى من أجله
ـ خلينا في موضوعنا
ـ ياريت
:ردت بملل بينما هو يبدأ مقدمته المدعية
ـ دلوقت متآخذينيش إنتِ أرملة ولسة صغيرة وولادك صغيرين
حدجته نسمة بنظرة مغتاظة في انتظار باقي حديثه :الذي لن يروقها بالتأكيد وهو لم يتأخر
ـ ده يخليكي مطمع لكلاب كتير
:اعتدل في جلسته ونبرته تلين بمداهنة واضحة
ـ إنتِ محتاجة حماية علشان تقدري تواجهي المجتمع
التوى ثغرها ببسمة ساخرة، ذلك المدعي لا يعلم أن جميع كلماته لا تزن جناح بعوضة بالنسبة لها :ورغمًا عنها خرجت نبرتها بسخرية لاذعة
ـ وهتقدر تحميني إزاي بقى؟
أخفض رأسه وعيناه مرتكزة عليها وهو يوضح :برفق
ـ بعقد جواز بينا
اعتدلت في جلستها وانعقد حاجباها بغضب لم يقل :عن غضب زعقتها
!ـ أفندم
ـ جواز صوري
:أتبع بتوضيح يلف خيوط عنكبوته حولها
ـ ورقة حماية تبقى معاكِ
نهضت عن كرسيها بعنف وسبابتها تشير إلى باب :المكتب
ـ اطلع برة
عادت سبابتها تشير إليه وهي تحاول السيطرة :على تسارع أنفاسها الغاضبة
ـ لولا إن دمك ده نفس دم نادر وإني عاملة حساب للست الطيبة والدتك كان ردي هيكون مختلف
نهض يحاول الحديث واحتواء غضبها لكنها لم :تمنحه الفرصة تعيد كلماتها
ـ برة بدل ما أطلب الأمن ييجي يرميك والشركة دي متعتبهاش تاني
نظراته المتوعدة التي مرت عليها من أسفل قدميها نهاية بعينيها أخبرتها أن الأمر لم ينتهي بعد، خرج وتركها تلهث غضبًا من مجرد تفكيره بها كزوجة كيف استطاع تخيلها بل وكيف جرؤ على هذا الطلب، عبراتها المتساقطة رغمًا عنها أخبرتها كم تفتقده وتتوق لحمايته الحقيقية التي كانت تنعم بها في كنفه وفقدتها للأبد، جففت :دموعها ورفعت هاتفها الداخلي مخاطبة أروى
ـ بلغي الأمن إن الأستاذ مدحت ميدخلش الشركة تاني حتى لو اضطروا يطلبوا البوليس.
***
معه تتحول لأخرى مفعمة بالحيوية يدغدغ أنوثتها بلطف ويتسلل بروية يحتل كيانها كله، ساعات قضتها في مراجعة رسالته كاملة حتى تأكدت من ،جاهزيتها تمامًا للمناقشة وكأنها رسالتها هي فرحة الإنجاز تزورها للمرة الثانية وتلك المرة بمذاق عشق بات يعلن عن وجوده بعينيها كلما ظهر بمحيطها كما يحدث الآن بطلته الكلاسيكية الحديثة ولون عينيه المحير الذي باتت تسبح بهما بين أحلامها التي بنتها وهو بطلها، امتدت كفها إليه بالملف وصوتها لا يخفي ما بنفسها من :سعادة
ـ الرسالة كدة تمام، مش فاضل غير تحديد معاد للمناقشة
تناول الملف ووضعه على المكتب وهو يتخذ أمامه :بسعادة غامرة
ـ أخيرًا الدكتورة رضيت عني
:ضحكت باستمتاع لمزاحه وأضافت
ـ نتكلم جد بقى محتاجين نحدد المعاد ونراسل external الدكتور ال
:أومأ برأسه بحركة مسرحية وهو يجيب
ـ أوامر معاليك يا دكتور
:نهضت تناظر ساعة يدها وهي تخبره على عجالة
ـ طيب مضطرة أمشي دلوقت
:التقط كفها يوقفها
ـ على فين؟
عادت تناظر الساعة وهي تجيبه سريعًا وتأخذ :طريقها للخارج وهو جوارها
ـ رايحة أحجز معاد لضياء عند الدكتور وعايزة ألحق العيادة قبل ما تقفل
أولاها نظرة جانبية داعمة وهو يسير معها حتى :سيارتها ويقرر عنها
ـ هاتي العنوان هروح أحجز أنا وروحي
ابتسمت بحب تستمتع باهتمامه وتمنحه البطاقة :الخاصة بالطبيب وهو التقطها ببسمة حنون
ـ هبلغك بالمعاد، هم عاملين إيه دلوقت؟
هزت رأسها بأسى تتذكر صديقتها وما تعانيه من :تيه منذ حضرت لمنزلها
ـ مش عارفة، هند زي ما تكون تايهة
ربت على ساعدها بدعم وكلماته تمنحها المزيد :منه
ـ طبيعي تكون كدة، محتاجة فترة علشان تقدر تستوعب وضعها الجديد
هزت رأسها إيجابًا وهو فتح باب سيارتها يحثها :على الركوب
ـ يالا علشان ألحق الدكتور
وهي أطاعته متوجهة لمنزلها وقبل وصولها بدقائق كانت رسالته تصلها بموعد الطفل لدى الطبيب، دلفت ريم دون جلبة فوصلتها رائحة طعام أمها الشهي تبعتها إلى المطبخ وكما توقعت :وجدت أمها قد أعدت ما لذ وطاب من الطعام
ـ إيه ده كله يا ست الكل؟
امتد كف ريم مع كلماتها تلتقط قطعه من صدور الدجاج المشوية، ضربتها والدتها على كفها :لتتركها وهي توضح
ـ ده مش ليكِ أكلِك في الفرن
ناظرت ريم والدتها التي حملت صينية الطعام من :أمامها متوجهة للغرفة وهي تمازحها
ـ إيه المعاملة دي
وتبعتها إلى الغرفة فوجدتها تهدهد ضياء كعادتها :وتحث هند على الأكل وهي توضح
ـ حسيت إنك زهقتي من المسلوق عملتها مشوي
:ثم اتبعت بحنان أمومي
ـ شدي حيلك شوية وأنا أدوقك كل اللي نفسك فيه
:التقطت ريم كلماتها تثني على طعام والدتها
ـ الحاجة أكلها محصلش أظن باين عليَ
في إشارة مداعِبة لامتلاء جسدها قليلًا وهند :ابتسمت بحبور
ـ ربنا يخليها ليكِ
نهضت السيدة رقية وهي تحمل ضياء وتخبرهما :بتقرير
ـ هاخد حبيبي أحميه وأغيرله وآجي
وهند تعلقت عيناها بهما هل الأمومة الفطرية التي تتمتع بها تلك المرأة لم تزر أمها يومًا كباقي النساء فتدفعها لحماية صغارها مثلما يجب، انتبهت على ريم التي انتقلت إلى جوارها وهي تخبرها بموعد الصغير عند الطبيب، نكست رأسها خجلا فهي لا تملك ثمن الكشف حتى لبن الأطفال ريم من ابتاعته، إلى متى ستظل عالة عليها، :رفعت رأسها بحزن تخبر ريم بما يجول بخاطرها
ـ أنا لازم اشتغل
احتوت ريم كفيها بين يديها بدعم وابتسامتها :السعيدة لم تخف على الأخرى
ـ كده بتفكري صح؛ بس مش وقته
:استفهام عينيها وصل ريم فأكملت
ـ إنتِ لسة والدة مفيش كام يوم لما تشدي حيلك نفكر
التردد بدى واضحًا على هند التي عبرت عنه :بتردد كلماتها
...ـ بس
:منعتها ريم بحنان وهي تربت على كفيها
ـ مفيش بس؛ أنا عارفة بتفكري في إيه، ضياء ابني
اخفضت هند نظراتها وجميل صديقتها يطوق :عنقها
ـ مش عارفة هرد جميلك إزاي
:ضربت ريم كتف الأخرى بقبضة يدها وهي تمزح
ـ جميل إيه؟ أهم حاجة دلوقت صحتك وصحة ضياء
وتلك هي الحياة حين تظن أن الجميع قد تخلى .عنك تمنحك شعلة الأمل التي تكمل بها الطريق

***
دروس الحياة قاسية تلقنك تعاليمها بأسوأ طريقة ممكنة تدفعك لما لا تتوقعه وربما حولتك لآخر لا .تعرفه
بمكتبها عزمت على تنفيذ القرار الذي اتخذته دون تأخير، استدعت محمود الذي جلس أمامها غافلًا عما تريده، تنحنحت وبوجه جامد ألقت بكلماتها :تباعًا بوجهه
ـ أنا مضطرة أنهي شغلك معانا يا باشمهندس، تقدر تعدي على الحسابات تآخد مكافئتك أنا بلغتهم يحضروها
صُعق محمود لما سمعه، ابتلع لعابه فتحركت تفاحة آدم خاصته وهو يستفسر بهدوء متجاهلًا :غصته
ـ ممكن أعرف سبب القرار ده إيه؟
:تحاشت نسمة النظر لعينيه مباشرة وهي توضح
ـ ملف الصفقة كان مسئولية حضرتك والفاتورة اتبدلت وده يقول إنك مش قد المسئولية
أخفض محمود نظره قليلًا يعلم أن الأمر لا يبرئه :من الاهمال
ـ أنا عارف إن الملف كان مسئوليتي بس ده معناه إن في دخيل بينا وأنا بحاول أعرف
التوت شفتيها ببسمة جانبية ساخرة وهي تراه يدعي الإخلاص لآخر مدى قبل أن تبصق آخر ما :تعرفه بوجهه
ـ الدخيل هو حضرتك يا بشمهندس
اتسعت عيناه بصدمة حقيقية غفلت عنها وهي :تكمل
ـ الكاميرات اتقفلت نص ساعة لحد الفاتورة ما اتبدلت واشتغلت تاني
أحنت رأسها للجانب تكمل اتهامها بنظراتها قبل :كلماتها
ـ مفيش حد في الشركة غيرك يعرف بوجود الكاميرات أساسًا يبقى مين الدخيل؟
:رفع نظراته المطعونة يواجهها بألم
!ـ يعني بتتهميني بالخيانة مش مجرد إهمال
صمتت، فقد انتهت ما بجعبتها بينما هو يكمل ما :غفلته هي
ـ من تسع سنين جه زميلي يقولي إنه فتح شركة خاصة وعايزني معاه ما اترددتش لحظة وسبت شغلي
عاد بظهره يستند إلى المقعد ونظراته تسبح للأعلى يتذكر كيف بدأ مع نادر تأسيس تلك :الشركة
ـ قعدنا أكتر من تلات سنين مفيش غيرنا في الشركة إحنا السكرتارية والحسابات، المبيعات وخدمة العملا والصيانه كلها إحنا اللي بنعملها
:رفع كفيه يناظرهما بحزن
ـ الكوبايات إحنا اللي كنا بنغسلها وأرض الشركة دي بنمسحها بإيدينا
:وجه نظراته لعمق عينيها يسألها
ـ عارفة ليه؟
:لم ينتظر الإجابة وأكمل
ـ علشان الشركة مكانتش تقدر تدفع مرتب عامل
:واصل أسئلته التي لا ينتظر إجابتها
ـ تفتكري واحد زيي بعد كل ده يقدر يخون؟
:رفع سبابته يشير إلى صدره بقهر
ـ من يوم ما نادر مات تفتكري كان في كام فرصة الشركة دي ممكن تنهار فيها ولو أنا عايز كنت نهيتها ومن غير خيانة
نهض واقفًا وتعلقت عيناها بشموخه المتألم وقد :وصلتها صدق كلماته وهو يكمل
ـ معملتش ده مش بس علشان الشركة دي اتبنت على كتافي لكن علشان نادر ليه ديون كتير في رقبتي إنتِ متعرفيش عنها حاجة
ضاق صدرها حزنًا وقد أيقنت أنها كانت ضحية لتخبطها وسوء ظنها والآخر انحنى يستند بكفيه إلى مكتبها ينهي مرافعته وصوته رغم قوته :يرسل ذبذبات متألمة
ـ وعلشان الجمايل دي هقولك إني مش لوحدي اللي أعرف بوجود الكاميرات
توسعت عيناها بدهشة وعقد الحزن لسانها وهو :يشير للمتهم الحقيقي
ـ المهندس اللي ركب الكاميرات شغال معانا “بارت تايم” بييجي كل شهر يشوف الكاميرات ولو في مشكلة بنكلمه
استقام بظهره يتجه إلى خارج المكتب وهو ينهي :كلماته

ـ المكافأة أنا متنازل عنها، أتمنى إنك تكوني اتعلمتي كل حاجة الفترة اللي فاتت
وصفق الباب خلفه متجاهلًا نداءها المتألم وقد .أيقنت وقوعه فريسة لظلمها
***
عقب انصراف محمود متجاهلًا اعتذارها الواهي خزيًا مما فعلت جلست وقد احتوت رأسها بين كفيها تضرب رأسها تارة وتنزل بقبضتها على مكتبها غضبًا تارة أخرى، كيف تركت سوس الشك ينخر رأسها فترمي أكثرهم إخلاصًا بمثل تلك التهمة البشعة، كل ما قاله محمود لم يكن بالجديد عليها فهي عاشت مع زوجها تلك الأيام التي كان يصل بها الليل بالنهار من أجل تلك الشركة، تعلم أن محمود كان كتفًا بكتف معه فكيف تغفل عن كل ذلك لمجرد شك، أمسكت هاتفها الجوال تطلب أخيها فقد شُل تفكيرها تمامًا وهو لم يتأخر وكان أمامها يراجع من جديد الكاميرات ولكن تلك المرة في الرواق المؤدي لمكتبها فيظهر جليًا شخص يتسلل إلى المكتب في غفلة من الجميع وإن ارتدى قبعة تخفي وجهه عن الكاميرا التي يعلم بمكانها وفي الثانية التالية وبعد تخطي التوقيت لنصف الساعة يظهر ذات الشخص وهو يخرج من المكتب، رفع رائد نظره إلى شقيقته :يؤكد على خطأ تفكيرهما السابق
ـ كان لازم نستبعد محمود
ضمت نسمة حاجبيها بضيق من نفسها وهو يؤكد
ـ ببساطة الملف كان تحت إيده طول الوقت بشكل طبيعي مش محتاج يقفل الكاميرات علشان يبدل الفاتورة
ضربها المنطق مرة أخرى رجعت برأسها للخلف تغمض عينيها فلا تعلم كيفية اصلاح ما أفسدته بتهورها، امتدت كف رائد تحتضن كفها بدعم :مطمئن
ـ محمود ليه حق عرب عندنا بس أنا متأكد إنه مش هيكسفنا
عادت عيناها من جديد تتعلق بالأمل الذي يمنحها إياه بكلماته حينما ارتفع رنين هاتفها الداخلي لتبلغها أروى أن صديقتها ريم تريد مقابلتها الأمر الذي أبهجها فنسيت للحظات ما تعانيه وهي تستقبل صديقتها باحتضان دافئ وتجلس جوارها والأخرى ابتسمت بمداعبة لرائد الذي تعتبره كأخ :صغير
ـ كبرت يا رائد من زمان ما شفتكش
اتكأ رائد بنصف جلسة على المكتب وهو يبادلها :الدعابة
ـ بس أنت زي ما إنتِ ما بتكبريش
ضحكت ريم باستمتاع وبادلتها نسمة الضحك :وهي تسألها عن سر الزيارة
ـ ياترى إيه سر زيارة الدكتورة النهاردة
شهقت ريم فملأت صدرها بالهواء تستجمع :كلماتها
ـ موضوع مهم ما كانش ينفع في التليفون
:قطع حديثهما صوت رائد
ـ طيب استأذن أنا بقى
:نظرت له ريم بود
ـ الموضوع مش سر
:ونسمة التي لازالت بحاجة لوجوده أكدت كلماتها
ـ أنا عايزاك في مشوار بعد ما نخلص
استجاب رائد لهما يرفع سماعة الهاتف الداخلي يطلب قدحًا من القهوة ويسألهما عن طلبهما ليستقرا على عصير الليمون قبل أن يلتف يجلس :على مكتب نسمة
ـ طيب هقعد أشرب قهوتي واعتبروني مش موجود
ابتسمت كل منهما قبل أن يأخذهما حديث ريم التي قصت سريعًا على نسمة ما حدث مع هند وعن طلاق زوجها الوغد لها وحالة طفلها والأقسى موقف والدها، تغضن جبين نسمة بالحزن لما آل إليه حال صديقتها لا تستطيع استيعاب كيف لشهم مثل حسام أن يكون بذلك الظلم كما تصوره صديقتها؛ تجاهلت التفكير في ذلك الأمر فلابد من وجود حلقة مفقودة لا تعلم عنها شيئًا قبل أن :تلتفت لريم
ـ وهي عاملة إية دلوقت
:زفرت ريم أنفاسها بيأس وهي تخبرها
ـ تايهه ومحتاجة شغل علشان كده جيت لك النهاردة
:انتبهت نسمة لكلماتها قبل أن تكمل موضحة
ـ هند معندهاش خبرة في أي حاجة ومش سهل تلاقي وظيفة
ـ أنا أجلت الموضوع معاها لأنها لسة والدة وفي كل الأحوال مش هتقدر تنزل دلوقت
:استندت برأسها للخلف وهي تكمل
ـ قلت آجي أكلمك من غير ما تعرف لو تقدري تشغليها
:هزت نسمة رأسها بفهم وقد قدّرت الموقف
ـ أروى مبلغاني إن قدامها تلات شهور وتسافر لجوزها كنا هنعمل إعلان نطلب سكرتيرة جديدة
:ربتت على كف ريم تطمئنها
ـ لما تشد حيلها شوية تيجي تقعد معاها وهي تفهمها الشغل قبل ما تمشي
ابتسمت ريم بارتياح كانت تعلم أن صديقتها لن .تتأخر عن دعم الأخرى فهكذا كن سويًا وسيبقين

ارتفع رنين هاتف نسمة يعلن عن ورود اتصال فاستأذنت ريم بالانصراف، احتضنت صديقتها بحب وودعت رائد ببسمة لطيفة، فور انصرافها استقبلت نسمة اتصال حماتها بصوت حنون لتأتيها أنفاس الأخرى لاهثة؛
تحاول النطق بكلمات غير مفهومة، حاولت نسمة :استخلاص أي منها فلم تفهم سوى كلمة واحدة
ـ سامحيني
وبعدها انقطع الصوت دون انقطاع الخط
نهض رائد من مقعده على صوت صرخة شقيقته :المذعورة
ـ ماما
نهاية الفصل الثالث عشر
قراءة ممتعة


heba nada غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس