آخر 10 مشاركات
لعبة Real_Race برابط واحد مباشر (الكاتـب : asrinet - آخر مشاركة : ideasforyou2014 - مشاركات : 20 - المشاهدات : 1194 - الوقت: 08:21 AM - التاريخ: 01-11-14)           »          لكل محبي سباقات السيارات (الكاتـب : abdrahim1000 - آخر مشاركة : ideasforyou2014 - مشاركات : 31 - المشاهدات : 1738 - الوقت: 08:20 AM - التاريخ: 01-11-14)           »          لعبة Ghajini - The Game كاملة للتحميل (الكاتـب : سنو وايت - آخر مشاركة : ideasforyou2014 - مشاركات : 4 - المشاهدات : 876 - الوقت: 08:20 AM - التاريخ: 01-11-14)           »          العاب بحث عن الارقام (الكاتـب : mahmoudhawa - آخر مشاركة : ideasforyou2014 - مشاركات : 2 - المشاهدات : 938 - الوقت: 08:19 AM - التاريخ: 01-11-14)           »          هل تبحث عن عالم يمكنك التمتع به باالراحة و الاستجمام - لعبة مرحب (الكاتـب : adobio - آخر مشاركة : ideasforyou2014 - مشاركات : 3 - المشاهدات : 809 - الوقت: 08:15 AM - التاريخ: 01-11-14)           »          24 - سجن العمر - كاثلين نيلز ( إعادة تنزيل ) (الكاتـب : * فوفو * - آخر مشاركة : احمد موسى - مشاركات : 1344 - المشاهدات : 53794 - الوقت: 08:15 AM - التاريخ: 01-11-14)           »          352 - حررها الحب - روبين دونالد (تصوير جديد) (الكاتـب : Dalyia - آخر مشاركة : العضو الخيلي - مشاركات : 950 - المشاهدات : 39690 - الوقت: 08:15 AM - التاريخ: 01-11-14)           »          القرصان الذي أحببته (31) للكاتبة وفاء محمد ليفة (كاملة) (الكاتـب : monny - آخر مشاركة : الليل الدامس - مشاركات : 6133 - المشاهدات : 422065 - الوقت: 08:15 AM - التاريخ: 01-11-14)           »          جاك...كارا (114) للكاتبة: Lynn Raye Harris (ج5 من سلسلة دماء سيئة) *كاملة* (الكاتـب : Gege86 - آخر مشاركة : رحى - مشاركات : 2677 - المشاهدات : 109060 - الوقت: 08:15 AM - التاريخ: 01-11-14)           »          يا من أسرتِ الفؤاد ترفقي *مميزة* (الكاتـب : سما نور 1 - آخر مشاركة : noo0oofa - مشاركات : 3287 - المشاهدات : 104197 - الوقت: 08:08 AM - التاريخ: 01-11-14)



العودة   شبكة روايتي الثقافية > منتدى الروايات الرومانسية المترجمة > منتدى روايات (عبير- احلام ) , روايات رومنسيه متنوعة > منتدى روايات عبير العام > روايات عبير المكتوبة

Like Tree38Likes

إضافة رد
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
23 -المـــلاك الحــارس ع.دار الكتاب العربي ( كتابة/ كاملة )

الملاك الحارس

-1-

الوصيــــة الأخيـــرة


والآن المجموعة الرابعة والثلاثون! تمثالان صغيران سيداتي وسادتي من يريد أن يفتح المزاد؟

وتحولت نبرة سمسار المزاد إلى همس خافت عندما أغلقت كريستينا وراءها باب غرفة الطعام بهدوء ومشت بخطى بطيئة عبر الممر الضيق المؤدي إلى مدخل البيت الصغير الخلفي .
لقد ارتكبت خطأ فادحاً في الانتظار لحضور المزاد العلني . إنها تدرك ذلك الآن . حذرها السيد فريث من مغبة تجربة كهذه ، تجربة مشاهدة محتويات منزلها معروضة للبيع . وهي التي الفتها طوال ستة أعوام ألفة حميمة ، يا ليتها عملت بنصيحته وتوارت عن الأنظار . ولكن عاطفتها كانت أقوى من أن تقاوم . غمرها شعور بشوق خفي لشراء ولو قطعة صغيرة من تحف ربة عملها ، لتحتفظ بها كذكرى سعادة غابرة.
ولكن جاءت الأسعار المعروضة لشراء الآنية الصينية وقطع الأثاث والتحف الأخرى لتذكرها بمدى إفلاسها .
كم ستفرح عائلة ويبستر بنتيجة المزاد . رأتهم يجلسون في آخر الغرفة يتبادلون ابتسامات الفوز . كان كل شيء بالنسبة إليهم يسير على ما يرام . ولا يفيدها الآن إقناع نفسها بحقهم الشرعي في التصرف هكذا . لم يتركوا فرصة تفوتهم إلا وشددوا على حقهم الطبيعي وهي تعرف أنها لا تملك أي حقوق من الناحية القانونية ولا علاقة للأخلاق في مثل هذا الأمور .
مشت مكتئبة إلى المطبخ الخلفي . كان كبقية البيت ، خاوياً من كل قطعة قابلة للبيع . وبدت خزانة الحائط الكبيرة كالحة ، مهجورة لا اثر للآنية الزخرفية والنحاسية على رفوفها.
توجهت إلى المغسلة ، وفتحت صنبور الماء البارد ، ورشفت من راحتيها لتطفئ عطشها ، ثم مسحت جبينها بقطرات منعشة .
كانت لا تزال عاجزة عن تفسير التغيير المفاجئ في حياتها و أوضاعها . وعرفت أن عليها التفكير في المستقبل ورسم خطة ما ، تماماً مثلما اخبرها السيد فريث عدة مرات . ولكن كيف؟ بدا لها أنها كانت تعيش في سعادة منحتها إياها العمة غريس ، تلك المرأة الحنونة والمستبدة في الوقت نفسه ، والتي ربتها تربية حسنة بعد أن أصبحت يتيمة ، ولكنها لم تساندها في اللحظة الحاسمة في حياتها.
ولكن ، وكما أشارت فيفيان ويبستر بأسلوبها المتغطرس ، ما الذي كانت تتوقعه من امرأة لا تربطها بها صلة قرابة ودم؟

وكانت هذه عبارة السيدة ويبستر المفضلة ، مع تجنبها الاقتراب من العمة غريس عندما كانت حية ، أو الاهتمام بها وبصحبتها . ولم تكن العمة غريس ، على أي حال قليلة العقل . كانت تعرف مدى اعتماد ابنة أختها عليها . وتركت كل شيء في وصيتها لفيفيان ويبستر ، ولم تذكر كريستينا بخير أو شر ، وهي التي لازمتها طوال حياتها ، وتولت أمور البيت الصغير وساعدت ربة عملها في أعمالها الخيرية وذكرت نفسها أنها لم تكن تطمع في الحصول على شيء . العمة غريس هي التي أصرت دائماً على توفير كل ما تحتاج إليه كريستينا في حالة وقوع طارئ لها ، مع أنها لم تحدد ما الذي تعنيه بذلك . ورددت كل هذا على مسامعها مرة تلو الأخرى خاصة عندما كانت كريستينا تقترح الحصول على مؤهلات دراسية لمهنة لائقة فتعترض العمة غريس .

وطالما سمعت الآنسة غرانثم وهو الاسم الأول لعمتها تقول :
- لا حاجة إلى المؤهلات يا عزيزتي . أعدك انه لن يعوزك شي وسوف أولى عناية خاصة لهذه المسألة ، لا تقلقي .

وها هي كريستينا الآن تجد نفسها بدون عمل أو أي ضمان آخر ومحرومة من البقاء في بيتها القديم ، والتفكير بالمستقبل بهدوء . تنهدت بأسى ونظرت من النافذة محدقة في حديقة الخضار الصغيرة حيث قضت مع العمة غريس ساعات طويلة من العمل المضني إلى أن سقطت صريعة مرض عضال.

علت وجهها ابتسامة عابرة وهي تفكر في نشر إعلان صحفي يعلن عن مواهبها الخاصة :
" فتاة كفؤة ، في التاسعة عشرة من عمرها ، تملك خبرة محدودة في طهي الطعام وزرع الخضار والكتابة على الآلة الكتابة ، ورعاية المرضى ... "
برديس likes this.

بدا لها أن قائمة الخبرات طويلة لا تنتهي . ولكن لا بد لها من الإقرار بعجزها عن إتقان أية مهنة . وهل يوجد شخص آخر يرضى بخدماتها مثل العمة غريس؟
لقد وجدت نفسها تعيش فجأة مع ربة عملها عندما تعرضت والدتها لنوبة قلبية ، بعد أن فقدت زوجها ، و كريستينا لا تزال طفلة صغيرة .

وواظبت كريستينا على الذهاب إلى مدرستها وهي تعرف أن عمتها غريس هي التي تدفع رسوم التعليم ، كما كانت تفعل منذ البداية . وما أن بلغت سن السادسة عشر حتى طلبت منها العمة غريس التوقف عن الدراسة والبقاء معها في البيت ، فتخلت عن متابعة الدراسة وخضعت للأمر الواقع . وهي لا تنكر مدى راحتها في العيش معها ، والسكن ضمن أجواء قرية جميلة كانت عمتها أحد وجوهها البارزة .

بذلت كريستينا جهداً خاصاً لإيجاد رابطة ودية بينها وبين عمتها القاسية ، وذات الآراء المتزمتة فقد كانت ضد تحرر المرأة بما تحمله هذه الكلمة من معنى وترى ان كل امرأة تحتاج إلى رجل ليرعاها ويحميها من " عوادي الزمان "
ووجدت عمتها من يرعاها في شخص السيد فريث ، محامي العائلة والذي كانت تتقيد بآرائه حول أية مسألة ، باستثناء مستقبل كريستينا كما يبدو . وماتت بدون زواج أو أولاد . وما أن شيعوها إلى مثواها الأخير حتى تقدم السيد فريث من كريستينا ليبدي اسفه وعجزه عن إقناع عمتها لتغيير وصيتها لتشملها ولو على نحو متواضع .

قال لكريستينا بلوعة :
- تظاهرت بأنها لم تسمعني . وأنتِ تعرفين أسلوبها المعهود في هذه الأمور .

لم تجد كريستينا تفسيراً معقولاً لتصرف عمتها . أما السيدة ويبستر فهي لا تعرف معنى الشهامة والنبل . كان همها الوحيد بأسرع وقت ممكن وبدون إظهار أدنى اهتمام بمستقبل فتاة سهرت الليالي للاعتناء بعمتها إن عليها الآن الاعتماد على نفسها ، ولتحمد ربها على بقائها مدة طويلة تعيش حياة مرهفة هنيئة وهي كما تدل تصرفاتها لا تبدي أي اهتمام بالبيت الصغير أو محتوياته فهي لا ترغب في التخلي عن لندن والانتقال إلى الريف . لم تكن السيدة ويبستر مهتمة بأكثر من تحويل ارثها إلى أموال سائلة ، وبأقصى سرعة.

كانت كريستينا تتمنى أن تحتفظ عائلة ويبستر بالبيت الصغير ، لقضاء عطلة نهاية الأسبوع ، والإبقاء عليها لترعى شؤونه أثناء غيابهم . لكن خابت كل آمالها ، ورفضت السيدة ويبستر ان تساعدها في إيجاد عمل ، واكتفت بأن قالت لها : " هناك مكاتب التوظيف".

أما السيد فريث وزوجته فكانا كريمي الأخلاق ووعداها بإعطائها توصيات ملائمة عندما يحين الوقت وذهبا إلى حد دعوتها للسكن معهما ،عندما يأتي دور البيت الصغير لطرحه في المزاد العلني . لكن كريستينا لم تقبل عرضهما .
اعتقدت أن وجهة نظر عائلة ويبستر اكثر عملية بضرورة تولي أمورها بنفسها ودخول معترك الحياة قبل فوات الأوان . ثمة مجالات كثيرة خارج هذه القرية الصغيرة وعليها أن تبحث عنها .

وقررت أن اتخاذ الخطوة الأولى هي اصعب مرحلة في أي عمل . وكانت خطواتها الأولى استئجار غرفة في فندق القرية الوحيد ، مع إدراكها أنها ستكون خطوة مؤقتة . فهي لا تملك إلا النذر القليل من المال ، وستحتاج صاحبة الفندق السيدة ثرثتون لكل غرفة لاستقبال السياح مع تقدم فصل الصيف.

وظلت كريستينا تفكر في عمتها ، ومع ذلك ، لم يستقر رأيها على أحد وهي تعرف أنها تتمتع بقدر معين من الجمال ، شعرها الأشقر الطويل يزيدها جمالاً ، إضافة تموج عينيها الخضراوين .

ومنذ وفاة عمتها ، اتضح لها أن عدم زواجها يعود إلى إدراك معظم عائلات القرية لوضعها الاجتماعي وتواضع إمكانياتها المادية . وهي عائلات غنية في معظمها تتوقع مصاهرة من هم بمستوى قريب من مستوياتهم .

شعرت بالألم وهي تفكر في هذا الأمر ، وقررت طرد شبحه من ذهنها . ألقت نظرة على ساعة يدها . كان المزاد العلني مستمراً ، ففكرت أن تتوارى عن الأنظار فهي لا ترغب في لقاء عائلة ويبستر مرة أخرى والإصغاء إلى أسئلتهم الكثيرة عن مدى نجاحها في إيجاد عمل . تنهدت بحسرة . هذه هي الحقيقة المرة فهي تقدمت بطلبات عديدة للعمل وبدون فائدة.

علاوة على ذلك ، يبدو نهارها مملاً ، طويلاً . فلتركب القطار إلى لندن وتتصل ببعض مكاتب التوظيف . إنها الآن وحيدة ، وعليها أن تشق طريقها ومهما كانت الصعاب.

ألقت نظر أخيرة مليئة بالحزن على المكان والحديقة ، واستدارت نحو الباب ثم اكتشفت أنها لم تكن وحدها ، وانطلقت صرخة اندهاش من فمها . وخيل إليها ان المرأة الواقفة أمامها ، كانت تراقبها منذ فترة طويلة.

لم تكن امرأة طويلة ، ولكنها قوية الشخصية ترتدي ملابس أنيقة وتتكئ على عصا دقيقة الصنع مرهفة كالسيف.
برديس likes this.

نادتها المرأة باسم عائلتها ، وبصوت هادئ خفيض ، وكان بلكنة أجنبية :

- الآنسة بينت؟

ترددت كريستينا ثم أجابت :

- نعم . ولكن للأسف الشديد لا أعرف ....

ابتسمت المرأة بتمهل ، كاشفة عن أسنانها البيضاء المتناسقة :

- كم تتصورين بالضبط ، لم يسبق لنا التعارف ولكن أؤكد لك يا آنسة إنني لا اعتبرك إنسانه غريبة ويخامرني شعور أن صداقتنا قديمة ومتينة.

اعترت كريستينا الدهشة . فتابعت المرأة :

- اسمحي لي بتوضيح ما اقصد . أنا مرسيل براندون يا آنسة ألم تحدثك عمتك عني أبداً؟

وقالت كريستينا بصراحة :

- لا أبداً .. هل ... هل كنتِ إحدى صديقاتها؟

وجدت صعوبة في تصديقها . كانت عمتها امرأة إنجليزية خالصة ، لم تغادر ارض بريطانيا في حياتها ، على ما تذكر كريستينا أن تكون لها علاقة من قبل مع هذه المخلوقة الغريبة.

هزت المرأة رأسها :

- كنا في المدرسة معاً ، وكذلك أختي مادلين ألم تذكر عمتك شيئاً عنها أيضاً؟

بلعت كريستينا ريقها :

- كلا لا أظن أنها تكلمت عن أيام دراستها . بدا لي دائماً أن لا أصدقاء لها خارج هذه القرية.

- يصح ما تقولين في الفترة الأخيرة من حياتها ولكننا كنا نتبادل الرسائل لسنوات عديدة وتلقيت آخر رسالة منها منذ ثمانية عشرة شهراً .

صمتت ثم ما لبثت أن قالت :

- آسفة لعجزي عن الوقوف على قدمي مدة طويلة ولا أرى آثراً للكراسي ...


أجابت كريستينا بحسرة :

- انك على حق ، إن كل شيء هنا معروض للبيع.

- ألا يمكننا الذهاب لمكان آخر حيث يمكننا التحدث والجلوس ، وحيث لا توجد ذكريات مؤلمة؟

فكرت كريستينا قليلاً . لم تجد أي مبرر لرغبة صديقة عمتها القديمة هذه في التحدث إليها سوى مجرد إشفاقها عليها ولكنها لم تقتنع بهذا التفسير . لاحظت أنها امرأة هادئة الطباع ، جدية الملامح ويستحيل أن تضيع وقتها في إبداء عواطف لا معنى لها وتساءلت لماذا لم تحضر المأتم وتجئ الآن بدلاً منه ، وعمن اخبرها بوفاة العمة غريس في المقام الأول . لقد تولت هي بنفسها مهمة إبلاغ النبأ المؤسف إلى أصدقاء العمة غريس ومعارفها ، وتعرف جيداً أنها لم تكتب إلى أحد يدعى براندون ربما أن السيدة براندون حضرت المزاد العلني لأنها أرادت هي الأخرى شراء آخر تذكار عن صديقتها ، ولكن يبدو أن تصرفاً كهذا يتلاءم مع شخصيتها .

ولكن ما دهاني؟ خاطبت كريستينا نفسها . لم أتعرف عليها إلا منذ لحظة قصيرة ولا يجوز ان انظر إليها هكذا منذ اللقاء الأول . ابتسمت تطمئنها:

- يمكننا الذهاب إلى فندق السيدة ثرثتون.

وهتفت زائرتها :

- إنها فكرة رائعة وربما تمكنا من تناول الشاي أيضاً.

وهكذا كان جلستا في غرفة الاستقبال تحتسيان الشاي مع بعض قطع الحلوى ولاحظت كريستينا أن مرسيل براندون ترتشف فنجانها بصعوبة ولا تلمس الحلوى وبدت انها ليست في عجلة من أمرها لخرق جدار الصمت الذي أقيم بينهما . ظنت كريستينا أنها تحلق بعيداً عنها ، غارقة في تفكير مزعج بعض الشيء ثم لامت نفسها على خيالها الجامح . ألم تكن هذه المرأة صديقة مربيتها الحميمة ومن الطبيعي أن تشعر بالانقباض؟

تنحنحت قائلة :

- كنتِ تحبين عمتي كثيراً يا سيدة مرسيل؟

وأخذت السيدة براندون تستعيد كامل ذاكرتها ورفعت حاجباً بأناقة تلقائية :
- طبعاً يا عزيزتي وإلا لما كنت هنا .

توردت وجنتا كريستينا قليلاً ، ثم استجمعت قواها:

- لا ... آسفة يا سيدة ولكن لا افهم سبب مجيئك ألى هنا . اعتقد .. اعتقد ... ان هذا الامر لا يعنني ولكن ...

تلقت السيدة براندون كلماتها برحابة صدر :

- على العكس تماماً . انا أتيت من أجلك أنتِ . تلقيت رسالة من عمتك عندما أحست بمدى خطورة مرضها . الم تذكر ذلك امامك؟ كلا ، لا اتوقع منها هذا كانت قلقة على مستقبلك بعد وفاتها وأدركت ان أي ترتيب مادي تضعه في وصيتها لك سوف ينتهي إلى المحاكم وسيكون ذلك مكلفاً ومزعجاً لك . ان ابنة أخيها كانت تكرهك ولما تورعت عن اتهامك بممارسة ضغط مجحف على عمتك لو أورثتك كما كانت ترغب .

قالت كريستينا مطرقة الرأس :

- ان السيدة ويبستر لا تحبني مع إنني لم التق بها إلا قليلاً ، إنها لم تكن تهتم بالعمة غريس طوال حياتها .

- أنتِ ما زالت في مقتبل العمر يا عزيزتي كريستينا أليس كذلك؟ وما زلت لا تفهمين الحياة بمعناها الحقيقي.

ردت كريستينا بحدة وهي تعض شفتيها:

- إذا كانت الحياة كما تتصورها عائلة ويبستر فأنا لا أريد فهمها .

ضحكت السيدة براندون واستقلت إلى الوراء في كرسيها ثم قالت بلهجة ساخرة :
برديس likes this.

- حسناً انا فخورة بجرأتك . انك شاحبة بعض الشيء ، ولم أتوقع ... ( ثم غيرت مجرى الحديث ) اخبريني يا عزيزتي عن تفكيرك بالمستقبل لا يمكنك كما اعتقد التفكير في البقاء هنا؟

هزت كريستينا رأسها :

- لا طبعاً هذه مسألة غير واردة ، حتى ولو أردت البقاء علي البحث عن عمل .

- عظيم . عظيم هل تفكرين بعمل محدد؟

ترددت كريستينا برهة عز عليها الاعتراف بالحقيقة.

فتابعت السيدة براندون :

- إذا كان الجواب كلا ، فأنا لدي مشروع . إنني ابحث عن سكرتيرة جيدة ومخلصة واعتقد انك مناسبة تماماً ، إذا رغبتي في العمل معي .

وقالت بهدوء :

- إنها بادرة طيبة منك يا سيدة . ولكني سأعثر على عمل هنا أنا .. أنا لا احتاج إلى الصدقة أو الإحسان مهما كان النية حسنة.

- هل تظنين إنني أتصدق عليك؟ إذن أنتِ لا تعرفينني جيداً . أنا لا أعيل أحداً مجاناً إنني أعاني من التهاب في المفاصل كما لاحظت ولا أتحمل الألم ، فأنا حادة الطبع ثم هناك العزلة فنحن لا نتمتع بأساليب الترفيه والتسلية مثلما تفكرين أنت وسواك من أبناء الجيل الجديد.

لم تتملك كريستينا من إطلاق ابتسامة باهتة :

- لا تخافي فأنا لا انتمي إلى الجيل الجديد . تقولين انك تعيشين في منزل معزول يا سيدة؟ أين تسكنين؟ هل تعيشين في فرنسا إذ ....

هزت السيدة براندون برأسها :

- لم أذهب إلى فرنسا مرة واحدة . ولدت مثل أختي مادلين في المارتينك بجزر الهند الغربية وذهبت أنا وأختي إلى مدرسة للراهبات في إنجلترا وهناك تعرفت على عمتك وعندما تزوجت عشت في سانت فيكتوار وهي جزيرة أخرى ولكنها اصغر من جزيرة المارتينك وتقع تحت سيطرة بريطانيا وكان زوجي في الواقع يملك معظم الجزيرة وما زالت عائلتنا تعيش في ارك انجل .

أضاء الفضول وجه كريستينا :

- يا له من اسم مثير يطلق على منزل! ارك انجل : الملاك الحارس .

- نعم وقصته مثيرة أيضاً . انه ليس مجرد منزل بل يضم أيضاً مزرعة ولا تزال جزيرة فيكتوار تحتفظ بجمالها الطبيعي الأصيل ، لأن معظمها أملاك خاصة بخلاف الأماكن الأخرى التي امتدت إليها أيادي الأعمار الحديث . ستعجبين كثيراً بذلك المكان .

بلعت كريستينا ريقها ، محاولة العودة إلى ارض الواقع . إنها لا تكاد تصدق ما يجرى! هل يتم عرض عمل عليها في جزيرة كاريبية وهو ما لم تكن تحلم به؟ ولكن رغم حماسها الداخلي ، ظل صوت عقلها يكبح جماحها . سألتها :

- لماذا أنا بالضبط؟ لا بد أن المئات من الفتيات هناك اكثر كفاءة مني؟

ردت السيدة براندون :

- لا . انك تبالغين كثيراً كما قلت لك الجزيرة بعيدة جداً ولا تتوفر فيها حياة مغرية كما يتوقع البعض فنحن نعيش حياة هادئة ، وبسيطة وأؤكد لك أنها ليست محط أنظار السياح وتوجد سلسلة صخور شاهقة محفوفة بالمخاطر تحيط بالشواطئ وعندما تهب العواصف غالباً ما ننقطع عن العالم الخارجي لأسابيع طويلة . لذلك فقد تعلمنا الاعتماد على أنفسنا لأنه لا يوجد حل آخر.


استطردت كريستينا مرتابة :

- لا أكاد اصدق ما يجري ولا افهم سبب اختياري أنا بالذات وأنتِ علاوة على ذلك لا تعرفين عني أي شيء .

قالت السيدة براندون بوداعة :

- اعرف عنك ما يكفي . واعرف من رسائل عمتك لي أنها كانت تحبك كثيراً وهل تغيرين رأيك لو قلت لك أن أغلى أمنية لديها كان إصرارها على انضمامك ألي؟

صاحت كريستينا بامتعاض :

- كلا أنا لا اصدق ذلك ، إن ما تقومين به هو نوع من الشفقة وأنا لا أريد ذلك على أن أتعلم كيف أكون مستقلة . إنها بادرة طيبة منك واعرف أن العمة غريس كانت لا تريد لي إلا الخير ، ولكن لا احب فرض نفسي بطريقة غير لائقة .

قطبت السيدة براندون حاجبيها :

- ما هذا الهراء يا ابنتي؟ أنتِ تخلطين الأمور . أنتِ التي ستؤدين عمل خير وإحسان لي . أنا احتاج إلى فتاة شابة مثلك . واطمئني لن ادعك ترتاحين لحظة واحدة وستقومين بخدمات لا يضاهيها مرتبك . إنني امرأة أنانية عجوز لا احب مجالسة العوانس اللواتي يثرثرن طوال النهار حول ماضيهن وذكرياتهن الغابرة.

جلست كريستينا صامتة ، يضج رأسها بألف سؤال . إن ما تعرضه السيدة براندون بالغ الإغراء ولا سبيل إلى رفضه مع ذلك وفي الوقت نفسه منعها كبرياؤها عن قبول هذه الأسلوب في معاملتها.

أهذا ما كانت ترتبه لها عمتها قبل وفاتها؟ يا للإهانة وهي ترى عدم ثقة أحد بها لشق طريقها بنفسها!

مع ذلك كانت لا تستطيع أن تنكر أنها لو رأت أعلاناً عن عمل كهذا في مكان ما لما ترددت في تقديم طلب للحصول عليه . كأن عصا سحرية حققت حلم حياتها ولكن السيدة براندون بشعرها الأملس الأبيض وأسلوبها الأرستقراطي ، لا علاقة لها بمربية خرافية!

قطعت السيدة براندون حبل أفكارها :

- انك تشغلين بالك بدون مبرر . هل يلائمك اكثر لو قلت لك انك ستكونين تحت التجربة أولاً لمدة شهر تقريباً ومن الأفضل لو اعتبرت زيارتك مجرد إجازة . اعرف انك عانيت كثيراً مؤخراً ولا يحق لي الضغط عليك إلى أن ترتاحي قليلاً ماذا تقولين؟

احتارت كريستينا ثم تنهدت قائلة :

- ماذا يمكنني أن أقول يا سيدتي . أنتِ لطيفة كثيراً ولا تتركين أمامي أي مجال للرفض لا اعرف كيف أشكرك.

مدت يدها لالتقاط عصاها، شاعرة بألم طفيف وقالت تطمئنها:

- سأفكر بطريقة مرضية . إذن اتفقنا . تقضين بضعة أسابيع تتمتعين بأشعة الشمس ثم بعدها الخطوة التالية.

نهضت ببطء وحذر على قدميها ، ثم لاحظت كريستينا وهي تهم بمساعدتها فصاحت :

- هذا هو الدرس الأول يا عزيزتي لا يهمني أن يساعدني أحد سأعود إلى لندن الآن ولكن قبل ذلك سأدفع حسابك لسيدة ثرثتون وتفضلي بحزم أمتعتك هذا المساء استعداداً للمجيء في الصباح وقبل الساعة العاشرة ولتعلمي أنني لا أكره إلا عدم المحافظة على المواعيد.

قالت كريستينا :

- ولكنني قادرة على دفع حسابي ما تزال معي بعض النقود ...

وتوقفت عن الكلام يخالجها قلق مفاجئ . إن الأمور تسير بسرعة عجيبة حتى عمتها غريس لم تعاملها بهذا الأسلوب الحازم ، الأرستقراطي ، وكأنها مجرد دمية تحركها أصابع السيدة براندون بسلاسة وبدون عناء.

خاطبتها بلهجة باهتة :

- احتفظي بنقودك أو اشتري بعض الملابس الصيفية الخفيفة إن ما ترتدينه يلائم منطقة القطب الشمالي اكثر من المناطق الاستوائية الحارة . اختاري ملابس قطنية واشتري ثوب سباحة أيضاً .
برديس likes this.

ازدادت حيرة كريستينا :

- ولكن لم تذكري لي شيئاً عن الحفلات قرب الشاطئ.

أخجلتها السيدة براندون بجوابها :

- لن تكون هناك حفلات ولكن الشطآن موجودة ولا بد من الاستمتاع بها وأتوقع انك تعلمت السباحة في المدرسة. وآمل أن تعتبري آرك انجل كمنزلك أنتِ وليس كسجن يأسرك ( ثم رددت تعليماتها السابقة وهي تلاحظ اضطراب كريستينا ) احتفظي بنقودك . اسمحي لي أن أؤدي هذه الخدمة لك تعبيراً عن حبي لعمتك الراحلة .

ولم يعد يليق بكريستينا رفض طلب كهذا وإلا أثبتت مدى عناءها .

صحبت السيدة براندون إلى الخارج وإلى أن ركبت سيارة الأجرة المنتظرة ولوحت لها بيدها مودعة ، لكن المرأة العجوز لم تلتفت إلى الوراء أو تبادر وداعها ، فأرخت كريستينا يدها ، تشعر بالخجل.

عادت ببطء إلى الفندق ، تكاد لا تصدق ما جرى أمامها منذ دقائق ممدودة . ها هي حياتها انقلبت رأساً على عقب وتبدل كل وضعها فأصيبت بالدوار.

تجاهلت كريستينا صاحبة الفندق ، وفضولها المعهود وأسئلتها المتكررة وتحذيراتها من الثقة بأي شخص غريب لا تعرفه لكنها ظلت تراودها الشكوك ، فقررت الذهاب لرؤية المحامي السيد فريث . لا بد أن يكون في المزاد العلني وهو خير من يطلعها على حقيقة السيدة براندون.

ما أن وصلت حتى كان المزاد قد انتهى ، ورأت السيارات تغادر المكان . ركضت كريستينا مسرعة . كان السيد فريث يقف قرب سيارة ويبستر لوداعها ترددت قليلاً ثم لمحته يومئ لتتقدم نحوه فلم تجد مفراً من الاقتراب منه ابتسم متسائلاً :

- أين كنتِ يا عزيزتي؟ كيف اختفيت فجأة؟

فكرت كريستينا ملياً لم تكن ترغب في مناقشة التطورات التي استجدت في حياتها على مسمع من عائلة ويبستر ، فاكتفت بابتسامة باهتة وغمغمت بكلمات غير مسموعة ، آملة أن تقلع سيارتهم وتمضي في سبيلها.

ولكن فيفيان ويبستر مدت برأسها من النافذة وحملقت في كريستينا بغرور واستفسرت :

- هل تريدين شيئاً؟

- أردت التحدث إلى السيد فريث.

صمتت فيفيان للحظة ثم قالت :

- تذكري أن وقته باهظ الثمن . لا تتوقعي من محامي مشهور كالسيد فريث ، تقديم خدماته إليك بدون مقابل إلى الأبد .

استدارت كريستينا صوب السيد فريث ووجهها يشتعل غيظاً :

- أنا آسفة لم يخطر في بالي .....

وامسك فريث بيدها قبل أن تركض وقال يطمئنها :

- ولم يخطر في بالي أنا أيضاً . كيف يمكنني مساعدتك يا كريستينا؟

هزت برأسها محاولة الانسحاب :

- لا يهم . لا يهم كل ما كنت أريد معرفته ...

وصاحت فيفيان ويبستر بسخرية :

- بالله عليك! إذا كان لديك ما تقولينه فيها ولنضع حداً لهذه السخافات.

حاولت كريستينا تجاهلها ، سألت فريث :

- هل سبق للعمة غريس أن تحدثت عن السيدة براندون أمامك؟

وقبل أن يجيب اقتحمت نفسها :

- عائلة براندون؟ طبعاً ذهبت إلى المدرسة مع الزوجتين ، كانتا أختين وتزوجتا اخين لماذا تسألين؟

لم تجد كريستينا مهرباً من الجواب :

-لأن السيدة براندون في إنجلترا الآن وعرضت علي عملاً .

ردت فيفيان ببرود :

- لا افهم معنى تصرفها هذا . أنتِ لا تعنين لها شيئاً . هل كتبت لها متوسلة لإيوائك؟ أتمنى انكِ لم تفعلي ذلك يا كريستينا انه تصرف سخيف.

قالت كريستينا متحدية :

- لا ليس كما تتصورين لم اعرف بوجودها حتى هذا اليوم يبدو أن عمتي غريس كتبت إليها عندما فاجأها المرض .
برديس likes this.

أعلنت فيفيان :

- إن وجودها في إنجلترا أمر بالغ الغرابة هل حضرت المزاد إذن؟

- لا اعتقد.


قال السيد فريث بصوت هادئ :

- ما هو نوع العمل الذي عرضته عليك؟ إن اسمها مألوف جداً لدي واعرف علاقتها بعمتك ولكن لم أتصور أن العمة غريس كانت تنوي الاتصال بها مؤخراً لا بد من القول أن وجودها نعمة فائقة الآن.


قاطعته فيفيان ثانيه:

- لا افهم معنى النعمة هذه ولا أرى ضرورة لطلب مساعدة الأغراب.

احتفظت كريستينا برباطة جأشها ، وأطرقت برأسها صامتة ثم سمعت محرك السيارة يدور استعداداً للإقلاع . تنفست الصعداء ، إن عائلة ويبستر تختفي عن أنظارها وإلى اجل غير مسمى . طمأنها السيد فريث مجدداً وأكد لها مدى اهتمامه بمستقبلها :

- لا تخافي . إنها خطوة في الاتجاه الصحيح . توكلي على الله ولا تصغي إلى الأقاويل وأريدك أن تتصلي بي دائماً إذا ما تعرضت لأية مشاكل إن عمتك أوصتني بك أيضاً .

صعد إلى سيارته ومضى في سبيله بينما استدارت كريستينا وبدأت تسير في طريق العودة إلى الفندق . ظلت مشوشة العقل مضطربة القلب لا تدري ما الذي تخبئه لها الأقدار الغامضة .
برديس likes this.

-2-

رحلـــة إلى المجهـــول


فتحت كريستينا شباك غرفتها ، وخرجت إلى الشرفة تستنشق الهواء المنعش ، وتتمتع بحرارة الشمس الدافئة . وأخذت تراقب الفناء الداخلي للفندق الذي يتوسطه حوض سباحة ذو ألوان تتلألأ زرقة مخضرة كالفيروز . استاءت السيدة براندون من تأخر طيارتها إلى المارتينك بعد ظهر ذلك اليوم ، لكن كريستينا لم تشعر بأي انزعاج . لم تكن في عجلة من أمرها لركوب الزورق والإبحار إلى جزيرة سانت فيكتوار الصغيرة . لا باس من قضاء بعض الساعات في المارتينك والتمتع بمناظرها . أوت السيدة براندون إلى غرفتها ، وأشارت على كريستينا بالمثل لكنها لم تعبأ بنصيحتها . إنها لم تستوعب بعد كل هذه التطورات الجديدة في حياتها ، ولم تزدها رحلة الطائرة إلا شوقاً لاكتشاف هذا العالم الجديد.

لم تكن كريستينا تعرف الشيء الكثير عن المنزل أو المزرعة حيث ستعيش بعض الوقت . كل ما تعرفه أن الأخت مادلين وزوجها لقيا أجلهما عندما غرق مركبهما قبل سنوات قليلة ، وبدون أن تلم بتفاصيل هذا الحادث . تأكدت من شيء واحد . أن السيدة براندون تماماً كما قالت ، حادة الطباع ، سريعة الغضب ، اكتشفت ذلك بنفسها أثناء التسوق في لندن ، وعبر أسلوبها في التعامل مع موظفي الفندق ولم تدع أحداً يفلت من لسانها وأوامرها عندما توجهتا إلى المطار للإقلاع إلى المارتينك . مرت نصف ساعة وهي تهبط سلالم الفندق العريضة ، حيث خلعت ملابسها التي ارتدتها أثناء الطيران ، وارتدت تنورة قطنية قصيرة قرمزية اللون ، وقميصاً ابيض عقدت ذيله حول خصرها وأرخت شعرها فوق كتفيها ، فبدت اكثر نضارة واصغر عمراً إن السيدة براندون اقترحت عليها ارتداء ملابس صيفية وشجعتها على شرائها عندما كانت بلندن ، وها هي تنفذ أوامرها .

اشترت كريستينا دليلاً سياحياً ، وأخذت تطوف في الشوارع تقلب النظر في البيوت ذات الهندسة العجيبة ، وتتوقف قليلاً أمام كاتدرائية شاهقة ، أو محلات العطور أو اللعب والدمى . واشترت دمية صغيرة تزينها أزياء المارتينك الشعبية ولاحظت أن الأزهار تنتشر في كل مكان ، وتتدلى من الشرفات بألوانها الصاخبة المرحة وتدافع الباعة يعرضون عليها باقات الزهور المختلفة . تابعت السير إلى أن شعرت بالجوع . تمنت لو تدخل مطعماً لتناول بعض الطعام التي كانت تترامى رائحته الذكية إلى انفها . تذكرت تحذيرات السيدة براندون المتكررة وضرورة تناول الغداء في الوقت المحدد ،
عندما قررت العودة إلى الفندق ، سرعان ما اكتشفت صعوبة ذلك إذ لم تعد تعرف طريق العودة . أتذهب عبر هذا الشارع وتنعطف يساراً عند تلك الزاوية ، أم تسير في الشارع الموازي؟ وأخذت تخرج من شارع وتدخل في آخر .

وتحولت رحلتها السياحية إلى كابوس رهيب . أبطأت الخطى وهي تحدق حولها مرتابة . سمعت صوت طفل يبكي بكاء متصلاً وكأنه يمزق جوارحها المتعبة وارتفع وراءها وقع أقدام المارة ، فاطمأنت قليلاً أنها عثرت أخيراً على أحد تسأله عن طريق العودة إلى الفندق ، وحتى بلغتها الفرنسية المحدودة ولكن ما أن استدارت حتى تجمدت الكلمات في حنجرتها . كانوا ثلاثة صبية .

رأتهم يتوقفون على بعد خطوات قليلة وينظرون إليها ابتسموا بصمت ، وأدركت كريستينا مدى ذعرها وعجزها لأول مرة في حياتها . إنها حرب أعصاب ، خاطبت نفسها مرتاعة . فكرت أن تطلق ساقيها للريح لم يكن لها إلا الهرب ، وهي لا تستطيع التراجع إذا ما فاجأتها نهاية ذلك الشارع شبه المعتم . وفجأة تقدم أحدهم فأمسك بها ورماها أرضاً . أغمضت عينيها مذعورة ، وانطلقت صرخات استغاثاتها تدوي في الشارع المقفر . فتحت عينيها ثانية ، فأحست بصمت رهيب يخيم حولها . واستدارت ليقع نظرها على رجل طويل القامة يقف وراءها . أرادت أن تشكره لكنها قالت بفزع :

- لقد ذهبوا !

قال بهدوء :

- طبعاً . هل أنتِ بخير؟

كانت لغته الإنجليزية سليمة لاعيب فيها ودون لكنة أو لهجة غريبة . سألها :

- ما الذي تفعلينه في هذا الحي؟ هل يعرف أهلك أنكِ هنا؟

- أنا هنا مع ربة عملي .

تمعن في قسماتها قليلاً :

- ربة عملك؟ اعذريني . لم اعتقد انكِ في سن يسمح لك بالعمل . احزر! هل أنتِ ممثلة أم عارضة أزياء؟
برديس likes this.

كان يسخر منها . هكذا افترضت كريستينا ، فأسرعت بالإجابة :
- أنا اعمل سكرتيرة ، أرجوك يجب أن أعود الآن ثمة من ينتظرني .

- بدون شك . ماذا تفعلين بالضبط كسكرتيرة؟ هل تكتبين على الآلة الكاتبة؟

ازدادت غضباً . لماذا يتصرف بهذا الأسلوب الفظ؟ هو الذي بادر إلى مساعدتها ولم تطلب منه إنقاذها . قالت :

- قليلاً . نعم أجيد الكاتبة قليلاً.

- قليلاً ؟ إذن لابد أن مواهبك تبرز في أمور أخرى .

صاحت وهي تلقي نظرة على ساعتها :

- يا للويل . داهمني الوقت . هل تستطيع أن تدلني على الطريق العودة إلى فندق بوهرنيه؟ لقد ضللت الطريق كلياً .

قال هازئاً :

- كيف ستعودين بدون محفظة يدك؟ لقد نهبوها . كل ما كانوا يريدونه منك بعض النقود لا غير .

ازداد هلعها ، فحاولت إخفاء مشاعرها وقالت :

- لا بأس . هل تدلني على الطريق الفندق من فضلك؟

أمعن في سخريته :

- سيري في اتجاه الشوارع التجارية ، فأنتِ على مقربة منها الآن . انعطفي يساراً ثم يميناً وستجدين نفسك في الشارع الرئيسي . حاولي تجنب الأزقة والحواري الضيقة فهي غير آمنة أجمالاً .

انتحى قليلاً ، وابتعد عنها . ظلت كريستينا تراقبه حتى توارى عند الزاوية المحاذية وكم كانت سعادتها عظيمة عندما اكتشفت دقة توجهاته ، حيث وجدت نفسها أمام مدخل الفندق بعد دقائق معدودة فأسرعت الخطى إلى السيدة براندون قبل أن تفقد صوابها وينفذ صبرها .

وما أن همت بدخول بهو الفندق حتى لمحت مجموعة من السياح يتزاحمون ويتابعون شيئاً ما يدور هناك . تغلب عليها فضولها فقررت اكتشاف الحدث الهام الذي يستحوذ على انتباه الجميع . تقدمت قليلاً إلى أن تبينت زنجياً يجلس مقرفصاً على الأرض ويرمي عظاماً يابسة في الهواء ثم يلتقطها وهو يتمتم كلمات تنذر بالويل والثبور انه عراف يقرا البخت ، خطت خطوة إلى الأمام . ووقفت أمامه مذهولة ورأت رجلاً ينقده بعض الدراهم ، ثم يشكره . ساد صمت مزعج . لم يتقدم زبون جديد . فلتجرب حظها ، عساها تتبين ملامح مستقبلها الغامض . التقت عيناها بعيني العراف ووجدته يبدأ في قذف أصداف براقة ، ويومئ لها لتجلس قربه , أطاعت أوامره وكأن قوة سحرية تجذبها إلى سماع كلماته . تململ قليلاً . فرك جبينه وما لبث أن قال :

- عليك الاحتراس والحذر يا آنسة . أني أرى شراً في طريقك كوني حذرة من ابليس أرك . أينجل اللعين في آرك أينجل .

ثم نهض بغتة ، وجمع الأصداف والعظام ، وغادر مسرعاً ، متجاهلاً احتجاجات السياح . وقفت كريستينا محمرة الوجنتين ، مضطربة ، تركض كالمجنونة نحو الفندق ، و كلماته تتردد في أذنها : كوني حذرة من ابليس.

كانت تعاني من صداع رهيب عندما شدت الرحال في اليوم التالي للذهاب مع السيدة براندون إلى جزيرة سانت فيكتوار وهي لا تزال تتذكر عبارات هذه العجوز اللاذعة وتأنيبها لها لتأخرها وتعرضها لمشكلات كانت في غنى عنها.

واستعادت أحداث يومها الفائت ، وخاصة مقابلتها لذلك العراف وقراءته لحظها لا بد انه يتبادل المعلومات مع أحد موظفي الفندق حول النزلاء ، ولا شك أن السيدة براندون اشهر من أن تعرف ، فكرت كريستينا . الكل يعرف أين تسكن واسم منزلها . فكان من السهل معرفة مكان توجهها . إنها مسالة في غاية البساطة ومع ذلك كيف تفسر كلماته؟ ما الذي يقصده بالتحديد؟ وأخذت تتساءل بقلق عن الدافع الذي حمل السيدة براندون للسفر إلى إنجلترا والبحث عنها . فصحتها سيئة وتعاني من التهاب المفاصل ، ولا تكف عن تعاطي الأقراص والمسكنات ، مما يعني أن قلبها في حالة سيئة أيضاً . وإذا كان هذا هو الوضع ، تابعت سلسلة أفكارها ، فلماذا لم تكلف أحداً غيرها للقيام بالسفر إلى إنجلترا في رحلة طويلة مضنية كهذه؟ وتمنت لو تستطيع إقناع نفسها بعاطفة السيدة براندون الجياشة ، وإنسانيتها المفرطة ، ولكنها لا يمكنها أن تصدق كل ذلك بعد أن اختبرتها عن كثب.

إذن هناك سبب ملح دفع السيدة براندون إلى رؤيتها شخصياً ، مع أنها لا تعرف ما هو هذا السبب الملح لبؤس حياتها . وصلت إلى أرض المارتينك تفيض حيوية وغبطة وتخال إنها تعيش اسعد لحظات حياتها وها هي تجلس في هذا المركب حزينة ، مشوشة الأفكار ، تلمح جزيرة سانت فيكتوار فلا تترك في نفسها إلا انطباعاً مغلفاً بالأسرار والحيرة . همت بمغادرة المركب محاولة تعزية نفسها وتعليلها بمفاجأة سارة جديدة . قررت أن تشاؤمها لا يليق بها ، وربما كان إحساساً خاطئاً لا صحة له , فلتنتظر حتى تتضح الأمور اكثر . كانت تنتظرها على رصيف الميناء سيارة فخمة ، يجلس وراء مقودها رجل اسود يرتدي بزة رسمية ولاحظت تبدل طبيعة السيدة براندون ، وظهور دماثة لطيفة في تصرفها إزاءها ، وهما تتوجهان نحو السيارة .
ورأت السائق يرفع قبعته وتوجه صوبهما بابتسامة عريضة :

- الحمد الله على السلامة يا سيدتي . ويا آنستي.

أعطته السيدة براندون عصاها ، وصعدت إلى المقعد الخلفي قائلة :

- شكراً يا لويس باركك الله .

ولاحظت كريستينا السائق يلف بطانية حريرية حول ساقي السيدة براندون رغم رطوبة الجو الحار . جلست في المقعد الأمامي كما أشارت عليها ربة عملها . وانطلقت السيارة ، و كريستينا تعشر بالحر الخانق ، تمني نفسها بحمام ماء بارد وبعض المرطبات فور وصولها . لم تجد ما يلفت النظر في منطقة الميناء سوى مجموعة من المباني الصغيرة المسقوفة بألواح من الصباح المضلع ، ويعلو معظمها الصدأ والغبار . وكانت الشوارع المتفرعة من الميناء ضيقة ومزدحمة بالدراجات . ولاحظت كريستينا أن الأرصفة تتكدس فوقها أكشاك الفاكهة والخضار وتغص كل بقعة بالأولاد والصغار وشتى الحيوانات . وأبدت إعجابها بمهارة لويس وهو يشق طريقه عبر هذا الزحام وما هي إلا لحظات حتى وصلوا إلى طريق واسع ، مستقيم ، لا يعكر صفو هدوئه شيء ، فتنفست الصعداء ثم تبين لها أن هذا الطريق ليس اكثر من طريق ترابي تتخلله الحفر ، فتهتز السيارة يميناً وشمالاً رغم مهارة لويس في القيادة . وبعد أن قطعوا بضعة أميال صعدت بهم السيارة إلى طريق مرتفع ، وتراءى البحر لكريستينا من البعيد ، بلونه الأزرق العميق ، يكاد يعانق الأفق بعفوية أخاذة . نظر إليها لويس مؤكداً :

- سوف تشاهدين مناظر اكثر جاذبية .

ومضت بهم السيارة في طريق أخر يتوسط حقولاً زراعية . يعمل فيها عدد من الأشخاص . ورأتهم كريستينا يلوحون بأيديهم ، وتصورت بدون أن تلتفت وراءها السيدة براندون تهز رأسها لرد التحية . وفطنت انهم الآن على أطراف المزرعة التي ذكرتها لها ربة العمل . كانت حقولاً شاسعة ، تمتد إلى مسافات بعيدة ، بنيت بها مجموعات من المساكن لإيواء عائلات العمال ، كما افترضت ، كأنها عالم صغير وسط عالم آخر ، و ارتابت كريستينا من ضخامة هذه المزرعة . لم تعرف في حياتها سوى الريف الإنجليزي وجماله الوديع ، وها هي تصطدم بالحر اللاذع ، والتربة الظامئة ، والأشجار والنباتات الغريبة الشكل والبراعم . أحست أنها في غابة موحشة لم تروضها الحضارة بعد . تناولت منديلاً ومسحت عرق جبهتها ووجهها . وكانت السيارة الآن تجري بمحاذاة الشاطئ ورماله الفضية ، وأمواجه المتهادية بنعومة ، يلامسها نسيم البحر العليل ، ولكن الحر داخل السيارة براندون التي تعشق الحر مهما كانت درجته . لا بد انهم اقتربوا من نهاية الطريق ، عللت كريستينا نفسها ..
برديس likes this.

استرخت في مقعدها ، مغمضة عينيها ، ومحاولة تناسي محنتها ، واهتزاز السيارة فوق الطريق الوعر . وما أن همت بالطلب من لويس للتوقف ، حتى وجدته يخفف سرعته ، وينعطف فوق طريق بدا لها ناعماً كالحرير بعد أهوال الأميال السابقة فتحت عينيها قليلاً ، واكتشفت انهم يمرون تحت قوس من الأشجار الخضراء المنعشة .
وهتف لويس وكأنه أحس بمعاناتها :

- سنصل بعد لحظة قصيرة .

انعطف بالسيارة فوق طريق منحدر ، فظهر المنزل يتراءى أمامهم ، تظلله الأشجار الوارفة .
كان مطلياً باللون الأبيض ، ويتكون من طابقين كبيرين تحيط به مصطبة عريضة وترتفع فوقها شرفة يزينها درابزين حديدي أمام الغرفة العليا . توقفت السيارة أمام درجات المصطبة ، ولمحت كريستينا امرأة طويلة القامة تنتظر عند الباب الأمامي للترحيب بهم ، ويدل فستانها الأسود ذي الشال النظيف انه مدبرة المنزل . تنفست كريستينا بعمق وهي تحس بتوترها يتلاشى تدريجياً ، نظرت إلى مدبرة المنزل وابتسمت بحياء ، لكنها لم تجد أي تجاوب . وتوكأت السيدة براندون على عصاها ، ومشت بتمهل وهي تهتف :

- سيدة كريستوف هل كل شيء على ما يرام؟

ردت مدبرة المنزل بصوت خفيض :

- كل شيء على ما يرام . لا توجد أية مشكلة.

وقفت السيدة براندون فوق المصطبة لاستعادة نفسها ، ثم أشارت نحو كريستينا التي كانت تسير وراء لويس وهو يحمل الحقائب :

- اقدم إليك الآنسة بينيت . سيدة كريستوف ، هل تلقيت برقيتي؟

قالت السيدة كريستوف وهي تتفحص زائرتها الجديدة :

- نعم تلقيتها ... وأعددت لها غرفة . أهلاً بك في ارك اينجل يا آنسة بينيت .

وتوجهوا جميعاً إلى الداخل كانت القاعة الاولى فسيحة مربعة الشكل مبلطة بألوان زرقاء وخضراء وبدا لكريستينا أن جميع الغرف الرئيسية تفتح أبوابها على هذه القاعة ، وتبين لها أن الطابق العلوي يأخذ شكل صالة عرض واسعة وانتصب عند أقدام السلم اللولبي تمثال رخامي لشاب في ريعان الصبا يعتمر درعاً معدنياًَ ويمسك برمح طويل يهم أن يطعن به حيواناًَ مجنحاً يرتمي عند قدميه وكان الشاب إياه يمد جناحين رائعين مخضبين بالذهب .

تقدمت منها السيدة براندون شارحة :

- هذا هو ملاكنا الحارس يا آنسة بينيت والذي تحمل المزرعة اسمه ارك اينجل أو الملاك الحارس .

أجابت كريستينا بتعجب :

- صحيح؟

- ألم اقل لك أن وراء اسم المزرعة قصة طريفة؟ إنها تعود إلى القرن السابع عشر عندما بنت أول عائلة بيتاً هنا وشرعت بزراعة قصب السكر . كانوا يستخدمون العمال العبيد في تلك الأيام ، كما تعرفين . وجلبت مجموعة من العبيد مرضاً وبائياً وانتشر المرض في كل الجزيرة كانتشار النار في الهشيم . كان مرضاً كالطاعون واخذ الناس يموتون كالذباب . و هكذا تضرع سكان الجزيرة وهو في مرحلة اليأس إلى هذا الرمز – الملاك

وسألتها كريستينا باهتمام ودهشة :

- وهل نفعت صلواتهم؟

أجابت السيدة براندون بانزعاج :

- زال الطاعون بعد مرور أسبوعين . وظن الأهالي أنها كانت معجزة بحق . ومنذ ذلك الحين ونحن نسمي المزرعة ارك اينجل . إن التمثال قديم جداً ، أحضرته العائلة معها من فرنسا كعربون وفاء ( وفجأة تبدلت لهجتها ) اصعدي إلى الطابق الأعلى وستدلك السيدة كريستوف على غرفتك .

شكت كريستينا في كل كلمة سمعتها . إنها قصة خرافية ، خاطبت نفسها ثم مشت وراء قامة مديرة المنزل عبر البهو وممر تعلو قنطرة حيث تؤدي إلى جناح خلفي وتوقفت السيدة كريستوف قبل نهاية الرواق أمام باب خشبي مزودج وفتحته .

أخذت كريستينا تجول بنظرها في الغرفة وهي لا تكاد تصدق عينيها . كان السقف مطلياً بلون عسلي لامع وكذلك الحيطان أما السجادة والستائر الحريرية فكانت تميلان إلى الصفرة وأدركت لتوها أن هذه الزخرفة الفخمة فوق مستوى موظفة قد لا تمكث مدة طويلة . لاحظت السيدة كريستوف دهشتها فقالت :

- ألا تعجبك الغرفة يا آنسة؟
برديس likes this.

أجابت بتردد :

- على العكس تماماً إنها اجمل غرفة رأيتها في حياتي ولكن هل تنوي السيدة براندون تخصيصها لي؟

نظرت إليها السيدة كريستوف وكأنها توبخها :

- إن السيدة براندون تترك هذه التفاصيل لي . ولكن أؤكد لك أنها ستوافق على اختياري . لقد جلب لويس حقائبك . سأطلب من يولالي مساعدتك على فتحها ( ثم حدجتها هنيهة قبل أن تغادر مرددة ) لكن الظروف دائماً تتغير أليس كذلك؟ ربما كان من الأفضل لك الاستعداد لأي طارئ يا آنسة .

أوصدت الباب بهدوء تاركة كريستينا في مملكتها الصغيرة وكان أول ما فعلته الاستحمام وترتيب ثيابها في خزانة الحائط العريضة .

خرجت إلى الشرفة ولمحت عن يسارها سلماً حديدياً يؤدي إلى الحديقة ، وبركة سباحة طويلة مستطيلة الشكل . وامتدت في كل النواحي مروج خضراء تختلط بعد مسافة شاسعة بشجيرات مزدهرة ونباتات برية كثيفة الأوراق وبعد ذلك يبدو منبسطاً جميل المظهر .

لم تمر دقائق معدودة حتى سمعت رنين الهاتف في غرفتها فأسرعت ترفع السماعة قائلة :

- ألو . كريستينا بينيت .

سمعت زفيراً وأصواتاً خافتة ، ولكن لم جيبها أحد . صاحت بحدة :

- نعم؟ من تريد من فضلك؟

سمعت ضحكة مكبوتة وكأن صوتها المذعور أدى إلى النتيجة المرجوة ازداد توترها :

- هل تكف عن هذا المزاح وتخبرني ما تريد؟

ثم سمعت دقات خفيفة على الباب . استدارت مرتاعة ، فرأت الباب ينفتح ببطء . دخلت فتاة تناهزها في العمر . بدت بالغة الجمال بشعرها الداكن وعينيها السوداوين وبشرتها الضاربة إلى السمرة ، ابتسمت الفتاة ابتسامة بريئة عفوية كاشفة عن أسنانها البيضاء السوية :

- تفضلي بالنزول إلى المكتبة لاحتساء الشاي أو ربما تفضلين أن أجلبه لك إلى هنا؟

قالت كريستينا بعجلة :

- كلا سأنزل بنفسي . لا بد أنك يولالي؟

برقت عيناها متسائلة وهي ترى سماعة الهاتف فيد يد كريستينا :

- نعم أنا يولالي . ولكن هل تريدين شيئاً آخر؟

أحست كريستينا بحرج شديد :

- لا ولكن رن جرس الهاتف ولم يجبني أحد .

استأذنت يولالي وأخذت سماعة الهاتف تتحرى الأمر بنفسها وضعت أذنها على السماعة لحظة ثم استدارت صوب كريستينا :

- لا يوجد أحد يا آنسة . هذا هو هاتف المنزل الرئيسي ومن السهل الاتصال برقم خاطئ .

لم تقتنع كريستينا :

- ولكن لا أحد كان يتكلم لم يكن هناك صوت أي صوت أنه تصرف سخيف .

قالت يولالي ببرودة :

- ربما أخطأت الظن . لا يوجد أحد في هذا المنزل يتصرف هكذا.

ومشت نحو الباب ، متوقعة من كريستينا السير وراءها ولم يخب ظنها . لحقت بيولالي عبر الممر ، متجهة إلى السلم الرئيسي وهي تبحث عبثاً عن موضوع ما للتحدث إليها .

وكان وضعها في المنزل غامضاً . أنها الآن مجرد ضيفة ولكنها أتت إلى هنا لتعمل هل أساء تصرفها إلى أحد؟ فكرت كريستينا . لم تتعرف إلا على لويس و السيدة كريستوف ويولالي . لا يمكنها تصور أحد من هؤلاء يعمد إلى ممارسة ألاعيب سخيفة ضدها في يومها الأول .

بلغتا أسفل السلم . وحدقت كريستينا في التمثال مرة أخرى وفوجئت باكتشاف شكل جديد للحيوان المستلقي عند قدميه . لم يكن تنيناً كما ظنت من قبل بل يشبه شكلاً بشرياً . وقررت انه قبيح المظهر ويثير الاشمئزاز .

عبرت يولالي القاعة ، تنتظر بفارغ الصبر أمام الباب في الجهة المقابلة . وضعت كريستينا يديها في جيبي تنورتها وقالت مستفسرة :

- يولالي ... أخبريني من فضلك من هو هذا السيد الذي تدوسه الأقدام؟

وقبل أن تتفوه يولالي بكلمة ، أرتفع صوت بدا مألوفاً لديها ، هز كيانها هزاً :

- انه إبليس يا عزيزتي إبليس نفسه .


رأت صاحب الصوت يقف عند المدخل الأمامي وعرفته رغم ملابسه الجديدة . أن عينيه لا تزالان تتماوجان بذلك اللون الفضي الذي لفت نظرها وهو يقف هناك في ذلك الزقاق الضيق بعد تعرضها للهجوم . قال بلطف :

- هل كنتِ تتوقعين أن يكون كائناً آخر؟
برديس likes this.
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة

الانتقال السريع


الساعة الآن 08:22 AM



Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2014, vBulletin Solutions, Inc.
SEO by vBSEO 3.6.0

Ramdan √ BY: ! Omani ! © 2012