شبكة روايتي الثقافية

شبكة روايتي الثقافية (https://www.rewity.com/forum/index.php)
-   روايات عبير المكتوبة (https://www.rewity.com/forum/f202/)
-   -   82- الحمقاء الصغيرة -آن هامبسون - روايات عبير القديمة(كتابة /كاملة **) (https://www.rewity.com/forum/t103639.html)

أمل بيضون 01-03-10 08:16 PM

5- الحمى والمستقبل
ولدى عودة كيم وروك الى النادي , توجها فورا الى المنضدة الطويلة المزينة بالأزهار والتي صفت أطباق العشاء الخفيف عليها , ونظرت كيم حولها خلسة لتراقب أمارات الفضول التي قد تلتمع في عيون الناس , وأطمأنت أذ لا ترى شيئا من ذلك , وقال لها روك مبتسما وقد لاحظ أنها تنظر من حولها:
" أنك على ما يرام يا كيم , ولا أثر للدموع في عينيك ".
وأتجهت رافيلا نحوهما لتشبك ذراعها بذراع روك , الذي سرعان ما تخلص منها مبتعدا عنها , ولم تجفل رافيلا من تصرفه , وقالت:
" ما هذا العشاء اللذيذ؟ هل يمكني تناول عشائي معك يا روك؟".
أجاب روك مشددا على كلمته الأخيرة:
" يمكنك أن تجلسي معنا".
تطلعت الفتاة حولها وهي تسأل:
" معكم....؟ من معك؟".
" كيم , والأرجح أن السيد ناش سينضم الينا".
تجاوزت رافيلا ببصرها كتفي روك العريضتين , فلمحت كيم تقف على مسافة قصيرة منهما قرب الطاولة وهي تحمل طبقا لم تضع فيه شيئا , وتجاهل روك رافيلا وأقترب من كيم التي قالت بتشنج؟
" لا اشعر بالجوع, لذا أعذراني لأنني أرغب في الجلوس هناك, بأمكانك أصطحاب رافيلا".
لقد طغت الوقاحة على نبرة صوتها , وعرفت هي ذلك أذ آلمها رأسها كثيرا وأحست وهنا في ساقيها , أما روك , فركز بصره على رافيلا التي ملأت صحنها وتحدثت الى الشاب الواقف بجانبها , قبل أن يهمس متسائلا :
" لا أرغب أبدا بالجلوس مع رافيلا , ولكن , لماذا لا تشعرين بالجوع يا كيم؟ من المؤكد أنك تغلبت على مشكلتك , أليس كذلك؟".
حانت منها ألتفاتة دهشة نحوه ,وقالت:
" من المحتمل أن تكون قد تغلبت على المشكلة أنت , أما أنا , فأشعر بالتعب والأرهاق".
بادلها النظرات وهو يقر عابسا:
" من المؤكد أنك خجلة".
قطع صوت رافيلا الرنان على روك حديثه:
ط لم تضع أشياء كثيرة على طبقك يا روك , ألست جائعا؟".
لم تتأكد كيم من أحساسها بأن روك أحدث قرقعة شديدة بلسانه قبل أن يجيب رافيلا بلطف :
" لا أشعر بجوع شديد , لكنني سأتناول شطيرة أو شطيرتن من تلك الموضوعة على طرف الطاولة الآخر".
ووصل بارت من دون أنفعال كثير:
" خرجنا لتنشق بعض الهواء الطلق".
هز بارت رأسه بطريقة محيرة أربكت كيم وخيل اليها في الوقت نفسه أنه سر كثيرا بأمر معين تجهله ,وقال:
" فهمت , علي أن أعترف بأن تصرفكما حكيم , فالجو في قاعة الرقص أصبح خانقا للغاية".
وسألت رافيلا كيم وهي تنظر اليها بعبوس:
" هل خرجتما الى حدائق النادي ؟ كم أتمنى لو أن أحدا عرض علي أن يصطحبني الى الخارج فقد شعرت بحر وأنزعاج بالغين".
قال بارت بلطف:
" أنا متأكد أن جون كان يود أن يصطحبك في نزهة , فهو لم يرفع عينيه عنك طوال السهرة ,لكنني لاحظت أنك لا تشجعيه , عليك أن تشجعيه يا عزيزتي , فأنا واثق من لطفه ورصانته , وبأمكانك أن تجعليه موضع ثقتك".
وعلى الأثر تبادلت كيم وروك النظرات في ما بدا أنها تقول في سرها:
" أنتبه, من الممكن أن يكون جون موضع ثقة".
وبدا هو كمن يجيب :
" حسنا , حسنا , لقد سمعت ما قاله بارت".

أمل بيضون 02-03-10 06:46 PM

أمر غريب , فكرت كيم , لقد شعرت بذلك دوما , ما بالهما ,وهما العاقلان , يتبادلان الشكوك والتهم؟
عندئذ أستدارت كيم مبتعدة عن الطاولة , فسألها بارت بقلق:
"ما بالك يا عزيزتي ؟ لماذا لا تتناولين شيئا؟".
عضت كيم شفتيها , وأستدارت نحو بارت ثانية لأنها لا تريد أن تزعجه:
" الحقيقة أنني لست جائعة , ألا أنني سأتنول شطيرة".
فرماها روك بنظرة غامضة بينما قال بارت:
" فتاة رائعة , أين سنجلس ؟ آه , أرى هناك طاولة تتسع لثلاثة أشخا , أجلب لي معك شطيرة بينما أذهب نحو الطاولة وأحجزها".
وأبتعد قبل أن يتمكن أي من روك أو كيم أن يتكلم , أما رافيلا , التي أضاءت عيناها دهشة , فأدارت ظهرها لروك وكيم وبدأت تتحدث مع أحدهم , بينما قدم روك طبق الشطائر الى كيم وهو يعبس , ثم أخذ حاجته .
وقال لهما بارت عندما أنضما اليه:
" سننعم هنا ببعض الهدوء , يا للسماء , ما هذا الأزدحام الرهيب الليلة؟".
هز روك رأسه :
" لم يحضر الى النادي حتى الآن جمهور كبير مثل هذا الا في عيد الميلاد حين نقيم مهرجان رقص كبير".
ونظر بارت الى كيم التي تساءلت أذا كانت تبدو عليها ملامح المحنة التي عرضها عليها روك , الرجل الذي يقدره بارت كثيرا , ألا أنها رأت في عينيه المسمرتين على روك أبتسامة قد لا تعني شيئا لأي شخص سواها , فهي تعكس لها الرضى التام عن أمر ما , خصوصا عندما يسهل عليه التأليف والكتابة أو حينما يقول بعد أنتهائه من كتابة فصل جيد : ( لقد طابق هذا الخطة تماما يا كيم , وأظن أنه من أفضل الفصول التي وضعتها),
" يا ألهي, ما هذا الأزدحام ؟".
قطع حبل أفكار كيم , فأستدارت صوب روك الذي سألها:
" هل ترغبين بشاي أو قهوة؟".
" شاي , من فضلك".
أعتذر , وذهب لأحضار شيء يريدونه ,أما كيم , فسمعت صوت رافيلا على مقربة منها:
" يا لهذا الزحام , لقد أعتادت سوزان أن تصف مكان أقامتها بأنه هادىء في رسائلها لي".
ثم سمعت كيم جون , الذي رافق رافيلا , يقول:
" من المؤكد أن المكان مزدحم جدا ,ولكن , أين سنجلس؟".
شعرت كيم بالذنب وقد رأت رافيلا وجون يقفان بقربها وهما يفتشان عن طاولة , وأشاحت رافير ببصرها بعيدا عندما أنتبهت لنظرة كيم , التي همست لبارت:
" أبدت رافيلا رغبة بالجلوس معنا , فهل نستطيع أن نوسع لها ولجون مكانا؟".
وذهلت كيم لرؤية العبوس يعلو وجه بارت برغم موافقته على نقل كرسيه فيما جذبت هي أنتباه جون وأعلمته أن هناك متسعا لهما على طاولتها شرط أن يحضر كرسيين , فقال:
" شكرا جزيلا".
ثم وضع صحن الطعام بدون تردد ,وأنطلق يبحث عن كرسيين , وفي أقل من دقيقتين عاد يجمل الكرسيين , وما أن جلست رافيلا حتى بدت كأنها نسيت ما لقيت من أزدراء من قبل روك, وعادت اليها أبتسامتها وأشراقها المعهودين ,ولما رجع روك حاملا صينية صغيرة هليها ثلاثة فناجين , تطلعت اليه رافيلا فرحة , فسألها أذا رغبت ببعض الشراب , فأجابت وهي تنظر الى الفناجين التي نقلها من الصينية الى الطاولة :
" أجل يا روك , أرجو أن تحضر لي بعض القهوة".
ثم سأل روك جون:
" أما أنت يا جون , فماذا سنشرب؟.".
" شاي , من فضلك".
أحضر روك الشاي والقهوة , ثم جلس , فأبتسمت له رافيلا بأبتسامة ساحرة كشفت عن أسنانها الخالية من العيوب والتشوهات , وعن طرف لسانها القرنفلي الصغير , وبعد قليل أعلنت:
" أن هذه الفطائر لذيذة , فهل تفضلت يا روك بأحضار واحدة لي قبل أن تختفي جميعا؟".
عرض جون خدماته مخلصا:
" سوف أذهب أنا , هل تكفي واحدة؟".
هزت رافيلا كتفيها بكياسة :
" لا بأس بأثنتين , فهي صغيرة ".
ثم نظرت من تحت أهدابها الشديدة الطول الى روك الذي كان في الوقت الحاضر على الأقل منيعا أمام مفاتنها , غير أن كيم تساءلت كم ستطول هذه الحال , وأعتبرت أنه من الممتع مراقبة رافيلا ورؤية مدى نجتحها في مهاجمة روك , ثم فكرت كيم بالمشهد الذي جرى مؤخرا ومثلت هي فيه دور الفريق الرافض , وأعربت عن أقتناعها بأن رافيلا كانت ستتمتع بكل دقيقة فيه , ثم تطلعت الى روك متذكرة قول سوزان أنه أذا وقع في هوى فتاة , فأنه سيقاومها بكل قوته , فهل كان روك يقاوم رافيلا؟ هنا قطع بارت عليها أفكارها:
" لم تتناولي شيئا حتىى الآن يا عزيزتي كيم".
أستطاعت كيم أن تبتسم لبارت رغم آلام رأسها أزدادتسوءا فيما أشتد وهنها , وأحست بالعرق يتصبب منها والحر يلفحها والضعف في ذراعيها , وأجابته وهي تتناول الشطيرة وتقضم منها لقمة صغيرة :
" ألم أقل لك بأنني لست جائعة".
ركز روك أنتباهه على كيم , فلاحظت القلق في عينيه , وكم تمنت أن ترمقه بنظرة لا مبالية , لكنها تمالكت نفسها بسبب تعبها وعدم رغبتها بتذكيره بسلوكه المشين في حدائق النادي , وكل ما تاقت اليه هو دخول سريرها والأستلقاء بين ملاءاته الباردة والتخلص من ألمها بالنوم , فسألها روك وهو يلاحظ أن فنجتنها قد فرغ:
" هل أحضر لك فنجانا آخر؟".
" أجل , أرغب بفنجان آخر من فضلك يا روك".
" وأنت يا بارت؟".
" كلا , أشكرك".
لم يذق جون الشاي , أما فنجان رافيلا , ففرغ تقريبا , وقالت لروك قبل أن يتمكن من التفوه بكلمة:
" لا أحب مزيدا من القهوة يا روك".
ثم أضافت وهي تهز شعرها الفتان بحيث تمايل فوق كتفيها قبل أن يستقر ثانية:
" سأطلب منك أن تشتري لي كأس شراب عند البار في ما بعد".

أمل بيضون 02-03-10 08:49 PM

لم يحاول روك أن يجيبها بل مضى لأحضار الشاي لكيم , أما بارت , فحدق الى رافيلا وقد ظهر العبوس في عينيه , وتأكدت كيم أنه كان يتساءل أذا أستطاعت الفتاة الجميلة أختراق دفاعات روك أم لا , وكان واضحا أن بارت لن يسر بأي نجاح تحرزه رافيلا , غير أن كيم لم تفهم السبب , فأفتنان روك بهذا الجمال النادر لن يؤثر على بارت في أي حال , وعاد روك, فتحدثت اليه رافيلا من دون أنقطاع متجاهلة الأشخاص الثلاثة الآخرين على الطاولة , لكن أنزعاج روك منها ظهر واضحا برغم أنشداده اليها في الوقت نفسه , وظنت كيم أن رافيلا تحاول الأيقاع به مستعملة يديها وعينيها وخبرتها بتمايل شعرها وأهتزازه على نحو أيقاعي منتظم , وسمحت كيم لنفسها أن تأمل من دون حقد أن يجد روك لنتون البغيض نفسه غير قادر على مقاومة رافيلا في نهاية المطاف ... هل تمنت ذلك فعلا ؟ ركز روك نظره على كيم التي عضت شفتها أذ أحست بشفافيتها أمام هذا الرجل الذكي , ولو أنها في حالتها الطبيعية , لخيبت آماله بأحدى نظراتها الكليئة بالكبرياء , لكنها أكتفت بأن أستدارت ملتقطة أنفاسها أذ أصابت رأسها نوبة ألم أشد من السابق , وبعد قليل سأل برت:
" هل أنتهينا جميعا؟ أذا كان كذلك , فلعله من الأفضل أن نخلي أماكننا ونعطي الفرصة للآخرين بالجلوس".
وقف الكثيرون بعد أن تناولوا العشاء الخفيف , وقد حملوا الأطباق منتظرين غيرهم أن يخلوا الطاولات .
ونهضت كيم وصاحبتها قاصدين قاعة الرقص حيث وجدتا طاولة شاغرة , وطلب روك من رافيلا أن تراقصه , ثم قال بتهذيب وهو ينهض عن مقعده:
" نزجو المعذرة".
أجاب بارت وكيم معا:
" لا داعي للأعتذار".
لاحظت كيم أن بارت قطب جبينه , وما أن ترك جون الطاولة حتى قال:
" لا تعجبني هذه الفتاة , أنها لا تعجبني أبدا".
أطرقت كيم بذهول , وأحست بالجفاف في حلقها ,والكآبة تنتابها , وأعتبرت ذلك نتيجة الحالة التي هي فيها ,ولكن لا... كان عليها أن تعترف , فكآبتها ناتجة عن مجرد التفكير بأن روك وشريكته الشقراء قد يعشقان بعضهما , وبعد هنيهة سأل بارت:
" هل نرقص يا كيم؟".
حاولت الظهور بمظهر المتحمس فيما أجابت:
"أجل , فهم يعزفون لحنا نحبه".
فنهضا , وسرعان ما تضايقت كيم من الحر , فقد كان الجو خانقا بفضل أنتشار ضباب أزرق رقيق أمتد من البار الى القاعة الكبيرة حيث أشعل الناس سكائرهم .
عندما رافقت كيم بارت للمرة الأولى في زيارة الى بلد حار , أخبرها أنه من الممكن تحمل الحر وأشعة الشمس , وقد وجدت ذلك صحيحا , أما الآن , فشعرت بكراهية لحر أفريقيا , الذي أمتص بقية قوتها ونشاطها , وتركها منهكة , وخيل اليها أن جسمها ينهار تحت ثقل عظيم , لذا أختل توازنها مرات عدة مما جعل بارت يدرك آخر الأمر أنها ليست على ما يرام فحدق في وجهها , الذي علته الحمرة بعينين مليئتين بالقلق:
" هل أنت بخير يا كيم؟".
وأجاب هو على سؤاله بالقول:
" كلا , لست بخير".
عندما كنت أنا وروك في الخارج قبل العشاء أمتقع لوني قليلا".
" والآن تشعرين بالشيء نفسه ثانية , أليس كذلك؟".
ثم أضاف وهو يمسك يدها:
" سنخرج من هنا".
طبيعي أن كيم فضلت العودة الى المنزل , لكنها ترددت في الأشارة الى ذلك لعدم تأكدها أذا كانت ستتزعج بارت أم لا بقطع سهرته خصوصا وأنها عرفت أنه أستمتع بالوقت أذ تحادث الى عدد من الرجال المتقدمين في السن , الذين صادفهم , كما شعرت كيم أن أصرارها على العودة الى المنزل أمر غاية في الأنانية ,ولم يبد أنها غير قادرة على الأحتمال , بل الحقيقة أنها شعرت بتحسن بسيط فور خروجها الى الهواء الطلق , ولما طمأنت كيم بارت , الذي سألها عن حالها , عبر عن أرتياحه البالغ بفرح:
" حمدا لله على ذلك , فأنا مسرور لأنني لم أرك طريحة الفراش ".
تنشقت كيم بعمق مرات عدة حتى أمتلأت رئتاها بالهواء النقي الذي هب من الجبال بأتجاه المرج , وقالت:
" لله ما أشد برودة الهواء ونقاوته".
وبعد عشر دقائق من جلوسهما على الشرفة , أعلن بارت:
" أظن أن علينا العودة الى البيت".
" ولكن....".
" هناك شيء يؤكد لي أنه من الأفضل لزوم الفراش , وكما ترين يا كيم , فأنا أظن أن حالك أسوأ مما تدعين , لا , أرجو ألا تقاطعينني , فمعرفتي بك تؤكد لي أنك لا ترغبين في أفساد سعادتي بأعرابك عن رغبتك في العودة الى المنزل".
لم تجب كيم بأي كلمة , بل أطرقت من دون قصد فيما مضى بارت يؤكد أنه سيطلب من سوزان أن تحضر عباءة كيم من غرفة تبديل الملابس وأنه سيتمنى للجميع ليلة سعيدة بالنيابة عنها ,وعاد بعد قليل ليقول:
"لم أتمكن من تمني ليلة سعيدة لروك , فهو ما زال يراقص هذه... رافيلا , ولم أستطع أن أتجاوز كل الراقصين لأصل اليه , وأظن أن أحدا سيخبرهم بمغادرتنا".
لم تنتبه كيم الى أنها نسيت حقيبتها المسائية في النادي ألا بعد أن وصلا البيت , وكادت تبكي وهي تقول لبارت:
" لست أعرف كيف نسيت حقيبتي بعد أن تركتها على الكرسي لتناول العشاء".
لكن الحقيقة أنها كانت تعرف , فقد صبت جل أهتمامها على روك وعلى أحتمال أختراق رافيلا لدفاعاته المنيعة حتى ذلك الوقت , ومن ثم راقبتهما يرقصان , حيث بدا كل منهما غاية في الروعة , وشكلا معا صورة للكمال , فتركزت أبصار الجميع عليهما , ولم تجد صعوبة في معرفة أفكار الناس , أنا بارت , فأكد لها ملاطفا:
" لا تخشي شيئا على حقيبتك , فمن المؤكد أن أحدا سيعثر عليها ويعيدها".
" حسنا...".

أمل بيضون 03-03-10 08:46 PM

وأرتعشت شفتاها وهي تفترض أن حالتها المرضية تؤثر سلبا على تفكيرها , ألا أنه لم يكن هنالك ما يبعث السرور في نفسها أكثر من أن يردها بارت الى النادي , لكنه عوض ذلك أدخلها الى السرير , وظنت أنها سمعته يتمتم بينه وبين نفسه عندما غادر غرفتها بعد أن قال لها وملامح وجهه تزداد حدة وبريق عينيه يخف لمعانا :
" هل ستنامين الآن؟".
" أجل يا بارت , سأنام , لا داعي للقلق , فسأكون على ما يرام غدا صباحا".
" آمل ذلك يا عزيزتي كيم , آمل ذلك".
ثبت لها أن تفاؤلها لم يكن بالحقيقة سوى تمن , أذ أستيقظت لتجد نفسها مريضة وقد أخترق الألم عظامها , وبلل العرق وجهها وعنقها , وأحدثت الأوجاع أضطرابات في معدتها , عندئذ حاولت السير , فأكتشفت أن حلقها جاف وصلب , ولكن لحسن حظها , أستيقظ بارت باكرا , وحضر أولا ألى غرفة نومها للأطمئنان عليها , لمس جبهتها آليا :
" أنك مريضة للغاية ... ماذا ينبغي أن أفعل؟ هل أستدعي الطبيب... أم أتصل بالمستشفى ... أم أطلب روك ... روك؟ هذا هو الحل".
ثم أنطلق مسرعا ينزع عباءته عن كتفيه قبل أن يبلغ الباب ,وسرعان ما سمعته يدير محرك السيارة ولأول مرة تخلى بارت عن حرصه أثناء القيادة .
وحين رجع بارت , كانت كيم قد غفت , بيد أن فتح باب السيارة أيقظها , ثم دخل روك غرفتها ودثرها بكل أغطية السرير , وأعترضت :
لست بحاجة الى كل هذه الأغطية , لأنني أشعر بحر شديد".
وكادت ترمي الأغطية عنها لولا أن روك منعها قبل أن يقول لبارت , الذي تحرك في مؤخرة الغرفة , بصوت خشن ونبرة ألحاح:
" أبق مع كيم , وأمنعها من أن تطرح الأغطية عنها حتى أستدعي الطبيب".
وتمكنت كيم أن تسأله:
" هل أصبت بالأنفلونزا".
فرد روك بأقتضاب :
" كلا , أنك مصابة بالحمى , وآمل ألا تكون حالك خطيرة".
علق بارت بأرتياح :
" أليست حالها خطيرة ؟ هذا خبر سار يا روك".
" لكن الحمى ستزعجها كثيرا طوال مدة المرض".
وبينما خرج روك , حضر بارت وجلس قرب السرير , فنظرت اليه كيم , ورغم حالة الجمود والبلادة التي أصابتها , تبينت مرة أخرى بروز معالم وجهه , فتملكتها كآبة لظنها أنه يهرم بسرعة , وأجهشت بالبكاء لأن حقيبتها المسائية شغلت حيزا كبيرا من تفكيرها , وصاحت:
" لقد أضعت حقيبتي , لماذا نسيتها؟".
" أصمتي يا كيم العزيزة , فلا خطر يتهدد الحقيبة , سأخرج بعد قليل لأحضرها".
وأخذت ترتجف بعنف رغم غزارة العرق المتصبب عنها وألتهاب رأسها نتيجة الحرارة.
" ضاعت.... أجل , لقد ضاعت , هل يمكن أن أتناول جرعة ماء يا بارت؟".
" بالطبع".
فذهب وأحضر الماء , ثم ساعدها على رفع رأسها لتشرب الماء , وفي أقل من ساعة عاد روك ليقول:
" سيحضر الطبيب قبل الغداء بقليل , فهو الآن في تنغافيل يعتني بشخصين آخرين أصابتهما الحمى".
فسأل بارت:
" هل هنا خطر من أنتشار وباء".
أجاب روك بأنه لا يعتقد ذلك , ثم نظر الى كيم ,ورأى آثار الدموع على وجنتيها أذ عادت الى البكاء ثانية ,ولما رأى بارت عبوس روك , أوضح الأمر:
" أن كيم تبكي لأنها نسيت حقيبتها المسائية في النادي الليلة الماضية , ودخلفي روعها أنها لن تراها مرة ثانية".
فسألها روك:
" أين تركتها يا كيم؟".
" على المقعد , حيث تناولنا العشاء".
وشعرت كيم أن النطق أصبح عبئا عليها , وأن صوتها أرتجف وهي تضيف:
" لقد ضاعت, أنا أعرف أنها ضاعت".
وعدها روك وهو يتجاهل كلماتها الأخيرة:
" سأذهب الى النادي وأحضرها عندما أزور المدينة بعد ظهر اليوم".
فعلق بارت ممتنا :
" أشكرك , فقد وعدت كيم بأن أذهب أنا وأحضرها , وها أنت تريحني من هذا العناء ما دمت ستذهب الى المدينة".
ثم نظر الى كيم وقد أستلقت على السرير فيما ألتمعت حبات العرق على وجهها:
" وعلاوة على ذلك , فأنا لا أريد أن أركها مع علمي أنها ستكون بخير بينما تعتني بها الخادمة".
وحضر الطبيب , فقاس حرارة كيم قبل أن تسمعه يقول لبارت:
" من الواجب أدخالها الى المستشفى , لكن نقلها الآن لا يفيد".
فهز بارت رأسه وسأله:
" هل ستحقنها؟".
عندئذ أدارت كيم رأسها لترى الطبيب يعد المصل وهو يقول:
"طبعا".

نها نها نهو 04-03-10 10:16 AM

سلام عليكم
مشكووره الله يعطيك العافية
ممكن سؤال كم فصل باقي لاني متشوقة للنهاية

أمل بيضون 04-03-10 04:43 PM

وتحدث بارت بصوت متهدج أظهر أضطرابه الشديد:
" بدا روك واثقا من أن الحمى التي أصابت كيم ليست خطيرة".
وافق الطبيب الطبيب وهو يدنو من السرير :
" ليست خطيرة كما تتصور , لكن صديقتنا الشابة ستعيش فترة أضطراب وأنزعاج في الأيام المقبلة".
وأدخل الطبيب الأبرة فيما أخبر بارت أنه يجب تدفئة كيم , ثم أضاف مؤكدا:
"هذا ضروري لأنها ستحاول طرح الأغطية عنها ,ولا بد من ثنيها عن ذلك".
وبعد الظهر أحضر روك حقيبة كيم المسائية .
وتساوى لدي كيم أهمية العثور على الحقيبة مع أهمية الأدعاء بفقدانها , فكالت لروك شكرا ومديحا فاق حدود التصور , أصغى روك الىأطرائها بصبر وأهتمام ليقول لها في نهاية المطاف أنه لم يكن هناك سبب لكل ذلك , كما طلب اليها أن تستكين وترتاح , ثم قال لبارت:
" أنها تتعب نفسها كثيرا".
أجاب بارت بصوت ينم عن القلق :
" لم أتصور أن أراها في مثل هذا الحال , فهي لم تعرف المرض كما ترى".
" ليست الحمى خطيرة يا بارت, فأنا نفسي قلت ذلك , قبل أن يؤكد الطبيب قولي".
" أجل , فأنا أعرف ذلك , لكن كيم تتعذب , وهذا ما يؤلمني".
سمعت كيم ما دار بينهما من حديث برغم أنها رقدت في شبه سبات وتذكرت أن بارت يعتبرها مثل أبنته , فتساءلت عما يدور في رأسه من أفكار تتعلق بمستقبلها عندما يتقاعد من تلقائه , وكانت تعرف يقينا أنه لن يكتفي بأعلامها بالقول:
" حسنا يا كيم , لقد قررت التقاعد , ولذا أنصحك بالبحث عن وظيفة أخرى".
ولكن , ماذا عسها تفعل , أذا هي لم تبحث عن وظيفة أخرى؟ وفجأة, أحست بثقل عظيم يضغط على تفكيرها وجسمها , فلم تعد قادرة على التنفس , وأغرورقت عيناها بالدمع, فأستدارت لتحجب نفسها عن نظر الرجلين الواقفين بجانبها , لكن حركتها هذه جاءت متأخرة , فسألها بارت بصوت متهدج جعلها تظن أنه كان يبكي:
" عزيزتي كيم , ماذا دهاك ؟ لماذا تبكين؟".
أجابت وهي لا تستطيع التفكير بما أنتابها من خدر ونعاس :
" أذا تقاعدت ... فلست... لست أد....لست أدري ما.... ماذا أفعل".
سأل بارت:
" هل تهذي؟".
" كلا , أنها لا تهذي البتة , فأمر مستقبلها يشغل تفكيرها".
كانت كلمات روك قاسية وجارحة , فأزداد جري الدمع من مقلتي كيم التي تساءلت بحيرة لماذا تؤذيها نبرة روك , ولماذا أستعمل مثل هذه النبرة في أي حال , ثم سمعت بارت يقول:
" دعنا ننتقل الى الحجرة المجاورة , وسأرسل الخادمة لتجلس مع كيم بعض الوقت".
ثم سمعت كيم باب غرفة النوم يغلق وراء الرجلين , وما هي ألا دقائق حتى غفت وهي تفكر أن لدى بارت أمرا بالغ الأهمية يريد أطلاع روك عليه من دون أن ينوي السماح لكيم بالتنصت على ما سيقوله.

أمل بيضون 04-03-10 05:21 PM

6- أعتراض وعرض
أضطرمت الحمى لثلاثة أيام, وأصر بارت أن يجلس بنفسه الى جانب كيم مما أثار أستياء روك الشديد بعد أن تكاثرت زياراته لمسكن كاتانيا , وسمعته كيم ذات مرة يقول لبارت آمرا:
"عليك أن تستريح بعض الشيء ".
وكانت كيم قد أستيقظت للحال ,ولم يلاحظ الرجلان ذلك لشدة نعاسها , فتحدثا بحرية دون أن يدريا أنها أستوعبت كل ما قالاه.
" أذا كان ذلك يريحك , فسأجلس لمراقبتها بنفسي".
" وماذا عن وقتك يا روك؟ لعلني سأعتمد على الخادمة بصورة أكبر".
رد روك بصوت مرتفع:
" نبرة صوتك تكشف مدى قلقك , أذهب الى فراشك, وسأبقى معها طوال بعد الظهر".
ولما خرج بارت , أستدارت كيم نازعة عنها البطانيات , فدثرها بها من جديد , وأدخلها تحت الفراش بحيث منعتها من التحرك , فأعترضت متذمرة:
" أنني أشعر بحر شديد , ومن الأفضل أن تنزع عني أحدى البطانيات".
سألها روك متجاهلا طلبها:
" كيف تشعرين الآن؟".
" أنني أفضل على ما أظن".
" أخبرني الطبيب قبل قليل أن حرارتك عادت طبيعية".
" هل رأيته؟".
" كان في طريقه الى اخارج عندما وصلت , وأؤكد لك أنك ستشعرين غدا أنك عدت الى حالتك الطبيعية , فالخطر الداهم قد زال".
" هل تعني أنني لن أرتجف؟".
" هذا صحيح".
ثم ركز عينيه الحادتين على وجهها متفحصا , وظنت أنها تبدو مخيفة بسبب شحوب وجهها , فسألته:
" هل تصورت ذلك , أم أنك فعلا , زرتني غير مرة كل يوم؟".
أستغربت كيم قلة أرتباكها , أذ لا بد أن يذكر روك مشهد لقائهما في حديقة النادي , وأن يذكر كيف أجبرها على الأستسلام لمهارته , أما كيم فوجدت المشهد جزءا من الماضي البعيد , وأن الوقت ألغى كل سبب للأرتباك والأحراج , ولم يعد المشهد مهما بالنسبة اليها ولا بالنسبة الى روك , وبعد شفائها سيعودان الى حيث كانا , أي الى التشاحن فيستعمل كل منهما أقسى وسائل بلاغته لأحباط الآخر.
وهنا أجاب روك على سؤالها:
" أنت لم تتصوري ذلك".
" هكذا أذن".
تنهدت كيم بحزن أذ لا بد أنه رآها في أسوأ حالاتها نتيجة زياراته المنتظمة , وما لم تفكر فيه هو الأحتمال أنها هذت , فأعطت روك بذلك تلميحات عن حياتها الماضية , الحياة التي عاشتها قبل أن تعرف بارت, ثم قالت مرتعشة:
" لطف كبير منك أن تهتم بي وببارت الى هذا الحد, وأنا لا أشعر بأنني أستحق كرمك هذا".
جفل روك وهو يذكرها بنبرة قاسية:
"لم أكن لطيفا نعك ذات مرة ".
" آه أظنني سعيت وراء ذلك بنفسي الى حد ما".
طمأنها بلهجة مرحة:
" أنك لن تتحدثي بهذه الطريقة يا عزيزتي عندما تستريدين عافيتك".
تابعت حديثها بتعب متجاهلة ملاحظته:
" لم أكن في أغلب الأحيان لطيفة معك, بل كنت متعبة ومزعجة , أليس كذلك؟".
أبتسم روك لهذا السؤال , الذي نطقت به كيم بصوت الأطفال ونبرة مرتعشة توسلا لرد سلبي , وأجابها بلطف واضح جعلها تشك بأنها ستلقى ردا مختلفا حتى ولو كانت في حالتها الطبيعية.
" لا تفكري بهذا يا كيم , فالخطأ لم يكن خطأك وحدك بكل تأكيد".
" كان خطأي في بادىء الأمر عندما تعديت على حدود أرضك , ولو أنني كنت مهذبة وأعترفت بذنبي , لما تصرفت أتجاهي بعنف وطردتني بالتالي".
ما كان من روك ألا أن أبتسم متنهدا:
" أخشى أن يكون مرضك قد قضى على مرحك , وأنا لست سعيدا بهذا التغير".
" عليّ الأعتراف بأنني أشعر بالضعف".
وعلى الفور تعجبت من عفوية أعترافها الذي بدا كأنه تعبير عن عدم رغبتها في مجادلته بعد الآن , وأجاب روك بحزم:
" أنك ضعيفة , وضعيفة جدا , ولعلك ستظلين كذلك لبعض الوقت , فتصبحين بالتالي خانعة وسكوتة , والحمى دوما تنهك الأنسان وتتركه في حال أنقباض , فما عليك ألا أن تقاوميها يا كيم".
" سأحاول ألا أسمح للكآبة بالتحكم بي".
" آمل ذلك , لا تسمحي بأعطاء توافه الأمور أهمية زائدة".
أشتد نعاسها , وتصارعتها الرغبة بين النوم ومتابعة الحديث مع روك, فقالت:
" لا أفهم ما ترمي اليه يا روك".
" أن آثار بعض الأمراض تتمثل في أن المريض يرى الأشياء بصورة مختلفة عما لو كان في حالته الطبيعية".
" أنك بالطبع تتحدث عن قاعدة عامة".
" طبعا , فأنا لا أقول أن منظارك للأمور أختلف, ولكن ذلك قد يحدث".
" فهمت".
صمتت كيم لحظة وهي تدرك أن أفكارها جالت في كل الأمور على رغم تعبها.
" ربما بدأت أرى الأشياء بمنظار مختلف وخاطىء , أقصد ... بارت , فأنا قلقة عليه للغاية كما ترى".
ثم سكتت كيم بعد أن تحولت ملامح روك فجأة الى قناع ثابت وكأن لا علاقة له ببارت , وظنت كيم أنه يبحث عن الكلمات , يبحث .... تجربة جديدة بالنسبة اليه , خصوصا وأنه كان يرد بسرعة على كل ما تقوله , وأخيرا قال بلهجة غريبة أشبه بلهجة المرشد المعلم:
" أشعر أنه ليس هناك سبب لقلقك بشأن تقاعد بارت , فمن الطبيعي أن يتقاعد رجل يشعر أنه لا يستطيع مجاراة متطلبات عمله".
" أجل أفهم ذلك".
" وأنت تعرفين أنه ألف عددا كبيرا من الكتب الممتازة".
" تسعة وعشرون كتابا".
" أذن , فهذا كتابه الثلاثون , وهذا عظيم جدا".
" وأنا أظن ذلك أيضا , وكما ترى , فأنها كلها كتب ممتازة".
ومع أن كيم حاولت كبت رغبتها بالتثاؤب , فأن النعاس غلبها وتثاءبت , ولاحظ روك ذلك فصمت , لقد أرادت أن تنام وكان ذلك ضروريا لأنها منهكة ولا تقدر على متابعة الحديث , ثم أدارت وجهها الى الوسادة وأغمضت عينيها وهي تشعر أن نظرات روك مسمرة عليها , فأحست بحافز يدفعها الى أن تغطي رأسها بالبطانيات على رغم العرق المتصبب من كل مسام جلدها , ثم تنهدت بأرتياح دون أن تقول أكثر من :
" أرغب ببعض النوم".
ولما أستيقظت وجدت بارت قد محل محل روك على الكرسي بجلنب الخزانة الموضوعة قرب السرير , ورأته يمسك صفحة من مخطوطاته ليجري عليها بعض التعديلات بالقلم , ولاحظت أرتجاف يده أثناء القراءة , وأنتابتها الحيرة عندما فكرت أن تغييرا مفاجئا سيطر على حياتها دون أن تتمكن من تصوير شكل ذلك التغيير , وفي أي حال , منعها ضعفها الشديد من محاولة التركيو , ثم أبتسم لها بارت:
" هل أستبقظت يا عزيزتي؟".
ذهلت أذ رأت الرضى الشديد والفرح في أبتسامته , ثم قالت وهي تفترض على نحو بديهي أن الفصل الذي يكتبه يسير على ما يرام:
" هل تسير أمور الكتاب كما تشتهي؟".
" لم أفعل شيئا كثيرا من الكتاب , ولكن, كيف تشعرين الآن يا كيم؟".
" أفضل بكثير , وقد قال لي روك أن الخطر الداهم قد زال".
" هذا صحيح , فأنت تتحسنين بسرعة ,ولكن , سينقضي أسبوع قبل أن تتعافي على نحو تام".
عبست كيم وهي تجيب:
" من المؤكد أنني لن أبقى في الفراش طوال هذه المدة".
" سوف نرى ماذا يفيدنا الطبيب بهذا الخصوص غدا , من الجائز أن يسمح لك بالنهوض لمدة ساعة أو نحوها".

أمل بيضون 04-03-10 11:43 PM

عبست كيم وهي تجيب :
" من المؤكد أنني لن أبقى في الفراش طوال هذه المدة".
" سوف نرى ماذا يفيدنا الطبيب بهذا الخصوص غدا , من الجائز أن يسمح لك بالنهوض لمدة ساعة أو نحوها".
وفي المساء حضر روك وجلس مع كيم , التي دهشت لأنصراف بارت بعد وصول روك بدقائق , الذي أعجبها قبل أن تمرض , والذي شعرت بوجوده قربها أثناء مرضها على رغم أنا كانت في شبه غيبوبة نصف الوقت على الأقل, صحيح أنها تحدثت الى روك من قبل وأنه بدا متحررا في أحاديثه معها , أما الآن, فنما لديها شعور بنشوء علاقة حميمة بينهما بدا لها- مع صفاء ذهنها- أنها تنطوي على خطر لم تعرف له سببا طوال حياتها ,وقال روك بلطف وهو ينظر بحنو لم تره في عينيه من قبل:
" أنك تبدين أفضل بكثير".
" أشعر بتحسن كبير , ولذا سأسأل الطبيب غدا أذا كان بأمكاني النهوض لبضع ساعات".
أبتسم روك لها مداعبا:
" أرجح يا عزيزتي أنك بعد نصف ساعة سترغبين بالخلود الى النوم مجددا".
عزيزتي.... نظرت اليه ,وهي تشعر برعشة وـرتباك من موقفه , متى كان الأعجاب والتقدير الهادئان من سمات عينيه الرماديتين الصلبتين كالفولاذ؟ ولماذا غابت مسحة التهكم التي طغت على صوته؟ وأين أصبح أزدراؤه للنساء؟
من المؤكد أنه لم يظهر شيئا من هذا كله في تلك اللحظة , بل على العكس رأت في عينيه شيئا أشبه بالأعجاب , وتلعثمت في جوابها كردة فعل على تصرفه غير المنتظر وكلماته غير المتوقعة:
" أنت.... هل أنت واثق أنني سأتعب.... سأتعب في غضون نصف ساعة؟".
عزيزتي , كلمة لا تعني شيئا بحد ذاتها , ولكن عندما تأتلف مع تعابير وجهه ونبرة صوته تصبح لها معان كثيرة.
وتخلصت كيم فورا من الفكرة المذهلة التي خطرت لها قائلة في نفسها أنه لو كان روك سيحبها , فمن المؤكد أن ذلك لم يكن ليحدث أثناء مرضها حين بدت مثل دمية مهترئة ,وقال روك:
" أجل , أنا واثق جدا أنك ستتعبين في غضون نصف ساعة".
" هل أصابتك الحمى من قبل يا روك؟".
هز روك رأسه:
" لقد أصبت بها فعلا".
وعلمت كيم من حديثه في الحديث , بينما ظل تفكيرها مشغولا بتعابير وجهه البشوشة ونبرة صوته اللطيفة , أنه لتغيير مهم , صحيح أنه أظهر لطفا ومودة أتجاهها أثناء المرض , لكن تصرفه فائق حدود اللطف الآن ,ووافقها:
" أنها مزعجة , وبأمكاني أن أتعاطف معك يا كيم".
وأبتسم روك على حين غرة , فزالت القسوة عن قسماته , وأسترجعت كيم بعض الذكريات فتذكرت تسارع نبضها مرات عدة بسبب سلوك روك, وكيف أزعجها ذات مرة أثناء جلوسهما في المقهى , كما أستعادت أحاسيسها عندما راقص رافيلا , وكآبتها حين رأته يبتسم للفتاة , وأخيرا خطر لها حديثهما في حديقة النادي حيث أيقظ روك فيها مشاعر جديدة ومثيرة , وقطع عليها صوته الهادىء المتسم بلهجة الأمر وردها الى حاضرها:
" بماذا تفكرين يا كيم؟".
تبدل لون وجهها , وهزت رأسها وهي تهمس:
" لا أستطيع أن أخبرك لأن أفكاري خاصة بي".
ظهر في عينيه الرماديتين بريق يوحي بأنه فهم الأمر , ثم قال:
" أنه أمر متعلق بي وبك وبك لأن عينيك مليئتان بالذكريات ".
ردت كيم على روك الذي هز رأسه :
" من الجائز أن تكون ذكريات الماضي أبعد".
" لم تفكري بالماضي البعيد يا عزيزتي لأن هذا الماضي قد ولى , ولا يمكن أن ترجع اليك صورة جلية لأن الزمان يمحوه.....".
قاطعته كيم ,وقد حفظت بفرح كلمته (عزيزتي) من جهة , وأنتبهت من جهة أخرى الى أنها هذت في أوج مرضها:
" روك, أنك تعلم كل شيء عن والدي وخطيبي , أليس كذلك؟".
" أجل يا كيم , وليس بارت هو الذي أخبرني , بل أنت نفسك".
" هل أكثرت من الهذيان في أوج مرضي؟".
" أجل".
وأشرق وجهه حنوا ورقة ولطفا:
" لا شك أنك عانيت كثيرا , والآن أفهم معنى تلك النظرة المرعبة ذات مرة".
شهقت كيم وهي تطرق:
" عادت الذكرى اليّ بوضوح تام رغم أقوالك التي تؤكد عكس ذلك".
" غير أن الذكرى غابت على الفور".
نبهت هذه الجملة كيم الى ذكار روك الذي عاد الى سؤاله السابق:
" أصدقيني القول , ألم تفكري في؟".
هزت رأسها فيما حولت ناظريها عنه , وبعد أن أنتصبت جالسة في سريرها ,تراجعت تدريجيا حتى أستلقت على ظهرها كليا , ثم أجابت روك وهي تدرك تماما أن أقوالهما تشكل مدخلا الى أمر بالغ الأهمية :
"بلى".
علق بشيء من تهكمه المرح , الذي عرفته جيدا:
" فكرت في... في خصومتنا".
أجابته وهي ما زالت تتحاشى النظر الى عينيه:
" كلا , ليس هذا صحيحا".
تنبهت لأحساسها المتزايد بوجوده الى جانبها ,والى حماسة ناتجة عن هذا الأحساس , والى أمل خلق فيها التوتر والدهشة .
" ماذا أذن؟".
وهنا , نهض فيما أضاف قائلا وذلك دون أن يمكنها من الأجابة:
" هل تريدين الجلوس؟".
" أجل , أرجوك ساعدني".
فأقترب منها , ورفعها وهو يسندها بذراعه ,بينما رتب الوسادات:
" هيا.... فبأمكانك أن تتكئي علي".
" شكرا".
" لا شك أنك كنت تفكرين بالأوقات الجميلة".
لقد أراد بصدق أن يعرف , وجلس مسمرا عينيه على وجهها الخجل , وتفحصته ببرودة ودقة دون أبتسام , وخفق قلبها لأهمية سؤاله ومحتواه , وقالت وهي تنظر الى عينيه الرماديتين بثقة:
"أجل يا روك, لقد فكرت بالأوقات الحلوة".
" لم تطل أيامنا الجميلة , لكنني أعدك يا عزيزتي أن تزداد من الآن فصاعدا ".
وصمت لحظة قصيرة قبل أن يضيف:
" كيم, هل تتزوجينني؟".
نطقت بصعوبة وعدم تصديق رغم أن قلبها خفق بالسعادة :
" أتزوجك.... لست... لست أدري ما...ماذا أقول".
لماذا أجهشت بالبكاء؟ لا بد أنه الضعف وآثار الحمى.
" فقط قولي يا حبيبتي أنك ستصبحين زوجتي".
" أجل , أنني ... أنني أفهمك".
عقد روك حاجبيه :
" يا لك من فتاة رومنطيقية , لكنك ,في أي حال , لم تتعافي كليا , فأذا لم أحصل منك على جواب مفرح يرفع معنوياتي عندما تقولين أنك تعبدينني , فأن الخطأ يكون خطأي أنا".

العسل المور 05-03-10 05:07 AM

مشكوووووووووووووووووووووووورة ومستنينك لاتتاخرى علينا

أمل بيضون 05-03-10 02:51 PM

كان يهزأ بها على رغم رصانته ورقته البالغة , ثم أضاف:
" هيا يا صغيرتي الى النوم ثانية , فأنت بحاجة للرقاد بعد هذه المحادثة ".
ثم أزاح وسادتين , فأستلقت طوعا وهي تحدق الى عينيه وقد أرتسمت على ثغرها أبتسامة مرتعشة , وكان حياؤها ما زال ظاهرا , ألا أنها نطقت ببعض كلمات وهي تتعجب من نبرة صوتها:
" هل قات أنني أحبك؟".
" كلا يا حبيبتي غير أنني أستنتجت ذلك".
فما كان منها ألا أن سألت:
" كيف أستنتجت ذلك؟".
" أنك تحبينني ؟ حسنا , كانت هناك مؤشرات عدة ليس أقلها تصفيف شعرك".
برز العبوس على وجهها الى جانب الحيرة , ورددت قائلة:
" تصفيف شعري؟".
" هل تذكرين أنك أردت قص شعرك حتى يصبح قصيرا جدا؟".
علت وجهها حمرة جذابة وهي تجيب أنها تذكر .
" وقلت أنت أنك تراه جذابا للغاية كما كان طويلا ".
" وهكذا قررت ألا تقصيه".
وأضطرت الى تصحيح أدعائه المعبر عن رضى عميق بالقول أنها قصت جزءا يسيرا منه ,وما لبثت أن ضحكت من حماقتها بينما عقد روك حاجبيه موبخا ومنبها أياها الى ضرورة تعديل سلوكها وألا....
" أن أي دليل على سعيك وراء مجادلة بيننا يؤدي الى أن يصفعك زوجك تأديبا على هذا الأزعاج".
أنسلت كيم داخل الفراش قليلا , وقد خجلت من هزيمتها , وشدت الغطاء اليها وهي تقول:
"أذا كنت تنوي أن تكون زوجا طاغيا مستبدا..........".
قاطعها روك بمرح بالغ:
" هذا بالضبط ما أنوي فعله, هل تنوين تغيير رأيك بشأن الزواج مني؟".
ضحكت كيم رغم تعبها , وأجابت وهي تتظاهر بالوداعة:
" كلا يا روك, لا أريد تغيير رأيي".
" أذن , فأنت مستعدة لأطاعة أوامري ؟ هذا أفضل , دعينا نبدأ الآن , فالضوء سيطفأ حتى تنامي , نامي جيدا يا عزيزتي , وسأعود اليك في الصباح".
ولما وصل روك الى باب الغرفة , نادته كيم حتى يرجع وقد نسيت كل شيء يتعلق ببارت , وأفترضت أن ذلك عائد الى الحماسة والتعب , الذي أنهكها تدريجيا , وقالت:
" روك , لا أستطيع أن أتزوجك الآن.... ليس قبل أن يتقاعد بارت , فقد أقسمت ألا أتركه حتى يقول هو لي بنفسه أنه لم يعد بحاجة الي أبدا , وأشعر أنه سيتقاعد عما قريب , عسى ألا يزعجك الأنتظار قليلا".
" حسنا , لقد تحدثت الى بارت وهو عازم أن يتقاعد فور الأنتهاء من تأليف الكتاب الحالي".
" فهمت .... لقد تحدثت أنت وبارت عني وناقشتما حتمال..... زواجنا".
وتذكرت كيم أنطباعها يوم دعا بارت روك الى غرفة مجاورة , يومئذ أستنتجت أن بارت أراد أن يقول لروك شيئا بالغ الأهمية , شيئا لم يرد أن تسمعه كيم , وأزداد عبوسها أذ ضرب أنطباعها هذا على وتر غير متناغم مع وضعها , وكان بأمكانها تمييزه عن باقي الأوتار , ثم أجابها روك بصوت ملأته البرودة , وكأنه يمنعها من طرح أسئلة أخرى عليه.
" أن تعبيرك غريب , فأنا وبارت تحدثنا معا , وأخبرني عن عزمه على التقاعد فيما أطلعته أنا بدوري عن رغبتي بالزواج منك".
وتوقف لحظة لم تستطع أن تتحدث خلالها:
" والآن , يا حبيبتي , أريدك أن تنامي , هل تفهمين؟".
وزال عبوسها مع أنها ظلت تشعر ببعض القلق , وأبتسمت وهي تجيبه :
" حسنا يا روك , سأكون مطيعة وأنام فورا".
ثم أطرقت , وكان ذلك كل شيء , ثم سمعت كيم الباب يغلق بأقل ضجة ممكنة , فأنقلبت على جنبها وه تحاول أن تطرد الشكوك التي دخلت رأسها , أن رغبتها بالزواج من روك حقيقة لا تقبل الجدل والنقاش ... ولكن , لماذا تمادى قلقها؟ لقد كان أشبه بخطأ مذهل يصعب التعرف عليه , وأخيرا تنهدت :
" يا ألهي , لا شك أن السبب هو مرضي , ولسوف أهذي من الفرح متى تعافيت".
وأطبقت جفونها على التفاؤل , ثم رقدت في نوم هادىء مريح.


الساعة الآن 03:46 AM

Powered by vBulletin®
Copyright ©2000 - 2022, vBulletin Solutions, Inc.