آخر 10 مشاركات
حرب الضواري * مميزة ومكتملة * (الكاتـب : برستيج اردنية - )           »          ترافيس وايلد (120) للكاتبة: Sandra Marton [ج3 من سلسلة الأخوة وايلد] *كاملة بالرابط* (الكاتـب : Andalus - )           »          بين عينيك ذنبي وتوبتي (3) * مميزة ومكتمله * .. سلسلة مغتربون في الحب (الكاتـب : bambolina - )           »          وأغلقت قلبي..!! (78) للكاتبة: جاكلين بيرد .. كاملة .. (الكاتـب : * فوفو * - )           »          437 - لحظة وداع - لوسي مونرو ( عدد جديد ) (الكاتـب : ^RAYAHEEN^ - )           »          انّي ابتُلِيت هوَاه(1) سلسلة ويشهد قلبي *مميزة ومكتملة* (الكاتـب : زمردة عابد - )           »          رسائل من سراب (6) *مميزة و مكتملة*.. سلسلة للعشق فصول !! (الكاتـب : blue me - )           »          جبروت رجال * مكتمله * (الكاتـب : warda baghdadia - )           »          232 - سيدة اللعبة - اليزابيث دوك (الكاتـب : أميرة الورد - )           »          [تحميل] همسات الالم / للكاتبة همس الريح ، قطرية (جميع الصيغ) (الكاتـب : فيتامين سي - )


العودة   شبكة روايتي الثقافية > قسم الروايات > منتدى قصص من وحي الاعضاء

Like Tree1737Likes

إضافة رد
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 08-09-19, 09:30 PM   #1

AyahAhmed

? العضوٌ?ھہ » 451462
?  التسِجيلٌ » Aug 2019
? مشَارَ?اتْي » 274
?  نُقآطِيْ » AyahAhmed has a reputation beyond reputeAyahAhmed has a reputation beyond reputeAyahAhmed has a reputation beyond reputeAyahAhmed has a reputation beyond reputeAyahAhmed has a reputation beyond reputeAyahAhmed has a reputation beyond reputeAyahAhmed has a reputation beyond reputeAyahAhmed has a reputation beyond reputeAyahAhmed has a reputation beyond reputeAyahAhmed has a reputation beyond reputeAyahAhmed has a reputation beyond repute
افتراضي فوق رُبى الحب *مميزة*








فوق ربى الحب



بسم الله الرحمن الرحيم

إن شاء الله هنزل أولى رواياتي هنا على المنتدى

أنا شخص متردد شويتين تلاتة عشان كدة الخطوة دي اتأخرت
بالاضافة إلى حداثة وجودي هنا و عدم معرفتي بكل شيء في المنتدى... هطلب من حضراتكم الدعم و أتمنى تتقبلوا الرواية بقبول حسن...
لا زلت في بداية طريقي و لازال قلمي يتعلم كيف يكتسب القوة ... التأليف بالنسبة ليا هواية من سن صغير و بحس بالمتعة مع كل قصة بينسجها عقلي... و أتمنى دعوتي ليكم للانضمام لعالمي الخاص تكون دعوة خفيفة و محببة على قلوبكم..


أحب أوجه شكري لأول شخص دخلني عالم الروايات و
قدمتلي أول رواية ورقية / زينب أحمد

و أحب أشكر صديقتي الغالية اول من قرأ لي و شجعني و
وقف جانبي في كل خطوة / آية يوسف

و أحب أشكر الكاتبة الرائعة / كاردينيا
من وحي قلمك شعرت بصدق المشاعر
و الكاتبة الجميلة / تميمة نبيل
أول من قرأت لها بالفصحى فكانت دعوة غير مباشرة لدخول
عالم آخر من الروعة


روايتي بقى....
فوق رُبى الحب
رواية رومانسيه اجتماعية طويلة هيتم نشرها على فصول بإذن
الله

مواعيد نزولها هيكون كل خميس الساعة ١١ مساء بتوقيت القاهرة










تواقيع الابطال اهداء من المصممة الجميلة هاجر حليم
























اتمنى تنال اعجابكم و اتمنى دعمكم و رجاء تغاضوا عن أي خطأ فلا زلت في أول الطريق و أحاول فأعينوني... اتمنالكم قراءة ممتعة ...
دمتم بخير....






المقدمة .... بالأسفل
الفصل الأول .... بالأسفل
الفصل الثاني .... بالأسفل

الفصل الثالث
الفصل الرابع
الفصل الخامس
الفصل السادس
الفصل السابع والثامن نفس الصفحة
الفصل التاسع والعاشر نفس الصفحة
الفصل الحادي عشر
الفصل الثاني عشر
الفصل الثالث عشر والرابع عشر نفس الصفحة
الفصل الخامس عشر والسادس عشر نفس الصفحة
الفصل السابع عشر والثامن عشر
الفصل التاسع عشر




متابعة قراءة وترشيح للتميز : مشرفات وحي الاعضاء
التصاميم لنخبة من فريق مصممات وحي الاعضاء


تصميم الغلاف الرسمي : Hager Haleem


تصميم لوجو الحصرية ولوجو التميز ولوجو ترقيم الرواية على الغلاف :كاردينيا73

تصميم قالب الصفحات الداخلية الموحد للكتاب الالكتروني (عند انتهاء الرواية) : كاردينيا73

تصميم قالب الفواصل ووسام القارئ المميز (الموحدة للحصريات) : DelicaTe BuTTerfLy

تنسيق ألوان وسام القارئ المميز والفواصل وتثبيتها مع غلاف الرواية : كاردينيا73

تصميم وسام التهنئة : كاردينيا73

تصميم البنر الاعلاني : DelicaTe BuTTerfLy



عند نهاية الرواية وتسليم الملف الإشراف















التعديل الأخير تم بواسطة **منى لطيفي (نصر الدين )** ; 06-12-19 الساعة 01:21 AM
AyahAhmed متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 08-09-19, 11:38 PM   #2

bahija 80

? العضوٌ?ھہ » 436190
?  التسِجيلٌ » Dec 2018
? مشَارَ?اتْي » 638
?  نُقآطِيْ » bahija 80 is on a distinguished road
افتراضي

رواية جمييييييييلة كثيرا

bahija 80 غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 08-09-19, 11:53 PM   #3

قصص من وحي الاعضاء

اشراف القسم

 
الصورة الرمزية قصص من وحي الاعضاء

? العضوٌ?ھہ » 168130
?  التسِجيلٌ » Apr 2011
? مشَارَ?اتْي » 1,694
?  نُقآطِيْ » قصص من وحي الاعضاء has a reputation beyond reputeقصص من وحي الاعضاء has a reputation beyond reputeقصص من وحي الاعضاء has a reputation beyond reputeقصص من وحي الاعضاء has a reputation beyond reputeقصص من وحي الاعضاء has a reputation beyond reputeقصص من وحي الاعضاء has a reputation beyond reputeقصص من وحي الاعضاء has a reputation beyond reputeقصص من وحي الاعضاء has a reputation beyond reputeقصص من وحي الاعضاء has a reputation beyond reputeقصص من وحي الاعضاء has a reputation beyond reputeقصص من وحي الاعضاء has a reputation beyond repute
افتراضي

اهلاً وسهلاً بك بيننا في منتدى قصص من وحي الأعضاء ان شاء الله تجدين مايرضيك موفقة بإذن الله تعالى ...

للضرورة ارجو منكِ التفضل هنا لمعرفة قوانين المنتدى والتقيد بها
https://www.rewity.com/forum/t285382.html

كما ارجو منك التنبيه عندما تقومين بتنزيل الفصول على هذا الرابط
https://www.rewity.com/forum/t313401.html

رابط لطرح اي استفسار او ملاحظات لديك
https://www.rewity.com/forum/t6466.html



واي موضوع له علاقة بروايتك يمكنك ارسال رسالة خاصة لاحدى المشرفات ...

(rontii ، um soso ، كاردينيا73, rola2065 ، رغيدا ، **منى لطيفي (نصر الدين )** ، ebti )



اشراف وحي الاعضاء




قصص من وحي الاعضاء غير متواجد حالياً  
التوقيع
جروب القسم على الفيسبوك

https://www.facebook.com/groups/491842117836072/

رد مع اقتباس
قديم 08-09-19, 11:55 PM   #4

كاردينيا73

مراقبة عامة ومشرفة وكاتبة وقاصة وقائدة فريق التصميم في قسم قصص من وحي الأعضاء

alkap ~
 
الصورة الرمزية كاردينيا73

? العضوٌ?ھہ » 126591
?  التسِجيلٌ » Jun 2010
? مشَارَ?اتْي » 38,966
? الًجنِس »
? دولتي » دولتي Iraq
? مزاجي » مزاجي
?  نُقآطِيْ » كاردينيا73 has a reputation beyond reputeكاردينيا73 has a reputation beyond reputeكاردينيا73 has a reputation beyond reputeكاردينيا73 has a reputation beyond reputeكاردينيا73 has a reputation beyond reputeكاردينيا73 has a reputation beyond reputeكاردينيا73 has a reputation beyond reputeكاردينيا73 has a reputation beyond reputeكاردينيا73 has a reputation beyond reputeكاردينيا73 has a reputation beyond reputeكاردينيا73 has a reputation beyond repute
?? ??? ~
من خلف سور الظلمة الاسود وقساوته الشائكة اعبر لخضرة الامل واحلق في سماء الرحمة كاردينيا73
افتراضي

مساء الورد
منورة وحي الاعضاء غاليتي وشكرا من القلب لذكرك اسمي
اتمنى لك كل التوفيق بروايتك الاولى عندنا


كاردينيا73 غير متواجد حالياً  
التوقيع


روايتي القادمة ان شاء الله .. عرافة تراك في الفنجان

رد مع اقتباس
قديم 08-09-19, 11:59 PM   #5

AyahAhmed

? العضوٌ?ھہ » 451462
?  التسِجيلٌ » Aug 2019
? مشَارَ?اتْي » 274
?  نُقآطِيْ » AyahAhmed has a reputation beyond reputeAyahAhmed has a reputation beyond reputeAyahAhmed has a reputation beyond reputeAyahAhmed has a reputation beyond reputeAyahAhmed has a reputation beyond reputeAyahAhmed has a reputation beyond reputeAyahAhmed has a reputation beyond reputeAyahAhmed has a reputation beyond reputeAyahAhmed has a reputation beyond reputeAyahAhmed has a reputation beyond reputeAyahAhmed has a reputation beyond repute
افتراضي المقدمة

.....مقدمة.....
على خُطى القدر نسير...في دروب الحياة الواسعة نلتقي... فتكون صدفة اللقاء متعة...و بعدها نفترق لنحترق بشوق مضني و مميت...و بين لقاء و فراق حياة تُولد و حياة تنتهي...

............................

قاعة الاجتماعات الفارغة تمامًا إلا منه...يصدح بها صوت التلفاز الكبير...صوت مقدمة برنامج أسواق البورصة يجلجل في أرجاءه فيعود صداه يوجع عقله...جالسًا فوق كرسيه بحلته الرسمية الأنيقة...عيناه البنية تقتنص التلفاز و كأنه يتبارى معه في حرب أعين لا تنتهي...صوته يزيد فيجعل دمائه تغلي بأنين...لا يصدق ما حدث و يبدو أن الصدمة ستجعله لن يصدق لفترة ما قادمة!...
(خبر هام و عاجل و غير متوقع لشركة كبيرة كشركة "النجار" للإسكان والتعمير... انهيار أكثر من نصف أسهمها في البورصة على حين غرة لهو أمر محير و مربك...فالشركة تُعد من أولى الشركات المساهمة في الدخل القومي للوطن رغم كونها قطاع خاص...سينضم إلينا في الأستوديو المحلل الاقتصادي "عبدالله نبيل" لنفهم منه الوضع بصورة أوضح...)
ارتعشت يده حينما امتدت لتصل إلى جهاز التحكم عن بُعد ليغلق التلفاز...اختناق رهيب يهدد تنفسه ليقلص مساحة رئتيه بقوة...حرك رابطة عنقه بعنف يمينًا و يسارًا طلبًا لمزيد من الهواء...علّه يبرد نيران جسده المحترق...وقف من فوق كرسيه بحدة يتحرك في كل مكان بلا هدف...لا يصدق أن تنهار شركته بسبب الأزمة الاقتصادية العالمية...لقد سطر على جدرانها أحرف المجد اللامعة منذ أن تولى قيادة الشركة...زفر بحدة ينزع عنه سترته بتعب بادي على وجهه...نظر إلى كراسي المسئولين الذين تركوه منذ ما يقارب النصف ساعة...الجميع متفاجئ من هول ما حدث وهو...هو لا يقوى على التصديق من الأساس!... شعر بإعياء وهمي يسيطر عليه ففزع قلبه من المكان و همَّ بالرحيل إلى أي مكان غير هنا...
.........................
فُتح باب قاعة الاجتماعات و خرج منه بسرعة الريح...لا يطيق أن يقابل أحد من الموظفين أو المسئولين...لا يقدر على النظر في أعين الناس و عينيه تسعى لإيجاد الخلاص... هبت واقفة من فوق كرسيها الذي احتلته بعدما خرجوا جميعًا من الاجتماع...خائفة عليه بعد معرفة ما حصل...تحركت في تنورتها القصيرة الضيقة المتطابقة لسترتها العملية حيث هو...شعرها الأشقر بفعل الصبغة يتطاير حول وجهها الأبيض الطويل بسبب سرعة سيرها...عيناها السوداء تلحق به قبل أن يفلت منها...منذ معرفة الخبر المفجع لما حدث لشركته وهي تخشى سقوطه بفعل الحزن الطاغي عليه...نادت عليه بصوتها الرفيع و الحاد قليلاً:
("أحمد" انتظر رجاءً...لحظة أريد الحديث معك)
يقطع الممر قطعًا يكاد يفتت الأرض أسفله...دون أن ينظر لها خرج صوته المنفعل بغضب و هم يقول بينما يستمر في سيره السريع:
(ليس الآن "سارة"... الغي كل مواعيدي لليوم أريد البقاء وحدي)
كادت تصل له ولكن سرعته الفائقة لم تمكنها حتى من رؤية وجهه جيدًا...هتفت بحنق كبير بينما تضع يدها فوق خصرها:
(فقط أريد الاطمئنان عليك...)
صدح صوت شاب من خلفها جعلها تجفل ثوانٍ فقط و بعدها جمعت شتات نفسها و التفتت إليه... تطالع نسخة مصغرة من "أحمد" نفس لون العين و نفس قوة الشخصية رغم ميله للمرح كثيرًا وهذه نقطة الاختلاف الكبرى بينه وبين أخيه الأكبر..
(اتركيه و شأنه الآن يا "سارة"... فأخي يعاني بطريقة أكبر مما نفكر به نحن)
تنهدت بضجر ترمقه بنظرة غاضبة تقول:
(لا تبرر له يا "مصطفى"...علينا التكاتف معًا لحل هذه المصيبة و ليس الهرب كما يفعل "أحمد")
احتدت نبرة "مصطفى" و وقف بكل كينونته يدافع عن أخيه:
(أخي لا يهرب يا "سارة"... و أظن أنتِ أدرى الناس بهذا)
التمعت عيناها بفخر كبير...حقًا من غيرها يعرف ما يشعر به "أحمد" أو ما يريده "أحمد" سواها...لكن صوت "مصطفى" جاء كبارود يثقب روحها قبل جسدها حينما قال بجمود:
(هيا "سارة" إلى عملكِ...هذه الوقفة و هذا الانتظار لن يجدي بشيء)
تركها دون أن يضيف المزيد... بينما هي رمقته بنظرة حارقة بسبب تذكيره لها الدائم أنها مجرد سكرتيرة و لا يربطها بأخيه أي رابط حقيقي...غمغمت ببعض الكلمات الطامعة في المستقبل:
(ستلتزم الأدب معي حينما أصبح زوجة أخيك الأكبر يا باشمهندس)
.........................
مضى أربعة ساعات و هو يدور في الشوارع بلا هدف...كأنه يهرب من كارثة سقوط شركته بالمشي!... كأنه يبحث عن عالم آخر يحتمي به من مصيبة كهذه...لم يعد يشعر بالألم القاتل في قدمه و لا يتذكر أين ترك سيارته... لم يبالِ بسقوط رابطة عنقه التي حلَّ وثاقها في مكتبه...فقط يسير بلا هدى على أمل أن يصحو من حلم بشع...رنين هاتفه المستمر أزعج وحدته التي يناشد بها بعض السلام...سلام زائف لكنه يحتاجه بشدة...يحتاج أن يعيد ترتيب أوراقه فحتمًا سيصل لحل...رفع هاتفه أمام وجهه بعدما فقد عدد المرات التي صدح بها...اسم «أمي» الذي أضاء شاشته جعله يغمض عينيه بتعب مقيت... ببساطة ماذا يقول لها؟!... انهيت شركتي بيدي أمي!... أدخل هاتفه في جيب سرواله بلا روح...فأي روح هذه التي تحيي جسد منهك و مثخن بجروح أغلبها ينهش في العمق الأسود منها ليزيده سواد؟!!... مشى و مشى شوارع يقطعها بلا اهتمام بأسمائها...أناس كثر يتماوجون في وجهه كموج بحر عتي يقسم أن يغرقه في ظلماته...شركة والده و جده اللذان ذاقا الويل من أجلها قد اضاعها بعد مجهود خرافي شهد له الكبير و الصغير حينما أصبح مسئول عنها... وقف بعد رحلة استغرقت منه طويلاً...ينظم أنفاسه الهادرة بغضب ممتزج بإرهاق كبير...سمع رنين هاتفه يعاود من جديد و لكن هذه المرة كان رقمًا غريبًا!.....
...........................
في مكتب فخم يجلس فوق كرسيه بكل راحة...يتابع أهم حدث في هذا اليوم...انهيار شركة "النجار" الغير متوقع و احتمالية فضها...ليسقط أكبر رأس مساهم في سوق التعمير والاسكان و منافس له...لا ينكر أنها نجحت من قبل بقوة رئيسها الجديد لكن من في هذه الدنيا يبقى على حاله؟!... بسمة صغيرة زينت فمه المحاط بخطوط متعرجة دليل على سنه الكبير...وجهه القمحي ينم عن ذكاء و فطنة...ربت بأصابعه فوق المكتب للحظات ثم بعدها أمسك هاتفه الأرضي يتحدث مع السكرتير الخاص به:
(أريد رقم "أحمد النجار" في أقرب وقت...)
وضع سماعة الهاتف و البسمة تزداد على ملامحه كلما تعمق أكثر في تفكيره المربح دائمًا...نظر حيث نافذة مكتبه دون أن يتحرك من كرسيه و كأنه يقلّب الأفكار الداخلية في عقله بتأني...و بعد مدة طويلة ضرب سطح المكتب بحماس لا يناسب سنه الذي عبر الخمسين...قال بصوت سعيد بما رست به سفنه في بحر عقله:
(هذا أفضل شيء وصلت له يومًا يا "هاشم"... ستكون ضربة موفقة و ستصطاد بها عصفورين بدلاً من واحدٍ)
عاد بجسده الرياضي رغم عمره للخلف يستند على كرسيه براحة لم تمر عليه من فترة طويلة...
"هاشم الحسيني" هذا الرجل العصامي الذي كون نفسه من الصفر... و ربما لو هناك ما هو أقل من الصفر سنكون منصفين في وصف حالته...شاب فقير ذو طموح جامح و كبير...طموح دفعه بكل قوة ليسابق الريح و ينقش اسمه في عالم البناء و الأراضي بسرعة خاطفة للأنفاس...دراسته للهندسة مكنته من الوصول دون عواقب...و بعد رحلة طويلة شاقة ومتعبة جدًا حان الوقت ليخلع عنه عباءة الفقر و يلبس عباءة الثراء...ثراء حققه بشرف و ضمير و كد سنوات طوال...سنوات جعلته يتأخر في الزواج و الانجاب حتى منتصف الثلاثين...و هذه في وقت شبابه كانت كارثة أن يصل شاب لهذا العمر دون زواج!!...و أصبح حريصًا كل الحرص للحفاظ على ما وصل إليه... يتحين الفرص ليقتنص المزيد و المزيد لكن بشرف و ذكاء...و لم يكن ابن "الحسيني" إذا ضاعت منه فرصة ذهبية كالتي لمعت في عقله قبل قليل....
بعد ساعتين ....
وصله رقم "أحمد النجار" في نفس اليوم...كم يحب أن يوظف من يساعده ويفهمه و سكرتيره يطابق المواصفات بشدة....سجل الرقم فوق شاشة هاتفه ثم ضغط اتصال دون تردد...صوت الرنين يخبره أنه لن يجيب عليه و لكن عقله المنير يخبره سيفعل...و ككل مرة يفوز بها عقله فقد فتح الخط!.... قال بصوت واثق و شديد العميلة :
(مساء الخير "أحمد"...)
وصله صوت شاب بعيد للغاية...و رغم ضعف الصوت و برودته إلا أن فطنة "هاشم" التقطت مدى قوته و رجاحته...و قد جرب هو طريقة عمله و سيطرته الماضية على السوق...
(من معي؟!...)
عاد "هاشم" بجسده للخلف يقول بتأني مدروس:
(معك "هاشم الحسيني" صاحب شركات "الحسيني" للإسكان والتعمير)
صمت دام طويلاً بينهما جعل "هاشم" يظن أن هذا الشاب سقط مغشيًا عليه...لأنه لا يحب ترجيح أنه أغلق الهاتف في وجهه!... جاء اخيرًا صوت "أحمد" المتعب من بعيد:
(أهلاً سيد "هاشم"...من لا يعرف اسمًا لامعًا مثل شركتك...لكن عفوًا ما سبب الاتصال؟!)
سحب "هاشم" نفسًا منتشي حينما اجابه بهدوء:
(لقد عرفت كما عرف كل سوق المقاولات عما حدث لشركتك...و أنا لدي الحل)
رغم تمييزه أن هناك رجفة سيطرت على صوت "أحمد" إلا أنه كبح سعادته كما يفعل كل مرة...فالسعادة تُقاس في قاموسه بتحقيق ما يريد أمام عينه...هدأ و أخمد طموحه بقوة و سيطرة اكتسبها عبر الزمن...سمع صوته يأتي خاويًا و ربما متعجبًا:
(كيف لديك الحل سيد "هاشم"؟!)
كل الثقة التي عرفها يومًا تجمعت في صوته حينما اجابه بنفس الهدوء:
(حديث هام كهذا لا يصلح على الهاتف....سأنتظرك في مكتبي بعد ساعة)
.......................
بعد ساعة...
لا يعرف كيف جاء هنا و هو بمثل هذه الحالة المزرية... متى أصبح يقابل وجه هذا الرجل الحاذق...أين عقله من كل ما يحدث له اليوم؟!... انتبه على صوت "هاشم" فعقد حاجبيه ليلتقط كلماته بتيه واضح عليه:
(هل أنت بخير "أحمد"؟!... تبدو مرهقًا)
دلك جبينه بتعب مختلط بالمرار...في الواقع هو لا يشعر حتى بأنفاسه...هناك فقط شيء ثقيل جدًا يجثو على قلبه يقتله ببطء...مرارة حلقه و جفافه يذكره دومًا بأي مصيبة هو ساقط...قال بإنهاك:
(بعد كل ما حدث اليوم فقليل من الإرهاق يحق ليّ...)
نبرة اليأس و الاستسلام التي يتحدث بها اسعدت الطموح في نفس "هاشم"... هكذا يريده يائسًا لا يجد مفر سوى ما سيعرضه عليه الآن...قال بصوته الواثق:
(ما رأيك بحل يبدل الإرهاق القائم على وجهك هذا...و ينقذ شركتك)
من وسط كل الظلام و اليأس لمعت عيناه بقوة...هل سيكون الحل موجودًا بكل هذه السرعة حتى في نفس اليوم؟!... أسرع بأنفاس لاهثة متعبة و مختنقة بطعم الخسارة يقول:
(ما هو الحل...هل هناك من طريقة لتنجو شركتي من هذا الوضع؟!)
ابتسم "هاشم" بسعادة حقيقة...فقط جملة واحدة تفصله عن طموحه الكبير فقال:
(نعم...نتشارك أنا و أنت و تنضم شركتك لمجموعة شركات "United Arab Groups" )
عقد "أحمد" حاجبيه بتعجب من هذا العرض الذي يعتقد أنه سخي في مثل حالته هذه...قال بترقب:
(و هل ستوافق هذه الشركات لإضافة شركتي بعد ما حصل و انهيارها الوشيك؟!!...)
أجابه "هاشم" بثقة معهودة منه حينما يقترب النصر:
(هذه النقطة اتركها ليّ...أنا كفيل بها)
بسمة صغيرة جدًا شقت وجه "أحمد" المرهق فقال بأمل:
(حقًا لا أعرف ماذا أقول؟... لكن ما هو المقابل؟)
ضحك "هاشم" بخفوت يقول بنبرة ذات معنى:
(أنت ذكي كما عهدناك في إدارة شركة كبيرة كشركتك...لذا سأجيب دون مماطلة)
تقدم بجزعه للأمام يستند على مكتبه...نظراته ثاقبة تخترق روح "أحمد" لتكشف عن مكنون صدره بسهولة...قرار اعترف به "أحمد" لنفسه من هذه المقابلة و هو أن هذا الرجل ليس سهلاً مطلقًا...تحفزت ملامحه وهو يسمعه يقول بقوة:
(كي أقف جوار شركتك يجب أن تربطنا صلة قوية متينة لا تهتز...بها ستتعمق علاقتنا و ستقوى شركتك دون خوف )
ابتلع ريقه بترقب و عقله في إجازة ولا يسعفه التفكير...قال بهدوء عكس ما يجيش بصدره الهائج بخوف من تفسير كلام هذا الرجل بطريقة غير صحيحة...
(ماذا تعني؟!)
لم تكن جملة توضيح أكثر من كونها أمر أو إقرار بشيء يجب أن يحدث...و ما ظن "أحمد" أنه سيفسره خطأ قد فسره عقله الناضج بطريقة صحيحة...طريقة جعلته ينتفض من حديث "هاشم"... اتسعت عيناه بقوة ثم وقف يقول بدهشة:
(ماذا؟!!!!)
رفع "هاشم" نظره إليه يقول ببساطة عجيبة:
(عليك أن تتزوج ابنتي لتقوى علاقتنا في السوق...و صدقني لن أدع شركتك تسقط مادام بيّ نفس)
سقط فوق كرسيه بصدمة من طلب كهذا...نظر لهذا الرجل الذي عرض ابنته للتو كسلعة في سوق مستعمل...رخصها بطريقة مفجعة و السبب هو حبه في السيطرة على السوق!!... أي بئر عميق سقطت به يا ابن "النجار"؟!... و أي قرار سترسو عليه؟!... ضياع الشركة أم ضياع روحك مع إنسانة لا تعرفها؟!!!!....


انتظروا الفصل الأول الخميس القادم الساعة ١١ مساء بتوقيت القاهرة


AyahAhmed متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 09-09-19, 12:22 AM   #6

AyahAhmed

? العضوٌ?ھہ » 451462
?  التسِجيلٌ » Aug 2019
? مشَارَ?اتْي » 274
?  نُقآطِيْ » AyahAhmed has a reputation beyond reputeAyahAhmed has a reputation beyond reputeAyahAhmed has a reputation beyond reputeAyahAhmed has a reputation beyond reputeAyahAhmed has a reputation beyond reputeAyahAhmed has a reputation beyond reputeAyahAhmed has a reputation beyond reputeAyahAhmed has a reputation beyond reputeAyahAhmed has a reputation beyond reputeAyahAhmed has a reputation beyond reputeAyahAhmed has a reputation beyond repute
افتراضي

استاذتي الغالية كاردينيا
شكرا على كلماتك الجميلة... اتمنى التوفيق من الله و أتمنى قلمي يكون محبب للجميع....شكرا استاذتي تعليقك اسعدني


AyahAhmed متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 13-09-19, 12:00 AM   #7

AyahAhmed

? العضوٌ?ھہ » 451462
?  التسِجيلٌ » Aug 2019
? مشَارَ?اتْي » 274
?  نُقآطِيْ » AyahAhmed has a reputation beyond reputeAyahAhmed has a reputation beyond reputeAyahAhmed has a reputation beyond reputeAyahAhmed has a reputation beyond reputeAyahAhmed has a reputation beyond reputeAyahAhmed has a reputation beyond reputeAyahAhmed has a reputation beyond reputeAyahAhmed has a reputation beyond reputeAyahAhmed has a reputation beyond reputeAyahAhmed has a reputation beyond reputeAyahAhmed has a reputation beyond repute
افتراضي الفصل الأول

الفصل الأول

تتهادى في تنورتها الواسعة بخُطى واثقة و عملية...تتحرك بين أروقة هذه المدرسة الثانوية لتصل في ميعادها المحدد للحصة... تحتضن الكتب الخاصة بالمعلمين بين يديها النحيلة...وجهها الخمري ينبض علمًا و خبرة...

طرقت باب الفصل كعادتها مع طلابها...لا تحب أن تتعامل معهم بطريقة قديمة الطراز...حيث المعلم هو مصدر الخوف و الترقب من الطلبة...دخلت الفصل لتجد الفتيات يجلسن في أدبٍ و هناك بسمة كبيرة تشق وجوههن المراهقة الحالمة بمستقبل مزدهر...تعشقهن و تعشق طموحهن اللانهائي...وضعت كتبها فوق الطاولة الخاصة بها ثم ألقت السلام لهن و بعدها بدأت في كتابة الدرس...

معادلة شهدت هي بنفسها أنها من أصعب ما قد يراه الطلبة يومًا...خصوصًا في بداية العام الدراسي...لكنها تعمل بكل تفاني لتصل لهم كل أنواع الأسئلة المتاحة كي يعتدن عليها منذ البداية...ضيقت عينيها ببسمة تنظر لهن و التعجب يسيطر على ملامحهن الرقيقة...تعرف جيدًا أن هناك ثلاثة فتيات فقط من يستطعن حلها و تعرف ترتيبهن في سرعة الحل...

صدح صوتها الرقيق تقول بلهجة تشجيع:
(هيا يا فتيات المعادلة الرياضية تحتاج بعض الوقت و لكنها سهلة و أنتن ممتازات...)

برمت شفتيها بشكل أقرب للطفولي و هي تقول بنبرة مقصود منها بث روح المنافسة بينهن:
(آه...أعتقد أن فصل البنين أقوى منكن...لقد وصلوا لحلها في عشر دقائق فقط!)

اعتزت بقوتها في السيطرة على الوضع...فها هن يسرعن بكل روحهن لحل هذه المعادلة...التمعت عيناها حينما صدر صوت طالبة منهن تقول بفرح:
(لقد حللتها آنسة "زينب"...)

ابتسمت لها "زينب" بسعادة لكن يبدو أن ترتيبها الخاص قد تغير...فقفزت الطالبة ذات الترتيب الثالث في بالها على الطالبة ذات الترتيب الأول...لا بأس فهي متأكدة من وصولها للحل في النهاية...بعد لحظات صدح صوت طالبة أخرى تقول بخفوت ناعم و رقيق كوجهها الأبيض الوردي:
(آنستي...لقد حللتها)

اومأت لها "زينب" ببسمة رائعة ثم نظرت حيث الفتاة المرجح أن تنطق بعدهما...لقد تخلت عن المركز الأول و الثاني و هذا من غير عادتها...تعرفها حق المعرفة طالبة مجتهدة و متميزة بكل ما في الكلمة من معانٍ...لكن يبدو أن المعادلة صعبة للغاية عليها...بعد لحظات اُخر صدح صوتها أخيرًا...صوت متعب من أثر التفكير لكنه واثق لأبعد حد...عيناها البنية اللامعة بذكاء محتمية خلف نظارة طبية تعطيها هالة من الطفولية رغم نضج ملامحها...
(أنهيتها أخيرًا...)

بسمتها المنتصرة و صوتها السعيد جعل المعلمة تبتسم ملئ فمها...تحبهن جميعًا لكن هذه الفتاة لها مكانة خاصة في قلبها...ليس تمامًا لكنها تُذكرها بنفسها في الماضي...

لتكن منصفة منحت باقي الطالبات دقائق إضافية...لكن كما ظنت ليس هناك سوى الثلاث فتيات من سيفعلها...قالت بصوت حاني و مشجع للغاية:
(حسنًا يا فتياتي لقد أزف الوقت...أتركن القلم)
بعدما علا صوت الهمهمة اليائسة من الفتيات...قالت لهن برقة و صدق:
(حبيباتي إنها مسألة تفاضل شديدة الصعوبة...أنا شخصيًا قطعت بها وقتًا طويلاً بالأمس لذا لا بأس...)

اتجه بصرها حيث الثلاث فتيات...قويات ، واثقات ، مبهجات و جميلات جدًا بالخصوص أقربهن لقلبها...قالت بصوتها الرقيق:
(هيا يا فتيات كل واحدة تعطي الرقم النهائي بالترتيب...)
خرجت الأولى من خلف مقعدها...ليظهر جسدها النحيل و شعرها القصير يتمرجح فوق وجهها الأبيض ذو حبات النمش...
(إجابتي هي ٣.٤٥)

أحتل الأسف معالم "زينب" ثم قالت بصوت حاني:
(شكرًا لمجهودكِ و سرعتكِ في الحل يا "ملك" لكن للأسف إجابتكِ خاطئة)
شعرت الفتاة بالحرج رغم ملاحظتها للأعين المشجعة لها من زميلتها...عادت فوق مقعدها تعيد حل المسألة مجددًا...

نظرت "زينب" إلى الثانية الرقيقة ذات الوجه الأبيض الوردي... خرجت الفتاة على استحياء من خلف مقعدها و وقفت بالقرب من المعلمة تقول:
(هل هي ٤.٢؟)
ضربت "زينب" فوق طاولتها بحماس ثم هتفت كالأطفال:
(قريبة جدًا يا "رحمة" جدًا يا فتاة لكنها للأسف خطأ!)

لم يبقَ سواها بنظرتها الثاقبة و عيناها اللامعة و ثقتها الكبيرة...خرجت بجسدها الممشوق الأقرب للنضج من خلف المقعد...شعرها شديد السواد ملتف كعكعة كبيرة في منتصف رأسها...رفعت رأسها بحماس و علا صوتها تقول:
(٤ و بعد أخذ الجذر التربيعي لها ستصبح الإجابة ٢ هذا لأن السؤال يطلب منا قيمة 'س' فقط بينما نحن وجدنا قيمة 'س' تربيع...)

نظرة الفخر و الاعتزاز التي خرجت من مقلتي "زينب" عبروا عن مدى ذكاء هذه الفتاة...لم تشعر بنفسها غير و هي تصفق بقوة و تشجيع لها...جميع الطالبات رمقنها بفرحة لقد نجحت كالعادة في كل ما تدخل به...قالت "زينب" بعد مدة بصراحة:
(توقعت أنكِ الأولى في حلها...مع احترامي لكل حبيباتي هنا لكن تعرفن مدى قوتها)

...............................

في فناء المدرسة...جلستا الفتاتان معًا يتناولان طعامهما...قالت "رحمة" بإعجاب كبير فصديقتها المقربة دومًا ذكية و ذات عقل منير:
(كيف لم يخطر ببالي الجذر التربيعي... أنتِ مبهرة كالعادة)
ابتلعت ما في جوفها بسرعة...بعدها نظرت لصديقتها بمحبة فقالت:
(كنت سأنسى الجذر التربيعي تمامًا لكنكِ تعرفين وسواسي يظل ينبش في عقلي مع كل مسألة و يجعلني أعيد حلها ألف مرة لأتأكد من صحتها...)

ضحكت "رحمة" بخفوت رقيق ثم حملت عبوة العصير ترتشف منها بنعومة...بعدما أزاحتها قالت لصديقتها برفق:
(أنتِ تضغطين على نفسكِ كثيرًا في الدراسة بينما أنتِ ذكية ولا تحتاجين كل هذا التوتر في بداية العام الدراسي)

أعادت نظارتها الطبية في مكانها بيدها كحركة معتادة منها...ثم ابتسمت بتهكم مرير تجيب بصوت ساخر:
(ألا تعرفين قواعد أبي المائة و خمسين بعد الألف؟!... من ضمنهم الحفاظ على المستوى الدراسي و مرتبة الشرف)

ضحكت "رحمة" بحياء ثم قالت بصوت خافت :
(قواعد والدكِ دومًا قاسية...)

حاولت "رحمة" تغيير الموضوع بعدما لمحت تبدل ملامح وجه صديقتها لامتعاض بسبب صرامة والدها...قالت ببهجة حقيقية:
(دعينا من كل هذا...بعد خمسة أيام سيحل عيد ميلادكِ الثامن عشر)

عقدت الأخرى حاجبيها بضجر قائلة بصوت غاضب قليلاً:
(هل تودين تقليب المواجع فوق رأسي اليوم؟!...)

كتمت "رحمة" ضحكتها بصعوبة و هي تراقب تذمر صديقتها من هذه السيرة تحديدًا...ناغشتها تقول بتعجب زائف:
(لا أعرف لماذا تكرهين كونكِ أكبر منا بأشهر قليلة!!!)

وضعت شطيرتها بحدة في العلبة المخصصة للطعام...ثم نظرت بغضب إلى "رحمة" تقول من تحت ضرسها:
(جربي أن تضعي نفسكِ مكاني... جميع الفتيات حولي لم يتممن عامهن السابع عشر بعد بينما أنا كعجوز شمطاء عبرت الثامنة عشر!!...)

علت ضحكة "رحمة" و قد نست الخجل المتميزة به دومًا...قالت بعد فترة بصوت متقطع من الضحك:
( أشعر أنني أتحدث مع جدة عبرت عامها الثامن عشر بعد المائة!!!... أنها ستة أشهر فرق بيني و بينكِ !... ثم لا تركني لحديث كل عام و تسخرين من شهر ميلادكِ و تتهمينه أنه السبب في تأجيل دخولكِ المدرسة عامًا كاملاً..)

مطت شفتيها الناعمة للأمام ...ثم نظرت لصديقتها تقول بسخرية:
(العيب كل العيب على والداي...هل قال لهم أحد أن يأتون بيّ إلى هذا العالم في الوقت الضائع؟)

تلون وجه "رحمة" بحمرة الخجل ثم ضربت صديقتها برفقٍ فوق كتفها تقول بمعاتبة:
(اصمتي أيتها المصيبة نحن في المدرسة!...)

انفجرتا الاثنتان معًا في نوبة ضحك عالية صاخبة و مرحة...تأملت "رحمة" صديقتها بحب ثم قالت بصوت متأثر:
(أتمنى أن تدوم صداقتنا للأبد...)

اعتدلت الاخرى تنظر لها ببسمة كبيرة...عدلت من وضع نظارتها ثم قالت بصدق:
(لن نفترق يا فتاة مهما حدث...)

بعدما سمعتا صوت الجرس جمعتا أغراضهما و اسرعتا إلى الفصول...تأخرت "رحمة" في الخلف بسبب القاء بعض القمامة المخلفة عنها...راقبت ظهر صديقتها المقربة ثم ابتسمت بحنان...نادت عليها بصوتها الناعم الرقيق فالتفتت لها الأخيرة لتجدها تهبها أروع بسمة في الكون ثم قالت بكل حب:
(عيد ميلاد سعيد..."رُبى")

رغم التعجب الذي لاح على وجه "رُبى" إلا إنها عدلت من وضع نظارتها ثم ابتسمت بسعادة تقول:
(بقى خمسة أيام يا "رحمة"...لا تعكري صفو مزاجي بتذكيري أنني عجوزة...)

تقدمت منها "رحمة" لتتعلق بيدها ثم تسحبها حيث الفصل... بينما تقول بسخرية مغيظة:
(هيا عجوزة البحيرة "رُبى الحسيني"!)

ضربتها "رُبى" فوق رأسها بيدها بكل قوتها...جعلت "رحمة" تأن بصوت خافت فضحكت "رُبى" تقول بتشفي:
(هكذا سيكون نصيبكِ كلما تحدثتِ عن سني...)

............................

(لا يجيب مجددًا...توتري بلغ أقصاه و خوفي عليه زاد)
تحركت بين أرائك الصالون الفخم بجسدها الرشيق...في ثيابها التابعة لصيحات الموضة لنساء الأعمال... رغم سنها الذي رحب بأواخر الاربعينات إلا أنها تشع حيوية و نضارة غير معهودة من مثيلاتها...شعرها البني المجموع في عملية فوق رأسها ...عيناها شديدة الذكاء باللون البني الفاتح كعيني ابنها الأصغر تمامًا...لكنهما الآن محاطتان بالخوف...منذ عرفت الخبر صباح اليوم و هي تخشى من موقفه...لقد دفع من روحه ليعلو بالشركة كما لم يفعل أحد من قبل...تتذكر جيدًا بعد فترة وفاة والده أنها استلمت رئاسة الشركة حتى ينهي تعليمه...لقد نهضت بها و لكن ليس كما فعل هو...عادت ترفع هاتفها النقال فوق أذنها من جديد ليصلها نفس الرنين الطويل دون إجابة...



صدح صوت امرأة مرتعش بفعل الزمن من جوارها...التفتت تتطلع إلى حماتها فوق الأريكة...تجلس بقلق واضح هي ايضًا على حفيدها الكبير...لكنها تحاول قدر الإمكان إظهار التماسك أمام الغير حتى زوجة ابنها...
(توقفي عن معاودة الاتصال يا "سوزان"... "أحمد" ليس صغيرًا لكل هذا القلق!)

جلست جوارها تنظر لها طويلاً...إنها ترتعش بفعل الخوف عليه لكنها تكابر كي تظهر صامدة...قالت بصوت متوتر لكنه ساخر:
(يدكِ ترتعش يا سيدة "دلال"... بالله عليكِ لا تخبريني أنني أزايد في خوفي)

لمعت عينا "دلال" بقوة ثم نظرت لزوجة ابنها الراحل بوجع فقالت بوهن:
(دعيني أصبر نفسي أنه بخير...كُفي عن الاتصال و اللف حولي كل دقيقة بينما يتساقط من جوانبكِ القلق الذي يتلف أعصابي خوفًا عليه)

هدأت ملامح وجه "سوزان" قليلاً...فربتت فوق كتف حماتها تواسيها بصمت...قالت بعد فترة بصوت خافت:
(أعرف أن ابني قوي لكن الصدمة كبيرة علينا ما بال هو؟!!!)

رفعت "دلال" كفها المجعد فوق كف زوجة ابنها تربت عليه بدورها لبث الأمن فيها... فقالت بصوتها الدافئ:
(حفيدي قوي دومًا... لقد مر بالكثير الذي جعل منه صلب يتحمل المصاعب)

تنهدت "سوزان" عاليًا فقالت بقلق:
(الصلابة تقتل الروح و هذا ما أخشاه...)


اغمضت "دلال" عينيها بجزع على حال حفيدها الأكبر...هذا الشاب الذي استلم خبر وفاة والده في عمر التاسعة عشر حينما كان في أولى سنوات الجامعة...طمر الحزن بعيدًا في وقت قياسي ليصبح والدًا لأخيه الصغير الذي بلغ حينها أربعة عشرة سنة...مع دراسته تابع العمل في شركة والده لمساندة والدته التي برزت بجهودها بشكل كبير...و بعد تخرجه استلم الشركة ليتربع عرش السوق لفترة طويلة جدًا...متناسيًا في كل هذا نفسه التي أنزوت في عمق روحه بهدوء غير عابئة بمتطلباتها...لقد وضعهم نصب عينيه قبل أي شيء...

فاقت من ذكرياتها على صوت حفيدها الأصغر حينما قال بلهفة خائفة:
(ألم يعد بعد؟!...)

وقفت "سوزان" بسرعة تتجه نحو ابنها الصغير تقول برجاء:
("مصطفى" أذهب للبحث عنه رجاءً...رأسي يكاد ينفجر من التوتر)

ربت "مصطفى" فوق كفها بحنان ثم قال بصوت ثابت كي لا يلمحا به الخوف هو ايضًا:
(أخي يحتاج البقاء بمفرده يا أمي... بالتأكيد هو بخير لكنه بحاجة للوقت )

ترك والدته التي لم تقتنع بحرف واحد منه وعادت تتصل بأخيه...جلس جوار جدته يناكف بها رغم رعبه الدفين:
(كيف حالكِ يا "دولي"؟!... لا تخبريني أنكِ مرتعدة على أخي كما تفعل أمي!!)

نظرت له جدته نظرات قلق التقطها هو فورًا لكنها قالت بثقة:
("أحمد" بخير هذا ما أشعر به...)

اومأ برأسه لها في محاولة لرسم بسمة صغيرة لكنه فشل...لن يكذب و يخبر نفسه أنه مطمئن...هو مثلهما أو أكثر لو حدث شيء لأخيه سيفقد الأب و الأخ و الصديق دفعة واحدة..."أحمد" بالنسبة له أكبر بكثير من كلمة أخي...دعا من قلبه أن يعود لهم سالمًا...ليس مهمًا خسارة الشركة أو فقدانهم لرئاسة سوق التعمير والاسكان...الأهم هو حال أخيه أن يعد إليه ليضمه و يشعر معه بالأمان!...

وسط كل القلق و الرعب المتدفق في عروقهم...دخلت المربية "حنان" عليهم تقول بلهجة مطمئنة و مرتاحة للغاية:
("أحمد" عاد الحمد لله)

التفتت "سوزان" إليها بسرعة البرق...بينما اسرعت "دلال" لتقف بمساعدة "مصطفى" الذي غزت الراحة وجهه و جعلته يستكين بحمد لله كبير...تقدمت منها "سوزان" تقول بلهفة:
(متى جاء؟... و كيف حاله؟)

اجابتها "حنان" بصوت سعيد لعودة "أحمد"... فهو بالنسبة لها ليس مجرد رب العمل...هو في مكانة ابنها الذي لم تتزوج بعد لتنجبه...لقد ربته بحب طيلة سنوات حتى ضاعت في زحمة عدهم ليصبح عمرها الآن أثنين و أربعين سنة...
(لقد جاء قبل دقائق من باب المطبخ الخلفي...يبدو عليه الإرهاق و التعب الشديد...قال سيصعد غرفته يرتاح و حينما يستيقظ سيتحدث معكم في أمر هام...)

امتزجت الراحة بخلاياهم لتجعلهم يستكينوا بعد عذاب نفسي مرير... لا بأس بكل ما مروا به ففي النهاية هو هنا بينهم...

..........................

وقفت أمام باب بيتها الكبير ذو البوابة الحديدية في الحي الراقي...تحمل حقيبتها المدرسية الثقيلة بتعب...بعد لحظات من طرقه فتحت لها الخادمة ببسمة كبيرة ثم أسرعت لتحمل حقيبتها منها...دخلت "رُبى" البيت و هي تهمس بوجل:
(هل أبي هنا؟!...)

هزت الخادمة رأسها نفيًا ثم همست مثلها تقول:
(حظكِ من السماء و الدكِ تأخر اليوم على غير العادة...)

تنفست الصعداء ثم نزعت حذائها و وضعته في مكانه المخصص بينما تربت فوق معدتها المسطحة و التي تكاد تختفي خلف ثياب مدرستها...قالت بصوتٍ مرهق:
(هذا جيد...لكن معدتي ستموت جوعًا ، ماذا يوجد على الغداء؟!)

ضحكت الخادمة ثم تقدمت منها تحمل سترة المدرسة بينما تقول:
(لا غداء دون والدكِ...هيا إلى الأعلى بدلي ملابسكِ و استحمي قبل أي شيء)

برمت "رُبى" شفتيها بحزن مصطنع قائلة:
(و لا حتى لقمة واحدة؟!... رائحة محشو ورق العنب يداعب أنفي الحساس)

عدلت الخادمة من وضع حقيبتها فوق يدها بسبب ثقلها ثم قالت بمزاح:
(أنفكِ الحساس!... و الله حاسة شم الطعام لديكِ توازي سرعة التقاط الرادار للسيارات)

بعدها رفعت الحقيبة فوق كتفها بنزق تقول:
(ما هذه الأثقال التي تحملينها كل يوم آنسة "رُبى"؟!.. كتفي سينخلع من خمس دقائق فقط!)

دخلت إلى الممر المؤدي للصالة تقول بسخرية:
(آه يا "كريمة" ففوق كتفكِ تحملين أطنان من المعلومات داخل كتب استاتيكا و ديناميكا و رياضة بحتة و رياضة تطبيقية و غيره الكثير...)


عقدت "كريمة" حاجبيها في غباء جاهل ثم قالت ببساطة دفعت "رُبى" للضحك:
(العلم لا يُقدر بالمال...)

قالت "رُبى" بعدما هدأت ضحكتها بصعوبة بينما تربت فوق كتف الخادمة:
(أين أمي؟...)

أشارت لها "كريمة" حيث طاولة السفرة التي تقف عندها والدتها تضع أطباق الطعام...تقدمت منها ابنتها ثم احتضنتها من الخلف و أراحت رأسها على ظهرها تقول بصوت هادئ:
(مساء الخير أمي...لماذا تعملين أنتِ؟ ، دعي "كريمة" تفعلها!)

التفتت لها والدتها ببسمة صغيرة...نفس لون العين البنية اللامعة...نفس لون البشرة البيضاء...نفس رسمة الأنف المنمق و الفم الناعم...كلها ظهرت كإصدار مستقبلي لأبنتها "رُبى"... ضمتها بحنان تربت فوق ظهرها قائلة بصوتها الهادئ:
(والدكِ يحب أن يأكل من يدي...حتى ترتيب السفرة يحبه بطريقة معينة أفهمها أنا..)

تحركت زاوية فم ابنتها للجانب كحركة ساخرة ممتعضة فقالت:
(لا أعرف كيف تتماشين مع قواعد أبي بهذه السهولة؟!... أقسم لو كنت مكانكِ ليومٍ واحدٍ كنت جننت بسببه)

صوت والدتها الحاد و الرافض خرج فجأة ليجعل جسدها يجفل لوهلة...
("رُبى" أنتبهِ إلى حديثكِ عن والدكِ...)

خرجت من بين أحضانها و لون خديها يميل لحمرة الغضب...تكره أن يعنفها أحد لأنها ببساطة ليست مخطئة...وضعت عينيها أرضًا ثم خرج صوتها الخافت تقول بسرعة:
(أسفة لن تتكرر...)

شعرت "رباب" أنها قست عليها قليلاً...تعرف صغيرتها جيدًا فتاة عنيدة ، جامحة ، طموحة و الأصعب أنها ترى والدها متحكم في حياتهم بطريقة مجحفة...تنهدت قبل أن تضمها مجددًا تقول بصوتها الحنون:
(حبيبتي والدكِ رجل طيب القلب لكنه يحب النظام في كل شيء...لقد بدأ حياته من الصفر و لذلك فهو يقدر قيمة الوقت و المال...يريد أن نحيا في رخاء و سعادة لكن بطريقته الخاصة...ربما يشعر بما يفعله أنه يحمينا و يحرسنا من بشاعة الحياة التي اتعبته من قبل... رجاءً ابنتي لا أريد أن اسمع هذا الحديث عن والدكِ مرة أخرى)

اومأت لها برأس منخفض من داخل أحضانها...مظهرها الحزين جعل والدتها تئن عليها... لذا أسرعت تقول بمرح:
(اتصلت "ريهام" اليوم...)

ما حسبته حدث لقد تحفزت ملامح "رُبى" كثيرًا و ملأها النشاط...فخرجت من أحضانها تقول ببسمة شقية و لهفة بدت في صوتها:
(حقًا!... كيف حالها هي و "معاذ"؟!... و ماذا عن عنزتها الصغيرة؟!)

قطبت "رباب" حاجبيها مستاءة من وصف ابنتها فقالت بلهجة دفاعية:
(لا تقولي على الرضيعة عنزة...لو سمعتكِ "ريهام" تنعتين الصغيرة بما لا تحب ستعلقكِ فوق الدولاب كما كانت تفعل من قبل...)

شمخت "رُبى" أمام والداتها تستعرض طولها الجديد...لقد نمت بمقدار سريع مقارنة بزميلاتها لتكن أولهن في طرق باب النضوج...هيئتها و ذكائها و قوة شخصيتها يعطيها هالة من النضوج المحبب لوالدتها...كم تصبح الأم سعيدة برؤية صغارها يكبرون تحت جناحيها ليواجهوا الحياة بحكمة و عقل...
(لا أيام التعليق فوق الدولاب ولّت و انتهت...لقد أصبحت أطول منها هي شخصيًا...ثم أني أقول الحق فابنتها حينما تبكي ترتعش شفتاها الوردية الرائعة و يصدر صوتها الرفيع المتقطع كعنزة ...)

ضحكت "رباب" بشدة و هي تركب صوت حفيدتها الأولى على وصف ابنتها الجديد...قالت بضحك:
(يكفي يا "رُبى" و الله لو عرفت أختكِ حقًا لأقامت قيامتنا...)

أمسكت كف ابنتها بين يدها تمسح عليه بحب...قالت بصوتها الهادئ المختلط بخنقة البكاء:
(لقد اتصلت اليوم تسألني ما ينقصكِ لتحضره لكِ كهدية عيد ميلادكِ الثامن عشر...)

لمحت البكاء في صوت والدتها رقيقة المشاعر...فسارعت لتخرجها من هذا الشعور بأن بناتها كبرن و أصبحن مستعدات لمواجهة الحياة...قالت بمرح:
(لماذا العجلة؟!... عيد ميلادي بعد خمسة أيام أم أنها تخشى أن تثير حنقي كما فعلت في السنة الماضية)

تبدلت ملامح وجه والدتها لتضحك مجددًا بينما تقول بعدم تصديق:
(حقًا لا أصدق ما فعلته معها لقد ألقيتي الهدية في دولاب التخزين أمام عينيها المذهولة....)

أشاحت بوجهها بعيدًا تقول بتشفي:
(تستحقها و الله... لا أعرف أين كان عقلها و هي تهدي شابة في عمر السابعة عشرة عروسة بلاستيكية تتحدث 'ماما ماما'؟!!!!)

قرصتها والدتها من خدها بلطفٍ تداعبها قائلة:
(لا بأس لقد تعلمت الدرس و اليوم اتصلت تخبرني أنها تود شراء سلسال ألماس لكِ حينما اخبرتها أنه لا ينقصكِ شيء...)

رفعت "رُبى" حاجبيها للأعلى كحال شفتيها بتقييم راضٍ عن هوية الهدية...فقالت بصوت مرتاح:
(هكذا هي الهدايا...فلنجعل زوجها العزيز يتكلف بعض المال)

صدر صوت "رباب" يقول بتوبيخ:
(لا تنسي أن زوجها العزيز هو ابن أخي العزيز لذا سأحامي له...)

برمت شفتيها بحزن طفولي ثم قالت مازحة:
(حسنًا يا أمي من سيشهد للعروسة...من يدري ربما لم أكن هنا في عيد ميلادي الحياة فانية... كلها أقدار...)

عقدت والدتها حاجبيها بعدم فهم ثم وجهتها ناحية السلم تدفعها برفقٍ قائلة:
(لا وقت لفلسفتكِ الغير مفهومة هذه...هيا للأعلى فوالدكِ على وصول....)

قبل أن تبتعد عن السفرة سحبت طبق محشو ورق العنب معها ثم هرولت بعيدًا عن والدتها بينما صوت "رباب" يعلو برفضٍ لتناول الطعام في غرفة النوم!....

..........................

يطالع صورته المنعكسة فوق مرآة حمامه...شعره المبلل تتساقط منه قطرات الماء لتشق طريقها عبر صدره الرياضي العضلي قمحي اللون كحال بشرة وجهه لتستقر فوقه...استند بكفيه فوق الحوض الرخامي زيتوني اللون...يتنفس ببطء و حذر و كأن أنفاسه محسوبة عليه!... عقله شريد في لقاء كان قبل ساعات...لقاء سينجده من كارثة السقوط و لكن ثمنه كبير جدًا...عاد ينظر في عمق عينيه البنية الغامقة من يراه يعتقد أنه يريد سبر أغوار نفسه من شدة التدقيق فيهما!... استقام بتعب مرسوم على ملامحه ليتنهد بثقل ويهمس بخفوت مسلوب الإرادة:
(هل ستضحي يا "أحمد"؟!...)

خرج من حمامه إلى غرفته ذات الطابع الذكوري...ينتشر اللون الزيتوني الغامق على جدرانها بكثرة ، مختلطًا بلون الحليب...ألقى على سريره العريض المنشفة التي كانت فوق عنقه...ثم اتجه ناحية الدولاب ليخرج قميصًا قطنيًا بيتيًا يرتديه فوق سرواله القطني الاسود...بعدما صفف شعره بلا اهتمام زفر بحدة و اتجه إلى باب الغرفة ليقابل عائلته...مواجهة محتومة و قرار مصيري كُتب عليه...

لا يزال يهمس لنفسه بخفوت و كأنه يريد أن يجد الإجابة التي فشل في ايجادها هو!:
(هل ستضحي يا "أحمد"؟!...)

هبط السلم المؤدي إلى غرفة الجلوس و رأسه تتهشم بين قرارات و صراعات لا مفر منها...وحوش ضارية باتت تستوطنها لا تدعها تهدأ ولو قليلاً!... حينما أوشك على الوصول لنهاية السلم رفع رأسه ليواجه صورة والده الراحل في منتصف الصالة الكبيرة...و كأنها وجدت هنا من أجل هذه اللحظة الحاسمة في حياته...و كأنه يلتقط منها إشارات غير مرئية و لا يفهمها سواه...

أغمض عينيه للحظة ثم سحب نفسًا عميقًا يملأ صدره الذي ضاق ذرعًا من تكاثر التفكير به...نزل للأسفل و قد شعر أن الشاطئ أقترب ليرسو بسفينته كقبطان لا يعرف الخسارة...لقد حُسم الأمر و لن يهتم بالعواقب...

مجتمعين جميعهم في انتظاره... ثلاثة أزواج من الأعين متعلقة بباب غرفة الجلوس...و ثلاثة قلوب تتمايل على لحن صخب بات يعلو داخل عقولهم..."سوزان" تفرك كفيها بتوتر كبير بينما "دلال" تسند ذقنها فوق عكازها الخشبي حتى "مصطفى" يزفر بقلق بين اللحظة و الأخرى...كانت أول من ألتقط دخوله فهبت واقفة تهتف بقلق من هيئته المزرية:
(بني هل أنت بخير؟!)

نظر لها طويلاً و قد فشل في استمرار التحديق بها فأنزل عينيه بخزي...أوجعها قلبها عليه أرادت أن تصرخ به لا تنحني فأنت جبل شامخ يا بني...لكن كلماتها كُتمت في وجع بداخلها...أي كلمات ستخفف عنه وطأة الضغوط التي يعيشها الآن... عاد ينظر إليهم مجددًا ليجيب بصوت واهٍ لأول مرة يسمعوه منه:
(أنا بخير أمي...من فضلكِ اجلسي أريد الحديث معكم في شأنٍ هام...)

تأهبت الأنفس و اتسعت العيون تحضيرًا لما هو قادم على قوله...عادت "سوزان" تجلس فوق كرسيها جوار ابنها الأصغر لتمنحه كل اهتمامها...جلس "أحمد" و الهم يتقطر من عينيه التي لم تتذوق سوى النصر دومًا...لكنه حال الدنيا بكل بساطة!... نظر لهم بالتساوي نظرات شيعت أسفه قبل أن ينطق لسانه...
(أعرف أنني أقحمتكم معي في مصيبة كبيرة...لكني أقسم الأمر كان خارج نطاق سيطرتي...الأزمة عالمية و قد طالت شركات كبيرة في مختلف المجالات...أعلم أنه عذر أقبح من ذنب لكن...لكن رجاءً سامحوني)

هتفت "دلال" بصوتها الذي حوى تجارب السنين تقول بثقة:
("أحمد" لم أعتدك ضعيفًا بني...الإنسان يظل يتعلم حتى أخر يوم في عمره و على الذكي أن يستفاد من دروس الآخرين...السقوط ليس النهاية لأنه يفتح لنا بابًا لم يكن في الحسبان...باب نظنه هلاكنا لكنه الملجأ الوحيد لنا من بشاعة الدنيا)

رفع رأسه إلى جدته بسرعة...كأنها تعرف ما به و تيسر له الأمر!!... كأن روحه و ما يخفيه بداخلها باتت شفافة أمامها تقرأ سطورها بحرية...حدق بها طويلاً و كأنه يشكو لها مُر العلقم في حلقه...كأنه يريد منها حنانًا خاصًا لطفل وضع أمامه امتحان شديد الصعوبة دون أن يستعد له...عقله أخذ يردد جملتها الأخيرة يوزنها بحكمة و ينظر لها بمنظور المستقبل... المستقبل الذي بات مجهول المصدر...
(باب نظنه هلاكنا لكنه الملجأ الوحيد لنا من بشاعة الدنيا...)

على إثر هذه الجملة التي سحبته من العالم لترميه في عقله الباطن تدور فيه أموره...فاق لينظر لهم نظرة اكتسبت بعض الثقة فقال بلا تردد:
(لقد وجدت هذا الباب...)

عقد "مصطفى" حاجبيه بجهلٍ فقال بينما يوزع نظراته بينه و بين جدته و والدته:
(عن أي باب تتحدث؟!...)

زفر ببطء ممتزج بالترقب فقال:
(اليوم عرض عليّ "هاشم الحسيني" الشراكة لينتشل شركتنا من الوضع الصعب...)

تهللت اساريرهم بشدة بعد خبر كهذا...و قد لاحظ هو هذا التغيير...شعورهم بالراحة دفعه لتنفيذ ما فكر فيه دون مزيد من القلق أو التروي...من وسط الراحة قذف قنبلته بينهم لينتشلهم بقسوة من حياة هادئة و يضعهم أسفل القصف الناري و كأنهم في حرب ضارية تتساقط من بينهم الجثث...
(لكن هناك شرط كي يساعدنا...)

بين لحظة وأخرى تتبدل الأحوال و تعتم الدنيا...عتمة باردة و كأنها ليلة شتاء ثلجية...ثلج يجمد خلايا الروح قبل الجسد و يتركه خاويًا دون حياة...هتفت "سوزان" و كانت أول من استعاد وعيه من صدمة الشرط...في قانون رجال الأعمال الشرط يعني تنازل ما!... تُرى ما هو التنازل؟!... تُرى ما هو الشرط؟!... لسانها ترجم افكارها المرتعدة فقالت بتوجس:
(ما هو الشرط "أحمد"؟!)

ابتسم بسمة جانبية صغيرة حملت مرارة ما يعانيه...قال بصوته البعيد بُعد يسلب راحة النفس:
(أن أتزوج ابنته....)

.........................

بعدما سحبها خلفه في غرفة نومهما فور وصوله للبيت...تجلس الآن تنظر له بريية من أمره...ما باله يبدو سعيدًا على غير العادة و ايضًا يبدو في جوفه حديث هام يود قوله... صدح صوتها الهادئ تقول بترقب بينما تراقبه يبدل ملابسه:
(خيرًا يا "هاشم"؟!... يبدو ليّ أنك تنوي قول شيئًا هام)

علق سترته فوق الحامل ثم دنا من زوجته ينظر لها بتدقيق...قال بينما يجلس جوارها فوق السرير:
(خصلة شعركِ خرجت من عقالها...أعيدها رجاءً)
بحركة روتينية دون المزيد من الكلام فعلت كما قال!... نظرت له بدهشة فقالت:
(هل أتينا هنا لتخبرني عن خصلة شعري؟!...)

نظر للفراغ أمامه ثم صدر صوته الرخيم يسألها:
(كيف حال "ريهام" و زوجها؟!...)

أجابته بعدم راحة :
(بخير و الصغيرة "روفان" بصحة جيدة الحمد لله)

همس بخفوت مرتاح:
(الحمد لله...)

رددت معه الحمد ثم ابتسمت بمرح محسوب في وجوده تقول:
(يبدو في جعبتك مفاجأة...تُرى أصبت أنا؟!)

وجه نظره لها ثم لامس شعرها الأسود الطويل الذي ورثته منها بناتها...قال بنبرة هادئة:
(نعم...لدي ما أنوي قوله)

تحفزت ملامحها و أدارت جسدها له تستمع بكل كينونتها...فهو لا يجتمع بها سوى ليخبرها كل ما هو مصيري...
(لقد تقدم "أحمد النجار" بطلب الزواج من ابنتنا "رُبى"...)

شهقتها المصدومة التي خرجت لتعبر عن ما تشعر به من غرابة صدمته هو ايضًا!... دومًا زوجته هادئة قال بترقب بعدما أعتدل في جلسته :
(ما بكِ ؟!!...)

تنفست بسرعة لتنظم تفكيرها المشوش فقالت:
(البنت صغيرة جدًا على الزواج يا "هاشم"... بالله عليك لا تخبرني أنك وافقت)

تجهمت ملامحه فقال بحدة:
("رُبى" ليست صغيرة ستتم عامها الثامن عشر بعد أيام...كما أني ارتضي لها هذا الشاب كزوج فهو من عائلة محترمة و قد طلبها و انتهى الأمر...)

كتمت شهقة اكبر مما مضت خوفًا من ازعاجه...عيناها التي جحظت بذهول لا تصدق أن تفرض على صغيرتها أمر هام كالزوج...يا إلهي زواج من شاب لا تعرفه و لم تره من قبل...شاب يبدو من حديث والدها كبير في السن...و هذا الفرق سيجعلها تجن...في الأساس ابنتها ستجن فور معرفتها بهذا الشأن...تعرفها جيدًا من غيرها يعرفها؟!!!.

قالت برجاء شديد:
(هل يعرف سنها الحقيقي؟... و كم هو عمره اصلا؟!... ابنتك سترفض يا "هاشم" الفتاة في أخر سنة ثانوية عامة و هي تعمل بجهد لتصل إلى كلية الهندسة كما تريد أنت...لو تزوجت ستفشل في تحقيق كل ما حلمت به من أجلها يومًا...)


وقف بحدة من فوق سريره ليقول بصوت لا رجعة فيه:
(لقد أعطيت كلمتي له...طلبها للزواج و وافقت و انتهى الأمر...الآن بلغيها بالخبر حتى ألقاها في الغد لنتحدث سويًا)

ابتلعت ريقها بصعوبة و هول ما تسمعه جعلها تفقد توازنها قليلاً....
(متى اتفقتما على الخِطبة؟!...)

صوتها المرتعش خرج بهذا السؤال الذي جعله يلتفت لها يقر أمرًا واقعيًا...
(لا يوجد خِطبة...العرس بعد أيام)

اتسعت عيناها بقوة و ضربات قلبها تعزف لحن الحرب...قالت برفض:
(ماذا تقول يا "هاشم"؟!... أنت تمزح بالتأكيد!!!... كيف سنزوج ابنتنا بعد أيام؟!... ماذا سنخبر الناس عندما نعلن عن عرس في غضون أيام لطفلة لم تصل لعامها العشرين بعد؟!... هل فكرت في الاقاويل التي ستطاردها؟!... سيعتقدون أننا نداري فضيحة ما...بالله عليك أين كان عقلك و أنت تتخذ قرار كهذا؟!!!...)

نظرته الحارقة التي رمقها بها جعلتها تبتلع حديثها...عيناها التي ترقرقت بالدمع على حال صغيرتها جعلتها تهمس بتوسل:
(أرجوك يا "هاشم" لا تفعل...أعرف أنك تحب بناتك جدًا فأنا أكثر شخص في هذا العالم يعرف خبايا روحك لكن لا تبالغ هكذا مع "رُبى" تحديدًا...)

تحركت عيناه لوهلة جعلتها تظن أنها استجدت الجزء الرقيق منه...لكنه تغير في لحظة ليقول بنبرة عملية تعرفها و تعرف كم جعلت ابنته الصغرى تعتقد أنه لا يحبهم بقدر حبه للعمل...
(لقد تحدد موعد العرس يا "رباب"...)

سقطت فوق سريرها بضعف بعدما خرج من الغرفة و صفق الباب بحدة...تحررت دمعاتها الساخنة فوق خديها بكثرة...همست بصوت مختنق:
("رُبى" سترفض...ستحدث كارثة في هذا البيت و سأفقد خلالها أحدهما!)

.............................

في غرفتها اللامعة كعينيها تجلس بين كومة من الكتب فوق سريرها... بينما الهاتف على أذنها تستمع إلى صوت "رحمة" الممتعض...
(أليس هذا وقت تناول الغداء عندكم أم ماذا؟!... عمو "هاشم" شخص نضبط عليه الوقت...لماذا تركتي الغداء و اتصلتِ بيّ توجعين رأسي؟!)

تأففت "رُبى" من شكوى صديقتها الدائمة عندما تتصل بها لتشاركها حل بعض مسائل الرياضيات...قالت بسخرية هامسة:
(عمكِ "هاشم" عاد من الشركة متلهفًا لعمتكِ "رباب" فأخذها دون الاهتمام بوقت الطعام المقدس إلى غرفتهما و....)

صرخة "رحمة" الخجلة جعلتها تتوقف عن الحديث وتبعد الهاتف من فوق اذنها بأعين شبة مغلقة...بعدما هدأت صديقتها عادت تضع الهاتف فقالت بغضب:
(يا أنثى القرد ما سبب هذه الصرخة التي خرقت طبلة أذني؟!!!...)

تلعثمت "رحمة" بقوة بينما صوتها يحارب ليخرج:
(أنتِ تتحدثين كل مرة بشكل جرئ رغم أنني أعرف انكِ تخجلين أكثر منيّ...)

حكت رأسها بغباء و قد ارتفعت شفتاها بصورة بلهاء فقالت:
(أنا تحدثت الآن بشكل جرئ؟!!!... متى فعلت؟!)

ابتلعت "رحمة" ريقها بصعوبة فقالت:
("رُبى" حبيبتي فلنغلق هذا الموضوع أتفقنا؟!)

قالت "رُبى" بعدم فهم و نبرة صادقة:
(أي موضوع يا زوجة السيد قشدة؟!)

ضحكت "رحمة" بخفوت قائلة:
(تعرفين أريد فقط أن أرى وجه من سيتزوج بكِ...سيبتليه الله بكائن وحيد الخلية يتكاثر بالانشطار)

علا صوت "رُبى" بغضب فصرخت بها:
(أنا كائن وحيد الخلية يا معادلة من الدرجة الثالثة لا تصلح للحل...أقسم أنني أرى وجهكِ كل صباح في المدرسة كوجه مستقيم ساقط عموديًا ليصنع زاوية قائمة على أنفكِ الرفيع... أيتها الغبية ذات الوجه الوردي)

سقطت "رحمة" من فوق سريرها من فرط الضحك...و بعد محاولات لأن تعتدل صدر صوتها المتقطع تقول:
(أدفع نصف عمري لأرى وجهكِ الآن...)

تحفزت "رُبى" لتسقط على رأسها وابل من الشتائم اللوغاريتمية لكن دقات والدتها على الباب أوقفها...همست بحنق في الهاتف:
(والدتي أنقذتكِ منيّ...غدًا سأعلمكِ درسًا قاسيًا...)

تمالكت "رحمة" نفسها بصعوبة لتقول:
(حسنًا يا سيدة أميبا غدًا نلتقي...)

اسرعت في غلق الهاتف قبل أن تتهور "رُبى" و تصل لها عبر الأسلاك...هتفت "رُبى" بغضب بينما تنظر بدهشة للهاتف:
(هل سخرت منيّ للتو مجددًا؟!... أقسم لن تفوت يا مثلث حاد الزوايا...)

وقفت بعدما ألقت الهاتف فوق السرير ...اتجهت إلى الباب لتفتح لوالدتها...رغم ما بذلته "رباب" لتبقى هادئة إلا أن ابنتها لمحت تغير ملامحها المفزع...اسرعت "رُبى" تسندها وهي تقول بجزع:
(أمي ما بكِ؟!...)

تماسكت "رباب" ثم اعتدلت تقول:
(لا شيء حبيبتي...أريد أن أتحدث معكِ في أمر هام)

فزع قلبها يخبرها أن والدتها على وشك قول شيء سيغير مجرى حياتها...ليست ممن يهولون الأمور لكن حقًا قلبها ينبض كأرنب مذعور على وشك الذبح...ابتلعت ريقها بتوتر يلازمها في فترة الامتحانات فقالت بترقب:
(ماذا هناك؟!...)

شحذت "رباب" قوتها المتبقية بينما تراقب عين صغيرتها بضعف و قلة حيلة...قالت بخفوت:
(تعرفين أن والدكِ يسعى دائمًا لمصلحتنا...يعني أن أي قرار يأخذه يضعنا قبل أي شيء أليس كذلك؟!)

عقدت حاجبيها بتوجس مريب بينما أطرافها بدأت تبرد...قالت بصوت أوشك على الاختفاء:
(ماذا حدث؟!)

زفرت والدتها نفسها و كأنها تزفر النيران... قالت بحذر بينما تراقب كل ما يصدر عن ابنتها:
("رُبى"... بعد خمسة أيام سوف نعقد...قرانكِ)


AyahAhmed متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 14-09-19, 10:48 PM   #8

AyaYoussef

? العضوٌ?ھہ » 451458
?  التسِجيلٌ » Aug 2019
? مشَارَ?اتْي » 9
?  نُقآطِيْ » AyaYoussef is on a distinguished road
افتراضي

حبيبتي الفصل الاول جميل اوى و متحمسة للباقي ❤ أحسنتى بداية موفقة يا جميل

AyaYoussef غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 20-09-19, 12:00 AM   #9

AyahAhmed

? العضوٌ?ھہ » 451462
?  التسِجيلٌ » Aug 2019
? مشَارَ?اتْي » 274
?  نُقآطِيْ » AyahAhmed has a reputation beyond reputeAyahAhmed has a reputation beyond reputeAyahAhmed has a reputation beyond reputeAyahAhmed has a reputation beyond reputeAyahAhmed has a reputation beyond reputeAyahAhmed has a reputation beyond reputeAyahAhmed has a reputation beyond reputeAyahAhmed has a reputation beyond reputeAyahAhmed has a reputation beyond reputeAyahAhmed has a reputation beyond reputeAyahAhmed has a reputation beyond repute
افتراضي الفصل الثاني

الفصل الثاني

("رُبى"!!!....)
صوت صديقتها المندهش جعلها تكبح الرغبة الملحة في البكاء...هزتها "رحمة" بقوة علّها تضحك و تقول فقط كنت أمزح لا عليكِ!... لكن ملامحها متخشبة و شاحبة لحدٍ كبيرٍ...

وقفت "رحمة" فجأة و كأنها استوعبت الكارثة الحالة على صديقتها فقالت بصوت عالٍ رافض:
(عليكِ الرفض و عليهم قبول رفضكِ...لا يهم والدتكِ تحدثت معكِ بالأمس و والدكِ قص لكِ الموضوع في كلمتين بالصباح...يا إلهي إنه زواج عليهم فهم معنى الكلمة...)

اشاحت "رُبى" وجهها بضعفٍ للجهة الأخرى...العبرات تتسابق داخل مقلتيها لتتحرر لكنها تسجنها بقسوة...قسوة كالواقع الذي تعيشه...


قالت بعد فترة من محاولة السيطرة على النفس بصوتٍ واهن:
(لقد حكموا عليّ بالموت...أبي لا رجعة في قراره و الأدهى أمي موافقة)

زفرت "رحمة" بحدة ثم جلست جوارها تدير وجهها إليها...آلمها رؤية العجز و الدموع في عيني صديقتها و هذا جعل دمائها تثور فوق ثورتها فقالت:
(اسمعيني جيدًا علينا ايجاد الحل...حتى لو وصلت لمحادثة هذا العريس و إخباره أنكِ ترفضينه...)

اغمضت "رُبى" عينيها بألم فقالت:
(أقسم بالله لو أصروا على زواجي به لأهربنّ من البيت...)

شهقة "رحمة" بجزع ثم قالت بتعقل:
(ماذا تهذين؟!!... علينا حلها دون خسارة)

ابتسمت "رُبى" بسخرية مريرة ثم أشارت على نفسها :
(و هل هناك أكبر من خسارة نفسي لرجل لا أعرفه؟!)

تنهدت "رحمة" بحزن و حال صديقتها المقربة التي جاءت منذ الصباح الباكر تفجر خبر مفزع كزواجها المحتوم بعد أيام ينهش في خلايا عقلها...قضمت أظافرها بتفكير ثم صاحت فجأة:
(وجدتها علينا اللجوء للآنسة "زينب"... هي تحبكِ جدًا لا بد أنها ستساعدكِ في الخلاص من هذه المصيبة)

هزت رأسها بقوة رافضة ثم قالت بصوت لا رجعة فيه:
(مستحيل أن أفعلها...هل تريدين أن أفضح نفسي و أهل بيتي أمام معلمتنا؟!!!)

زفرت صديقتها بيأس تقول:
(بالله عليكِ هل هذا وقت الحفاظ على المظهر العام لعائلتكِ المصون...يا "رُبى" أنتِ في كابوس و بعد أيام قلائل سيتحول إلى حقيقة و سترتبطين برجل أكبر منكِ لا تعرفينه و لا رأيته في حياتكِ من قبل...)

احتدت نبرة صوتها فقالت بعناد متأصل بها:
(أخبرتكِ أنه لن يحدث أبدًا...أنا لن أتزوج لا بعد أيام و لا بعد سنين...لن أهدر مستقبلي الذي أحلم به من أجل رغبة أبي أو هذا العريس)

نظرت "رحمة" للوضع من منظور العملية فقالت:
(حسنًا وكيف ستمنعين حدوث ذلك؟!...)

تاهت عينا "رُبى" للبعيد تبحث داخل عقلها المراهق عن خطط تنقذها من براثن رابط سيلتف حول عنقها بعد أيام...

تنهدت "رحمة" ثانيةً و هي تراقب تبدل حالهما بين ليلة وضحاها...فقط بالأمس كانتا تتبادلان الضحكات و المزاح!... فكرت في شيء لكنه بدا لها أخرقًا ليس مناسبًا بالمرة و برغم ذلك نطقت به علّه يساعدهما...
(ماذا عن الاتصال بهذا العريس تطلبين منه أن يصرف نظر عن الزواج بكِ؟!...)

انتبهت حواسها لفكرة صديقتها...التفتت لها بكامل انتباهها تقول:
(لكني لا أملك رقم هاتفه...أنا لا أعرف اسمه حتى!)

همست لها بخفوت:
(توددي لوالدتكِ جاريهما في قبول فكرة الزواج ثم اسألي عنه و اجمعي المعلومات التي تساعدنا...)

وقفت "رُبى" بحدة تهدر بصوتها الغاضب:
(لن أتودد و لن أجاري أحد...زواج لن أتزوج انتهى الأمر....)
................................

خرجت خلف معلمتها و اللهفة بادية على محياها الوردي...لقد قصت لها كل شيء بعدما تصاعد الوضع مع صديقتها...طوال اليوم شاردة بعيدة و مذبوحة روحيًا...لذا لم تجد بد من الاستعانة بالآنسة "زينب"... و التي بمجرد ما سمعت الخبر سيطرت الدهشة عليها و خرجت مهرولة لتتفقد حال طالبتها...
(عفوًا أستاذ "كمال" هل يمكنني أخذ الطالبة "رُبى الحسيني" لدقائق؟)

صوتها الذي أخترق سكون و قدسية الهدوء للاستماع لحضرة العلم ، جعل الطالبات تحدقن في "رُبى" بدهشة...سمح لها الأستاذ "كمال" ببسمة ودودة ثم خرجت "رُبى" بحيرة من طلب الآنسة لها...فور خروجها لمحت "رحمة" تقف متشبثة بسترة المدرسة خلف ظهر الآنسة بتوتر و ترقب...

عقدت "رُبى" ما بين حاجبيها و قد أتضحت الصورة لها و فهمت ماذا سيحدث!... توجهت إلى "رحمة" قبل أن تستلمها "زينب" تقول بعتاب:
(لماذا فعلتي هذا يا "رحمة"؟!!... لقد أخبرتكِ أنني لا أريد معرفة الآنسة بما يحدث!)

همست "رحمة" بخجل من نفسها قبل صديقتها و قالت بصدق:
(أعتذر جدًا...لكن وضعكِ منذ الصباح لن اصمت عليه...كما أن الآنسة تحبنا و تعرف عن الحياة أكثر منا بكثير لذا ستساعدكِ...)

قالت من تحت ضروسها برفض مكتوم كي لا يصل إلى المعلمة:
(أنا لا أريد مسا...)

قاطعها صوت "زينب" التي انهت حديثها مع الأستاذ "كمال" تقول بسرعة:
(تعالِ معي إلى حجرة المعلمين يا "رُبى"...)
تقدمت و سبقتها حيث الحجرة بينما "رُبى" رمقت صديقتها بتأنيب و غضب...

في حجرة المعلمين...
جلست "زينب" فوق مكتبها بعملية و رغم ذلك استحوذت كل علامات الدهشة و الاستنكار عليها...ربتت فوق الكرسي القريب منها تقول:
(أجلسي جواري حبيبتي...)

حملقت في الكرسي طويلاً قبل أن تذهب إليه لتجلس جوارها مباشرةً...لا تعرف ماذا ستقول المعلمة أو بماذا ستجيب هي عليها؟!... ما حدث بين جدران بيتها لا يصح أن يعرفه الغير...ليس حبًا في كتم الاسرار العائلية ولكنه حرجًا من وضع والدها الذي بدا كبائع للجواري في سوق الرقيق!...
(هل حقاً ستتزوجين بعد أيام كما قيل ليّ؟!!)

رغم رعشة الرفض و القرف التي ضربت بجسدها الغض ...همست بخفوت ثقيل و مرهق:
(نعم...)

انقبضت يد "زينب" فوق مكتبها و لكنها فضلت الالتزام بالحيادية في الحديث...قالت بصوت هادئ للغاية:
(و ما رأيكِ في هذا القرار؟... )

أنفاسها التي تضرعت لها كي تخرج من محبس صدرها المشتعل كانت كافية لتجعل صدرها يعلو و يهبط بصورة ملحوظة...آثرت الخفوت مرة أخرى فقالت:
(أبي أعطى كلمته و أنتهى الأمر ...)

رفعت "زينب" حاجبيها بدهشة مستنكرة من خنوع هذه الفتاة بالذات...تعرفها جيدًا وتعرف كيف تتعامل مع الأمور حولها!... ليست جبانة أو منساقة هي فقط تتبع طريق حريتها و التي ظهر لها الآن أنه طريق مهدوم و مظلم...قالت بصوت مرتفع قليلاً و حدة امتزجت به:
(لقد سألتكِ عن رأيكِ و ليس ماذا فعل والدكِ!!)

رفعت عينيها إليها بجمود...بدت كطفلة تشتهي البكاء و لكن عقلها الناضج يحرق حقول الطفولة بداخلها و يأمرها بالثبات...أي عقل هذا الذي بسببه ستدفع روحها ثمنًا لشخص لا تعرفه؟!!!... تعمقت نظرتها داخل عين معلمتها فقالت بصوتٍ مرهق:
(و هل رأيّ سيغير شيء؟!... لقد حكمت المحكمة و نفذ الحكم عليّ..)

توجست ملامح وجه "زينب" بشدة و هي تقرأ اليأس من بين صفحات وجه طالبتها...ليس عدلاً أن تعيش طفلة مثلها رغم نضوج عقلها بكل هذا...قالت باستنكار:
(و ما دور والدتكِ في كل هذا؟!... ما رأيها هي أيضاً؟!)


ابتلعت "رُبى" طعم المُر في جوفها...لقد حدث ما لم ترضى به...المعلمة ستشكل صورة قاسية بألوان بشعة عن عائلتها...رغم كل شيء لا تحب هذا لا يجب أن تتشوه صورة أهلها أمام أحد...قررت و حسمت أمرها لتنهي كل هذا...ستساعد نفسها بنفسها دون اللجوء لأحد...قد ينتهي هذا الموقف و لكن لن تمحى صورة عائلتها من مخيلة المعلمة "زينب"...
(أنا لا أملك من أمري شيئاً...أبي وافق و أنتهى )

تنفست "زينب" نفسًا عميقًا لتهدأ ثورة الرفض بداخلها...ما يحدث ما هو إلا تعدي على حق طفلة و يحاسب عليه القانون...حاولت أن توضح لها الصورة كاملة لتضعها داخل الإطار الذي ستكون به بعد أيام...يا إلهي مجرد أيام سيحولون بها طفلة صغيرة لمرأة متزوجة!!... أي ظلم هذا؟!...
(حسنًا يا "رُبى" يبدو ليّ أنكِ موافقة ولو مبدئيًا...لذا هل تعرفين ما هو الزواج؟)


رفعت عينيها إلى المعلمة بسرعة تستشف معنى السؤال...لمحت "زينب" التخبط بداخلها لذا قالت:
(هل تعرفين ما هي المسئولية التي أنتِ بصددها الآن؟!... هل تعي معنى أن تكوني زوجة متحكمة في قرارات بيت و رجل و ربما أطفال؟!... هل حكت لكِ والدتكِ عن معنى الزواج أو كيف يحدث؟!...)

شهقت بصوتٍ خائف شاعرة بالنفور...وقفت من فوق كرسيها بجزع تقول بصدمة:
(آنسة "زينب"!!!)

تنهدت "زينب" وشعور بالتضامن مع هذه الصغيرة يعصف بكيانها...سحبتها برفقٍ من رسغها ثم أجلستها فوق كرسيها مجددًا تقول برقة:
(انظري حبيبتي الزواج ليس لعبة و ليس سهلاً... الزواج شيء جميل للغاية حينما يجتمع رجل و امرأة في بيت واحد ليصنعوا حياة جديدة خاصة بهما معاً...و ينعموا بأطفال يحملون ملامحهما معاً...يتشاركون الأفراح و الأحزان معاً...هذه هي المودة و الرحمة التي ذكرها الله في كتابه...لكن من أجل تحقيق كل هذا علينا الموازنة بين طرفين الزواج...يجب أن يكون كلا الطرفين متفاهمين و متقاربين ثقافيًا و فكريًا و روحيًا...ليس مجرد عقد و حفل عرس و انتهى الأمر...لذا من واجبي أن أنبهكِ لكل هذا...)

ابتسمت لها بسمة صغيرة زائفة ثم قالت:
(شكرًا لكِ آنستي...سأفعل كل ما بوسعي كي لا يتم الأمر...)

بادلتها "زينب" ببسمة تقول بصدق:
(لو تحتاجين مني التدخل و توضيح الأمر لوالدكِ سأفعل...)

هتفت بجزع متوتر تقول:
(لا تفعلي رجاءً...أبي يرفض مناقشته في أي قرار قد أتخذه...أنا سأجد حلاً و إن فشلت سأعود إليكِ)
ربتت "زينب" فوق كفها بحنان ثم قالت:
(أنا في الخدمة دائماً حبيبتي... فقط أنتبهِ لدروسكِ جيدًا)

اومأت لها برأسها ثم خرجت حيث "رحمة" التي كاد القلق يقتلها خلف الباب...أسرعت إليها تقول بلهفة:
(ماذا حدث؟!)

رمقتها صديقتها بحنق تقول:
(هل هذا ما أتفقنا عليه؟!... رجاءً "رحمة" لا تُدخلي أحدًا في شؤوني دون معرفتي)

قالت "رحمة" بحرج حزين:
(أعرف أنني تماديت لكن الله يشهد أنني أردت مساعدتكِ..)

زفرت بحدة تنعي حالها ثم نظرت لصديقتها تقول بيأس:
(أعرف "رحمة" أعرف...)

ربتت فوق كتفها ثم قالت بخفوت:
(إذًا ما الخطوة التالية بعد رفض مساعدة الآنسة "زينب"؟!)

شردت في البعيد تناجي الله أن يساعدها لإيجاد حل...أي حل بأي طريقة يُخرجها من هذه الكارثة... قالت بصوتٍ واهٍ خافت:
(لا يوجد حل سوى الوصول لرقم هاتفه....)

.......................................

كور يده بضعف قبالة باب الغرفة...تلك الحركة التي تكررت حوالي خمس مرات منذ وقف هنا...حالة من النفور سيطرت عليهم جميعاً بعد حديثه معهم ليلة أمس!... قرار زواج من فتاة لا يعرفها قد تمادى والدها ليقحمها في حياتهم فقط من أجل السيطرة على السوق...قصة غريبة و كأنها ليست قصتهم التي سيتعايشون معها قريبًا جدًا!... رفع يده مرة أخرى إلى الباب ثم دق عليه بقلب وجل...سمع صوت أخيه يأذن له بالدخول فزفر بقلة حيلة و فتح الباب...

راقبه يقف أمام مرآته يربط رابطة عنقه متأهبًا للخروج...تنحنح "مصطفى" يقول بحرج:
(صباح الخير ...)

نظر له "أحمد" عبر المرآة ليبتسم له بسمة أخوية خاصة به قائلاً:
(صباح الخير "مصطفى"...)

حك رأسه و الحرج يبلغ مبلغه معه لكنه قال بعد صمت:
(هل حقاً كان قرارك بالأمس قرار نهائي؟)

أنتهى من ربطها و اتجه إلى سريره يلتقط سترته و يضعها عليه...حدق في أخيه الصغير هذا الوسيم الذي ترعرع على يده قبل سنوات...أشعره فيهم أنه أب يخشى على وليده من الهواء...ابتسم رغم مرارة الموقف و أنين الجرح فقال:
(نعم...لقد اتخذت قراري)

هبت عاصفة "مصطفى" بعدما حاول كبحها بكل قوته فقال رافضًا:
(كيف تتعامل مع الوضع بهذه السهولة؟!... أمي و جدتي لم يناما منذ الأمس بسبب هذه القرار الغريب...و أنت كيف تقبلها أن تربط فتاة لا تعرفها بك لمجرد الحفاظ على شركتنا؟)

توقف قليلاً يسحب نفسًا كبيرًا ثم قال بصوت أظهر ما يعانيه من قلة حيلة و فراغ اليد:
(كيف تقبل بيع نفسك يا أخي؟...)

كخنجر مسموم غزا قلبه ليسحب روحه المعذبة دون شفقة...يا لها من جملة ضربه بها أخاه الأصغر في صميم رجولته!... بيع النفس موهبة تعلمها بحرفية في عمر صغير...كم هو شعور قاسي تتعايش معه!... تبيع روحك مقابل أناس حولك يهمونك...ماذا يفعل في موقف كهذا؟!... بالطبع ككل مرة يضحي براحته و أحلامه من أجلهم ...ماذا سيكون وضعهم لو رفض؟...هل سيقبل أن تعيش عائلته في حالة من الفقر الذي سينهش في لحمهم...لن يقبل و قبوله بهذا البيع كما وصفه "مصطفى" هو تذكرة عبور لبر الأمان...طأطأ رأسه للأسفل و كلمة أخيه ترن في خلايا عقله توجعه...صمت و صمت معه كل شيء...

راقب "مصطفى" تغير حالة أخيه...يقف محني الظهر و القهر يسيطر عليه...عكازه المتين الذي اتكأ عليه يومًا كي يشب و يناطح الدنيا دون هم...يقف الآن مكسورًا بشكل مخيف...لعن نفسه في سره و لعن تسرعه و كلامه قبل لحظات...تقدم منه يقول بخوف و حرج:
(أخي أنا لم أقصد...أقسم لك صدر مني كل هذا خوفًا عليك و رفضًا لتضحية كبيرة كتلك!)

لم يصدر منه أي رد فعل لكنه بعد لحظات رفع رأسه يقابل وجه أخيه الصغير...حاول قدر إمكانه أن يبتسم له كعادته لكنها خرجت مهزوزة بشكل نشب الحريق في قلب "مصطفى"...تقدم منه ثم ربت على كتفه قائلاً بصوتٍ هادئ:
(تجبرنا الحياة على بيع كل ما هو ذا قيمة عندنا...)

حاول "مصطفى" ايجاد اي كلمة يوضح بها نيته... تلعثم أكثر من مرة ليقول:
("أحمد" أنت دومًا غاليًا و رجلاً اتباهى به... لكن لا تفعل هذا رجاءً)

شدد من قبضته فوق كتف أخيه ثم قال :
(لا تخشى على أخيك فالأثقال خُلقت كي أحملها...يجب أن أذهب الآن إلى الشركة لأنهي بعض الأوراق المتعلقة بشراكتنا الجديدة...)

تركه و أسرع للخروج بينما وجهه تيبس تمامًا و جلمة أخيه الصغير تهدم أسوار رجولته و تعيق حركتها...

همس "مصطفى" بحزن جلي بعدما خرج "أحمد" من غرفته:
(الأثقال خُلقت لتبرهن لنا كل مرة أنك جبل شامخ رابض فوق الأرض...حماك الله يا أخي و حفظك لنا....)

سمع رنين هاتفه يعلن عن وصول رسالة نصية...فتحه يقرأ ما تم إرساله من اسم "غصن الزيتون"... ابتسم ببطء يستشعر حلاوة وجودها في حياته...هذه الفتاة التي سرقت قلبه قبل سنوات و الآن تتدلل عليه كما يحلو لها ..

«يا متعسف سأصل أرض الوطن بعد الغد...أريد أن أجد المطار مُحاط بالورود و الياسمين استقبالاً ليّ...أحبك أيها الدكتاتوري»

رفع هاتفه يتصل بها و كله شوق لرؤيتها...بعد لحظات وصله صوتها الساحر عبر الهاتف تقول بدلال:
(هل رسالتي لها هذا التأثير الكبير؟!... لو كنت أعرف لبعثت لك ألف رسالة يوميًا كي تتكرم و تُسمعني صوتك الذي افتقدته...)

أغمض عينيه تاركًا صوتها الرائع يدغدغ مشاعره التي نمت من أجلها قبل سنوات...ابتسم رغم كل ما يعيشه هذه الأيام فقال باشتياق:
(أنا متعسف ها؟!... و دكتاتوري أليس كذلك؟... و أنتِ يليق بكِ لقب متحجرة القلب...)

ضحكت عاليًا بصوتها الجميل ثم قالت بنعومة:
(لا أحب هذا اللقب "مصطفى"...ما به غصن الزيتون الذي يُشعرني أني أجمل فتاة على وجه الأرض؟!)

تنهد مستمتعًا بحديثها متنعمًا بوجودها حوله...تزين حياته بعدما أقنعها بعد عناء للارتباط به...قال بصوت خافت تعشقه هي منه:
(غصن الزيتون تستحقه فتاتي التي تسمع كلمتي و ليست متحجرة القلب التي تهاتفني...)

زفرت بطفولية محببة لديه تقول:
(ألم أخبرك أنك دكتاتوري متعسف ...كل مرة أسافر بها تفعل هذا و تُشعرني بالذنب!)

قال بحنق زائف يجاري طفولتها:
(يمكن حدث ذلك بسبب كثرة سفركِ!... أو بسبب تعليمكِ الذي لا ينضب...مرة ماجيستير و بعدها دكتوراه ثم دراسات عليا و الله أعلم ماذا بعد!!!)


ضحكت بخفوت بسبب صوته المتذمر لكنها حاولت أن تحفظ وقارها فقالت:
(ألا يعجبك كون خطيبتك ذات شهادات عليا؟!...)

وصلها صوته المشتاق لأقصى حد يقول:
(يكفي أن تحملي ورقة زواجنا و هذه عندي بالدنيا و ما فيها...)

سمع صوتها المتلعثم و أدرك الآن أنها تلونت كحبة فراولة لذيذة سيذوب لتذوقها...قال بنبرة عاشقة:
(اشتقت لكِ يا "ندى"...)

همست بخجل عبر الهاتف:
(أنا أيضاً...اشتقت لك كثيرا)

تحول صوته للجدية يسألها عن أحوالها باهتمام:
(كيف كانت مناقشة رسالتكِ ؟)

قالت بفخر معتزة بما وصلت له:
(كانت رائعة... لقد حصلت على المركز الثاني الحمد لله)

تهللت اساريره يقول بحب:
(مبارك حبيبتي...مبارك يا غصن الزيتون)

هتفت به بحدة مصطنعة بعدما فقدت توازنها بسبب صوته الذي يحطم أسوارها:
(حسنا...أنا حاليًا مشغولة جدا و عليّ إغلاق الخط...بعد الغد ميعادنا)

قال برقة باعثًا كل مشاعره في جملته:
(بعد الغد ميعادنا يا غصن الزيتون...و كم أشتاق أنا لرؤية غصنكِ المتمايل في رقة مهلكة)

همهمت ببعض الكلمات الغير مفهومة ثم أغلقت الخط لتتركه يضحك على خجلها اللذيذ..."ندى" الوحيدة القادرة على تبديد أي حزن بداخله بعد أخيه "أحمد"....

...................................

زفرت بصوت عالٍ ثم تعلقت عيناها بمرآة السيارة الأمامية...تراقب السائق الخاص الذي وكله والدها لتوصيلها...عادت ببصرها حيث كف يدها الذي انقبض بتوتر مما هي مقبلة عليه...رفعت بصرها مرة أخرى له ثم قالت بعد فترة قصيرة من الصمت المشحون بالخوف:
(عم "عادل" هل تعرف رقم سكرتير أبي؟...)

نظر لها عم "عادل" الذي عبر الستين من العمر بعينيه التي أحاطتها التجاعيد...قال بصوته الخافت بفعل العمر:
(هل تحتاجين لشيء يا ابنتي؟!...)

تلعثمت أكثر من مرة و لكنها قالت بسرعة:
(نعم...لا... أقصد نعم أحتاج مساعدته في شيء)

عقد العم "عادل" ما بين حاجبيه بدهشة فقال:
(يمكنكِ طلب ما تريدين مني أو من والدكِ...لماذا نصل لسكرتيره؟!)

عضت على شفتيها بقوة حتى كادت تنزف من شدة الترقب...همست بخفوت واهٍ تقول:
(أنا أحتاج مساعدته في بعض مسائل الرياضيات لأنه جيد بها كما عرفت...)

صمتت تلعن غباء كذبتها...أي مسائل هذه التي تتواصل بسببها مع سكرتير والدها...حمدت الله أن العم "عادل" صدق الأمر فقال:
(و الله يا ابنتي أريد أن أساعدكِ لكني لا أعرف رقم هاتفه...هل اسأل عنه؟!)

تنفست بصعوبة و هي ترى أول محاولة للوصول إلى هذا العريس المجهول تبوء بالفشل...قالت بحزن:
(لا شكراً لك يا عم "عادل"....)

بالطبع لن تسأله المزيد...فالعم "عادل" رجل طيب القلب و يحمل لوالدها جميل مساعدته من قبل...لذا فإن تقريرها اليومي يصل لوالدها عبر العم "عادل"... بالتأكيد لو تعمقت معه في طلب رقم السكرتير سيخبر والدها و سينتهي خلاصها من الزواج قبل أن يبدأ!...

توقفت السيارة أمام البوابة الحديدية التابعة لبيتها في الحي الراقي...ترجلت منها بيأس ثم توجهت إلى الباب...فتحت لها "كريمة" بعد لحظات و الحزن يخيم عينيها... همست "رُبى" بجزع لها:
(ماذا حدث يا "كريمة" وجهكِ حزين؟!...)

تنهدت الخادمة بحسرة و مرار فقالت:
(لا شيء آنسة "رُبى"...)

حملت منها الحقيبة ثم أفسحت لها مجالاً كي تصل إلى الداخل...فور دخولها للصالة الكبيرة في الدور الأرضي سمعت بعض الأصوات العالية و ربما صاخبة... و هذا حدث نادر الحدوث في بيتها الذي يسير بنظام و دقة من أجل والدها...عادت سريعًا للخلف تتشبث بذراع الخادمة تقول:
("كريمة" من بالداخل؟!...)

نظرت لها الخادمة نظرات متوترة مما ستقوله و من رد فعلها...قالت بصوت يائس و حزين:
(والدتكِ معها بعض المصممين الذين يجهزون لكِ...فستان العرس)

تصلب كفها فوق ذراع "كريمة"...غامت عيناها بخيط رفيع من الدموع...لقد كتبوا نهايتها و الآن يسعون لتحقيقها...لحظات و تحولت دموعها لنيران هوجاء جعلت الخادمة تقبض عليها بكلتا يديها تتوسل لها بصوت خافت:
(أرجوكِ يا آنسة "رُبى" تمهلي...لا تدخلي لهم و أنتِ منفعلة هكذا رجاءً ستسوء الأوضاع)

صاحت بصوتها الغاضب العالي دون الاهتمام لأحد:
(أي سوء؟... هل يوجد ما هو أسوء مما يفعلوه؟)

أسرعت إلى الصالة تهتف بكل المتواجدين بحدة فجة:
(للخارج جميعكم هيا...لا أريد أن أرى أحد أمامي أنا لن أتزوج هل تفهمون؟!!!)

أجفلت "رباب" على صوت ابنتها فانتفضت من مجلسها تطالع الجميع بأعين مصدومة...راقبت هيئة ابنتها التي دلت على انفجار وشيك و هذا ما حاولت توصيله لزوجها أن "رُبى" ليست "ريهام" و لن تخضع لهما أو تقبل ما لا تريد... حاولت لملمة الأمر بشيء من الرقي فقالت بهدوء زائف:
(عذرًا للجميع... ابنتي متوترة بسبب أجواء العرس القريب...)

اومأ لها معظم المتواجدين و بعضهم اتسعت عيناه من تقرير الابنة الصغرى و هو عدم قبولها هذا الزواج ... التفتت "رباب" تقول لابنتها برجاء خفي:
(حبيبتي اذهبي إلى غرفتكِ و ارتاحي قليلاً...تبدين مرهقة)

ضحكت "رُبى" بسخرية ثم صلبت طولها أمام الجميع لتقول بصوت مستهزأ:
(بالتأكيد مرهقة يا أمي...فالعروس عادت للتو من مدرستها)

تعالت الهمهمات بين المتواجدين مما جعل دقات قلب أمها تزداد و شعور أن الأمر سيُفضح بين الجميع يلوح في الأفق...همست لها بتوسل:
("رُبى" راقبي حديثكِ رجاءً...)

ابتسمت لها بسمة متهكمة ثم وزعت نظراتها على الأقمشة البيضاء الناعمة فوق الأرائك و على أرضية الصالة المغطاة بسجاد فاخر النوع...طالت نظرتها تجاه هيكل غير مكتمل لفستان العرس...رغم رونق و جمال اللون الأبيض...رغم السعادة التي تدق قلب أي فتاة حينما تطالع فستان الزفاف...رغم الفرحة التي تشع في قلب أي عروس...هي تشعر بالخوف و القرف...تشعر أنه قماش كفنها و ليس عرسها... بحق الله أي عرس هذا الذي كُتب عليها جبرًا؟!... عادت تنظر لوالدتها مرة أخرى تتشدق بكلمات متوترة رغم كم الغضب بها:
(أمي أنا لن أتزوج...لن أفعل أبداً)



لملم المصممون أدواتهم في حرج من الموقف برمته...ثم استعد رئيسهم ليقف أمام "رباب" يقول ببسمة عملية:
(لا بأس سيدة "رباب" لقد مر علينا الكثير مثل هذه المواقف...العروس دومًا ترتعب قبل العرس هذا شيء مسلم به)

احتدت نظرة "رُبى" و هي تتابع لملمة أدواتهم...لم تهتم بالسيل الجارف الغاضب من عين والدتها و التي استطاعت "كريمة" سحبها بعيدا لتهدئة الموقف...استعدت "رُبى" لتصعد للغرفة بعدما أفرغت شحنة غضب مكبوت بداخلها...لكنها تسمرت حينما سمعت همهمة إحدى العاملات تهمس لصديقتها بتعجب:
(لقد أخبرتكِ سرعتهم في إقامة حفل العرس يدل على خطبًا ما)

همست الأخرى بخفوت:
(و الله معكِ حق لقد سمعت أن العريس هو "أحمد النجار" صاحب شركة "النجار" التي سقطت قبل أيام في سوق البورصة...ما الذي يدفع شاب مثله للزواج من طالبة في زي المدرسة؟!)

نظرت الاولى في كل اتجاه ثم قالت:
(ليس لنا دخل...الله ستار على عباده)
لم تعبأ لأي كلمة قيلت أو نية خبيثة توارت خلف هذا الحديث بعدما التقطت أذنها اسمه..."أحمد النجار" و اخيرا وصلت لطرف الخيط و عليها فكه بكل قوتها من حول رقبتها...


.......................................

(الوضع بات صعبًا يا "هاشم"... ابنتك لن تقبل هذا الزواج)
بداخل غرفة نومهما وقفت "رباب" خلف زوجها الذي سحبته فور وصوله من العمل هنا...قصت عليه كل ما حدث و رد فعل ابنتهما...

نزع سترته بحدة ثم القاها فوق السرير قائلاً بغضب:
(العرس بعد أيام و لن يتغير شيء...الشاب رائع و قد طلبها للزواج و أنا قبلت...أم تتوقعين أنني أعطي ابنتي لأيًا كان؟!!)

شددت بيدها فوق رأسها و كأنها تريد اقتلاع بصيلات شعرها...تراجعت بوهن حتى استقرت فوق السرير و صدر صوتها الضعيف تقول:
(و "معاذ" ابن أخي شخص رائع أيضاً لكن أنظر أي حياة عاشها مع ابنتنا...)

هتف بحدة رافضًا التمادي في هذا الحديث:
(استقرت حياتهما الآن لذا لا بأس ...)

هدرت بصوتها المستنكر:
(هل تعتقد أن هذا الاستقرار المزعوم حقيقيًا؟!... أنا أشعر أن ابنتي و زوجها لا زالا يعانيان..)

جلس جوارها فوق السرير يربت فوق فخذها بتعب:
(أنا لا أفرط في بناتي يا "رباب"...اقسم لكِ أنني أزوجهما لمن يصونهما)

تنهدت بضعف تقول:
(أعرف نيتك يا "هاشم" كما أعرف أنك لا تخطي خطوة إلا إذا كان وراءها مكسب)

تأفف بصوت عالٍ قائلاً بضجر:
("رباب" أنا أسعى لراحتكم جميعاً ...)

امسكت كفه بتوسل تقول:
(ارجوك يا "هاشم" أوقف كل هذا... ستضيع منا ابنتنا هذا الرجل ليس "معاذ" ابن أخي ليحتوي ابنتنا لا نعرف في أي بيت ستعيش وسط أي ناس...أتوسل لخالقك أنهي هذا كله قبل أن يقلب حياتنا لكابوس لا صحوة منه...)

وقف مسرعًا من فوق السرير و كأنه يرفض سماع هذه الكلمات تحديدا...هو متأكد أن ما يفعله يصب في مصلحة الجميع و لن يخرج أحد خاسرا...
(لا تشتتي عقلكِ يا "رباب" في أمور سوف تحدث في مستقبل لا يعلمه إلا الله...دعي كل شيء يسير كما هو مقدر له)

سقطت رأسها بيأس تردد بخفوت متعب:
(لله الأمر من قبل و من بعد...)


رفعت أذنها من فوق باب غرفة والديها...بعدما كانت تتنصت عليهما لأول مرة متخلية عن تربيتها و قيمها التي نشأت عليها...لكن هي في أمر يحق لها فعل أي شيء فيه لتنجو بنفسها...شعرت بحركة في مقبض الباب لذا أسرعت تجري في الممر الكبير تختبأ خلف فازة كبيرة الحجم...
خرج والداها من غرفتهما لينزلا لتناول الغداء...تنفست الصعداء و بخطوات حذرة اقتربت من غرفتهما...أمسكت المقبض بيد مرتعشة و ضربات قلب صاخبة...ستفعلها لأول مرة وتقتحم غرفتهما دون إذن و هما خارجها...اغمضت عينيها ثم همست لنفسها:
(هيا يا ابنتي علينا فعلها...)

دخلت الغرفة و عيناها تنقب بجدية عن شيء معين...والدها شديد الترتيب و النظام و هذا سيسهل عليها البحث...تقدمت من الطاولة بجوار السرير ثم مدت يدها تقلب في الأشياء بقلة صبر...اتسعت بسمتها حينما لمست بيدها الهاتف النقال...أخيرا وصلت له بعد كل شيء...فتحته بيد مهتزة من التوتر و عيناها تراقب الباب كل ثانية...قلبت في قائمة الأسماء حتى كاد الصبر أن ينفذ و الخطة تنتهي بالفشل الذريع.. لكن اسمه الذي ظهر منيرًا فوق شاشة الهاتف كنجم الفرقد الذي يهدي الناس في ظلمة القطب الشمالي...لم تكن تعرف أن وصولها له سيجعلها ترتج من داخلها بهذا الشكل...و كأنه ينبع من أعماقها خليط من الحماس و الترقب و الخوف ...أخرجت هاتفها من جيب منامتها الرياضية بسرعة بينما عيناها تراقب الباب...بأصابع مرتعشة سجلت الرقم عليه و لكن صوت "كريمة" جاء فجأة جعلها تجفل و أوشك هاتف والدها على السقوط...اسرعت تضعه في مكانه بحرص و خرجت تراقب الأجواء...

وجدت الخادمة تبحث عنها في الممر عندما لم تجدها في غرفتها...وقفت خلفها ثم قالت بهدوء:
(أنا هنا يا "كريمة"...)

التفتت لها تطالعها بحزن قائلة:
(ينتظرونكِ على الغداء...)

اومأت لها قائلة:
(حسنا اسبقيني للأسفل و أنا سأنزل بعد قليل...)

ربتت "كريمة" فوق كتفها تقول:
(لا تحزني ربكِ كريم...لا تتأخري كثيرا حتى لا يغضب والدكِ...)

راقبت ابتعاد "كريمة" عنها ثم اسرعت إلى غرفتها تنفذ الخطوة التي تعتقد أنها خلاصها من كل هذا...سحبت نفسًا عميقًا تهدأ خوفها الكامن بصدرها ثم زفرته دفعة واحدة مع ضغطة فوق الشاشة لتعلن عن اتصالها به.....
قلق...ترقب...توتر...خوف و....رنين لا ينتهي........

.....................................

وقفت قبالته بجسدها الممشوق داخل حلة عملية رسمية تفصل جسدها بحرفية كبيرة...شعرها الأشقر منسدل فوق كتفيها بحرية أعطتها مظهر محبب للنظر...تخصرت بضجر بينما تراقبه منكبًا على أكثر من ملف ينهي كل ما فيه كي يستعد لشراكة كبيرة ستنتشل شركته من الفقر...صدر صوتها الحانق يقطع عنه تركيزه فقالت:
(لا أعرف كيف توافق مجموعة الشركات هذه على شراكتنا دون شروط!...)

رفع عينيه البنية الغامقة يرمقها بنظرة تعرفها جيدًا...نظرة تطلب منها الصمت كي يتابع ما يفعله...زفرت بحدة تقول:
(لن اصمت هذه المرة يا "أحمد" من حقي على الأقل كسكرتيرتك أن أعرف كيف ستتم هذه الشراكة!)

ألقى القلم من يده فوق سطح المكتب ثم عاد بظهره للخلف لتبرز عضلات صدره من القميص الأبيض...قال بهدوء و ارهاق بادي على صوته:
(لقد أخبرتكِ يا "سارة" هذه الشراكة ستعتمد على سمعتنا في السوق بغض النظر عما وصل إليه حالنا الآن ...)

عقدت حاجبيها بتعجب تقول بحنكة عملية مشهورة بها:
(أي سمعة هذه التي تتحدث عنها...في مجال رجال الأعمال المال هو اللسان المتكلم و ليست السمعة )

جلست فوق الكرسي المقابل له و شردت في الفراغ أمامها تقول بملامح متخوفة:
(أخشى أن ندخل في مصيدة حاكوها لنا...)

تنهد "أحمد" و فرك عينيه بتعب يقول:
(ارتاحي قليلاً فأنا درست الوضع جيدا...)

تابعت حركته المتعبة ثم وقفت لتتجه إليه تقول بلهجة ناعمة:
(أنت متعب للغاية... أترك العمل و تعال نتناول الغداء بالخارج)


انتفضت عضلات جسده حينما لامست كتفه بأصابعها الطويلة...اعتدل في كرسيه يبتعد عنها قليلاً ثم قال:
(لا...أنا سأنهي هذه الملفات ثم أعود للبيت...عليكِ الرحيل لقد تأخر الوقت بالفعل)

ابتعدت عنه حتى وصلت إلى كرسيها ثم أمسكته تهزه بينما عيناها ترمقه بتعجب...متيقنة من وجود خطبًا ما يحدث معه...قالت بدلال:
(لا يهم تأخر الوقت أنا لن أتركك في هذه الحالة)

رفع بصره لها ثم تنهد بتعب يقول:
("سارة" لا تتعبيني معكِ هل أنا طفل صغير كي تبقي معي؟!... هيا إلى البيت)

تأففت بصوت عالٍ ثم انحنت تحمل حقيبتها فوق ذراعها...لوحت له بالوداع و خرجت من باب المكتب لتتركه بمفرده....

أراح رأسه على كرسيه ينظر في سقف الغرفة و الهم يثقل عزمه...لا يعرف كيف عليه نشر خبر زواجه المزعوم...و كيف سيقولها ل "سارة"... وقف يتجه إلى نافذة المكتب الزجاجية المطلة على الشارع العام...زفر بإرهاق يطالع الأنوار المنطلقة بسرعة بفعل سرعة سيارتها... "سارة" حتى الآن لا يعرف موقعها من الإعراب في حياته...هل هي سكرتيرته أم حبيبته أم خطيبته؟!... وجودها معه طوال الوقت و فهمها له و قربها منه الذي دفع بداخلها شعور أنه خطيبته بالفعل...أما هو لا يمانع لا يصدر أي قرار بشأنهما معًا ... و كأنه يسلم بحقيقة ترابطهما الغير موجود حتى الآن!... لكن لا يريد أن يخبرها بخطوته التي لا يعرف بشأنها سوى عائلته...تكالبت عليه الأفكار و قيدت حرية تفكيره مما دفعه لإسناد رأسه بتعب فوق زجاج النافذة... أغمض عينيه يلجأ للسكون متمنياً أن ينتهي هذا الكابوس...

فوق مكتبه اضاء رقم غريب شاشة هاتفه و لكنه على وضع الصامت...ضوء جاء يشق تعنت قرار مصيري وضعا به معًا...ضوء شق عتمة الترقب في القلب ليمد له يد المساعدة التي ينشدها كل منهما...ضوء بسبب كثرة همومه لم يلحظه و تركه حتى خفت و تلاشى في ظلمة فضاء واسع تهيم به روحيهما المكبلة.....

عاد إلى بيته ليقابل وجه والدته الحزين منذ علمت قراره...ترك حقيبته جانبًا ثم مال على خدها يطبع قبلة حانية... رغم ما تشعره من رفض رفعت يدها تربت فوق ظهره بحنان و تضامن...همست بجوار أذنه لعلّه يثني عن قراره:
(غيّر رأيك يا بني و صدقتي سنجد حلاً غير هذا...)

أغمض عينيه فوق كتفها يريح الصخب بداخله... اعتدل يقبل جبهتها قائلا ببسمة صغيرة:
(لقد وقعت عقد الشراكة بيننا اليوم يا أمي...)

اغلقت عينيها بيأس ثم همست تقول:
(لماذا يا "أحمد" هذا التسرع؟... لن نبيت في الشارع غداً!!)

أمسك كفيها معًا لتستقر داخل كفيه الرجوليين العريضين...قبض عليهما بحنان يقول:
(لماذا هذا الخوف يا أمي...عليها هي أن تخشى دخول عائلة غير عائلتها و ليس أنا)

تحولت ملامحها إلى الكره ثم قالت بحدة:
(و هل تعتقد أنها مجبرة على الزواج مثلك؟!...بالتأكيد متفقة هي مع والدها و ربما الخطة من وضعها)

ضحك بخفوت مرير لها يقول:
(أشعر كأني فتاة يوضع من أجلي الخطط كي أسقط في شباك العرائس...أنا رجل يا أمي و الزواج بهذه الطريقة أو غيرها لن يؤثر في حياتي)

رفعت كفها إلى وجهه القمحي تلمس على لحيته النامية باستحياء بحنان كبير ...قالت بحب:
(بل أنت مطمع لكل الناس يا حبيبي...كما أني أعرف أنك شخص يقدس المشاعر و العلاقات فلا تمثل علي أنا تحديدا أنك لا تبالي...)

لثم وجهها بمشاغبة طفيفة ثم قال بينما ينزع سترته:
(أنا حقًا هذه المرة لا أبالي...أمي هذه الزيجة هي مجرد ورقة تحمي شركتنا و ننهي بها وضعنا حتى نستقر على بر آمن...)

وصلت المربية "حنان" إليهما تشغل بسمتها المحبة مساحة وجهها بالكامل...تقدمت منه تحمل سترته مما جعله يرفع ذراعه إليها و يحتويها أسفله قائلا بحب:
(لا يوجد في هذا البيت من يبارك ليّ سواكِ أنتِ يا "حنان"... )

نظرت له بحزن خيم على عينيها لكنها آثرت الابتسام فقالت:
(مبارك لك يا حبيبي...جعلها الله زيجة العمر التي لا تندم عليها أبدا)

اتسعت عينا "سوزان" تقول برفض:
(لا يا "حنان" لا تدعي بمثل هذا الدعاء...إنها مصيبة كُتبت عليه و أنتِ تتمنين استمرارها طوال العمر!)

تنهدت "حنان" تشعر بالثقل الذي يجثو على قلب "أحمد" لكنها ابتسمت كي تزيح عنه شقاء قراره:
(لا نعرف بعد يا سيدة "سوزان" ما كُتب لنا...سيعوضه الله خيرا )

راقبهما بعينيه المثقلة بالاختناق لكنه قال بمرح زائف:
(حسنا يا سيداتي أنا جائع أليس هناك طعام اليوم؟!)

ابتسمت والدته تقول له:
(أدخل يا حبيبي فاليوم أعدت لك "حنان" طعامك المفضل...)

ابتسم لها تحت ذراعه ثم قال بشكر:
(الله اشتقت كثيرا لتذوق محشو ورق العنب من يديكِ يا "حنان"...)

سحبت سترته ببسمة و شعور بالرضا يجتاحها أنها على الأقل تمنحه الفرحة ولو بشيء بسيط...قالت بينما تربت على كتفه:
(بالهناء حبيبي...هيا اغسل يديك و اتجه للسفرة حالما اسكب الطعام)


اومأ لها ببسمة و تركهما مسرعا متأهبًا لتناول ما يحب...نظرت كل منهما للأخرى نظرات حزينة عليه و تنهدتا بلا صوت كي لا يحملانه فوق طاقته...ربتت "حنان" على ذراع "سوزان" مواسية لها ثم اتجهت إلى المطبخ....

وقفت تضع الطعام في الأطباق المخصصة له حتى تخرجه إلى السفرة...وضعت كل حبها و مشاعرها في هذا الطعام علّه يخفف وطأة ما يعيشه أهل هذا البيت...لدرجة أنها دخلت بسترته المطبخ دون أن تنتبه لذلك...وضعتها فوق ظهر الكرسي الخشبي لطاولة المطبخ مما جعل الجيب الداخلي لها ظاهرا للعين... أثناء سكبها للطعام لاحظت الضوء القادم من جيب سترته الداخلي...تركت ما بيدها و اتجهت له لتخرج هاتفه النقال و تقرأ الرقم الغريب عليه...صمت الهاتف فجأة مما جعلها تعاود إلى طعامها...ثواني و صدر الضوء ثانيةً مما جعلها تفتح الخط بسرعة لتعرف هوية المتصل حتى يخرج "أحمد" من الحمام....
(مرحباً من معي؟!...)

ابعدت "رُبى" الهاتف عن اذنها تنظر له بتعجب...الرقم هو الذي سجلته من هاتف والدها...عاودت تضعه مرة أخرى ثم قالت بخفوت:
(مرحباً أليس هذا رقم "أحمد النجار"؟!)

تعجبت "حنان" من صوت المتصلة...تبدو كفتاة في مقتبل العمر إن لم تكن مجرد فتاة صغيرة...قالت بهدوء:
(نعم هو بالفعل لكنه مشغول الآن...من أنتِ كي أخبره؟)

تلعثمت "رُبى" و بدأ التوتر يحتلها...قالت بعد مدة قصيرة:
(رجاءً أخبريه أهمية معاودة الاتصال بهذا الرقم لأمر هام...)

عقدت "حنان" حاجبيها بتعجب فقالت بسرعة:
(عفوًا لكن أي أمر هذا الذي .....)

قطعت جملتها حينما سمعت صوت الصافرة تعلن عن انقطاع الخط... ابعدت الهاتف عن أذنها بدهشة ثم عادت لتحمل الأطباق و في نيتها أن تخبره بهذا الاتصال الغريب ....

.......................................

دست الهاتف بين كتبها فوق السرير حينما سمعت دقات على باب غرفتها...دخلت "كريمة" تحمل معها كوبًا من اللبن الدافئ تعطيه لها...قالت "رُبى" بتقزز:
(عودي به إلى المطبخ يا "كريمة" أنا لا أحب الألبان أو مشتقاتها!!)

وضعت "كريمة" الكوب فوق الطاولة المجاورة للسرير تقول بهدوء:
(اللبن سيرخي أعصابكِ و يساعدكِ على النوم قريرة العين....)

صدح صوتها الغاضب تقول:
(أي نوم و أي سكينة و أنا أعاني بسبب قرارهم؟!)

اسرعت "كريمة" تضع يدها فوق فمها تكتم باقي الحديث...ترجتها تقول:
(اصمتي رجاءً والدكِ لو سمعكِ ستحدث مصيبة)

حاولت كثيرا حتى نجحت في إفلات فمها من قبضة الخادمة...قالت بحدة:
(يسمع من يسمع أنا لن أتزوج...لن أتزوج هل هي صعبة لهذه الدرجة كي تفهموها؟!!)

ربتت "كريمة" فوق صدرها بتوسل تقول:
(حسنا أهدأي و سأخذ اللبن معي...لكن رجاءً دعي الليلة تفوت على خير فالجو مشحون بين والديكِ)

زفرت بحدة مرهقة ثم قالت بخفوت متعب:
(اتركيني بالله عليكِ يا "كريمة"... أريد أن أبقى بمفردي)

حملت الكوب و اتجهت إلى باب الغرفة تدعي الله أن ينتهي هذا الوضع على خير...
نظرت "رُبى" إلى هاتفها برجاء أن يعاود الاتصال بها كي تطلب منه تركها وشأنها للأبد....


بعد منتصف الليل....

ارتمى فوق سريره بمنامته البيتية يسرح في سقف غرفته يفكر بهدوء في خطواته التالية... سمع طرقًا على بابه فعقد حاجبيه بتعجب ثم استقام يتجه إليه...فتحه لتظهر "حنان" بملابس نومها البسيطة تقول له بصوت ناعس:
(الحمد لله أنك مستيقظ...)

اقترب منها يقول بترقب:
(ماذا هناك؟!)

ربتت فوق كتفه قائلة:
(لا تخف...فقط عند الغداء اتصلت فتاة بك و طلبت محادثتك و أنا نسيت الأمر تماما ...)

قال بدهشة:
(فتاة!!!...)

لاحظ تثائبها فقال بحنان:
(حسنا سأرى هاتفي...اذهبي للنوم )

ابتسمت له تقول:
(تصبح على خير يا حبيبي)
بادلها التحية ثم اغلق بابه و اتجه إلى هاتفه بحاجبين معقودين بدهشة...فتش به فوجد رقم غريب قد حاول التواصل معه مرات عديدة...جلس فوق سريره بعدما ضغط اتصال و وضعه فوق أذنه...


تتقلب في سريرها بعدما جفاها النوم...تنظر إلى هاتفها برجاء لم ينقطع...تسمرت حينما صدر الضوء بعدما كتمت الصوت...اعتدلت بسرعة تقرأ ارقامه التي حفظتها عن ظهر قلب في وقت قصير...كيف لا وهي أرقام نجاتها...ضربات قلبها زادت بشكل مبالغ به فهي على وشك نيل الحرية...فتحت الخط بلهفة و خوف في نفس اللحظة...تجمدت حينما وصلها صوته الرزين المسيطر عليه النوم يقول بهدوء:
(مرحباً هذا الرقم اتصل بيّ من قبل...من معي؟)

وقفت من فوق سريرها لا تعرف ماذا تقول؟!... كيف ستبدأ الكلام؟!... رغم أنها جهزت له الكثير منه لكنه تبخر!... عاود يسأل مجددا بهدوء:
(هل لا زلتِ معي؟!...)

همست بخفوت خائف كلمة واحدة:
(أنا....)

ارتفع حاجبه بدهشة كبيرة حينما صدرت صافرة انقطاع الاتصال!!!... حدق في هاتفه طويلاً ثم القاه جانبا ليعاود النوم يغمغم بتعجب:
(هل أصبحت الفتيات تعاكس عبر الهاتف أم ماذا؟!)

وضعت هاتفها خلف ظهرها حينما فتح والدها الباب فجأة...لقد سمع صوت حركة و تبعه همهمة من غرفتها في وقت يجب أن تكون قد نامت به...دخل "هاشم" ينظر لها بشك فقال:
(لماذا أنتِ مستيقظة حتى الآن؟!)

تلعثمت تقول:
(لا شيء فقط أرق...)

ضيق عينيه غير مقتنع بما تقول فتقدم منها ينظر ليدها خلف ظهرها:
(ما بها يدكِ...)

ابتلعت ريقها بصعوبة بالغة تقول:
(لا شيء...)

وقف قربها ثم مد يده بالقوة ليسحب يدها التي تحمل الهاتف...فتح الشاشة ليجدها قد اتصلت برقم غير مسجل عليه...عيناه احتقنت بشدة يقول بلهجة خطرة:
(من تحادثين في منتصف الليل؟!)

همست بترقب:
(صديقتي...)

متأكد من كذبها فهو يعرف ابنته جيدا...نظر للرقم مجددا يشعر أنه يعرفه...أخرج هاتفه يتأكد من ظنونه...اتسعت عيناه بقوة يقول بصوت غاضب:
("أحمد النجار"!!!!... ماذا قولتي له؟!)

ابتعدت عنه تقول بخوف:
(لم ألحق قول كلمة واحدة...)

هتف بوعيد:
(احمدي الله أنكِ لم تفعلي...هذا الهاتف أنسيه و العرس سيحدث في ميعاده و لا أريد جدال)

تركها واتجه إلى الباب رغم تردده في العودة لها عندما سمع صوتها المهدد بالبكاء:
(أبي رجاءً لا تفعل...لا تزوجني)

لكنه عاند و خرج يصفق الباب بقوة...
تجولت بعينيها في أرجاء غرفتها و هي تقضم اظافرها بغضب...نظرت تحديدا إلى دولابها و قد بردت أوصالها من الفكرة التي واتتها...شحب وجهها و هي تتقدم منه تنوي وضعهم أمام الأمر الواقع....

عند الفجر....
بعدما أخبرها زوجها بما كانت تنوي ابنتهما فعله...لم تنم كانت تتأكل بنيران الخوف عليها...بعدما صلت الفجر اتجهت إلى غرفتها تطمئن عليها...دخلت لتجد الغرفة فارغة...نادت عليها بخفوت كي لا تجذب نظر زوجها... فتحت باب الحمام الخاص بها فلم تجدها أيضاً...ضرب الرعب خلاياها و كأنها قرأت ما فعلته ابنتها فاقتربت من دولابها تفتحه...اتسعت عيناها برعب حينما تأكدت من فعلتها...لقد حملت ثيابها و هربت...

هتفت بخفوت مرتعد على صغيرتها:
(يا مصيبتي...يا مصيبتي)

فتحت هاتفها تتصل به هو الوحيد القادر على مساعدتها قبل أن يعرف "هاشم" بما حدث...
("معاذ" تعال فوراً..."رُبى" هربت)


قراءة ممتعة....
ألقاكم الفصل القادم...


AyahAhmed متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 22-09-19, 01:45 AM   #10

ام زياد محمود
عضو ذهبي
 
الصورة الرمزية ام زياد محمود

? العضوٌ?ھہ » 371798
?  التسِجيلٌ » May 2016
? مشَارَ?اتْي » 3,248
?  نُقآطِيْ » ام زياد محمود has a reputation beyond reputeام زياد محمود has a reputation beyond reputeام زياد محمود has a reputation beyond reputeام زياد محمود has a reputation beyond reputeام زياد محمود has a reputation beyond reputeام زياد محمود has a reputation beyond reputeام زياد محمود has a reputation beyond reputeام زياد محمود has a reputation beyond reputeام زياد محمود has a reputation beyond reputeام زياد محمود has a reputation beyond reputeام زياد محمود has a reputation beyond repute
افتراضي

السلام عليكم
الف مبروك نزول الرواية ياقمر

واضح انها هتبقى رواية مميزه ان شاء الله

ماشاء الله اسلوبك ولغتك حلوين جدا

المقدمة فى منتهى الجمال

وعرض صدمة لأحمد اللى بين شقى الرحى
هل يوافق على عرض هاشم عشان ينقذ الشركة
ولا يستسلم ويعلن افلاسه
ليا عودة لقرأة الباقى ان شاء الله


ام زياد محمود غير متواجد حالياً  
التوقيع

رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة

الانتقال السريع


الساعة الآن 09:29 AM



Powered by vBulletin® Version 3.8.9
Copyright ©2000 - 2019, vBulletin Solutions, Inc.