عرض مشاركة واحدة
قديم 01-10-22, 07:09 AM   #542

فاتن نبيه
 
الصورة الرمزية فاتن نبيه

? العضوٌ??? » 487008
?  التسِجيلٌ » Apr 2021
? مشَارَ?اتْي » 1,428
?  نُقآطِيْ » فاتن نبيه has a reputation beyond reputeفاتن نبيه has a reputation beyond reputeفاتن نبيه has a reputation beyond reputeفاتن نبيه has a reputation beyond reputeفاتن نبيه has a reputation beyond reputeفاتن نبيه has a reputation beyond reputeفاتن نبيه has a reputation beyond reputeفاتن نبيه has a reputation beyond reputeفاتن نبيه has a reputation beyond reputeفاتن نبيه has a reputation beyond reputeفاتن نبيه has a reputation beyond repute
Icon26

الفصل الثاني والعشرون

تسير بنا الحياة دون توقف...
ما بين محطة و أخرى
ترتجف الروح بين جنبات القلب
و ننظر بعين الترقب للآتي

في المطار...

تترل سلالم الطائرة لتطأ قدمها أرض الوطن... ظلت تتطلع حولها بعيون دافئة مشتاقة و لم تعلم أنها كانت بحاجه للعودة حقا الا الآن... عندما غلفها الوطن برائحته المسكره التي تجعل أعتى الشعراء يصمتون في حرم دفئة و جلاله
كم هي الحياة قصيرة و خادعة تسير بنا بسرعة رهيبة و تدللنا كطفل رضيع لا يعي انه قد يسافر بلاد و بلاد دون أن يدرك عقله الصغير... هكذا تعاملنا الحياة و هذا ما استوعبته الآن
فما بين ليان التي غادرت الوطن حانقة خائفة ملهوفة على قلبها الذي سيموت ان فقدت عمار... و بين ليان التي تقف الآن بشموخ ذكرها بليان راشد القديمة سيدة الاعمال العنيدة... ما بين الليانين بضع مشاهد و ساعات غادرة... سنه مرت سريعا كقطار يلتهم الحديد أسفله... سنه فيها نضجت و تعلمت و بنت ذاتها و روحها الضعيفة
اتسعت ابتسامتها كما قلبها الذي ابتهج وهي ترى صاحب الابتسامه التي لا تضمحل أبدا مهما مر به من هموم... ضحكت فرفعت يدها تغطي فمها في حركة اعتادت ان ترى السيدة فاطمة تفعلها فاقترب منها حسان فاتحا ذراعيه بترحيب حار فهزت رأسها بيأس وهي تتجاوزة ليلحق بها حسان و قال مازحا:
_ حسنا..حسنا لا أحضان لكن اظن السلامات مسموح بها
رمقته بنظره خاطفة تعترف.. انها بالفعل اشتاقت له و لاحاديثهم التي تستمر لساعات.. فحسان ابدا لم يكن مجرد ابن عم... بل كان أخاها الأكبر و هو من عودها على ذلك... توقفت فوقف أمامها منحنيا قليلا في حركة مسرحية وهو يقول بغمزة:
_ أنرت وطنك يا أميرتنا الحلوة
حاولت ان تكتم ضحكاتها فلم تستطع حتى غلبتها بسمة واسعة عبرت عن سعادتها الجمة بالعودة الى أهلها و أحبائها و ان كان قلبها مولعا بذلك الذي تركته خلفها
_ بالله عليك يا حسان سأقع من طولي من فرط تعبي
شهق بدهشه مصطنعه و غمغم بعدما وضع يده على صدره في حسره:
_ يا ويلك يا حسان إن وقعت تلك الأميرة الحلوة بين يديك

نظرت له بتحذير ضاعت هيبته مع تلك البسمة التي ترفض الانجلاء فهزت رأسها بيأس و تقدمت بخطواتها المحسوبة نحو سيارة حسان التي تعرفها أكثر مما تعرف صاحبها... فتحت بابها و القت نفسها بارهاق فجلس حسان بجوارها خلف المقود يقول بنفس النبرة المازحة:
_ تعلمين انت و ذاك الوغد يوسف بينكما شيئا مشترك..(نظرت له بنصف عين ليكمل) عدم احترام الخصوصية
ازال نظاراته الشمسية و تحرك بالسيارة فأراحت ليان رأسها للخلف و قبل ان تشرد بحال فؤادها أتاها صوته المشاكس:
_ أعلم أنك ستموتين الآن من جمال عيوني بعدما أزلت النظارات لكنك محرجه من الاطراء

نظرت له باستهزاء ثم التفتت تتابع الطريق هامسة بتهكم:
_ واهم....!!

علت ضحكات حسان بينما هي غرقت في عالمها الدموي....
و رأسها راحت تفكر في ملايين الألغاز التي تنتظرها.....
تشعر بارهاق روحها من الآن وهي تتطلع بفكرها على ما ينتظرها

تنهدت بحرارة و عاد قلبها الذي تركته هناك يرسم صورته البهية في مخيلتها فتوردت وجنتيها و اسبلت أهدابها تشعر بالذنب لحالها....
تعلم أنها تعيش مراهقه متأخرة
و ان استجداء الحب بصمت لن يدفع ثمنه غير قلبها المسكين
و أنه لم ينظر لها أبدا على أنها حبيبه
هي فقط
مجرد عابثة...!!
هكذا يراها هو....
أما هي فتراه أجمل ما خلق الله
هو منحة و ابتلاء في الوقت ذاته...
و هي ستحارب لتنجح في هذا الاختبار الرباني

♡♡♡

ألم يقولوا أن الحب دواء المحبين؟
و أنه بحر عذب مذاقه يشفى المشتاقين
يجدر بك أن تكوني مصل هذا القلب اليتيم
فلم تكوني الا نصل سكين
اخترق القلب و دمره بعشقه الدفين

قالوا....
من الحب ما يقتل المحبين
و ها انا أموت ألاف المرات في ألم عظيم
يتلوى القلب بين اضلعه و أنتم غافلين
عن الكمد الذي عاشه هذا المسكين

اتعلمين؟
قد بنيت لك قصورا......
و شيدت قلاعا....
بدماء فؤادي الحزين
لكن قلبك أحب ما بناه الجاه الفاني
و لم يردعك صراخ قلبي الحاني

غادرت...
و كنت الجاني و الضحية
جانيت أنت ظالمة لحب عاش عصورا
و ضحيت حب كان هدفه بناء قصورا

دمعة توارت سريعا بين طيات خصلاتها التي سقطت على وجهها كانت ردا مؤلما على ما قرأته...
لا زال يحبها...
بعد كل هذا الوقت يحبها
و يتغنى بمشاعره المذبوحة بكلمات لن تغير من وقع الألم شيئا بل تضيف لمرارة الحب أطلالا

لقد اعتادت على قراءة ما يكتبه يوميا... بعدما اشترى لها صقر هذا الهاتف الجديد و الذي فرحت به كثيرا و كأنه كنز فكان أول شيء فعلته أن بحثت عن صفحته الشخصية
و باتت تقضي معظم اوقاتها بين حروفه المنقوشة بعبرات مؤلمة
و كلماته التي تنشر سما ذاعفا في جمر روحها

مشتته
و ضائعة
و لا تجد سبيل للهدى

حتى الآن لا تعلم لما أحبها و لما هي بالذات
كان يوسف دائما شخصا حنونا بطبعه
خلوقا و وسيم.. تلك الوسامة الهادئة كما هو
وهي كانت تحب حنانه الذي يغمد به على فراغ حياتها
فلم تتوقع ان ينحرف قلبه عن طريق الصداقة المزعوم
لم تصدق نفسها عندما أتاها يوما معترفا بما يختزنه بقلبه من مشاعر خالصة لها و كذبته وقتها و جرحته بشدة

عندما طرده صقر من القصر أتاها يوسف و كان يبدو عليه الحزن و الألم فنهضت من مكانها سريعا وهي تتفحص وجهه بخوف عليه
وقتها قالت بصوتها الحاني الذي يشبه ترنيمة رقيقة:
_ يوسف ما بك..؟

_ يوسف سيبتعد عن عالمك مجبرا يا أميرتي
قالها بشجن غام من عيونه التي اسودت كما الحياة في وجهه فنظرت له باستغراب تقول برفض تام:
_ ما الذي تقوله يا يوسف... ما هذا الهراء؟

ابتسم بسخرية.. و قلبه ينتفض كطائر غدر به صياد شرير في الظهيرة و غمغم بتماسك:
_ لقد طلب منى صقر أن أغادر القصر لذا لن نرى بعضنا مجددا

في الواقع لم يكن طلبا
كان امرا صادرا من صقر المليجي
و تهديد موارى خلف كلمات صاعقة
سمعها تقول بلهفه واضحة و رغبة في اصلاح ما لا يقبل الصلح:
_ لا تقلق سأكلم صقر في هذا الأمر... لن تغادر فهذا بيتك كما عودنا أبي رحمه الله

على ذكر أباها ارتجف قلبها بحزن
و الجرح به كان طريا بعد
فرمقها بحب لم يستطع اخفاؤه و قال بألم معهود به قلبه منذ الأمد:
_ لا يا رحمة...هذا منزلك انت و اخاك و انا ليس لي به مكان... سأذهب لكن عديني ان تكوني بخير دائما فكلما اشتدت الريح العاصفة و دوى الرعد في السماء... كونك بخير سيكون لي الدواء عزيزتي

توردت وجنتيها و قصف قلبها بصدرها فهتفت بخجل ممزوج بالعتاب:
_ يوسف ما الذي تقوله...؟

لكن لم يترع عما نواه فتقدم خطوة و كم تمنى لو تكون خطوات مكلله بحضنها الدافيء
و بعينيه طالع سماءها الحره يقول بما فاض عن حدود قلبه المستكين في بحر عشقها:
_ كنت خائفا من الفقد... من فقد اعز ما أملك بعدما خسرت كل شيء... لكن الفقد موعود على و مرهون بذلك القلب ( أشار على صدره و تابع ) لم يعد هناك ما يمنع بوحي عل المي يزول و انين روحي يخفت... انا يا رحمة و لا اعلم متى أو كيف..فقد خانني القلب العاصي و تتطلع لنجمته العالية... انا أحببتك يا ابنته المليجي.. صدقا أحببتك

كانت كلماته الأخيرة مزيله بتنهيده حارة خرجت من فاهه و تبعها صمت ثقيل و انفاس جامحة...
لا يصدق انه قالها...
صدقا قالها
و احلامه رسمها بريشته على أرض الواقع أملا
و زيلها بتوقيعه سحرا
فكان في مخيلته أفضل اعتراف بالحب
و ان كان تحت وطأ ظروف قاسية
فما كان يعتمل بصدره الآن أقوى من أي شعور بالدنيا

اما هي جحظت عينيها لبرهه
ما الذي يقوله؟
ما بها نظراته و لم يعلو صدره و يهبط بهذا الشكل المتسارع
تفحصت ملامحه تتأكد أنه ليس مريضا ولا يهذي
و لم تعلم أن حبها مرضٌ و الهزيان به حلال
برقت في فكرها خاطرة جعلت عينيها تغيم بعاطفة صادقة نحوه فوضعت يدها على صدرها تقول بشفقة:
_ يا يوسف لست مضطرا لهذا.. لست مضطرا لقول هذا فأنا أعلم أن ما بيننا أقوى من أي علاقة يكفى أن ربانا ابي على الصدق والحب فكنت أعظم أخ لي... ان احتجت للمال فاطلب ما تريد دون تردد... و ان اردت أن تبقى لن تكون مضطر للارتباط بي لأجل هذا فنحن أخوة و أنا لن ابخل عليك بأي شيء... فقط أطلب المبلغ الذي تريد و سأحوله على رصيدك بالحال

ماذا تقول تلك المغفلة....؟
بحق السماء بما تهذي؟
هل هدمت قصورة التي بناها توا
و سقطت أحلامه في خضم الألم و العسر
ماذا تحسبه هي....؟

عض على شفتيه بقهر و ودعها بنظرة أخيرة قبل أن يلقى عليها سلاما أخيرا لن تنساه ما حيت.... فلمعة عينياه آن ذاك أخبرتها كم كانت حمقاء ساذجه


صوت نورا التي تناديها شتت أفكارها فخرجت من موج الذكريات التي تغرق به يوما بعد يوم... نظرت لفم نورا التي يتحرك بانطلاق دون أن تعي حقا ماذا تقول الأخرى؟
بينما بداخلها تنعت ذلك الأحمق الذي حمل لها كل تلك المشاعر بينما هي كانت غارقة لأذنيها في عشق أهوج ندمت عليه و كما قال يوسف عنه... كان هدفه بناء قصورا...!

هل الندم يعيد الزمن؟
لم تندم في حياتها على شيء بقدر تلك الفترة من حياتها عندما خسرت حبا متوجا و وقعت ضحية حبا خادعا و خسرت ما تركه الأب الراحل مطمئنا

_ ما بك يا بنت هل أحدث نفسي كل هذا؟
قالت نورا باستغراب عاقدة الحاجبين فابتسمت رحمة ابتسامة مصطنعة و قالت بارهاق مزمن:
_ لا شيء فقط متعبة اليوم قليلا
_ لماذا اذن أتينا للمطعم اليوم..كنا أجلناها لأجل آخر
قالتها نورا وهي تنظر لرحمة بتفحص فتركت رحمة الهاتف الذي اكتشفت لتوها أنها كانت تقبض عليه بشدة و كأنها خائفة ان تفقده كما فقدت صاحب الكلمات المواراه خلف الشاشة السوداء
هزت نورا رأسها بيأس ثم نظرت خلف رحمة لتقول ببسمة واسعة:
_ ها قد أتى النادل صقر باشا ليأخذ طلباتنا

ضحكتا سويا و قد نجحت نورا في جذبها من بين أطلال الندم التي لا تفيد في حين أتى صقر و انحنى بحركة مسرحية يقول بحنان بالغ لا يظهر الا مع صغيرته:
_ ماذا تطلب الأميرة و صديقتها؟
انفرجت ملامح رحمة بسعادة و املته ما تريد فنظر لنورا يسألها بعينه عما تريده هي الأخرى فأخفضت رأسها لينسدل ليل شعرها كالخيمة يخفي وجهها... ازدرد ريقه وقد هربت انفاسه وهو يطالع اطلالتها الخاطفة عندما رفعت رأسها مجددا بعدما أمسكت بمفتاحها الذي وقع أرضا فانقشع الظلام عن وجهها و أنار بملامحها المثيرة
لاحظت تامله لها بشرود فتوردت وجنتيها بخجل و املته ما تريد سريعا تشغل نفسها بالنظر لرحمة بتلك العينين التي تماثلان شعرها الحالك سوادا... طال تأمله لها فأسبلدت أهدابها الثقيلة كما حاجبيها الكثيفان... لوحة ساحرة
هكذا همس لنفسه
هي بالفعل كذلك
كانت أجمل من أي لوحه شاهدها في صباه
عندما كان والده يصحبه للمعارض الفنية و يبهر بما يراه
الآن هو ليس مبهورا فقط بل....
بل ماذا..؟
شعور يصعب وصفه
و كأن القلب بذاته امسك فرشاته و حلق يرسم تفاصيلها المغوية

_ صقر
هتفت بها رحمة باستغراب من تجمده هكذا فنظر لها بتيه للحظة و ابتلع ريقه بحرج مدركا للموقف الذي زج حاله به بكل غباء.. فتنحنح و تركهم ليحضر طعامهم فنظرت نورا لطيفه بغير راحة..لا تريد ان تفسر نظراته نحوها..ففي تفسيرها شيء خطير.

_ما الفرق بين الاعجاب و الحب!؟

عقدت نورا حاجبيها بشدة عندما سألت رحمة هذا السؤال فنظرت لها رحمة تؤكد لها أنها بحاجه ماسة للاجابة فاردفت نورا:
_ لم أجرب أيا منهم فنظرتي لشخص ما لم تتعدى حدود الانبهار وكان هذا بمراهقتي... لكني أظن الاعجاب كالشمس بلا قمر... أما الحب فهو كالقمر بلا شمس… عقدت رحمة حاجبيها بعدم فهم فابتسمت نورا و اردفت موضحه:
_ القمر مستدير و جميل قد يلفت نظر الشمس لذلك تتفضل عليه بنورها.. لكن ان اختفى القمر يوما لن تتأثر الشمس... أما الشمس لو اختفت فلن يكون هناك قمر

صمتت نورا قليلا و تابعت بعد برهه:
_ تعلمين يا صديقتي قرأت للشاعر العظيم محمود درويش ذات مرة
"حين ينتهي الحب، أدرك أنه لم يكن حباً،
الحب لا بدّ أن يعاش، لا أن يتذكر."

♡♡♡

في اليوم التالي

منزل هشام البرشاوي....

وقفت بالمطبخ برفقة ميادة لتساعدها باعداد طعام الفطور..
بينما عقلها كان شاردا في لا شيء...
فقط لا تشعر بالراحة و لا تعلم السبب...
لقد جافاها النوم لساعات طويلة بالأمس و لم تغفل عينيها الا مع بزوغ الفجر
لا تعلم هل سبب عدم احساسها بالراحة زيارة علي لهم اليوم... فقد اتصل بهشام يخبره أنه سيأتي ليتناول الفطور معهم.. و هشام بطبعه كان اكثر من مرحب بل و متحمس جدا....
و لم يكن وحده اذ هبت ميادة منذ الصباح الباكر تعد ما لديها لاستقباله بكل كرم و صيحات الاطفال المتحمسة تطن باذنها....

الجميع سعيد عداها هي...
لا تعلم لما هذا الحاجز بينها و بين على...
فهي لا تتقبله بأي شكل..
ليس كرها و إنما هو فقط شعور بعدم الراحة...
كان دائما يخطف منها الاضواء فيزيد اهتمام والدهما بعلي أكثر و كانت هي تقف خلف الجدران تتابع ضحكاتهما بقلب طفلة تعيسة

تنهدت بحرارة ثم التفتت تضع محتوى المقلاه في أحد الأطباق ثم وضعته على الطاولة... لتتظر ميادة للسفرة المعدة برضا تام و ابتسامتها تنير وجهها الذي يريح الأعصاب..فابتسمت نورا تلقائيا

دلف هشام للمطبخ و هو يلقى السلام فازدادت بسمة ميادة مع تورد خفيف بوجنتيها جعلت نورا تقسم أنها لو لم تكن تعرفهما جيدا لجذمت أن ميادة لم تعرف عن الزواج شيئا

_ سيأتي علي بعد قليل
قالها هشام وهو ينظر في ساعة يده فهتفت ميادة بعطفها اللامحدود:
_ ينير طبعا يا حبيبتي... سأذهب الآن لأبدل ملابسي حتى يأتي

هز رأسه ببسمة بسيطة ثم عاد بنظراته الثاقبة بنورا يتفرس ملامحها...يعلم أن علاقتها بعلي ليست جيده...
لكنه أيضا أكثر من يدرك مقدار الحب الدافق الذي يكنه علي لها...
سيحاول اليوم أن يحل تلك المشكلة بينهما ولو انه يظن ان ما عقدته السنين لن يحل بساعتين...
لكن لا ضير من المحاولة
وقف قبالته و احتضن وجهها بكفيها يقول بحنانه المعهود:
_ تعلمين أني أحبك جدا جدا... و أنك هدية ثمينة وهبها الله لي

شقت بسمتها وجهها المرهق و ربتت على صدره تقول بحب:
_ اعلم يا أخي لا حرمني الله منك أبدا

_ انتي ابنتي يا نورا و ليست مجرد أخت.. تتذكرين عندما كنت ألاعبك و أنت بالثالثة من عمرك.... كنت مشاغبة لأقصى حد

ضحكت نورا و تمتمت بعيون ضيقة:
_ لماذا تذكرت هذا الآن؟
هز كتفيه بلا أعلم و أنزل يديه يشدد من الامساك على ذراعيها و تابع بمرح:
_ تذكرين عندما كنت أنا بالثانوية و أنت بالسابعة من عمرك... وقتها كنت لا أستطيع أن أذاكر حرفا واحدا بسبب شقاوتك...(ضحك و تابع بحنين تفرضه الذكريات) لكن شقاوتك تلك كانت محببة على قلبي فان مر يوم دون مشاكستك ينتابني شعور سيء...

_ و لم ارحمك من مشاكستي حتى بعدما كبرت اذ أتيت لاجثم على قلبك كالهم الذي لا يزول
قالتها نورا بنبرة مرحه عكس الألم الذي نشب بقلبها فاتسعت عينا هشام و ضربها بخفه على ذراعها الايمن يقول باستنكار:
_ ما الذي تقولينه يا بلهاء... عن اي جاثوم تتحدثين.. ان كنت كذلك حقا فأنت تمكثين فوق قلبي بشريان يمنحني الحياة... وجودك معي بالبيت يسعدني بشدة يا نورا.. لا أريد أن اسمع مثل هذا الحديث فهمتي

طأطأت رأسها فرفع ذقنها يقول باصرار:
_ فهمتي حبيبتي؟.
هزت رأسها بعدما طالعته بابتسامة حلوة فعانقها بقوة...
ذلك العناق الذي كانت تتمناه من شخص آخر..
شخص مرتبط باسمها دائما لكنه بعيدا دوما.....
فبقدر قربه...
و التصاق اسمه باسمها...
قدر بعده و جفاؤه عليها

رنين الجرس فصل عناقهما فرسمت ابتسامة مصطنعه بجدارة و همست:
_ هيا لنخرج
سبقته للخارج و تبعها يشعر نحوها بالشفقه فلم يغفل عن ارتعاشتها بين يديه ما ان اعلن الجرس قدوم علي.

بعد السلامات الحارة التحفوا حول الطاولة التي يترأسها هشام وعلى يمينه تجلس ميادة و بجوارها نورا و على يساره يجلس علي و بجوارة الاطفال...
دارت بينهم احاديث ودية كانت نورا الطرف الصامت...
فقط تتمتع بالمراقبة دون تدخل...
و لم تغفل عن نظرات علي لها و ابتسامته الدافئة...
علي...
لا تعلم لماذا لا تستطيع تخطي هذا الحاجز نحوه... لا تستطيع أن تتقبله وان تتعامل معه بأريحة مثل هشام
رغم الطيبة التي تنبجس من عينيه نحوها....
الا أنها غير قادرة علي الاستجابة

♡♡♡

شركة ليان راشد....

لا نقف عند حدود الألم و نبكي...
ليس لعدم رغبتنا في هذا فالبكاء فن يحترفه الانسان...
لكن الحياة لا تمنح تلك الفرصة النادرة كثيرا
و حتى لا تدهسنا الحياة
علينا ان نخطو فوق الألم و مسبباته و حواجزه

كان المها مختلفا..
قابضا.....
موجعا...
لكن نكهته لذيذة.....
ألم بطعم الحب الذي لم تعترف به
لأن الاعتراف به جريمة في حق ذاتها
و خطأ فادح في حق محبوبها

و ماذا تنتظر؟ ان يكلل لها مشاعرها بحب متبادل بعدما فعلته به
بعدما أبعدته عن اهله لشهور و جعلته يتذوق طعم المرض المُر

هل تنتظر منه جائزة على ما فعلته...؟

زفرت هواء حارقا كحرقة قلبها الذي غرق في لجّة المآسي...
لقد كتب عليها الفراق قدرا
و العذاب مستقبلا
و الهم حاضرا
فما لها الا أن تعيش مع لطمات الدهر علها تشفي ذنبها القديم.. و يغفر لها خطأها الفاضح....

وضعت ليان قلمها على المكتب و عادت بكسريها المتحرك للخلف...
كيف لها ان تباشر عملها مع الذكريات التي تموج بعضها بعضًا في قوقعت عقلها الهالك...
و كيف ان تعمل و قلبها و عقلها و فكرها...
جميعهم...
خذلوها و رفضوا العدوة للوطن معها
فعادت جسدا هامدا
و تركت ما لها عنده...

رنين الهاتف الذي علا يشتت سكون الخلا حولها جعلها تنظر للهاتف بلامبالاه.. حتى التقطت عينها اسم فاطمة ينير شاشتها فهبت من مكانها واتشلت الهاتف على أمل تلقي خبر يهطل على روحها بردا و سلاما

_ كيف حالك حبيبتي ليان... و كيف حال العمل معك؟
اتاها صوت فاطمة الذي يغدق بالحنان....
كانت قد اشتاقت صوتها و حضنها الدافيء.
نظراتها النادرة التي تحمل سلام الكون كله
و ملامحها التي تبعث دفئا في النفس
اجلت صوتها و غمغمت بامتنان:
_ بخير حمدا لله..و العمل جيد جدا..منذ عودتي و انا اراجع الاوراق المهمه لكن الحق يقال فشريكي قد بذل كل جهده لتبقى الشركة بخير

_ هذا رائع حبيبتي... تعلمين رأيت الفستان بالأمس عندما ارسلت لي صورته... انه خطير يا ليان..حقا لا حرمني الله منك
قالت فاطمة بسعادة غامرة فابتسمت ليان و اردفت بارتياح:
_ انا اكثر سعادة أنه نال اعجابك حقا... فقط عندما تعودوا باذن الله سارسله لك

_ باذن الله حبيبتي
قالتها فاطمة و صمتت
و هذا ما لم تبغاه ليان...
كانت تريد ان تعرف اي شيء عنه
ولو خبر واحد فقط
او سلام مزيف
لكن فاطمة صمتت عند هذا فاضطرت ليان للسؤال:
_ متى تعودون باذن الله
تنهدت فاطمة و قالت بسعادة لم تخفى على ليان:
_ غدا باذن الله.. عمار لم يعد يطيق المكوث هنا و كل دقيقة يطلب من الطبيب أن يغادر

قصف قلبها كالمفرقعات النارية في جنح الليل..
الآن فقط...
علمت انها على موعد قريب بقلبها و عقلها و فكرها وما تركته معه...
اذن السعادة التي احتاجت اوصالها الآن فقط بسبب قرب استردادها لنفسها
و ليس قرب رؤيته..
و التملي من ملامحه..
و الاطمئنان عليه...

ليس بسبب كل هذا أبدا..
أبدا....!!
♡♡♡

اتسعت عيونه بارتياع ثم نفض عنه الغطاء بسرعة بينما صدره يعلو بهدير عالي....
العيون السوداء ذاتها لازالت تلاحقه في منامه...
تلك العيون الغريبة و المرعبه في الوقت ذاته
ازدرد رائد ريقه الجاف و قام من فراشه يصب القليل من الماء و أحداث ذلك الحلم المتكرر تدور حوله في دوامات خانقة
نفس الهتاف المتكرر باسمه..و احساسه انه سيقع في هوه ساحقه
ثم تلك العينيان تخيمان عليه فيغرك في سوادها الحالك
راااااااائد طويلة ممزوج ببكاء عالي لا يعلم مصدره
ثم ينتفض مدركا بعد برهه انه نفس الحلم الذي يعيشه كل مره بألم أكبر من سابقه
تنهد بتعب ووترك جسده ليهوى على حافه الفراش فخطرت على باله ياسمين...
يشعر برغبه بالحديث معها...
و ان كان لا يقدر على البوح بأي مما يؤلمه
فقط سماع صوتها الحاني يطهل بانسياب على روحه فتزيل جميع شوائبه
امسك الهاتف ليجد ان الوقت قد تخطى منتصف الليل...
بالتأكيد قد نامت الآن...
و بضجر قذف هاتفه ببعض العنف لانه لن يستطيع الحديث معها..
ربما تكون لازالت مستيقظة...
لم يقدر على المقاومة و عاود انتشال هاتفه يبحث عن اسمها...
سيتصل بها مره واحدة و ان لم ترد... فلن يعيد الاتصال
نعم...
وفي الرنه الثالثه تنهد قلبه بارتياح عندما اجابت ليأتيه صوتها الناعس:
_ ما بك رائد هل أنت بخير...؟
قبض جبينه بضيق ثم اردف بندم:
_ آسف لاني اتصلت بك بهذا الوقت... عودي لنومك

اعتدلت ياسمين جالسه و ازاحت الغطاء عنها قليلا لتمد يدها و تشعل الانارة الخافته بجوارها..ثم قالت بقلق:
_ لا أبدا..نرمين تركتني منذ خمس دقائق فقط فقد سهرنا لنتسامر قليلا...و انت هل حدث لك مكروه لا قدر الله...
هز رأسه و كأنها تراه...ثم اعتدل بفراشه ليسند ظهره في نصف جلسه و قال بخفوت:
_ لا… اردت الحديث معك فقط

ضحكت بخفوت مماثل و هتفت بمشاكسه:
_ تبدو هذه الليلة ليلة التسامر العالمية خاصة بعد منتصف الليل

ضحك رائد فتنهدت و انتظرت حديثه لكنه لم يفعل...
انفاسه العالية التي تصلها عبر الأثير أثارت ريبتها و خوفها أن يكون قد اصابه مكروه ما..وهو يخفي...فقالت بتوتر:
_ رائد هل هناك شيء… لا تخفي علي...

وصلتها تنهيدته الحارة و عم صمت الترقب بينهما لبرهه قطعه رائد بصوته الحزين:
_ أشعر بالتيه يا ياسمين... تتخيلين حياتي الفارغة من خلفية ملونه... الجميع لهم ذكريات و حياتهم مليئة بها...اما انها فالخلفية لدي سوداء اجهل معالمها... كل ما املكه حلم متكرر كالكابوس يراودني يوميا

_ اي حلم هذا
قالتها ياسمين باشفاق فأكمل بتيه:
_ صراخ..و بكاء و دوامات مخيفة و...عيون سوداء..
قاطعته باستغراب هاتفه:
_ عيون سوداء...؟!

اومأ و كأنها تراه ثم أخذ نفس عميق و أغمض عينيه يقول:
_ نعم عيون سوداء جاحظة بشكل مخيف.. صاحبها رجل رأيته مره واحده في المنام... لكني لم أعرفه

ازدرد ريقها بقلق ثم غمغمت بتوجس:
_ صف لي هذا الشخص يا رائد

_ انه طويل و عيونه جاحظه كما أخبرتك...و وجه غير مريح أبدا..شارباه معقوصان من الطرف و....

لم تسمع ما بقي من حديثه فقد انقبض قلبها بشدة و قد تعرفت على ذاك الشخص....
و كيف لا تتعرف عليه..
و تلك الملامح البغيضة هي سبب ألم الماضي و الحاضر
عمها...والد نرمين...
ذلك الجشع الذي دمر كل شيء و بسببه حلت اللعنه على العائلة بأكملها...

_ هل تعرفينه يا ياسمين؟
سؤال رائد اخترق افكارها فأزاحت دمعه خانتها بالسقوط و تذكرت رجاء والدها بألا تخبر رائد بأي شيء...
فتنهدت و قالت كاذبة:
_ لا ابدا...ريما تكون أضغاث احلام لا غير.. استعذ بالله و عاود النوم حبيبي

_ تصبحين على خير
قالها رائد بعدم راحة...
يشعر انها تخفي شيئا لكنه لم يرد أن يضغط عليها

_ و أنت بخير يا أخي

♡♡♡

صباح يوم جديد

الشمس مشرقة بأشعتها الذهبية لتنير الكون كما تلك القلوب التي تهفو للراحة بعد رحلات و معارك مرهقه...
وقف عمار بجوار والده يعد حاجياته ليغادروا أخيرا من تلك البلد و يعودوا للوطن الذي اشتاقه بشدة....
لم يكن ليصدق في يوم ما أنه سيبتعد عن وطنه كل تلك المدة...
لكن حدث و بالاجبار...

تنهد يزيل عنه حنقه ثم نظر لوالده يقول باحترام:
_ هل اساعدك بشيء يا أبي؟
نظر له جلال بحب دافق
و التف قليلا ليقابله فتكامعت العيون في عناق طويل...
و نشأ بينهما جسرا خفيا كان بمثابة مرسال للمشاعر المكتومة في القلوب...
تلك المشاعر التي تبدو جليه على الوجوه و في عمق المآقي...
امسك جلال كلتا ذراعي عمار ثم اردف بفخر لن ينجلي بولده:
_ عمار.. تعلم أنك عضيدي و سندي في تلك الحياة و أني أبدا لا اتخيل أن يتردد في صدري نفس ولا أراك تأخذ مثله... احمد لله نهارا و مساء أن أخمد النار التي كانت تكويني بصمت حارق في غيابك يا ولدي

غامت عيون عمار بعاطفه شديدة و حب و تقدير يعلو كل يوم عن سابقه لهذا الرجل الذي كان له الحياة بذاتها... فانحنى مقبلا ظاهر يده باجلال صعودا لكتفه ثم قال:
_ لا حرمني الله منك يا أبي و جعلني دائما عند حسن ظنك

_ آمين يا ولدي... آمين
ردد الأب وهو يطالع لعمار
و كأنه يريد أن يحفر صوته و ملامحه في قلبه الملكوم.
يقنعه أن عمار أصبح على ما يرام..
و لا داعي لكل هذا القلق الذي يخالجه و يعصف بلياليه فلا يغمض له جفن ....
يخشى ان استيقظ في يوم و لا يجد ولده...
و ان يفجع به...
لكنه يعود و يستغفر ربه سرا و يدعوه.
فهو الذي لا تضيع ودائعه

_ عمار انتهيت؟
قالتها فاطمة التي دخلت للغرفة توا فابتعد جلال يرمقها بحب لم يخمد يوما بينما هتف عمار وهو ينحنى ليحمل الحقائب:
_ نعم أمي جاهز.. هيا بنا

اومأت برأسها و سارت أمامهم كما عوداها...
فهما الجبلان الذي خلقا فقط لحمايتها....
كانت هي اميرتهما المدللة...
و كانوا حراسها الذين لا يكلون من حراستها
و كيف يكلون...؟
وهي ابنة أحدهم و صاحبته و زوجته و لها كل مسميات الانتماء في الكون؟
و أمّ الأخر الذي ربته حتى صار رجلا تهابه العقول

♡♡♡

حملها برفق ثم وضعها على الفراش المخصص للفحص فتأوهت ياسمين قبل ان تستكين منتظرة الطبيبة المسؤولة عن حالتها
مسح رائد على رأسها برفق ثم قال بابتسامته الدافئة:
_ سأخرج حتى تنهين الفحص اوكي
هزت رأسها بايماءه بسيطة و ابتسامه فشلت في خمد توترها فربت على كفها و غادر الغرفة....
وجد نرمين تجلس على احدى المقاعد بجوار والده...
لقد أتو جميعا مع ياسمين اليوم....
ليدعموها و يآزروها في تلك الرحلة الطويلة كما قالت الطبيبة...
وقف مسندا ظهره على الحائط المقابل لهم فقال محمود بارهاق وهو يستقيم:
_ سأرى حساب المشفى و أعود
هز رائد رأسه بصمت فقالت نرمين باهتمام:
_ هل آتي معك ابي؟
ابتسم محمود بحنان ثم اردف بعدما هز رأسه:
_ لا حبيبتي لن اتأخر ابقي هنا فقد تحتاجك ياسمين
أومأ له و بعينيها تابعت اختفاؤه..
باتت لا تناديه الا بـ«أبي »
و كم منحها هذا شعور بالأمان؟
بعدما وجدت أخيرا من يرمم تصدع روحها
فعطف عمها محمود و حنانه الذي يغمد عليها به كالسقى بعد يوم طويل من الصيام....
وهي صامت سنين و سنين
لتفطر على ذلك الحنان الفائض
فترتوي روحها و يعافا قلبها..
قلبها الذي يفقدت شيئا واحدا لا غير....
شيء واحد ان حصلت عليه فلن تحتاج من الدنيا بعده شيء
رفعت نظرها تختلس نظره لرائد الذي ينظر لباب غرفة ياسمين بشرود...

و بالرغم من الألم النابض بقلبها لأنه نسيها
و أنكر حبها..
الا أنا صابرة محتسبة فجيعتها عند الله...
عله يرد لها روحها و يتذكر رائد حبه لها...
و ان تذكر...
تخاف ان يعد هذا الحب شيئا تافها و خرافات أطفال
و كيف يكون بالنسبة لها...
و هي التي عاشت معه أياما تترضع بألم اشتياقها
ونيرانها المتوهجه وهي لا تعلم عن مصيره شيء
قلبها ينغزها و صدرها يتآكل بعجز

أما هو...
فلم يعش لياليها التي عاشتها في عذاب
و لم يجرب لوعة الحب في غياب المحبوب
و لم يدري عن ألمها سوى بضع كلمات
بينما ألمها كان بحرا لا يسع مداده أي كلمات

_ تستطيع ان تذهب لعملك و نحن سنبقى معها هنا

قالتها بقلب يبتهل ألا يستجيب هو لاقتراحها أبدا...
لكنها أرادت أن تجذبه من شروده البعيد...
و تجعله يتحدث علها تأخذ من بين انفاسه و بريق عيونه الخافت زادها في أيامها العصيبة القادمة
فالتفتت لها رائد يقول بعدما تنهد:
_ سأبقى معكم اليوم فليس لدي عمل مستعجل

هزت رأسها و كم تمنت لو يتابع الحديث...
لكنه عاد لشروده مجددا
فجزت على اسنانها بغيظ..
و عادت تسترق اليه النظرات...
تفكر...
كيف لها ان تشعر نحوه بهذا الحب الكبير
مع تغير ملامحه تغير جذري
فبات رائد آخر غير الذي عرفته و احبته و قضت معه طفولتها.
رائد آخر من حيث الشكل...
فحنانه و حبه و احتوائه الذي يظهر جليا في معاملته لياسمين لم يتغير
و مشاكسته و سخطته ان افسد أحدهم خصلاته المهندمه دائما...أيضا لم يتغير
و كيف تستغرب....؟
و هي احبت القلب
ذلك النابض بين اضلعه و الذي لم يشعر بها حتى
ابتسمت بلوعه... ها هي تعيش أيامها المتمحورة حوله وهو غارق في لجّة ذكريات غامضة لا يعرف كهنها

بعد ساعة

ساعد رائد ياسمين لتركب بالسيارة ثم استدار ليأخذ مكانه خلف المقود بجوار والده...
بينما نرمين كانت تجلس بجوار ياسمين بالكرسي الخلفي والتي قالت بانهاك بدى على ملامحها قبل صوتها:
_ تعبت كثيرا اليوم..لا أعلم كيف سأواصل على ذلك العلاج
قال محمود وهو يفرد ذراعه على طول النافذة المفتوحة:
_ بالطبع ستتعبين قليلا حبيبتي لكن لا تيئسي أنا أثق بفتتاتي جدا.. وواثق أنك ستتخطين تلك المرحلة المؤلمة
تنهدت بتعب ونظرت لرائد الذي بادلها النظرات بالمرآة مبتسما لها بتأكيد على كلام والده وفي لمعة عينيه اصرار كبير استمدته منه... حتى دون ان يتحدث فابتسمت بارهاق وعادت بظهرها للخلف
و لدقائق بقيت احاديث العيون بينهما قائمة حتى شغل رائد السيارة و انطلق بها..
بينما تلك الجالسة بجوارها كانت تتمنى لو طال عناق عيني الاخوين حتى تتمكن من اختلاس المزيد من القوة بعينيه...
و الأمل بعينيها...
♡♡♡

منزل المليجي....

_ حسنا..قادمة
هتفت بها الجدة وهي تسير بسرعة لترى من الطارق.. فالترمت رحمة في حضنها ما ان فتحت لهما الباب وهي تقول بتعب ممزوج بسعادتها:
_ ما اجمل من العودة للبيت بعد يوم مرهق من العمل
ابتسمت الجدة ابتسامتها الدافئة و ربتت على خصلات رحمة النارية مغمغمة بحب:
_ ادخلي لترتاحي بنيتي حتى أعد الطعام
هزت رحمة رأسها و تختطهما بارهاق فنظر صقر لجدته فقالت له بنفس الابتسامة الواسعة:
_ كيف حالك يا ولدي...هيا ادخل لما تقف بالباب
ابتسم صقر ثم مد يده مطوقا ذراعيها قائلا بمشاكسة:
_ لن اقاوم تلك اللمعة الساحرة التي ترافق بسمتك دائما يا حلوة
ضحكت بخفوت و قد توردت وجنتيها قليلا فضربته بقبضتها الخائرة على صدره..فتأوه صقر قائلا بوجع مزيف:
_ أهون عليك يا حلوة فتضربينني
هزت رأسها بيأس وهي تضحك.. ثم قالت بمشاكسة لا تقل عنه:
_ لو كان جدك بالمنزل لما نطقت حرفا واحدا مما تقول...! بل تجلس بفم ممدود شبرين للأمام
قهقه حتى أدمعت عيناه و قال مناكفا:
_ من قال لك أني مستغني عن رقبتي يا حلوة...؟!

ضربته مجددا ثم دخلت المطبخ لتباشر عملها قبل مجيء زوجها...

بعد نصف ساعة.....
جلسوا جميعا حول الطاولة على تلك الحصيرة القديمة يتناولون طعامهم في هدوء حتى قطعه صقر بحمحمه رجولية جذبت انتباههم.. و خاصة الجد الذي كان يستشعر أن صقر لديه ما يقوله...
و كان ينتظره أن يبديء بالحديث...
و بالفعل قال صقر ببعض التردد وهو ينظر لجديه ثم لرحمة التي احمر وجهها بحرج:
_ كنا نريد أن نخبركما بأمر هام...
هز الجد رأسه بعدما أنزل الملعقة بعيدا عن فاهه ينتظر ما سيقوله صقر اما الجدة فناظرته باستغراب واومأت برأسها بسؤال صامت.. فابتلع ريقه ثم قال بعدما أخذ نفس عميق:
_ قررت أنا و رحمة أن نؤجر شقه بالعاصمة من اجل...توفير المواصلات اليومية و التعب و....
نظرة الجد اخرسته و كم شعر وقتها بالخزي من نفسه... انه يعاود نفس الخطأ الذي ارتكبه أباه في الماضي...لكن ما يفعل و البقاء في تلك القرية بات مثل السجن بالنسبة اليه

_ تمزح يا صقر....
قالتها الجدة بصدمة كبيرة وقد ترقرقت عينيها بالدموع فأشاح بوجهه غير قادر على مواجهت نظراتها العاتبة
اما الجد تنهد ثم مسح على وجهه الخشن يقول بنبرة أشد خشونة:
_ لقد رتبتما اموركما يا ولدي...وما لنا حق الاعتراض

_ جدي الامر ليس كذلك..لكنا..
قاطعه الجد باشاره من يده ليصمت صقر فتابع الجد بنبرة جامدة:
_ عندما طرقتما الباب في ذلك اليوم قبل سنه من الآن لم نبخل عليكما و نأخذكما بذنب والدكما... هذا باب البيت يا صقر (اشار ناحية الباب و تابع ) دائما مفتوح من أراد الولوج او المغادرة ليس عليه حرج... اذهبا وفقكما الله
وزعت الجدة نظراتها المصدومة بينهما.. و كادت تقول شيء لولا يد زوجها التي قبضت على كفها بشدة من أسفل الطاولة فناظرته باستجداء ألا يسمح لهما بالمغادرة لكنه هز رأسه بلا معنى ثم استقام متوجها لغرفته..فتبعته بعدما حدجت صقر و رحمة بنظراتها الخائبة...
رحمة التي لم تنطق بكلمة و كانت تحاول ألا تلتقي نظراتها مع اي من جدها او جدتها...
حتى لا ترجع في القرار الذي اتخذته مع صقر...
صحيح ان فراق الجدين صعب عليهما
لكن القرية ليست مكانهما المناسب أبدا...
و لن تكون...!!!!

في غرفة المليجي...
جلست الجدة على حافة فراشها تنتحب بنشيج مسموع وهي تدفن رأسها بين كفيها فجلس المليجي بجوارها بعدما أخذ نفسا عميقا و قال بينما يربت على كتفها:
_ هذا مستقبل الاولاد و لن نتحكم نحن به الآن..عليهما ان يشقا طريقهما فنحن لن ندوم لهما
ظلت تبكي فجذبها لحضنه و ظل يربت على ظهرها حتى سكنت مسلمة امرها و قلبها لله...

دخلت رحمة غرفتها تاركة صقر يجلس في شروده..القت نفسها على الفراش بتعب تشعر بألم كبير في قلبها لانها ستترك جديها...
هما لا ينويان البعد نهائيا و بالتأكيد ستكون على تواصل دائم بهما.
لكن نظرات جدتها المولعة تحرقها بالذنب...
فتحت هاتفها تعبث به علها تجد اي شيء يريحها و يبدد ذاك للشعور الخانق فإذ بكلماته تقابلها ما ان فتحت تطبيق التواصل« فيس بوك»
جعلت قلبها ينتفض ولعا و عجزا....

أتمنى لو ينقضي الوقت المؤلم
و تسافر حمائم الهم في خضم الظلام
و يهطل على روحي سلاما و نقاء
يبدد ما أحدثه الألم و الشقاء









التعديل الأخير تم بواسطة ebti ; 30-10-22 الساعة 12:52 AM
فاتن نبيه غير متواجد حالياً