آخر 10 مشاركات
14- الزواج الابيض - نيرينا هيليارد - ع.ق ( نسخه اصلية بتصوير جديد ) (الكاتـب : angel08 - آخر مشاركة : كلودي - مشاركات : 1268 - المشاهدات : 56786 - الوقت: 09:02 AM - التاريخ: 20-12-14)           »          89- الشوق المكسور - فلورا كيد (الكاتـب : عنووود - آخر مشاركة : زمن عبدالله - مشاركات : 1262 - المشاهدات : 51814 - الوقت: 09:00 AM - التاريخ: 20-12-14)           »          زوجة مدفوعة الثمن (44) للكاتبة: لين غراهام .. كاملة .. (الكاتـب : فراشه وردى - آخر مشاركة : الجميله2 - مشاركات : 6542 - المشاهدات : 284059 - الوقت: 08:58 AM - التاريخ: 20-12-14)           »          جنون الحب و الانتقام " مميزة & مكتملة " (الكاتـب : زهرة نيسان 84 - آخر مشاركة : ايثار - مشاركات : 3197 - المشاهدات : 129305 - الوقت: 08:58 AM - التاريخ: 20-12-14)           »          الفيديو الذي تربع على عرش مشاهدات "يوتيوب" في 2014 (الكاتـب : اسفة - آخر مشاركة : lala905 - مشاركات : 5 - المشاهدات : 183 - الوقت: 08:58 AM - التاريخ: 20-12-14)           »          تحميل فيـلم 2013 Bullett Raja مترجم روآاابط + تورنتـ (الكاتـب : لميس مهند - آخر مشاركة : Rêð RØsè - مشاركات : 6 - المشاهدات : 680 - الوقت: 08:57 AM - التاريخ: 20-12-14)           »          صخرة ال 400 مليون دولار (الكاتـب : اسفة - آخر مشاركة : lala905 - مشاركات : 5 - المشاهدات : 179 - الوقت: 08:55 AM - التاريخ: 20-12-14)           »          415 - لن أعود إليه - ماغي كوكس (الكاتـب : ^RAYAHEEN^ - آخر مشاركة : رشا مصطفى - مشاركات : 1582 - المشاهدات : 88989 - الوقت: 08:54 AM - التاريخ: 20-12-14)           »          الفجر الخجول .. (28) للكاتبة الرائعة : Just Faith .. * مميزة & مكتملة * (الكاتـب : Andalus - آخر مشاركة : ام مصطفى2 - مشاركات : 4752 - المشاهدات : 206787 - الوقت: 08:53 AM - التاريخ: 20-12-14)           »          80 - القرار الأخير - آن هامبسون - دار الكتاب العربي (الكاتـب : أناناسة - آخر مشاركة : فتاة الماضي - مشاركات : 923 - المشاهدات : 27854 - الوقت: 08:53 AM - التاريخ: 20-12-14)



العودة   شبكة روايتي الثقافية > منتدى الروايات الرومانسية المترجمة > منتدى روايات (عبير- احلام ) , روايات رومنسيه متنوعة > منتدى روايات عبير العام > روايات عبير المكتوبة

إضافة رد
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
164- أطياف بلا وجوه - فلورا كيد - روايات عبير القديمة (كتابة / كاملة )



164- أطياف بلا وجوه - فلورا كيد - روايات عبير القديمةا

الملخص

كم من قصة تولد او تموت لأن الصدفة تشاء ان يكون بطلاها على طرفي نقيض في نظرتهما الى الحب والحياة .رجل العقل وامرأة القلب. واحد يرى بجهازه العصبي ,واخرى تتطلع في مرآة الغريزة والشعور.حاولت ايلاين طوال اشهر تسعة ان تنسى بيار .تصورت انها نجحت في ذلك , ولكنها ادركت فيما بعد ان مشارعها نحوه لم تتغير اطلاقا.بيار ليس من النوع الذي يمكن نسيانه بسهولة .عادت اليه قبل أربع وعشرين ساعه فقط , وهاهو يملأ حياتها,يطرد منها كل شخص آخر وكل شئ ,تماما كما فعل قبل سنة واحدة عندما التقيا...وتزوجا.
ولكن عليها هذه المرة ان تقرر بشكل نهائي ,لأن الأمور تجاوزت حدودها المتعارف عليها.اتخذت طابعا مخيفا فجأة ,وبدأت تلوح في الأفق أطياف مصيرية غير مرغوب فيها مطلقا ,كالطلاق مثلا...

1-مطاردة
عندما علمت أيلاين كوبر أن شقيق جدتها لأبيها أر مون سان فيران مريض جدا ويريد حضورها على الفور الى منزله الريفي في شامبورتن أون دوفاي بفرنسا , أتصلت بأدارة شركة الأستيراد اللندنية المعروفة التي تعمل فيها وأستطاعت الحول على أجازة لمدة يوم واحد.
ثم أجرت مكالمة أخرى , حجزت خلالها مقعدا لها على أحدى الطائرات المتجهة الى باريس... وبعثت ببرقية الى مارجريت زوجة أرمون , تبلغها فيها عن موعد وصولها الى نطار شارل ديغول في العاشرة من صباح يوم الجمعة المقبل , أختارت أيلاين هذا اليوم بالذات لأنه يمنحها , بالأضافة الى الأجازة الأسبوعية المعتادة , ثلاثة أيتم كاملة.
حطت الطائرة في الموعد المقرر لها , فأخذت حقيبتها وأجرت معاملاتها الضرورية في دائرة الجوازات ثم توجهت الى قاعة الخروج.
لم تجد أي أحد بأنتظارها , فجلست حوالي ربع ساعة ... لعل الشخص الذي يفترض به أستقبالها قد تأخر بسبب الأزدحام الخانق في حركة السير , وعندما تأكدت أن أحدا لن يأتي لملاقاتها قررت أستئجار سيارة وقيادتها بنفسها الى شامبورتن ,وما هي ألا عدة دقائق , حتى كانت أيلاين تنطلق من المطار بسيارة رينو صغيرة حمراء ... متجهة الى بعض أحياء باريس ومنها الى الطريق الرئيسة التي تمر عبر الريف الفرنسي الى مدن شارتر وتور وبواتيه وبعدها الى سهول أكويتان.
ولأنها تحب قيادة السيارات كثيرا وتعرف طريقها جيدا , فقد وصلت الى المدينة الأولى شارتر في وقت مبكر سمح لها بالتوقف بعض الوقت لتشرب فنجان من القهوة , أغرتها نفسها بزيارة القلعة التاريخية القريبة , ولكنها قررت متابعة سيرها كي تصل الى شامبورتن قبل الساعة الرابعة على أقل تقدير.
تجاوزت مدينة تور , فتوقفت لبضع دقائق أكلت خلالها قطعة من الحلوى وشربت كوبا من العصير البارد,وما أن أقتربت من بواتيه حتى بدأت الطريق تعج بسيارات النقل الصغيرة والشاحنات الكبيرة , دخلت تلك المدينة المبنية على تلة صخرية مرتفعة , والتي تشرف على نهرين صغيرين يرويان ذلك الحصن الطبيعي المنيع وأمتدت أمام عينيها السهول الخضراء الفسيحة .
تحولت أيلاين في منتصف المسافة بين بواتيه وأنجولام الى طرقات ريفية ضيقة ,تمر عبر قرى جميلة رائعة يزيد عمرها على مئات السنين , شاهدت قطعان الغنم والماعز ومعدات زراعية , وأبناء الريف الأقوياء يعملون بجد ونشاطو وحيوية وعندما بدأت الطرقات بالأنحدار تدريجيا لتصبح بعد قليل على مستوى واحد مع نهر دوفاي , شعرت أيلاين بتلك السعادة التي تغمر الأنسان عادة عندما يرى أشياء مألوفة ومحببة لديه , ذكرتها الأشجار المنتصبة بين حافة الطريق وضفة النهر بأيام طفولتها المفعمة بالسرور , وبالمرات العديدة التي كانت تمر فيها من هنا بالذات مع دتها ألانور سان فيران كوبر تلك السيدة الفرنسية الرائعة التي أهتمت بها كثيرا بعد وفاة والديها بحادث سيارة مفجع , دمعت عيناها فرحا وتأثرا , وهي تستعيد كلمح البصر ذكريات فصول الصيف الثمانية التي أمضتها مع جدتها الطيبة في ذلك القصر وأحضان الطبيعة الرائعة.
لم تعد تبعد عن شامبورتين سوى كيلومترات قليلة ,وصلت الآن الى عمق الريف الفرنسي الساحر ,حيث الهدوء والسكينة ... والشلل التام في حركة السيارات , عاد العمال من مصانعهم والمزارعون من حقولهم ,والموظفون من مؤسساتهم ,وبدت الطريق مقفرة ومهجورة تماما... بأستثناء سيارتها الحمراء الصغيرة و....
لاحظت للمرة الثامنة تقريبا , أن ثمة سيارة سيتروين رمادية اللون تلحق بها , لم تتضايق من وجود هذه السيارة وراءها قبل ذلك , وهي تخرج من منطقة باريس الى الطريق الرئيسية التي تربط العاصمة بالمدن الريفية , ففي فرنسا بضعة آلاف من سيارات السترواين التي تحمل هذا اللون , وقد لا تكون السيارة المنطلقة وراءها ذاتها التي تتعقبها منذ بعض الوقت ,ولكن الشكوك بدأت تراودها عندما وصلت الى بواتيه , لأن تلك السيارة لا تزال وراءها تلاحقها كظلها , كانت المسافة الفاصلة بينهما مدروسة بدقة على ما يبدو , لأن أيلاين لم تكن قادرة على قراءة رقم السيارة أو معرفة ما أذا كان سائقها رجلا أم أمرأة.
نظرت الى مرآة سيارتها من جديد , فأزداد توتر أعصابها وتسارعت ضربات قلبها , تأكد لها عندئذ ,وبعدما أفسحت المجال مرات عديدة دون جدوى لتلك السيارة القوية كي تتجاوزها , بأن السائق يعرفها ... ويجد لذة فائقة في أثارة أعصابها وتعذيبها بملاحقتها على هذا الشكل الرهيب .
قطبت حاجبيها بعصبية بالغة وتمتمت بكلمات قاسية ,عندما ذكّرتها تصرفات سائق سيارة الستروين بشخص ما لم تتوقع مشاهدته قبل وصولها الى القصر ... شخص تمكنت من تجنب مقابلته أو رؤيته منذ حوالي تسعة أشهر , أنه زوجها بيار دوروشيه ,الذي تركته بعد أربعة أشهر فقط من زواجهما ... عندما علمت بخيانته لها.
أحمر وجهها غضبا وأنفعالا , فمجرد التفكير بما حدث في العام الفائت لا يزال يؤلمها ويعذبها , كم كانت غبية في حبها له ,وسخيفة حتى التفاهة ,عدما قبلت دون تردد الأرتباط بذلك المغامر المتحجر القلب الذي لا يعتبر الزواج سوى وسيلة ملائمة لتحقيق أغراض معينة!
يفجر الحقد في داخلها ,وهي تتذكر بيار وكيفية أذلاله لها , ولم تعد تفكر ألا بالهرب من تلك السيارة التي تلاحقها بصورة مستمرة , ضغطت على دواسة ابنزين وأطلقت العنان لسيارتها الصغيرة , فشعرت بتجاوب فوري مع الرينو الجديدة التي بدت كغزال يفر من وجه أسد جائع .
ركزت أيلاين كل أهتمامها على الطريق الممتدة أمامها , مكتفية بألقاء نظرة سريعة بين الحين والآخر على المرآة المثبتة على بابها للتأكد من أزدياد المسافة الفاصلة بين السيارتين , برز أمامها فجأة منعطف نحو اليسار , فحاولت أستخدام المكبح للحد من السرعة الجنونية لسيارتها الصغيرة .... ولكنها لم تفلح , شردت الرينو الحمراء عن الطريق, وأنزلقت على العشب الجاف بضعة أمتار قبل أن ترتطم مقدمتها بحافة أحدى القنوات المخصصة لري الحقول المجاورة .
لم يلحق بها أي أذى , ولكن الصدمة النفسية والمعنوية أرهقتها ووترت أعصابها , أطفأت محرك السيارة وأسندت رأسها الى المقود في محاولة منها للحد من هذا التوتر الشديد والسيطرة عليه , أوقف الرجل سيارته الى جانب الطريق , وهرع نحو السيارة الأخرى التي كان يلاحقها دون كلل منذ فترة طويلة , فتح باب الرينو ولكنه لم يتبين وجه سائقتها لأن الشعر الذهبي كان يغطي وجهها ,سألها بلهفة , وباللغتين اللتين يتقنهما جيدا:
" ماذا حدث لك؟ يا سيدتي؟ هل أنت بخير؟".
هذا هو صوته القوي الرنان ... صوت بيار دوروشيه , الذي حاولت عبثا أن تنساه أو حتى تطرد صداه من عقلها وقلبها , لم تحرك رأسها أو تزعج نفسها بالرد عليه , فكرر الشق الثاني من سؤاله بلهجة تنم عن القلق والأنفعال , أحست برغبة قوية في تعذيبه والأنتقام منه ,ولو لجزء يسير مما أصابها بسببه وعلى يده , ليظن أنها فقدت وعيها أو ربما ماتت , فقد يشعر بوخز الضمير... هذا أذا كانت لا تزال لديه بقية منه!

سمعته يشتم بالفرنسية ثم أحست بيديه القويتين تمسكان بكتفيها , فشعرت بالخوف ... والبهجة , لم تكن لتتصور أن لمسته لها لا تزال ذات تأثير مدمر كهذا , بعد أشهر عديدة من البعد والفراق.... وبعد الجهود المكفة التي بذلتها لطرده من تفكيرها و.... قلبها! هل تحاول التخلص منه أو المضي في تعذيبه؟
تغلب حب الأنتقام المؤقت , فقررت كبح جماح عواطفها وأحاسيسها ومواصلة التظاهر بالأغماء , أبعد رأسها ببطء عن مقود السيارة وأسنده الى المقعد , كيف سيكون رد فعله الآن , بعد أن شاهد وجهها ؟ أنتظرت بضع ثوان ,فلم يحدث شيء على الأطلاق .
ظل صامتا ودون حراك , وكأنما الأرض أنشقت وأبتلعته أو كأنه تبخر في الهواء , ألا يتنفس؟ لماذا لا تسمع سوى زقزقة العصافير وحفيف أوراق الشجر؟ قررت أن تفتح عينيها قليلا وتئن بصوت خافت , ليعرف أنها حية وبدأت تستعيد وعيها.
" تبدين جميلة جدا , يا أمرأتي الحبيبة ,ولكنك غير قادرة على خداعي ,فأحمرار وجنتيك الى هذه الدرجة يثبت , بشكل قاطع , أنك لم تفقدي وعيك أو تتعرضي لأي أذى".
أختفت نبرة القلق من صوته العميق , وحلت محلها تلك السخرية الحادة .... وبخاصة عند أشارته الى العلاقة التي تربط بينهما , فتحت عينيها البنيتين وأستوت في جلستها , ثم حدقت به وبعينيه الزرقاوين الهازئتين , لم يتغير فيه شيء أطلاقا .... شعره الأسود الكثيب الذي خطه الشيب المبكر هنا وهناك , سمرة وجهه الناشئة عن التعرض للشمس , وفمه الجذاب الذي كان دائما يلهب عواطفها ومشاعرها , يا لهذا الأغراء الفتاك الذي لم يخفف البعد والأشمئزاز من قوته وهيمنته ! سألته بتحد ظاهر:
"لماذا تتبعني؟".
رد عليها ببرودة أربكتها وأزعجتها:
"هل كنت أتبعك؟".
أليس محتملا أن يكون وجوده وراءها مجرد مصادفة؟ ربما كان عائدا من بواتيه! لمعت عيناه مجددا بذلك البريق الساخر وأفتر ثغره ثانية عن تلك الأبتسامة الخفيفة الهازئة , فتأكد لها أنها على حق... وأنه كان يتبعها طوال الوقت , قالت له بحدة:
" طبعا كنت تفعل ذلك ,عمدت ملاحقتي على هذا النحو المزعج لكي... لكي تعذبني وتثير أعصابي".
أتسعت أبتسامته وأتسمت فجأة بالرقة والنعومة , بحيث بدت كأنها واحة أمينة في صحراء وجهه القاسي المخيف ,وضع يده برفق على خدها ,وقال بصوت هادىء:
" أوه! كم تعرفين طباعي جيدا , أيتها العزيزة , ألا يقال أن الشرير الذي تعرفه أفضل من الذي لا تعرفه! فكري هذا المثل مليا خلال الأيام القليلة المقبلة التي ستمضينها في القصر".
أحست بشيء من الخوف , لأنه أكتشف على ما يبدو السبب الحقيقي لمجيئها , أبعدت رأسها عنه بعصبية واضحة ,وقالت بلهجة صارمة:
" لن أطيل البقاء هنا , فأنا مضطرة للعودة الى عملي قبل صباح الأثنين".
أبتسم بأستخفاف وتمتم قائلا:
" سنرى , يا عزيزتي , سنرى".
أزعجها جوابه الهادىء , فقررت على الفور أتخاذ جانب الحيطة والحذر...والتصدي له بكامل قوتها , لن يكون سلسا أو مرنا أبدا , عندما يصمم على تنفيذ خطة معينة , قالت له بقوة:
" لن أبقى هنا أكثر من ذلك يا بيار, لن تقدر على أرغامي ".
هز كتفيه فشعرت أيلاين أنه لن يجادلها وتهيأت لتعليقه الجديد :
" قال لها بصوت ناعم رقيق:
" بما أنك لم تتعرضي لأي أذى , فهل تقبلين أقتراحي بمتابعة الرحلة معي؟ أشك كثيرا فيما أذا كان بالأمكان أخراج سيارتك من هذه الحفرة , دون الأستعانة بمعدات مناسبة".
أفزعتها كلماته عن المعدات الضرورية , فخرجت بسرعة لتفقد السيارة الصغيرة ومعرفة مدى الأضرار التي لحقت بها , بدت الرينو الحمراء سليمة تماما , ولكن حافة القناة مرتفعة بشكل يحول دون أخراج السيارة بالوسائل العادية ,أنه على حق , فلا بد من الأستعانة برافعة! سمعته يقفل باب السيارة ويتوجه نحو صندوقها , فأحست بأستياء بالغ وسألته بأنفعال شديد:
" ماذا تفعل؟".
أجابها بهدوء مثير للأعصاب, وهو ينفذ ما يقول:
" أخرج حقيبتك من الصندوق ,لأنك لست قادرة على الأستغناء عنها".
" أتركها في مكانها! لا يحق لك أبدا التصرف معي على هذا النحو, أو التحدث الي بهذا الشكل الآمر".
وضع الحقيبة على الأرض ثم أقفل صندوق السيارة الصغيرة بعصبية , قبل أن يوجه اليها نظرة ساخرة ويقول لها ببرودة مزعجة:
" العكس هو الصحيح ,يا عزيزتي, فلي كل الحق في الأعتناء بك وبأمتعتك , وفي أصدار أي تعليمات أعتبرها هامة وضروروية , أنت .... زوجتي , أيتها الحبيبة".
قفز فوق قناة الري الجافة بخفة ونشاط , على الرغم من وجود حقيبتها في يده, لحقت به أيلاين بصعوبة ,وهي تنزلق حينا وتكاد تهوي حينا آخر , وعندما وصلت الى المكان الذي أوقف فيه سيارته , لاحظت أن حقيبتها أصبحت داخل الصندوق المغلق , قال لها بلهجة حازمة ,وهو يتوجه لفتح باه:
" هيا بنا!".
" أنتظر فحقيبة يدي لا تزال في الرينو".

ركضت بسرعة نحو السيارة الصغيرة, فتزحلقت على العشب الجاف ولم يتوقف ألا عندما أرتطمت رجلها بأحدى العجلتين الخلفيتين , قامت لتفتح الباب , فكادت تدوس على المفاتيح التي رماها بيار في تلك اللحظة بالذات , أخذت حقيبتها الصغيرة وأقفلت باب السيارة مجددا , ثم بدأـ الصعود ثانية وهي تتمنى لو أنها كانت مرتدية ثيابا أخرى تناسب هذه المناطق الريفية ... عوضا عن الفستان الحريري الأخضر الذي يليق بعاصمة الأزياء نفسها .
كان بيار جالسا وراء مقود السيارة ,وقد أدار محركها أستعدادا للأنطلاق , فتحت الباب ودخلت بهدوء لتجلس قربه ,ولم تكد تغلق الباب وراءها , حتى أنطلقت السيتروين بسرعة جنونية , وكأنما صاحبها يريد الوصول الى وجهته في أقل وقت ممكن , قال لها بعد لحظات:
" سنتوقف في محطة الوقود الموجودة على هذا الجانب من القرية , لأبلاغ مارسيل عما حدث , لديه شاحنة مزودة برافعة , وأنا متأكد من أنه سيهب للمساعدة ... أكراما لعينيك , أنه يسألني دائما عنك , وعن موعد عودتك الى شامبورتن".
أدارت وجهها عنه بسرعة ,وركزت نظرها على تلك القرية الجميلة التي بدأت تلوح كالسراب وسط السهول الخضراء المحيطة بها من كل جانب , ها هي القرية التي تزوجت فيها , وها هو واحد على الأقل من أبنائها الطيبين يسأل عنها ! شعرت بتأثر شديد لم تكن تتوقعه, أحست أن شامبورتن بدأت تمارس ضغوطا نفسية عليها...لأقناعها بأنها جزء من هذه القرية الساحرة ,وبأنها أرتكبت خطأ فادحا عند مغادرتها.
لا , يجب ألا يحدث ذلك أبدا! ستقاوم كافة محاولات الأقناع والأغراء , الهادفة الى أيقاعها في الشرك ,وأهم من ذلك كله , أنها ستكافح بقوة أي محاولة قد يقوم بها الرجل الجالس قربها لأعادة تلك العلاقة التي تحولت خلال فترة وجيزة الى ألم ومرارة وعذاب ,ولذا , فأنها لم تنزل من السيارة عندما أوقفها بيار أمام المرآب الذي يعمل فيه مارسيل دوديه كلود, فضلت البقاء في السيارة وتحمل حرارة الشمس القوية والجو الخانق , كيلا تضطر لمواجهة هذين الشخصين اللذين سيفتحان بالتأكيد جراحاتكاد تنجح في تضميدها .
أستفاقت فجأة من أحلام اليقظة ... وأستعادة بعض الذكريات , عندما سمعت قهقهات بيار ومارسيل وهما يتطلعان نحوها , لا شك أنهما يضحكان عليها , بعدما أخبر بيار جاره .... وبشيء من المبالغة ... تفاصيل الحادث الذي تعرضت له , أبعدت وجهها عنهما دامعة العينين ومتوترة الأعصاب , لأن بيار لا يهتم بها أطلاقا.... بحيث أنه لا يتوانى عن التندر بمشاكلها أمام أي كان , رفعت رأسها قليلا , فشاهدت مارسيل قرب بابها , يبتسم لها ويحييها بطريقته المحببة المعتادة ,لم يعد بأمكانها تجنبه ... ولم يعد من اللائق تجاهله, أنزلت زجاج النافذة للتحدث معه , فبادر الى القول مرحبا:
" طاب نهارك , يا آنستي.... أوه , عفوا, سيدتي , أنا سعيد برؤيتك ثانية".
رفعت لهجته الودودة الصادقة معنوياتها بعض الشيء , فأبتسمت له وقالت بعفوية فوجئت بها:
" أسعد الله يومك , يا سيد دوديه .أنا مسرورة بوجودي هنا , وبمقابلة الناس الطيبين أمثالك , أرجو أن تعتني جيدا بالسيارة المستأجرة , وتحضرها الى القصر في أسرع وقت ممكن".
" سيكون ذلك من دواعي فرحي البالغ , يا سيدتي ... تماما كما كنت أشعر عند أصلاح دراجتك الهوائية , هل تذكرين تلك الأيام , عندما كنت تركبين الدراجة وتأتين الى القرية لشراء الحلوى من السيدة سوريل؟".
" طبعا , أذكر ذلك , كيف حال السيدة سوريل هذه الأيام؟".
" ليست جيدة على الأطلاق , أنها الآن في المستشفى الرئيسي للمقاطعة".
" أوه , أنا آسفة جدا لسماع ذلك".
" سأذهب وزوجتي غدا بأذن الله لزيارتها , ستسر كثيرا عندما أخبرها بمجيئك , الى اللقاء, يا سيدتي ".
أنطلقت السيارة الكبيرة مرة أخرى , ولكن بسرعة عادية جدا سمحت لأيلاين بالتمتع مجددا بالمناظر الطبيعية الخلابة , وقبل وصولهما الى بداية القرية ,تنهدت وسألت بيار بتردد:
"كيف حال الخال أرمون؟".
" أنه يموت!".
أخترق جوابه كخنجر حاد , فأحست بالدموع الحارة تحرق عينيها , تمالكت نفسها وسألته مجددا:
" ووالدتك؟".
" تمضي طوال الوقت الى جانبه , كما يجب على كل أمرأة أن تفعل عندما يكون زوجها مريضا , هكذا قالت لي , عندما نصحتها مرة بأخذ قسطا من الراحة".
أحست بوخز أنتقاده اللاذع للكيفية التي تركته بها في العام السابق , وشعرت بشيء من الندم لأن تصرفها هذا هو السبب المباشر لهذه السخرية الحاقدة , وضعت مرفقها على حافة النافذة وأسندت رأسها على راحة يدها , وأخذت تفكر بمارجريت .... والدة بيار وزوجة أرمون , تذكرت فورا أستياء جدتها ألانور , عندما علمت بزواج شقيقها أرمون البالغ من العمر آنذاك خمسة وستين عاما من مارجريت دوروشيه .... مدبرة منزله وأرملة جون دوروشبه, الذي تولى لسنوات أدارة كروم العنب الخاصة بعائلة سان فيران , ذهلت جدتها عند سماعها النبأ ,وصرخت قائلة:
" رباه, لا بد أنه جن! أمضى طوال حياته عازبا , ليتزوج مارجريت ؟ ثمة عزاء واحد فقط ,وهو أنها تخطت سن الأنجاب".
لم يعن هذا الأمر شيئا لأيلاين , لأنها كانت في الثانية عشرة من عمرها وغير عابئة أطلاقا بالأمور الحياتية المعقدة للراشدين , ولكنها لم تتمكن من تمضية ذلك الصيف كعادتها في شامبورتن , لأن جدتها أصيبت بجلطة دماغية حادة أدت الى وفاتها في المستشفى خلال أسابيع قليلة.
وجدت أيلاين الصغيرة نفسها فجأة وحيدة يائسة , لأن ألانور سان فيران كوبر لم تكن جدتها فحسب .... بل أهلها وعائلتها , فهي تحضنها بمحبة وحنان مذهلين منذ الرابعة من عمرها , عندما توفي والداها في تلك الحادثة المشؤومة.

أهتم بها أبن عم والدها , تشارلز كوبر , الذي يتولى أدارة أحدى شركات الأستيراد وأفضلها سمعة , لم تزر شامبورتن طوال السنوات الثناني التي تلت وفاة جدتها , ولكنها ظلت ترال شقيق الجدة بصورة متواصلة ومنتظمة , كانت تكتب له بالفرنسية , التي علمتها أياها ألانور قراءة وكتابة .... والتي ظلت تعلمها في المدرسة حتى تخرجها , تمنت أكثر من مرة زيارة الرجل العجوز الذي تحبه , ولكن عمها تشارلز كان يؤمن لها ولأبنتيه الموجودتين معها في نفس المدرسة رحلات سنوية رائعة الى أسبانيا أو أسكتلندا أو الجزر اليونانية .
وعندما أصبحت في الحادية والعشرين من عمرها وبدأت تعمل في شركة عمها التجارية , قررت قبول دعوة عاجلة من خال والدها لزيارة شامبورتن مرة أخرى بعد هذا الغياب الطويل , ذهبت في مثل هذا الوقت من العام الفائت , فتعرفت الى بيار دوروشيه الذي تولى مهمة والده الراحل... وأحبته.
برز القصر الصغير الأنيق فجأة أمام ناظريها , فشعرت بتلك الجاذبية القوية التي تشدها الى هذا المكان الرائع , هل يعود هذا التعلق بشامبورتن , لأن بعض دماء سان فيران تجري في عروقها ؟ طبعا! ألم تكن جدتها الحبيبة أبنة هذه العائلة العريقة , التي تتوارث القصر والأراضي المحيطة به منذ أجيال عديدة ؟ أنها جزء من هذا التراث...
" يا لروعة هذا المكان!".
خفف بيار سرعة سيارته وأوقفها في فسحة جانبية , مخصصة للسياح الذين يتوقفون فيها لتأمل المناظر الطبيعية الخلابة , أطفأ محرك السيارة ,وسألها بهدوء:
" أذا كنت تعتبرينه رائعا الى هذه الدرجة ,فلماذا تركته قائلة أنك لن تعودي اليه أبدا؟".
" أنت تعرف السبب , فقد كتبت لك وأطلعتك على المشكلة , لا يمكنني السكن في شامبورتن طالما أنك موجود هنا ,ولست قادرة على العيش معك كزوجتك , أوه , بيار , لماذا لا تعترف بحقيقة الوضع القائم؟ فأنت وأنا نفكر بطريقتين مختلفتين بالنسبة الى الزواج و.......".
قاطعها بحدة قائلا:
" صحيح , صحيح , فالزواج بالنسبة اليك خطوة أقدمت عليها بسبب الحماس , وحرارة الصيف ,والورود! هكذا كان مزاجك في ذلك الوقت ,وتصورت آنذاك أنك قادرة على التراجع عن هذه الخطوة في أي فترة لاحقة .... أذا تبين لك عدم جدواها ".
" أوه , بيار! وماذا عنك أنت؟ ألم تتزوجني لتحقيق مآرب معينة ... لضمان مستقبلك مع الأنسان الوحيد الذي قد يرث أراضي شامبرتن وقصرها؟ ولكنك أخطأت في تقديرك , يا سيد دوروشيه ,تصورت أنني سأكون زوجة بسيطة خانعة , تمضي نهارها وليلها في البيت لأعداد الطعام وغسل الثياب وتنظيف الأرض والأثاث .... فيما تسعى أنت وراء المتعة الرخيصة في أحضان أمرأة أخرى!".
كان يتطلع الى الخارج طوال الوقت الذي أستغرقه حديثها الغاضب ,وعندمت توقفت لحظة لأستعادة أنفاسها , أدار وجهه نحوها ببطء شديد ثم رفع حاجبيه تهكما وأستهزاء وقال:
" وأخيرا ,وصلنا الى لب الموضوع وجوهره , لم يرد في أي من رسائلك ذكر أمرأة أخرى , كأحد الأسباب التي حملتك على هجري ".
نفت الشق الأخير من كلامه بصوت مرتجف:
" أنا لم أهجرك".
" مهلا , مهلا , أيتها العزيزة , فنحن لسنا الآن في معرض التلاعب بالكلام ,أنت تركتني ورفضت العودة , مع أنني أقترحت عليك ذلك , هل توجد كلمة أخرى غير الهجر لوصف هذه الخطوة؟".
توقف لحظة , ثم مضى الى القول ضاحكا:
" هل تتكرمين الآن بأبلاغي أسم المرأة ... التي يفترض أنني وجدت المتعة في أحضانها , أثناء الأشهر القليلة التي عشناها معا !".
ضايقتها نظراته الساخرة , فأبعدت وجهها عنه وقالت:
" سولانج بورجيه".
" ومن أخبرك بذلك؟".
هي بذاتها".
سألها بنبرة تنم عن الأستغراب .... والطرافة:
" وصدقتها؟".
أستدارت نحوه وصرخت في وجهه غاضبة:
" أوه , يكفيك أستهزاء بي! من يعرف شهرتك كزير نساء قبل زواجنا , لا يجد أي صعوبة في تصديق كلام كهذا ".
زاد الحر الشديد داخل السيارة من توتر أعصابها , فشعرت كأنها تكاد تختنق ,كانت تأمل الى حد ما في سماع نفيه لأدعاء سولانج لكنه لم يقل شيئا , فأضطرت ثانية الى قطع حبلالصمت الثقيل ... قائلة:
" هل يمكننا متابعة طريقنا الى القصر؟".
تنهد بأرتياح وقال :
" بعد قليل".
نظرت اليه , فلاحظت أختفاء ملامح التهكم والسخرية من وجهه وعينيه , تأملها بعض الوقت , ثم أخرج علبة سكائره وفتحها أمامها لتأخذ أحداها.... فرفضت , أشعل سيكارته , فتسمرت عيناها على القداحة ... لأنها لم تكن هي نفسها التي كان يستخدمها قبل تسعة أشهر ,نفث الدخان الى أعلى , وقال بصوت هادىء:
" ثمة أمر أريد أطلاعك عليه , ذهبت أمس الى باريس بهدف تمضية الليل هناك , للتمكن من أستقبالك صباحا وللبحث معك أثناء عودتنا في موضوع هام الى حد ما".
"ذهبت لأستقبالي ؟ لماذا لم تكن في المطار لدى وصولي؟".
أرتسمت على شفتيه أبتسامة غريبة وحزينة بعض الشيء , وبدا كأنه يسخر من نفسه , قال لها:
" نزلت ضيفا على صديق قديم , فأمضينا الليل نستعيد ذكريات الماضي , ونتحدث عن الحاضر والمستقبل , لم أتمكن من النهوض باكرا , فوصلت الى المطار حوالي الحادية عشرة ألا ربعا ,أستفسرت عنك في وكالات تأجير السيارات , فعلمت أنك أخذت سيارة رينو حمراء , لم أقدر على اللحاق بك ألا عندما أبتعدت عن ضواحي باريس وأصبحت على مقربة من شارتر , لأنك تقودين سيارتك بسرعة فائقة ".
"ولكن ... أذ ا كنت حقا تريد التحدث معي في أمر هام , فلماذا لم تتجاوزني وتوقفني؟".
هز بيار منكبيه العريضين وأجابها بشيء من الأنفعال:
" يمكنك أيضا توجيه سؤال مماثل عن سبب أطالة السهرة ليلة أمس , فالجواب هو أياه".
"لم أفهم".
" أي أيضاح من جانبي يعني كشفا تاما لروحي , وهذ ا أمر أرفض القيام به أمام أي أمرأة .... حتى أنت .... يا أمرأتي الحبيبة".
أستشاطت غضبا بسبب تكرار هذه التسمية المزعجة , وقالت بحدة:
" توقف عن مناداتي على هذا النحو".
" لماذا؟ أنت لا تزالين زوجتي! لم يتم أي طلاق بيننا , مع أننا لم نعش معا منذ حوالي سنة".

تململت أيلاين في مكانها , وأزاحت شعرها الطويل المتموج عن وجهها وجبينها بكثير من العصبية , أرادت أن تقصه مع بداية الصيف في العام الماضي وخلال السنة الحالية ,ولكنها ترددت وأمتنعت عن القيام بذلك.... لأن هذا الرجل اللعين يحب الشعر الطويل , سألته بصوت ,حاولت جاهدة أن يكون باردا وقاسيا:
"هل هذا هو الموضوع الذي تريد بحثه معي؟ الطلاق؟".
رفع يده لمسح العرق عن جبينه ,وقال:
"لا يمكن بحث أي موضوع هنا , بسبب هذا الحر الشديد , هيا , لنقم بنزهة قصيرة بين تلك الأشجار".
ترددت.... فهذه هي المنطقة التي كانا يتأتيان اليها قبل عام , والتي شهدت أول عناق بينهما , تذكرت بسرعة كيف أجلسها قربه ذلك اليوم الربيعي الجميل ,ثم مددها على بساط ناعم من الأعشاب وبدأ يعانقها برقة ونعومة .... وظنت في تلك اللحظات السعيدة أنها تحبه وتريد الزواج منه...
فتح بيار بابها بحدة , وسألها بأنفعال:
" هل ستأتين؟".
لم يبال تى بالنظر اليها , بدا بعيدا عنها قلبا وقالبا , كأنسان غريب تلتقيه للمرة الأولى , هل هذا هو نفس الرجل الذي أمضت وأياه بضعة أسابيع من الغرام والهيام وصلا خلالها الى ذروة السعادة؟
خرجت من السيارة ومشت معه نحو تلك البقعة الجميلة التي تظللها أغصان الشجر وتغطي ممراتها سجادة سميكة من الأوراق الصفراء الجافة , كان السكون شاملا , وكأن الطبيعة غارقة في سبات عميق, قال لها بيار فجأة:
"مما لا شك فيه أنك تعرفين الى حد ما ما رأي أرمون فيما يتعلق بموضوع أنفصالنا, أنه يحبنا .... فهو خال والدك وزوج أمي ورب عملي".
تجاهلت الجملة المتعلقة بالقربى, وقالت معلقة على الجملة الأولى:
" نعم , اعرف , فقد كتب لي مرار عن هذه المسألة".
" ربما تعرفين أذن , أنه يتمنى من صميم قلبه قيام مصالحة بيننا؟".
" أعرف ذلك أيضا , عبر الرسالة التي كتبتها لي والدتك وأبلغتني فيها عن مرضه ... ورغبته في مشاهدتي , وقد قلت لها في جوابي ,أن المصالحة مستحيلة".
قال لها بحدة:
" أطلعتني أمي على تلك الرسالة , ولهذا فقد رأيت من الضروري أجراء هذا الحديث معك قبل وصولك الى القصر".
صمت لحظة ثم مضى الى القول:
" لم يعد أرمون ادرا على القراءة بسبب الضعف الشديد في نظره , ولذا فأمي هي التي تقرأ له كافة الأمور التي يريد الأطلاع عليها , قرأت له رسالتك كما هي تماما , ولكنها أستبدلت كلمة واحدة بأخرى ... بهدف أسعاده, أنه يعتقد الآن أن مصالحتنا ممكن .... وهذه هي الكلمة البديلة , وأنها ستتم بمجرد وصولك الى القصر بعد فترة وجيزة".
تسمرت أيلاين في مكانها ,وقالت بأستغراب وأنفعال شديدين:
" كيف تجرؤ على ذلك ! كيف تجرؤ أمك على التدخل في شؤوني".
توقف بيار عن السير ثم أستدار نحوها وقال بلهجة جافة:
" أسمحي لي أن أستخدم كلمة ... شؤوننا , فأي مصالحة فيما بيننا تخصني أنا أيضا , وأؤكد لك في هذا المجال بأن والدتي تجرؤ على أي شيء تراه ضروريا , لأنها لم تعد تتحمل رؤيته يتألم ويتعذب بسبب تصرفاتك المتهورة الطائشة".

جرح الأنتقاد كبرياءها وعزة نفسها , ولكنها رفضت منحه أي فرصة لتذوق طعم الأنتصار عليها , رفعت حاجبيها ضاحكة ,وقالت له بتهكم واضح:
" لا , يا سيد دوروشيه , أتصور أنها حوّرت جملتي عن أستحالة قيام مصالحة بيننا , تمشيا مع طموحاتك ومصالحك".
أتسمت ملامح وجهه بالحيرة والأستغراب لبرهة وجيزة , ثم قال:
" يا لها من نظرية مثيرة للأهتمام! ولكنني لا أرى أي علاقة بين مصالحتنا وطموحاتي , بغض النظر عن ماهية هذه الطموحات أو نوعيتها".
ضحكت بأستهزاء بالغ, وسألته ببرودة:
" وهل نسيت لماذا تزوجتني؟".
أجابها بهدوء مثير للدهشة:
" لا , لم أنس ,ولكنني أود سماع رأيك أنت بهذا الخصوص ".
" كنت تعلم أنني سأرث جميع ممتلكات خال والدي , وأن الخال أرمون قد يغير وصيته ... أذا تزوجتني .... بحيث يجعلك شريكي التام في الأرث ,وتعلم الآن أيضا أنه أذا لم تتم ألمصالحة بيننا , فقد يعمد الى تغيير وصيته مجددا بحيث أعود أنا مرة أخرى الوريث الوحيد".
حدق بها بعض الوقت , ثم هز كتفيه وقال لها بصوت رقيق ساخر دخل الى قلبها كالسكين:
" أنت واثقة جدا على ما يبدو , بأنه سيغير وصيته لتصبح في صالحك وحدك".
"نعم! فأنا سأكون بعده الأنسان الوحيد الباقي على قيد الحياة والذي تسري في عروقه دماء عائلة سان فيران ,وقد ذكرت لي جدتي مرة..........".
قاطعها بلهجة تنم عن الأزدراء والأستخفاف , قائلا:
"" أوه , جدتك! سمعت كل شيء عنها وعن مؤامراتها , وكيف تفجر حقدها في قلبها عندما أدركت أنها لن ترث شيئا عن والدها.... لأن شامبورتن بكاملها تركت لشقيقها الأصغر".
" هذا غير صحيح , غير صحيح أطلاقا! لم تحك أي مؤامرات ضده ,ولم تشعر بأي حقد أتجاهه , كانت تحبه كثيرا".
" طبعا, طبعا! كانت تحبه الى درجة مذهلة , بحيث أنها وقفت كسد منيع في وجه زواجه أثناء شبابه من المرأة الوحيدة التي أحبها , كيلا يرزق أولادا يرثونه ... ويظل أبنها , والدك أنت ,وريثه الوحيد , ولكن القدر أحبط مخطاتها , عندما قتل والدك في ذلك الحادث , فتولت الأهتمام بك ,ودأبت على أحضارك الى هنا كل عام وتدريبك على كيفية أرضاء أرمون بشتى الوسائل كي........"
قاطعته ,صارخة بحدة بالغة:
" لم أحاول أبدا القيام بأعمال تافهة كهذه , كما أن جدتي كانت أرفع بكثير من هذه المستويات التي تحاول تصويرها بها , يا لك من أنسان وضيع وحاقد!".
"وضيع وحاقد لأنني أكشف لك بعض الحقائق؟ ألم تسمعي الحقيقة كلها بع , يا زوجتي العزيزة , فعندما قررت الهرب قبل تسعة أشهر لأعتقادك بأن الزواج مني لا يناسبك , لم تفكري أبدا بتأثير ذلك التصرف الأرعن على خال والدك , نسيت أنه تقليدي جدا في أفكاره ومعتقداته ,وأن الزواج بالنسبة اليه أرتباط روحي مقدس يجب ألا يعمل أحد على فسخه , لو لم يكن مؤمنا بهذا المبدأ طوال حياته , لكان حاول تحطيم زواج أمي من أبي وسلخها عنه وهو لا يزال في ريعان الشباب".
صمت بضع لحظات , وكأنه ينتظر منها تعليقا على كلامه ,ولكن الدهشة التي أصابتها, لدى سماعها هذه الأقوال عن أناس تعرفهم طوال حياتها , عقدت لسانها وشلت تفكيرها , أضاف بيار قائلا:
" أعتقد أن خالك حاول جاهدا أنقاذ زواجنا ,وذلك عن طريق الكتابة اليك وتقديم الأرشادات والنصائح ,ولكنك قررت تجاهل نصيحته ورفضها , فأحس بأنزعاج فائق , قد لا تدركين أهمية هذه النقطة بالذات ,ولكن الطاعنين في السن ينقلبون أحيانا ضد الذين يجرحون مشاعرهم ,وعليه , فقد تكونين على حق فيما يتعلق بأحتمال تغييره وصيته.... مع فارق بسيط ,وهو أن التغيير سيكون لمصلحتي أنا".
ثم أبتسم بسخرية ,ومضى الى القول :
" أذا أخذت هذه المسألة بعين الأعتبار , فسوف تجدين أن التعديل الذي أجرته والدتي على نص رسالتك لا يناسب طموحاتي أطلاقا , وبأختصار , فأصرارك على عدم أجراء مصالحة فيما بيننا سينفعني أكثر بكثير مما سيضرني".

أذهلتها كلماته وبرودة أعصابه , فظلت صامتة لا تعرف ماذا تقول...أو تفعل , حدقت بهذا الرجل الأسمر القاسي الذي يقف أمامها بقامته الطويلة وكتفيه العريضتين ,وكأنه مجرم شرير أرسلته عصابة لمعاقبتها وتعذيبها , أذا أصرت على موقفها الحالي بالنسبة للأنفصال , فسوف تدفع الثمن غاليا ... ستخسر شامبورتن! أقترب منها ,وقال لها بلهجة رقيقة ناعمة توحي بأستعداده للمصالحة:
" بما أنك الآن هنا , فقد نتمكن من التوصل الى بعض الترتيبات ".
خافت من أحتمال أقترابه منها الى درجة تسمح له بملامستها أو ضمها اليه , فصرخت قائلة:
" لا , لا , لا يمكنني ! لا أريد!".
أستدارت بسرعة وركضت نحو سيارته التي ترك مفتاحها فيها , أذا وصلت اليها قبله فقد تتمكن من أدارة محركها وقيادتها الى القرية , زلت قدمها على أوراق الشجر الجافة , فهوت الى الأرض وأرتطمت ركبتها بحجر كبير , تألمت كثيرا , ولكن جرح الكبرياء كان أعمق وأشد أيلاما , همت بالنهوض , فأحست بيد قوية تمسك بذراعها وترفعها , حاولت التخلص منه , فلم تفلح , قالت له بحدة بالغة:
"أتركني ! لا تلمسني!".
ضغط على ذراعها بعنف أوجعها , فكررت محاولاتها اليائسة للتخلص من قبضته الفولاذية....ولكن دون جدولى , جذبها نحوه فجأة وبشكل مؤلم للغاية , فأحست بأن ذراعها تكاد تنفصل عن كتفها , أمسك بذراعها الأخرى وضمها اليه , فنظرت اليه بتمرد واضح عبر خصلات الشعر التي غطت معظم وجهها , قال لها بعصبية شديدة:
" حان الوقت , أيتها الجبانة الأنانية الصغيرة , للتوقف عن التهرب من مسؤولياتك , لقد تحسنت حالة خالك النفسية والمعنوية بشكل ملفت للنظر ,منذ أن أبلغته أمي عن مصالحتنا المحتملة .... وهو يتطلع الآن قدما لرؤيتك ,فأذا أقتحمت غرفته وقلت له أن المصالحة مستحيلة , فسوف يصاب بصدمة قوية تعجل في وفاته ,هذا هو السبب الوحيد الذي حملني على التحدث اليك ,وتحذيرك ".
سيطرت بعض الشيء على أرتجاف جسمها ,وقالت له بصوت منخفض يشتعل غضبا وأنفعالا:
" لا تزعج نفسك بمثل هذه الأيضاحات التي لا ضرورة لها, فأنا مدركة تماما لما تريد قوله ,ولكنني لم أحضر الى شامبوتن لمصالحتك , أو الأتفاق معك على أمور معينة , أريد الطلاق , وما من شيء من الدنيا سيجعلني أغير رأيي ... بما في ذلك أحتمال خسارتي حق الوراثة".

ثم هزت رأسها بعنف , وصرخت بوجهه قائلة:
" ألا تلاحظ أنني أكرهك؟".
" لا ألاحظ ألا شيئا واحدا ,وهو أنني أثير فيك مشاعر العنف... التي أفضلها على اللامبالاة,ولكنني لم أكن أنوي أن أقترح تغيير رأيك بالنسبة الي".
تنهدت أيلاين بعصبية وحاولت مرة أخرى التملص من قبضته .... ولكن دون جدوى , بدأت حرارته تصل الى أعماقها , وأخذت يداه القويتان اللتان تتحركان على ذراعيها تثيران عواطفها الكامنة , أحست برغبة خفية في مغازلته ... لأيقاظ البركان النائم في داخله ,ولنفخ الرماد عن الجمر! أبعدت وجهها عنه وأبقت على تصلب جسمها , بهدف مقاومة الرغبة والأغراء , قالت له متمتمة:
" ماذا كنت ستقترح أذن؟".
" التظاهر بأننا تصالحنا".
"التظاهر؟".
"نعم , يمكننا التظاهر بذلك لفترة قصيرة , لأجل الرجل العجوز الراقد على فراش الموت .... الذي بذل أقصى جهده لأسعادنا , والذي أحبك وعاملك كأبنة له وليس كالحفيدة الوحيدة لشقيقته الكبرى".
تركها بيار فجأة , ثم أبتعد عنها خطوتين وسألها:
" هل أطالبك بالكثير , أذا أقترحت عليك الأقدام على هذا الأمر لأجل أرمون ؟ ألا يمكنك وضع مشاعرك جانبا لبعض الوقت ,وأخذ مشاعره بعين الأعتبار؟".
لا , ليست أنانية .... أو على الأقل فهي لا تتعمد التصرف بأنانية ! لقد أحبت أرمون الطيب منذ صغرها ... أرمون الرقيق القلب والأحاسيس الذي علمها الرسم والموسيقى وأطلعها الى حد ما على التاريخ الحافل لهذه المنطقة المجيدة , أحست بأن رد فعلها الأول على أقتراح بيار ألا يكون سلبيا , وأنه يتحتم عليها القبول بصورة فورية , ولكن الخطوة الأندفاعية التي أقدمت عليها قبل حوالي سنة , أدت الى مصاعب ومشاكل كانت بغنى عنها ,ترددت في أعطاء الجواب ,وراحت تتأمل وجهه علها تقرأ في ملامحه ما يلقي بعض الضوء على شعوره الحقيقي بالنسبة لهذه المسألة.
لماذا قدّم اليها مثل هذا الأقتراح ؟ هل سيتمكن من تحقيق أي أنجاز , أذا تظاهرا بالمصالحة والوفاق؟ أنه رجل عملي جدا بطبيعته , وعليه فليس من المعقول أبدا أن يكون أقتراحه مجردا تماما من الأنانية أو المصلحة الذاتية , لن يحرمها أرمون من كل شيء... كل ما في الأمر أن الأمور ستعود الى سابق عهدها... سيصبح بيار مجددا شريكها في وراثة شامبورتن , كما كان يشاركها في وقت من الأوقات حياتها ... قالت له:
" لا , أنك تطلب مني أكثر بكثير مما يمكنني القبول به, لن أفعل ذلك يا بيار".
لم تكد تنتهي من جملتها , حتى أحست بموجة من الخجل العارم تتفاعل في نفسها وقلبها, كان بيار محقا في قوله... فها هي الآن ترفض التضحية ولو قليلا , لأجل رجل طاعن في السن عاملها دائما بكل محبة وحنان , أزداد خجلها حتى كادت الدماء تتفجر من وجنتيها , فغطت وجهها لحمايته من نظرات التأنيب والأزدراء التي تلمع في عينيه السوداوين.
خيم الصمت ثوان طويلة , فأعدت أيلاين نفسها لمواجهة غضبه العارم وكلماته الجارحة , ولكنه أكتفى بهز كتفيه , ثم أستدار نحو السيارة قائلا لها بصوت يوحي باللامبالاة والأحتقار والسخرية:
" لم تعد ثمة حاجة للأستمرار في هذا الحديث , هل تريدين الذهاب الآن الى البيت , أم تفضلين العودة الى القرية؟ يمكنك أنتظار مارسيل لأستعادة سيارتك , ثم تفرين مجددا الى لندن.... متخلية مرة أخرى عن مسؤولياتك وواجباتك".
أثارت كلماته مخاوف جديدة في نفسها , أليس محتملا أنه لا يريد عودتها الى القصر ؟ هل يأمل في أقدامها على الهرب ثانية , ليخلو الجو له ويصبح سيد شامبورتن دون منازع؟ قالت له بهدوء بالغ:
" أريد الذهاب الى القصر , فقد وعدت أرمون بالمجيء".
هز كتفيه الثابتة بتلك اللامبالاة المزعجة , التي تشير الى أنه غير مهتم على الأطلاق بأي من قراراتها , ثم قال ببرودة جافة:
" أذن , هيا بنا".
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة

الانتقال السريع


الساعة الآن 09:04 AM



Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2014, vBulletin Solutions, Inc.
SEO by vBSEO 3.6.0

Ramdan √ BY: ! Omani ! © 2012