آخر 10 مشاركات
28 - النهر المقدس (الكاتـب : * فوفو * - آخر مشاركة : ساحرة القرن - مشاركات : 97 - المشاهدات : 2931 - الوقت: 04:26 PM - التاريخ: 02-10-14)           »          مطلوب منكم الترجمه الى اللهجه العاميه لبلدكم هههههههههههه (الكاتـب : um soso - آخر مشاركة : انثى الهوى - مشاركات : 3 - المشاهدات : 32 - الوقت: 04:25 PM - التاريخ: 02-10-14)           »          494 - اخر خيوط الحب - كارول مورتيمر ( عدد جديد ) (الكاتـب : Dalyia - آخر مشاركة : مس لوليتا - مشاركات : 2714 - المشاهدات : 68191 - الوقت: 04:25 PM - التاريخ: 02-10-14)           »          نوح القلوب (الكاتـب : hadeer mansour - آخر مشاركة : ساكنة القلوب - مشاركات : 550 - المشاهدات : 10143 - الوقت: 04:25 PM - التاريخ: 02-10-14)           »          سلسلة تيليلة (42): 1 نهاية و بداية.. بقلم أمة الله Mikane (كاملة)*مميزة* (الكاتـب : Mikane - آخر مشاركة : Kamilaa - مشاركات : 225 - المشاهدات : 8626 - الوقت: 04:24 PM - التاريخ: 02-10-14)           »          مع كل فجر جديد"(58) للكاتبة blue me كـــــاملة*مميزة (الكاتـب : حنان - آخر مشاركة : Free Canary - مشاركات : 2067 - المشاهدات : 59911 - الوقت: 04:24 PM - التاريخ: 02-10-14)           »          اللوحة الغامضة (48) للكاتبة: كارول مورتيمور .. كاملة .. (الكاتـب : cutebabi - آخر مشاركة : hanan oka - مشاركات : 5338 - المشاهدات : 199356 - الوقت: 04:23 PM - التاريخ: 02-10-14)           »          256 - دائرة الخطر - هيلين بيانشين ... ( إعادة تنزيل ) (الكاتـب : * فوفو * - آخر مشاركة : limarhh - مشاركات : 1527 - المشاهدات : 49028 - الوقت: 04:23 PM - التاريخ: 02-10-14)           »          5-امواج من نار- ليليان هول - قلوب ع.ج (كتابة / كاملة ) (الكاتـب : *strawberry* - آخر مشاركة : lana love - مشاركات : 194 - المشاهدات : 10786 - الوقت: 04:23 PM - التاريخ: 02-10-14)           »          عروس راميريز (34) للكاتبة: ايما دارسي ( الجزء الاول من سلسلة عرائس راميريز ) كاملة (الكاتـب : Gege86 - آخر مشاركة : hanan oka - مشاركات : 5911 - المشاهدات : 232065 - الوقت: 04:22 PM - التاريخ: 02-10-14)



العودة   شبكة روايتي الثقافية > منتدى الروايات الرومانسية المترجمة > منتدى روايات (عبير- احلام ) , روايات رومنسيه متنوعة > منتدى روايات عبير العام > روايات عبير المكتوبة

إضافة رد
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع

أدار ستيفن محرك السيارة , وأخذ يطلق الزمور تحية لبوب الذي وقف بعيدا يلوح لهما مودعا , أنزلت كولبي زجاج النافذة لتودع بدورها المستقبلين الذين بدأ شملهم يتفرق , وأخيرا أستراحت في مقعدها , وأخذت نفسا عميقا:
" كان الأمر رائعا".
" نعم".
أجاب ستيفن وكأنه ينتبه للمرة الأولى , وأمتزجت ضحكاتهما.
وأسترق ستيفن نظرة الى القادمة الجديدة , أبنة عم دارت الصغيرة , أنها صغيرة بالفعل لكنها ليست أبدا كما تصورها , وتختلف أيضا عما توقعته والدته وشقيقته سوزان , فبالأضافة الى جمالها كان لصوت كولبي طابع مميز يجمع بين الدفء والأنوثة الفائقة , أنه من ذاع النوع من الأصوات , الذي يجد الرجال أنفسهم يستمعون اليه بدون الأهتمام فعلا لما يقول , ترى كيف ستعاملها نساء المنزل , والدته وسوزان وروشيل تينانت التي فرضت نفسها كفرد من العائلة , برغم أنها لا تعني له أي شيء شخصيا , وتختفي كل رقتها وأدعاءاتها عندما لا يكون دارت موجودا.
وأخذ ستيفن يحدق في أسراب النعام وهي تهرول بعيدا عن المدرج , قبل أن يتفوه بأول شيء يرد على ذهنه.
" أتعقد أنك أفتقدت والدة دارت , يقال أنها كانت سيدة عظيمة".
بدا صادقا في قوله , لذا أجابته كولبي بعفوية:
" نعم , ولا زلت أفتقدها يا ستيفن , كانت أمرأة رائعة , طيبة , نشيطة ونقية , تحيط بها هالة من الأشراق".
" الرجال يتزوجون أمهاتهم أحيانا!
وبسرعة تدارك خطأه , فأردف موضحا:
"تعرفين ما أعني , أقصد أن الرجال يبحثون عادة عن الفتاة التي تشبه والدتهم ".
دهشت كولبي لما قال , وبلعت ريقها بصعوبة قبل أن تعلق قائلة:
" حسنا , أفهم فكرتك يا ستيفن , قل لي هل تتحدث بصورة عامة أم أنك تقصد شخصا معينا؟".
تفحصها ستيفن بلمحة خاطفة:
" الزمن وحده كفيل بالأجابة , آنسة كينغ ,من يعرف ماذا تخبىء له الأقدار".
" وماذا عنك؟".
أجابت كولبي حالمة , وفجأة تحول صوتها من الجدية الى المرح:
" أنظر ستيفن , ما أروع التلال أمامنا , الأعشاب الخضراء تتأرجح عليه وكأنها تتمايل فرحا بالضوء المنسكب شلالات من الفضة تتلألأ بينها الحصى كأحجار كريمة , كنغارا , ها أنا آتية اليك , أفتحي أبوابك لأسقبالي".
وكأن السيارة فهمت شوق الفتاة الى أرض أحلامها , فأسرعت تشق طريقها وسط النباتات الكثيفة التي أحتجت على الأستخفاف بها بأن أستجمعت عطرها ترسله موجات من الطيب تسلقت الأشجار الباسقة , التي تحول ظلالها الوافرة أكثر الأيام حرا الى نسمات.
وفكت السيارة الحصار الأخضر عنها لتركض غير مبالية برائحة المسك التي تداعب الهواء وكأنها تريد ملاعبته , وعندما يئست الأشجار من أستبقاء كولبي , أرخت أغصانها عن المنازل الصغيرة المحيطة بالمزرعة وبالبيت الكبير.
وتجولت عينا كولبي في الطريق المعبد بحصى بيضاء , لتستقر أخيرا على بيت طفولتها المنتصب بأعتداد , متوجا بالرداء القرمزي الذي خلفته عليه شمس المغيب ,كنغارا الرائعة! لم تنسها أبدا , هذه الواحة الصغيرة المستلقية بكسل في أحضان الزهور البرية , مستكينة الى الأيدي المحبة التي تعتني بكل حبة من ترابها.
حتى وهي طفلة , كانت تقف طويلا أمام أنعكاسات الشمس على السور الحديدي الذي يحيط بالشرفات كتخريج رقيق سهرت على نسجه أيدي النساء , فأستبقى نور الشمس ليعكسها مزيدا من الأضواء على عالم كنغارا السحري.
البيت الكبير رفض منذ تأسيسه كل مظاهر الحضارة الزائفة , وأستبدلها بجمال الأرض المتوحشة العذراء , فكانت كل حجارته جزءا من صلابة الصخر ونعومة الرمال.
كم هو جميل هذا البيت العريق , ربما أجمل أيضا من الأيام الخالية عندما كانت طفلة تسري الحرية اليوم لم تعد طفلة, والسنوات الطويلة الموحشة التي أرهقت كاهلها في أيام الغربة , أصبحت مجرد ذكرى.
وتوقفت السيارة أمام الشرفة الأمامية , حيث وقفت بيللا وسوزان تنتظران الضيفة الشابة , ونزلت بيللا الدرجات القليلة , وثوبها البنفسجي يتأرجح بأناقة حول جسمها الطويل الرقيق , مظهرها ومشيتها كانا كما يتوقع المرء من سيدة كنغارا أن تبدو وتمشي , حتى العم سيروس لم يكن ليستطيع وحده تدبير شؤون المزرعة الكبيرة بدون مساعدة سيدة قديرة تقف الى جانبه , لكنها لم تستطع أن تقنع والدها بذلك , فهذه المرأة ليست بالعمة راشيل , برغم شخصيتها المميزة وأناقتها الواضحتين حتى عن بعد.
وأجتازت بيللا الأمتار التي تفرق بينهما , وأتسعت عيناها الزرقاوان الباردتان عندما أستقرتا على كولبي , ثم أنفرجت شفتاها عن أبتسامة غاية في الجاذبية.
" أهلا بك في كنغارا يا عزيزتي , نحن سعداء لأنك معنا".
وتحولت الى أبنها قائلة:
" أنقل حقائب كولبي الى الشرفة يا ستيفن وأتركها هناك".
وصعد ستيفن الدرجات الأربع المؤدية الى البيت وهو يتظاهر أنه يعاني صعوبة بالغة في حمل الحقائب , أبتسمت بيللا لحركاته المسرحية وعلقت قائلة لكولبي:
" هذا هو ستيفن , تعالي الآن لأعرفك بسوزان , دارت أضطر للخروج , أحد الجيران أستنجد به لأمر ما".
ولحقت كولبي ببيللا , لتحيي الفتاة المستلقية بلا مبالاة على سور الشرفة الحديدي ,وفاجأهما صوتها الواضح الشاب عندما قالت:
" أنت لست كسائر فتيات دارت".
قالتها بأستغراب وكأنها ترى الأمر غريبا لدرجة لا يمكن معها تصديقه , أنزعجت بيللا , وأشتعل وجهها الجذاب غضبا , قبل أن تنظر الى كولبي معتذرة:
" كولبي عزيزتي , أود لو تعذرين سوزان , أنها تمر حاليا بفترة عصبية".
ورمت أبنتها بنظرة قاسية:
" أما أنت يا سوزان لو تتذكرين أبسط أصول الأدب".
" آسفة".
تمتمت سوزان الكلمة مرغمة , ومع هذا الأستقبال الجاف , وجدتها كولبي فتاة جميلة , أو كان من الممكن أن تكون جميلة لو أهتمت أكثر بمظهرها الخارجي .فهي طويلة القامة , رشيقة الجسم , ولها ملامح والدتها الجذاب , شعرها الأسود رفعته الى الوراء على شكل ذيل الحصان , أما سروالها وقميصها فكانا في حالة رثة.
وأبتسم ستيفن مداعبا شقيقته:
" لا تهتمي بها يا كولبي , أنها الأبنة الوحيدة والمدللة للسيدة كينغ , من مزرعة كنغارا".\تجهم وجه سوزان ,وأضطرت الأم للتدخل ثانية بما تبقى لها من صبر :
" يكفي يا ستيفن , لا أدري ما ستظنه كولبي بنا".
" فلنسألها , كولبي ما رأيك بنا؟".
ولمعت عينا كولبي بضحكة مكتومة :
" سأحتفظ بحكمي حتى أتعرف اليكم أكثر ".
وأستقرت ثلاثة أزواج من العيون عليها تتفحصها بأهتمام , سوزان كانت محقة , الآنسة كولبي كينغ ليست كما توقعوا , ثيابها البسيطة العملية تفضح بخطوطها المدروسة توقيع أشهر دور الأزياء , ألم يقل لهم أنها من الفرع الفقير من عائلة كينغ , وأن لا مال لديها يذكر؟
بشرتها المشرقة الفاتحة كانت مفاجأة لهم , فمعظم أفراد عائلة كينغ بشرتهم داكنة , دارت مثلا يبدو ببشرته النحاسية كالهنود الأصليين برغم عينيه الغريبتين الفاتحتين .
شعرها القصير الناري الخصلات يتوج وجها رقيقا , فيه خدان عالا الفكين , أما عيناها فواسعتان خضراوان تتألقان تحت حاجبين داكنين لهما حد السيف وميزات خاصة بهما ,وفي عينيها أيضا أعتداد واضح بالنفس , وأصرار التحدي مع لمحة من الشقاوة , بشرتها الصافية لا تشوبها نقاط النمش التي ترافق عادة ذوات الشعر الأحمر , نتيجة حساسيتهن لأشعة الشمس.
وأبتسمت كولبي للأنطباع المرتسم على وجوههم:
" ربما تطلعونني لاحقا على رأيكم".

وطبعا كان ستيفن أول من تبرع بالأجابة:
"سنخبرك فورا يا عزيزتي , نجحت في الأمتحان".
ولم تدع بيللا أبنها يكما حديثه :
" هل سنبقى النهار كله واقفين نتحدث , تعالي يا كولبي , فلندخل المنزل".
وسبقتهم الى غرفة الجلوس , ووراءها كولبي , كم هي جميلة هذه الغرفة بمساحتها الواسعة التي يتوزع في أرجائها مزيج مدروس من الأثاث القديم والحديث , أشعة الشمس المحتضرة تسللت من النوافذ لتتكاسل على الخشب المتلهف لألتقاطها , ولتحيي الخطوط الصفراء الذهبية التي تزين الستائر وأقمشة المفروشات.
أشعلت بيللا الأضواء الكهربائية , فخرجت راشيل كينغ من الظلمة لتعود الى الحياة , رسمها يتصدر الغرفة ويسيطر عليها , صورة أمرأة جميلة في ثوب للسهرة بلون السماء , يتهدل شعرها الطويل الأسود حول وجهها الجذاب الذي تزيده بريقا عينان فيهما الكثير من السحر.
ولم تستطع كولبي أبعاد نظرها عن اللوحة , حتى تناهى اليها صوت بيللا:
" لا شيء يتغير أليس كذلك يا كولبي؟ آه نسيت أنك آتية من سفر طويل , لا بد أنك مرهقة".
" لا يبدو عليها ذلك يا أمي".
قال ستيفن مقاطعا والدته , فتجاهلته هذه الأخيرة لتتابع حديثها :
" سوزان سترشدك الى غرفتك , دارت أختارها لك , أعتقد أنها غرفتك القديمة , سيكون لديك متسع من الوقت للراحة ولأستبدال ملابسك قبل موعد العشاء , آمل أن يعود دارت باكرا".
" شكرا لك يا سيدة كينغ".
" أسمي بيللا , أو العمة بيللا أذا كنت تفضلين ذلك , , في أي حال أنت قريبة دارت , وبصراحة لا أعرف أين كنا نصبح لولا وجوده".
" سأدعوك أذا العمة بيللا".
ولحقت كولبي بسوزان الى الجناح الغربي , لم يتغير شيء , فعدا لمسة أو لمستين شخصيتين بقيت الأشياء كلها في مكانها , وقطبت كولبي حاجبيها وهي تتذكر لمحة القلق التي ظللت وجه بيللا عند ذكرها لأسم دارت , عرفت من محامي العائلة أن سيروس كينغ لم يغير الوصية التي كتبها مباشرة بعد ولادة دارت , وهذا يعني أن دارت ورث وحده كينغارا وكل الأراضي التابعة لها , أي زوجة والده وولداها يعتمدون الآن على طيبة دارت وأستعداده للأنفاق عليهم, أمر غريب فعلا , لكن سيروس كينغ كان معروفا بتصرفاته غير العادية توفي في وقت كان الجميع يظنون أنه سيعمر طويلا , وأغلقت كولبي ذهنها عن هذه الأفكار فهذه ليست مشكلتها.
فتحت سوزان باب غرفة كولبي وهي تبتسم هازئة:
" غرفة أبنة عم دارت لعزيزة".
ولم تنتبه كولبي لتعليقها الساخر , فالذكريات خطفتها على عتبة الباب لتعيدها سنوات عدة الى الوراء.
" لا تهتمي بي يا كولبي ,أعتقد أنك مغرمة به كسائر الفتيات , وأظن أنك تحبينه أيضا".
وأنتزعت كولبي نفسها من حصار الذكريات لتحاول التركيز على ما تقوله الفتاة.
" آسفة يا سوزان , لم أسمعك".
" قلت أنك أيضا مغرمة بدارت".
" لا أستطيع أن أقول بأنني مغرمة بأحد , لم أعرف معنى الحب بعد".
" طبعا لم تعرفيه , نسيت أنك من سلالة عائلة كينغ الصلبة".
" وهل هذا عيب".
" لا.... أحيانا , لا بد أنك كنت تقدسينه وأنت طفلة , دارت يقول أنك كنت تركضين في كل أرجاء المزرعة كغزال بري".
" هل قال ذلك فعلا؟ غزال بري؟".
" هل كنت كذلك؟".
" تقصدين برية الطباع ؟ نعم , ولست متأكدة من أنني أصبحت أليفة الآن".
" لا تتهربي من الجواب , أريد أن أحذرك منذ الآن بأن دارت وجد الفتاة المناسبة ونحن نوافقه أختياره".
" أتعنين أنك توافقين شخصيا على أختياره يا سوزان".
وأبتسمت كولبي وهي تتوجه الى طاولة الزينة بتماثيل رقيقة من الكريستال , تلمستها بنعومة , تحمل في شفافيتها شخصية العمة راشيل , ألوان الغرفة وحدها تغيرت من الوردي والأبيض الى االعاج المحلى بالذهب , الستائر ومفارش السرير تألقت بلون أخضر فيه شيء من عمق عينيها , وعلى الجدران أصطفت مجموعة رائعة من الزهور الأسترالية البرية سجينة في أطارات ثقيلة من الذهب.
" غرفة مترفة أليس كذلك يا آنسة كولبي كينغ ؟ دارت حرص على ذلك , لا بد أنه تذكر أخيرا عينيك الخضراوين , ولكن هذا لن يجديك شيئا , ستعرفين ما أقصد حين ترين روشيل تينانت".
" أنا في شوق لمعرفتها , وأود أن أذكرك هنا يا سوزان بأن دارت يبقى أبن عمي , مهما كانت درجة جاذبيته لدى الأخريات".
ولم تعد كولبي تحتمل أستفزاز هذه المراهقة لها , لقد مرت بفترة عصيبة خلال الأشهر القليلة الماضية وهي في حاجة الى الراحة والأستقرار , لكنها عادت لتضعف أمام حيرة سوزان وقلقها.
" أود أن نصبح صديقتين يا سوزان , أنا لن أبقى هنا الوقت الكافي لأعرقل مشاريعك يا عزيزتي".
" أنا صديقة روشيل , تخبرني بكل ما يحدث معها".
أصرار سوزان على متابعة الحديث دفع بكولبي لأن تكون أكثر صراحة :
" آسفة سوزان , أنا تعبة , هل تعذريني حتى موعد العشاء".
" لا شيء يسرني أكثر... يا آنسة كينغ!".
وألقت الكلمات الأخيرة وكأنها توجه أهانة كبيرة لكولبي , التي أغلقت وراءها الباب ضاحكة.

ونسيت كولبي سوزان وهي تقف أمام النافذة العريضة تراقب تماوج الألوان بين البنفسجي والأحمر والوردي على الأفق الغربي , الذي رسم خطا فضيا بين التلال والسماء .
وهتفت كولبي عاليا:
" أليس المشهد رائعا ! الأشياء كلها هنا رائعة الجمال".
لم يعد دارت في موعد العشاء , فتناولوا طعامهم من دونه ,المائدة تألقت بنفرش أبيض أبرز لونه الشفاف بريق الأدوات الفضية وزخرفة الصحون الصينية الثمينة.
وأنتقلت بنظرها الى أفراد الأسرة , بيللا أنيقة جدا في ثوبها الحريري البنفسجي , اللون المفضل لديها , ستيفن كعادته كان يضج نشاطا وحيوية , أما التنازل الوحيد الذي قامت به سوزان فكان أستبدال سروالها الرث بآخر من الجلد.
ولم يكن العشاء ناجحا برغم أصناف الأطعمة الشهية التي برعت الطباخة في أنجازها , وأبتسمت كولبي لمدبرة شؤون المنزل وهي تنظف المائدة من الصحون المستعملة , سيدة صغيرة ممتلئة الجسم , في وجهها طيبة المزارعين ,وفي عينيها ذكاء فطري , ولاحظت بيللا أهتمام كولبي :
" آسفة يا كولبي , لم أعرفك بها , أنها السيدة نيل أيفانز زوجة كبير عمال المزرعة.... نيل هذه كولبي قريبة دارت".
" أهلا بك في كنغارا يا آنسة كولبي , آمل أن يكون العشاء أعجبك !".
" كثيرا يا سيدة أيفانز , أنت طاهية ماهرة".
" علي أن أكون كذلك , دارت يحرص على أحاطة نفسه بالترف والأشياء الجميلة".
وأختفت في المطبخ لتعود بعد دقائق بالجبن والحلوى والبرتقال , فتمتمت سوزان ساخرة:
"طبعا علينا أن نعمل جاهدين لأرضاء دارت , فيكون فخورا بنا".
تنهدت والدتها في ضيق بدون أن تقول شيئا , وكي تقطع كولبي الصمت الثقيل الذي جثم على الغرفة , غيّرت مجرى الحديث:
" أود مساعدتك قدر الأمكان يا عمتي بيللا , طيلة الفترة التي سأمضيها بينكم , هل في ذهنك عمل ما أستطيع القيام به".
"لا تقلقي سنجد لك عملا".
علق ستيفن بمرح فأسكتته والدته بتعب:
" يكفي يا ستيفن , أما أنت يا عزيزتي كولبي فشكرا على أقتراحك , عندي لك....".
وتوقفت عن الكلام فجأة كأن الفكرة خانتها, فسارعت كولبي الى القول:
" محاسبة , مراسلة........".
نهضت سوزان بغضب , وصرخت:
" أنا حائزة على شهادة في الطباعة على الآلة الكاتبة , لكن يبدو أني لست بالكفاءة االكافية , أو ربما لست بالمستوى الذي يرضي دارت , وأكتشف الآن أنني لم أعد أعجب أمي أيضا , حسنا , دعوا هذه الآنسة المذهلة تتسلم كل المهام , وسنرى كيف ستتصرف!".
" كفي يا سوزان".
قالها ستيفن بهدوء ,وبدون أن ينظر اليها.
فأبتعدت سوزان مسرعة قبل أن يفضح أحدهم الدموع السجينة في عينيها.
وأضطربت كولبي لنفور سوزان الواضح منها , فألتفتت الى بيللا مستنجد ة , لتجدها في تقشير تفاحة وكأن الحديث لا يعنيها , وعندما شعرت بيللا بحيرة كولبي وحزنها , حاولت تبديد الغيوم بتغيير الموضوع.
" أنت لا تشبهين كثيرا أفراد عائلة كينغ , يا كولبي , لا بد أن فيك الكثير من ملامح والدتك".
" أعتقد أن لي لون البشرة ذاتها , كنت في الرابعة من عمري عند وفاتها , ولذا لم تسنح لي الفرصة لمعرفتها فعلا".
" الأمر محزن حقا!".
ولاحظت بيللا الشحوب الذي ظلل وجه كولبي :
" أنت مرهقة يا عزيزتي , يجدر بك الذهاب الى الفراش باكرا".
وأحست كولبي بالأرهاق يصل الى أطراف أصابعها , كانت تعرف أن السبب ليس رحلتها الطويلة الى كنغارا , بل توترها العاطفي , كانت تخشى هذا اللقاء الأول مع عائلة دارت , ولذا حشدت كل طاقتها الذهنية لتواجه مخاوف طفولتها , الآن لم يعد هناك شيء تتوقعه , عدا رؤية أبن عمها دارت ,وأستفاقت من أحلامها على صوت ستيفن.
" هل تستطيعين ركوب الخيل يا كولبي؟".
" طبعا , أستاذي كان ماهرا حقا , أمضى دارت ساعات طويلة في تحسين أسلوبي".
" لدارت أسلوب خاص ومميز في التعامل مع االخيول , رأيته مرة ..".
وقاطعه صوت آنية تتكسر في المطبخ , تبعه صوت السيدة أيفانز معنفا الفاعل , وغرقت كولبي في الضحك.
" آسفة يا عمتي بيللا , لم أتمالك نفسي , ما زالت حية في ذاكرتي أصوات الأواني تتكسر على أيدي الخادمات الصغيرات اللواتي لا يعملن بجدية ".
ودخلت السيدة أيفانز الغرفة حاملة صينية القهوة:
" آسفة يا سيدة كينغ , يبدو أن الصحون تنساب من بين أصابع الخادمة الجديدة كرمال الصحارى".
" آمل أن يتغير الوضع قبل أن نفقد الأواني كلها , دعي القهوة هنا يا سيدة أيفانز , وعودي الى منزلك فلا بد أن زوجك ينتظرك".
" ألا تعرفين موعد عودة السيد دارت الى المنزل:
" بصراحة لا".
" حسنا , سأذهب , تصبحون على خير".
" وأنتم من أهل الخير يا سيدة أيفانز".
وبعد أنتهائهم من تناول القهوة , عرضت كولبي تنظيف الطاولة من الأكواب والصحون , فأسرع ستيفن لمساعدتها , مما لفت أنتباه بيللا التي علقت ضاحكة:
" هذه سبقة في كنغارا ! أن يعرض ستيفن خدماته".
"لا بد أنه تأثير كولبي يا أمي".
بعد ساعات كانت كولبي لا تزال مستيقظة تحدق في الظلمة التي لم يكن يضيئها أي شعاع قمر , النجوم فقط كانت تتألق في السماء وكأنها أحجار من الماس تناثرت بفوضى مدروسة , الهواء أبى أن يخلد الى النوم وأصر على متابعة صفيره الهادىء قرب جانب المنزل , السكون خيّم برهبته على جميع الكائنات ولم يجرؤ على تحديه ألا طير ليلي أختفى في مكان ما يتنهد عاليا.
وبرغم تعبها الشديد لم تتمكن كولبي من النوم , جلست في فراشها تستنشق رائحة الياسمين تحاول عبثا أن تعرف سبب توترها , أسترجعت في ذهنها صورة أفراد عائلة دارت , وتوقفت طويلا عند سوزان حائرة في تفسير نفور الفتاة منها وقطع حبل أفكارها صوت سيارة تهدر في البعيد , ففي السكينة تفرض أصغر الأصوات ذاتها على الأعصاب الساهرة.

نهضت كولبي من فراشها وأشعلت الضوء الصغير قرب السرير , الساعة كانت تجاوزت الادية عشر والنصف , لا بد أنه دارت عائد من منزل تينانت , أبتسمت حالمة , هو أذا من كانت تنتظر ! بحثت عن الرداء الذي تضعه عادة فوق ثياب النوم , فوجدته ملقى على مقعد قريب , تأملته طويلا , كم هو جميل هذا الرداء! أبتاعه لها والدها من الشرق الأقصى ,حريره الأخضر يضفي تألقا مميزا على عينيها , أما الفراشات المتناثرة عليه بألوان صارخة , فتزيدها رقة وأنوثة , رداء تستطيع وضعه أينما كانت.
وأرتدت كولبي الثوب , وضمته جيدا عند الخصر , ثم وقفت أمام المرآة تسرح شعرها بأهتمام , ولم ترضها صورتها المنعكسة في الزجاج المصقول فأضافت لمسة من أحمر الشفاه الوردي على شفتيها , لتمسحها بعد ثوان , وأخيرا جلست تنتظر مجيء دارت , وهي تحاول جاهدة السيطرة على توترها وترقبها.
دارت! أتراه تغير ؟ هل أضفت عليه أحلام طفولتها تلك الصفات الرائعة التي تجمع بين القوة , والمرح أو الجدية وأطلت عليها أبتسامته المشرقة من وراء شريط الذكريات , فأحست للمرة الأولى في تلك الأمسية المتعبة , براحة عميقة غسلت تشنجأعصابها , وأسترخت بهدوء على المقعد الوثير.
وبعد دقائق , سمعت كولبي صوت سيارة توقف في الممر المؤدي الى المنزل , تلاها صمت قصير , ثم وقع قدمين على الحصى , وترددت كولبي لدقائق معدودة , قبل أن تفتح باب غرفتها لتنزل الى الطابق الأسفل , خفاها الرقيقان لم يكن لهما أي صدى على الأرض الخشبية.
في الرواق كان الضوء خافتا , وكذلك في غرفة الجلوس , أما المطبخ فكان يشتعل نورا , تسللت اليه كولبي على أطراف أصابعها , ووقفت ساكنة على العتبة , كان دارت منحنيا على مائدة الطعام , يتناول عشاء سريعا ومؤلفا من بيض , وحبتي طماطم ,وقطعة جبن , ورغيف خبز , ورغم أنه كان يدير ظهره لها , ألا أنه قال فجأة:
" لا تقفي هناك يا كولبي , تعالي لأراك".
وغصت كولبي أنفعالا , لكنها حاولت أن تخفي توترها بتعليق ساخر:
" هل لك عينان في مؤخرة رأسك يا سيد دارتلاند كينغ؟".
" فقط عندما يكون الأمر متعلقا بك يا عزيزتي , ألا تذكرين كم مرة أنتشلتك من النهر عندما كنت طفلة صغيرة؟".
وببطء أستدار دارت ليتفحصها بحنان , لم يتغير وجهه كما عهدته ما زال قويا , معبرا فيه شيء من القسوة ينساها المرء حين يغرق في عينيه الدافئتين , تنبع منه ثقة واضحة بالنفس ,وأنطباع بالسيطرة يصل الى حد التعالي , لكنه الرجل الذي أستطاع أن يحقق شيئا مهما في حياته , دارت لم يتغير , أما كولبي فلم تعد طفلة.
" أهلا بأبنة عمي الصغيرة , أخيرا عادت الشاه الضائعة الى المنزل".
ومرت الثواني بطيئة وهو يحدق في وجهها الجميل , وتلاعب شبح أبتسامة رقيقة على زاوية فمه قبل أن يقول مداعبا:
" هذه هي أبنة عمي المشاغبة , ما زالت كما كانت عدا بعض التغيرات البسيطة هنا وهناك , لكن أخبريني أين ذهبت بالنمش؟".
وأقتربت منه كولبي بخطى مترددة:
" نمش؟ وجهي لم يكن أبدا مغطى لالنمش , ألا تتذكر يا دارت؟".
وحاولت كولبي السيطرة على نبراتها حتى لا تفضح أضطرابها الداخلي :
" نعم أتذكر يا عزيزتي , كنت طفلة برية لكننا سنسجنك في قفص هذه المرة".
خانها الجواب فأبتعدت عنه لتشغل نفسها بأعداد طعام العشاء , راقبها دارت وهي تكسر البيض في الوعاء الكبير وكأنها تقوم بعمل مهم يحتاج الى كثير من الأنتباه , وأخيرا رفعت عينيها اليه وقالت بحزم:
" ما زلت برية يا دارت , لم ولن أتغير".
" معك لا يستطيع المرء أن يتوقع ما سيحدث لاحقا , أعرف أنك لا تقصدين المشاغبة , فهذه طبيعتك النارية , يبدو أن لون شعرك الأحمر له علاقة بتصرفاتك , الناريات الشعر معروفات بأنهن ناريات الطباع أيضا , لكنني مسؤول عنك الآن ,وأعرف أنك ستنفذين كل ما يطلبه ابن عمك دارت منك".
ولمعت عيناها ببريق الشقاوة الطفولية:
" أرى أنك ما زلت محتفظا بتعاليك القديم يا أبن عمي العزيز , نسيت كم أنت عنيد".
" وأنت أيضا كنت دائما تتصرفين على مزاجك حتى وأنت طفلة".
ووجدت كولبي نفسها تخفق البيض بعنف غير ضروري.
" لكنني لم أعد طفلة يا دارت ".
" لاحظت ذلك , أصبحت فتاة كبيرة أذا , في أي حال الكبيرات يتسببن بمشاكل أكبر من الصغيرات , هذا هو رأي جميع الرجال المساكين".
وضحك عندما لاحظ أضطرابها , تناول سيكارة , ووقف بتكاسل ليجيء بعود الثقاب.
" صحيح أنني أعيش هنا في عالم الرجال , لكنني أفكر بالنساء أحيانا , وخاصة ذوات البشرة الفاتحة".
أشعل سيكارته وعاد الى المائدة ليتابع قائلا:
" في أي حال روشيل هنا دائما".
وللمرة الأولى تشعر كولبي بنوع من التوتر بينهما , جديد عليها هذا الشعور , فيه شيء من عالم الكبار , ولا علاقة له بأحلام الطفولة , وعندما لاحظت كولبي النظرة لساخرة في عينيه أسرعت تقول:
" آه روشيل... نعم روشيل طبعا , هل أرى قصة حب عاصفة في الأفق".
أنفرجت شفتا دارت عن أسنان ناصعة البياض , لكنه لم يتفوه بحرف واحد.
" فاجأتني يا دارت".
" لماذا يا عزيزتي؟ الرجال يشعرون بالضجر أحيانا , أم أنك لا تظنين بأنني صالح لقصص الحب".
عضت كولبي شفتها وأشاحت بوجهها عنه:
" ما لك يا كولبي؟ لما الخجل؟".
" لم أخجل أدهشتني الفكرة فقط".
وضحكت لتخفي أنزعاجها حين لاحظت أنها ترتجف قليلا , وشغلت نفسها مرة أخرى بوضع مزيج البيض والأعشاب في المقلاة المشبعة بالسمن الساخن.
" ما أطيب هذه الرائحة يا كولبي, أنا جائع, لم أتناول أي طعام منذ الغداء".
" لن يكفيك البيض أذا , سآتيك بشريحة لحم".

وأسرعت الى الثلاجة تتفقد محتوياتها , وأخرجت قطعة كبيرة من اللحم , أخذت تقطعها شرائح صغيرة ,وساد الصمت دقائق قليلة حتى أنتهت كولبي من أعداد الطعام وترتيبه على المائدة :
" دارت".
" نعم يا عزيزتي , هيا أفرغي ما في قلبك".
" لا تسخر مني , أحاول أن أقول لك شيئا , ساعدني".
" لا أريد مساعدتك!".
" أنا أتكلم بجدية الآن , أريدك أن تعرف يا دارت أنني قادرة على الأعتناء بنفسي , لم يكن هناك ضرورة لأرسالي الى هنا وتحميلك مسؤوليتي , أنا أحب كنغارا , أنت تعرف ذلك , لكننني لا أريد مضايقة أحد , لا عائلتك , ولا......".
وأمسك دارت بمعصمها وأخذ يشد عليه بقوة:
" قلت لك يا صغيرتي بأنك جئت الى هنا للبقاء , أنت سجينتنا الآن ".
" أرجوك يا دارت أنت توجعني".
" آسف".
ترك معصمها ولكنه لم يبعد نظراته المتحدية عنها .
" في هذه الحال أحذرك يا دارت بأنني قد أسبب لك بعض المشاكل".
" أنا أتوقع ذلك يا عزيزتي ,لكنني أعتقد أن لدي القوة الكافية لأسيطر على فتاة صغيرة".
" يا ألهي , تجعل الأمر يبدو وكأنه جولة ملاكمة يا دارت العزيز".
" ربما يدفعك ذلك الى التصرف بنعومة ورقة".
" أشك بأن يحدث هذا , لكنني أعرف الآن على الأقل ما على توقعه".
" أذا كنت تريدين الدخول في تحد , قد يفيدك أن تعرفي أنني أستطيع تحطيمك بيد واحدة ".
" يا لك من رجل جبار!".
وضحكا , فبينهما عادت تلك المداعبات الطفولية , وأحتضن دارت كولبي بحنان قائلا:
" لا أريد أسترجاع الذكريات الأليمة , لكنني سعيد جدا لأن والدك فكر بي قبل وفاته , وتركك في عهدتي , كنغارا حزنت جدا لغيابك عنها , وأشتقنا نحن لضحكاتك ووجودك".
وأبتسمت له كولبي برقة:
" عليك أن تبتسمي غالبا يا صغيرتي ,الرجال يفعلون أي شيء لرؤية أبتسامة كهذه".
" بالنسبة الى رجل يعيش في عالم للرجال فقط أنت فعلا خبير في أطراء النساء".
ونهضت كولبي من مقعدها لتنظف المائدة من الصحون المستعملة وفناجين القهوة بعدما أنتهيا من تناول العشاء , ترنحت فجأة وكادت تقع لولا أن أمسك بها دارت في اللحظة الأخيرة ".
" أنت مرهقة يا صغيرتي , عودي الى فراشك , ستنامين كطفلة هذه الليلة".
" تصبح على خير يا دارت , وشكرا لأنك أحتضنتني في كنغارا ".
" أنت بحاجة لمن يرعاك في هذه الفترة , هيا أذهبي الى فراشك , تصبحين على خير ".
وقبل أن تغلق كولبي باب غرفة الطعام وراءها سمعت دارت يتمتم:
" أهلا بعودتك يا كولبي العزيزة".
وكافأته بأبتسامة رائعة , لم ير دارت بمثل رقتها من قبل".
" شكرا دارت".
وقبل أن تستسلم كولبي للنوم , أحست للمرة الأولى منذ أنتزعها والدها من أحضان كنغارا , بالراحة والأستقرار والأمان , فأستغرقت في نوم عميق بدون أحلام.

3- أبنة الشمس
كان الصباح جميلا ومنعشا , والسراب يبدو بعيدا في الأفق , أفاقت كولبي عند أول بصيص ضوء ,مدت يدها وأدارت الساعة نحوها ,كان الوقت قرب الخامسة صباحا , أزاحت الستارة الرقيقة المحيطة بسريرها ونهضت وهي تشعر بحيوية فائقة كان من المستحيل معها البقاء في الفراش.
وضعت رداءها الحريري الأخضر , وتوجهت الى النافذة لتبعد عنها الشبكة الواقية من ابعوض , وتمد بصرها الى المساحات الشاسة في الخارج , كان العالم يستحم بضوء ذهبي ناعم , ترطبه نسمات منعشة , كم هو رائع هذا الهواء النقي , تنشقته بعمق مالئة رئتيها بأريجه القوي.
وأطل الصباح بكل أشراقته , وطعمت الشمس الزهور بالذهب , ملقية ظلالا وردية على تلال الرمل المتثائبة .
صقور النهر أخذت تحلق فوق الوادي فاردة أجنحتها لتلمع معدنا فضيا في ضوء الصباح الباكر ,والى الشرق كانت زرقة سلسلة الجبال تمتد طوال الأفق غارقة في السراب , حتى بدت كلوحة رسمتها مخيلة فنان , فأضفت عليها جمالا أبعد من الحقيقة.
أما جو الصحراء فلم يكن يماثله أي جو آخر , الأشياء كلها تنتصب بوضوح خيالي , وقطعان الماشية تبدو على مرمى حجر بينما هي في الواقع على بعد عشرين ميلا.
وبينما كانت كولبي تتأمل روعة الطبيعة الممتدة أمامها أرتفعت الشمس أكر في الجهة الشرقية من السماء , ترافقها ريح رقيقة تصفر بعذوبة بين الأعشاب المعطرة , ناثرة حولها البراعم الذهبية.
لم تشأ كولبي أن تضيع لحظة واحدة من مهرجان الطبيعة التي أستيقظت فرحا بالضوء , فأرتدت سروالا من الجلد , وقميصا حريريا أصفر اللون ,وما هي ألا خمسس دقاق حتى كانت في طريقها الى النهر الذي شهد العديد من مغامرات طفولتها.
أسرعت كولبي الخطى وهي تشعر بنفسها خفيفة لدرجة أحست معها أنها فراشة سعيدة بحريتها , وأخذت تدندن أغنية من أغاني السكان الأصليين تعلمتها في طفولتها في ذلك الوقت من الصباح , كان الهواء لذيذا منعشا لكن لن يلبث أن ينفجر حيوية عند الظهيرة ,ويمارس خدعا بصرية على الأنسان المسكين الذي يخضع لأغرائه.
ولم يمض وقت طويل حتى قطعت كولبي المسافة الى النهر المتعرج بين تظاهرة الزهور الملونة وأشجار الصمغ المحلية , وفجأة سقط أمامها طير مالك الحزين , وكأنه يستنجد بهامن النسر الذي يطارده بوحشية , فصفقت بيديها عاليا , لتخيف الطائر الكاسر الذي أبتعد عن فريسته مسرعا.
كان العالم الأخضر حولها يضج بالحياة , فتوقفت لحظة لتتأمل الطيور وهي تحلق ضاحكة فوق المستنقع القريب , قبل أن تستحم في المياه الضحلة التي أنعكست عليها الشمس أنوارا متلألئة .
وكانت شفافية محببة من الضياء تتسرب من خلال ستار النباتات الأخضر , لتعانق الأرض المعطرة بالمسك , وأحتضنت الطبيعة كولبي ,وأنسابت الظلال الذهبية الى قلبها تدفئه من آخر قشعريرة تركتها سنوات الغربة في نفسها , وغنت الطيور فرحا بعودتها وصارت تثرثر بلا تعب أو كلل , بينما تابع النهر ترنيمه فوق الحصى التي شاركته غناءه سعيدة بيقظة الحياة.
وللمرة الأولى منذ وفاة والدها وضعت كولبي رأسها بين يديها وبكت , الدموع المنهمرة فوق وجنتيها تساقطت بهودء لتغسل بقايا الحزن القابعة في أعماقها , وأحتوتها الأرض النائية لتغلفها بسحرها البدائي وتمسح دموعها , وأحست كولبي أخيرا بالراحة والسلام , كانت الدموع ضرورية .
وفجأة , وبدون سبب معين ,شعرت بأن أحدا ما يراقبها , أنزلت يديها عن وجهها , ومسحت دموعها بسرعة , ومرت دقائق وهي لا تزال في مكانها , وأحساسها يقوى بوجود شخص آخر , وأصغت جيدا للأصوات حولها , منتظرة سماع نبرة غريبة , ولمحت النباتات على حافة النهر تتحرك , وتناهى اليها لحن قديم بعمر الأحلام , رفعت كولبي رأسها ببطء على جذع شجرة كبيرة قرب أحد تعرجات النهر , جلس صبي صغير يلعب على آلة موسيقية بدائية , أنه رمز رائع لا يتخطاه الزمن.
وتصاعدت الأغنية لحنا شجيا بدون كلمات , فرافقتها كولبي بصوت خفيض بدأ يعلو تدريجيا ليصدح بأغنية وطنية كانت غالبا ما ترددها وهي طفلة .
وعلى مهل أقترب الصغير منها , ووقف الى جانبها بدون أن يتوقف عن العزف , وألتفتت اليه , كان في السابعة من عمره تقريبا , خصلات شعره الأسود تلتف حلقات غزيرة على رأسه وتنحدر بفوضوية على جبينه , عيناه الداكنتان الواسعتان تذوبان رقةةةةةةة ككل أبناء جنسه ,وكان صدره العاري يلمع ببريق نحاسي , فوق سروال كاكي اللون , من النوع الذي يرتديه عمال المزرعة , وتوقفت الموسيقى فرحبت كولبي بالعازف الصغير:
" أهلا بك يا أستراليا الصغيرة".
ولم يفهم الطفل قصدها , فتابعت ضاحكة:
" هل أنت آت من المزرعة؟".
أجابتها عيناه المعبرتان حتى قبل أن يتفوه بكلمة واحدة :
" نعم يا آنسة , أنا الساعد الأيمن للسيد الكبير ".
" حقا؟".
سألت كولبي بأهتمام , فلم يبد عليه أي أنزعاج من نبرتها المداعبة:
" نعم , أسمي بوكا , وأنا ساعد السيد دارت الأيمن".
وأبتسمت كولبي لهذا الكائن الصغير , الذي تحمل طفولته النحاسية كل قدم القارة الأسترالية , ولمعت عيناها الخضراوان فرحا باللقاء:
" كم عمرك يا بوكا , سبعة ... ثمانية أعوام؟".
" أكثر من ذلك يا آنسة ".
وفتح ذراعين ليدل بحركة طفولية عن حقيقة عمره , وعندما أطمأن أخيرا الى كولبي جلس قربها على الصخرة فأبتعدت لتفسح له مجالا أكبر.
" االمكان رائع هنا , أليس كذلك يا بوكا؟".
هز رأسه أيجابا , وتسلل شعاع الشمس بينهما , وركض الى النهر ليحوله الى شريط متعرج من الذهب , فوقهما كانت الطيور تثرثر بصوت عال , وكأن لديها الكثير من الأخبار تود أن ترويها قبل حلول الظلام.
" بوكا , هل تعرف ما هو أسم تلك الأسماك؟".
ودلت على الأسماك الشفافة اللون التي كانت تسبح بين حصى النهر :
" هس ! لا تتكلمي!".
رفع يده محذرا:
" سأنادي أحداها لتصعد الى السطح".
وأنحنى على النهر , فتقلصت عضلاته , تحت بشرته الحريرية , وبطرف أصبعه الصغير صار يرسم دوائر تصغر حلقتها تدريجيا ,وفجأة صعدت سمكة الى السطح بحركة صغيرة سريعة ,وكأنها متلهفة لمعرفة ما يريده الصبي الصغير منها:
" هذا رائع يا بوكا , كيف فعلت ذلك؟".
ورفعت قبعتها لتنظر اليه مليا , وألتفت بوكا ليبتسم لها , فأتسعت عيناه فجأة وكأنه رأى شيئا مخيفا , ووقف في مكانه جامدا للحظات , قبل أن يفر هاربا .
المفاجأة سمرت كولبي في مكانها , فلم تنطق بكلمة واحدة لتوقف بوكا الذي كان يصرخ :
" أنها لعنة الشمس".
لم تعرف ما أخافه لهذه الدرجة , ولم تجد أي تفسير معقول لتصرفه فللمواطنين الأصليين الكثير من التقاليد الغريبة ,وهم يؤمنون بأن الطبيعة تلعن من يجرؤ على تحديها , وشعرت كولبي بالأعشاب ترتجف قرب قدميها ,فأخفضت بصرها لترى سلحفاة كبيرة تتنزه في أتجاه ضفة النهر وظهرها يلمع بألف لون ولون , وأحتوت الطبيعة كولبي مجددا في أحضانها , فنسيت بوكا وقصتها معه.

كانت الساعة تجاوزت السابعة عندما شرعت كولبي بالعودة الى المنزل , وعلى بعد أمتار من البيت الكبير رأت فارسا مقبلا نحوهال كان دارت.
حتى وهو منتصب على صهوة جواده , كانت تنبع مه قوة قيادية , يشعر بها العامل معه عن بعد ويطيعها.
وقفت كولبي في مكانها تتأمل الفارس والحيوان , الجواد يبدو رائعا , أسود اللون , حريري البريق , ذيله ورأسه يلمعان بلون الفضة , أما الرقبة فطويلة ومعتدة , والقوائم رقيقة وقوية , والكتفان صلبتان كل ما فيه ينم عن أصالة مميزة.
توقف دارت قربها , وبدون أن يتفوه بكلمة أنحنى برشاقة ليلتقطها بين ذراعيه ويضعمامه , وهمس لها ضائعا:
" عدت الى ألاعيبك القديمة , أليس كذلك يا أبنة العم؟".
" أتعني تسللي المبكر خارج المنزل؟".
" نعم , كنت أبحث عنك , لاحظت أنك تركت نافذتك مفتوحة ألا تستعملين الدرج أبدا ؟ سيكون لي حديث قصير معك يا عزيزتي , بعد الأفطار , علي أن أحد من بعض أساليب لهوك يا صغيرتي".
" لا يا عزيزي , ليس الآن , كنت بدأت أستمتع بوقتي".
ضحك ولم يعلق بشيء , أخذ يربت على ظهر الجواد ليشجعه على صعود التلة الصغيرة .
" كم هو جميل هذا الجواد يا دارت".
وأخذت تربت على رقبته البراقة:
" طبعا هو رائع , هذا جواد أصيل , ومن سلالة أصيلة".
" أعرف أنك كنت دائما تحب كل ما له شخصية مميزة ومستقلة يصعب السيطرة عليها ".
وصهل الجواد معتدا بنفسه , وكأنه يتابع الحديث الدائر بينهما , وضحك دارت مبعثرا بأنفاسه خصلة رقيقة من شعرها تطايرت قرب أنفه.
" ولذا أحب أبنة عمي الصغيرة كولبي".
ورفعت كولبي رأسها لتتأمل وجهه الأسمر الجذاب , قبعته العريضة كانت تضفي تلألأ داكنة على عينيه الواسعتين , وتبرز شبح أبتسامة أخذت تتلاعب على زاوية فمه المرسوم بدقة.
" أنت وسيم جدا يا دارت".
قالتها ببراءة يناقضها بريق الشقاوة في عينيها , وأتسعت أبتسامته :
علق قائلا:
" لا تظني بأنك تستطيعين التوصل الى مبتغاك عن طريق المدح".
" كنت أعرف أنني لا بد وأن أجد الطريقة المثلى للتعامل معك ".
وكادت تسمع الأبتسامة في صوته عندما علق قائلا:
" كنت أعتقد أن العكس هو الصحيح".
وشد اللجام بين يديه , فأسرع الجواد يشق طريقه بثقة بين تلال الرمل :
" لا بد أن روشيل تراك شديد الجاذبية ".
" نعم, لكن هذا الأمر لا يعني الفتيات الصغيرات".
" حسنا , لن أتكلم في هذا الموضوع بعد الآن".
وعادت لتغرق في جمال الصباح , وجسمها يتأرجح مع أختلاجات الجواد الذي كان يسابق الريح , وأنتهى الحلم بوصولهما الى البيت الكبير , ربط دارت الحصان في الأسطبل , وألتفت ليساعد كولبي على النزول.
" أما أنك أزددت وزنا , أو أنني أصبحت أكثر ضعفا".
وتألقت عينا كولبي تأثرا:
" حقا كانت نزهة ممتعة".
نظر اليها دارت بحنان:
" لم تتغيري يا أبنة عمي العزيزة , ما زلت كما الأمس".
" بأنفعالاتي ربما , لكنني لم أعد طفلة يا دارت , أصبحت شابة ناضجة ".
" لا يزال أمامك بعد طريق طويل للنضج".
وأنزعجت كولبي من الكلمات , لكنها تذكرت فجأة بوكا وتصرفه الغريب , كان دارت قد أنصرف ليتحدث الى أحد عمال المزرعة فأنتظرت بصبر عودته اليها ,وبعد دقائق عاد ليصطحبها الى المنزل.
" دارت ألتقيت اليوم قرب النهر أغرب طفل رأيته في حياتي , قال أنه ساعدك الأيمن".
" لا بد أنك تعنين بوكا , شخصية مميزة فعلا , أنه حفيد بن".
"خاف مني , لا تسلني لماذا , كنا نتحدث بهدوء , وفجأة فر هاربا كأنه رأى أمرا مرعبا".
" غريب , ماذا قلت له , هذه القصة تناقض طبيعة بوكا".
" لم أقل له شيئا ,كنا نتفرج على سمكة صغيرة , ألتفت ليبتسم لي , وفجأة صرخ بخوف , وفر يردد : (لعنة الشمس)".
تأملها دارت للحظات , قبل أن يرفع قبعتها عن رأسها ليراقب بريق الشمس على خصلاتها النارية.
" أعتقد أنني وجدت مفتاح اللغز".
أمسك بيدها , وقادها الى داخل المنزل , توقف برهة في الردهة وأكمل طريقه الى غرفة الجلوس , والى المرآة الكبيرة في الصدر , حيث ألقت الشمس بكل ثقلها على الأطار الذهبي.
" تعالي كولبي ,أنظري الى نفسك في المرآة".
وأقتربت كولبي من المرآة لتحدق في صورتها المنعكسة فيها :
"ما الأمر يا دارت , لا أرى شيئا يلفت النظر".
" بوكا رآه , وأنا لا ألومه , لون شعرك يلفت النظر في أي مكان , أما الصغير بوكا فأعتبره نوعا من السحر خاصا بالنساء".
مررت كولبي أصابعها في خصلاتها القصيرة:
"لم أكن لأعرف وحدي أبدا".
" كيف تفسرين أا مناداتي لك بعصفور الجنة".
" لأنني غريبة الأطوار أحيانا , وما من أحد يستطيع أن يتوقع ما سأفعله بعد دقيقة".
" هذا مزيج رائع يا صغيرتي".
ويبدو أن مزاج دارت كان يميل الى المزاح في تلك اللحظة , لكن كولبي لم تكن بالهدوء الكافي لتدخل في معركة معه.
" شكرا لأطرائك يا دارت هذا أذا كان ما قلته أطراء".
" فلنكف عن هذا العبث الآن , هيا أذهبي الآن لتناول الطعام , وأعد بأنني سأجد لك فرسا ممتازة لنزهاتك اليومية".
" على أن تكون مميزة الشخصية يا دارت , لا تنسى أنني فارسة ممتازة".
" وكيف أنسى يا صغيرتي , صرفت ساعات طويلة لتلقينك أصول الفروسية ".
" أعلم , لذا لا يمكنك الوثوق بأنني أستطيع السيطرة على الجوهرة السوداء".
وضاقت نظراته منذرة بالغضب:
" الجوهرة السوداء ! لا تقتربي منها يا كولبي , الفرس هذه نارية الطباع رأيتها في لحظات غضبها تلقي عن ظهرها بستة رجال , فتاة صغيرة مثلك لن تستطيع السيطرة عليها , أمنعك منعا باتا من الأقتراب منها ".
" ولكن يا دارت...".
" كفى يا كولبي , لا أريد سماع كلمة أخرى في هذا الموضوع , لا أريد حادثة أخرى في هذه المزرعة , أبتعدي عنها , هل سمعت؟".
" نعم , حسنا , دارت , أهدأ قليلا لاحاجة بك الى التهديد , رغباتك أوامر , الأمر في غاية البساطة , سأتقبل هزائمي على يديك بنظرة فلسفية".
" آه لو كان ما تقولين صحيحا".
ولم تجبه كولبي , بل تركته لتذهب الى غرفة الطعام , كان ستيفن وسوزان , قد شرعا في تناول طعام الفطور.

تسلمي على الرواية الحلوة بس ممكن تنزلين اكثر :60:
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة

الانتقال السريع


الساعة الآن 04:26 PM



Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2014, vBulletin Solutions, Inc.
SEO by vBSEO 3.6.0

Ramdan √ BY: ! Omani ! © 2012