عرض مشاركة واحدة
قديم 20-10-19, 11:13 PM   #420

نغم

كاتبة في منتدى قصص من وحي الاعضاء

 
الصورة الرمزية نغم

? العضوٌ??? » 394926
?  التسِجيلٌ » Mar 2017
? مشَارَ?اتْي » 2,980
? الًجنِس »
? دولتي » دولتي Egypt
?  نُقآطِيْ » نغم has a reputation beyond reputeنغم has a reputation beyond reputeنغم has a reputation beyond reputeنغم has a reputation beyond reputeنغم has a reputation beyond reputeنغم has a reputation beyond reputeنغم has a reputation beyond reputeنغم has a reputation beyond reputeنغم has a reputation beyond reputeنغم has a reputation beyond reputeنغم has a reputation beyond repute
¬» مشروبك   water
افتراضي

الفصل السابع عشر


بينما ما تزال بريهان غارقة في ضياعها الحائر رأته يقف بتمهل بعد جملته الغريبة الأخيرة ، يشير إلى باب غرفة مكتب السيدة رقية و يقول بصوت هادئ رصين :
- ليس من المناسب أن نكمل حوارنا هنا ، سنذهب لمكان أكثر خصوصية ، تفضلي .

عيناها اتسعتا استغرابا من لهجة الأمر الواقع التي يتكلم بها معها و دهشة قلبها كانت أكبر و هي تطيعه فورا و تسلمه القياد كأن التباسط معه هو الأساس .
بخطوات متداخلة مرتبكة و مشاعر أكثر ارتباكا سارت بجانبه نحو بوابة مبنى الجمعية .
دون كلام توقفت عند الباب فتوقف هو الآخر مستديرا نحوها بتقطيبة عدم فهم ، توجهت نحو البواب و تركت معه رسالة شفوية صغيرة لمديرة الدار ثم عادت لتقترب منه .
واصلا سيرهما السريع النسق ، تركض على ملامحهما نسائم الصبح الناعمة حتى وصلا إلى مكان سيارته العصرية بلمحة كلاسيكية .
- تفضلي ، تمتم بصوت خفيض وهو ينحني قليلا و يفتح الباب من أجلها .

هذه المرة هي التي لم ترد و لم تشكر ، تخشى أن تتكلم فتقفز إحدى دقات قلبها من بين شفتيها .
داخل السيارة ، استمر كل منهما ينظر أمامه تتشابك بينهما خيوط خفية تربط أحدهما للآخر فيدق صوت أنفاسه المضطربة داخل صدرها و ينبض ارتجاف شفتيها داخل أحشائه .
الصمت الذي لفهما كان يضج يئن و يفور كأن آلاف النحلات الدقيقة تروح و تغدو بين جدرانه الزجاجية .
*
*
بعد قليل ، داخل المقهى الذي شابهت تفاصيلُه شخصيتَه ، هادئا ، بعيدا ، معتم الزوايا ، جلست بريهان مطرقة الرأس أمام جسده المقابل لها ، مقدمة حذائها ملتحمة بالأرضية بينما كعبه مستقر في الفراغ و هي تهز ساقيها بتوتر فشلت في هزيمته .
مع كل لحظة يتزايد شعورها بالحرج ، يحبس أنفاسها ، يقيد أفكارها و هي في الأثناء تكاد تشتعل ذاتيا تحت تأثير اتقاد نظراته الذي صارت نوعا ما تفهم معناه .
تشبثت أصابعها تحيط بالانحناء الدائري لكوبها و برعشة خفيفة رفعته نحو شفتيها تجرب رشفة أخرى من الشاي الأخضر الشبه خال من السكر .
أرغمت حنجرتها المغلقة على ابتلاعه و هي تلصق عينيها بمفرش الطاولة بينما تصغي لصراخ الصمت القوي بينهما .
- آنسة بريهان .

انبعث صوته بطيء الحروف ، ثقيل المخارج فرمشت فورا بارتباك و ضمت شفتيها تحشُر أنفاسها حشرا داخل نطاق صدرها .
سمعته يقول بضع كلمات أخرى لكن لم يصل إلى ذهنها المَبَعْثر
شيء فهي ما تزال حتى اللحظة محتجزة في الغمام الفاصل بين الاستقبال و الاستيعاب .
- آنسة بريهان ، خاطبها ثانية فلملمت شتاتها و ركزت معه .
- نعم دكتور .
- كم عمرك ؟
- سبع و عشرون سنة ، همستها بصعوبة .

وجمت ملامحه دفعة واحدة ، قتمت نظراته و تصلبت شفتاه .
نظر نحو البعيد و تمتم يحدث الفراغ :
- ظننتك أكبر .

على الفور ثار عرق أنوثتها متمردا على ربكة أحاسيسها و دون أن تشعر تمتمت باستنكار علا رغم انخفاض صوتها :
- هل أبدو أكبر ؟
- بالعكس ، تنهد بتعب ، تبدين أصغر .

دفع فنجان قهوته بعيدا و أكمل :
- أنا آسف لم أُجد اختيار كلماتي فلنقل تمنيتك أكبر.

نقر بأصابعه الطويلة على سطح الطاولة ثم تمتم :
- أنا في الثانية و الأربعين آنسة بريهان .

عيناه طافتا بملامحها بينما يقولها و لثوان طويلة ظل يتأمل خفقان رموشها السريع قبل أن يضيف :
- خمسة عشر سنة تعتبر فارقا كبيرا في السن بيني و بينك ، هل تقدرين على التعامل معه ؟

راقبها تتململ بوضوح و تتوتر أصابعها المعانقة لفنجانها ثم غمغمت بنبرات مهتزة :
- لا أعرف دكتور ، أنا .. أحتاج وقتا لأفكر .

انقبض قلبه فورا و استولى العبوس على ملامحه .
لا يدري كيف عندما أخذ قراره بالزواج منها لم ينتبه إلى أنه سيكون قرارا مشتركا بينه و بينها ، لم يخطر على باله أنها يحتمل بل يحتمل جدا أن ترفض .
و ماذا يفعل هو بنفسه وقتها و من يرد إلى جسده تعقله ؟
كيف سيتحمل أن تهجر واقعه و تواصل احتلال أحلامه ؟
كيف يقنع ليله الطويل الثائر بالهدوء و الهجوع .
تنهد آخر غافل شفاهه و انطلق يشق عنان الشرود الصامت بينهما .
لا يدري لِمَ يشعر أنها لو غادرت الآن فسيكون رحيلا للأبد .
دون تردد أو تفكير ، مد يده بسرعة يضعها فوق يدها القابضة على فنجانها ، فك أصابعها عن الإناء بلطف ثم احتضنها داخل كفه .
ارتجفت بريهان فورا و أطلق قلبها شهقة مكتومة بينما هاجت الحمرة فوق خديها كأن لهبا مستعرا سار فوقهما .
حاولت سحب يدها لكن أصابعه استحكمت و أحكمت قيدها حول أناملها .
أرادت أن تتكلم ، أن تعترض لكن شفتيها رفضتا و التصقتا بسابق عند و إصرار .
تضعضعت أنفاسها و سُكْر مخدر سر ى بين ثنايا جلدها تحت تأثير لمساته لها .
شعرت به هائجا مشتاقا ، إبهامه يداعب باطن يدها ببطء مدروس ، ينقل لها بأمانة بالغة كل مشاعره المكبوتة ، يرسل موجات تتدفق دافئة جدا إلى جميع حواسها فيفتت دواخلها و يذيب عظامها.
مرة أخرى سعت إلى جذب يدها من قبضته لكن يده كانت صارمة متغطرسة في تملكها .
شد على أصابعها أقوى و أصلب و استمر إبهامه يتحرك بإغواء فوق بشرتها ، كل جولة جديدة له تسرق المزيد من أنفاسها و تزيد سرعة نبضاتها .
- آنسة بريهان .

ارتبكت رموشها أكثر و صوته ينبعث كما لم تسمعه يخاطب به أحدا من قبل ، بنبرة متفردة ، قمرية ، عميقة ، كأنه يدللها به وحدها .
رفعت عينيها بتردد فالتقت بَريق رغبة يَتراقص مشتعلا في عمق عَدَستيه ، تهدجت أنفاسها أكثر و صارت ثقيلة ، ثقيلة .

- أريدك أن تعرفي و تتأكدي أني لا أريد الزواج لمجرد الزواج . أنا أبعد ما يكون عن ذلك .

تواصل صوته بطيئا حميميا ، نظراته المسلطة على أعماقها تنومانها روحيا و لمسات إبهامه الدافئ تقوض أركانها .
- في الواقع أنا أريدك أنت .
أنت بالذات ، لا أخرى غيرك .

كلماته الأخيرة دحضت ما تبقى من هدوئها الواهي .
أسدلت جفنيها تحاول احتواء فوضى أنفاسها حين باغتَتها رعْشَة شديدة و هي تشعر بإبهامه يغادر راحة يدها و يبدأ بتحسس باطن معصمها .
فجأة العالم حولها أصبح مجرد شبح دائخ ، تداخلت ألوانه مع أشكاله مع أصواته فلم تعد تميز أي شيء و صار من المستحيل عليها تحديد أي نبضاتها أقوى و أشد عنفا ، أتلك التي يتفجر بها قلبها ، أم تلك التي ينبض بها أسفل عنقها أم تلك التي تحت إصبعه تكاد دماؤها تقفز من عرقها الذي احتشدت داخله .

- ستعطيني ردك قريبا ؟

تمتم بصعوبة واضحة فهزت رأسها بنعم سريعة ثم عادت لمحاولة سحب يدها لكنه واصل احتجازها .
- هل هناك أي سؤال تريدين طرحه علي ؟

عادت لتهز رأسها بلا مؤكدة .
حتى لو أرادت التحدث لن تقدر فالكلمات قد استولى عليها ضياع أبيض شاسع .
- تريدين أن نغادر الآن ؟

هذه المرة أومأت إيجابا بلهفة و حينها فقط ترك يدها بكثير ، كثير من البطء .

*
*

لم تعد بريهان إلى مقر الجمعية ، كل ما أرادته حين غادرت ذلك المقهى هو الانزواء بعيدا عن كل شيء ، حتى عن نفسها لو أمكن .
لا تذكر كيف قضت بقية يومها و لا كيف مضت عليها الساعات قبل أن يحل الليل زاحفا بغربة ازدادت اليوم غموضا و عمقا .
بعد أدائها لصلاة العشاء ، اعتلت سريرها و أخذت تتذكر .
صور متفرقة متوهجة مرت أمام عينيها الناظرتين داخل عتمة غرفتها .
تكاد ترى وجهه المضطرب ، عينيه المتوهجتين ، صدره الصاخب بأنفاسه .
أغمضت عينيها عنه فتفتحت عيون جسدها و استرجعت بتأثر محموم كل لمسة من لمساته .
كوكتيل من النبضات عبث بأوردة قلبها فاستلقت بجسدها المرهق المرتجف بشدة و بدأت تجذب أنفاسا عميقة كعمق حيرتها ، طويلة كطول حرمانها .
تقلبت على سريرها و هي تشاهد نفسها في ذلك اللقاء منذ ساعات ، مشردة الفكر ، ضائعة الأحاسيس و كيف بلمسة بسيطة منه تغيرت بداخلها أشياء و استوطنت أشياء و أشياء .
أخفت وجهها بين كفيها و هي حائرة في فهم كنه إحساسها حين ابتعدت يده وهجرتها لمسته ، شعرت كأن بين جنباتها جمرة مخبوءة اشتعلت لحظة ثم أُزْهِقت شراراتها .
اعتدلت جالسة تضم ركبتيها إلى صدرها الهادر ، أخذت تهز رأسها و ترتجف كأنها تُحَرِّم على نفسها كل فكرة عنه ، كل إحساس وصلها منه .
وضعت يدها على موضع قلبها و علا وسط السكون نحيبها .
لماذا فعل بها ذلك ؟
هي الهائمة الروح ، المفقودة القلب لا ينقصها أن تجمع شتاته إلى شتاتها .
تأوهت بعمق بينما وجهان يتنافسان على حلبة ذاكرتها ، كلا منهما يحفر بداخلها بئر وجع .
فجأة قامت تتخبط في سيرها ، توجهت نحو دولاب ملابسها ، فتحت الدرج العلوي و أخرجت القميص المطوي بعناية ، دفنت فيه وجهها و بلهفة عطشانة أخذت تستنشقه و تشمه .
تتشبث أصابعها على قماشه بيأس و هي تحاول أن تلاقي ذرة من عبير غيبه الزمن و بعثرته السنوات .
أغرقت وجهها فيه أكثر و أعمق تريده أن يأخذها هو و طيف مالكه بعيدا عن رائحةِ آخر ، عن عبقِ آخر .
- سامحني لؤي ، سامحني حبيبي ، ناجت روحه الغائبة الحاضرة بصوتها الهامس .
لم أعد أفهم نفسي لكني أعلم جدا أني أحبك ، أني لم أنسك يوما و لن أنساك .
أعدك حبيبي ، أن أظل على عهدك و أن لا أسمح لأحد يوما بأن يأخذ مكانك .
حتى آخر العمر سأحبك .
سامحني ، سامحني ، سامحني .

****************



يتبع في الصفحة التالية
https://www.rewity.com/forum/t456040...l#post14553306



التعديل الأخير تم بواسطة نغم ; 21-10-19 الساعة 12:06 AM
نغم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس