شبكة روايتي الثقافية

شبكة روايتي الثقافية (https://www.rewity.com/forum/index.php)
-   الروايات الطويلة المكتملة المنفردة ( وحي الأعضاء ) (https://www.rewity.com/forum/f118/)
-   -   وأذاب الندى صقيع أوتاري *مميزة ومكتملة* (https://www.rewity.com/forum/t480453.html)

um soso 30-01-21 01:00 PM

مبروك روايتك الثانيه

بدايه قويه وحكايات توحي بالكثير

بالتوفيق

سعاد (أمواج أرجوانية) 30-01-21 02:50 PM

اقتباس:

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة um soso (المشاركة 15325826)
مبروك روايتك الثانيه

بدايه قويه وحكايات توحي بالكثير

بالتوفيق

الله يبارك فيكي حبيبتي ❤️❤️❤️
يا رب تعجبك 😍

رىرى45 30-01-21 04:46 PM

موفق بإذن الله ... لك مني أجمل تحية .

سعاد (أمواج أرجوانية) 30-01-21 11:56 PM

مساء الخير:shakehands:
معادنا دلوقتي مع الفصل الأول:syriasuperstarra8: وهايكون على 3 مشاركات بإذن الله
***
الفصل الأول
*خُذلان*
شاحبة الوجه بطيئة أنفاسها، مُحدِّقة بساعة الحائط وقد أخذت xxxxبها تتحرك برتابة.
تهزُّ قدميها بتوتر شديد، تضغط أسنانها بقوة، وتتدافع أسوأ الأفكار إلى عقلِها بينما لا تقدر هي على صَدها.
زفرت بتعب وهي تجذب هاتفها مرة أخرى؛ لتطلب نفس الرقم؛
فتنطلق العبارة المُسَجَّلَة نفسها مُعلنة عن استمرار إغلاق الهاتف.
كم ساعة مرت وهي على نفس وضعها؟ ست ساعات، أو ربما سبعة؟!
بالتأكيد الهاتف انتهى شحنه، بالـتأكيد لم تحدث كارثة ما، بالتأكيد هو سالم مُعافى وسيعود إليها كي يستكملا شجارهما الذي بتره صباحًا قبل أن ينصرف غاضبًا.
وضعت رأسها بين كفيها لتتساقط دمعاتها تِباعًا؛
تتوالى شهقاتها تباعًا؛
تُقيدها أصفاد الندم بلا رحمة!
لن تتشاجر ثانية! عندما يعود لن تتشاجر معه، بل ستبحث بكل بهدوء عن طريقة لحل تلك المُعضِلة، لن تُغامر بإغضابه مُجددًا، ولن تحاول استفزازه مرة أخرى، كل ما عليه أن يعود إليها بخير فقط.
توالت عليها ذكريات ماضية تتشبث بها كالغريق بمنتصف المحيط..
شعورها بالتيه الذي استمر لفترة ليست بالقصيرة؛
ثم لقاؤهما الأول؛
إعجابه بها.. مكرُه ونظراته المُتلاعِبة ومحاولاته الحثيثة للتقرب منها وعدم اكتراثها؛
لحاقه بها وصدها له..؛
توسله لها ورفضها؛
شجاره مع أحد زملائهما بالعمل الذي كان على وشك التقرب منها مُعلنًا أنها خطيبته؛
ليذهب إلى بيت أهلها بنفس اليوم مُطالبًا بها؛
تردد منها لدقيقتين..
"إياكِ أن تفعلي!"
تردد طال لخمسة دقائق..
"لا تهربي!"
تردد استمر لِعشرة دقائق..
"هذا ليس حلًا، ليس بهذه الطريقة!"
ثم إعلان الموافقة!
وخلال بضعة أشهر تزوجا وسافرا بنفس اليوم إلى حيث وظيفته الجديدة التي حصل عليها بِشق الأنفس.
وتحولت الشهقات الخفيضة إلى أخرى عالية باكية والذكريات تسيطر على عقلها، تستشعر أن الأسوأ قادم، تستشعر أن أيام سلامها الذي هربت إليه قد انتهت دون رجعة، وتستشعر أن النهاية التي حاولت تجاهلها قد حانت.
لو يقتل تلك الأفكار!
لو يحبط كل توقعاتها ويثبت لها _بمعجزة ما_ أنها مخطئة!
لو يعود إليها واعدًا ببداية جديدة لكليهما!
ستطيعه، تُقسم أنها ستُطيعه وستتخلى عن عِنادها باحثة عن وسيلة أخرى لحل هذه الكارثة.
فقط لو يعود!
تفعل أي شيء يُطلَب منها مُقابل أن تطمئن وتسمع صوت مُفتاحه بباب بيتهما الآن.
لكن..
بدلًا من صوت المفتاح كان هناك صوت رنين الجرس الذي انتزعها من أفكارها ثم من جلستها، ازداد شحوب وجهها وهي تُحدِّق في الباب بعدم فَهم ثم تنقل نظراتها إلى ساعة الحائط التي تُشير إلى العاشرة صباحًا بتوقيت البلد الذي يعيشان به منذ عام مضى.
هو لا يدُق جرس الباب مُطلقًا، لا يحب الانتظار، من سيأتيها بمثل ذلك الوقت؟
عاد صوت الجرس أكثر اصرارًا فوقفت هي ببطء شاعرة أن قدميها ستخذلانها حتمًا، اختطفت وشاحًا بالقرب منها ولفته كي تستر شعرها البني الكثيف، واتجهت إلى الباب مُرتجفة الجسد حتى وصلت إليه ليتوقف الصوت فجأة، تخشبت مكانها واضعة يُمناها على صدرها مُحاولة تهدئة أنفاسها بلا جدوى، ثم أجفلت والصوت يعود أكثر إلحاحًا، حمحمت بضعف وهي تسأل بقوة زائفة:
_من.. من بالباب؟
صمت لثوانِ زاد من رُعبها ثم أتتها الإجابة بصوته، لكنه كان ثقيلًا بطريقة زادت من قلقها:
_أنا يا سُهيلة، افتحي!
شهقت بدهشة وهي تمد يدها لتفتح الباب بسرعة، لكن ما إن انفتح حتى هوى جسدها إلى الخلف أرضًا بينما جثم هو بثِقلُه فوقها، لتصرخ هي بذعر ويداها تتفحصانه بتوتر:
_ماذا بك باهر؟!
وانتظرت الإجابة للحظات لكنها لم تصل مُطلقًا، وبأقصى قوتها أزاحت جسده جانبًا حتى سقط أرضًا مُطلِقًا شخيرًا منتظمًا!
جلست مُحدِّقة به بذهول لدقائق مُتوقِعة مُزاحًا ما لكن استغراقه في النوم كان واضحًا، اقتربت منه لِتُربت على وجنتيه برقة مُنادية إياه بقلق:
_باهر! ماذا بك؟ هل نِمت؟ أجبني باهر ماذا حدث؟
ولما بدا لها بعالم آخر اقتربت أكثر مُدققة النظر به بخوف..
خوف ما لبث أن تحول إلى إدراك، ثم إلى خوف مرة ثانية!
مدَّت يدها إلى جيوب سُترته داعية الله ألا تجد ما تخشاه، داعية الله أن تخيب ظنونها، داعية الله أن تتلقى ارتياحًا بات لها حُلمًا مستحيل المنال!
وبيديها المرتجفتين تنقلت بين جيوبه كلها بينما لم يتحرك هو من مكانه قيد أنملة!
لكن ولحظها السيء وجدته، تحسسته، ثم استلته خارج مخبأه بأحد جيوبه السرية!
تطلعت إلى شريط الأقراص اللعين بكفها وهي تكاد تراه مبتسِمًا باستفزاز يُخرِج لها لسانه ليُغيظها، لا تعي متى بدأت دمعاتها بالانحدار، ولا متى بدأت شفتيها بالارتجاف، تشوشت رؤيتها وعقلها يصرخ بها مؤنِبًا:
"أهذا من كنتِ تستعيدين ذكريات تعارفك معه باحثة عن طريقة تُرققي قلبك تجاهه؟!"
"أهذا من كنتِ لتوِك تندمين على شجارك معه بالصباح؟!"
"أهذا من كنتِ تُمنين نفسك ببداية جديدة برِفقته؟!"
"لقد تركك هنا..
وحيدة؛
بمكان غريب؛
ببلد غريب، بلا أهل وبلا صاحب؛
وذهب لأصدقائه بِوكر ملذاته؛
ذهب ليُغيب عقله وأنتِ هنا تموتين أسفًا وهلعًا تتوقعين وقوعه بمصيبة ما وتلومين نفسك!"
تراجعت للخلف ببكاء أصبح رفيقها بالأيام السابقة..
تنعي عامين ضاعا من عمرها وهي ترسم مُستقبلًا أجبرت نفسها عليه كي تتخلص من ماض مؤلم، ليتضح لها مؤخرًا أنه ليس إلا سرابا، وأكثر إيلامًا!
الضياع يُحيط بها، الألم يتملك منها، الندم يستولي على عقلها؛
وهي قابعة أرضًا..
مُمزقة!
**********
بوجهها الجامد وملامحها المصمتة حاولت التظاهر بالاهتمام وهي تجول ببصرها على أثاث غرفة الاستقبال الذي يتأمله خطيبها بتدقيق أثناء مُناقشته مع صاحب المعرض، استمعت إلى حوارهما بلا اكتراث والرجل يُعدِد مزايا هذا الأثاث بالتحديد وكيف أنهما سيكونا محظوظان إن ظفرا به.
زَفَرت بغيظ وهي تنظر له بعينين لامباليتين ثم نقلت بصرها إلى الأثاث الذي لا تشعر حقًا بمدى جودته أو أناقته، مالت على خطيبها هامسة:
_رمزي، أنا لم يعجبني هذا الأثاث إطلاقًا، إنه شديد البهرجة، دعنا نبحث في معرض آخر.
ابتسم للرجل باعتذار وانتحى بها جانبًا يهمس بدوره:
_ما به؟ أنا أجده جيدًا، اللون أنيق والتصميم رائع، كما أننا نتجول منذ الصباح ولم نجد ما نال رِضاكِ حتى الآن، الوقت يُداهِمنا يُسْر ونحن لم نبتاع أي شيء بشقتنا.
زفرت بملل ثم تهربت عيناها منه وهي ترد:
_أنا لا أفهم لماذا هذا التعجُّل رمزي، نستطيع الانتظار قليلًا بعد حتى نقوم بتأثيث الشقة على مهل.
حدَّق بعينيها بدهشة ثم ردَّ بنبرة اعتراض واضحة:
_لقد مر ما يقرب من عامين على خطبتنا يُسْر، هل تدركين ذلك؟ ألستِ مُتشوِقة لزواجنا مِثلي؟
حمحمت بحرج وهي تشيح بوجهها بعيدًا عنه ثم ردَّت بارتباك:
_لِمَ تقول ذلك رمزي؟، أنا.. أنا لا أريد التعجُّل في اختيار الأثاث فقط كما تعلم.
نظر لها مدققًا وهي لاتزال تشيح بنظراتها عنه ثم زفر باستسلام قائلا:
_كما تشائين يُسْر، هناك معرض آخر رشحه لي أحد أصدقائي، هيا بنا نذهب إليه عسى أن نجد ما تريدين هناك.
وجاء ردها مُعترِضًا بِسُرعة:
_لا رمزي، لا أريد اليوم، دعنا نؤجلها ليومٍ آخر.
نظر لها بتساؤل فأردفت بحرج:
_قدماي تؤلمانني كثيرًا ولن أستطيع التجول كما أحب، بالإضافة إلى أن عمي يجلس بالسيارة منذ وقت طويل ولا يصح لنا تركه بمفرده أكثر.
أومأ برأسه موافقًا على مضض ثم أشار إليها بكفه لتتقدمه إلى الخارج ففعلت بسرعة وهي تزفر براحة شديدة... لم يغفل هو عنها!
**********
"ألم تعُد يُسْر من الخارج بعد؟"
ألقى كمال ذلك السؤال على زوجته التي تُوليه ظهرها ويبدو عليها أنها لم تسمعه بالأصل، فاضطر إلى تكراره حتى انتفضت وهي تنظر له بذعر جعله يضحك باستمتاع أغاظها فهتفت به:
_لماذا تصيح بذلك الشكل كمال؟
وعندما استطاع التوقف عن الضحك أخيرًا أجابها بِمرح:
_أنا أحدثك منذ فترة عبلة وأنتِ شاردة تمامًا، ما الأمر؟
زفرت بتعب وهي تضع المِلعَقة الخشبية جانِبًا فاقترب منها والقلق يحتل ملامحه مُتسائلًا:
_ماذا حدث؟ ما الذي يزعجك حبيبتي؟
انتقل القلق منه إلى ملامحها بأشد صوره وهي تجيبه بِحيرة:
_لا أعلم كمال، منذ الأمس وأنا أشعر بضيق لا أجد له مبررًا، واليوم ازداد حتى أصبحت أشعر بصعوبة في التنفس.
جذبها إلى صدره مُربتًا عليها بحنان شديد لم يفتر طوال ثلاثين عامًا هي عمر زواجهما بعد قصة حب تحاكت بها عائلتيهما، ثم سألها بمرح:
_كل هذا لأن يُسْر ستتزوج؟ ألم يكفِك أنكِ تتعمدين تأخير الزواج منذ عامين بالرغم من أن رمزي ومصطفى كانا يريدان التعجيل بالأمر؟!
نظرت له عبلة بغيظ ولم تستطع منع نبرتها المُغتاظة وهي تبتعد عنه هاتفة:
_لن يتم الأمر كما يريد ابن أخيك يا كمال، إن كان يريد الإسراع بالزواج فليبحث عن سواها، يجب علينا التمهل كي لا نندم مُستقبلًا.
تحولت نظرته إليها إلى الضيق الشديد وهو يتطلع إلى الاعتراض البادي على كل خلجاتها..
يعلم أنها لا تحب رمزي..
يعلم أنها لم توافق مُطلقًا على هذا الارتباط..
يعلم أنها لو بمقدورها ستُنهي هذه الخطبة على الفور..
وما يخشاه حقًا هو انصياع يُسْر لها والتراجع عن الزواج في هذا الوقت القاتل..
هل سيسمح بذلك؟
هل سيُغامر بإفساد علاقته بشقيقه الوحيد؟
هز رأسه نفيًا لسؤال لم يخرج من مجال عقله، ثم تبدَّلت على الفور نبرته الحنونة إلى أخرى صارمة وهو يقول مُحذرًا:
_عبلة! للمرة الأخيرة لا أريد منكِ التحدث عن رمزي بهذه الطريقة، لقد أصبح خاطبًا لابنتك، وقريبًا سيصير زوجها، ولا أريدك أن تؤثري على قرارها، ولا تنسِ أنه ابن شقيقي أيضًا ولا أحب سماع ما لا أرضى به عنه.
طأطأت رأسها بحرج مُشوب بالرفض فانصرف هو من المطبخ حانِقًا، لتعود هي لأفكارها القلقة التي لم تتعلق هذه المرة بيُسْر!
**********
تحلَّقوا حول مائدة الطعام بينما الصغيرة تتقافز بمرح حولهم حتى صاحت بها جدتها:
_توقفي عن القفز حول المائدة سيلا كي لا تقعي أرضًا! وهيا لتتناولي الطعام قبل أن يبرد.
صاحت الصغيرة بجدتها مُتسائلة ببراءة:
_ألن يأتي أبي؟
نظرت الجدة لابنتها التي أشاحت بوجهها بحرج قبل أن تجيب على سؤال طفلتها الذي ماثله آخر بعيني أمها بنبرة خافتة:
_لن يأتي اليوم أمي، لديه اجتماعًا هامًَّا بالشركة ولن يستطيع التخلُّف عنه.
أمعنت أمها النظر بها تتفحصها فتظاهرت رهام بعدم الاكتراث..
"أي اجتماع هذا رِهام؟ لتوي أتيت من الشركة ولا توجد أية اجتماعات!"
نظرت رِهام لشقيقتها التي وصلت حالًا وتورد وجهها وهي تهرب إلى صحنها باحثة عن حُجة أخرى تُبرر بها غيابه اليوم أيضًا، شعر بها والدها فحمحم بخشونة وهو يهتف بابنته الصغرى حانقًا:
_وهل أصبحتِ على اطلاع بجدول أعمال الجميع بالشركة رَغَد؟ ربما هناك اجتماعًا طارئًا لا تدرين عنه شيئًا.
هزت رَغَد كتفيها بعدم اقتناع وهي تنظر لشقيقتها الكُبرى بتدقيق فعاجلتها أمها:
_هيا رَغَد! بدِّلي ملابسِك كي نتناول الطعام.
نزعت رَغَد عينيها عن شقيقتها بصعوبة وهي تتجه إلى الدرجات فلحقتها سيلا تتقافز هاتفة بتوسُل:
_أين هي حلواي رَغَد؟ ألن تُعطيني إياها؟
مطت رَغَد شِفتيها وهي تهز رأسها رفضًا مُجيبة إياها:
_حينما تُبدين بعض الاحترام وأنتِ تنادينني ربما سأفعل، يا فتاة أتمنى أن أسمع منكِ كلمة خالتي مرة واحدة بعُمري!
وغابت أصواتهما بحوارهما الطفولي وهما يصعدان إلى الأعلى حينما التفت فريد إلى رِهام مُتسائلًا بهدوء:
_هل تشاجرتِ مع زوجِك ثانية رِهام؟
هنا رَفَعت أنظارها إلى أبيها والألم ينضح بوجهها ثم ردَّت:
_لا أبي! لم أتشاجر معه.
هتفت والدتها بضيق واضح:
_لماذا لم يأتِ إذن؟ إنه حتى لم يتحلَّى ببعض الذوق كي يعتذر عن حضوره، ألا يعلم أننا بانتظاره؟
وقبل أن تغرق في بحور حرجها مرة أخرى جاء الرد من أبيها صارمًا:
_لقد هاتفني وأخبرني بانشغاله، ويُبلغك اعتذاره ليلى.
أشاحت ليلى بإحدى يديها بتذمُّر في إشارة عدم تصديق واضحة ثم غمغمت بصوت مسموع:
_أنا لا يعجبني ما يحدث بينك وبينه رِهام، إلى متى سيطول الجفاء بينكما؟ لقد مرت ست سنوات ولم أركِ سعيدة إلا بضعة شهور بأول الأمر، يجب أن تضعي حدًا لطريقته الجافة معك!
والضعف مُقترِنًا بالألم في صوت ابنتها جاء جليًا وهي تسألها بضياع:
_ماذا أفعل أمي؟
تبادل الثلاثة النظرات حتى زفرت ليلى بضيق قائلة بحذر:
_ربما.. ربما هناك أخرى!
نظر فريد لزوجته بدهشة بينما نظرت لها رِهام بصدمة ثم ما لبِثت أن هزت رأسها برفض صائحة:
_مُحال أمي! أنتِ تعلمين أن ثائر ليس على تلك الشاكلة من الرجال، مُحال أن يُفكِّر بأخرى.
زفرت والدتها بحنق بينما استدركت هي بصوت مهزوز بدى الارتباك به واضحًا، وعدم الاقتناع أكثر وضوحًا:
_كل الأزواج يمرون بفترة ملل، وأنا مُتأكدة أن حُبه لي سيجعلنا نتخطى هذه الأزمة.
تعلقت عينا والديها بها والأمل الكاذب يرتسم على وجهها، ثم بادر أبوها وهو يُغيِّر الحوار:
_نادي رَغَد وسيلا يا ليلى، الطعام سيُصبح باردًا.
وقفت ليلى وهي تمط شفتيها بعدم رضا وحزن على حال ابنتها الكبرى، حينها رَبَّت فريد على كف ابنته قائلًا:
_لا تقلقي! ثائر يعشقك وسيعلم بمدى خطأه بإيلامك، سيعود رِهام، وسيعود نادمًا.
أومأت رِهام برأسها بضعف واضح وهي تبتسم لأبيها بتهكم، لكنها تعلم جيدًا أن وعده الذي أطلقه ربما لن يتم تحقيقه مُطلقًا!
**********

سعاد (أمواج أرجوانية) 30-01-21 11:58 PM

تابع الفصل الأول:
***
وفي الأعلى:
استمعت إلى صوت الجرس الرتيب منتظرة إجابة الطرف الآخر أثناء مُشاكستها لابنة شقيقتها، حتى جاءها الرد بصوت دهِش:
_ألم تتركينني منذ قليل؟ ماذا تريدين؟ أنتِ تعشقين الثرثرة!
تظاهرت بالضيق وهي تهتف به:
_يا إلهي! أهكذا تُجيب من يُهاتفك زيدان؟ ثم أنا لا أتصل بك لأنني أريدك أنت، أين هو شقيقك الذي لا يجيب اتصالاتي؟ ولماذا لم يحضر لتناول الطعام معنا؟
لتأتيها ضحكته الرائقة وهو يرد:
_أهناك دعوة طعام وأنا لا أعلم عنها؟ سأعتبرها نذالة مُتعمدة منكِ رَغَد، لتوِّك تركتني بالشركة ولم تخبريني بشأنها.
وجاء ردَّها سريعًا مُتسِمًا باللامبالاة:
_أولًا: أبي هو صاحب الدعوة ولست أنا، ثانيًا: أخوك لم يأتِ ويبدو الحزن على رِهام لذلك السبب بينما هو تحجج باجتماع وهمي، ثالثًا: بإمكانك الحضور الآن إن أردت.
استأنف ضحكاته ثم رد بأسف مُصطنع:
_لا أعلم أين هو، وبخصوص الدعوة سأضطر آسِفًا للاعتذار، فاليوم ذكرى خطبتي السنوية أنا وشيرين وعليّ الذهاب إلى المقهى، سأنهي المكالمة الآن رَغَد كي لا أتأخر، بلِّغي رِهام وعمي فريد اعتذاري نيابة عن ذلك المتوحش الذي أوقعها حظها السيء معه.
ثم أنهى المُكالمة فورًا ليأتيها صوت والدتها مُتسائلًا:
_كنتِ تتحدثين مع زيدان، أليس كذلك؟! اطلبي منه الحضور!
التفتت رَغَد إليها وهي تُلقي بهاتفها على فراشها ثم أجابتها:
_نعم أمي، لقد دعوته بالفعل لكنه يقول أنه لديه مناسبة ولن يستطيع التلبية، ويعتذر لكِ نيابة عن ثائر.
ونظرة الضيق التي احتلت وجه أمها كانت سببًا كافيًا كي تتهرب من الغرفة مُصطحِبة ابنة شقيقتها قبل أن تبدأ السيدة ليلى في التبرُّم من زوج ابنتها وتنعي حظها، وحياتها الكئيبة!
**********
أخيرًا تململ باهر أرضًا وهو يُقرر العودة من نومه الذي طال لساعات لم تفعل هي خلالها شيئًا سِوى مُراقبته وانتظاره والاستغراق في ذكرياتهما العديدة سويًا..
يوم أن اعترف لها بحبه؛
يوم أن التقطا أول صورة تجمعهما بخطبتهما لتظهر سعادته واضحة، بينما الاضطراب والخوف عليها أكثر وضوحًا؛
يوم أن عُقِد قرانهما وأصبحت زوجته شرعًا وقانونًا فاختطفها إلى المطار مُتباهيًا؛
ثم...
يوم أن صرخ بها غاضبًا للمرة الأولى؛
يوم أن دفعها بيده للمرة الأولى؛
يوم أن سبَّها وأهانها وضربها و....
ولكل شيء مرة أولى!
وسافرت بذكرياتها إلى المرة الأولى التي ترى بها تلك الأقراص بأحد أدراج خزانته..
ذهول؛
فصدمة..
شجار؛
فوجه آخر!
وجه آخر لم تتخيل مُطلقًا أنه قد يُخفي مِثله، باهر الذي اقتنعت تمامًا أنها عرفته حق المعرفة، واجهها يومها بشخص آخر تمامًا..
ثم بكى مُتوسلًا سماحًا؛
فسامحت!
ثم عاد ثانية فتشاجرا..
ليبكي متوسلًا مرة أخرى؛
وأيضًا سامحت!
وأخرى.. وسامَحَت؛
وأخرى؛
وأخرى...
وبالأمس أخبرته أنها تتناول أقراصًا تمنع حملًا مُستقبليًا لأنها لن تُقامر بطفل من أب مثله..
كان أملها الأخير كي توقظه؛
أملها الأخير كي يعود إليها باهر القديم؛
أملها الأخير كي تُنبهه إلى ما يفقدانه بسببه؛
أملها الأخير كي يحصلا على بداية جديدة؛
لكن..
ها هي الآن تنظر إليه وهو يصحو من سكونه الذي يطول كل مرة بعد عودته من غيابات التيه التي يخطو إليها مُتعمدًا...
"لماذا أنام على الأرض؟!"
والسؤال الذي خرج بنبرته المُتحشرجة إثر النوم اقترن بوقوفه مُترنِحًا ووشوكه على السقوط مرة أخرى، ثم تابع سؤاله بآخر:
_لماذا تجلسين أرضًا بهذا الشكل؟
رَفَعت رأسها تنظر له بوجوم، ثم خرج صوتها هادئًا:
_ألا تتذكر ما حدث؟ ألا تتذكر ما الذي ألقى بك أرضًا باهر؟
بدأت الذكريات القريبة تندفع إلى عقله بسرعة ليتخفى صوته خلف جدار الحنق صائحًا بها:
_أهو لُغز ما؟! ما بكِ سُهَيْلَة؟
هبَّت واقفة وهي ترفع بين يديها شريطين يحوي كلا منهما نوعًا مُختلفًا من الأقراص، ثم انفجرت به صارخة:
_أتعلم ما هذان باهر؟ أتعلم أن تناوُلك لهذه الأقراص يجعلني أنا أتناول الأخرى؟ أتعلم أنني لم أعُد أشعر معك بأي أمان؟ أتعلم أنني أتمنى طفلًا وبنفس الوقت أدعو الله ألا أحصل على واحد؟
لكنه لم يهتم بكل ما تتفوه به وعيناه مُعلقتان بيدها اليُسْرى بدهشة ثم أخذ يبحث في جيوب ملابسه بسرعة، ولم يلبث إلا أن صاح بها:
_هل تُفتشين جيوبي أثناء نومي سُهَيْلَة؟ هل تسرقين أغراضي؟
فغرت فاها دهشة ثم صاحت به دامعة العينين:
_أهذا هو ما تهتم به الآن؟! أقول لك أنني أمنع الحمل وأننا ليس لدينا أطفال بسبب إدمانك وكل ما يزعجك أنني أُفتش بجيوبك؟!
جزَّ على أسنانه بغضب وهو يمد يده تجاهها ليختطف شريط الأقراص منها ففشل عندما تراجعت هي إلى الخلف، ثم صرخ بها غاضبًا:
_أنا لا أهتم، لا أهتم بالأطفال، ولا أهتم بكل ذلك الهراء الذي تتفوهين به هذه الفترة، ولا أسمح لكِ مُطلقًا بالتعدي على خصوصياتي.
حدَّقت به بذهول وتراخت يدها التي ترفعها جانبًا، ثم سألته بصوت باكِ:
_ألم تعُد تهتم بحياتنا ومستقبلنا باهر؟ ألم تعد تهتم بأي شيء يخصنا؟
خلع سترته ورماها أرضًا بعنف بالغ هاتفًا بها بنفاد صبر:
_ما علاقة ذلك بحياتنا سُهَيْلَة؟ أنا لازلت أحبك، بل أعشقك.
اقترب منها مُتوسلًا إياها بابتسامة لطالما خدعتها:
_أعطني الشريط حبيبتي، أعطني إياه وسوف نتناقش سويًا كما تشائين.
تطلعت إلى تقلُّب حالته بين لحظة وأخرى برعب وهي تُدرك تمامًا أنه قد خرج عن السيطرة، لتجد نفسها تهز رأسها رفضًا وهي تتراجع أكثر هاتفة بتصميم:
_لا باهر، لن تأخذه، إن أردت الحصول على فرصة أخرى لحياتنا سوف تتوقف عن تناول هذه الأقراص، وسنذهب الآن إلى إحدى المصحات كي يقوموا بعمل اللازم.
تراشقا النظرات في صمت تام..
التصميم منها والذهول منه؛
القوة منها ثم الاستهجان منه!
وما لبِث أن أطلق ضحكة_للمرة الأولى_ أرعبتها وهو يهتف بلهجة تراقص بها الخطر مُحذِّرًا:
_أتعنين أنكِ ستودعين زوجِك مصحة نفسية سُهَيْلَة؟!
ازدردت لُعابها وهي تحاول طرد الخوف الذي أخذ يكتنفها ولا تدرِ له سببًا ثم ردَّت بقوة مُفتعلة:
_أنت من ستقوم بذلك باهر، أنت من ستعمل معي على إنجاح زواجنا، وستعمل معي على بناء علاقة صحية بيننا، ثم حياة صالحة نتنعم بها.
وضحكته تعالت أكثر حتى شعرت بتخبط قلبها بصدرها، بينما الوجه الآخر لزوجها يُزيح الوجه الأول تمامًا، فتساءلت بداخلها بدهشة..:
كيف لم تلاحظ تقلُّبه؟!
كيف لم تلاحظ افتعاله؟!
كيف لم تلاحظ إخفاءه تجبُّرًا خالصًا؟!
ليقترب منها فتراجعت حتى التصقت رغمًا عنها بالعمود خلفها؛
بينما مال هو عليها مُحذِّرًا:
_للمرة الأخيرة سُهَيْلَة، أعطني الشريط وتوقفي عن هذا الهُراء!
ردَّت بأقصى قوة استطاعت الحصول عليها بمواجهته:
_أنا لا.....
لتمتد كفه تُحيط بفكها والشر يرتسم واضحًا على محياه صارخًا بها غير مُهتمًا بدمعاتها التي تنحدر على كفه بسخاء:
_الشريط يا سُهَيْلَة! كي لا أفعل ما تندمين عليه لاحقًا!
دفعته عنها بقوة مُشَوَّبة بذعر وهي تصرخ بدورها:
_لن أعطيك إياه يا باهر، سأتخلص منه مثل الشريط السابق، وكلما تحضر واحدًا سأتخلص منه، لن أيأس باستعادتك مُطلقًا، ستتوقف عن التعاطي وسنصل إلى حُلول سويًا و....
وابتلعت بقية كلماتها صارخة بعدما هبطت كفه على وجنتها بكل قوة، وقبل أن تفيق عاجلها بالصفعة الأخرى..
لكن الصفعة الأخرى كان تأثيرها أشد من سابقتها؛
فعندما ارتد رأسها إلى الخلف اصطدمت بالعمود ليدور رأسها وتتشوش رؤيتها ثم تسقط أرضًا كالحجر!
عندئذٍ فقط حصل هو على صحوته كاملة؛
فلا يُعقَل أن هذه الدماء التي تنساب أسفل رأسها تسرَّبَت خارج إحدى لوحات نشوات سُكرَتُه!
شحُب وجهه بلحظة وهو يتقهقر إلى الخلف، ثم عاد فجأة إليها مرة أخرى مُختطفًا السلسال الذهبي الذي يحيط بعُنقها وخاتمها الذهبي الذي تبقَّى من هدية خطبته!
وضعهما بجيبه بارتباك ثم انتزع شريط الأقراص من يدها المُتشبِّثة بها وينطلق إلى الخارج تاركًا إياها غارقة بِدِمائِها!
**********
""هل تشاجرتِ مع أبي يا أمي؟
أطلقت يُسْر ذلك السؤال وهي تساعد أمها في تجميع الصحون الفارغة من فوق الطاولة، بينما نطقت ملامح عبلة بالضيق الشديد، لكنها ابتسمت بافتعال وهي ترد:
_لا حبيبتي، لم نتشاجر، أخبريني أنتِ! هل وجدت ما نال إعجابك اليوم؟
تظاهرت يُسْر بالتدقيق في أحد الصحون وهي تتهرب من عيني أمها قائلة:
_لا، لم نجد شيئا مميزا، ربما سنفعل في يوم آخر.
حدَّقت عبلة بابنتها بتمعن وزفرت بيأس ثم جذبت الصحون منها وهي تناديها بصرامة، رَفَعت يُسْر عينيها إليها بقلق متسائلة بتوتر:
_نعم أمي؟ لِمَ تنظرين إليّ بهذا الشكل؟
اقتربت منها عبلة بسرعة وأمسكت ذراعيها وهي تحدثها بحزم بنبرة خافتة كي لا يسمعها زوجها ومُرافقيه:
_لم يفُت الأوان بعد، لازال بمقدورك التراجع يُسْر، أنا لا أشعر أن رمزي يناسبك مطلقا، أنتِ تستحقين من هو أفضل، فكري جيدًا ابنتي كي لا تندمي مُستقبلًا.
ظهر التأثر على وجه يُسْر مُرفق ببعض التخبط وهي تنظر لأمها بألم قائلة:
_ربما سأكتشف مُستقبلًا أنه يناسبني أمي، هو.. هو يقول أنه يحبني، وأعتقد أن ذلك يكفي.
احتدت نظرات أمها ثم هتفت بها بغيظ:
_لكنكِ لا تحبينه يُسْر، لا تحاولي إنكار ذلك، أنا أمك وأعلم جيدًا متى تُزيفين تقبلك للأمور، رمزي لم يصل إلى قلبِك حتى الآن بالرغم من مرور عامين على خطبتكما.
ابتعدت يُسْر عن يدي أمها وهي تحمل الصحون مرة أخرى قائلة بتخاذل:
_أمي، أنت تعلمين أنني لا أهتم بذلك في الواقع، لكنني ربما سأتعلم، سأتعلم تقبله عندما يصبح زوجي، من المُحتَمل أن يصل إلى قلبي أيضًا كما تريدين عندما أعيش معه، كما أنه ابن عمي وسيعتني بي جيدا.
ثم افتعلت ابتسامة وهي تشاكسها قائلة:
_ربما واحدة في هذه الأسرة ستكون قصة ارتباطها مختلفة قليلا، لا يجب أن تكون قصتي بذلك الاشتعال، يكفي شرارات العشق التي تنطلق طوال اليوم بينك وبين الأستاذ كمال.
نظرت لها أمها شزرًا تُخبرها بدون كلمات أنها تُدرك تمامًا مُحاولاتها الفاشلة للتهرب من الأمر، فعاجلتها ابنتها بارتباك جلي:
_أعتذر منكِ أمي، سأقوم بإعداد الشاي لأبي ولعمي ولرمزي.
وقبل أن ترد أمها انطلقت إلى المطبخ، فحدَّقت عبلة في إثرها بضيق شديد وهي تدعو أن تعدل ابنتها عن قرارها قبل أن تتورط في زيجة ليست مناسبة مطلقا!
**********
وَصَل زيدان إلى المقهى الهادىء الذي أصبح لا يذهب إلى سواه، ثم اتجه بتِلقائية إلى الطاولة التي اعتاد الجلوس حولها معها جاذبًا أحد المقاعد وعلى وجهه ابتسامة تلازمه بهذا المكان.
فــ.. هُنا فقط؛
يتخلص من كل همومه؛
يطرد كل مساوىء الحياة خارجًا؛
يثبت لهم أنه لن يكون تابعًا، أو خاضعًا، أو.. مجنونًا!
تعلَّقت عيناه بباب المقهى ثم تهادت الذكريات السعيدة داخل عقله فأغمض عينيه لها مُستسلِمًا...
منذ أربعة أعوام:
كان يدُق على الطاولة بأنامله بعصبية واضحة وهو يتطلع بين الفينة والأخرى إلى باب المقهى مُنتظرًا صديقه الذي تأخر كثيرًا كما عادته..
زفر بغيظ شديد وهو يسترجع شجاره ذلك الصباح مع شقيقه الأكبر الذي يتصرف وكأنه ملك الكون، فمنذ أن تقاعد والدهما عن العمل بسبب حالته الصحية الضعيفة انقسم الاثنان.. فهو قد فضَّل إفادة الشركة بدراسته الهندسة المِعمارية، لكن شقيقه يريده أن يساعده في الأمور الإدارية..
هو بالفعل لا يطيق الإدارة ولم يهتم بها يومًا حتى مع إصرار والدهما على تقسيم الأسهم التي امتلكها بالشركة بينهما مُناصفة، لكنه لا يرى في نفسه تلك الشخصية المُتسلطة الآمرة التي يتمتع بها ثائر ببراعة..
لِذا ومهما أصر عليه شقيقه أو أبوه لن يسمح لنفسه مُطلقًا بالغرق في بحور القوة والنفوذ، لطالما أحب الحياة البسيطة ولسوف يظل كذلك..
والآن أين هو صديقه الذي أصر عليه كي يقابله حتى يحُل النزاع بينه وبين شقيقه؟!
أين أنت يا باسل؟
ألن تتعلم احترام المواعيد مُطلقًا؟!
رَفَع عينيه إلى باب المقهى مرة أخرى بملل سُرعان ما انمحى وهو يرى تلك الشابة الجميلة تتقدم تجاهه وعلى وجهها ابتسامة.. رائعة!
عقد حاجبيه بدهشة وهو يحاول استيعاب أن تلك الابتسامة مُوجهة إليه شخصيًا، وقبل أن يُفكر وجد نفسه يبادلها إياها بكل سرور حتى توقفت أمامه بالضبط..
وبصوت رقيق خجول ابتدأت حوارها معه:
_عُذرًا يا سيد! هل لي أن أطلب منك طلب؟
نظر لها باستغراب ثم اعتدل بمقعده مُتسائلًا:
_مني أنا؟!
أصبحت الابتسامة أكثر رقة وبهاءًا وهي تومىء برأسها قبل أن تجيبه:
_نعم، أعتذر جدًا إن اعتقدت بأنني أفتقر للذوق، لكن أنا وصديقتاي نُقيم حفل عيد ميلاد ونُريد الجلوس على هذه الطاولة لأنها مُنعزِلة، حتى لا نزعج غيرنا.
نظر لها بدهشة مُختلطة بالاستنكار بسبب جرأة مطلبها ثم ألقى نظرة خلفها ليجد فتاتين تنظران إليهما بحرج بالغ، عادت نظراته إليها ثم أخذ يُلملم سلسلة مفاتيحه وهاتفه وهو يقف ببطء والعبوس على وجهه واضحًا فأسرعت هي تقول بلهجة مُعتذرة:
_آسفة جدًا يا سيد، إن كان مطلبي سيزعجك لا تهتم، سوف نجد مكانًا آخر.
حينها نظر إليها بتمعُن وهو يتفحص الأسف بعينيها، ليجد نفسه بدون تفكير مرة أخرى يبتسم وهو يهز رأسه رفضًا قائلًا:
_مهندس زيدان، ولن أنزعج إن كنتِ ستُعطيني قطعة من الكعكة، وكل عام وأنتن بخير.
أشرقت ابتسامتها فجأة فتسمَّر هو مكانه للحظات..
لحظات فقط حدَّق كلا منهما في الآخر؛
توردت وجنتاها فاتسعت ابتسامته؛
طأطأت رأسها أرضًا فحمحم هو بِحَرَج..
تراجعت إلى الخلف مُتَمتِمة بكلمات شُكر غير واضحة فأومأ برأسه وهو يتخطاها إلى طاولة أخرى، ليجلس مُتظاهرًا بالعبث بهاتفه حتى حضر صديقه أخيرًا قائلًا بأسف:
_عذرًا زيدان، زحمة السير كما تعلم.
رَفَع زيدان عينيه الحانقتين إلى قامته الطويلة، والرد كان تمتمة مغتاظة من بين أسنانه:
_حتى إن امتلكت طائرة خاصة، ستتأخر أيضًا يا باسل.
وباسل جلس خالعًا نظاراته الطبية زافرًا بعض الهواء على سطحها قبل أن يمسحه ويرتديها مرة أخرى، لينطلق على الفور في صُلب الموضوع الذي أتى من أجله..
فالأب حزين؛
والأم غير راضية؛
والأخ غاضب.. وغضبته دومًا عاتية!
لماذا لا يتركونه يعيش حياته كيفما شاء؟
_أنت تعلم أن أباك يريد...
ألقى باسل عبارته بحذر ليقاطعه زيدان بسخط نادرًا ما تمكن منه:
_يريد مصلحتي، كلهم يريدون مصلحتي، أليس كذلك؟!
زفر باسل حانقًا وأشاح بوجهه الأسمر بملل بينما أخذ يعدل من وضع نظاراته الطبية على أنفه..
ها هي المعزوفة المُعتادة ستبدأ!
_دعني أخبرك شيئًا باسل، ربما تعتقد أنت أنهم يريدون مصلحتي، لكن إن تعارضت تلك المصلحة مع ابنهم الأكبر سيُديرون ظهورهم لي وسيطلبون رضاه.
صفق باسل وابتسم بسخرية قبل أن يستغفر بصوت مسموع ولم يجد ردًا يتفوه به، بينما أدار زيدان رأسه بعيدًا فوقعت عيناه على أنقى ابتسامة رآها بحياته..
مرة أخرى..
ثم صار اختلاس النظرات بينهما واضحًا؛
مرتبكًا؛
مبتسمًا؛
حتى لاحظ صديقه فمال عليه مُندهشًا، وسأله بلا تصديق:
_هل تغازل تلك الفتاة يا زيدان؟
أجفل زيدان بِحَرج، وانتبه إلى أنه نسى وجوده تمامًا، ثم هتف به مستنكرًا:
_عن أي غزل تتحدث أنت؟ أنا لا أفعل ذلك بالطبع، لقد.. لقد..
وقبل أن يجد ردًا مُناسبًا وقع بصره على النادل الذي يقترب من طاولتهما حاملًا قطعتين من الكعك، وضعهما أمامهما بهدوء ثم قال بلباقة:
_الآنسة شيرين أرسلت هذا الكعك إليك مهندس زيدان، وتُرسل لك شُكرها.
ولمَّا انصرف النادل بهدوء اتجهت عيناه إليها تلقائيًا وهو يهُز رأسه شاكرًا فمنحته إيماءة خَجِلة.
_أو ربما هي من تغازلك!
اختفت ابتسامته وهو يتطلع إلى صديقه مُغتاظًا بينما الأخير يتلاعب بحاجبيه، ويبدو عليه الاستمتاع الشديد، حتى اضطر زيدان إلى سرد كل ما حدث كي يتوقف باسل عن رميُه بهذه النظرات الماكرة.
وقبل أن ينصرفا اتجه زيدان إلى النادل مُحاولًا استقطاب أية معلومات عنها ليندهش عندما علِم أنها ابنة صاحبة المقهى.
ذلك المقهى الذي أخذ يرتاده يوميًا فرآها أكثر من مرة..
تبادلا الابتسامات بضعة مرات..؛
ثم التحيات المُهذبة..؛
ثم أحاديثًا عابرة..؛
ولِمدة عام كامل تطور الأمر بينهما حتى أصبحا يتقابلا بنفس المقهى دونما اتفاق؛
وبنزعة جرأة لم يتصف يومًا بها وجد نفسه بإحدى المرات يجذب مقعدًا حول طاولتها متسائلًا:
_أتتزوجيني شيرين؟!
وتورد وجنتيها كان إشارة واضحة على إجابتها، ليتجه في نفس اليوم إلى السيدة مها والدتها فينتزع منها موافقة مبدئية حتى يحضر أهله ويطلبونها بطريقة رسمية..
وهكذا أصبحت خطيبته وحبيبته الأولى والأخيرة..
والآن فتح عينيه وهو يشعر باقتراب خطوات منه لتتسع ابتسامته مُرَحِّبًَا:
_مرحبًا سيدة مها.
**********

سعاد (أمواج أرجوانية) 31-01-21 12:01 AM

الجزء الثالث والأخير من الفصل الأول
***
انهمك رمزي مع عمه في لعبة الشطرنج التي يجيدها كلاهما بغرفة الاستقبال، فانتحى مصطفى بيُسْر في الشرفة، وبينما يراقبان ظلام الليل بشرود بادرها قائلًا:
_أتعلمين أنني أحسب الأيام حتى تُصبحين كنتي؟
زفرت يُسْر بضيق لا إراديًا، ثم افتعلت ابتسامة وهي تحيط عمها بإحدى ذراعيها قائلة:
_أنت غريب حقًا عمي، أنا في الأصل ابنة أخيك، ألم تمل مني بعد؟ ربما ستندم لاحقًا عندما تراني دومًا ليلًا نهارًا.
رَبَّت عليها مصطفى بحنان وهو يضحك هاتفًا بِمرح:
_أنا لا أمل منكِ مُطلَقًا، أنتِ ابنتي أكثر من كمال نفسه.
ابتسمت وهي تخفي ضيقًا واضحًا فتابع عمها بارتباك:
_رمزي يحبك جدًا يُسْر.
أومأت برأسها بهدوء ولم ترد، وبلهجته الحنونة تابع مؤكدًا:
_سيحافظ عليكِ وسيُسعدِك.
ابتسمت باصطناع وهي تقول:
_أعلم.
ضحك بصوت عالِ فنظرت له مُتعجِّبة وهو يستكمل:
_هو يتلهف لموعد الزفاف بشدة، حتى أنه ينوي أن تبتاعا كل الأثاث بالأسبوع القادم كي لا يتأخر زواجكما يومًا واحدًا.
عندئذٍ شردت والتوتر يغزو ملامحها فاقترب منها عمها مُتحدثًا بتوسُل حاول إخفاءه، لكنها أدركته:
_أوصيكِ به يُسْر، رمزي يحبك جدًا و يثق بكِ، أنا أثق بكِ، لا تخذلينا، عندما تعيشين معه ستعلمين كم هو حنون وطيب ومسالم، لن يزعجك مطلقًا.
ثم أردف مازحًا:
_مثل أبيه بالطبع.
والابتسامة التي انتظرها منها لم يجدها وهي تغرق تمامًا في شرودها حتى التفت الاثنان على عبارة رمزي المُبتهِجة:
_أيمكنني الانفراد بخطيبتي قليلًا؟ أنت تتحدث معها أكثر مني أبي!
عقد مصطفى حاجبيه بدهشة مُفتعلة وهو يهتف به مُغيظًا إياه بوضوح:
_وما ذنبي أنا إن كنت ساحرًا للجميلات؟، أنت من لم تتعلم مني شيئًا!
نظر له رمزي بإشارة إلى رغبته في الانفراد بها وهو يقول:
_عمي كمال يريد أن يهزمك في جولة أخرى، تستطيع الذهاب إليه وتتركني أحاول الاقتداء بك.
ضحك مصطفى باستمتاع وهو يخرج من الشُرفة فأدارت هي رأسها تتظاهر بتأمل الشارع، وقف بجوارها رامِقًا إياها بتفحُص ثم حدثها بنبرة خافتة:
_شهران فقط يُسْر، شهران فقط وتصيرين زوجتي.
تململت بوقفتها بضيق واضح ولم تعطه أي رد.. وكعادته لم يندهش!
تأمل جانب وجهها كما اعتاد أن يفعل تلقائيًا؛
ليست باهرة الحُسْن، ولا فائقة الجمال؛
ربما ملامحها جامدة، لكنه يأمل أن تتحرك من أجله يومًا؛
يعلم أن مشاعرها راكدة، لكنه سيحاول أن يجعلها تفور له يومًا؛
متيقن أن لا أحد استطاع هدم أسوارها، لكنه سيحمل كل الفؤوس وسيهدمها سورًا.. سورًا!
اقترب منها بضعة سنتيمترات وهو يُتابع:
_ أنا أحبك يُسْر، أحبك وأتمنى أن تتوقف الأيام عن المرور ببطء كي تكوني لي.
تجلى الرفض واضحًا على ملامحها؛
لا تريد هذا؛
لا تقتنع بهذا؛
الحب لم يكن يومًا هدفها.. لكنها الآن تمقته!
العشق لم يكن مُطلقًا مأربها.. لكنها في هذه الحال تنفر منه!
تتقبل أي شخص سواه؛
ترضى بالاقتران بأي رجل.. إلاه!
أغمضت عينيها بقوة، ثم ابتعدت إلى الخلف مُسرعة، أولته ظهرها وهي تقول بتوتر:
_لقد.. لقد أُرهَقت جدًا اليوم رمزي، سأخلد إلى النوم، تصبح على خير.
ولم تنتظر منه ردًا بالفعل وهي تهرب إلى غُرفتها ليبقى هو مُحدِّقًا في إثرها بشرود.
**********
"لقد توقعت ألا تأتي اليوم بعد وليمة أمس!"
التفتت رَغَد إلى الخلف بمجرد أن هبطت من سيارتها لِتجد زيدان أيضًا يصُف سيارته بمرآب الشركة فضحكت بمرح ثم أجابته:
_يا بني من أخبرك أنها وليمة؟ لقد كانت دعوة بسيطة لشقيقك ولم يحضر، انتهى الأمر!
ومن باب سيارة زيدان الجانبي خرج باسل حانقًا وهو يهتف بها:
_ولماذا لم تستبدلوه بي؟ هل رفضت أي دعوة من قبل؟ ألا تعلمين أنني أعيش بمفردي ولا أتناول إلا الأطعمة السريعة؟!
أغلق زيدان باب سيارته وهو يتقدمهما هاتفًا بنزق:
_تستطيع أن تتزوج فتجد الطعام البيتي الذي تعشقه، ونستريح نحن من تذمرك اللامتناهي بذلك الشأن.
سار باسل بجوار رَغَد يتبعانه باتجاه البوابة الضخمة للشركة، قائلًا باستنكار:
_أتمزح معي زيدان؟ هل أنا أحمق كي أُقدم على تلك الفِعلة المجنونة؟ الأطعمة السريعة ليست بذلك الضرر.
التفت زيدان إليه قائلًا بسخرية:
_لن ينفعك إضرابك عن الزواج عندما تمتد بطنك أمامك كالمرأة الحامل بشهورها الأخيرة!
تعالت ضحكات رَغَد حينما وقف باسل متخصرًا ينظر له بغيظ ولا يعثر على رد مناسب، لكن زيدان ابتسم بحنان مُردفًا:
_كما أنها ليست فعلة مجنونة تمامًا، لا يوجد ما هو أسمى من الحب، فقط أحسن الاختيار، تستطيع الاقتداء بي، أنا لم أندم يومًا على حُبي لشيرين.
زفر باسل بغيظ يرمقه شزرًا، ثم هتف باعتراض:
_وإن أطعتك وتزوجت لأكتشف أنها لا تُجيد طهي الطعام، ماذا أفعل حينئذٍ؟! هل سنعيش كلانا على الأطعمة السريعة؟! لِمَ التبذير إذن؟!
هنا قالت رَغَد ضاحكة:
_إذن هي نتيجة أفعالك باسل!
شاركها زيدان الضحك وهم يدخلون ثلاثتهم من الباب الرئيسي للشركة فهتف باسل حانقًا:
_أنتما تتمازحان لأنكما لديكما نفس النظرة السخيفة الحالمة، لكنني على النقيض منكما تمامًا، لن أفكر بتلك الطريقة، لن أتخلَّى عن حُريتي الحبيبة، ولن أتزوج مطلقًا!
وعندما وجد أن ضحكاتهما الساخرة قد تعالت صاح بحنق أشد:
_وكي تعلما إن فقدت عقلي وفعلتها يومًا يجب أن تكون طاهية ماهرة! وسأتأكد من ذلك قبل أي شيء.
ثم شرد بابتسامة واسعة قائلًا:
_ربما سأطلب منها في المقابلة الأولى مائدة تتكون من البط والحمام المشوي، والكثير من "محشو ورق العنب" وصحنًا من "الملوخية"!
ولم يلاحظ نظرات الاستهجان من كليهما وهو يردف متسائلًا باهتمام:
_متى ستعد والدة أحدكما بعضًا من "الملوخية"؟!
التفت زيدان إليه وهو يغمز لِرَغَد قائلًا له بلهجة ذات مغزى:
_أنا لا أعلم، لكنني أعتقد أنني قد وجدت حلًا لمُعضِلتك، يمكنك الزواج من رَغَد، لا أمهر منها بالطهي وأنت تعرف هذا جيدًا.
"مهندس زيدان! سيدة رِهام تريد مُقابلتك."
وعبارة السكرتيرة أنقذت رَغَد من رد لم تُرِد أن تحصُل عليه ففضلت التهرب أيضًا وهي تعتذر منهما بتمتمة خافتة.
ليهتف باسل بزيدان مُغتاظًا:
_ما هذا الغباء الذي تفوهت به زيدان؟ لقد أحرجتها.
ابتسم زيدان بمكر وهو يُجيبه باستفزاز:
_ارفع عنها الحرج إذن وتحرك قبل أن يسبقك إليها غيرك فتندم.
وقبل أن يصيح باسل بالرفض الدائم المُعتاد كلما حثه زيدان على أخذ تلك الخطوة تراجع بسرعة قائلًا:
_يبدو أن رِهام ستطلب مني التدخل لحل شجارًا ما بينها وبين أخي المفتري، بالإذن منك!
وانطلق زيدان مُتهربًا من تعنيفه بينما ظل هو مكانه ينفث زفيرًا مُغتاظًا..
**********
فتحت سُهيلة عينيها بصعوبة شاعرة بألم شديد يجتاح رأسها، تطلعت حولها برؤية مُشوشة لتقابلها الجدران البيضاء، أغمضت عينيها مرة أخرى وهي تمد إحدى يديها مُتلمسة الضمادة التي تُحيط بجبهتها ثم زفرت بألم مسترجعة ما حدث خلال الساعات الفائتة..
لقد استيقظت لتجد أنها مُلقاة أرضًا والدماء المُتجلطة تلتصق برأسها فتحاملت على نفسها لتصل إلى هاتفها وتتصل بجارتها، والتي أسرعت إليها ونقلتها مع ابنتها الشابة إلى المشفى بعد هروب.. زوجها!
والابتسامة الساخرة كانت موجهة إلى شخصها أكثر منه هو..
لقد خذلها!
لقد خذلها بكل الطرق!
ضربها وأسال دمها ثم هرب!
كيف لم تر تلك النذالة من قبل؟
كيف لم تتوقع خِسته؟
كيف استمرت معه لعامين كاملين منذ الخطبة وحتى اليوم تجبر نفسها على الشعور بأمان زائف بينما افتقر هو لأدنى سمات الرجولة؟!
وتوالت دمعاتها ترثي حالها وأمانها وثقتها...
حتى دخلت إحدى المُمرضات تحاول تهدئتها..
وبعد لحظات رددت سُهَيْلَة بنبرة مُتحشرِجة:
_أريد استدعاء الشرطة لو سمحت!
نظرت لها الممرضة بدهشة تتأكد من جدية كلماتها، ثم عَقَّبَت بفضول:
_الشرطة؟! ألم تُزَل قدماك وسقطتي؟!
فأجابتها سُهَيْلَة بصوت اختلط فيه الإصرار بالألم:
_لم أسقط، زوجي هو من دفعني وهرب بعد أن قام بسرقة مصوغاتي!
ونظرة المرأة المصعوقة كانت أبلغ من أي رد وهي تُهروِل إلى الخارج بحماس شديد لتُخبر الطبيب بما هو على وشك الحدوث!
**********
جلست رِهام في غرفة مكتب السكرتيرة مُنتظرة خروجها من مكتبه كي تسمح لها بالدخول بينما أخذت تُردد على عقلها ما ستقوله له بعد أن اشتكت لأخيه منذ دقائق..
هل وصل به إهماله لها إلى الحد الذي يجعله يضعها في موقف حرِج بالأمس أمام أهلها؟!
لقد تحمَّلت لثلاثة أعوام..
ثلاثة أعوام من الإهمال والبرود والتجاهل..
ثلاثة أعوام من الحقد والازدراء والإهانات المبطنة..
ثلاثة أعوام من القسوة والجفاء الذين لا ينافسه بهما أحد..
إلى متى ستتحمل؟!
إلى متى ستُطأطئ رأسها لسطوته؟!
إلى متى ستظل صامتة طاعةً لوالدها الذي يأمرها الصبر؟!
متى ستنتفض وتتركه؟!
متى ستنتقم لمعاملته إياها باحتقار؟!
أهذا عقابها لأنها لم تكن قوية كفاية لِصد الحُب؟!
أجفلت وهي ترى السكرتيرة تقف أمامها مُحدِّقة بها بِدهشة، ويبدو أنها تُحدِّثها منذ فترة.
_هل أنتِ بخير سيدة رِهام؟
حمحمت بحرج ثم وقفت مُبتسِمة برسمية، عَلَّقت حقيبة يدها الأنيقة على كتفها ثم قالت:
_هل أدخل الآن؟
نظرت إليها السكرتيرة بتوتر ثم قالت:
_أعتذر، كنت أخبرك أن ثائر بك غير مُتفرغ الآن.
فغرت فاها دهشة وهي ترمقها باستنكار متسائلة بنبرة ضعيفة:
_هل يرفض مُقابلتي؟
تهربت السكرتيرة بعينيها منها بِحَرج وهي ترد بنبرة مُشفِقة:
_آسفة، إنه مشغول قليلًا.
أومأت رِهام برأسها وهي تثبت حقيبتها شاعرة بالحنق يُسيطر عليها، بينما لم تستطع السكرتيرة منع النظرات المُشفِقة التي ترميها بها وهي تستغرب قسوة رئيسها..
من يستطيع التسبب في الحزن لهذه المرأة؟!
تنتمي إلى عائلة رفيعة المقام وأبوها يمتلك خُمْس الأسهم بالشركة..
تتمتع بجمال رائع وملامح بريئة تجعل كل من يراها فورًا يحبها..
هادئة..لبِقة..ناعمة؛
تستغرب حقًا كيف تزوجت من مثلها بذلك القاسي الصارم الجاف على الدوام!
خرجت رِهام وهي تحاول السيطرة على غضبها وحرجها..
هي تعلم أنه ليس مُنشغلًا، فزيدان أكد لها أنه بمفرده لِمدة ساعة قادمة على الأقل..
والآن زوجها العزيز أحرجها أمام سكرتيرته، ولا تستبعد أنه الآن يشعر باستمتاع شديد شامتًا بها!
استقلت المصعد وهي تتنفس بغضب شابه الألم، والرغبة بالصراخ معترضة على كل ما تتعرض له، ثم انفلتت منها دمعاتها المقهورة فأخذت تمسحها بسُرعة كي لا يراها أحد.
الجميع هنا يعلم أنها زوجة أحد أصحاب الشركة وزوجة شقيق الثاني وابنة الثالث، يجب أن تحافظ على مظهرها أمامهم حتى وإن كانت تموت كمدًا بداخلها، حتى وإن تسبب تصرفه في زعزعة تلك القوة الظاهرية.
وعندما وصلت إلى الطابق الأرضي وفُتِح باب المصعد حدَّقت في الواقف أمامها بصدمة بادلها إياها بقوة!
**********
أنهت يُسْر تحرير المقال الذي تُدقق به منذ ساعة وقامت بإرساله إلى مدير الجريدة التي تعمل بها عبر البريد الإلكتروني.
تمطت بِكسل ثم ارتدت ملابس الخروج وهي تستعد للذهاب إلى محل الأدوات المكتبية الذي تولت مسئوليته بعد تقاعد أبيها منذ عامين، حينما وصل إلى أذنيها صوت رسالة نصية، انطلقت إلى هاتفها لتُحدق في الكلمات التي استقبلها بضيق:
"ستون يومًا يُسْر، لا أُطيق صبرًا حتى تُصبحي زوجتي."
وبكل غيظ ألقت هاتفها على الفراش دون أن تكلف نفسها عناء الرد عليه رغم علمها بأن رمزي ينتظر، ثم ألقت جسدها بجوار الهاتف، لكنها ما لبثت أن انتفضت وهي تجذبه مرة أخرى ثم عبثت بشاشته قليلًا ووضعته على أذنها بترقب واضح..
وبعد لحظات جاءها الصوت الرجولي الماكر:
_ما هذا الصباح الجميل؟
لكنها تغاضت عن مزاجه الرائق وقالت بحنق شديد:
_أنا في ورطة!
والقلق بنبرة مُحدثها حل محل المكر ليسألها بسرعة:
_ما الذي حدث يُسْر؟ أين أنتِ؟
تهدلت كتفاها وهي تُجيب:
_أنا بالبيت، لكن..
لم تعلم كيف تستكمل عبارتها، لم تعلم ماذا يجب عليها أن تقول، هو الوحيد باستثناء الآخرين الذي يشعر بما يجيش بصدرها حقًا، لِذا فَلم يُفاجئها حينما عقَّب بـ:
_رمزي؟
هنا زفرت باستسلام وهي تهمس بغضب خشية أن يسمعها أحد والديها:
_لا أريد الزواج به، لا أستطيع!
لم يأتها الرد لِثوان ضاقت أنفاسها خلالها، حتى جَزَّ على أسنانه بغيظ وهو يهتف بها:
_أعلم أنني لا يجب أن أقول ذلك، لكنني حذرتكِ، حذرتكِ كثيرًا يُسْر، أتركيه!
تقبلت الغضب بكلماته باستسلام على غير عادتها، لكنها عندما تحدثت فضح التوسل ضياعها وهي تسأله:
_وما العمل؟ ماذا أفعل الآن؟ كلما اقترب الموعد أشعر باختناق أكثر، لا أستطيع تَحَمُّل أنه سيكون زوجي.
وصلها صوت زفيره الذي سبق سكوتًا طال بعض الشيء، لكن عاد المكر بصوته وهو يقترح:
_أستطيع منع كل شيء إن أردتِ، أستطيع إثارة المشاكل حتى يفسد الزفاف قبل أن يحين موعده، ربما أنجح هذه المرة، ما رأيك؟
ابتسمت بشرود وهي تهمس:
_ليتك تفعل!
حمحم بارتباك وصلها كاملًا وهو يرد:
_يُسْر أنا.. أنا كنت أمزح، لا أستطيع أن أتدخل الآن، تعلمين أن وضعي حَرِج للغاية و..
قاطعته بِحَسرة واضحة توميء برأسها رغم أنه لا يراها، ثم قالت بخفوت:
_أعلم، لا تُزعِج نفسك ولا تحمل هَمًَّا، رُبما هذا الزواج أفضل للجميع.
ثم زفرت بضيق مُردِفة:
_سأنهي المُكالمة حتى لا أتأخر، إلى اللقاء.
وأنهت المُكالمة ناقِمة قبل أن يصِلها ردُّه، مُتمتِمة لنفسها:
"تحملي نتيجة قراراتك يُسْر!"
**********
جرجرت حقيبتها الوحيدة التي وضعت بها أهم أغراضها ثم اتجهت إلى بوابة الوصول، وقفت لدقائق تتطلع حولها بشرود تستعيد ذكرياتها في هذا المكان بالتحديد منذ عام واحد مضى...
لقد كانت هنا بفستان عرسها الأبيض وحجابها الأبيض؛
كانت تتهيأ للحصول على بعض الأمان والسكينة معه؛
كانت تتأبط ذراعه متقبلة وعده لها بسلام أبدي؛
والآن..
في نفس المكان بدون فستان عرسها؛
في نفس المكان بدون حجابها المُزيَّن؛
في نفس المكان وأزاحت حسرتها سكينتها جانبًا؛
في نفس المكان بمفردها تمامًا وبدلًا من كونها العروس أصبحت الآن.. مُطلَّقة!
فبعد أن تم القبض عليه ساومته على التنازل عن اتهامها إياه مقابل تطليقها؛
وبدون تردد طلَّقها!
بمنتهى البساطة ألقى كل كلماته ووعوده خلف ظهره لامُباليًا؛
وتركها هي تتجرع مرارة الندم والخذلان بلا ارتواء..
مسحت دمعات لم تعلم متى انحدرت على وجنتيها وهي تتجه إلى أول سيارة أجرة مُنطلِقة إلى بيت أهلها.
....
وأمام الباب وقفت مُطأطئة رأسها منتظرة إجابة الجرس لتفتح شقيقتها الصغرى الباب هاتفة بذهول:
_سُهَيْلَة! متى أتيتِ؟ وما بها رأسك؟!
وكما عادتها ألقت نفسها بأحضانها صائحة ببكاء:
_باهر طلقني يا يُسْر!
*****نهاية الفصل الأول*****

في انتظار آرائكم وتعليقاتكم:eh_s(7)::eh_s(7):

سعاد (أمواج أرجوانية) 31-01-21 12:15 AM

اقتباس:

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة رىرى45 (المشاركة 15326091)
موفق بإذن الله ... لك مني أجمل تحية .

تسلميلي حبيبتي 😍😍😍

هدى سلطان 01-02-21 03:21 AM

بداية رائعة جدا في. انتظار القادم بشوق

دكتورة صيدلانية 01-02-21 10:56 PM

ألف مبارك الرواية الجديدة وأخيراً كما تمنيت عدتي لنا برواية تحمل في جعبتها الكثير ولكن لن أقرأها إلا عند نهايتها كاملة فأنا لا أستطيع الانتظار أحب قراءة الرواية في يوم أو يومين وكلي ثقة بأنها توازي روايتك الأولى جمالاً أو ربما تفوقها وفقك الله غاليتي ❤❤

سعاد (أمواج أرجوانية) 03-02-21 01:12 AM

اقتباس:

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة هدى سلطان (المشاركة 15329430)
بداية رائعة جدا في. انتظار القادم بشوق

يا رب تعجبك حبيبتي 😍😍😍


الساعة الآن 06:36 AM

Powered by vBulletin®
Copyright ©2000 - 2022, vBulletin Solutions, Inc.