شبكة روايتي الثقافية

شبكة روايتي الثقافية (https://www.rewity.com/forum/index.php)
-   روايات عبير المكتوبة (https://www.rewity.com/forum/f202/)
-   -   82- الحمقاء الصغيرة -آن هامبسون - روايات عبير القديمة(كتابة /كاملة **) (https://www.rewity.com/forum/t103639.html)

أمل بيضون 24-02-10 08:28 PM

في اليوم التالي أمتطت كيم صهوة حصانها , وأجتازت الحقول المحيطة بمسكن كاتانيا بأتجاه ممر منعزل يقطع الغابة ويؤدي الى قرية أفريقية , وأنتصبت عن يمينها الجبال التي تنحدر حتى تصبح تلالا خزفية , كان بالأمكان رؤية مجرى الجدول المتعرج ينحرف بعيدا وقد أحاطت بضفتيه الأشجار , أما أشعة الشمس المحرقة , فسطعت بقسوة , لكن كيم بدأت تألف الحرارة ,ولم تعد تزعجها كثيرا في هذه الأيام ,وغالبا ما نهضت في الصباح الباكر مدفوعة بالرغبة لمعاينة مشهد شروق الشمس الأخاذ حيث تنتشر الأشعة القرمزية في الأفق بشكل مروحة معلنة أرتفاع كرة الذهب الضاربة الى الحمرة , والخضراء البنفسجية , والشروق سريع تمتلىء معه السماء في دقائق بالنور تعكسه على المروج والغابات الكئيبة الموجشة , وعند الساعة الحادية عشرة أصبح بأمكانها ممارسة رياضة ركوب الخيل التي تستغرق منها ساعة في العادة ,نظرت الى الساعة , فوجدتها الثانية عشرة ألا ربعا , الغداء يقدم عند الثانية عشرة والنصف , أستدارت وعادت مسرعة , وضاقت حدقتاها على رغم أنها أرتدت نظارات سوداء ,وكانت قد وصلت الى البيت تقريبا عندما رأت روك يقف ويراقب عماله يوقعون شجرة ماهوغاني ضخمة وقد أرتدى قميصا مخططا وبنطالا كحليا , كان رجل قفار طويل القامة مفتول العضلات متميزا بين أفراد جنسه.
ولما رآها حيّاها بعدم أكتراث , فأطرقت وتابعت سيرها نحو مسكن كاتانيا حيث جلس بارت على الشرفة محتضنا مسند كراسته , وأرتسمت على وجهه أبتسامة سريعة فيما رأى كيم تضع سامي في الأصطبل وتتسلق الدرجات مسرعة وقد أشرق وجهها نضارة بعد تمرين ركوب الخيل , وأنسدل شعرها يلامس كتفيها , ثم نزعت كيم نظاراتها لتضعها على الطاولة ,وقالت وكأنها تجيب على سؤاله:
" كانت رحلتي ممتعة , أشكرك يا عزيزتي على شرائك سامي لي".
" أسعدني ذلك كثيرا يا كيم ".
" هل لديك بعض الملاحظات لأطبعها بعد الغداء ؟".
أجابها وهو يعبس فجأة:
" القليل , عملي أصبح شاقا".
" ماذا....؟ الكتابة أو البحث؟".
" كلاهما , ربما كان الأفضل أن أتقاعد , فقد حققت أرباحا كبيرة".
وتساءلت أذا كان صوتها ينم عما راودها من مخاوف:
" تتقاعد؟ أنك لم تذكر شيئا عن هذا الموضوع من قبل".
"لم يخطر لي شيء مثل هذا من قبل, ولكنني وأنا أجلس هنا اليوم أتعب في كتابة ملاحظاتي وأشقى لأجد الكلمات المناسبة... كنت دائما أقول أنه متى أصبح عملي شاقا سوف أتخلى عنه".
"وهل أصبح عملك شاقا فعلا؟".
"للغاية يا كيم".
" لا عليك , فليكن هذا يوم عطلة , وسيكون الغد مختلفا".
" كلا يا عزيزتي , ليس بهذه السرعة على الأقل".
" ما رأيك بأجازة أستجمام ؟. بأمكاننا أن نذهب الى شاطىء البحر".
"سوف أقضي فترة أستجمام يا كيم , ولكن هنا في البيت".
أنزعجت كيم لأنها طوال معرفتها ببارت رأت فيه الحماسة والأندفاع للعمل , وظنت أنه لا بد يعاني من أعتلال فيصحته حتى يشعر بالكسل وعدم الأكتراث.
وصل روك بعد الظهر محضرا بعض المجلات التي وعد بأعارتها لبارت , وهي تتعلق بموضوع الحياة في القفار الأفريقية وتتضمن مقالات حول الجلوس بصحبة بارت:
"مرحبا يا انسة مايسون. هل كانت رحلتك ممتعة هذا الصباح؟"
"جدا اشكرك يا سيد لنتون"
قطّب بارت جبينه بعصبية وهو ينقل بصره من كيم الى روك الواقف بجانب الباب وهو ينتظر أن تجلس كيم أولا:
" جميع الناس هنا يستخدمون أسماءهم الأولى , وأظن أنني قلت ذلك من قبل".
أبتسم روك ساخرا ليفاجىء كيم بقوله:
" لعله يجب أن نخضع لرغبة بارت الذي يبدو مصرا على رأيه".
حدقت اليه وقد تغير لون وجهها:
" أذا.... أذا كان كان هذا ما تريده يا سيد لنتون...".
أضاءت عيناه الرماديتان مرحا:
" هذا ما يريده بارت يا آنسة مايسون".
عندئذ طقطق بارت بلسانه غاضبا:
" أستحلفكما بالله أن تتوقفا عن هذه البلاهات , فماذا دهاك يا كيم حتى تتبرمين مللا وتحمرين خجلا وكأنك مرتبكة؟".
وقاطع روك بارت بتهذيب :
" أنها نرتبكة فعلا , وأرجو أن تأخذ كلامي على محمل الجد , فستنقضي أسابيع طويلة قبل أن تلفظ أسمي بدون أن يتغير لونها وتطرف جفونها....".
فصاحت في وجهه , ثم نظرت اليه مباشرة وقالت بصوت عال:
" كفاك سخفا , روك , أنظر , هل بدا علي الخجل ؟ أو هل طرفت جفوني؟".
"كلا يا كيم ,ولكن فقدت السيطرة على أعصابك- كالعادة".
بيد أن بارت قاطعه وقد ظهر عليه الأنزعاج , ثم حدق اليه وهو يقول:
" حسنا , تجاوزنا هذه العقبة , وأرجو أن تتوقفا الآن عن مشاحناتكما, فأنتما تبدوان أسوأ من الأطفال المتخاصمين , وأرجو أن تقول لي أذا كان هنالك من سبب للطعن بمزاج كيم".
أجاب روك:
"كلا , لا سبب على الأطلاق".

أمل بيضون 24-02-10 08:30 PM

شكر خاص للعزيزة تالا التي ساهمت في كتابة هذا المقطع من الرواية

أمل بيضون 25-02-10 03:08 PM

وتفحص بارت بدقة , ثم حول بصره الى كيم ,وبدا عابسا بينه وبين نفسه, وكأن هو الذي فاتح كيم بالموضوع الأكثر ألحاحا بالنسبة اليها بعد أن أستأذن بارت بمغادرة الغرفة:
" هل أحسست مؤخرا أن برت ليس على ما يرام؟".
توترت أعصاب كيم من السؤال برغم صياغته اللبقة , وأكفهر وجهها بينما تلعثمت في جوابها:
" هل... هل تظن أنه مريض؟".
أرتسم العبوس في عيني روك ,ورأت كيم أنه بالغ التأثر من الأسئلة التي تبادلاها , فهو شديد الأهتمام ببارت والأخلاص له برغم فارق السن بينهما , وكانت كيم تعرف أن روك يستمتع للغاية في أحاديثه مع بارت , فهما ندّان في التفكير والذكاء , ولهما أهتمام مشترك حول الخطر المحدق بحيوانات أفريقيا البرية , كما يعبران عن أسفهما لأنقراض فصيلة أو فصيلتين منها , وقد أصبحا صديقين حميمين بالفعل, لذا سهل على كيم أن تفهم سبب قلق روك على صحة بارت , وأخيرا قال روك بتوتر:
" أحس أنه ربما كان مريضا ,ولذا سأقترح عليه أن يعرض نفسه على طبيب".
" شكرا".
الأرتياح في صوت كيم لم يكن خافيا على روك , ثم قال وقد عبس ثانية:
" أنك قلقة عليه أيضا ,أليس كذلك؟".
" لم أقلق عليه ألا اليوم عندما ألمح الى فكرة التقاعد".
ولشد ما كانت دهشتها عظيمة عندما تلقى روك الخبر وكأنه أمر متوقع , أذ أطرق ,وعندما عاد الى الحديث , قال بأن بارت متعبا للغاية ,وعلقت كيم:
" أخبرني أن العمل أصبح شاقا بالنسبة اليه".
" ذكر لي منذ بضعة أيام أنه أبطأ في العمل من العادة".
" أنه يريد أخذ قسط من الراحة , ولا يفضل الذهاب بعيدا برغم أنني أؤثر ذلك ".
" ستتحسن حاله في المنزل يا كيم".
ثم رفع نظره الىبارت, الذي رجع الى غرفة الجلوس :
" كنا أنا وكيم نتحدث عنك , وأزمع أن أطلب اليك عرض نفسك على الطبيب".
" لماذا؟ أنا متعب قليلا , وهذا كل ما في الأمر".
رد روك بهدوء:
" لا بد من سبب للتعب لا سيما أذا أصاب رجلا قويا ونشيطا مثلك".
"ماذا تقصد يا روك؟".
"أن تعرض نفسك على الطبيب".
"لم أعن هذا , أنما عنيت ما يدور في فكرك".
ونظر بارت الى كيم , التي شعرت بأنه نادم على ما قال , وأكدت كلماته التالية أنطباعها:
" لا خطر عليّ يا روك, وقد يتعب الأنسان من العمل الشاق , وهذا ما حدث لي , وأنا وعدت كيم بأخذ قسط من الراحة ,وهذا ما سأفعله مدة أسبوعين على الأقل".
لم يذكر أحد هذا الموضوع في ما بعد ,ألا أن نظرة روك المعبرة بأتجاه كيم عندما غادرت مسكن كاتانيا أكدت لها أن سيطلب من الطبيب الحضور الى بارت في أقرب فرصة.
وفي الصباح التالي طلب بارت من كيم الذهاب الى تنغافيل لأحضار بعض الكتب التي أمل أن تكون قد وصلت الى المكتبة , وقال:
" طلبت هذه التب منذ بضعة أسابيع, ولذا من الجائز أن تكون قد وصلت الآن".
ثم هز رأسه وهو يرمقها بنظرة متفحصة:
" هل تريدين أن تفعلي شيئا في المدينة؟".
" أود أن أقص شعري أو أعيد ترتيبه , فقد أصبح بالغ الطول بالنسبة الى هذا المناخ".
"قصي شعرك يا عزيزتي كيم , فأنا لن أنتظر رجوعك الا عندما أراك على ظهر الحصان".
"ربما لن أتمكن من قصه من دون الحصول على موعد مسبق , ألا أنني سأجرب".

أمل بيضون 25-02-10 05:01 PM

ركبت كيم سيارة بارت, وأجتازت الطريق البالغة سبعة أميال الى تنغافيل, وأوقفت السيارة في موقف النادي , لم تكن الكتب المطلوبة قد وصلت,ألا أن عاملة المكتبة توقعت أن تستلم بعض الكتب يوم الخميس, فشكرتها كيم وقالت أنها ربما عادت بعد الظهر للسؤال , ثم أتجهت الى مزين الشعر الذي أبلغها أنه ربما أستطاع قص شعرها بعد ثلاثة أرباع الساعة.
وبدأت تتجول في الشارع الرئيسي تتأمل البضائع المعروضة في واجهات المتاجر , ورأت عددا كبيرا من الأفارقة لا سيما الأولاد الذين يلعبون في الطريق من دون أن تبدو عليهم علامات التأثر بحرارة الشمس القاسية , وأحست كيم بالعرق والحر رغم أنها أرتدت تنورة قطنية قصيرة أظهرت سمرة قوامها وبلوزة بلا أكمام ذات صدر شديد الأنخفاض , فدخلت المقهى وطلبت كوب ليموناضة لتمضي الوقت الذي يفصلها عن موعدها ونظرت عبر النافذة الى أجمة من أشجار جوز الهند الباسقة التي تمايلت أوراقها الشائكة الطويلة في السماء الأفريقية الصافية الزرقة , وحضرت النادلة , بيد أن الكلمات ماتت على شفتي كيم عندما ظهر الشخص الذي كان آخر ما تتمنى رؤيته قبل برهة وجيزة , وأقترب من طاولتها بلا مبالاته المعهودة , وأستأذنها بالجلوس معها , فتكلفت الأبتسام وهي تقول:
" بالطبع يا سيد......".
وصمتت عندما لمحت السخرية والدعابة تشرقان في عينيه ,وقالت بنبرة واضحة ومقتضبة:
".
"روك..."
" كيف هي حال بارت؟".
" أنه بخير , لكنه ما زال يبدو متعبا".
أطرق روك وقال:
"سيزور الطبيب بارت غدا صباحا ,وقد حاولت أحضاره الى عيادته اليوم , لكنه لم يكن في البيت , فأبلغت الأمر الى زوجته التي أكدت لي أن مسكن تاتيانا سيكون أول مكان يزوره في صباح الغد".
"هل يعرف بارت أن الطبيب سيزوره؟".
"سوف يعرف, سأراه بعد الظهر لأتناول معه(شراب الغروب) وحينئذ أخبره بزيارة الطبيب".
" أنه لطف عظيم منك أن تكلف نفسك كل هذا العناء".
وأنتبهت فجأة أن النادلة تقف بجانبها , فطلبت كوب ليموناضة , وقال روك:
" من فضلك كوب ليموناضة آخر".
أرتاح في مقعده متراجعا الى الوراء , وتفحص كيم عن بعد, فألتمع التحدي في عينيها الزرقاوين من دون أن تعرف لذلك سببا واضحا , ربما كان السبب علمها بأن العداوة بينهما لا تنتهي بمجرد أتفاقهما على أمر واحد مشترك هو خير بارت ومصلحته , لا, فعلاقتها مع روك لن تصل الى حد الصداقة , وقبل روك التحدي , فتكاسلت عيناه , وظنت أنه لم يجد شيئا يكلمها به, هذا غريب ... غريب للغاية.
وحارت أفكارها وهي تتذكر أقوال سوزان:
" أنا واثقة أنه لو أتى اليوم الذي يقع فيه في هوى فتاة ما , فأنه سيقاومها بكل قوته".
لم تعرف كيم لماذا خطر هذا على بالها , ألا أن السبب قد يعود الى ملاحظتها وسامته وأقرّت أنه من قبل الأعجوبة ألا تتعرض عزوبيته للخطر.
وتحدث متسائلا عن الغاية من زيارتها المدينة , فأجابت بصوت منخفض بدا أشد مودة من العادة:
" طلب مني بارت أحضار بعض الكتب له من المكتبة ".
أبتسم ساخرا وهو يقول:
" أننا منضبطان جدا اليوم , وأنني أتساءل كم سنستمر , على هذه الحال".
"وقتا قصيرا , أذا كنت ستجرّب علي سخريتك".
عقد روك حاجبيه موبخا , وأنذرها بلطف:
" أنك تدفعينني الى أظهار أنفعالات أقسى منالسخرية".
"حقا؟".
" يا لك من فتاة متمردة , بل أكثر من ذلك, أنك وقحة وعنيدة ولا تشبهين السيدات في أي شيء".
"هل هذا كل ما عندك؟".
أجاب مداعبا:
" ربما كان عليّ أن أضيف عبارة: مشاكسة".

أمل بيضون 25-02-10 05:02 PM

أحضرت النادلة الليموناضة , وأنتظرت كيم ذهابها حتى تقول بالهدوء نفسه على رغم تفاقم غيظها:
" لا يمكنني أن اعزو تصرفك الشنيع الى خبرتك القليلة , هذا أذا كان لديك أي خبرة في معاشرة السيدات".
"هل تقولين معلشرة السيدات؟".
علت الحمرة وجهها , وتحول نظرها الى شعره الأجعد الملتمع تحت أشعة الشمس المتسربة من النافذة المفتوحة , وكم تمنت لو تقف وتمسكه بشعره وتشده حتى تنزعه ,ولكن, عوض ذلك لجأت كالعادة الى لسانها:
" أنني آسفة على قولي ذا , ولكن...".
غير أنه قاطعها ضاحكا ضحكة أزعجت أذنيها رغم ما فيها من دعابة:" لا أظن أنك آسفة على الأطلاق, وفي أي حال , تابعي حديثك , فأنا مستعد لأن أسمع بعضا من كلماتك الجارحة".
" يا لأستبدادك وأعتباطيتك وغرورك يا سيد لنتون".
"هل هذا كل شيء؟".
لقد وجه السؤال فيما أرتجفت شفتاه من الضحك وهو يستعير كلماتها :
" أرى أننا قد عدنا الى أستعمال الألقاب".
تجاهلت كيم ملاحظته الأخيرة ونظرت اليه من فوق حافة الكوب الطويل قائلة:
" ربما كان يجب أن أضيف عبارة( لا تطاق)".
قال روك بلطف وكأنه يتنبأ:
" لا شك أن أحدا سيلقنك درسا تستحقينه ذات يوم".
وعلى الفور أزدادت حمرتها ,وسألت بعد أن كبحت جماح نفسها:
"قل لي ما الذي دفعك لمشاركتي طاولتي؟".
رد بلطف وتحد:
" أفترض أنني خدعت نفسي حين ظننت أنك لن تبدأي معي مشاحنة علنية".
علقت كيم بكثير من الكبرياء:
" أنا لم أبدأ يا سيد لنتون".
عندئذ تناول جرعة كبيرة ليطفىء ظمأه ,وقال:
" دعينا ننتقل الى موضوع أقل حساسية وأثارة , حدثيني عن الكتاب الذي يضعه بارت الآن".
لم تقرر كيم أذا كانت ستجيبه على طلبه أم لا , لأنها رغبت في شرب كوبها ومغادرة المقهى على الفور , ألا أنه كان من واجبها أن تذكر أن روك صديق بارت مع أنهاأسفت لتأخرها في التنبه الى ذلك , وقالت:
" أنه ليس كتاب أسفار".
" أعرف هذا, فهو يكتب كتابا تقنيا عن الحشرات والأزهار البرية , أن بات رجل ذكي ومجتهد".
" يبدو أنه واسع الأطلاع في مبادىء علم الأحياء".
" هذا واضح , كم سيستغرق منه أنجاز الكتاب أذا قرر أنجازه؟".
حدقت كيم في روك لأن سؤاله عبر عن شعور تتعذر معرفته , خيل اليها أنه يعتبر فراقهما مهما بعض الشيء بالنسبة اليه, هل كان يشعر بالحزن , هل كان يشعر بالحزن لتفكك روابط الصداقة التي نشأت بينه وبين بارت ؟ من المؤكد أنه لن يحزن على فراقها وقالت:
"أنا واثقة أن سيكمل الكتاب , أما بصدد الوقت الذي سيستغرقه أنجاز الكتاب , فمن الصعب تقديره , أستأجرنا مسكن تاتيانا كما تعلم , غير أنه سرعان ما سيجد بارت مسكنا آخر نستأجره أذا وجد ذلك ضروريا ".
"لكن البيوت غير متوافرة هنا يا كيم".
" سوف يخلي أفراد أسرة روبرتسون الكوخ الريفي المؤلف من طبقة واحدة الذي يشغلونه لأنهم ينوون زيارة أقاربهم في أستراليا ".
وأطرق روك فيما تحدثت كيم , ثم أنحنى ليرفع كوبه عن الطاولة :
"الحقيقة أنني نسيت كل ما يتعلق بالكوخ".
وأنتقل الى موضوع آخر:
" أفترض أن النسخة النهائية يمكن أن تطبع في أنكلترا".
"أجل , لكن بارت يقول دائما أنه من الأفضل أن نفعل كل شيء ونحن في الشمس".
" هل نزوران أمكنة غريبة دائما عندما يضع بارت كتبه؟".
" في معظم الأحيان , لقد قضينا في فيجي سنة كاملة , كانت الزيارة رائعة".
" رائع جدا , لا شك أنك فتاة محظوظة".
أفرغ روك كوبه وأمسكه بيده , وأخذ يحدق اليه فيما أنطلقت أفكاره بعيدا , وظنت كيم أنها عرفت ماذا يفكر , وقالت بعد صمت:
" علي أن أبحث عن وظيفة جديدة حين يتقاعد بارت".
" آمل ألا يتقاعد قريبا".
أختفى المرح من صوت بارت , وحل محله الجفاء الذي ذكرها بنبرته ليلة السبت فور أنتهاء حديثهما على الشرفة عندما تغيرت حاله تغيرا كليا وقال أن عليهما العودة الى قاعة الرقص وقالت:
" علي أن أذهب الى موعدي مع مصفف الشعر".
تحولت عينا روك الى قمة رأسها اللامعة ,وسألها سؤالا فاجأها لما أظهر من أهتمامه بها:
" أظن أنك ستخضعين لعملية غسيل وتصفيف".
أجابت كيم وهي تضع يدها آليا على بعض الذؤابات وتطبق أصابعها عليها بشكل مقص:
" هذا صحيح, لكنني سأقص بعضه أيضا لأنه طويل جدا".
فعبس روك :
" لا أظنه طويلا , فهو يناسبك كثيرا , والحقيقة أنه غاية في الجاذبية والجمال".
حدقت اليه كيم متسائلة أذا كان ما تسمعه صحيحا , فمن المؤكد أن العجرفة برزت في نبرة صوته وألتفاتته , وكان كمن يمنعها عن قص شعرها فقالت:
"" أشكرك على مجاملتك, غير أنه ينبغي قصه".
" أذن, سيصبح قصيرا".
"جدا".
ثم نظرت الى ساعتها, ونهضت عن كرسيا وقالت في عجل:
" طاب نهارك".
وما هي ألا برهة قصيرة حتى عجبت من نفسها أذا أجابت سؤال المزين عن مقدار الشعر الذي تريد قصه:
" مقدار قليل , فأنا أريد قص جزء بسيط منه وأعادة ترتيبه أضافة الى غسله وتصفيفه".

أمل بيضون 25-02-10 07:41 PM

3- زيارة منزله
تأمل بارت بعض الأوراق التي أخرجها من ملفه , وظهر الأنزعاج على وجهه بينما أنتظرت كيم وهي تحمل الكراسة في يدها أن يتابع ما كان يمليه عليها ,وفجأة هز رأسه وقال كأنه يحدث نفسه:
" هذا محزن للغاية".
لقد بدأ في الأسبوعين الأخيرين يتحدث الى نفسه , وأعترف ضاحكا أنه أزداد غرابة مع مرور الأيام ,وقلقت كيم أكثر فأكثر مع كل التأكيدات القائلة بأن لا خطر يتهدد صحته , وأخبرها بارت أن الطبيب نصحه بالراحة والأسترخاء بعد أن فحصه على أنفراد في غرفة نومه وذلك أنه يعمل ساعات طوالا على حد قول الطبيب , عندئذ أعترض بارت على الطبيب:
" كل الكتّاب يعملون طويلا , كم يكره الأنسان أن يوقف عمله عندما تتزاحم الأفكار المفيدة في رأسه".
"عليك أن تتوقف ’ هذا كل ما يمكنني أن أقوله لك".
ثم ألتفت الطبيب الى كيم وقد ظنها أبنة بارت :
" هل ستضمنين محافظته على ساعات عمل معينة لا تتجاوز الخمس أو الست ساعات كحد أقصى؟".
أجابت كيم وهي تشك قليلا بصدق جوابها , لأنها علمت خلال ثماني سنوات من عملها مع بارت أنه عنيد:
" سأحاول".
ثم نقل الطبيب عينيه الى بارت... وحملت نظراته تحذيرا شديدا , ألا أن كيم أطمأنت بعد أن قال الطبيب لدى خروجه:
" لا تقلقي , لأن صحته ستتحسن أن هو أتبع الأرشادات".
وتحدثت كيم الى روك , ملاحظة الجمود في قسمات وجهه عندما طلبت اليه أن يساعدها في جهودها لمنع بارت عن العمل المضني , ووعددها بأن يحدثه في الأمر , مما جعل كيم تثق بصدقة.
سألت كيم بارت , وهو يتطلع الى الورقة التي أخرجها من ملفه دون أن يزيد على ما قاله:
" ما هو الأمر المحزن؟".
" أنني أقرأ بعض الأرقام المتعلقة بحيوانات جنوب أفريقيا , هل تعلمين أن عدد الفيلة التي تعيش في غابة كنيسنا لم يزد على عشرة في العام 1973؟".
هزت كيم رأسها عابسة:
" عشرة فقط؟ هل ستنقرض هذه الفيلة؟".
" لا شك أن كثيرا من الحيوانات ستنقرض نتيجة أبعادها عن مواطنها الطبيعية , فعلى سبيل المثال , لا يوجد ذكر بالغ في قطيع فيلة آدو".
برقت مقلتاها بالدموع:
" لماذا يقتل الناس الحيوانات؟ أنا لا أستطيع أن أفهم ماذا يجني الأنسان من تصويب البندقية على حيوان بري آمن".
"وكذلك أنا, لكنني أفترض أن ذلك تعبير عن رغبة القتل".
"لعلك تعلم أن بعض فصائل البقر الوحشي أنقرضت".
هز بارت رأسه بحزن:
" قرأت عن هذه الحيوانات مرة أخرى منذ بضعة أيم , هل تظنين أن الأنسان سيترفع عن هذا العمل؟ أقول بكل أسف ,كلا, فكثير من الناس يجدون متعة في تعليق رؤوس الحيوانات كتذكارات على جدران منازلهم".
رؤوس حيوانات محنطة , أقشعرت كيم بأشمئزاز , أنها لا تستطيع رؤية هذه الحيوانات والتفكير بأنها حرمت الحياة لأجل أرضاء الأهواء ,وهمست ,وقد أغرورقت عيناها بالدمع:
ط الأنسان مجرم يفتك بكل ما حوله".
ورأى بارت أن من الواجب القضاء على كآبتها , فأستعاد حيويته,وأقترح عليها أكمال الفصل المتعلق بالعصافير ,وقال:
" هل دونت ما قلته عن عصافير السكر الطويلة الذيل؟".
أطرقت كيم وهي تتابع تدوين ما يمليه بارت عليها , ثم أتمت طباعة الم الى الملاحظات التي دونتها بطريقة الأختزال ,وكان عليها أن تعيد تنقيح وطباعة عشر صفحات من الفصل السابق , ألا أن بارت حضر الى مكتبها قبل أن تباشر عملها هذا ,وطلب منها الذهاب الى المكتب وهو يبتسم بلطف كالعادة:
" عدت مجددا الى طلب بعض الكتب , التي يمكن أن لا تكون قد وصلت وذلك عكس ما أتمنى , لا تسرعي في العودة ألا أذا رغبت في ذلك ,بل أذهبي الى السوق وأبتاعي لنفسك ثوبا جديدا وعطرا".
بادلت كيم بارت الأبتسام , وركزت بصرها ,وركزت بصرها على وجهه بحب شديد مدة طويلة , كان بطبيعته شفافا ,وعرفت أنه يرغب في أهدائها الثوب أو العطر اللذين أشار اليهما , ألا أنه حجم عن تقديم أعلان رغبته لعلمه بصدق تحمسها للأستقلال المادي , وكعادتها تساءلت أذا لم يكن من الأنانية تبني هذا الموقف أتجاه بارت الذي ينظر اليها كأبنة أكثر منها موظفة ,ورحب , وهو العازب الذي لا أقارب له, بمجيء كيم الى بيته وأقامتها معه , وطالما ردد أن ذلك كان أفضل عمل في حياته.
قالت بأندفاع , وهي تشعر أنه ليس من الخطأ أن تكذب على بارت كذبة بيضاء قد تسعده.
" سأبحث عن الثوب , على أنني سأنتظر حتى أشتري العطر , فعيد الميلاد ليس ببعيد وعليّ ألا أبدد نقودي".
" هل تقصدين أن العطر الذي تحبينه باهظ الثمن بالنسبة اليك حاليا؟".
" أجل , هذا صحيح".
" أذن, دعيني أشتريه لك".
كان كمن يتوسل اليها , فأبتسمت له أبتسامة مرحة مشرقة:
"" أشكرك يا بارت , سأدعك تشتريه لي".
أضاء وجه فرحا بفضل الكذبة البيضاء ,وقال:
" سألح عليك بطلب شيء واحد هو أستعمالك العطر بسخاء!".
" أشعر دائما أن العطر غال الى حد لا يسمح لي بتبذيره".
" لا تخافي , فهو لن يضيع".
" أنه أحدى الكماليات التي يجب على المرء أن يحتفظ بها للمناسبات الخاصة يا بارت".
" لا تقولي ذلك , فعندما تفرغ الزجاجة , بأمكانك أن تشتري زجاجة أخرى".
ثم دفع اليها شكا مفتوحا , وطلب منها أن تشتري عطرها المفضل مهما غلا ثمنه.

أمل بيضون 25-02-10 08:13 PM

كان عطرها يدع (غاي) وهو ثمين جدا , والحقيقة أنها شكت بقدرتها على أبتياعه من مدينة صغيرة , لكنها دهشت كثيرا عندما وجدته , فأشترت أصغر القارورات الموجودة ,وأخذت تبحث عن ثوب دون أن تقرر ما أذا كانت تريد ثوبا للسهرة أو للأستعمال اليومي ,وشدّها سروال رقيق خفيف الوزن , فدخلت المتجر حيث وقفت سوزان تنقب بين البلوزات , فأستدارت مبتسمةوحيت كيم التي سألت سوزان بعد أن عرفت أنها لم تجد ما تريد شراءه:
" عن أي نوع من البلوزات تبحثين؟".
" عن بلوزة أنيقة تحفظ برودة الجسم , وهذا صعب لأن البلوزات الأنيقة لها أكمام طويلة ".
" هل هي لمناسبة خاصة؟".
هزت سوزان كتفيها ,وردت البلوزة التي كانت تحملها الى البائعة:
" ستزورنا أبنة خالي عما قريب , لذا فكرت بشراء بعض الملابس الجديدة لعلمي أنها ترتدي ملابس رائعة منذ نهوضها من الفراش والى حين تأوي اليه".
ثم أنتقت بلوزة أخرى وهي تضحك وتقول مشيرة بيديها الى الواجهة:
"هل تعلميم أنني أشتريت سروالا مثل ذاك المعروض في الواجهة؟ وأريد بلوزة تماشيه".
رددت كيم بأستغراب:
" السروال المعروض في الواجهة؟ أذن هناك أثنان".
قطبت سوزان جبينها:
"بكل أسف , أجل , لقد أحببته كثيرا ,وأتمنى ألا يجد السروال الآخر زبونة تشتريه وتلبسه في المناسبة التي أرتديه فيها- ألست أنانية للغاية ؟".
ثم شدت البلوزة اليها بشرود , وأعادتها الى البائعة التي أملت بصبر أن تقرر سوزان شراء شيء آخر الأمر ,وفجأة سألت سوزان كيم:
" ماذا تريدين أن تشتري يا كيم؟".
" لا أفكر بشيء معين".
قررت كيم أن تفاتحها بعد برهة , لقد تحول الأمر الى عادة , غير أن كيم أصبحت الآن تعرف سوزان جيدا بحيث تشك بأنها ستعرض التخلي عن السروال أذا أعربت كيم عن رغبتها بشراء السروال المعروض في الواجهة.
" متى ستأتي أبنة خالك الى منزلكم؟".
" يوم الجمعة في الأسبوع القادم".
" هل ستقضي عندكم وقتا طويلا؟".
" ستة أسابيع أو أكثر قليلا , هذا يعتمد على حبها للمكان ".
" أذن , لن تكون هنا في عيد الميلاد".
وقفت سوزان تحسب الأيام ,وقالت:
" لا أظن أنها ستبقى كل هذه المدة , لأن ثمانية أسابيع تفصلنا عن الميلاد ,أليس كذلك؟".
" أكثر قليلا".
" لن تكون أبنة خالي هنا عندئذ , فقد أخبرتني في رسالتها أنها تعتبر فترة ستة أسابيع مدة طويلة , لكنها قد تمضي أسبوعا أضافيا".
نظرت سوزان الى بلوزة جديدة قدمتها اليها البائعة هذه المرة , ثم أستطردت متأملة:
" أبنة خالي هي أكثر الفتيات اللواتي أعرفهن حيوية ,ويتقدم لخطبتها أكثر الشبان لياقة وملاءمة , لكنها قد تبقى عازبة لشدة دقتها في الأختيار".
" لعلها ما زالت شابة صغيرة؟".
وتكوّن لدى كيم أنطباع بأنها تناهز الثلاثين على الأقل ,وربما نشأ ذلك الأنطباع عن أشارة سوزان الى ملابسها الجذابة .
" أنها صبية جميلة مفعمة بالحيوية تتمتع بكل نعم الطبيعة ومواهبها , فهي ترتدي أفخر الملابس والمجوهرات برباطة جأش ,وتحسن أستعمال عينيها الزرقاوين,اللتين تنمان عن براءة تشبه براءة الأطفال...".
صمتت كيم,وقد ألتمعت عيناها بالضحك:
" أظنك تستخلصين أنني أغار منها , أليس كذلك؟".
" أبدا , فوصفك لها ممتع للغاية جعلني أتوق الى لقياها , ما أسمها؟".
" رافيلا , أنه أسم كلاسيكي قديم لفتاة عصرية أكثر من اللزوم ".
رفعت كيم بلوزة قصيرة الأكمام فيما قالت وهي منشدهة:
" يبدو أنها ستكون قنبلة الموسم في النادي".
"لا شك في ذلك أبدا , فسيعتبرها من حولها من الرجال بهجة العمر , لأنهم لا يرون حسنا يضاهي حسنها كل يوم".
شاق الأمر كيم فعلا , وأزداد فضولها:
" هل هي صغيرة , أو طويلة , أم شقراء , أم....؟".
" أنها متوسطة الطول , ولها جسم يتمنى الرسامون والنحاتون أن يكون لهم نموذجا".
"ماذا تعمل لكسب قوتها؟".
أحست كيم أنها أكثرت من الأسئلة , لكنه بدا أن سوزان لا تلاحظ شيئا لشدة أستمتاعها بالحديث.
" أنها لا تعمل شيئا , فوالدها حقق أنجازا باهرا في مطلع شبابه , أذ سجل أختراع مادة ما , فلم تضطر رافيلا مع ذلك للعمل أبدا".
وتوقفت سوزان لحظة:
" أظن أن هذا أحد الأسباب الذي يدفعها الى التشدد والتدقيق في أختيارها , فهي بحاجة الى شخص غني يبقيها في الجو والمستوى اللذين ألفتهما".
سألت كيم , وهي تشعر بالذنب لأعادة بلوزة أخرى الى البائعة لا لأنها جربت واحدة بل لأن سوزان طرحت جانبا العديد من البلوزات :
" هل هي قادمة بمفردها؟".
" أجل أنها قادمة بمفردها , كانت زوجة خالي سترافقها , ألا أن أعتلال صحة زوجها في الآونة الأخيرة أجبرها على ملازمة المنزل".
هنا حملت سوزان بلوزة قرنفلية ظنت كيم أنها ستناسب السروال وقررت سوزان:
"سأجرب هذه , هل تفكرين في شراء واحدة؟".
" ربما.....".
ظلت كيم وحيدة , فيما قادت البائعة سوزان الى حجيرة لتجرب فيها بلوزتها ,وبعد عشر دقائق غادرت الفتاتان المتجر , وقد أشترت كل منهما بلوزة , وخلفت البزة , لأن سوزان بذوقها الدقيق الصعب رأت أن لون أزرار المعطف لا يتماشى مع لون قماشه وعرضت البائعة بلطف تغيير الأزرار , ألا أنها أعلمت رفيقتها:
" عليّ أن أذهب الى المكتبة لأن السيد ناش طلب بعض الكتب التي آمل أن تكون قد وصلت".
" لن تصل الكتب الى المكتبة قبل وقت طويل خصوصا أذا كان لا بد من أرسالها عن طريق مكتبة أخرى , لكنني أظن أنك أصبحت تعرفين ذلك الآن ,وفي أي حال , عليّ أن أذهب الى المكتبة أيضا , فأمي تريد كتابا عن حياكة الصوف".

امراة بلا مخالب 25-02-10 10:38 PM

تسلم ايدك يا قمر على الرواية الجميلة هى فعلا من اروع روايات ان هابسون
تسلمى يا حبيبتى ومنتظرين التكملة :amwa7:

أمل بيضون 26-02-10 06:22 PM

لم تمض دقيقتان على وجود الفتاتين في المكتبة حتى دخل روك ببرودته وأعتداده بنفسه كالعادة, وأتجه بسرعة نحو خزانة الكتب المثبتة التي وقفت عندها الفتاتان , وكانت كيم قد سألت عن الكتب التي طلبها بارت , فأبلغت أنه من الممكن أن تكون قد وصلت , لكنها ما تزال مشغولة , ووعدت الموظفة بأن تعطيها الجواب الأكيد بعد عشر أو خمس عشرة دقيقة, وفي تلك األأثناء بحثت كيم بين الرفوف لمساعدة سوزان في أيجاد مبتغاها , وقالت سوزان بيأس وهي ترى التغير في تعبير وجه كيم:
" لماذا لا ينظمون المكتبة بصورة أدق؟".
ثم أدارت رأسها , وحيت روك بأبتسامة:
" مرحبا يا روك , لماذا أبتعدت عن أشجارك الغالية في هذا الوقت من النهار؟".
ركز روك بصره على وجه سوزان الجميل قبل أن يحوّل أنتباهه الى كيم , التي أحمرت خجلا عندما رفع حاجبيه قليلا.
لقد أنتبه الى أنها لم تقصر شعرها على نحو ملحوظ ... وربما كان يتساءل عن الدافع الى قرارها , لكنه في أي حال لم يعلق على الأمر , فسرت كيم ,وقال متجاهلا سؤال سوزان:
" عم تبحثان؟ هل تريدان كتابا للطهي أم كتبا للأدارة المنزلية؟".
وبان المرح في عينيه عندما لاح الغضب في وجنتي سوزان:
" كلا".
ورددت كيم بتأثر يفوق تأثرها:
" كلا".
ولم تتمالك نفسها من القول وهي تحمل كتاب الحياكة الذي رفعته عن الرف:
" هل يمكن أن يشوقك هذا الكتاب؟".
وظهر على الغلاف طفل صغير ملفوف بشال أبيض أنيق,ثم أضافت كيم برقة:
" هل تعلم أن الرجال يحيكون الصوف أيضا؟ وقد سمعت أن ذلك مفيد للأعصاب".
فضحكت سوزان , وخف التوتر , وخاب أمل كيم في أن تعرف أذا كانت قد أحرزت أنتصارا عليه أو لا وكل ما عرفته هو أن عينيه الرماديتين القاسيتين أضاءتا , فأفترضت أنها لو كانت مع روك بمفردهما لجرت مشادة جديدة بينهما , ثم رفعت سوزان نظرها الى وجه روك الوسيم:
" عن أي نوع من الكتب تبحث يا روك؟".
وأتضح لكيم تأثر سوزان بروك وأنشدادها اليه , وأن كانت تحاول أخفاء الأمر بمرحها في الحديث.
"رواية خفيفة , فأنا أشعر بميل , بل بحاجة للأسترخاء".
ثم تفرّس في الرفوف المجاورة :
" هل لديك ما تقترحين يا سوزان؟".
فهزت رأسها:
" ليس لدي وقت للقراءة لكثرة مشاغلي في المزرعة".
هز روك كتفيه وأتجه نحو مجموعة كتب أخرى , وأدارت كيم ظهرها اليه , ثم سألت سوزان فجأة بعد أن وجدت كتابا عن قطب الحياكة ظهرت على غلافه صورة لكنزة.
" هل يصلح هذا؟ ألم تقولي أن السترة لوالدك؟ أظنه سيفرح بأرتداء مثل هذه السترة".
فتحت سوزان الكتاب وأضافت:
" أن حياكتها سهلة , وهي جميلة".
ثم نظرت الى ساعتها :
" آسفة يا كيم , لا أعتقد أنني سأبقى معك مدة أطول".
" حسنا , سأعرف في غضون خمس دقائق أذا كتب بارت قد وصلت".
ما كادت سوزان تغادر المكتبة , حتى عاد روك الى المكان الذي وقفت فيه كيم , وأعطاها كتابا قبلته قبل أن تعرف أن عليها محاذرة مكرهة , وقال بينما أفتر ثغره عن أبتسامة:
" ظننت أن هذا سيكون نافعا لك".
ركزت نظرها على العنوان:
" كتاب الدلفين لآداب الحديث والسلوك العامة".
لم تستطع أن تقول أكثر من :
" أنك.... مقيت ولا تطاق".
" أظنك ستفرحين للغاية لو قذفته في وجهي".
" ربما, ولكن, نظرا لأستحالة هذا الأمر في مكان عام , فسوف أرجعه اليك , آملة أن تقرأه بنفسك يا سيد لنتون وتستوعب النصائح الوجيهة التي أؤكد لك أن الكاتب يسديها لك ولأمثالك".
ولشد ما دهشت عندما رأته يضحك , فهي لم تتمنّ ذلك , وأنما تمنت أن تراع غاضبا خصوصا بعدما تذكرت قوله مرة وقد أغاظها الى أبعد الحدود بملاحظاته الجارحة : ( أن المرأة هي الطرف الوحيد الذي يغيّر موضوع الحديث لأتفه الأسباب) وسألته عندئذ أذا كان لا يغضب , فنفى , ومنذ تلك اللحظة أصبح هدف كيم الضمني أثبات خطأه.
قبل روك الكتاب , وقال فيما تناوله من يدها المرتجفة :
" كيم, لتجنب الوقوع في مشاداة كلامية هنا , ما رأيك في أعلان هدنة لمدة ربع ساعة أو نحوها بينما تتناولين شاي بعد الظهر معي؟".
حدقت كيم اليه وقد دهشت لخلو نبرته من التهكم والتحدي المألوفين ,والحقيقة أن صوته عبر عن قدرة في الأقناع لا يمكن تجاهلها ,ووجدت نفسها تقول:
" أشكرك يا سيد لنتون.......".
وتوقفت عن الكلام عندما رفع أصبعه بسرعة كأنه يوبخها:
" روك... أظننا أتفقنا على التقيّد برغبة بارت المبهمة والقاضية بأستعمال أسمينا".
"المبهمة......".
التمع في عيني روك تعبير غريب للغاية وهو ينطق بهذه الكلمة , وأعترفت كيم بعد صمت قصير:
" أجد صعوبة في مناداتك رر.....روك لكثرة مشاجراتنا وعدم أظهارنا المودة لبعضنا".
أجابها والتهكم يشع في عينيه:
" كم ظهر أسمي رائعا عندما تلفظت به, وبالمناسبة, لا أظن عبارة (مشاجرة) معبرة على نحو كاف".
تركت كلماته وملامحه أثرا غريبا على مشاعرها ,وتسارع نبضها.
سخر منها ثانية , غير أنها تعجبت لعدم شعورها بالأستياء أو بالرغبة للرد عليه هذه المرة , بل طرقت موضوعا جديدا:
" الحقيقة أنني جئت الى هنا لأخذ بعض الكتب لبارت , والموظفة تحاول أن ترى أذا كانت قد وصلت".
"متى طلبت تلك الكتب؟ الأرجح أنها لم تصل ,وفي أي حال , أي نوع من الكتب هي؟".
أجابته كيم فيما رأته يعبس ويهز رأسه:
" أحدها عن أخضرار الطبيعة في جنوب أفريقيا , أما الآخر , فلا أعرف موضوعه لأنني لم أرافق بارت حين حضر لطلب الكتب".
ثم نظرت الى الموظفة التي خرجت من الغرفة الواقعة خلف المكتب , وأومأت الموظفة بيدها معتذرة لعدم وصول الكتب , وختمت حديثها بالقول:
" هل تحضرين الى المدينة في الأسبوع المقبل؟".
" أجل , يمكنني المجيء ".
" ربما وصلت الكتب يوم الخميس أو الجمعة امقبلين".
ولما خرجا من المكتبة الى الشارع , قال روك:
"بأمكاني أعارة بارت كتابا حول الأخضرار الطبيعي , زوريني في البيت وأنت في طريقك الى مسكن كاتانيا حتى أعطيك أياه".
"أشكرك , وسيمتن بارت لبادرتك".
ثم دخلا مقهى , فطلب روك أبريق شاي وبعض الحلوى , فحضر الطلب على الفور , وسكبت كيم الشاي , ثم نظرت الى طبق الكعك , الذي أختار منه روك كعكة فيما أختارت هي كعكة غطيت بالقشدة , فسألها:
" ألا تخشين السمنة؟".
وتنقلت عيناه بين أجزاء جسمها , التي أمكنه رؤيتها من مقعده المقابل لها خلف منضدة منخفضة في أحدى زوايا المقهى , وقد ظللتها شجرة نخل زرعت في أناء ضاق عليها مع أستمرار نموها , فأجابت وهي تقطع الكعكة بشوكتها:
" أنني محظوظة".
لم ينبس روك بكلمة , بل نظر اليها وقد أرتسم على وجهه تعبير غريب ليس فيه شيء من السخرية أو التكبر , لم تواجه مثل هذا الشعور الجديد المتغّير الذي ترك آثترا غريبة عليها , فشعرت أنها لم تعد قادرة على التخلص من طيفه بسهولة كالسابق , ودفعها هذا الأعتراف الى العبوس والسعي لتحليل مشاعرها , والأستنتاج الذي طلعت به من بحثها هو حقيقة أنزعاجها – وهذا أقل ما يقال – من روك الجالس قبالتها والذي يركز بصره عليها , وللمرة الأولى فقدت الثقة بنفسها أثناء حضوره , فهي حتى الآن تتعامل معه معاملة الند للند مع أنها لم تشعر لحظة بنشوة الأنتصار الفعلي.. ولطالما تمكنت من الرد على عباراته فور التفوه بها , لكنها الآن... وأسفت وهي تحس أن هدنتهما خير , فجأة قال روك:
" أنك غارقة في اتفكير , هل تفكرين بكتاب بارت؟".
بدا كمن يحاول أستجوابها , فتعجبت كيم للأمر.
" كلا , الحقيقة أنني طرحت على نفسي سؤالا وحاولت الأجابة عنه , وقد حضرني الجواب الآن".
فرمقها روك بنظرة متفحصة:
" هذا لغز, أليس كذلك؟".
ضحكت ضحكة خفيفة, وأجابت من دون تردد:
" لا يمكنني أن أخبرك بكل ما فكرت فيه , غير أنني أستطيع أن أقول بعضا منه".
" أذن , سأرضى باليسير من كرمك".
وعلى رغم سخريته , لم تحس كيم بالفزع أو اليأس:
" الحقيقة أنني تساءلت عن السبب الكامن وراء تغير شعورك ومزاجك يا سيد .... رو ... روك".
رفع حاجبيه:
" تغير في في شعوري ؟ عليك بمزيد من التوضيح".
" لقد تخليت عن شعورك بالتفوق مما جعلني لا أشعر بأنني أنثى ضعيفة محتقرة , ومستعبدة".
عرفت كيم لماذا نطقت بمثل هذه الكلمات , لم يكن ذلك لرغبة في مجادلته , وهو الذي أبتسم قليلا:
" ها؟ أذن أنت من ذوات المخالب , أليس كذلك؟ تذكري يا كيم أن السخرية لا تناسبك".

أمل بيضون 27-02-10 02:43 PM

لم تجب بشيء , بل تناولت قطعة أخرى من الكعك بينما أستطرد هو متهكما:
" أرى أنك عدت الى التلفظ بالعبارات القاسية والجارحة مستعبدة؟ في الحقيقة أرى أن الرجل الذي يحاول أستعبادك هو بطل شجاع".
فأفلتت منها ضحكة أخرى ,ولاحظت بشيء من الغموض أن ذلك أعجبه أذ أضاءت مقلتاه المتحجرتان بعد أن أنتقلتا من فمها الى عينيها اللامعتين بالمرح, وأعلنت بثقة وهي تلتقط بالشوكة قطعة الكعك الأخيرة:
" أنه لم يخلق بعد".
أجابها متهكما وكأنه ينذرها بقسوة وعناد:
" هذا قول خطير , حاذري أن تقاومي القدر , لأنك قد تجدين نفسك ذات يوم وقد ألتقيت بمن هو أقوى منك".
وبسرعة ألتقت عيناها بعينيه بينما تسارع نبضها كما حدث قبل قليل ,وتساءلت بكبرياء:
"من يتكلم بالألغاز الآن؟".
" أنها لجسارة , بل وقاحة , أن تقولي أن الرجل الذي سيدجّنك لم يخلق بعد".
" يدجنني؟ لم أستعمل هذه الكلمة قط ... والأرجح أنني لن أستعملها".
كم فرحت لأن فمها كان فارغا , وألا لكانت قد غصت بالطعام أو بالماء.
" يدجّن ... يستعبد ... قولي لي ما الفرق".
" أظننا سنخترق الهدنة التي تحدثنا عنها".
" هل تراجعين كما تفعل كل أمرأة تشعر بخطر الهزيمة ؟ في أي حال, أود أن أكرر على مسمعك أنك مغرورة خصوصا عندما تفكرين أن الرجل الذي سيخلصك من أستبدادك وآرائك الأعتباطية لم يخلق بعد".
ربما كات كيم ستنفجر عند سماعها هذه الملاحظة , لكنها تنفست بعمق وعدت الى عشرة على مهل , ثم قالت بلطف ودلال أذ قصدت جعله يندم على وقاحته:
" أنه لكرم منك يا روك أن تعير الكتاب لبارت , وهو لا شك سيفرح به كثيرا ,ولكن, هل أنت واثق من أنني لن أزعجك بزيارتي في طريق العودة؟ فبأمكاني أن أزورك باكرا في صباح الغد – أذا كان هذا يناسبك أكثر".
هكذا سيرى كيف يمكن أن تكون لطيفة وجذابة أذا شاءت , لكنها صدمت لأنه لم يفهم قصدها الخفي وأذا فعل , فأنه أختار تجاهله بالقول :
" لو كنت ستزعجينني , لما أقترحت عليك زيارتي اليوم".
ثم حدق اليها ... فعرفت أن تفسيرها الثاني هو الصحيح لأن روك تجاهل مسعاهاالمقصود معتبرا أياه تصرفا طائشا , وثار ثارها , فما الذي يعطي هذا الرجل مناعة مثيرة للسخط ضد محاولاتها المتكررة للرد عليه؟ وقالت بأقتضاب:
"أني مستعدة للذهاب , وأرى أنك قد أنتهيت من شرب الشاي".
" هل يمكنني أن أسأل عما أصابك الآن؟".
" لا أفهم قصدك".
" لا شيء سوى أن حالك تغيرت كليا".
" ما زلت لا أفهم قصدك".
تشنج فم روك وأيقنت كيم أنه تمنى مخلصا لو يهزها هزا عنيفا , وقال:
" أنك تبدين لطيفة وجذابة للغاية , ثم لا تلبثين أن تنقلبي قاسية وعنيفة , وأرى أنك تتوددين الي! , ألا أن طبيعتك الجموحة تطغى عليك فلا تستطيعين كبحها تماما كما لا تقدرين على كبت ثورتك".
أزدادت حدقتا كيم أتساعا , وعجزت عن النطق لفرط دهشتها , وأخيرا تمكنت من القول أن تصرفاته محيرة للغاية , وأن وقاحته الظاهرة أشد أرباكا لأن لا مبرر لها , ومن ثم أنتظرت رده وهي تلاحظ الدهشة في عينيه والتوتر في فمه , هل تمكنت آخر الأمر من أثارته؟ أنتظرت أشارة تدل على فقدانه السيطرة على أعصابه , ألا أن آمالها خابت ,أذ أسترخت عضلات وجهه وأستعاد قسماته المتهكمة المرحة المألوفة.
وثارت حفيظتها لأنه تحدث بهدوء وبصوت رخيم لطيف:
" قلت أنك مستعدة للذهاب , سأحمل حزمتك هذه".
أعطته الحزمة بينما نهضا عن كرسيهما ,ودفع روك الحساب ثم أشار الى سيارته :
" سيارتي هناك , بأمكانك أن تتبعيني".
وأنتظر حتى فتحت الباب فوضع الحزمة على المقعد المجاور لها وهو يقول مؤكدا:
" لن أسرع".


الساعة الآن 06:26 AM

Powered by vBulletin®
Copyright ©2000 - 2021, vBulletin Solutions, Inc.