آخر 10 مشاركات
ملكه للأبد (12) للكاتبة Rachel Lee الجزء الثانى من سلسلة التملك.. كاملة (الكاتـب : nagwa_ahmed5 - )           »          317 - امرأة تحت الرماد - كيم لورانس ( تصوير جديد ) (الكاتـب : marmoria5555 - )           »          الزواج الملكي (109) للكاتبة: فيونا هود_ستيوارت.... كاملة (الكاتـب : فراشه وردى - )           »          أزهار قلبكِ وردية (5)*مميزة و مكتملة* .. سلسلة قلوب تحكي (الكاتـب : كاردينيا الغوازي - )           »          أزهــرتُ بهطولك *مميزة* (الكاتـب : عمر الغياب - )           »          111- مطاردة بحرية- روايات ألحـــان (الكاتـب : Sarah*Swan - )           »          قرية أمنيزيا - (89) - للكاتبة::Al jood[حصرياً] *كاملة* (مميزة) (الكاتـب : تماضر عبدالله - )           »          ماسر”كل_منا“ (All of US) .. التى تزيل الآلام من الجسد. ♪ (الكاتـب : اسفة - )           »          رواية انتكاسة قلب *مميزة و مكتملة* (الكاتـب : هند صابر - )           »          جولة في قلبك (8) .. *مميزة و مكتملة* سلسلة قلوب منكسرة (الكاتـب : هند صابر - )


العودة   شبكة روايتي الثقافية > قسم الروايات > مـنـتـدى قـلــوب أحـــلام > قـلـوب رومـانـسـيـة زائــرة

Like Tree16Likes

إضافة رد
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 18-11-20, 03:14 PM   #11

نور الدنيا

? العضوٌ?ھہ » 341
?  التسِجيلٌ » Dec 2007
? مشَارَ?اتْي » 1,451
?  نُقآطِيْ » نور الدنيا has a reputation beyond reputeنور الدنيا has a reputation beyond reputeنور الدنيا has a reputation beyond reputeنور الدنيا has a reputation beyond reputeنور الدنيا has a reputation beyond reputeنور الدنيا has a reputation beyond reputeنور الدنيا has a reputation beyond reputeنور الدنيا has a reputation beyond reputeنور الدنيا has a reputation beyond reputeنور الدنيا has a reputation beyond reputeنور الدنيا has a reputation beyond repute
افتراضي


روعة تسلم أيدك بس وش معنى جملة مازن لهدير مفيش خطوبة و لا ارتباط بينا هل يعنى أنه بيتزوجها فورا أو أنه كنسل خطوبتهم نهائيا


قول يا رب likes this.

نور الدنيا متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 19-11-20, 07:39 PM   #12

Fatima Zahrae Azouz

مشرفة قصرالكتابة الخياليةوقلوب احلام وقاصةهالوين وكاتبةوقاصةفي منتدى قلوب أحلام وحارسة وكنز سراديب الحكايات وراوي القلوب

 
الصورة الرمزية Fatima Zahrae Azouz

? العضوٌ?ھہ » 409272
?  التسِجيلٌ » Sep 2017
? مشَارَ?اتْي » 2,564
? الًجنِس »
? دولتي » دولتي Morocco
?  نُقآطِيْ » Fatima Zahrae Azouz has a reputation beyond reputeFatima Zahrae Azouz has a reputation beyond reputeFatima Zahrae Azouz has a reputation beyond reputeFatima Zahrae Azouz has a reputation beyond reputeFatima Zahrae Azouz has a reputation beyond reputeFatima Zahrae Azouz has a reputation beyond reputeFatima Zahrae Azouz has a reputation beyond reputeFatima Zahrae Azouz has a reputation beyond reputeFatima Zahrae Azouz has a reputation beyond reputeFatima Zahrae Azouz has a reputation beyond reputeFatima Zahrae Azouz has a reputation beyond repute
?? ??? ~
My Mms ~
افتراضي

الفصل الثامن

الشموخ لا يهان عند الانكسار
بل يزداد قوة ليبدأ في سرد قصته
والنخل إن طاح تمره لا يطال النخل شيئًا
الصمت يلي الصدمة
في لحظة حزينة تبحر في عالم الهمس
لكن يتبعه صياح يملأ العالم ويكاد يؤدي للصمم
فالشمس إذا سقطت يومًا ستعود وتنجب ألف نهار


شهقات وهمهمات جانبية!
صدمة من البعض وتحديق بعد تصريحه!
نظرات غامضة من الأصدقاء لما يخطط له!
الفتيات ترمق هدير بنظرات تشفي وشماتة ، والرجال يحدقون فيما بينهم بتعجب لما يحدث!
أما هي ظلت تنظر بصدمة إلى ما صرح به!
لا يوجد خطبة ولا ارتباط!
ماذا يقصد بجملته؟
هو ليس من النوع الذي يرضخ بسهولة بعد كل ذلك!
ضيقت عينيها تغوص في نظراته تريد سبر أغوارها ، فوجدتها كمن تخبرها أن مازال هناك بقية وحتمًا لن تعجبها.
استمتاع ورضا انتابه وهو ينظر إلى تعابير وجهها التي تخلط بين الصدمة والدهشة ، عيناه تسير على كامل وجهها يشبع غروره من تضارب أفكارها وصراعها الذي وضعها فيهما.
يريد أن يقضي على الجزء الباقي من تماسكها حتى يلقي قنبلته القادمة دون أي مقاومة.
انتفضت من لمسته على كفها يجذبها برفق إلى طاولة أخرى لتنساق خلفه بتيه.
اتسعت عيناها بصدمة أكبر وتسارعت أنفاسها عندما رأت من يجلس عليها!
عادت خطوتين للخلف وكادت أن تلتفت تنوي الركض ، تريد إنقاذ نفسها بعدما علمت ما ينوي عليه ، فهزت رأسها بعنف ، وقبل أن تتحرك وجدته يضغط على كفها يكمل حديثه قائلًا :
-"مفيش خطوبة ، النهاردة كتب كتابي على هدير"
اتسعت الأعين وارتفعت الهمهمات أكثر ، بعد أن ارتفعت طموحات الفتيات في إلغاء الخطبة وعودة الفرصة لهن مرة أخرى بكلمته أسقط ذلك الطموح للأرض السابعة.
شدد على كفها بين قبضته يجذبها إلى جانبه أكثر لكنه لم ينظر إليها ، بل أكمل حديثه بشيء اعتيادي :
-"الخطوبة عشان نتعرف على بعض أكتر ، بس أظن مفيش حد ميعرفش مين هو مازن السيوفي !
وهدير صحفية مشهورة وأنا عارفها كويس ، فأنا شايف إن الخطوبة ملهاش لازمة ، خصوصًا إني مش ناوي أستغنى عنها"
ثم قربها منه ينظر لها بتحدي أن ترفض أو تعترض على ما قاله :
-"موافقة؟"
استحالت بنظرها بين الحاضرين تتأملهم بدهشة وعدم استيعاب لما يحدث!
والدها يقف بجانب الطاولة يومئ لها بالموافقة..
كيف يضعها في هذا الموقف؟!
أيستغلها للمرة الثانية أنها لن تستطيع أن ترفض وتصيبه بالخزي أمام هذا الجمع!
والدتها تبكي من صدمة ابنتها وقلة حيلتها.. فماذا تفعل؟!
زوجها لم يعطها أي فرصة لإبداء رأيها.. أخبرها فقط في بداية الحفل مشددًا عليها التزام الهدوء حتى لا تشعر هدير بوجود خطب ما فهي أعلم الناس بابنتها ، وما أغلق الأبواب لإنقاذ ابنتها أن مازن اصطحبها إلى المكان المخصص لهما فلم تستطع الانفراد بها!
أسماء ترسل لها نظرات اعتذار لما فعله أخاها!
منار التي كانت آثار الصدمة ظاهرة على وجهها بصدق ، فوجئت بما يحدث مثل هدير تمامًا!
لتنظر إلى أسماء بأعين متسعة هامسة :
-"أنتِ كنتِ تعرفي باللي أخوكِ ناوي عليه؟!"
اتسعت حدقتيها تهز رأسها بالنفي مرسلة نظرات بريئة صادقة رافقت بها كلماتها :
-"والله أبدًا أنا تفاجئت زيي زيكم ، هو مقالش لحد حاجة على اللي ناويه"
رمقتها منار بقلق وتطلعت لصديقتها بأسى ، تعلم ما يعيث في أعماقها الآن من غضب وثورة ، لترفع رأسها إلى نادر الذي يضع كفيه في جيبي بنطاله وملامح الجمود تكسو وجهه فلم تستطع معرفة ما يفكر به ، يرمق هذان الاثنان وما يحدث بصمت مطلق.
تقدمت أسماء نحو رامز الجالس بأريحية على حافة الطاولة ، ينظر لصديقه الذي ألقى قنبلته بدم بارد واستمتاع أكبر ، ينتظر الزجاجة أو ألة حادة التي ستلقيها هدير فوق رأسه انتقامًا منه.
التفت لصاحبة اليد التي وضعت على كتفه ليجدها أسماء التي ألقت سؤالها بوجهه :
-"طبعًا كنت عارف باللي هيعمله مش كده؟
وإياك تكذب يا رامز ، مازن استحالة يعمل كده إلا لو كان قالك على كل حاجة"
ذم شفتيه للجانب ونظر لأسفل قبل أن يرفع نظره إليها مرة أخرى ولم يتحدث ، ففطنت أنه بالفعل على علم مسبق بكل هذا ، لتتسع عيناها بدهشة هاتفة :
-"كنت عارف!
طب ليه مقولتيش؟!
حرام عليكم اللي بتعملوه في البنت ده ، ليه موقفتوش يا رامز؟
مكنش ليه لازمة كتب الكتاب ، ثم لو كان ناوي على كده ليه متفقش من الأول؟"
طال صمته وهو مازال يرمقها بغموض ، ليعلو معدل غضبها منه ، فألقت نظرة ساخطة عليه والتفتت تذهب لكن صوته أوقفها :
-"تفتكري سواء قولت أو لا كان فيه حاجة تقدر توقف اللي عاوز يعمله؟
وحتة ليه متفقش من الأول لأن أنا وأنتِ عارفين إن هدير كانت استحالة توافق"
نظرت له من فوق كتفها ولم تتخلَ عن سخطها منه ثم ذهبت حيث منار ونادر تقف معهما مرة أخرى غير عابئة به.
تطلعت هدير إلى ميرفت التي تقدمت منها وطلبت من ابنها أن تتحدث معها خمس دقائق ، فالمفاجأة صعبة عليها ولابد أن تهدأ حتى تستطيع الرد.
أخذتها إلى حجرة مكتب والدها وجلستا ، نظرت إليها وتابعت تغير تعابير وجهها من الصدمة إلى العصبية ثم إلى الغضب ، وجهها استحال لونه للون الاحمر ، تضغط على قبضتها حتى أبيضت مفاصلها ، فأيقنت أنها تحاول التحكم في غضبها.
ربتت على يدها بهدوء وقالت بنوع من الحزم :
-"اسمعي يا هدير ، أنا عارفة أن مازن حطك قدام الأمر الواقع ، بس هقولك حاجة..
مازن أتربى في وَسط إن الكلمة اللي يقولها تتنفذ ، وبيئة البنات فيها بترمي نفسها تحت رجليه من غير حساب ، ودي غلطتي أنا وأبوه الله يرحمه..
بس عاوزة أفهمك حاجة ، أنا مترددتش لحظة لما مازن قالي أنه عاوز يتجوزك مع العلم إني فاهمة تفكيره ، بس لأني عارفة إنك الوحيدة اللي تقدري تعوضيه"
نظرت لها بحاجبين معقودين بحيرة ، وقالت بصوت محشرج يكاد يُسمع :
-"أعوضه عن إيه مش فاهمة؟"
تنهدت ميرفت وقد عادت لها ذكريات مضت عليها سنوات طوال لكنه نفضتها عن عقلها وقالت بغموض :
-"كل حاجة هتعرفيها في وقتها ومش مني لا ، هو اللي هيحكيها بنفسه.. المهم تعملِ اللي هقولك عليه"
بعد مرور بعض الوقت ، خرجتا إلى الجميع وتقدمت باتجاه مازن بخطوات واثقة غير التائهة التي كانت منذ قليل ، وبأعين ثابتة غامضة أخذت منه الميكروفون متلفتة للجمع المنتظر قرارها قائلة:
-"عندك حق الخطوبة عشان نتعرف على بعض ، بس أنا كمان عرفاك كويس يا مازن ، وعشان كده أنا موافقة على كتب الكتاب"
رمقها بهدوء وشعور بالنصر يجابهه شعور بالترقب والتساؤل يتصارعان بداخله بعد ردة فعلها الهادئة ، لكنه أرجعها إلى شخصيتها الباردة في أغلب الأحيان التي تخفي خلفها إعصار في بداية دورانه.
تم عقد القران في صمت ، يمسك بيد سالم ونظراته مثبتة عليها ، إلى أن نطق :
"قبلت زواجها"
أعادها مرة أخرى ضاغطًا على حروفها ونطقها هامسة ، ومازالت نظراته متعلقة بمفتونته الحمراء ؛ وكأنه يؤكد لها أنها صارت زوجته شرعًا و قانونًا.
ليقف الكلام على حافة الصمت فينتهي
فللصمت هيبة في حضرة ما لا يستحق الكلام!
أخذها إلى ساحة الرقص ، وبجانبهم كان رامز قد جذب أسماء يراقصها بعد رفض منها أن تتحدث معه هذه الليلة.
تأمل صغيرته الحانقة من أعلى رأسها ، فحلمه ومعشوقته الصغيرة تظهر بشكل فاتن ، يريد أخذها بعيدًا عن العيون المحلقة بها.
وهي بين شعورين ، حزينة على الموقف الذي وضعت فيه هدير ، وشعور حانق يشوبه الخجل وهي بين ذراعه.
أما حان الوقت اعتراف العاشقين ليرتاح العقل ، ويطيب الفؤاد!
نظر لعينيها التي تحاول النظر لكل مكان إلا هو ، شفتيها المذمومة بسخط يعلم سببه ، فابتسم قائلًا :
-"تعرفِ إنك طالعة جميلة في الفستان ده؟"
اكتسى اللون الأحمر وجهها بخجل ، لكن مازالت ملامحها عابسة لتقول بجمود ولم تنظر إليه :
-"شكرًا ، عقبالك"
أجابها بخبث أكثر :
-"قريب إن شاء الله"
عقدت حاجبيها بتساؤل ورفعت عينيها إليه :
-"أنت قررت ترتبط ولا إيه؟"
قرر التلاعب بأعصابها ، فابتسم ابتسامة جانبية وهو يديرها حول نفسها قبل أن يجذبها برفق إليه مكملًا رقصتهم الهادئة :
-"حاجة زي كده ، بصراحة هي زي القمر ، ورقيقة قوي معاها بنسى صنف حواء كله ، وحاطتها دايمًا في قلبي قبل عيني"
غاص بنظراته في عينيها لترى فيهما الصدق والعشق لفتاته المجهولة ، ونبرته الهامسة تغلغلت بأعماقها :
-"عارفة يا أسماء بحبها قوي ، وبدعي ربنا يجمعني بيها"
مع كل كلمة يتحطم قلبها إلى أشلاء صغيرة
فحبيبها الذي خطف قلبها منذ أن رأته في المشفى وصار مقربًا منهم ، يحب أخرى!
الشاب الذي أقتحم حياتها منذ سنين وصار صديقهم المقرب والأقرب لها خاصة.
كانت تقضي معه أغلب أوقاتها ، تعلقت به و بغيرته التي كانت تستشعرها منه عندما تخبره عن مدح أحد زملائها لرسوماتها ، أو عن مجاملة قالها دكتورها في الجامعة .
تذكرت عندما كانت تتحدث مع إحدى صديقاتها في الشركة ، وكانت تضحك ضحكتها التي تأخذ العقل ، فوجدت من يجذب الهاتف منها ويغلقه ، لتلتفت وجدته مشتعل الغضب بعينيه هاتفًا :
-"ضحكتك دي في البيت مش هنا ، الموظفين كلهم بيبصوا عليكِ
فإيه رأيك نتلم وندخل جوه ، مش لازم نعمل رحلة في الشركة"
ليجذبها خلفه بنوع من الشدة إلى مكتب أخيها.
حبيبها الذي لم يدق قلبها إلا له ، يحب أخرى!
لا بل العشق الذي يظهر بعينيه يغنيه عن كل ما قيل.
حاولت أن تمنع دموعها من الهبوط ، حاولت منع نزف قلبها ، وابتسمت ابتسامة باهتة :
-"أكيد تبقى أسعد واحدة يا رامز لما تلاقي حد بيحبها الحب اللي في عيونك ده كله"
يا الله ألم تفهمي بعد أن هذا العشق لكِ أنتِ؟!
ألم تسمعي دقاتي لكِ تناديكِ؟!
أراد أن يريحها ويقول لها أنها حبيبته ، ولكن فضل الانتظار ليهمس وهو يضمها إليه :
-"ادعِ هي كمان تكون بتبادلني نفس الشعور أنا من غيرها ولا حاجة"
-"تريد مني الدعاء لك مع أخرى!
أرجوك كفى.. كْفّ عن وجع قلبي أكثر ، أدعوك ربي بالصبر"
فهمست قائلة بتيه و تومئ برأسها :
-"هدعيلك يا رامز.. هدعيلك"
أكملا رقصتهما وكل منهم شارد في قلبه ، هو سعيد أنه أعترف ولكنه حزين لحزنها ، يعلم أنها موجوعة ولكن كل شيء بأوانه أفضل.
وهي موجوعة على حبها الذي لم يظهر للنور.
* * * * *
جالسة تنظر لصديقتها بملامح حزينة على الصدمة التي تعرضت لها ووضعها أمام الأمر الواقع
وما أدهشها أكثر موافقتها بكل هذا الكم من الهدوء ، كيف ذلك؟!
تنهدت بيأس لتجد من يضع أمامها كأس من العصير ويجلس بجانبها ، فنظرت له وجدته نادر يقول بمرح كعادته يرفع كأسه يتجرع منه القليل :
-"عجباني حركة الجنان دي ، هدير مش هتيجي إلا كده
تتجاب من دماغها ويقولها هتجوزك يعني هتجوزك ، لسه هيقعد خطوبة وهدايا ودباديب والكلام الفاضي ده"
نظرت له منار بغضب ورغبة في سكب الكأس فوق رأسه ، تهتف به :
-"أنت بتقول إيه يا نادر؟
ده أجبرها وحطها قدام الأمر الواقع و..."
قاطعها واضعًا سبابته على شفتيه علامة على الصمت يتساءل :
-"و أنتِ شايفة أن شخصية هدير تسمح إن حد يحطها قدام الأمر الواقع؟!
اللي يخليها تنزل مقالات بالشكل ده ، وتقتحم مكتب مازن السيوفي بنفسه وتقول لا في وشه ، مش ترفض الاستغلال ده قدام الناس كلها!
اعقليها يا منار وركزي"
صمتت تفكر في حديثه ، نعم شخصية هدير ليست ضعيفة ليجبرها أحد على فعل شيء ، تكاد تجزم لولا وجودها بجانبها اليوم هي وأسماء كانت ستهرب ، وموافقتها بملأ إرادتها
فوجئت بسؤال نادر لها :
-"أنتِ محبتيش قبل كده يا منار؟"
رفعت حاجبيها بدهشة "ماذا يقول؟" ، ثم ابتسمت ببرود مكتفة ذراعيها على الطاولة أمامها تجيبه بسخرية :
-"حبيت!
حبيت فين يا نادر وإحنا في وش بعض أكتر من 15 ساعة في اليوم ، وبنروح على النوم!
ثم لو أنا حبيت هخبي عنك أو عن هدير؟
أنت مجنون!"
ضحك على جملتها واقترب منها بغمزة ماكرة ونظرات مشاكسة :
-"طب إيه رأيك نقضي التسع ساعات الباقيين مع بعض في البيت؟!"
اتسعت عيناها جراء حديثه وهتفت بصدمة :
-"نــعــم!"
-"اهدي يا مجنونة ، أصلي قررت أكسب فيكِ ثواب وأتجوزك وأهو أتلم بقى وأستقر"
رمشت عدة مرات تحاول استيعاب ما يهذي به ، ليمسك كفها فجأة هاتفًا بنبرة باكية :
-"تعبت من أكل بره يا منار"
قلبها يكاد يخرج من صدرها من شدة قرعه بين أضلعها
ماذا حدث للتو؟
أيطلب يدها للزواج؟
ولكن كيف فهو طوال الوقت لم تلحظ عليه أي شيء تجاهها غير أنه يراها أخته؟
ضحك نادر على تعابيرها ، بعيونها المتسعة وفمها المفتوح والدهشة عليه وقال :
-"منار ، بسم الله الرحمن الرحيم أنا معرفش أنك تنصدمي كده"
هزت رأسها عدة مرات واضعة كفيها على جانبي رأسها لتعود إلى رشدها مرة أخرى هامسة :
-"أنا مش فاهمة إيه اللي بيحصل "
ضحك بقوة لم يتوقع ردة الفعل هذه ، ليربت على كفها برفق واقترب منها برأسه هامسًا :
-"أنا روحت لباباكِ وخطبتك منه وهو وافق ، و طلبت إنه ميقولكيش حاجة ويخليني أنا أحكي لك..
عاوز أشوف أول تعبير يظهر عليكِ لما تعرفي!
عاوز تكون اللحظة دي خاصة بينا إحنا"
نظراته مليئة بالعشق الغريب عليها ، يراها أجمل نساء الكون في نظره.. خصلاتها القصيرة المموجة تخطفه
عيناها البنية المشربة بخيوط من ذهب تجذبه لتأملها دون ملل
فرك كفيها عندما تتوتر ، حركة أهدابها السريعة ونظراتها الحائرة في كل مكان عندما لا تجد ما تقول ، احمرار وجنتيها ورفع كفيها تدلكهما بين الحين والآخر تواري خجلها!
كل هذا يحفظه ويعشقه منها!
نظرت له غير مدركة كيف ذلك؟
كيف لم ترَ اهتمامه بها؟
كيف لم تلحظ حبه؟
لتتذكر عندما كان يحكي لها عن فتاة أحلامه وكانت مواصفاتها تتشكل بها هي.
تذكرت عندما كانت تقف مع زميل لهم تضحك على مرحه ، فوجدته يناديها وعلى وجهه الغضب لتدلف إلى مكتبهم المشترك ، وظل طوال اليوم لم يوجه لها حديث!
تذكرت عندما كان مديرها يعطيها عمل يتطلب خروجها إلى أماكن بعيدة كان يصر على الذهاب معها!
كيف لم تلحظ كل هذا؟
كيف ظنت كل ذلك يفعله جراء الأخوة والصداقة ، ليتضح أنه حب؟!
كانت تظن أنه يكن مشاعر لهدير ، لكنها كانت خاطئة ، فهو يحبها هي!!
بدأت الموسيقي فقال لها :
-"ترقصِ معايا؟"
نظرت نحو والدها ثم له مرة أخرى ففهمها ، لينهض نحوه تاركًا إياها تنظر في أثره عاقدة حاجبيها بتعجب فالتفتت نحو والدها وجدته بالفعل يتحدث معه ، ظلت تنظر لهم بقلب يكاد ينفجر من قوة ضرباته ، ثم وجدته يتقدم منها مبتسمًا ، ومن غير حديث أمسك يدها وذهب إلى ساحة الرقص وبدأ تمايلهما ، فقالت له :
-"نادر أنا مش فاهمة حاجة ، أنت أخدتني في دوامة كبيرة ، توهتني منك.. فهمني طيب"
ضحك بقوة وهو يقول :
-"إيه اللي مش مفهوم؟
قولت لك عايز اتجوزك ، وفاتحت والدك في الموضوع ، جهزي نفسك بقى هاجي أشرب عندكم عصير البرتقال بتاعي"
تنهدت بقلة حيلة من مزاحه تهمس :
-"تتجوزني أزاي يا نادر وأنت طول الوقت معتبرني أختك؟"
رفع حاجبًا ماكرًا ونظراته استحالت إلى الخبث يميل برأسه على أذنها هامسًا :
-"أتجوزك إزاي مش هعرف أفهمها لك دلوقتي ، بس خلينا نبدأ الدروس بعد كتب الكتاب.. وساعتها نشوف حتة أختي ومش أختي دي"
صمتت قليلًا تقلب حديثه في رأسها حتى فطنت للوقاحة خلف كلماته ، لتنظر له بأعين متسعة وشهقة خجولة صدرت منها ، كانت أن تستدير وتتركه لكنه تمسك بها أكثر يهمس مقربًا إياها منه وأسند جبينه على خاصتها :
-"لو مش فاهمة يبقى عامية..
مشوفتيش اهتمامي بيكِ؟
إني أشوفك بتضحكي.. وإني ابسطك!
غيرتي عليكِ لما حد من الجريدة يكلمك ، لدرجة إني مخلتش حد يقرب منك وأي حد يحتاجك يقولك اللي عايزه عن طريقي؟!
كنتِ تستغربي بس مجربتيش تسألي ، مشوفتيش حبي ليكِ يا غبية؟"
لم تعد تتحمل ، تشعر أن قدميها لم تعد لديها القدرة على حملها!
فتحت عينها لتفاجئ بكم المشاعر المطلة من عينيه
حب ، حنان ، خوف ، غيرة.
بحثت بداخلها عن مسمى لمشاعرها تجاهه حتى لا تظلمه ولا تجرحه ، هي معجبة به نعم ، فهو شخص مهم في حياتها ، من الممكن ألا يكون حبًا ولكن قربه منها سيحدد مشاعرها وحبها له.
فابتسمت وقالت بمرح تخفي خلفه خجلها :
-"خليك ماسكني أحسن مش حاسة برجلي يا بني ، ولو وقعت يبقى منظرنا مسخرة ، والبت كتب كتابها يبوظ وهي ما تصدق"
ضحك بصوت عالٍ يديرها حول نفسها ليلتصق ظهرها بصدره ، فهمس لها بوعد :
-"عمري ما هسيبك"
* * * * *
النساء كالغصن الرطب
تميل إلى كل جانب مع الريح
لكنها لا تنكسر في العاصفة
يدها اليمنى في كفه الايسر..
ذراعه الايمن يلتف حول خصرها مقربًا إياها منه حد الالتصاق
يتمايلان على الأنغام الهادئة ، وحديث العيون بينهم مشتعل
انتصار من جهته وغضب من جهتها!
عينيه ترسل لها نظرات امتلاك وعبث ، وعينيها ترسل نظرات تحدي ووعيد.
قطع الاتصال عندما أدراها جاعلًا ظهرها يلتصق بصدره وهمس لها :
-"مبروك يا حياتي"
لتجيبه بشراسة ناظرة له بجانب عينها :
-"هتيجي منين البركة"
أدارها مرة أخرى لتحيط عنقه بيدها اليمنى تنظر له
، فرفعها من خصرها ثم دار بها ينظر بعمق لعينيها ، أنزلها ودفعها على مسافة ذراعه ممسكاً بكفها ، فأدارت نفسها مرتين ليلتف ذراعه حول خصرها مرة أخرى وظهرها له وقال :
-"مش فارقة ، المهم أنك بقيتِ مراتي ، وحلالي"
أدارها تواجهه بنفس وضعهم الأول فابتسمت بسخرية :
-"خيالك عاجبني يا مازن ، بس افتكر دايمًا أنه خيال"
رفع ذراعها الأيمن تدور حول نفسها عدة مرات ثم جذبها إليه :
-"لا المبدأ ده خلاص انتهى ، دلوقتي أنتِ هدير مازن السيوفي"
جذبها منحنيًا بجسدها على ذراعه فلامس شعرها الأرض وتابع يدقق النظر بعسل عينيها :
-"مراتي"
ظلوا على هذا الوضع بضع ثوان
مشاعر متضاربة من الطرفين ، هو لم يستطع تحديد مشاعره تجاهها ، خائف أن يسمي شعوره حتى لا يضعف.
وهي تشعر بشيء غريب يتسلل إليها ، على قدر غضبها من نبرته التملكية إلى أن جزء منها سعيد ويعتبره إرضاء لأنوثتها.
لم ينتبها إلا على تصفيق الحاضرين الحار بسبب جمال الرقصة التي أظهرتهما كأنهم عاشقان ، ولكن ما خفي كان أعظم.
بعد انتهاء الرقصة ، وقف مازن بجانبها يستقبلان التهاني ممسكًا كفها كمن يخاف أن تهرب منه.
كان يتحدث مع أحد المهنئين الذي جاء لمباركته ، لينظر من خلف كتفه ، فوجد نادين تتقدم نحوه بردائها الأسود اللامع ذو الكتف الواحد ، قصير للغاية يكاد يظهر أكثر ما يخفي ، يعتبر كجلد ثانِ عليها ، تضع كثير من المساحيق.
تقدمت بابتسامة مكر تخفي كثير من الحقد والكره لهدير ، تهمس لنفسها وخطواتها تقترب منهما :
-"متفرحيش كتير يا هدير صدقيني مش هسيبك تتهني"
وصلت إليهما تمد يدها لهدير قائلة :
-"مبروك يا هدير ، قدرتِ تعملي اللي محدش قدر يعمله في سنين وتخلي مازن يتجوز"
بادلتها التهنئة بعيون متفحصة ، لكنها تلقت نظرة السخرية والنبرة المستهزئة لتقول :
-"الله يبارك فيكِ يا......
سوري مش فاكرة اسمك ، بس عقبالك"
ضحكت ضحكة باردة وقالت :
-"نادين ، نادين عاصم افتكريه كويس.. لأني أنا ومازن أكتر من أصحاب وأكيد هتشوفيني كتير"
ثم ألتفتت إلى مازن الذي يتابع الحوار بصمت مدروس وقبلته على وجنتيه بحركة مفاجئة قائلة :
-"ألف مبروك يا مازن ، متتخيلش فرحت لك قد إيه"
أبتعد بجسده عنها وأمسك كفها يضغط عليه برفق يحييها ، وذراعه الآخر ألتف حول خصر هدير ، ثم قال :
-"الله يبارك فيكِ يا نادين"
أومئت برأسها ونظرت مرة أخرى إلى غريمتها تسألها بدهشة مصطنعة ونظراتها يحول بها المكر :
-"بس غريبة إنك توافقي يا هدير ، يعني مازن بحكم إنه شخصية كبيرة ومعروفة بس حياته الشخصية غامضة ، ازاي وافقتِ بالسرعة دي؟
مش يمكن فيه أسرار متعرفيهاش؟!"
ناظرتها بدهشة وحاجبين معقودين بنوع من التفكير ، تنظر إلى مازن الذي تلبسه الجمود يرمق الفتاة بنظرات ثاقبة غير مفهومة بالنسبة لها.. لتتنهد راسمة ابتسامة صغيرة على ثغرها :
-"مفيش حد مش مخبي أسرار يا أنسة نادين ، الفرق إن فيه ناس بتعرف تتعامل معاها وناس لا..
ثم لو فيه أسرار فدي أكيد ماضي متخصنيش في شيء إلا لو كانت هتأثر على حياتي"
-"ولو فيه احتمال تأثر على حياتك؟!"
-"ساعتها أنا هعرف أتعامل معاها كويس عشان التأثير ده يبقى إيجابي"
ضغطت على أسنانها بغيظ ، ليست بالهينة وليس من السهل إدخال الشك لها.
لكن مازن علم أنها لن تمرر هذا الحدث مرور الكرام ، فنظر إلى هدير بابتسامة صغيرة ممسدًا على ظهرها قبل أن يمسك بيد الأخرى وخرج باتجاه البوابة تحت أنظارها المندهشة مما يحدث منذ أن رأتها موجودة بالحفل.
سارا معًا بخطوات سريعة حاول ألا يجعلها مثيرة للانتباه ، ثم أوقفها أمامه في مكان بعيد عن الأنظار نوعًا ما ينظر لاشتعالها الذي بدأ في الظهور قبل أن يقول ببرود :
-"إيه جابك هنا يا نادين؟"
أسقطت قناع البرود الذي كانت ترتديه وصرخت به قائلة :
-"بقى أنا يا مازن تسيبني وتروح تتجوز واحدة زي دي؟
أنا بقالي سنتين بحاول أرضيك بكل حاجة ، وافقت أكون مراتك بالسر بس عشان بحبك ، بعد كل ده يكون جزائي كده؟"
أمسكها من ذراعها بشدة جعلها تتألم لترى نظرة لم تتمنى رؤيتها في أسوء أحلامها ، ثم جذبها إليه حتى لفحت أنفاسه صفحة وجهها هامسًا بحدة :
-"فوقي يا نادين واعرفِ بتكلمي مين!
مش أنتِ اللي تقولي لي أعمل إيه ، فاهمة!"
لم تجذب ذراعها منه بل اقتربت واضعة كفها فوق وجنته والأخرى ممسكة بسترته بوله :
-"مازن ، حبيبي.. بلاش كل اللي بيحصل ده ، أنا مقدرش أستغنى عنك"
أمسك كفها يزيحه من فوق وجهه ، ثم رمقها بنظرة غامضة ولم يعلق على حديثها ، ليتركها واقفة تغلي من الغضب..
فبعد أن اقتربت أن تمتلكه يضيع كل شيء من يدها بهذا الشكل!
لن تكون نادين إذا لم تفسد هذا الزواج!
رمقت الحفل بغضب قبل أن تخرج متوعدة لهم.
دلف إلى الحفل مرة أخرى وحال بنظره باحثًا عنها حتى وجدها تقف مع أصدقائها برفقة أسماء ورامز ، تضحك بمرح حتى أحمرت وجنتيها ، ترفع يدها تمسح دمعاتها التي هبطت بذلك المنديل.. للمرة الأولى يراها تضحك هكذا ، لم تكن الجادة الغاضبة التي يراها كلما تقابلا.
وقف لحظة واضعًا يديه في جيبي بنطاله يتأملها تضحك وتحتضن منار بقوة ، ابتسم بعفوية عندما رأى سعادتها ولكن سرعان ما تلاشت وهو يراها تضحك مع نادر ويلمس يدها بيده ، احتقن وجهه من الغضب لاعتقاده أنها ملكه الآن ولا يحق لأحد أن يمس ممتلكاته غيره..
فوجئت بمن يحيط خصرها ويقربها منه كمن يقول أنتِ ملكي ، نظرت فوجدته مازن ينظر لها ويقول :
-"يا ترى بتضحكوا على إيه؟"
هتفت أسماء بمرح ، تحيط كتفي منار بسعادة :
-"أصل نادر خطب منار ، وهدير عمالة تغيظ فيهم ، يا خبر هنموت من الضحك"
نظر رامز لمازن بتلاعب ، فقد لاحظ دخول نادين ووقوفها معهما ، كاد أن يتدخل لكنه تراجع عندما رآه يجذبها للخارج فترك له زمام الأمور.
أراد إثارة غيرته فألتفت إلى هدير الواقفة تحاول إزاحة يده من عليها دون إثارة الانتباه ، ألتقت عيناها بعينيه فغمز لها أن تسايره في قوله فقال لصديقه :
-"بما إنك مشغول يا مازن بضيوفك ، تسمح لي آخد هدير في رقصة"
ابتسمت بمكر تهتف بعد أن نجحت في التحرر من ضمه لها :
-"أكيد هكون مبسوطة جدًا لو رقصت معاك ، يلا"
كاد أن يأخذها ويتوجه إلى ساحة الرقص ، لكنها شعرت بنفسها تعود للخلف عندما جذبها مازن من ذراعها وراء ظهره ثم أمسك الآخر من ذراعه وقال بابتسامة شر :
- تعالى معايا وأنا هبسطك يا ظريف"
أخده يكاد يخنقه من الغيظ ، ليضحك الآخر بقوة على هيئته ، يهتف بعبوس مصطنع :
-"ليه كده يا مازن ضيعت الفرصة ، فيها إيه لما أرقص مع هدير رقصة بريئة"
ليضيق عينيه وأقترب من وجهه :
-"ولا أنت بتغير؟"
ضغط على أسنانه بغيظ ولسانه يسب ذلك المستفز الذي لا ينجح غيره باستخراج أسوء ما به ، فكور قبضته بشدة وهمس في أذنه بعد أن سبه بوضوح :
-"أنا صابر عليك بس عشان الناس اللي موجودة ، متخلنيش أنسى أن في حد وتبات في المستشفى النهاردة فاهم؟"
ليغمض عينيه يومئ برأسه عدة مرات يقول بفم مذموم :
-"شكرًا يا مؤدب ، شكرًا يا محترم ، شكرًا يا بن الناس الكويسة"
رمقه الآخر بصمت واشمئزاز ورغبة دك عنقه تزداد بداخله لكنه أثرها في نفسه وتركه يعود إلى الجمع.
ليتأمل رامز ذهابه مبتسمًا بمكر يهمس لنفسه بتشفي :
-"يلا خليك تتربى"
وفي الجانب الآخر ألتفتت هدير لأسماء قائلة :
-"قولي لي يا أسماء ، هي مين أبلة سردين دي؟!"
رفعت أسماء حاجبيها بدهشة ، و ما لبست أن ارتفع صوتها بالضحك هاتفة من بين ضحكاتها :
-"سردين!!
يخرب عقلك إيه الوصف ده!"
لوت فمها باشمئزاز وجسدها يهتز بقشعريرة عندما تذكرت مظهرها وقالت :
-"والله شبهه متفرقش عنه كتير ، المهم جاوبيني"
-"مفيش يا ستي أنا هقولك ، كان بين والدها وبابا شغل ، هي على طول دلوعة و شايفة نفسها وعاوزة دايمًا يكون الكل مهتم بيها ، بس من زمان وهي عينها على مازن"
هزت رأسها بتفكير ثم تساءلت :
-"وموقف مازن إيه؟"
-"مازن عارف كل ألاعيبها دي ، بالنسبة ليه واحدة زيها زي غيرها"
فتاة كغيرها وتتعامل معه بتلك الأريحية تصل إلى تقبيله أمام الجميع!
فتاة كغيرها يجذبها للخارج فجأة ويعود من غيرها ، يبدو أنها غادرت الحفل بعد حديثهما!
تنهدت بعنق وكل تلك الأفكار تدور في عقلها ، تشعر بوجود شيء خفي يجمعهم.
بينما هي شاردة وجدت النادل يتقدم منها حاملًا باقة الورود المفضلة لديها يقول :
-"آنسة هدير بوكيه الورد ده جه لحضرتك"
أخذت باقة الزهور ناظرة لها بحيرة ، فتحت الكارت تقرأ ما فيه :
"تقول الوردة وتعبّر لك عن مدى شوقي وحنيني..
أنتِ أجمل من الأزهار
وعيناكِ أنقى من ماء البحار
ولد حبنا مع نمو الأزهار
و كبر بعدد حبات الأمطار"
رفعت نظرها تلقائيًا إلى مازن وجدته ينظر لها ويغمز ثم عاد لحديثه مع الرجل ، ظنت أنه من قام بإحضارها ، كادت أن تقترب منه فوجدت النادل مرة أخرى يقدم لها كارت آخر على صينية من الفضة ، فتحته تقرأ :
"سأجمع اليوم الورد لكن لمن أهديه؟
عينكِ ، أم خديك؟
لا تخجل فالورد أنت
وحدائق الورد في خديك
والشمس تشرق عندي من محياك
فكف الخجل إن كتبت اليوم قصيدة في وصف عينيك أو جداول الليل في خصلاتك"
عقدت حاجبيها بدهشة وحيرة من هذه الكلمات ، فمازن مهما كان لن يلجأ لهذه الأساليب فهو من النوع الصريح الذي لا يخجل.
ألتفتت حولها علها تجد صاحبها لكن لم تجد أحد فالكل منهمك بالحديث سواء بالعمل أو أحاديث السيدات عن الموضة والتسوق.
وجدت آخر وصلها فزفرت بحنق
"ألم نكتفِ بعد؟!"
فتحته بغضب :
"هل أهديك شعرًا أم أهديك باقات من الورد
ولو أنّ الورد سيغار من جمالك ويخجل أن ينظر إليك
إذا أردتِ معرفتي ستجديني عند منشأ الزهور"
فكرت ماذا يعني بمنشأ الزهور؟!
تذكرت مكانها المفضل عند أحواض أزهارها ، فوضعت باقة الورد بين يدي النادل وتقدمت تخطو إلى حيث هو.
ابتعدت عن الحضور وجدته يقف موليًا ظهره لها ، فتقدمت ببطيء تقول بحذر :
-"أنت مين؟"
التفت لها مبتسمًا فشهقت بفزع تعود خطوتين إلى الخلف تضع كفيها علي فمها وقالت :
-"كـريـم!"
وضع يديه في جيب بنطاله يتأملها من خصلاتها حتى نهاية ثوبها ، يبتسم بغموض وهو يقول :
-"مكنش لازم أفوت مناسبة زي دي من غير ما أبارك ليكِ ، وأبعت لك وردك المفضل ، شوفتِ لسه فاكر كل تفاصيلك"
هتفت به بشراسة وغضب من جراءته التي تكاد تتحول إلى وقاحة :
-"عايز ايه يا كريم ؟
جاي ليه؟"
تقدم منها بخطى ثابتة إلى أن أصبح على بعد خطوة واحدة منها ليهمس بأذنها بنبرة تملكية أنفاسه تلفح عنقها فتشعر بالبرودة والجمود تلفح جسدها ليس تأثرًا بل اشمئزازًا :
-"عايزك ، هدير أنتِ بتاعتي من زمان.. مش عشان غلطة بسيطة تنهي كل اللي بينا ، أنا غلطت وأنتِ غلطتِ لما مسمعتنيش"
دفعته بقوة للخلف وقد تمكن الغضب منها ، أنفاسها تعالت ووجها احتقن بالدماء ، نظراتها قست و صرخت بوجهه قائلة :
- "غلطة!
اللي عملته غلطة ونرجع!
أنت خلاص أتجننت يا كريم"
تركته وكادت أن تعود للداخل ، فأمسك ذراعيها يديرها إليه فاصطدمت بصدره بقوة لتشهق بفزع يصرخ بها يهز كتفيها :
-"أتجننت!
وبتسألي عايز ايه؟
مش السبب اللي سبتيني عشانه هو الخيانة!"
رفع كفها الأيمن الحامل لخاتم خطبتها من مازن في بنصرها يضغط عليه بقوة حتى كادت تتأوه من الألم هاتفًا :
-"رميتِ دبلتي اللي كانت في إيدك بدل الدبلة دي ،
وقبلتِ تتجوزي واحد البلد كلها عارفة هو مين بالضبط؟!
ردي إيه الفرق بيني وبينه؟"
كان مع كل عبارة له يضغط على ذراعها بألم ويهزها ، نظراته السوداء اشتعلت من الغضب في ذكرى قديمة حضرت بينهما الآن ، زاد سواد حدقتيه لمعةً عندما فطن أنها ستكون لغيره
ولمن؟
لغريمه الأول والأخير!
لكنها لم تفطن أنه رجل ما ان سقطت عيناه على شيء وأراده لم يتوانَ في فعل المشروع وغير المشروع في سبيل أخذه!
كادت تهم بالرد لكن وجدت من يجذبها من خصرها تلاها سقوط كريم على الأرض أثر لكمة جاءت من جانبها أصابت فكه.
استدارت بصدمة واضعة كفها على فمها تمنع شهقة تريد الخروج من جوفها ، وجدته مازن يصرخ به وهو ينحني نحوه :
-"هدير مراتي ، عايز تتكلم يبقى تكلمني راجل لراجل مش تستخبي في الضلمة.
عايز تعرف الفرق بيني وبينك؟!
إني مخدعتهاش ، زي ما قولت الناس عارفة أنا مين ، لكن أنت كنت قدامها الملاك البريء ومن وراها شيطان"
ضحك كريم وهو يقف يعدل من هندامه ، ثم فاجأ مازن بلكمة جعلته يفقد توازنه ويعود للخلف لولا جسد هدير التي سندته بيدها ، اضطربت خوفًا عليه ولم تشعر بنفسها إلا وهي ترفع كفها المرتعش تتحسس فكه تقول بقلق وتوتر :
-"مازن أنت كويس.. حصلك حاجة؟"
ثم نظرت إلى كريم صارخة بذهول :
-"أنت مش طبيعي؟
أنت إيه اللي عملته ده؟"
نظر لها بسخرية وابتسامة جانبية يميل رأسه للجانب :
-"خايفة عليه يا حلوة"
ولاح بنظراته لمازن متهكمًا :
-"أنت متأكد إنها تعرف عنك كل حاجة!
متعملش أنت الملاك البريء يا سيوفي ، هدير من زمان وهي ليا وهتفضل ليا"
جذبها مازن خلفه أكثر حتى التصقت بظهره يحميها ونظر له قائلًا بتشفي وسخرية أشعلت جنون الآخر :
-"ويا ترى تعرف أنك ورا أزمة أبوها؟
إنك أنت اللي اتفقت مع سكرتيرة أبوها تبدل أوراق مهمة بأوراق مزورة وكده يخسر كل أسهمه في البورصة!
ولا مقولتلهاش كمان أنك اتفقت مع السكرتيرة بردو تحط له حبوب في القهوة تسبب له جلطة"
شهقت من خلف ظهره بصدمة وتمسكت بسترته أكثر ، تعلم أنه خلف ما حدث لأبيها من خسارة ولكن أن يحاول قتل أبيها؟
هل وصل به الحقد إلى هذه الدرجة؟
همست من خلف مازن بأعين غائرة مليئة بنظرات الصدمة :
-"حاولت تقتل بابا!
هي خلاص وصلت بيك لكده؟"
مال كريم برأسه بابتسامة خبيثة ما لبست أن تحولت إلى قهقهة عالية يجيبها :
-"في حاجات كتير أنتِ متعرفيهاش ، أنتِ اللي طيبة وبتدوري على العالم المثالي في زمن انعدمت فيها المثالية"
ضغط مازن على كفها يبثها الطمأنينة والأمان ، ليوجه حديثه له :
-"لآخر مرة يا كريم أشوفك تقرب من مراتي أنت فاهم؟
هدير خط أحمر ، قبل ما تفكر تقرب منها فكر قبلها ألف مرة لأن أنا اللي هقف ليك"
أنهى حديثه وجذبها معه برفق إلى الداخل تاركًا إياه ينظر في أثرهما في صمت.
لم تكن النيران بحاجة سوى لبضعة قطرات من الوقود كي تزداد اشتعالًا!
بكلمتين فقط أعلن انتهاء الحفل ، ثم أخذها للخارج متجهًا إلى سيارته ، أجلسها بها ثم انطلق بسرعة وغضب ، كل هذا وهي صامتة شاردة ، أسئلة كثيرة تدور بعقلها
لماذا حاول كريم قتل أبيها؟
ماذا يقصد بأن هناك الكثير خفي عنها لا تعرفه؟
بل كيف علم مازن بكل هذه التفاصيل؟
نظرت إليه تتأمله يظهر على ملامحه الغضب والقسوة ، تشعر بشدة نظراته التي تحولت الى سواد بئر عميق قاسٍ ، يقبض على مقود السيارة في حرمة يحاول بها التحكم بغضبه.
حاولت أن تحث ذلك الصامت أمامها على النطق ، فالتفتت تنظر إليه وتقول :
-"ممكن تقولي أنت واخدني على فين؟"
نظر إليها بجانب عينه ثم انتبه إلى الطريق أمامه ولم يعرها اهتمام ، فأنتابها الغيظ من أسلوبه وصرخت بغضب :
-"مازن رد عليا ، رجعني على البيت دلوقتي ، أنا مش عايزة أروح معاك في حتة"
استمر في صمته وتجاهله ، فوصل غضبها إلى منتهاه وأمسكت بمقبض السيارة تريد فتحه وقالت له بتهديد :
- والله يا مازن لو ما رديت عليا ورجعتني دلوقتي حالًا البيت هفتح الباب وأنزل ، وأنت عارف إني أقدر أعملها"
أمسكها من ذراعها فجأة وجذبها نحوه فاصطدمت بذراعه وتمسكت به بقوة حتى تستعيد توازنها ، ليغلق باب السيارة من الداخل وانحنى لها بهمس مخيف :
-"اتقِ غضبي دلوقتي يا هدير ومتتكلميش لحد ما نوصل"
نظرت له بغضب وصمتت بعد أن دفعته بعنف مغتاظ مكتفة ذراعيها أمام صدرها وأشاحت بوجهها عنه تنظر من نافذة السيارة.
وبعد قليل
وقف بسيارته أمام فيلا صغيرة مكونة من طابقين فقط.. فُتحت البوابة إلكترونيًا بمجرد وقوف السيارة أمامها ، فدلف إلى الداخل بسرعة كبيرة.
حالت بنظرها تتأمل المكان من حولها ، الحديقة منسقة وجميلة وكأن هناك من يعتني بها كل يوم ، بها أنواع كثيرة من الاشجار والورود الجميلة ، تتابع الممر التي تسير بها السيارة بتلك الأحجار المرصوصة على جانبيه ، حتى وقفت السيارة أمام سلم يؤدي إلى الداخل.
هبط يفتح لها الباب ، وأنزلها يجذبها خلفه إلى الداخل دون أن ينبس بكلمة ، وما أن دلف إلى الداخل حتى تركها وجلس يدخن سيجارته يهز رجليه بغضب وتوتر يفكر
كيف لهذا الشخص أن يأتي إلى الحفل وهو يعلم أنه خطيبها السابق!
تذكر عندما ألتفت حوله بحثًا عنها فلم يجدها ، سأل الجميع عليها قالوا أنهم لم يروها ، رأي النادل يحمل في يده باقة الزهور التي رآها معها فأستوقفه وقرأ الكارت الذي كان يحمله فعلم أنها اتجهت إلى الحديقة الخلفية ، فذهب خلفها حتى يرى لماذا ذهبت إلى هناك؟!
فوجئ عندما وجد كريم يمسكها بهذه الطريقة يعترف لها بحبه ، شعر بالدماء تغلي في عروقه فلا أحد له الحق في لمسها غيره ، فهي صارت ملكه ، زوجته ، وحقه.
لم يشعر بنفسه إلا وهو يجذبها نحوه لاكمًا وجه كريم لأنه وضع يده عليها وصراخه عليها ، ثم أخذها وأعلن انتهاء الحفل حتى يستطيع أن ينفس عن غضبه ويعرف سبب مجيئه إلى الحفل .
ظلت تتطلع حولها بدهشة من المكان ، ردهة واسعة بصالون من الخشب الزان القوي بلونين الأحمر والبني ، وكثير من التحف الفنية واللوحات التي تزينها ، وسلم طويل يؤدي إلى الطابق الثاني ، فكرت
ترى لمَ يمتلك بيت ثان غير الذي يعيش فيه مع والدته وأخته؟!
توجهت بنظرها إلى الجالس أمامها يدخن بشراهة لم يتحدث بشيء منذ أن أخذها وخرج ، أنتابها الغيظ من سكوته والهدوء فاقتربت تأخذ السيجارة من يده تطفئها في المنفضة الموضوعة على الطاولة أمامها ونظرت له قائلة بغضب :
-"ممكن تبطل سجاير عشان اتخنقت ، وتقولي أنت جايبني هنا ليه؟"
ظل يطالعها وهو جالس بنظرات ثابتة تخفي كثير من الغيظ ، ثم وقف فجأة ووضع يده في جيب بنطاله يقول بهدوء مخيف :
-"ممكن تفهميني أنتِ إيه اللي حصل؟
إيه جاب كريم على الحفلة؟"
رفعت حاجبها الأيسر بدهشة وسخرية وكتفت ذراعيها أمامها وبنبرة برود قالت :
-"وليه عايز تعرف؟!
أظن أنا مسألتكش ايه اللي جاب أنسة سردين ولا أنت روحت معاها تعمل إيه!"
-"سردين!"
قالها بدهشة وتعجب :
-"أيوه اللي شبه السحلية دي ، يبقى مش من حقك تسأل"
أمسكها بقوة من ذراعيها وقربها منه حتى لفحت أنفاسه الحارة صفحة وجهها ، ظهرت علامات الألم عليها ولكنها أخفتها بسرعة حتى لا يلاحظها ، تسمعه يهمس ببطء مخيف :
-"مش من حقي إيه؟
مش من حقي أسأل!
إذا كان أنتِ نفسك بقيتِ حقي!"
قربها منه أكثر فتلامس الجبينان وتابع بهمسه :
-"متحاوليش تستفزي أعصابي لأنها هايجة لوحدها ، كريم منصور كان بيعمل إيه معاكِ يا هدير"
كانت تراقب تعابير وجهه ، وجهه شديد الاحمرار ، عينيه اشتدت زرقتهما، أصابعه ستخترق جلدها من شدة قبضته عليها
أهذه غيرة؟
لا لا كيف تكون غيرة ولا يوجد حب؟
كلاهما يعلم سبب الزيجة ، هو أرادها ليرضي غروره بامتلاك فتاة رفضته ، وهي وافقت كي تنقذ والدها!
صرخ باسمها حتى تجيبه ، ليأخذها عقلها لتلك الذكريات التي كانت بها خطيبة كريم ، تتذكر كل ما حدث وسبب هذا الكره والحقد بينهما؟
صراخه كان يشبه نفخة هواء هادئة فوق قبر الذكريات تنفض الأتربة الكثيفة من فوقه!
إصراره كان المفتاح لهذا الصندوق كي يُفتح وتخرج من دفنته بيدها إلى النور!
شعرت أنها على وشك الانهيار خاصة بعد إصراره على معرفته بما يحدث ، فدفعته عنها تفرك ذراعيها وتقول :
-"معرفش ، معرفش إيه رجعه على حياتي تاني؟
كل اللي أعرفه إني لاقيته قدامي بيعاتبني على حاجة مش من حقه"
نظرت له وابتسمت ابتسامة سخرية هاتفة بشراسة :
-"عاوز تعرف السبب؟
السبب إن كلكم شبه بعض ، تدوروا على متعة نفسكم وبس ، وقدامها عد كام قلب بنت بتكسروه؟
كام بنت قبلت ترخص نفسها عشان تنول شرف نظرة من واحد زي مازن السيوفي ولا كريم منصور؟"
نظر لها بذهول من ثورتها وحديثها ، يبدو أنها تلقت الكثير ، مما جعلها تتحدث بتلك الطريقة الغاضبة فقال بهدوء مرتقب :
- "إيه اللي حصل؟"
-"مفيش حاجة ، من فضلك مش عاوزة أفتكر حاجة من اللي فات ، وكمان دي حاجة شخصية مش عاوزة أتكلم فيها"
قالتها تدير له ظهرها تريد الهرب ، فكادت تذهب إلا أنه أمسكها من ذراعيها وجذبها نحوه يهمس :
-"طالما اللي فات موجود وأنتِ بقيتِ على ذمتي يبقى يهمني.. تقدري تقولي لما أشوف واحد يقولك إنه بيحبك ويقارن نفسه بيا المفروض أعمل إيه؟
بس اللي أنا متأكد منه إنه آذاكِ ، قولي لي عمل ايه؟"
نظرت له نظرات شاردة متمسكة بكتفيه متطلعة إلى عينيه التي تبثها التشجيع لإخراج ما ؤدته بداخلها ، فأخذ عقلها ذاكرتها إلى ثلاث سنوات مضت....
أضواء جميلة هادئة
حديقة مزينة بطريقة تخطف الأنفاس
ببالونات ملونة وورود
أقامت الحفل كي تحتفل بعيد ميلاد والدها بالرغم من رفضه ولكنها أصرت ، كان يقف بجانب رأفت منصور وابنه يتحدثون بخصوص العمل ، نظر كريم وجدها قادمة تتهادي في مشيتها.
كحورية صغيرة تتهادى على ممر من زجاج ترتدي حذاء عالٍ خشية من السقوط ، لكن في ذات الوقت خطوات مليئة بالثقة والأنوثة تسرق الأنفاس!
راقبها تقترب منهم بابتسامة جميلة ووضعت يدها على كتف والدها وقالت :
-"أنت هنا وأنا عمالة أدور عليك ، يلا عشان نطفي الشمع"
أحاطها سالم بذراعه وقال بابتسامة :
-"عيوني حاضر بس تعالي أعرفك..
رأفت منصور صاحب شركة من كبار شركات المقاولات في مصر وده ابنه كريم"
ثم ألتفت إلى رأفت قائلًا :
-"ودي هدير بنتي يا رأفت"
مد يده إليها يسلم عليها يقول :
-"ما شاء الله يا سالم بنتك زي القمر ولا إيه يا كريم؟"
أخذ كفها من يد والده يقبل ظاهره ينظر لعينيها هامسًا :
-"أكيد طبعًا ، الجمال اتخلق ليها"
طويل الهيئة.. ضخم البنية ، ذو ذقن كثيفة لكنها مهذبة ، يظهر على ملامحه الشراسة والعبث ونظراته يشوبها الخبث.
صمتت قليلًا قبل أن تومئ برأسها وابتسامة صغيرة على شفتيها :
-"ميرسي علي المجاملة دي"
جذبت يدها من كفه والتفتت لوالدها قائلة :
-"يلا يا بابا نطفي الشمع كده هنتأخر"
ذهبا تحت أنظار كريم الذي رفع كوبه إلى فمه يتجرع مشروبه وهو يتفحصها وعلى فمه ابتسامة خبث وعبث.
مر يومان ، كانت خارجة من جامعتها في آخر سنواتها الدراسية في كلية الإعلام ، فوجئت بإطارات سيارتها فارغة فوقفت تراقبها بغيظ "فكيف ستعود الآن؟!"
فجأة ظهر كريم بسيارته ، هبط منها ورفع نظارته عن عينه متقدماً منها يقول بابتسامة :
-"صباح الخير ، إيه اللي حصل؟"
نظرت له بدهشة من ظهوره المفاجئ!
من أين ظهر الآن؟
-"أنت بتعمل إيه هنا؟"
-"ليا واحد صاحبي معيد في الكلية كنت بزوره ، وأنا خارج شوفتك واقفة وعجل العربية نايم ، تفضلي أوصلك ونبقي نبعت حد يجيب العربية"
نظرت لإطارات سيارتها بصمت ثم رفعت أنظارها إليه بحيرة فوجدته يشير لها أن تتقدمه ، فاضطرت الركوب معه.
وفي الطريق تعرفا على بعضهما البعض وتحدثا في أمور عدة. مرت الأيام وصارا أصدقاء مقربين ، إلى أن جاء اليوم وكانا يجلسان سويًا في قرية والدها السياحية بالغردقة ، وجدته يقول لها دون مقدمات :
-"هدير أنا بحبك"
سعلت بشدة وهي تشرب عصيرها ثم نظرت له بذهول و
ضحكت بقوة وهي تنهض من مكانها قائلة :
-"كريم بطل هزار وقوم خلينا نشوفهم راحوا فين"
أمسك كفها يمنعها من التحرك ، فنظرت له بدهشة ونظرتها تحيل بينه وبين كفه ، ملامحه ثابتة ونظراته بعيدة كل البعد عن العبث :
-"ومين قالك إني بهزر؟
هدير أنا بحبك من أول يوم شوفتك فيه في حفلة باباكِ ، خطفتيني برقتك ، لما قربت منك حبيتك أكتر ومش متخيل حياتي من غيرك"
نهض من كرسيه وأمسكها من ذراعيها يقربها نحوه ببطيء وقال ينظر في عينيها :
-"وأنتِ كمان بتحبيني متنكريش ، قولي أنك بتحبيني"
أسدلت جفنيها وتنفست ببطيء واللون الأحمر يتمكن ببطء من وجنتيها ثم قالت :
-"معرفش ، معرفش يا كريم مشاعري دي إيه!
خايفة تكون تعّود أنك في حياتي وممكن يكون إعجاب ، أنت دخلت حياتي فجأة ، عمري ما جربت مشاعر الحب وخايفة منها"
-"متخافيش لأن عمري ما هجرحك ، هما مش عملوا الخطوبة عشان الاتنين يتعودوا على بعض خلينا نجرب وصدقيني مش هتندمي"
* * * * *
نظرت هدير لمازن الواقف أنامها ينصت لحديثها باهتمام يجدها تبتسم بسخرية قائلة :
-"وندمت.. ندمت على ثقة أديتها لشخص أبسط اللي يتقال عنه إنه شيطان في صورة إنسان ، ندمت إني سلمت قلبي ليه"
-"عمل إيه؟"
قالها بهمس مرتقب لما ستجيبه وشعور كبير ينتابه أنه لن يسره ما سيسمعه.
تمت خطبتهما ، قضت أجمل أيام حياتها كما كانت ترى من معاملته وحبه لها ، ولكن تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن.
يجلس في ملهي ليلي في أحد الفنادق المعروفة مع أحد أصدقائه ، يتناول المحرمات وينظر إلى الفتيات بملابسهن تكشف أكثر من أن تستر ، يتراقصن على الأنغام الصاخبة يتمايلن بأجسادهم وهن يترنحن من أثر الشراب ، كان يتابعهم بعين ذئب يختار فريسته لهذه الليلة.
ألتفت له صديقه يغمز :
-"وأنا اللي قولت أنك خلاص توبت بعد ما خطبت ، إيه اللي جابك هنا تاني يا دنجوان!؟"
تجرع كريم كأسه مرة واحدة يتابع إحدى الفتيات التي كانت تنظر له هي الأخرى نظرات مغرية وقال :
-"ومن امتى الدنچوان بيتوب؟!
هدير دي واجهة بس ، أبوها صاحب أكبر شركات السياحة في مصر ، غير أن هي جمالها دخل دماغي ، وسكتها الحب والجواز ، لكن إني أكتفي بواحدة وأسيب الجمال اللي هنا ده كله لا أتعب ، وأنت أكيد ميرضكش صاحبك يتعب"
ضحك الآخر بشدة حتى أدمعت عينيه وقال :
-"أنت شيطان"
غمز له كريم واتجه إلى الفتاة التي كانت تغويه بنظراتها وحركاتها المغرية فألتقط الطعم ، أخذها وخرج من الملهي متجهًا إلى سيارته ومنه إلى بيته.
وفي ذات اللحظة كانت هدير تخرج من قاعة المؤتمرات بالفندق حيث كانت تحضر مؤتمرًا صحفيًا يخص دراستها وعملها ، فرأته يتجه لسيارته وتلك الفتاة يحاوطها من خصرها تضحك ضحكات ماجنة ثم انطلق بها.
وقفت في مكانها يعتلي وجهها صدمة لما رأته
كريم يخونها؟
لا.. لابد أنها تتخيل ، عليها أن تتأكد بنفسها!
أخرجت هاتفها تتصل به ولكنه لم يجب ، فأسرعت لسيارتها واتجهت بها لبيته.. أخبرها أنه يمتلك منزلًا خاص به بعيدًا عن منزل والده ، فبالتأكيد سيذهب إلى هناك.
طوال الطريق تحاول أن تبث لنفسها أن ما رأته تخيلات ، فكريم من المستحيل أن يخونها ، هو في كل حركة يعبر لها عن حبه وتمسّكه بها إلى النهاية.
وصلت إلى العمارة الموجود بها بيته ، فوجدت سيارته بالأسفل ، أسرعت تصعد الدرج راكضة ، وقفت أمام باب الشقة وكادت أن تطرق الباب سمعت أصوات ضحكات ماجنة تأتي من الداخل فأخذت ترن الجرس.
سمع رنين الجرس فزفر بضيق وشتم صديقه في سره لمجيئه في تلك اللحظة ومقاطعته عما يفعله فهو الوحيد الذي يعلم بوجوده هنا.
فتح الباب وهو يرتدي بنطاله فقط وصدره عارِ.
أعتلت الصدمة وجهه لرؤية هدير أمامه ، فهي آخر الاشخاص الذين من الممكن أن يأتوا إلى هنا
همس بصدمة :
-"هدير!"
اندفعت إلى الداخل ورأت الفتاة نائمة في سريره تغطي نفسها بالفراش ، فشهقت بصدمة تشعر بالغثيان لما رأته.
ظلت تعود للخلف ويدها على فمها من هول الصدمة ، وكادت أن تركض وجدت من يجذبها من يدها وقال :
-"هدير استني ...!!"
لم تدعه يكمل حديثه حتى هبطت بكفها الصغير على وجنته بصفعة جعلت وجهه يميل إلى الجهة الأخرى من قوتها ، نظرت له باشمئزاز وغضب لحقيقته التي رأتها للتو :
-"جرب بس أنك تلمسني مرة تانية ، وأنا قسمًا بالله لأخليك تندم ندم عمرك كله ، أنت إنسان سافل وحقير وأنا مش عايزة أشوف خلقتك دي تاني"
خلعت دبلته ورمتها في وجهه ، لكن قبل أن تذهب وجدته يغلق الباب ينظر لها نظرات خبيثة وعلى فمه ابتسامة شر :
-"رايحة فين يا حلوة؟
هو دخول الحمام زي خروجه ، حيث بقى إنك عرفتِ الحقيقة خليني أقولك الباقي"
أخرج سيجارته من علبته الموضوعة على الطاولة خلفه يشعلها يستنشق دخانها بقوة ثم يزفره لأعلى ، اقترب منها وابتسامته المثيرة للاشمئزاز مازالت مرتسمة على ثغره وتابع :
-"من أول ما شوفتك دخلتِ دماغي ، عجبتيني في كل حاجة شكلك ، جمالك ، جسمك ، لبسك ، كل حاجة.
مكنش في سكة ليكِ غير الجواز والحب وده تمثيله مفيش أسهل منه"
أشاحت بوجهها للجانب وتعابيرها تعبر عن مدى اشمئزازها من هذا الحديث ، ليقهقه قليلًا من ردة فعلها وتابع :
-"أنا اللي هويت لك عجل عربيتك ، واحدة واحدة بدأت أدخل حياتك.. وكنت ناوي أكمل بس أعمل إيه؟
أنتِ جيتِ فجأة وشوفتِ اللي شوفتيه"
تستمع إلى كل كلمة وقلبها يتساقط قطعة قطعة معها ، أحبته بصدق لا تعلم متى وكيف؟
لكنها أحبته.. وبمقدار الحب كان الندم!
ندم على ثقة أعطتها لشيطان في صورة إنسان..
ندم على قلب أحب ذلك الحقير بصدق..
ندمت على لحظة فرحة وسعادة أعطتها له.
نظرت له بأعين ضائعة وهمست بصوت يكاد يسمع وهي تتجه لتخرج :
-"أنت أحقر بني آدم أنا شوفته في حياتي ، ابعد من وشي"
لم يتركها تتخطاه بسهولة ، بل أحاط خصرها بيده يضمها لصدره بقوة يضحك ضحكة أشمئز جسدها منها يترنح جسده بها من أثر ثمالته :
-"أسيبك!؟
بما أنك ضيعتِ الليلة عليا فلازم تعوضيني"
بدأت في مقاومته وإكالة الضربات على صدره ، تصرخ به ليبتعد عنها ويتركها وهو يحاول تقبيلها ويديه تتلمس جسدها بحقارة.
استطاعت التخلص منه ودفعته بقوة جعلته يسقط أرضًا ، وكادت أن تهرب أمسكها من قدمها جاذبًا إياها بقوة حتى سقطت بجانبه ، فجثى بجسده فوقها رافعًا ذراعيها لأعلى مثبتًا إياهم ويمنعها من الهرب.
أخذت يديه تعبث بأزرار كنزتها يكشف عن جسدها ورقبتها ثم هبط ينهال عليها بالقبلات ، وهي تصرخ به محاولة فك ذراعيها من قبضته ، تنتفض من أسفله تحاول دفعه عنها.
استطاعت أن تحرر يدها من يده ونظرت جانبها وجدت مزهرية موضوعة على الطاولة ، حاولت الوصول إليها ونجحت.
أمسكت بها وانهالت على رأسه مرتين حتى سقط بجانبها يتأوه من الألم ، فلملمت شتات نفسها وقامت راكضة من ذلك المكان.
هبطت للأسفل واستقلت سيارتها تقودها بأعين باكية ، دموعها تهبط بكثرة وشهقات عالية ، تضرب المقود بين الحين والآخر بحرقة قلب تعصف بكيانها.
صفت سيارتها على جانب الطريق تستند برأسها على المقود جسدها ينتفض بشدة ، تحاول أن تهدأ حتى تستطيع الوصول إلى المنزل.. ظلت هكذا بضعة دقائق قبل أن ترفع رأسها شاردة محدقة في الفراغ وعلامات الشراسة والإصرار على وجهها لفعل شيء ما.
قررت أن تنتقم لنفسها في وقتها وقبل أن تصل لبيتها ، أخرجت هاتفها تتصل بالشرطة تخبرهم عنوان شقته وقيام أعمال مخلة بالآداب من قبل ابن رجل الأعمال رأفت منصور.
وصلت منزلها وصعدت لغرفتها دون أن ينتبه لها أحد فلقد كانت حالتها مزرية.
دلفت للداخل ملقية حقيبتها بإهمال لتسقط على الارض ثم اتجهت إلى المرحاض تقف تحت المياه بملابسها ترجوها أن تزيل أثار لمساته من على جسدها ودموعها تحرق وجنتيها
وجع قلبها أقوى من وجع جسدها!
بكت وبكت حتى جفت الدموع من عينيها ، فخرجت تبدل ملابسها وألقت الأخرى في سلة المهملات ، تكورت على نفسها في وضع الجنين على سريرها وظلت محدقة في نقطة ما في الفراغ وكأنها لا تشعر بما يحدث حولها.
كانت الخيانة والغدر خطيئته
وكان الكبرياء والقسوة خطيئتها
وحين التحمت الخطيئتان
كان الفراق مولودهما
* * * * *
عادت لأرض الواقع تحاول التنفس ، ودموعها تنزل بغزارة ، ابتلعت لعابها بصعوبة تلتفت لمازن الواقف خلفها فاصطدمت به ليحيطها بذراعيه وأسندت كفيها على صدره تقول منتحبة :
-"فضحته.. فضحته بنفسي يا مازن
كرهته وكرهت اسمه وكرهت حاجة اسمها حب"
هزت رأسها بيأس تستند برأسها على كتفه ، جسدها ينتفض بقوة من أثر الذكرى هامسة تقبض بشدة على قميصه :
-"أكتر حاجة بكرهها الخيانة والكذب..
أنا ممكن أسامح أي حاجة غير كده"
يده تغلغلت في خصلاتها يضمها إلى أحضانه بقوة.
قوة خارجة عن إرادته أراد بها إدخالها بين ضلوعه ولا يعرف السبب!
يضمها إليه يشعر بكثير من المشاعر بداخله..
غضب وحنق مما حدث لها ، كيف لحقير مثله أن يفعل بها هكذا؟!
غيرة أنها كانت ملك لغيره ، أعطت قلبها ومشاعرها وحبها لذلك الشخص الذي أستغلهم.
فخر ممزوج بدهشة من قوتها وقدرتها على الأخذ بحقها ولم تتهاون به ، لم تكتفِ بالإبلاغ عنه لا بل فضحته بنفسها في الجريدة التي تعمل بها ، فكانت ضربة قوية له أن يتم هذا على يد خطيبته.
قلق عابر من كلماتها الأخيرة وهي كرهها للخيانة والكذب ، ليتذكر نادين واليوم السابق ليوم ذهابه لطلب يدها.
فتأكد أن طلاقه لها أفضل شيء حدث.

قول يا رب likes this.

Fatima Zahrae Azouz غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 19-11-20, 07:51 PM   #13

Fatima Zahrae Azouz

مشرفة قصرالكتابة الخياليةوقلوب احلام وقاصةهالوين وكاتبةوقاصةفي منتدى قلوب أحلام وحارسة وكنز سراديب الحكايات وراوي القلوب

 
الصورة الرمزية Fatima Zahrae Azouz

? العضوٌ?ھہ » 409272
?  التسِجيلٌ » Sep 2017
? مشَارَ?اتْي » 2,564
? الًجنِس »
? دولتي » دولتي Morocco
?  نُقآطِيْ » Fatima Zahrae Azouz has a reputation beyond reputeFatima Zahrae Azouz has a reputation beyond reputeFatima Zahrae Azouz has a reputation beyond reputeFatima Zahrae Azouz has a reputation beyond reputeFatima Zahrae Azouz has a reputation beyond reputeFatima Zahrae Azouz has a reputation beyond reputeFatima Zahrae Azouz has a reputation beyond reputeFatima Zahrae Azouz has a reputation beyond reputeFatima Zahrae Azouz has a reputation beyond reputeFatima Zahrae Azouz has a reputation beyond reputeFatima Zahrae Azouz has a reputation beyond repute
?? ??? ~
My Mms ~
افتراضي

الفصل التاسع
انتهت الليلة..
هناك من يقضيها غارقًا في طي ذكرياته
ودفاتر الماضي التي أغلقت منذ زمن!
وهناك من يقضيها سعيدًا
متأملًا أن يصل لمراده وينال محبوبته!
وآخرون يتجرعون مرارة فقد الحبيب وذهابه لشخص آخر

* * * * *
انتهى الحفل بإعلان مازن وذهابه برفقة هدير ، فأخذ رامز ميرفت وأسماء ليقلهم إلى المنزل.
كان الصمت هو المهيمن عليهم طوال الطريق ، فميرفت تفكر في ابنها وما حدث اليوم!
هل كانت مخطئة فيما فعلته؟
هل كانت مخطئة عندما وافقته على ما ينوي؟
عادت بذاكرتها لهذا الصباح تتذكر حديثها معه....
-"ناوي على إيه يا مازن؟
قلبي بيقول لي إنك ناوي على حاجة كبيرة"
نظر لأمه بأعين ثابتة وابتسامة جانبية ارتسمت على ثغره تنم بالفعل على ما يدور بعقله ، ليقول :
-"ناوي أكتب كتابي على هدير النهاردة"
اتسعت عينيها من المفاجأة وصمتت قليلًا تحاول استيعاب ما يقوله قبل أن تقول بشرود :
-"كتب كتاب!
وهدير تعرف بكده؟"
ضحك بسخرية مجيبًا :
-"لا مفاجأة ، تفتكري لو تعرف كانت فضلت في بيتها مهربتش؟!
دي عاوزة تخلص مني النهاردة قبل بكرة"
تنهد وقبل رأس أمه يقول بحنان مفاجئ قبل أن تحاول الاعتراض أو إيقافه :
-"متقلقيش يا أمي ، أنا عارف أنا بعمل إيه!
وصدقيني ده كله حماية للكل وخصوصًا ليها..
وبعدين أنا تربية إيدك يعني اطمني"
ربتت على رأسه بحنان تقول :
-"ربنا يهديك ويريح قلبك"
عادت من شرودها تدعو الله أن يهدي ابنها.
أما رامز فكان شاردًا في أكثر من شيء..
غضب صديقه الذي أصابه فجأة مما جعله ينهي الحفل ويأخذ خطيبته ويذهب.
يفكر في القادم وماذا يخبئه الوقت بعد زواجه؟!
يفكر في حبيبته التي ملكت قلبه تجلس صامتة شاردة منذ أن انتهت رقصتهم معًا.
-"لو تعرفي اللي جوايا من عشق ليكِ ، عينك مش هتشوف لمحة حزن ولا ألم..
قلبي معرفش العشق إلا ليكِ ، ومعرفش الغرام إلا لعيونك"
نظر في المرآة إلى التي تجلس شاردة في كل ما حدث الليلة..
بداية من مفاجأة كتب الكتاب ، ومفاجأتها التي لا تقل شيئًا عن مفاجأة هدير عندما علمت بالأمر.
شاردة في غضب أخيها الذي ظهر جليًا على وجهه يجذب هدير خلفه بغضب.
خائفة مما سيحدث ، فهي أعلم الاشخاص بأخيها.
وانتهاءً بصدمتها عندما علمت أن قلب حبيبها ملك لغيرها ، وهناك أخري تسكن روحه وقلبه.
فالحب الذي كان يشع من عينيه لن يخرج إلا من قلب عاشق صادق ، ومغرم ولهان ، وهي لا تملك شيئًا غير أن تدعو الله أن يسعده ويريح قلبها.
"أيها القلب كفى دقًا لقلب لم يصبح من حقك أن تحبه
لقد صار ملًكا لفتاة غيرك ، اخرج حبه من قلبك وعامله كأي شخص آخر تعرفه ، كفاك وجعًا"
تنهدت وظلت تنظر من النافذة صامتة.
أراد رامز أن يضيف بعضًا من المرح فنظر إلى ميرفت قائلًا :
-"مبروك يا ميمي ، عقبال ما تجوزيني أنا كمان"
ابتسمت له بحنان مربتة على وجنته بحب صادق وتقول :
-"الله يبارك فيك يا حبيبي.. يوم المنى لما أشوفك عريس أنت كمان..
أنت مش عارف غلاوتك عندي قد إيه!
شاور أنت بس على أي واحدة وأنا أجوزها ليك على طول"
رفع كفها إلى ثغره ثم طبع قبلة عليه يضحك ويقول :
-"حبيبتي ربنا ميحرمنيش منك..
هي العروسة موجودة بس يا رب توافق"
قالها يلقي نظرة على أسماء الشاردة في الخلف :
-"ومين دي اللي ترفض واحد زيك؟
أنت شاب زي الفل ربنا يحميك"
ثم التفتت إلى ابنتها في الخلف عندما لاحظت صمتها غير المعتاد منها تسألها :
-"مالك يا أسماء؟
ساكتة ليه من ساعة ما خرجنا؟
أنتِ ورامز بتصدعوني من الرغي والنقير لما تتجمعوا"
ابتسمت لها ابتسامة باهتة تقول :
-"مفيش يا ماما ، أنا بس قلقانة على هدير..
منظرهم هي ومازن لما خرجوا بالطريقة دي مش مريحني ، خايفة يعمل فيها حاجة وهو متعصب"
تنهدت والدتها بقلق ونظرت للخارج من النافذة متمتمة :
-"ربنا يستر.. أنا بردو مش مستريحة ، شكله مكنش مطمني"
ثم التفتت لرامز وقالت :
-"جرب تتصل بيه شوفه ماله هو أكيد هيرد عليك"
نظر لها نظرات طمأنينة مبتسمًا :
-"متقلقيش ، مهما كان مازن عصبي مش هيأذي هدير"
بادلت نظراته بنظرات حزن تستدعي منه الطمأنينة ، وتذكرت حديثه أثناء رقصتهما ، فأشاحت برأسها حتى لا يرى دموعها ، لكنه سبقها ورآها..
رأى نظرات الحزن منها ، نظرات عتاب و حب لم يُعترف به سواء من جهتها أو من جهته..
لكن كفى!
سيعترف لها بحبه ، سيصرح لها أنها ملكه ومليكته!
لكن إن غدًا لناظره قريب!
* * * * *
كن منصفًا يا سيدي القاضي
ذنبي أنا رجلٌ له ماضي!
مستكينة في أحضانه ، متشبثة بقميصه لا تشعر بما حولها ، فذكرى ما حدث لها سابقًا ليس بالشيء الهين.
كانت طيلة الثلاث سنوات السابقة تحاول أن تتناسى ما حدث معها.
حاولت أن تتعايش وتقاوم حتى تنهض من جديد ، ونجحت..
صدقًا نجحت لكن عودته فتحت أبواب الماضي من جديد!
أيقنت أنها تعانقه ، فأكتسى وجهها حمرة خجل ، وحاولت أن تبتعد ، إلى أنه شعر بمحاولة ابتعادها فلم يسمح لها ، وشدد من ذراعيه حولها ، فرفعت رأسها تطالعه بأعين دامعة خجولة وقالت بصوت محشرج :
-"أنا بقيت كويسة الحمد لله"
ظل يتأملها دون أن يجيبها
كيف لفتاة أن تدعي القوة وبداخلها ضعف؟
فقناع القوة الذي يتلبسها ما هو إلا قشرة تغطي قلبًا ضعيفًا هينًا لا يتحمل أي وجع.
رفع إبهامه يمسح قطرات الدموع من فوق وجنتيها ،ثم ما لبس أن نطق هامسًا :
-"انسيه ، خلاص أنتٍ بقيتِ مراتي وفي حمايتي ، مفيش حد يقدر يقرب تاني منك ، لا هو ولا غيره"
ارتبكت من كلماته وتلجلجت في كلماتها فدارت برأسها حولها حتى وقعت عيناها على ذراعيه الذين يضماها فقالت بهمس خافت يغلفه الخجل :
-"طب ممكن تسيبني ونروح بقى ، أكيد الكل قلقان"
-"بس قبل ما نمشي ادخلي اغسلي وشك من الدموع دي"
أومأت بطاعة واستدارت تذهب إلى مكان المرحاض حيث أشار لها ، لكنها توقفت فجأة عندما فُتح الباب ودلفت نادين منه!
واجهتها بكامل جسدها ، اتساع عيناها ورفعة حاجبها الأيسر بدهشة ممزوجة بتساؤل كانت ردة فعلها لرؤيتها!
بداية وسوسة شيطانها لها في عقلها عن سبب مجيئها إلى هنا!
نظرت لها بشمول وعيناها تسقط على المفتاح في يدها وهمست:
-"نادين!"
انتبه مازن لهمستها ، ورفع نظره يجدها هي و نادين بمواجهة بعضهما..
اتسعت عينه بصدمة لوجودها هنا!
آخر ما يتمناه في هذه اللحظة بالأخص ذلك اللقاء.
يبدو أن قبر الأسرار مازال معبئ بآخرين على وشك الكشف عنهم!
تقدم منهم يقف بينهما فطالعه زوجان من العيون ، واحدة بنظرات تساؤل ودهشة ، والأخرى تحدي ومكر.
التفت بنظره إلى نادين وقال ببرود واضعًا يديه في جيبي بنطاله مشددًا جسده في وقفته :
"بتعملي إيه هنا؟"
لم تلتفت إلى نبرته الباردة ، ولا وقفته المهيبة وبادلته نظرته بمثيلتها ، بابتسامة جانبية خبيثة ارتسمت على شفتيها :
-"كان فيه شوية لبس ليا هنا من آخر مرة مكنتش أخدتهم ، وكنت معدية من قدام الفيلا خليت السواق يقف ونزلت عشان أخدهم"
لتلتفت ببصرها إلى هدير الواقفة مكتفة ذراعيها بصمت تتابع الحوار ، فأكملت قائلة بتلاعب :
-"بس مكنتش أعرف إنك هنا يا عريس.. سوري قطعت عليكم اللحظة دي"
كاد أن يهم بالرد لكن هدير قاطعته تتقدم منها خطوة تسأل بدهشة:
-"لبس ليكِ هنا من آخر مرة!"
ثم توجهت بنظرها لمازن رافعة حاجبها بسخرية :
-"إيه جاب لبسها هنا؟
وتقصد إيه من كلمة آخر مرة؟"
أسرعت نادين تجيب بدلًا عنه :
-"أصل...."
لكنه قاطعها قائلًا :
-"أصل من فترة قريبة باباها طلب مني يسكنوا هنا على ما التجديد اللي كان بيعمله في ڤيلته يخلص ، فكانوا قاعدين فترة ولسه ماشيين من أسبوعين وكان في شوية حاجات لنادين هنا.
" مش كدا يا نادين؟!
نظر لها نظرة وعيد على أن تقول عكس ما قاله ، فالتقطت نظراته وابتسمت بمكر ثم نظرت لهدير :
-"آه طبعًا يا هدير.. زي ما قال بالضبط"
رفعت حاجبها بعدم اقتناع تام تذم شفتيها بعبوس وتفكير قبل أن توجه حديثها إليه مكتفة ذراعيها أمام صدرها :
-"ولما هو زي ما بتقول ، ليه مفتاح البيت لسه معاها؟
وليه تيجي في الوقت المتأخر ده؟"
جاءها صوت نادين بنبرة خبث التقطتها :
-"الظاهر إنك زعلتِ إني قطعت عليكِ وقتك مع مازن ، حقيقي لو كنت أعرف إنكم هنا مكنتش قطعت عليكم خلوتكم..
لكن أنا جيت على أساس مفيش حد ، مكنتش أعرف إنكم مستعجلين قوي كده"
اتسعت عينيها بذهول وشهقت من وقاحتها وأسلوبها الجريء في الحديث ، فالتمعت عيناها بشراسة تقترب منها متظاهرة أنها تعبث بخاتمها ، وهبطت على أذنها تهمس :
-"مش هدير سالم اللي تبقى بالوقاحة دي ، الحركات دي سبتها لناس غيري"
قالتها بنبرة ذات مغزى أثارت حنق الأخرى ظهر جليًّا في نظراتها التي رمقتها بها بشذر لتكمل :
-"فحسّني أسلوبك يا نادين واعرفي بتقولي إيه ، وبتوجهي كلامك لمين"
ثم اعتدلت هاتفة بنبرة عالية :
-"وبعدين زعلانة ليه؟
واحد ومراته شيء طبيعي يبقوا في مكان واحد وفي أي وقت"
أشارت بيدها نحو الدرج الداخلي للفيلا قائلة ببرود :
-"تقدري تطلعي تجيبي حاجتك اللي نسيتيها عشان متتأخريش"
كانت الأخرى تغلي من الغضب من كلماتها ، ظنت بمجيئها هنا ستثير الشكوك في نفسها..
فعندما رأته يأخذها إلى سيارته وينهي الحفل ، علمت أن هناك شيء قد حدث ، وخمنت أنه سيأخذها إلى الفيلا حيث كانت تلتقيه هنا أثناء زواجهم.
بالفعل وجدت سيارته مصفوفة أمام الباب ، فقررت أن تلقي سمها لكن نظراته لها وكلماته منعتها من تنفيذ ما كانت تنويه ، فقررت أن تستفز أعصابها بطريقة أخرى أكثر خبثًا ، لكن رد فعلها كان لاذع لم تتوقعه.
وجدتها ليست بالشخصية التي ظنتها.. ظنتها ضعيفة طالما أُجبرت على تلك الزيجة ، ولكنها ليست بالخصم الذي يستهان به.
بدلًا من أن تصعد إلى أعلى خرجت من المنزل صافقة الباب خلفها بشدة تحت أنظار هدير الغاضبة.
طالعت الباب بصمت وهدوء يثير القلق قبل أن تلتفت إلى مازن الذي كان يطالع ما يحدث منذ أن ردت على نادين بتلك الكلمات ،
لكنه صمت عندما وجدها تتقدم منها ، وهمست بصوت خافت لكي لا يسمعها ، لكنه التقط كلماتها التي تعبر عن ثقتها بنفسها ،
وما أدهشه هو جرأتها عندما قالت أنه زوجها وما المانع من وجودها معه في نفس المكان وفي أي وقت؟
لم يعلم ما تلك المشاعر التي أثارتها الهاء في كلمة
"مراته"
وكأنها توثق ملكيته لها!
اشتعل بداخله إحساس مزدوج من الفرحة والإعجاب..
أراد أن يجذبها إليه ويقبلها قبلة يوثق بها صك ملكيته لها.
أخرجه من تأملاته نبرتها الغاضبة تقول مكتفة ذراعيها أمام صدرها :
-"ممكن تفهمني ايه اللي حصل من شوية؟"
فتح فمه ليتكلم فقاطعته مشيرة سبابتها أمامها بتحذير :
-"ومتقولش كانت ساكنة هنا والكلمتين اللي سكتها بيهم ، نظرتك ليها بعد كلامك كأنك بتقولها حذارِ تقولي غير اللي أنا قولته ، أكدت لي إن في حاجة تانية بتحصل"
ابتسم بانبهار من ذكائها ، يعلم أنها ليست من النوع الذي يصدق هذه الكلمات فهي صحفية وتتمتع بذكاء عالٍ ، لكنه أراد أن يخبرها بنفسه ، نظر لها وقال :
-"عايزة تعرفي إيه؟"
-"عايزة أعرف اللي أنت مخبيه يا مازن؟
إيه اللي جاب دي هنا في وقت زي ده بعد نص الليل؟
وإيه يخليها محتفظة بمفتاح بيتك لو زي ما بتقول كانت هنا مع أهلها ومشيوا من أسبوعين؟
كلامك مع الواقع مش منطقي يا مازن"
كشف عن ساعديه ، فظهرت عروق يده النافرة ، كأنه يأخذ وضع الهجوم لما سيهم بقوله ، أخرج سيجارته المعتادة وأشعلها يستنشق منها دخانها ثم نفثه لأعلى ، ونظر لها بعيون ثابتة قائلًا: –"نادين كانت مراتي"
لحظة!
زوجته؟
كيف ذلك؟
نظرت إليه باستنكار وعدم تصديق ، فكيف له أن يتزوج ويريد الارتباط بها؟
بل كيف لم تعلم بأمر زواجه من أخرى؟
تراه.....!!
اتسعت حدقتيها في ذهول مما استنتجته ، وسريعًا وضعت شكوكها أمامه في عبارات حادة قاطعة تهتف بغضب مكتوم :
-"مراتك أزاي مش فاهمة؟
معقولة مازن السيوفي يتجوز ومحدش يعرف ، إلا إذا كنت أتجوزتها ..."
صمتت ثانيتين قبل أن تردف بعدها ببطء تميل برأسها للجانب تناظره من أسفل أهدابها بحذر :
-"في السر!"
ثم ارتفع صوتها وهو يقابلها بنظرات غامضة ساكنة يراقب خلجاتها وردود فعلها بهدوء أثار غضبها بقوة :
-"عُرفي يا مازن صح؟"
ابتسم باتساع وهبط يطفئ سيجارته التي أنهاها في المنفضة ، ثم تقدم منها حتى صار على بعد خطوة واحدة ، ونظر لها يهبط إلى أذنها هامسًا بإعجاب :
-"أشهد لك إنك مش بس جميلة ، ل.. وذكية كمان"
تطالعه بذهول ، بأعين متسعة ، وفم مفتوح وهو يتحدث بهذه اللامبالاة..
مجروحة ليس لأنها تحبه فهي تمقته.. لم تبالغ إذا قالت أنها تكرهه ، لكنها مجروحة لأنها خُدعت بهذه الطريقة ، أخفى عليها أمرًا مهمًا مثل ذلك!
مجروحة أن واحدة مثل نادين تقف أمامها بتحدي ونظرة التشفي التي لاحظتها دون أن تعرف سببها ، لكن الآن أصبحت على علم بكل شيء!
قبل خمس دقائق أخبرته أنها تكره الكذب ، تسامح بأي شيء إلا هذا.. لتكتشف أنه كذب عليها!
لم تشعر بنفسها إلا وهي قافزة ماحية المسافة بينهما ، مسقطة بكل قبضاتها على صدره تصرخ به :
-"أنت إيه ، مجنون؟
ايه اللامبالاة اللي أنت بتتكلم بيها دي؟
قد كده بنات الناس رخيصة عندك ، تتجوز وتطلق زي ما بتغير بدلة من بدلك؟
كنت هتفضل تخبي عليا لحد امتى؟
لو ماكنتش جت هنا كنت هفضل مش عارفة حاجة صح؟"
أمسك بقبضتيها في يد واحدة ، وكفه الآخر وضعه خلف عنقها ، فكور شعرها بيده يجذب رأسها إليه يوقفها عن الحركة.
ينظر لعينيها التي اشتعلت من الغضب وتحولت إلى بركة عسلية وسط جمرة حمراء مشتعلة ، ووجهها شديد الاحمرار.
اشتعلت أنفاسه هو الآخر يعلم جيدًا الذي أتى في عقلها في تلك اللحظة.
لفحت أنفاسه وجهها وشفاه تحولت لخط مستقيم ثم همس بجدية :
-"اهدي يا هدير واسمعي ، اللي عايزك تعرفيه إني مش ملاك نازل من السما ، وفي نفس الوقت مش شيطان..
اعرفي أن عمري ما لمست واحدة في الحرام ، ونادين كانت مراتي ، سواء عرفي أو رسمي كانت مراتي..
لا عمري وعدت بنت بحاجة ، ولا أجبرت بنت على حاجة"
ظلت تنتفض بين بيديه حتى يتركها تحرك كتفيها في كلا الاتجاهين ، فقالت تضغط على أسنانها بغيظ :
-"أنت بتضحك عليا ولا على نفسك؟
أنت كلك غلط ، تصرفاتك غلط ، مبرراتك غلط ، كلامك غلط..
عمرك ما أجبرت بنت على حاجة؟
وجوازي منك ايه.. مش إجبار!
استغلالك للي كنت فيه لصالحك وغرورك مش إجبار"
صمتت تتنفس بقوة صدرها يرتفع ويهبط بسرعة ، ثم أكملت بصوت محشرج ونظرات عيون مليئة بالألم واليأس ولكن في نفس الوقت نبرة واثقة من نفسها لتحافظ على كرامتها :
-"طلقني يا مازن.. حياتك غير حياتي ، والعالم بتاعك غير بتاعي ، مبادئك غير مبادئي.
أنا في الشرق وأنت في الغرب.. فطلقني وروح لحياتك وسبني لحياتي"
ظل ينظر لها وهي تتحدث ، حتى نطقت بسيرة الطلاق اشتعلت عيناه غضبًا وغيظًا ، ظل ينظر لها فترة أراد أن يضربها عقابًا على نطقها لتلك الكلمات ، ولكنه بدلًا من ذلك تركها وعاد خطوة للخلف يضع يده في جيب بنطاله ، يشرف عليها من أعلاه ؛ بالكاد تصل إلى صدره..
عاد إلى بروده وكبريائه قائلًا :
-"حياتي من قبل ما تدخلي فيها ملكيش أنك تجادليني ولا تحاسبيني عليها طالما مش هتأثر على حياتنا..
إنما حتة الطلاق دي فالأفضل إنك تلغي الكلمة دي من قاموسك معايا لأني مش هطلقك"
انحنى يلتقط سترته يقول بنبرة آمرة ممسكًا برسغها ويتجه نحو الباب :
-"يلا عشان أوصلك"
سحبت يدها بعنف من يده وتقدمت منه تزغره شذرًا بعينيها وهمست :
-"ماشي يا مازن ، أنا هخليك تندم على الساعة اللي فكرت فيها إنك تدخل حياتي.. ماشي"
ثم أمسكت بذيل ثوبها وذهبت من أمامه بثورة إلى أن وصلت لسيارته ودلفت إليها تحت أنظاره.
أسند ذراعه على سقف سيارته واضعًا اليد الأخرى في خصره ينظر لها بحاجب مرتفع وشعور الغيظ يتملكه منها يعض على شفته السفلى بغيظ ، لتنظر له ببرود تشير بسبابتها له ثم إلى مكان السائق بجانبها قائلة :
"اتفضل يلا عشان تروحني"
ابتعدت للجانب قليلًا بنوع من الخوف عندما هبط بقبضته بقوة على سقف السيارة.. مقتنعة بشيء واحد
"إذا أردت معالجة برود شخص تعامل معه بنفس بروده"
جلس بجانبها صافعًا الباب بغضب ، فنظرت له نظرة باردة ولم تعره اهتمامًا وأشاحت برأسها تنظر من النافذة.
غرقت بتفكيرها فيما حدث ، ودار حوار بين عقلها وقلبها.
سأل العقل باستنكار :
-"مالك مستغرب كده ليه؟
تفرق معاك إذا كان متجوز ولا لا"
فأجابه القلب بحزن :
-"مش عارف.. بس حاسس بحزن ومخنوق ، ماكنتش أتوقع منه كده"
شهق الآخر بدهشة من حديث صديقه يسأله بحذر :
-"إيه ، أنت حبيته؟"
أجابه باستنكار عاقدًا حاجبيه بدهشة :
-"أنت بتقول إيه؟
حب إيه بس.. الحكاية حكاية كرامة مش أكتر"
رفع حاجبه بتعجب وقال بسخرية :
-"ياريت ميكنش غير كده ، وافتكر انه أجبرك على الجوازة دي"
أنهى قلبها الحوار يشير بيده له ليصمت :
-"خلاص اسكت اسكت مش كل شوية تفكرني"
تأففت فجأة فنظر لها بدهشة فلم تلتفت له حتى وصلا إلى المنزل ، وبدون أي كلمة هبطت من السيارة وصفقت الباب خلفها .
كادت أن تذهب لكن وسوس لها شيطانها إثاره غيظه أكثر ، فعادت إليه مرة أخرى ببسمة ماكرة ، تفتح الباب تحت نظراته المندهشة ظنًا أنها ستتحدث بشيء ما لكنها فاجأته بصفعها للباب بقوة تردد صداها بداخل السيارة والتفتت إلى المنزل بخطوات أنثوية منتصرة.
قبل أن تدلف جذبها من خصرها بعدما هبط من سيارته يلحق بها ، يدفعها إلى الشجرة القابعة هناك..
أحاط خصرها بيد ، والأخرى تخلل بأصابعه بين طيات شعرها جاعلًا إياه خلف أذنها نزولًا لأسفل عنقها ، يلعب على أعصابها لأقصى حد وهبط لأذنها يهمس بخبث :
-"ينفع تدخلي من غير ما أقولك مبروك"
كانت تنظر له بارتباك وتوتر من قربه ، فيده على خصرها تثير في عمودها الفقري رعشة لا تعرف سرها ، لمساته على وجنتيها وعنقها تجعلها مرتبكة ومتوترة ، نظراته لها لا تنم عن خير لكن إن فعل ما تفكر فيه فلن تتمهل عن إعطائه الصفعة التي تأمل لها.
نظرت له بغضب يخفي خلفه توتر كبير من قربه تهتف :
-"سبني يا مازن وامشي ، مش ناقصة هزار ، أنا مش طيقاك أصلًا"
يتابع تعابير وجهها بين الارتباك ، والتوتر ، والتفكير بابتسامة أثارت غيظها ، عينيه مسلطة على عينيها وشفتيها بلون الكرز
ظل يهبط ببطء مربك ، أراد أن يزيد توترها ، فلاحظ ازدياد أنفاسها وعلو صدرها وهبوطه ، ظل يهبط حتى صار على بعد سنتيمتر واحد من شفتيها..
تحولت ابتسامته إلى ابتسامة شيطانية عندما وجدها مغمضة الأعين ، ففاجئها وغيَّر اتجاه شفتيه يلثم وجنتيها بقبلة طويلة جعلتها تفتح عيناها بصدمة غير متوقعة ، وغيظ من التلاعب بها.
اشتعل وجهها من الخجل ومن ملمس شفتيه على وجنتيها قبل أن يهمس لها بنبرة عبث وتلاعب :
-"مبروك يا حرمي المصون"
تركها فجأة مثلما أمسك بها وسار أمامها باستعلاء وثقة ، أخذ سيارته وانطلق دون أن يرفع نظره لها.
ظلت على وضعها تحاول لملمة شتات أنفاسها ، فهذا الرجل بارع في التلاعب بأعصابها.
زفرت بغيظ لسكوتها وعدم الرد عليه فأمسكت ذيل ثوبها بغضب تزفر أنفاسًا حانقة ، ثم اتجهت لداخل المنزل وصعدت لغرفتها بخطوات تكاد تحفر خندقًا في الأرض
لينتهي ذلك اليوم بكل ما حدث فيه.
قــالت حبيبي دع الماضي وقبلني
قبلني بين ذراعـيك..
أنا الكل
فأنا لي الحاضر والآتي
* * * * *
أخبرونا سابقًا إذا سمعت شيئًا فلا تصدق دون أن ترى
لكن تعلم حتى لو رأيت وسمعت
لا تصدق طالما لم تبحث وتتأكد بنفسك
فدائمًا ما تراه وتسمعه ليس سوى قشرة تخفي الحقيقة
بعد مرور يومين في الشركة كانت ياسمين تقف في زاوية غير مرئية تلتفت حولها تطمئن ألا يوجد من يراقبها أو يستمع إليها.
رفعت هاتفها تضرب عدة أرقام لشخص تحفظها عن ظهر قلب ليجيبها الآخر بعد عدة ثوانٍ فتقول :
-"ألو.. أيوه أنا أتأكدت إن كل حاجة تمام ، والشحنة على حسب ما عرفت وعرفتك إنها هتوصل عن قريب"
جاءها الصوت من الجهة الأخرى محذرًا :
-"كويس قوي ، بس فتحِ عينك وخلي بالك"
ضحكت بهدوء تقول بثقة :
"اطمن أنا عارفة هتعامل في الموقف ازاي؟"
انتهت المكالمة وارتسمت على محدثها ابتسامة ثقة.. لتغلق هي الأخرى هاتفها والتفتت نحو مكتبها تباشر عملها.
لم تنتبه إلى الذي يتابع الحديث منذ بدايته والشك يساوره تجاهها بين الحين والآخر ، حك ذقنه بتفكير يكتف ذراعيه أمامه وعيناه عليها يحاول معرفة ما يدور خلفها!
* * * * *
ليت الزمن ساعة
عقــاربها أنا وأنت
كلما نفترق ساعة
نتقابل في نهايتها
جالسة في الحديقة على الأرجوحة التي تعشقها ، ترتدي بنطال أبيض وفوقة كنزة وردية مرسوم عليها رسمة تويتي الرقيقة.
ترفع شعرها بمشبك شعر وبضع خصلات تهبط على جبهتها أعطتها مظهر طفولي ، وهالة ملائكية.. كانت تضع سماعات الأذن تقرأ في كتاب ومندمجة كثيرًا بأحداثه.
فجأة وجدت من يخطفه من بين يديها ويخرج سماعات الأذن من أذنها ، فالتفتت تجده رامز واقفًا خلفها مستندًا بذراعيه إلى ظهر الأرجوحة مبتسمًا ابتسامته المعهودة التي خطفت لبها.
نظرت له بدهشة لظهوره المفاجئ قائلة :
-"رامز أنت جيت امتى؟"
-"لسه جاي ، بس أنتِ اللي سرحانة ومش هنا"
وقفت بمواجهته بابتسامة متوترة تقول :
-"كنت لابسة الهاند فري وبقرأ في الكتاب مخدتش بالي"
حاولت أخذ الكتاب منها لكنه أبعده عنها ، ظل يلاعبها على هذا النحو حتى ابتعدت عنه مكتفة ذراعيها أمام صدرها بغضب وأشاحت برأسها قائلة :
-"خلاص مش عايزاه ، خليه ليك"
تقدم منها بأعين مليئة بالحنان لا تفارق محبوبته ، وقال بصوت ملئ بالمشاعر يمد لها يده بالكتاب :
-"خلاص متزعليش بهزر معاكِ..
قولي لي بقى مالك؟
بقالي فترة حاسس أنك متغيرة مش عارف ليه؟"
ارتبكت وأدعت أنها ترتب شعرها ونظراتها زائغة بجميع أرجاء الحديقة هروبًا من نظراته ثم ضمت الكتاب لصدرها في حركة دفاعية كأنه يحميها قائلة :
-"مليش ولا حاجة أنا كويسة..
المهم قولي أنت جاي لمازن ولا إيه؟"
لم يجبها مسرعًا بل ظل ينظر لها بغموض وصمت يستند إلى أحد أعمدة الأرجوحة بكتفه واضعًا كفيه بجيوبه ثم قال :
-"لا مكنتش جاي لمازن ولا حاجة ، أنا كنت جاي عايز أخد رأيك في موضوع"
-"موضوع إيه!؟"
تساءلت بدهشة وحاجبين معقودين ليجيب بنبرة متلاعبة آملًا أن تفهم :
-"كنت عايز أجيب هدية لحبيبتي ، أصل عيد ميلادها قرب وعايز أعملها حاجة مميزة..
وأنتِ عارفة أنا فاشل في الحاجات دي ، ومفيش أحسن منك يساعدني"
ماذا!؟
أيطلب منها الذهاب معه لانتقاء هدية لحبيبته؟
ألم يكفه كم الجراح التي أصابني بها حتى يغرز خنجر آخر في قلبي؟!
لم أعد أتحمل الوجع ، لابد أن أخرج هذا الحب اليائس منك ، لابد أن أعود لطبيعتي ولا أضع أمل لهذا الحب.
فأمام هذه المشاعر التي تشع من عينيه لها قضيّ على كل الآمال لدي أن يأتي اليوم الذي يشعر فيه بحبي ، لكن يبدو أن مكانتي لديه لم تتعدَ مكانة الأخوة.
أغمضت عينيها لحظات تستعيد تركيزها ، وحاولت أن تبدو طبيعية في ردها ، ثم نظرت إليه قائلة :
-"معنديش مانع يا رامز ، شوف أنت عايز تروح تجيب الهدية امتى وقولي ، بس دلوقتي مش هينفع لأن ورايا مشوار مع واحدة صاحبتي"
-"تمام يا سمسمة ، هظبط ميعاد وأقولك..
همشي أنا لأن ورايا مشوار مهم ، وسلمي لي على طنط كتير"
-"تمام في رعاية الله"
غادر ووصل إلى سيارته ، لكنه قبل أن ينطلق بها ألقى نظرة على جنيته الصغيرة التي توليه ظهرها وابتسم ابتسامة ذات معنى ثم انطلق بسيارته.
أما هي ظلت واقفة في مكانها بضع لحظات تشعر وكأنها استنفذت كل طاقتها كي تبقى بكل هذا الثبات أمامه ، شعرت بقطرات تبلل وجنتيها فما كانت إلا دموعها.
تحاملت على نفسها حتى صعدت إلى غرفتها ، وألقت بجسدها على الفراش ، تبكي قلبها وحبها الذي لم يظهر إلى النور.
كففت دموعها و نهضت ترتدي ملابسها وذهبت إلى وجهتها.
* * * * *
على الصعيد الآخر..
في مقر الجريدة ، كانت هدير تجلس مع نادر ومنار يتحدثون في العمل ، ولم يخل حديثهم من الضحك والمزاح.
التفتت هدير بنظرها إلى نادر ترتشف من قهوتها وقالت :
-"قولي صحيح اتفقت مع عمو حسين هتروح تزورهم امتى؟"
-"بكرة إن شاء الله الساعة 8"
قالها بابتسامة محببة وأمل كبير ، ثم نظر إلى منار بحب قائلًا بغمزة عشق مقترب برأسه منها :
-"حتى أنا بفكر نوفر وقت وأخليه كتب كتاب بدل الخطوبة..
إحنا بقالنا أكتر من عشر سنين سوا يعني حافظين بعض"
اكتسى وجه منار بحمرة الخجل ، وانتفضت من مجلسها بعيون متسعة هاتفة بصوت متقطع :
-"أنت بتقول إيه؟!
لا لا طبعًا ، كتب كتاب إيه اللي بتقول عليه؟
إحنا متفقناش على كده"
نظرت لها هدير بتعجب من ردة فعلها، وأردفت بنبرة سخرية ترفع فنجان قهوتها ترتشف منه بتلذذ :
-"قال يعني أنا اللي كنت اتفقت!
استهدي بالله يا بنتي ، يا ترى أنتٍ مش عارفة هزار نادر"
نظر لها الآخر بغيظ فهو ليس بحاجتها لتخبرها بهذا الشيء ، فإن لم تقل ما سيساعده فأولى لها أن تصمت أفضل ، فقال من بين أسنانه :
-"ما تستهدي أنتِ بالله وتقعدي في حتة!
شيفاها مستنية كلامك يعني.. ما هي إشعال ذاتي لوحدها"
نظرت له من أسفل عدستي نظارتها بحاجب مرتفع بسخرية قائلة تعبث بالورقات أمامها :
-"اقعد وبطل هزار ، وقولي عملت ايه في المعلومات اللي طلبتها منك عن نادين عاصم؟"
رفع سبابتيه للسماء محاذاة مع رأسه في دعاء "ربنا على الظالم" ، قبل أن يزجرها بنظرة غيظ يقف متظاهرًا بأنه يعدل من وضع نظارة وهمية ، ثم قال بنبرة فخورة وكأنه حصل على معلومات غاية السرية :
-"نادين عاصم الأسيوطي ، أبوها صاحب شركة الاسيوطي للاستيراد والتصدير ، وأمها من سيدات المجتمع..
مغرورة جدًا وقمة التكبر"
ألقى نظرة ماكرة لمنار الجالسة منتبهة لحديثه قبل أن يتابع :
-"بس إيه بقى زي ما شوفتيها في الخطوبة كده..
مش تخينة ولا رفيعة.. ولا طويلة ولا قصيرة ، يعني عود فرنسي كده ، شعر أسود ، وعيون خضرة ، وبشرة بيضة ، متقوليش مصري مخلط على تركي"
قال جملته الأخيرة مغمض العينين رافعًا رأسه لأعلى في حلم ، لكن قبل أن يكمل حديثه وجد من يقذفه بملف اصطدم بكتفه ، فالتفت وجدها منار تنظر له شذرًا وملامح الغيرة والغضب بادية على وجهها ، ثم هتفت به قائلة :
-"هو البيه رايح يتغزل فيها ولا إيه يا سي نادر؟
عود فرنسي وعرق تركي وواخد راحتك أوي"
اقترب فجأة من مكتبها واستند بكفيه على سطحه ، مقتربًا برأسه ينحني اتجاهها يغمز هامسًا بغزل وحب :
-"هو أنا أقدر بردو ، بعدين أنا بشجع صناعة بلدي مليش في التقليد.. البلدي يوكل يا جميل"
أسدلت أهدابها ، واكتسى وجها باللون الأحمر خجلًا من غزله المبهم ومن نظراته التي تحتويها.
ليغمز لها ثانيةً هاتفًا :
-"والله عسل مصفى"
وضعت كفيها على وجهها تخفيه بخجل من حديثه ، فلقد استطاع احتواء غيرتها وغضبها ببضعة كلمات بثوا الأمان لها.. فأفاقوا على صوت هدير الهادر بسخرية من خلفهما :
"أخرج أنا أحسن؟
حاسة إني عزول بصراحة!
واشغل ليكم عمرو دياب وأجيب ليكم اتنين ليمون ونعمل جو رومانسي ، حتى الصحافة مش جايبة همها"
ثم صاحت بنادر بغضب منه قائلة :
- وبعدين هو أنا طالبة منك شكلها ، أنا عايزة أعرف علاقتها بمازن إيه؟"
غمز لها مازحًا :
-" إيه احنا بدأنا نغير ولا إيه؟"
قذفته بالقلم الذي كانت تثبت به شعرها هاتفة :
-"انجز يا نادر متخلنيش أتعصب أكتر"
لوى فمه بتهجم ثم جلس واضعًا ساق فوق الأخرى مضجعًا بجسده براحة على الكرسي وقال :
-"أنتِ فصيلة يا شيخة والله!
المهم أبوها وأبو مازن كان في بينهم شغل مستمر لحد دلوقتي من زمان قوي ، وبحكم الشغل العيلتين بقوا أصدقاء"
نظر لها بمكر يرفع كأس العصير الخاص بمنار يشرب منه وتابع :
-"واللي أعرفه إن نادين بتحاول تلفت مازن ليها ، فحرصي على جوزك بقى"
ضغطت على أسنانها بغيظ منه وأرادت الانقضاض عليه لكن وجدوا من يطرق الباب ، فرفعوا أنظارهم وجدوها أسماء تقف بارتباك ظاهر عليها.
نهضت هدير ومنار وتقدما منها بسعادة لهذه الزيارة غير المتوقعة ، فبادرتها هدير بالاحتضان وهي تقول :
-"إيه المفاجأة الحلوة دي!
وحشتيني يا سمسمة"
بادلتها أسماء الاحتضان بقوة وقالت :
-"أنتِ كمان وحشتيني"
دفعت منار هدير بعيدًا ، وقالت بمرح وهي تحتضنها :
-"الجريدة كلها نورت يا سمسمة والله"
ضحكت على خفة ظلها وبادلتها المرح ثم ألتفتت إلى هدير وقالت بهمس :
-"عاوزة أقعد معاكِ شوية ، في موضوع محتاجاكِ فيه"
التقطت ملامح الحزن البادية على وجهها وآثار البكاء في عينيها فقالت :
-"بس كده عيوني.. يلا نروح نقعد في أي مكان غير هنا"
خرجت الفتاتان بعدما أخذت هدير الإذن من مديرها بالانصراف .
ذهبوا إلى مكان هادئ يقع على النيل ، وجلستا على طاولة في مكان بعيد عن الأنظار حتى لا يزعجهما أحد.
نظرت هدير إلى تلك المرتبكة تحيد بنظرها في أرجاء المكان بتوتر ، فوضعت كفها فوق يدها وقالت بحنان :
-"مالك يا أسماء؟
باين عليكِ قلقانة ومتوترة ، ايه اللي حصل؟"
بادلتها نظراتها بنظرات شاردة ، فشجعتها أن تخبرها بكل ما يعتمر قلبها ، فتنهدت قائلة :
-"مش عارفة يا هدير ، حاسة إني تعبانة ، وملقتش غيرك أثق فيه وأحكي له يمكن تساعديني"
شددت على يدها وقالت بنبرة مشجعة :
-"احكي يا أسماء إيه اللي حصل؟"
قصت لها أمر حبها لرامز ، عندما رأته في تلك الليلة منذ أربع سنوات في المشفى ، عندما وصلها أمر تعرض أخيها لحادثة وهناك من أنقذه..
منذ ذلك الحين صار صديق أخيها المقرب ، ومرة تلو الأخرى أصبح شخص مهم في حياتها
فأمها اعتبرته ابنها الآخر وأصبح صديقها المقرب..
ومع مرور الأيام تحولت الصداقة إلى حب في قلبها ينمو مع مرور الأيام ، ويروى باهتمامه وخوفه عليها.
يهتم بدراستها ويدرس لها ما لم تفهمه ، كان أول من يأتي لها بتقديرها..
لم يخلف موعد معرض للرسومات لها لم يحضره ويقف يشجعها.
إلى تلك الليلة في خطبة أخيها ، عندما اعترف لها بحبه لأخرى وعشقه لها ، نظراته كانت تتحدث عنه واليوم أتى يطلب منها أن تساعده في عمل مفاجأة لحبيبته.
تابعت أسماء ولم تشعر بدموعها التي تسللت إلى وجنتيها :
-"تعبت يا هدير ، طول الأيام اللي فاتت بحاول أأقلم نفسي على حبه لواحدة تانية ، يقوم يجي النهاردة ويرجعني تاني لنقطة الصفر"
اقتربت منها وأحاطتها بذراعيها ممسدة عليه بحنان لتضمها أسماء بقوة تدفن وجهها في كتفها ، فقالت :
-"اهدي طيب عشان نعرف نتكلم بهدوء ونشوف حل.
أنتِ بتقولي كان مهتم بيكِ طول السنين دي ومش بيفوت فرصة ولا مناسبة خاصة بيكِ صح؟"
أومأت برأسها تؤكد كلماتها ، فتابعت وقد تلبسها روح المحقق كونان وحركت حسها الصحفي :
-"وفجأة كده في يوم الخطوبة اعترف ليكِ أنه بيحب واحدة وشاغلة تفكيره ، والنهاردة عايز يعملها مفاجأة"
اومأت برأسها مؤكدة مرة أخرى تنظر لها بتساؤل لما تحاول الوصول إليه وسألتها :
-"أنتِ عايزة توصلي لإيه يا هدير؟"
سألتها فجأة :
-"أنتِ عيد ميلادك امتى؟"
- "كمان أسبوع"
أسندت ظهرها إلى كرسيها ، ووضعت سبابتها وإبهامها على ذقنها تفكر فيما قيل ، ثم نظرت لأسماء وقالت مفكرة بصوت عالٍ :
-"بصي من الكلام اللي قولتيه ، ومن تصرفات رامز معاكِ وكلامه في الفترة الأخيرة دي ، مش عارفة ليه حاسة البنت دي تبقى أنتِ وهو عايز يعملك مفاجأة ، بمعنى أصح بيتقل وعايز يشوف ردة فعلك"
عقدت حاجبيها بعدم فهم لحديثها وتساءلت :
-"ازاي يعني؟
أنتِ عاوزة توصلي لإيه يا بنتي مش فهماكِ"
ضربت هدير على جبهتها بيأس ثم هتفت بغضب مصطنع :
-"يعني عايزك تغيري ويشوف ردة فعلك ، واللي أنا متأكدة منه إنه عرف إنك زعلتِ.. بدليل تعاملك معاه بحذر من بعد الخطوبة"
نظرت لها بدهشة وتساؤل
هل يمكن أن يكون رامز يقصدها بكلامه؟
هل هي الفتاة التي يحبها؟
يا الله ليت كلامك حقيقة هدير!
عضت على شفتيها تحك رأسها قائلة :
-"تفتكري يا هدير؟"
-"بصي كله مجرد تخمين ، بس ده ميمنعش أننا نتأكد بردو"
-"ازاي!"
-"نمشي بنفس المبدأ ، يعني خليه يغير"
ربتت على يدها عندما لاحظت نظرات التساؤل في عينها وعدم الفهم وقالت بهدوء :
-"الفرق بين البنت والولد في الغيرة ، إن البنات نوعين نوع زي الخفاش يمسك في البنت اللي قربت من حبيبها وتندمها على اليوم اللي فكرت فيه تقرب منه..
ونوع تاني شبه حضرتك يكتم في قلبه ويبعد.
أنما الراجل وقت ما يحس بالغيرة يقتل اللي قرب من حبيبته.. فهمتيني؟"
أنهت حديثها و وجدت أسماء ترتمي في أحضانها تقول :
- ربنا يخليكِ ليا يا دودو ، كلامك أداني أمل..
حتى لما فكرت فيها معاكِ دلوقتي لاقيت حاجات كتير وقعت مني..
بس خليكِ جمبي ماشي"
ابتسمت لبراءتها وبادلتها الاحتضان وقالت بمرح :
- "طب بس ليشكوا فينا ، ويلا هروح معاكِ نشوف طنط ، كانت كلمتني وقالت لي عيزاني"
صاحت أسماء بمرح وقالت :
-"يعني جاية معايا البيت ، كويس أوي يلا بينا"
غادرت الفتاتان وحالة أسماء تختلف اختلاف جذري عما كانت عليه قبل ساعة ، والفضل يعود لهدير ، فهي لم تتردد لحظة أن تحكي لها.
* * * * *
الخطأ لحظة والندم عمر بأكمله
كالغفوة لا تدري كيف ومتى حدث؟
والثمن ضياع الغالي والنفيس

واقفًا بشرفة مكتبه يدخن سيجارته يتابع السيارات تسير بسرعات متفاوتة فوقعت عيناه على شاب يحاول مراضاة فتاته التي تشيح بوجهها عنه ، يرفع كفها إليه يقبل ظاهره في مبادرة اعتذار منه.
فأخذه عقله إلى ذكرى مر عليها ثلاث سنوات..
يهرول خلفها بسيارته كي يلحق بها بعدما تركته وذهبت غاضبة لأنه تركها تنتظر قرابة الساعتين بمفردها بسبب عمله ، وعندما أتى زجرته بنظرة صامتة غاضبة وأخذت حقيبتها وذهبت.
حاول إيقافها لكنها لم تعطه أي فرصة!
دلفت من باب منزلها ليدلف خلفها بعد ثانيتين ، صفعت الباب بقوة وكادت أن تركض إلى الداخل لولا قبضته التي جذبتها بقوة هاتفًا :
-"هدير استني واسمعيني.. خليني أشرح لك"
حاولت الإفلات من قبضته وفشلت ، لتهتف من بين أسنانها :
-"سيبني يا كريم وروح شوف شغلك"
جذبها إليه يمسكها من عضديها يرفع كفه إلى وجنتها بحنان :
-"حبيبتي والله الشغل كان كتير ، والاجتماع أول ما خلص جيت لك على طول.. والله غصب عني"
ناظرته بعتاب ولوت فمها بسخرية قائلة :
-"فيه اختراع اسمه تليفون يا باشمهندس"
قهقه باستمتاع وأحاط رأسها بكفيه يعيد خصلاتها للخلف هامسًا بأعين محببة :
-"خلاص حقك عليا ، متكشريش بقى واضحكي"
أفاق يطفئ سيجارته بأنامله بغيظ وغضب على غباءه وضياعه لهدير من بين يده!؟
ندم جعله يقسم على استردادها من جديد.
لكنه نسى أن
ما خُسر بسبب الغباء لا يمكن استرداده
ولو أصبح يملك ذكاء العالم أجمع
فالخائن لا رحمة له

قول يا رب likes this.

Fatima Zahrae Azouz غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 19-11-20, 08:12 PM   #14

Fatima Zahrae Azouz

مشرفة قصرالكتابة الخياليةوقلوب احلام وقاصةهالوين وكاتبةوقاصةفي منتدى قلوب أحلام وحارسة وكنز سراديب الحكايات وراوي القلوب

 
الصورة الرمزية Fatima Zahrae Azouz

? العضوٌ?ھہ » 409272
?  التسِجيلٌ » Sep 2017
? مشَارَ?اتْي » 2,564
? الًجنِس »
? دولتي » دولتي Morocco
?  نُقآطِيْ » Fatima Zahrae Azouz has a reputation beyond reputeFatima Zahrae Azouz has a reputation beyond reputeFatima Zahrae Azouz has a reputation beyond reputeFatima Zahrae Azouz has a reputation beyond reputeFatima Zahrae Azouz has a reputation beyond reputeFatima Zahrae Azouz has a reputation beyond reputeFatima Zahrae Azouz has a reputation beyond reputeFatima Zahrae Azouz has a reputation beyond reputeFatima Zahrae Azouz has a reputation beyond reputeFatima Zahrae Azouz has a reputation beyond reputeFatima Zahrae Azouz has a reputation beyond repute
?? ??? ~
My Mms ~
افتراضي

الفصل العاشر
سألوني عن اسمه
رفعت رأسي إلى السماء وتنهدت
سألوني عن شكله
أغمضت عيني بحنان وتخيلت
سألوني عن قلبه
وضعت كفًا بكف وضممتها إلى صدري
وأخيرًا سألوني أين هو الآن
بكيت بلهفة وقلت
من لم يذق طعم الفراق لم يعرف معنى الحبّ
وصلت الفتاتان إلى المنزل استقبلتها ميرفت بترحاب وابتسامة محتضنة إياها بحنان ، ثم قادتها إلى الصالون تقول :
-"عاملة إيه يا هدير؟
طمنيني عليكِ"
-"الحمد لله يا حبيبتي بخير طول ما حضرتك بخير"
استقامت أسماء هاتفة تلتفت حولها :
-"هو مازن هنا يا ماما؟"
-"لا يا حبيبتي.. رامز أتصل بيه يروح الشركة لحاجة ضرورية وهيجي على الغدا ، يعني عشر دقايق ويكونوا هنا"
استدارت هدير تقول باهتمام تشبك أناملها مستندة بمرفقها الأيسر على حافة الكرسي :
-"خير يا طنط حضرتك كنتِ عيزاني في ايه؟"
ابتسمت لها ميرفت وقالت :
"مالك مستعجلة ليه؟
اعملي حسابك مش هسيبك النهاردة ماشي"
ضحكت بشدة ثم نهضت تجلس بجانبها تداعبها بمرح :
-"وماله.. وبالمرة نمشي البت دي ونقعد أنا وأنتِ لوحدينا"
صرخت أسماء بغيظ مصطنع وهجمت عليها تضربها في كل مكان تطاله يدها تهتف بغيظ مشوب بالمرح :
-"بقى كده بتسربوني!
والله مش هسيبك النهاردة"
ظلت الاثنتان يتقاذفان بالوسائد وكأنهن أطفال صغار وميرفت تضحك على منظرهم الطفولي.
دلف مازن برفقة رامز في هذه اللحظة يتحدثان بشأن يومهم في الشركة ، فانتبها إلى صوت الضحك الصادر من الداخل ، نظرا إلى بعضهما بدهشة عاقدين حاجبيهما واتجها إليهن ليرا ماذا يحدث؟
فوجئ بوجود هدير فوقف يشرد في ملامحها الطفولية ، جالسة بجانب والدته كمن تحتمي بها ، عالقة بذراعها ووجها شديد الاحمرار من كثرة الضحك حتى دمعت عيناها ، تخرج لسانها بطفولية لأخته الواقفة أمامها تضع يديها في خصرها كمن تهم لضربها..
أما رامز فشرد في صغيرته التي كانت تقف واضعة يديها في خصرها وتهز قدمها بغيظ ، شعرها منتشر حول وجهها المحتقن.. عيناها علم أنهما الآن شديدتا البنية كعادتها عندما تغضب.
رغبة احتضانها اجتاحته ، فأقل حركة منها تجعله يعشقها.
كانت ميرفت أول من انتبهت لوجودهما فقالت بابتسامة حنونة تشير لهما بالدخول :
-"الحمد لله على السلامة يا ولاد"
التفتت الفتاتان لهما ، فاعتدلت هدير في جلستها تعيد خصلاتها خلف أذنها شاعرة بشيء من الإحراج..
فجلست أسماء بجانبها وعيونها متسعة من الخجل هي الأخرى.
تقدم مازن وقبل يد والدته وعينيه على زوجته الجالسة بجانبها وقال :
-"أخبارك إيه يا ست الكل؟"
-"بخير يا حبيبي"
غمز بعينيه لأسماء كي تنهض فتظاهرت بالغباء رافعة كتفيها بلا مبالاة ، نظر لها بشذر متقدمًا خطوة منها فتحركت مسرعة تفرغ له المكان كي يجلس بينها وبين هدير التي كانت تراقب جلوسه بجانبها ولم تبدِ اهتمام له من الأساس.
تتحاشاه طوال الأيام الماضية منذ الليلة التي علمت فيها بأمر زواجه من نادين تتجاهله عن قصد.
أما رامز فقد تقدم من ميرفت بمرحه المعتاد يجلس على الكرسي بجانبها قائلًا :
-"وحشتيني يا فيفي"
ضحكت على خفة ظله وقالت جاذبة إياه من خصلاته :
-"هتفضل طول عمرك تأكل بعقلي حلاوة..
كنت فين من يوم كتب كتاب مازن؟"
تصنع التعب والحزن وأسند جبينه على يده يقول :
-"أقولك إيه يا فيفي ولا إيه؟"
أشار بسبابته إلى مازن بغيظ مصطنع :
-"ابنك المفتري مشيلني الشغل كله وهايص..
لسه كتب كتاب وبيجي الشركة كل فين وفين ، أومال لما يتجوز بقى هيعمل فيا إيه؟"
ثم أمسك يدها وقال باستنجاد مصطنع :
-"اعملي حاجة أنا بضيع ، حوشي ابنك عني"
كل ذلك وميرفت لم تتمالك نفسها من الضحك ، وهدير وأسماء على مرحه ، أما مازن فقذفه بالوسادة هاتفًا بغيظ :
-"ما تجمد كده مالك!"
نهضت والدته تقول وأثار الضحك مازالت في صوتها :
-"أقولهم يجهزوا الغدا ، تكونوا غيرتوا ، وأنت يا رامز البس حاجة من عند مازن لأنك مش هتمشي النهاردة"
اقترحت الفتاتان على ميرفت أن يساعدوها لكنها رفضت قائلة أنها ستنبه على العاملين فقط بسرعة تحضيره.
صعد رامز مع مازن إلى غرفته وأبدلوا ملابسهم ، ارتدى مازن كنزة باللون الكحلي وبنطال رمادي.. ورامز كنزة بيضاء وبنطال أسود.
ثم هبطا فوجدا أسماء جالسة تعبث بهاتفها ولا أثر لهدير ، سألها مازن عنها فأخبرته أنها بالشرفة تهاتف والدتها تخبرها أنها ستقضي اليوم هنا.
أومأ برأسه متوجهًا إلى الشرفة.
وجدها تقف مولية له ظهرها ، خصلاتها تهبط حتى منتصفه ، ترتدي بنطال وكنزة بأنصاف أكمام.. فوقف مكتفًا ذراعيه ، مستندًا بكتفه على حافة الباب ، وعيناه تدرسها من أعلى رأسها لأسفل قدمها ، يبتسم نصف ابتسامته المعهودة قبل أن يخطو بقدمه للداخل.
أنهت مكالمتها ووقفت تتأمل المكان من حولها ، تعبث بشعرها تعيدها للخلف ، فزعت عندما وجدت من يحيط خصرها يجذب ظهرها إلى صدره ، فالتفتت برأسها وجدته هو.
رمقته بغضب وأخذت تتحرك بين يده تحاول الافلات من حصاره تقول بغيظ :
-"مازن سيبني.. إيه اللي بتعمله ده؟"
ابتسم بعبث وبنبرة متلاعبة همس بجانب أذنها :
-"إيه اللي بعمله!
واحد بيحضن مراته عشان متجيش تقولي مش مهتم بيا"
-"وأنت ما شاء الله أستاذ في كده"
-"جدًا فوق ما تتخيلي"
قالها يضحك مليء شدقيه.. خاصة وهي تتحرك يمينًا ويسارًا تحاول التحرر منه كعصفورة صغيرة بين براثن قط ضخم ترفرف ترجو الافلات لتطير بينما هو يراقبها باستمتاع!
إلى أن يئست من تركه لها ، فأسدلت كتفيها بيأس وعضت على شفتها السفلى مفكرة في حل آخر كي تهرب من بين ذراعيه.
لمعت في رأسها فكرة تعلم أنها ستؤتي بثمارها معه ، فاستدارت له واستعارت نظرات البراءة التي ترسمها ببراعة عندما تريد أن تتدلل على والدتها وتحاول إقناعها بشيء ، ورفعت يديها تحيط عنقه قائلة بدلال يليق بها :
-"ولو طنط جت وشافتنا كده تقول علينا إيه؟"
ضيق عينيه لتلك النبرة الغريبة عليها ، ولكن عندما تلاقت الأعين التقط نظرة المتلاعبة ، فابتسم وقرر مسايرتها في لعبتها فشدد قبضته حولها قائلًا بتلاعب :
-"وإيه يعني تشوفنا!
يا ريت تشوفنا على الأقل تداري الفضيحة ونتجوز"
ضحكت بدلال أجبرت نفسها عليه ورفعت كفها تضعه على جانب وجهه مقتربة منه تراقب حركة عينيه التي اضطربت للحظات تأثرًا بها ، وأنفاسها التي أصبح يتنفسها ولكنه أخفاه بخبرة وسيطرة.
تلاقت نظراتُهم لفترة طويلة وتعالت أنفاسهما ، كاد أن يقترب منها وعيناه مثبتتان على شفتيها الكرزية..
فاستغلت ذلك وحررت ذراعيه الملتفين حول خصرها وهرولت تخرج من الشرفة ، لكن يده كانت السَّباقة ، فجذبها من ساعدها يدفعها للحائط خلفها هابطًا على شفتيها في أول قبلة بينهما..
غبية إن ظنت أن شخصًا يفهم جيدًا سيكولوجية المرأة سيقع في محاولاتها الأولى في التلاعب والمشاكسة!
فمهما طالت خبرتها ومكانتها لن تصل إليه!
قبلة اقتحم بها شفتيها يتشرب رحيقها ، شعر معها بشعور غريب ، شعور أشبه بالكمال!!
كمن مر عليه زمن ظمآن وما كان يروى إلا بشهد شفتيها.
ظلت ثانيتين حتى تستوعب ما يحدث؟!
وما إن انتبهت حتى بدأت تدفعه بقبضتها الصغيرة على صدره كي يبتعد عنها.. فلم يتركها بل شدد من ذراعه حول خصرها يجذبها إلى صدره ، وباليد الأخرى تخلل خصلاتها مثبتًا رأسها.
لم تجد مفر للهروب ، فضغطت بأسنانها على شفته السفلى مما جعله يتأوه ويتراجع للخلف خطوة ، خطوة كفيلة أن تجعلها تهرب للداخل تاركة إياه واقفًا ينظر لها وهي تركض باضطراب.
مرر أصابعه بين خصلات شعره البني الكثيف وعلى شفتيه ابتسامة هادئة ، استدار يضغط بقبضتيه على حافة الشرفة وصدره يعلو ويهبط من توتره ، وابتسامة رضا مرسومة على محياه.
ليفطن أن قبلة بالإجبار جعلت شعاع الحب يتسلل بصمت وخلسة إلى قلبه الجلف.
* * * * *
والغيرة يا عزيزي نار مشتعلة بالقلب
حطبها الغضب
ومائها نظرة عشق من عين الحبيب
جلس رامز على الكرسي المقابل لأسماء التي كانت تعبث بهاتفها غير مبالية له ، مما جعله يشعر بالغيظ منها لهذا التغيير..
تارة يعبث بهاتفه ، وتارة يضعه ويأخذ إحدى المجلات يقلب بين صفحاتها ، وتارة أخرى يهز قدمه برتابة.
حتى نظر لها وبنبرة عالية يلفت بها انتباهها :
-"مقولتليش يعني أنك هتقابلي هدير!"
أجابته دون أن ترفع نظرها إليه واكتفت برفع كتفيها :
-"عادي يعني"
ضغط على أسنانه بغيظ وقال بنبرة عالية قليلًا :
-"بصي لي وأنا بكلمك..
في إيه مالك متغيرة بقالك فترة؟"
رفعت نظرها ببرود وبنبرة هادئة تثير استفزازه :
-"مش متغيرة ولا حاجة ، كل الموضوع إن بالي مشغول بشوية حاجات"
نظرت ثانية إلى هاتفه لكنها رفعت عينها كمن تذكرت شيئًا عاقدة بين حاجبيها تسأله :
-"قولي قررت المفاجأة اللي هتعملها لحبيبتك؟"
أراد استفزازها مثلما تفعل فقال ببرود :
-"أكيد بس هظبطها وأقولك"
أومأت برأسها وكادت أن تتحدث وجدت هاتفها يرن ، كادت تعيده مكانه ألا ان اسم المتصل لفت انتباهها فوجدته مدربها في النادي ، فهي من هواة كرة السلة ولكنها انشغلت الفترة الأخيرة في رسوماتها فأهملت اللعبة ، لابد أنه يهاتفها يستعلم عن السبب ، فأجابت :
-"ألو ، أيوه يا كابتن"
-"ازيك يا أسماء أخبارك ايه؟"
-"الحمد لله يا كابتن عمر بخير"
-"خير يا أسماء بقالك كتير مبتجيش النادي ليه؟!"
أجابته بارتباك تفرك جبهتها بيدها وعيناها تحول في كل مكان :
-"بصراحة انشغلت بمواضيع كتير وأولهم كتب كتاب مازن ، بس إن شاء الله هنتظم بعد كده"
فأجابها بنبرة هادئة :
-"مش مشكلة يا أسماء هستناكِ بكرة في التدريب"
ارتسمت ابتسامة رقيقة لم يرها هو.. ولكن الجالس مقابلها يتابع الحديث من بدايته بغضب وضيق من ذلك "اللزج" كما يسميه رآها
رأى نظراته لها أكثر من مرة عندما كان يذهب يقلها من هناك ، ليست نظرات مدرب لفتاة يعلّمها ولكنها نظرات إعجاب لا يشعر بها إلا معجب مثله ، لكنه ليس معجب لا بل عاشق لصغيرته ولن يتركها لغيره.
سمعها تقول له برقتها المعهودة :
-"إن شاء الله هكون في النادي من بدري.. سلام"
التفتت له تجد عينيه تحولت لكتلة من اللون الأحمر ، يستند بساعديه على قدميه يهز قدمه اليمنى بغضب ، فضيقت عينيها وعضت على شفتيها بتفكير.
أهذه نظرات غيرة؟
حسنًا لن تحدث مشكلة إن لعبت معه قليلًا!
نظرت له تقول بمكر اكتسبته حديثًا بسبب زوجة أخيها :
-"مالك يا رامز عينك حمرة وشكلك عصبي ليه؟"
ارتفع حاجبه بغيظ يذم شفتيه ينظر لها بغموض قبل أن يسألها :
-"من امتى الاهتمام ده من الكابتن!؟"
مطت شفتها السفلى بلامبالاة محاذاة مع رفع كتفها قائلة :
-"بقالي فترة كبيرة مروحتش التدريب فاتصل يطمن"
حسنًا لقد وصل إلى أقصى درجات الغيظ حتى كان أن يجذبها من جديلتها :
-"يطلع مين عشان يطمن من أساسه؟!"
اتسعت عيناها من نبرته العالية الغاضبة التي أنعشت قلبها فقالت:
-"يبقى عمر الشاذلي مهندس وباباه أنت عارف إن له شغل معاك أنت ومازن ، وكمان المدرب بتاعي فيها إيه يعني"
كاد أن يرد ولكن قطع حديثهما دخول هدير ووجهها شديد الاحمرار ، تتنفس بصوت مسموع وكأنها كانت تركض عشرات الأمتار ، اقتربت منها أسماء عاقدة حاجبيها من مظهرها وقالت بقلق واضح:
-"مالك يا هدير فيه إيه؟"
سعلت محاولة تخفيف حدة توترها ، وتنفست بهدوء كي تتحكم في أعصابها ، ابتسمت لأسماء التي كانت تنظر لها بقلق وقالت :
-"مفيش حاجة يا حبيبتي ، بس نادر لسه مكلمني وفي مشاكل في الشغل بس"
ثم تابعت لتغير الموضوع :
-"تعالي نشوف طنط بتعمل ايه!"
ذهبت الفتاتان ودلف مازن من الشرفة يجلس بجوار رامز وعلى شفتيه ابتسامة هادئة ، نظر إلى صديقه وجد على وجهه علامات الغضب فسأله :
-"مالك؟"
لم ينظر له وظل ينظر في الفراغ وعينيه يصدر منها شرارات الغضب :
-"مفيش ، سيبني في حالي"
عقد بين حاجبيه بدهشة.. للمرة الأولى يرى صديقه بهذا الغضب ، فهو دائمًا بارع التحكم في غضبه ، فوضع يده على كتفه يشد عليه ويقول :
-"هو إيه اللي مفيش وأنت قربت تطلع نار من كل حتة!
قولي في إيه؟"
أخذ نفس عميق ثم زفره بقوة وألتفت إلى صديقه بعدما هدأت حدة نظراته وقال :
-"بس كام موضوع كده شاغلين بالي اليومين دول وخلاص قريب قوي أحلهم"
غمز بمكر قائلاً يغير مجرى للحديث :
-"قولي إيه اللي حصل خلى هدير تخرج بالمنظر ده؟"
جلس مازن وأسند ذراعيه إلى قدمه وتخللت أصابعه خصلات شعره ، تنهد قائلًا :
-"مش عارف بس فيه حاجة غريبة"
-"مش قولت لك مصدقتنيش"
قالها رامز بخبث وهو يضحك بقوة.
شرد مازن في حديثه مع صديقه منذ عدة أيام قبل خطبته عندما أخبره بنيته بعقد قرانه على هدير...
تطلع رامز إليه وتساءل :
-"أنت ناوي على إيه بحركة كتب الكتاب دي؟"
أسند ظهره إلى الكرسي ، وعبث بقلم كان يمسكه بيده يمط شفتيه بتفكير وحالت في زرقاوتيه نظرات الغموض يقول :
-"شوف يا رامز ، هدير صحفية كبيرة ، ومش صحفية في أي حاجة لا.. دي وقعت في أخطر مكان ، بسبب مقالتها عن رجال أعمال كتير في البلد شغلهم مش مضبوط خلت حياتها في خطر"
اتسعت عيني رامز بذهول ووضع الملف الذي كان يحمله بيده :
-"خطر إيه مش فاهم حاجة؟"
نهض من موضعه يضع يده في جيب بنطاله ونظر من نافذة مكتبه الواسع يطالع السيارات الذاهبة والأتية :
-"آخر واحد كان رأفت منصور هدير سجنته ، واللي عرفته أن كريم ابنه يعتبر الدراع اليمين لشركات شغلها مش مضبوط برا مصر ، وبسبب مقالها الأخير عنه خسرتهم خسارة كبيرة ليهم.
وفي شحنات كتيرة وقفت بسبب القبض على رأفت ، شحنات سلاح ، مخدرات ، وتجارة أعضاء بشرية ، وكل اللي يجي في بالك!"
تنهد بصوت مسموع واستدار بجسده نصف استدارة ينظر لصديقه مكملًا :
-"ومشكلة هدير إنها لما تبدأ في موضوع مش بتسكت إلا لما تعرف جذوره ، ولو شموا خبر إنها وصلت لحاجة تخصهم مش هيطلع نهار تاني يوم إلا وهما مخلصين عليها.
وبكده هي خطر عليهم وهيحاولوا يخلصوا منها في أي وقت"
انتفض رامز من موضعه عند سماعه لذلك ، هو أكثر من يعلم بهم ، فقد أوشك مازن في الماضي أن يعمل لصالحهم دون أن يدري عن طريق صفقة وهمية كانت ستؤدي به ، لولا أنه اكتشفهم وكان السبب في سجن رجل تلك العصابة.
ومن وقتها أصبح مازن خطر عليهم لكنهم لن يستطيعوا آذيته ، وضع يده في خصره وباليد الأخرى تخلل بأصابعه خصلات شعره وقال بشرود وتفكير :
-"طب والعمل؟
أنا وأنت عارفين مين هما ، ميفرقش معاهم حاجة ، دول مبيرحموش ومعندهمش عزيز.
وجود هدير في الصورة خطر عليها ، وزي ما أنت عارف كريم مش هيسيبها في حالها ، ومتستبعدش إنه يكون الأداة بتاعتهم لأذيتها"
دار فجأة وعيونه يشع منها الخطر والوعيد ، ضرب بقبضتيه على سطح مكتبه اهتزت لها أدواته المرصوصة فوقه ، وقال بنبرة عالية حاملة بكل معاني العصبية والتوعد ، عيناه احتقنت بشدة لذكرى مرت عليها سنوات تجسدت أمام عينه :
-"هدير هتبقى مراتي ، واللي يفكر بس يمسها يبقى آخر يوم في عمره.. لو مش فاكرين مين هو مازن السيوفي معنديش أي مانع إني أفكرهم"
ضيق رامز عينيه ونظر له بغموض يقترب وأستند بكفيه على المكتب مقربًا رأسه منه وقال :
-"طب وأنت إيه يدخلك في مشاكل خطيرة زي دي؟
المثل يقولك ابعد عن الشر وغني له.. بلاها خالص وجود هدير في حياتك واللي يحصل يحصل"
نظر له مازن نظرة طويلة ولم يجبه.. نظرة كان أبلغ من أي حديث ، من جهة نظرة إقرار بالحقيقة التي ينكرها طوال الوقت ، ومن جهة نظرة انتصار لما توصل له في عقل صديقه.
يعلم أنه لن يستمع لما يقوله ، ولن يفصح عما ينوي لكن نظرته كافية له في هذا الوقت.
ابتسم ابتسامة جانبية يهز رأسه بإقرار ومازالت عينيه عالقة بعين صديقه :
-"وفر على نفسك الوقت والغي غرورك واعترف ، أنها غلبتك"
ثم تركه وذهب ، فوقف ينظر في أثر صديقه ولم ينتبه للابتسامة التي ارتسمت على شفاهه.
عاد من تلك الذكري ، وأراح ظهره للأريكة يلقي رأسه للخلف يغمض عينيه قائلًا :
-"محدش عارف إيه اللي مستخبي"
بعد قليل قامت الفتاتان بترتيب طاولة الطعام وجلس مازن على رأسها على يمينه والدته وعلى يساره هدير وبجانبها أسماء ، وجلس رامز مقابلًا لها بجوار ميرفت.
رفعت والدته رأسها ودارت بنظرها بين مازن وهدير تقول :
-"بما إن هدير هنا ، إيه رأيكم تتفقوا على تجهيزات الفرح"
تدخلت أسماء في الحوار وقالت بشقاوة :
-"مازن أنت هتعيش هنا ولا في الفيلا التانية"
-"لا"
صاحت بها هدير عندما تيقنت أنها تقصد الفيلا التي كان يلتقي نادين فيها أثناء زواجه بها ، ثم نظرت لهم تقول بتبرير لاندفاعها :
-"أقصد ملوش لزوم ، أكيد مازن مش هيقبل إنكم تعيشوا لوحدكم ، وكمان أنا هبقى مبسوطة وسطكم"
علم أنها تذكرت إقامة نادين فيه ولهذا رفضت.. هو لم يكن ينوي أن يعيش هناك ويترك والدته وأخته بمفرهما
فنظر لطبقه وأكمل طعامه يقول :
-"أنا هجهز الدور اللي فوق بالكامل ونعيش فيه ، أما بخصوص ميعاد الفرح نتفق عليه بعدين"
ثم نظر لقطته القابعة بجانبه قائلًا يغمز بعينيه :
-"بس هيبقى عن قريب إن شاء الله"
لا تعلم أي شعور جاءها في الوقت الحالي ، ولكن كل ما تريده أن تغرز السكين في ذلك الرأس المغرور.. نظرت له شذرًا بعينيها تضغط بالسكين على قطعة اللحم حتى كادت أن تستغيث منها ولم تعلق على حديثه ، لكنها توجهت بنظرها إلى رامز وقالت :
-"وأنت يا رامز مش ناوي تتجوز"
رفع شوكته يضع الطعام في فمه ، يلوكها ثم قال غامزًا لها يثير غيرة الجالس كالطاووس :
-"قريب يا دودو ، بس ادعي لي"
منحه مازن نظرة وعيد على مناداة زوجته باسم دلالها ، يريد أن يكسر عنق التي بجانبه تبتسم الابتسامة التي لم تتفضل عليه يومًا وتمنحه إياها..
صاروا يتحدثون في أمور شتى ، إلى أن انتهى اليوم وأصر مازن على توصيلها للبيت وسيرسل لها سيارتها في الصباح.
* * * * *
اجتماع الأفاعي لا ينتج عنه سوى سم قاتل
يتسرب في شرايين من لا يحملون ذنب
سوى أنهم كالحشرات في وكرهم
وفي مكان آخر في روسيا ، يجلس مع أحد الرجال يدعى جورج رئيس تلك العصابة التي تختص في موت البشر.
وضع ساق فوق الأخرى وقال بتحذير شديد :
-"أتمنى ألا تفشل تلك الصفقة مثل الأخرى"
هز الأخر رأسه مطمئنًا ، وقال بنبرة واثقة :
-"لا تقلق سيد جورج ، أؤكد لك أن تلك الصفقة ستُنفذ بدون أخطاء.
لكن هناك مشكلة واحدة فقط!"
-"ما هي؟!"
-"هدير!
هذه الفترة تضعني في رأسها ، المرة الماضية استطعت حل المشكلة ، وتم اتهامها لشخص آخر من رجالنا ، لكن هذه المرة إذا فشلت ، سنذهب كلنا معها"
ضحك جورج بقوة ينفث سيجاره ويمسك كأسه المليء بالخمر :
-"لا تقلق كريم.. اهتمامها بك هذه الفترة في صالحنا ، لأن الشحنة سيقوم بها شخص آخر غير رأفت ، شخص لن يخطر على بالها بالمرة"
عقد كريم حاجبيه بتفكير ثم نظر لجورج فجأة يقول :
-"تقصد...!!!"
-"نعم هو"
مُلئ المكان بصوت ضحكاتهم المشمئزة يتجرعون ما حرمه الله.. ليعود كريم في اليوم التالي إلي مصر يتابع أعماله و أمر تلك الصفقة وكذلك هدير.
* * * * *
أحبك والهَوى نعمةٌ
وحبك نعمةُ الرحمن
ولو كان الهَوى غَلطة
فحبك كل غلطاتي
وفي ذلك الصباح ، ذهبت هدير إلى منزل منار حيث سيتقدم نادر لخطبتها في المساء ، وأكدت عليها أن تكون معها من أول اليوم.
كادت أن تأخذ المصعد لكن وجدته معطل فاضطرت أن تصعد الدرج حتى الطابق السابع حيث تسكن صديقتها..
وصلت إلى شقتها تتنفس بصعوبة ودقت الباب ففتحت لها ناهد والدة منار.
ابتسمت لها بحنان وقالت :
-"أهلًا يا دودو ، تعالي ادخلي مالك بتنهجي ليه؟"
دخلت تلقي ما بيدها على الأرض ثم ألقت بنفسها على أقرب كرسي قابلها ، وقالت بنبرة تشبه البكاء :
-"مجيش مرة هنا إلا لما يحص لي حاجة ، إما الاسانسير عطلان أو المجانين اللي عايشين في الدور الخامس تحت دول يطلعوا علينا مرة واحدة
وبعدين عمي ملقاش الا السابع تعيشوا فيه ليه كده؟!
أنا على وش جواز "
لم تستطع ناهد أن تسيطر على نفسها من الضحك ، فجلست بجانبها وضحكت حتى ظهرت غمازاتها والتي لم تتمهل أن تتغزل بها هدير ، فهي تعتبرها أمًا ثانية لها ، فالتفتت إليها وقالت بمرح تمسك خديها :
-"بس كله يهون عشان خاطر الغمازتين دول يا دودي"
ضربتها على رأسها بمزح ثم قالت ومازال في صوتها أثار ضحك
-"اعقلي ، دي منظر صحفية ولا واحدة مكتوب كتابها ، الله يكون في عون مازن"
صرخت بغضب مصطنع :
-"طنط أنا ما صدقت أنسى شوية تفكريني ليه؟!
المهم فين منار ؟"
-"نايمة ، غلبت أصحي فيها بس لا حياة لمن تنادي..
ادخلي صحيها على ما أحضر ليكم الفطار "
كادت أن تتحدث ولكن قاطعتها ناهد وهي في طريقها إلى المطبخ:
-"ومفيش نسكافيه ولا قهوة ، هي كوباية اللبن يا هدير "
حدثت نفسها بدهشة تنظر في الفراغ :
-"لبن!!
هو إحنا في الحضانة ولا إيه؟"
توجهت إلى الداخل وجدتها مظلمة لا أثر للضوء فيها ، أزاحت الستائر والتفتت إلى النائمة هادئة البال ، تقدمت إليها لكي توقظها :
-"منار قومي"
ردت عليها بنبرة شديدة الكسل وبلا وعي :
-"سبيني شوية يا ماما ، خمس دقايق بس خمس دقايق"
زفرت هدير الهواء تفكر كيف توقظها ، فتذكرت اليوم التي تقدم لها مازن لخطبتها عندما ألقت فوقها إبريق الماء ، فرفعت حاجبها الأيسر بشر ، و ذهبت إلى الخارج ، تأتي بزجاجة مياه من الثلاجة ووقفت بجانب منار عند رأسها.
رفعت يدها بالزجاجة وشربت منها القليل ثم ألقت الباقي فوق منار التي نهضت واقفة فوق السرير بفزع تصرخ من برودة الماء على رأسها ، فنظرت جانبها وجدت هدير تنام على السرير المقابل تضحك بشدة على مظهرها . شعرها الأشعث من النوم وتلك المنامة التي تتكون من كنزة لمنامة وبنطال لمنامة أخرى تمامًا.
صرخت بها منار تقفز فوقها تكيل لها الضربات :
-"أنتِ مجنونة!
في حد عاقل يعمل كده؟"
حاولت هدير أن تتحدث ولكن منعها ضحكها الذي أثار غيظ الأخرى وجعلها تعضها ، فصرخت فجأة تقول :
-"لا كله إلا العض ، إحنا متفقناش على كده"
وقفت منار تضحك ضحكة بلهاء وتنظم شعرها المشعث من النوم تنظر لها بتشفي :
-"عشان تحرمي تكرريها"
هدير بنبرة شبه باكية تدلك كتفها :
-"الله يكون في عونك يا نادر ، هتآخد متخلفة"
"هيآخد ملاك ، أنتِ إيه فهمك أنتِ؟!
خليكِ في سي مازن بتاعك وملكيش دعوة بندوري يا عدوة النجاح"
قالت جملتها وركضت إلى الخارج قبل أن تلحقها هدير التي نهضت من مكانها متوعدة لها بالضرب ، فدخلت إلى الحمام ، وذهبت الأخرى إلى ناهد تساعدها في تجهيز الفطور.
استيقظ والدها على صوت ضحكاتهم ، رحب بهدير بحنان وجلسوا جميعًا ليتناولوا طعامهم.
وفي المساء كانت منار ترتدي ثوب أخضر بكم واحد طويل يصل لرسغها ، والآخر قصير بخيطين على الكتف ، ورفعت شعرها في شكل رقيق وسقطت بضعة خصلات على وجهها ، لم تضع أي من مستحضرات التجميل على وجهها غير كحل أظهر اتساع عينيها.
التفتت منار لصديقتها تقول بارتباك :
-"ها شكلي حلو!"
احتضنتها هدير تقول بسعادة :
-"زي القمر يا قلبي"
دخلت ناهد عليهم وجدتهم يحتضنون بعضهم فقرأت المعوذتين ، وأطلقت زغرودة مصرية جعلتهم ينتفضون في مكانهما ، فاقتربت منهم واحتضنتهم قائلة بفرحة :
-"ربنا مش يحرمكم من بعض يا بنات"
وجدوا جرس الباب يدق ، فنظرت هدير لها وقالت تحرك حاجبيها لأعلى ولأسفل :
-"شكل العريس جه يا عروسة"
فتح حسين الباب فوجد نادر ووالدته واقفان ، فرحب بهم وقادهم للصالون ، وخرجت والدتها ترحب بهم ، فبادر والد منار بالحديث قائلًا بترحاب كبير :
-"شرفتونا والله يا جماعة
أخبارك إيه يا نادر؟"
-"الحمد لله يا عمي ، أخبار حضرتك إيه؟"
-"نحمد ربنا الحمد لله"
نظرت ناهد إلى فريدة والدة نادر ، وربتت على قدمها مبتسمة قائلة :
-"والله زمان يا فريدة ، وحشتني القعدة معاكِ"
بادلتها فريدة الابتسامة بصدق تلتفت لها :
-"وأنا كمان يا ناهد وحشتني لمتنا ، بس إن شاء الله تكون فاتحة خير علينا ونرجع نلم الشمل"
استغل نادر تلميح والدته للموضوع ، والتفت إلى حسين وبادر قائلًا :
-"عمي ، أنا جاي النهاردة أطلب من حضرتك إيد منار ، زي ما حضرتك عارف أنا صحفي ، غير إني متابع شغل والدي الله يرحمه في التجارة ، وشقتي جاهزة قدام شقتي مع والدتي لأن حضرتك عارف لازم أكون قريب منها مش هينفع أسيبها وأسكن بعيد"
أومأ حسين برأسه متفهمًا يبتسم :
-"ربنا يجازيك خير يا بني"
أكملت فريدة بجدية :
-"بصراحة يا أستاذ حسين مش هلاقي أحسن من منار لابني ، أنا يعتبر اللي مربية منار زي ما حضرتك مربي نادر"
-"وأنا مش هلاقي أحسن منه في أخلاقه وتربيته ، وزي ما قولتِ نادر ابني وتربية محمد الله يرحمه"
ابتسمت وقالت :
-"الله يخليك يا أبو منار ، أومال فين عروستنا"
-"هقوم أنادي لها حالًا"
قالتها ناهد تنهض من مكانها متوجهة لغرفة منار .
دلفت تنظر إلى ابنتها المتوترة وقالت لها :
-"تعالي يا منار ، بيسألوا عليكِ"
-"لا قولي لهم مش لاعبة"
حاولت هدير كتم ضحكاتها حتى لا يسمعها أحد في الخارج ونظرت لصديقتها التي رمقتها بنظرات غاضبة ، فلا وقت للمزاح :
-"اهدي يا منار ده نادر ، حد يخاف من نادر"
قالتها بغمزة ، وما كادت أن تكمل حتى وجدتها تهجم على ذراعيها بالضرب ، فخرجت تجري تضحك وتقول :
-"هروح أجهز العصير أحسن"
* * * * *

قول يا رب likes this.


التعديل الأخير تم بواسطة Fatima Zahrae Azouz ; 19-11-20 الساعة 08:30 PM
Fatima Zahrae Azouz غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 19-11-20, 08:21 PM   #15

Fatima Zahrae Azouz

مشرفة قصرالكتابة الخياليةوقلوب احلام وقاصةهالوين وكاتبةوقاصةفي منتدى قلوب أحلام وحارسة وكنز سراديب الحكايات وراوي القلوب

 
الصورة الرمزية Fatima Zahrae Azouz

? العضوٌ?ھہ » 409272
?  التسِجيلٌ » Sep 2017
? مشَارَ?اتْي » 2,564
? الًجنِس »
? دولتي » دولتي Morocco
?  نُقآطِيْ » Fatima Zahrae Azouz has a reputation beyond reputeFatima Zahrae Azouz has a reputation beyond reputeFatima Zahrae Azouz has a reputation beyond reputeFatima Zahrae Azouz has a reputation beyond reputeFatima Zahrae Azouz has a reputation beyond reputeFatima Zahrae Azouz has a reputation beyond reputeFatima Zahrae Azouz has a reputation beyond reputeFatima Zahrae Azouz has a reputation beyond reputeFatima Zahrae Azouz has a reputation beyond reputeFatima Zahrae Azouz has a reputation beyond reputeFatima Zahrae Azouz has a reputation beyond repute
?? ??? ~
My Mms ~
افتراضي

الفصل الحادي عشر

لماذا أحبك؟
لا أملك أسبابًا
لا يجب أن يكون هناك أسباب من الأساس
فالحب لا يعرف سببًا
الأسباب إن زالت ، القلوب ستتغير
أنا أحبك بلا سبب
أنا أحبك لأنك أنت


خرجت منار برفقة والدتها تحني رأسها في خجل ، فتفاجأ نادر لرؤية الملاك الذي هلّ عليهم ، يشعر كأنه للمرة الأولى التي يراها فيها.
لاحظها ترتدي لونه المفضل ، فابتسم بحب وفرح ، صغيرته التي رباها على يده ستكون على بعد خطوة واحدة خطيبته.
تقدمت وجلست بجانب فريدة ، فمسدت على شعرها قائلة بحنو :
-"ما شاء الله زي القمر"
ردت على استحياء :
-"ميرسي يا طنط ربنا يخليكِ"
نظر لها والدها وقال :
-"منار ، نادر طلب ايدك مني.. إيه رأيك؟"
اختلست نظرة صغيرة لنادر الذي كان ينظر لها بحلم وعشق ، ثم نظرت إلى أبيها قائلة بحياء :
-"اللي حضرتك تشوفه يا بابا"
لم تكد تكمل جملتها حتى وجدت هدير تدخل حاملة صينية العصير بمرحها وشقاوتها ، هاتفة بعبث تقدم لهم المشروب :
-"نقول مبروك بقى يا عمو ، خلينا نخلص من الجوز دول ، أنا زهقت منهم بصراحة"
تعالت الضحكات على مزاحها ، هذا الثلاثي لم يفترقوا منذ الصغر ، دائمًا المشاكسات بينهم والمرح..
نادر رجلًا يعتمد عليه منذ أن كان عمره عشرة سنوات ؛ تعلّم أصول التجارة والأعمال من والده ، ثم درس الصحافة لشغفه بها.
أما هدير منذ صغرها عنيدة ، شقية ، ثابتة في قراراتها وتفرض رأيها بكل موضوعية في أي مكان تتواجد فيه.
لكن منار كانت الهادئة ، نعم عنيدة ولكن مع قليل من الضغط والعند معها ترضخ مع أحبائها فقط ، لكنها ليست بالضعيفة وتستطيع إثبات مكانتها جيدًا أينما وجدت.
فنشأت علاقة كبيرة معناها أكبر من معنى الصداقة والاخوة.
تمت قراءة الفاتحة واُتفق على أن تكون الخطبة بعد أسبوعين من الآن.
طلب نادر من والدها أن يجلس معها فوافق.
أخذته يجلسا في الشرفة ، وجلست ناهد وفريدة تتحدثان ، بينما أخذت هدير وحسين يمزحان معًا ويتحدثان في شتى المجالات.

أنتِ حاضري
ومستقبلي
والماضي الذي كنت أعيشه أحلامًا
والآن أعيشه حقائق غير مصدق، لما أنا فيه من حب وعشق

تجلس في خجل ولم ترفع نظرها إليه ، فاقترب بكرسيه منها ، ابتسم عندما رآها تبتعد ، فظلا هكذا يقترب وتبتعد إلى أن كادت تسقط فجذبها إليه ضاحكًا :
-"عاجبك كده كنتِ هتروحي مني!"
نظرت له بغضب مصطنع وقالت تشاور بسبابتها إلى مكان كرسي آخر :
-"شايف الكرسي اللي هناك ده ، زي الشاطر اقعد عليه"
غمز لها قائلًا :
-"بس أنا عاجبني الجو هنا"
ثم قال بجدية مشوبة بحب :
-''ألف مبروك يا عروستي"
أسدلت أهدابها بخجل وهمست :
-"الله يبارك فيك"
وقبل أن يتحدث وجد من تهجم عليهم بابتسامة بلهاء ونظرة ماكرة :
-"بتعملوا إيه؟"
ضغط على قبضته وأسنانه بغيظ ، والتفت لها هاتفًا :
-"هادمة اللذات جاية هنا ليه؟"
-"عمو حسين دخل يصلي ، وطنط ناهد وطنط فريدة قاعدين يحلوا قضية فلسطين تقريبًا ، وأنا قاعدة لوحدي"
قالتها بنبرة هادئة طفولية ونظرة براءة مصطنعة ، ثم أردفت بغمزة ماكرة :
-"فقولت أجي أقعد مع أصحابي ، وأشوف بتتناقشوا في إيه؟
أصلي محضرتش الموقف ده قبل كده الحقيقة"
من مصلحتها في هذه اللحظة أن تهرب من أمامه ، فنادر كان يخرج نار من أذنيه وكاد أن يفترسها ، ولكن رنين هاتفها قطع هذا الافتراس ، نظرت له وجدتها والدتها.
فقال بتشفي منها :
-"تصدقي كل مدى وغلاوة مامتك بتزيد عندي ، أهو ربك بيخلص بدري بدري..
يلا يا سكر روحي شوفي ماما عايزة إيه ، يلا يا دودو"
قالها دافعًا إياها للخارج ويغلق باب الشرفة ، ثم عاد يجلس بجانب منار مرة أخرى ، وقبل أن يتحدث وجدها عادت من جديد تقول باستفزاز :
-"هرد على التليفون وهاجي مش هتخلص مني"
ثم هرولت قبل أن تطالها يده.. كل ذلك ومنار لم تستطع منع نفسها من الغرق في الضحك ، مهما كبروا يظلون أطفال ، وتعلم أن صديقتها لن تمرر الليلة دون أن تثبت حضورها.
جلس بجانبها ومازالت غارقة في ضحكاتها إلى أن دمعت عيناها ، ظل يتأملها بعشق ، يتأمل ضحكاتها التي تأسره ، حمرة الخجل التي اكتسبتها ، عينيها التي أشدت لمعتها ، كل ما بها يأسره.
انتبهت لنظراته فسكنت ضحكاتها بخجل ، وقامت تتوجه للداخل تقول :
-"تعالى ندخل جوه بقى ، إحنا تأخرنا عليهم"
انضموا إلى البقية ، وكانت هدير قد أنهت مكالمتها مع والدتها وانضمت إليهم.
وبعد وقت قصير غادر بعدما أتفقا على الذهاب بعد بضعة أيام لشراء ما يلزم للخطبة.
وبعدها نهضت هدير تحمل حقيبتها وتقول :
-"طب أنا كمان همشي ، السواق جه تحت"
-"طب ما تخليكِ معايا النهاردة ونروح بكرة على الجريدة"
-"حبيبتي والله لو أقدر كنت استنيت ، بس أنتِ عارفة بابا مسافر ومش هينفع أسيب ماما لوحدها ، يلا أشوفك بكرة"
* * * * *
الغيرة هي الطاغية في مملكة الحب
لكنها ليست دائمًا دليل الحب
فأحيانًا تكون دليل أشياء أخرى بعيدة تمامًا عنه
دليل على الحقد والسخط
وطريق ودافع للانتقام
صفت سيارتها أمام تلك الفيلا ، هبطت منها بكامل أناقتها بتلك التنورة السوداء القصيرة تصل لمنتصف فخدها ، تعلوها كنزة حمراء حريرية وخصلاتها تصل لأسفل كتفيها بطريقة لولبية.
صعدت الدرج المؤدي للباب الرئيسي ورنين حذائها العالي يتردد صداه على الأرض الرخامية ، فتحت الباب ودلفت تحوم برأسها في أنحاء المكان باحثةً عنه حتى وجدته يقف موليًا إياها ظهره ، ينظر من الشرفة ودخان سيجارته ينتشر حوله بسحابة ضبابية.
ابتسمت بمكر واقتربت من مكان وقوفه تضع حقيبتها على المنضدة ، ثم كتفت ذراعيها قائلة :
-"نلف نلف ونرجع لبعض ، نفس المكان.. نفس الطريقة.. وبدون ميعاد محدد.
وقت ما تحب تشوفني تبعت ليا وأجي ، وكذلك العكس"
لم تلحظ ابتسامته الجانبية التي ارتسمت على وجهه ، ينحني يطفئ سيجارته في المنفضة بجانبه ، ثم أولاها وجهه واضعًا يده في جيب بنطاله ناظرًا إليها من أعلاه وقال :
-"أنتِ صح..
كل اللي قولتيه صح ، بس مع اختلاف الأسباب في كل مرة بطلبك فيها هنا"
جلس واضعًا ساق فوق الأخرى ، يستند بمرفقه على حافة الكرسي واضعًا سبابته وإبهامه أسفل ذقنه وأكمل :
-"قولي لي يا نادين إحنا آخر مرة كنا فيها هنا ، نهينا الكلام على إيه؟"
رفعت رأسها بشموخ وأشاحت بها للجانب الآخر ولم تجب ، لتسمع نبرته التي استحالت إلى الجدية والحدة هاتفًا :
-"لما أكلمك تبصيلي وتردي على سؤالي!
آخر مرة كنا فيها هنا الحوار خلص على إيه؟"
نظرت له بغيظ وقدميها تدب الأرض برتابة وأجابته بكلمة واحدة :
-"طلاق"
استند بمرفقيه إلى قدميه منحنيًا بجسده قليلًا إلى الأمام وملامح وجهه جامدة ، ثم أكمل :
-"ويوم الحفلة أنا قولت ليكِ إيه؟"
لم تتمالك نفسها تشيح بذراعيها في الهواء بغضب هاتفة :
-"مازن ممكن أعرف أنت جايبني هنا ليه؟
و عشان إيه التحقيق ده أنا مش فاهمة؟"
استقام فجأة مما جعلها تعود خطوة للخلف ، فقال يتقدم منها خطوات رتيبة :
-"مجرد ما نطقت كلمة أنتِ طالق ودي معناها إن كل حاجة خلصت ، ومعنى إن كل حاجة خلصت يعني ملكيش أي دخل في حياتي.
ويوم الحفلة قولت لك إن كل حاجة انتهت والأحسن مشوفش منك تصرف تندمي عليه"
وصل أمامها على بعد خطوة واحدة وهبط برأسه أمام عينها ينظر لها نظرات حادة ثم جذب خصلاتها من الخلف فجأة على حين غرة بقوة أعادت رأسها للخلف جعلتها تشهق عاليًا واضعة يدها فوق يده تحاول إفلات شعرها منها..
فهتف بها :
-"أنتِ عارفة نتيجة اللعب معايا يا نادين مش كده؟
ولو فكرتِ قبل ما تيجي هنا وتعملي اللي عملتيه ده في ردة فعلي أنا متأكد إن رجليكِ مكنتش تخطي بوابة البيت"
جذب رأسها إليه وهبط لأذنها هامسًا بشراسة ونظرات عينيه تحتد :
-"لمي تعابينك عن هدير ، وافتكري إنها مراتي.. مرات مازن السيوفي"
تناست ألم خصلاتها ، وتناست برودها ولا يوجد بداخلها شعور سوى السخط والغضب من كلماته!
غيرة تجاه الفتاة التي سرقته منها ، متيقنة أنه لولا ظهورها لكان برفقتها الآن!
دفعت ذراعه بقوة عن رأسها وابتعدت خطوات للخلف تنظر له بشذر هاتفة بلا وعي :
-"لا مفكرتش في ردة فعلك ، ولا فكرت في أي حاجة غير إن البنت دي متستحقش إنها تكون مراتك"
أشارت لنفسها بسبابتها تكمل هتافها الهستيري :
-"أنا ضيعت سنتين من عمري بس عشان أبقى جمبك وفي الآخر واحدة مشوفتهاش إلا مرة تيجي بالطريقة دي وتآخدك مني!"
شهقة عالية ، احتقان وجه ، جحوظ عينين ، واتساع فم.. كانوا ملامحها عندما أمسك عنقها بين قبضته يضغط عليه بقوة قاطع بها حديثها.
حاولت فك قبضته وشهقاتها ترتفع تحاول إدخال الهواء إلى رئتيها أو يخفف من قبضته لكنها فشلت ، همس بفحيح حاد :
-"مازن السيوفي مش تحت رحمة حد ، خصوصًا لو ست"
دفعها بعنف تسقط على الكرسي خلفها تسعل بقوة وصدرها يرتفع وينخفض بعنفوان تضع يدها فوق عنقها تمسده ، أنحنى أمامها يستند بكفيه على حافتي الكرسي محاصرًا إياها وملامح وجهه تحولت لشيطان بنظرها بنظراته المرعبة قائلًا ويده تتلمس وجنتها بهدوء معاكس :
-"جوازنا خد كفايته من الوقت والمتعة ، اللي أدتيه خدتيه في المقابل ، وأظن بلاش تلعبي معايا لأنك عارفة نهاية اللعبة إيه"
اقترب من وجهها يطالع عينيها التي حال بهما الغضب والسخط أكثر متابعًا :
-"هدير شيليها من دماغك ، واللي حصل هنا أتمنى ميتكررش تاني لمصلحتك.. وقبل ما تفكري تعملي ليها حاجة افتكريني"
فاجأته بردة فعلها عندما ضحكت بصوت مرتفع وعادت بظهرها للخلف واضعة ساق فوق الأخرى قائلة :
-"لا لا لا.. متقوليش إنك خايف عليها مني ، أو خايف إن علاقتك تبوظ لو عرفت إننا كنا متجوزين وفي السر !!"
اتسعت ابتسامته واستقام متجهًا نحو سجائره مخرجًا واحدة يشعلها ثم نفث دخانها عاليًا وقال :
-"يؤسفني إني أقولك إنها عرفت"
ثم نظر لها بجانب رأسه يميله قليلًا ، يرفع حاجبه بمكر :
-"أصلي بصراحة زوج صريح ، مينفعش أخبي حاجة عن مراتي"
انتفضت من موضعها بذهول هاتفة :
-"عرفت!
ومستمرة عادي!"
استنشق دخانه وأشار بيده الحاملة لسيجارته لها :
-"ميخصكيش"
اقتربت منه بخطوات ماجنة وجسدها يتمايل لليمين واليسار ، وقفت أمامه ترفع يدها تتلاعب بأزرار قميصه العلوية هامسة بتلاعب :
-"الظاهر إنك نسيت مين نادين عاصم ، مش أنا اللي أتساب بالطريقة دي عشان حتة صحفية عجبتك.. أنا لما وافقت أتجوزك كان جواز أبدي رضيت أو لا "
لم تكتفِ بهذا فقط بل جذبته إليها تقبله بمجون وكأنها ستثيره إليها ، لكنه خيب ظنها عندما لم تجد منه ردة فعل سوى أنه دفعها للخلف عنه ، واقترب من علبة المحارم يلتقط منها واحدًا يمسح به شفتيه قائلًا بملامح مشمئزة ضربت أنوثتها في مقتل :
-"مفاتيح البيت تسيبيها هنا على الريسبشن وأنتِ ماشية ، والبيت ده تنسيه ، وافتكري بس الكلام اللي قولته دلوقتي.. كل اللي بينا شغل وبس يا نادين"
نظر لها بغموض وملامح جامدة :
-"بدل ما أنسى كل حاجة وساعتها الحساب يبقى مخطرش على بال حد ، يا بنت عاصم"
نظرت له بشراسة فهذه المقابلة ليست كما خططت لها ، إن ظن أنه بهذا الحديث أبعدها عن طريقه فهو خاطئ ، لم يحزر أنه زاد من سخطها وتوعدها أكثر .
أخذت حقيبتها واتجهت نحو الباب ، أخرجت منها مفاتيح المنزل تضعها على الطاولة بجانبه ثم نظرت إليه ويدها تمسك بالمقبض وقالت قبل أن تخرج :
-"أوعدك أفكر في كلامك كويس ، بس أفتكر مين نادين عاصم يا سيوفي"
تقدم من الشرفة يطالع سيارتها التي صدح صرير إطاراتها بالأرض ، واضعًا كفيه خلف ظهره وعيناه تلوح فيهما نظرة غامضة هامسًا لنفسه :
-"اطمني مش ناسي ، قرب قوي الحساب بينا"
* * * * * *
وصلت هدير إلى المنزل ، وجدت أمها في انتظارها فقابلتها بابتسامة وارتمت بجانبها محتضنة إياها ، بادلتها الابتسامة وقالت :
-"طمنيني إيه الأخبار ؟"
-"الحمد لله الخطوبة كمان أسبوعين ، بصراحة ماكنتش أتوقع منار ونادر يرتبطوا"
مسدت سهام على رأسها وقالت بحنان تضمها إليها بالذراع الآخر :
-"كل واحد وله نصيبه يا حبيبتي ، ونادر ومنار أخلاقهم جميلة وربنا زرع الحب في قلبهم.. وهما يستاهلوا بعض"
صمتت لحظات قبل أن تقول :
-"بس أنتِ قولي لي عاملة إيه مع مازن؟"
استقامت جالسة تنظر لوالدتها بشرود ، فهي صديقتها قبل كل شيء ، تشعر بها من نظرة عينيها..
فقالت بنبرة هامسة :
-"مش عارفة يا ماما ، أنا فجأة لاقيتني مرات واحد معرفوش..
أه رجل أعمال معروف بس مليش علاقة بيه.
بس فجأة أنزل المقال ، هوب أزمة بابا ، هوب يطلب أيدي ، و تفاجئ إنه كتب كتاب بدل الخطوبة !"
ارتمت بأحضانها بطريقة درامية وبنبرة باكية قالت :
"إيه يا ماما هو كله ضرب ضرب!"
ضحكت أمها على تعابيرها لتنظر إليها وأردفت بمكر :
-"يعني عايزة تفهميني أن سحر ابن السيوفي مصابكيش؟"
ضيقت عينيها ومالت بجسدها إلى أمها ، وقالت بذات المكر:
-"وليه متقوليش أن سحر بنت الخطاب هو اللي صابه!"
تعالت ضحكاتهم سويًا ، ثم نهضت هدير من مكانها تقول :
-"أنا هآخد دش وأغير وأنام ؛ لأني مش قادرة أقعد ، وأنتِ كمان يا حبيبتي قومي يلا عشان تآخدي علاجك وترتاحي"
أمسكت بيدها وصعدا للطابق الثاني ، أعطتها علاجها واطمأنت عليها ، ثم ذهبت لغرفتها وأخذت حمامها وارتدت منامتها..
لكن قبل أن تنام وجدت من يتصل بها ، أرادت تجاهله عندما وجدته مازن ، لكنها اقتصرت طريق الجدال وأجابت تهم بالصعود لفراشها :
-"ألو... أيوه يا مازن"
-"مساء الخير يا حبيبتي"
نظرت لهاتفها تضغط عليه تكاد تكسره من غيظها ، ثم وضعته على أذنها مرة أخرى وقالت :
-"مازن بطل الكلمة المستفزة دي"
سمعت صوت ضحكاته بقوة وقال ببرود يستفزها :
-"لا ، الكلمة ليها رونق تاني..
المهم قولي لي الخطوبة امتى؟"
اتسعت حدقتي عينيها بذهول ، فهي لم تخبره أن نادر سيتقدم الليلة لمنار ، يعلم بأمر ارتباطهما فقط ، فكيف علم بالأمر ؟
همست بتعجب :
-"أنت عرفت منين؟"
ابتسم ابتسامة خبث لم ترها ومازالت نبرة الاستفزاز في صوته:
-"مينفعش تكوني مراتي ومعرفش عنك حاجة!
ده يبقى غلط كبير في حقي.. أنتِ تحت عيني لحظة بلحظة"
أبعدت شعرها للخلف ، تعض على شفتها السفلى دليل على تفكيرها ، ثم انتفضت من فوق فراشها تزيح الستار عن شرفة حجرتها ، فوجدت سيارة سوداء واقفة أمام فيلتها ويوجد بها رجلان ، فهتفت به بغضب عارم :
-"أنت مش هتبطل تراقبني يا مازن؟
مش هنخلص من الموضوع ده؟"
-"لا لا طول ما أنتِ مسئولة مني مش هبطل احميكِ ، ودلوقتي أسيبك ترتاحي من تعب اليوم سلام يا... هدير"
أنهى اتصاله بضحكة أثارت استفزازها أكثر.
أما هي فقد أغلقت الهاتف وقذفته بحدة على الأريكة خلفها ، جلست على فراشها تهز قدمها بعنف وغضب فأمسكت بوسادتها تضرب بها بقبضتها تتمتم :
-"المستفز ، البارد ، الغبي ، فاكر نفسه مين عشان يفرض سلطته حوليا!"
تذكرت اليوم الذي قبلها فيه في شرفة منزله..
تذكرت ملمس شفتيه فوق خاصتها..
اقتحامه المفاجئ لعذرية شفاها..
شعورها وقتها لم تشعر به من قبل!
لن تنكر أن إحساسها وقتها كان بعيد كل البعد عن البغض والكره ، وكأنها كانت في مكانها الصحيح!
ارتفعت يدها تلقائيًا إلى شفتيها تلتمسها ، لا تعلم لما ما زالت تشعر بملمسها عليها؟
هزت رأسها منفضة عنها تلك الأفكار بغضب من نفسها لأنها تفكر به ، ثم ألقت برأسها على الوسادة الأخرى والأولى وضعتها على رأسها تكتم بها غيظها هاتفة :
-"ماشي يا بن السيوفي"
* * * * *
التفاتة تؤدي للمحة
لمحة تؤدي لنظرة
والنظرة تؤدي لدقة قلب
ثم تفكير وتعلق ينتج عنهما اهتمام بالمُحِب
ليسقط القلب ويسلم أمره إلى حاكم القلوب دون مقاومة .

في الصباح..
ذهبت أسماء إلى النادي كي تواصل رياضتها التي أهملتها الأيام الماضية ، ولكثرة اتصالات مدربها بها.
ارتدت ملابسها الرياضية بنطال أبيض وكنزة وردية ، وذهبت لملعب التدريب..
وما أن رآها عمر حتى قابلها بابتسامة قائلًا :
-"الحمد لله على السلامة يا أسماء . أخبارك إيه؟"
-"الله يسلمك يا كابتن ، أنا الحمد لله أخبار حضرتك؟"
-"الحمد لله بخير ، يلا عشان نبدأ تدريب"
طوال الوقت مهتم بها لا يحيد بنظراته عنها ، حتى لاحظته نادين فذهبت إليها في وقت الراحة وجلست بجانبها تقول بخبث :
-"الظاهر إن الكابتن مهتم بناس معينة يا سمسمة"
رفعت أسماء نظرها لها عاقدة حاجبيها بتساؤل وقالت :
-"تقصدي إيه يا نادين؟
أنتِ عارفة مش بحب الألغاز"
رفعت إحدى حاجبيها بمكر وهزت كتفيها بلامبالاة تردف :
-"أقصد إنه منزلش عينه من عليكِ طول الوقت..
لا الكورة تتلعب كده
لا الوقفة تبقى كده
ركزي يا أسماء ، برافو يا أسماء.
مهتم بيكِ جدًا جدًا كمان ، ومش بعيد يكون معجب"
نظرت لها بذهول مما تقوله ؛ فهي لم تتخيل أن يكون عمر مهتم بها اهتمام من نوع خاص ، فالتفتت برأسها وجدته ينظر إليها ، ثم أشاح بنظراته وانتبه للفتاة التي تحدثه ، نظرت مرة أخرى للجالسة بجانبها ، وقالت باستنكار :
-"أنتِ فاهمة غلط يا نادين ، بلاش شوية خيالات في دماغك تصور لك حاجة تانية مش موجودة ، عمر بالنسبة ليا المدرب بتاعي وبس"
-"هنشوف"
قالتها بلامبالاة مصطنعة ترفع زجاجة المياه لفمها ، وتدور بنظرها في أرجاء المكان ، ثم نهضت تقول :
-"أنا هروح آخد دش لأني عندي شغل كتير في الشركة ، وفي اجتماع مع أخوكِ كمان ساعتين"
أومأت لها أسماء برأسها دون أن تكلف نفسها وتجيب عليها ، جلست تشرب من زجاجتها فوجدت عمر يتقدم باتجاهها وجلس بجانبها ، فابتسمت له مجاملة وتحفز ، فسمعته يقول :
-"كويس إنك رجعتِ ، كنتِ عاملة أزمة في الفريق"
ضحكت برقة قائلة :
-"معلش يا كابتن ظروف وخارجة عن إرادتي"
نظر لها قائلًا بنبرة هادئة يتأمل ملامحها :
-"ممكن بلاش كابتن دي و تقولي عمر بس"
زاغت نظراتها بارتباك ، وكلمات نادين تقفز في عقلها جعلتها تفكر بجدية..
أيعقل أن يكون صحيحًا!؟
أغمضت عينيها للحظات قبل أن تقول بتردد :
-"بس يا كابتن... مينفعش..."
قاطعها بصرامة فاجأتها :
-"مفيش حاجة اسمها مينفعش ، زي ما بقولك أسماء قولي لي عمر ، إحنا تقريبًا من سن بعض الفرق مش كبير"
أومأت برأسها ولم تجب ، ثم نهضت تلملم أشيائها تتمتم باعتذار :
-''معلش مضطرة أمشي لأن ورايا مشوار مهم"
-"تحبي أوصلك؟"
هتفت بتلقائية ودون تفكير :
-"لا.. أقصد يعني بلاش تتعب نفسك أنا معايا عربيتي وكمان المكان مش بعيد عن هنا.. متشكرة لحضرتك ، عن إذنك"
فرت هاربة من أمامه وعلى وجهها علامات التهجم من تلميحاته التي كانت ترفضها من نادين منذ قليل..
أكدت لنفسها أن هذا بالتأكيد لن يكون صحيح ، وحديثه كله من محض صداقتهم فقط ليس إلا.
ظل يتابعها بنظراته تسير أمامه وعلى وجهه ابتسامة بلهاء قبل أن يرفع هاتفه يجيب المتصل.
ذهبت وأبدلت ملابسها ثم أخذت سيارتها وذهبت إلى المنزل كي تبدل ثيابها ، وتذهب لموعدها مع هدير ومنار كي يشتروا ما يلزمهم للخطبة.
* * * * *
وفي الشركة.. كان مازن ورامز جالسين يتناقشان في أمور صفقة يخططان لها مع شركة عاصم..
أغلق رامز الملف الذي أمامه ونظر لصديقه بكامل انتباهه بعد أن حال برأسه في جميع الأرجاء في حركة أثارت تعجب مازن.. ثم اقترب برأسه منه قائلًا :
-"عاوز أقولك على حاجة ، أنا حاسس إن ياسمين وراها حاجة وكبيرة قوي كمان ، وضعها مش مطمني"
تغضن جبين الآخر بغموض واقترب منه متسائلًا :
-"حاجة غريبة زي إيه مش فاهم!؟"
سرد عليه ما رآه واستمع له من مكالماتها الخفية ، ترددها واضطرابها عندما تتحدث خوفًا أن يراها أحد أو يستمع إليها أحد.
عاد مازن يستند إلى ظهر كرسيه ، واضعًا مرفقه على حافته يحك ذقنه بتفكير ، ثم نظر له قائلًا :
-"تفتكر إيه اللي ممكن يكون وراها؟!"
ذم رامز شفتيه مفكرًا بعض الوقت وعيونه محدقة في الفراغ ، ثم قال :
-"سيبلي الموضوع ده أنا هحله.. المهم نركز في الصفقة"
وفي ظل انهماكهما في النقاش ، وجد مازن ياسمين تدلف الى المكتب تقول بهدوء :
- الآنسة نادين وصلت عشان الاجتماع ، وطالبة تقابل حضرتك قبل ما يبدأ"
زفر بقوة مشيحًا بوجهه إلى الجانب الآخر ، فنظر رامز إليه بتفكير يعقد بين حاجبيه من ردة فعله ، ثم نهض واتجه ناحية ياسمين وقال :
-"يلا يا ياسمين نشوف إيه الناقص للاجتماع ، ودخلي آنسة نادين"
ودلفت نادين إلى المكتب تسير بغنج تثير الجالس بكل عنجهية وغرور ، يراقبها تقترب منه بملابسها تعتبر كجلد ثاني لها فستانها التي يصل إلى فوق الركبة بكثير ، وتلك السترة القصيرة فوقه..
تقدمت منه وجلست أمامه تضع ساق فوق الأخرى ، فارتفع الفستان أكثر عن ساقها ، نظرت له ترفع حاجبها الأيسر بعبث وقالت :
-"ازيك يا مازن"
رفع ذقنه لأعلى ولم يحد بنظرته السوداء عنها ، وابتسامة جانبية ارتسمت على محياه يهز رأسه يحيها قائلًا :
-"تمام"
شبكت أصابع يدها أمامها وتقول عاقدة حاجبيها تنظر له بقوة :
-"عايزة أسألك سؤال نسيت أسأله المرة اللي فاتت"
رفع حاجبه يتطلع إليه بصمت دام دقائق ثم قال :
-"خير إيه اللي عندك لسه مقولتيهوش"
تغاضت عن لامبالاته في الحديث وقالت :
-"إيه الفرق بيني وبين هدير ؟"
حك ذقنه بتفكير لوقت قصير ثم ضحك بقوة حتى أدمعت عيناه ، نهض من موضعه يدور حول مكتبه حتى وصل أمامها ، فدارت بكرسيها تواجهه بتعجب
فسؤالها ليس بالشيء المضحك؟
لم تتحرك من موضعها وظلت على جلستها ، وضع يديه في جيب بنطاله وطالعها ببرود بعد أن هدأت ضحكاته :
-"فرق السما والأرض يا نادين ، مفيش مقارنة من الأساس..
هدير نوع وأنتِ نوع تاني خالص"
نهضت تطالعه بنفس نظرتها ، تتقدم نحوه بخطوات بطيئة ، متعمدة أن تظهر مفاتنها ظنًا منها أنها تستطيع إثارته..
تقدمت إلى أن وقفت على بعد سنتيمترات صغيرة بينهما وقالت:
-"لا يا مازن الفرق إني حبيتك بجد ، وكنت مستعدة أعمل أي حاجة عشانك ، لكن هي مش طايقة وجودك معاها"
ابتسم بسخرية يطالعها من أعلاها لأسفلها يذم شفتيه بتفكير و يهبط على أذنها هامسًا :
-"واللي تحب حد تفرط في نفسها وتسلم أغلى حاجة تملكها البنت باسم الحب؟"
تفاجأ بها تمسكه من تلابيب سترته تقترب منه حتى صارت تتنفس أنفاسه ، وقالت بصوت أشبه بالهمس ونبرة مليئة بالإغراء :
-"أنا حبيتك لدرجة إني سلمتك نفسي ، لدرجة وصلت إني أقبل أكون مراتك في السر عشان بس أكون جمبك ، وفي الآخر تسيبني عشانها!"
وضعت إحدى يديها على جانب وجهه وظلت اليد الأخرى ممسكة بسترته ، مقتربة برأسها منه و تتابع :
-"مازن أنا بحبك ليه مش عايز تصدقني؟"
كل هذا ونظره يحوم بين عينيها بغموض وتعابير وجه مبهمة لا تستطيع فهم ما يحوم بداخله.. يعلم ما تحاول الوصول إليه ولكنها لا تملك سوي أن تحلم.
فما تريده لن يحدث!
كادت أن تقبله ولكنه حاد برأسه عنها يهمس في أذنها بسخرية :
-"ده الفرق بينك وبينها..
أنا ممكن بإشارة مني أجيبك لحد عندي ، لكن هي.. لو روحها في إيد عدوها تموت ولا تستسلم ليه"
فُتح الباب فجأة ودلف منه رامز ، فوقف متسمرًا مما رأى!!
نادين محتضنة مازن كما يقول المشهد أمامه..
أراد أن يذهب إليه يلكمه بقوة على وجهه حتى يكف عما يفعل..
تارة يتزوجها وتارة يطلقها والآن يتركها تحتضنه وكأن الأمر يروق له!
نظر لهما بهدوء مقلق وكأنه لم ير شيئًا ، ولم يخفض نظره عنهم يقول :
-"أوضة الاجتماعات جاهزة و هنبدأ كمان عشر دقايق..
تقدري دلوقتي يا أستاذة نادين تروحي مع السكرتيرة عشان تديها نبذة عن التفاصيل قبل ما نبدأ"
أسرعت بترك مازن وتظاهرت أنها تعدل من هندامها بارتباك بسبب دخوله المفاجئ ، ونظرت له بغيظ على قطعه الفرصة التي لن تعوض بسهولة ، فلقد استغلت الاجتماع حتى تستطيع رؤيته والحديث معه..
التقطت حقيبتها وأعادت شعرها للخلف بضيق وخرجت من المكتب بثورة بعد أن أرسلت له نظرة غيظ وغضب.
تقدم من صديقه ، ونظر إليه وعيناه محمرتان من الغضب ، وصرخ به ممسكًا به من تلابيب سترته :
-"أنت تجننت؟
ايه اللي هببته ده؟"
أمسك مازن بقبضة صديقه ينفضها من عليه بغضب مماثل ، هاتفًا :
-"في إيه يا رامز؟
محصلش حاجة لكل ده؟"
-"تصدق أنت مش هترتاح الا أما هدير تشوفك مرة في المنظر ده.. لأن من الواضح أن الأستاذة نادين مش ناوية تجيبها لبر ، وأنت شكلك عاجبك اللعبة"
ثم اقترب منه ينظر له بقوة وقال بتقرير وغموض :
-"متدخلش في لعبة ستات زي دي يا مازن لأن مفيش حد هيخسر إلا أنت"
بادله مازن نفس نظرته ثم ربت على كتفه وقال ببرود لا يليق إلا بابن السيوفي :
-"نادين بتلعب على هدف مش موجود ، وأنا عارف هسكتها ازاي!"
وأكمل يتجه نحو الباب :
-"يلا عشان الاجتماع"
نظر في أثره بدهشة يفكر
هل إذا ذهب إليه ولكم فكه ، هل سيحدث شيء؟
أظن لا فهو يستحق
أفاق من تفكيره وتبعه إلى غرفة الاجتماعات..
كان مازن يترأس الطاولة وعلى يمينه رامز وبجانبه سكرتيرته ياسمين ، على يساره نادين ومندوبون شركتها الذين سيناقشون أمر الشحنة الجديدة.
نظرت له وقالت بنبرة تحمل لفتة من الإغراء :
-"الشحنة الجديدة قربت توصل خلاص وهتتشحن على الموقع عشان البُنا يبدأ على طول"
أجابها مازن ولم يلتفت إلى نبرتها :
-"ورامز هيتابع معاكِ معاد الوصول ويستلمها منك"
-"وليه مش أنت؟"
هتفت دون تفكير فظر لها رامز نظرات غامضة ، يستند بظهره إلى كرسيه ومرفقيه يستندان إلى جانبي الكرسي مستندًا ذقنه إلى ظهر يديه وقال بسخرية :
-"أصله مشغول في فرحه الفترة الجاية ، فأنا اللي هيتابع الشحنة وأستلمها ، ده لو مفيش عند حضرتك مانع يعني"
نظرت له بغيظ وغضب ، ثم هبت واقفة حاملة حقيبتها وتقول :
-"تمام ، مدير أعمالي هيتواصل معاك و يبلغك معاد الوصول"
ثم غادرت بخطوات سريعة غاضبة.. فهي لم تظفر في تلك المقابلة ولكن لا بأس فالقادم أكثر .
التفت مازن إلى ياسمين وطلب منها أن تلغي مواعيده لذلك اليوم ، وأن تدون كل ما تعلق بهذا الاجتماع..
ارتفع رنين هاتفه فوجدها أخته.. ففتح وقال بنبرة هادئة :
-"حبيبة قلبي عاملة إيه!؟"
على الجانب الآخر كانت أسماء وهدير تقفان أمام مركز التسوق بعدما غادرتهما منار برفقة نادر كي تختار معه ما يلزمه ، واعتذرت الفتاتان عن الذهاب معهما.
وها هما تقفان أمام سيارة أسماء المعطلة ، هدير مكتفة ذراعيها أمام صدرها تهز قدمها بغيظ من رفيقتها التي قررت الاستعانة بأخيها ؛ لعلمها برفضها المسبق.
ردت أسماء على أخيها وقالت بصوت منخفض تنظر لهدير التي اتسعت عيناها بغضب عندما سمعتها تقول :
-"الحمد لله يا مازن ، أنت فاضي؟"
-"ليه؟
في حاجة حصلت؟"
-"بصراحة ، العربية تعطلت قدام المول ، فلو تبعت لينا السواق أو تاكسي على المول"
-"متقلقيش.. قولي العنوان وأنا هاجي بنفسي.. بس فيه حد معاكِ ولا لا؟"
نظرت لهدير الغاضبة وقالت تضغط على شفتها :
-"أيوه هدير معايا"
ارتفع حاجبه وهمس :
-"هدير!
طب أنا عشر دقايق و أكون عندكم.. سلام"
وما إن أغلقت الهاتف حتى صاحت بها هدير بغيظ :
-"أنتِ إيه خلاكِ تتصلي بأخوكِ؟
كنا نتصرف"
-"نتصرف ازاي؟
أنتِ شوفتِ عطلت بينا فين؟!
مفيش حل غير ده ، وبعدين هو مش أخويا ده جوزك ولا أنا متهيألي!"
أجابتها بضجر ويأس :
-"ليه بتفكريني؟"
نظرت لها أسماء بذهول ، ثم انفجرت في الضحك لتلك العلاقة بين هدير وأخيها :
-"والله انا هاشوف أيام كوميدي لما تتجوزوا"
بعد مرور ربع ساعة ، نظرت الفتاتان لتلك السيارتين اللتين وقفتا أمامها ، ووجدوا مازن يهبط من إحداهما والأخرى للحراسة ، تقدم منهما يزيح نظارته عن عينه ووقف قبالتهم وقال :
-"أنتو كويسين؟"
أومأت أسماء برأسها مطمئنة له :
-"أيوه الحمد لله اطمن"
ثم هبطت على أذنيه وتظاهرت أنها تحتضنه هامسة له :
-"خليك هادي مع هدير ، عشان بتكهرب دلوقتي"
ابتسم لها ثم أشار بعينيه لتتقدم إلى السيارة ، فاستجابت له ودلفت إليها.
كادت هدير أن تتبعها ولكن وجدت من يمسكها من مرفقها مانعًا إياها من الحركة ، وقف قبالتها ووضع يده في خصره ينظر لها من أعلى :
-"ممكن أعرف مقولتيش ليه إنك خارجة مع البنات؟"
اشتعلت عيناها من الغيظ وقالت من بين أسنانها :
-"وهو مطلوب مني تقرير يومي عن خط سيري ولا إيه؟"
بادلها نفس النظرة بقوة وقال ينحني أمام عينيها :
-"أيوه ده المطلوب ، من يوم ما بقيتِ مراتي وأنا الوحيد اللي أعرف خط سيرك إيه!
وأظن أنتِ كبيرة وعارفة كويس إيه الصح وإيه الغلط؟"
لم تستطع الرد عليه ولكن حدجته بنظرات مغتاظة ، ثم اشاحت بوجهها في الاتجاه الآخر.
ابتسم بعبث وأمسك كفها بين بيديه متجهًا بها إلى السيارة وطلب من السائق أن يوصل أخته الى المنزل ، ركب معها الحارسان بعدما أمرهما مازن بإخلاء السيارة ليقوم بإيصال زوجته بنفسه.
أمرها بالدخول ولكنها رفضت قائلة :
-"لا أنا عايزة أروح مع أسماء"
لم يجادل معها بل حملها ووضعها بالسيارة دون أن يتحدث وأغلق الباب ، ثم التف يجلس أمام عجلة القيادة وانطلق بالسيارة بها ، لكمته هدير في كتفه هاتفة به بضجر كبير من معاملته لها كرجل الكهف :
-"أنت مستفز على فكرة"
أومئ رأسه ببرود ينظر لها بجانب عينيه :
-"أه أنا مستفز"
لكمة أخرى منها بضجر أكبر :
-"لا.. وبارد كمان وغلس"
أمسك كفيها بقبضة واحدة وجذبها إليه يهبط إلى أذنها وهمس:
-"أيوه أنا بارد وغلس وكل حاجة ، بس تعملي إيه بقى!؟
جوزك ولازم تستحمليه"
أفلتت يدها منه تنفخ خصلتها التي سقطت على وجهها ، ونظرت له بارتباك وتوتر ، لا تعلم ما الذي يحدث معها مؤخرًا في حضوره ؟!
لما لا تستطيع أن تجادله وألا تجعله يتحكم ويفرض حضوره عليها؟
تذكرت عندما كان في زيارة لديهم في مرة من المرات ، وخرجا يسيران في الحديقة بعد إصرار من أبيها..
جلسا على الارجوحة ولم تنطق بحرف إلى أن وجدته يقول بدون مقدمات :
-"أنتِ ليه كرهاني؟"
نظرت له بدهشة لهذا السؤال المفاجئ ، فهي لم تهيئ نفسها له ، لكن سرعان ما استعادت جديتها ونظرت أمامها :
-"تقدر تقولي إيه عملته يغير إحساسي ده؟
جواز بالإجبار!
فرض شخصيتك في حياتي فجأة وبدون سابق إنذار !
في يوم وليلة بقيت مرات واحد مكنش في بيني وبينه أي تواصل لا من قريب ولا من بعيد.. لا و الأدهى من ده كله أني اكتشف إنك كنت متجوز عرفي!
كل د ومش عوزني أنفر منك؟"
أنهت كلامها واقفة توليه ظهرها ، وقف خلفها وأدارها إليه يتطلع بعينيها وقال :
-"بصي يا هدير ، جوازي و علاقتي بنادين بدأت وانتهت من قبل ما تبقي مراتي ، أنا هاحكي ليكِ الغرض من الجوازة دي كان إيه بس مش دلوقتي"
قربها أكثر منه هامسًا :
-"أنما حتة جوازي منك وإني أجبرتك عندك حق فيها بس مش كلها ، تقدري تقولي كنت بضمن وجودك ، عشان ميجيش وقت تنهي كل حاجة"
اقترب منها أكثر لدرجة خطرة بالنسبة لها يهمس أمام عينيها بنبرة استشعرت فيها الصدق :
-"أنا مش وحش يا هدير ، أنا الظروف اللي خلتني قاسي زي ما أنتِ شايفة.. لكن لو تقدري تغيري ده غيريه "

أفاقت من شرودها عندما أوقف السيارة أمام منزلها ، فنظرت له بغموض ثم كادت أن تهبط وجدته يجذبها من رسغها لتميل عليه بشهقة ، هبط إلى وجنتها يطبع عليها قبلة حارة طويلة ، جعلتها تحبس أنفاسها مغمضة عيونها مبتلعة لعابها بصدمة ، حتى تركها ينظر إليها.
التفتت تخرج من السيارة بخطوات سريعة إلى المنزل ، أما هو ظل ينظر إلى أثرها ثم أدار السيارة وذهب هو الآخر.
الحب نقف أمامه متلقّين كل أشكاله
كالفصول الأربعة قد يأتي حارًا مشتعلًا كالصيف
أو قد يأتي حاملًا تغييرًا كاملًا لكل أشكال الحياة
قد يكون ذو منطقية خاصة به كفصل الخريف
وقد يكون صعبًا أو باردًا كعواصف الشتاء
وقد يدخلك الوله كنسيم الربيع
فهو همس خفي يسري بين القلوب
لا يحتمل التعقيد بل تكفيه كلمات بسيطة صادقة
لا أمان لعجلة الحظ
تدور وتدور فإن حالفك الحظ بها مرة وربحت
فإنها تجر خلفها عشرات المرات خسارة
فلا تفرح بمرتك فرحًا ينسيك فشلك الكثير
داخل مخزن كبير في مكان خالٍ ، يقف رجل ومعه بضعة رجال يراقبون مجموعة من العمال يفرغون الصناديق التي تم إحضارها اليوم من الميناء.
كانت الشحنة عبارة عن كميات هائلة من مخدر الهيروين الآتية من الخارج لنشرها بين الشباب في مصر .
كانوا قد أوشكوا على الانتهاء من إفراغ الصناديق ، حتى صدح صوت سيارات الشرطة في الخارج وحصارهم للمخزن بالكامل.
وفي أقل من ثوان معدودة ، كان رجال الشرطة داخل المخزن ، مثبطين أي محاولة لهم بالهجوم ، وتم القبض على كل من كان في المكان وإصدار تلك الكمية من المخدر.
وفي نفس الوقت ، كان كريم يجلس مع والده في المكتب يتحدثان في أمر الشحنة..
تساءل رأفت بنبرة يشوبها بعض القلق :
-"أنت متأكد يا كريم من الصفقة دي؟"
نفث كريم دخان سيجارته التي بين اصبعيه ، مجيبًا بكل ثقة:
-"اطمن يا بابا.. كل حاجة ماشية تمام ، والراجل بتاعنا استلم الشحنة من المينا وزمانهم دلوقتي بيفضوها من الصناديق"
صدح صوت هاتفه يقطع حديثه مع والده ، ليتحقق من هوية المتصل ، فوجده أحد رجاله أجاب وقد استشعر الخطر :
-"خير في إيه؟"
-"كريم بيه.. الحكومة هجمت على المخزن وقبضوا على كل رجالتنا وصادروا البضاعة"
هب صارخًا من هول الكارثة التي حلت فوق رأسه ، يعيد خصلاته للخلف يشد عليها بعنف :
-"يا نهار أسود!
أنت بتقول إيه؟
ازاي ده حصل والمكان متأمن كويس؟"
تلجلج الرجل من خوفه بسبب ثورة كريم المفرطة ، وقال بصوت متقطع :
-"مع ر.... معرفش يا كريم بيه ، إحنا فجأة لاقينا البوليس حوالينا ، وقبضوا على الكل وأنا اللي قدرت أهرب"
ليأتيه صوته الهادر بشراسة وصوت تكسير شديد وصله من الجهة الأخرى :
-"أنت غور في ستين داهية.. إما أشوف حل في الكارثة دي!"
أغلق الهاتف في وجهه ، والتفت إلى والده الذي يطالعه بتساؤل وقلق ، يهمس بصوت أشبه بفحيح الأفعى :
-"البوليس صادر الشحنة وقبض على كل رجالتنا اللي هناك"
علت ملامح الصدمة على وجه رأفت ، ولم يستطع النطق بأي شيء وهو يرى نظرة غضب في عين ابنه لم يرها من قبل.

قول يا رب likes this.

Fatima Zahrae Azouz غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 19-11-20, 08:27 PM   #16

Fatima Zahrae Azouz

مشرفة قصرالكتابة الخياليةوقلوب احلام وقاصةهالوين وكاتبةوقاصةفي منتدى قلوب أحلام وحارسة وكنز سراديب الحكايات وراوي القلوب

 
الصورة الرمزية Fatima Zahrae Azouz

? العضوٌ?ھہ » 409272
?  التسِجيلٌ » Sep 2017
? مشَارَ?اتْي » 2,564
? الًجنِس »
? دولتي » دولتي Morocco
?  نُقآطِيْ » Fatima Zahrae Azouz has a reputation beyond reputeFatima Zahrae Azouz has a reputation beyond reputeFatima Zahrae Azouz has a reputation beyond reputeFatima Zahrae Azouz has a reputation beyond reputeFatima Zahrae Azouz has a reputation beyond reputeFatima Zahrae Azouz has a reputation beyond reputeFatima Zahrae Azouz has a reputation beyond reputeFatima Zahrae Azouz has a reputation beyond reputeFatima Zahrae Azouz has a reputation beyond reputeFatima Zahrae Azouz has a reputation beyond reputeFatima Zahrae Azouz has a reputation beyond repute
?? ??? ~
My Mms ~
افتراضي

الفصل الثاني عشر

لا تنظر إلى الأوراق التي تغير لونها وبهتت حروفها
تاهت سطورها بين الألم واليأس
سنكتشف أن هذه السطور ليست أجمل ما كتبت
انتبه إلى من وضع سطورك في عينيه
ومن ألقى بها عرض الحائط
لم تكن هذه السطور مجرد كلام عابر
لكنها مشاعر قلب عاش أحرفها
ونبض إنسان حملها واكتوى بنارها ألمًا




جالسة تنهي بعض الأمور المتعلقة بمقالها القادم ، تسلط الضوء فيه على قضية فساد جديدة.
"قضية سقوط الxxxxات"
السبب
يدور حول شركات ومصانع المقاولات الفاسدة التي لا تهتم بصلاحية وصحة مواد البناء التي تنتجها..
فيكون المنتج فاسد لا يصلح للاستعمال!
ثم ينهدم البناء بعد فترة قصيرة من نشأته والبعض الآخر ينهدم قبل أن يتم الانتهاء منه من الأساس!
وبين مهندسين وعاملين منعدمي الضمير ، لا يتقنون عملهم وكل ما يهمهم المال فقط.
يتهاونون في أرواح البشر والعاملين من أجل بضعة ورقات تسمى أموال متناسين أمانتهم وضميرهم تأكله شياطين أنفسهم!
والضحية!
أناس أبرياء تزهق أرواحهم وتدفن تحت الأنقاض وكأنهم لا يسوون شيئًا.
أُسر كل أمانيهم أن يحيطهم منزل يتجمعون في كنفه!
عروسان في بداية طريقهما يبحثان عن عش زوجية لتبدأ حياتهما سويًا.
شاب مغترب جاء يبحث عن لقمة عيشه أو يكمل دراسته!
ليكون الناتج نهاية حياة وزهق الروح!!
أما التعويض!
حفنة من المال ترسل لمن بقى من أهليهم على قيد الحياة!
كأنها ستعوضهم من فقدوهم من ذويهم..
ستثلج نار قلوبهم..
سواء على أب ترك عائلته بلا حول ولا قوة.
أو طفل اختطف من حضن أمه وأبيه.
أو أم رحلت من بين أسرتها.
أو طفلة وفتاة في عمر الزواج انتهت حياتها فجأة!
ويظل مسلسل الفساد مستمر إلى هذه اللحظة دون رقيب.
ليكون السؤال هنا.. من الجاني الحقيقي؟
من عليه أن يُحاسَب و من يُحاسِب؟"
خطت بقلمها آخر أحرف في مقالها قبل أن تدلف به إلى رئيس التحرير ليعطي موافقته على النشر.
دقت الباب ، فسمعته يأذن لها بالدخول..
دخلت وعلى وجهها ابتسامة وقالت بنبرة حماس :
-"صباح الخير يا ريس"
حياها بابتسامة عذبة :
-"صباح النور يا هدير"
حدجها بنظرة ضيقة وتأمل غامض قبل أن يقول :
-"فيه ابتسامة ونبرة حماس ، يبقى هتوريني المقال الجديد"
ضحكت بحماس تمد يدها بمقالها إليه ، فأخذه منها يردد :
-"هاتي يا ستي ، ربنا يستر المرة دي"
وقفت تراقبه يقرأ ما كتبته ، لاحظت تغير تعبيرات وجهه من الصدمة إلى الضيق ثم إلى الغضب ، فعضت على شفتها السفلى ، وحكت مؤخرة رأسها تشيح بوجهها في الجانب الآخر ، تستعد إلى موجة من الغضب ستحل عليها الآن.
وبالفعل وجدته يضرب المكتب بقبضتيه بقوة عادت على أثرها خطوة للخلف بعد انتفاضة جسدها ، يهب واقفًا يصرخ بها :
-"يا نهار أسود يا هدير ، أنتِ ناوية تتحبسي صح؟"
أجابته بحيرة عاقدة حاجبيها بتعجب تنظر له قائلة :
-"ليه يا فندم؟
إيه الغلط في اللي كتبته؟"
دار حول مكتبه يقف أمامها يهز رأسه بيأس منها وتابع :
-"هدير أنتِ عارفة المرة دي بتخبطي في مين؟
مستوعبة الفكرة!!
المرات اللي فاتت كنا بنكشف رجال أعمال ، لكن المرة دي أنتِ هتودي نفسك في داهية"
التفتت غاضبة لما تسمعه منه ، وهتفت بحدة غير مقصودة قائلة :
-"واحنا من امتى بنخاف من حد؟
من امتى وإحنا بنتهاون في كشف أي فساد حتى لو كان مين؟
لو أنا هروح في داهية تبقى أهون من اللي بيتعرض ليه الناس دي ، وغيرهم اللي عايش في رعب مستني الموت في أي لحظة ويسأل امتى البيت يقع بيه؟"
ضرب بكفه الممسكة بورقة المقال بعنف على سطح مكتبه وعلى صوته بنبرة صارمة يشوبها القلق مما تتقدم عليه يجيبها:
-"وأنتِ مالك؟
فيه ناس دورهم يعالجوا المشاكل دي ، أنتِ دورك تسلطي الضوء بس مش تخبطي في الكل وتودي نفسك في داهية"
حكت جبهتها بتوتر وغضب ، تذم شفتيها بتفكير واضعة يدها الأخرى في خصرها ، ثم قالت :
-"ما أنا معملتش حاجة غير إني سلطت الضوء ، ولا المفروض اطبطب!
طب بلاش دول ، الناس اللي عايشة في عشوائيات وعشش ، حياة غير آدمية بالمرة ، دول ملهمش الحق أنهم يعيشوا على الأقل في بيت يحميهم!
مش كل يوم والتاني يقوموا على حريقة أو خناقة يروح فيها ناس ملهاش أي ذنب"
أشاحت بيدها وقد تناست أنها تتحدث مع رئيسها :
-"والناس اللي عايشة في قرى ونجوع في الصعيد وفي مصر كلها ، من غير لا ميا ولا كهربا ولا رعاية صحية ، نتجاهلهم بردو عشان نسكت ومنروحش في داهية؟
ودول حقهم هيجي ازاي؟"
مسح على وجهه بنفاذ صبر يحاول شرح الموقف لها ، يعلم أنه يستطيع أن يرفض المقال بسهولة ، لها معزة خاصة لديه ، فهي معه منذ أن كانت الجريدة مغمورة ولم تظهر إلى النور ، وبفضلها هي وأصدقائها بعد الله أصبحت أهم جريدة في مصر ، ولهذا يخاف عليها بشدة فهي مثل ابنته.
ألتفت لها بهدوء وقال :
-"يا هدير افهمي ، أنا مش ضد المقال.. بالعكس أنا معاكِ في كل كلمة فيه ، بس خايف من العواقب
مقالك نزل قبله مقالات كتير في المواضيع دي ، وفعلًا بيحصل إصلاحات مش هننكر ، لكن أنا خايف عليكِ
مش عاوز تطلع زي قضية رأفت وفي الآخر طلع منها زي الشعرة من العجين"
ضحكت بسخرية تدور حول نفسها وتقول :
-"مقالي موجه لأصحاب المقاولات الفاسدة ، المهندسين اللي مفيش عندهم ضمير ، لعدم وجود رقابة.. فاللي المفروض يخاف من العواقب هما مش إحنا"
نظرت له رافعة رأسها بشموخ ونظرات مصرة على موقفها هتفت :
-"أنا لو هقدم استقالتي بعد المقال معنديش مانع ، لكن مش هغير فيه حرف ولا هتنازل عنه"
أكملت تقول بنبرة ثقة :
-"صدقني يا فندم لو وافقت تنشره تبقى ضجة كبيرة ، على الأقل نفتح الملف قدام الكل ونمنع بيوت كتير ممكن تقع وأرواح كتير تروح ، على الأقل الناس دي تحس إن فيه حد مهتم لأمرها"
راقبها من وراء نظارته ، ثم تهدلت أكتافه بيأس ينظر اليها ثم قال بلا حول :
-"أمري لله هوافق على نشره ، بس صدقيني لو حصل أي مشاكل ليكِ من وراه همنع أي مقالات زي دي تاني ، ومش بس كده هنزلك قسم الفن"
عقدت حاجبيها باستنكار وتمتمت :
-"فن!!
بقى دي أخرتها يا هدير.. من صحفية كبيرة في عالم الفساد لصحفية تجري ورا ده وده عشان تشوفي فيلمه؟"
-"بتقولي حاجة يا هدير؟"
هتف بها عامر فانتفضت مكانها ، ثم قالت تهم بالهروب إلى الخارج :
-"لا يا فندم ولا حاجة ، إن شاء الله مفيش مشاكل هتحصل"
★★★★★
تغار المرأة فتبكي
لكن يغار الرجل فيصمت
فغيرة المرأة اشتعال
وغيرة الرجل انطفاء !
ارتدى رامز ملابس رياضية وحذاء رياضي وقرر الذهاب الى النادي ، يمارس بعض الرياضة ويرى أسماء ، اشتاق لها كثيرًا منذ اليوم الذي جمعهما في منزلها..
أخذ سيارته وذهب حتى وصل إلى هناك ، هبط منها يحمل حقيبته على ظهره ، يسير بخطوات رزينة واثقة خطفت أنظار الفتيات من حوله ، و تقدم من ملعب كرة السلة لعلمه أنها هناك.
وجدها تجري برشاقة وخفة في تلك الملابس الرياضية المكونة من بنطال أزرق و كنزة بيضاء.
طالعها بابتسامة ووله حتى احتدت نظراته عندما وقعت على ذلك المسمى "عمر" يتطلع إليها بإعجاب.
أراد أن يدق عنقه أو يفقأ عينيه حتى لا تقع نظراته على صغيرته.. رآها تشير له عندما لمحته جالس في المدرجات ، فأشار لها أنه سيهبط إليها.
رآها تتقدم منه بابتسامة خطفت لبه مرسومة على شفتيها إلى أن وصلت إليه وهتفت :
-"إيه ده؟
أنت هنا من امتى؟"
-"لسه واصل من عشر دقايق بس.. خلصتِ ولا لسه؟"
-"أيوه خلصت وكنت هروح أفطر"
-"طب يلا أنا كمان مفطرتش"
ولكن قبل أن يذهبا وجدت من ينادي عليها ، فالتفتت ترى عمر يتقدم نحوها وقال :
-"المرة الجاية مفيش تدريب لأني مسافر"
أومأت برأسها تقول :
-"تمام يا كابتن ، أنا...."
وقبل أن تكمل وجدت رامز يقاطعها متقدمًا أمامها بطريقة دفاعية يقول له بسخرية :
-"تسلم يا كوتش ، بس يا ترى روحت لكل واحد في الفريق وبلغته الخبر ده؟"
اتسعت عيناها بذهول من نبرته ونظرت له بدهشة ، بينما قال عمر والارتباك ظهر في صوته :
-"لا بس أنسة أسماء كانت ماشية ومش هتسمعني قولت ألحقها"
حك رامز دقنه ينظر لأسفل وقال :
-"تمام يا كوتش ، عن أذنك إحنا بقى"
جذبها من كفها خلفه وسار بغضب بعيدًا عن هذا اللزج كما يسميه ، ولكن أسماء توقفت تجذب يدها من قبضته تصيح به بغضب :
-"إيه اللي أنت عملته ده؟
أنت كلمته بالطريقة دي ليه؟"
استدار لها وعينيه تطلع شرارات الغضب والغيرة وقال من بين أسنانه :
-"يا ترى الاهتمام ده لكل الفريق ولا ليكِ أنتِ بس؟"
-"أنت تقصد إيه؟"
-"أقصد أن الكابتن بيلمح لحاجة أكبر ، وإنك بالنسبة ليه مش مجرد واحدة في الفريق"
اتسعت حدقتيها بذهول وفغرت فاها لما يلمح إليه ، وصرخت به :
-"أنت إيه اللي بتقوله ده؟
جبت الكلام ده منين؟"
اقترب منها مشيحًا بيده في جميع الأنحاء بانفعال قائلًا :
-"نظراته ، اهتمامه ، كلامه المتزوق.. كل حاجة واضحة زي الشمس"
ضيقت عينيها تطلع إليه.. تري أهذه غيرة ؟
إن كانت هكذا فعليها أن تتأكد وتستغل الفرصة.
عقدت ذراعيها أمام صدرها وقالت باستفزاز وحاجب مرتفع :
-"ولو.. إيه العيب في عمر؟
إنسان كويس ومحترم ، يعني لو زي ما أنت بتلمح يبقى غرضه ارتباط مش صحوبية"
اشتعلت عينيه بغضب جم لمجرد فكرة أنها من الممكن أن تكون لغيره ، فلم يشعر بنفسه وهو قابض على كتفيها يغرز أصابعه في لحمها ، ينظر لها نظرات ذئب هائج وهتف من بين أسنانه :
-"انسي يا أسماء ، مش هيحصل اللي في بالك"
-"ليه؟"
سألته بنفس النظرة :
(لأني بحبك)
صاح بها مقربًا إياها منه ، أنفاسه تلفح صفحة وجهها ، صرخ بما يخبئه في صدره طوال الوقت ، عندما علم أنها من الممكن أن تضيع منه وتكون لغيره.. فقرر التخلي عن لعبته معها والإفصاح لها عما يشعر به.
نظرت له بصدمة ، فقد كانت تشعر بحبه وتعلم أنها لجأت إلى استفزازه كي يعترف وترى ردة فعله ، ولكن وقع الكلمة علي أذنها لم تكن تتوقعه إطلاقًا.
نسيت ألم أصابعه على كتفها وظلت تطلع إليه تستشف عشقه الظاهر في عينيه.
قرأ في عينيها التساؤل عما نطق به ، فأسند جبهته إليها وأردف:
-"أيوه بحبك ، من يوم ما شوفتك داخلة ملهوفة على أخوكِ في المستشفى ، شوفت قدامي ملاك صغير خطفتني من أول نظرة..
رقتك وطيبتك ، خوفك وارتباكك ، زعلك وتكشيرتك لما تحتاجي حاجة ويرفضوا يجيبوها ، عنيكِ اللي دوبتني ، وضحكتك اللي بتخطفني"
دقق النظر في عينيها بحنان يتشرب صدمتها وذهولها من اعترافه المفاجئ ، توسع عينيها وثقل أنفاسها فأكمل :
-"من يوم ما شوفتك وأنا حاسس إنك مسئولة مني ، أنا بعشق كل تفصيلة منك يا أسماء"
رويدًا تسارعت أنفاسها وازدادت ضربات قلبها أضعاف لكلماته تلك ، تشعر أنها ليست على الأرض وأنها محلقة.
لم تشعر بقدميها ، فلولا كفيه الممسكان بذراعيها لخارت قواها وسقطت.
سمعته يتابع :
-"تتجوزيني؟"
كفى ، لن أتحمل كل تلك المشاعر والكلمات دفعة واحدة.
همست في نفسها تنظر له بذهول.. ولكنها تذكرت تلاعبه بأعصابها ، وتظاهره بحب أخرى ، واستفزازه لها.
قررت الانتقام فتراجعت خطوتين الي الخلف ، تعقد ذراعيها أمامها ونظرت اليه بغرور قائلة :
-"بقى طول الفترة اللي فاتت دي بتشتغلني ، وتقولي بحب واحدة تانية"
حك مؤخرة رأسه بحرج وقال :
-"أنا آسف ، بس والله ما حبيت ولا هحب غيرك"
وضعت يد على خصرها واليد الأخرى حكت بها ذقنها وتظاهرت بالتفكير ، ثم قالت تتحرك من أمامه :
-"هفكر وأرد عليك"
تطلع في أثرها بذهول يتمتم بحاجبين معقودين :
-"تفكري؟"
ثم ابتسم يقول لنفسه ويسرع كي يلحق بها :
-"شكلك هتتعبيني معاكِ يا بنت السيوفي..
بس وماله كله يهون"
★★★★★
تقع الصدمات ويختلف معها وقعها علينا
تختلف باختلاف الشخص الذي تأتي منه
نقابلها بذهول
بصمت
بعدم تصديق
وأحيانًا لامبالاة
فماذا إن أتت من أقرب الأقربين وأتى معها حقائق أكثر صدمة!؟

بعد خروج هدير من مكتب رئيس التحرير..
زفرت بقوة وراحة بعد المشاحنة التي قامت بالداخل والتي من المؤكد أن الجميع استمع لها.
كادت أن تتجه إلى مكتبها فتفاجأت بزميلها "محمد" يظهر أمامها من حيث لا تدري ، جعلتها تعود بظهرها للخلف ، تضع يدها فوق صدرها من فزعها ، فسمعته يهتف :
-"عندي ليكِ خبر بمليــون جنيه"
انتفخت أوداجها من الغيظ تضغط على أسنانها بقوة ، وهتفت بوجهه في غضب من ذلك الاسلوب :
-"أنت مش هتبطل تخضنا كل شوية؟
هتموت حد فينا مرة حرام عليك"
صمتت تلتقط أنفاسها بروية ، ثم نظرت له مرة أخرى قائلة بسخط :
-"ثم أنت من امتى بتجيب أخبار عدلة يا محمد!"
-"اسمعيني بس.. امبارح قبضوا على أكبر شحنة مخدرات دخلت البلد ، والمتورط فيها رجل أعمال كبير جدًا بس لسه منعرفش هو مين"
اتسعت عيناها من الدهشة ، وصفقت بيدها تهتف به بسعادة :
-"أنت بتتكلم جد؟
ده يبقى خبر الموسم"
لتكمل في نفسها :
-"يا سلام لو يطلع اللي في بالي ، تبقى ضربة معلم بصحيح"
كادت أن تتحدث فوجدت هاتفها يرن برقم مجهول ، لتجيب بجدية ممزوجة بحذر :
-"ألو أيوه مين؟"
جاءها صوت رجولي يتحدث برسمية :
-"الأستاذة هدير سالم؟"
-"أيوه أنا هدير ، مين حضرتك؟"
-"معاكي الرائد حازم من مباحث أمن الدولة ، ممكن حضرتك تشرفينا عشر دقايق؟"
اندهشت من المتصل وانتابها القلق ، فهذه أول مرة يتم استدعائها إلى ذلك المكان.. لكنها وافقت على وعد أن تكون هناك بأسرع وقت.
ذهبت إلى مقر أمن الدولة ، ودلفت في ثقة عكس ما يعتمرها من قلق.. ثم وصلت إلى مكتب الرائد حازم ، وأخبرت الحارس أن يعلمه أنها قد حضرت على الموعد ، ليخرج بعد لحظات سامحًا لها بالدخول.
دخلت الى المكتب وقالت بتحية :
-"صباح الخير يا فندم"
بادلها حازم التحية يشير لها بالجلوس :
-"صباح النور أستاذة هدير ، اتفضلي استريحي ، تشربي إيه؟"
-"متشكرة يا فندم ، بس أنا مستغربة أنا هنا ليه؟"
تحدث حازم برسمية شديدة وقال :
-"حضرتك أكيد سمعتي عن شحنة المخدرات اللي تم القبض عليها امبارح ، صح؟"
أومأت برأسها مؤكدة :
-"أنا فعلًا لسه عارفة بالخبر قبل اتصال حضرتك ، بس اعذرني أنا بردو مفهمتش!"
-"المتهم فيها رجل أعمال كبير في البلد ، وده اللي أنتِ هنا عشانه"
عقدت حاجبيها بدهشة وتساؤل ترجمته كلماتها :
-"يعني إيه!"
أجابها حازم يمد بده يرن الجرس ليأتي الحارس من الخارج :
-"هتعرفي دلوقتي كل حاجة"
ليلتفت إلى الشخص أمامه ويقول :
-"دخلي المتهم"
كل ذلك وقلبها يحدثها بشيء سيء سيحدث ، لينتشلها من تفكيرها صوت فتح الباب وظهور الشخص التي لم يكن يخطر على بالها حتى في أسوء أحلامها ، لتنتفض شاهقة بصدمة تضع يدها فوق فمها من هول من رأته أمامها..
لا شخص يقول لي أن كل هذا كذب!
هو من المستحيل أن يفعل ذلك؟
وقفت أمامه ومعالم الصدمة بادية على وجهها ، من اتساع عينيها وتشنج جسدها، وتضع كفيها على فمها تمنع صرخة عالية تكاد تخرج منها..
همست بصوت مكتوم ، وعيناها مصوبة نحوه :
-"بابا!
لا لا مش ممكن ، مستحيــــل"
سقطت مغشيًا عليها من هول الصدمة ، فضلت أن تستسلم للظلام بدلًا من تراه في هذه الحالة ، فضلت السقوط في الإغماء عوضًا عن مواجهة الأمر!
وبعد قليل...
ممددة على الأريكة ، و رأسها موضوع على قدم أحدهم يحاول إفاقتها ، رمشت بعينيها عدة مرات لتعتاد على الإضاءة ، لتصطدم عيناها بأعين زرقاء تعرفها جيدًا ، جعلتها تنتفض من مكانها كمن لدغها عقرب.
هتفت بدهشة من وجوده ولما يحدث حولها :
-"مازن!"
استدارت لتجد والدها يجلس وعلامات القلق عليها بادية على وجهه ، يمسك بكفه بين راحتيه ، و جانبه يجلس حازم.. لتهمس بتساؤل تضع رأسها بين كفيها :
-"إيه اللي بيحصل حد يفهمني؟"
أجابها مازن بهدوء يحيطها بذراعيه وكفه يمسد ظهرها يبثها الهدوء :
-"اهدي يا هدير وأنتِ تعرفي كل حاجة"
صمتت تنظر له بخواء ، ليجذبها صوت والدها الحنون :
-"أنا هحكي لك كل حاجة..
أنتِ عارفة أن كريم كان السبب في المشكلة اللي الشركة تعرضت ليها و باتفاق مع السكرتيرة مش كده؟"
أومأت في صمت ، ليتابع :
-"بعد ما خرجت من المستشفى ، وروحت على الشركة عشان ألاقي حل ، كانت مازن من قبلها عرض عليا عرض شراكة ، اتصلت بيهم وفعلًا تاني يوم لاقيت مازن في زيارة ليا للشركة وعرض إنه يشتري نص أسهم الشركة ويبقى شريكي ، وفاجئني بعرض جوازه منك.. ملقتش فرصة أحسن من دي بصراحة ليكِ وإنه الشخص المناسب بس رفضت لو هيبقى جوازك قدام الشراكة دي..
وبعدها بيومين تفاجئت بزيارة كريم ليا ومعاه أوراق عليها توقيعي تثبت إني شريك معاه في الصفقة اللي جاية الخاصة بشركته ، كانت السكرتيرة بردو أخدته عليها من غير ما أعرف.. وهددني بيكِ أنتِ ومامتك وكمان بالسجن لو خلفت بالصفقة دي"
كانت تطالعه بذهول لما تسمعه ، تتسع حدقتيها موازاة مع كلماته وأنفاسها تتسارع بعنفوان ، ليزداد كرهها وسخطها ناحية كريم.. تنهد مكملًا :
-"قبل حفلة الخطوبة أنا روحت لمازن الشركة ، وأنا اللي وافقت وطلبت منه أن الجواز يبقى بسرعة ، وحكيت ليه عن تهديد كريم ليكِ ....."
انتفضت واقفة تقاطعه صارخة بذهول :
-"وأنا من امتى كان كريم يمثل ليا تهديد يا بابا؟
من امتى وأنا بخاف منه عشان تبيعني بالطريقة دي؟"
كاد أن يجيبها ، لكن جاء صوت مازن من خلفها قائلًا بقوة ممسكًا برسغها وقد اكتفى منها ومن جنانها ، ليعاود إجلاسها مرة أخرى :
-"يبيعك إيه وجنان إيه اللي بتتكلمي عنه؟
فكرة كتب الكتاب فكرتي أنا ، مفيش إلا الطريقة دي عشان أحميكِ بيها ، أبوكِ ملهوش أي ذنب في أي حاجة"
لتقاطعه هادرة بنبرة مختنقة :
-"وهو أي حد عاوز يحمي شخص يقوم يتجوزه؟"
كان يضغط على مرفقها بقوة يجيبها من بين أسنانه وحدقتيه تهتاج من فرط السيطرة على نفسه حتى لا يدق رأسها الغبي :
-"لا مش أي حد ، عارفة ليه؟
لأن مفيش إلا هدير واحدة ومازن واحد!
أنتِ متعرفيش إن كريم يعتبر الدراع اليمين لأكبر عصابة في روسيا ، بتّاجر في كل حاجة.. سلاح ، مخدرات ، أعضاء بشرية ، آثار ، مواد فاسدة ، كل اللي تتخيليه..
كريم مش سهل زي ما أنتِ فاهمة يا هدير ، ومش كلمتين منك اللي هيخوفوه"
رمشت بأهدابها عدة مرات تستوعب ما يقوله لها عن كريم الجديد الذي كُشف أمامها الآن ، لكن ما زال هناك كثير من الأسئلة في رأسها تريد إجابتها على الفور..
لكن قاطع تفكيرها صوت حازم يقول برسمية :
-"مازن بيه قالنا على كل حاجة من الأول بجانب والدك ، يعني إحنا كنا في الصورة من أول لحظة ، لحد ما جه معاد الصفقة اللي والدك قالنا عليه في وقت سابق ، بس كان لازم يتم القبض عليه عشان كريم ميحسش بأي حاجة غلط ، وكمان ده هيشتته ويخليه يغلط"
تساءلت بخفوت :
-"طب لما أنتم عارفين إنه السبب في كل حاجة ، ليه مقبضتوش عليه؟"
جاءها صوت والدها هذه المرة :
-''لأن مفيش أي دليل عليه للأسف ، حتى الورق اللي كان بيهددني بيه عليه إمضاء مدير أعماله مش هو"
أغمضت عيناها بشدة ، قبل أن تسأل :
-"طب... موقف بابا دلوقتي إيه؟"
-"والدك هيخرج عادي جدًا بكفالة ، خروجه مصلحة لكريم لأنه دلوقتي أكيد خايف أنه يتجاب سيرته ، مجرد التحقيق معاه يعمله مشكلة هناك في روسيا ، وبالتأكيد هيتصل بوالدك تاني"
أومأت بخفوت ، تفرك جبهتها من الصداع الذي حل عليها ، ليقول مازن الذي كان يلاحظ التعب البادي على ملامحها ممسكًا بكفها :
-"طب إحنا هنخرج لحد ما الاجراءات تخلص ، هدير أعصابها محتاجة ترتاح"
خرج من المكتب فقابله المحامي الذي عينه للدفاع عن والدها فأمره أن يبقى معه حتى تتم جميع إجراءات خروجه ، ثم التفت مكملًا سيره وهي تسير خلفه شاردة في كل ما حدث وما سمعت ، فتح لها باب السيارة وساعدها على الصعود يجلس بجانبها وينطلق في صمت ، حتى وصل فيلا جديدة تراها للمرة الأولى.
دلفا سويًا ، واستدار ينظر إليها بعدما أغلق الباب ، فوجدها تبكي!
هل مكتوب عليها كلما انفرد بها تحزن؟
تنفس بعمق يهز رأسه بيأس اقترب منها كاد أن يضمها إليه ، حتى بادرته بدفعه في صدره ، اعقبتها صرخة ألم مصحوبة بتشنج جسدها واهتزازه بانتفاضة :
-"متلمسنيش كلكم شبه بعض ، أنت و كريم.
كريم إنسان ، لا ده حيوان.. اللي بيجري جواه ده قلة أصل وحقارة مش دم ، مليان شر ومش مكفيه اللي عمله فيا زمان ، لا جاي يكمل"
ثم نظرت له نظرات نارية مهلكة وتابعت مشهرة سبابتها في وجهه باتهام :
-"وأنت !!
متصدقش نفسك بالكلمتين بتوعك أنك هتحميني يا مازن ، أنت كأن الموضوع جه على هواك ، كان ممكن تحله ده لو عايز من غير كل اللي حصل ، بس أنت ......"
لم تستطع أن تكمل حيث كتم فمها براحته بعدما قطع المسافة بينهم في خطوتين ، ينظر لها بسخط وغيظ وحدقتيه تتسع بحدة ، يقول من بين أسنانه هامسًا أمام وجهها :
-''إياكِ.. شوفي إياكِ تقارني بينه وبيني يا هدير!
أنا فعلًا كان ممكن أحل الموضوع من غير ما أتجوزك ، بس أنتِ مش واخدة بالك من حاجة..
زي ما قولت لك كريم مش سهل ، له ألف سكة وسكة ممكن يأذيكِ بيها.. ده غير أني طلبت أتجوزك وأنا لسه معرفش حاجة عن تهديده ، وباباكِ رفض العرض وقال إنك استحالة تكوني صفقة ، يعني أبوكِ مباعكيش!"
طالعته بدهشة ولم تحد بعينيها عن نظراته القوية ، تهمس متسائلة بعدما أزاح كفه عنها :
-"واشمعنا أنا؟
ليه عملت كده؟"
-"لأني كنت مكانك!"
صرخ بها بأعلى صوته يتركها ويعود للخلف ، جعلت عينيها تتسع بتساؤل وحاجبيها ينعقدان بتعجب وعدم فهم ، طالعت أنفاسه اللاهثة ومحاولاته للهدوء والعودة لبروده المعتاد لكنها فتحت باب لم يكن على استعداد لفتحه أمامها الآن..
الحيرة بين الصمت والكلام بسبب ماضي عاث به الزمن
حيرة تلفح ذاتك أمام شخص أخطأت في حقه
فإذا تكلمت خسرته
وإذا صمت اهتزت صورتك بداخله
وتبقى في حيرة بداخلك
لكنك مدرك أن الصمت صدأ يغشى النفس
والكلام هو الذي يصقل النفس ويخلصها من أحزانها
ليقول ونظراته تحدق في نقطة ما في الفراغ وما مضى يركض أمامه كشريط سنيمائي هامسًا :
-"أبويا كان مكان أبوكِ ، دخل في صفقة مشبوهة رأفت السبب فيها ، ومن وقتها بقى واحد منهم غصب عنه ، ولما وقع في إيده أوراق تودي رأفت في ستين داهية.. قتلوه!"
رفع أنظاره إليها بجمود مكملًا :
-"قتلوه على سريره ، قدام عيني ، كان عندي عشر سنين ، طالع من الحمام لاقيت راجل طويل مخبي وشه وبينط من البلكونة ، وبابا على السرير مضروب بالنار في دماغه.."
شهقة من خلفه انتشلته من ماضييه ، ينظر لها بغموض فوجدها غارقة في دموعها ، تكمم فمها براحتها وسمع همستها تتساءل :
-"إيه اللي حصل يا مازن؟"
نظر لها بأعين سوداء ، يعود بذاكرته إلى ما يحاول إخفاءه منذ سنوات ، تنفس بعمق وبدأ يسرد :
-"أبويا عز الدين السيوفي ، هو اللي أسس الشركة لحد ما بقت أكبر شركة في مصر للعمارة ، طلب منه رأفت الشراكة وبابا وافق ، مرة بعد مرة اكتشف أن أسلوبه ومشيه مشكوك فيه ، والأكبر أنه متورط في صفقة مشبوهة لدخول مواد فاسدة للبلد ، وأنه واحد من أكبر عصابة مسئولة عن التجارة دي.. ولما عرفوا إنه كشفهم قرروا يصفوه في قلب بيته وعلى إيد شريكه"
فرك وجهه بكفيه بقوة يحاول السيطرة على غضبه وأفكاره :
-"كنت مع بابا في الليلة دي ، كان عندي عشر سنين ، دخلت أجيب علاجه من الصيدلية اللي في الحمام ولما خرجت لاقيت واحد واقف بضهره لابس أسود في أسود وقتله"
ليتابع وقد غشت غمامة من الدموع سيطر عليها بسرعة وكأن شيء لم يحدث :
-"من يومها وأنا أقسمت أني هرجع حق أبويا وبأي طريقة ، بقيت أحارب رأفت من ورا الستار ، خليت الكل بمجرد ما يسمع اسم مازن السيوفي يترعب.. حتى اسمي لما يتقال وسطيهم يتعمل له حساب ويرجعوا يفكروا ألف مرة..
المعلومات اللي وصلت ليكِ عن رأفت كانت عن طريقي أنا ، منكرش اني استغليت كرهك و محاربتك لصالحي"
جلست على الدرج الداخلي خلفها ، لم تتحمل ساقيها الوقوف أكثر ، كل ما سمعته وما تسمعه يفوق احتمالها..
كفى أخبارًا وصدمات إلى الآن.!!
لم تعد تتحمل تشعر أنها ستسقط في أي لحظة.
شعرت به يرفع وجهها إليه ، لتدفق النظر في ملامحه تكاد تقسم أنها وجدت دموع في عينيه لكنه سيطر عليها ، غلفها بنظراته وقال هامسًا :
-"منكرش أنك في البداية كنتِ تحدي بالنسبة لي ، محدش كان يقدر يرفع عينه في عيني تيجي بنت أقصر مني مش واصلة لكتفي تعتبرني هوا"
نظرت له شذرًا لسخريته من قامتها عاقدة حاجبيها بسخط، جعلته يبتسم وأكمل :
-"ولما باباكِ حكى لي ، شوفت فيكِ مازن الصغير ، خوفت عليكِ تعيشي اللي عاشه ، كانت أفضل طريقة جوازنا وأكبر دليل لما كريم جه الحفلة"
قربها منه متعمقًا أكثر في عسليّ عينيها ، وجهه شديد القرب منها ، يمسح بإبهامه الدمعات العالقة بأهدابها محاولًا تهدئة شهقاتها المتقاطعة ، يهمس أمام شفتيها :
-"عاوزك تفهمي حاجة واحدة بس ، أنك مراتي ومهما حصل مش هتخلى عنك أبدًا ولا حد يقدر يقرب لك"
ختم حديثه بقبلة طويلة على جبهتها ، تلاها عناق طويل ، أبسط ما يقال عنه أنه مثال لمعنى الأمان والاحتواء.
ابتعدت قليلًا عن أحضانه لكنه لم يفلتها من بين ذراعيه ، مسحت دموعها بأناملها الطويلة تقول بصوت هامس :
-"مازن أنا قلقانة"
شدد من احتواءه لها وهمس مثلها يبثها الاطمئنان :
-"مش متعود عليكِ ضعيفة ، حمايتك أنا متكفل بيها ووالدك مش هيحصل ليه أي حاجة اطمني"
لتهمس دون وعي منها وبتلقائية شديدة :
-"وأنا واثقة فيك"
ثلاثة كلمات كانت كفيلة أن يزرعها بأحضانها ، يخبرها أن هذا موطنها ، كما وجد موطنه وطفولته معها.
وبعد مدة كانت برفقة والدها في سيارته ، قابعة في أحضانه تتأكد أنه بجوارها ، وفي عينيها بريق شديد الاصرار والتوعد ممن كان السبب في الأمر.

قول يا رب likes this.

Fatima Zahrae Azouz غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 23-11-20, 03:13 PM   #17

Fatima Zahrae Azouz

مشرفة قصرالكتابة الخياليةوقلوب احلام وقاصةهالوين وكاتبةوقاصةفي منتدى قلوب أحلام وحارسة وكنز سراديب الحكايات وراوي القلوب

 
الصورة الرمزية Fatima Zahrae Azouz

? العضوٌ?ھہ » 409272
?  التسِجيلٌ » Sep 2017
? مشَارَ?اتْي » 2,564
? الًجنِس »
? دولتي » دولتي Morocco
?  نُقآطِيْ » Fatima Zahrae Azouz has a reputation beyond reputeFatima Zahrae Azouz has a reputation beyond reputeFatima Zahrae Azouz has a reputation beyond reputeFatima Zahrae Azouz has a reputation beyond reputeFatima Zahrae Azouz has a reputation beyond reputeFatima Zahrae Azouz has a reputation beyond reputeFatima Zahrae Azouz has a reputation beyond reputeFatima Zahrae Azouz has a reputation beyond reputeFatima Zahrae Azouz has a reputation beyond reputeFatima Zahrae Azouz has a reputation beyond reputeFatima Zahrae Azouz has a reputation beyond repute
?? ??? ~
My Mms ~
افتراضي

الفصل الثالث عشر.

الشيء الوحيد الذي يقف عقبة في طريق تحقيق ما تريده
هو قصة وهمية اعتدت أن تسردها لنفسك وللآخرين كي تبرر عدم قدرتك على تحقيق هدفك.
فاترك الاعذار وأعمل على تحقيق ما تريد بكل قوتك

عادت إلى المنزل برفقته متصنعة اللامبالاة طوال الطريق ، تعبث بهاتفها متجاهلة نظراته إليها وما تظهرها من عشق وحب بعد اعترافه المفاجئ ، ولكنها في الحقيقة لم تفق إلى الآن مما حدث منذ قليل
أحقًا اعترف لها بحبه؟
بعد كل هذه السنوات تكون حبيبته!
أيمكن أن يتحقق حلمها بعد كل تلك الأيام من الحزن؟
لكن ليس بهذه السهولة ، ستعذبه بحق الفترة الماضية التي تعتمد استفزازها فيها.
ظل ينظر إليها طوال الطريق ، لم ينطق بكلمة مراعيًا صمتها وتفكيرها في اعترافه ، لكنه لم يمنع نفسه وعينيه من تأملها ، خصلاتها التي رفعتها أعلى رأسها تمرد بعضها هابطًا إلى جبهتها ، عينيها المتسعتين ، أنفها الصغير ، وفمها الصغير المرسوم بعناية تطل منه أجمل ابتسامة تدفعه يحارب الجميع من أجلها فقط.
على الرغم من غيرته الشديدة من عمر ألا أنه يلتمس له العذر.
فمن يراها ولم يقع في حبها!
وهذا ما يدفعه ليخفيها عن أعين الجميع.. قبل اليوم لم يكن لديه الحق ان يفعل شيئًا ، لكن بمجرد اعترافه لها بحبه في قانونه بمثابة صك ملكية.
هبطت من سيارته دون أن تهمس بأي كلمة ، حاملة حقيبتها بيدها متصنعة اللامبالاة ، ثم دلفت إلى المنزل وتركته خلفها متظاهرة بالتجاهل.
أما هو فقد صف سيارته وأسرع يلحق بها ، فلابد أن يظفر بجواب منها.. لا بل موافقتها فهو لن يقبل إلا بذلك.
دلف إلى المنزل وحال برأسه يبحث عنها ، فوجدها تخرج من المطبخ حاملة بيدها زجاجة من المياه تشرب منها ، فهتف باسمها قبل أن تصعد لغرفتها ، التفتت له تغلق زجاجتها وقالت بهدوء :
-"أيوه يا رامز"
اقترب ولم يحد بنظره عنها حتى وقف أمامها ينظر لها بقوة عازمًا على عدم التحرك من أمامها إلا عندما يظفر بما يبرد نيران قلبه "
-"مش هتردي على كلامي؟
ناوية على إيه يا بنت السيوفي؟"
-"كلام إيه؟
وناوية على إيه في إيه؟"
رفع حاجبها من تلاعبها وأحنى رأسه نحوها هامسًا بمشاعره قوية وعينيه تنطق بحبها :
-"أسماء بلاش تعملي نفسك مش واخدة بالك ، قولتها مرة فلو عايزة تسمعيها اطلبيها صريحة"
أرادت اللعب بأعصابه قليلاً فقالت بنيرة مصطنعة الأسى :
-"رامز أنت أخويا ، وإحنا أصدقاء وعمري ما فكرت إن ااا.. إن يعني تحبني وكده"
نظر لها بشذر لما تفوهت به ، واصطبغ وجهه باللون الاحمر هامسًا لنفسه من بين أسنانه يضغط على جفنيه يستمد الهدوء:
-"أخوات و أصدقاء في جملة واحدة؟"
ثم رفع نظراته إليها مرة أخرى قائلًا :
-"بقولك بحبك ، و مش حب أخوات و لا صحاب ، بحبك من ساعة ما شوفتك , تقولي أخوات؟
ولا شكل أستاذ عماد عاجبك؟"
تجاهلت كل ما قاله وقالت ببراءة عاقدة حاجبيها :
-"اسمه عمر على فكرة مش عماد"
هتف بنفس النبرة الغاضبة منها مقتربًا خطوة منها جعلتها تعود للخلف بارتباك :
-"عماد ، عمر ، عفريت أزرق.. بلاش تعصبيني"
رفعت حاجبها وهمست بمكر ونظراته لها متلاعبة :
-"أومال مش المدرب بتاعي!
وقلبي حاسس إنه احتمال يبقى في حاجة كمان و .."
قبل أن تكمل حديثها وجدته يضغط على ذراعيها بقبضتيه يجذبها نحوه ، عيونه حمراء من الغضب والغيرة من حديثها لمجرد التفكير أنها من الممكن أن تكون لغيره.
شهقت عندما ألمها ضغط يده ولفحت أنفاسه وجهها ، فعلمت أنها أوصلته لذروة غيرته وغضبه..
اقترب منها أكثر يهمس بفحيح غاضب :
-"أنا ممكن أسمح إنك تهزري في أي حاجة إلا دي ، فاهمة!
مين ده اللي بتفكري إن ممكن يكون في بينه وبينك حاجة؟"
حدجته بنظرات حانقة تفلت ذراعيها من براثين قبضته وقالت بغيظ :
-"أنا مش عارفة أنت بتكرهه ليه؟"
الغيرة كالخمر تشوش العقل وتمنعه من التفكير
ضغط على قبضته بقوة يرفعها أمام وجهها بغيظ وأسنانه تضغط على شفته السفلى باستفزاز :
-"و كمان بتسألي بكرهه ليه؟
طبعًا وأنتِ هتعرفي منين؟
مش بتشوفي نظرته ليكِ , نظرة ميعرفهاش إلا واحد بيحب زيه أو معجب"
تنفس بعمق قبل أن يكمل بهدوء :
-"عايزة تعرفي بكرهه ليه؟
عشان من بين كل البنات محبش إلا البنت اللي أنا حبتها واللي تخصني ، وأنا اللي يخصني خط أحمر مينفعش حد يتعداه"
-"رامز أنت عايز إيه؟"
همستها شاردة في نظراته إليها فأجابها بعاطفة تفوق الوصف ، واضعًا كفيه على كتفيها برفق وحدة نظراته تهدأ :
-"عايزك تعرفي إن أنا مليش غيرك ، إنك أنتِ روحي و حياتي وأمنيتي من زمان ، حلمي اللي كنت شايف نفسي مش جدير بيه.
تحسي بكل مرة بغصب نفسي منطقش بالكلمة دي..
تحسي و أنا بشوف عمر أو غيره بيبص عليكِ ازاي
و أنا مخنوق و مش قادر أقولك حاجة"
هناك شخص عندما يغيب عنك
تشعر بأنك فاقد وطن أكثر من كونك فاقد شخص
تشعر إنك غريب دون وجود بروتينك اليومي..
فكرت هل رامز يمثل لها هذا الوطن؟
وجوده يمثل فارق أم فقط اعتياد؟!
-"رامز "
همسة صغيرة خرجت منها بصوت متحشرج عبرت عن تأثيرها بكلامه لها ، تسأله بخجل و تتراجع خطوتين الى الخلف تحاول لملمة شتات نفسها ، وتبعد خصلة من شعرها خلف أذنها :
-"بس ده كله حصل امتى؟
أنت عمرك ما لمحتلي بحاجة!
كل اللي كنت بشوفه منك زي اللي بشوفه من مازن ، مشاعر أخ لأخته مش أكتر "
تنهد بعمق ثم زفر الهواء بقوة ، يضع يده في جيب بنطاله ونظراته لم تهبط من عينيها بصمت طال قليلًا كأنه يفكر في سبب سكوته هذا الوقت ، ليقول بنبرة حزينة :
- "مكنش ينفع ألمح ليكِ بحاجة ، أنتِ أخت صاحبي ، و أنا مكنتش حاسس إني جدير بيكِ وشايف إني مستاهلكيش .
أنتِ حاجة كبيرة قوي عليا ، حاجة أنا عمري ما تخيلت إنها ممكن تحبيني ، سكت عشان خاطر الست اللي فتحت لي بيتها و اعتبرتني ابنها ، و الصاحب اللي أمنّي على أخته و أمه و شغله..
سكت لحد ما تكبري و تستوعبي حبي ده..
لحد ما ألاقي الوقت المناسب اللي اعترف فيه"
وقبل أن يكمل حديثه وجدها تصرخ به مقاطعة إياه بحزم ، تلكمه بقبضتها الصغيرة في صدره :
-"بس أسكت.. حاجة كبيرة إيه؟!
كل اللي احنا فيه ده بسببك أنت ، لو مكنتش أنقذت مازن كنا ضعنا"
-"أنا معملتش حاجة"
زفر بقوة يمرر يده على رأسه بعصبية ويأس ، وينظر أسفل قدميه كمن يتلاعب بحجارة وهمية ملقاة على الأرض ، ثم أكمل قائلًا بصوت واهن ضعيف :
-"أسماء أنا تعبت.. روحي تعبت وقلبي تعب ، عقلي تعب ، كلي يا أسماء كلي تعب"
ركضت نحوه وأمسك ذراعيه بخوف وفزع ظنًا منها أن شيئًا في جسده يؤلمه :
-"مالك يا رامز؟
حاسس بإيه؟"
مرر أنامله بين خصلاته بعنف متطلعًا بالسقف عدة دقائق يطبق على فمه ببعض القوة ، ثم تطلع إليها من جديد هاتفًا بحزم :
-"أنا مش عارف أوصلها ليكِ ازاي؟
أنا بحبك ، عارفة ده معناه إيه؟"
أسدلت أهدابها ، تردف بخجل :
-"أيوه عارفة"
أفلت ذراعه من يدها يوليها ظهره قائلًا بإحباط :
-"لا يا أسماء عمرك ما هتحسي باللي جوايا طول ما أنتِ مقتنعة إني أخوكِ.. على العموم فكري براحتك والقرار اللي هتاخديه تأكدي إنه مش هيغير أي حاجة بينا"
تقدم ليذهب لكن أوقفه اسمه الذي هتفت بها ، مستمعًا خطواتها تقترب منه ووقفت خلفه على بعد خطوة واحدة :
-"لا عارفة يا رامز ، لأن محدش بيحس باللي جوه التاني إلا لو بيبادله نفس الشعور"
التفت لها ببطء عاقدًا حاجبيه بحذر وترقب هامسًا :
-"تقصدي إيه؟"
همست بخجل تهرب بعينها من محيط نظراته ، تضغط بأسنانها على شفتها السفلى :
-"أنا كمان زيك"
اقترب منها بروية مبتلعًا لعابه بحذر يخبرها :
-"قوليها يا أسماء وريحينا إحنا الاتنين..
انطقيها علشان تريحي ده من عذابه"
أمسك يدها ووضعها فوق قلبه ، فأغمضت عينيها وقالت بهمس ونبرة متأثرة من ملمس يده على كفها ، وشعورها بنبضات قلبه تحتها تهدر كمن ينتظر نتيجته :
-"أنا كمان بحبك"
تنهد براحة كمن بذل مجهود رهيب ، أو من تسلق جبل ، ابتسامة عشق وراحة ارتسمت على شفتيه ورأسه ينحني يسند جبينه على جبينها ، فأراد أن يثير غيظها فقال بتلاعب :
-"قوليها تاني"
وكما توقع ضربته بقبضتها مكان قلبه ، تصرخ بغيظ يخفي ذرات الخجل التي انتشرت في وجنتيها :
-"بس بقى أنت بقيت وقح من امتى؟
متقعدش مع مازن كتير يا رامز"
ارتفعت وتيرة ضحكاته وهو يراها عادت لشراستها وشقاوتها.. حاول كبح ضحكاته ، ينظر إليها يغمز لها قائلًا :
- "قوليلي بقى نكتب الكتاب إمتى؟"
نظرت له ببلاهة تحاول استيعاب ما قاله ثم اتسعت حدقتا عينيها بذهول ، وما لبست أن صرخت به بفزع وارتباك واضح عليها :
-"أنت بتقول إيه!
لا طبعًا مفيش الكلام ده"
-"وهو يعني مازن أحسن مني في إيه؟"
أردف بمرح متأملًا تعبيرات وجهها المرتبكة فلوت فمها باستنكار وقالت بنبرة سخرية :
- "مش لما يبقى مازن أصلًا يوافق على اللي أنت عايزه ده؟!
وبعدين ده مجنون طقت في دماغه مرة واحدة حكاية كتب الكتاب دي.. لكن أنت يا حبيبي عاقل
فاتفضل قولي هتقول لمازن إيه؟"
ضحك رامز لارتباكها ، واحترم رغبتها في تغيير الموضوع حتى لا يحرجها أكثر ثم قال بخبث :
-"ومين قالك إنه ميعرفش؟"
نظرت له بتعجب وتساءلت :
-"يعرف إزاي؟!"
***********
بعد الانتهاء من الاجتماع الذي تم بين نادين ومازن.. ثم اتصال أسماء له كي يقلهم بعد تعطل سيارتها ، عاد بعدها مرة أخرى الى الشركة ، ودلف إلى مكتب رامز يجده شارد الذهن ، ينظر إلى الفراغ أمامه حتى أنه لم ينتبه لدخوله..
عقد حاجبيه ؛ فهي ليست المرة الأولى التي يجد فيها صديقه على هذه الحال ، فمرات كثيرة يراه شاردًا ، وأحيانًا غاضب ولا يعلم لماذا؟
سعل كي ينتبه له الآخر فاقترب منه يقول بمرح وخبث :
-"طب ما تقولها وترتاح"
انتبه له رامقًا إياه بدهشة ظهرت في نبرته :
-"هي مين دي؟"
-"اللي شاغلة بالك ومخلياك سرحان كده"
قالها بخبث رافعًا حاجبه بمكر فأجابه الآخر بشيء من الحدة ينهض يقف أمام النافذة يشعل سيجارته واستنشقها بعصبية :
-"أنت مش هتبطل هزارك ده بقى؟"
نهض يقف خلف صديقه واضعًا كفه على كتفه ليديره له وقال بحيرة :
-"في إيه يا رامز أنا أول مرة أشوفك كده!
إيه شاغل بالك بالطريقة دي؟"
زفر الهواء بقوة ، تجاوز صديقه ليجلس على الأريكة الموضوعة في أقصى مكتبه ، ساندًا مرفقيه على فخذيه ورفع نظراته إلى ذلك الواقف يرمقه بغموض ، مفكرًا
هل يفصح عما يخفيه في طيات قلبه؟!
هل يخبره بسره دون خوف و دون التفكير بالعواقب؟!
هل سيتقبل مشاعره؟!
تنهد بعمق متخذًا قراره بشجاعة وقال بقلة حيلة :
-"عارف إحساس لما تبقى مهتم بحد و خايف عليه حتى من نفسك؟!
تحاول على قد ما تقدر تحميه من كل اللي حواليه حتى منك؟!
إحساس بنار لما تشوف حد بيبص ليه لمجرد أنه ابتسم ، لكن بتخفيه جواك لأنك ملكش أي حق أنك تظهره؟"
تابع بنظراته مازن الذي جلس قبالته ينظر له بعين الصقر ، يحاول أن يستشف المغزى وراء حديثه.. نظراته وهدوئه شجعته على الاستكمال..
-"لا أنت قادر تتكلم وتصارح ، ولا حتى قادر تكتم جواك..
حاسس لو اتكلمت هخسر الشخص ده .. كمان هخسر ناس كتير معاه... ناس هما اللي ليا في الوقت ده.
ولو فضلت ساكت هيضيع مني ، وأنا هضيع معاه"
صمت ،، صمت لا يعلم ماذا يقول أيضًا!
استند بظهره إلى الأريكة ونظراته لم تهبط من أعين صديقه الذي يرمقه بهدوء قبل أن يستند بمرفقيه إلى ركبتيه مائلًا بجسده للأمام :
-"من إمتى وأنت جبان بالطريقة دي؟
مش أنت اللي واجع دماغي طول الوقت إننا نحارب عشان اللي يخصنا!
جرب واتكلم ..."
ضحك بسخرية رافعًا رأسه لأعلى يهزها يمينًا ويسارًا وقال من بينهما :
-"الكلام سهل.. وصدقني كل ده هيتغير بمجرد ما تعرف مين هو الشخص ده"
أغمض عينيه بقوة وتحولت نبرته لخفوت يملئها القلق والخوف :
-"وده اللي قالقني"
طالعه مازن بدهشة من حالته ، فهذه المرة الأولى الذي يراه بهذا الشكل.. لم يره سابقًا بذلك التوتر والقلق!!
هتف بحيرة :
-"وأنا من إمتى بتغير معاك بسبب حد؟"
-"حتى لو كان الشخص ده هو أسماء.. أختك ؟"
قالها بدون تفكير ليحدق به مازن بدهشة وصمت يحاول استيعاب ما قاله وهمس :
-"إيه!!"
ابتسم بتهكم يحك جبهته بتوتر يعيد عليه ما قاله :
-"حتى لو كانت أسماء البنت اللي بحبها وعارف إنها حلم كبير وحاجة عمري ما هقدر أوصلها؟
في الأول لما عرفتها كانت بالنسبة ليا أختي وأخت صاحبي ، لكن لما مكانتها عندي تحولت لحب مقدرتش أتكلم..
مقدرتش أخون الراجل اللي اعتبرني أخوه وصاحبه ، وآمني على بيته وأخته وشغله!!
مقدرتش أخذل الست اللي اعتبرتني ابنها..
عارف إن نظرتك ليا هتتغير ، بس مكنتش قادر أخبي أكتر من كده ، و......."
قطعه صوت ضحك مازن المفاجئ!!
نظر له بذهول لردة فعله الغير متوقعة.. فهو يقول له أنه يحب أخته ، متوقعًا منه أن يثور فيه!!
لكن بدلًا عن ذلك يضحك حتى أوشكت عينيه على الدماع..
اغتاظ من ردة الفعل تلك فألقى بالوسادة في وجهه بغيظ ، فرفع كفيه باستسلام يحاول كبح ضحكاته التي أثارت حنق صديقه ثم قال :
-"تصدق أنك غبي!
وكنت ناوي تعترف امتى وتعرفني!
لما يجي واحد يآخدها منك!"
-"تقصد إيه؟!"
كان يمسح على وجهه بكفيه فـ تيبست يداه ثم أنزلها ينظر إليه بتيه قبل أن يهمس يطالعه بدهشة :
-"مش فاهم.. يعني أنت كنت عارف؟"
وضع يديه في جيب بنطاله ووقف بشموخ ينظر له بجمود وحدة من غباءه الذي لم يعهده مطلقًا وقال بثبات :
-"طبعًا كنت عارف ، من أول ما لاحظت اهتمامك بيها ، وغيرتك عليها واللي حصل في النادي قبل كده في المواقف مع المدرب بتاعها وخوفك اللي كان ظاهر في عنيك.
ولا أنت فاكر إني هستأمنك على بنتي من غير ما أكون متأكد من مشاعرك ، وعارف إنك مش هتخون ثقتي.. بس كنت مستني تتكلم وتتشجع ، بس طلعت جبان"
عش يومًا واحدًا كالأسد ، ولا تعش مائة عام كالنعامة
فمن لم يجد في نفسه الشجاعة الكافية للمخاطرة والبوح بما يعتمر القلب فلن يحقق شيئًا في حياته
بل لن يستحق العيش..!!
لم يكن خائفًا من الاعتراف بل من خسارة صديقه..
فإذا خسر الرجل صديقه من أجل امرأة ، فإنه يخسر المرأة والصديق معًا.
تفاجأ مازن باحتضان رامز له بقوة ، هاتفًا صوت أجش :
-"أنا كنت خلاص فقدت الأمل واستسلمت إني بس أكون صديق وأخ عشان مخسركش"
فابتسم له يبعده عنه بمرح يمسح على سترته قائلًا :
-"طب أوعى كده هتشبهنا"
لكمه بجانب وجهه بمرح وضحكات الصديقين تتعالى على مداعبتهم ، وراحة قلب سكنت الاثنين .
شخص اطمأن أن ابنته وأخته سيأخذها من يستحقها..
وشخص اطمأن أن حب حياته ستصير ملكه قريبًا.
★★★★
-"وبس يا ستي طلع أخوكِ ملاحظ كل حاجة وساكت ، دلوقتي بقي فين طنط عشان أبلغها؟"
كل هذا وهي تتطلع إليه ببلاهة ونظرة غباء تسكن في عينها ، التفتت على صوت أقدام تهبط الدرج ترى أمها تهبط من أعلى ، والتي ابتسمت عند رؤيتها له ، واستقبلته بحفاوة قائلة :
-"أهلًا يا رامز .. عامل إيه يا حبيبي؟"
-"الحمد لله يا ست الكل ، طمنيني عليكِ"
-"الحمد لله ، مالكم واقفين كده ليه؟"
نظر رامز لأسماء بنصف عين وقال :
-"تعالي يا طنط نقعد نتكلم على ما أسماء تعملنا عصير"
جلست ميرفت معه في الحديقة ، وأخبرها برغبته في الزواج من أسماء ومصارحته لمازن... والتي استقبلت الأمر بحبور وسعادة ، فهي تعلم حب ابنتها له ، وها قد استجاب الله لدعائها .
★★★★★
الحياة كأس شاي مر
مرارتها لاذعة والأشياء الجميلة هي مكعبات السكر
الملعقة بيدك أنت تضع بها ما تريد
مرارتها لك.. وحلاوتها لك أيضًا

يجلس في مكتبه يفكر بعدما علم بخروج سالم من السجن بكفالة مالية لحين انتهاء التحقيق.. يشعر أن هناك ثمة أمر ما فيما حدث؟!
كيف لهم أن يخرجوه وقد قُبض عليه متلبسًا؟!
بهذه السهولة ، ولم يمر يومًا واحدًا على القبض عليه!
ضرب بقبضتيه على سطح مكتبه بغضب ، يكاد يقتلع خصلات شعره ، يريد أن يعلم ما حدث!
لكن ظهوره في الصورة الآن سيثير خلفه التساؤلات ، فبالتأكيد سيكون هاتف سالم مراقب..
حقًا لقد طفح الكيل من كل شيء!
انتبه على صوت هاتفه المدوي ، فالتقطه يرى هوية المتصل ؛ ليجده "جورج" ، فكاد أن يعتصر الهاتف في يده ، ليس الوقت المناسب لمكالمته على الاطلاق ، يعلم أنه لابد منها ، لكن ليس الآن.
أجابه بهدوء مكتسب :
-"مرحبًا جورج ، كيف ...."
قاطعه بصوته الهادر بغضب :
-"ما الذي حدث؟
كيف علمت الشرطة بالأمر ؟!"
ضغط كريم على أسنانه بغضب ، معتصرًا قبضته يحاول بث الهدوء لذاته ، يضغط أعلى أنفه :
-"اهدأ جورج ، أنا نفسي لا أعلم أي شيء ، ومنذ قليل علمت أن سالم قد خرج بكفالة"
جاءه صوته هادئًا قليلًا ليقول :
-"خروج سالم في صالحنا كريم ، إن كان قال اسمك فستكون مشكلة كبيرة"
عقد حاجبيه بدهشة ، ليتساءل :
-"مشكلة !!
لماذا؟
هو لا يملك أي دليل ضدنا ، حتى الصفقة بينه وبين مدير أعمالي"
-"نعم لا يملك دليل ضدك ، لكن مجرد ذكر اسمك في الأمر سيجعل الأعين منتبهة لك ، متربصة لكل ما تفعله..
كريم ، عليك أن تكتشف لي ما حدث!!
كل ما حدث كريم ، و احذر في كل خطوة"
أومأ برأسه في حركة لم يرها جورج ليردف :
-"حسنًا ، إلى اللقاء"
أنهى حديثه معه ثم ألقى الهاتف بقوة على مكتبه ، وجلس على الكرسي بجانب المكتب واضعًا يده أسفل ذقنه مفكرًا فيما حدث ، ليجذبه من تفكيره دقات الباب ، ودلوف سكرتيرته تخبره بمن يريد مقابلته ، ليخبرها بقلة صبر مشيحًا بيده :
-"مش عايز أشوف حد دلوقتي ، خليه يجي وقت تاني"
لم يكد ينهي حديثه حتى وجد من يقتحم مكتبه ، جعلته يتطلع إليه بدهشة أقرب الى الذهول.. فهو آخر شخص يتوقع مجيئه إلى هنا..
بأعين متسعة ، وحاجبين مرتفعين ، وجسد متحفز هب واقفًا أمامه يهمس بصوت خافت :
- "مــازن"
يقف بهيبته الشامخة ، ينظر له بنظرات في ظاهرها سخرية ، تحمل خلفها الكثير من الغضب والسخط ، يضع يده في جيب بنطاله ، رافعًا رأسه إليه يوازيه طولا و جسمانًا.
ليردف بنبرته القوية ، يتتبع خروج سكرتيرته وغلقها للباب ، ثم جلس على الكرسي الثاني القابع أمام مكتبه يضع ساق فوق الأخرى :
-"مكنتش أعرف إني زيارتي تفاجئك كده ، افتكرت هتتوقعها"
جلس كريم أمامه وعلى وجهه ابتسامة جانبية ساخرة وقال :
-"يا ترى إيه اللي حصل في الدنيا يخلي مازن السيوفي بنفسه يشرفني في مكتبي المتواضع"
بادله الآخر نفس الابتسامة يستند بمرفقه على حافة الكرسي واضعًا يده أسفل ذقنه وقال :
-"أنا قولت أكيد زمانك هتموت من التفكير في اللي حصل ، قولت حرام أسيبك كده"
طالعه كريم بتساؤل ، وهمس لنفسه قائلًا :
- "اللي حصل!!"
ثم رفع نظره إليه بسرعة ، وأعين متسعة هاتفًا :
-"أنت!"
نظر له مازن بابتسامة خبيثة على محياه ، رافعًا حاجبه بمكر ، ينحني بجسده مواجهًا له يهمس بهدوء رتيب يخلفه حدة :
-"أومال أنت فاكر مين؟"
ثم اتسعت عيناه بتعجب مزيف و هز رأسه بدهشة مصطنعة :
- "لا لا متقوليش أنك بالغباء ده يا كريم ، معرفش عنك كده"
انحنى كريم بدوره يقترب بجبهته من جبهة مازن ، فظهرا في صورة أسدين يتحدان بعضهما.. حرب النظرات القائمة بينهما تكاد تفتك من يقترب منهم الآن .
لطالما كانا كذلك ، المنافسة بينهما غير شريفة يتخللها الخبث والمكر أجبره كريم على استعماله معه.. منافسة لن تنتهي إلا بسقوط أحدهما وهو ما لن يسمح به أيًا منهما.
قطع النظرات كريم بابتسامة مفاجأة يقول :
-"وماله خليها عليا المرة دي والمكسب ليك ، بصراحة أحييك"
ليصفق بعدها بيده ناهضًا من موضعه ، استقبلها مازن بتحية ساخرة عندما رفع كفه إلى جبينه ثم أشاحها في الهواء ، فأكمل :
-"لا سالم طلع ذكي و عرف يلعبها صح.. أمن مستقبل بنته لما أتجوزتها ، ومستقبله بالاتفاق معاك ومش بعيد كمان مع البوليس"
ليلتفت له مرة أخرى قائلًا بخبث يثير حنق ذلك المغوار :
-"و أنا أقول ذكاء هدير ده منين؟"
يعلم مازن أنه يحاول استفزازه بذكره هدير ، لذلك لم يعلق عليها واكتفى بقول :
-"اعتبرها شكة دبوس أو هدية صغيرة مني"
وقف فجأة يضع يداه في جيبه يتقدم نحوه ، واقترب يهمس له :
-"لم تعابينك يا كريم أنت و أبوك و جورج ، أحسن المرة الجاية هتبقى النهاية.. اللي رحمك مني أن مفيش عليك دليل ، بصراحة لعبتها صح ، بس المرة الجاية لا حكومة ولا مافيا ترحمك مني"
أدار له ظهره عازمًا على الخروج ، لكن أوقفه صوته الماكر يهتف من خلفه بتلاعب :
-"وأنا موافق ، بس حاجة مقابل حاجة"
نظر له بتساؤل ، ليتابع حديثه بخبث يتقدم منه خطوات :
-"مستعد اتخلى عن كل حاجة و أمشي في السليم وأختفي خالص ، بس بمقابل"
-"اللي هو ؟"
-"هدير"
قالها بهمسة شيطانية خبيثة ، مبتسمًا بمكر وتشويق لرؤية ردة فعله .
لتأتيه مثلما توقع ، لكمة قوية جعلته يترنح للخلف ، ممسكًا بصدغه ومازالت الابتسامة على وجهه ، بل تحولت لضحكة عالية أثارت غضب الثائر فجعلته أراد الفتك به .
لم يتوقف الآخر عن الحديث بل أكمل إثارة غضبه يقول :
-"بصراحة عاذرك ، هي فعلا حاجة متتسابش"
ناهيًا جملته يعض على شفته السفلى بخبث ، أثارت في نفس مازن غيرة حانقة على زوجته ، جعلته يوجه إليه لكمة أخرى ، أطاحت بجسده على الارض ، ليميل بجسده لأسفل يواجه وجهه ، وتبدو عليه كافة ملامح الغضب والشراسة ، يريد الفتك به..
همس له كازًا على أسنانه بقوة :
-"لآخر مرة هدير خط أحمر ، خليك راجل لمرة واحدة وألعب برجولة ، إلا و رحمة أبويا أنا اللي هعلمك معناها إيه!"
وبدون كلمة أخرى خرج من مكتبه بل من شركته بأكملها ، تاركًا خلفه كريم يستند إلى ظهر الأريكة يمسح خط الدماء السائل من فمه ، وهو يتوعد بالأسوأ مما حدث .
أما عن الآخر ..
فقد أنطلق بسيارته متوجهاً إلى الجريدة .. لا يعلم لمَ أراد رؤيتها وبالأخص بعد كلمات ذلك الحقير ؟!
لن يتردد لحظة عن إراقة دمه إن اقترب منها أو من شيء يخصه !
صف سيارته أمام الجريدة وخلفه سيارة الحراسة ، هبط منها برزانة ودلف لداخل الجريدة ، والذي بمجرد دخوله ساد الهرج في المكان.. فوجود شخص مثله في جريدتهم لا يحدث إلا نادرًا.
رآها تقف مع زميلها تناقش معه شيئًا ما خاص بالعمل ، كانت تنظر لبضعة أوراق في يدها ، مرتدية نظارتها وترفع شعرها بقلم كعادتها ، لتنتبه على صوت محمد يقول :
-"إيه ده ، مش ده مازن السيوفي؟"
نظرت فجأة إلى المكان الذي ينظر إليه ، لتصطدم عيناها بعينه ، فرفعت حاجبيها بدهشة عارمة.
ترى ما الذي أتى به الى هنا؟!
نبضات قلبها تتسارع ، ولسان حالها يتمنى ألا يكون قد حدث مكروهًا آخر .
كانت تتابع خطواته تقترب من الدرج المؤدي إليها ، فآتاها صوت محمد يقول بخبث :
-"طبعًا تلاقيكِ وحشتيه قال يجي يشوفك"
نظرت له بسخط وأعين ضيقة ، ترتسم على ملامحها علامات الإجرام ، تقول بحنق من بين أسنانها :
-"أنت مش واخد بالك كل ما أقف معاك يحصل كارثة ، مرة أمن الدولة ، ودلوقتي إنسان الغاب ده!"
كان قد وصل إليها يرفع نظارته عن عينيه ، ويقول بهدوء :
-"صباح الخير"
كان محمد أول من رد الصباح ، يمد يده إليه قائلًا بحبور :
-"أهلًا وسهلًا بإنسان الغاب بيه ، الجريدة نورت"
نظرت هدير بصدمة لرد فعل زميلها ، واتسعت عينيها بذهول ثم نظرت لمازن المندهش بجانب عينيها تهمس في نفسها :
-"الله يخرب بيت معرفتك يا محمد"
وضعت ما كان بيدها من أوراق بين يديه هاتفة بنبرة حازمة تنم على وعيد مبطن :
-"محمد ، خد الورق ده راجعه وسلمه لرئيس التحرير"
نظر لها الآخر بحنق ، وتمتم مغادرًا :
-"خليكِ قاتلة فرحتي يا هدير يا بنت سالم"
تابعت ذهابه بأعين جاحظة مندهشة ، ثم هزت رأسها بيأس منه ، أعادت نظراتها لمازن وابتسمت بارتباك تشير له للدلوف إلى مكتبها ، ليدخلا وتغلق الباب بعفوية منها.
جلست خلف مكتبها ، وهو أمامها يراقب توترها و ارتباكها باستمتاع ، تضغط بأسنانها على شفتيها في حركة تفعلها عندما ترتبك ، ليضع ساق فوق الأخرى هامسًا بخبث :
-"إنسان الغاب مش كده!"
ضربت على جبهتها بيأس ونظرت له ولم تجب ، ليضحك بدوره بصوت عالٍ ، فنظرت له بسخط طفولي وقالت بغضب :
-"إيه اللي جابك يا مازن؟!
مش بعادة تيجي الجريدة "
طالعها بنصف عين ، يريد إثارة استفزازها :
-"وحشتيني قولت أجي أشوفك"
ثم اقترب بوجهه منها يكمل بتلاعب :
-"أصل لما بقولها على التليفون مش بتصدقيني"
إذا قذفته بأي شيء زجاجي أو حديدي هل سيحدث شيء!
إذا مارست عليها إحدى فنون القتال هل سيؤثر به شيء؟!
بالطبع لا لن يتأثر ، صدقت عندما قلت عنه "إنسان الغاب"
حاولت التحلي بالصبر ورسمت ابتسامة صفراء على وجهها قائلة:
-"بطل الأسلوب ده وقولي في إيه؟!"
حاول التمسك بقوة كي لا يضحك ، ماذا يفعل؟!
يحبها مشاكسة ، ويحب استفزازها!
تلك الرزينة الهادئة التي رآها منذ قليل منهمكة بالعمل وتناقش زميلها بهدوء غير معتاد عليها.
عاد بظهره للخلف ويده تتلاعب بقطعة كريستال تزين مكتبها قائلًا بجد :
-"بحسبك اتجننتِ وروحتِ لكريم ، قولت أطمن"
ابتسمت بسخرية ثم نهضت تدور حول مكتبها ، تميل عليه بجسدها مستندة على المكتب بيد ، واليد الأخرى تضعها في خصرها ، مما جعله يتأملها في اعجاب وخبث لتهمس له :
-"قال يعني لو روحت ، جوز التيران اللي أنت موكلهم يراقبوني دول مش هيقولولك ، وفي ظرف خمس دقايق ألاقيك هاجم زي بوليس الآداب علينا"
هنا ولم يستطع تمالك نفسه من الضحك ، فقهقه عاليًا من كلماتها بصورة جعلتها تنظر ل له بحنق وغضب حقيقي ، كادت أن تذهب فجذبها من خصرها لتقع في أحضانه ، جالسة على قدميه تستند بظهرها على صدره ، وذراعيه يكبلان خصرها بإحكام..
كانت ترفرف بين يده ليفلتها ، لكنه شدد من إحكامه لها ، بل جذبها أكثر لصدره جعل رأسها يميل إلى كتفه ، ليهبط إلى أذنها هامسًا :
-"مش قولنا اسمها بيحموكِ ، و بعدين تيران إيه بس دول عصافير"
شهقت بذهول تتمتم متوقفة عن الحركة :
-"عصافير !!
دول ولا شبه الحيطان ، وأنت تقولي عصافير!"
أدار جسدها تواجهه ، ينظر إليها وفي لمح البصر جذب القلم الذي ترفع به خصلاتها لتنساب على طول ظهرها ووجهها ، ليقترب متأملًا عينيها :
-"كده شكله أحلى"
اتسعت عيناها من خلف عدسات نظارتها ، وبدأت مرة أخرى في دفعه في محاولة منها للهروب من محيط نظراته ، ومشاعره التي يحاول فرضها عليها ، فتوقفت فجأة هاتفة به :
-"سبني يا مازن أنت ماسكني زي اللي قفش حرامي غسيل كده ليه؟"
ليقهقه للمرة الثالثة بسبب حديثها العفوي ، كم أحب ذلك منها!
غمز بعينيه قائلًا :
-"هو في حرامي حلو كده!"
دفعته فجأة لتنهض من أحضانه ، واقفة تعدل خصلاتها الهائمة بتوتر ملحوظ ، لا تعلم ما به اليوم!
هو كالصمت تستعصى الألفاظ التعبير عنه
وكالبوح يحمل قواميس العالم بين يديه
شعرت به خلفها مباشرة يتحدث بجدية تعاكس مشاكسته منذ ثوانٍ :
-"أنا روحت لكريم"
استدارت له بصدمة لما سمعت ، لم تتوقع أن يذهب له بنفسه.
مازن بمواجهة كريم!
وبعد ما حدث؟!
تكاد تقسم بجميع الأيمان أن ذلك اللقاء لم يكن اعتيادي ، بل أسفر عنه حدة ومشاجرة.. مما جعلها تشمله بنظراتها باحثة عن أي أثر لضربات أو لكمات ، فكريم ليس بالضعيف وإن لكمه مازن فلن يهدأ حتى يردها ، لكن ما تراه أنه لا يوجد أي أثر عما يجيش في جوفها ، فاطمأنت ولم تتخل عن دهشتها ، لتترجم ذلك في تساؤلها :
-"روحت بنفسك.. طب ليه؟
وإيه اللي حصل؟"
تنفس بقوة عندما تذكر ما حدث ، وقال :
-"هدير.. كريم مش سهل زي ما أنتِ فاهمة ، زي ما قولت لك هو الدراع اليمين لرئيس أكبر عصابة للأعمال المشبوهة ، أكيد مافيا زي دي مش هتختار حد هين أو ضعيف ، عاوز اللعب معاه يبقى بعقل و ذكاء ، مش عصبية و تهور''
فركت كفيها بتوتر ، وتساءلت :
-"طب أنت هتواجهه ازاي مش فاهمة؟
وكمان كلمتك ليا قبل كده أنهم ميقدروش يأذوك معناها إيه؟ "
أمسك مرفقيها يقربها منه يعيد خصلاتها للخلف ، يملس على وجنتها بإبهامه وأردف بصوت هادئ ونبرة مطمئنة :
-"اللي أقدر أقوله ليكِ أن مفيش حد يقدر عليهم غيري ، اسمي هناك بيسبب قلق ، كل اللي بطلبه منك تبعدي خالص عن الموضوع ده عشان خاطري..
أنا الأول كنت بحاربهم من غير قلق لكن دلوقتي بحسب حساب كل خطوة عشان لا أنتِ ولا عيلتي تتأذوا.. أنا كفيل إني أنهي ده كله"
نظرت له مباشرة تجد الصدق في نظراته ، بل رأت مطالبته لها بوضع ثقتها به وتوكيل أمرها إليه بعد الله ، لتهز رأسها بموافقة وتأكيد قائلة :
-"حاضر يا مازن ، بس قولي قالك إيه؟"
تذكر حديثه عنها ومساومته عليها ، ليظهر على ملامحه الغضب ، التقطتها تلك الناظرة له بدهشة و قلق ألتقطه هو فربت على كتفها بطمأنينة وكاد أن يتحدث وجد هاتفه يصدع بنغمته وكان رامز المتصل ، أجابه برزانة :
-"أيوه يا رامز "
ليأتيه سؤال الآخر سريعًا :
-"أنا فين يامازن؟
أنت ناسي أن في اجتماع عشان الصفقة الجديدة!"
-"لا مش ناسي ، بس كان فيه مشوار مهم كان لازم أخلصه ، وخلاص أنا جاي في الطريق.. رتب كل حاجة على ما أجي"
تساءل رامز بدهشة :
-"مشوار إيه أنت مقولتليش أي حاجة"
أراد مازن إنهاء الحديث لكي يذهب :
-"لما أجي هحكيلك كل حاجة ، أنا نص ساعة وأبقى في الشركة.. يلا سلام"
أنهى الحديث وأغلق الهاتف ، ليلتفت إلى هدير قائلًا :
-"أنا لازم أمشي ورايا اجتماع مهم ، خلي بالك على نفسك"
ثم اقترب هامسًا بمرح :
-"ومتخافيش جوز التيران اللي تحت لحمايتك ، و بلاش تقفي مع رجالة كتير ماشي"
ليتركها بعدما رأى نظرات الحنق منها وخرج مبتسمًا ، لتجلس تفكر فيما حدث؟
لماذا ذهب إلى كريم بنفسه وفي شركته؟
فمازن هو من يأتيه الجميع ليس من يذهب ، وبالأخص إن كان شخصاً مثل كريم؟
أكثر ما يثير حنقها هو تعامله معها ، تشعر أنها محاطة به من جميع الجوانب ، بل وتلك التصرفات الجديدة وتلك المشاعر التي ظهرت من العدم تشعر بها تحاصرها لتجبرها على الرضوخ.
هي لا تكرهه ، بل لن تنكر أنها تثق به ، برغم كل شيء هي تثق به ، لا بل تشعر بالأمان معه أيضًا.
لكنها لا تريد تلك المشاعر الآن ، فهناك الكثير يقف عائق بينهما.
انتبهت على صوت دقات الباب ، و صوت محمد يريد الدخول ، لتهتف بقلة صبر :
-"تعالى يا آخر صبري ، ربنا يستر المرة دي"
لتنشغل في عملها ، متناسية ما كانت تفكر به منذ قليل .
*************
أنواع الناس ثلاثة
ناس كالهواء لا يمكن الاستغناء عنهم
وناس كالدواء نحتاج إليهم أحيانًا
وناس كالداء لا نرغب في وجودهم أبدًا

غارقة في سبات عميق في غرفتها ذات اللون النيلي الجميل ، لا تشعر بما حولها إلى أن دخلت والدتها عليها توقظها :
-"يلا يا منار أصحي بقى"
تمللت في نومها بسبب الضوء الموجه لعينيها ، وأمسكت طرف فراشها تغطي وجهها وتستكمل نومها وكأن شيء لم يحدث..
فأمسكت أمها الفراش تزيحه عن وجهها وقالت بمكر :
-"قومي نادر مستني بره"
انتفضت بفزع ، فلقد نسيت أنه أخبرها بزيارته لرؤية القاعة التي ستتم فيها الخطبة..
نهضت مسرعة إلى المرحاض ولسانها يأتي بجميع السباب التي توجهه إليه لأنه السبب في نومها متأخرة ، ارتدت ثياب بدلًا من ثياب نومها ، عبارة عن بنطال جينز وكنزة خضراء وحذاء رياضي ، لتخرج له فوجدته جالسًا في انتظارها والذي وقف عند رؤيتها يقول بمرح يغمز لها :
-"هو أنا هتجوز باندا!
كله نوم نوم"
لترد عليه بتذمر :
-"البركة فيك بسببك نمت بعد الفجر "
-"طب يلا عشان نفطر ، ونشوف هنعمل إيه طول اليوم"
أخذها يتناولان الفطور ، فجلسا على طاولة في مكان هادئ في مطعم يطل على النيل .
جاءهم النادل يرى طلبهم ، فطلب منه إحضار الفطور التي تحبه منار وكوبين من العصير ، وعندما غادر التفت لمحبوبته التي كانت تدور بعينها في أرجاء المكان هربًا من عينيه ، فقال بمرح :
-"تعرفي أنا حاسك واحدة تانية ، مش منار اللي أعرفها من صغري"
نظرت له بدهشة وتساءلت :
-"ازاي يعني مش فاهمة!"
-"يعني من ساعة ما اتقدمت ليكِ ، وفجأة ظهر الكسوف والخجل دول ، مش منار اللي متعود عليها"
قالها بنبرة من المرح والمزاح معها ، فرفعت حاجبها الأيسر دليل على تذمرها ، وكتفت ذراعيها وهمت بالرد عليه ، لكنها وجدت من تقدم نحوهم هاتفًا لها :
-"منار!!
مش معقول المفاجأة دي!"
رفعت نظرها وما لبست أن ابتسمت له تقف قائلة بدهشة :
-"خالد ازيك؟"
-"الحمد لله ، بصراحة مصدقتش نفسي خالص لما شوفتك ، قولت نو واي تكون هي"
قالها بنبرة مائعة مائلة للأنوثة ، ثم لاحظ نادر الذي كان يجلس متكئًا إلى الكرسي ، واضعًا يديه أسفل ذقنه يتابع ما يحدث وعينيه تطلق شذرًا ووجهه لا ينم على خير ، فأردف بنبرة منخفضة :
-"مش تعرفيني يا مون مون؟"
عضت منار على شفتها السفلى ، رافعة حاجبيها لأعلى تدور برأسها ؛ لتصدمها تعبيرات وجه نادر ..
وقبل أن تهم بالرد ، وجدته ينهض من مكانه ممسكًا بكف خالد يضغط عليه بقوة ، جعلت وجهه ينقلب للون الأحمر الشديد من الألم الذي عصف بكفه ، ليقول ضاغطًا على أسنانه :
-"نادر التهامي.. خطيب الأستاذة منار
وأنت مين؟"
قبل أن يتحدث خالد ، أسرعت منار بالنطق بارتباك وتوتر :
-"ده.. ده خالد ، جارنا من زمان ، بس هما نقلوا لحتة تانية"
أومأ نادر برأسه ينفض يده من يد خالد ، ثم أمسك بيد منار
يجرها خلفه بخطوات سريعة يدخلها سيارته وجلس بجانبها ثم انطلق بسرعة كشفت عن غضبه.
لم تستطع منار الصمت ، فهتفت فيه غاضبة من أسلوبه التي لا تعرف له مبرر من وجهة نظرها :
-"ممكن تفهمني إيه الطريقة اللي خرجنا بيها من المطعم دي؟
وبعدين إيه الأسلوب اللي اتكلمت بيه مع خالد ده؟"
أوقف سيارته فجأة ، جعلت جسدها يندفع للأمام لولا حزام الأمان الذي تلفه حولها هو من حماها..
دار بجسده إليها وقال بنبرة خافتة عكست كم الغضب الذي بداخله!
وكم الغيرة التي شعر بها عندما رآها تبتسم لغيره!
وتلمس غيره!
-"احمدي ربنا إني لحد دلوقتي متحكم في أعصابي يا منار "
لمعت عيناها من الغضب تلتفت له بنصف جسدها تهتف بحنق
-" هو الراجل كان عمل إيه يعني؟"
-" مش لو كان راجل أصلًا "
صرخ بها باهتياج فشهقت بدهشة على جملته ، وفغرت فاها باستهجان تنظر له بأعين متسعة..
فأردف ومازال على غضبه وثورته :
-"ده شبيه راجل.. بيتكلم بمياعة ، لا ولبسه.. بنطلون أخضر وقميص أحمر!!
وأنتِ بكل بساطة واقفة تسلمي وتضحكي ، ولا أكن في واحد قاعد معاكِ"
لمعت عيناها عند سماعها لحديثه..
هو يغار !
نعم يغار عليها ، فتلك النظرة و النبرة وذلك الغضب ، لن يخرجوا إلا من رجل يغار.
ترجمت أفكارها في همسة التقطتها أذنه تميل برأسها قليلًا تنظر إليه :
-" أنت بتغير؟ "
ضرب على عجلة القيادة ، في حركة للتنفيس عن غضبه واستند بمرفقه على النافذة صامتًا قليلًا ثم قال :
-" أيوه بغير.. بغير عليكِ من كل حاجة.
لما حد يبصلك ، من أن عن يسلم عليكِ ويلمس إيدك..
بغير من نظرة الناس ليكِ ، وابتسامتك اللي بتطلع لغيري حتى لو عفوية..
معرفش ازاي بس كل اللي أعرفه إني بحبك"
انتهى من حديثه ونظر لها ، وجدها تنظر له بأعين دامعة ، وعلى شفتيها أجمل ابتسامة يمكن أن يراها..
يا الله ماذا يفعل ؟!
هل يخبأها ولا يجعل أحد يراها لكي تكون تلك الابتسامة له فقط ولا يراها أحد!!
همست تقول بنبرة خافتة تحمل كثير من الفرح لكلماته ، وكثير من مشاعرها تجاهه :
-"وأنا كمان بحبك يا نادر"
أمسك بكفيها بين قبضتيه الغليظتين ، وقبلهما ينظر لعينيها بلونهما البني البراق ، ولم يتحدث مما جعل الدماء تتدفق إلى وجنتيها خجلًا من نظراته.
نظرت للجانب الآخر محاولة الهروب من محيط مشاعره ، فقالت بمرح :
-"اتفضل بقى فطرني بدل الفطار اللي راح عليا ده"
ضحك بقوة ثم أدار سيارته وينطلق بها قائلًا :
-"بس كده ، عيوني ليكِ"
متى دخلت الغيرة خرجت الحقيقة من الرأس
حقيقة الحب ، حقيقة الوله ، حقيقة العشق .
**********
جاء يوم خطبة نادر ومنار.. وقفت هدير بسيارتها أمام منزل منار وهبطت برفقة أسماء التي مرت بها تأخذها معها في طريقها ، رفعت أسماء رأسها تنظر للمبنى القانطة به منار وقالت :
-" أنا أول مرة أجي عند منار ،هي ساكنة في الدور الكام ؟ "
حكت هدير رأسها تعض على شفتها السفلى ، هامسة لنفسها بدون أن تسمعها أسماء ة
-"يا رب متكنش آخر مرة"
-"بتقولي إيه؟"
همست الأخرى بدهشة ، فتأبطت هدير ذراعيها تجذبها معها لتدلفا إلى مدخل العمارة ، تهتف بنبرة تعمدت فيها اللامبالاة:
-"تعالي تعالي ، فيه اسانسير"
وتمتمت في نفسها :
-"بس يا رب يكون شغال ، وميعملهاش فيا زي كل مرة"
أوقفتها أسماء قبل أن تمتد يدها تضغط على زر الهبوط قائلة:
-"ما تتصلي بيها تنزل بدل ما نطلع"
هتفت هدير بسعادة تخرج هاتفها تطلب رقم منار ، سعيدة لأنها سترحم من الصعود ستة طوابق على قدمها ، مرورًا ببيت المجانين في الطابق الخامس :
-"طلعتِ ذكية يا بنت ، إحنا ليه نطلع ست أدوار لما هي تنزل!"
اتصلت بها تخبرها أنهما بانتظارها في الأسفل لتهبط إليهم .
وقفتا تنتظراها قرابة النصف ساعة ، حتى كادت هدير أن تصعد تجرها من شعرها نزولًا على الدرج بسبب استفزازها ، لولا أسماء التي كانت تمنعها تضحك على مظهرها .
فمنار تعلم أن أكثر ما تكرهه هو التأخير ، وكثيرًا ما تفعل بها هذا الشيء إذ انتظرتها في الأسفل .
وجداها تقترب منهما بكل سلام نفسي تسير بغنج بجانبهما ثم دلفت إلى السيارة وجلست في الكرسي الخلفي ، تكاد تخفي ضحكاتها بصعوبة على مشهدهما تقفان فاغرتان فاهما بذهول ..
دلفتا إلى السيارة ، ونظرت هدير إليها تقول ضاغطة على أسنانها:
-"تعرفي يا منار ، لولا إني عاملة اعتبار لنادر .. مكنتش هخلي فيكِ حتة سليمة ، بس حرام الواد يحضر خطوبته مع واحدة مكسحة"
لتكمل أسماء بعدما انتقل غضب هدير وغيظها إليها :
-"والله معاها حق.. أنتِ لما هتتأخري مش بتقولي ليه؟"
تلاعبت منار بخصلة من شعرها تنظر لهم ببرود وقالت بغنج :
-"والله أنا عروسة فأعمل اللي أنا عايزاه النهاردة ، وبعدين يلا عشان تأخرنا "
كادت هدير أن تصرخ بها من الغيظ ، لولا يد أسماء التي انفجرت من الضحك من أسلوبها ، فاطنة أنها تتعمد استفزازها :
-"خلاص يا دودو اهدي.. هي بردو عروسة وبتدلع علينا"
لتعتدل هدير في جلستها تنظر لها من المرأة وقالت بغموض ومكر:
-"حقها طبعًا ، وبما أننا أصحاب العروسة لازم إحنا كمان ندلعها "
لم تسمع كلمة أخرى ، وانطلقت بسيارتها بسرعة رهيبة تكرهها منار غير عابئة بالصوتين اللذين يحثاها على خفض السرعة ، ولا أبواق السيارات في الطريق التي برعت في تفاديها ، حتى وصلت إلى مركز التجميل المخصص لهما .
صفت سيارتها ونظرت لمنار في المرأة قائلة بتشفي :
-" يلا يا عروسة وصلنا "
هتفت بها واضعة يدها على صدرها تحاول أخذ أنفاسها
-" يا شيخة يخرب بيت اللي يزعلك بعد كده..
إيه ده أنتِ طبيعية؟ "
لكمتها في كتفها من الخلف بغيظ وعنف صارخة :
-" قولت لك مية مرة سرعة بالطريقة دي لا "
شهقت أسماء تضع يدها على صدرها هي الأخرى تبث الهدوء لداخلها :
-" طب أنتو الاتنين مجانين ، أنا ذنبي إيه؟"
هبطت هدير غير مبالية بهم تقول بسخرية تطرق على سقف سيارتها :
-" اجمدي يا حبيبتي أنتِ وهي كده مالكم.. واحدة عاملة فيها سبع رجالة في بعض ، والتانية أخوها طرزان
يلا أنزلوا "
هبطت الفتيات ودلفوا إلى مركز التجميل للتجهيز للحفل .

جميلة تلك الدقائق التي نكون فيها برفقة من نحب
حين نكون كالأطفال في حديـثـنا وفـي ضـحكاتنا، لا يهمنا شـيء سوى سعادتنا ، كأننا خلقنا لها .
★★★★★★




تحت سماء لوثها الحقد ودخان الكراهية ، ما نوع المخلوقات التي يمكن أن تتنفس وتتكاثر؟
من باطن الخبث وجوف الخداع ، ما نوع النبتة التي يمكن أن تخرج وتترعرع ؟!
التقاء المكر والحقد ما النتاج عنه ؟!

يجلس في مكتبه يراجع بعض الملفات المهمة ، يصب كافة تركيزه على الأوراق التي أمامه حتى يعوض ما خسره الأيام الماضية .
تخلى عن سترته الزرقاء واضعًا إياها خلفه على كرسي مكتبه الضخم وبقى بقميصه الأبيض الناصع..
يفتح أزراره الثلاثة الأولى ليظهر عنقه الطويل يبرز منه عرقه النافر والنابض بقوة من تدفق الدماء به ، نزولًا لجزعه الأسمر بعضلاته المشتدة..
يرفع أكمامه حتى مرفقه ليلمع ساعده بشعيراته السوداء وعروقه البارزة .
ممسكًا بقلمه بين سبابته والوسطى يتلاعب به في الهواء ، وباليد الأخرى ممسكًا بملف صفقاته الجديدة ، وبين الحين والآخر يخطط بأوراقه بعض الأسطر المهمة التي ستفيده فيما بعد .
انتشله من تركيزه دق الباب مرتين ، فرفع رأسه وصوته يأمر الطارق بالدخول .
أسقط قلمه على مكتبه ، وعاد برأسه للخلف تغيم عيناه بنظرات عابثة رسمت ابتسامة تلاعب على ثغره ، يتابع دلوف سكرتيرته الخاصة بملابسها المثيرة ومستحضرات تجميلها التي تلون بها وجهها ، تمشي بخيلاء متعمدة .
فهو خير من يعرف ماذا تريد النساء؟
وحقًا حركاتها تروق له وتعزز من غروره!
أسندت كفيها إلى المكتب ، تنحني برأسها حتى ظهرت مفاتنها ، وقالت بنبرة مغرية :
-" كريم بيه.."
اتسعت ابتسامة عبثه وأنزل يده الممسكة بملفه والأخرى حك بها أسفل ذقنه وقال غامزًا :
-"أخيرًا العسل هلّ من الصبح.. يا نعم"
شعرت بانتشاء وابتسمت ببلاهة لم تعي أنها أمام غول عابث يتفهم حركات الإغراء والإغواء الظاهرة بوضوح أمامه :
-"فيه واحدة بره عايزة تقابل سعادتك "
تحرك بكرسيه يمينًا ويسارًا يمعن النظر بها ، ثم قال متلاعبًا:
-"حلوة ؟!"
أخفى ابتسامته عندما رأى تغير نظراتها للغضب الغير مبرر ، ثم اعتدلت مكتفة ذراعيها قائلة :
-" عادية يعني "
نهض من كرسيه يشد جسده لأعلى وكتفيه للجانبين يتخلى عن تشنج جسده من جلوسه مما جعل قميصه يشتد أكثر فوق عضلات صدره وذراعيه ظاهرًا جذعه أكثر .
التفت حول مكتبه يجلس على حافته أمامها مكتفًا ذراعيه أمام صدره هامسًا بغمزة عابثة :
-" وماله ، خليها تدخل "
خرجت أمامه بنفس طريقة دخولها ، وما هي إلا ثوان حتى دخلت تلك الفتاة..
ظل على حاله يتأملها بأعين ضيقة يحاول التعرف ما إن رآها مسبقًا؟!
عيناه شملتها من أسفل إلى أعلى ، مرتدية ثياب أقل ما يقال عنها أنها فاضحة ، تكشف أكثر مما تستر.. ثوب يجمع اللونين الأصفر والأسود يكشف عن ساقين طويلتين بيضاويتين ، تزين قدميها حذاء أسود مكشوف .
ارتفع بعينيه إلى جسدها الذي ينحته ثوبها الملتصق بقوة عليه جعله يميل برأسه للخلف قليلًا يتأمل تلك الأرداف المتناسقة والتي يبدو أنها نالت إعجابه من رفعة حاجبه.
وأخيرًا وصل إلى وجهها الأبيض عندما وقفت أمامه لا يعلم أهذا لونه الطبيعي أم بفعل مستحضرات التجميل التي تضعها؟
عينان واسعتان بحدقتي سوداويتين محددتان بذلك الكحل الأسود ، لكن بريق الخبث الذي التقطه منها كان يميزها أكثر.
يعلوها حاجبان منسقان.. أنف مستقيم أسفله شفتان مكتنزتان قليلًا يزينها أحمر شفاه قاني .
نظر إلى كفها بأناملها الطويلة المطلية بطلاء أسود تمده نحوه قائلة بغرور :
-"صباح الخير يا كريم بيه"
بادلها السلام بقوة قائلًا :
-"صباح النور ، اتفضلي"
أشار نحو الكرسي القابع أمام مكتبه ثم جلس بالمقابل لها ، فجلست بأريحية أظهرت جسدها العاجي ، وابتسامة خبيثة ارتسمت على ثغرها جعلته ينظر لها بقوة وغموض ثم أستند بمرفقه على مكتبه قائلًا :
-"تشربي إيه؟!"
وضعت حقيبتها السوداء على الطاولة التي تفصل بينهما ، وأناملها تتخلل خصلاتها السوداء تعيدها للخلف بغرور :
-"ممكن عصير "
طلب من سكرتيرته إحضار كأس من العصير لضيفته المجهولة وفنجان قهوة له.. أحضرت ما طلبه ليطلب منها عدم ازعاجه وألا تسمح لأي شخص من الدخول .
أمسك علبة سجائره يأخذ منها واحدة يشعلها ، ثم نفث دخانها في الهواء مكونة سحابة من الدخان حوله زادت من هالة غموضه وقوته ، ثم قال :
-"ممكن أعرف أنتِ مين؟!
وإيه سبب الزيارة دي؟!"
نظرت له بقوة وثقة قائلة بتعالي :
-"أنا واحدة عندي مصلحة مشتركة بيني وبينك!"
استنشق سيجارته مرة أخرى ونظر لها رافعًا حاجبه بدهشة ساخرة :
-"مش فاهم!"
وضعت ساق فوق الأخرى ليرتفع الرداء كاشفًا عن ساقيها أكثر ، مشبكة أصابعها على فخذيها ، وقالت بنبرة واثقة :
-"أنا عارفة العلاقة اللي بينك وبين مازن السيوفي ، وعارفة العلاقة اللي كانت بينك وبين الصحفية اللي اتجوزها"
انحنى قليلًا يدس المتبقي من سيجارته في المنفضة أمامه ، ينظر لها بسخرية يميل برأسه كمن يسألها.. وإذا!
الجميع يعلم كل هذه الأشياء فما الجديد لديكِ؟
مالت هي الأخرى للأمام قليلًا مشيرة بسبابتها عليها وعليه :
-"إحنا الاتنين مصلحتنا واحدة ، أنا أكتر واحدة تقدر تساعدك في اللي عايز توصله.. أنت محتاجني وأنا محتاجة ليك"
ارتكز بظهره إلى كرسيه يستند بمرفقه على المكتب واضعًا أنامله أسفل ذقنه ، ممسكًا بحافة الكرسي باليد الأخرى يمعن النظر لها بتركيز ، نظراته تحوم عليها من أعلى لأسفل ، وكلماتها تتقلب في رأسه يفكر بها بعمق ، ثم نظر لها بغموض قائلًا :
-"معرفتش بردو أنتِ مين؟"
انحنت أمام عينيه ، فتلحظ عيناه مسلطة على جسدها العاري ، لتقول بغنج وحاجب مرتفع بخبث قرأه بسهولة :
-"نادين.. نادين عاصم!"


Fatima Zahrae Azouz غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 23-11-20, 03:16 PM   #18

Fatima Zahrae Azouz

مشرفة قصرالكتابة الخياليةوقلوب احلام وقاصةهالوين وكاتبةوقاصةفي منتدى قلوب أحلام وحارسة وكنز سراديب الحكايات وراوي القلوب

 
الصورة الرمزية Fatima Zahrae Azouz

? العضوٌ?ھہ » 409272
?  التسِجيلٌ » Sep 2017
? مشَارَ?اتْي » 2,564
? الًجنِس »
? دولتي » دولتي Morocco
?  نُقآطِيْ » Fatima Zahrae Azouz has a reputation beyond reputeFatima Zahrae Azouz has a reputation beyond reputeFatima Zahrae Azouz has a reputation beyond reputeFatima Zahrae Azouz has a reputation beyond reputeFatima Zahrae Azouz has a reputation beyond reputeFatima Zahrae Azouz has a reputation beyond reputeFatima Zahrae Azouz has a reputation beyond reputeFatima Zahrae Azouz has a reputation beyond reputeFatima Zahrae Azouz has a reputation beyond reputeFatima Zahrae Azouz has a reputation beyond reputeFatima Zahrae Azouz has a reputation beyond repute
?? ??? ~
My Mms ~
افتراضي

الفصل الرابع عشر

حبيبتي
إليكِ أسطر حروف الحب من دماء قلبي
حبيبتي
حققت كل ما أتمناه فاجتزت الصعاب ووصلت إلى المستحيل بدافع حبك بعد توفيق ربي
حبيبتي
سمعت بأن الحب عذاب ولوعة وحرمان فكنت أخافه
وبعد أن أحببتك تمنيت لو يجمع عذاب المحبين ويصبح من نصيبي بشرط أن تكوني بجانبي
حبيبتي
أحمل في قلبي تصور كلّ إنسان ، فلو استجمع شاعر قريحته وكاتب إلهامه لوقفوا عاجزين عن وصف عشقي
حبيبتي
لو سطرت لك أجمل الكلمات لم أوفيك حق حبي لكِ
حبيبتي
أرى أن كلمة أحبك قليلة في حقك وتعبر عن شيء قليل ممّا في قلبي
فاسمحي لي بأن أخبرك بأنّي لا أحبك لأنّي أرى في تلك الكلمة إنقاصًا لما أحمل لك من عشقي وغرامي
فأنتِ لي روحي وحياتي وأملي
★★★★★
يوم الخطبة في المساء كانت الفتيات على أتم استعداد..
منار ترتدي ثوبًا باللون الكريمي يصل طوله إلى كاحليها ، بأكمام طويلة ، يزينه حزام فضي من الخصر وطبقة من الدانتيل على الصدر ، ورفعت شعرها إلى الأعلى إلا من بضعة خصلات تمردت وهبطت على وجنتها مع القليل من مستحضرات التجميل.
كأي عروس.. بدت كملكة حقًا بجمالها الهادئ الذي خطف قلب نادر.
أما أسماء ارتدت ثوب من اللون السماوي ، يصل طوله لما بعد ركبتيها ، بأكمام قصيرة يزينه فراشة من الماس على كتفها الأيمن وحزام أبيض بفصوص ماسية على الخصر.. وتركت لشعرها العنان .
لكن هدير ارتدت ثوب من اللون الزيتوني ، ضيق حتى خصرها وينتهي باتساع حتى كاحليها ، أكمامه من الدانتيل تصل لساعديها.. فصوص ماسية تزين منطقة الصدر.. وأنزلت شعرها على هيئة تموجات ، ولم تضع غير الكحل في عينيها ، جعلها تظهر بشكل متمرد رغم بساطتها.
كان التوتر سيد الموقف!
انتهت منار من زينتها لكنها جلست تفرك بيديها.. الجو حولها لم يخل من مرح هدير التي كانت تحاول إغاظتها واللعب بأعصابها كما كانت تفعل معها ، بينما أسماء أخذت تهدأ من روعها!
جاء والدها ليأخذهم إلى القاعة التي ستتم بها الخطبة ، حيث ينتظرها نادر بناءً على طلبها وإصرارها على ذلك.
هبطت منار متأبطة زراع والدها شاردة بهذه الليلة التي لم تخطر على بالها قط!
فآخر شيء كانت تفكر به أن تكن يومًا عروسًا لنادر !
ذلك الشاب الذي طالما اعتبرته أخًا وصديقًا لها!
لكن للقلب رأي أخر .. و أمام القلب ليس هناك اختيار!
أفاقت من شرودها على صوت تعرفه جيدًا فوجدته يقف أمامها يرتدي حلة سوداء أنيقة زادت من وسامته ، يتقدم منها يصافح والدها قبل أن يلتفت إليها مبتسمًا غامزًا بعينيه .
نظرت له بغضب و كأن نظرتها تقول :
-"أهذاما اتفقنا عليه!!"
مد يده يلتقط كفها الصغير بين يديه يرفعه لاثمًا إياه بقبلة رقيقة هامسًا بنبرة تحمل حبًا وجد فرصته حتى يخرج :
-"مبروك يا مون مون ، أنا النهاردة أسعد واحد في الدنيا"
حاولت سحب كفها من أسر قبضته لكنه لم يمهلها الفرصة ؛ بل شدّد على قبضتها أكثر ، فزمت شفتيها بحنق :
-"بقى ده اللي اتفقنا عليه يا نادر؟
مش متفقين أنك تستناني في القاعة؟"
عقد بين حاجبيه بتذمر يضغط على أسنانه بقوة من غبائها ، يذم شفتيه بغيظ قبل أن ينطق :
-"أعتقد إني هخطب مرة واحدة بس في حياتي!
عايزة تحرميني من إني آخد عروستي لحد القاعة!"
صمت لحظة ثم أكمل بخبث يقول بنصف عين ينحني برأسه لأذنها هامسًا :
-"لو عندك رأي تاني ، أنا ممكن أغير رأيي و أخطب كمان مرة و...."
لكمته بقبضتها الأخرى في صدره قبل أن يواصل حديثه فتأوه بتصنع واضعًا كفه موضع لكمتها :
-"إيدك تقلت قوي يا منار ، أنتم البنات كده قبل الخطوبة قطط وديعة وبعدها تقلبوا على طول"
-"نـــــــــادر"
صرخت به بدهشة ممزوجة بخجل ضحك لها الجميع ، فانتبهت لهم وقد نست أن أسماء و هدير و والدها معهما.
جال بخاطرها فكرة فباحت بها في التو ، تنظر لهم في تهديد صريح مشيرة لهم بسبابتها :
-"أنتم كنتم عارفين أن نادر جاي صح!"
نظرت الفتاتان لبعضهما بخفية ، ثم رفعت هدير كتفيها ببراءة:
-"أنا مليش دعوة"
رمقها بنصف عين ونظرة خبيثة لفحها بها قبل أن يصطحب منار لسيارته يهتف ببراءة مشابهة لبراءة حديثها :
-"على أساس الرسالة اللي لسه بعتاها من شوية دي كانت إيه؟"
استدار برأسه لها غامزًا بمكر :
-"معلش بقى يا هدير بس مش بخبي على حرمي المستقبلية حاجة"
اتسعت عيناها من اعترافه باتفاقهما وهو من أصر عليها يومًا كاملًا ألا تعرف منار شيئًا ليبوح بكل شيء بهذه السهولة!
صاحت به تدور حول نفسها تبحث عن شيء حديدي تلقيه به:
-"يخرب بيت اللي يساعدك في حاجة تاني يا أخي..
صحيح الطيور على أشكالها تقع..
هي الصبح و أنت بالليل"
عقدت أسماء يديها أمامها ، تضرب الأرض بقدمها متذمرة تهز رأسها باعتراض بعد أن ضربت جبهتها بكفها بقلة حيلة :
-"الظاهر أننا هنقضي الليلة كلها هنا في الكلام ومش هنحضر الخطوبة"
تحدث حسين أخيرًا ينهي الأمر ، فطالما بدأ جدالهم لن ينتهوا في ليلتهم :
-"يلا يا هدير أنتِ و أسماء معايا فالعربية.. ونادر هيآخد عروسته ويحصلنا على القاعة"
عقد ذراع هدير بذراعه يدفعها برفق إلى سيارته ، فسارت معه لكنها مازالت تنظر لنادر بحنق و حدة تريد جذب خصلاته بأناملها ، ليرمقها بغمزة يثير غيظها أكثر قبل أن يدلف بجانب منار.
انطلق الجميع وفي الطريق لم يخل الجو من مرح نادر وتزمر منار لأنه أخفى عليها أمر حضوره ، رفع حاجبه بغيظ من موقفها فوضع يده خلف عنقها يجذب رأسها إليه هامسًا من بين أسنانه يضغط بها على شفته السفلى :
-"مضايقة عشان جيت أخدتك وعوزاني استنى في القاعة؟
أومال يوم الفرح أعمل إيه؟
أقعد استناكِ في البيت؟
أنتِ هبلة من امتى عاوز أفهم؟!"
تسارعت أنفاسها بحنق واتسعت فتحتي أنفها..
ثم أزاحت يده من فوق رأسها بغيظ ورغبة عارمة بعضّه تجتاحها بشدة حتى تنفس فيه عن غيظها!
بدلًا أن يغرقها بالكلمات الرومانسية في مثل هذه الليلة ، يتعامل معها كما يتعامل مع أحد أصدقائه الذكور!
وصلا للقاعة أخيرًا وقبل أن تهم بفتح الباب ، فاجئها صوته الآمر وذراعه أمسك بعضديها :
-"استني عندك"
التفتت له فوجدته يقترب منها فجأة ثم انحنى بجذعه يلتقط كفها يقبله :
-"تعرفي أنك جميلة جدًا النهاردة!
و مش النهاردة بس أنتِ دايمًا في عيني أجمل البنات..
أنتِ مش بس هتكوني مراتي ، أنتِ أختي وصاحبتي وكل حاجة ليا يا منار.. ربنا يقدرني واسعدك"
احتقن وجهها باحمرار طفيف من فرط الخجل ، وتسارعت ضربات قلبها بشدة..
حديثه مس قلبها بل و روحها..
كادت دمعة فرح أن تهبط من عينها لحديثه ، وردت عليه بصوت مرتعش خافت :
-"ربنا يخليك ليا يا نادر"
ابتسم لها برقة و هبط قبلها يفتح باب السيارة ، وقبل أن يدلفا للقاعة وجدته يعطيها باقة من الورود الجميلة الحمراء يتوسطهن وردة بيضاء.. ابتسمت له فمازحها :
-"مجتش فرصة أقدمه لك من شوية ، ما أنتِ كنتِ ماسكة في خناقي"
سمعا صوتًا من خلفهما يعنفهما ، والملل والغيظ يملأه من الرومانسية المفرطة التي ستصيبها بالغثيان عما قليل..
لم يكن إلا صوت هدير التي صاحت بهم :
-"مش كفاية الوقت اللي ضيعناه ، هتحبوا في بعض هنا كمان"
ضحكت منار على حنقها ، بينما نادر رمقها برفعة حاجب باردة من أعلى لأسفل قبل أن يميل إلى أذن منار هامسًا بتمني:
-"أه لو مازن يطلع من أي مكان دلوقتي ويخلصنا منها"
صاحت به هدير تجذبه من مرفقه :
-"بتقول إيه يا نادر !!"
ضحك وهم بالابتعاد من أمامها بصحبه عروسه :
-"مبقولش"
دلفا للحفل وطلت منار بهيئتها الجميلة متأبطة ذراعه ، بينما تسير هدير وأسماء خلفهما.
كانت الأولى سعيدة للغاية لرؤية صديقة عمرها تزف لعريسها..
كانت تعلم بمشاعر منار تجاه نادر ، فكثيرًا ما تحدثت معها عما تشعر به نحوه غير متأكدة من مشاعره نحوها!
الغبية كانت تظن أنها مجرد أخت له حتى تطلب منها المساعدة أكثر من مرة كي تتخلص من هذا الحب الذي ينمو كي لا تخسره كأخ وصديق ، وغافلة عن مدى الحب والعشق المطل من عينه لها والواضحة وضوح الشمس للجميع إلا هي!
حقًا غبية!!
والآن تحمد الله أنها شعرت به ولم تستخدم عقلها الجميل!
هبطت دمعة فرح من عينها سارعت تمسحها فشعرت بيد تجذبها جانبًا ، رفعت عينيها بذهول وجدته مازن يقف أمامها مبتسمًا برقة جعلتها تتوتر بشدة ، وقبل أن يتركها تستوعب وجوده أمامها يرفع يده يمسح الدمعة التي هربت على وجنتها.
رمشت بعينيها عدة مرات وقد عادت لوعيها من مفاجأة رؤيته مرة أخرى وهمست بخفوت :
-"مازن"
ابتسم لها بحنان للمشاعر التي تجيش بداخلها نحو أصدقائها في هذه اللحظة ، وحلم للطريقة التي نطقت بها اسمه.. ليهمس بنبرة بدت غريبة عليها :
-"عيون مازن"
نظرت له بذهول.. أهذا هو؟!
يا الله ما به هذه الأيام لا تعلم؟!
ما هذه الطريقة الجديدة التي يتعامل معها بها؟
رفعت حاجبها بدهشة ترمش بأهدابها عدة مرات :
-"أنت بتطلع منين!"
ضغط على أسنانه بغيظ ، و لسان حاله يقول
(ضيعتِ عليا اللحظة)
-"طلعت من مكان ما طلعت يا هدير ، هو ده كل اللي همك"
لوت شفتيها ترمقه بجانب عينها ولم تجبه ، ضغط على وجنتها بين سبابتها وإبهامها بمشاكسة لها فضربته على كفه لكرهها هذه الحركة ، ثم شعرت بأنفاسه على عنقها من قرب وجهه منها وهمسه في أذنها :
-"على فكرة أنتِ زي القمر في اللون ده ، وكويس إنك سيبتِ شعرك مرفعتيهوش كده أحلى بكتير"
ابتسمت بخجل ويدها تعيد خصلة من شعرها خلف أذنها ولا تنظر له ، لتتسع عيناها فجأة وشهقة طفيفة خرجت منها ، تلتفت له بنظرة حانقة وحاجبين مرفوعين ومعقودين عندما أكمل بنبرة لامبالية واضعًا يديه بجيب بنطاله :
-"بس الميكب مش قوي ، مش لايق حاسه تقيل.. بس مش مشكلة فرح بردو "
نظر لها غامزًا بتلاعب فعلمت أنه يثير غيظها ليس إلا..
هزت رأسها بيأس وقلة حيلة و التفتت تبحث بعينها عن أسماء التي اختفت هي الأخرى بمجرد ما جذبها زوجها.
وجدتها تجلس بجوار رامز الذي ينحني يهمس لها بشيء فتضحك بشدة ، لم تكن وحدها من رأتهم على هذا الحال بل مازن أيضًا فجذبها خلفه متجهًا إليهما .
انتفض رامز من كرسيه على كف مازن التي وضعت على كتفه فجأة بقوة وصوته الذي يعنفه بغيرة على أخته :
-"ما تخف شوية يا عم رامز"
عقد الآخر حاجبيه وتمتم بغضب دون أن يصل صوته له :
-"يعني حلال ليك وحرام عليا!"
حدجه بتهديد وحاجب مرفوع ببرود :
-"بتقول حاجة؟"
نظر له بجانب عينه يذم شفتيه بغيظ ، يقبض على يده يضرب بها على فخذه من أسفل الطاولة :
-"لا هقول إيه؟
ربنا على الظالم"
ضحكت الفتاتان عليهما بمرح ، ونهضتا للذهاب إلى منار التي كانت ترتدي الخواتم هي و نادر بهذه اللحظة.
وقف مازن بعيدًا يراقبها تقف مع أخته بجوار العروس ، تنظر إليها بفرحة وحب ، فابتسم بدوره لا يعلم كيف تبدل شعوره هكذا؟
كل ما يعلمه أنه بات لا يقوى على فراقها ولن يتخلى عنها حتى ولو أرادت ذلك!
يحبها!
لا يعلم إن كان يحبها أم لا؟!
لكنه بات متيقنًا أنها أصبحت أهم ما يملك.
أحبها وحبها قد تملكّه ، فأصبح لديها رهنًا ولقلبها سجينًا.
دعا منظم الحفل العروسين للرقص فنهض نادر ملتقطًا كفها بين يديه ، ورقصا معًا على أنغام الموسيقى الهادئة.
تشعر بفرحة عارمة ، حتى الآن لا تصدق ما يحدث معها!
تشعر بالخجل الشديد بالرغم من أنه نادر المتواجد أمامها منذ سنين!
رفع ذقنها بيده لتقابله عينيها التي يبدو بها الحب جليًا :
-"هتخليكِ سرحانة كده"
ابتسمت له برقة ولم تجبه ، فقدّر خجلها ضاحكًا :
-"طيب خلاص ده أنتِ طلعتِ بتتكسفي"
وجد ملامحها تتحول للنقيض.. نظرة الخجل تحولت لنظرة وعيد ، الحاجبان المعقودان بخجل أصبحا مرفوعين باستنكار ، والثغر المبتسم بحب أصبح مبتسمًا بغيظ :
-"نعم يا أستاذ نادر.. هو أنا مكنتش بتكسف ولا إيه!"
ضحك بشدة يقربها منه برفق يتمايل معها :
-"أيوه كده ارجعي لطبيعتك تاني"
بينما بمكان ليس ببعيد اقترب رامز من أسماء ودعاها للرقص فنهضت معه بسعادة ، شردت قليلًا ليلاحظها :
-"مالك سرحانة في إيه؟"
-"ها.. لا مفيش"
ابتسم لها هامسًا :
-"بتفكري لما رقصنا سوا يوم كتب كتاب مازن صح؟"
اندهشت من معرفته فيما تفكر!!
فهي بالفعل تذكرت تلك الليلة عندما انقبض قلبها بشدة لمجرد اعتقادها بأنه يحب أخرى ، لا تتخيل أن يكون لغيرها.
تحبه منذ أول مرة رأته بها ، وكلما جال بخاطرها فكرة أن يكون مع أخرى تشعر بأن الموت أهون لها ، تحبه مثلما يحبها بل و أكثر.
-"عرفت منين؟"
ضحك بخفة :
-"لأني أنا كمان بفكر في نفس اللي بتفكري فيه"
جذبها إليه أكثر يهمس بجوار أذنها :
-"أنتِ كنتِ هبلة قوي!!
ازاي فكرتِ إني ممكن ارتبط أو أحب حد غيرك!"
لكمته بكتفه بقبضتها ، تذم شفتيها ببرود :
-"أنا كنت أعرف منين و أنت طول الوقت تقول زي أختك"
ابتسم لها ولم يعلق ، فهي بالفعل أخته و صديقته وحبيبته وكل شيء له.
وهناك في مكان بعيد عن الأعين في حديقة الفندق المقام به الخطبة ، مظلم نوعًا ما إلا من أنوار طفيفة..
تقف غاضبة ، تنظر له بثورة مكتفة ذراعيها أمامها تعيد ظهرها إلى ظهر الكرسي خلفها تهز قدمها بانفعال.
وهو لم يختلف شعوره عنها بل كان غاضبًا أكثر منها ، يستند بمرفقه إلى حافة الكرسي بجانبها واضعًا أنامله على شفتيه التي يضغط عليها بأسنانه ، ثم يرفعها يعيد خصلاته للخلف بانفعال.
ظل على حاله لعدة دقائق لم يتحدث ، فتحركت من أمامه بخطوات سريعة تنوي الدلوف مرة أخرى إلى القاعة ، وفي الحقيقة تهرب من أمامه لا تريد الحديث معه.
انطلق خلفها يجذبها من معصمها يديرها إليه بنوع من الحدة :
-"استني هنا كلامنا لسه مخلصش ، ومرة تانية يا هدير لما أكلمك تستني وتسمعيني ومتمشيش ، أنتِ فاهمة!"
هزت رأسها بياس وزفرت بضيق قبل أن تصيح بغضب :
-"إيه يا مازن.. لسه فيه حاجة عاوز تقولها؟"
ضغط بلا وعي على قبضته فوق معصمها فحاولت جذب يدها من يده تكز على أسنانها بألم :
-"مازن سيب إيدي لو سمحت عاوزة أمشي"
-"لا يا هدير مش هتمشي غير لما كلامنا يخلص"
حاولت التحكم بأعصابها حتى تتحدث بهدوء :
-"تمام مش همشي بس تقدر تقولي إيه اللي حصل لكل ده؟!
فجأة تشدني بالطريقة دي من وسط الناس وتجيبني هنا من غير ما أفهم أي حاجة!"
جذبها إليه أكثر حتى كادت جبهته تلامس خاصتها ، أنفاسه تلفح جانب وجهها بغضب ، همسه يندفع بأذنها بفحيح شرس:
-"والله لما ألاقي واحد قرب على مراتي يسلم عليها بابتسامة لزجة شبهه ، ويتجرأ يطلب منها الرقص معاه وهو عارف إني موجود معاكِ يبقى حاجة من اتنين
إما مستغني عن عمره.. أو أنا كيس جوافة موجود!"
اتسعت عيناها من السبب وراء كل هذا؟
فقط لأن أحد زملائها جاء يلقي التحية عليها ولم يعلم بأمر زواجها لسفره في هذا الوقت يحدث كل هذا!
إن كان ذلك الزواج عن حب كانت تيقنت أن هذه غيرة عليها ، لكنهما يعلمان أنهما بعيدان كل البعد عن مسمى الحب!
ابتعدت برأسها للخلف تنظر له بذهول وحاجبين معقودين ، رأسها يهتز بعدم استيعاب :
-"نعم!
ده صديق لينا من أيام الجامعة ، كان مسافر ولسه راجع وميعرفش إنه اتكتب كتابي ، محصلش حاجة إنه يجي يسلم عليا يعني !"
تحدث ببرود ونظرة غامضة :
-"اللي قولت عليه تسمعيه يا هدير ، زميل أو لا كل واحد يعرف حدوده معاكِ كويس"
-"مفيش فايدة اللي في دماغك في دماغك ، وبصراحة أنا تعبت من الأسلوب والمعاملة دي بجد.. إيه مبتتعبش!!"
صرخت به بعدما جذبت نفسها من بين ذراعيه تشيح بها بحنق في وجهه ، ثم التفتت تنوي الذهاب وبداخلها يقسم أنها لن تتحدث معه مطلقًا حتى يغير من طريقته.
لم يجبها ولم يجعلها تذهب ، بل جذبها من مرفقها إليه مرة أخرى يحيط خصرها واليد الأخرى تتخلل خصلاتها تثبت رأسها ، ثم مال عليها بقبلة بث بها غضبه وغيرته التي لم يشعر هو بها.. حبه الذي بات واضحًا لا يستطيع أحد إنكاره إلا هو وهي فقط!
تفاجأت بما فعله من اقتحام شفتيه لها ، فقد كان آخر رد فعل تتوقعه منه.. وقبل أن تأخذ أي حركة هناك صوت صدر من مكان ما جعلها تعود إلى رشدها مرة أخرى لتدفعه بيدها.. لكنه رفض ابتعادها و أسند جبهته فوق جبهتها ناظرًا لها فوجدها مغمضة لا تريد النظر إليه ، ابتسم دون أن يشعر وأحاط وجنتيها بين كفيه يهمس لها :
-"لا أحمد ولا محمد ولا صنف مخلوق له الحق أنه يلمسك طالما على اسمي ومرتبطة بيا"
كلماته كفيلة كي تعود شراستها من جديد ، تزفر بغضب وغيظ كما يحب أن يراها عليه ، فدفعته في صدره تبتعد عنه هاتفة:
-"مازن.. أنت أكتر واحد عارف إني حاطة حدود لنفسي وللناس مفيش مخلوق يقدر يتعداها..
مش هبقى عايشة طول حياتي بمبادئ وأنت تيجي تغيرها ليا"
فرك وجهه بصبر يتنفس بقوة وعمق يبث الهدوء لنفسه وقلبه ، اقترب منها بروية يضع يده على عضديها :
-"بصي يا هدير.. أنا أكتر واحد يساعدك إنك تفضلي محتفظة بمبادئك دي ، بس اللي عايزك تفهميه أن اللي بطلبه أو اللي بقوله ملوش دعوة لا بحدود ولا بمبادئ!"
هتفت في وجهه بقوة ولا وعي :
-"أومال ليــــه؟!"
-"عشان بحـ........."
قاطعه صوت الهاتف ليجدها أسماء تسأله عن اختفاءه هو وهدير ، فمنار تسأل عليها منذ زمن.
لم تنتظر أن يغلق الهاتف فتركته ودلفت مرة أخرى إلى الحفل يتبعها بخطوات متريثة.
ظلت قابعة بجانب أسماء لا تفارقها وعقلها يفكر فيما حدث منذ قليل تريد إيجاد تفسير لكل ما يحدث ، وكل أفكارها تصب في طريق واحد.. طريق لا تريد الاعتراف به لظنها أنه من المستحيل أن يحدث!
انتهت حفلة الخطبة
بسعادة للبعض.
وأماني للبعض الآخر .
ومشاعر جديدة لآخرين.
★★★★★★
خيط رفيع بين الكراهية والحب
احذر جيدًا أن يُقطع أو يتشوش وعيك عنه
فتسقط وقلبك في شرك الحب ولا مناص ولا عزاء
فالحب فخ ملون
الحب مشاعر متضاربة متفاوتة من القلق ، الخوف ، التوقع ، والترقب .
فاحترس جيدًا!
وإلا ستجد نفسك سقطت سهوًا رغمًا عنك في وحل الحب دون أن تدري!

جالساً على الأريكة في مكتبه ينظر إلى الأوراق المنثورة أمامه على الطاولة القصيرة ، يصب كافة تركيزه عليها ممسكًا بإحداهن في يد والأخرى ممسكة بقلمه الفضي المزين بفصوص ماسية كان هدية من هدير عندما فاز بإحدى صفقاته الصعبة والكبيرة ، يضعها أسفل ذقنه ، يرتدي قميصه الأسود رافعًا أكمامه حتى مرفقيه ، وبين الحين والآخر تبرز عضلة فكه أثر ضغطه على أسنانه في حركة مصاحبة له أثناء استغراقه في التفكير .
أخرجه من عمق تركيزه صوت هاتفه الذي عَلَى برقم مجهول ، أجاب مباشرة وعينه مازالت في الملف الذي بيده :
-"ألو.. مين معايا"
وصله صوت غريب عنه يقول له بلهفة :
-"باش مهندس مازن السيوفي؟"
أجاب بنعم ليكمل الرجل حديثه :
-"الآنسة هدير مرات حضرتك عملت حادثة ونقلوها على مستشفى......"
لم يكد يكمل حديثه حتى انتفض من فوق كرسيه ملقيًا هاتفه على الأرض وأخذ مفاتيحه مندفعًا خارجًا من الشركة بأكملها آخذًا سيارته لينطلق إليها.
بين الحين والآخر يضرب على مقود سيارته بكفه عدة مرات وعقله يسرد له كثير من المشاهد التي من الممكن أن تكون تعرضت لها!
كيف تعرضت لذلك الحادث وما مدى الخطورة التي بها؟
لماذا لم يهاتفه أيًا من حراسه الموكلين بحمايتها ، كيف لم يفعلوا شيئًا؟
جذب خصلاته يقبض عليها بشدة ، يدق على زامور السيارة بقوة حتى تفسح له السيارات أمامه الطريق يفكر
هل حدث لها شيئًا مروعًا يستدعي ذهابها للمشفى؟!
جاء بفكره كريم أن يكون السبب خلف الحادثة ، فتغيرت النظرة في عينيه لأخرى يلوح بها التهديد والوعيد إن كان له يد فلن يتردد في قتله بيده!
هتف بقوة يقبض على المقود بشدة حتى ابيضت مفاصله ، نبضات قلبه تدوي في السيارة من جم قلقه وتوتره :
-"يا رب تكون بخير بس ، مش عاوز حاجة تاني"
يقود بأقصى سرعة له يحاول تفادي السيارات من حوله ، حاول أن يبطئ فتفاجأ بأن مكابح سيارته لا تعمل!
عقد حاجبيه بدهشة وعدم استيعاب لما يحدث!
لا لا لا ليس الآن ، ليس وقته أن تتوقف ، دعس عليها عدة مرات ونظراته تحول بينها وبين الطريق أمامه لكن لا نتيجة!
أيقن حينها أنها مكيدة للإيقاع به ، فحاول السيطرة على السيارة وبالأخص أن السرعة كانت كبيرة جدًا.. كاد أن يصطدم بأكثر من سيارة ويشعر أن تلك النهاية ، الموت على مقربة خطوة واحدة منه!
لسان حاله يدعو الله إن كان اليوم آخر يوم له فلا اعتراض لكن يطمئن قلبه عليها أولاً ، لتظهر تلك الشجرة على جانب الطريق جعلته ينحرف بسيارته نحوها ، فبضعة كسور أهون بكثير من الموت!
********
ما بين شد وجذب يعلن الكامن خلف الضلوع تحرك بعض النبضات دون رغبة منا
شيئًا فشيئًا تفلت نبضة هاربة من القلب نحاول بكل قوتنا منع ذلك أو عدم التفكير فيها لكنها تأبي إلا الخروج!
يصارع العقل القلب في معركة دامية
ففي عرف الحب لم ينجو و لا يخرج أحد سالمًا
السقوط حتمي ما بين الغيرة والحقد
وما خفي خلف الكواليس يتحرك له القلب رغم كل شيء!

نائمة لا تعلم شيء عما حدث إلى أن سمعت رنين هاتفها المتواصل ، أغلقته مرة لكن مهاتفها مصّرٌ على إيقاظها.. نظرت للشاشة بنصف عين فوجدتها أسماء ، أجابتها بنعاس قاتل :
-"أيوه يا أسماء.. صاحية بدري ليه ومصحياني معاكِ؟"
استعرت شهقاتها انتباهها فنهضت فزعة من فراشها تهتف بقلق أرعد أوصالها :
-"صوتك شكله معيط.. إيه اللي حصل؟
كل حاجة تمام صح؟"
أجابتها بصوت متحشرج من البكاء :
-"هدير تعالي حالًا مستشفى....."
انقبض قلبها لفكرة أن يكون أحد قد أصابه مكروه
تكره المستشفيات بعد حادثة أبيها وتمقت الأخبار الكريهة الميتة!
تريد أن ترتاح ولو قليلًا ألا تستحق؟!
أعادت خصلاتها للخلف من فوق عينيها تزيح الفراش من فوقها تهمس بحذر :
-"ليه المستشفى يا أسماء؟"
لم تستطع أن تسمع الرد نظرت إلى هاتفها فوجدت بطاريته قد نفذت ، ألقته بغيظ خلفها ونهضت مسرعة إلى خزانة الملابس تأخذ ما تطاله يدها ترتديه في عجل ، ثم أخذت مفاتيح سيارتها وخرجت مسرعة تسارع كل قدم الأخرى مهرولة على الدرج ، يدها تحاول لملمة خصلاتها في كعكة عشوائية فوق رأسها تثبتها بمشبك رقيق ، قلبها تتسارع نبضاته بقوة حتى شعرت به يضرب في رأسها ، وجهها يتغضن بقلق واحمرار طفيف انتشر به ، شفتيها تتحرك بكافة الأدعية التي تحفظها حتى يكون كل شيء بخير .
ألتقت بكريمة في الأسفل التي أوقفتها قائلة :
-"مالك بتجري ليه؟"
حاولت التقاط أنفاسها تجيبها بتلخيص :
-"لازم أروح المستشفى حالًا.. أسماء كلمتني أروح على هناك معرفش إيه حصل؟"
تركتها لتخرج تستمع لهتافها خلفها :
-"طب أبقي طمنيني"
قادت بأقصى سرعة وقلبها يدعو ألا يكون أحد قد أصابه مكروه شديد حتى وصلت لوجهتها ، وقفت أمام الاستعلامات لا تعرف عما ستسأل!
غارقة في فوضى الخوف ، لم تستطع الإلمام بمغزى المهاتفة من أسماء ولا تستطيع الوصول لها!
تلتفت بجزع يمينًا ويسارًا تبحث عن منارة تدلها إليها حتى انتشلها صوت رامز من حيرتها يقول باندهاش :
-"هدير !!
أنتِ جيتِ هنا ازاي؟!"
أجابته بقلق وكلمات متقطعة :
-"معرفش.. أسماء اتصلت.. والخط قطع من غير ما أعرف.."
رفع كفيه أمامه علامة على الهدوء والصمت يبتسم لها باطمئنان :
-"اهدي وخدي نفسك مفيش حاجة تستدعي القلق ده كله.. مازن بس...."
قاطعته شهقتها واضعة كفيها على صدره ممسكة بثيابه :
-"مازن!!
إيه اللي حصل؟"
أمسك كفها بين كفيه يربت عليه بهدوء كي تهدأ لكنها استمرت تطرح أسئلتها الجزعة سؤال خلف الآخر حتى هتف بها بغضب مصطنع كي يتحكم بقلقها :
-"اهدي قولت.. كل الحكاية حادثة بسيطة وهو كويس ، تعالي معايا علشان تطمني"
ذهبت معه صامتة بعد صراخه عليها تقدم قدم وتؤخر الأخرى ، وقفت أمام الغرفة مترددة ليلتفت لها رافعًا حاجبه بتساؤل لوقوفها!
قرأ التردد على وجهها فدفعها برفق يدخلها الغرفة ، وقفت تدير نظرها تجد والدته جالسة على يمينه وأسماء إلى يساره.. أما هو بالمنتصف يجلس بشموخه المعتاد لتتأمله بصمت وبدون حركة..
عينيها تشمله كله من أعلى رأسه لأخمص قدمه تتأكد من كم الإصابات التي تلقاها!
وقعت عيناها على جبينه الملتف بضمادة بيضاء ، ثم قدمه بجبيرتها الملتفة حولها حتى منتصف ساقه..
تنفست بعمق تحمد الله أن النتائج وصلت إلى هذا الحد.
تقدمت منها ميرفت محتضنة إياها بحنان عندما رأت مدى القلق على وجهها :
-"معلش حبيبتي.. البنت أسماء قلقتك بالشكل ده"
نظرت بتلقائية لأسماء التي غمزت لها بابتسامة معاكسة تمامًا عن البكاء التي كانت تحدثها به ، فرمقتها بغيظ لتخفي رأسها بكتف أخيها هامسة بمشاغبة :
-"المفروض تشكرني يا حبيبي ، لولايا مكنتش هتعرف غلاوتك عندها"
رمقها برفعة حاجب مستفزة منه مبتسمًا ببرود هامسًا مثلها :
-"ازاي يا ذكية؟"
أجابته بغرور وراثي في هذه العائلة ، تمسح على ضمادته برفق:
-"لو مش غالي عندها مكنتش جت تجري ، ولا كان ظهر عليها القلق اللي دخلت بيه ده ، ولما شافت أنك كويس ارتاحت"
نظر لوجهها مرة أخرى يتذكر حالها عندما دلفت عيونها تشمله تتأكد كم من الاصابات التي تلقاها!
ليرى كيف تحول من القلق إلى الراحة بعد أن تيقنت أن لا مكروه أصابه ، فغمز لأخته ضاحكًا :
-"لا بتفهمي صحيح"
التفتت إلى صوت والدتها التي نادت عليها تقطع حديثهما :
-"يلا يا أسماء تعالي معايا نجيب لبس لأخوكِ من البيت"
نهضت تأخذ حقيبتها ، فكادت هدير أن تنهض هي الأخرى لتمنعها يد أسماء التي أوقفتها بسرعة :
-"إيه على فين؟
خليكِ مع مازن لحد ما نرجع ، هما ساعتين ونرجع"
التفتت إلى مازن الذي يرمقها بمكر مستمتعًا بحركات أخته ، فقالت بتردد تبتلع لعابها بصعوبة :
-"بس رامز موجود معاه"
فهتف رامز بدوره ينظر بساعته :
-"بصراحة يا هدير بما أن مازن مش هيقدر يروح الشركة فأنا لازم أروح لأن فيه شغل مهم لازم يخلص دلوقتي حالًا"
ثم ألتفت لأسماء ووالدتها قائلًا يفتح الباب لهن :
-"يلا عشان أوصلكم وألحق أنا أروح الشركة"
خرج الجميع يغلقون الباب خلفهم تاركين إياها تنظر في أثرهم بغموض وحاجبين معقودين لفهم ما يحدث ، التفتت لصوت مازن من خلفها الذي جذب انتباهها :
-"مش تطمني عليا ولا هتفضلي تبصي للباب كتير!"
حمحمت وتقدمت نحوه تهم بالجلوس على الكرسي القريب من فراشه ، لكنه جذب يدها تجلس على حافة الفراش بالقرب منه..
تأمل وجهها المحمر من القلق.. التقط نظرات القلق والحزن في عينيها التي تتأمل صدره المليء بالخدوش ولاصقة كبيرة تغطي جرح على كتفه لم تنتبه لها إلا الآن ، لاحظ عيناها تلتمع بطبقة من الدموع التي تأبى الهبوط ، فرفعت يدها ترسم هذه الخدوش بالهواء بدون أن تلمسها وصوتها الهامس يصله متسائلة :
-"إيه اللي حصل؟"
أجابها بمزاح لا يليق مع الموقف :
-"ولا حاجة كنت هموت"
رفعت نظراتها إليه وجد الدموع متجمعة بها ، فأحاط وجهها بكفه والذراع الآخر جذبها يحتضنها محاولاً السيطرة على قلقها ، ولدهشته أحاطته هي الأخرى بذراعيها فشعر بدمعات دافئة تهبط على كتفه ، مسد ظهرها برفق وشعور من السعادة يجتاح قلبه بتسلل.. ثم همس بصوت رقيق يدفن أنفاسه في خصلاتها :
-"اهدي كل حاجة تمام.. كل الموضوع حادثة بسيطة وجت سليمة"
سألته بصوت متحشرج ولم تخرج من أحضانه كمن تخاف أن يرى أحد ضعفها :
-"حادثة؟
إيه اللي حصل يا مازن.. مش معقول بعد ده كله طلعت مش بتعرف تسوق"
ضغط على أسنانه بغيظ من لسانها هذا يحاول أن يتحكم بنفسه ، ضربها بخفة خلف رأسها :
-"لا بعرف يا مستفزة.. بس جالي تليفون الصبح إنك عملتِ حادثة وفي المستشفى ، بس تفاجئت أن فرامل العربية مفكوكة فحصل اللي حصل"
عقدت حاجبيها بدهشة مما تسمعه ، رفعت رأسها من أحضانه لكنه مازال متشبثًا بها :
-"تقصد أنها بفعل فاعل!"
هز مازن رأسه بتجاهل ورأسه يفكر في أكثر من اتجاه فسألته مرة أخرى :
-"مازن أنت شاكك في حد؟"
رفع كفه إلى خصلاتها يمسدها مبتسمًا ، ثم لمس وجنتها بظاهر يده بحنان :
-"متقلقيش كل حاجة هتبقى تمام وبخير ، مقصودة أو لا المهم الغرض من ورا ده محصلش"
نظرت لكفيها التي تفركهما فوق قدميها بتفكير ، ثم رفعت عينيها له مرة أخرى تسأله :
-"طب إيه اللي حصل بالضبط؟!"
على الرغم أنه سرد لها ما حدث لكنه راعى قلقها وتوترها ، فأخذ يدها بين كفيه يضغط عليهما برفق وأعاد عليها ما قاله منذ قليل من الهاتف الذي تلقاه ثم هرولته حتى يلحق بها ، لينتهي الأمر به اكتشافه أن مكابح سيارته لا تعمل ، فعلم أنه المقصود وليس هي.
انتهى من حديثه يطالع نظراتها المتوترة تتأمله تحاول معرفة الهدف وراء ما حدث :
-"وتفتكر دي حاجة تطمن"
كاد أن يجيبها لكن طرقات الباب قاطعتهم ، حاولت النهوض لكن ذراعه أحاطت بها من جديد منعتها ، فنظرت له بأعين متسعة يصدر منها الدهشة وحاولت الفكاك منه لكنه منعها وأمر الطارق بالدلوف.
دخلت الممرضة حاملة صينية الطعام ووضعتها بجانب الفراش قائلة بابتسامة إعجاب :
-"ياريت تأكل أكلك كله يا باش مهندس علشان ميعاد علاجك"
أعطاها ابتسامة جذابة لتخجل وتخرج مغلقة الباب خلفها ، يرمقها بنظراته حتى خرجت ، ثم استدار إلى هدير الناظرة له بحاجب مرفوع بغموض فقلد نظرتها باستفزاز .
ابتسمت بغيظ لا تعرف مصدره وقالت مربتة على ذراعه بنوع من الحدة :
-"كل يا حبيبي علشان علاجك"
★★★★★★★
في الحب خطابات نبعث بها وأخرى نمزقها
وأجمل الخطابات التي لا نكتبها
خطابات تسرد محتواها النظرات
نبضات القلب
وغيرة العاشق

أوصلهم رامز إلى المنزل وأخبرهم أنه بعد ساعتين سيأتي ليقلهما إلى المشفى مرة أخرى ، هبطت ميرفت تتحدث بالهاتف مع صديقتها التي كانت بانتظارها بالداخل بعد أن ودعت رامز.
ثم نظر إلى أسماء التي انتقلت بجانبه مكان والدتها بصمت قبل أن يسألها بتعجب :
-"خير!"
أجابته ببراءة خلفها مكر ترفع كتفيها لأعلى بإقرار :
-"هروح معاك الشركة"
كاد أن يعترض لكنها أوقفته بإشارة من يدها التي ضمتهم إلى صدرها في قبضة واحدة هاتفة بتوسل :
-"عشان خاطري يا رامز.. أنا مش بحب صاحبة ماما دي وهفضل محبوسة في أوضتي ساعتين على ما تمشي أو أنت تيجي ، هروح معاك ومش هعمل حاجة ، هبقى طيبة"
رمقها بنظرات غامضة قبل أن يعيد تشغيل سيارته هامسًا بسره :
-"ما المشكلة أنك هتبقى طيبة.. ربنا يقويني"
وصلا إلى المقر الرئيسي فقالت له وعيناها تحوم في المكان كأنه جاء بها إلى مدينة الألعاب ، فأشاحت له بيدها دون أن تلتفت وكادت تذهب :
-"روح أنت شوف شغلك وأنا هلف هنا شوية"
لكن قبل أن تذهب جذبها من يدها بنوع من الشدة وجعلها تسير أمامه إلى مكتبه يقول من بين أسنانه بدهشة من طفولتها :
-"تلفي هنا فين إحنا في الملاهي!
تعالي معايا اقعدي في المكتب على ما أخلص الشغل مش هنتأخر"
سارت معه محاولة كتم ضحكاتها بشدة حتى لا يغضب ، تعلم أنه سيرفض فلم تفعل هذا إلا لإثارته فقط!
دلفت إلى المكتب وجلست على الأريكة المقابلة لمكتبه ، وجلس ممسكًا بأحد الملفات يصب تركيزه عليه .
مر القليل من الوقت كانت جالسة تؤرجح ساقها تارة ، وتلعب بخصلاتها تارة ، ثم تعبث بهاتفها تارة أخرى أو تقرأ في إحدى المجلات الموضوعة على الطاولة.. وبين الحين والآخر تراقبه يعمل بجدية ويقوم باتصالاته يناقش بها سير العمل.
اكتشفت جانب آخر منه وهو الجدية في العمل.
تشعر أنها أمام شخص غير رامز الذي تعرفه!
بداية من تغير نظراته يحاول الوصول لحل تلك الثغرة في الملف حتى يكون كاملًا!
عقدة حاجبيه ، تحرك شفتيه المذمومة في كلا الجانبين كأنه يلوك طعام في فمه كحركة يفعلها عندما ينشغل عقله بشيء!!
تخلى عن سترته وفك رابطة عنقه ، يرتشف من فنجان قهوته بين الحين والآخر !!
قطع تأملها دلوف سكرتيرته تخبره أن نادين بانتظاره عندما لم تجد مازن في مكتبه ، فأمرها بالدخول ليلتفت على صوت أسماء تقترب منه وتسأله :
-"نادين!"
-"مشروع جديد لشركتها وطلبت شركتنا اللي تنفذه"
وجدتها تدلف إلى الغرفة بمشيتها الطاووسية المعتادة تجلس تضع ساق فوق الأخرى فظهر من ساقها أكثر مما يجب ، رمقتها أسماء بنصف عين قبل أن تسمعها تقول :
-"أسماء.. بتعملي إيه هنا؟"
ابتسمت لها بتكلف ودارت تجلس أمامها :
-"ده من حسن حظي علشان أشوفك"
أومأت لها ثم ألتفتت لرامز وسألته :
-"أومال فين مازن؟
سكرتيرته قالت أنه كان موجود ومشي.. وهو عارف أنه عنده ميعاد معايا"
ابتسم لها وأستند بمرفقه على مكتبه مقتربًا بجسده منه ووضع يده أسفل ذقنه يحكه ثم أجابها :
-"مازن عنده معاد مهم فالمرة دي الاجتماع معايا أنا"
عقدت حاجبيها بتساؤل.. فأي شيء مهم يجعل مازن يترك عمله الذي لم يكن يستطيع أي كان أن يمنعه عنه؟!
حتمًا يتعلق بتلك الفتاة التي تزوجها فمن سيكون غيرها!
قرأت أسماء تعبيرات وجهها المندهشة فوضعت ساق فوق الأخرى تشبك أصابعها أمامها وقالت بتشفي :
-"معلش يا نادين يا حبيبتي ، أنتِ عارفة فرحه قرب فلازم يخلص المطلوب هو ومراته"
رمقتها بغيظ وغضب ، وهتاف خرج منها بدون إرادة :
-"يعني سايب الاجتماع معايا علشان يروح لهدير"
ضحكت بقوة قبل أن تجيبها قائلة تتأمل هيئتها بتلك الكنزة المحددة لجسدها ، والجيب القصيرة للغاية ، وكم مساحيق التجميل التي تضعها على وجهها :
-"عارفة أنك كلفتِ نفسك على الفاضي بس نعمل إيه؟!
واحد ومراته نعترض يعني؟"
ضغطت نادين على أسنانها بقوة ثم التفتت إلى رامز المتابع للحوار بتسلية ، يرى صغيرته مستمتعة بإثارة غيظها وقالت:
-"تمام خلينا نشوف اللي جاية عشانه يا رامز"
جلسا يعملان لوقت ليس بالقصير ، حتى نهضت حاملة حقيبتها :
-"كده تمام ، الشغل حلو قوي"
ثم نظرت لأسماء التي انتقلت لمكانها على الأريكة تقرأ في المجلة هاتفة حتى تستعر انتباهها :
-"مبسوطة إني شوفتك يا أسماء أكيد هنتقابل تاني"
ابتسمت لها بتكلف تردد :
-"أكيد قريب قوي"
خرجت تتبعها نظراتها الحانقة من أسلوبها ، ثم هزت رأسها بيأس من حركاتها المكشوفة أمام الجميع لتقع عيناها بعين رامز الذي يراقبها بتسلية ، فأشارت له برأسها بتساؤل دون أن تتحدث ، فضحك بقوة يهز رأسه بقلة حيلة من تلك الطفلة ، ثم نهض حاملًا مفاتيح سيارته ونظارته :
-"يلا أنا كده خلصت شغلي"
نهضت واضعة يديها بخصرها وتعبيرات حانق على وجهها وهتفت به ضاغطة على أسنانها :
-"جيت مخصوص عشان اجتماع سردين دي!"
كتم ضحكاته بصعوبة وتحدث يلوح بذراعيه على جانبيه :
-"الشغل شغل يا أسماء سواء مع سردين ولا حوت بقى مش قضيتي"
أخذت حقيبتها وسارت بخطوات غاضبة تخرج من المكتب هاتفة بنزق :
-"لو كنت أعرف مكنتش جيت.. مالها صاحبة ماما أحسن من علبة السردين اللي اتفتحت مرة واحدة دي"
لم يتمالك نفسه وترك العنان لضحكاته تخرج ، ثم تبعها متجهين إلى المنزل ثم إلى المشفى.
★★★★★
كلنا كالقمر..
لنا جانب مظلم
كلٌ له أسراره
أسرار تخصه وحده لا يستطيع البوح بها
لكن تأتي لحظة يتيقن أنه لابد من الإفصاح عن مكنون قلبه
ترتاح.. تستكين.. تطمئن
خاصةً إن أفصحت لشخص هو العالم بالنسبة لك.

خرجت وعقلها مازال مشغولاً في عدم مجيئه؟
قلبها يحترق منذ طلاقه منها وزواجه من أخرى!
أقسمت أن تأخذ حقها منه ولن تنكث قسمها أبدًا.
من تكون هذه حتى تنافسها عما تعتبره ملكها؟
انتشلها من تفكيرها الهاتف الذي أخبرها أن مازن تعرض لحادث وهو الآن في المشفى برفقة هدير فقط ثم أغلق!
نظرت إلى شاشته بحاجب مرتفع وصمت رهيب خيم عليها ، ثم التمعت عينها بمكر وخبث ولاحت ابتسامة جانبية على ثغرها ، وأمرت السائق أن يتجه نحو المشفى .
فزيارة المريض واجبة!
وخاصة لو كان هذا المريض زوجها... السابق!
دلفت بكبرياء وغرور تسأل في الاستقبال عن رقم غرفته فأخبرتها الممرضة التي نظرت لها من أعلى لأسفل بإعجاب من ملابسها وهيئتها ، وطالعتها تسير كعارضات الأزياء وصوت كعبها يدوي على الأرض السيراميكية.
وصلت أمام باب الغرفة المغلق فابتسمت بمكر تضغط على شفتها السفلى بخبث ترسم بخيالاتها كثير من السيناريوهات التي ستظهر بها حتى تثير غضب وحنق التي تسمع صوتها بالداخل.. رفعت أناملها تدق مرتين عليه ودخلت بعد أن سمعت صوت غريمتها يسمح لها بالدلوف.
-"مساء الخير"
استدارا لها بذهول من وجودها!
ما هذه الجراءة التي تملكها للقدوم هنا!
رمقتها هدير متعجبة من وقوفها بكل ثقة ، رمقتها من أعلى لأسفل بحاجبين مرفوعين ثم نظرت لمازن بتساؤل غاضب الذي رفع لها كتفيه بعدم معرفة ، لينظر إلى زائرته بغموض حانق.
أخبرها ألا تظهر أمامه مرة أخرى خصوصًا مع هدير وها هي تلقي بتحذيره عرض الحائط!
ماذا يفعل معها حتى تبتعد بإرادتها فلا يريد التدخل حتى لا يجعلها تكره حياتها؟
كاد أن يتحدث لكن هدير التي كتفت ذراعيها أمام صدرها ، تميل برأسها قليلًا تتأمل تلك التنورة السوداء تصل حتى ركبتيها ، تعلوها كنزة حمراء حريرية تكاد تنفجر من شدة التصاقها بجسدها ، تضع سترة سوداء على ذراعها.. وقفت أمامها قائلة :
-"خير يا أنسة نادين!
بتعملي إيه هنا إن شاء الله؟"
استشعرت الحنق الذي يظهر مليًا في نبرتها لها ، فاتسع ثغرها المطلي بأحمر شفاه قاتم بابتسامة متشفية أنها أثارتها ، واقتربت منها خطوة تمد يدها تربت على كتفها ، وأجابت ببراءة بعيدة كل البعد عنها :
-"إيه يا هدير؟!
أنا قولت مينفعش أعرف أن مازن عمل حادثة وفي المستشفى ومجيش أزوره!"
ثم نظرت لمازن بحاجب مرتفع وهمسة ماكرة :
-"اللي بينا مش قليل بردو ولا إيه؟"
-"نـــادين"
هتف بها بصرامة وحدة يرمقها بوعيد استقبلته بضحكة طفيفة كمن وصلت لهدفها ، ثم اقتربت منه تنحني قليلًا أمامه تربت على ظاهر كفه ، تنظر له بقوة كمن تخبره أنها لن تخرج من حياته بهذه السهولة!
هي من بدأت اللعبة وهي من ستنهيها!
هكذا تعتقد وهكذا تصدق!
همست له بتلاعب :
-"الحمد لله على السلامة يا حوت ، إن شاء الله تبقى بخير وتخرج من هنا أحسن..
كان نفسي أبقى أنا اللي جمبك ، بس ااا....."
صمتت تنظر بخبث لهدير التي ترمقهما بغموض ترى ردة فعله ، ثم استقامت بتريث والتفتت تقف أمامها مرة أخرى تبتسم :
-"فرصة سعيدة إني شوفتك يا هدير ، والحمد لله على سلامة.. مازن"
خرجت دون أي كلمة أخرى تاركة خلفها فتاة تتطلع إليها بغموض وغضب من ظهورها من جديد وهي بالأساس لم تنس أنها في يوم كانت زوجته في الخفاء.
أخبرها أن هناك هدف وسر من هذا الزواج وسيخبرها في الوقت المناسب ، لكنها استدارت تواجهه وما زالت تكتف ذراعيها تتطلع له بصمت ، حاجب مرفوع ، شفاه مذمومة ، ونظرات غامضة مستفسرة.
علم أنها لن تمرر الأمر مرور الكرام فحاول أن يشتت تفكيرها لكنها سبقته بصوتها الهادئ المتأني بين كل كلمة والأخرى ، يعلم أنه يخفي خلفه غضب جم :
-"دلوقتي.. وحالًا عاوزة أعرف كل حاجة أنت مخبيها بخصوص البنت دي!
كل حاجة يا مازن ، من غير كذب.. من غير أسرار.. ومتخبيش أي حاجة"
حاول ادعاء التعب وعاد بظهره للخلف يمسك بكتفه المصاب بألم مصطنع هاتفًا :
-"ده وقته يا هدير!
يعني شايفة ده المكان والوقت المناسب اللي نتكلم فيه في موضوع زي ده؟!"
لم يتلق أي إجابة فرفع رأسه ينظر إليها فوجدها ما زالت على حالها ترمقه بصمت تنتظر الإجابة على سؤالها ، بل لم يجد أي إشارة على التأثر بحديثه أو بألمه ، فاعتدل في جلسته وقد اختفى عبثه واستحال وجهه للجدية فنظر لها بجمود قائلًا بتوتر خفي :
-"لو حكيت هتصدقيني؟!"
نبضة ظهرت بداخلها تختلف عن أخواتها بعد سؤاله بتلك الطريقة كمن يترجاها أن تقول نعم!
هل الثقة بينهما عالية كي تصدق ما سيقوله؟
عندما أخبرته أنها تثق به وتركت له زمام الأمور يتعامل معها بطريقته ، هل كانت تعنيها حقًا؟!
هل ما فعله معها الفترة الماضية ووقوفه بجانبها وحمايته لها كفيل أن يجعل الصدق والثقة مكتملان بداخلها أم البداية بينهما ستقف عائق أمام قراراتها وقلبها؟
نظرت له كمن تريد سبر أغواره.. قراءة أفكاره.. معرفة هل سيخيب ظنها أم لا؟
وكأن نظرته أخبرتها أن تجعل كلماتها بالثقة حقيقة!
لا يوجد شيء يجعله يكذب عليها ، فلقد كان واضحًا معها منذ البداية.
تحركت حدقتيها في الأرجاء ، ترمش بأهدابها عدة مرات ثم تنهدت بقوة وقد علمت بما ستجيبه :
-"هصدقك يا مازن .. هصدقك.
أنا وثقت فيك وأنا قد كلمتي ، فياريت تقدر الثقة دي وتقولي الحقيقة"
انتشاء وسعادة عارمة عصفت بقلبه.. في كل الأحوال لم يكن سيكذب عليها وسيخبرها الحقيقة كاملة ، لكن هيهات من شعور السرد ومن أمامك يثق بك.. وشعور أنه ينتابه الشك نحوك!
ابتسم لها ومد ذراعه لها حتى تقترب منه ، فأمسكت بكفه وجلست بجانبه على الفراش.. تناول هاتفه من فوق الطاولة يبحث عن أحد الملفات الذي يحتفظ به دائمًا يفتحه وأعطاه لها حتى تقرأ ما به.
ابتلعت لعابها ببطء تأخذ الهاتف من يده وبدأت تقرأ.. اتسعت عينها مع كل سطر تمر عليه ، شهقت بقوة واضعة يدها المرتعشة فوق فمها ، ثم نظرت له بدهشة وحاجبين معقودين بعدم تصديق ، تهمس بصوت متقطع وأنفاس بطيئة:
-"يعني.. يعني إيه الكلام ده؟
نادين.. نادين تبقى...
لا لا الكلام ده غلط أكيد"
صمتت ولم تكمل ، فأخذ الهاتف من يدها وضمهما بين كفيه يضغط عليهما بقوة ، يدقق النظر في عينيها يومئ برأسه أن ما قرأته صحيحًا :
-"لا مش غلط ، اللي قرأتيه صح..
جورج رئيس المنظمة في روسيا واللي مسئول عن كل البلاوي اللي بتحصل دي من قتل أبويا ، مشاكل أبوكِ ، وجود كريم نفسه.. يبقى خال نادين!
كريم يبقى الدراع اليمين ليه زي ما قولتك ، ونادين تبقى الدراع التاني.
الراجل اللي قتل أبويا قدام عيني يبقى عاصم أبوها بتخطيط من رأفت أبو كريم"
شهقت بقوة واضعة يدها على فمها من المفاجأة ، و اتسعت عيناها بذهول مما تسمعه ، في حين تسارعت أنفاسها بشدة من كم الصدمات التي تسمعها!
قرأ الخوف في عينها لأول مرة فجذبها إلى أحضانه يملس على ظهرها يريد أن يخفف من مفاجأتها حتى يستطيع إكمال ما يريد قوله ، دفن وجهه في خصلاتها يهمس في أذنها :
-"متخافيش ، مش هتقدر تعمل ليكِ أي حاجة ، لا هي ولا غيرها"
أبعد رأسه يحتوي وجهها بين كفيه بعد أن أعاد خصلاتها للخلف يدقق النظر لها يعطيها من قوته :
-"هي هنا تحت عيني زي ما كانت قبل كده من يوم ما رجعت من بره ، كل حركة وكل تفكير أنا عارفه"
نظرت له بغموض وصمت ولم تبد أي رد فعل ، فعلم أنها تستفسر منه عن معنى كلماته ، نظر لها بتصميم وقوة يقر بما تحترق لسماعه :
-"جوازي منها مكنش للمتعة يا هدير ، جوازي كان خطة من انتقامي منهم.
نادين اختاروها تكون عينهم عندي ، بس أنا مبدخلش حد حياتي إلا لما أعرف عنه اللي ميعرفوش هو عن نفسه .
حاولوا كتير يوقعوني في مصيدتهم لكن كنت دايمًا بخسرهم بسبب المعلومات الغلط اللي كنت بقولها ليها واللي بتوصلهم بالحرف"
لاحظ نظرة الغضب التي اشتعلت أكثر في عينيها ، أسنانها ضغطت عليها كمن تنفس عن الغضب ، كانت تتمنى كلمات أخرى غير تلك المؤكدة على ما تريد نفيه!
كمن كانت تريد أن يخبرها أنها كذبة وأنها الأولى التي تحمل اسمه حتى لو كانت هي حملته في الخفاء!
جذب وجهها إليه يستند بجبهته إليها فأغمضت عيناها تتنفس بعمق تبث الهدوء لنفسها حتى تستطيع الاستماع له ، سمعته يأمرها بحزم :
-"بصي لي"
نظرت له فوجدت لمعة غريبة يرمقها بها فتوجست خفية لما سيلقيه على مسامعها :
-"ملمستهاش!"
انتفاضة كمن لدغها عقرب أعادتها للخلف جعلت الفراش يهتز!
يعترف أنها زوجته في بداية الجملة.. ثم ينفي لمسه لها في نهايتها!
أنفاسها توقفت للحظات.. حاجبيها انعقدا بتساؤل وعدم استيعاب.. تقبض على الشراشف البيضاء بشدة ولم تفصل التواصل البصري معه.
تركها تستوعب كلماته كما تريد ، ترك لها كل الوقت حتى تقلب كلمته في رأسها بكافة المعاني ولم يتحدث ليشوش تفكيرها بل تركها بحريتها ينظر لها بهدوء ، ونظرة صادقة ، وثبات كبير.
نهضت من جانبه تقف أمام النافذة التي تأخذ الحائط بأكمله ، تكتف ذراعها أمام صدرها تابع حركة السيارات بالأسفل ، والأشخاص الذين يدخلون ويخرجون من المستشفى ، ترفع أناملها تعيد خصلاتها للخلف تمسك بها بقوة بين قبضتها.. كلماته تدور في رأسها تحللها بمنظورها هي.
طال الصمت حتى سمعها تقول بهمس يكاد يصل لمسامعه :
-"ازاي!
ازاي مراتك و... وملمستهاش؟
مش فاهمة حاجة.. مش فاهمة أي حاجة!
عاوز تقنعني واحدة بالمنظر ده ، والقرف ده هتعدي إنك اتجوزتها وملمستهاش عادي كده؟"
تنهد بعمق وهدوء حتى يجعلها تفهم ما أقبل على فعله وأومأ عدة مرات :
-"هفهمك كل حاجة.. نادين نازلة مخصوص عشاني ، مهمتها تعرف كل صغيرة وكبيرة وتوصلها ليهم ، في البداية فكرت أكشفها وأخد أول خطوة من انتقامي من أبوها فيها.. بس رامز ساعتها هداني وقالي ليه مقربهاش مني وتوصلهم معلومات غلط تخسرهم بيها"
صمت يراقب استدارتها البطيئة بجانب جسدها ، و ذلك الترقب المشع من عينيها ، تستمع له باهتمام شديد فأكمل :
-"كلمة حلوة ، سفرية بره ، هدية غالية لحد ما اتعلقت بيا أو مثلنا على بعض الحب.. هي بنفسها اللي اقترحت على سبيل الهزار الجواز ، بصراحة فتحتها لي قدامي .
قولت لها إني مش هقدر أتجوز دلوقتي وعندي مشاكل في الشغل كتير وفي العيلة ، لكن أنا محتاجها جمبي وبقت جزء أساسي من حياتي ، وبقيت أعرفها شوية بشوية أخبار عن شغلي وصفقاتي اللي أنا عايز أعرفه ليها وعاوزه يوصلهم علشان تتأكد إن كلامي صح.. وعشان كده نتجوز عرفي بس مفيش علاقة هتحصل بينا إلا لما أحوله رسمي"
لاحظ انعقاد حاجبيها بتعجب وتساؤل ، وقرأ عدم التصديق والاقتناع في نظراتها إليه والتي ترجمتها كلماتها الساخرة :
-"وهي عادي وافقت على اللي قولته ده!
نتجوز عرفي ومش هلمسك لحد ما نحوله رسمي!"
ضحك بقوة على كلماتها حتى آلمه كتفه فوضع كفه عليه وآهة متألمة خرجت منه يعض على شفتيه يغلق عينيه ، انتفضت مقتربة منه تضع يدها خلف كتفه والأخرى على ظاهر كفه تربت عليه باضطراب وتوتر ، فنظرت للساعة وجدت أن موعد دوائه قد حان فأعطته له ليرتكز برأسه على الوسادة خلفه بضعة دقائق حتى بدأ المسكن مفعوله يسري.
فتح عينه ناظرًا لأعلى ، صدره يرتفع وينخفض من أنفاسه الذي يأخذها بصعوبة وأكمل عاقدًا العزم على إنهاء هذا الأمر اليوم :
-"لا طبعًا موافقتش بالسهولة دي ، اتعصبت ومثلت دور الشريفة وإن ازاي أطلب منها طلب زي ده وكانت ليلة اختفت بعدها لأيام.. بس فضلت أحاصرها من كل حتة عشان توافق من ناحية ، وعيوني هناك وصلت لي إن جورج من ناحية تانية بيضغط عليها توافق وأنها فرصة إني مازن اللي معروف عني مش بثق في حد بسهولة اختارها هي"
صمت يأخذ بضعة أنفاس ثم أعاد نظره إليها :
-"لاقيتها طلبت تقابلني ووافقت على عرض الجواز ، وطول فترة جوازي منها بتحاول بكل الطرق تغريني عشان أقرب منها ونكمل الجوازة بس فشلت"
وضعت رأسها بين كفيها تضغط عليها بشدة تريد إسكات الطنين الصادح بها ، لكن حواسها كلها تتأهب لسماعه :
-"أحلف لك بكل يمين ربنا نزله على الأرض إني ملمستهاش ولا عملت معاها أي علاقة!
أنتِ متخيلة إني ألمس السبب في تدمير حياتي؟
بنت الراجل اللي قتل أبويا قدام عيني!
متخيلة إني أسيب دم أبويا اللي مش راضي يروح من دماغي طول العشرين سنة اللي فاتوا وأجري ورا متعة؟!"
رفعت رأسها تنظر لها وقد استحال وجهها للون الأحمر.. حدقتيها تتسارع بين حدقتيه تتأكد من صدق حديثه.. ولم يكذب!
هو لم يلمسها......!!!
اقترب منها حتى وصل لجانبها يحيط خصرها بذراعه فأصبحت بأحضانه بجانب جسدها ، أعاد خصلة من شعرها خلف أذنها يهمس لها :
-"أنا بعترف إني فيه حاجات كتير غلط بعملها وعملتها ، ممكن الحاجة الغلط اللي عملتها ومش ندمان عليها هي جوازي من نادين ، جورج لحد دلوقتي بيخسر في كل صفقة بيدخلها بس مش هيقع إلا لما راس التعبان الأسود كريم يقع قبل منه.. بس الغلط اللي عملته وندمان عليه هو بدايتي معاكِ"
استدارت له فتلامس جانبي أنفيهما فأصبحا يتنفسان أنفاس بعضهما تنتقل نظراتها بين حدقتيه الزرقاء التي عصفت بلمعان قاتم فأكمل :
-"بدايتي معاكِ وطلبي لجوازي ومعاملتنا الأولى كانت غلط مني ، لو رجعت بالزمن هعمل المستحيل علشان نبدأ صح.. ولو أعرف إني هقابلك كنت فكرت في مليون طريقة تانية غير الجواز منها"
أهذا اعتذار!
أما تراه في زرقة عيناه هذه ندم!
مازن السيوفي الذي حتى أمس كانت تنعته بالمغرور ، المتعجرف ، قليل الحياء ، والبارد ، هو يخبرها الآن باعتراف مبطن أن بدايتهم كانت خاطئة ويتمنى تصحيحها!
تحولت النظرة المصدومة التي رافقتها طوال مدة استماعها له إلى أخرى هادئة ، شاكرة ، ممتنة ، وواثقة ، تستند برأسها على كتفه الغير مصاب هامسة :
-"مصدقاك.. مصدقاك من أول ما قولت إنك ملمستهاش ، واثقة إنك مش هتكذب عليا وإنك مش هتخون ثقتي دي"
ضمها بشدة يتخلل خصلاتها بيده ، يشعر بنبضات قلبه تكاد تقرع في رأسه من كثرة الانفعال والتوتر.
خائف.. خائف من عدم تصديقها له ، لكنها وضعت ثقتها به دون الجميع ، وسيكون ملعون بعدد نجوم السماء إن كسر هذه الثقة!
سمع همستها تخبره بتردد تريد أن يرتاح قلبها كاملًا :
-"طب لما كانت.. يعني لما كانت بتحاول تخليك تقرب منها.. يعني مكنتش بتضعف ، يعني أنت راجل بردو"
أجابها بنبرة غير مهتمة كأنه شيء عابر ليس له أهمية :
-"أنا اتجوزتها سنتين ، ممكن كنت بجتمع أنا وهي كل تلت شهور مرة.. مكنش قدام عيني إلا جثة أبويا يعني لو كانت واقفة قدامي عريانة مش هتحرك فيا شعرة"
شعر بانكماش جسدها وضغط أناملها على كتفه من وصفه بتلك الجرأة ، ليبتسم بعبث هامسًا :
-"واللي كان مقويني أكتر الفيلا اللي كنت بقابلها فيها"
-"ازاي؟!"
شعرت بصدره الملتصق بها يرتفع بقوة أثر تنهيداته العميقة وجاء صوته بعيدًا عميقًا كمن يستعيد ذكرى منزوية في زاوية بعيد من قلبه :
-"كانت فيلتنا القديمة ، كنا عايشين فيها أنا وأبويا وأمي وأسماء..
الفيلا اللي أبويا أتقتل فيها ، واللي فيها كل ذكرياتي اللي دفنتها هناك ودفنت معاها مازن الطفل وبقيت بالشكل ده..
كنت بآخدها هناك علشان مضعفش وعشان أفضل فاكر أنا عاوز أوصل لإيه"
صمتت لا تعلم ماذا تقول؟!
من أين وصله هذا التفكير؟!
علمت بالفعل أنه ليس بالهين ، لكن كل هذا نابع من خضم ما عاشه ومر به.
طفل رأى والده يُقتل أمام أنظاره يجد نفسه مسئول عن كل شيء من عائلة وأعمال وشركات وأعداء في سن صغيرة!
الجميع من حوله يريدون إسقاطه وهو مازال شامخًا
أمام كل هذا لم ينهار!
لو جبل كان سقط دكًا تُخسف به الأرض نتيحة تلك الأحمال على عاتقه.
الكل يرى بريق الماس وينبهرون بقيمته ولمعانه ورونقه ، وتناسوا أن أصله فحم أسود مشوب بقشور وأتربة أخرى!!
من يراه يظنه اللامبالي ، البارد ، المتعجرف . ولم يروا الضعيف المنكسر المختبئ بداخله والذي يود الصراخ معلنًا عن وجوده.
أنا هنا.. أنا موجود.. أنا لست القوي القاسي ، بل أنا أضعف من سنبلة القمح!
ترددت يدها في ضمه ، ترتفع وتنخفض.. تقبض راحتيها ويتسعا خلف ظهره ، حتى وجدت نفسها تقربها من كتفيه ببطء تحيطهما بهدوء ، تربت عليه كالأم التي تربت طفلها الصغير الذي جاءها يبكي يريد الاحتماء بأحضانها ، وكأنه كان بانتظارها فشعرت بذراعيه التي اشتدت حولها ، رأسه التي دُفنت في تجويف عنقها وتنهيداته الساخنة تخرج من أعماق صدره تزفر معها كل أعبائه التي يحملها وحده.
ظلت تربت على ظهره تارة وتمسح على خصلاته تارة أخرى حتى شعرت بجسده يتثاقل بين ذراعيه ، همست باسمه لكنه لم يجبها فعلمت أنه غط في النوم.
ابتسمت بحنان ونزلت من الفراش بهدوء تسند جسده بقوة بين ذراعيها وظلت تتراجع به بهدوء حتى مددته واضعة رأسه فوق الوسادة ، وأحكمت الغطاء فوقه.. ثم جلست على الكرسي بجانبه واضعة ذراعيها فوق بعضهما على الفراش تستند برأسها عليهما تنظر له.. وكلماته تحوم كالطير في عقلها تفكر بها حتى غلبها النوم هي الأخرى فنامت.
*****************
الأمر ليس بكثرتهم حولك ، ليس بقوتك ، ليس بمالك ولا مكانتك!
إنما بمن يأتيك دون أن تناديه
ومن يربت على كتفك دون أن تخبره بأنك مثقل.
من يشعر بأعباء قلبك دون أن تتحدث.

بعد مرور الكثير من الوقت
طلب منها أن تذهب إلى المنزل لترتاح قليلًا بعد أن استيقظ و رآها تغط في النوم بجانبه ، ثم طلب من رامز أن يقوم بتوصيلها لكنها رفضت بحجة أن سيارتها معها ، كما أن رامز مرهق من العمل وتوصيل والدته وأسماء..
تنهد بتعب واضعًا يده فوق رأسه قليلًا ثم نظر لها :
-"هو لو سمعتِ كلامي مرة هيحصل مشكلة كبيرة يعني؟!
أنا خايف عليكِ بعد اللي حصل ، مش ضامن ممكن يحصل إيه وأنتِ لوحدك وأنا نايم هنا؟!"
ابتسمت بمرح لأول مرة من ردة فعله ، لا تعلم لما هذه المرة تشعر باستمتاع وهي تسمع منه هذا الحديث والأوامر؟
أيمكن لأنها اعتادت عليه فأصبح أمرًا أساسيًا عندها؟
أم لأنها كادت أن تفقده اليوم ؟!
وضعت يدها على كتفه المصاب تربت عليه بهدوء ونظرة أمان حنونة طلت منها لأول مرة تخصه وحده بها ، ربتت عليه عدة مرات بهدوء حتى لا ينزف جرحه :
-"مازن ممكن تطمن ، مش هيحصل حاجة إن شاء الله.. اللي عمل كدا مش مجنون علشان يعمل حاجة تاني في نفس اليوم ، وكمان رامز باين عليه فعلًا التعب والارهاق"
رأت عدم الاقتناع ظاهرًا بشدة على وجهه وهزة رأسه بالاعتراض لتكمل بمرح مشوب بغيظ قبل أن يقول شيًئا :
-"وبعدين يا سيدي متقلقش ، عصافيرك معايا لو لا قدر الله حصلي أي حاجة هيدخلوا زي القضا المستعجل"
ضحك على مرحها خاصة وقد التقط سخريتها من تشبيه هؤلاء الحوائط البشرية بالعصافير كما أخبرها هذا اليوم في الجريدة.
نهضت جاذبة مفاتيح سيارتها من الطاولة بجانبه وابتسم له قبل أن تذهب ، لكنها شعرت بنفسها تعود للخلف مرة أخرى وجسدها يميل للأسفل أثر جذبه لها ، ثم طبع قبلة فوق وجنتها اليمنى ومسح بعدها بأنفه فوقها بنوع من الرقة جعلتها تبتلع لعابها بترقب.
جاءها همسه بجانب أذنها :
-"سوقي بالراحة وطمنيني عليكِ لما توصلي"
نظرت له بجانب عينها ثم أومأت دون حديث والتفتت تخرج من الغرفة مغلقة الباب خلفها.
هبطت إلى سيارتها تفتح بابها وكادت أن تدلف ، لكن أوقفتها رسالة على هاتفها الذي أتاه به أحد حراس والدها من رقم مجهول نصها :
-"المرة دي فلت منها ابن السيوفي بس ملحوقة يا حبيبة قلبي الجايات أكتر ..
أه على فكرة شكلك حلو أوي في اللون الأسود بس يا خسارة مش وقت لبسه"
ضغطت على حافة الباب بشدة حتى تلونت مفاصلها باللون الأبيض ، وتوسعت عيناها بشدة من هول المفاجأة من الرسالة ، التفتت برأسها حولها باحثة إن كان أحد يراقبها لكنها لم تجد شيئا يثير ريبتها..
نظرت بهاتفها تعيد قراءة الرسالة أكثر من مرة مستندة بظهرها إلى سيارتها تريد اختراقها لتعلم من المرسل ، ومن فعل هذا بمازن!
دلفت إلى سيارتها تستند بجبهتها إلى عجلة القيادة تفكر من يُقبل على عمل كهذا؟
فتحت الرسالة مرة أخرى تقرأها فاستوقفتها كلمة "حبيبة قلبي" ليلتمع في عقلها اسم واحد فقط تعرفه جيدًا.
لابد أن يكون أول من جال بخاطرها!!
فمن غيره سيتجرأ على القيام بمثل تلك الأفاعيل؟
أدارت سيارتها وانطلقت بها إلى وجهة تحفظها عن ظهر قلب وتعبيرات وجهها لا تعلم أهي غضب ، حنق ، غموض ، أم غيرة وقلق!!
أوقفت سيارتها أمام الصرح الكبير وهبطت ترمقه بغضب قبل أن تنطلق إلى الداخل تثير الهرج في المكان بوجودها فيه وهم يعلمون عداوتها الشديدة مع رئيسهم.
لم تأبه بالنظرات حولها وقصدت مكتبه مباشرة وبدون أن تنظر لسكرتيرته اقتحمت مكتبه ، ليرفع نظرته متفاجئًا من وجودها هنا بهذه السرعة!
أشار بسكرتيرته بالخروج وغلق الباب خلفها ، ثم استدار حول مكتبه يقف أمامها.. يتأمل نظرتها الهائجة وخصلاتها المنتشرة على صفحة وجهها اليمنى والمستكين بشموخ على كتفها من اندفاعها ، صدرها يرتفع وينخفض من سرعة تنفسها فابتسم لهيئتها التي كانت وما تزال تثيره :
-"ده إيه المفاجأة السعيدة دي!
مش مصدق نفسي أنك في مكتبي ، ومن يومين حضرة المهندس جوزك كان مشرفني هنا"
هبطت نظرتها على صفحة وجهه تتأمله ، عوضًا عن نظرة المكر والحقارة التي مازالت تمتلكها عينه ، انتبهت إلى البقعة الزرقاء فوق فكه على جانب شفتيه فابتسمت بسخرية تشير لها بعينها :
-"ما هو واضح.. شرف الزيارة منور على وشك"
وضع يده فوق فكه يدلكه ضاحكًا يجيبها :
-"ده حساب بينا قديم"
تحولت نظراتها إلى الشراسة تدفعه بقبضتها للخلف فجأة ، فانصدم من دفعها يتراجع خطوتين للخلف يستمع لصراخها المتهم له تسبه بصفات تلتصق به :
-"هتفضل حقير وسافل!
أنت إيه اللي بيجري فيك ده؟
دم ولا حقارة!"
أمسك يدها محاولًا إيقافها لتدفع ذراعه بعيدًا بتقزز عنها وتكمل :
-"ابعد عني.. مش مكفيك اللي عملته فيا زمان؟
مش مكفيك اللي عملته في أبويا؟
كنت هتخسره شركته مرة ، وكنت هتسجنه مرة ، وكنت هتموته مرة.. أنت إيه يا أخي مبترحمش!!
والمرة دي عاوز تقتل مازن"
جذبها من يدها إليه لتنصدم بصدره وهمس أمام وجهها وأنفاسه تلحفها ، عيناه تتأمل قسمات وجهها الذي احتقن من الانفعال والثورة ، عيناها الثائرة ، وشفتيها المرتعشة من النبض الظاهر بها :
-"أنا طلبت من مازن طلب لو نفذه قولت له أني هختفي من هنا ، من حياته ومن حياة الكل.. بس هو رفض و رده زي ما أنتِ شايفة كده"
أشار لأثار لكمته على فكه ليكمل بعدها رافعًا حاجبه بخبث :
-"يبقى كل اللي يحصل مفيش لوم عليه.. اللعب على المكشوف يا قطتي"
عقدت حاجبيها بدهشة تنظر له وسألته :
-"طلب!
طلب إيه اللي مازن رد عليك بالمنظر ده؟"
اقترب منها لدرجة خطيرة حتى كاد يلمسها ونظر لها مطولًا من خصلاتها حتى قدمها متأملًا إياها قبل أن يجيب :
-"أنتِ.."
توسعت عيناها بصدمة من وقاحته ، تفكر في مشهد مازن وهو يخبره بطلبه ، بجانب تفكيرها بمدى وقاحة كريم ليطلب منه هذا..
بعد كل ما حدث يأتي ويطالب بها؟!
وقعت نظرتها مرة أخرى على أثار لكمته له فدفعته عنها باشمئزاز قائلة بسخرية :
-"أنت قولت له كده وكان نصيبك الضربة دي بس.. لا لا لا ده فيه مشكلة كبيرة قوي هتحصل إنه مقتلكش وقتها"
ثار الغضب في عينه وتحولت تقاسيم وجهه إلى الثورة لتكمل تتابع أثر كلماتها عليه بتشفي :
-"وأنت متخيل حتى لو مازن وافق على طلبك.. أنا هوافق؟!
أنت بتحلم يا كريم وحقيقي بشفق عليك من تفكيرك المحدود ده بلاش أقول غبائك لأنك ذكي جدًا"
ضرب بكفيه فوق مكتبه بعنف ، ظهره يرتفع ويهبط بثورة من سرعة تنفسه ، التفت لها برأسه فقط يقول بفحيح :
-"ليه مش عايزة تفهمي إني بحبك؟
كل واحد بيغلط ، والغلط أتعمل علشان الغفران يحصل ، ليه أنتِ مغفرتيش!
تسرعتِ وخدتِ القرار والعقاب وقع ، فليه منبدأش من أول وجديد؟!"
اقتربت منه هي هذه المرة حتى كادت أن تلمسه لكنها لم تفعل تجيبه بقوة تبصق الكلمات في وجهه :
-"بطل تعيش الوهم وفوق.. أنت عمرك ما حبيتني!!
أنت عمرك ما حبيت حد أساسًا.. اللي يحب حد مبيكذبش ، مبيخونش ، مبيضرش اللي يحبه ، مبيأذيش أقرب الناس ليه"
صمتت قليلًا ثم تابعت بتقرير وجملة خرجت من صميم قلبها إثبات ملكية لها قبله :
-"أنا مش ليك يا كريم.. أنت عاوز هدير سالم ، هدير اللي قدرت تمثل عليها زمان وتخطبها!
اللي كانت بتتعلق بيك بمجرد كلمة حلوة أو هدية بسيطة!
الصغيرة ، اللي مكنتش تعرف يعني إيه حب وكانت فكراه مجرد دبلة وضحكة وسهرة حلوة!!
أنت عاوز البنت اللي تشكلها على مزاجك بحكم إن ملهاش تجارب قبل منك!"
صمتت تتابع قسمات وجهه التي تحتد بغضب واشتعال فأكملت :
-"بس اللي قدامك دي غير اللي أنت عايزها للأسف..
اللي قدامك كبرت ، نضجت ، فهمت!!
الجرح والخيانة بيعلْموا وبيعلِموا"
استدارت تذهب مثلما أتت لكنها وقفت عند الباب ممسكة بمقبضه بقوة ، ثم التفتت له برأسها هاتفة بتقرير واعتراف تعلم أنه سيغير مسار كل شيء :
-"اللي قدامك دي هدير السيوفي ، مرات مازن السيوفي يا بن رأفت"
تركته ينظر في أثرها بذهول على تلك القوة المنبعثة منها ، وإثبات ملكيتها لمازن بأنها لن تكون لغيره فهي زوجته..
ضم قبضتيه بقوة حتى احتبست الدماء بداخل أوردته ومازال على انحنائه ، نظره متعلق بالباب الذي خرجت منه ، ليلتقط مطفأة السجائر من فوق مكتبه يقذفها في الحائط بغضب جم وثورة هائلة انبعثت منه.. ثم جلس على الكرسي بجانب مكتبه يستند بمرفقه على سطحه وعينيه تنظر إلى القطع الزجاجية المتناثرة على الأرض!
يفكر ويفكر فيما سيفعله ليخمد تلك القوة ويجعلها ملكه في أقرب وقت.


Fatima Zahrae Azouz غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 23-11-20, 03:19 PM   #19

Fatima Zahrae Azouz

مشرفة قصرالكتابة الخياليةوقلوب احلام وقاصةهالوين وكاتبةوقاصةفي منتدى قلوب أحلام وحارسة وكنز سراديب الحكايات وراوي القلوب

 
الصورة الرمزية Fatima Zahrae Azouz

? العضوٌ?ھہ » 409272
?  التسِجيلٌ » Sep 2017
? مشَارَ?اتْي » 2,564
? الًجنِس »
? دولتي » دولتي Morocco
?  نُقآطِيْ » Fatima Zahrae Azouz has a reputation beyond reputeFatima Zahrae Azouz has a reputation beyond reputeFatima Zahrae Azouz has a reputation beyond reputeFatima Zahrae Azouz has a reputation beyond reputeFatima Zahrae Azouz has a reputation beyond reputeFatima Zahrae Azouz has a reputation beyond reputeFatima Zahrae Azouz has a reputation beyond reputeFatima Zahrae Azouz has a reputation beyond reputeFatima Zahrae Azouz has a reputation beyond reputeFatima Zahrae Azouz has a reputation beyond reputeFatima Zahrae Azouz has a reputation beyond repute
?? ??? ~
My Mms ~
افتراضي

الفصل الخامس عشر

الغضب جنون قصير
ساعته ليس لها xxxxب
فأولئك الذين في ثورة غضبهم لا يحملون سلطانًا على أنفسهم ولا ردود أفعالهم.
لكن في قانون الحب غالبًا ما ينتج عن الغيرة
فهما متلازمان لا مجال للهدوء والسلام بينهما
يقال "اتقِ شر الحليم إذا غضب"
لكن هنا يقال "اتقِ شر الحبيب إذا غار"



صمت مطبق في غرفته بعد أن أغلق هاتفه مع حارسه.. ملامح جامدة ، نظرة سوداء غامضة لا تنم عما يدور في عقله ، ينظر في نقطة ما في الفراغ ولم يصدر منه أي رد فعل.
اللون الأبيض المحيط بحدقتيه الزرقاء استحال للأحمر حتى برزت شعيراتها الدموية ، يضغط على عضلة فكه بقوة حتى كادت أسنانه أن تتكسر ، وقبضته تشتد على هاتفه .
ماذا يفعل بها؟!
ماذا يفعل حتى يكبح جماح ثورتها وعنادها الذي سيؤدي بها إلى طريق الهلاك؟!
هل تستغل حادثته لتتصرف كما تشاء؟
حسنًا سيضع حد لهذا الرأس الحجري ، وليرى ما الذي ستؤول إليه الأمور!
أمامه صديقه يخلل أنامله بخصلاته بتوتر ، يعلم أن خلف هذا الصمت ثورة كبيرة ستنفجر بمجرد رؤيتها.. حاول فتح حديث معه لكن كل ما قابله السكون والبرود الذي لا يتجزأ من شخصيته.
غيظ اجتاحه منها ومن تصرفاتها التي تزيد الأمور بينها وبين صديقه سوءً بعد أن بدأ الهدوء يتسلل بينهما وبراعم الحب تنمو.
حاول فتح الحديث معه مرة أخرى لكن دق الباب أعاقه عما ينوي ، زفر بيأس ونهض يفتح فطالعه وجه هدير برفقة والدتها ووالدها .
-"جالك الموت يا تارك الصلاة"
همس بها في قرارة نفسه وعلم أن تلك الزيارة لن تمر مرور الكرام إلا وساء الحال بينهما أكثر .
أراد جعلها تذهب من هنا هذه الساعة لكن وجود أسرتها معها هو ما منعه؟
أشهر كفه لسالم يبادر بالسلام بابتسامة رسمية :
-"أهلًا وسهلًا يا سالم بيه"
ثم نظر لزوجته يوجه لها التحية :
-"أخبار حضرتك يا هانم؟"
أومأت له سهام بابتسامة حنونة مربتة على كتفه ، في حين بادله سالم التحية بود :
-"أهلًا بيك يا أستاذ رامز، يا ترى مازن صاحي ولا لسه نايم؟"
-"لا طبعًا صاحي.. اتفضلوا"
أفسح لهم طريق الدخول ليتقدما أولًا خلفهم هدير التي أوقفها هامسًا :
-"هدير مهما مازن عمل أو قال من فضلك خليكِ هادية"
عقدت حاجبيها بدهشة وقد عادت خطوة للخلف تقابله متسائلة عن مقصده ، لكنه دفعها برفق للداخل حتى لا يلاحظ مازن شيء قائلًا :
-"متقلقيش هتعرفي"
انضما إلى الجميع فرأت والدتها تقف بجانبه تمسح على رأسه وكتفه تقول بنبرة حنونة :
-"أنت بخير يا حبيبي ، طمني عليك أنت كويس؟"
ابتسم لها مربتًا على كفها ثم أمسكه يقبل ظاهره بحب :
-"اطمنِ يا حبيبتي أنا بخير متقلقيش"
ربت سالم على ظهره مبتسمًا :
-"إن شاء الله تخرج من هنا بالسلامة يا بني"
بادله الابتسامة مرددًا المشيئة خلفه .
مر القليل من الوقت في حديث عام من سالم بادله إياه بسلاسة.. ونصائح عن سلامته وطعامه من قبل سهام استقبلها بمرح وسعادة.. وصمت مرتقب من قبل هدير!
نهض والدها للذهاب بسبب اجتماعه بالشركة وسهام ستذهب لزيارة والدته على وعد بالمجيء مرة أخرى .
خرجا وذهب رامز معهما يترك الفرصة لهما للحديث ، فوجوده لا فائدة منه الآن.
طوال الوقت لم يبادلها ولا حتى نظرة ، ولم يوجه لها أي حديث ، حتى بعد ذهاب والديها أرجع رأسه للخلف مغمض العين يغلفه هالة من الغموض والهدوء الحذر .
رمشت عدة مرات تحاول البحث عما حدث منذ الأمس حتى الصباح جعله يتغير بهذا الشكل ، فلقد ذهبت من هنا والحال بينهما بخير ، ومن حينها لم يتحدثا فهي لم تفعل شيئًا بعد عودتها من شركة كريم...!!!
اتسعت عينها عن وصولها إلى تلك النقطة!
هل علم بأمر ذهابها إليه ولهذا يتعامل هكذا؟
عضت على شفتيها بشبه صدمة ناعتة نفسها بالغباء ، فكيف لن يعلم وحراسه الموكولين بحراستها بالتأكيد أخبروه ما أن تحركت ووصلت إلى هناك!
زفرت بخفوت ، وتهدلت أكتافها تغمض عينها بقلة حيلة!
وضعت حقيبتها ونهضت تقترب منه واضعة كفها فوق كتفه المصاب بهدوء تهمس باسمه حتى ينتبه إليها ، لم يعيرها اهتمام في بادئ الأمر غير أنه فتح عينيه ينظر لها بصمت ، لكن هذا الغضب الذي يلوح في زرقتيه بعيد كل البعد عن الهدوء!
ازدردت لعابها بحذر ونظراتها تسأله عما به ، اعتدل في جلسته ولم يقطع نظراته معها يسألها بدون مقدمات :
-"أنت روحتِ لكريم امبارح؟"
رمقته بصمت مشوب بالحنق ، يعلم أنها ذهبت فما الغرض من سؤالها!!
أرادت قول هذا لكنها آثرت السلامة فأومأت بصمت ، فعاد يسألها بنفس هدوءه التي باتت تكرهه :
-"ليه؟"
سعلت والتفتت تعود لمجلسها السابق تخلق مسافة بينهما :
-"مش وقته يا مازن ، لما تخرج بالسلامة إن شاء الله هحكي لك أكيد"
جذبها من رسغها قبل أن تتحرك يضغط عليه بقوة وقد بدأ غضبه يلوح على وجهه ، فهتف من بين أسنانه :
-"بقولك روحتِ ليه ؟
قبل ما تنزلي من هنا وأنا حكيلك كل بلاويه ، عاوزاه يبقى إيه علشان تبعدي عنه؟
عوزاني أقولك إيه علشان تختفي من طريقه؟
وفي الآخر تروحي برجلك ليه؟"
حاولت تحرير يدها من قبضته بعدما عصف بها الألم تهتف :
-"مازن سيب ايدي بتوجعني ، أنا مقولتش مش هحكي لك أنا بقولك مش وقته"
شهقت عندما جذبها إليه حتى كادت أن تصطدم به لولا أنها تمسكت بكتفه السليم ، فأصبحا وجهيهما متقابلين.
همس بحدة شعرت بذبذباتها في أنفاسه الحارة التي تلفح وجهها :
-"مفيش حاجة اسمها مش وقته ، أنتِ بتستغلي قعدتي في المستشفى وتتحركِ على هواك !!"
اتسعت عيناها بدهشة من تفكيره لكنه لم يعرها اهتمام وأكمل :
-"ممكن تقولي لي لحد امتى هيسيبك من إيده وأنتِ ريحاله بنفسك؟
لو كان عملك حاجة وأنا بالمنظر ده مش عارف إيه اللي بيحصل معاكِ كان مصيرك هيبقى إيه؟
مش عاوزة تفهمي ليه إني خايف عليكِ ، وعنادك ده هيضيعك"
حاولت الحديث حتى يفهم ولا يتفوه بالترهات ، فهتفت وقد بدأت الشراسة تتمكن منها بعد أن حررت يدها منه :
-"مازن ، أنا فاهمة وعارفة كويس قوي كريم ده يبقى إيه؟
بس لو حكمت عقلك أكيد مش هروح له بمزاجي ، مش واحشني يعني هروح أطمن عليه!"
هل تعلم أنها تزيد الأمر سوءً؟!
بدلًا أن تمتص غضبه وتخبره سبب ذهابها تثير حنقه أكثر .
انتفضت بذهول تضع يدها على أذنها عندما أمسك بالكوب الزجاجي يلقيه بعنف في الحائط أصدر صوتًا مدويًا دخل على أثره رامز الذي سمع التكسير فقرر الدخول حتى لا يزداد الأمر سوءً.
رأى الزجاج متناثر على الأرض ، والاثنان يرمقانه بنظرات مختلفة.. هدير بذهول ومازن بجمود .
هتف مازن بحدة ولم يعبئ بدخوله وقد تلبسه شياطينه :
-"مهما أحذرك مفيش فايدة ، عنادك وتسرعك هما اللي بيتحكموا فيكِ ، لو حكمتِ عقلك ولو واحد في المية استحالة هتروحي هناك ، لكن إزاي لازم هدير سالم تندفع وتتصرف عشان قدام نفسها تبقى مقصرتش مش كده؟"
-"مازن كفاية"
هتف به رامز وقد علم أنه طالما وصل إلى تلك المرحلة سيتفوه بالترهات التي هم في غنى عنها ، لكن لم يستمع له الآخر التي ظل يهتف ويده تتمسك بكتفه المصاب :
-"مفيش كفاية ، تقدر تقولي لو كان عملها حاجة كنت هعمل إيه وأنا في الحالة دي؟!
ولو مكنش الحراس بلغوني مكنتش هتحكي حاجة"
نظر رامز إليها فرأى نظراتها تتحول من الذهول إلى الشراسة والغضب والتفتت إلى مازن ترمقه بأنفاس لاهثة ثم تقدمت إلى حقيبتها تخرج هاتفها تعبث به بأناملها ووضعته أمام عينيه!
قرأ ما أطلعته عليه ورفع عينيه إليها بصمت والتساؤل يلوح بها فابتسمت بسخرية :
-"الرسالة دي جت لي بعد ما نزلت من عندك على طول ، عارف معنى الرسالة إيه؟
معناها إنه مراقبني ، عارف أنا فين وبعمل إيه.. إنه السبب ورا كل اللي حصلك"
جذب رامز الهاتف منها يقرأ الرسالة بحاجبين معقودين قبل أن يشمله الغضب يرفع نظره إليها هامسًا :
-"كريم السبب ورا حادثة مازن؟"
لم تجبه هدير لكن مازالت تنظر لزوجها بغضب وصدرها يرتفع وينخفض من تنفسها السريع :
-"عارف إحساسي كان إيه وهو بكل بجاحة يقول لي إنه السبب وإنه هيفضل يحاول ويحاول عشان يخلص منك واللعب على المكشوف؟
الأمور اللي بينكم أنتو الاتنين أنا مليش دخل فيها وملوش لزوم أعيد وأقولك إني واثقة فيك ، بس ...."
تقدمت منه وانحنت واضعة كفها على حافة السرير والأخرى مستندة على الفراش مقتربة بوجهها منه غير عابئة بوجود رامز:
-"بس تقدر تقولي لو كنت طلعت وقرأت الرسالة كنت هتعمل إيه بردو وأنت بحالتك دي؟
كنت هتقوم تقتله؟!
ولا هتعامله بالمثل يا مازن؟!
في كل الحالات مكنتش هتعمل حاجة غير لما تخرج من هنا ، لأني عارفة حقك بتآخده بأيدك علشان كدا قولت لك مش وقته"
ظل الاثنان يرمقان بعضهما بغضب وأنفاس حارة تنم عن الثورة القائمة بداخل كل منهما!
تعلم أنه قلق عليها خاصةً عندما يكون عاجز هكذا لن يستطيع إنقاذها إن أصابها شيء!
ويعلم أنها لا تستطيع السيطرة على رد فعلها إذا كان الأمر خلفه كريم!
لم يرَ خوفها عليه ،ولم ترَ غيرته عليها!
-"أنا روحت أعرفه حاجة واحدة بس زي ما قولتها له هقولها لك.. اللي قدامكم دي مش هدير سالم المندفعة اللي عاوزة تبان قدام نفسها مش مقصرة ، أنا هدير مازن السيوفي!!
يعني زي ما أنت بتخاف على اللي ليك أنا بخاف على اللي ليا"
همست بحدة ونبرة بعيدة كل البعد عن الهدوء والحب.
التمعت عينيه بانبهار سيطر عليه عندما أعلنت ملكيتها له!
فكر هل أخبرت كريم بهذا الشيء؟!
يفع عمره كله ويحضر هذا المشهد أمامه .
قطعت التواصل البصري بينهما والتفتت تأخذ هاتفها من رامز وجذبت حقيبتها بعنف تهز رأسها وبداخلها حزين من أسلوب حواره معها ، كادت أن تذهب فأوقفها صوته الهادر :
-"رايحة فين؟"
وقفت عند الباب تمسك بمقبضه ولم تكلف نفسها وتلتفت تنظر له ، بل أجابته بحدة :
-"اطمن رايحة الشغل ورايا حاجات مهمة أعملها"
لم تنظر رده وخرجت صافقة الباب خلفها ، تاركة إياه ينظر في أثرها بملامح متوجعة من كتفه لكن غضبه من نفسه لعدم السيطرة على ردوده والتمسك بهدوء ، لكنه أقنع نفسه أنها أخطأت بذهابها وعدم تفكيرها بالعواقب .
ورامز الذي يضع كفيه في جانب بنطاله يطالع صديقه بصمت يهز رأسه بيأس وقلة حيلة.
كلما كان البئر أعمق
كان الماء أبرد وأعذب
بالمثل كلما فكرت جيدًا وبعمق قبل أن تخرج دلوك من قلبك ، كان الجدال أكثر هدوءً وتفهمًا!
فالكلام مرهون بالعقل ويبنى عليه ردود فعل الآخر .
وبالرغم أننا نؤمن أن اختيار العقل الأكثر صوابًا!
إلا أنه يصعب علينا عدم الالتفات إلى أشياء اختارتها قلوبنا!
فالحب جنة القلب وجحيم العقل !
يجابه العقل بالغضب والغيرة
فتكون الثقة بلسم القلب لهذا الجحيم حتى يخمد!

جلس واضعًا ساق فوق الأخرى ، يتسند بمرفقه على حافة الكرسي واضعًا أنامله أسفل ذقنه ، يلقي ذراعه الآخر على الحافة الأخرى بإهمال يطالع ذلك البارد الذي يجلس وكأنه لم يحدث شيئًا ، بعد أن أتصل بحراسه الموكلين بحمايتها وأمرهم بنبرة قاطعة أنها إذا اقتربت مرة أخرى من شركة كريم يتم منعها بالقوة حتى لو اضطروا أن يفقدوها الوعي كالمرة السابقة أثناء تصويرها لعملية الرشوة.
يتابع الممرضة تضمد جرح كتفه الذي نزف بسبب ثورته وتحركه الكثير ، تضع له المسكنات لسكون ألم قدمه ورأسه قبل أن تخرج.
تناول مازن دواءه وانحنى يضع كوب الماء فالتقط نظرات رامز الجامدة ، وضع الكوب واستند مرة أخرى للوسادة خلفه :
-"لو عندك حاجة عاوز تقولها بخصوص اللي حصل يبقى وفرها أحسن ، أنا مش عاوز أتكلم في الموضوع ده على الأقل دلوقتي"
-"عزيز العجمي كلمني النهاردة الصبح وبلغني أنهم درسوا موضوع الشراكة كويس بينا وبينهم وبين شركة العامري ، مش ناقص إلا اجتماع ثلاثي نناقش فيه كل حاجة باقية قبل ما نمضي العقود ونعلن"
طالعه بدهشة من حديثه في موضوع آخر ولم يعلق على ما حدث منذ قليل كعادته عندما لا يعجبه شيء!
تنهد بعمق فتعامل رامز بهذا الشكل يعني أنه زاد الأمر سوءً ولم يعطي فرطة لعقله أن يفكر ولو قليلًا..
هو حتى لم يعطها الفرصة كي تخبره الغرض وراء ذهابها!!
التفت له وتلبس شخصيته الرسمية والجادة المتميز بها عندما يتعلق الأمر بعمله :
-"أنت شايف إن خطوة الشراكة دي في مصلحتنا؟
أنت مطمن من ناحيتها؟"
أومأ باطمئنان يمسح على لحيته القصيرة للغاية :
-"اطمن.. أنت عارف أن العجمي ليهم في كل حاجة وبالتحديد في الهندسة والعمارة ، والاستيراد والتصدير
ودول مجالنا وهما من أكبر الناس في المجال ده ، فشراكتهم مكسب وكمان سمعتهم كويسة أنت عارف"
تنفس مازن براحة فهو متأكد من اختياراته ، لكن طمأنينة رامز له تعني شيئًا آخر .
-"حلو أوي ، حدد معاهم الاجتماع كمان يومين"
طالعه الآخر بعدم فهم ماذا يعني ب (كمان يومين)؟!
لقد نجى من حادث بأعجوبة ، ملقى أمامه مجبور الساق ، مجروح الكتف والرأس.. فكيف الاجتماع على شراكة كبيرة تعتبر الأكبر في المنطقة في تلك الفترة بعد يومين؟
اتسعت عيناه عندما فطن إلى ما ينوي ووقف بحدة يقترب منه هامسًا بحذر :
-" عارف لو تقصد اللي في بالي !!"
-"أيوه هو.. أنا هخرج من المستشفى النهاردة ، أنا بقيت كويس الحمد لله"
هتف به بشراسة وقد تلبسته شياطينه من غباء الجالس أمامه :
-"هو أنت الحادثة أثرت على مخك؟!
أنت مش شايف رجلك ، ولا كتفك؟
تقدر تقولي هتتحرك إزاي؟"
ناظره ببرود وأجابه بهدوء يثير الغيظ :
-"الحمد لله فيه رجل تانية ودراع كمان شغالين محصلش ليهم حاجة.. المهم إني مش هبات يوم كمان هنا ومش عاوز نقاش"
ضغط على قبضته بشدة حتى ابيضت مفاصله يرفعها في وجه هذا المستفز يتمنى لكم وجهه بشدة ، لكنه متأكد أنه سيجعله مصاب بفقدان الذاكرة إذا هبطت على فكه.. فبدلًا من ذلك هبط بها على الحائط أعلى الفراش ، ثم جذب طرفي سترته بعنف وهتف بحدة :
-"أنا ماشي رايح الشركة أشوف شغلي ، بدل ما يحصل لي حاجة وأنام جمبك هنا بسببك"
ابتسامة جانبية لاحت على شفتي مازن يطالع صديقه بهذا الغضب ، لكنه أخفاها عندما وجده يعود أدراجه إليه يقف بالمقابل منه يشبك أنامله ويستند بذراعيه على الحافة الخلفية للفراش قائلًا :
-"عاوز أقول لك على حاجة.. أنا كل مدى وشكي في ياسمين بيزيد ، حاسس إن وراها بلوة"
طالعه باندهاش وتساؤل :
-"مش فاهم إيه خلاك تقول كده؟"
سرد له ما لاحظه من تصرفاتها ، خاصةً المكالمات المبهمة والذي يظن أنها تخرج معلومات الشركة لأحد ما..
أخبره بشكوكه أن تكون جاسوسة لأحد ما ، ففي الفترة الأخيرة كثرت المشاكل لديهم انتهت بتلك الحادثة!
تخلل خصلاته يهذبها يتساءل :
-"تفتكر ممكن تكون مع كريم؟"
لم يجبه ، بل ظل يستمع إليه بنظرات غامضة وملامح مبهمة لا تُقرأ .. فاستطرد الآخر يحثه على الحديث :
-"أنت روحت فين؟!"
رمش مازن مرتين وهز رأسه نافيًا :
-"متقلقش ياسمين مش جاسوسة ولا هي مع كريم اطمن وشيل الشكوك دي من دماغك"
ناظره بتعجب من الثقة الذي يتحدث بها ، فاقترب بجسده للأمام يسأله بأعين ضيقة :
-"مازن.. فيه حاجة معرفهاش؟"
-"أنا هحكي لك بس علشان دماغك متلفش وتدور على الفاضي والبنت بريئة"
رفعة حاجب مندهشة هو ما تلقاه منه فقط ليكمل :
-"يقين ثابت المهدي.. أبوها كان شريك أبويا ورأفت منصور ، وهو اللي لقى الورق اللي يثبت أن رأفت شغله مش مضبوط وأنه شغال مع المافيا"
-"الورق اللي بسببه قتلوا أبوك؟!"
سأله بترقب ليومئ له مازن وقد صمت عندما تذكر ذلك اليوم ، فازدرد ريقه ببطء وأكمل بتنهيدة عميقة :
-"سلمه الورق ووصاه على بنته كان عندها أربع سنين لأنه عارف إنهم مش هيسكتوا وهيقتلوه.. علشان كده أبويا خدها ووداها عند ناس يعرفهم يعرفوا يحموها كويس وكمان استحالة يوصلوا ليها ، زور موتها وغير اسمها من يقين لياسمين"
كان يستمع لهذا الحديث لأول مرة وذهوله يزداد أضعاف ، لم يصدق كل هذا!
هز رأسه بقوة ، فيبدو أن عداوته مع رأفت ليست متعلقة بأبيه فقط ، وليست بسبب العمل.. بل هناك ما هو أعظم وأكبر!
هناك حقد وضغينة تجبر المرء على فعل أسوء ما يمكن فعله!!
سأله بخفوت وحذر :
-"عاوز تقولي إن ياسمين هي يقين؟"
أومأ مازن بتأكيد فزفر الآخر بقوة ثم أكمل :
-"طب وأنت وصلت ليها إزاي؟"
أغمض عينه وقد بدأ يشعر بالإرهاق ، فمنذ الأمس حتى اليوم ضغط نفسي كبير وذكريات تتدفق بشدة على مخيلته قمعها منذ زمن.
أجابه بخفوت وأنفاس متهدجة :
-"من وصية أبويا.. وصاني عليها وعرفني مكانها ، عشان كده جبتها وشغلتها في الشركة تبقى تحت عيني وحمايتي.. والناس اللي كانت بتكلمهم دول هما الناس اللي كانت عايشة معاهم واللي تعتبرهم أهلها''
الأن فهم كل شيء!
حمد الله أنه أفصح عن شكوكه حتى يخبره مازن بكل تلك الأشياء!
فقد كان على وشك ظلمها واتخاذ قرار صارم بالنسبة لها ، لكن جيد أنه لم يتهور وحكم عقله أولًا!
أومأ براحة يعتدل في وقفته يضع كفه في جيبه والأخر يخرج نظارته :
-"كويس إنك حكيت مع إننا لسه هنتحاسب على إنك مقولتليش من الأول.. يلا همشي علشان ألحق الشركة"
التفت يذهب فأوقفه صوت مازن يخبره بإقرار :
-"بعد الشركة تجيلي علشان ترجعني البيت.. أنا مش قايل لحد ، ميرفت هانم لو عرفت هتقيم علينا الحد"
نظر له من أعلى كتفه بحاجب مرتفع ، وابتسم بسخرية ولم يعلق.. بل ارتدى نظارته وخرج من الغرفة بعد أن أشاح بالسبابة والوسطى علامة (إلى اللقاء) .
★★★★★
مشاعر متضاربة تباغتها من وقت لآخر ، قلبها ينتابه الحيرة مما هي فيه!!
تحبه!
نعم تحبه لا تستطيع الإنكار ، إن أنكرت فإنها تكذب على قلبها ونفسها قبل أي أحد!
لكن ما يحيرها أن من أحبته هو الرجل الممتلئ بكافة الصفات التي تمقتها.
يحيطها بأوامره ، تحكماته ، نظراته ، وحضوره المهيب!
بكل تلك الأشياء دك حصون قلبها التي أمضت السنوات في إنشاءها كي تحميه من أي جراح أخرى!!
استندت بمرفقيها فوق سطح مكتبها تعيد خصلاتها للخلف ممسكة بها بين أناملها تفكر فيما حدث هذا الصباح.. تعلم أنه معه حق وأنه خائف عليها لكنها لا تتقبل هذا الأسلوب في الحوار.
لم يترك لها الفرصة أن تخبره الأمر كاملًا وسبب ذهابها إليه!
ضحكت بخفوت وكأن بداخلها يسخر منها ، فهل تريد بعد كل ما أخبرها به أن يتعقل في رد فعله؟
أخرجها من شرودها الكوب المليء بالقهوة الذي وضعته منار أمامها ، فرفعت أنظارها إليها لتجدها ترمقها بصمت واضعة يدها أسفل ذقنها قبل أن تقول :
-"كفاية بقى يا هدير.. أنتِ عارفة كويس إنه معاه حق أنتِ بس كل اللي مزعلك إنه أتكلم بعصبية"
طالعتها بنزق وكادت أن تتحدث لكن الأخرى لم تعطها فرصة وهتفت بحزم :
-"أنتِ كمان عاوزة تقاوحي؟
عاوزة إيه تاني أكتر من اللي قاله عشان تبعدي عن الزفت ده؟!
سيبك من اللي قاله خالص.. عاوزة إيه أكتر من اللي عمله زمان عشان متقربيش منه؟
أنا مش هستنى لحد ما البيه يعملك حاجة تاني وساعتها نتحسر"
ناظرتها بصمت غير مندهشة من كرهها لكريم ، فهي من بداية معرفتها به وقد أخبرتها صراحة أنها لا تطمئن له ولا لشخصه ، تشعر أن خلفه أمر ما وحذرتها منه.. لكنها الغبية لم تستمع لها.
تذكرت تعاملها معه عندما كانت تراه معها .. ابتسامة صفراء ، ملامح جامدة ، حديث رسمي أو ساخر كانوا ردود أفعالها معه!
تذكرت بعد تلك الحادثة التي تسببت في سجنه ، كانت منار من نشرت ذلك الخبر عنها ، لم ترها سعيدة مثل هذا اليوم وهتفت أنه فرحت عندما علمت أنه خائن ، فلقد تخلصت منه!
ضحكت عندما تدفقت تلك الذكريات إليها فكتفت ذراعيها على المكتب وغمزت لها قائلة بمرح :
-"وهتعملي إيه يا هولاكو؟"
استندت على المكتب بكفيها وانحنت بجسدها مقربة رأسها منها تناظرها بشراسة هامسة :
-"مش أنا اللي هعمل ، الحمد لله ربنا رزقك بواحد هيكسر دماغك قبل ما تكرريها تاني ، فاطلعِ من دور هركليز عشان كريم خلاص يوم ما يفكر يتحرك ويأذي مش هيقرب منك.. هيأذي أقرب الناس ليكِ والبداية أهي حادثة مازن.. فيا رب نتعظ"
استقامت ترفع كوبها بعنف من على المكتب والتفتت تتقدم من مكتبها بعد أن رمقتها بنظرة تهديد ، فكادت أن تسقط بسبب اندفاع هدير نحوها وضمها من الخلف فسقطت بضعة قطرات من القهوة على كفها نفضتهم بغيظ واستدارت برأسها تنوي الصراخ ، لكنها قاطعتها بمرح :
-"ربنا يخليكِ ليا يا منار ، حقيقي من غيرك مش عارفة أنا هتصرف ازاي!
اندفاعي وغضبي كانوا هيسيطروا عليا"
تنهدت بقوة تنظر لأعلى تقلب عينها تهز رأسها بقلة حيلة منها ، ثم ربتت على ذراعها المحيط بكتفيها :
-"أنا خايفة عليكِ ، ومازن كمان خايف عليكِ ورد فعله طبيعية جدًا ، محدش هيقدر يحميكِ طول ما أنتِ بتبوظي الدنيا من الناحية التانية"
شددت من ضمها لتضمها الأخرى بحنان ، ثم وقفت أمامها تهتف بمرح :
-"بس لا طلع يتخاف منك ، زهقك أعوذ بالله"
رفعت حاجبها ونظرة سخرية هو كل ما رمقتها بهم منار ترفع كوبها إلى فمها ولم تجبها ، فاستدارت الأخرى بنظرها في الأرجاء متسائلة :
-"هو عامر بيه وافق على إجازة نادر ولا إيه؟
مش شيفاه كده ولا قابلته النهاردة"
أومأت بتأكيد :
-"أه.. شغل باباه الله يرحمه عاوز تركيز جامد الفترة دي خصوصًا في الشحنات الجديدة ، علشان كده سافر الفرع اللي في الاسكندرية يستلمهم"
دلف محمد في تلك الأثناء يلقي التحية بمرحه المعتاد يخص بها منار :
-"سلام على أجمل واحدة في الجريدة"
ضحكت له بمرح وبادلته التحية برقتها ، فهتفت هدير من خلفه بنزق من تجاهله لها :
-"هو أنا هوا في الأوضة مش باينة يعني؟"
رمقها بحنق لاويًا فمه بغيظ :
-"سلام قولًا من رب رحيم"
تعالت ضحكات منار تعود للخلف بجسدها بعد أن جلست خلف مكتبها ، فلكمته هدير في كتفه ليهتف بها :
-"اللي يقول الحق يبقى وحش.. وبعدين لو تشوفي نفسك وأنتِ داخلة الصبح كان فاضلك دقيقة وتطلعي نار من بوقك ولا التنين المجنح"
-"محمــد..!!!"
هتفت به بغيظ وكادت أن تلكمه مرة أخرى فطالعها ببرود وقال :
-"رئيس التحرير بيقولك المقال بتاعك هينزل الأسبوع الجاي ، وهاتي الملف اللي جابهولك من يومين لو خلصتيه"
أومأت له بعملية قائلة :
-"حاضر ، هنزل أطبع منه نسخة وأبعت لك الأصل على المكتب"
التفت يخرج لكنه توقف عند الباب ينادي عليها ، فنظرت له بتساؤل وحاجبين معقودين باهتمام فقال بغمزة :
-"صباحك فل يا قمر"
ثم التفت يذهب بكل سلام نفسي تاركًا إياها تطالعه بدهشة وعدم استيعاب بالبداية قبل أن تنظر لمنار ، ثم ضحكا ملئ شدقيهما.
هزت رأسها بيأس منه ونهضت ترتب الأوراق التي يريدها في ملف واحد ثم توقفت أمام مكتب الأخرى تنحني قليلًا هامسة:
-"نسيت أقولك حاجة.. خفي على خطيبك شوية الله يكون في عونه ، شغل الصحافة من ناحية وشركة أبوه من ناحية.. مش هيبقى الزمن وأنتِ عليه"
استدارت بسرعة تهرب من أمامها بعد أن قذفتها منار بالقلم الذي كانت تمسكه هاتفة بحنق :
-"قولي لنفسك الكلام ده"
★★★★★
ميناء واسع في عروس البحر المتوسط ، يعج بالسفن التجارية الكبيرة الأتية من كبار الدول الأوروبية.. يقف هو بكل هيبة وشموخ واضعًا يديه في جيب بنطاله وسترته ترفرف خلفه من هواء البحر الذي يضرب به وقد أوشك الشتاء على الاقتراب ، يرتدي نظاراته السوداء وخصلاته تترنح للخلف من أثر النسيم.
يتابع العمال يفرغون البضائع من السفينة الإنجليزية يضعونها في الشاحنات التي تحمل شعار شركته "التهامي جروب"
يتأملهم بنظرة فخر ، فالجميع هنا يحترمونه ويحترمون العمل منذ أن كان والده على قيد الحياة ، لم يجرح عامل بكلمة ، ولم يقوم بطرد أحدهم ظلمًا ، سار على نهج أبيه فأحبوه كما أحبوا والده وأكثر.
فخر عندما يناديه الجميع بـ "ابن التهامي" وكأنه وسام يضعه على صدره يسير به وسط الناس بكل شموخ..
تعلم أن يفصل بين شغفه وانتمائه.. فالصحافة شغفه التي يستحيل الاستغناء عنها ، والتجارة انتمائه الذي يشعر بروح والده تحيط به وخاصةً هنا في الميناء.
جاءه أحدهم من الخلف ينادي عليه ويقدم له بعض الأوراق:
-"نادر بيه.. ممكن حضرتك تمضي على أوراق الاستلام دي علشان أقدمها للمندوب البريطاني!!"
أخذها منه بابتسامة يخط بقلمه أسفلها بعد أن تأكد منها ، ثم أعطاها له مربتًا على كتفه بتشجيع ليبادله الرجل ابتسامته وذهب حتى ينهي كل شيء .
دق هاتفه بنغمة والدته المخصصة فأجابها بنبرة حنونة :
-"ست الكل.. عاملة إيه!"
-"أنا بخير يا حبيبي ، أنت عامل إيه خلصت شغلك ولا لسه؟"
جاءه أحد العاملين يخبره أن كل شيء على ما يرام والبضائع رُصت في الشاحنات وعلى استعداد للرحيل إلى القاهرة فشكره وتقدم من سيارته بعد أن أمرهم بالتحرك لينطلق هو خلفهم ، ثم عاد لوالدته مرة أخرى :
-"أه يا حبيبتي خلاص راجع القاهرة ، هطمن إن البضاعة بقت في المخازن وبعد كده هرجع على الشركة أظبط لاجتماع بكرة"
تمتمت والدته بدعاء أن يحفظه الله ويرزقه من عطاءه ، وأعطته نصائح السلامة المعتادة التي لم تتخلَ عنها قبل وفاه أبيه ، فاستقبلها برحابة صدر وأمّن خلفها قبل أن يغلق الهاتف وينطلق عائدًا.
دلف شركته الواسعة بعدما اطمئن أن البضائع وضعت في المخازن إلى حين توزيعها في الغد على جميع عملائه ، قابله الجميع بابتسامة بشوشة استقبلهم بمثيلتها.
وقف أمام مكتب سكرتيرته يخبرها أن تأتي بكل الأوراق الخاصة باجتماع الغد لتدلف إليه بعد خمس دقائق بيدها بعض الملفات وضعتهم على المكتب ثم التفتت له قائلة :
-"خدمة تانية يا فندم"
هز رأسه شاكرًا :
-"لا شكرًا يا رويدا ، من فضلك مش عايز إزعاج لحد ما أخلص"
أومأت بابتسامة برسمية والتفتت تتركه في عمله.. تخلى عن سترته وفك رابطة عنقه ليتدلى طرفيها على كتفيه ، حرر أول أزرار قميصه كاشفًا عن جزعه ، وأثنى كميه عن ساعديه حتى المرفق ثم شرع ينظر في الملفات التي أمامه بتركيز ظهر في عقدة حاجبيه وذمة شفتيه.
مر أكثر من ثلاث ساعات شعر بالإرهاق فوضع كفه خلف عنقه يدلكه بتروي يحرك رأسه لليمين واليسار يخفف من تشنجه ، رن هاتفه فرفعه يجيب على سكرتيرته التي تعتذر مشيرة أن خطيبته تنتظر الإذن بالدخول ، فأمرها بالسماح لها على الفور.
دلفت إليه بمرحها فاستقبلها بابتسامة محببة يتحرك من خلف مكتبه يتقدم منها ، هتفت بمشاكسة :
-"قولت هاجي ألاقيك لسه في اسكندرية ، متوقعتش السرعة دي"
ضحك بمرح يرفع كفيها يقبل ظاهرهما ، وقادها نحو الأريكة قائلًا :
-"لسه واصل من أربع ساعات تقريبًا ، أنما إيه المفاجأة الحلوة دي؟"
ضحكت بمشاغبة غامزة له بعبث :
-"حبيت أشوف خطيبي وهو رجل أعمال بدل الصحفي اللي وشنا في وش بعض على طول ده"
اقترب منها بمكر هامسًا أمام وجهها بخبث :
-"وإيه رأيك؟
الصحفي ولا رجل الأعمال؟"
الخجل.. التلجلج في الحديث.. الهرب بالنظرات ، هو رد الفعل الطبيعي لأي فتاة في هذا الموقف ، لكن خطيبته مختلفة عن البقية!
رفعت حاجبها ببرود ولكمته في كتفه بقوة هاتفة :
-"أتلم يا نادر وبطل قلة أدب!"
ناظرها بغيظ ورفع كفه يدلك مكان لكمتها قائلًا من بين أسنانه :
-"والله ما فيه قليل الأدب غير دماغك دي ، المهم طمنيني إيه اللي حصل النهاردة؟"
تنهدت بعمق وبدأت تسرد عليه ما حدث لمازن وما فعلته هدير بالأمس ، فزفر بيأس من عقل صديقتهم يهز رأسه بقلة حيلة هاتفًا :
-"أنا مش عارف هي عاوزة توصل لإيه؟
وأنا مش عاوز أتدخل احترامًا لوجود مازن وبقت مسئولة من راجل"
ربتت على كتفه تهدأه تقول :
-"اهدى هي مش هتعمل حاجة تاني ، خصوصًا بعد اللي مازن قاله ليها"
-"خليها تعمل واللي معرفتش أعمله زمان بناءً على طلبها ، هعمله من غير ما أرجع لها"
ضغطت على شفتيها تومئ بأن معه حق ، لكنها باتت متيقنة أن هدير لن تفعل شيئًا مرة أخرى ، رفعت نظرها تنوي الحديث لكن دق الباب أوقفها ، سمح للطارق بالدخول فكانت سكرتيرته تخبره :
-"نادر بيه.. الأستاذ كريم منصور بره عاوز يقابل حضرتك"
انتفضا سويًا من جلستهما عندما نطقت باسمه ، وصدمة سقطت على رأسهما من حضوره!
ماذا يفعل هنا؟!
هل أصيب بالغباء كي يأتي إليه بقدمه وهو يعلم الكره الذي بينهم؟
شعر بكفي منار تمسك ذراعه تضغط عليه بقوة تنم عن الغضب والدهشة التي تعيث بها ، ربت على كتفها باطمئنان ونظر لرويدا التي تنتظر رده ، فأخبرها بالسماح له بالدخول.
التفتت منار له بعد خروجها بدهشة متسائلة :
-"أنت هتقابله بجد؟"
نظر لها بهدوء يحثها على الاطمئنان وترك زمام الأمور له.. قاطع نظراتهم دخول كريم بجبروته وعجرفته ، يتقدم نحو نادر قائلًا :
-"صباح الخير يا نادر بيه"
بادله نادر التحية بجمود ، فاستدار كريم لمنار الواقفة خلفه بقليل ينظر لها بأعين ضيقة وابتسامة جانبية عابثة.
مازال يتذكرها!!
كيف ينسى عقبته الوحيدة التي كانت تقف كالعلقم في الحلق في طريقه مع هدير؟
كيف ينساها وينسى كرهها الذي كان من السهل على أي أحد قراءته في عينيها؟
مال برأسه يوجه حديثه لها :
-"حظي حلو إني جيت في الوقت ده علشان أشوفك بعد السنين دي وأقولكم مبروك الخطوبة"
وكما توقع لم تتخلَ عن ابتسامتها الصفراء ونظرتها الجليدية التي رمقته بها ، فالتفت إلى نادر الذي أشار له بالجلوس واستدار يجلس مكانه خلف المكتب يشبك أنامله مستندًا على سطحه .
جلس كريم واضعًا الساق فوق الأخرى يستند بمرفقه على المكتب يحك ذقنه بأنامله ، فبادر نادر بالحديث :
-"خير يا كريم!
إيه سبب الزيارة الغريبة دي؟"
ابتسم الآخر بغموض وقال بتروي :
-"شغل.. جايلك في شغل ، شحنة مقاولات عاوز منك تبقى المسئول عن دخولها"
رفع نادر حاجبه بسخرية ، وقهقه بخفوت وعاد بجسده للخلف يتأرجح بالكرسي يمينًا ويسارًا :
-"لولا إني عارفك كويس كنت قولت عليك غبي علشان تجيلي لحد هنا تطلب مني نشتغل سوا..
من كل عقلك فاكر إني ممكن أوافق؟"
ضحك بعلو أثارت دهشة نادر واشمئزاز منار التي تراقبه برغبة دك عنقه حتى تتخلص من جحوده!!
من أين أتى بذلك الجبروت ليقترح على نادر العمل معه؟
فاستمعت له يقول :
-"الشغل حاجة والمسائل الشخصية حاجة تانية يا نادر ، أنا وأنت مفيش عداوة بينا علشان ردة فعلك الحادة دي ، فخلينا نركن اللي حصل زمان على جمب ونبدأ شغل جديد"
قاطعه نادر بحزم وقد تحولت نظرته من السخرية إلى الجد يشوبه الغضب الذي بدأ يتمكن منه ، لكن شخص كهذا يجب التعامل معه ببرود لأن الغضب يعد انتصار له :
-"صح مفيش عداوة مباشرة بينا ، لكن زي ما بيقولوا عدو صاحبك عدوك ، وعدو عدوك صاحبك!!
وهدير مش صديقة يا كريم ، دي أختي وحط تحتها مليون خط أحمر ، ولولاها مكنش حد وقف لك زمان غيري"
ضغط كريم على شفتيه بغيظ ، فقد عمل جاهدًا حتى يخرب العلاقة التي تربط الثلاثي ، فكم كانت تثير حنقه وغضبه كثيرًا.. استدار له بنصف جسده يضع ساعديه على المكتب قائلًا بجدية :
-"كل واحد دلوقتي بيشوف مصلحته ، والصفقة دي هتنقلني وتنقلك لمكان تاني خالص وعشان كده أنا جيت لك بنفسي.. هدير ومشاكلي معاها أنت بعيد عنها ففكر في شغل والدك وكبره"
هنا وقد نفذ صبر منار ، فانتفضت من مكانها هاتفة بغضب وحدة :
-"أنت إيه مبتفهمش!
أي جزء بالضبط في كلام نادر مفهمتوش ، ولا عاوزه يقولك أنك مش مرحب بيك؟!
أنت إيه الجبروت اللي يخليك تيجي مكان أنت عارف أنه مش مرحب بيك فيه؟"
ناظرها بحاجب مرتفع بصمت أثار حنقها أكثر فكادت أن تعيد الصراخ به لكن هتاف نادر بحزم وجد جعلها تبتلع كلماتها بغيظ ونظراتها تكاد تشعل بكريم النيران ، فالتفت نادر له يقف من مكانه يدور حول مكتبه حتى وقف خلف الكرسي المقابل له قائلًا بهدوء يثير الغيظ :
-"اسمعني يا كريم علشان نبقى واضحين ، شغل بيني وبينك مش هيحصل ، ومفيش حاجة اسمها مليش دخل باللي حصل لهدير دي حاجة!
الحاجة التانية والخاصة بيا أنا ، إيه يجبرني أشارك حد سمعته مهببة زيك لما ممكن أشارك واحد سمعته كويسة زي مازن السيوفي ونرفع بعض بردو وكل حاجة"
نهض كريم يقف أمامه بطوله المهيب يضع يديه في جيب بنطاله يضحك بمكر ناظرًا لأسفل في نقطة وهمية ثم رفع نظره له مرة أخرى بحاجب مرتفع :
-"بالورق والأدلة والقانون مفيش ذرة تراب عليا ، فلو تقصد أبويا وقضيته فأنا بقولك الشغل معايا مش مع أبويا"
حك خلف أذنه بتفكير وأشار له بسبابته ورأس مرفوع بغرور:
-"بس أنا مقدر رد فعلك ومع ذلك هسيبك تفكر والمصلحة تحكم.. يلا سلام"
التفت ينوي الخروج فقابل نظرات منار فابتسم لها غامزًا بخفية عن نادر ، فزفرت تشيح بوجهها في الاتجاه الآخر تقلب عينها باشمئزاز .
فتح الباب وكاد أن يخرج فأوقفه نادر بنبرة غير قابلة للجدال:
-"كريم ، أنا وأنت عمرنا ما هيجمعنا مصلحة ، فالأحسن ليك تبعد عن طريقي أنا بالذات وكل اللي يخصني.. اللي بينا طار قديم أنا بحاول أتلاشاه متخلنيش أحطك في دماغي"
نظر له بصمت ثم ابتسم ببرود وأشار بسبابته لجانب جبهته بمعنى "فكر " ثم التفت وذهب تاركًا إياهم يطالعونه بجمود.
اقتربت منار من نادر تهمس بدهشة ومازالت ترمق الباب :
-"هو اللي حصل ده بجد؟
هو كان هنا بيقترح عليك تشتغل معاه؟"
لم يجبها مباشرة بل ذم شفتيه وعقد حاجبه بتفكير ، ثم قال بجمود عندنا نظر لها من علو :
-"منار اللي حصل النهاردة ميحلصش تاني ، ملكيش أي علاقة بكريم لا من قريب ولا من بعيد"
اتسعت عينيها بدهشة من لهجته الحادة فهمست اسمه بتعجب ليهتف بحزم :
-"منار من فضلك من غير جدال ، مش عاوز كريم يحطك في دماغه..
زيارته النهاردة وراها حاجة ولحد ما أعرفها خليكِ بعيد ، وبلاش هدير تعرف باللي حصل كفاية عليها حادثة مازن"
تعجبت من أسلوبه الذي تراه لأول مرة.. دائمًا ترى نادر المرح ، المحب للمشاكسة ، ودائم الابتسام!
لكن هذه الزيارة اليوم جعلتها تكتشف الجانب الجاد ، الحازم من شخصيته!!
ابتسمت له بمرح تمتص غضبه وجديته وربتت على كتفه بحنو قائلة برقة مرحة :
-"طب خلاص روق بس كده.. أنا كنت جيالك عشان أخدك ونزور مازن ، مينفعش يكون في المستشفى ومنروحش.. هدير سبقتنا على هناك بعد معاناة"
أومأ لها بابتسامة والتفت يأخذ سترته يرتديها ثم جذب سلسلة مفاتيحه وهاتفه وأمسك بكفها بحنان يجذبها خلفه برقة يخرج من شركته متجهًا إلى المشفى.
★★★★★★
العناد هو سبب الضياع
هو ما يتحكم به فيضيع كل ما هو جميل
كاذب من قال أن عدو الحب هو الغيرة
بل العناد العدو الأول وجحيم الحب
الحب تفاهم
حوار
نقاش
وثقة!
قبل زيارة كريم لنادر بساعة كانت هدير قد وصلت إلى المستشفى بعد جدال طويل مع منار !
ترفض الذهاب من جهة ومنار تقف لها بالمرصاد أن ليس لها وجه حق في عنادها وغضبها منه ، تعيد كلماتها من جديد أنه محق في غضبه ، محق في ردود فعله ، محق حتى لو قام بكسر عنقها على غبائها التي تقحم نفسها فيه.
سارت نحو غرفته تدق بابها بخفوت لكن لا رد.. فتحتها ودخلت تنظر في أرجاءها بتعجب من عدم وجود أحد بها ، ظنت أنه ذهب يجري إحدى الأشعة ، رأت الممرضة المسئولة عن علاجه فسألتها عن مكانه لتخبرها :
-"الباشمهندس مازن خرج من ساعة ، الأستاذ رامز مضى على خروجه بعد ما الدكتور أذن ليه"
ذهبت وتركتها تنظر أمامها بصمت.. خرج ولم يخبرها!
خرج وهو بتلك الحالة ، ساق مجبورة وكتف مصاب ينزف من أقل حركة زيادة عن كدمة في الرأس!
أخرجت هاتفها تبحث عن رقم ما ووضعته على أذنها تنتظر الرد حتى أجابها فقالت بهدوء :
-"مازن فين يا رامز ؟"
نظر لذلك المضطجع أمامه على الأريكة يسند قدمه على الطاولة أمامه ، تجلس والدته إلى جانبه وأخته إلى الجانب الأخر بعد أن هدأت معركتهم معه من خروجه بدون علم أحد ولم يكمل شفاءه ، فابتعد بالهاتف يجيبها بدهشة حذرة :
-"مازن في البيت.. هو مقالش ليكِ أنه قال للدكتور يكتب ليه على خروج؟"
-"لا تخيل.. وبعدين لو هو طلب كده أنت ممنعتوش ليه يا رامز؟
إزاي يخرج بالحالة اللي هو فيها دي؟"
تحولت نبرتها من الهدوء إلى الغضب المغيظ ، فناظر مازن بغيظ يضغط على أسنانه بقوة يود لو يذهب ويكسر الباقي من عظامه السليمة على أفعاله ، تنهد يجيبها بيأس :
-" ما أنتِ عارفة يا هدير إن محدش بيعرف يرجعه عن قراراته..
صدعت عشان يرجع عن اللي في دماغه بس عاوزة الكسر"
-"ماشي يا رامز.. سلام"
أنهت الاتصال فجأة ورمقت الغرفة بسخط ثم اندفعت بغضب تخرج من المكان بأكمله ، دخلت سيارتها فصدح هاتفها برقم نادر فتنهدت بقوة قبل أن تجيبه :
-"أيوه يا نادر!"
-"إيه يا بنتي أنا ومنار خلاص قربنا على المستشفى ، أنتِ هناك ولا إيه؟"
أجابته ساخرة :
-"لا ملوش لزوم خلاص.. البيه رجع بيته ، عاوز تزوره روح البيت"
تطلع لمنار بدهشة من غضب الأخرى فأشارت له برأسها بمعنى ما الأمر ، فرفع كتفيه بعدم معرفة ثم عاد لهدير :
-"طيب خليكِ عندك وأنا هجيلك نروح سوا"
أدارت سيارتها وشرعت في القيادة هاتفة بغضب رافض :
-"لا مش رايحة في حتة ، هبعت لك رقمه أتصل بيه لو عاوز تزوره ، أنا راجعة البيت تعبانة وعاوزة أرتاح"
قدّر غضبها وعلم سببه ، فيبدو أن مازن خرج ولم يخبرها بناءً على ما أخبرته به منار ، فأخذ منها رقمه الخاص وأنهى الحديث معها على وعد بلقاء قريب.
هاتفه يستأذنه بالزيارة حيث أنه لم يجده بالمشفى ، فرحب مازن بشدة وانتظره حتى أتى.
استقبله رامز بترحيب لائق ورحب بمنار بلباقة وقادهم حيث يجلس مازن ، كاد أن يقف مرحبًا فأجلسه نادر قبل أن يقف جالسًا بجانبه مربتًا على كتفه قائلًا :
-"ألف سلامة عليك يا باشمهندس ، أعذرني معرفتش أجي امبارح كنت مسافر الاسكندرية في شغل"
ربت مازن على ركبته بحفاوة :
-"ولا يهمك يا نادر أنا الحمد لله كويس"
التفت لصوت منار الواقفة بجوار أخته تحيط ذراعها بين ذراعيها بعد أن ضمتها بترحاب وسعادة :
-"ألف سلامة عليك يا باشمهندس"
-"الله يسلمك يا آنسة منار"
التفتت لصوت أسماء الهامس لها بتساؤل :
-"أومال هدير فين مجتش معاكم ليه؟"
سعلت منار بخفوت تنظر حولها بتردد قبل أن تقول :
-"تعالي نقعد لوحدنا وهقولك"
أومأت لها والتفتت تعتذر من الجميع بأنها ستأخذ منار لتعرفها على والدتها وتتركهم سويًا.
جلسوا في الحديقة بعد أن تعرفت ميرفت عليها وفرحت بشخصيتها الرقيقة والتي لاحظت أنها منفردة ، بها رقة تجعل من يعرفها يخاف عليها أن يستغلها أحد ، وفي نفس الوقت نظراتها تعج بالقوة والثقة ، وهي تحب الفتيات ذوات الشخصية المشابهة لها لذلك أعجبت بها.
حفزتها أسماء كي تجيب على عدم مجيء هدير فقالت :
-"الظاهر أن أخوكِ مش معرفها أنه هيخرج ، علشان كده راحت المستشفى ومن هناك عرفت ، فمش محتاجة أقولك على عنادها عامل إزاي!"
ضحكت ميرفت على تصرفات هدير والتي ستجعل جزء من عقل ابنها يُفقد ، وهزت أسماء رأسها بيأس منهم ترفعها لأعلى زافرة بقوة.
وبالداخل بعد أن تحدثوا سويًا وأخبره نادر بأنه يعلم السبب في الحادثة من منار لينظر له متسائلًا :
-"مازن ، زيارتي النهاردة مش بس علشان الحادثة.. أنت عارف إن هدير أختي ، في حين إن الكل كان ضدك بس بنظرة راجل كنت عارف إن فيه سبب لكل اللي عملته..
كريم مش عدوك لوحدك ، بسبب اللي حصل زمان كريم اكتسب عداوتي من غير ما يحس ، ولولا هدير أنا كنت اتصرفت معاه على اللي عمله"
تطلع مازن لرامز بعض الوقت ثم نظر لنادر بعدم فهم :
-"مش فاهم يعني إيه لولا هدير؟"
تنهد بقوة وشبك أنامله ببعضهما يستند بساعديه إلى فخذيه ينحني للأمام ناظرًا له بجدية :
-"أكيد عارف شركة التهامي للتجارة!"
أومأ مازن بتأكيد وهتف رامز الجالس بجانبه :
-"أكيد دي من أكبر الشركات في مجال التجارة والاستيراد"
-"وأكيد عارف إن أنا صاحب الشركة دي ، كانت لوالدي وبعد وفاته الله يرحمه أنا توليت الإدارة"
أومأ له بتأكيد ليكمل الآخر حديثه :
-"ساعتها كنت ماسك شغل لرأفت ، ولما عرفت اللي عمله ابنه سحبت التوكيل لما خلاص الشحنة اتحركت من بره ، فالصفقة اتلغت ورأفت خسر ملايين ، وكان عندي استعداد أكمل بس هي اللي وقفتني وقالت إنه خلاص خد جزاءه"
ليس هذا فقط بل أخبره بزيارة كريم له اليوم في الشركة ورده عليه.. أخبره بشكوكه أنه يعقد النية على فعل شيء كبير ولن يكتفي بهذا فقط ، فالبداية كانت حادثته ، والثانية عرض العمل معه الذي رفضه بقوة والذي يعلم أن كريم كان متأكد من ذلك لكنه كمن يخبرهم أنه موجود وأنهم لم يتخلصوا منه بسهولة .
فكر مازن بكل هذا ، ليزداد سخطه أكثر على ذلك الرجل الذي ما ينفك يحوم حول من لهم علاقة به!!
تبادل مع ثلاثتهم النظرات في اتفاق صامت على اتحادهم قبل أن يوجه حديثه لنادر :
-"أنا فخور بنادر الراجل الوحيد اللي هسمح له يكون قريب من هدير علشان عارف ومتأكد أنها أختك ، ولو أنك مش خاطب وخلاص هتتجوز مكنتش قربت منها"
رفع نادر حاجبه ضاحكًا ونظر لرامز الذي هز رأسه بيأس من هذا الرجل ثم التفتا له وهو يكمل :
-" والنهاردة كبرت في نظري وزاد إعجابي بيك إزاي عارف تفصل بين الصحافة وشغلك"
ضحك نادر بقوة وانحنى يربت على كتفه بمحبة قبل أن ينهض:
-"الصحافة دي شغف ، حلمي اللي بلاقي نفسي فيه ، والشغل الروح بتاعتي.. الاتنين مكمليني ومينفعش استغنى عن حاجة منهم"
جذب طرفي سترته يعقد أزاراها في نية للذهاب :
-"المهم إنك بخير ، ودلوقتي أقدر أقولك إني موجود في أي وقت تحتاجني فيه"
تشابكت قبضتهما بقوة في إشارة إلى بدء صداقة جديدة بينهما ليضع رامز كفيه فوقها يهزها أكثر بمرح فتعالت ضحكاتهم حتى وصلت للجالسات بالخارج.
★★★★★
إنه منتصف الليل
يمكنك الآن أن تتجرد من كل الأدوار التي لعبتها اليوم
يمكنك خلع الابتسامة الزائفة ، والقوة المصطنعة
يمكنك أن تعود أنت وتخرج مشاعرك وأفكارك التي تعيث بجوفك!
واقفاً أمام شرفة غرفته يلحفه النسيم الليلي يرتدي كنزة صوفية زرقاء وبنطال رمادي ، يستند على عكازه يتحامل عليه بنصف جسده يرفض الجلوس وكأنه يريد إقناع نفسه أن لا أحد يستطيع كسره!!
قذف سيجارته من الشرفة بعد أن أنهى استنشاقها يزفر دخانها بقوة ويتذكر ما فعله بالصباح معها ، كيف صب جم غضبه على رأسها ولم يعطها فرصة للحديث إلا عندما أثار حنقها؟
لا يعلم لماذا يشعر أنه كلما هدأت الأمور بينهما يحدث شيء يزيد الأمر سوءً خاصةً بخروجه اليوم وعلمه أنها عادت للمستشفى بعد شجارهما لتراه؟
لكن لا.. يكون ملعونًا لو عاد معها خطوات للخلف كما كانا من قبل ، فأخرج هاتفه من جيب بنطاله وضرب أرقامها وانتظر..
كانت في هذه اللحظة تجلس على أرجوحتها في حديقة منزلها تثني ساقيها أسفلها ، تحيط كتفيها بوشاح ثقيل تحميها من بوادر الشتاء التي بدأت تلوح ، تجمع شعرها في جديلة على كتفها و تضع حاسوبها المحمول على قدمها تقرأ كتابًا تحاول به إلهاء سخطها وحنقها مما حدث في الصباح!
لا تعلم لماذا لم تندهش من أمر خروجه ، بل اندهاشها أنه كيف تحمل البقاء يوم في المستشفى؟
تعرف غروره ، كبريائه ، كرهه لإظهار ضعفه.. لكن كان عليها أن تعلم!!
زفرت بقوة وهزت رأسها تنفض الأفكار لكنه يأبى أن يتركها ، رأت هاتفها يصدح برقمه ، ظلت تنظر له بصمت ورغبتين تتقاتلان بداخلها ، واحدة تحثها على الرد والاطمئنان عليه والأخرى تلكمها وتحذرها بالاستماع للأولى وتركه هكذا عقابًا عما فعله!
انتصرت الأولى لكن بعد انهاء الاتصال ، رفعت هاتفها تنظر لاسمه الظاهر تحت كلمة مكالمة فائتة ودقاتها تحثه على إعادته ، لكن بدلًا من هذا ظهرت رسالته :
-"آسف على غضبي الصبح ومسمعتكيش ، بس خوفي وقلقي وقبلهم غيرتي سيطروا عليا..
خوفي عليكِ من فكرة أنه ممكن يكون مسّك بحاجة..
قلقي من خطواته اللي جاية..
وغيرتي إنك روحتِ لواحد عارف ومتأكد إنه عاوزك"
ابتسامة لاحت على شفتيها دون وعي ، دقات قلبها تتسارع بداخلها حبًا ، وكبرياء أعاده لها اعتذاره الذي لم يحدث قد في حياته!
أكملت الباقي من رسالته :
-"آسف إني مقولتش على خروجي بس مش مازن السيوفي اللي يقعد في مستشفيات تحت رحمة دكتور أو شوية إصابات ملهاش لازمة"
اتسعت عيناها بصدمة.. بلا فائدة!
يسير بقدم وذراع سليمان ويقول بلا فائدة!
وللعجب قد تعالت ضحكاتها الأنثوية عاليًا حتى دمعت عيناها وهي ترى كبريائه وغروره اللذين لن يستطيع الاستغناء عنهما ، مسحت دموعها وتحركت أناملها بمهارة على شاشة هاتفها تكتب له بشيطنة :
-"مش زعلانة بس متعصبة منك"
كان يهم بالدخول إلى فراشه وقد تمكن الارهاق منه ، وما إن جلس وصلته رسالتها التي ما أن أنهى قراءتها ضحك وقد استشعر دلالها الفطري فيها!
ابتسم بحنان وفكر ، ومن يليق بها الدلال سواها!
اضطجع ببطء إلى فراشه بعد أن تخلى عن كنزته وأشعل نظام التدفئة الخاص بالغرفة فانتشرت الحرارة بسلاسة بالأرجاء ، أعاد قراءة رسالتها وقرر الاستمرار في طريق الرسائل عوضًا عن الاتصال كأنهما مراهقين يتبادلان الحديث بخفية أن يمسك بهما أهليهم.
-"وأنا ميهونش عليا تفضلي متعصبة ، بس أنا عارف هراضيكِ إزاي؟"
أرسلها فقرأتها لتبتسم على ثقته العالية ، أغلقت حاسوبها ووضعته بجانبها ودفعت جسدها للخلف فتحركت الأرجوحة بها وكتبت :
-"هنشوف.. المهم طمني عليك؟!
كتفك ورجلك عاملين إيه؟"
مرت دقائق ووصلها الرد الذي ظهر اللؤم والمكر بين السطور:
-"لو عاوزة تطمني كنتِ جيتِ مع نادر ومنار النهاردة"
رفعت حاجبها بغيظ ودقت على الحروف بحنق وقد نجح فيما يريد ، أراد إثارة مشاكستها فتلك الوديعة لا يستسغيها وكان له ما أراد :
-"ولو عاوزني أنسى متفكرنيش باللي عملته"
ضحك بقوة اهتز جسده لها ، يحبها معاندة ، يعشقها مشاكسة ، تستحق اسمها بشدة "هدير" .
صدع هاتفه برسالة جديدة منها :
-"يلا سيب التليفون ونام ، اليوم كان مرهق ومتأكدة إنك تعبان"
أومأ لها بابتسامة عذبة كأنها تراه وأجابها بسطر لاح منه الحنان :
-"حاضر وأنتِ كمان يلا ارتاحي"
انتهى الحديث وقد تبدلت المشاعر عما كانت عليها منذ ساعة ، تمدد على فراشه وعيناه تغفو بإرهاق.. وهي استقامت من مجلسها تحمل حاسوبها وهاتفها واتجهت إلى الداخل بابتسامة هادئة.
★★★★★
أن تكون في قمة الصمود ، الكبرياء ، الهيبة عندما يظن الجميع من حولك أنك سقطت
عندما يخطط الكل لإضعافك
هو القوة في حد ذاتها!!
خرج من المشفى بالأمس والآن تقف سيارته أمام الصرح العظيم العائد لمجموعة العجمي ، بجواره ياسمين سكرتيرته ترتب الملفات اللازمة للاجتماع ، ورامز يجلس في المقعد المجاور للسائق يتحدث في الهاتف.
خلفه سيارة المستشار القانوني للشركة ، يحيطهم بالأمام والخلف سيارتي الحراسة .
فتح حارسه الباب له ليخرج عكازه يستند عليه ويخرج من السيارة بكل هيبة ، سار رامز بجانبه بنفس الشموخ ولم يعرض مساعدته له لعلمه المسبق برفضه القاطع فآثر السلامة.
وفي مدخل الشركة كان عبد العزيز العجمي في استقباله يتألق في بذلته الزرقاء وابتسامة مرحبة واقفًا بهيبة كبيرة.. يتوسط أخيه محمد يقف على يمينه ببذلته الرمادية المعاكسة للون عينيه ، يضع كفيه في جيب بنطاله يشد جسده بشموخ ، وعلى يساره آسر السعيد ببذلته السوداء.
تقدم عبد العزيز خطوات نحوه يرحب به ونظر آسر لمحمد بتعجب لهذا الرجل القوي وصدمة من طلبه للاجتماع وهو بهذه الحالة ، فهمس له :
-"أنا مشوفتش حد عنيد كده في حياتي ، مكنش هيضر بحاجة لو عملنا الاجتماع لما يتحسن"
نظر محمد له بعض الوقت بلا اهتمام لذلك الجنون الذي يراه ، فأعاد نظره له هامسًا لقرارة نفسه :
-"مازن السيوفي ، وما أدراك ما مازن"
الثقة.. الهيبة.. الكبرياء.. والقوة!
كل هذه مسميات تصف وقفتهما أمام بعضهما متجابهين ، شامخين ، جسديهما مشدود حتى برزت عضلاتهما من أسفل رداءهما..
ابن العجمي الذي يهتز لاسمه السوق بأكمله
وابن السيوفي الذي يجعل الجميع يفكر مرتين قبل أن يتحرك!!
اتحدت القبضتان تشتدان على بعضهما بقوة ، ليصدح صوت عبد العزيز مرحبًا :
-"أهلًا وسهلًا مازن بيه ، أنا ممتن للشراكة دي اللي خلتنا نشوفك"
ابتسم مازن بسعادة وتبادل الترحيب معه :
-"أنا اللي سعيد بالصداقة دي يا عبد العزيز بيه مش شراكة وبس"
ربت على كتفه المصاب فلاح الألم الطفيف على وجهه فاضطرب الآخر واقترب رامز منه يسأله إن كان بخير ، فابتسم مازن برحابة صدر :
-"لا لا مفيش حاجة ، أنا كويس الحمد لله"
أفسح الطريق لهم ليصعدوا إلى غرفة الاجتماعات.. ترأسها عبد العزيز وعلى يمينه أخيه محمد بجانبه آسر ، وعلى يساره جلس مازن بجانبه رامز ومحاميه .
أشار إلى أخيه يعرفهم عليه :
-"أعرفكم.. محمد العجمي أخويا والرئيس التنفيذي للشركة"
ثم أشار إلى آسر :
-"والأستاذ آسر السعيد ، الممثل القانوني"
فعرفهم مازن على رامز :
-"رامز منتصر ، الرئيس التنفيذي للشركة ، والأستاذ أشرف المحمدي الممثل القانوني.. ودي ياسمين السكرتيرة الخاصة بيا"
رحب الجميع ببعضهما بحفاوة وبدأوا الاجتماع الذي سيتناقشون فيه على جميع بنود الشراكة المتوافقة مع الجميع في مجالي الاستيراد والتصدير ، والهندسة والمعمار .
عبد العزيز يلقي بشروطه ، وكذلك مازن يناقشهم فيها محمد ورامز ، يأخذون رأي آسر وأشرف فيها من الناحية القانونية .
الجو العام يغلفه التفاهم والنقاش الهادئ .
شراكة كالسد المنيع سيشد كل منهما عضد الآخر أمام السوق بأكمله!
بداية صداقة مستقبلية سيقف الجميع لها حفاوة وإعجاب!
أغلق عبد العزيز الملف أمامه بابتسامة راحة وقد تم الاتفاق على كل شيء :
-"كده كل حاجة تمام يا مازن بيه.. بداية طريق خير على الجميع إن شاء الله"
بادله الابتسامة يتلاعب بعكازه بعبث :
-"بداية الطريق تبدأ فعلًا لو رفعنا التكلفة اللي بينا ، فخليها مازن بس"
تعالت الضحكات المرحة في الغرفة ، فنهض مازن مستندًا على الطاولة بيد والأخرى ممسكة بالعكاز ، يتبادل السلام مع الجميع ثم قال :
-"كده كل البنود تمام ، والإمضاء والإعلان يبقوا في مؤتمر صحفي كبير يليق بالشركتين بإذن الله"
وافقه الجميع رأيه ، وذهب مازن برفقة رامز ومحاميه بعد الاتفاق أن السكرتارية سيقومون مما يلزم للتحضير لهذا المؤتمر .


Fatima Zahrae Azouz غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 23-11-20, 03:21 PM   #20

Fatima Zahrae Azouz

مشرفة قصرالكتابة الخياليةوقلوب احلام وقاصةهالوين وكاتبةوقاصةفي منتدى قلوب أحلام وحارسة وكنز سراديب الحكايات وراوي القلوب

 
الصورة الرمزية Fatima Zahrae Azouz

? العضوٌ?ھہ » 409272
?  التسِجيلٌ » Sep 2017
? مشَارَ?اتْي » 2,564
? الًجنِس »
? دولتي » دولتي Morocco
?  نُقآطِيْ » Fatima Zahrae Azouz has a reputation beyond reputeFatima Zahrae Azouz has a reputation beyond reputeFatima Zahrae Azouz has a reputation beyond reputeFatima Zahrae Azouz has a reputation beyond reputeFatima Zahrae Azouz has a reputation beyond reputeFatima Zahrae Azouz has a reputation beyond reputeFatima Zahrae Azouz has a reputation beyond reputeFatima Zahrae Azouz has a reputation beyond reputeFatima Zahrae Azouz has a reputation beyond reputeFatima Zahrae Azouz has a reputation beyond reputeFatima Zahrae Azouz has a reputation beyond repute
?? ??? ~
My Mms ~
افتراضي

الفصل السادس عشر

لا تحبني لأنني مرحة أو لأنني رائعة
أو لأن أفكاري تعجبك وذوقي بالثياب يجذبك!
أو لأن ملامحي جميلة وشخصيتي عميقة
حبّني بالسوء الذي أكرهه وعيوبي التي أخفيها عن الجميع
أريدك أن تشعرني بالراحة بمجرد وجودك
أشعر بالأمان بالنظر في عينيك
أن تحب خوفي الذي لا يطيقه أحد
ومزاجيتي التي ترعب الجميع .

مرت الأيام تباعًا وقد شفيت جراح مازن كاملةً وسط اهتمام من والدته وهدير التي بالرغم من كل ما حدث آثرته على نفسها وانتصر قلبها على غضبها فشاركته أيام مرضه حتى أصبحت صحته على ما يرام.
استغل هذه الأيام في محو أي أثر للغضب أو الثورة التي كانت تعبث بداخلها نحوه!
فُكت جبيرته ، وشُفي جرح رأسه ، ونزع رباط كتفه إلا من ضمادة بسيطة ملتفة حول الباقي من جرحه حتى يكتمل شفاؤه .
وفي أحد الأيام..
كانت هدير في مكتبها تتابع مقالها الجديد التي ترتب له ومنتظرة النسخة المطبوعة من العدد الأول لمقالها الذي كتبته عن فساد الxxxxات .
-"هديــــر"
هتف بها محمد الذي دخل فجأة بدون طرق باب ، أو جذب انتباهها ، جعلها تغص في قهوتها فسعلت بشدة حتى احتقن وجهها فأصبح كالبندورة.
طالعته بنظرات مشتعلة تكاد تفتك به ، واضعة قبضتها على فمها تحاول الحد من السعال ، وما يزيد سخطها النظرة البلهاء التي يطالعها بها ممسكًا بكوب ماء يناوله لها .
شربت نصفه وألقت البقية في وجهه بغيظ هاتفة :
-"قولت لك للمرة اللي مش فاكرة الكام متدخلش عليا داخلة البوليس دي يا محمد.. هتموتني وربنا في مرة منهم"
-"العاشرة"
قالها بهدوء فطالعته بتعجب متساءل فاستطرد قائلًا ببلاهة:
-"دي المرة العاشرة اللي تقولي لي فيها كده"
طالعته بصمت مبهم ، تضيق عينيها مثبتة نظراته عليه ، ثم تنفست بعمق ومدت ذراعيها نحو الباب مشيرة له بسبابتها قائلة بهدوء مميت :
-"اطلع برا يا محمد ، ويستحسن مش عاوزة أشوفك طول اليوم"
دلفت منار في تلك اللحظة فرأت هيئتهما هذه ، استحالت نظراتها بينهما فزفرت بيأس فقد علمت أن محمد فعل إحدى أفعاله التي تثير الغيظ ، وضعت الأوراق على مكتبها وارتمت على كرسيها :
-"خير يا محمد عملت لها إيه تاني؟"
نظر لها بصمت ثم رفع كتفيه بلامبالاة رافعًا كفه الممسك بالجريدة يناولها لهدير :
-"معرفش مالها دي.. كنت جاي أوريها أول نسخة من المقال بتاعها"
جذبتها منه بلهفة وتشوق لرؤيته وكأنه مقالها الأول ، تتشرب أحرفه شربًا بأعين واسعة كالجرو.
لاحظا تغير تعابير وجهها ، انعقاد حاجبيها ، توسع عينيها بدهشة وشهقة طفيفة صدحت منها متفاجئة فنهضت من مكانها تقف بجانبها تقرأ ما نُشر هي على يمينها ومحمد على يسارها ، فلاحظوا أنه حدث تغيير في نسق المقال و تم حذف جزء منه ليتم نشر هذا الجزء فقط..
"قضية سقوط الxxxxات"
والسبب فيها يدور حول شركات ومصانع المقاولات الفاسدة والتي لا تهتم بصلاحية وصحة مواد البناء التي تنتجها.
وبين مهندسين وعاملين منعدمي الضمير ، لا يتقنون عملهم وكل ما يهمهم المال فقط.
والضحية؟!
أناس أبرياء تزهق أرواحهم وتدفن تحت الأنقاض وكأنهم لا يسوون شيئًا.. الخ"
أصابها ما قرأته بصدمة ، فقد حدث تلاعب في الأمر!
المقال الذي أُرهقت حتى تكمله تم التلاعب به ونشره ناقص بهذا الشكل!
و يا ليته الناقص هيّن ، بل حُذف منه تسعون بالمائة!
جعدت الجريدة في قبضتها بعنف ، وتسارعت أنفاسها فظلت تقطع الردهة ذهابًا و إيابًا تكاد تحفر خندقًا في الأرض بسبب خطواتها ، كادت أن تخرج فسابقتها منار بالسؤال :
-"رايحة فين؟!"
-"هروح لرئيس التحرير أشوف إيه اللي حصل بالضبط؟!"
أجابها محمد هذه المرة :
-"بس رئيس التحرير خرج في ندوة مهمة فمش موجود"
أعادت خصلاتها للخلف بعنف تعض على شفتها حتى كادت تنزف ، وخرجت منها زمجرة غاضبة!
أمسكت بهاتفها تتصل بالمطبعة المسئولة عن النشر تستفهم منهم ما حدث وما أن أجاب مدير المطبعة عليها حتى صرخت به قائلة :
-"ممكن أعرف إيه المهزلة اللي حصلت دي؟
ازاي حصل تلاعب في المقال اللي كتبته؟!
ازاي ينزل ناقص؟
أقسم بالله لو عرفت إنكم ورا الموضوع ده ، مش يكفيني قفل المطبعة كلها"
توتر مدير المطبعة يستمع إلى انفعالها ، يعلم من هي؟!
فحاول امتصاص غضبها وتخفيف حدتها بارتباك :
-"اهدي بس يا أستاذة هدير.. أنا حقيقي مليش ذنب في اللي حصل!
دي أوامر وأنا بنفذها و...."
انتفض محمد ومنار سويًا يستمعان إلى صرختها الثائرة :
-"أوامر من مين؟
أنت ملكش أوامر غير من رئيس التحرير ، وأظن أن طالما المقال وصل المطبعة يبقى الموافقة حاضرة... فهمني ازاي ده حصل ومن مين الأوامر دي؟"
-"من مازن بيه السيوفي!"
"مازن!"
تسمرت فجأة تستمع إلى الاسم الذي قاله؟
همستها بصدمة وعدم فهم فلماذا سيفعل هذا الشيء؟
لماذا سيأمر بعدم نشر مقالها بل كيف علم به؟
كيف له أن يتدخل في عملها و يعطي الاذن بذلك ، وبأي حق؟
أغلقت الهاتف بملامح جامدة أثارت ريبة هذان الواقفان يطالعانها بصمت .
تبادلا النظرات فاقترب محمد منها بغرض تهدئتها :
-"هدير أكيد له سبب إن المقال يتنشر كده"
رمقته بحدة جعلته يعود أدراجه للخلف بجانب منار من جديد ، هاتفة :
–"سبب!!
سبب إيه يا محمد اللي يخليه يتدخل في شغلي ويضيع تعب أسابيع؟"
سقطت على كرسيها بقلة حيلة وعقل يتآكله التفكير في الأمر ، مكتفة ذراعيها على المكتب تخفي رأسها بهما.
طالع محمد منار التي تنظر لها بصمت ، فانحنى برأسه إلى أذنها هامسًا :
–"ما تعملي حاجة بدل ما أنتِ واقفة ساكتة كده البت هتتجنن"
عقدت حاجبيها وذمت شفتيها ولاح على ملامحها التفكير فمال برأسه ينظر لوجهها رافعًا حاجبه بتساؤل :
–"ها وصلتِ لحاجة يا شارلوك هولمز؟"
التفتت له بغيظ من سخريته تجيبه هامسة :
–"أنت مش واخد بالك يا محمد أنك بتجيب الكارثة وتيجي بيها ، تعالى مرة قبلها هنحبك والله"
كاد أن يجيبها لكن نهوض هدير فجأة أسكته ، أخذت مفاتيح سيارتها وجذبت هاتفها تنوي الخروج فوقفت منار في وجهها تمد ذراعيها إلى الجانبين قائلة :
-"رايحة فين؟"
-"عوزاني أقعد أعيط!!
رايحة أشوف السبب اللي يخليه يعمل كده؟"
دفعتها من أمامها وهبطت مسرعة إلى الأسفل تاركة إياهم يتطلعان للباب ، فهمس محمد بقلة حيلة :
-"ملحقتش تتهنى يا مازن بسلامتك"
أخذت سيارتها وانطلقت إلى شركته بسرعة رهيبة تقبض على عجلة القيادة بغيظ ، تتمتم بالوعيد له إن كانت أسبابه لا تُعقل؟!
وصلت أمام مبناه فهبطت واندفعت بكل غضب الدنيا إلى الداخل صاعدة إلى الطابق القابع به مكتبه.
انتبهت لها ياسمين عندما دخلت إلى مكتبها ، فاستقامت بابتسامة بشوشة :
-"أهلًا أهلًا يا هدير.. الشركة نورت"
ألقت عليها التحية بالمثل وهتفت بدون مقدمات :
-"مازن موجود يا ياسمين؟"
عقدت حاجبيها بدهشة وأجابت :
-"لا مازن بيه مش هنا النهاردة ، بس الباشمهندس رامز موجود"
في تلك اللحظة دلف رامز إلى المكتب كي يطلب من ياسمين تجهير بعض الأوراق ، فتفاجأ بوجود هدير معها ، تقدم منهن وعلى وجهه علامات الدهشة متسائلًا :
-"هدير!
أخبارك إيه و بتعملي إيه هنا؟"
أجابته ياسمين بدلًا منها :
-"الآنسة هدير كان عاوزة باشمهندس مازن.. بس قولت لها مش موجود"
نظر إليها فرأى علامات الغضب بادية عليها ، ففكر ماذا فعل صديقه لها هذه المرة؟
هز رأسه بيأس وتملكه القلق ، ثم أشار بيده إلى الخارج وقال بهدوء ممتصًا غضبها :
-"طب تعالِ معايا على المكتب نتكلم"
كادت أن ترفض لكن نظرة الحزم في عينيه جعلتها تهدئ من غضبها وتسير معه بهدوء حتى جلست على الكرسي أمام مكتبه ، بادر بالقول بنبرته الهادئة والمرحة يمتص غضبها :
-"تشربي إيه بقى.. شاي ولا قهوة؟
ولا أجبلك زي أسماء نسكافيه وشكولاتة؟!"
لاحظت لمعان عينيه عندما نطق باسمها فابتسمت دون وعي لهذا الثنائي العاشق :
-"لا مش عاوزة حاجة ، اتسدت نفسي"
جلس أمامها مستندًا بمرفقيه على فخذيه مشبكًا أصابعه مع بعضهما مكملًا مزاحه :
-"جربي بس شكولاتة أسماء ، دي أجبرت مازن يعملها ركن مخصوص ليها هنا علشان لما تيجي"
ضحكت على مزاحه ، تصدق ما يقوله فأسماء وإن رقّت ملامحها وطبيعتها امتازت بالهدوء إلا إنها تخفي شراسة وقوة تجعلها تصل لما تريده ، وليس فقط ركن شكولاتة مخصص لها في أكبر شركات الهندسة!
استمعت لجديته التي ظهرت فجأة :
-"ممكن تهدى وتقولي لي إيه اللي حصل؟"
تنهدت بقلة حيلة والتفتت بأعينها في الغرفة فسقط نظرها على العديد من الصحف الموضوعة على مكتبه ، عبثت بها حتى أخرجت النسخة من جريدتها تقلب بها حتى وصلت إلى المقال ، وضعته أمامه يقرأه فعقد حاجبيه بتعجب قبل أن يطالعها من جديد :
-"قرأته وعجبني جدًا كالعادة ، بس مش فاهم إيه المشكلة؟"
هتفت بنفاذ صبر وبدأ غضبها يعود من جديد :
-"المشكلة إن مش ده المقال بتاعي ، أو بمعنى أدق المقال نازل ناقص أكتر من تسعين في المية من المقال الأصلي اللي بعتاه المطبعة"
لاحظت الدهشة الحقيقية على وجهه ، فهز رأسه متعجبًا وهو يعيد قراءته من جديد :
-"ومين له مصلحة يعمل كده؟"
-"مازن "
تحولت الدهشة لصدمة أكبر لاحظتها من رفع رأسه فجأة وتوسع عينيه ، وهمس نافيًا :
-"مش معقول.. مازن يعمل كده ليه؟
أكيد غلطانة ، أنتِ عارفة إنه أكتر واحد بيدعمك فـ ازاي يأمر بكده"
طالعته بشذر فأشاح بكفه أمامها لتهدأ :
-"اهدي عشان نفهم الموضوع.. إيه خلاكِ متأكدة إنه هو؟"
أخبرته بحديثها مع مدير المطبعة وأنه لم ينشر المقال كاملًا أمرًا منه ، فهز رأسه بدهشة منها وفكر حتى فطن إلى شيء ما ، فضغط على أسنانه حتى كادت أن تنخلع عضلة فكه واشتدت قبضته على الجريدة ، ولسانه يسب مازن بأفظع ما قيل في السباب .
طالعته بدهشة حذرة وتساءلت :
-"رامز أنت تعرف حاجة؟
وبعدين فين مازن مجاش النهاردة ليه؟"
وضع الجريدة مكانها الأول ورفع كفيه يفرك وجهه قبل أن ينهض حاملًا مفاتيح سيارته :
-"مازن في البيت بيحضر نفسه لعشاء عمل بالليل بخصوص صفقة جديدة.. تعالِ معايا"
نهضت معه بتعجب فسبقها يخبر ياسمين أنه ذاهب وتلغي جميع مواعيده اليوم ، ركبت معه بعد أن أمرها بترك سيارتها وسوف يبعث بها أحد الحراس فيما بعد .
انطلق بها فلاحظت أنه يتجه نحو منزل مازن ، فنظرت له بحاجب مرفوع فالتفت لها :
-"بصي يا هدير علشان بصراحة إحنا تعبنا منكم أنتو الاتنين ، جربي لمرة تآخدي الموضوع بهدوء وتسمعيه وتعرفي أسبابه ، أنتِ أكتر واحدة عارفة مازن مش بيعمل أي خطوة غير لما يكون لهدف معين"
فتحت فاها تتحدث فقاطعها برفع سبابته بصرامة مزيفة :
-"من غير عصبية ومن غير انفعال ، قولت بهدوء وعقل.. كفاية بقى تعبت منكم مش بيعدي يومين إلا بمشكلة جديدة"
لومت فمها بغيظ فيبدو أن الجميع أصيب بمرض الاستبداد حتى رامز من كانت تعتقد أنه الأفضل بينهم لم يختلف عن صديقه!!
وصلا إلى المنزل فهبطا من السيارة ودلفت إلى المنزل بخطوات سريعة ، وجدت والدته وأسماء جالستين في الحديقة ، وما أن رأوها برفقة رامز وقفتا بدهشة خاصةً من مظهرها الغاضب ، توجهت نحوهن تحييهن بحبور وابتسامة حاولت رسمها على وجهها ، وبالمثل حياهن رامز مقبلًا يد ميرفت وغمز لأسماء خفيةً .
سألت هدير ميرفت فجأة :
-"فين مازن يا ماما؟"
أجابتها بعقدة حاجبيها من الدهشة :
-"تقريبًا في مكتبه... في إيه؟
إيه اللي حصل خلاكِ عصبية كده؟"
أشارت لها بيدها والتفتت تتجه للداخل هاتفة خلفها :
-"هقول لك يا ماما بعد ما أشوفه"
نظرت لرامز الذي جلس على المقعد المجاور لأسماء ممسكًا بكوب العصير الخاص بها يشربه بلامبالاة ، فرفع كتفيه علامة على عدم المعرفة طالبًا منها عدم القلق فكل شيء سيصبح على ما يرام .
وفي الداخل كانت تعصف بها عاصفة هوجاء سيطرت عليها وأظهرت واجهة البرود ، دلفت للداخل وأغلقت الباب خلفها ثم وقفت مستندة بظهرها عليه ، مكتفة ذراعيها تتطلع إليه بغضب.
تفاجأ بها تقتحم مكتبه بهالتها التي عصفت به ودهشة من ظهورها فجأة دون أن تنبهه لوجودها!
التفت لها فرأى عينيها تلمع بغضب.. وضع الملف الذي كان يحمله بيده على المكتب وكاد أن يقترب منها إلا أنها أوقفته بكفها الذي رفعته أمامه ليقف مكانه رافعًا حاجبه بإعجاب ، يمط شفتيه للأمام.
قالت بهدوء غريب لا ينم عما يجيش بداخلها من غضب وغيظ ومع كل كلمة منها تتقدم خطوة نحوه :
-"تعب ليالي.. سفر.. ومقابلات عشان أطلع مقال ميقلش عن المقالات اللي قبله ، لا بالعكس يطلع أكبر "
صمتت تتنفس ثم أكملت :
-"حماس ، ورهبة علشان أشوف نتيجة تعبي
انتظار وتوتر عشان أشوف شغلي ورأي الناس فيه"
تنهد بعمق وقد فطن لسر غضبها ، لاح نظره على التقويم الموضوع على مكتبه يرى تاريخ اليوم فعلم أنه يوم نشر مقالها!!
حاول أن يتحدث لكنها وصلت إليه لا يفصلها عنه سوى خطوة واحدة ، لدرجة أن حرارة جسدها من الغضب انتقلت إليه ، وصرخت به هادرة :
-"تقوم تيجي حضرتك تدخل في شغلي ، وتلغي حتت في المقال!!
بأي حق ها؟!"
ضربت بقبضتيه على صدره تكمل :
-"بأي حق تدخل في شغلي مين سمح ليك؟
قولي بأي حق تأمر بأن مقالي ينزل ناقص؟"
وقبل أن تكمل حديثها ، أمسك رسغيها بقبضتيه يجذبها إلى صدره ، وجذب رأسها بيده.. وانحنى يلتقط شفتيها كي يسكتها عن إكمال حديثها!
قبلة ضاعت فيها جميع صرخاتها فأغمض عينيه بحب يبث إليها كم من المشاعر تجبرها على الاستسلام لها!

تسحره بإشراقات ثغرها ولمعان عينيها
سئم سيمفونية الفراق وحفظ أبجديات الحرمان
يقسم على نشر ترانيم الحب في مسافات روحهما
وجمع فتات الأمل المُثخن بالجراح
نسج أنشودة عشق تتغنى بها القلوب النّابضة بالحب
تتهاوى بلقائهما حواجز الصمت
وتنمو لغة الاشتياق
تفاجأت به وبقبلته التي جعلتها جاحظة العينين لثواني قليلة ، حتى انتبهت فصارت تنتفض بين يده تحاول الافلات منه..
ظلت تتحرك بين يده بغضب تحاول التحرر من قبلته ، حتى تركها دافعًا إياها تجلس على كرسي خلفها.. ثبت يديها في كفيه على حافتي الكرسي ، ووقف يشرف عليها من أعلى ينحني بجسده أعلاها حتى كادت جبهته تلامس جبهتها.
نظر في عينيها بقوة وشرع في الحديث حتى يشرح لها ما حدث:
-"اهدي يا هدير علشان نعرف نتكلم.."
قاطعته بعصبية منتفضة بين يديه قائلة :
-"متقوليش اهدي.. متعصبنيش يا مازن أنت فاهم"
وضع جبهته فوق جبهتها يضغط فوق رسغيها أكثر وهمس :
-"اسكتي واسمعيني.. أنا قولت لك قبل كده إني مش هسمح أن حاجة تضرك حتى لو كنتِ أنتِ هتضري نفسك"
صمت للحظة يرى بداية استكانتها فأكمل :
-"الخبر اللي كنتِ هتنزليه مكنش هيعدي بالسهل ، أنتِ هتفتحي باب من أبواب جهنم عليكِ وعلى الكل ، وده اللي مش هسمح بيه"
هزت رأسها رافضة لكل الحديث ، فلا يوجد مبرر ليضيع تعبها هكذا ، فرخت به باهتياج :
-"هو إيه ده اللي مش هتسمح بيه؟"
بادلها الصرخة بمثلها ولكن بصوت أجش وعصبية شديدة يتعمق في نظرته لها :
-"إن حاجة تأذيكِ.. أنتِ في مرة من المرات دي هتضيعي نفسك وده اللي مش يحصل"
نظرت له شذرًا ، وعيناها ووجهها محمران من الغضب ، وشعرها منتشر على وجهها من ثورتها المفرطة ، تتنفس باهتياج..
جعلتها لوحة جميلة يتمنى أي فنان أن يرسم مثيلتها!
اقتربت برأسها منه وهمست ضاغطة على أسنانها :
-"هتعمل إيه؟
هتمنعني أكتب و أقول رأيي؟"
بادلها النظرات بنظرات أكثر قوة ، ينحني أكثر حتى لامست أرنبة أنفه طرف أنفها ، وهمس بنفس نبرتها :
-"لو حسيت إنك هتأذي نفسك ، مش هتردد لحظة إني أحبسك هنا تحت عيني يا هدير..
لو حسيت بأي خطر تعرضي نفسك ليه من ورا مقالاتك ، همسح فكرة الصحافة من دماغك خالص.. أنتِ فاهمة!"
أفلتت يدها من قبضته ، ودفعته في صدره ليتراجع إلى الخلف فوجدت فرصتها كي تقف تهتف به :
-"أنت بتحلم يا مازن.. مش هتقدر تمنعني ولو انطبقت السما على الأرض"
عقد ذراعيه أمام صدره ، وقال ببرود تلبسه فجأة كي يرسل له أن ما يقوله هو ما سيحدث ، وأن قراره هو ما سينفذ :
-"ماشي خلينا نشوف"
ضربت بقدميها بغضب طفولي على الأرض ، تضغط على قبضتيها حتى ابيضت مفاصلها، فاستدارت برأسها تجاه الباب ، وشعرها يتطاير يضرب وجهه بإثارة جعلته يغمض عينه يستنشق رحيقه ، وتقدمت تخرج صافقة الباب خلفها بشدة .
وما هي إلا ثانيتان حتى عادت أدراجها ، تدخل مرة أخرى ، فعقد حاجبيه بدهشة يراها تتقدم نحوه..
ضربته بقبضتها الصغيرة على كتفه بقوة بالنسبة له لا شيء ولم تؤثر به ، رفعت سبابتها في وجهه بتهديد قائلة بحنق :
-"عارف لو بوستني تاني يا مازن بالطريقة دي هخيط لك بوقك ده ، وإيدك دي أكسرها ليك.. أنت فاهم!"
لم تكد تصل إلى الباب حتى شهقت بشدة عندما وجدته يجذبها إليه وظهرها ملتصق بصدره ، هبط إلى أذنها وقال بهمس شديد وأنفاسه أثارت رعشة في عمودها الفقري :
-"أنتِ مراتي ، يعني حقي.. فاهمة يعني إيه حقي يا هدير!"
أردف بوقاحة وشفتيه تلمس شحمة أذنها :
-"لو البوسة مضيقاكِ ، أنا ممكن أعمل أكتر منها كمان بس مستني الوقت المناسب"
كادت أن ترد على صفاقته ، ولكن قاطعتها دقات الباب وصوت والدته بالخارج تقول بقلق :
-"مازن افتح قولي في إيه؟
ليه هدير متعصبة كده؟
اوعى تكون عملت لها حاجة"
"متقلقيش يا ماما ، مفيش حاجة"
قالها بنبرة واثقة ثم دسّ أنفه في عنقها يستنشقه فيثير غيظها أكثر :
-"هدير بس كانت مضايقة من البيت والشغل ، وجت تشتكي لجوزها حبيبها"
جسدها تيبس.. عيناها جحظت بصدمة.. أنفاسها توقفت.. وأوشكت على الصراخ تقول لوالدته أنه يكذب ولم يحدث أي مما قاله ، لكنه وضع يده على فمها كاتمًا ضحكاته بصعوبة وتابع :
-"ممكن يا أمي تخليهم يعملوا لي قهوة ولهدير ليمون عشان تهدى ، ويجيبوهم فوق في أوضتي.. لأن مراتي هي اللي هتحضر ليا البدلة لاجتماع بالليل!!"
هزت رأسها يمينًا و يسارًا رافضة ما يقوله ، وهي تسمع صوت والدته يقول بفرح :
-"من عيوني يا حبيبي ، ربنا يهدي الحال بينكم"
وما أن تأكد من ذهاب والدته ، انحنى بجذعه إلى أسفل واضعًا ذراعيه أسفل ركبتيها يحملها وهو مازال يكمم فمها ، ثم صعد بها إلى غرفته ، تحرك قدميها في الهواء محاولة الافلات منه ، لكنه أطبق عليها بيده وضمها إليه أكثر حتى وصل لغرفته وفتح الباب ، وهو مازال يحملها ودلف إلى الداخل.
تركها فجأة ، فصرخت به بانفعال تصفعه على كتفه وشعرها ثار أكثر حولها ، وجهها أُحتقن بالدماء من شدة غيظها :
-"أنت تجننت رسمي ، أنت إيه اللي عملته ده؟
وبدلة إيه اللي أحضرها إن شاء الله.. أنا همشي من هنا دلوقتي حالًا"
وقف أمامها بصدره العريض يمنعها من التحرك واضعًا يده في جيب بنطاله ، وقال بنبرة عابثة ضاحكًا من هيئتها ، والارتباك الظاهر على وجهها من قربه :
-"لا مش هتمشي من هنا إلا لما تعملي اللي أنا عاوزه ، وأنتِ بنفسك اللي تحضري لبسي لحد ما أخد دش وأخرج"
تعداها يخرج منشفته وأشار لها بصمت إلى خزانة الملابس علامةً على الشروع في تنقية ثيابه لاجتماع اليوم ، ثم دلف إلى الحمام ببرود مستفز ، وتركها تتطلع في أثره بذهول وغيظ من البرود المتلبس فيه.
أمسكت بوسادة صغيرة موضوعة على الأريكة وقذفتها باتجاه باب الحمام للتنفيس عن غيظها منه ، تمسكت بعنادها وأرادت الخروج ولكن وجدت الباب مغلق!!
لا تتذكر أنها رأته يغلقه فكيف انغلق؟!
تنهدت بيأس ونظرت حولها تطلع إلى الغرفة ،
يغلب عليها اللون الأسود والكريمي.. فراش واسع من اللون الأسود ، ومرآة كبيرة رُص فوقها زجاجات من مختلف العطور ذات الماركات العالمية.. وستائر من اللون الكريمي.
نظرت باتجاه باب الحمام ، ثم توجهت بنظرها إلى الخزانة..
حكت فروة رأسها بتفكير ثم لمعت عيناها فجأة لما وصل إليه تفكيرها ، فتوجهت إلى الخزانة وفتحتها ووقفت أمام ملابسه ، ثم همست لنفسها قائلة تبتسم بمكر :
-"ماشي يا مازن... تحمل بقى اللي هيحصل"
★★★★★
وفي الأسفل كانت أسماء قلقة للغاية من مظهرها الغاضب.. شعرت أن هناك مشكلة كبيرة على وشك الحدوث ، ولهذا بعثت بأمها ترى ماذا يحدث بالداخل؟!
فهي لن تقدر على الذهاب إلى هناك ، سينالها نصيب من العاصفة هي في غنى عنه!!
نظرت للجالس بسلام يضع ساقًا فوق الأخرى يهزهما للجانبين ، يستند برأسه للخلف يدندن مع نفسه وكأن لا يوجد في العالم غيره..
هزت رأسها بيأس ولكمته في كتفه ليجفل من مفاجأتها يتطلع لها بدهشة ، فهتفت به بعنفوان :
-"ما تقولي إيه اللي حصل؟
قاعد ساكت وهادي ولا أكن فيه حاجة حصلت!"
أنزل ساقه واستند بمرفقه على حافة الكرسي مقربًا جسده نحوها :
-"وهو إيه اللي حصل يا سمكة؟
الدنيا زي الفل أهي!"
رمقته بصمت فالتقطت عيناها الوسامة المحيطة به ، مرتديًا بنطالًا من الجينز ، وقميص أسود يرفع أكمامه ليظهر ساعديه ، وتلك النظارة الشمسية فوق عينيه..
ضيقت عينيها وكتفت ذراعيها أمام صدرها هامسة بحاجب مرتفع :
-"إيه اللي عمله مازن خلى هدير متعصبة كده يا رامز؟"
قهقه بخفة عندما أدرك نبرتها ، وغمز لها بحب :
-"وحشتيني وأخوكِ اللي منه لله مش راضي يريح قلبي ونعمل الخطوبة وكتب الكتاب بقى"
عقدت حاجبيها بعدم فهم للحظات ثم فغرت فاها ، واتسعت عينها بذهول ، ثم ضربته بقبضتها على كتفه صارخة :
-"امشي اطلع بره يا رامز ، ومتجيش هنا تاني"
لم يتمالك نفسه فضحك ملئ شدقيه يرفع كفيه أمامه يهدئها:
-"طب بالراحة طيب.. كل الحكاية لاقيت هدير جت الشركة ووشها مكنش يدل على خير ، بتسأل على مازن قولت يبقى في مشكلة حصلت!!
حاولت أفهم منها ايه اللي حصل طلع الموضوع يخص مقالها الجديد اللي نزل النهاردة ، علشان كده جبتها وجيت علشان تتعامل بهدوء.. أتمنى يعني"
عقدت بين حاجبيها بدهشة واضعة أناملها على ذقنها بتفكير تتمتم لنفسها ورامز يراقبها بعيون منبهرة من تلك الطفلة التي أمامه :
-"هدير كانت في الشركة.. بعد كده جت على هنا ، ودخلت لمازن!!
يبقى مفيش مشكلة حصلت ، ده في كارثة!!
أنا قلبي كان حاسس والله ، علشان كده بعت ماما تشوف في إيه؟!"
ثم نظرت له تسأله باستنكار متعجب :
-"بس مازن إيه دخله؟"
-"هو أنتِ متعرفيش أن مازن الممول الرئيسي للجريدة ، وكمان طلب أن مفيش خبر يتنشر لهدير إلا لما يطّلع عليه الأول!
بقولك إيه تعالي نشوف"
قالها يمسك يدها يحثها على الدخول فأفلتت يدها منه هاتفة باستنكار :
-"أدخل فين حضرتك؟"
لا يمكن ، أنا هقعد هنا لحد ما ماما ترجع أو حد فيهم يطلع ، هبقى كده مطمنة أن مش هيحصل إصابات من أي نوع"
قالتها تجلس متربعة على العشب الأخضر في الحديقة واضعة يدها على خدها ، ليطالعها بدهشة وما لبس أن ضحك بشدة حتى أدمع فناظرته بشذر كي يصمت.
جلس بجانبه يثني ساق والأخرى يرتكز على قدمه واضعًا ذراعه على ركبته والآخر يرتكز به على الأرض ثم همس لها :
-"جهزي نفسك بكرة هآخدك خروجة هتعجبك"
اتسعت عيناها كالجرو الصغير ولاحت معالم اللهفة والفضول على وجهها فالتفتت له بكامل جسدها هاتفة :
-"بجد!
هنروح فين؟"
-"مفاجأة.."
قالها غامزًا والتفتت بنظره للأرجاء بعد أن عاد يدندن من جديد متجاهلاً إلحاحها عليه حتى يفصح عما سيفاجئها به .
وفي غرفته كانت تقف أمام الخزينة تحك رأسها ، وتفكر في كيفية البدء في تنفيذ خطتها ، فبدأت العبث بين ثيابه تتفحص الأنسب بينهم!!
أمسكت ببذة سوداء من الخزينة ، وأدارتها في يدها تتفحصها بتفكير ونصف عين كمن توشك على الإتيان بخطة انتقام كبرى ، فابتسمت ولمعت عينها لما آل إليه تفكيرها .
بحث بنظرها حولها عن شيء ما فلم تجده ، توجهت إلى المرآة تبحث بأدراجها حتى ابتسمت بسعادة طفل جلب له والده لوحًا من الشكولاتة.. التقطت منه مقص صغير وشرعت في عملها في بذته ، فأخرجت أجمل لوحة من الفن التشكيلي.
أدارتها في يدها تتأمل الكباري والأنفاق التي أحدثتها فيها تبتسم بشر وانتصار تهمس لنفسها :
-"والله تنفعي ديزاينر يا بت يا هدير..
البدلة بقت تحفة وهتبقى موضة الموسم ، يلا معلش كنت عارفة إنها أغلى بدلة عندك ، ربنا يعوض عليك يا حبيبي"
كانت تصب تركيزها فيما تفعله ، غافلة عن الذي يقف يراقبها مبتسمًا لغضبها وعنادها الطفولي ، لم يحدث أي صوت حتى لا يخرجها من تركيزها وتتلاشى الابتسامة على وجهها.
وقف يتأملها ويتأمل تعابير وجهها ، عقدة حاجبيها وهي تتمتم بغضبها منه ، ابتسامتها بعدما أخربت بذته كأنها فازت بجائزة أو نجحت في الاختبار!!
مفتون بكل حركة منها ، وكل همسة لها ، ضحكتها سرقت لبه ، فلم يقدر على الهمس وتركها تفعل ما تفعله بملابسه من بداية عثورها على المقص حتى تعليقها بالمكان المخصص لها لحين ارتدائها لمجرد أن يرى الفرحة بعد غضبها منه بسبب عملها.
اقترب منها بخطوات هادئة ، ثم وقف خلفها مباشرة بعدما وضعتها في غرفة ملابسه الملحقة بغرفة نومه ونفضت كفيها ، ما أن أغلقت الباب والتفتت اصطدمت بصدره العاري ، فما كان يرتدي غير المنشفة التي يحيط بها خصره فقط.
كادت أن تسقط لولا يده أحاطت بخصرها ، تسارعت أنفاسها وهي تراه أمامها بتلك الهيئة ، فتراجعت خطوتين للخلف تعيد خصلاتها خلف أذنها.
كتف ذراعيه يراقب ارتباكها ، وحال بنظره بينها وبين باب الغرفة ، فقرر التلاعب معها :
-"يا سلام.. مراتي طلعت شاطرة وسمعت كلامي وجهزت لبسي"
لم يتلق رد منها ، فأردف بمكر يهم باجتيازها ودخول الغرفة:
-"طب خليني أطمن يمكن تكوني ناسية حاجة!"
وقبل أن يضع يده على المقبض ، وضعت يدها فوق يده بسرعة هاتفة بتوتر حاولت إخفائه :
-"لالا متدخلش"
رفع حاجبه لها بمكر فراجعت نفسها وقالت :
-"أقصد يعني أنت طلبت مني أحضرها لك معقول تشك فيا؟
وبعدين ألبس هدومك علشان الجو برد ، وأنا هخرج أشوف أسماء"
قبل أن تتحرك وضع ذراعه أمامها يمنعها واقترب منها بنظرة يلوح بها المكر والتلاعب ، فتراجعت للخلف تنظر له بدهشة ، فظهرت ابتسامة جانبية على شفتيه وهو مازال يقترب منها :
-"لا طبعا مينفعش أراجع وراكِ لأني عارف إن عقلك كبير ومش هتعملي حاجة كده ولا كده.. صح؟"
قال كلمته الأخيرة بهمس عندما رفع ذراعيه يستند على خزينة الملابس التي استندت اليها وهي تتراجع.. هزت رأسها مرة بالنفي ومرة بالإيجاب ، فقالت بسرعة تحاول الفكاك من حصاره ، ونظراتها تحوم في كل اتجاه غيره :
-"آه.. لا طبعًا أكيد مش هعمل حاجة يعني..
وبعدين هو أنا طفلة علشان أعمل مقالب أكيد لا"
ابتسم لارتباكها وتأثيره عليها ، فهبط إلى أذنها وهمس بصوت خافت :
-"هو فيه طفلة بالحلاوة دي"
نظرت له وجدت عينيه مسلطة فوق شفتيها ، فتوسعت عينيها عندما وجدته يقترب منها ، فأغمضتها بطريقة لا إرادية ، جعلته يبتسم بدوره ينحني ناحيتها ، وفجأة أمسكها من ذراعها يجذبها بضع سنتيمترات إلى الجانب.
فتحت عيناها وعقدت بين حاجبيها عندما وجدته يجذب أحد كنزاته الصوفية ثم نظر إليها وهمس غامزًا :
- "كنتِ واقفة قدام الضلفة ، وأنا عاوز ألبس علشان الجو برد"
ثم تركها ودلف إلى المرحاض مرة أخرى يحاوى كتم ضحكاته بصعوبة.. أما هي وقفت تنظر بأثره بذهول على التلاعب بأعصابها ، فضربت بقدميها الأرض بغضب واندفعت إلى الخارج صافقة الباب خلفها بعصبية تسبه في نفسها.




لعنة العشق لا تعرف عزيز
لا تعرف قوي ولا ضعيف
تصيبك فتقلب أحوالك ، تجعلك شخص آخر تتعجب أنت نفسك منه!!
تدك حصون القلب ، تخمد ممانعة العقل!
العناد.. الغيرة.. الخوف.. الإثارة كلها أوجه لتلك اللعنة!
لعنة لا فرار منها إن دلفت العقل واحتلت القلب!

هبطت إلى الاسفل تتمتم في نفسها ، أتت تصب غضبها عليه بسبب ما فعله في مقالها لينقلب الحال بقبلة مفاجئة وتحضير ثيابه ليقوم هو بعمله!
أين قوتها التي قابلته بها أول مرة؟
أين كلماتها التي كانت تصبها فوق رأسه فترى الغضب يشتعل في عينيه؟
فسمعت صوت ساخر يخرج من داخلها يخبرها.. وكأنك ما زلتِ تلك الفتاة منذ عدة أشهر؟
قابلت والدته على الدرج ومعها الخادمة حاملة بيدها صينية فوقها القهوة والليمون.
ابتسمت ميرفت في نفسها على مظهر هدير ، ووقفت أمامها متسائلة :
-"مالك يا دودو في إيه؟"
ضغطت على أسنانها بغيظ تهمس :
-"ابنك ده أعوذ بالله.. وهاتي لي الليمون ده لأني هنفجر قريب"
ضحكت على تعبيراتها ، ووضعت يدها على ظهرها تدفعها برفق لتخرجا إلى الحديقة :
-"طب تعالي نخرج بره ، تلاقي أسماء زمانها قلقانة"
خرجتا إلى الحديقة فتفاجأت بجلسة أسماء على العشب ورامز بجانبها يضعون يدهما على وجنتهما ، نظرت إلى ميرفت بعبس ولم تتمالكا نفسهما من الضحك ، فقالت :
-"إيه اللي مقعدكم القعدة دي؟"
هبت أسماء واقفة واندفعت نحوها تمسكها من ذراعيها كمن تتأملها هاتفة :
-"أنتِ كويسة؟
الوحش اللي جوه ده عملك حاجة!"
قرصتها من كتفها هاتفة بغضب مصطنع :
-"متقوليش على مازن وحش"
فغرت فاها بذهول ، وتراجعت للخلف بجانب رامز الذي وقف بدوره ، وربتت على كتفه دون النظر اليه ، مرجعة رأسها للخلف هامسة :
-"رامز.. هي دي هدير ، ولا تأثير قلة نوم؟"
كتم ضحكاته بصعوبة يضع قبضته فوق فمه وهمس لها :
-"تأثير أخوكِ خرافي.. يبقى متستغربيش أي حاجة مع الاتنين دول"
نظرت له عاقدة حاجبيها ، وتذم شفتيها للأمام دليل على التفكير في حديثه.. جعلته يتأثر بنظرتها وتناسى للحظة وجود والدتها وهدير ، وأصبحت نظراته مليئة بالعشق لها.
يعشقها ، يحب تعبيراتها الطفولية الخارجة منها بتلقائية شديدة.
إلى أن أفاق على صوت هدير التي وقفت بينهم رافعة حاجبها ، وتضع يدها في خصرها :
-"أنا موجودة على فكرة لسه ممشتش"
أجفلا على صوتها ، فنظرت أسماء حولها تبحث عن أمها ولم تجدها فتساءلت :
-"أومال ماما راحت فين؟
أنا هروح أشوفها"
هرولت إلى الداخل هاربة منها ، على الأقل حتى يذهب رامز ، فهي تعلم أنها لن تفلت منها.
ظل يتابعها بنظراته وابتسامته إلى أن دخلت ، ثم التفت يصطدم بنظرات هدير وهي على هيئتها ، ارتبك في وقفته يحك جبهته ونظراته تحوم في كل اتجاه ثم نظر لها مبتسمًا
فبادرت بالحديث :
-"طب لما أنت بتحبها ، تعبتها معاك ليه الفترة اللي فاتت؟"
رفع حاجبيه بدهشة يتساءل :
-"هي حكيت لك؟!"
أومأت برأسها دون أن ترد ، فحك رأسه من الخلف بابتسامة ، وقال بخفوت :
-"مش عارف يا هدير ، بس ساعتها كنت حاسسها حاجة مش هقدر أوصلها ، وكمان كنت خايف لتكون مش بتبادلني الشعور ، و أكون بالنسبة ليها أخ وصديق بس..
لا أنا عارف أعترف فانصدم بالإجابة وأبقى خسرتها وخسرت صاحبي.
ولا أنا عارف أسكت لأضيعها بسكوتي ، ويجي حد يآخدها مني"
ابتسمت لمشاعره الصادقة تجاه صديقتها ، تعلم بكل ذلك ، ولولا أنها متأكدة من حبهما ما كانت أقبلت على مساعدتهما ، لكنها قالت بمداعبة :
-"بس خلي بالك من حاجة.. ماما ميرفت طيبة وبتعتبرك ابنها ، وبكده أنا اللي هبقى حماتك مش هي"
ثم قالت بهمس و تقترب برأسها قليلًا منه :
-"وعلى فكرة أنا حماة صعبة قوي"
ضحك على مداعبتها بشدة ، وضحكت هي الأخرى ، سعيدة لصديقتها على الشخص الذي رزقها الله به .
لو كانت بعقلها السابق قبل دلوف مازن إلى حياتها لكانت قابلت كل هذا بسخرية ولامبالاة.
انتفضا على صوت زمجرة خشنة بجانبهم ، فالتفتوا وجدوه مازن ينظر اليهم بتساؤل قائلًا بغيرة واضحة للجميع :
-"ما تضحكوني معاكم"
غمز رامز لها دون أن يجذب انتباهه يخبرها أنه يغار.. ثم التفت إلى صديقه وأجابه دون أن يريحه بل أثار غيظه أكثر :
-"مالك يا مازن وشك أحمر ليه؟"
حال بنظره بينهم ، والتفت يجلس بعد أن جذبها من رسغها تجلس بجانبه رامقًا إياه بنظرة باردة ، فجاءت والدته من خلفه تربت على كتفه ، وقالت بحنو جالسة مقابله :
-"ها يا حبيبي ، كل حاجة تمام؟!"
ربت على كفها وأومأ لها باطمئنان ، فقال رامز بمرح يقفز بجانبها ويحيطها بذراعيه :
-"ادعي لنا بقى يا ست الكل ، ربنا يكرمنا في الصفقة دي"
ربتت على وجهه بحنان تبتسم لابنها الثاني تدعو لهم في نفسها ، فجاءت أسماء حاملة صينية المشروبات والخادمة بجانبها حاملة الحلوى وجلست بجانب مازن الجهة الأخرى.
بعثت هدير برسالة إلى منار تطمئنها أن كل شيء على ما يرام ، فلم تجب عليها بل وجدتها تتصل بها فأجابتها :
-"أيوه يا منار ، لسه كنت بعتالك رسالة أطمنك"
وصلها صوتها الساخر :
-"لا اطمني أنتِ مش بكلمك علشان كده أصلي عارفة إنه هيعرف يسكتك"
ضغطت على أسنانها بغيظ وتمنت أن تكون بمفردها حتى ترد عليها لكنها سمعتها تكمل :
-"المهم رئيس التحرير بيبلغك نجهز نفسنا علشان نغطي المؤتمر الصحفي اللي هتعمله شركة العجمي"
عقدت حاجبيها بتساؤل لاحظه مازن الذي تأهب في جلسته يضع ذراعه على حافة الأريكة خلفها يسمعها :
-"مؤتمر لشركة العجمي!
مؤتمر لإيه بالضبط؟"
تبادل النظرات مع رامز الذي التقط الاسم فأشار له بالصمت حتى يفهم ما يحدث.. سمعت منار تجيب :
-"صفقة جديدة أو شراكة مع شركة كبيرة بس مقالش مع مين ، لسه هيجتمع بينا ويقولنا على التفاصيل بكرة"
صمتت هدير للحظات تذم شفتيها للأمام ثم قالت متنهدة :
-"طيب تمام ، بكرة نفهم منه كل حاجة وأنا لما أروح هكلمك"
أنهت الاتصال معها والتفتت للجمع فسألها مازن عن الأمر فأخبرته بما قالته منار ، مسح رامز على لحيته القصيرة :
-"العجمي شركة كبيرة ، والشراكة اللي بيدخلوها كبيرة ومؤتمراتها عالمية"
ناظرته بحاجب مرفوع كمن تتحداه مكتفة ذراعيها أمام صدرها :
-"فيه صحفيين عالميين ملهمش فيها ، وصحفيين مصريين بيغطوا عليهم"
ضحك مازن على تحديها له فقد أخرج رامز روحها القوية دون وعي ، شاركه الضحك وكاد أن يجيبها فقاطعته أسماء قائلة مناصفة لها :
-"هدير صحفية قوية ومحدش يستهون بيها ، إلا مكنوش اختاروها تغطي مؤتمر عالمي زي ده!!"
لاح نظرته بينها وبين هدير الكاتمة ضحكاتها بصعوبة ، ونظرات مازن المستمتعة ، فنظر لميرفت حتى تنصفه فضحكت باستمتاع وربتت على كتفه هاتفة إليهم بحزم مصطنع :
-"بقولكم إيه أنتو هتتفقوا عليه وفاكرين محدش معاه.. ملكوش دعوة بيه"
انتفخت أوداجه بغرور لأنه معه الحصانة الكبرى ، فنظرت هدير وأسماء لبعضهما بصمت قبل أن يضحكا بخفوت ، ومازن الذي لفحه بابتسامة جانبية ساخرة قبل أن يلتفت إلى هدير :
-"أنا عارف إنك قدها كالعادة ، وهتعرفي تثبتي وجودك في المؤتمر ده"
★★★★★★

كم هي رهيبة الاجتماعات والشراكات البسيطة في ظاهرها!
التي تمتلئ بالكذب والنفاق في باطنها
تختفي تحت ستار العمل!
اتحاد الxxxxب يجمعهم هدف واحد
تدمير حياة آخرين!

جالسًا في مكتبه على أريكته ، واضعًا ساق فوق الأخرى مضجعًا للخلف يضع ذراعه على حافة الأريكة ممسكًا بكأس شرابه ، واليد الأخرى ممسكًا سيجارته بين إصبعيه ، يراقب التي تخلت عن سترتها العليا وبقيت بكنزتها ذات الحمالتين العريضتين ، تقطع الغرفة جيئة وذهابًا تدق الأرض بكعبها العالي وهتافها لم يهدأ :
-"مش فاهمة إزاي يجي في بالك إن نادر هيجي في صفك؟"
توقفت عندما سمعت ضحكاته فنظرت له بدهشة وتعجب ، فاستنشق سيجارته ورفع كأسه يتجرع منه فامتزج الدخان بداخل الكوب وقال :
-"ومين قالك إني متأكد إنه هيجي في صفي ، لو كان طال يطلب لي البوليس كان عملها"
كتفت ذراعيها تهز رأسها بتساؤل :
-"أومال روحت ليه؟"
-"عشان أعرفهم إني لو عاوز أوصل لحاجة هوصل لها ، عارف ومتأكد إن مازن هيعرف باللي حصل"
رفعت كتفيها بلامبالاة تذم شفتيها ببرود :
-"وإيه يعني لما يعرف؟"
ضحك أكثر ونهض واضعًا يد واحدة في جيبه يقترب بخطواته منها حتى وقف قبالتها مبتسمًا ابتسامة خبيثة غامضة رافعًا يده الأخرى يلمس وجنتها بظاهر أنامله :
-"الفوضى يا نادين يا حبيبتي ، تعملي لهم ربكة في وسطيهم وتشتتي تفكيرهم عنك شوية فتعرفي تشتغلي بهدوء"
ذمت شفتيها وهزت رأسها رافعة حاجبيها بإعجاب وقالت :
-"أنت داهية يا كريم"
صدح هاتفه فاقترب يرفعه يستمع إلى الرجل من الجانب الآخر وابتسامته تتسع بمكر ثم أغلق معه ونظر إلى التي اقتربت منه تستند بكفها على المكتب تميل بجسدها للجانب ونظراتها تعج بالفضول ، فجلس على مكتبه وجذبها من خصرها تجلس على قدميه ورفع يده يعيد خصلاتها للخلف قائلًا :
-"الصفقة وصلت ودلوقتي الرجالة بيوزعوها"
اتسعت عينها بسعادة وأحاطت عنقه مقتربة منه ليبادر بدفن وجهه في عنقها وضحكاتها تتعالى بخبث واستمتاع .

انعدام الضمير أصبح أكثر الأشياء تداولًا..
وفقر القلوب للرحمة أصبح أسهل من الرحمة نفسها!!
لا تتعجب عندما ترى الحقد ، عدم الرحمة ، الأذى !!
بل تعجب إن رأيت العكس ، فهذا الزمن لا مكان للقلوب الرحيمة به ، نتائجها تكون الندم والضعف !!

في أحد الأيام كانت هدير تخرج من المبنى التجاري برفقة منار ، حاملتين مجموعة من الأكياس المعبئة بأغراض منار فقط!
تسير بغنج وغرور تسمع تذمر صديقتها باستمتاع ترغي بغضب:
-"مش عارفة إيه ده كله ، هتهاجري!"
التفتت لها بنظرة إغاظة :
-"الله مش مخطوبة وقربت أتجوز ، المفروض أجهز نفسي ولا أتجوز ببيجاماتي؟
أنا معنديش مانع بس ماما هتخنقنا"
كان حظها لكمه في كتفها من الخلف :
-"أنا اللي مكتوب كتابي مش بعمل اللي بتعمليه ده!"
رفعت كتفيها ببرود وهزت رأسها بلامبالاة :
-"والله دي مشكلتك أنا مالي ، هو تقريبًا ربنا بيعاقبه على مشيه العوج قبل ما يعرفك فقرر يوقعه في جعفر"
توسعت عينها بقوة من استفزاز تلك الباردة ، لم تجبها ليس لأنها لم تجد ردًا ، بل لأنه جذب نظرها طفل صغير يبكي بجانب الحائط ، يبدو عليه الفقر الشديد من ملابسه المترهلة والقذرة ، وشعره الأشعث ، حافي القدمين.
اقتربت منه ونزلت لمستواه تمد كفها تربت على كتفه تقول بحنو :
-"مالك يا حبيبي بتعيط ليه؟"
واصل البكاء ولم يجبها ، فنظرت إلى منار بتعجب وقلة حيلة ، فجلست بجواره هي الأخرى وقالت :
-"طب أنت اسمك إيه؟"
همس الطفل من بين بكائه بصوت يكاد يسمع :
-"اسمي مصطفى.."
ابتسمت هدير وشدت على كتفه :
-"الله ، تعرف اني بحب اسم مصطفى
طب قولي أنت ليه بتعيط يمكن أقدر أساعدك؟"
أجابها بصوت متحشرج بسبب بكائه ، يمسح دموعه بيده ببراءة :
-"الريس بتاعي هيزعق لي عشان.. عشان ضيعت إيراد النهاردة"
نظرت لمنار بدهشة لعدم فهمها له.. فسألته منار بدون أن تثير رهبته "
-"ريس مين يا حبيبي؟
و إيراد إيه؟"
-"إيراد الحاجة دي"
قالها يمد يده بكيس صغير به مادة بيضاء اللون ، أخذتها منه هدير تنظر إليها بدهشة ، وتساءلت بحذر :
-"إيه ده؟"
- " دي علاج ، هو قالي إن في ناس تعبانة بتآخده عشان تخف ، والمفروض في واحد هيجي يآخدها مني بس مجاش ، ده غير الفلوس اللي وقعت"
فسّر مصطفى ببراءة ، فلم تعقب هدير على حديثه ، بل ظلت تحلل الموقف في رأسها تقلب الكيس الصغير في كفها..
ما هذه المادة؟
وما هذا العمل الذي يُستغل فيه هؤلاء الناس مثل هؤلاء الاطفال؟
فالتفتت إليه منار تقول بهدوء حذر :
-"طب يا مصطفى أنت معاك ولاد تانيين ولا أنت بس؟"
أومأ رأسه يجيبها :
-"لا إحنا كتير ، وكل واحد بينزل في منطقة نبيع الدوا ده ، وفي آخر اليوم الفلوس بجمعها ونديها للريس بتاعنا ، وبكده هو بيدينا أكل ويسيبنا ننام.. لكن لو واحد رجع بإيراد قليل أو من غير فلوس يحرمه من الأكل ، ويخليه سهران طول الليل ينضف المكان..."
ثم تابع والدموع عادت إلى عينيه وبدأ في البكاء :
-"بس أنا وقعت الفلوس غصب عني ، وبكده هو هيعاقبني"
تسارعت أنفاس الفتاتين برهبة وعدم تصديق لما يقوله الطفل ، وتبادلا النظرات بصدمة فربتت هدير على كتفه واستقامت جاعلة إياه ينهض معها تقول :
-"متخافش يا مصطفى محدش هيعملك حاجة..
قولي أنت جعان؟"
أومأ برأسه ناظرًا لموضع قدمه ، فأمسكته من يده ودلفوا إلى المطعم الموجود في المبنى ، أطعمته.. وهي تتبادل مع منار نظرات استفسار.
عرضت عليه أن توصله إلى المكان الذي يريده لكنه رفض ، ولكن قبل أن يذهب أعطته ورقة مدون عليها رقمها ، ليحتفظ بها إذا احتاج إليها ، كما أنها أخرجت نقود وأعطتها له.
ظلت تراقبه وهو يجري ، وحاله تبدل من البكاء إلى الفرحة.
ثم دلفت إلى سيارتها ومنار بجانبها ، وأسندت رأسها على الكرسي خلفها.. فبادرت منار بالقول :
-"هدير ، أنا حاسة بحاجة غريبة في اللي حصل ده؟"
أومأت برأسها موافقة معها والتقطت هاتفها تقول :
-"أكيد ، أنا شاكة في حاجة ولازم اتأكد منها"
طلبت رقمًا وانتظرت تسمع الرنين على الجانب الآخر ، حتى سمعت صوتًا أنثويًا يجيبها ، فهتفت :
-"أيوه يا أمنية ، أنتِ في المعمل بتاعك صح"
-"أيوه يا هدير أنا موجودة فيه.. فيه حاجة ولا إيه؟"
- "طب أنا جيالك أنا ومنار ، عوزاكِ في حاجة مهمة"
انطلقت مسرعة بالسيارة ، لتصل إليها في معمله الكبير ، فأمنية دكتورة كبيرة في عالم التحاليل الطبية ، وهي من ستساعدها في الكشف عن هذه المادة التي أخذتها.
وصلت إليها فوجدتها تقف في انتظارها ، اقتربت منهم تمد يدها مرحبة ، فبادلتها السلام تسمعها تقول بجدية يشوبها القلق :
-"في إيه يا بنات قلقتوني؟"
أخرجت هدير الكيس الصغير الذي يحتوي على تلك المادة البيضاء وأعطتها لها :
-"أمنية ممكن تحللي المادة دي ، وتقولي لي المادة دي إيه؟"
قلبت الكيس في يدها ، ونظرت إليها بحاجبين معقودين تتساءل :
-"جبتِ الكيس ده منين؟"
فهتفت منار تدفعها للأمام لداخل غرفة الاختبار :
-"مش وقته يا أمنية ، أرجوكِ قولي لنا دي إيه ، وبعد كده هحكي لك كل حاجة"
فأسرعت بالقول تهم بفتح ذلك المحتوى :
-"طيب بس ده هياخد وقت شوية ، اقعدوا أنتم في مكتبي لحد ما أخلص وأجي"
غابت عنهم قرابة الساعتين ، كان نادر قد اتصل بمنار ليطمئن عليها ، فأخبرته بما حدث ، لحق بهم في المعمل ، حيث كانت صديقتهم الرابعة ولكنها التحقت بكلية العلوم ، أما هم فالتحقوا بكلية الإعلام.
خرجت إليهم وعلى ملامحها الغضب والقلق ، ووقفت أمام هدير ومنار تسألهما بحدة :
-"ممكن تقولوا لي المادة دي جبتوها منين؟"
تبادلت الفتاتان النظرات القلقة ، فهتف نادر قائلًا :
-"في إيه يا أمنية؟
إيه المادة دي؟"
هتفت بنفاذ صبر مازالت تنظر إليهن :
- ده هروين ، نوع قوي جدًا من المخدرات..
ممكن بقى تحكوا لي كل حاجة بالحرف الواحد"
بدأت هدير بسرد ما حدث منذ أن خرجت ولقائها بمصطفي ، إلى أن جاءت إلى هنا.. وما إن انتهت وضعت وجهها بين كفيها بتعب ، ووقفت منار تفرك يدها بقلق وعيونها شاردة ، وقالت بتوتر ملحوظ :
-"طب والعمل إيه؟
الموضوع كبير ، أكبر من مجرد طفل بيوزع مخدرات.. دول عصابة!"
وقف نادر بجوارها لتهدئتها ، وقال بنبرة هادئة عكس ما يعتمر في قلبه من قلق :
-"اهدوا يا جماعة.. الموضوع موجود من زمان ، وكتير من تجار المخدرات بيستخدموا الطريقة دي علشان يوزعوا بضاعتهم"
انتفضت هدير من موضعها بعصبية ، بعد صمتها تشيح بيدها:
-"ازاي يعني؟
أطفال أكبر واحد فيهم عنده عشر سنين ، يستغلوهم أنهم يوزعوا مخدرات؟
طب لو حد فيهم حصله حاجة؟"
أجابتها أمنية تفرك جبهتها دليلًا على التفكير :
- " لا حاجة.. يبقى طفل وراح ، و فيه غيره كتير..
الناس دي معندهاش عزيز ولا خوف على حد ، كل رجالتهم من أكبر واحد لأصغر واحد كبش فدا ملهمش لازمة.. ولو حسوا أن حد خطر عليهم يدفنوه حي ده لو متكرموش عليه وقتلوه"
-"طب والحل إيه يا جماعة؟"
نطقتها منار بيأس ، فهز نادر رأسه برسمية ، وقال بنبرة جادة :
-"ولا أي حاجة ، تعاملوا بشكل طبيعي"
-"ازاي يعني؟"
سألته منار بدهشة وحاجبين مرفوعين بتساؤل ثم تابعت :
-"هنسيب الموضوع كده؟"
التقطت هدير حقيبتها ، والتفتت إلى أمنية بقلة حيلة :
-"أنا همشي مش قادرة أفكر دلوقتي محتاجة أهدى ، على العموم متشكرة قوي يا أمنية تعبتك معايا"
ابتسمت ابتسامة هادئة ، وقالت بنبرة مرحة :
-"متقوليش كده أنتِ ممرمطانا معاكِ.. المهم تفكري كويس لأن الموضوع المرة دي مش سهل"
أومأت برأسها مطمئنة إياها ، وأردفت تهم بالخروج :
-"إن شاء الله خير.. يلا سلام"
خرجت من الحجرة ومن المكان بأكمله بعد أن ودعت منار ونادر ، ودلفت إلى سيارتها متجهة إلى المنزل.


Fatima Zahrae Azouz غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة

الانتقال السريع


الساعة الآن 09:54 AM



Powered by vBulletin®
Copyright ©2000 - 2021, vBulletin Solutions, Inc.