آخر 10 مشاركات
‏المهرة اللي دونها ألف حارس ‏يصعب على أطوال الشوارب نحرها.. (الكاتـب : الغيد - )           »          رواية جريح الصمت يا قلبي (الكاتـب : ضاقت انفاسي - )           »          أميرى العابث (73) للكاتبة Sandra Marton .. كاملة مع الروابط (الكاتـب : nagwa_ahmed5 - )           »          الهاجس الخفى (4) للكاتبة: Charlotte Lamb *كاملة+روابط* (الكاتـب : monaaa - )           »          فضاءات اليأس والأمل *مميزة* (الكاتـب : #أنفاس_قطر# - )           »          زوجة الذئب (9) للكاتبة:Bonnie Vanak (الجزء2من سلسلة القدماء)فصل5 (الكاتـب : Gege86 - )           »          271-هل بريئة أنت ؟-غليندا ساندرز-عبير الجديدة (الكاتـب : Just Faith - )           »          حب من الجحيم *مكتملة* (الكاتـب : Zhala 97 - )           »          217- عيون الحب- كاترين ارثر- مكتبة مدبولي(كتابة /كاملة)** (الكاتـب : Just Faith - )           »          1169 - شريك في الحب ـ جيسيكا هارت - د.ن - رااااائعة (الكاتـب : ^RAYAHEEN^ - )


العودة   شبكة روايتي الثقافية > قسم الروايات > منتدى قصص من وحي الاعضاء

Like Tree678Likes
إضافة رد
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 21-05-21, 11:02 PM   #51

روز علي
 
الصورة الرمزية روز علي

? العضوٌ?ھہ » 478593
?  التسِجيلٌ » Sep 2020
? مشَارَ?اتْي » 380
?  نُقآطِيْ » روز علي is on a distinguished road
افتراضي


اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة جودالعلي مشاهدة المشاركة
للحين ما نزلتي

إن شاء الله يوم السبت بنزل الفصل الجديد حبيبتي ، كوني بالانتظار ❤

زهرورة likes this.

روز علي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 22-05-21, 09:22 PM   #52

روز علي
 
الصورة الرمزية روز علي

? العضوٌ?ھہ » 478593
?  التسِجيلٌ » Sep 2020
? مشَارَ?اتْي » 380
?  نُقآطِيْ » روز علي is on a distinguished road
افتراضي الفصل العاشر

الفصل العاشر............
تنفست بهدوء امام زجاج النافذة والذي اصبح غير واضح الرؤية به بسبب تجمع ضباب انفاسها عليه حتى لم تعد تستطيع رؤية شيء من خلاله ، رفعت بعدها كفها بهدوء مرتجف قبل ان تخط على زجاجه بأصبعها السبابة وهي تتبع حركته بانسيابية لتضغط بالنهاية بمنتصف لوحتها بقوة والتي اعتادت على رسمها بأوقات وحدتها المقيتة لتظهر امامها على شكل وجه عابس بحزن يعبر عن حالتها الحالية وبكل حالاتها ، بينما كانت (صفاء) معتادة على رسم وجه مبتسم بسعادة لطالما تحلت بها وناسبتها ليكونا دائما النقيض عن بعضهما بكل شيء وحتى بأبسط الأمور .

عادت لرفع اصابعها بعنف بمنتصف اللوحة لتصبح لوحة متقاطعة بكل الاتجاهات لتختفي عندها ملامح الوجه العابس خلف الخطوط المتقاطعة .

اخفضت بعدها يدها وهي تكتف ذراعيها فوق صدرها ببرود لتهمس بعدها بلحظات ما ان شعرت بحركة خافتة عند باب الغرفة
"ماذا حدث معكِ ، لما عدتِ مبكرا من العمل"

زفرت (روميساء) انفاسها بتشنج قبل ان تتقدم بعيدا عن الباب قائلة بهدوء مريب
"لا تقلقي ، كل شيء بخير للآن"

عقدت حاجبيها بحيرة حادة وهي تتوقع الأسوء منها لتستدير عندها نحوها ببطء وهي تهمس بوجوم
"ماذا تقصدين بكلامكِ يا روميساء....."

توقفت عن الكلام وهي تعبس ملامحها بجمود ما ان رأت ملامح شقيقتها الحزينة وحدقتيها الخضراء المتسعة باحمرار ومرارة تفهمها جيدا ، لتعود بعدها للنظر للأمام بلا مبالاة وكأنها معتادة على هذه الأخبار الكئيبة بدون ان تؤثر بها ولو قليلاً وهي تقول بجفاء
"حسنا ، يبدو بأنكِ قد طردتِ من العمل والوحيد والذي كان متبقي لنا ، ولكن لا بأس فهذا كان سيحدث يوماً ما"

تصلبت ملامحها بعدم رضا من سلبيتها قبل ان تندفع نحوها لتمسك بكتفيها وهي تديرها باتجاهها بقوة قائلة باستياء
"لا تقولي مثل هذا الكلام يا ماسة ، فأنا سأجد حل آخر لكل مشاكلنا ولمصاريف معيشتنا....."

انتفضت (ماسة) بحدة وهي تتراجع للخلف بعيدا عن يديها قائلة بثورة
"توقفي يا روميساء عن تكرار هذه الاسطوانة ، لقد سمعتُ منكِ هذا الكلام اكثر من مرة حتى بدأتُ اشعر بالضجر منه ، وهذه المرة ستستمعين انتِ لحلي انا وهو بأنني سأبدأ بالعمل بأي مجال آخر مهما كان ويوفر لنا المال ، وانتِ يا روميساء ستتوقفين عن التنقل بالمدارس وستبحثين عن عمل آخر لا يخص مجال دراستك"

ارتفع حاجبيها بوجوم وهي تهمس ببرود شاحب
"هذا ليس حلا ابدا يا ماسة ، فنحن لن نجد العمل والذي نريده بهذه السهولة والبساطة بدون اي شهادة او خبرة ، وايضا انا لا استطيع العودة للتنقل بالأعمال المختلفة والتي لن تجلب لنا راتبا محترما كالذي يوفره لنا عمل المعلمة"

ابتسمت (ماسة) بسخرية وهي تهمس بامتعاض
"ولكن هذا ليس جديد عليكِ يا روميساء ، فقد جربتِ جميع انواع الأعمال المختلفة عندما كنتِ تعملين لصالح قيس"

تجهمت ملامحها بلحظات وهي تقول بصرامة حادة ملوحة بذراعها جانبا
"اصمتِ يا ماسة فقد اصبح كل هذا من الماضي وانا من المستحيل ان اعود لتمثيل ذلك الدور الرخيص"

اشاحت بوجهها بعيدا عنها بجمود صخري وهي تنظر لزجاج النافذة وللرسمة المشوهة فيها مخفية اي جمال قد يظهر بملامحها العابسة وكله من صنع يديها ، لطالما كانت حياتهما عبارة عن تأدية ادوار بحياة (قيس) الوضيعة بدون امتلاك الحق بالرفض او التحكم بمجريات حياتهما ، والآن وبعد ان تحررت كل قيودهما منه من المستحيل ان يعودا لتلك الدوامة السوداء مجددا والتي استنفذت منهما كل كرامة وطاقة يملكانها .

قالت (ماسة) فجأة بخفوت غير معبر
"إذاً ألديكِ حل آخر غيره"

تنفست بتعب وهي تلتفت نحو النافذة بهدوء لتقبض عندها على كفيها بقوة قبل ان ترفع يدها وهي تسندها على زجاج النافذة الباردة برفق ، لتقول بعدها بتصلب خافت
"اريد منكِ ان تسمعيني للنهاية بدون اي انفعال او غضب ، فكل ما افعله من قرارات بحياتنا من اجل مصلحتنا فقط"

حادت بنظراتها الزرقاء نحوها بهدوء وهي تنتظر بترقب تكملة كلامها ، بينما ابتلعت (روميساء) ريقها بهدوء ومشاعر من السكون تحوم من حولهما وكأنها تسمح لهما بتأمل حياتهما عن قرب بعد سنوات طويلة من العيش على نفس الترنيمة المملة ، قالت بعدها بقوة قاطعة الأجواء بدون اي مواربة
"لقد عرض عليّ احمد الزواج وانا وافقت عليه"

سادت لحظات صمت دامت لدقائق بدون نهاية ، وما ان كانت ستتابع كلامها حتى سبقتها الأخرى وكأنها قد افاقت من صدمتها للتو وهي تهمس بانشداه منفعل
"احمد نفسه ابن محرب والمتزوج من تلك الشمطاء"

استدارت (روميساء) نحوها بعنف وهي تقول بتحذير صارم
"إياكِ وان تقولي هذا الكلام امامي مرة أخرى يا ماسة ، وانا لم انهي كلامي بعد من اجل ان تبدأي بسخريتكِ المعتادة"

كتفت (ماسة) ذراعيها فوق صدرها بعصبية بالغة وهي تنظر لها بحدقتيها الزرقاء المتسعة هامسة بحنق
"اكملي ، ماذا لديكِ ايضا"

زمت شفتيها بامتقاع وقد كانت تتوقع هذا الاحتدام والاستنكار منها ، لتتابع بعدها كلامها قائلة بجدية هادئة
"لقد وعدني بأنه سينفذ لنا كل طلباتنا ، واقصد بأننا سنحصل على حياة مريحة ومرفهة وغير هذا عمل بمدرسة محترمة ومنزل لنا لوحدنا فقط ، يعني كل ما كنا نتمناه بطفولتنا سيتحقق اخيرا...."

قاطعتها (ماسة) ببرود قاتل
"وما هو الثمن ، فكل شيء له ثمن يا روميساء ، أنسيتِ هذه القاعدة والتي تعايشنا عليها منذ سنوات"

تصلبت ملامحها بعبوس وهي تبعد نظرها عنها قائلة ببرود متعمد
"ليس هناك ثمن هذه المرة يا ماسة ، وهذا ليس مهمٌ الآن فأهم شيء عندنا هو ان نضمن حياتنا تحت سقف منزل واحد يحمينا من العالم"

تقدمت نحوها فجأة بلحظات وهي تمسك بذراعيها بقوة قائلة بحدة بالغة
"هراء ، تعلمين جيدا بأن هناك ثمن يا روميساء من اجل هذا الطلب ، وانا وانتِ نعلم جيدا ما يكون ، من اجل ان تحصلي على حياة مرفهة لنا ستقبلين بأن تكوني زوجة ثانية لأحمد وتكوني مجرد جارية وخادمة عنده لن تصل لمستوى زوجته الأولى ذات السمعة العريقة مثل ما كنا بحياة قيس تماما ، هل تريدين ان تصلي لهذا المستوى المنحط"

عقدت حاجبيها بألم منقبض ما ان تذكرت ما حدث معها بمكتب المدير العابث والثمن والذي كانت على وشك ان تدفعه من عملها عنده ، لتندفع بعدها بغضب مفاجئ وهي تنفض ذراعيها بعيدا عنها قائلة بانفعال حانق
"كفى يا ماسة ، ألن تتوقفي عن هذا الكلام المحبط وانتِ تتوقعين دائما الاسوء بحياتنا ، لقد عرضتُ عليكِ افضل عرض من الممكن ان نحصل عليه ليوصلنا للحياة المرفهة ، وبدل ان تدعميني تقولين مثل هذا الكلام القذر عن ابن خالك احمد ، ولكن لما الصدمة فأنتِ لن تتغيري ابدا وستبقين دائما الفتاة ذات النظرة الكئيبة والتي لا تتمنى الخير لأحد ، وتقف دائما امام سعادة الآخرين"

ارتفع حاجبيها بصدمة عند آخر كلماتها والتي تسمعها لأول مرة من شقيقتها الكبرى وكأنها بدأت بالهذيان ، لتقول بعدها وهي تشير لنفسها بيدها باقتضاب
"انا دائما اقف امام سعادة الآخرين"

ردت عليها (روميساء) بحزن ومرارة وهي تحرك ذراعيها للأسفل بإحباط وقد فقدت السيطرة على نفسها تماما من الضغط والذي تتعرض له منذ الصباح
"اجل انتِ كذلك ، لو انكِ تفكرين حقا بسعادتي لما وقفتي امامي هكذا وبدأتي بالسخرية من قراري بالزواج من احمد ، وانا كل ما يهمني بهذه الحياة هو ان اؤمن السعادة لكلينا ولكِ ، ولكن هل فكرتِ يوما بسعادتي انا وبماذا ارغب بهذه الحياة ، كنتُ ولازلت احاول حمايتكِ وافعل ما يريحكِ فقط ويسعدكِ بدون ان افكر بنفسي ، عندما قررتِ مغادرة منزل محراب وافقتك وعندما طلبتِ مني اعادة الثوب والمجوهرات فعلتُ ما قلته ، والآن وبعد كل شيء تريدين إفساد سعادتنا الوحيدة بالوصول لكل ما نتمناه يوماً ، إلى متى ستستمرين بعرقلة سعادتنا"

كانت تتنفس باضطراب واضح بين كلماتها بعد ان عبرت عن كل ما تكنه نحوها وتكبته بداخلها منذ سنوات ، بينما تجمدت ملامح (ماسة) بلا تعبير وبعض الألم بدأ ينضح بعينيها الزرقاء البحرية من كل هذه الاتهامات والتي لم تكن تعلم عنها وكأنه لا يكفيها كلام الناس من حولها والذي تسمعه بكل مكان ليزيد عليه كلام شقيقتها الكبرى ورأيها بها لتكتشف بأنها لم تكن سوى مجرد حِمل عليها اتعب كاهلها منه وضاقت ذرعاً منه ، فهي كيف ستستطيع فهمها وتشعر بها وهي دائماً غير موجودة بعالمها والذي ازهق روحها وارتشف الذرة الأخيرة من حياتها لتبدو الحياة امامها مجرد سباق عليها اللحاق به والفوز بالنهاية ؟

اعادت (ماسة) وجهها باتجاه النافذة ببرود اكتسى ملامحها وهي تهمس بابتسامة شاردة بجمود
"هنيئاً لكِ بهذا الزواج يا شقيقتي الكبرى ، فأنا من الآن وصاعدا لن اتدخل بأي شيء يتعلق بسعادتك ولن اكون حِملا عليكِ بعد الآن ، فأنتِ تستحقين الأفضل بحياتكِ ، لذا اعتبري من كانت تعرقل عليكِ سعادتك لم يعد لها وجود"

رفعت قبضتها بارتجاف لجبينها وهي تمسد عليه بإنهاك استبد بها ، لتحاول بعدها الكلام للمرة الأخيرة بهمس ضعيف
"ماسة اسمعي...."

قاطعتها (ماسة) بانقباض وهي تستدير بعيدا عنها بلا مبالاة
"حسنا فهمت ، لن اقف بطريقكِ بعد الآن ويمكنكِ فعل ما تشائين ، ولا تفكري بي فأنا سأكون بخير وحدي ، فكري بنفسكِ فقط وتابعي حياتكِ بعيدا عني فأنا لن اعيش بعد الآن على صدقات احد"

اخفضت قبضتها لصدرها ببطء انهك قواها الجسدية والذهنية قبل ان تستدير بهدوء بعيدا عنها وكل واحد منهما معطية ظهرها للأخرى ، سارت بعدها بالطريق والتي جاءت منها لتخرج من الغرفة بنفس الهدوء والذي دخلت به ، لتخلف من بعدها صمت قاتم ووحدة تكاد تقتلها حية وصدى صوت قديم عاد ليتردد بأذنيها بمكان مظلم بدون ان ينفذ النور إليه
(لا تتركوني وحدي ، ارجوكم لن اخطئ بالتصرف معكم مرة أخرى ولكن لا تتركوني)

_____________________________
كانت تجلس بمنتصف السرير بنفس جلستها المتكورة وهي تحتضن ساقيها بذراعيها لتحمي نفسها من وحدة الظلام والتي تحيط بها بكل مكان بدون اي مهرب وجسدها يهتز بصمت للأمام وللخلف بحركة رتيبة ، لتجتاحها بعدها الذكريات البعيدة والتي تتضمن مشاعر دافئة وحنين كانت قد دفنته بداخل روحها الموحشة ليبقى ملقى بزاوية بعيدة مهملة بدون ان تحاول اعادته للسطح او البحث عنه لكي لا تشعر بأي مشاعر لم يعد لها وجود بحياتها او ضعف سيكبل حركتها .

عادت بالزمن بالوقت والذي كانت به مجرد طفلة بعمر السابعة تحلم بأماني كبيرة واحلام طفولية تتمنى لو تتحقق يوماً وعلى يدي جنيتها الخاصة وكل شيء جميل بحياتها ، بوقتها كانت تنظر من نافذة غرفتها مع (روميساء) والتي كانت شاردة معها بمنظر قطرات المطر المتساقطة على الزجاج كما اعتادتا ان تفعلا بكل ليالي الشتاء الغائمة ، ليقطع الصمت صوت (ماسة) وهي تقول بتردد طفولي
"روميساء ، هل تحققين لي اي امنية اطلبها منكِ"

التفتت نحوها الجالسة بجانبها بعينيها الخضراوين الحنونتين وهي تبتسم قائلة بثقة طفولية
"اطلبي ما تشائين وانا سأحققه لكِ ، اعتبريني مثل جنية الامنيات والتي تحقق الاماني لكل الاطفال"

اتسعت ابتسامتها بفرحة طفولية وهي تضم كفيها الصغيرين معا قائلة بلهفة بالغة لمع بحدقتيها الزرقاء بتوهج
"هذا رائع ، لأني اريد ان اطلب منها الكثير من الأشياء"

رفعت (ماسة) كفها الصغير وهي تعدد بأصابعها الصغيرة قائلة بحماس
"اولاً اريد ان يكون لي بيت كبير جدا مثل القصر ونعيش به انا وانتِ فقط ، وثانياً اريد ان يكون به مسبح وحديقة لألهو بها كما اشاء مثل حديقة السيد منصور ، وثالثاً اريد ان امتلك دمى كثيرة وحلوى مثل التي تحصل عليها صفاء ، ورابعاً اريد ان يكون لدي فساتين جميلة وملونة مثل التي اراها على التلفاز ، وايضا ، وايضا....."

قاطعتها الجالسة بجانبها وهي تضحك بمرح طفولي
"كفى يا ماسة ، ما هذه الامنيات الكثيرة ، لن تستطيع جنية الامنيات تحقيق كل هذا فهي تحقق فقط ثلاث امنيات لكل طفل"

كتفت (ماسة) ذراعيها فوق صدرها وهي تهمس بحنق طفولي
"هذا ليس عدلا ابدا ، انا اريد الكثير والكثير لتحقيقه ، وايضا انا اعلم بأنكِ لستِ مثل جنية الامنيات وستحققين لي كل امنياتي مهما كان عددها وحجمها ، أليس كذلك"

ابتسمت بالمقابل بهدوء وهي تستمع لنبرة التحدي والشقاوة والتي بدأت تظهر بصوتها الطفولي ، لتحرك بعدها رأسها بالإيجاب وهي تقول بابتسامة هادئة تحمل الحزن والحنان معا
"اجل مؤكد سأحقق لكِ كل امنياتكِ ، فأهم شيء عندنا هي سعادة صغيرتنا المشاغبة لكي لا تسبب لنا بمزيد من المشاكل"

رفعت (ماسة) اصبعها الصغير بسرعة وهي تقول بلهفة طفولية
"عديني اولاً بأنكِ ستحققين لي كل ما احلم وارغب به"

نظرت بحدقتيها الكبيرتين لأصبعها الصغير للحظات قبل ان ترفع يدها وهي تعانق اصبعها الصغير بأصبعها الطويل بقوة كعلامة لتوثيق الوعد بينهما لن تمحى بمرور السنين وهي تهمس بنفس طفوليتها
"اعدك"

بدأت (ماسة) بالضحك بسعادة بالغة وهي تندفع نحو شقيقتها لتطوق خصرها بذراعيها بقوة وهي تدفن وجهها الصغير بصدرها بهدوء ، لتقول بعدها بكل ما تملكه من محبة اتجاه الكائن والذي لازمها بكل حياتها منذ ولادتها
"احبكِ كثيرا يا روميساء ، اكثر شيء احببته بحياتي ، وحتى اكثر من صفاء ولكن لا تخبريها"

ردت عليها (روميساء) بعطف وهي تربت على رأسها بهدوء يناسب هدوء ملامحها الطفولية
"وانا ايضا ، احبكِ اكثر"

شددت من معانقة ساقيها بقوة ما ان خرجت من دوامة ذكرياتها اليتيمة والمحبوسة بجزء من قضبان روحها والتي اغلقت عليها قيودها منذ سنوات ، لتعود الذكريات البعيدة لجرفها بعيدا لنفس المشاعر الدافئة والمكان وهذه المرة بوضع مختلف عندما كانت تلعب بجنينة المنزل الصغيرة والتي كانت رغم صغر مساحتها ولكنها مع ذلك تفي بالغرض للعب بها وقضاء الوقت الممتع بها خارج المنزل ، بوقتها كانت تلعب الغميضة كعادتها مع صديقتها المقربة (صفاء) وقد اخذت دور المختبئ والأخرى تبحث عنها ، لتختبئ عندها وراء شجرة صغيرة متساقطة الأوراق بسبب عدم الاعتناء بها وهي تتكور خلفها لكي لا يظهر شيء منها ، بينما كانت (صفاء) تبحث عنها وهي تصرخ بتذمر طفولي
"اين انتِ يا ماسة ، لقد مللت حقا من البحث عنكِ ، هيا اظهري"

كانت (ماسة) تكتم ضحكتها الطفولية بصعوبة بكفها الصغيرة ، لتشهق بعدها بجزع ما ان رأت الواقفة فوقها وهي تقول بغضب مشتعل توهج بحدقتيها الخضراء المتسعة
"انا ابحثُ عنكِ بكل مكان ، وانتِ تلعبين هنا"

تدخلت (صفاء) وهي تقف بجانبها الآخر قائلة بفرح طفولي شع بحدقتيها العسلية بانتصار
"لقد وجدتكِ يا ماسة ، وهذا يعني بأني قد فزت عليكِ"

انتفضت (ماسة) واقفة امامها وهي تقول باستياء حانق
"غير صحيح لقد غششتي ، لأن روميساء قد وجدتني قبلك"

ردت عليها (صفاء) بلا مبالاة وهي تجري بعيدا عنها بسعادة وثوبها يتطاير من حول ساقيها بحرية
"غير مهم ، فقد فزتُ عليكِ بالنهاية"

عبست ملامحها بغضب وهي تضرب على الأرض بقدميها الصغيرتين بسخط لتجري بعدها خلفها بعيدا وعلى صوت (روميساء) الحاد وهي تصرخ من خلفها
"ماسة ، توقفي عن اللعب ، واذهبي لإنجاز وظائفكِ المدرسية لأني لن اساعدكِ بها بعد الآن يا مهملة"

رفعت رأسها عاليا وهي تخرج نفسها غصبا من دوامة ذكرياتها وهي تشعر بضعف من عاطفتها يؤخذها بعيدا عن عالمها شيئاً فشيئاً حتى زادت الصدوع والتشققات بقضبان روحها المغلقة ، لتفتح بعدها عينيها البحرية على اتساعهما بألم وهي تحاول اخذ عدة انفاس لاهثة وكأنها كانت الآن بسباق طويل دام لسنوات حتى وصلت لخط النهاية والملون بالأبيض وهو نهاية كل شيء وكل الحكايات بالعالم حيث لا يبقى شيء مهم يستحق وجودنا من اجله وعيشنا عليه المتبقي من عمرنا .

____________________________
كانت جالسة فوق مقاعد الانتظار بالطرقات وهي تتنفس بنشيج متعب وقبضتيها مستندتين على ركبتيها ورأسها مرتخي للأسفل ليسقط شعرها شديد السواد على جانبي وجهها بتخاذل وهو يغطي وجهها عن العالم ، بينما كانت تشعر بداخلها بشيء يموت رويدا رويدا بدون ان تمنع هذا الشعور من الزحف لباقي اطراف جسدها بانتفاض ليحل مكانه سكون فارغ موحش ، فهي ولأول مرة بحياتها تتعامل بهذه الطريقة القاسية مع شقيقتها الصغرى والطفلة والتي تحملت مسؤوليتها بالمهد منذ كانت هي بعمر الخامسة ، فقد كانت والدتها من نوع الامهات الغير مبالي والذي لا يحب الالتزام بالمسؤوليات ولا يفهم كيفية الاعتناء بالأطفال وتلبية طلباتهم الكثيرة فما ان انتهت فترة امومتها حتى عادت لعملها ولحياتها المستقلة بعيدا عنهما ، وبدون ان يقف بطريقها احد ولا حتى والدها والذي لم يكن بقوة شخصيتها وعنفوانها ذلك الرجل عديم الشخصية كما كانت تطلق عليه والدتها وهي تعاير ضعف جبروته امامها ولم تكن تعلم بأنه كان افضل زوج قد يمر عليها بحياتها القصيرة وهي تكتشف قيمته بعد رحيله .

لطالما كانت تغضب عليها وتعاتبها إذا اخطئت بالتصرف معها او مع اي احد بطريقة امومية منطقية ولكنها لم تصل بحياتها لدرجة بأن تهينها وتجرحها بالكلام بسببي سخريتها والمعتادة عليها وهي تبغض تحملها لمسؤوليتها فمهما كان وحدث فهي ستبقى دائما مسؤوليتها وحمايتها من العالم فهو واجبها ، ولكن الذي حدث قبل قليل عكس ذلك تماما وهي تشعر بدنو علاقتهما للأسوء وقد بدأت تفقد السيطرة على زمام الأمور فيبدو بأنها لم تعد أهل لهذا الحِمل بعد كل هذه السنوات .

انتفضت بجلوسها بتوجس وهي ترفع رأسها بسرعة نحو صوت بوق السيارة وعينيها الخضراوين متسعتين باستدارتهما ، لتتنهد بعدها براحة ما ان عرفت هوية السيارة ومن صاحبها وقد كانت تشعر بنظراته الرمادية الهادئة تنظر لها بتركيز حاد من زجاج النافذة المعتمة الأمامية .

نهضت بسرعة عن المقاعد وهي تعيد خصلات شعرها الطويلة لخلف اذنيها بهدوء وهو يتتبعها بتمهل بدون ان تنتبه لذلك قبل ان تسير نحوه وابتسامة حزينة تحتل ملامحها الشاحبة بهدوء دائما ما تحوم حول ملامحها بدون ان تخفي الصرامة والتي تحتل حدقتيها بين الحين والآخر وكأنها تجيد التحكم بكل انفعالات وجهها بطريقة مدروسة ملفتة للانتباه والإعجاب .

ما ان وصلت عند باب السيارة عند المقعد بجانبه حتى انحنى بجسده ليمد ذراعه وهو يفتح الباب بيده بقوة قائلا بابتسامة متزنة
"هيا ادخلي فورا ، ولا اريد ان اسمع اي اعتراض منكِ"

ابتسمت (روميساء) بارتجاف متوجس وهي تنظر لجسده الطويل والذي كان يرجعه للخلف باتزان هادئ وهو يبتسم لها بجمال سحرها للحظات ، لتدخل بعدها للسيارة وهي تجلس بجانبه مغلقة الباب من خلفها برفق ، وما ان تحرك بالسيارة بعيدا حتى قالت بتفكير عابس
"لقد ظننتُ بأنك قد غادرت من الحيّ بأكمله ما ان اوصلتني لمدخله ، لم اكن اعلم بأنك ما تزال بالجوار"

حرك (احمد) رأسه بالإيجاب وهو يقول بابتسام جاد
"لا لم ارحل فقد كنتُ انتظركِ عند مدخل الحيّ لنكمل كلامنا ، وايضا لقد مللت من مراقبتكِ وانتِ تتنقلين من مكان لآخر جاذبة الأنظار من حولكِ من طريقة سيركِ المتخاذلة"

ارتفع حاجبيها بانشداه وهي تلتفت نحوه بوجهها هامسة بوجوم
"هل قضيت طول اليوم وانت تلاحقني"

ردّ عليها وهو يحيد بنظراته نحوها بسخرية
"عذرا يا اميرة ، ولكن أليس مسموح لي بملاحقتكِ وكأنه ليس لدي شيء آخر افعله غيره"

انحنت عينيها للأسفل بإحراج وهي تهمس بحزن
"اعتذر حقا ، يبدو بأنني قد سببت لك بإزعاج كبير بدون ان اقصد"

زفر انفاسه بروية وهو يقول بقوة متجاهلا نظراتها الحزينة والتي يشوبها الإنهاك والواضح بخطوط ملامحها الدقيقة
"انسي هذا الآن ، واخبريني ماذا حدث مع شقيقتك ماسة ، ألم تتقبل فكرة زواج شقيقتها الكبرى من ابن خالها"

زمت شفتيها بقوة وهي تعود بنظرها للأمام وغصة مؤلمة بدأت تنخز قلبها بقوة بعد ان ظنت بأنها قد انتهت منها ولم تعد تشعر بها بعد ان خرجت من غرفة شقيقتها ومن المنزل بأكمله بقلب محمل بالهموم والحزن ، وهي لا تعلم للآن ماذا عليها ان تفعل وكيف تستعيد شقيقتها الصغرى والتي لطالما كانت تؤخذ كل حيز من حياتها وكل تفكيرها لهذه اللحظة ؟

قالت بعدها بسرعة وهي تنظر له برقة متجاهلة كلامه الأخير
"لم تخبرني للآن يا احمد ، ما لذي تريد منّا ان نتكلم عنه ، فقد تكلمنا عن كل شيء بالفعل"

نظر الجالس بجانبها لنظراتها الهادئة والتي تحمل الرقة مع التوجس من شيء لا يعلم ما هو ؟ ولكنه لم يهتم لهذا فقد كان يعطي كل انتباهه لاسمه والذي اصبح يخرج منها مجردا وقد اسعده هذا كثيرا بعد ان اصبحت مقربة منه اكثر من مجرد ابنة عمته فقط .

قال بعدها بجدية وهو يوقف السيارة بجانب الطريق بهدوء
"اسمعي ما سأقوله فهو مهم جدا ، لقد قررتُ بأن اليوم هو الوقت المناسب لنعقد قراننا معا بالمحكمة من اجل ان لا يمانع احد بعدها على علاقتنا او تحدث عقبة بعدها تفسد كل شيء ، فانا لدي رحلة عمل من اجل صفقة مهمة بمنطقة بعيدة وستؤخذ مني كل وقتي ولن استطيع عندها التفرغ لكِ ، واريد ايضا ان يكتمل كل شيء على اكمل وجه قبل ان اغيب عنكِ ، من اجلي ألا يحاول احد التقليل من قيمتكِ او ايذائكِ بغيابي وانتِ لستِ زوجتي ، واما باقي الأمور المتعلقة بطلباتكِ فستتحقق ما ان اعود من رحلتي ، فهل انتِ موافقة"

تنفست بهدوء وهي تبتلع ريقها برهبة من طلبه المفاجئ والذي لم تكن تتوقعه ابدا وبهذا الوقت بالذات ، وهي حتى الآن لم تثبت على قرار محدد بالرغم من انها وافقت من قبل على عرضه للزواج ، ضمت كفيها معا بحجرها ما ان مر بذهنها كلام شقيقتها عن الثمن والذي ستدفعه من هذا الزواج وهي تعلم جيدا ما معنى دفع الثمن والذي تعايشت معه منذ زمن .

قالت بعدها بلحظات بخفوت مرتبك بتشوش
"بخصوص العلاقة الزوجية بعد الزواج ، انا اقصد...."

قاطعها (احمد) بخشونة هادئة وهو ينظر لها قائلا بابتسامة حانية
"لا بأس افهمكِ جيدا ، ولكن عليكِ ان تعلمي بأنه لن يحدث اي شيء بيننا بدون موافقتكِ يا روميساء فهذا بالنهاية قراركِ انتِ ، وهذا ليس الهدف الاساسي من زواجي منكِ"

رفعت نظراتها نحوه بشحوب وهي تشعر بالانقباض والذي كانت تشعر به بصدرها قد اختفى من مفعول كلماته الهادئة وابتسامته الحانية وكم ذكرتها بابتسامة والدها والتي لم تكن تراها كثيرا سوى من حين لآخر وهو يقابلها بها قبل ان تقضي عليها والدتها كالعادة ، ولكن ما تزال تشعر بالقلق ينهش احشائها بدون رحمة وبدون ان تتأكد للآن من صحة ما تفعله ؟ ومع ذلك فهي لم يعد امامها خيار غيره إذا كانت تريد ان تصل هي وشقيقتها لبر الأمان والذي يكون هو وسيلته بدون ان تكونا ضيوف عند عائلة خالهما او عند اي احد كان .

اومأت برأسها باهتزاز وهي تهمس بابتسامة شاحبة برقة
"افعل ما تراه مناسبا ، فأنا اثق بك يا احمد"

اتسعت ابتسامته بقوة وهو يرفع يده ليربت بها على رأسها ولكن ما لم تتوقعه هو ان يميل بوجهه امام رأسها ليقبل مقدمة جبينها بعمق بعث حرارة بأوصالها ، ليتراجع بعدها بهدوء وهو يخفض كفه ليمسك عندها بجانب وجهها قائلا بجدية
"هيا إذاً لنخرج ونفعلها واهم شيء هو وجود بطاقة هويتك معكِ ، وتأكدي بأنكِ من الآن قد اصبحتِ انتِ وشقيقتك تحت حمايتي وبدون ان يمسكما اي احد بمكروه يا بنات عمتي"

ابتسمت بسعادة هادئة وهي تتمنى حقا ان يحقق كلامه والذي تاقت إليه بحياتها كثيرا ، ولم تنتبه بأنهما قد وصلا بالفعل لمبنى المحكمة والذي سيتم به عقد قرانهما رسميا وبدون تدخل اي احد .

يتبع................

زهرورة likes this.

روز علي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 22-05-21, 09:38 PM   #53

روز علي
 
الصورة الرمزية روز علي

? العضوٌ?ھہ » 478593
?  التسِجيلٌ » Sep 2020
? مشَارَ?اتْي » 380
?  نُقآطِيْ » روز علي is on a distinguished road
افتراضي

دخلت للغرفة السابحة بالظلام لا يظهر منها اي شيء بالرغم من ان الشمس لم تغب بعد وهي ما تزال بوقت الظهيرة ، لتتجه من فورها للنافذة الوحيدة بالغرفة قبل ان تفتح ستائرها بقوة والتي كانت تخفي الشمس عنها ليتسلل عندها بعض من ضوء الشمس للداخل وتحديدا للجالسة بالسرير بسكون وهو يغطي جانب جسدها ، تركت الستائر لتجلس على طرف السرير وبجانب المتكورة بصمت ، لتقول بعدها برقة وهي ترفع يدها لتربت على كتفها بخفة
"ماسة ، هيا افيقي وتكلمي معي"

ولكن لا حياة لمن تنادي لتزيد من ضرب كتفها وهي تقول باستياء
"ماسة انا لا امزح معكِ ، هيا افيقي من اجلي يا متجمدة القلب"

مرت لحظات صمت قبل ان يخرج صوتها خافتا بحدة
"صفاء ، ارحلي من هنا"

زمت شفتيها بحنق وهي تخفض كفها قائلة بخفوت حزين
"الحق عليّ اتيتُ للاطمئنان عليكِ ما ان اخبرتني روميساء بأن ابقى بجواركِ بهذه الفترة من اجل ان اعتني بكِ بغيابها"

سكنت انفاس الجالسة بجانبها للحظات قبل ان تقول ببرود طغى عليه الألم
"هل حقا روميساء من طلبت منكِ هذا"

حركت (صفاء) رأسها بتأكيد وكأنها تراها وهي تهمس بهدوء مبتهج
"اجل هي من طلبت مني هذا ، واكدت عليّ ألا اترككِ وحدكِ ابدا مهما حدث"

ارتجفت ساقيها بألم احتل بكل اطرافها من البرد القارص والذي يحوم بزوايا الغرفة الموحشة وقد بدأت تشعر بوجوده الآن ، لتسمع بعدها صوت (صفاء) وهي تكمل كلامها بحيرة
"ولكن لم تخبروني للآن عن سبب عودتكما لبيت عمي قيس ، هل حدثت مشاكل بمنزل خالك ، وايضا لما كانت روميساء قلقة عليكِ لهذه الدرجة ولم تأتي للاطمئنان عليكِ بنفسها"

رفعت (ماسة) رأسها بهدوء بعيدا عن ساقيها وهي تقول بخفوت حذر بريبة
"صفاء ، هل انا ذات نظرة كئيبة"

ارتفع حاجبيها البنيين بعدم استيعاب وهي تهمس بوجوم
"لما تقولين مثل هذا الكلام الغريب يا ماسة....."

قاطعتها وهي تلتفت نحوها بوجهها بقوة قائلة بتشديد
"هل انا ذات نظرة كئيبة"

عقدت حاجبيها بتفكير للحظات وهي تتمتم بامتعاض
"حسنا بعض الشيء ، ليس بكل الأمور"

ارتفع حاجب واحد بشك بعدم تصديق لتقول الجالسة امامها بسرعة وهي تحاول التعديل على كلامها
"هيا لا تغضبي هكذا ، فأنتِ تعلمين بأنني اقول الحقيقة ولا اكذب ابدا"

اعادت رأسها للأمام وهي تقول بشبه ابتسامة ذابلة بجمود
"وهل انا لا اتمنى الخير لأحد"

انفرجت شفتيها بارتعاش وهي تحاول الكلام بهدوء للتعبير عن حالتها ليخرج عندها صوتها بهمس واهي حزين
"غير صحيح ، انتِ لستِ كذلك ، ربما قاسية وجامدة ببعض المواقف وتكرهين كل من حولك ، ولكنها لم تصل لدرجة ان لا تتمني الخير لأحد لم يلمسك بسوء"

تنهدت بهدوء بدون كلام ونظراتها شاخصة بالبعيد بصمت مريب دام للحظات ، لتقول بعدها بحذر التي كانت تتلمس على ذراعها برفق
"اخبريني بما يضايقك يا ماسة ، فأنتِ لا تتصرفين على طبيعتك المعتادة"

اخفضت كفها بعيدا عنها ما ان قابلها الصمت من الجالسة بجانبها ، لتقول بعدها وهي تخرج من صمتها قائلة بجمود حاد منقبض
"روميساء تريد الزواج من ابن خالها والذي يكون متزوج بالفعل من اخرى ، من اجل ان تؤمن لنا حياة سعيدة"

تجمدت ملامحها بصدمة لما تسمعه من كلام هادئ غير معبر بالنسبة للجالسة بجانبها بجمود وكأنها تقص عليها نكتة ممتعة او حكاية عابرة ، لتقول بعدها بابتسامة حاولت جعلها مبتهجة بتفاؤل
"حقا هذا خبر رائع ، واكيد كل هذا سيكون عائد لمصلحتكِ انتِ وشقيقتك ، فأنا اعلم جيدا بأن روميساء ستفعل اي شيء من اجل سعادتكِ وراحتكِ اولاً"

عقدت حاجبيها بحدة وهي تلتفت نحوها قائلة بانفعال صارم
"هل سمعتِ ما قلته الآن ، انه يكون ابن خالنا والذي لم يعترف بوجودنا هو وعائلته ونبذونا منذ سنوات ، وغير هذا متزوج من امرأة من عائلة مرموقة ، أتعلمين ما لذي ستواجهه فتاة بمثل سمعتها امام تلك الساحرة والتي تتمنى لنا السوء"

عبست ملامحها بجزع من تفكيرها الخطير والذي لم يخطر على بالها وهو لا ينبأ سوى بالشر ، لتقول بعدها برقة خافتة وهي تدير عينيها العسلية بحزن بعيدا عنها
"قد يكون كلامكِ صحيحاً ، ولكني متأكدة بأن روميساء دائما تفكر بقرارتها قبل ان تتخذها ، لذا عليكِ الوثوق بها والاطمئنان من هذه الناحية"

اعادت وجهها للأمام وهي تسند ذقنها فوق ركبتها قائلة بتصلب خافت يطغى عليها الغموض
"لن تفهمي ما اقوله يا صفاء ، ماذا يعني القبول والموافقة ورهن حياتكِ لشخص ليتحكم هو بكل مجريات حياتكِ ، وانتِ فقط عليكِ دفع الثمن"

اعادت عينيها العسلية بحزن لصديقتها قبل ان تحرك رأسها بقوة وهي تنهض عن السرير قائلة بسعادة كبيرة عادت لتحتل ملامحها الناعمة بثواني
"هذا ليس وقت الكلام الآن ، فنحن علينا الذهاب بسرعة لمنزلي لأننا اليوم سنقضي طول الليل بمنزلي وبغرفتي انا ، وستكونين عندها برفقتي لأستطيع الاطمئنان عليكِ اكثر"

رفعت (ماسة) وجهها نحوها بجمود وهي تتأكد مما سمعته للتو ، لتقول بعدها بجفاء وهي تدير عينيها بعيدا عنها ببرود
"مستحيل يا صفاء ، لن آتي معكِ"

ردت عليها بلا مبالاة وهي تتجه للنافذة بالغرفة بشرود
"انا لم اكن اخيركِ بل هذا امر مني ، وايضا تستطيعين رؤية والدي والاطمئنان على صحته بما انكِ تسألين عنه كثيرا بالآونة الأخيرة ، فهو سيسعد كثيرا بوجودكِ بالمنزل"

قالت (ماسة) فجأة بخفوت بارد
"لقد كان مجرد سؤال روتيني ، وايضا انا لا استطيع التواجد بمكان موجود به مازن"

عادت للتقدم نحوها وهي تقول بثقة بالغة
"لا تقلقي ، فقد تأكدتُ بأن مازن لن يأتي للمنزل اليوم بسبب زيارته لصديقه بمنطقة بعيدة سيبيت عنده هناك ، وهذا ما اخبرني به والدي عندما اتصل به"

عقدت حاجبيها بتفكير شارد ما ان تذكرت رؤيتها له بشقة (قيس) بالصباح الباكر منذ مجيئهما ، ولكن ما يحيرها هو رحيله عند صديقه مباشرة بعد ان خرج من الشقة ؟ فهل يفعل هذا ليفسح لها مجال اكبر لتستطيع التفكير بكلامه بروية بعيدا عنه ؟

افاقت بعدها من شرودها ما ان شعرت باليد والتي كانت تمسك بذراعها قائلة بعناد رقيق
"هيا يا ماسة ، علينا ان نسرع لنصل لمنزلي مبكرا ، لأن هناك مسافة طويلة ستؤخذ منا بين المنزلين"

اخفضت نظرها بجمود ليدها الممسكة بذراعها بعناد تعلم جيدا نتائجه وإلى اين سيحول بالنهاية ؟ لتقول بعدها بشحوب بارد وهي تنظر بعيدا عنها بتجمد
"إذاً لن تتركيني وشأني قبل ان تفعلي ما برأسكِ"

اومأت (صفاء) برأسها برقة وهي تبتسم بنعومة بشفتيها الورديتين هامسة بثقة
"اكيد ، فأنتِ تعلمين جيدا إلى اي مدى يصل عنادي"

_______________________________
كانت تحرك الطعام بطبقها بهدوء بالملعقة قبل ان ترفعه لمستوى وجهها لتدس الملعقة بداخل شفتيها وهي تمضغه مرغمة من دافع اللباقة لا اكثر امام صديقتها ووالدها والذين استقبلاها بمنزلهما بلطف ومودة يختلف تماما عن استقبال عائلة خالها لها والذي لم تشعر به بكل هذه المودة والدفء والذي يحوم بمنزل (جلال) فالسر ليس بقرابة الدم بل بالعاطفة والمشاعر الحقيقية بدون اي تزييف او تحريف والتي يحملونها للآخرين ، فهي لن تنسى زياراتها المتكررة لمنزل صديقتها بطفولتهما حتى اصبح منزلها الثاني والذي تلتجئ إليه بوحدتها لتقضي به الوقت الممتع مع صديقة عمرها بعيدا عن تجرد المشاعر والذي تواجهه بمنزلها .

شعرت بيد تربت على كتفها بهدوء وهي تقول بسعادة غامرة
"هل اعجبكِ الطعام وطريقة ترتيبه ، انا من اعددته بنفسي"

اخفضت نظرها لطبقها المقسم بشكل رباعي وكل قسم موضوع به نوع من الطعام والمقبلات بترتيب احترافي فقد وضعت بقسم الارز الابيض وبالقسم بجانبه خضروات مقطعة مع المخللات وبقسم آخر وضعت به قطعة لحمة كبيرة وبالقسم الأخير كان يحتوي على قطع من الخبز الأبيض ، وقد كان هذا التقسيم متواجد بكل اطباق المائدة بإتقان كما لم تنسى ابريق الشاي المزخرف مع الاكواب المحفورة بالزخف ومزهرية زجاجية تحتل مركز المائدة بالمنتصف مع بعض الزهور البيضاء بداخلها ، وهذا ليس غريب على الفتاة والتي لطالما احبت لعب دور مدبرة المنزل الجميلة والتي تحاول فعل كل شيء بإتقان وترتيب يناسب شخصيتها تماما المحبة لهذا العمل لتحول هذا المنزل لعالمها الخاص والذي تلهو به كما تشاء ليطغى عليه اسلوبها الخاص فقط .

اعادت نظراتها لصديقتها وهي تقول بابتسامة هادئة بنبرتها الباردة
"جيد لقد اعجبني ، وهذا ليس جديد عليكِ"

انحنت ابتسامة (صفاء) برقة ما ان فهمت فحوى كلامها والذي لا يفهمه غيرها ، ليخرج بعدها صوت آخر بصرامة هادئة يطغى عليها حنان غلفه المرض
"لقد نورتِ المنزل يا ابنتي ، كان عليكِ فعلها منذ زمن فقد اشتقنا كثيرا لزياراتكِ ، وخاصة صفاء والتي لا تتوقف عن الكلام عنكِ طول الوقت"

رفعت رأسها ببطء نحوه وهي تبتسم بإحراج امامه جعل وجنتيها الباردتين ولأول مرة تتوردان بلون زهري بارد لا يخرج سوى امامه فهو لا يزال للآن يعاملها كابنته كما كان يفعل بالماضي ، فهذا الرجل هو الوحيد والذي عرفها على ان الابوة والحنان لا تقتصر على المقربين منّا فقط ومن يربطهم بنا الدم بل يستطيع كل من يحمل ذرة رجولة وحنان بقلبه ان يمثل هذا الدور والذي لا يليق سوى بالآباء الحقيقيين .

اومأت برأسها بالإيجاب وهي تقول بخفوت شاحب
"شكرا لك يا عمي جلال ، هذا لطف منك"

حرك رأسه باتزان وهو يعود بنظره لطبقه قائلا بقوة
"لا تخجلي يا ابنتي ، واعتبري نفسكِ بمنزلكِ فقد كان دائما كذلك وسيبقى"

عادت بنظرها لطبقها وهي ترفع الملعقة بالخضار لتمضغها بشفتيها ببطء وهدوء ، تدخلت (صفاء) بعدها بلحظات وهي تقول بابتسامة متسعة بلهفة
"عذرا يا أبي ، لكني اريد الذهاب انا وماسة لغرفتي الآن لنكمل سهرتنا هناك"

قال الجالس عند رأس المائدة وهو يبتسم لها ابتسامة صارمة بدفء
"حسنا ولكن عليكِ اولاً إنهاء كل الطعام من على المائدة ، فقد اعددتِ كمية كبيرة منه من اجل ضيافة صديقتك"

ادارت عينيها العسلية باتجاه المائدة وهي تهمس بابتسامة محرجة
"اعتذر ، يبدو بأنني قد بالغت كثيرا بتحضير الطعام"

ابتسم (جلال) بانشراح قبل ان يضحك بهدوء مرح لتشاركه بعدها بلحظات ابنته وهي تضحك بسعادة ، بينما كانت (ماسة) تنظر للطبق امامها بدون اي تعبير وملامحها ساكنة تماما وكأن الزمن قد توقف عندها فقط وهي تتمنى لو تستطيع اختراق هالتهما الدافئة والتي لا تحمل اي هموم بالحياة ولكنها ستبقى دائما ابعد ما يكون عنها بروحها المشوهة والتي انهكتها ايدي المجرمين والوحوش والذين تعايشت معهم وتأقلمت منذ قدم الأزل .

بعد مرور ربع ساعة كاملة والتي قضوها من خلالها بين ترتيب المائدة وبين غسل الاطباق والتي شاركت بها (ماسة) رغم ممانعة الأخرى لينهوا كل شيء بوقت قصير ، جلست بعدها (ماسة) على طرف السرير ذات الملاءة الوردية والمطرزة بالورود الصغيرة والتي لم تتغير حتى بعد مرور السنوات عليها وقد شاركتها بالنوم عليها بأيام مبيتها بمنزلهم بالماضي .

تقدمت (صفاء) نحوها وهي تسير بتمهل حذر ممسكة باللحاف السميك بذراعيها وهي تسنده لصدرها ، وما ان وصلت بجانب السرير حتى القت به ارضا لتجثو عندها على ركبتيها امامه وهي تمسد عليه فوق الأرض الرخامية هامسة بتذمر
"ما لداعي للنوم على الأرض بينما تستطيعين مشاركتي بالنوم على السرير"

نهضت (ماسة) عن السرير لتهبط على الأرض بالطرف المقابل لها وهي تمد يديها لتمسد على الفراش برفق لتخفي الانثناءات فيه قبل ان تقول بابتسامة باردة بهدوء
"هذا لأن السرير الخاص بكِ لم يعد يتسع لكلينا ، فنحن لم نعد اطفال"

ارجعت (صفاء) ظهرها للخلف وهي تعيد خصلات شعرها البنية لخلف اذنيها جالسة على ركبتيها وهي تهمس بشرود حالم
"أتذكرين تلك الايام يا ماسة ، عندما كنا نستلقي فوق السرير بجانب بعضنا البعض ونبقى ساهرات لليوم الثاني ونحن نتكلم عن كل مغامرات يومنا والتي لا تنتهي"

تصلبت ملامح (ماسة) وهي تبعد كفيها عن الفراش قائلة بهدوء ساخر
"اجل ولكنكِ كنتِ دائما تستسلمين للنوم وتتركيني وحدي ساهرة مع السقف والذي يكون افضل منكِ بالسهر"

امتعضت ملامح (صفاء) وهي تنتفض واقفة قائلة بعبوس وقنوط
"هذا لأنني لا استطيع تحمل السهر ، وقد اخبرتكِ بهذا من قبل فأنا لستُ مثلكِ استطيع البقاء مستيقظة طول الليل مثل بومة الليل"

رفعت الجالسة امامها ذراعها عاليا نحو السرير من خلفها وبلمح البصر كانت تلقي عليها الوسادة والتي اصابت وجهها بنجاح ، لتمسك بها الأخرى بغضب وهي تعود لقذفها نحوها لتتلقفها الجالسة بسهولة وهي تضعها عندها فوق الفراش والذي ستنام عليه بهدوء بالغ .

وقفت (ماسة) عن الأرض وهي ترفع نظراتها بحيرة للتي غادرت باتجاه الخزانة المركونة بزاوية الغرفة ، لتعود بعدها بلحظات وهي تمسك بكفيها بدفتر كبير ملون تعرف جيدا على ماذا يحتوي من قبل ان تراه ؟

جلست (صفاء) على طرف السرير وهي تلوح بالدفتر قائلة بخفوت مبتهج
"انظري على ماذا سنسهر هذه الليلة"

تأففت (ماسة) بضيق وهي تعود للجلوس على طرف السرير بجانبها ، لترفع بعدها ساقيها لصدرها وهي تعانقهما بذراعيها بهدوء قائلة بلا مبالاة
"حقا انتِ طفلة يا صفاء ، من بهذا العمر ما يزال يحتفظ بهذا النوع من القصص المصورة"

ردت عليها الجالسة بجانبها ببرود وهي تضع الدفتر بحجرها لتقلب صفحاته قبل ان تصل لصفحة معينة
"اجل طفلة ، ولا اريد ان اكبر لكي لا اصبح كئيبة مثلكِ"

اشاحت (ماسة) بوجهها بعيدا عنها باتجاه النافذة المفتوحة والتي كانت تُدخل نسمات هواء خريفية ببرودة خفيفة ، لتسند عندها جانب رأسها على حاجز السرير وهي تستمع لصوت تمتمة خافتة من الجالسة بجانبها برقة النسيم الداخل من النافذة
"استمعي لهذه القصة فهي تبدو ممتعة ، كان يا ما كان بقديم الزمان طفلة جميلة تسمى فرح ودائما كانت تتحلى بالفرح لتكون اسم على مسمى بالرغم من انها كانت تعاني من اليتم وتعيش مع زوجة عمها المتجبرة ، لتضحك لها الحياة وتعطيها جنيات صغيرة لترافقها بحياتها وتراقبها اينما ذهبت لتحميها من كل المخلوقات وتبقيها دائما بأمان وبفرح....."

كانت (ماسة) تشرد بعالمها البعيد والخالي من كل شيء وحتى من صوت (صفاء) الحزين والمتفاعل مع القصة وكأنها جزء منها ، ليرافقهما هواء الليل البارد طول السهرة مع صوت (صفاء) الرقيق والسلس وكأنها انشودة جميلة بآخر اليوم قبل ان ينزل الليل ستاره اخيرا على كل المخلوقات بالكوكب .

______________________________
وقفت خلفه تماما بإحراج وهي تتمسك بحزام حقيبتها بكفيها بقوة وتشنج طغى على مفاصلها ، وحتى الآن لا تصدق مجريات الأحداث وكيف وصلت لهذا المكان وكل شيء يحدث بسرعة فائقة بعد ان تراكمت كلها بيوم واحد لتكون بمثابة مئة يوم وكأنها بحلم لم تفق منه بعد ، وكم تتنمى لو تستطيع تحويل الوقائع لمجرد احلام او كوابيس لم تحدث بأرض الواقع لتبقى فقط بالذاكرة مدة قصيرة قبل ان تمحى للأبد ، لتعود بعدها لواقعها ولأهم شيء حدث معها باليوم وهو بأنها قد اصبحت زوجة لابن خالها (احمد الفكهاني) وارتبط اسمها به للمتبقي من عمرها وهذا يعني بأنها قد اصبحت الآن مقيدة بأحدهم .

شهقت بوجل ما ان لمس (احمد) ذراعها بيده وهو يقول بهدوء حائر
"ماذا بكِ يا روميساء ، لقد كنت اكلمكِ منذ ربع ساعة وانتِ لا تصغين لي ابدا ، هل انتِ بخير"

تصلبت بمكانها للحظات وهي تبعد ذراعها عن كفه بتشنج قائلة بتركيز
"اجل بخير ، لا تقلق عليّ فقط كنتُ افكر بمجريات الاحداث والتي حصلت معي اليوم"

اخفض يده وهو يقول بتصلب غامض
"هل بدأتِ تشعرين بالندم على قراركِ بالزواج مني يا روميساء"

عضت على طرف شفتيها بنشيج وهي تحاول التركيز على سؤاله والذي لاحقها طول طريق مغادرتهما من المحكمة منذ دقائق ، لتقول بعدها بابتسامة صغيرة
"لا يا احمد ليس هكذا هو الأمر ، فأنا التي وافقتُ على كل هذا ، لذا عليّ ان اتحمل مسؤولية وتبعات قراراتي"

تجمدت ملامحه ببرود وهو يشعر بشيء قاسي يقبض على انفاسه بقوة وكلامها لم ينفي الحقيقة وبأنها عليها ان تتحمل نتائج قراراتها مهما كان مدى ضررها وكأنه امر مسلم منه بالنسبة لها وكل هذا بسبب حاجتها إليه لا اكثر ، ولا يعلم لما لم يعجبه هذا الأمر وشعر بمرارة كالعلقم بداخله ؟

قال بعدها بلحظات وهو يعود لابتسامته الهادئة باتزان
"هيا بنا إذاً ، لندخل للمنزل ام تريدين البقاء على شرودكِ هنا والمبيت بالخارج"

رفعت رأسها نحوه بسرعة وهي تومأ برأسها بالإيجاب برفق ، ليعود (احمد) للاستدارة امامه وهو يفتح الباب بهدوء قبل ان يبتعد عن طريقها وهو يفسح لها المجال لتدخل قبله ، تحركت بعدها بخطواتها بتهمل لداخل الشقة وهي توزع نظراتها برهبة بالمكان الوسيع والذي يحتوي على افخم وارقى اثاث وديكور هادئ يناسب المكان والذي يدمج بين اللون البني الفاتح والابيض بتناسق رهيب ، لتتوقف بعدها نظراتها على النوافذ الزجاجية والتي تملئ جدران الشقة بأكملها وكأنها واجهة تظهر العالم الخارجي بوضوح مثل الشاشات العملاقة والموجودة بالسينما .

سمعت بعدها صوت من خلفها ملتصق بها تماما وهو يقول بقوة
"هل اعجبكِ منزلكِ الجديد"

عقدت حاجبيها بحيرة وهي تلتفت نحوه بوجهها وقبل ان تنطق بأي كلمة سبقها وهو يقول بثقة ارهبتها
"اجل لا تفاجئي ، فهذه الشقة قد اصبحت ملككِ وقد سجلتها باسمكِ افضل من السكن بذلك الحيّ المشبوه والذي لا يناسب مقام زوجة احمد الفكهاني ، لذا اعتبري هذا واحد من طلباتكِ ويمكنكِ السكن به مع شقيقتك بأمان بدون ان يمسكما احد بسوء"

شعرت بارتعاش سرى بكل أنحاء جسدها من كلمة زوجة احمد الفكهاني وهي تشعر بها لها نغمة غريبة بأذنها بانتشاء وكأنها قد اصبحت من الزوجات الثريات ذات المقام العالي والذي لا يمسهم احد بسوء ابدا ، لتنفض بعدها كل هذا عن رأسها وهي تركز فقط على هدفها الاساسي من هذا الزواج والذي لم يدفعها إليه سوى المصلحة والحصول على ما تتمناه منذ زمن .

قالت بعدها بلحظات وهي ترفع عينيها الخضراء بصرامة شاحبة فشلت في تمثيلها
"ولكن لم تخبرني للآن ، كيف ستخبر زوجتك عن زواجك من اخرى فهي اكيد سيجن جنونها ، وماذا عن عائلتك ووالدك ، كان عليك اخبارهم بالبداية قبل ان نعقد قراننا...."

قاطعها (احمد) بروية وهو يرفع كفيه علامة الهدوء
"اهدأي يا روميساء فهذا لن يشكل لنا اي عائق بعد ان اصبحتِ زوجتي رسميا ، وايضا هذا الأمر اتركيه على زوجكِ فأنا اعلم جيدا كيف اتصرف بهذه الناحية وانهي كل شيء بدون ان يصيبكِ سوء انتِ وشقيقتك"

تنهدت بهدوء وهي تحاول الابتسامة بصعوبة لتذوي عندها الابتسامة بمكانها بدون ان تصل لخديها وهي ما تزال تشعر بالألم بقلبها من اجل شقيقتها والتي لا تعلم كيف حالها الآن بعد ان طلبت من (صفاء) ملازمتها طول الليل ؟ قالت بعدها بابتسامة هادئة وهي تعود بالنظر له بتلك الاحداق الخضراء المستديرة بشحوب
"هل تسمح لي بسؤال أخير"

شرد (احمد) قليلا بعينيها والتي لم يرى باستدارتهما بشحوب غريب وكأن اللون قد انخطف منهما او ان الصبغة الخضراء قد انتهت منهما بشكل يدعو للتفكير والحيرة ؟ ليقول بعدها بابتسامة جادة بقوة
"اجل اسألي ما تشائين ، لا امانع"

اخفضت نظرها بعيدا عنه وهي توزعها بأنحاء الشقة قائلة بتفكير شارد بديكور الشقة والذي اخذ عقلها
"كيف استطعت الحجز بالشقة وتجهيزها بهذه السرعة"

ردّ عليها (احمد) وهو ينظر لما تراه بهدوء
"لأن هذه الشقة محجوزة لي من الاساس ، واستخدمها باستضافة عملاء اجانب بالبلد او إذا كان لدي رحلة سفر باليوم التالي"

عادت بنظرها له بتفكير وهي تضيق عينيها بهدوء مريب ، ليقول بعدها وهو يبتسم لها باتساع متزن
"لا لا احد يعلم عن هذه الشقة ، لا زوجتي ولا اي احد من عائلتي"

ارتفع حاجبيها بدهشة وهي تهمس بإحراج متلعثم
"كيف عرفت بما يدور برأسي"

ردّ عليها ببساطة وهو يدس كفه بجيب بنطاله
"لأنني استطيع قراءة ملامحكِ الواضحة والتي يسهل قراءتها"

عبست ملامحها بعدم تصديق وهي لا تصدق بأنها مفضوحة امامه هكذا لدرجة بأنه يستطيع قراءة ما يدور برأسها بسهولة من قبل ان تنطق السؤال ؟ لتعيد بعدها نظراتها نحوه ما ان مد كفه بالمفتاح الذهبي والذي يكون الخاص بالشقة فقد رأته وهو يفتحه امامها باستخدامه .

قال (احمد) بعدها بلحظات وهو يشير بعينيه للمفتاح بجدية
"خذي هذا مفتاح منزلكِ والذي سيبقى معكِ دائما اينما ذهبتِ ، لكي تستخدميه بفتح قفل الباب وبدونه لن يفتح"

رفعت يدها بسرعة لتلتقط المفتاح وهي تنظر بانشداه مرتجف لما بين يديها وهي لا تصدق مدى جماله ولمعانه وكأنها تنظر لقطعة ذهب ، بينما ابتسم الواقف امامها بحنان وهو ينظر لانفعالات ملامحها ودهشتها بترقب مثير وكأنها قد اصبحت هواية بالنسبة له ومتعة خاصة به .

استدار بعدها بعيدا عنها وهو يتنهد بهدوء وراحة لأنها اصبحت الآن تحت حمايته ومسؤوليته الخاصة بدون تدخل احد ، ليسير بعدها باتجاه الباب وهو يقول بجدية صارمة
"لا تنسي إذا احتجتِ لأي شيء او شعرتِ بالنقص اخبريني فورا ، والآن وداعا يا زوجتي العزيزة وهنيئاً لكِ بشقتك الجديدة"

نظرت بسرعة نحو مسار خروجه من الشقة لتقول عندها بوجل متوجس
"ولكن يا احمد ، ألا تريد النوم بشقتك ، فهذه شقتك بالنهاية"

امسك (احمد) بطرف الباب بقبضته وهو يقول بهدوء بدون ان ينظر لها
"لا لا استطيع مشاركتكِ الشقة بالوقت الحالي فهي قد اصبحت ملككِ الآن ، وانا سأعود للنوم بالمنزل ، فلا استطيع المضي بأي خطوة قبل ان يتم كل شيء كما نريد ونسعى إليه وهذا سيحدث بعد عودتي من رحلتي ، لذا ليلة سعيدة"

تغضن جبينها بعدم استيعاب بآخر كلماته الغامضة والتي شعرت معها بفراغ موحش ، لتنظر بعدها لباب الشقة والذي اقفله من خلفه بقوة لتجتاح عندها وحدة وبرودة بأنحاء الشقة مثل روحها المظلمة بعد ان فقدت النور بهذه الحياة والذي كان يعطيها الدفء منذ لحظات ، ولا تعلم تحديدا ما سبب تلك المشاعر والاوهام الغريبة والتي بدأت تهيم بروحها بدون رحمة ؟

______________________________
كانت تتنقل بحسابها البريدي بملل على شاشة هاتفها وهي تحتضن ساقيها بذراع وتمسك بالهاتف بيدها الأخرى ، بينما كان يصلها صوت تنفس النائمة بالسرير بجانبها بسلام وقد راحت بسبات عميق ما ان وضعت رأسها على الوسادة لتتركها تكمل ليلتها بمفردها كالعادة كما اعتادت منذ طفولتها وكأن الجميع يصر على تركها لوحدها ما ان يشعروا بالملل واليأس منها لتبقى الوحدة والوحشة مرافقة لها طيلة العمر .

كانت تتبع بحركة حدقتيها القاتمة بضوء شاشة الهاتف والتي كانت تعكس زرقتها بوضوح وهي تنظر لكل جديد نزل على صفحتها والتي غابت عنها لمدة طويلة بسبب عدم اهتمامها لكل هذا العالم الالكتروني والذي يستطيع الوصول لكل قارات العالم بدون بذل اي مجهود ، ولولا دراستها الجامعية والتي تحتاج لكل انواع التكنولوجيا والمواقع لكي يكون وسيلة لتنجز عليه وظائفها واختباراتها والتي لم تعد على الورق والقلم كما كان بالماضي لما كانت صنعت هذا العالم الوهمي لتكون جزء تافه منه من مجتمع بالي انعدمت منه المبادئ والاخلاق الاجتماعية من عالم افسدته التكنولوجيا .

عقدت حاجبيها بتركيز حاد وهي تضيق عينيها ناظرة لصورة رجل متوسط بالعمر بنهاية الثلاثين تقريبا تعرفه جيدا فهذه الملامح من المستحيل ان تخطئ بها فقط الفرق بأن شعره قد نبت بكثافة ليصل لعنقه ولحيته كذلك والتي غطت ملامح وجهه وغيرته تماما ، لتخفض بعدها نظراتها للكلام المكتوب بأسفله والذي اكد ظنها
(تم القبض على رجل العصابات الاخطر اصلان عديلي بتهريب الاموال لاستثمارات لشركات مزيفة ، وقد تم الامساك بأموال طائلة بحوزته كان على وشك الهروب بها لخارج البلد)

شددت من القبض على الهاتف بكفها وهي ترفع رأسها عاليا بإنهاك مجهد ، لتفكر عندها بسرعة بشيء واحد وهو بأن جميع افراد زمرة (قيس) قد بدأوا بالهروب بما جمعوه من اموال معهم لخارج البلد بعد ان تم القبض على رئيسهم وهو (قيس) ، ولكن إلى اين سيهربون ويد العدالة تمسك بهم واحدا تلو الآخر لتقتص منهم بما يستحقون وعلى جميع الاموال الغير قانونية والتي حصلوا عليها ؟

ما تزال تذكر تلك الكف الخشنة والتي كانت تضرب على مؤخرة رأسها بقوة تستطيع قلع رأسها عن جسدها وهو يتبعه بصوته الخشن قائلا بأمر قاسي
"افعلي كل ما اقوله لكِ بالحرف الواحد ، واي خطأ ستدفعين ثمنه غاليا ، وإياكِ والتلاعب معي فهكذا ستكونين تتلاعبين بعداد عمركِ"

وبعد ان تنفذ اوامره بالحرف الواحد وتحصل له على مراده من كلمات المرور ومعلومات تخص استثمارات الشركات وكل صفقاتهم الخطيرة ، ليربت بعدها على رأسها بذات القسوة قائلا بابتسامة قبيحة منتشيه
"احسنتِ يا ابنة قيس ، لقد اعجبتني كثيرا فأنتِ لستِ فتاة عادية ابدا كما يظهر عليكِ ، ويوما ما ستصبحين ملكي بعد ان اسرقكِ من مالككِ قيس"

ضربت على جبينها بقبضتها بقوة وهي تفيق من افكارها السوداء المقيتة ولا تعلم متى ستخرج من ذلك العالم والذي حولها لصورة أخرى عن انعكاس لفتاة مشوهة الروح بسوداوية قلوب المجرمين ؟ فهي كانت كلما غاصت بذلك العالم الاجرامي اكثر انمحت جزء من هويتها الحقيقية حتى لم يتبقى منها شيء سوى جسد بروح مشوهة يعيش فقط ليتنفس هواء الآخرين .

اخفضت نظراتها لهاتفها لتقع عينيها على صورة أخرى لشاب ملئ الشاشة بأكملها وهو يبتسم باتساع مرح بارد وكأنه لا يبالي بالعالم من حوله وبما يدور به ، لتنقل نظراتها للفتاة الشقراء بجانبه والمبتسمة بتوهج برق بعينيها الخضراء الجميلتين وهي نفسها من رأتها بذلك المقهى برفقته ، فهي من المستحيل ان تنسى وجه لمحته بحياتها وحتى لو مرّ عليه عدة سنوات فسيبقى محفور بذاكرتها لآخر يوم بحياتها بدون ان تستطيع محوه وعقلها يعمل على اساس المبدأ المعاكس فمن تصر على نسيانه سيبقى عالقا برأسها ولن تستطيع نسيانه حتى لو حاولت ذلك .

رفعت (ماسة) اصبعها وهي تدخل لحسابه الخاص تلقائياً بدون ان تمنع نفسها ، لترفع حاجبيها بانتباه شديد وهي تتنقل بصفحته الشخصية والتي لا تحوي على شيء مهم يلفت النظر سوى معلومة واحدة حصلت على انتباهها عن مكان عمله والذي يكون بشركة الصناعة والتصميم والمختصة بالديكورات والبيوت والتي لم تسمع عنها من قبل ، ولكنها متأكدة بأنها ليس لها علاقة بشركة حوت الفكهاني والمعروفة بكل إنحاء البلد ، فهل هذا يدل بأنه لا يعمل بشركة عائلته والتي يديرها والده ؟

تراجعت بيدها ما ان وصلتها رسالة على الخاص وهي تعقد حاجبيها بتوجس من صاحب الرسالة ، لتفتح بعدها الرسالة بحذر وتظهر الكلمات امامها والتي دفعتها للعبوس باستنكار
(ماذا تظنين نفسكِ فاعلة ، بالتنقل بحسابي الشخصي بمنتصف الليل)

عضت على طرف شفتيها بحنق وهي تفكر بالطريقة والتي عرف بها بدخولها لحسابه بسهولة ؟ ولكن لا شيء غريب على التكنولوجيا والتي وصلت لمستوى لم يصل له احد من قبل ولم يعد هناك اي حياء او خصوصيات بين البشر عندما اجتاح التطور عالمهم .

ردت عليه برسالة أخرى وهي تبتسم بجمود وتصلب بملامحها الحجرية
(هذا افضل من التنقل بحفل رخيص ومبتذل بآخر الليل على شخص بمقامك يا ابن الفكهاني)

بعثت الرسالة بثقة وهي تعلم جيدا من محتوى الصورة والتي ظهرت امامها الآن مع صديقته الشقراء بدون ان تخفي اجواء الحفلة من حولهم والتي اكدت لها مكان تواجدهما بهذه الساعة ، عادت للنظر للهاتف ما ان وصلتها رسالة أخرى بعد لحظات
(لم اكن اعلم بأنكِ تعملين جاسوسة يا ماسة الفاروق)

عبست ملامحها بحدة وعينيها الزرقاء تلمع بشراسة عكسها ضوء شاشة الهاتف ، لتضغط بعدها على ازرار الهاتف وهي تبعث له رسالة مختصرة بحقد
(احمق عائلة الفكهاني)

لتفصل بعدها هاتفها نهائياً وهي تزفر انفاسها بحدة منفعلة بهدوء ، لتلقي بعدها بالهاتف جانبا وهي تدفن وجهها بين ساقيها بتشنج مهتز بطريقة نومها المعتادة والتي لا تستطيع النوم سوى بها عندما ترغم نفسها على ادخال السواد لعالمها والسكون بكل مكان قبل ان يسحبها الظلام لسباته الطويل بدون ان تهتم بتخدر مفاصلها والألم والذي يضرب ساقيها بطريقة تكورها والتي تراها مسكن لآلامها وكوابيسها .

___________________________
ابتسم بهدوء عابث وهو ينظر لشاشة الهاتف ولرسالتها الأخيرة قبل ان تختفي ، وهو يفكر بأنها تبدو من محبين السهر او قد تكون لا تحب النوم بوقت مبكر فهو بكل لقاءاته معها دائما ما تكون بمنتصف الليل لتظهر له مثل الشبح وكأنها هي والظلام واحد ، ولكن ماذا كانت تفعل بحسابه يا ترى ؟ هل كانت تحاول مراقبته والتجسس عليه فكل شيء متوقع من تلك الفتاة الغامضة ؟

اخفض الهاتف وهو يدسه بجيب بنطاله ناظرا للحفل الممل امامه والذي لا يتغير نظامه ابدا نفس الناس بكل مرة ونفس الروتين ، ليشعر بعدها بيد تمسك بذراعه وهي تلوح بالهاتف امامه بيدها الأخرى قائلة بدلال
"انظر ما اجمل صورتنا معا ، لقد حظيت على إعجاب الكثيرين ومنهم من ظنوا بأننا مرتبطين"

ارتفع حاجب واحد بخفة وهو يقول بوجوم
"هل نشرتها على كل صفحات التواصل ، ألم احذركِ من فعلها يا لينا"

اخفضت الهاتف من امامه لتعود للنظر للصورة بشرود حالم قائلة بلطافة
"ولكن كيف تريدني ان اترك هذا الجمال بعيدا عن العين ، وايضا على الناس ان ترى مدى جمال صداقتنا وقوتها والتي ليس لها مثيل بالعالم"

ردّ عليها ببرود من كان يعيد ذراعيه لفوق رأسه وهو ينظر بعيدا عنها
"ومع ذلك كان عليكِ ألا تفعليها ، فهذا سيجلب لنا الشبهة وكلام الناس والتي لا يهمها سوى افتعال الفضائح والشائعات عن الاشخاص المهمين ذو المراتب العالية امثالنا"

زمت شفتيها وهي تعيد خصلات شعرها القصيرة بكفها الآخر لخلف اذنيها بهدوء قائلة بحزن وبراءة
"لم اكن اقصد جلب المشاكل لك ، واعدك بأنني لن اعيدها"

حاد بنظراته السوداء نحوها وهو يقول بابتسامة جانبية
"لا بأس فقد فعلتِ ما برأسكِ وانتهى الأمر ، وجعلتِ صورتنا تدور لكل دول العالم"

ضحكت عندها بخفوت وهي تتمسك بذراعه بيديها لتحول نظرها للأمام ما ان تغير نوع الموسيقى لأخرى هادئة بنعومة فائقة ، لتحاول بعدها سحبه معها لساحة الرقص وهي تهمس بحماس ودلال
"ما رأيك ان نذهب للرقص قليلا ، فأنا احب كثيرا هذه الاغنية ، ارجوك لا ترفض طلبي"

ولكن (شادي) توقف بقوة وهو ينفض ذراعه بعيدا عنها قائلا ببرود جليدي
"ما لذي اصابكِ يا لينا ، أنتِ تعلمين جيدا بأني لا احب الرقص بهذه الحفلات ولا احبذها ، وإذا كنتِ تريدين الرقص فابحثي عن احد آخر يشارككِ بها"

عبست ملامحها بحزن طفولي وهي تبرم شفتيها برقة لتحاول استعطافه ليوافق على طلبها وهي نفس الطريقة والتي تستخدمها عادة مع والدها ومع جميع من تعرفهم ، ولكن للغرابة فهو الوحيد والذي لا يتأثر بها ولا تهزه ولو قليلا ليرأف قلبه بها وبمنظرها المغري للعين ومذيب للصخر وكأن قلبه مغلف من جليد من المستحيل ان يذيبه شيء او يحطمه ايً كان .

تدخل بعدها صوت شاب غريب وهو يندفع امامها قائلا بحماس
"انا استطيع الرقص معكِ يا آنستي الجميلة ، واتركي هذا البارد وشأنه فقد خسر الكثير بخسارتك"

ادار الواقف من خلفه عينيه بعيدا عنهما ببرود غير مبالي ، بينما تعقدت ملامح (لينا) بتوتر من تدخل هذا السمج وهي لا تعلم كيف ظهر وكيف تتخلص منه الآن ؟ لتفكر بعدها بخبث وهي تنقل نظراتها للواقف بالقرب منهما ببرود بدون ان يعيرهما اي اهتمام .

قالت بعدها بلحظات وهي تنظر للشاب برقة وإيباء
"انا موافقة على مشاركتك بالرقص إذا كنت مصرا ، فأنا لا احب رفض طلب احد"

حرك الشاب رأسه بحماس وهو يمسك بكفها بدون اي تردد وابتسامة بلهاء تحتل ملامحه ، ليسحبها بعدها بسرعة لساحة الرقص بين الناس وهو يصطدم بهم بقوة متخذا مكانا بين الراقصين لكليهما .

بينما اعاد الساكن بمكانه نظراته للأمام وهو ينظر للأبله ورفيقته وهما يرقصان بسرعة بعكس نوع الموسيقى الهادئة وهو يبدو متشبث برفيقته بقوة وكأنه قد حصل على جائزة قيمة بعد عناء طويل .

تنهد بملل وهو يلمح نظرات (لينا) الخضراء الممتعضة والناظرة له برجاء خافت ليخلصها من مصيبتها والمتجسدة امامها ، ليسير بعدها نحوهما بخطوات جامدة وهو يركز نظراته على الأبله والشارد بعالم آخر ، وما ان وصل لهما حتى امسك بكتف الشاب ليوقف حركته بقوة وهو يقول من خلفه باستياء
"لو سمحت لقد رقصت بما فيه الكفاية مع شريكتي ، وانا اريد استعادت مكاني معها فقد غيرتُ رأي الآن بخصوص خسارتها"

ابتسمت الواقفة امامه براحة وعينيها تتوهج بإغراء وانتصار ملفت ، بينما التفت الشاب برأسه للخلف وهو يقول بعبوس متجهم ملوحا بذراعه امامه ببساطة
"لقد فات الأوان على هذا الكلام يا سيد ، فمن يصل اولاً يحصل على ما يريده وانت وصلت متأخراً"

ابتسم (شادي) بدون مرح وهو يقول بسخافة
"حقا لم اكن اعلم بهذا القانون ، ولكني سأريك شيئاً سيغير رأيك فورا وثقتك والتي تتبجح بها امامي"

ارتفع حاجبيّ الشاب بعدم استيعاب ليجد لكمة توجه لوجهه بقوة جعلته يترنح قليلا للخلف عدة خطوات ، ليشعر بعدها بقدم صغيرة تضرب على ساقه بسن كعب الحذاء بقوة من الخلف لينحني على الأرض وهو يجثو على بركبتيه وصوت ناعم بخبث يقول من فوقه بأسف مزيف
"اعتذر حقا لم اكن اقصد اصابتك ، يبدو بأنني لا اجيد الرقص كما ينبغي"

انحنى (شادي) امامه بجذعه وهو يقول امام وجهه بابتسامة هادئة بخطر
"الافضل لك ان تغادر من هذا المكان ، ومرة أخرى لا تحاول العبث مع من هم اكبر منك حجما"

ابتلع الشاب ريقه وعينيه جاحظتين بارتباك دام للحظات ، ليقف بعدها بسرعة على قدميه ما ان استقام الواقف امامه قبل ان يغادر وهو يبتعد من امام حشود الناس والذين توقفوا عن الرقص بانتباه ، ليعودوا بعدها بلحظات كل منهم بالرقص مع شريكه متجاهلين ما حدث الآن .

امسكت (لينا) بكتفيه بيديها وهي ترتفع امامه على اطراف حذائها العالي قائلة بابتسامة صغيرة بأغراء
"هل نرقص"

زفر انفاسه بتصلب وهو ينظر لها بحدة قبل ان يقول بابتسامة باردة باستسلام
"فقط رقصة واحدة لا اكثر"

اتسعت ابتسامتها بإشراق وهي تتعلق بعنقه بكفيها هامسة امام وجهه بخفوت انثوي
"وهذا اكثر من كافي"

وقبل ان يبدأ كل منهما بالرقص ارتفع رنين هاتفه بجيب بنطاله مخترقا ضوضاء الحفلة ليخرجه عندها بملل قبل ان يعقد حاجبيه بحيرة وهو ينظر لاسم شقيقه الكبير والمنير بالشاشة .

نزع بعدها كفيها عن عنقه بسرعة وهو يسير بعيدا عنها قائلا بجدية
"عذرا عليّ ان اجيب على هذه المكالمة"

ولم ينتبه بعدها لنظراتها الخضراء المشتعلة بحنق وهي تعض على طرف شفتيها باستياء وكل شيء يفسد دائما بآخر لحظة ما ان تصل لما تريده وتسعى إليه بدون ان تفهم السبب لذلك ؟ بينما وصل (شادي) لمدخل قاعة الحفلات وهو يضع الهاتف على اذنه قائلا بمرح مبتسم لا يظهر سوى امام شقيقه
"كيف حالك يا شقيقي احمد ، لم ارك منذ كنت تخطط لتلك الحفلة والتي لم احضرها للأسف بسبب ظروف قاهرة ، ولكني اتمنى حقا ان تكون رائعة كما كنت تخطط لها"

ارتفع حاجبيه بلحظات بدهشة وهو يستمع للطرف الآخر بتركيز حاد ، ليقول بعدها وقد اختفى كل المرح من ملامحه ليحل مكانها الوجوم والاستنكار عليه في آن واحد
"ما هذا الذي تنطق به يا احمد"

نهاية الفصل يا حلوين.................


روز علي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 31-05-21, 03:42 PM   #54

HamsElqolob

? العضوٌ?ھہ » 417841
?  التسِجيلٌ » Feb 2018
? مشَارَ?اتْي » 23
?  نُقآطِيْ » HamsElqolob is on a distinguished road
افتراضي

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
زهرورة likes this.

HamsElqolob غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 05-06-21, 11:43 AM   #55

SAMAR-YANA
 
الصورة الرمزية SAMAR-YANA

? العضوٌ?ھہ » 444713
?  التسِجيلٌ » May 2019
? مشَارَ?اتْي » 833
? الًجنِس »
? دولتي » دولتي Algeria
?  نُقآطِيْ » SAMAR-YANA is on a distinguished road
افتراضي

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته


بسم الله الرحمن الرحيم

الحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين

شـكــ وبارك الله فيك ـــرا لك ... لك مني أجمل تحية .


موفق بإذن الله ... لك مني أجمل تحية .

زهرورة likes this.

SAMAR-YANA غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 05-06-21, 09:17 PM   #56

روز علي
 
الصورة الرمزية روز علي

? العضوٌ?ھہ » 478593
?  التسِجيلٌ » Sep 2020
? مشَارَ?اتْي » 380
?  نُقآطِيْ » روز علي is on a distinguished road
افتراضي الفصل الحادي عشر

الفصل الحادي عشر...............
كان يجلس على الأريكة وهو ينظر بعيون متسعة بصدمة لشقيقه الكبير والذي كان يسير جيئاً وذهاباً بدون توقف وهو يراه على هذه الحالة من التخبط بالمشاعر والأفكار لأول مرة وكأنه ليس نفسه المتزن الصارم بحياته والواثق من نفسه دوما بكل المواقف ، وهو الذي كان يراه دائما مثال للرجل الوقور والمتحكم بكل انفعالاته الخارجية والداخلية والقادر على فعل اي شيء بدون اي حواجز والمنزه من الاخطاء منذ صغره ليكون المرشح الأفضل ليدير اعمال العائلة منذ تسلمه اول منصب بالشركة بعمر الخامسة عشر ، والآن ماذا حدث له ليتحول لكل هذا وينقلب رأساً على عقب وكأنه يرى شخص آخر بعيد عن شخصية (احمد) المعروفة ؟

زفر (شادي) انفاسه بهدوء وهو يسند كفيه على ركبتيه بتحفز ، ليقول بعدها بتركيز حذر وهو يحاول استيعاب كم الحقائق والتي تلقاها للتو
"دعني اتذكر قليلا ، انت الآن متزوج من روميساء الفاروق بعد ان عقدت قرانك معها بظهر اليوم بدون علم احد ، وتفكر الآن كيف ستستطيع زف هذا الخبر لزوجتك ووالدك بدون ان يحدث اي مشاكل وتضطر عندها لخسارتها"

توقف (احمد) عن السير قليلا وهو يلتفت نحوه بعبوس حازم ، ليقول بعدها وهو يزفر انفاسه بوجوم
"هذا ما كنت اتكلم عنه ، فقد نسيتُ بخضم ما حدث التفكير بطريقة سهلة لإقناعهما بهذا الزواج بدون جلب مشاكل لأحد"

ارتفع حاجبيه بدهشة مصطنعة وهو يقول ببساطة بالغة
"دعني اخبرك امرا مهما وهو بأنك قد وقعت بمشكلة عويصة ليس لها حل ، فغير رفض والدي لأي علاقة تربطنا ببنات مايرين ستخسر ايضا مساندة عائلة زوجتك العزيزة والتي ستحيل حياتنا لجحيم ما ان تعلم عن زواجك الثاني ، وقد تفكر ايضا بقتلك انت ومعك ضرتها الجديدة بطريقة لن تخطر على بال احد"

تجهمت ملامح المقابل له وهو يصرخ بنفاذ صبر
"هذا ليس وقت المزاح يا شادي ، وكلامك لا يساعدني ابدا بل يزيد حالتي سوءً ، وارجوك توقف عن قول هذه الاستنتاجات قبل ان احيل انا حياتك لجحيم"

اتسعت ابتسامته ببراءة وهو يعض على طرف شفتيه مانعا الضحكة من الخروج امامه لكي لا يخنقه المقابل له ويموت على يديه وهو يبدو بحالة ليس من الجيد اغاظتها ، وما ان حدجه (احمد) بنظرات حادة بعينيه الرمادية الصارمة حتى رفع كفيه لفوق رأسه وهو يقول بروية وتمهل
"اهدئ يا احمد وفكر اولاً قبل ان تفعل اي شيء ، فلا تنسى بأنني بصفك ولستُ من اعدائك الرافضين لزواجك هذا"

ردّ عليه (احمد) وهو ينظر بعيدا عنه بضيق
"اعرني سكوتك لو سمحت"

ابتسم (شادي) بهدوء وهو يسند ذقنه لقبضته بأريحية قائلا بتفكير وهو ينظر لشقيقه والذي عاد للحركة امامه بعصبية
"فقط اريد ان اعرف ، لما فكرت بالزواج للمرة الثانية ألم تكتفي من المرة الأولى ، ولما اخترتها هي تحديدا من دون الجميع"

وقف (احمد) بمكانه للحظات وهو يشرد بعيدا بنقطة محددة قبل ان يهمس بابتسامة هادئة
"ليس الأمر بأني افكر بالزواج من امرأة اخرى لتشبع رغباتي او بسبب نقص تعاني منه زوجتي ، ولكني شعرت بالقلق من خسارتها مرة أخرى بعد ان ذاقت الويل وحدها هي وشقيقتها بسبب عدم ضمهما للعائلة منذ سنوات ، ونحن جميعا نحمل جزء من اللوم والذنب على ما تعرضوا له بحياتهما بعيدا عنا ، لذا لن اسمح بأن يتكرر هذا مرة أخرى وألعب دور المشاهد فقط كما حدث بالماضي ، وعقد قراني بها سيضمن حقها والذي بخلتموه عليها من قبل وسأتأكد هكذا بأنها بأمان بعيدا عن كل الوحوش البشرية والمتربصة لها ، وعلى الجميع تقبل هذا القرار من اجل مصلحة الجميع ولكي لا يؤكل احد حق بنات عمتي مرة أخرى"

كان (شادي) يحرك رأسه بشرود وهو يتمتم بغموض مبتسم
"ولكنك يا احمد نسيت حق زوجتك بمعرفة زواجك عليها ، فهذا اقل حقوقها كزوجة عاشت معك لسنوات بحلوّها ومرّها ، بالرغم من اني ارى بأنها تستحق هذا فهي امرأة مستفزة لأبعد الحدود"

اخفض (احمد) نظراته للأسفل وهو يهمس بوجوم شارد
"وهذا الشيء الوحيد والذي يشعرني بالدناءة يا احمد ، فهي بالنهاية تبقى زوجتي مهما كانت مدى عيوبها والتي تعاني منها ، ولكن لا تقلق فهي بالنهاية سترضى بالأمر الواقع ما ان اخبرها بالسبب من زواجي من ابنة عمتي مع اني اشك بهذا"

ردّ عليه بعدها بلحظات بهدوء قاطع
"وإذا طلبت منك الطلاق ، فماذا ستفعل"

رفع (احمد) رأسه بهدوء وهو يقول بصرامة مفاجئة
"لن امنعها"

حرك (شادي) رأسه بتفكير للحظات قبل ان ينهض عن الأريكة وهو يعود لابتسامته المرحة قائلا بانشراح وهو يلوح بذراعه بلا مبالاة
"إذاً ليس لدي شيء اقوله لك سوى بالتوفيق بمهمتك المستحيلة ، واتمنى حقا ان تخرج حياً من هذه التضحية والتي تقدمها لبنات عمتنا ، وحقا محظوظات بنات مايرين لأنهما تحظيان بابن خال مثلك نادر الوجود بهذا الوقت"

التفت باتجاهه بهدوء وهو يعقد حاجبيه قائلا بتصلب بارد
"هل ستغادر وتتركني وحدي بهذه الحال ، اين مساندة الأخوة لبعضهم"

التفت نحوه وهو يرفع حاجبيه باستفزاز ليقول عندها بابتسامة جانبية
"كنتُ حقا ارغب بمساندتك ولكنك ترى ان الوقت متأخر جدا ، وانا الآن احتاج للنوم اكثر منك لأني اصغر سنا منك ، لذا ابقى انت هنا ساهرا لليوم الثاني تفكر بحل لمصيبتك ، وانا سأذهب لأتنعم بنوم دافئ بعيدا عن القنابل النووية والتي سنشهدها بالمنزل غدا"

عبست ملامحه بتصلب بدون ان يتفاعل مع مزاحه الأخير ، بينما اكمل الآخر سيره لخارج الغرفة وهو يلوح له بكفه قائلا بلا مبالاة
"حظاً موفقاً يا احمد"

ليقفل بعدها باب الغرفة من خلفه بهدوء وببساطة كما يفعل عادةً ، بينما ترك (احمد) شاردا بعيدا عنه وهو يدعوّ من كل قلبه ان يسير كل شيء كما يريد ويخطط له بدون ان يضطر للانفصال عن (روميساء) بعد ان اصبحت جزء مهم بحياته عليه حمايته بكل ما يستطيع من قوة وبعيدا عن صورة انهيارها عند مدخل مقر عملها والتي لا تبارح ذهنه ابدا .

____________________________
كانت تركل اي حصوة تصادف طريق سيرها بملل وهي تزفر انفاسها بتعب وإنهاك ، فهي لم تستطع النوم ولو لثانية بمنزل صديقتها بسبب تغير الوضع عليها والمكان وبسبب ذاك الخبر والذي ضرب عقلها بذكريات تود لو تدفنها بداخل روحها المشوهة للأبد وبدون رجعة ، لكي لا تزعجها مرة أخرى وتنغص عليها رتابة حياتها الكئيبة بدون ذكريات او احلام .

رفعت جفنيها الحمراوين عن احداقها بصعوبة وهي تحاول التركيز برؤية مسار سيرها والفارغ من البشر بسبب موعد الشروق والذي لم يحن بعد بهذه الساعة الباكرة والسماء ما تزال تتلون بشحوب غائم من فوقها وبلون رمادي باهت ، فقد اعتادت على هذا الروتين منذ سنوات حيث يستيقظ سيد المنزل (قيس) بعد بزوغ الفجر بساعة لتفيق هي معه وتجهز له الافطار كما هو معروف بقوانين العيش بذاك المنزل قبل ان يغادر المنزل بدون ان تعلم وجهته والسبب والذي يجعله يستيقظ بهذا الوقت الباكر ؟

توقفت خطواتها فجأة ما ان سمعت صوت بوق السيارة بجانبها ، لتشدد بعدها من القبض على حزام حقيبتها بيد وهي تقبض على جيب بنطالها الجانبي والذي يحوي على سكينها بيدها الأخرى ، ارتخت بعدها مفاصلها وهي تسمع ذلك الصوت المستفز والخارج من السيارة وهو يقول
"صباح الخير يا دمية"

ادارت عينيها نحوه بملل وهي تهمس بامتعاض
"ما لذي تفعله هنا ، ولما تلاحقني بكل مكان"

ردّ عليها (مازن) ببساطة مستفزة
"لأنكِ دميتي يا ماسة وتخصيني ، لا تنسي هذا الكلام"

تصلبت ملامحها للحظات وهي تنطق بشراسة تنضح بعينيها الزرقاء القاتمة
"لستُ دميتك يا مازن ، افهم هذا وارحني"

اتسعت ابتسامته بميلان وهو يحرك عينيه العسليتين شاملا إياها بنظراته بكسل ؟ لتزفر بعدها انفاسها بحنق وهي تعود للسير بعيدا عنه قائلة باقتضاب
"عذرا ولكنك تؤخرني"

عاد للضغط على زامور السيارة بصخب وهو يقول بابتسامة ماكرة
"ولكن ألن تخبريني ، لما خرجتي من منزل والدي بهذا الوقت ، ألم تعجبك الضيافة"

توقفت للحظات وهي تلتفت نحوه قبل ان تهمس بتصلب مشتد
"كيف عرفت بأنني كنتُ موجودة بمنزل والدك"

حرك (مازن) السيارة بهدوء ليوقفها بجانبها وهو يقول ببرود مبتسم
"انا اعلم بكل شيء يدور من حولكِ يا ماسة ، لذا احذري جيدا بخطواتك"

عقدت حاجبيها بحدة وهي تتمتم بتفكير جاف
"أليس من المفترض ان تكون الآن عند صديقك البعيد ، ام انها كانت كذبة تخفي بها اعمالك"

ارتفع حاجبيه وهو يدعي التفكير قبل ان يقول بابتسامة عريضة باستفزاز
"اجل صحيح وهذه عودتي من عند صديقي ، ام لديكِ مانع بهذا"

ادارت عينيها جانبا وهي تهمس بنفاذ صبر وكأنها تكلم نفسها
"المانع الوحيد بأنك قد عدت من عنده قبل ان ارتاح من عدم وجودك نهائياً"

عقد حاجبيه بتركيز للحظات وهو يقول ببراءة مصطنعة
"بماذا كنتِ تتكلمين عني ، واتمنى حقا ان يكون شيئاً جيدا"

اشاحت بوجهها بعيدا عنه وهي تكمل سيرها بلا مبالاة لوجوده وقد طفح بها الكيل منه وهو يبدو لا يريد التوقف عن مضايقتها وملاحقتها بهذا الاستفزاز ، لتعود للوقوف فجأة ما ان سمعته وهو يقول بتصلب غامض
"أرأيتِ الاخبار ، لقد امسكوا بالمدعو اصلان صديق عمي قيس وشريكه بجرائمه ، أتتذكرينه يا ماسة"

عضت على طرف شفتيها بقوة حتى كادت تدميها وهي تمنع تشنجاتها من الظهور على حركات جسدها وملامحها ، لتلتفت بعدها بوجهها نحوه ببطء وهي تستمع لباقي كلامه ببرود متعمد
"لم يبقى تقريبا سوى اثنين من رجال قيس لم يلقوا بالقبض عليهما ، وقد تكونين انتِ التالية يا ماسة"

صرخت (ماسة) فجأة بانفعال حانق غير مهتمة بصدى صوتها بسكون المكان الفارغ
"اخرس ، فأنا ليس لي علاقة بعالمكم الاجرامي وكل شيء فيه قذر لا يخصني ولست مسؤولة عنه"

ابتسم (مازن) بصمت ناظرا لها من نافذة السيارة المفتوحة بجانبه وهو يُخرج رأسه منها بكسل ، ليقول بعدها وهو يحرك رأسه بابتسامة باردة
"يبدو بأنكِ قد نسيتِ بالمجرم والذي كان يسرب كل معلومات الصفقات والمشروعات الخطيرة وكلمات المرور الخاصة بهن ، والذي يكون شخص واحد ليس هناك غيره بالعالم والخبير بكل هذه الأمور ، واكيد اقصدكِ انتِ"

تصلبت ملامحها ببرود تحت بشرتها الرخامية بتجمد يحمل من خلفه الكثير ، لتسير بعدها هذه المرة بطريق معاكس وهي تعود باتجاهه قبل ان تقف بجانب سيارته وهي تهمس بخفوت متصلب
"ماذا تريد مني بالضبط"

ارتفع حاجبيه بفرحة مزيفة وهو يهمس بابتسامة متسعة ببشاشة
"فقط اريد منكِ المجيئ معي بالسيارة ، لأني اريد التكلم معكِ بموضوع هام ، وبعدها سأتركك وشأنكِ"

تنهدت بهدوء وهي تفكر بسرعة بالذي عليها فعله الآن بهذا المزعج والمصر على الالتصاق بها دوما وهو يحمل كل اسرارها معه وكل شيء يخص عالمها السابق ؟ لتقرر بعدها فعل ما يقوله لعلها تتخلص منه للأبد وترتاح وهي مستعدة لأي مراوغة قد تصدر منه بأي لحظة لتشق عندها رأسه بسكينها لنصفين ، وهذا ليس بالشيء الجديد عليها عندما تكون متعايشة منذ المهد بمحيط يملئه كل انواع المجرمين بالعالم .

سارت بعدها حول السيارة بثبات قبل ان تصل لباب المقعد بجانبه ، لتفتحه عندها بهدوء وهي تجلس بجانبه بصمت مريب قبل ان تقفل الباب من خلفها بقوة ، بينما عاد (مازن) لتشغيل محرك السيارة وهو يقول بابتسامة مائلة مع عينيه العسليتين الناعستين
"اهلا بكِ بعالمي يا دميتي الجميلة ، انظري ما اجملكِ وانتِ مطيعة مثل كما كنا بالماضي"

اشاحت بوجهها باتجاه النافذة ببرود وهي تشعر بشيء غير جيد ينخز قلبها بألم كما يحدث دائما مع غريزتها الفطرية المحدقة بالخطر من حولها ، ولكنها الآن قد وصلت لحالة من الإنهاك وقلة النوم تمنعها من التفكير بالشكل السليم والتدفق بأفكارها المتضاربة برأسها ، بينما تحرك (مازن) بالسيارة بعيدا عن الطريق وابتسامة غامضة تتسع تدريجيا حتى شملت وجهه بأكمله بانتشاء واضح مريب .

____________________________
فتحت عينيها بإنهاك ما ان داعبتها خيوط من اشعة الشمس والمتسللة من النوافذ العملاقة وهي تشوش عليها الرؤية امامها ، لتنتفض بعدها مستيقظة بقوة قبل ان تتلوى بألم ما ان اجتاحتها موجة تشنج بمنحنيات ظهرها بسبب نومها على الأريكة الغير مريحة لفترة طويلة ، رفعت كفها وهي تمسد على ظهرها وخصرها بقوة مضيقة عينيها الخضراء بشحوب من اشعة الشمس القوية والتي اخترقت النوافذ الزجاجية بسطوع لم تعتد عليه بسبب قرب مكان الشقة من اشعة الشمس بما انها بالطوابق العليا .

تنهدت بتعب وهي تنهض عن الأريكة برفق بعد ان غفت لساعات عليها وهذا بعد بزوغ الفجر وهي التي لم يغمض لها جفن من التفكير الطويل بحياتها وبكل تعقيداتها من عقد قران وشقيقة يتيمة وبابن خالها والذي اصبح من الآن زوجها ، ولا تعلم للآن ما هي الخطوة التالية من اجل استعادة شقيقتها وتحقيق مطالبها والتي وعدها بها (احمد) من قبل ؟ ولكن كل ما يهمها الآن وبهذه اللحظة هو الاطمئنان على حال شقيقتها بعد ان تركتها بعهدة (صفاء) ولن تنسى احضارها ايضا لهذه الشقة مهما كلفها الأمر .

وقفت عن الأريكة وهي تلتفت نحو النوافذ الزجاجية ومصدر الانارة بالشقة الواسعة ، لترفع بعدها كفها لمستوى وجهها وهي تحمي عينيها من الانارة والتي اجهدت الرؤية عليها ، تحركت من فورها ببطء وهي تدور حول الأريكة لتقف بعدها امام النوافذ قبل ان تمسك بجانبيّ الستارة لتحجب النور من امامها وهي تغطي النوافذ العملاقة بصمت لتحل عندها اضاءة خافتة على انحاء الشقة .

زفرت انفاسها براحة وهي ترفع يديها لمستوى وجهها لتتمتم بدعاء خافت معتادة على قوله دائما ببداية كل شروق ويوم جديد
"اللهم يسر امورنا واشرح صدورنا وفرج همومنا يارب العالمين"

مسحت وجهها بكفيها باستغفار وهي تتنهد بهدوء ، لتبتلع بعدها ريقها بتشنج وهي تسير بعيدا عن النافذة باتجاه ممر الغرف ، بدأت بعدها بفتح الغرف الواحدة تلو الأخرى وهي تتأفف بنفاذ صبر بدون ان تعرف مكان الحمام بهذه الشقة الواسعة ، لتصل بعدها لغرفة من بين تلك الغرف الأخرى وهي تحتوي على حمام مرفق معها وقد كان هذا من حسن حظها .

سارت بسرعة لداخل الحمام قبل ان تشغل الماء بالحوض المستدير الذهبي ليتدفق عندها الماء بداخل الحوض حتى امتلئ بالكامل ، لتؤخذ بعدها حمام سريع لم يستمر معها سوى ثواني معدودة ، فقط لينفض عنها الإنهاك والتعب والذي تشعر به يكاد يفتك بها منذ الأمس وخاصة بأنها تحتاج الآن لكل تركيز لتستطيع التفكير بخطواتها القادمة بشكل سليم وبذهن متفتح .

وقفت امام المرآة وهي تجدل شعرها بجديلة طويلة مبللة لكي لا تعيق عليها الحركة ومع اشعة الشمس ستجف لوحدها ، وما ان انتهت من كل هذا حتى تحركت لخارج الغرفة لتتجه لوجهتها التالية وهي المطبخ ، وقفت امام الخزائن بدون ان تتمعن بزوايا المطبخ الفاخرة مثل باقي الشقة ، لتخرج منها علبة القهوة وهي تتنفس براحة فكل شيء يسير كما تريد للآن ، انتهت من تحضير كوب قهوة سريع وهي تحركه بالملعقة برتابة قبل ان تقربه من شفتيها لتبعده بسرعة عنها ما ان لعقت مرارته بلسانها والتي كانت شبيهة بالعلقم .

تجولت بعدها بين الخزائن مرة أخرى بدون ان تجد اي اثر للسكر وهي تفكر بأن بأي مطبخ دائما لا يخلو من السكر ، ولكن لما مطبخ هذا الرجل لا يوجد به اي ذرة من السكر ؟ هل يعيش على مرارة العلقم ام انه قد استنفذ كل السكر من عنده ؟

ضربت بقبضتها على جبينها بقوة بغضب قبل ان تعود لكوب القهوة وهي تمسك به بارتجاف ، وما ان قربته من شفتيها حتى تجرعته برشفة واحدة شعرت بها بحلقها قد تفتت من المرارة السوداء وكأنه لا ينقصها مرارة العالم الخارجي لتكتمل بهذه القهوة السوداء .

وقفت امام النافذة وهي تفتح القليل من الستارة ليتسلل بعض النور للداخل وهي تمتع نفسها بالمناظر الخلابة والظاهرة من ارتفاع البناية الشاهق ، تنفست بعدها بهدوء وهي تبتسم بثقة كبيرة لتبدأ بها يومها الجديد كالمعتاد .

ابتعدت بسرعة عن النافذة لتخرج الهاتف من حقيبتها الملقاة فوق الطاولة وهي تجري الاتصال بسرعة ، وما ان وضعته على اذنها حتى وجدته مقفل بدون اي ردّ من الطرف الآخر وهذا ما دفعها لتشعر بالتوجس والقلق ينهش احشاءها بقوة ، اخفضت الهاتف لتجري من فورها اتصال آخر برقم ثاني وهي ترجو ألا يحدث ما تفكر به ، ليفتح بعدها بلحظة الطرف الآخر وقبل ان ينطق بأي كلمة سبقته وهي تقول بسرعة بتوجس
"صفاء ، هل ماسة معكِ ، فأنا احاول الاتصال بها وهي لا تجيب"

عمّ الصمت للحظات قبل ان ينطق الطرف الآخر بخفوت متوتر
"لا اعلم ماذا اخبركِ يا روميساء ، ولكني لم ارى ماسة منذ نامت معي بمنزلي بمساء الامس ، وبعدها بالصباح اختفت ولم اجد لها اي اثر ولا حتى بالجامعة...."

اخفضت (روميساء) الهاتف عن اذنها بارتجاف بدون ان تسمع بقية كلامها وهي تفكر بمئة احتمال يدور برأسها ومن بينها ان تكون حقا قد بدأت بالبحث عن عمل كما كانت تريد وتسعى ، ولكن لن تسمح بحدوث هذا وهي من ستوقفها عند حدها فهي المسؤولة الوحيدة عنها وتأمين كل ما تحتاجه مهمتها وحدها منذ سنوات ، فهي لن تسمح لشقيقتها بأن تتمادى اكثر من هذا وتعمل عند اناس سيستغلون ضعفها وعدم خبرتها بمجال العمل بدناءة .

اعادت الهاتف لأذنها وهي تقطع استرسال الأخرى قائلة بحزم
"اسمعي يا صفاء واهدئي ، انا سأحاول البحث عنها بمنزل قيس وبكل مكان ، وانتِ ابقي بالجامعة حتى نهاية الدوام فقد تأتي لحضور محاضراتها متأخرة"

ردت عليها (صفاء) بخفوت حزين
"حسنا يا روميساء ، واعتذر لأني لم انتبه عليها اكثر كما طلبتي مني"

حركت (روميساء) رأسها بشرود وهي تهمس باطمئنان
"لا تقلقي يا صفاء ، كل شيء سيكون بخير فماسة ليست طفلة لتخافي عليها هكذا ، والآن وداعا"

فصلت (روميساء) الخط بارتباك وهي تعيد الهاتف للحقيبة بهدوء ، لتضع بعدها حزام حقيبتها فوق كتفها وهي تعيد جديلتها الطويلة لخلف ظهرها قبل ان تسير باتزان هادئ لباب الشقة وكل ما تتمناه ويجول بفكرها ان تكون (ماسة) حقا بخير ولا يصل تهورها وجنونها لأمور لا تحمد عقباها .

____________________________
طرق على باب الغرفة بهدوء حذر قبل ان يسمع الاذن بالدخول ، ليدفع بعدها باب الغرفة وهو يقول بابتسامة هادئة باتزان
"صباح الخير ابي"

ردّ عليه من كان يقف امام المرآة وهو يعدل من ربطة عنقه قائلا بهدوء جاد
"صباح النور ، ماذا هناك لما لم تذهب للشركة بعد ، فلا تنسى بأنه عليك البدء بالعمل على الصفقة الجديدة والتي سلمتها لك"

كان (احمد) يبتسم بشرود وهو يتمعن بالنظر بوالده والذي يبدو لم يؤثر عليه تقدم العمر كثيرا ولم يهد من طاقته وحيويته ولو قليلا وحتى الشعيرات البيضاء لم تغزو سوى جزء قليل من شعره لتختلط مع الشعيرات السوداء وتزيده مهابة وجبروت وفخر لهذه العائلة ، وهكذا كان دائما يراه منذ طفولته البطل الخارق والذي لا يقف امامه اي حائل مثل الجبل الشامخ والذي لا يهزه ريح مهما تعاقبت السنوات وزادت العقبات امامه ، فهو بالنهاية ابن العائلة الوحيد ورجل بين ثلاث شقيقات والذي صارع الحياة بقوة بين اولاد اعمامه ليحصل هو على المركز ويتشبث بقوة بمكان جده الراحل والذي استلمه من بعده .

نفض الأفكار عن رأسه ما ان استدار (محراب) نحوه بجمود وهو ينظر له بتلك الاحداق الرمادية والتي لم تتغير الصرامة والقسوة فيها والتي تميز افراد هذه العائلة ، ليقول بعدها بسرعة بابتسامة جادة
"اريد القليل من وقتك يا ابي ، لأتكلم معك بموضوع مهم ويخصني شخصياً"

تصلبت ملامح (محراب) بجمود وهو يرفع حاجبيه ببطء مترقب قائلا ببرود
"يمكنك ان تخبرني بما تريد بعد ان ننتهي من العمل ، فلا نريد التأخر بالبدء بالصفقة الجديدة والتي تخص رحلة عملك وخاصة بعد الخسارة والتي ألحقت بنا بعد تلك الحفلة الكارثية"

تجهمت ملامح (احمد) وهو يشعر بكلمات اتهامية غير مباشرة موجهة نحوه ليذكره بما حدث بسببه بتلك الحفلة الكارثية كما يقول وهو يحمله كل اللوم على ما آلت إليه تلك الشراكة ، قال بعدها بلحظات باستياء واضح
"ولكني لستُ المذنب الوحيد هنا ، فذلك المسمى رضوان هو الذي تجاوز حدوده بالبداية....."

قاطعه (محراب) وهو يتمتم بنفاذ صبر
"توقف عن تكرار نفس الحجة امامي ، فأنا قد خاب ظني بك كثيرا"

تنفس بضيق وهو يعود مرة أخرى لتحميله الذنب بالكامل واشعاره بالمسؤولية وبما قد خسره بسببه ، ليعود بعدها لموضوعه المهم وهو يقول بجدية عابسة
"ابي فقط اسمعني اريد التكلم معك بأمر مهم ، وهو بعيد جدا عن العمل ولن يؤخذ الكثير من الوقت"

رفع (محراب) نظراته باتجاه ابنه وهو ينتظر تكملة كلامه بترقب وبحاجبين معقودين بتركيز ، ليقبض بعدها (احمد) على يديه بقوة وهو يهمس بتصلب مشتد بدون اي مواربة
"لقد عقدت قراني على ابنة عمتي روميساء الفاروق بالأمس بالمحكمة ، وهي الآن قد اصبحت زوجتي رسمياً وتحت حمايتي"

ساد هدوء حذر بالأجواء بينهما دام لدقائق وفقط صوت انفاسهما هو ما يقطع الصمت بينهما وعيونهما تعلن عن تحدي بارد بدون اي كلمات بنفس القوة والصرامة الموروثة ، ليزفر بعدها (محراب) انفاسه بقوة وهو يبادر بالكلام قائلا بجمود
"هل هذا الكلام حقيقي ام انك تسخر مني"

وعندما دام الصمت لفترة اطول حتى استسلم (احمد) وهو يبعد عينيه عن تحدي عيون والده بخنوع صامت ، ليقول بعدها (محراب) بصوت صارم بارتفاع خطر
"ولما فعلت هذا ، ما لذي دفعك لتتصرف على هذا النحو ، ام انك تفكر بالانتقام مني وفعل ما امرتك بعدم فعله كوسيلة لإغاظتي ، هل هي حرب باردة بيننا...."

قاطعه (احمد) بتوجس وهو يرفع كفيه بتبرير
"هذا غير صحيح ابدا يا ابي ، لما دائما تفهم ما افعله بشكل خاطئ ، انا اكيد لستُ افكر بمحاربتك او الانتقام منك فأنت بالنهاية والدي ومعلمي الأول بالحياة والذي يتمنى لأبنائه الخير دائما....."

قاطعه (محراب) وهو يتقدم نحوه بثبات نافضا ذراعه جانبا
"لا انت لست ابني الذي اعرفه بل نسخة اخرى عن شقيقك المجنون والذي بدأت تتحول عليه ، فهذا لا يخرج ابدا من ابني احمد والذي تابعت تربيته بنفسي خطوة بخطوة منذ كان طفلا ليستطيع حمل كل اعباء العمل بنفسه بعد ان يتقدم بي العمر ، لكن ماذا ارى امامي الآن سوى نسخة فاشلة استطاعت تحريكه الاعيب النساء"

قال (احمد) فجأة بانفعال وهو يشير لنفسه بيده بغضب
"كيف تتكلم عني هكذا يا ابي ، على الأقل اسمع السبب والذي اريد اخبارك به ، وبعدها يمكنك الحكم على تصرفي"

ردّ عليه (محراب) باقتضاب
"إذاً ما هو سببك"

تنفس (احمد) بارتباك وهو يخفض ذراعيه جانبا قائلا بكل ما يملك من هدوء وتركيز
"انت تعلم بأن بنات عمتي مايرين قد تركوا المنزل بدون رجعة بسبب ما حدث بالحفلة ، وروميساء تُحمل نفسها اللوم والذنب على ما حدث ، وتعلم ايضا بأنهما لم تتجاوزا بعد الماضي حتى الآن وما تزالان تعانيان منه للآن وعالقات به ، ونحن ايضا نحمل الذنب بكل ما تعرضوا له بحياتهما بدون ان نقدم لهما يد المساعدة على مدار سنوات ، لهذا عرضتُ على روميساء الزواج لكي استطيع عندها ان احقق لها كل مطالبها بالحياة كتعويض بسيط عما تجرعته بحياتها بسببنا ، ولن استطيع ان اقدم لها اي شيء بدون رباط رسمي يجمعني بها لكي احميها من العالم القاسي من حولها وابقيها بأمان ، بدون ان اسمح بضياعها منا مجددا هي وشقيقتها فهما بالنهاية تستحقان القليل من الحياة المرفهة والتي لطالما كنا نعيشها بعيدا عنهما"

كان (محراب) ينظر له بتصلب غامض قبل ان يتراجع بخطواته وهو يتجه للسرير قائلا ببرود ساخر
"رائع ايها البطل المغوار ، ولكن يبدو بأنك قد نسيت امرا مهما وهو بأنه عليك ان تخبر زوجتك عن بطولاتك هذه والتي ستفخر بها جدا عندما ترحب بزوجتك الجديدة بحياتها"

ما ان انهى كلامه حتى سمعوا صوت تحطم كأس يتبعها سقوط الصينية المعدنية ارضا خلف باب الغرفة بقوة احدثت ضجة مدوية ، لتلتفت الانظار بسرعة نحو باب الغرفة والذي سار (احمد) باتجاهه بخطوتين قبل ان يفتحه من فوره بثواني وبوجل وهو ينظر للوجه المصدوم والذي اطل عليه من خلف الباب وهو ينظر امامه بانذهال قبل ان يخرج عندها الصوت الانثوي العابس باستنكار
"هل تزوجت عليّ يا احمد"

ابتلع ريقه بارتباك وهو يتلقى السؤال والذي توقعه بدون ان يستعد له كما كان يخطط له من قبل ليفاجئ بوجودها وبتسمعها على حديثهما والذي لم يكن من المفترض ان تسمعه الآن ، وما ان كان على وشك الكلام حتى انسحبت (سلوى) بسرعة من امامه وهي تشهق ببكاء مرتفع لتجري بعيدا عنه من حيث اتت ، ليخفض بعدها نظراته بإحباط لكأس العصير والمتناثر ارضا على شكل شظايا غارقة بسائل العصير .

قطع عليه شروده بالحطام صوت والده والذي كان يرتدي سترته قائلا بحدة صارمة
"لقد فعلت ما برأسك وانتهى الأمر ، ولكن بعلمك إذا أثر هذا على علاقتي بشراكتي مع عائلة سلوى ، او إذا وصل الأمر للطلاق منها ، فلا تلوم عندها سوى نفسك يا احمد الفكهاني لأني عندها لن اغفر لك زلتك هذه"

حاد (احمد) بنظراته بوجوم نحو والده والذي كان يسير امامه قبل ان يتجاوزه وهو يبتعد عنه خارجا من الغرفة ببرود جليدي وكأن شيء لم يكن ، ليتأفف بعدها بنفاذ صبر من كل ما يواجهه بحياته وهو يرفع كفيه ليمسح بهما على صفحة وجهه هامسا من بين اسنانه بتصلب حانق
"اللعنة عليك يا احمد"

يتبع.................

زهرورة likes this.

روز علي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 05-06-21, 09:30 PM   #57

روز علي
 
الصورة الرمزية روز علي

? العضوٌ?ھہ » 478593
?  التسِجيلٌ » Sep 2020
? مشَارَ?اتْي » 380
?  نُقآطِيْ » روز علي is on a distinguished road
افتراضي

امسك بمقبض الباب بحذر وهو يتنفس بهدوء منقبض محتد قبل ان يدفع الباب للأمام ببطء لينظر عندها للمشهد المتوقع لزوجته المشتعلة والتي تبدو بأبشع حالاتها من العصبية والتي لا تصل لحدها الاقصى ألا إذا اخطأ احدهم بحقها بصورة شنيعة غير قابلة للغفران ، لتتحول بعدها لامرأة اخرى من شعلة متقدة من العصبية وكأنها قد فقدت السيطرة على نفسها تماما ، وهو يعلم جيدا بأنه ليس من الحكمة التكلم معها الآن ولكن كلام والده والذنب والذي ينهشه اتجاهها بهذه اللحظة لن يسمح له بتركها بهذه الحالة المخزية والتي قد تدفعها لترتكب جريمة بنفسها او بمن حولها .

كان ينظر لها وهي تفتح الخزائن لتمسك بكومة من ملابسها قبل ان تلقي بها بداخل حقيبتها بإهمال بدون ان تهتم بترتيبها ، لتعود بعدها لنفس الكرة وهي تمسح معها عينيها الحمراوين من البكاء بمنديلها بتوتر وهو يستمع لتمتمات خافتة تخرج من شفتيها بعصبية بالغة ويبدو عليها كسيل من الشتائم بدون ان يعلم لمن موجهة ؟

تنحنح وهو يبادر بالكلام قائلا بصوت بارد بارتباك
"بماذا تهمسين"

توقفت قليلا عن الحركة امام الخزانة للحظات قبل ان تعود للنبش بين الملابس قائلة بغضب ناري
"اشتم حظي العثر والذي اوقعني بعائلتك وبهذا الزواج ، واشتمك انت وحبيبتك اللعينة والتي اوقعتك بشباكها بسهولة ، بينما انا ملقاة على الزاوية بين اشيائك القديمة والتي ذقت ذرعا منها"

تنفس (احمد) بضيق وهو يشعر بالهواء قد فرغ من الغرفة بسبب انفاسها المشتعلة والتي ملئت الاجواء من حولها بشرارات خانقة ، ليعبس بعدها بصرامة وهو يرتدي قناع الهدوء الجاد والذي اعتاد على استخدامه بكل مواقفه المستعصية والتي ليس لها حل بحياته .

عادت (سلوى) لدس الملابس بفوضة فوق بعضها البعض وهي تنشج بأنفاس حادة مرتفعة ، ليندفع بعدها الساكن بمكانه نحوها وهو يمسك بذراعها بقوة ليديرها نحوه وشعرها الاسود الطويل المتشابك يدور من حولها بهمجية وهو يوجه كلامه لها بصرامة قاطعة
"قبل ان تفتعلي اي مصيبة قد تندمين عليها ، اسمعي اولاً ما سأقوله لكِ والسبب والذي دفعني لفعل كل هذا ، وبعدها يمكنكِ فعل ما تشائين بحياتك ولو رميتي نفسكِ من على السطح"

تجهمت ملامح (سلوى) بارتجاف وهي تتنفس بحدة قبل ان تعود لشراستها وهي تضربه على صدره بقبضتيها قائلة ببكاء حاد
"وماذا تريد ان تقول لي اكثر مما علمت ، لو اني لم اعلم بالصدفة عند غرفة والدك لبقيت تخفي عني امر زواجك منها طول العمر ، وقد بقيت ايضا تقضي شهر عسلك عندها طول الأيام القادمة وانا انتظر عودتك بالمنزل منذ يومين كالبلهاء ، بحجة بأنك مشغول بالعمل و....."

قاطعها (احمد) بانفعال وهو يمسك مرفقيها على صدره بقسوة
"اخرسي يا سلوى ، وتوقفي عن هذه الاحتمالات الفارغة والتي لا وجود لها بالواقع ، وليكن بعلمك بأنني كنت اريد اخباركِ بالأمر بعد ان اخبر والدي ، يعني لم اكن اريد ان اخفي عنكِ الأمر فقط انتظرت الوقت المناسب"

كانت (سلوى) تشهق بعنف ودموعها ما تزال تغرق وجهها بأكمله بغزارة لتمسح مساحيق التجميل عنه ، لتهمس بعدها بشراسة وبعبوس مهتز
"يعني انت تعترف بأنك كنت تجهز للأمر لتخبرني بزواجك عليّ ببساطة ، وماذا سأستفيد مثلاً بكلامك وتبريرك ما دمت عقدت قرانك بها وانتهى الأمر واصبحت زوجتك رسمياً ، بينما زوجتك الأولى والأصلية جالسة بالمنزل وكأنها مجرد اثاث مهترئ بغرفتك ليس لها الحق بمعرفة ان زوجها قد خانها وتزوج عليها"

تنفست بعدها بسرعة وهي تحاول اخذ انفاسها بصعوبة من بين شهقاتها الباكية وبحدة بالغة ، بينما افلت (احمد) مرفقيها بوجوم وتردد وهو يقبض على كفيه بقوة حتى ابيضت مفاصل اصابعهما بدون ان يعلم الطريقة الصحيحة بمواساتها وهو يراها تكاد تغص بشهقات بكائها الحادة والسريعة بشكل مفرط ؟

رفع (احمد) كفه وهو يمسد على جبينه بغضب وما ان كان على وشك الكلام حتى سبقته من رفعت وجهها نحوه بقوة وهي تقول ببكاء منتحب
"لما اخترتها هي تحديدا يا احمد ، من بين كل الفتيات اخترت تلك الشاذة ابنة الفاجرة لتتزوجها عليّ ، اكل هذا لأنها تبدو اجمل مني ام لأنها قريبتك الجميلة ، كنت اعرف بأنك ستفعل هذا يوما ما لأني لم احقق لك كل مطالبك كاملة ومنها طفل يحمل اسمك واسم العائلة....."

قاطعها (احمد) وهو ينقض عليها ليقبض على ذراعيها بقوة قائلا بنفاذ صبر
"كفى يا سلوى فقد اكتفيتُ من كل هذه الاتهامات المجحفة بحقي وبحق ابنة عمتي ، ولا اسمح لكِ مرة أخرى بإهانة ابنة عمتي والتي اصبحت زوجتي الآن ، وكل الكلام والذي قلته عن تحقيق مطالبي والسبب بزواجي غير صحيح"

فتحت شفتيها وهي على وشك العودة للكلام ليسبقها (احمد) وهو يقول بصرامة حادة بعد ان اختفى الهدوء من ملامحه
"اصمتِ يا سلوى واسمعي ما سأقوله ، زواجي من ابنة عمتي هو فقط لأساعدها للحصول على حقوقها والتي حرمت منها منذ سنوات ، وايضا نحن نتحمل ملامة ما حدث معها هي وشقيقتها وكل معاناة مرت عليهما بالماضي ، لذا انا سأعوضها عن كل ما فات واكون افضل من الجميع واردّ لها حقها بالحياة المرفهة وكل شيء تحتاجه من حماية وامان حرمت منهما ، وزواجي منها سيسمح لي بأن احقق لها كل الحماية المطلوبة وكل شيء تحتاج إليه ، وسامحيني لأني تأخرت بقول هذا الكلام لكِ فقد حدث كل شيء بسرعة بدون ان افكر بردة فعلك"

انفرجت شفتيها بارتعاش قبل ان تتحول لابتسامة ساخرة وهي تهمس بقتامة وحقد
"ولما انت الذي عليك ان تلعب دور البطل وتحمي اميرتك ، لست الملام الوحيد على الذي حدث لهما بالماضي بل والدك هو الذي عليه كل اللوم وهو الذي لديه الحق بفعل ما تبرعت انت بفعله بكل شهامة ، وهي ايضا ليست طفلة حتى لا تستطيع حماية نفسها وحماية شقيقتها الأخرى الفاجرة معها بل هما اكثر من قادرتين على استعادة حقوقهما لوحدهما بدون مساعدتك كما كانوا استطاعوا العيش بالماضي مع زوج والدتهما ، ولكن يبدو بأنك انت الذي لا ترى امامك سوى ما تريد ان تراه وتوهم نفسك به يا سيد احمد"

امتقعت ملامحه بغموض وهو يشدد من الإمساك على ذراعيها بقوة قبل ان يرخيهما وهو يفلت ذراعيها بهدوء ، ليستدير بعدها بعيدا عنها وهو يتنفس بتشنج من كل هذا الضغط والذي يواجهه منذ الصباح وكأنه ارتكب جريمة شنعاء بزواجه الثاني والذي يراه بالنسبة له عين العقل وحق من حقوق بنات عمته عليه فهو بحياته لم يحب الظلم ومرتكبيه والذي كانوا يمارسونه على بنات عمته بالماضي بسبب خطأ ليس لهما اصلا ذنب فيه .

قال بعدها بلحظات بصرامة حادة عادت لاحتلال ملامحه بقوة
"لقد اخبرتكِ بما لدي يا سلوى ، وانتِ افعلي ما تريدين والقرار بين يديكِ ، ولكن اعلمي بأن زواجي من ابنة عمتي سيبقى كما هو ولن يتغير ، وعليكِ ان تفهمي ايضا بأنها قد اصبحت زوجتي وهذا يعني بأن عليها حقوق عليّ مثل حقوقكِ تماما"

زمت شفتيها بانفعال والدموع قد عادت للتجمع بمقلتيها بقوة قبل ان تتسرب على وجنتيها المحمرتين بشدة من البكاء ، لتهمس بعدها بقوة رغم ارتجاف صوتها بمرارة
"حسنا يا احمد ، انت من اخترت هذا ، ولا تنسى بأن هذا سيكلفك كثيرا ، وتوقع بأي لحظة بأن تصلك رسالة طلاقي منك ، فأنا من المستحيل ان اجتمع مع فتاة ليست من مستواي لتشاركني بزوجي والذي تبين بأنه مفتون بسحرها دون غيرها"

عادت (سلوى) للالتفات لحقيبتها وهي تنشج بارتجاف اثر على يديها والتي كانت تحاول اغلاق حقيبتها بإحكام ، وما ان انتهت وبعض من قماش الملابس بقيّ عالقا خارج الحقيبة بدون ان تدخله جيدا حتى انزلت الحقيبة للأرض بقوة ، لتمسك بعدها بمقبضها وهي تجرها من خلفها بهدوء ودموعها تنزل بنشيج حاد وشهيق بدون ان توقفه .

بينما تنهد (احمد) بهدوء ما ان اغلقت الباب من خلفها بقوة رجت معها جدران الغرفة بأكملها ، وهو يتمنى من كل قلبه ان تمر هذه الليلة على خير بدون اي مشاكل على الأقل قبل سفره للبدء بالصفقة الجديدة والتي ستؤخذ منه كل وقته بعيدا عن كل هذه الأحداث والتي سببت لرأسه ضجة صاخبة غير معتاد عليها بحياته الرتيبة .

_____________________________
كانت تنظر امامها بجمود وهي تشدد من معانقة ساقيها بذراعيها بقوة وحدقتيها باردتين بدون اي حياة وهي تجلس على طرف سرير كبير نسبيا بغرفة لا تحتوي على اي اثاث سوى على نافذة مفتوحة بدون حماية ومع زجاج محطم الجانبين وبعض منه ما يزال سليم وهو عالق بإطار النافذة بشموخ ، وهذا حالها منذ ساعتين تقريبا وهي تحدق بالنافذة بدون اي تعبير بل منذ خُدعت بكل دناءة ووصلت لهذا المكان الموبوء والذي لا تعلم شيئاً عنه وما صلته بذلك الحقير والذي استطاع ان يضحك عليها بسهولة ليحبسها بهذه الغرفة القميئة بدون اي مهرب او سلاح ؟ فقد انتشل منها حتى هاتفها وسكينها ما ان حاولت مهاجمته بسكينها ليتصدى لها قبل ان تفكر بفعلها وكأنه يحفظ كل حركاتها وما يصدر منها بدون ان يتكلف اي عناء ، فهذه هي اللعبة والتي لطالما كانوا يفعلونها بكل مواجهة تحدث بينهما بطفولتهما المتهورة وبكل سنوات حياتهما حتى حفظ كل شيء عنها واصبح من السهولة توقع حركاتها .

ولكن اللوم ليس عليه وحده بكل هذا بل على الحمقاء والتي ذهبت معه بإرادتها الحرة وهي تعلم جيدا بنواياه ودناءته والتي لن تتغير ابدا وهي بغبائها قد قدمت له كل ما كان يريده ويحلم به على طبق من فضة بدون اي ذرة تفكير ، فيبدو بأن ذكائها الحاد وغريزتها الحذرة والتي تشعر بما حولها قد خذلتها هذه المرة ولأول مرة بحياتها .

تنهدت بهدوء متصلب ما ان شعرت بصوت خطوات مقتربة من باب الغرفة ، ليتبعها بعدها صوت فتح القفل بالمفتاح قبل ان يدخل للغرفة ببساطة وهو يغلق الباب من خلفه بهدوء ، تقدم باتجاهها بخطوات متباطئة وهو ينظر لاستكانتها بابتسامة مستفزة ، ليقف بعدها فوق رأسها وهي ما تزال لا تعيره اي انتباه .

قال بعدها بلحظات بخفوت متسلي مبتسم وهو ينظر لرأسها الجامد
"كيف حالكِ ، هل تشعرين بالجوع او بالبرد لأن الجو بهذا المنزل بارد بعض الشيء"

مرت لحظات باردة كبرودة الهواء بالخارج قبل ان تهمس الساكنة بمكانها بتصلب خافت بدون ان تنظر له
"هل انتهيت من التهريج ، لأني اريد ان اسألك الآن لما خدعتني ولم تفعل كما اخبرتني ، ام انك كنت تتسلى بغبائي لا اكثر"

ضحك (مازن) بدون مرح قبل ان ينحني امامها وهو يقابل وجهه امام وجهها مستندا بكفيه على ركبتيه ليهمس عندها بغموض مبتسم
"لا تقولي مثل هذا الكلام المهين عن نفسكِ فهو لم يعجبني ، وبخصوص خداعك انتِ من اتيتِ معي بملء إرادتكِ يا جميلة....."

قاطعته (ماسة) بانقباض وهي تهمس امام وجهه بحدة
"انت من ارغمني على المجيئ معك ، ومن اوهمني بأنك ستتكلم معي فقط وبعدها تتركني وشأني ، ولكني نسيت بأنك شخص لا يفي بوعوده ابدا وحقير مثل المجرمين السابقين من اشباهه ومن ألقوا بالقبض عليهم....."

قاطعها (مازن) بتصلب وهو يرفع يده لوجهها حتى كاد يصفعها قائلا باشتعال
"اصمتِ يا ماسة والتزمي حدودكِ معي ، فلا تنسي بأنكِ الآن قد اصبحتِ تحت رحمتي ، وقد تقضين على حياتكِ بسبب كلمة طائشة منكِ غير محسوبة العواقب"

تجمدت (ماسة) ببرود للحظات قبل ان تعتلي ملامحها ابتسامة ساخرة فوق شفتيها الحمراوين وهي تهمس باستهانة
"ما بك ، لما توقفت بآخر لحظة ، ام تريد ان تثبت لي بأنك ما تزال تتحملني ولن تمسني بسوء لتشعرني بالامتنان نحوك ، صدقني هذه الأمور لم تعد تؤثر بي بالنسبة لشخص عاش طول حياته مذلول يتجرع ألم اسوء من الصفع ، لذا كلامك التافه وتهديدك لي لا يؤثران بي ولو قليلا"

تصلبت ملامحه وكفه ما تزال بقرب خدها قبل ان يربت عليها بهدوء وهو يقول ببساطة بالغة
"ومن اخبركِ بأنني ارغب بصفعكِ او تهديدك ، بل انا كل ما ارغب به هو امتلاككِ انتِ لتكوني شريكة حياتي ودميتي لي وحدي ، وكل شيء فيكِ من شراستكِ وتمردكِ سيكونان من الآن طوع امري"

كانت (ماسة) تنظر له بجمود صخري بدون ان تتحرك اي عضلة بوجهها فقط انفاسها تخرج بحدة متهدجة لتدل على انها ما تزال موجودة معه ، قالت بعدها بلحظات بخفوت قاطعة الجمود والذي لفهم معا
"ماذا تريد مني ، ولما احضرتني لهذا المكان ، ولمن هذا المكان اصلا"

تراجع (مازن) بوجهه بعيدا عنها وهو يتنفس بهدوء قائلا بابتسامة جانبية بتفكير
"اولاً اخبرتكِ بما اريد وما اسعى إليه منذ سنوات ، وثانياً هذا منزل صديقي القديم والذي ذهبتُ إليه بالأمس وعلى اساس بأني قد نمت عنده تلك الليلة ، ولكن المخطط قد تغير قليلا وجعلته يعيرني منزله هذا والذي لم يعد يسكن به احد وفقط ليوم واحد ، وهذا كل ما حدث"

رفعت نظراتها نحوه بتجهم وهي تفكر بكل ما قاله والذي يظهر بوضوح بأنه كان يخطط لفعل كل هذا معها منذ الأمس ؟ وهي قد ساعدته بتنفيذ مخططه بذهابها معه بغباء يظهر عليها لأول مرة ، لتقول بعدها بدون ان تمنع نفسها باستياء
"ولما فعلت معي كل هذا بعد ان استمعت إليك وعدتُ لمنزل قيس كما كنت تريد ، ام انه كان جزء من الخطة ايضا"

ردّ عليها ببساطة وهو يستقيم بوقوفه قائلا بثقة
"عودتك لمنزل قيس كان سيحدث عاجلاً ام آجلاً ولم يكن له علاقة بالخطة ، ولكني قد فكرت بأنكِ الآن قد اصبحتِ ضعيفة ومشوشة بعد ان تخلى عنكِ الجميع وحتى شقيقتك ، لذا اردتُ ان استغل هذا الأمر لصالحي لأصوب ضربتي واحقق كل ما احلم به منذ سنوات ، وبدون ان يقف امامي اي عائق ، فأنا قد مللت كثيرا من لعبة المطاردة معكِ وقد حان الوقت الآن ليصبح الكلام واقع ملموس اخيرا"

زمت (ماسة) شفتيها بارتجاف جامد من كلامه وهو يذكرها بأنها قد اصبحت حقا وحيدة ولم يعد لديها احد بعد ان خرجت شقيقتها من حياتها ببساطة ، وهل كان لديها احد من قبل ام كانوا مجرد سراب بحياتها ؟

اخفضت نظراتها بعيدا عنه بدون اي تعبير ما ان قال بابتسامة مفترسة بخبث وهو يعود ليربت على خدها الثلجي بهدوء
"لا تفكري بشيء يا ماسة ولا بأي احد ، فأنتِ ستبقين دائما الفتاة الوحيدة والفريدة عن الجميع والتي لا تستطيع التآلف مع احد ألا مع اشباهها ، ومن تستطيع ان تصل لمعلومات وآفاق لم يصل لها احد من قبلها ولن يصل ، وصدقيني افضل شيء تفعلينه هو التعاون مع شخص يشبهكِ بنفس الماضي ويعلم كل اسراركِ الخطيرة والتي ستبقى دائما بأمان مع الشخص الصحيح"

تنفست (ماسة) فجأة باضطراب وهي تشيح بوجهها بعيدا عنه بصمت وبعيدا عن مرمى كفه بجمود ، ليخفض بعدها كفه وهو يستقيم بجسده باتزان ليضع عندها كفيه بجيبيّ بنطاله بكسل هامسا بهدوء بالغ
"لا بأس يا دميتي ، خذي وقتكِ بالتفكير ، ولكن لا تنسي بأنه عليكِ ان تستعدي جيدا بمساء اليوم ، فنحن سنتزوج بهذا اليوم تحديدا ، ولا تقلقي من التجهيزات فأنا سأحضر لكِ كل شيء تحتاجينه وينقصك"

سار بعدها لخارج الغرفة بخطوات متمهلة كما دخل ليغلق بعدها الباب من خلفه بالمفتاح بإحكام ، بينما عادت (ماسة) للشرود بالنافذة المحطمة بالغرفة والشبيهة بروحها والتي انتهكوها بعد ان حطموها ليتركوها هكذا معلقة بمصيرها المحتوم بدون ان تحدد الهدف من حياتها ومن وجودها بهذا العالم بدون ان تفيد او تستفيد ؟

___________________________
كانت تصعد السلم امام مدخل المنزل بعجلة وهي تلهث بتعب مجهد من سيرها الطويل منذ بداية النهار وهي تنتقل من مكان لآخر حتى غابت جزء من الشمس بوقت الظهيرة بدون ان تجد لها أي اثر ، وهي تصل لآخر مكان بقائمة بحثها تتوقع وجودها به رغم يقينها الكبير بعدم مجيئها إليه ولكن لا بأس من المحاولة بما انها قد اصبحت قريبة من المكان ، وقد ضاقت ايضا دائرة بحثها حتى لم يعد هناك اماكن لم تذهب إليها بهذه الأرض الواسعة وكأنها تبحث عن إبرة بكومة قش .

وقفت بعدها بلحظات امام باب المنزل وهي تتنفس بإنهاك لتقرع بعدها على الجرس عدة مرات بتوتر احتل كل اطرافها ، وما أن فُتح باب المنزل وظهرت الخادمة من خلفه حتى اندفعت بسرعة باتجاهها وهي تقول باحترام مرتبك
"لو سمحتِ اريد ان اسألكِ ، هل جاءت شقيقتي ماسة لمنزلكم او مرت من هنا"

حركت الخادمة رأسها بالنفي وهي تبتعد قليلا عن الباب قائلة بتهذيب
"لا اعلم ولم ارها تأتي لهنا ، لكن يمكنكِ الدخول يا آنسة روميساء وسؤال افراد العائلة عنها"

كانت تريد الرفض بإحراج بعد ما سببته من مشاكل لهذه العائلة وبعد رحيلها عن منزلهم بدون إخبار احد متسللين مثل اللصوص الهاربين ، ولكن ما منعها بآخر لحظة هو خوفها الشديد على شقيقتها والتي اختفت بدون ان يظهر لها اي أثر وافراد العائلة هم افضل الموجودين ليساعدوها على إيجادها ، بالرغم من انها تشك بأن يهتموا بأمرها وبما يحدث لهما بعد ان نبذوهما لسنوات وتقبلهم لهما مؤخرا مجرد فترة مؤقتة فقط كما قالت (ماسة) .

قالت بعدها بلحظات بسرعة ما أن طرأت على بالها فكرة بأمل
"هل احمد موجود بالمنزل ، لأني اريد مقابلته بموضوع مهم"

حركت رأسها بابتسامة هادئة وهي تقول بأسف
"اعتذر يا آنسة روميساء ، ولكن لدي عمل الآن عليّ الذهاب لإكماله ، لذا يمكنكِ الدخول والبحث عنه او سؤال الخدم الآخرين عنه"

انفرجت شفتيها بصدمة وهي تنظر للخادمة ببلاهة والتي ابتعدت من امامها لتسير بعيدا عنها بلا مبالاة ، وهي تفكر بأن هذا ليس غريبا عنها فقد اعتادت مثل هذه المعاملة الفظة من الآخرين ، ولكن ما جعلها تعبس بتجهم هو تجاهلها لطلبها والذي لم يكن بالصعب عليها تنفيذه وكأنها تعمل عند سيادتها .

سارت (روميساء) للداخل بخطوات مترددة وكأنها تدخل للمنزل لأول مرة وهي تتنقل بنظراتها الخضراء المتسعة بزوايا المنزل الفارغ بعبوس ، وما ان لمحت خادمة تخرج من غرف بهو المنزل الواسع وهي تمسك بعدد من الأغطية المرتبة بين ذراعيها حتى اسرعت بخطواتها نحوها قبل ان تقف امامها مباشرة وهي تقول بإحراج خافت
"لو سمحتِ ، اريد ان اعلم اين اجد السيد احمد"

حركت كتفيها بلا مبالاة وهي تقول ببرود
"غير موجود فقد غادر المنزل منذ الصباح الباكر للشركة"

زمت شفتيها بارتجاف وهي تعود للكلام بعبوس متوجس
"ومتى يعود من العمل ، هل تعلمين"

عقدت الخادمة حاجبيها بتفكير قبل ان تقول بابتسامة صغيرة بثرثرة
"اعتقد بأنه لن يعود للمنزل قبل يومين ، لأنه قد استلم صفقة مهمة بمنطقة بعيدة جدا ، وهو بكل مرة عندما يستلم مثل هذه الصفقات لا يعود للمنزل قبل انهاءها واحيانا تؤخذ منه ايام"

اتسعت عينيّ (روميساء) بجزع وهي تتلقى الخبر القنبلة والذي ضرب عقلها عن التفكير تماما وهي تخسر املها الوحيد بمساعدتها بما هي فيه الآن ، وبخضم ما حدث نسيت بأنه قد اخبرها بالفعل عن صفقة العمل والتي دفعته ليعجل من عقد قرانهما قبل سفره للبدء بصفقته ليضمن عندها حمايتها وتحقيق مطالبها وعدم افساد اي احد مخططهم بالزواج .

عادت بالنظر للخادمة بتوجس ما ان قالت المقابلة لها بابتسامة خبيثة بمشاكسة
"وايضا لقد رأيتُ زوجته وهي تخرج من المنزل غاضبة وقد كان يبدو من حالتها المخزية بأنه قد تقاتل معها بشدة ودفعها للبكاء ، لتغادر من المنزل مع حقيبتها ، واتمنى حقا ان لا تعود هذه المرة لبعد سنة واكثر من اجل ان نرتاح من تصرفاتها المتعالية علينا والتي لا تطاق ابدا....."

قاطعتها الصرخة الصارمة من بعيد والقادمة من جهة الرواق
"سندس توقفي عن الثرثرة ، وتعالي إلى هنا ، فلدينا عمل كثير علينا انهاءه"

شهقت المدعوة (سندس) بهلع لتتمسك بعدها بالأغطية بين ذراعيها قبل ان تسير بسرعة باتزان بعيدا عن الجامدة بمكانها وقد ذهبت بتفكيرها المعذب بعيدا عنها منذ بداية كلامها والذي ضربها بمقتل ، لتشعر بعدها بنخزة ندم بزاوية قلبها المظلمة عما سببته من دمار بالعائلة بسبب خبر عقد قرانها من ابن خالها والمتزوج من قبلها ، ولكن ما دخلها هي بكل هذا وهو الذي عرض عليها الزواج منذ البداية بدون اي ضغوط او ارغام من احد وهو يقنعها بعروضه المغرية والتي دفعتها للموافقة على طلبه بدون ادنى تفكير ، إذاً ماذا تغير الآن لتفكر بهذه الطريقة والتي اتعبت عقلها المجهد بالفعل ؟

افاقت من افكارها على صوت خطوات من خلفها وصاحبها يدندن بغناء خافت غير مفهوم على عقلها المشوش ، لتلتفت بعدها بسرعة نحو مصدر الصوت وصاحبه يتوقف امامها فجأة وهو يرفع حاجبيه ببطء ودهشة قبل ان ينطق وهو يقول بتعجب
"مرحبا بعودة ابنة عمتي روميساء ام اقول زوجة شقيقي"

عضت على طرف شفتيها بابتسامة مرتبكة قبل ان تهمس بترحيب خافت وهي تلوح بكفها بحركة غير ملحوظة
"مرحبا بك يا شادي ، الحقيقة لقد اتيتُ للسؤال عن احمد ولكن للأسف لم اجده هنا"

ابتسم (شادي) بهدوء وهو يقول بجدية خافتة بمرح
"اعتذر على ما سأقوله يا روميساء ، ولكن يبدو بأن كل من بالمنزل الآن مرتبك ومشغول بقصة عقد قرانكِ مع احمد ، والذي كان قنبلة مدوية بالنسبة للعائلة ، لذا خذي مني هذه النصيحة ولا تحاولي الاقتراب من احد بالعائلة بهذه الفترة حتى ينسوا ما حدث تماما وقصة زواجكِ كاملة"

ابتلعت ريقها بتشنج وهي تقبض على كفيها بقوة مؤلمة والندم قد عاد لينهش احشاءها بدون رحمة وكأنه ينقصها الآن مثل هذه المشاعر والتي اتعبت جسدها وروحها بإنهاك سيطر عليها تماما ، قاطع شرودها صوت (شادي) وهو يقول بتفكير حائر
"صحيح لما تركتِ انتِ وشقيقتك المنزل ، وبالمناسبة اين هي ماسة فأنا لم ارها منذ ايام ، هل تستطيعين اخبارها بأنني اريد رؤيتها والتكلم معها"

رفعت نظراتها نحوه بضعف وهي تعود مرة أخرى للتفكير بشقيقتها المفقودة والتي لم تجد لها اي اثر للآن ، وما تزال لا تعرف اي شيء عنها واين هي اراضيها الآن ؟ لتقول بعدها بدون ان تمنع نفسها بحزن وحدقتيها تلمعان بدموع العجز
"لا اعرف ، فقد بحثتُ عنها بكل مكان ولم اجدها ، وكأنها قد اختفت عن العالم بأكمله"

ارتفع حاجبيّ (شادي) وهو يحاول ان يتتبع كلماتها الخافتة بتقطع وكأنها تكلم نفسها ، ليقول بعدها وهو يحاول استيعاب فحوى كلامها
"انتِ تتكلمين عن ماسة صحيح ، وهي التي بحثتِ عنها بكل مكان بدون ان تجدي لها اثر"

اومأت برأسها بالإيجاب باهتزاز بدون ان تجد القدرة على الكلام اكثر بعد ان تعبت من المحاولة ، ليقول بعدها بلحظات وهو يبتسم بلا مبالاة
"لا تقلقي عليها فهي ليست طفلة لتخافي عليها بهذه الطريقة ، وايضا إذا كنتِ قلقة من ان يتعرض لها احد فهي الاقدر على حماية نفسها وقد جربتُ هذا بنفسي"

عقدت حاجبيها بشحوب حائر بدون ان تفهم مغزى كلامه وإلى ماذا يلمح ؟ بينما شرد (شادي) بأفكاره لأول لقاء بينهما والذي جعله يتعرف على تركيبة شخصيتها الغريبة وبأنها ليست مثل الفتيات الأخريات بل هي مختلفة عنهم جميعا وبشخصية مميزة لم يرى لها مثيل وقد اثبتت هذا له بكل مرة يتقابل فيها معها .
قالت (روميساء) بعدها بلحظات بجدية عابسة
"هل تريد مني الاطمئنان عليها من كلامك وعدم البحث عنها ، وهي مختفية منذ الصباح بدون ان ترد على اتصالاتها وبدون ان تذهب لجامعتها كما تفعل عادة ، ليكن بعلمك بأن هذه شقيقتي المختفية وانا لن اطمئن قبل ان اجدها سالمة امامي ، فلا احد يشعر بالألم والخوف على المقربين منهم سوى من يحبك حقا ويهتم لأمرك"

عض على طرف شفتيه بعبث وهو يرفع ذراعيه قائلا بتمهل وجدية
"اهدئي يا فتاة فهذا الاندفاع لن يساعدكِ ابدا لتجدي شقيقتك ، وبما ان الأمر خطير لهذه الدرجة فأنا سأساعدكِ بالبحث عنها ، ما رأيك"

اختفى العبوس عن وجهها ليحل مكانه الانشداه وهي تهمس بتلعثم
"هل ستساعدني حقا بالبحث عنها"

ردّ عليها (شادي) ببساطة وهو يدس كفيه بجيبي بنطاله
"اجل لا امانع فهي تبقى ابنة عمتي وامرها يهمني ايضا"

اتسعت ابتسامتها بسعادة وكأنه قد عاد املها لينمو بداخلها من جديد وهي تضم قبضتها عند صدرها براحة ، بينما حرك (شادي) عينيه بعيدا عنها بملل وهو يسير باتجاه البهو الواسع قائلا ببرود
"هيا لنتحرك لنجد شقيقتك الضائعة ، ألا إذا كنتِ قد غيرتِ رأيكِ"

تنهدت (روميساء) براحة وهي تدعوّ من كل قلبها ان تجد شقيقتها بالقريب العاجل فهي ليست مطمئنة ابدا لاختفائها الغريب هذا والذي يحدث لأول مرة بحياتها .

_______________________________
كانت تحرك ساقيها بعصبية وهي تمسد على جانب صدغها بأصابعها بألم وصوت شقيقتها المرتفع والمترافق مع بكاءها الحاد يخترق اذنها بإزعاج غير محتمل ، فهي منذ وصول شقيقتها للمنزل بالصباح الباكر وبعد دخولها لغرفتها وهي لا تتوقف عن البكاء والهذيان مع نفسها وكأنها بحالة هستيرية غريبة عجزوا الاطباء عن وصفها ، ولأول مرة تصل حالتها لهذه الدرجة من البلوغ فهي بكل مرات انهيارها كانت مقتصرة فقط على البكاء والشكوى ولكن هذه المرة لم تتكلم ولم تشكي فقط تبكي وتصرخ وكأنها وحش كاسر قد تحرر من داخلها ليعيث الدمار والفوضى بكل من حوله ، وحتى والدتها قد عجزت ايضا عن فهمها وهي لا تستطيع اختراق غمامة انهيارها لتستطيع معرفة المشكلة واين مكمنها ؟

انتفضت من مكانها وهي تتحامل على نفسها لتخرج من الغرفة بتعب ، لتجتاز بعدها بثواني الرواق والذي يفصل بينها وبين غرفتها قبل ان تدخل لها وهي تنظر لوالدتها والواقفة فوق رأس شقيقتها والتي كانت جالسة بطرف السرير تنتحب بمكانها بمعنى الكلمة ، وقد بدأت والدتها تستوعب على هذيانها وتتفاعل معها بالكلام بعد انهيار دام لساعات فقدت بهما حاستيّ السمع والنطق
"انتِ تقصدين بأن احمد قد تزوج عليكِ ، ومن تزوجها تكون ابنة عمته ذات العينان الخضراء ، صحيح"

توقفت (سلوى) عن البكاء قليلا وهي تنشج بعنف ودموعها ما تزال تنزل بغزارة على وجنتيها حتى غرقت وجهها بالكامل ، لتعود بعدها للهذيان بارتجاف وهي تصرخ بتقطع حاد
"اجل يا امي لقد فعلها كما اخبرتكِ ، ولا اعلم ما نوع السحر والذي ألقطه تلك الفاجرة على زوجي ليوافق على عقد قرانه بها بدون ان يخبر احد ، حتى انه لم يكن يريد ان يخبرني الآن بل انا من عرفتُ بالصدفة وهو يخبر والده ، يعني لقد كان يخدعني طول اليومين السابقين بدون ان يخبرني عن وجهته الحقيقية والتي اكيد كانت عند ابنة عمته السارقة ، الحقيرة ، المجرمة......"

قطعت (سلوى) كلامها وهي تكمل بكاءها الحاد مخفية وجهها بين كفيها بارتجاف متشنج احتل جسدها ليتحول لانتفاضات عنيفة ، بينما تنهدت (غزل) بحزن على حال شقيقتها وما وصل له زواجها والذي كان دائما مرهون بالفشل منذ بدايته ، ولكن هذه المرة شعرت حقا بالحزن عليها ينخز قلبها فقد كان انهيارها هذه المرة صادقا بدون اي تزييف او تصنع من عندها كما اعتادت منها بالمرات السابقة .

قطعت (جويرية) انهيارها وهي تصرخ فوق بكاءها بصرامة
"يكفي بكاء ، فهذا الذي تفعلينه بنفسكِ لن يجدي نفعا ابدا يا بلهاء ، فقط سيحولكِ لمجرد طفلة مثيرة للشفقة لن تفيده بشيء ، أتظنين بأنكِ بهذا البكاء والدموع والتي تهدرينها بلا فائدة ستعيدينه لكِ ، اصلا بسبب هذه التصرفات قد فكر بالزواج عليكِ"

توقفت عن البكاء للحظات وهي تشهق بصدمة مبعدة كفيها عن وجهها بحالة ذهول وسكون تام ، لتهمس بعدها ببحة بكاء متحشرجة
"ولكني لم اعد اهتم ، فأنا اريد الطلاق منه يا أمي ، وهو فليمرح بالفتاة الأخرى بما انها افضل مني...."

تأوهت بألم ما ان قبضت والدتها على ذراعها بقوة وهي تصرخ بها بتحذير صارم
"هل جننتِ ام فقدتِ عقلكِ ، تريدين الطلاق منه وحمل لقب مطلقة فقط لأنه تزوج عليكِ ، هناك الكثير من الرجال والذين يتزوجون الأولى والثانية والثالثة ولا تدمر حياتهم ، وهو رجل غني من عائلة كبيرة لا يعيبه شيء لكي لا يتزوج عليكِ ، فقط انتِ تفكيركِ محدود ولا تفكرين بمصلحة نفسكِ ابدا"

رفعت (سلوى) نظراتها المجروحة لوالدتها وهي تهمس بحزن مشوش
"هل تقصدين بأنكِ لا تمانعين زواجه من اخرى ، وحتى لو كانت فتاة وضيعة ابنة مجرم"

نفضت ذراع ابنتها بعيدا عنها وهي تضع كفيها على خصرها قائلة بقسوة
"ليس هذا ما كنتُ اقصده يا بلهاء ، ولكن بما انكِ لم تستطيعي المحافظة عليه وجعلته يتزوج عليكِ بدون علم احد ، فلا بأس سنجد لكِ حل آخر لتحافظي به على زوجك لوحدكِ فقط بعيدا عن ترك الأخرى تستولي عليه بالكامل لتؤخذ مكانكِ عنده ، فأنتِ الآن كل ما عليكِ فعله هو ان تحمي مكانكِ بحياته كما هو بدون ان يمسه احد ، سمعتي"

زمت شفتيها بتفكير مرتجف وهي تتمتم بعبوس محبط
"ولكن ماذا لو حملت له طفل ، ستؤخذ عندها مكان بالعائلة لن استطيع الوصول له ابدا"

زفرت (جويرية) انفاسها بحنق وهي تقول بانفعال حاد
"حقا انتِ بلا عقل ، لما تستبقين الأمور وتفكرين بأشياء قد لا تحدث ، وإذا حدثت حقا فسنفكر عندها بحل سريع لها ، لذا لا تقلقي من كل هذا وركزي فقط على زوجك"

اخفضت نظراتها بانكسار وهي تهمس بدموع عادت لتسقي وجنتيها المحمرتين بشدة
"ولكن ماذا لو...."

قاطعتها (جويرية) بنفاذ صبر وهي تلوح بيديها بعصبية
"توقفي عن تكرار نفس الكلمة مثل الاطفال ، وكأنني ربيتُ طفلة وليس امرأة متزوجة من ابن عائلة كبيرة واشهر رجال الأعمال بالمجتمع ، اخبريني الآن من هي المتزوجة من ابن تلك العائلة منذ خمس سنوات ، ومن التي حصلت على دعم حوت الفكهاني بهذا الزواج ، ومن التي تزوجت على العلن وامام العالم بأكمله وبأكبر حفلة زفاف بتاريخ الحفلات ما يزالون يتكلمون عنها للآن ، وكل هذا وتريدينه ان يُفضل تلك النكرة والتي تزوجها بالسر وبدون موافقة والده عليكِ"

رفعت (سلوى) وجهها ببطء نحو والدتها وقد بدأت ملامحها تعود لإشراقها بعد ان اقتنعت اخيرا من كلام والدتها والذي اراحها كثيرا من الوجع والذي كان يحرق جسدها على نار هادئة اتلفت اعصابها ، بينما كانت (غزل) ماتزال تراقب المسرحية امامها بحاجبين مرفوعين بتعجب فقد تفوقت والدتها هذه المرة على نفسها واستطاعت ضبط جموح ابنتها الكبرى واخراسها وكأنها دمية صغيرة تتحكم بها كما تشاء بدون اعطاءها الحق بالتصرف لوحدها واتخاذ القرار بنفسها وهي واثقة بأن هذا الأمر سيدمر حياة ابنتها يوما ما والتي لا تجيد فعل شيء سوى الشكوى والبكاء ، لتتنفس بعدها بملل قبل ان تغادر بعيدا عن الغرفة بهدوء فأهم شيء عندها الآن بأن صوت العويل قد توقف اخيرا ويمكنها الآن ان تركز بدراستها جيدا بعيدا عنهما .

رفعت (سلوى) كفها وهي تمسح خديها قائلة بخفوت عابس
"وماذا افعل الآن يا امي ، انا خائفة من ان يحضرها معه لتسكن معنا بالمنزل ، لاضطر عندها لرؤيتها يوميا امامي وهو يدللها اكثر مني"

ردت عليها بتمهل وهي تربت على شعرها المجعد بهدوء قائلة
"لن يحدث هذا يا عزيزتي فمن خبرتي بزوجك فهو لن يصل به الدناءة ليجمع بينكما بمنزل واحد ، ولن يسمح له اصلا سيد المنزل بعد فعلته الأخيرة وزواجه بدون علمه وبدون اخذ موافقته ، لذا ارتاحي من هذه الناحية"

زفرت انفاسها بنحيب وببعض البكاء والذي لم يجف بعد عن وجهها ، لتقول بعدها (جويرية) بقوة وجبروت وهي تنظر لرأس ابنتها بتركيز
"اسمعي جيدا يا سلوى ، إياكِ وان تفكري مرة أخرى بالتكلم امامي عن الانفصال عن زوجكِ او الطلاق منه ، فقد حصلتِ على مرتبة زوجة ابن حوت الفكهاني الكبير بعد عناء طويل ، ولا احد اصلا استطاع ان يصل للمكان والذي وصلته انتِ ، لذا لا تهدمي كل مخططاتنا بالحصول على السلطة بالعائلة بعد ان يموت كبير العائلة وتفرغ الساحة لكِ ، وزواجه من ابنة عمته لن يغير شيء من مخططاتنا والتي نسعى للوصول لها ، وابعادها عن طريقكِ لن يكون بالشيء الصعب علينا ابدا"

ابتلعت (سلوى) ريقها بارتباك وهي تومأ برأسها بالإيجاب بطاعة تامة ، وتعلم جيدا إلى ماذا تريد والدتها ان تصل بكلامها فهي ما تزال تحلم بأن تصبح ابنتها المالكة الشرعية لكل شركات عائلة الفكهاني بعد ان تصبح كل الاملاك بيدِ زوجها والمدير المُرتقب لكل شركات العائلة .

نهاية الفصل وبانتظار آرائكم بفارغ الصبر...............

زهرورة likes this.

روز علي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 08-06-21, 04:33 AM   #58

zezo1423

? العضوٌ?ھہ » 406322
?  التسِجيلٌ » Aug 2017
? مشَارَ?اتْي » 208
?  نُقآطِيْ » zezo1423 is on a distinguished road
افتراضي

السلام عليكم
الرواية ممتعة ..تعاطفت جداً مع ماسة بالرغم من إنها الأصغر إلا أنها فاهمة الدنيا أكبر من روميساء بكتير
استغربت جدا إزاي حد قريب منك جدا ولا يكاد يعرف عنك شئ
هل عمرها ما فكرت تسأل ماسة عن وقتها وعمرها اللي قضته مع قيس ..!!!!
عموماً أتمنى شادي يلحقها وينقذها من مازن الحقير
وأتمنى خالها يقر بخطئه في التخلي عنهما بذنب أخته
وفي انتظار الجديد .. دمت بخير

زهرورة likes this.

zezo1423 متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 09-06-21, 10:22 PM   #59

روز علي
 
الصورة الرمزية روز علي

? العضوٌ?ھہ » 478593
?  التسِجيلٌ » Sep 2020
? مشَارَ?اتْي » 380
?  نُقآطِيْ » روز علي is on a distinguished road
افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة zezo1423 مشاهدة المشاركة
السلام عليكم
الرواية ممتعة ..تعاطفت جداً مع ماسة بالرغم من إنها الأصغر إلا أنها فاهمة الدنيا أكبر من روميساء بكتير
استغربت جدا إزاي حد قريب منك جدا ولا يكاد يعرف عنك شئ
هل عمرها ما فكرت تسأل ماسة عن وقتها وعمرها اللي قضته مع قيس ..!!!!
عموماً أتمنى شادي يلحقها وينقذها من مازن الحقير
وأتمنى خالها يقر بخطئه في التخلي عنهما بذنب أخته
وفي انتظار الجديد .. دمت بخير

مرحبا حبيبتي ، يسعدني كثيرا اهتمامك ومتابعتك مجرى الأحداث معنا ، واتمنى حقا ان تحظى الفصول القادمة على إعجابك كذلك ، وإن شاء الله ستجدين كل الإجابات عن اسئلتك بالفصول القادمة ، دمتي بسعادة وحب ❤

زهرورة likes this.

روز علي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 10-06-21, 06:14 PM   #60

لبنى9

? العضوٌ?ھہ » 319464
?  التسِجيلٌ » May 2014
? مشَارَ?اتْي » 300
?  نُقآطِيْ » لبنى9 is on a distinguished road
افتراضي

تسلم ايدك
شكلها مختلف ❤❤

زهرورة likes this.

لبنى9 غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة

الانتقال السريع


الساعة الآن 11:09 PM



Powered by vBulletin®
Copyright ©2000 - 2022, vBulletin Solutions, Inc.